← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 13441–13480 · переход к 13446.

стр. 13441

ليس في شريعتنا جواز إتيان الدبر [السُّؤَالُ] ـ[أرجو مساعدتي في معرفة الصواب، في البخاري الحديث رقم (٤١٧٠) و (٤١٧١) إن الإتيان في الدبر حلال، وموقعكم يقول إنه حرام، فما هو الصواب؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه أولاً: الأحاديث الصحيحة التي جاءت في تحريم إتيان الزوجة في الدبر كثيرة، فمن ذلك: ١- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ رواه أبو داود (٣٩٠٤) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. ٢- وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ) رواه الترمذي (١١٦٥) وصححه ابن دقيق العيد في "الإلمام" (٢/٦٦٠) ، والألباني في صحيح الترمذي. ٣- وعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ) رواه ابن ماجه (١٩٢٤) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه. والأحاديث في ذلك كثيرة، حتى قال الطحاوي ﵀ في "شرح معاني الآثار" (٣/٤٣) : "جاءت الآثار متواترة بذلك " انتهى. ولذلك كانت كلمة العلماء على الأخذ بهذه الأحاديث. قال الماوردي رحمه الله تعالى في "الحاوي" (٩/٣١٩) : " لأنه إجماع الصحابة: روي ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء " انتهى. وجاء في "المغني" (٧/٣٢) : " ولا يحل وطء الزوجة في الدبر في قول أكثر أهل العلم: منهم علي وعبد الله وأبو الدرداء وابن عباس وعبد الله بن عمرو وأبو هريرة، وبه قال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن ومجاهد وعكرمة والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر " وقد سبق في موقعنا بيان ذلك بشيء من التفصيل، فانظر إجابات الأسئلة: (١١٠٣) ، (٥٢٨٠٣) . ثانياً: يتوهم بعض الناس جواز إتيان المرأة في دبرها، ويفهمون من قول الله تعالى: (نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) البقرة/٢٢٣، أن الله سبحانه أباح في هذه الآية كل شيء، حتى الوطء في الدبر، وقد يتأكد هذا الوهم عندهم إذا قرؤوا الحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه – ولعله الحديث الذي قصده السائل - والذي فيه: عن جابر ﵁ قال: كَانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: إِذَا جَامَعَهَا مِن وَرَائِهَا جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَل فنزلت (نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) . وهذا فهم خاطئ للآية، فإن قوله تعالى: (فأتوا حرثكم أنى شئتم) يعني إباحة أحوال وأوضاع الجماع المختلفة، إذا كانت في موضع الحرث: وهو الفرج، وليس الدبر، فيجوز أن يأتي الرجل زوجته من الخلف أو الأمام أو على جنب إذا كان ذلك في موضع الحرث، وليس الدبر. ودليل ذلك أن رواية مسلم برقم (١٤٣٥) لحديث جابر السابق في سبب نزول الآية فيها: (إِنْ شَاءَ مُجَبِّيَةً، وَإِنْ شَاءَ غَيْرَ مُجَبِّيَةٍ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ) . (مُجَبِّيَةً) : أي: منكبة على وجهها، كهيئة السجود. (في صمام واحد) : هو القبل. وفي رواية أبي داود للحديث نفسه برقم (٢١٦٣) : عن محمد بن المنكدر قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: إِنَّ الْيَهُودَ يَقُولُونَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ فِي فَرْجِهَا مِنْ وَرَائِهَا كَانَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ : (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) . وفي سنن الترمذي (٢٩٨٠) وحسنه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكْتُ. قَالَ: وَمَا أَهْلَكَكَ؟! قَالَ: حَوَّلْتُ رَحْلِي اللَّيْلَةَ. قَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، قَالَ: فَأُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ، وَاتَّقِ الدُّبُرَ وَالْحَيْضَةَ. حسنه الألباني في صحيح الترمذي. فهذه الأحاديث والروايات توضح المقصود من الآية، فلا يجوز لمسلم أن يتجاوز ذلك إلى فهمه الذي لا يدل عليه الأثر ولا اللغة. قال ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" (٤/٢٦١) : " وقد دلت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين: أحدهما أنه أباح إتيانها في الحرث، وهو موضع الولد، لا في الحُش الذي هو موضع الأذى، وموضع الحرث هو المراد من قوله: (من حيث أمركم الله) الوجه الثاني: أنه قال: (أنى شئتم) أي: من أين شئتم: من أمام أو من خلف. ال ابن عباس: (فأتوا حرثكم) يعني: الفرج " انتهى بتصرف. ثالثاً: ولعل السائل يعني أيضا ما رواه البخاري عن نافع عن ابن عمر ﵄: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) قال: يأتيها في. . . قال ابن حجر في "فتح الباري" (٨/١٨٩) : " هكذا وقع في جميع النسخ، لم يذكر ما بعد الظرف وهو المجرور " انتهى. ثم ذكر ما جاء من بعض الروايات خارج صحيح البخاري أن ابن عمر قال: يأتيها في دبرها. وقد أجاب عن ذلك أهل العلم بجوابين: الأول: أنه حصل خطأ من بعض الرواة عن ابن عمر، وأنهم فهموا منه جواز إتيان الدبر، وهو إنما كان يحكي جواز إتيان المرأة في قبلها من خلفها، بدليل ما جاء من طرق صحيحة عنه أنه كان يرى حرمة إتيان الزوجة في دبرها، فقد روى النسائي في "السنن الكبرى" (٥/٣١٥) بسند صحيح أن ابن عمر سئل عنه فقال: أو يفعل ذلك مسلم؟! قال ابن القيم ﵀ في "تهذيب السنن" (٦/١٤٢) : " فقد صح عن ابن عمر أنه فسر الآية بالإتيان في الفرج من ناحية الدبر،وهو الذي رواه عنه نافع، وأخطأ من أخطأ على نافع فتوهم أن الدبر محل للوطء لا طريق إلى وطء الفرج، فوقع الاشتباه في كون الدبر طريقا إلى موضع الوطء أو هو مأتى، واشتبه على من اشتبه عليه معنى (من) بمعنى (في) فوقع الوهم " انتهى. الجواب الثاني: أنه اجتهاد من ابن عمر ﵄ في فهم الآية، وقد دلت السنة، وأقوال سائر الصحابة، أنه اجتهاد مجانب للصواب، وقد روى أبو داود برقم (٢١٦٤) وحسنه الألباني في صحيح أبي داود عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ - وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ - أَوْهَمَ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ - وَهُمْ أَهْلُ وَثَنٍ - مَعَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ يَهُودَ - وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ -، وَكَانُوا يَرَوْنَ لَهُمْ فَضْلًا عَلَيْهِمْ فِي الْعِلْمِ، فَكَانُوا يَقْتَدُونَ بِكَثِيرٍ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَأْتُوا النِّسَاءَ إِلَّا عَلَى حَرْفٍ، وَذَلِكَ أَسْتَرُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ، فَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَدْ أَخَذُوا بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ يَشْرَحُونَ النِّسَاءَ شَرْحًا مُنْكَرًا، وَيَتَلَذَّذُونَ مِنْهُنَّ مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ،فَذَهَبَ يَصْنَعُ بِهَا ذَلِكَ فَأَنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: إِنَّمَا كُنَّا نُؤْتَى عَلَى حَرْفٍ، فَاصْنَعْ ذَلِكَ وَإِلَّا فَاجْتَنِبْنِي. حَتَّى شَرِيَ أَمْرُهُمَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) أَيْ: مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ، يَعْنِي بِذَلِكَ مَوْضِعَ الْوَلَدِ. وهذا قد يؤيد أن ابن عمر كان يقول بجواز الإتيان في الدبر، فلعله رجع إلى الصواب، بعد أن بَيَّن له ابن عباس أو غيره سبب نزول الآية ومعناها الصحيح، ولذلك ثبت عنه – كما تقدم – أنه كان يقول بتحريمه، ويقول: أو يفعل ذلك مسلم!! والحاصل أن شريعتنا جاءت بتحريم هذا الفعل، وليس فيها شيء يدل على جوازه، ومن ظن في شيء من الكتاب أو السنة ما يدل عليه فقد أخطأ وأوهم. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13442

العمل في مجال إنتاج أفلام فيها حفلات أعراس وحكم تأجيرها [السُّؤَالُ] ـ[يعمل أخي الأصغر في مجالات تتعلق بالكمبيوتر ويقوم بإدخال تعديلات غير خطية (Non-Linear editing) على الفيديو وهو يعمل لحساب شركة تتخصص في تصوير فيديو الشركات والأفراح، وهو يعد أقراص (DVD) لهذه التسجيلات، وسؤالي هو: بما أن عمل المذكور يتعلق بالفيديو فهل دخله حلال؟ ثانياً: يرغب أخي الأكبر في فتح محل لتأجير (أشرطة) الفيديو، فهل عمله مباح؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله التصوير بالفيديو منه ما هو مباح ومنه ما هو حرام، فإن كان تصويراً لأشياء طبيعية كالجبال والأشجار والأنهار: فهو مباح، وإن كان تصويراً للنساء أو الأعراس المختلطة أو الأغاني المصورة: فهو حرام، وإذا كان كذلك فهو حرام على من باشر التصوير وعلى من أنتج الفيلم وهيأه للنشر، وعلى من باعه وعلى من اشتراه. والزوجة في العرس تكون في كامل زينتها، وهكذا النساء اللواتي يحضرن حفلها، والنظر إليهن من الرجال الأجانب محرَّم سواء نظروا إليهن مباشرة أو عن طريق الصورة أو الفيلم، والاختلاط الذي يكون في الأفراح – أيضاً – محرَّم وهو منكر يجب إنكاره، فكيف يجوز تصويره وتهيئته لأن ينظر إليه من فاتته الحفلة؟! وهكذا يقال في غيره من المحرمات التي تكون في الأعراس مثل الرقص والموسيقى. قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: ومِن الأمور المنكرة التي استحدثها الناس في هذا الزمان: وضع منصة للعروس بين النساء ويجلس إليها زوجها بحضرة النساء السافرات المتبرجات، وربما حضر معه غيره من أقاربه وأقاربها من الرجال، ولا يخفى على ذوي الفطرة السليمة والغيرة الدينية ما في هذا العمل من الفساد الكبير، وتمكن الرجال الأجانب من مشاهدة الفاتنات المتبرجات، وما يترتب على ذلك من العواقب الوخيمة، فالواجب منع ذلك والقضاء عليه حسما لأسباب الفتنة وصيانة للمجتمعات النسائية مما يخالف الشرع المطهر. " الرسائل والأجوبة النسائية " (ص ٤٤) . وقد سبق في جواب السؤال (١٠٧٩١) : " من المنكرات التي تقع في الأفراح تصوير النساء، وهو محرم سواء كان هذا التصوير بواسطة الفيديو، أو كان بآلة التصوير، والتصوير بالفيديو أشد قبحاً وإثماً ". وفي جواب السؤال رقم (٣٢٧٥٢) : " الأشرطة المرئية والمسموعة إذا خلت من الحرام: أبيح سماعها، ورؤيتها، وبيعها، وشراؤها، والمقصود بالحرام: أن تكون مشتملة على خنا أو فجور أو موسيقى أو صور نساء سافرات، وكذا لو اشتملت على كفر أو بدعة إلا لمن كانت نيته الرد على ما فيها، وكان أهلا لذلك ". فنأمل الرجوع إلى هذين الجوابين ففيهما الاستدلال وفتاوى أهل العلم. وبهذا يتبيَّن الجواب عن السؤال، وهو حرمة الإعانة على إخراج مثل تلك الأقراص المشتملة على حرام كتلك التي تكون في الأعراس، وجواز ذلك إن كان الأمر يتعلق بعمل شركات ليس عندها منكرات، ولا يوجد في تصوير دعاياتهم منكر كوجود نساء متبرجات أو وجود موسيقى وغناء أو مواد تباع وتصنَّع وهي محرَّمة. والأمر نفسه يقال في الحكم على إجارة أشرطة الفيديو، والتفصيل السابق وخاصة في جواب السؤال رقم (٣٢٧٥٢) ينطبق عليه. ونسأل الله تعالى أن ييسر له عملاً حلالاً، يأكل منه الحلال ولا يُغضب به ربَّه، ونوصيه بتقوى الله تعالى والصبر، فعاقبة المتقين والصابرين إلى خير، وليترك هذا العمل، وليستعن بربه تعالى لييسر له ما هو حلال. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13443

ماذا يقول الرجل إذا دخل على زوجته [السُّؤَالُ] ـ[ما هو ضابط السنة في الدخول على الأهل ليلة الفرح، لأنه أشكل على كثير من الناس أنه يقرأ سورة البقرة ويصلي، وهذه العادة الآن عند كثير من الناس؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا دخل الرجل على زوجته أول ما يدخل فإنه يأخذ بناصيتها - يعني مقدمة رأسها - ويقول:: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه أخرجه أبو داود رقم ٢١٦٠، وابن ماجه رقم ١٩١٨، ولكن إذا كان يخشى أن المرأة تنزعج إذا أخذ بناصيتها وقال هذا الدعاء، فإن بإمكانه أن يأخذ بناصيتها كأنما يريد أن يقبلها، ويقول هذا الذكر بينه وبين نفسه من غير أن تسمع، يقول بلسانه وينطق به لكن من غير أن تسمع لئلا تنزعج، وإذا كانت امرأة طالبة علم تعرف أن هذا مشروع فلا حرج عليه أن يفعل ويسمعها إياه، وأما صلاة الركعتين عند دخوله الغرفة التي فيه الزوجة، فقد وردت عن بعض السلف أنه كان يفعل ذلك، فإن فعله الإنسان فحسن وإن لم يفعله فلا حرج عليه، وأما قراءة البقرة أو غيرها من السور، فلا أعلم له أصلاً. [الْمَصْدَرُ] لقاء الباب المفتوح لابن عثيمين ٥٢/٤١

стр. 13444

ماذا يُقال عند الجماع [السُّؤَالُ] ـ[سؤالي من الأسئلة التي اختلفت الإجابات عليها. هل يجب على المسلم أن يقول عبارة ما أثناء الجماع؟ وهل يجب على المسلم (الزوج والزوجة) أن يصليا قبل ممارسة الجماع للمرة الأولى؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله من الآداب الشرعية أن يقول المسلم عند إتيانه زوجته " بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا ". رواه البخاري فتح رقم ١٣٨ ومن فوائد ذلك أنّ إذا قُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرُّهُ الشّيطان. وأمّا ما يقوله الزّوج إذا دخل بزوجته بعد الزّفاف فقد تقدّمت الإجابة على ذلك فراجع سؤال رقم (٨٥٤) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 13445

هل التسمية عند الجماع تعصم من الكبائر ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل التسمية عند الجماع تعصم المولود بإذن الله من الكبائر؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لقد ثبتت التسمية عند الجماع بحديث النبي ﷺ : (أَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَقُولُ حِينَ يَأْتِي أَهْلَهُ بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا ثُمَّ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ أَوْ قُضِيَ وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا) رواه البخاري (٥١٦٥) ومسلم (١٤٣٤) وأما فائدتها للمولود فقد اختلف العلماء في معنى قول النبي ﷺ (لم يضره شيطان أبداً) على أقوال كثيرة: ١- الْمَعْنَى لَمْ يُسَلَّط عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ بَرَكَة التَّسْمِيَة , بَلْ يَكُون مِنْ جُمْلَة الْعِبَاد الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان) ٢- وَقِيلَ لَمْ يَضُرّهُ فِي بَدَنه. ٣- أنها تكون سبباً في عصمته من الشرك والكفر. ٤- أنها تبعده عن الكبائر ٥- وَقِيلَ: لَمْ يَضُرّهُ بِمُشَارَكَةِ أَبِيهِ فِي جِمَاع أُمّه كَمَا جَاءَ عَنْ مُجَاهِد " أَنَّ الَّذِي يُجَامِع وَلا يُسَمِّي يَلْتَفّ الشَّيْطَان عَلَى إِحْلِيله فَيُجَامِع مَعَهُ " قال ابن حجر: " وَلَعَلَّ هَذَا أَقْرَب الأَجْوِبَة , وَيَتَأَيَّد الْحَمْل عَلَى الأَوَّل بِأَنَّ الْكَثِير مِمَّنْ يَعْرِف هَذَا الْفَضْل الْعَظِيم يَذْهَل عَنْهُ عِنْد إِرَادَة الْمُوَاقَعَة وَالْقَلِيل الَّذِي قَدْ يَسْتَحْضِرهُ وَيَفْعَلهُ لا يَقَع مَعَهُ الْحَمْل , فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ نَادِرًا لَمْ يَبْعُد " اهـ. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13446

شرح حديث: (تنكح المرأة لأربع . . . .) [السُّؤَالُ] ـ[لم أفهم معنى قول الرسول ﷺ : (تنكح المرأة لأربع مالها وجمالها وحسبها ودينها) فهل هذا يعني أن المرأة يجب أن تكون غنية وجميلة وذات حسب وأن تكون متدينة؟ موضوع التدين واضح بالنسبة لي ولكن ماذا عن بقية الأشياء؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله: هذا الحديث رواه البخاري (٤٨٠٢) ومسلم (١٤٦٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) . وليس في الحديث أمر أو ترغيب في نكاح المرأة لأجل جمالها أو حسبها أو مالها. وإنما المعنى: أن هذه مقاصد الناس في الزواج، فمنهم من يبحث عن ذات الجمال، ومنهم من يطلب الحسب، ومنهم من يرغب في المال، ومنهم من يتزوج المرأة لدينها، وهو ما رغب فيه النبي ﷺ بقوله: (فاظفر بذات الدين تربت يداك) . قال النووي ﵀ في شرح مسلم: " الصحيح في معنى هذا الحديث أن النبي ﷺ أخبر بما يفعله الناس في العادة فإنهم يقصدون هذه الخصال الأربع، وآخرها عندهم ذات الدين، فاظفر أنت أيها المسترشد بذات الدين، لا أنه أمر بذلك ... وفي هذا الحديث الحث على مصاحبة أهل الدين في كل شيء لأن صاحبهم يستفيد من أخلاقهم وحسن طرائقهم ويأمن المفسدة من جهتهم " اهـ باختصار. وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي: " قال القاضي ﵀: من عادة الناس أن يرغبوا في النساء ويختاروها لإحدى الخصال واللائق بذوي المروءات وأرباب الديانات أن يكون الدين مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون، لا سيما فيما يدوم أمره، ويعظم خطره " اهـ. وقد اختلف العلماء في معنى قوله ﷺ : (تربت يداك) اختلافاً كثيراً، قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: " وَالْأَصَحّ الْأَقْوَى الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ فِي مَعْنَاهُ: أَنَّهَا كَلِمَة أَصْلُهَا اِفْتَقَرَتْ , وَلَكِنَّ الْعَرَب اِعْتَادَتْ اِسْتِعْمَالهَا غَيْر قَاصِدَة حَقِيقَة مَعْنَاهَا الْأَصْلِيّ , فَيَذْكُرُونَ تَرِبَتْ يَدَاك , وَقَاتَلَهُ اللَّه , مَا أَشْجَعه , وَلَا أُمّ لَهُ , وَلَا أَب لَك , وَثَكِلَتْهُ أُمّه , وَوَيْل أُمّه , وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ أَلْفَاظهمْ يَقُولُونَهَا عِنْد إِنْكَار الشَّيْء , أَوْ الزَّجْر عَنْهُ , أَوْ الذَّمّ عَلَيْهِ , أَوْ اِسْتِعْظَامه , أَوْ الْحَثّ عَلَيْهِ , أَوْ الْإِعْجَاب بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَم " اهـ. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13447

يريدون الزواج على الطريقة الهندوسية [السُّؤَالُ] ـ[أسأل الله أن يهدي المؤمنين الذين يقلدون الكفار، زواج أختي قريب وقررت أن تقيم حفلاً قبل الزواج يسمى هولوود، وهو احتفال قبل الزواج حيث تجلس الزوجة على كرسي وبقربها فواكه وطعام، ويحضر الرجال والنساء ليطعموها، ثم يضعون الهولوود وهي زينة توضع على الرأس، هذا من تقاليد الهندوس وقلدهم المسلمون في جنوب آسيا في هذه الأيام. والداي وافقا على هذا وكذلك أختي، أرجو أن تدعو الله أن يهدي المسلمين حتى لا يصروا على فعل المعاصي ويدخلهم الله الجنة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: واضح من السؤال أن فيه مخالفتين شرعيتين، الأولى منهما: التشبه بالهندوس الكفار، ولا يجوز للمسلم أن يتشبه فيما هو من خصائصهم كبعض الألبسة والاحتفالات والأعياد وغيرها. ومن الحِكَم في منع المشابهة للكفار: حتى لا يؤثر ذلك على باطن المتشبه، لأن الذي يتشبه بالقوم من الخارج فإن ذلك يؤثر فيه من الداخل حتى يكاد يرى نفسه ذات المشبّه به، ولكي يتميز المسلم من الكافر حتى لا يهان المسلم ولا يعظم الكافر. وفي مثل هذا يقول الشيخ ابن عثيمين حفظه الله - مبيناً حال الذين يلبسون الزنار في الوسط (وهو حزام كان خاصاً بغير المسلمين فيما سبق) -: وقد قال النبي ﷺ " من تشبه بقوم فهو منهم "، قال شيخ الإسلام ﵀: أقل أحوال هذا الحديث التحريم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم. إذاً فلا يقتصر على الكراهة فقط لأننا نقول: إن العلة في ذلك أن يشابه زنار النصارى فإن هذا يقتضي أن نقول: إنه حرام لقول الرسول صلى عليه الله وسلم: " من تشبه بقوم فهو منهم "، وليس المعنى أنه كافر، لكن منهم في الزي والهيئة، ولهذا لا تكاد تفرق بين رجل متشبه بالنصارى في زيِّه ولباسه وبين النصراني، فيكون منهم في الظاهر. قالوا: وشيء آخر وهو: أن التشبه بهم في الظاهر يجر إلى التشبه بهم في الباطن، وهو كذلك؛ فإن الإنسان إذا تشبه بهم في الظاهر: يشعر بأنه موافق لهم، وأنه غير كاره لهم ويجره ذلك إلى أن يتشبه بهم في الباطن، فيكون خاسراً لدينه ... فالصواب: أن لبسه حرام. " الشرح الممتع " (٢ / ١٩٢-١٩٣) . وفي جواب السؤال (٢١٦٩٤) تجد تفصيلاً لحكم التشبه بالكفار وضوابطه. ثانياً: والمنكَر الثاني في الحفل المذكور في السؤال هو دخول الرجال على العروس، وهي في زينتها، واختلاط الرجال بالنساء فيه، وكلاهما محرَّم. عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: " إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو قال الحمو الموت ". رواه البخاري (٤٩٣٤) ومسلم (٢١٧٣) . قال النووي: وأما قوله ﷺ " الحمو الموت " فمعناه: أن الخوف منه أكثر من غيره والشر يتوقع منه والفتنة أكثر لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة من غير أن ينكر عليه بخلاف الأجنبي، والمراد بالحمو هنا: أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه، فأما الآباء والأبناء فمحارم لزوجته تجوز لهم الخلوة بها ولا يوصفون بالموت، وإنما المراد الأخ وابن الأخ والعم وابنه ونحوهم ممن ليس بمحرم وعادة الناس المساهلة فيه، ويخلو بامرأة أخيه، فهذا هو الموت، وهو أولى بالمنع من أجنبي لما ذكرناه فهذا الذي ذكرته هو صواب معنى الحديث. " شرح مسلم " (١٤ / ١٥٣) . وتجد التوسع في الكلام عن الاختلاط في جواب السؤال (١٢٠٠) فلينظر. ونسأل الله تعالى أن يهدي أهلك والمسلمين إلى ترك المنكرات وبغضها وإلى ما فيه الخير والهدى والرشاد. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13448

كيف تكون حفلة الزفاف إسلامية [السُّؤَالُ] ـ[أسلمت مؤخرا، ووالداي على النصرانية. وهما يقبلان بالمشاركة في حفل زواج إسلامي. لكن ما هي الخطوات اللازمة لإتمام ذلك؟ الحفل سيقام في بيتهما، وقد وافقا على متطلبات الطعام والشراب اللازمة بالحفلة التي تتبع مراسيم الزواج. ونحن نريد أن نقيم الحفل بطريقة لا تتسبب في مضايقة أي أحد. لكن ليس عندي علم بما يجب أن يجرى قبل الحفل.. وفي أثنائه.. وبعده، وأريد أن أتأكد من أن كل شيء قد وضع في مكانه الصحيح، حتى لا أجد في المستقبل أن زواجي بطل لأننا لم نقم بإحدى الخطوات. كنت أظن بأننا قد تزوجنا، لكني وجدت أننا لم نقم بذلك وفقا للطريقة الصحيحة. أنا بحاجة لأن أعرف.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لمعرفة خطوات عقد النكاح الصحيح، يراجع سؤال رقم ٢١٢٧. أما إقامة حفل الزفاف على طريقة إسلامية، فينبغي فيه البعد عن المنهيات الشرعية التي يتساهل فيها كثير من الناس في الأفراح، ومن المنهيات: ما يتعلق بالمرأة مثل: الذهاب إلى مزيِّن شعر من الرجال الأجانب، وإصلاح الشعر عنده، أو امرأة تزيِّن بمحرَّم كترقيق الحاجب بنتفه وهو النمص والوشم أو وصل الشعر وغير ذلك من المحرمات لأن النبي ﷺ لعن النامصة والمتنمصة والواصلة والمستوصلة. تقليد الكفار في لباسهم، وغالباً ما يصير ثوب الزفاف فيه إظهار لكثير من مفاتن المرأة وجسمها بحيث يكون الثوب شبه عارٍ، والعياذ بالله بالإضافة لما في ذلك من إضاعة المال. ومن المحرمات ما يتعلق بالرجال مثل: حلق اللحية ليلة الزفاف، وفعل ذلك بحجَّة أنّ فيه تَجَمُّلاً، وهو أمر مُحَرّم شرعاً، والإسبال في الثياب. وهذا تلخيص لبعض ما يجب اجتنابه من المحرمات للرجال والنساء في حفلة الزفاف: ١- اختلاط الرجال بالنساء وما يحدث فيه من السلام، والمصافحة، والرقص بين الرجال والنساء، لأن كل ذلك محرم، وخطره عظيم. ٢- اجتناب التصوير سواء كان بين الرجال وبعضهم أو بين النساء. ٣- شرب الخمور، وأكل لحم الخنزير. ٤- دخول الزوج على النساء لأخذ الزوجة. ٥- لبس النساء فيما بينهن العاري والضيق والقصير فهو محرم، فكيف بلبس ذلك أمام الرجال. ٦- البعد عن التكلف والإسراف ومظاهر الترف والفسق في حفلة الزفاف، حيث أن ذلك يمحق البركة. ٧- لبس كل من الزوج والزوجة ما يسمى بالدبلة، تشبهاً فيه بالكفار، اعتقاداً أن ذلك يزيد من حب الزوج لزوجته، وحب الزوجة لزوجها. وأخيراً: ينبغي أن يعلم الزوجان أنه بقدر ما يحصل في حفلة الزفاف من اتباع تعاليم الإسلام فيه بقدر ما يحصل فيه من البركة والألفة وقلة المشكلات في الحياة الزوجية، فإذا كانت الحياة الزوجية قامت في أولها على المنكرات ومخالفة أمر الله ، فلا ينتظر التوفيق فيها بعد ذلك، وكثير هي حالات الزواج التي حصل فيها من مخالفة أمر الله ، ولم تستمر. فاتقوا الله في هذه الحفلة واجعلوها بعيدة عن المحظورات الشرعية يبارك الله لكم فيها. نسأل الله التوفيق لكِ مع زوجكِ، وصلى الله على نبينا محمد، والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 13449

هل يكره الجماع تجاه القبلة [السُّؤَالُ] ـ[هل يكره الجماع مستقبل القبلة في الصحراء، أو في البنيان، وهل فيه خلاف لأحد من العلماء؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يكره ذلك؛ لا في الصحراء؛ ولا البنيان؛ هذا مذهب الشافعي والعلماء كافة، إلا بعض أصحاب مالك. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] فتاوى الإمام النووي ص ١٩٠.

стр. 13450

حكم وطء المرأة في دبرها [السُّؤَالُ] ـ[اعتذر يا شيخنا على طرح هذا السؤال المحرج. سؤالي هو: ما حكم إتيان الزوجة في دبرها؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اعتذارك مقبول يا أخي والسعي لمعرفة الحكم الشرعي في هذه القضية وأمثالها ليس حراما ولا عيبا بل هو أمر مطلوب. أما بالنسبة لما سألت عنه فإنّ إتيان الزوجة في دبرها (في موضع خروج الغائط) كبيرة عظيمة من الكبائر سواء في وقت الحيض أو غيره، وقد لعن النبي ﷺ من فعل هذا فقال: " ملعون من أتى امرأة في دبرها " رواه الإمام أحمد ٢/٤٧٩ وهو في صحيح الجامع ٥٨٦٥ بل إن النبي ﷺ قال: " من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد " رواه الترمذي برقم ١/٢٤٣ وهو في صحيح الجامع ٥٩١٨. ورغم أن عددا من الزوجات من صاحبات الفطر السليمة يأبين ذلك إلا أن بعض الأزواج يهدد بالطلاق إن لم تطعه، وبعضهم قد يخدع زوجته التي تستحي من سؤال أهل العلم فيوهمها بأن هذا العمل حلال، وقد أخبر النبي ﷺ أنه يجوز للزوج أن يأتي زوجته كيف شاء من الأمام والخلف ما دام في موضع الولد ولا يخفى أن الدبر ومكان الغائط ليس موضعا للولد. ومن أسباب هذه الجريمة - عند البعض - الدخول إلى الحياة الزوجية النظيفة بموروثات جاهلية قذرة من ممارسات شاذة محرمة أو ذاكرة مليئة بلقطات من أفلام الفاحشة دون توبة إلى الله. ومن المعلوم أن هذا الفعل محرم حتى لو وافق الطرفان فإن التراضي على الحرام لا يصيره حلالا. وقد ذكر العلامة شمس الدين ابن قيم الجوزية شيئا من الحكم في حرمة إتيان المرأة في دبرها في كتابه زاد المعاد فقال رحمه الله تعالى: وأما الدبر: فلم يبح قط على لسان نبي من الأنبياء.. وإذا كان الله حرم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض، فما الظن بالحُشّ الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل والذريعة القريبة جداً من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان. وأيضاً: فللمرأة حق على الزوج في الوطء، ووطؤها في دبرها يفوّت حقها، ولا يقضي وطرها، ولا يُحصّل مقصودها. وأيضا: فإن الدبر لم يتهيأ لهذا العمل، ولم يخلق له، وإنما الذي هيئ له الفرج، فالعادلون عنه إلى الدبر خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعاً. وأيضاً: فإن ذلك مضر بالرجل، ولهذا ينهى عنه عُقلاء الأطباء، لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن وراحة الرجل منه، والوطء في الدبر لا يعين على اجتذاب جميع الماء، ولا يخرج كل المحتقن لمخالفته للأمر الطبيعي. وأيضاً: يضر من وجه آخر، وهو إحواجه إلى حركات متعبة جداً لمخالفته للطبيعة. وأيضاً: فإنه محل القذر والنجو، فيستقبله الرجل بوجهه، ويلابسه. وأيضاً: فإنه يضر بالمرأة جداً، لأنه وارد غريب بعيد عن الطباع، منافر لها غاية المنافرة. وأيضاً: فإنه يُفسد حال الفاعل والمفعول فساداً لا يكاد يُرجى بعده صلاح، إلا أن يشاء الله بالتوبة. وأيضاً: فإنه من أكبر أسباب زوال النعم، وحلول النقم، فإنه يوجب اللعنة والمقت من الله، وإعراضه عن فاعله، وعدم نظره إليه، فأي خير يرجوه بعد هذا، وأي شر يأمنه، وكيف تكون حياة عبد قد حلت عليه لعنة الله ومقته، وأعرض عنه بوجهه، ولم ينظر إليه. وأيضاً: فإنه يذهب بالحياء جملة، والحياء هو حياة القلوب، فإذا فقدها القلب، استحسن القبيح، واستقبح الحسن، وحينئذ فقد استحكم فساده. وأيضاً: فإنه يحيل الطباع عما ركبها الله، ويخرج الإنسان عن طبعه إلى طبع لم يركّب الله عليه شيئاً من الحيوان، بل هو طبع منكوس، وإذا نُكس الطبع انتكس القلب، والعمل، والهدى، فيستطيب حينئذ الخبيث من الأعمال والهيئات.. وأيضاً: فإنه يورث من الوقاحة والجرأة ما لا يورثه سواه. فصلاة الله وسلامه على من سعادة الدنيا والآخرة في هديه واتباع ما جاء به، وهلاك الدنيا والآخرة في مخالفة هديه وما جاء به. انتهى مختصرا من كلامه ﵀ روضة المحبين ٤/٢٥٧ - ٢٦٤ وللمزيد يراجع سؤال رقم ٦٧٩٢ أسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعا الفقه في دينه والوقوف عند حدوده وتعظيم حرماته إنه سميع مجيب. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 13451

آداب الجماع [السُّؤَالُ] ـ[علمنا الإسلام كل شيء، كيف نأكل وكيف نلبس، فهل هناك سنة تبين للمسلم آداب الجماع؟ هل هناك أي موضع من السنة؟ أم أنّ السنة لا يوجد بها حديث صحيح عن مثل هذا؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نعم أحسنت في قولك علمنا الإسلام كل شيء، فالإسلام أتى للناس بكل خير في أمور معاشهم ودينهم ومحياهم ومماتهم لأنه دين الله . والجماع من الأمور الحياتية المهمة التي أتى ديننا بتبيينها وشرع لها من الآداب والأحكام ما يرقى بها عن مجرد أن تكون لذّة بهيمية وقضاء عابرا للوطر بل قرنها بأمور من النيّة الصالحة والأذكار والآداب الشرعية ما يرقى بها إلى مستوى العبادة التي يُثاب عليها المسلم. وجاء في السنّة النبوية تبيان لذلك، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه زاد المعاد: (وأما الجماع أو الباه، فكان هديه فيه ﷺ أكمل هدي، يحفظ به الصحة، وتتم به اللذة وسرور النفس، ويحصل به مقاصده التي وضع لأجلها، فإن الجماع وضع في الأصل لثلاثة أمور هي مقاصده الأصلية: أحدها: حفظ النسل، ودوام النوع إلى أن تتكامل العدة التي قدر الله بروزها إلى هذا العالم. الثاني: إخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن. الثالث: قضاء الوطر، ونيل اللذة، والتمتع بالنعمة، وهذه وحدها هي الفائدة التي في الجنة، إذ لا تناسل هناك، ولا احتقان يستفرغه الإنزال. وفضلاء الأطباء يرون أن الجماع من أحد أسباب حفظ الصحة) . الطب النبوي ص٢٤٩. وقال رحمه الله تعالى: (ومن منافعه - أي الجماع -: غض البصر، وكف النفس، والقدرة على العفة عن الحرام، وتحصيل ذلك للمرأة، فهو ينفع نفسه في دنياه وأخراه، وينفع المرأة، ولذلك كان النبي ﷺ يتعاهده ويحبه، ويقول: (حبب إلي من دنياكم: النساء والطيب) رواه أحمد ٣/١٢٨ والنسائي ٧/٦١ وصححه الحاكم. وقال ﷺ : (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) رواه البخاري ٩/٩٢ ومسلم ١٤٠٠) . الطب النبوي ٢٥١. ومن الأمور المهمة التي ينبغي مراعاتها عند الجماع: ١ - إخلاص النية لله في هذا الأمر، وأن ينوي بفعله حفظ نفسه وأهله عن الحرام وتكثير نسل الأمة الإسلامية ليرتفع شأنها فإنّ الكثرة عزّ، وليعلم أنه مأجور على عمله هذا وإن كان يجد فيه من اللذة والسرور العاجل ما يجد، فعن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (وفي بُضع أحدكم صدقة) - أي في جماعه لأهله - فقالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال ﵊: (أرأيتم لو وضعها في الحرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) رواه مسلم ٧٢٠. وهذا من فضل الله العظيم على هذه الأمة المباركة، فالحمد لله الذي جعلنا منها. ٢ - أن يقدِّم بين يدي الجماع بالملاطفة والمداعبة والملاعبة والتقبيل، فقد كان النبي ﷺ يلاعب أهله ويقبلها. ٣ - أن يقول حين يأتي أهله (بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا) قال رسول الله ﷺ : (فإن قضى الله بينهما ولدا، لم يضره الشيطان أبدا) رواه البخاري ٩/١٨٧. ٤ - يجوز له إتيان المرأة في قبلها من أي جهة شاء، من الخلف أو الأمام شريطة أن يكون ذلك في قُبُلها وهو موضع خروج الولد، لقول الله ﵎: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) . وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول! فنزلت: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) فقال رسول الله ﷺ : (مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج) رواه البخاري ٨/١٥٤ ومسلم ٤/١٥٦. ٥ - لا يجوز له بحال من الأحوال أن يأتي امرأته في الدبر، قال الله : (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) ومعلوم أن مكان الحرث هو الفرج وهو ما يبتغى به الولد، قال النبي ﷺ : (ملعون من يأتي النساء في محاشِّهن: أي أدبارهن) رواه ابن عدي ٢١١/١ وصححه الألباني في آداب الزفاف ص١٠٥. وذلك لما فيه من مخالفة للفطرة ومقارفة لما تأباه طبائع النفوس السوية، كما أن فيه تفويتا لحظ المرأة من اللذة، كما أن الدبر هو محل القذر، إلى غير ذلك مما يؤكد حرمة هذا الأمر. للمزيد يراجع سؤال رقم (١١٠٣) ٦ - إذا جامع الرجل أهله ثم أراد أن يعود إليها فليتوضأ، لقوله ﷺ : (إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءا، فإنه أنشط في العَوْد) رواه مسلم ١/١٧١. وهو على الاستحباب لا على الوجوب. وإن تمكن من الغسل بين الجماعين فهو أفضل، لحديث أبي رافع أن النبي صلى الله عله وسلم طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه، قال فقلت له: يا رسول الله ألا تجعله غسلا واحدا؟ قال: (هذا أزكى وأطيب أطهر) رواه أبو داود والنسائي ٧٩/١. ٧ - يجب الغسل من الجنابة على الزوجين أو أحدهما في الحالات التالية: - التقاء الختانين: لقوله ﷺ : " إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ (وفي رواية: مسّ الختان الختان) فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْل. " رواه أحمد ومسلم رقم ٥٢٦ وهذا الغسل واجب أنزل أو لم يُنزل. ومسّ الختان الختان هو إيلاج حشفة الذّكر في الفرج وليس مجرّد الملاصقة. - خروج المني ولو لم يلتق الختانان: لقوله ﷺ : " إنما الماء من الماء " رواه مسلم رقم ١/٢٦٩. قال البغوي في شرح السنة (٢/٩) : (غسل الجنابة وجوبه بأحد الأمرين: أما بإدخال الحشفة في الفرج أو خروج الماء الدافق من الرجل أو المرأة) . ولمعرفة صفة الغسل الشرعية انظر السؤال رقم (٤١٥) . ويجوز للزوجين الاغتسال معا في مكان واحد ولو رأى منها ورأت منه، لحديث عائشة ﵂ قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء بيني وبينه واحد تختلف أيدينا فيه فيبادرني حتى أقول: دع لي، دع لي قالت: وهما جنبان. رواه البخاري ومسلم. ٨ - يجوز لمن وجب عليه الغسل أن ينام ويؤخر الغسل إلى قبل وقت الصلاة، لكن يستحب له أن يتوضأ قبل نومه استحبابا مؤكدا لحديث عمر أنه سأل النبي ﷺ : أينام أحدنا وهو جنب؟ فقال ﵊: (نعم، ويتوضأ إن شاء) رواه ابن حبان ٢٣٢. ٩ - ويحرم إتيان الحائض حال حيضها لقول الله : (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) ، وعلى من أتى زوجته وهي حائض أن يتصدق بدينار أو نصف دينار كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ أنه أجاب السائل الذي أتاه فسأله عن ذلك. أخرجه أصحاب السنن وصححه الألباني آداب الزفاف ص١٢٢. لكن يجوز له أن يتمتع من الحائض بما دون الفرج لحديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يأمر إحدانا إذا كانت حائضا أن تتزر ثم يضاجعها زوجها) متفق عليه. ١٠ - يجوز للزوج العزل إذا لم يرد الولد ويجوز له كذلك استخدام الواقي، إذا أذنت الزوجة لأنّ لها حقّا في الاستمتاع وفي الولد، ودليل ذلك حديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلم ينهنا. رواه البخاري ٩/٢٥٠ ومسلم ٤/١٦٠. ولكن الأولى ترك ذلك كله لأمور منها: أن فيه تفويتا للذة المرأة أو إنقاصا لها. ومنها أن فيه تفويت بعض مقاصد النكاح وهو تكثير النسل والولد كما ذكرنا سابقا. ١١ - يحرم على كل من الزوجين أن ينشر الأسرار المتعلقة بما يجري بينهما من أمور المعاشرة الزوجية، بل هو من شر الأمور، يقول النبي ﷺ : (إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها) رواه مسلم ٤/١٥٧. وعن أسماء بنت يزيد أنها كانت عند النبي ﷺ والرجال والنساء قعود، فقال: (لعل رجلا يقول ما يفعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها؟!) فأرّم القوم - أي سكتوا ولم يجيبوا -، فقلت: إي والله يا رسول الله! إنهن ليفعلن، وإنهم ليفعلون. قال: (فلا تفعلوا، فإنما ذلك مثل شيطان لقي شيطانة في طريق فغشيها والناس ينظرون) رواه أبوداود برقم ١/٣٣٩، وصححه الألباني في آداب الزفاف ص١٤٣. هذا ما تيسر ذكره من جملة من آداب الجماع، فالحمد لله الذي هدانا لهذا الدين العظيم ذي الآداب العالية والحمد لله الذي دلّنا على خير الدنيا والآخرة. وصلى الله على نبينا محمد. . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 13452

ماذا يفعل المسلم إذا أراد الدخول بزوجته ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أريد أن أعرف كيف يتم النكاح؟ أعني كيف يفترض أن يتم حفل الزفاف؟ كم عدد المدعوين؟ هل هناك عدد محدد؟ هل من الممكن استخدام الموسيقى في حفل الزفاف أو أثناء استقبال المدعوين أو عند الوليمة؟ أيضا أريد أن أعرف من هو المسئول عن إدارة حفل الزفاف والوليمة؟ هل هو العريس (الزوج) أو العروس (الزوجة) ؟ أريد معرفة الإجابة في أسرع وقت ممكن حتى أستطيع إبلاغ أسرتي، وسوف أنفذها إن شاء الله في حياتي، لعل الله أن يبارك في وفي زواجي.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله - يستحب للمسلم إذا دخل على زوجته عدة أمور قد وردت في السنّة ومنها: أولا: أن يلاطفها كأن يقدم إليها شيئاً من الشراب ونحوه لحديث أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدِ بْنِ السَّكَنِ قَالَتْ: إِنِّي قَيَّنْتُ (أصلحت العروس) عَائِشَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ جِئْتُهُ فَدَعَوْتُهُ لِجِلْوَتِهَا (فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِهَا فَأُتِيَ بِعُسِّ (القدح الكبير) لَبَنٍ فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَخَفَضَتْ رَأْسَهَا وَاسْتَحْيَا قَالَتْ أَسْمَاءُ فَانْتَهَرْتُهَا وَقُلْتُ لَهَا خُذِي مِنْ يَدِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ فَأَخَذَتْ فَشَرِبَتْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَعْطِي تِرْبَكِ (أي صاحبك يعني نفسه) .. رواه الإمام أحمد وصححه الألباني ثانياً: وضع اليد على رأس الزوجة والدعاء لها وأن يسمي الله ﵎ ويدعو بالبركة ويقول ما ورد في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً أَوْ اشْتَرَى خَادِمًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ.. قَالَ أَبُو دَاوُد زَادَ أَبُو سَعِيدٍ ثُمَّ لِيَأْخُذْ بِنَاصِيَتِهَا وَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ فِي الْمَرْأَةِ وَالْخَادِمِ. رواه أبو داود في سننه: كتاب النكاح: باب في جامع النّكاح وحسنه في صحيح الجامع رقم ٣٤١. ثالثاً: ويستحب له أن يصلي بها ركعتين يؤمّها وهي خلفه لأنه منقول عن السلف، وفيه أثران: الأول: عن أبي سعيد مولى أبي أسيد وفيه أن نفراً من أصحاب الرسول ﷺ علّموه فقالوا له: إذا دخل عليك أهلك فصل ركعتين ثم سل الله من خير ما دخل عليك وتعوّذ به من شرّه، والثاني: عن شقيق قال: جاء رجل يقال له أبو حريز فقال (لعبد الله بن مسعود ﵁ إني تزوجت جارية شابة بكرا، وإني أخاف أن تفركني (أي تكرهني) فقال عبد الله: إنّ الإلف من الله، والفرك من الشيطان يريد أن يُكرِّه إليكم ما أحلّ الله، فإذا أتتك فأْمُرْها أن تصلي وراءك ركعتين. (أخرج الأثرين السابقين ابن أبي شيبة وتخريجهما في آداب الزفاف للألباني) رابعاً: أن يقول إذا أراد أن يأتيها ما ورد في حديث ابن عباس ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَمَا إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ وَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَرُزِقَا وَلَدًا لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ " رواه البخاري فتح رقم ٣٢٧١ ولمزيد من التوسّع يُنظر كتاب آداب الزفاف للعلامة الألباني ص ٩١ - ليس هناك حدّ محدود لعدد المدعوين في وليمة النّكاح فادع من شئت من أقربائك وأقربائها وأصحابك وكلّ من في دعوته مصلحة وفائدة. - لا يجوز لك شرعا القيام ولا السماح بأيّ منكر أو عمل محرّم كالموسيقى والاختلاط بين الرجال والنساء أو رقص النساء أمام الرّجال وغير ذلك مما يُغضب الله، وكيف تبدّل نعمة الله معصية وفسقا. ويُمكن للنساء أن يعملْن في العرس كلّ ما سمحت به الشريعة كالغناء المباح بالكلمات الطيبة، ويجوز لهنّ من أدوات اللهو الدفّ فقط ويكون ذلك بمعزل عن الرجال. - وليمة النّكاح على الزوج ويسنّ له إذا كان مقتدرا أن يذبح شاة فأكثر لضيوف الوليمة كما قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: " أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ. " رواه البخاري فتح رقم ٢٠٤٨. نسأل الله أن يبارك لك ويبارك عليك ويجمع بينك وبين زوجتك على خير. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 13453

زواج الأخ الصغير قبل الكبير [السُّؤَالُ] ـ[أنا شاب صغير عمري ٢١سنة أريد الزواج ولي أخوان كبيران لم يتزوجا بعد فهل يجوز أن أتزوج قبلهما؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله عرض هذا السؤال على الشيخ محمد ابن عثيمين ﵀ فقال: أقول للأخ السائل إنك لست صغيراً على الزواج؛ فعمرو بن العاص تزوج وله إحدى عشرة سنة، وجاءه ولد، ولهذا يقال ليس بينه وبين ابنه عبد الله إلا ثلاث عشرة سنة. فأقول للأخ السائل توكل على الله وتزوج وأخواك الكبيران متى تيسر لهما الزواج يتزوجان. وهذا من الخطأ الفادح عند بعض الناس أنه لا يزوج البنت الصغيرة مع وجود أكبر منها، وهذا حرام عليه. فإذا خطبها كفءٌ في خلقه ودينه فليزوجها وربما تكون هي حائلاً بين البنت الكبيرة وبين الزواج، كثيراً ما تحول الصغيرة دون الكبيرة فإذا تزوجت الصغيرة فتح الله الباب للكبيرة، وهذا شيءٌ مجرب (أي تحول بنت دون بنت) كما تحول ذرية دون ذرية فقد ورد علينا أكثر من قصة رجلٌ يتزوج فيبقى خمسة عشر عاما لا يولد له فيتزوج الثانية فتحمل الثانية من أول ليلة ثم تحمل الأولى في نفس الأيام. فنقول للسائل تزوج ولا يُعدُّ هذا عقوقاً للوالدين، ولا قطيعة رحم للأخوين. [الْمَصْدَرُ] اللقاء الشهري للشيخ محمد بن صالح العثيمين (اللقاء الشهري ١٥)

стр. 13454

حكم اجتماع طائفة على طعام، كلٌّ يُحضر معه منه شيئاً؟ [السُّؤَالُ] ـ[انتشر في الآونة الأخيرة عادة في أوساط المسلمين لا أدري من أين منشؤها، لكن على ما يبدو أنها جُلبت من الكفار، هذه العادة تسمَّى حفلة الطبق الواحد، خلاصة هذه الحفلة: أن رب البيت - أو المضيّف - يطلب من كل شخص من الضيوف أن يحضر طبقاً مطبوخاً معه إلى الحفلة، فيشترك الجميع في الأكل منه، والغرض من ذلك: أن رب المنزل - أو صاحب الحفلة - لا يبقى عليه إلا الأشياء اليسيرة، وأن لا يُشغَل بالطبخ وغيره، ما جعلني أستنكر هذا النوع من الحفلات: أن ذلك مخالف لسنَّة النبي ﷺ ؛ لأنه ﷺ كان يُطعم ضيفه من أحسن ما لديه، وكان يحث على إكرام الضيف، والإكرام لا يتأتى إلا عن طريق الطبخ لهم، وإعطائهم أفضل الأطعمة، لا أن يُطلب من الضيف أن يحضر طعامه معه، فما رأي الشرع في مثل هذه الحفلات؟ وهل ترون أنه من المناسب الذهاب والتواصي على الحضور والمشاركة في مثل هذه الحفلات؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا شك أن إطعام الطعام من مكارم الأخلاق، ونبل النفوس، وقد حث عليه الشرع، فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁ قَالَ: أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ) رواه الترمذي (٢٤٨٥) وصححه الألباني في صحيح الترمذي. وقد أوجب الإسلام إكرام الضيف، والقيام بحقه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) رواه البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧) . والمراد بالضيف الذي يجب إكرامه هو: هو ضيف السفَر، وهو القادم من بلد آخر، وليس الزائر له من جيرانه، أو أصدقائه من بلده؛ وإكرام هذا الثاني (الزائر) مطلوب، ويدخل في عمومات الشريعة التي تحث على فعل الخير، والإحسان إلى الناس، وتحسين الخلق معهم. فالضيف المسافر هو الذي له حق في طعام المضيف، وهذا لا ينطبق على الزائر الذي يمكن أن تقول له: "ارجع"، كما قال تعالى: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) النور/٢٨. وانظر جواب السؤال رقم (١٢٨٧٩١) . وعليه: فما يفعله أولئك المشار إليهم في السؤال لا حرج فيه. ثم على فرض أنهم ضيوف يجب إكرامهم فقد رضوا هم بإسقاط حقهم، وأنهم يأتون بالطعام معهم، ولا حرج في ذلك. ولهذا، لا نرى أن فعلهم هذا يخالف الشرع، أو يناقض المروءة، بل يدل على ترابطهم، وقوة صلتهم، بعضهم ببعض. ونحن نشكر لك غيرتك على السنَّة، ونسأل الله أن يفقهنا وإياك في دينه، وأن يثبتنا على الحق. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13455

ما هي صفات الصديق الصالح ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما هي صفات الصديق الصالح؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الصديق الصالح هو العبد الصالح، المطيع لربه، الملتزم بأوامر دينه، الحريص على مرضاة الله، المسارع بالإيمان إلى كل خير، المنصرف بالتقوى عن كل شر، المحب للسنة وأهلها، الموالي في الله، المعادي في الله، المبغض للعصيان وأهله، التقي النقي، البر الخفي، الذي لا غل في قلبه ولا حسد. الصديق الصالح هو الذي يذكرك بربك متى غفلت عن ذكره، ويعينك ويشاركك: إذا كنت في ذكر لربك. قال النَّبِيّ ﷺ : (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) - وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. متفق عليه. قال النووي ﵀: " صَرِيح فِي تَعْظِيم حُقُوق الْمُسْلِمِينَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض , وَحَثّهمْ عَلَى التَّرَاحُم وَالْمُلَاطَفَة وَالتَّعَاضُد فِي غَيْر إِثْم وَلَا مَكْرُوه " الصديق الصالح هو الذي لا يطلب عثرات إخوانه ولا يتتبعهم، وإنما يطلب ما يقيلهم. قال ابن مازن: " المؤمن يطلب معاذير إخوانه، والمنافق يطلب عثراتهم ". وقال الفضيل بن عياض: " الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان " "آداب العشرة" (ص ١-٣) الصديق الصالح من سلم المسلمون من لسانه ويده، كما قال النبي ﷺ في وصف المسلم. وقد قال أبو الفيض بن إبراهيم المصري: " عليك بصحبة من تسلم منه في ظاهرك، وتعينك رؤيته على الخير، ويذكرك مولاك ". "آداب العشرة" (ص ٣) ومنها أن يحمدهم بحسن الثناء عليهم، وإن لم يساعدهم باليد. وقد روى أحمد (١٢٧٠٩) وأبو داود (٤٨١٢) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَتْ الْمُهَاجِرُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قَوْمٍ قَدِمْنَا عَلَيْهِمْ أَحْسَنَ بَذْلًا مِنْ كَثِيرٍ وَلَا أَحْسَنَ مُوَاسَاةً فِي قَلِيلٍ، قَدْ كَفَوْنَا الْمَئُونَةَ وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنَإِ، فَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ. فقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كَلَّا؛ مَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ بِهِ، وَدَعَوْتُمْ اللَّهَ لَهُمْ) صححه الألباني في "صحيح أبي داود". ومن صفاته بشاشة الوجه، ولطف اللسان، وسعة القلب، وبسط اليد، وكظم الغيظ، وترك الكبر، وملازمة الحرمة، وإظهار الفرح بما رزق من عشرتهم وأخوتهم. ومنها: سلامة القلب وإسداء النصحية لإخوانه، وقبولها منهم. ومنها: موافقة إخوانه وعدم مخالفتهم في المعروف، وحبس النفس على ملامتهم. قال أبو زائدة: " كتب الأحنف إلى صديق له: أما بعد، فإذا قدم أخ لك موافق، فليكن منك بمنزلة السمع والبصر؛ فإن الأخ الموافق أفضل من الولد المخالف. ألم تسمع قول الله لنوح ﵇ في ابنه: (إِنَهُ لَيسَ مِن أَهلِكَ إِنَهُ عَمَلٌ غَيرَ صَالِحٍ) ". "آداب العشرة" (ص ٧) . ومنها: حب التزاور والتلاقي والتباذل، والبشاشة عند اللقاء، والمصافحة بود وإخاء. وقد روى مسلم (٢٥٦٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : (أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَاَ أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ. قَالَ هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ لَا غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ . قَالَ فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ) . وروى أحمد (٢١٥٢٥) عن مُعَاذ بْن جَبَلٍ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (قَالَ اللَّهُ : وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ) . صححه الألباني في "صحيح الترغيب". وقد كان يقال: " لا تصحب إلا من إن صحبته زانك، وإن حملت مؤونة أعانك، وإن رأى منك ثلمة سدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن سألته أعطاك، وإن تعففت عنه ابتداك، وإن عاتبك لم يحرمك، وإن تباعدت عنه لم يرفضك ". "تاريخ دمشق" (٦٨/ ٢٣٦) . وقال أبو عبد الرحمن السلمي: " الصحبة مع الإخوان بدوام البشر وبذل المعروف ونشر المحاسن وستر القبائح واستكثار قليل برهم واستصغار ما منك إليهم وتعهدهم بالنفس والمال ومجانبة الحقد والحسد والبغى والأذى وما يكرهون من جميع الوجوه، وترك ما يعتذر منه " انتهى. "آداب الصحبة" (ص ١٢٠) ومنها: أن لا يحسد إخوانه على ما يرى عليهم من آثار نعم الله، بل يفرح بذلك ويحمد الله على ما يرى من النعمة عليهم كما يحمده على نفسه. قال الله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) النساء / ٥٤] ومنها: المعاشرة بالمعروف بصدق وإخلاص. قال أبو صالح:" المؤمن يعاشرك بالمعروف ويدلك على صلاح دينك ودنياك، والمنافق يعاشرك بالممادحة، ويدلك على ما تشتهيه، والمعصوم من فرق بين الحالين ". "آداب الصحبة" (ص ٥٥) ومنها: القيام بأعذار الإخوان والأصحاب والذب عنهم والانتصار لهم. ومنها: أن يشارك إخوانه في المكروه كما يشاركهم في المحبوب، لا يتلون عليهم في الحالين جميعا. ومنها: أن لا يمن بمعروفه على من يحسن إليه ويستصغره، ويعظم عنده معروف إخوانه ويستكثره. ومنها: أن يجتهد في ستر عورة إخوانه وإظهار مناقبهم وكتمان قبائحهم. ومنها: التودد إلى إخوانه باصطناع المعروف إليهم، والصفح عما بدر منهم، والتماس الأعذار لهم. وعن محمد بن المنكدر قال: " لم يبق من لذة الدنيا إلا قضاء حوائج الإخوان ". "تاريخ دمشق" (٥٦/ ٥٣) وبالجملة: فالصديق الصالح هو الخليل المعين على كل خير، ذو الخلق الحسن، الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، المحافظ على حق الصحبة في الغيب والشهادة، مراعيها حق رعايتها بالقول والفعل، والذي لا يفعل ذلك إلا لله، يرجو به عقبى الله. [الْمَصْدَرُ] موقع الإسلام سؤال وجواب

стр. 13456

هل يجوز الاجتماع للفرح بدخول رجل أو امرأة الإسلام ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز الاحتفاء بشهادة مسلمة ودخولها في الإسلام وذلك بالاجتماع في بيت إحدى الأخوات المسلمات والترحيب بها في الإسلام وإهداءها بعض الهدايا وما إلى ذلك؟ أم أن هذا يدخل ضمن البدعة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إن مؤازرة المسلم - أو المسلمة - حديث العهد بالإسلام، وتهنئته على الهداية، وإظهار الفرح والبشر والسرور بذلك، ووفود الناس عليه بالتهنئة والدعاء، وإهداءه الهدايا، كل ذلك من أمارات الأخوة الإسلامية، وعلامات المحبة في الله. وهو مما يقوي قلبه، ويستشعر به حب الناس له، والتفافهم حوله، ويؤنسه في عهده الجديد ويذهب وحشته. ولا بأس أن يجتمع إخوانه لذلك، وأن يهدوا له الهدايا، ويحسنوا الثناء عليه، ويكثروا من الدعاء له، فهي نعمة، وأي نعمة، تستحق الشكر لله، وتهنئة من وُفِّق إليها. وفي حديث كعب بن مالك ﵁ لما كان من أمره ما كان في التخلف عن النبي ﷺ في الغزو، وحصل لهم من الغم والكرب العظيم ما حصل، ثم تاب الله عليه وعلى صاحبيه. قال: " فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ!! قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ، فَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنْ الْفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ، وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ يَقُولُونَ لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ. قَالَ كَعْبٌ: حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّانِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرَهُ، وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنْ السُّرُورِ: أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ!! ". متفق عليه. فتأمل ما وقع في هذه القصة العظيمة، من فرح الصحابة رضوان الله عليهم بتوبة الله على كعب بن مالك وصاحبيه، وإسراع من أسرع منهم إلى إبلاغه بالبشرى، وتهنئته على ذلك، وكيف أنه جعل ذلك جميلا، وأحسانا عظيما، لا ينساه لمن سارع إليه، وكيف أن الناس تلقوه أفواجا، يهنئونه بذلك، ولا ريب أن التوبة من الكفر، والدخول في الإسلام هو من أجل النعم التي يهنئ الرجل أخاه عليها. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في ذكره لفوائد هذا الحديث: " ... وتهنئة من تجددت له نعمة ". "فتح الباري" (٨/١٢٤) . وقال ابن مفلح ﵀: " فَأَمَّا التَّهْنِئَةُ بِنِعَمٍ دِينِيَّةٍ تَجَدَّدَتْ: فَتُسْتَحَبُّ، لِقِصَّةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ لَمَّا أُنْزِلَ ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ هَنِيئًا مَرِيئًا " انتهى. "الآداب الشرعية" (٣/٣٨٠) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13457

هل يصح أن يقول عن صديقه: إني مشتاق إليه ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا ولد وأشتاق إلى أحد أصدقائي. فهل يجوز أن أقول إني أشتاق له حتى لو كان ولداً أم أن هذا اللفظ لا يستخدم إلا مع النساء أو الأقارب؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الشوق درجة عالية من درجات المحبة. وقد ورد في السنة، وفي كلام السلف، وفي لسان العرب إطلاقه على مختلف الأشياء التي تتطلع إليها النفوس، وتحنّ إليها القلوب. فروى النسائي (١٣٠٥) عن عَمَّار بْن يَاسِرٍ ﵁ أن رَسُول اللَّهِ ﷺ دعا، فكان من دعائه ﷺ : (وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ) وصححه الألباني في "صحيح النسائي". فأطيب شيء في الدنيا هو الشوق إلى لقاء الله سبحانه، وأطيب شيء في الآخرة هو النَّظر إلى وجهه الكريم. قال ابن القيم: " محبة الله سبحانه والأنس به والشوق إلى لقائه والرضا به وعنه: أصل الدين وأصل أعماله وإراداته " انتهى. "إغاثة اللهفان" (٢/ ١٩٥) . وروى أحمد (٣٤٥٠) بسند صحيح – وأصله في الصحيحين - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى مَرَّ بِغَدِيرٍ فِي الطَّرِيقِ وَذَلِكَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَعَطِشَ النَّاسُ وَجَعَلُوا يَمُدُّونَ أَعْنَاقَهُمْ وَتَتُوقُ أَنْفُسُهُمْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَأَمْسَكَهُ عَلَى يَدِهِ حَتَّى رَآهُ النَّاسُ، ثُمَّ شَرِبَ فَشَرِبَ النَّاسُ. تتوق: تشتاق. "تاقَت نفْسي إلى الشيء أي: اشتاقت ... ونفْس توَّاقةٌ مُشْتاقةٌ " "لسان العرب" (١٠/٣٣) مادة: " توق ". وروى ابن المبارك في "الزهد" (١٣٠٢) بسند صحيح عن عدي بن حاتم ﵁ قال: " ما دخل وقت صلاة قط حتى أشتاق إليها ". وأنشد أحمد بن علي المقرئ في الإمام أحمد، في أثناء قصيدة له: فقلت في الحال ذاك ابنُ حنبلٍ إمامٌ تقيٌ زاهدٌ متورعُ وإني لمشتاقٌ إليه فدلّني ففي النفس حاجاتٌ إليه تسرعُ "ذيل طبقات الحنابلة" - (ص /١٨) وجاء بعض رسل الخليفة المتوكل بعد انفراج محنة خلق القرآن يقول للإمام أحمد: " أمير المؤمنين مشتاق إليك ... إلخ". "سير أعلام النبلاء" (١١/٢٧٦) وقال سامة بن لؤيٍ: بلغَا عامراً وكعباً رسولاً أنَّ نفسي إليهما مشتاقة "أمالي الزجاجي" (ص / ١٢) فليس معنى الاشتياق مقصورا على الشوق إلى النساء. فلا بأس أن تقول عن صاحبك: إنك مشتاق إليه، بمعنى أنك تحبه حباً شديداً وتتطلع إلى رؤياه، على أن لا يتضمن ذلك معنى فاسدا من المعاني المستهجنة التي قد توجد في النفوس المريضة، نفوس أصحاب الشهوات والغي والفساد. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13458

حكم التمادح برسائل الجوال المبالغ فيها [السُّؤَالُ] ـ[الرسائل المبالغ فيها التي نرسلها لمجرد الإرسال وللرد على رسائلهن برسائل شعرية وتكون فيها مبالغة في الكلام هل يعد من النفاق؟ وهل إذا أكثرت من الرسائل وصرف رصيد جوالي لدرجة ينقضي شحن الجوال بسبب الرسائل يعد إسرافاً؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: دين الله دين وسط، لا إفراط فيه ولا تفريط، والاعتدال في كل شيء خير. وقد وصف الله تعالى عباده بقوله: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) الفرقان/٦٧، وقال تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) الإسراء/٢٩. فتجاوز الحد في الرسائل هو من الإسراف المذموم المنهي عنه، ومن تأمل كثيراً من الرسائل المتداولة لوجدها لا فائدة منها، وكثير من المرسل إليهم لا يقرؤونها، بل يحذفونها بمجرد أن تقع أعينهم عليها. ثانياً: أما رسائل المدح المبالغ فيها، فقد نهى النبي ﷺ عن مدح الشخص، وذم المداحين، فكيف بالمبالغة في مدحه! وسبب هذا النهي: أنه قد يكون سبباً في إعجاب الممدوح بنفسه، أو تكبره، فيهلك بسبب ذلك. روى مسلم (٣٠٠٢) عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ، فَعَمِدَ الْمِقْدَادُ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا فَجَعَلَ يَحْثُو فِي وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا رَأَيْتُمْ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمْ التُّرَابَ) . وروى البخاري (٦٠٦١) ومسلم (٣٠٠٠) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ - يَقُولُهُ مِرَارًا - إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللَّهُ، وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا) . قال الحافظ: " قَالَ اِبْن بَطَّال: حَاصِل النَّهْي: أَنَّ مَنْ أَفْرَطَ فِي مَدْح آخَر بِمَا لَيْسَ فِيهِ لَمْ يَأْمَن عَلَى الْمَمْدُوح الْعُجْب لِظَنِّهِ أَنَّهُ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَة , فَرُبَّمَا ضَيَّعَ الْعَمَل وَالِازْدِيَاد مِنْ الْخَيْر اِتِّكَالًا عَلَى مَا وُصِفَ بِهِ وَقَالَ الْغَزَالِيّ فِي " الْإِحْيَاء ": آفَة الْمَدْح فِي الْمَادِح أَنَّهُ قَدْ يَكْذِب، وَقَدْ يُرَائِي الْمَمْدُوح بِمَدْحِهِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ ظَالِمًا " انتهى. وروى الإمام أحمد (١٦٣٩٥) وابن ماجه (٣٧٤٣) عن مُعَاوِيَة ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (َإِيَّاكُمْ وَالتَّمَادُحَ فَإِنَّهُ الذَّبْحُ) وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة. قال المناوي: " لما فيه من الآفة في دين المادح والممدوح، وسماه ذبحا لأنه يميت القلب فيخرج من دينه، وفيه ذبح للممدوح فإنه يغره بأحواله ويغريه بالعجب والكبر ويرى نفسه أهلا للمدحة سيما إذا كان من أبناء الدنيا أصحاب النفوس وعبيد الهوى، وفي رواية: (فإنه من الذبح) وذلك لأن المذبوح هو الذي يفتر عن العمل والمدح يوجب الفتور، أو لأن المدح يورث العجب والكبر وهو مهلك كالذبح، فلذلك شبه به. قال الغزالي ﵀: فمن صنع بك معروفا فإن كان ممن يحب الشكر والثناء فلا تمدحه؛ لأن قضاء حقه أن لا تقره على الظلم، وطلبه للشكر ظلم، وإلا فأظهر شكره ليزداد رغبة في الخير " انتهى. "فيض القدير" (٣/١٢٩) . أما قولك: هل يعد ذلك من النفاق؟ فالجواب: إذا كان المدح فيه شيء من الكذب فهو من صفات المنافقين، لقول النَّبِيِّ ﷺ : (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) متفق عليه. وروى الترمذي (٢٠٢٧) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنْ النِّفَاقِ) وصححه الألباني في "صحيح الترمذي". قال المناوي: " البيان: فصاحة اللسان، والمراد: ما فيه إثم منها كهجو أو مدح بغير حق. (شعبتان من النفاق) أي: هما خصلتان منشؤهما النفاق أو مؤديان إليه. وأراد بالبيان هنا كثرة الكلام والتكلف للناس بكثرة التملُّق والثناء عليهم وإظهار التفصُّح، وذلك ليس من شأن أهل الإيمان. وقد يتملق الإنسان إلى حد يخرجه إلى صريح النفاق وحقيقته " انتهى. "التيسير بشرح الجامع الصغير" (١/ ١٠٣٦) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13459

من هو الضيف الذي يجب إكرامه ؟ [السُّؤَالُ] ـ[من هو الضيف الذي يجب إكرامه؟ هل إذا زارني أحد أصحابي أو جيراني يكون ضيفا؟ ويكون له حق الضيف؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يجب على المضيف أن يكرم ضيفه، ويقوم بحقه، ويدل على ذلك: ما جاء في الحديث عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزاعِي ﵁ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ) قَالَ: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهْوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ) رواه البخاري (٥٦٧٣) ومسلم (٤٨) . وفي لفظ لمسلم (٤٨) : (الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) . قال الخطابي ﵀: قوله: (جائزته يوم وليلة) سئل مالك بن أنس عنه فقال: يُكرمه، ويتحفه، ويخصه، ويحفظه، يوماً وليلة، وثلاثة أيام ضيافة. قلت: يريد أنه يتكلف له في اليوم الأول بما اتسع له من بِر، وألطاف، ويقدِّم له في اليوم الثاني والثالث ما كان بحضرته، ولا يزيد على عادته، وما كان بعد الثلاث: فهو صدقة، ومعروف، إن شاء فعل، وإن شاء ترك. "معالم السنن" (٤/٢٣٨) . وقال ابن القيم ﵀: إن للضيف حقّاً على مَن نزل به، وهو ثلاث مراتب: حق واجب، وتمام مستحب، وصدقة من الصدقات، فالحق الواجب: يوم وليلة , وقد ذكر النبي ﷺ المراتب الثلاثة في الحديث المتفق على صحته من حديث أبي شريح الخزاعي – وساق الحديث السابق -. "زاد المعاد" (٣/٦٥٨) . وقال ابن قدامة ﵀: "والواجب يوم ليلة، والكمال ثلاثة أيام؛ لما روى أبو شريح الخزاعي - وساق الحديث -" انتهى. "المغني" (١١/٩١) . والضيف الذي يجب إكرامه، وله حق على المضيف، هو الضيف المسافر، وهو القادم من بلد آخر. فيجب على من ينزل عليه أن يطعمه ويكرمه، فإن لم يفعل فلهه حق في ماله، وهذا لا ينطبق على الزائر من البلد نفسه، وليس قادماً من السفر، فهذا يمكن أن تقول له: "ارجع"، كما قال تعالى: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) النور/٢٨. ومما يدل على ما قلناه: ما يوجد في بعض الأحاديث من التصريح بذلك، وأن الحق للضيف إنما هو للمسافر، وليس للمقيم، ومنه: عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قال: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّك تَبْعَثُنَا فَنَمُرُّ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَنَا [أي لا يقدموا لنا حق الضيف] ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنْ أَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ) رواه البخاري (٢٣٢٩) ومسلم (١٧٢٧) . وقد اختلف العلماء في حكم الضيافة، وعلى من تجب، ففي "الموسوعة الفقهية" (٢٨/٣١٦، ٣١٧) : "وقد ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن الضيافة سنَّة، ومدتها ثلاثة أيام، وهو رواية عن أحمد. والرواية الأخرى عن أحمد - وهي المذهب - أنها واجبة، ومدتها يوم ليلة، والكمال ثلاثة أيام. وبهذا يقول الليث بن سعد. ويرى المالكية وجوب الضيافة في حالة المجتاز الذي ليس عنده ما يبلغه ويخاف الهلاك. والضيافة على أهل القرى والحضر، إلا ما جاء عن الإمام مالك، والمام أحمد - في رواية - أنه ليس على أهل الحضر ضيافة، وقال سحنون: الضيافة على أهل القرى، وأما أهل الحضر فإن المسافر إذا قدم الحضر وجد نزلاً - وهو الفندق - فيتأكد الندب إليها ولا يتعين على أهل الحضر تعينها. انتهى والراجح – والله أعلم – أن ضيافة المسافر المجتاز – لا المقيم - واجبة، وأن وجوبها على أهل القرى، والأمصار، دون تفريق. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ في شرح قول الحجاوي ﵀: "وَتَجِبُ ضِيَافَةُ المُسْلِمِ الْمُجْتَازِ بِهِ فِي الْقُرَى يَوْماً وَلَيْلَةً". قال: قوله: " وتجب ضيافة المسلم ": " تجب " هذا بيان حكم الضيافة، والضيافة أن يَتلقَّى الإنسان مَن قدم إليه، فيكرمه، وينزله بيته، ويقدم له الأكل، وهي من محاسن الدين الإسلامي، وقد سبقنا إليها إبراهيم ﵊، كما قال الله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) الذاريات/ ٢٤، أي: الذين أكرمهم إبراهيم، ولا يمتنع أن يقال: والذين أكرمهم الله بكونهم ملائكة. فحكم الضيافة واجب، وإكرام الضيف - أيضاً – واجب، وهو أمر زائد على مطلق الضيافة، قال النبي ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) ، أي: من كان يؤمن إيماناً كاملاً: فليكرم ضيفه. ... . قوله: " المجتاز به " يعني: الذي مرَّ بك وهو مسافر، وأما المقيم: فإنه ليس له حق ضيافة، ولو كان المقيم له حق الضيافة: لكان ما أكثر المقيمين الذين يقرعون الأبواب! فلا بد أن يكون مجتازاً، أي: مسافراً ومارّاً، حتى لو كان مسافراً مقيماً يومين، أو ثلاثة، أو أكثر: فلا حق له في ذلك، بل لا بد أن يكون مجتازاً. قوله: " في القرى " دون الأمصار، والقرى: البلاد الصغيرة، والأمصار: البلاد الكبيرة، قالوا: لأن القرى هي مظنة الحاجة، والأمصار بلاد كبيرة فيها مطاعم، وفنادق، وأشياء يستغني بها الإنسان عن الضيافة، وهذا - أيضاً - خلاف القول الصحيح؛ لأن الحديث عامّ، وكم من إنسان يأتي إلى الأمصار وفيها الفنادق، وفيها المطاعم، وفيها كل شيء، لكن يكرهها ويربأ بنفسه أن يذهب إليها، فينزل ضيفاً على صديق، أو على إنسان معروف، فلو نزل بك ضيف - ولو في الأمصار -: فالصحيح: الوجوب. "الشرح الممتع على زاد المستقنع" (١٥/٤٨ – ٥١) باختصار. وأما الزائر من البلد نفسه فلا شك أن إطعامه وإكرامه يدخل في عموم الأمر بإطعام الطعام والإحسان إلى الناس، ولكنه ليس هو الضيف الذي أوجب النبي ﷺ إكرامه، وجعل له حقاً في مال المضيف. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13460

هل صح حديث في هجر الشخص المؤذي مائة مرة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[منذ عام سألت إحدى صديقاتي سؤالاً، ما كان يتوجب علي أن أسألها؛ لأنه على ما يبدو أنه جرحها، ومنذ ذلك الحين هجرتني ولم تعد تكلمني، وعندما هدأت الأمور بعض الشيء سألتها عن سبب هجرانها لي، فقالت: إن هناك حديثًا من أحاديث النبي ﷺ فيما معناه أن الشخص إذا جرح مشاعرك فاهجره مائة مرة. فهل هذا صحيح، وهل هناك حديث يتعلق بمثل هذا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لم نقف على حديث يتضمن هذا المعنى، ولا نرى ذلك صحيحا ولا مقبولا، فقد صحت الأحاديث الكثيرة في التحذير من هجر المسلم لأخيه المسلم، كما جاءت الآيات والأحاديث الكثيرة في الحث على العفو عن الزلات، وتجاوز العثرات، ومسامحة الإخوان والأصدقاء عند صدور أي خطأ منهم، فكيف يصح حديث بالحث على هجر المسلم من غير سبب شرعي صحيح. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁: " لا يحل لامرئ مسلم سمع من أخيه كلمة، أن يظن بها سوءا، وهو يجد لها في شيء من الخير مصدرا ". التمهيد، لابن عبد البر (١٨/٢٠) . وقال الأحنف بن قيس: حق الصديق أن تحتمل منه ثلاثا: ظلم الغضب، وظلم الدالة، (يعني: الدلال) وظلم الهفوة. وقال آخر: ما شتمت أحدا قط؛ لأنه إن شتمني كريم: فأنا أحق مَن غَفَرَها له، أو لئيم: فلا أجعل عرضي له غرضا. ثم تمثل وقال: وأَغفِرُ عوراءَ الكريم ادِّخَاره ... وأُعرِضُ عن شتم اللئيم تكرما وقد قيل: خذ من خليلك ما صفا ... ودع الذي فيه الكدر فالعمر أقصر مِنْ مُعا ... تَبةِ الخليلِ على الغِيَر ينظر: " إحياء علوم الدين " (٢/١٨٣-١٨٦) . واعلمي ـ أيتها السائلة الكريمة ـ أن من أعظم مقاصد الشيطان الخبيث، وأشد حيله: أن يوقع البغضاء والعداوة بين المسلمين. عَنْ جَابِر بن عبد الله ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ؛ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ) . ولهذا حرم الله تعالى كل ما من شأنه أن يوقع العداوة والبغضاء بين المسلمين. قال الله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) المائدة /٩١. ويمكن الاطلاع على الأحاديث الواردة في ذم التهاجر في كتاب الإمام المنذري، واسمه: " الترغيب والترهيب " (٣/٣٠٤) ، فقد عقد فيه بابا بعنوان: " الترهيب من التهاجر والتشاحن والتدابر "، جمع فيه أكثر ما ورد في السنة في هذا الموضوع. وانظري في موقعنا أجوبة الأسئلة ذوات الأرقام التالية: (٢٦٣٣٣) ، (٩٨٦٣٦) ، (٢١٨٧٨) ، (٦٥٥٠٠) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13461

حديث امش ميلا عد مريضا [السُّؤَالُ] ـ[ما صحة الحديث: (امش ميلا عد مريضا، امش ميلين أصلح بين اثنين، امش ثلاثة أميال زر أخا في الله) ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الحديث جاء من كلام النبي ﷺ ولكن بإسناد ضعيف، وجاء من كلام بعض التابعين بأسانيد صحيحة. أما عن النبي ﷺ فقد روي عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (امش ميلا عد مريضا، امش ميلين أصلح بين اثنين، امش ثلاثة زر أخا في الله) رواه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٥/١٧٩) قال: حدثنا محمد بن بشر القزاز، قال حدثنا هشام بن عمار، قال ثنا عمرو بن واقد، عن علي بن يزيد الألهاني، عن القاسم عن أبي أمامة به. وهذا إسناد ضعيف جدا، بسبب عمرو بن واقد: قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال ابن حبان: استحق الترك. وقال النسائي والدارقطني: متروك. انظر "تهذيب التهذيب" (٨/١١٦) . وكذلك علي بن يزيد الألهاني اتفق أهل العلم على ضعفه. انظر "تهذيب التهذيب" (٧/٣٩٧) . والحديث: ضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٩٣٦) . أما ما صحَّ عن التابعين، فقد ورد عن ثلاثة منهم: ١- عن مكحول ﵀ قال: (امش ميلا عُد مريضا، امش ميلين أصلح بين اثنين، امش ثلاثة زر في الله) رواه ابن وهب في "الجامع" (رقم/١٧٤) قال: وأخبرني مسلمة بن علي، عن زيد بن واقد، وهشام بن الغازي، عن مكحول. وهذا إسناد ضعيف جدا بسبب مسلمة بن علي: متروك. انظر "تهذيب التهذيب" (١٠/١٤٧) ، وانظر "السلسلة الضعيفة" (رقم/٢٩٣٦) . ورواه ابن أبي الدنيا في "الإخوان" (ص/١٥٢) قال: حدثنا عمار بن نصر المروزي حدثنا شعيب أبو حرب عن أبي عتبة العنسي عن يحيى عن مكحول. وهذا إسناد حسن إن كان شعيب هو ابن حرب، وإلا فلم أقف على ترجمة شعيب أبي حرب. والله أعلم. ٢- عن عطاء الخراساني ﵀. رواه ابن وهب في "الجامع" (رقم/١٧٤) قال: أخبرني يونس بن يزيد عن عطاء الخراساني. وهذا إسناد صحيح. ٣- وجاء أيضا من كلام حسان بن عطية ﵀. رواه هناد بن السري في "الزهد" (١/٢٢٧) قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: فذكره. وهذا إسناد صحيح. يقول المناوي ﵀: " (امش ميلا) هو ثلاثة فراسخ، (عُد) ندبا (مريضا) مسلما. (امش) ندبا (ميلين أصلح بين اثنين) إنسانين أو فئتين، أي: حافظ على ذلك وإن كان عليك فيه مشقة، كأن تمشي إلى محل بعيد. (امش) ندبا (ثلاثة أميال زر أخا في الله تعالى) وإن لم يكن أخاك من النسب. ومقصوده أن الثالث أفضل وآكد وأهم من الثاني، والثاني من الأوّل " انتهى. "التيسير شرح الجامع الصغير" (١/٤٨٤) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13462

حديث من كان في قلبه مودة لأخيه [السُّؤَالُ] ـ[ما صحة الحديث: (من كان في قلبه مودة لأخيه ثم لم يُطلعه عليها فقد خانه) ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الحديث رواه ابن أبي الدنيا في "الإخوان" (ص/١٢٤) ، ومن طريقه ابن قدامة في "المتحابين في الله" (ص/٦٦، رقم/٧٨) عن زياد بن أيوب، حدثنا عبد الحميد بن عبد الرحمن، حدثنا أبو كعب الشامي، عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ : (من كان في قلبه مودة لأخيه لم يُطلعه عليها فقد خانه) . يقول الشيخ الألباني ﵀: " هذا إسناد ضعيف لإرساله. وأبو كعب الشامي لم أعرفه. وعبد الحميد بن عبد الرحمن: هو الحماني؛ وفيه ضعف " انتهى. "السلسلة الضعيفة" (رقم/٤٦٣٩) . ويغني عن هذا الحديث الضعيف، قوله ﷺ في الحديث الصحيح: (إِذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ) رواه أبو داود (رقم/٥١٢٤) وصححه ابن دقيق العيد في "الاقتراح" (ص/١٢٨) ، والشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٤١٧) . ويغني عنه أيضا ما جاء عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: (أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَعْلَمْتَهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَعْلِمْهُ. قَالَ: فَلَحِقَهُ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ. فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ) رواه أبو داود (رقم/٥١٢٥) ، وصححه النووي في "رياض الصالحين" (١٨٣) ، والألباني في "صحيح أبي داود". قَالَ الْخَطَّابِيُّ ﵀: مَعْنَاهُ الْحَثّ عَلَى التَّوَدُّد وَالتَّأَلُّف، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُحِبّهُ اِسْتَمَالَ بِذَلِكَ قَلْبه وَاجْتَلَبَ بِهِ وُدّه، وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ مُحِبّ لَهُ وَوَادّ لَهُ قَبِلَ نَصِيحَته وَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ قَوْله فِي عَيْب إِنْ أَخْبَرَهُ بِهِ عَنْ نَفْسه، أَوْ سَقْطَة إِنْ كَانَتْ مِنْهُ، وَإِذَا لَمْ يَعْلَم ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ يُؤْمَن أَنْ يَسُوء ظَنّه فِيهِ فَلَا يَقْبَل مِنْهُ قَوْله، وَيُحْمَل ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى الْعَدَاوَة وَالشَّنَآن " اِنْتَهَى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13463

أحاديث الوعيد على من لم يقبل اعتذار أخيه المسلم [السُّؤَالُ] ـ[ما صحة حديث: (من اعتذر إليه أخوه المسلم فلم يقبل عذره، فعليه مثل صاحب مكس) ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: ورد في عظم إثم من يرد اعتذار أخيه المسلم خمسة أحاديث، ولكنها كلها ضعيفة لا تصح: الحديث الأول: عَنْ جُودَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ اعْتَذَرَ إِلَى أَخِيهِ بِمَعْذِرَةٍ، فَلَمْ يَقْبَلْهَا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ خَطِيئَةِ صَاحِبِ مَكْسٍ) . رواه أبو داود في "المراسيل" (رقم/٥٢١) ، وابن ماجه في "السنن" (رقم/٣٧١٨) ، وابن حبان في "روضة العقلاء" (ص/١٨٢) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢/٢٧٥) ، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦/٣٢١) ، وغيرهم. رووه جميعا من طريق وكيع، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن ابن ميناء – وهو العباس بن عبد الرحمن بن ميناء - عن جودان به. يقول الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (رقم/١٩٠٧) : " العباس بن عبد الرحمن بن مينا ليس بالمشهور، ولم يوثقه غير ابن حبان، ولذلك قال الحافظ في "التقريب": " مقبول ". وجودان: لم تثبت له صحبة، وقال أبو حاتم: " جودان مجهول، وليست له صحبة ". وفي "التقريب": " مختلف في صحبته، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين " انتهى. الحديث الثاني: عن جابر بن عبد الله ﵄ بنحو الحديث السابق. من طريق أبي الزبير عن جابر ﵁، وقد ورد عن أبي الزبير من طريقين اثنين: ١- من طريق الليث حدثني إبراهيم بن أعين، عن أبي عمرو العبدي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄ عن رسول الله ﷺ . رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٨/٢٨٣) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦/٣٢١) ، وقال الطبراني: " لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا أبو عمرو العبدي، ولا عن أبي عمرو إلا إبراهيم بن أعين، تفرد به الليث " انتهى. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/١٥٥) : " فيه إبراهيم بن أعين وهو ضعيف " انتهى. وضعفه العراقي ﵀ في "تخريج أحاديث الإحياء" (٢/١٣٨) . ٢- من طريق الحسن بن عمارة عن أبي الزبير عن جابر ﵁. رواه الحارث في المسند – كما في "بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث" (١/٢٦٩) – قال: حدثنا حفص بن حمزة، ثنا سيف بن محمد الثوري، عن الحسن بن عمارة. ورواه ابن حبان في "الثقات" (٨/٣٨٨) ثنا أبو بدر، ثنا عمي الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله بن مسرح، ثنا أبي عن الحسن بن عمارة عن أبي الزبير، عن جابر ﵁. وهذا إسناد ضعيف جدا بسبب الحسن بن عمارة، فقد اتفق العلماء على تركه وضعفه. انظر: "تهذيب التهذيب" (٢/٣٠٧) . الحديث الثالث: عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (عفوا تعف نساؤكم، وبروا آباءكم يبركم أبناؤكم، ومن اعتذر إلى أخيه المسلم من شيء بلغه عنه فلم يقبل عذره لم يَرِدْ عَلَيَّ الحوض) . رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٦/٢٤١) وقال: " لم يرو هذا الحديث عن عامر بن عبد الله بن الزبير إلا عبد الملك بن يحيى بن الزبير، تفرد به خالد بن يزيد العمري " انتهى. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/٨١) : " فيه خالد بن زيد العمري وهو كذاب " انتهى. الحديث الرابع: حديث أنس بن مالك بنحو حديث عائشة السابق. أخرجه ابن عساكر في سباعياته -كما قال السيوطي في اللآلئ المصنوعة (٢/١٩٠) - من طريق أبي هدبة الفارسي، عن أنس بن مالك. وأبو هدبة الفارسي هو إبراهيم بن هدبة: وهو كذاب، قال ابن حبان في المجروحين (١/١١٤) : " إبراهيم بن هدبة، أبو هدبة، شيخ يروي عن أنس بن مالك: دجال من الدجاجلة، وكان رقاصا بالبصرة، يُدعَى إلى الأعراس فيرقص فيها، فلما كبر جعل يروي عن أنس ويضع عليه " انتهى. وقال الشيخ الألباني في "ضعيف الترغيب" (٢/١١٩) : " موضوع " انتهى. وكذا في "السلسلة الضعيفة" (رقم/٢٠٤٣) . الحديث الخامس: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (عفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم، وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم، ومن أتاه أخوه متنصلا فليقبل ذلك منه، محقا كان أو مبطلا، فإن لم يفعل لم يَرِدْ عليَّ الحوض) . رواه الحاكم في "المستدرك" (٤/١٥٤) وقال: " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، وتعقبه الذهبي بقوله: " بل سويد ضعيف " انتهى. وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٣/٢١٨) : " سويد عن قتادة، هو ابن عبد العزيز: واهٍ " انتهى. وقال الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (رقم/٢٠٤٣) : " ضعيف الإسناد " انتهى. والحاصل: أن جميع الروايات الواردة في هذا الباب ضعيفة لا تصح. ثانيا: إن ضعف الأحاديث الواردة في الوعيد على من لم يقبل عذر أخيه، لا يعني أن ذلك غير مطلوب، بل قبول معذرة المعتذر من مكارم الأخلاق، وأسباب المحبة والمودة. قال ابن حبان ﵀ في " روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" (١/١٨٣) : " فالواجب على العاقل إذا اعتذر إليه أخوه لجرم مضى، ولتقصير سبق، أن يقبل عذره ويجعله كمن لم يذنب؛ لأن من تنصل إليه فلم يقبل أخاف أن لا يرد الحوض على المصطفى ﷺ . ومن فرط منه تقصير في سبب من الأسباب يجب عليه الاعتذار في تقصيره إلى أخيه. ولقد أنشدني محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي ... إذا اعتذر الصديق إليك يوما ... من التقصير عذر أخ مقر فصنه عن جفائك واعف عنه ... فإن الصفح شيمة كل حر " انتهى. وقال الإمام الغزالي ﵀: " أما زلته في حقه – يعني زلة الأخ في حق أخيه - بما يوجب إيحاشه: فلا خلاف في أن الأَوْلى العفو والاحتمال، بل كل ما يحتمل تنزيله على وجه حسن، ويتصور تمهيد عذر فيه، قريب أو بعيد، فهو واجب بحق الإخوة " انتهى. "إحياء علوم الدين" (٢/١٨٥-١٨٦) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13464

الأخوَّة في الله بين الأمل المنشود والواقع الأليم [السُّؤَالُ] ـ[عرفت أهمية الحفاظ على الأخوَّة في الله ، الآن تغيرت الأمور، والناس يتمايزون في علاقاتهم، وصداقاتهم لعدة أسباب، منها: الافتخار بالذات، والغرور، والحالة المادية واجهتها عدة مرات، عندما ترى الآخرين - وحتى في المسجد - يتجاهلونك، ولا يأبهون بك. سؤالي هو: كيف أتعامل مع هذه المشكلة؟ أفهم تماماً أن عليَّ أن أقوم بواجبي لله تعالى، وسأحافظ على سيرتي الحسنة مع الآخرين لله، إلا أنني أصاب بخيبة أمل عندما ألاحظ معاملة الناس لي هكذا، آمل أن تسلطوا الضوء على هذه القضايا الاجتماعية المهمَّة جدّاً في هذا الوقت. جزاكم الله خيراً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الأخوَّة في الله، والحب في الله، من أعظم شعائر الدين، وأوثق عرى الإيمان، وقد جاء في كتاب الله تعالى، وفي سنَّة النبي ﷺ ، ما يبين ذلك ويوضحه بأجلى صورة، وأحلى عبارة، ويكفينا في ذلك بعض الآيات والأحاديث، ومنها: قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) الحجرات/ من الآية ١٠. وقوله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) آل عمران/ ١٠٣. وعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَاّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) . رواه البخاري (١٦) ومسلم (٤٣) . قال ابن رجب الحنبلي – ﵀: الخصلة الثانية: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، والحب في الله من أصول الإيمان، وأعلى درجاته، ... وإنما كانت هذه الخصلة تالية لما قبلها؛ لأن مَن كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما: فقد صار حبُّه كله له، ويلزم من ذلك أن يكون بغضه لله، وموالاته له، ومعاداته له، وأن لا تبقى له بقية من نفسه وهواه، وذلك يستلزم محبة ما يحبه الله من الأقوال، والأعمال، وكراهة ما يكرهه من ذلك، وكذلك من الأشخاص. " فتح الباري " لابن رجب (١ / ٤٩ – ٥١) باختصار. ثانياً: لو كان حبُّ المسلم لأخيه حبا لله تعالى: لما اشتكى مشتكٍ من أفعال بعض من لم يذق حلاوة الإيمان، ومن جعل ميزان حبَِّه للآخرين: اللغة، أو اللون، أو البلد، أو الحزب والجماعة، أو المال، أو حسن الصورة: فقد خاب وخسر، واستعمل ميزانَ ظلم، وليس بمستنكر بعدها ما يصدر منه من تصرفات تجاه إخوانه، وأما إن كان ميزانه في الحب في الله: الاستقامة، والخلُق: فليبشر بثواب جزيل، وفضل عميم، من ربه الكريم. عَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ، وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ، وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ، وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) . رواه أبو داود (٣٥٢٧) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". قال الملا علي القاري في " مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ": ولما كانت الأغراض الفاسدة في المحبة منحصرة في أنها إما أن تكون للقرابة - على ما هو مركوز في الطبائع -، أو للمال - من حيث إنه مطمح الأطماع -: اقتصر عليهما، والمقصود: تحسين النية، وتزيين الطوية. انتهى ثالثاً: لتعلم أخي السائل حقيقة الأمر، وواقع الأخوَّة، وحتى لا تجد الأوهامُ مجالاً رحباً في نفسك: اعلم أن الظفر بأخ في الله يتصف بمشاعر النبل، والصدق، والأمانة، وغيرها من الصفات الحسنة: عملة نادرة، فلا تتعب نفسك بالبحث عن أخ يمتلك الصفات الجميلة كاملة، فارض بما هو موجود مما يشوبه كدر، ويعتريه نقص، ولستَ أنت الكامل لتبحث عن مثلك، فما منَّا إلا وفيه نقص، وعيوب، يستحيي أن تظهر لأحد، فضلاً أن يطلب كمالها في غيره. إِذا كُنتَ في كُلِّ الذُنوبِ مُعاتِباً صَديقَكَ لَم تَلقَ الَّذي لا تُعاتِبُه فَعِش واحِداً أَو صِل أَخاكَ فَإِنَّهُ مُفارِقُ ذَنبٍ مَرَّةً وَمُجانِبُه إِذا أَنتَ لَم تَشرَب مِراراً عَلى القَذى ظَمِئتَ وَأَيُّ الناسِ تَصفو مَشارِبُه قال ابن حزم الأندلسي – ﵀: ومن الأسباب المتمناة في الحب: أن يهب الله للإنسان صديقاً مخلصاً، لطيف القول، بسيط الطَّوْل، حسَن المأخذ، دقيق المنفذ، متمكن البيان، مرهف اللسان، جليل الحِلم، واسع العلم، قليل المخالفة، عظيم المساعفة، شديد الاحتمال، صابراً على الإدلال، جم الموافقة، جميل المخالفة، محمود الخلائق، مكفوف البوائق، محتوم المساعدة، كارهاً للمباعدة، نبيل الشمائل، مصروف الغوائل، غامض المعاني، عارفاً بالأماني، طيب الأخلاق، سري الأعراق، مكتوم السر، كثير البر، صحيح الأمانة، مأمون الخيانة، كريم النفس، صحيح الحدس، مضمون العون، كامل الصون، مشهور الوفاء، ظاهر الغناء، ثابت القريحة، مبذول النصيحة، مستيقن الوداد، سهل الانقياد، حسن الاعتقاد، صادق اللهجة، خفيف المهجة، عفيف الطباع، رحب الذراع، واسع الصدر، متخلقاً بالصبر، يألف الإمحاض [أي: إخلاص الود] ، ولا يعرف الإعراض، يستريح إليه ببلابله، ويشاركه في خلوة فكره، ويفاوضه في مكتوماته، وإن فيه للمحب لأعظمَ الراحات. وأين هذا؟! فإن ظَفِرَتْ به يداك: فشدهما عليه شد الضنين، وأمسك بهما إمساك البخيل، وصنه بطارفك وتالدك، فمعه يكمل الأنس، وتنجلي الأحزان، ويقصر الزمان، وتطيب النفس، ولن يفقد الإنسان من صاحب هذه الصفة عوناً جميلا، ورأياً حسناً. " طوق الحمامة " (ص ١٦٤) . هذه هي الصفات المتمناة في الأخ المحبوب في الله، وقبل أن أطلبها في غيري أسأل نفسي: هل هي محقَّقَة فيَّ؟ وإذا كنَّا نفتقد أخاً مثل الصحابي سعد بن الربيع الذي يعرض على أخيه عبد الرحمن بن عوف شطر ماله وشطر نسائه: فإننا نفتقد أكثر لمثل عبد الرحمن بن عوف الذي تعفف عن مال أخيه وذهب ليعمل بكد يديه. فلتعش واقعك أخي السائل، واقعا يقول لك: إن ثمة خللا في الأخوة في الله، وفي الحب في الله، وذاك له أساب كثيرة متشابكة، من ضعف الإيمان، وانتشار الحزبية، والعصبية، والجهل، وحب الذات، والتعلق بالدنيا، ونقص الثقة في الآخرين..، قال الله تعالى – واصفاً حال الإنسان -: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) الأحزاب/ ٧٢. سألتُ الناسَ عن خلٍ وفيٍ فقالوا ما إلى هذا سبيل تمسكْ إن ظفِرت بذيل حُر فإن الحرَّ في الدنيا قليل ولا يعني هذا أن تيأس من أن تجد أخاً صادقاً صدوقاً، حبيباً محبّاً، لكننا نتكلم عن واقع مرير، وأخوَّة اعتراها نقص شديد، وليست الشكوى من قلة الإخوان فقط في هذا الزمان، بل هي كذلك في القرون الأولى، فعليك أن تعيش مع هذا، وأن تعلم أن الناس لا يخلون من عيوب، وكما قيل " من طلب أخاً بلا عيب: بقي بلا أخ "! وَمَن لا يُغَمِّض عَينَه عَن صَديقِهِ وَعَن بَعضِ ما فيهِ يَمُت وَهوَ عَاتِبُ وَمَن يَتَتَبَّع جاهِداً كُلَّ عَثرَةٍ يَجِدها وَلا يَسلَم له الَّهرَ صَاحِبُ فاحرص أن تكون أنت الأنموذج الجميل للإخوَّة الصادقة، في دينك، وخلقك، واعلم أنك ستجد - إن شاء الله - من يكون أخاً لك على مثل ما أنت عليه. واعلم أنه إذا كانت الأخوَّة في الله الحقيقية قليلة في هذا الزمان: فإن الباحث عنها أقل من القليل. واستمع لشكوى من إمام في العلم مثل شكواك، وانظر كيف عالجها، في كلام يشبه ما ذكرناه آنفاً من واقع الحال، مع التنبيه أن هذا الإمام كان يعيش في القرن السادس! . قال ابن الجوزي – ﵀: كان لنا أصدقاء، وإخوان، أعتد بهم، فرأيت منهم من الجفاء، وترك شروط الصداقة، والأخوَّة: عجائب، فأخذت أعتب. ثم انتبهت لنفسي، فقلت: وما ينفع العتاب، فإنهم إن صلحوا: فللعتاب، لا للصفاء. فهممت بمقاطعتهم، ثم تفكرتُ فرأيت الناس بي معارف، وأصدقاء في الظاهر، وإخوة مباطنين، فقلت: لا تصلح مقاطعتهم. إنما ينبغي أن تنقلهم من " ديوان الأخوة " إلى " ديوان الصداقة الظاهرة ". فإن لم يصلحوا لها: نقلتَهم إلى " جملة المعارف "، وعاملتهم معاملة المعارف، ومن الغلط أن تعاتبهم. فقد قال يحيى بن معاذ: بئس الأخ أخ تحتاج أن تقول له اذكرني في دعائك. وجمهور الناس اليوم معارف، ويندر فيهم صديق في الظاهر، فأما الأخوَّة والمصافاة: فذاك شيء نُسخ، فلا يُطمع فيه. وما رأى الإنسان تصفو له أخوَّة من النسب، ولا ولده، ولا زوجته. فدع الطمع في الصفا، وخذ عن الكل جانباً، وعاملهم معاملة الغرباء. وإياك أن تنخدع بمن يظهر لك الود؛ فإنه مع الزمان يبين لك الحال فيما أظهره، وربما أظهر لك ذلك لسبب يناله منك. وقد قال الفضيل بن عياض: إذا أردت أن تصادق صديقاً: فأغضبه، فإن رأيته كما ينبغي: فصادقه. وهذا اليوم مخاطرة؛ لأنك إذا أغضبت أحداً: صار عدواً في الحال. والسبب في نسخ حكم الصفا: أن السلف كان همتهم الآخرة وحدها، فصفت نياتهم في الأخوة، والمخالطة، فكانت دِيناً لا دنيا. والآن: فقد استولى حب الدنيا على القلوب، فإن رأيت متملقاً في باب الدين: فاخبُرهُ: تَقْلَهُ – أي: إن اختبرته: تبين لك منه ما يبعدك عنه -. " صيد الخاطر " (ص ٣٩١، ٣٩٢) . والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13465

مصارحة الإخوان والأصحاب بالمحبة [السُّؤَالُ] ـ[إذا أحب أحد الإخوة المسلمين أخا مسلما آخر، فهل يجب أن يقول لهذا الأخ: " إني أحبك في الله "؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله المصارحة بمحبة الإخوان والأصحاب من آداب الصحبة الصالحة، ومن كريم الأخلاق ومحاسن الشيم. والمصارحة بالمحبة مما يزيد أواصر المحبة، والترابط بين المسلمين. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: (أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَعْلَمْتَهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَعْلِمْهُ. قَالَ: فَلَحِقَهُ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ. فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ) رواه أبو داود (رقم/٥١٢٥) ، وصححه النووي في "رياض الصالحين" (١٨٣) ، وحسنه الألباني في "صحيح أبي داود". وفي بعض روايات الحديث: (أعلمه فإنه أثبت للمودة بينكما) رواه ابن أبي الدنيا في "الإخوان" (٦٩) . قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " وذلك لما في هذه الكلمة من إلقاء المحبة في قلبه؛ لأن الإنسان إذا علم أنك تحبه أحبك، مع أن القلوب لها تعارف وتآلف وإن لم تنطق الألسن، وكما قال النبي ﵊: (الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) ، لكن إذا قال الإنسان بلسانه فإن هذا يزيده محبة في القلب، فتقول: إني أحبك في الله " انتهى. "شرح رياض الصالحين". وعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ إِيَّاهُ) رواه الترمذي (٢٣٩٢) . وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٤١٧) . وعن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أحب أحدكم أخاه في الله فليبين له، فإنه خير في الألفة، وأبقى في المودة) قال الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١١٩٩) : " رواه وكيع في " الزهد " (٢ / ٦٧ / ٢) بسند صحيح عن علي بن الحسين مرفوعا. قلت (الألباني) : وعلي بن الحسين هو ابن علي بن أبي طالب: ثقة جليل من رجال الشيخين، فهو مرسل صحيح الإسناد. وله شاهد من حديث مجاهد مرسلا أيضا. رواه ابن أبي الدنيا في " كتاب الإخوان " كما في " الفتح الكبير " (١ / ٦٧) . وله شاهد آخر عن يزيد بن نعامة الضبي خرجته في الكتاب الآخر (١٧٢٦) ، فالحديث بمجموع الطرق حسن إن شاء الله تعالى " انتهى. والمقصود من هذا: الاستحباب، وليس الإلزام والوجوب. قال المناوي ﵀: " (فليخبره أنه يحبه لله) فليخبره بمحبته له ندبا، بأن يقول له إني أحبك لله. أي: لا لغيره من إحسان أو غيره، فإنه أبقى للألفة، وأثبت للمودة، وبه يتزايد الحب ويتضاعف، وتجتمع الكلمة، وينتظم الشمل بين المسلمين، وتزول المفاسد والضغائن. وهذا من محاسن الشريعة" انتهى. "فيض القدير" (١/٣١٩) . وانظر جواب السؤال رقم: (١٧٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13466

شعور الحب نحو الناس يتفاوت [السُّؤَالُ] ـ[ما هو السبب الذى يجعل المسلم يُكِنُّ مشاعر الحب لقليل من المسلمين دون غيرهم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله للمسلم على المسلم حقوق كثيرة، منها: حق الأخوة الذي ذكره الله في كتابه، فقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) الحجرات/١٠ وله حق الولاية والنصرة المذكور في قوله : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) التوبة/٧١ كما للمسلم على المسلم حق حب الخير له، وإرادة السعادة والتوفيق من غير بغض ولا حسد ولا حقد. عَنْ أَنَس بن مالك ﵁، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) رواه البخاري (١٣) ومسلم (٤٥) وبقدر هذه الحقوق ينشأ في القلب قدر من المحبة لجميع المسلمين، عربيهم وعجميهم، قريبهم وبعيدهم، أبيضهم وأسودهم، يبعث عليه عقيدة التوحيد المشتركة بينهم، وهي محبة تابعة لحب الله تعالى المغروس في قلب كل مسلم، لأن من أحب شيئا أحب من أحبه أيضا. ومع ذلك فتفاوت قدر محبة المسلم للمسلم ليس بمستغرب ولا مستنكر، ولا حرج فيه شرعا ولا طبعا، وذلك لسببين مهمين: السبب الأول: تفاوت المسلمين في الصلاح والتقوى، وتفاضلهم في مراتب الخُلُق والأدبِ والمروءات، ولما كانت المحبة ناشئة أصلا بسبب التزام المسلم بأوامر الله، تفاوتت هذه المحبة بحسب تفاوت الاستقامة من مسلم لآخر. وهذا أمر مقرر معلوم، ألا ترى أنه يجب على المسلم أن يحب جميع صحابة رسول الله ﷺ ، ويجب عليه مع ذلك أن يخص العشرة المبشرين بالجنة بمزيد محبة وإجلال وتقدير، وما ذلك إلا لتفاوت قدرهم عند الله تعالى. السبب الثاني: قيام أسباب المحبة الأخرى في بعض المسلمين دون الآخرين، فالمحبة ليست مقصورة على سبب واحد، وهو الاستقامة على طاعة الله، بل لها أسباب أخرى كثيرة: منها المناسبة بين قلب المحبوبين، والمشاكلة الروحية بينهما، والإحسان والمعروف من أهم أسباب قيام المحبة أيضا، كما أن جمال الروح والصورة من أهم بواعث المحبة. فإذا اجتمعت هذه الأسباب أو بعضها في أحد الناس عظمت محبته، وقويت مودته، وكان إلى القلوب أقرب من غيره. ونحن ننقل هنا كلاما مفيدا للعلامة ابن قيم الجوزية ﵀، يشرح فيه دواعي المحبة وأسبابها، وكيف تتفاوتت هذه الدواعي بين الناس، فيقول ﵀: " التناسب الذي بين الأرواح من أقوى أسباب المحبة، فكل امرىء يصبو إلى ما يناسبه، وهذه المناسبة نوعان: أصلية من أصل الخلقة. وعارضة بسبب المجاورة أو الاشتراك في أمر من الأمور. فإن من ناسب قصدُك قصدَه حصل التوافق بين روحك وروحه، فإذا اختلف القصد زال التوافق. فأما التناسب الأصلي فهو اتفاق أخلاق، وتشاكل أرواح، وشوق كل نفس إلى مشاكلها، فإن شبه الشيء ينجذب إليه بالطبع، فتكون الروحان متشاكلتين في أصل الخلقة، فتنجذب إليه بالطبع. وهذا الذي حمل بعض الناس على أن قال: إن العشق لا يقف على الحسن والجمال، ولا يلزم من عدمه عدمه، وإنما هو تشاكل النفوس وتمازجها في الطباع المخلوقة، كما قيل: وما الحب من حسن ولا من ملاحة ... ولكنه شيء به الروح تكلف فحقيقته أنه مرآة يبصر فيها المحب طباعه ورقته في صورة محبوبة، ففي الحقيقة لم يحب إلا نفسه وطباعه ومُشاكله. ولهذا كانت النفوس الشريفة الزكية العلوية تعشق صفات الكمال بالذات، فأحب شيء إليها العلم والشجاعة والعفة والجود والإحسان والصبر والثبات لمناسبة هذه الأوصاف لجوهرها، بخلاف النفوس اللئيمة الدنية، فإنها بمعزل عن محبة هذه الصفات، وكثير من الناس يحمله على الجود والإحسان فرط عشقه ومحبته له، واللذة التي يجدها في بذله، كما قال المأمون: لقد حُبِّب إلي العفو حتى خشيت أن لا أؤجر عليه. وقيل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: تعلمت هذا العلم لله؟ فقال: أما لله فعزيز، ولكن شيء حبب إلي ففعلته. وقال آخر: إني لأفرح بالعطاء وألتذ به أكثر وأعظم مما يفرح الآخذ بما يأخذه مني. وأما عشاق العلم فأعظم شغفا به وعشقا له من كل عاشق بمعشوقه، وكثير منهم لا يشغله عنه أجمل صورة من البشر. وحدثني شيخنا – يعني ابن تيمية - قال: ابتدأني مرض، فقال لي الطبيب: إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض. فقلت له: لا أصبر على ذلك، وأنا أحاكمك إلى علمك، أليست النفس إذا فرحت وسرت قويت الطبيعة فدفعت المرض؟ فقال: بلى. فقلت له: فإن نفسي تسر بالعلم فتقوى به الطبيعة فأجد راحة. فقال: هذا خارج عن علاجنا أو كما قال. فإذا كانت المحبة بالمشاكلة والمناسبة ثبتت وتمكنت، ولم يُزِلها إلا مانع أقوى من السبب. وإذا لم تكن بالمشاكلة فإنما هي محبة لغرض من الأغراض، تزول عند انقضائه وتضمحل. وقد ذكر الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في مسنده من حديث عائشة ﵂: أن امرأة كانت تدخل على قريش فتضحكهم، فقدمت المدينة، فنزلت على امرأة تضحك الناس، فقال النبي ﷺ : على مَن نزلت فلانة؟ قالت: على فلانة المضحكة. فقال: الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. وأصل الحديث في الصحيح. وأنت إذا تأملت الوجود لا تكاد تجد اثنين يتحابان إلا وبينهما مشاكلة أو اتفاق في فعل أو حال أو مقصد، فإذا تباينت المقاصد والأوصاف والأفعال والطرائق لم يكن هناك إلا النفرة والبعد بين القلوب، ويكفي في هذا الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) " انتهى باختصار. "روضة المحبين" (٦٦-٧٤) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13467

أخت زوجها تسبب لهم المشاكل [السُّؤَالُ] ـ[أنا امرأة مُتزوجة وأُمٌ لِثلاثة أولاد , وزوجي يخشى الله , ويبَرُّ والديه , إلاّ أنّ أُختَ زوجي تسبِِّبُ دائما المشاكل بيني وبين زوجي , حيث إنّها تكذِبُ عليه في كثير من الأمور، مِمّا يُؤدي بِنا دائما إلى المُشاجرة، وقد ينعكِس على حياتِنا الزوجية، لكن في الأخير عرَف زوجي الحقيقة بأنّها تَكذب، هذه المرة تعقدت الأمور جدا؛ حيث إنّها وصلت بِها الجرأة إلى السّب والشتم وانتِهاك عرضي وعرضَ زوجي , وحرَّضت والِديه عليه وعليَّ بالبُهتان، لِتُبرِّئ نَفسَها , مع العلم أنّها البنت الوحيدة لديهما , مما يزيد التعلُّق بقولِها , فصدّقاها وكذّبا زوجي، ممّا أدّى إلى تَوَتُر العلاقات بين زوجي ووالِديه، ومعي كذَلِك , ومع هذا كُلُّه فهو يصل والديه , ولإخوته الباقين , إلاّ هيَ. فهل على زوجي إِثم في قَطعِ صِلة الرَّحم بها؟ وأنا هل تُعتَبر صِلة رَحم لي؟ مع العلم أنِّي حاولت بِعِدّة طُرُق مباشرة أو غير مباشرة التَقرُّب إليها , مَثَلا إهدائها الهدايا , إكرام ضِيافَتِها إلخ، أمّا الآن أُريد الابتعاد عنها لتَجنُب الفِتنة بيني وبين عائلة زوجي , وكي لا أكون عائقا بين زوجي ووالديه، أمّا بالنسبة إلى والديه فأُريد أن أَبقَى على علاقة من بعيد، حيث الاتصال بهما في المُناسبات، وجزاكم الله خيراً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أسأل الله سبحانه أن يصلح الأحوال، وألا يجعل للشيطان عليكم سبيلا، وأن يهديكم لما فيه الخير والصلاح وقد أحسنتِ غاية الإحسان في المبادرة بالصلح والتفاهم، وبهذا أديت الواجب عليك، ورفعت عنك الإثم والمؤاخذة، فسعيك مقبول إن شاء الله، وبعد بذل الأسباب في محاولة الإصلاح ودرء المشكلات: قد يكون البعد أفضل علاج، أعني بُعدك عن أخت زوجك والاحتكاك بها، خاصة إذا بلغت الأمور إلى الطعن في الأعراض، وكذا البعد عن والدي زوجك، إذا كانت الصلة تسبب المشاكل، فإن أهل الزوج ليسو من أرحامك الذين تجب عليك صلتهم، كما سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٧٥٠٥٧) . وإنما هم أرحام الزوج، فلا يجوز في حقه هو قطيعتهم، وإن كانوا يؤذونه، ويتطاولون عليه عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُم وَيَقطَعُونِي، وَأُحسِنُ إِلَيهِم وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحلُمُ عَنهُم وَيَجهَلُونَ عَلَيَّ. فَقَالَ: لَئِن كُنْتَ كَمَا قُلتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ المَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيهِم مَا دُمتَ عَلَى ذَلِكَ. رواه مسلم (٢٥٥٨) قال النووي – ﵀: معناه: كأنما تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، ولا شئ على هذا المحسن، بل ينالهم الإثم العظيم في قطيعته وإدخالهم الأذى عليه، وقيل معناه: إنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم من الخزي والحقارة عند أنفسهم كمن يسف المل، وقيل: ذلك الذي يأكلونه من إحسانك كالمل يحرق أحشاءهم. " شرح مسلم " (١٦ / ١١٥) . وعليه أن يتحمل كل أذى يناله منهم، ويتحرى وصلهم بالحدود التي لا تزيد المشاكل، ولا تفاقم الأمور، وليستعمل الرفق والتهذيب في معاملة أخته؛ لعل الله أن يهديها إلى الخير والصلاح، فيحاول نصحها وبيان حقيقة الأمور، وليستعن عليها بمن هو أقرب إليه منها، ولا يعامل والديه إلا بالحسنى، وعليكِ أن تعينيه على ذلك، وتحثيه على صلتهم والإحسان إليهم، وذكريه بقول الله تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) فصلت/٣٤،٣٥ وقد سئل علماء اللجنة الدائمة عن مشكلة مشابهة لما عرضت في السؤال فكان جوابهم: نوصيك ببر والدتك، وطيب الكلام معها، وعدم إظهار التضجر منها، وعليك بمداومة نصيحة أختك بالأسلوب الحسن للكف عن إثارة المشكلات إن كانت غير محقة. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٥ / ٢٥٤) . ولتكن نيتكِ في بعدكِ عنهم النظر إلى وقت صفاء النفوس، ومراجعة المواقف، حتى يأذن الله تعالى بالمحبة والمودة بينكم، فتعود العلاقات الطيبة إلى أسرتكم، فإن ذلك من أعظم المقاصد التي جاءت الشريعة لتحقيقها بين الناس. وقد جاء في " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٦ / ١٢٧) : أمر الشرع المطهر بغرس المحبة بين المسلمين، وحثهم على التواد والتراحم والتواصل بينهم حتى تستقيم أمورهم، وتصفو نفوسهم، ويكونوا يدا واحدة على من سواهم، وقد حذرهم من العداوة والبغضاء، كما نهاهم عن الهجران والقطيعة بينهم، وجعل الهجر ما فوق الثلاث محرما. ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لَا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أن يَهجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلتَقيَانِ فَيُعرِضُ هَذَا وَيُعرِضُ هَذَا، وَخَيرُهُمَا الذِي يَبدَأُ بِالسَّلَامِ) ، وفي سنن الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إِيَّاكُم وَسُوءَ ذَاتِ البَينِ، فَإِنَّها الحَالِقَةُ) أي: تحلق الدِّين. والواجب على المسلم إذا وقع بينه وبين أخيه شحناء أن يذهب إليه، ويسلم عليه، ويتلطف له في إصلاح ذات بينهما، فإن في ذلك أجرا عظيما، وسلامة من الإثم. انتهى والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13468

بين النفاق والمداراة [السُّؤَالُ] ـ[١. أود معرفة الخط الفاصل بين النفاق والمجاملة؛ ذلك أني ألمس في الكثير من الأحيان ازدواجية في سلوك الناس وتصرفاتهم تبعا للمصلحة والأهواء، ويقال: إن الأمر مجرد مجاملة فهل هذا صحيح؟ ٢. وهل يمكن أن يشوب الصداقة الحقة بعض النفاق؛ ذلك أن لي صديقة لم تحمل لي من الود ما كنت اعتقده، كانت لها مكانة في قلبي لا ينازعها عليها أحد، واكتشفت أخيرا أن مكانتي لديها لا تساوي شيئا مطلقا، وسلوكها معي لسنوات تحكمه الأقنعة الزائفة، كنت أعتقد، وكان الكل يجزم قطعا، أن الصداقة بيننا قوية، وإلى الآن لست أدري كيف لي أن أتبرأ من هذه الصداقة بعد أن علمت بحقيقتها. ٣. فهل سلوك هذه الصديقة يعد نفاقا؟ ٤. وما جزاء نفاق الأصدقاء؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كثيراً ما يخلط بعض الناس بين مفاهيم النفاق والمداراة والمداهنة، وسبب ذلك غياب معاني الأخوة والصحبة الصادقة في الذهن والواقع، فلم تعد قلوبهم تفرق بين الحق والباطل، وبين الإحسان والإساءة. أولاً: إذا أُطلق لفظ النفاق فإنه يستوحي معانيَ الشر كلها، ولم يكن النفاق يوما محمودا ولو من وجه ما، ويعرِّفُه علماء السلوك بأنه إظهار الخير للتوصل إلى الشر المضمر. فالمنافق لا يبتغي الخير أبدا، وإنما يسعى للإضرار بالناس وخيانتهم وجلب الشر لهم، ويتوصل إلى ذلك بإظهار الخير والصلاح، ويلبَسُ لَبوس الحب والمودة. يقول في التحذير من صحبة المنافقين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ. هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) آل عمران/١١٨-١١٩. وهكذا كل من يصاحب الناس فيظهرُ لهم الخير والمودة، وفي حقيقة أمره إنما يسعى في أذاهم، ويتمنى النيل منهم، ويطلبُ الشرَّ لهم. ثانياً: أما المُدَارِي (وهو المُجَامِلُ أيضا) فلا يُضمِرُ الشر لأحد، ولا يسعى في أذية أحد في ظاهر ولا في باطن، ولكنه قد يظهر المحبة والمودة والبِشر وحسن المعاملة ليتألف قلب صاحب الخلق السيء، أو ليدفع أذاه عنه وعن غيره من الناس، ولكن دون أن يوافقه على باطله، أو يعاونَه عليه بالقول أو بالفعل. قال ابن مفلح الحنبلي – ﵀: وقيل لابن عقيل في فنونه: أسمع وصية الله (ادْفَعْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) ، وأسمع الناس يعدون من يظهر خلاف ما يبطن منافقا , فكيف لي بطاعة الله تعالى والتخلص من النفاق؟ . فقال ابن عقيل: " النفاق هو: إظهار الجميل , وإبطان القبيح , وإضمار الشر مع إظهار الخير لإيقاع الشر, والذي تضمنتْه الآية: إظهار الحسن في مقابلة القبيح لاستدعاء الحسن ". فخرج من هذه الجملة أن النفاق إبطان الشر وإظهار الخير لإيقاع الشر المضمر، ومن أظهر الجميل والحسن في مقابلة القبيح ليزول الشر: فليس بمنافق، لكنه يستصلح، ألا تسمع إلى قوله (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) ، فهذا اكتساب استمالة , ودفع عداوة , وإطفاء لنيران الحقائد , واستنماء الود، وإصلاح العقائد , فهذا طب المودات، واكتساب الرجال. " الآداب الشرعية " (١ / ٥٠، ٥١) . ولذلك كانت المداراة من الأخلاق الحسنة الفاضلة، وذكر العلماء فيها من الآثار والأقوال الشيء الكثير. قال ابن بطال ﵀: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة. " فتح الباري " (١٠ / ٥٢٨) وقد أنشأ البخاري ﵀ في صحيحه بابا بعنوان: (باب المداراة مع الناس) وقال فيه: " ويُذكَرُ عن أبي الدرداء: إِنَّا لنُكَشِّرُ في وجوهِ أقوامٍ وإنَّ قُلوبَنا لَتَلعَنُهُم ". ومعنى " لنكشر ": من الكشر، وهو ظهور الأسنان، وأكثر ما يكون عند الضحك، وهو المراد هنا. وأسند في هذا الباب حديث عائشة ﵂: (أَنَّهُ استَأذَنَ عَلَى النّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: ائذَنُوا لَهُ فَبِئسَ ابنُ العَشِيرَةِ أَو بِئسَ أَخُو العَشِيرَةِ. فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الكَلَامَ. فَقُلتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قُلتَ مَا قُلتَ ثُمَّ أَلَنتَ لَهُ فِي القَولِ؟ فَقَالَ: أَيْ عَائِشَةُ! إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنزِلَةً عِندَ اللَّهِ مَن تَرَكَهُ أَو وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحشِهِ) قال ابن مفلح الحنبلي – ﵀: وقول أبي الدرداء هذا ليس فيه موافقة على محرَّم، ولا في كلام , وإنما فيه طلاقة الوجه خاصة للمصلحة وهو معنى ما في الصحيحين وغيرهما عن عائشة ﵂: يَا عَائِشَةُ إنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ النَّاسُ أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ. قَالَ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " وَغَيْرِهِ: " فيه مداراة من يتقى فحشه، ولم يمدحه النبي ﷺ ولا أثنى عليه في وجهه، ولا في قفاه، إنما تألفه بشيء من الدنيا مع لين الكلام ". وقد ذكر ابن عبد البر كلام أبي الدرداء في فضل حسن الخلق. " الآداب الشرعية " (١ / ٥٠) . وقد كتب أهل العلم فصولا في " المداراة " حتى أفرد ابن أبي الدنيا جزءً بعنوان " مداراة الناس "، وكان مما أسنده فيه في (ص / ٤٨ و ٥٠) : عن حميد بن هلال قال: أدركتُ الناس يَعُدُّون المداراة صدقة تُخرج فيما بينهم. وعن الحسن قال: التودد إلى الناس نصف العقل ". انتهى. وقال حنبل إنه سمع أبا عبد الله – أي: أحمد بن حنبل - يقول: والناس يحتاجون إلى مداراة ورفق، وأمر بمعروف بلا غلظة، إلا رجل معلن بالفسق فقد وجب عليك نهيه وإعلامه. " الآداب الشرعية " (١ / ١٩١) . وسئل الشيخ ابن باز ﵀: في بعض الظروف تقتضي المجاملة بأن لا نقول الحقيقة، فهل يعتبر هذا نوعا من الكذب؟ فأجاب: هذا فيه تفصيل: فإن كانت المجاملة يترتب عليها جحد حق أو إثبات باطل: لم تجز هذه المجاملة، أما إن كانت المجاملة لا يترتب عليها شيء من الباطل، إنما هي كلمات طيبة فيها إجمال، ولا تتضمن شهادة بغير حق لأحد، ولا إسقاط حق لأحد: فلا أعلم حرجاً في ذلك. " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٥ / ٢٨٠) . ثالثاً: ومن المهم أيضا التفريق بين المداراة المحمودة، وبين المداهنة المذمومة، فقد يخلط الناس بينهما في حمأة اختلاط المفاهيم والأخلاق في هذه الأزمان. قال الحافظ ابن حجر ﵀: وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغَلِطَ؛ لأن المداراة مندوبٌ إليها، والمداهنةَ محرَّمة، والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها: معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة: هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وتركُ الإغلاظِ عليه حيث لا يُظهِر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك. " فتح الباري " (١٠ / ٥٢٨) . رابعاً: كثير من الأصحاب والأصدقاء – ويكثر ذلك في معشر النساء - يخطؤون في فهم الوجه الصحيح لصحبتهم، فينحون نحو المغالاة الظاهرة التي تدفعهم إلى التعلق الشديد، في حين يكون الطرف المقابل لا يرى كل تلك المعاني المبالغة، بل يقصد صحبة طيبة متزنة اقتضاها الحال والمقام، وحينئذ يصدم من كان يُعَلِّقُ على تلك الصحبة آمالا لا تكاد تحملها الجبال، فنحن بحاجة إلى ترشيد المودة التي قد تأسر قلوبنا تجاه أناس نحبهم، كي لا نُفاجأ يوما، فنظن قصورا من المعاني هدمت، وهي لم تكن مبنيةً يوما. يقول عمر بن الخطاب ﵁: " لا يكن حُبُّكَ كَلَفًا ولا بغضك تَلَفًا ". وفي المقابل نحن بحاجة إلى تعميق معاني الأخوة، الأخوة التي تقتضي الوفاء والصدق والإخلاص، وترفع التكلف والمجاملة والمداراة. وقديما قالوا: " إِذَا صَحَّتِ المَوَدَّةُ سَقَطَ التَّكَلُّفُ " جاء في " لسان العرب " (١١ / ١٢٣) : " وجامَل الرجلَ مُجامَلةً: لم يُصْفِهِ الإِخاءَ، وماسَحَه بالجَمِيل " انتهى. ولا شك أن مثل هذه المجاملة مذمومة، إذ ليس لها محل في سياق الأخوة والصحبة الصالحة، وإن وقعت المجاملة أحيانا بين الأصحاب فإنما تكون بحسب المقام فقط، درءا لفتنة أو حفظا لمودة، أما أن تكون المجاملة شعار تلك الصداقة، فذلك تشويه لجميع معاني الأخوة الصادقة. قال علي ﵁: شر الأصدقاء من تكلف لك، ومن أحوجك إلى مداراة، وألجأك إلى اعتذار. وقيل لبعضهم: من نصحب؟ قال: من يرفع عنك ثقل التكلف، وتسقط بينك وبينه مؤنة التحفظ. وكان جعفر بن محمد الصادق ﵄ يقول: أثقل إخواني علي من يتكلف لي وأتحفظ منه. " إحياء علوم الدين " (٢ / ١٨١) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13469

هل تلزمها زيارة زوجة أحد أقاربها ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا إنسانه أخاف الله - ولله الحمد - وأرجو منكم إفادتي في سؤالي هذا؛ لأني شديدة الحرص إذا كان يلزمني شيء أم لا، من باب خشيتي من خالقي.. هناك امراة من إحدى زوجات الأقارب، وساكنة في نفس المحافظة، وبما أنها زوجة أحد أقاربنا فهي تعتبر منا، ولكن في يوم من الأيام، حدثت مشكلة، ولم أكن أحمل في قلبي عليها شيئا، وأتمنى لها كل خير لها ولأولادها وزوجها، وفي كل مناسبة سواء كانت فرحا أو عيدا أو جمعة عند الأقارب أهنئها وأسلم عليها، ولكن هي لا تزورني في بيتي ولا أزورها ... هل يلحقني إثم؟ هل أعتبر قاطعة رحم؟ وماذا توصوني؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أسأل الله أن يجزيك على حرصك على البعد عن الآثام خير الجزاء، والله يحب العبد التقي، الذي يراقبه في السر والعلن، ويحاسب نفسه في جميع أموره، فلا يهنأ حتى يطمئن قلبه أنه لم يعص الله، ولم يقع في سخطه وغضبه. أما ما ذكرتِ من شأن خلافِكِ مع زوجة أحد أقاربك، فقد قمتِ بالخطوة الأولى الصحيحة حين سلمت عليها وهنئتها بكل مناسبة تمر عليكم، وينبغي إتمام الخير والمعروف بزيارتها ولو مرة، حتى لا يبقى في النفس شيء من الضغينة والكراهية، وتقطعين بذلك سبيل الشيطان عليكما، واحرصي على البعد عن كل ما يثير الخلاف والشقاق بينكما، إذ لا يجوز للمسلم أن يخاصم أخاه في أمور الدنيا التافهة، حتى يُستحب لمن ظُلم أن يعفو ويغفر، فكيف بخلاف يبدو أنه في أمور شكلية عادية!! وزوجة القريب ليست من الأرحام، ولكن صلة هذا القريب - إن كان من الأرحام - تقتضي زيارة زوجته، والسؤال عن حالها، والاهتمام بأمرها. وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة (٢٦/١٢٧) : " أمر الشرع المطهر بغرس المحبة بين المسلمين، وحثهم على التواد والتراحم والتواصل بينهم حتى تستقيم أمورهم، وتصفو نفوسهم، ويكونوا يدا واحدة على من سواهم، وقد حذرهم من العداوة والبغضاء، كما نهاهم عن الهجران والقطيعة بينهم، وجعل الهجر ما فوق الثلاث محرما. ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لَا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أن يَهجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلتَقِيَانِ فَيُعرِضُ هَذَا وَيُعرِضُ هَذَا، وَخَيرُهُمَا الذِي يَبدَأُ بِالسَّلَامِ) . وفي سنن الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إِيَّاكُم وَسُوءَ ذَاتِ البَينِ، فَإِنَّها الحَالِقَةُ) أي تحلق الدين. والواجب على المسلم إذا وقع بينه وبين أخيه شحناء أن يذهب إليه، ويسلم عليه، ويتلطف له في إصلاح ذات بينهما، فإن في ذلك أجرا عظيما، وسلامة من الإثم " انتهى. والحاصل: أنك لا تعتبرين قاطعة رحم بهذا، وعليك السعي في إزالة ما بينكما من شحناء. نسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13470

حكم المشاركة في الروابط القبلية التعاونية [السُّؤَالُ] ـ[أقاربي قاموا بعمل رابطة تعاونية، وقد شارك فيها كل أبناء العائلة، ويقوم مبدأ هذه الرابطة على التعاون فيما بينهم، بحيث لو حصلت أي مشكلة لأحد أبناء العائلة مع عائلة أخرى، فإنهم يقومون بحل هذه المشكلة، والإصلاح بين الطرفين، كما أن لهم اجتماعاً شهريّاً في بيت أحد الأعضاء (على الدور) يلتقون ويسلمون على بعض ويسمعون أخبار بعض وهكذا، ويتم أخذ مبلغ من المال من كل من يشارك في هذه الرابطة شهريّاً إذا كان المشارك يعمل، ويكون المال بحوزة أمين الصندوق، وتكون مصارف هذا المال على الأوجه التالية: ١. إقراض المحتاج من أبناء العائلة وتقسيط المبلغ عليه. ٢. المساعدة في دفع الدية أو تعويض لأي إنسان من عائلة أخرى يتم دهسه من قبل أحد أبناء العائلة أو تعرضه لمكروه من قبل أحد أبناء العائلة. ٣. إخراج الزكاة من هذا المال على المحتاجين من أبناء العائلة. ٤. تقوم الرابطة بعمل غداء بعد دفن أي ميت من أبناء العائلة ودعوة من كان على المقبرة للأكل منه بحجة أن فيهم القادم من بعيد وغير ذلك. وسؤالي هو: ما حكم المشاركة في مثل هذه الرابطة، وهل تعتبر من التعاون على البر والتقوى؟ وما حكم صنع الطعام لأهل الميت؟ وهل تنصحونا بالمشاركة فيها إذا تبين أن صنع الطعام لأهل الميت بهذه الطريقة حرام ولم يقبلوا نصيحتي بترك هذا الفعل - علماً بأن أقاربي أصبحوا ينظرون إلي نظرة خاصة لأني انسحبت منها حتى يتبين الحكم الشرعي -؟ ، وإذا كانت مثل هذه الرابطة لا تجوز فماذا تنصحون ليتكاتف أبناء العائلة ويتحدوا ولا يتفرقوا؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الروابط التي تجمع أفراد القبيلة أو الأسرة أمرٌ مشروع في أصله، ويُرجى أن يكون فيه خير إذا خلا من المحاذير الشرعية. وقد أمر الله تعالى بالتعاون على البر والتقوى، قال : (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة/٢. وقد أثنى النبي ﷺ على " الأشعريين " - وهم قوم من اليمن - كانوا إذا قلَّ طعامهم سفراً أو حضراً اجتمعوا فجاء كل واحدٍ منهم بما يملك ثم تقاسموا ما يجمعونه بينهم. فعن أبي موسى ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم) رواه البخاري (٢٣٨٤) ومسلم (٢٥٠٠) . قال النووي: " وفي هذا الحديث فضيلة الأشعريين , وفضيلة الإيثار والمواساة , وفضيلة خلط الأزواد في السفر , وفضيلة جمعها في شيء عند قلتها في الحضر , ثم يقسم " انتهى. " شرح مسلم " (١٦ / ٦٢) . والصناديق التعاونية التي تقيمها القبائل والأسر ويتم جمع اشتراكات من أفرادها، ثم الصرف على المحتاجين حسب الشروط التي يحددونها أمر مشروع وهو يشبه فعل الأشعريين، لكنه استباق لأمر المصيبة قبل وقوعها؛ ليتم التعاون على حلها، فيخف مصاب صاحبها. ويجب على المشتركين فيها أن يكون قصدهم التعاون فيما بينهم لا الاستفادة والربح , فقد سئل الشيخ ابن عثيمين عن إحدى هذه الجمعيات , فأجاب: " اطلعت على بنود الجمعية فلم أر فيها ما يمنع إنشاءها إذا كان مقصود المشترك التعاون دون التعويض والاستفادة من الصندوق , لأنها بنية التعاون تكون من باب الإحسان , وبنية التعويض والاستفادة من الميسر المحرم " انتهى. "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٨/١٨٣) . ومن المحاذير التي يمكن أن يقع فيها أهل تلك الروابط ما يكون بينهم من العصبية الجاهلية لنسبهم أو لغتهم، وما يكون في اجتماعاتهم من محرمات كشرب الدخان وسماع الغناء – مثلاً – وما يكون من إعانة صاحب المعصية على معصيته، أو الوقوف بجانب الظالم لمجرد أنه منتسب إليهم، وكذا ما يكون من استثمار للأموال المجموعة في مشاريع محرمة أو في بنوك ربوية. وأما الوقوف بجانب المظلوم أو صاحب الحاجة أو المتضرر من حادث أو مرض أو المساهمة في دفع دية الخطأ أو شبه العمد أو إعانة العزاب على الزواج وأمثال ذلك من أعمال البر والطاعة فهو أمر يشكرون عليه ويستحقون الدعم والمؤازرة. ثانياً: وأما صنع الطعام في الجنائز , فإن المشروع أن يصنع أقارب أهل الميت وجيرانهم الطعام لأهل الميت، لأنهم جاءهم ما يشغلهم عن إعداد الطعام لأنفسهم. فعن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: لما جاء نعي جعفر قال النبي ﷺ : (اصنعوا لأهل جعفر طعاماً فإنه قد جاءهم ما يشغلهم) رواه أبو داود (٣١٣٢) والترمذي (٩٩٨) وابن ماجه (١٦١٠) وحسنه الألباني في صحيح أبي داود. قال المباركفوري: "والمعنى: جاءهم ما يمنعهم من الحزن عن تهيئة الطعام لأنفسهم فيحصل الهم والضرر وهم لا يشعرون، قال الطيبي: دلَّ على أنه يستحب للأقارب والجيران تهيئة طعام لأهل الميت انتهى، قال ابن العربي في " العارضة ": والحديث أصل في المشاركات عند الحاجة " انتهى. " تحفة الأحوذي " (٤ / ٦٧) . والمحذور هو صنع أهل الميت العام للمعزين، لقول جرير بن عبد الله البجلي ﵁: (كُنَّا نَعُدُّ الاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنِيعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنْ النِّيَاحَةِ) رواه أحمد (٦٨٦٦) صححه الألباني في "أحكام الجنائز". لكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك، كما لو جاء للتعزية أناس من بعيد فلا حرج من صنع الطعام لهم، على أن يكون ذلك على قدر الحاجة، ولا يكون فيه إسراف ولا مباهاة، ويكون للمسافرين فقط، ولا يُدعى إليه كل من حضر الجنازة كما يفعل البعض. قال ابن قدامة في "المغني" (٣/٤٩٦) : " فأما صنع أهل الميت طعاما للناس , فمكروه ; لأن فيه زيادة على مصيبتهم , وشغلا لهم إلى شغلهم , وتشبها بصنع أهل الجاهلية. . . وإن دعت الحاجة إلى ذلك جاز ; فإنه ربما جاءهم من يحضر ميتهم من القرى والأماكن البعيدة , ويبيت عندهم , ولا يمكنهم إلا أن يضيفوه " انتهى. وقال الشيخ ابن باز: " أما أهل الميت فليس لهم صنع الطعام للناس؛ أما إذا صنعوا ذلك لأنفسهم أو لضيوف نزلوا بهم فلا بأس " انتهى. "مجموع فتاوى ابن باز" (١٣/٣٩٢) . ثالثاً: وقد ذكرت في سؤالك أن المال المجموع تخرج زكاته إلى المحتاجين من أبناء العائلة , وهذا المال لا زكاة فيه، فقد سئل الشيخ محمد بن العثيمين ﵀ عن مثل هذه الجمعية وإخراج الزكاة من صندوقها فأجاب: " أموال هذا الصندوق ليس فيها زكاة , لأنها خارجة عن ملك المشتركين فليس لها مالك معين , ولا زكاة فيما ليس له مالك معين " انتهى. "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٨/١٨٤) . وعلى أهل العلم والاستقامة أن يشاركوا في هذه الروابط لنصحهم وتوجيههم، وتحذيرهم من الوقوع في المعاصي والآثام، وإعانتهم على البر والتقوى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13471

حكم التخاصم وفضل الإصلاح بين المتخاصمين [السُّؤَالُ] ـ[لدينا في الفصل زميلتان متخاصمتان في رمضان، ومنذ فترة طويلة وهم على ذلك الحال، والعلاقة بيني وبينهم ليست قوية، أريد أن أصلح بينهما لأحصل على أجر الإصلاح بين الناس، وأريد رسالة أكتبها إليهما، ولكني أخشى المواجهة، أرجو أن تنال رسالتي اهتمامكم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إن ما تحرصين عليه أيتها الأخت لهو من مكارم الأخلاق. قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) الأنفال/١. وقال تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) النساء/١١٤. وقد أخبر النبي ﷺ أن الإصلاح بين الناس أفضل من تطوع الصيام والصلاة والصدقة. عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: صَلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ) قَالَ الترمذي: وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (هِيَ الْحَالِقَةُ. لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ) . رواه أبو داود (٤٢٧٣) والترمذي (٢٤٣٣) . وحسنه الألباني في صحيح الترمذي. وقد أجاز الشرع المطهر الكذب من أجل هذا الأمر العظيم، فيجوز لكِ أن تنقلي لكلا الطرفين المتخاصمين مدح الطرف الآخر وثناءه عليه، رغبةً في الإصلاح، وليس هذا من الكذب المحرم. عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أنها سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: (لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا) . رواه البخاري (٢٤٩٥) . ثانياً: الهجر بين المسلمين من المحرمات، ويمكنك تذكير الطرفين بالنصوص الدالة على هذا، ومنها: من القرآن الكريم: أ. قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) الأنفال/٤٦. ب. وقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) آل عمران/١٠٣. ومن السنة النبوية: أ. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) رواه البخاري (٦٠٦٥) ومسلم (٢٥٥٩) . ب. عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ) . رواه البخاري (٥٧٢٧) ومسلم (٢٥٦٠) . ج. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلا رَجُلا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا) . رواه مسلم (٢٥٦٥) . قال النووي: " (أَنْظِرُوا هَذَيْنِ) أي: أَخِّرُوهُمَا حَتَّى يَرْجِعَا إِلَى الصُّلْح وَالْمَوَدَّة ". انتهى. د. عن أبي خراش السلمي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ) . رواه أبو داود (٤٩١٥) . وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" (٢٧٦٢) . فهذه النصوص تدل على تحريم هجر المسلم لأخيه، بترك السلام عليه والإعراض عنه أكثر من ثلاثة أيام، ما لم يكن الهجر بسبب شرعي ويترتب عليه مصلحة فإنه يجوز أكثر من ثلاثة أيام. انظر السؤال (٢١٨٧٨) . فعليك أن تذكري المتخاصمتين بهذه الآيات والأحاديث، وتحاولي التقريب بين وجهات النظر، والحث على نبذ الفرقة والخلاف، ويمكنك مخاطبة كل واحدة منهما مباشرة كما يمكنك كتابة هذه النصوص في ورقة ودفعها لهما لقراءتها. ونسال الله أن يوفقك لما فيه الخير. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13472

المسلمون في بريطانيا [السُّؤَالُ] ـ[لماذا لا يكون المجتمع المسلم قويّاً، ويعمل بشكل موحد ومتكاتف في بريطانيا كما هو الحال في شمال أفريقيا؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله حتى يكون المجتمع قويّاً فإن عليه أن يجتمع على الكتاب والسنة وفهم سلف هذه الأمة حتى يمكنهم الرجوع لشيء معصوم يفصل بينهم في الخلاف، وينبغي أن يتكاتف المسلمون بعضهم مع بعض فيعين الأخ أخاه وينصح المطيعُ المقصِّرَ، وينبغي أن يعرف المسلم أعداء الدين حتى يكون براءته منهم واضحة. وعلى المسلمين تكوين مجلس شرعي يُرجع فيه إليه لفض الخلافات وللمطالبة بحقوقهم الشرعية، ولمتابعة المسلمين في تعليمهم وتربيتهم وتوجيههم، وللوقوف على حل طعامهم وشرابهم وشرعية تغسيلهم ودفنهم ... وغير ذلك من الأشياء التي يحتاجون إليها. وللمجتمع القوي مقومات وما ذكرناه هو أبرزها. ونسأل الله أن يوفق المسلمين في كل مكان لأن يكونوا أمَّة واحدة على قلب رجل واحد. ولا نعلم بالتحديد واقع في بريطانيا وما هي المشاكل التي يواجهونها، ويمكنكم مراسلة من تعرفون هناك من أهل العلم أو المؤسسات الإسلامية العاملة لمعرفة واقع المسلمين هناك ومعرفة الثغرات، ويمكننا المساهمة – بعدها – في حلها قدر المستطاع. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13473

هل يقول لصديقه: خليلي [السُّؤَالُ] ـ[إذا قال شخص ما لصديقه أنت خليلي، أو فلان خليلي، فما الحكم في ذلك.؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا مانع أن يقول الإنسان لمن يحبه في الله " أنت خليلي "، وقد قال بعض الصحابة تلك الكلمة في حق النبي ﷺ ، والخُلَّة هي أعلى درجات المحبة. وأما النبي ﷺ فإنه ليس له خليل؛ لأن الله تعالى قد اتخذه خليلاً، وهذا لا ينافي ما ذكره الصحابة من اتخاذهم له خليلاً؛ إذ لا يشترط في الخلة أن تكون من الطرفين. عن أبي ذر قال: سمعتُ النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله تعالى قد اتَّخذني خليلاً كما اتَّخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنتُ متَّخذاً من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن مَن كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك. رواه مسلم (٥٣٢) . عن أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر. رواه البخاري (١١٢٤) ومسلم (٧٢١) . قال الحافظ ابن حجر: الخليل: الصديق الخالص، الذي تخللت محبتُه القلبَ فصارت في خلاله أي: في باطنه , واختلف هل الخلة أرفع من المحبة أو العكس؟ وقول أبى هريرة هذا لا يعارضه ما تقدم من قوله ﷺ " لو كنتُ متخذاً خليلاً لاتخذتُ أبا بكر "؛ لأن الممتنع أن يتخذ هو ﷺ غيره خليلاً لا العكس , ولا يقال إن المخاللة لا تتم حتى تكون من الجانبين لأنا نقول: إنما نظر الصحابي إلى أحد الجانبين فأطلق ذلك , أو لعله أراد مجرد الصحبة أو المحبة. " فتح الباري " (٣ / ٥٧) . وقد تكررت العبارة من أبي هريرة – ﵁ – أكثر من مرة. وقالها الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري في حقه ﷺ ، كما رواه البخاري (١٣٤٢) ومسلم (٩٩٢) ، وفي حديث آخر عند مسلم (٦٤٨) . وتحسن الإشارة هنا إلى أنه ينبغي على الإنسان النظر قبل إطلاق هذه العبارة التي تدل على زيادة المحبة وخلوص الصداقة إلى مبنى هذه العلاقة ومقصودها وأن تكون بعيدة عن التعلقات المحرمة أو التي ليست فيما يرضى الله، حتى لا تكون حسرة وندامة يوم القيامة و (الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) الزخرف / ٦٧ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13474

هل للمسلم أن يكون صديقاً مخلصاً لكافر ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لدي شبه حول الإسلام فهل يمكن أن توضحها لي؟ هل يجوز للمسلم أن يكون صديقاً مخلصاً لشخص غير مسلم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يجوز للمسلم أن يصادق المشرك أو أن يتخذه خليلاً، لأن الإسلام يدعو إلى هجر الكافرين والتبرؤ منهم لأنهم عبدوا غير الله تعالى، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور) الممتحنة/١٣. وأرشد الرسول ﷺ إلى ذلك: ١- فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي) " رواه الترمذي/٢٣٩٥، وأبو داوود/٤٨٣٢ قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن وحسنه الألباني في صحيح الترمذي/٢٥١٩ " قال أبو عيسى الخطابي: وإنما حذر من صحبة من ليس بتقي وزجر عن مخالطته ومؤاكلته، لأن المطاعم توقع الألف والمودة في القلوب. يقول: لا تؤالف من ليس من أهل التقوى والورع، ولا تتخذه جليساً تطاعمه وتنادمه. " معالم السنن / هامش مختصر سنن أبي داوود (٧/١٨٥، ١٨٦) . ٢- وعن سمرة عن النبي ﷺ قال: (لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا) رواه البيهقي (٩/١٤٢) والحاكم (٢/١٥٤) وقال صحيح على شرط البخاري، والحديث صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢/٢٢٩) بشواهده. ولكن تجوز معاملتهم بالحسنى من أجل يسلموا. عن أنس ﵁ قال: كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم ﷺ – فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: (الحمد لله الذي أنقذه من النار) رواه البخاري/١٢٩٠. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13475

كيف نواسي إخواننا المحتاجين والمصابين [السُّؤَالُ] ـ[ما هو واجبنا تجاه إخواننا المسلمين الذين أُصيبوا بالمصائب والنكبات في أنحاء العالم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) وقال يصفهم: (أشداء على الكفار رحماء بينهم) وقال النبي ﷺ : (إِنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنْ الْجَسَدِ يَأْلَمُ الْمُؤْمِنُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ كَمَا يَأْلَمُ الْجَسَدُ لِمَا فِي الرَّأْسِ) رواه الإمام أحمد وقد لخّص ابن القيم ﵀ أنواع مواساة المؤمن لأخيه المؤمن تلخيصا جيدا فقال: المواساة للمؤمن أنواع: مواساة بالمال ومواساة بالجاه ومواساة بالبدن والخدمة ومواساة بالنصيحة والإرشاد ومواساة بالدعاء والاستغفار لهم ومواساة بالتوجّع لهم، وعلى قدر الإيمان تكون هذه المواساة فكلما ضعف الإيمان ضعفت المواساة وكلما قوي قويت وكان رسول الله ﷺ أعظم الناس مواساة لأصحابه بذلك كله فلأتباعه من المواساة بحسب اتباعهم له الفوائد ١/١٧١ كان الخليل بن أحمد يمشي مع صاحب له فانقطعت نعل صاحبه فحملها ومشى حافيا فخلع الخليل نعليه فحملهما ومشى حافيا فسأله صاحبه عن فعله ذلك؟ فقال: أواسيك في الحفاء. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 13476

يريد رفع دعوى على مسلم في محكمة كافرة [السُّؤَالُ] ـ[لقد بدأت مشروعاً تجارياً صغيراً وأعطيت أخاً مسلماً بعضاً من البضائع ليبيعها وكان هذا من عام. وقال إنه باع هذه البضائع وطلبت منه الثمن لكنه لم يعطني بدعوى أنه مشغول جداً، ولكن عنده وقت ليتجول مع الكفار رغم كونه مشغولاً. ماذا أفعل كي أسترد أموالي؟ لقد فكرت أن أقيم ضده دعوى في المحكمة فهل هذا حلال وهل يمكن أن أدعو عليه؟ ما نصيحتكم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله بإمكانك أن تقيم عليه دعوى قضائية في المحكمة، فإن كانت هناك محكمة شرعية فالحمد لله وإلا فأقم الدعوى عليه في محكمة البلد الذي تعيشان فيه، لكن بعد أن تستنفد كافة الطرق التي يمكن أن تسترد من خلالها مالك، كتوسيط أناس في الموضوع. وأما الدعاء عليه: فإن تبين لك بشكل واضح أنه يريد أخذ مالك ظلما فلك أن تدعو عليه. [الْمَصْدَرُ] الشيخ سعد الحميد.

стр. 13477

المحبة في الله [السُّؤَالُ] ـ[يا شيخنا الحبيب ليس عندي أي سؤال ولكني أريد أن أقول لك إني أحبك في الله وأسأل الله أن يوفقك في الدنيا والآخرة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله جزاك الله خيرا يا أخي على تطبيق السنّة، فقد روى الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ إِيَّاهُ رواه الترمذي وقال حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وعن أَنَس بْن مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ مَرَّ رَجُلٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: هَلْ أَعْلَمْتَهُ ذَلِكَ، قَالَ: لا فَقَالَ قُمْ فَأَعْلِمْهُ، قَالَ فَقَامَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا هَذَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ فِي اللَّهِ، قَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ *رواه الإمام أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح. وأنا أقول لك: أحبّك الله الذي أحببتني فيه. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 13478

حكم تسمية المولود بـ (أيمان) [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز تسمية اسم أيمان (جمع يمين) التي ذكرت في كثير من مواضع القرآن، كما أسأل عن معناها؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أيمان: جميع يمين، ويراد بها: ١- (اليد) كما في قوله تعالى: (مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) . ٢- كما يراد بها الحلف والقَسَم، كما في قوله تعالى: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) . وعليه فلا ينبغي تسمية المولود بأيمان؛ لأنه لا معنى لتسمية الولد بأنه مجموعة أيمان! سواء كانت اليمين هي اليد أو الحلف. ويمكنك تسميته: بـ (أيمن) ، أو غير ذلك من الأسماء الحسنة، وينظر: سؤال رقم (٧١٨٠) ورقم (١٠١٤٠١) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13479

هل يجوز أن يستعمل أسماء غريبة مستعارة لمتطلبات العمل في التسويق [السُّؤَالُ] ـ[إنني حديث عهد بالإسلام، ومنذ توبتي هجرت جميع آثامي السابقة، وتركت أعمالي المالية المحرمة، ورفضت العمل في بيئة غير مناسبة، أو أن أنفق مالي فيما لا يرضي الله، وقد رفضت العمل في أي شيء يمس إسلامي، وهو ما جعلني أكافح، إنني مدين بنصف مليون دولار من قروض ربوية كانت قبل إسلامي، كما أنه ليس معي شهادات أو مؤهلات، وأنا العائل الوحيد لزوجتي وأولادي، كما أن نقص المال معي أدى في النهاية للطلاق. الحمد لله لدي مهارة التسويق عبر الإنترنت، ويتضمن هذا كتابة المعلومات والمنافع لمن يرغبون في التعامل، وآخذ مالا من خلال تقديمي المعلومات والمنتجات عبر الإنترنت. السؤال الأول: لدي اسم مسلم، كما أن الاسم المستعار يخدم العديد من المنافع للكتاب، فهو يساعد في التسويق والشفافية وغير ذلك، فهل يمكنني استخدام اسم غربي مستعار لمثل هذه الأغراض التي أتعامل فيها، كما يفعل العديد من الكتاب؟ على سبيل المثال فإن اسمي في السوق الصحي كان أندي سترونج، أما بالنسبة لسوق التنمية الخاص بي فهو توني هيل وهكذا؟ مع العلم أنني لا أغير اسمي الإسلامي، لا على المستوى الشخصي، أو حتى من خلال الوثائق في بلدي، أو في أي مكان آخر. السؤال الثاني: الفساد على الإنترنت قد سبَّبَ أزمة ثقة، فهل يمكنني أن أضع صورة لي على الموقع؛ لأنه لو لم يكن هناك صورة فليس هناك بيع؟ السؤال الثالث: كما أنَّ بعض الأعمال التي استخدمتها قد نشرت من خلال صورة وضعتها غير قابلة للمسح، فهل يجوز استخدامهم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: بداية نسأل الله لنا ولك الثبات على الحق، ودوام الهداية إلى السعادة في الدنيا والآخرة، ونوصيك ألا تنسى شكر الله تعالى على ما أولاك من النعم الكثيرة، وخاصة نعمة الهداية إلى الإيمان به ، وبجميع أنبيائه ورسله، من غير تفريق بينهم، والإيمان بما جاءت به الشرائع كلها، وآخرها شريعة محمد ﷺ التي هي خاتمة الشرائع، من أخذ بها نجا واهتدى، ومن ضل عنها خاب وخسر. ونوصيك أخانا السائل بالإكثار من الدعاء والتضرع إلى الله في السجود ووقت السحر، كي يدفع الله عنك كل ما يضر إسلامك، ويحفظ عليك دينك، ويثبتك على الحق، ومن المستحب أن تستعين ببعض الأدعية الواردة في السنة، بعد أن تأخذ بالأسباب وتجتهد في سداد ما عليك من الدين: ١- عَنْ سُهَيْلٍ قَالَ: كَانَ أَبُو صَالِحٍ يَأْمُرُنَا إِذَا أَرَادَ أَحَدُنَا أَنْ يَنَامَ أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ: اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنْ الْفَقْرِ) وَكَانَ يَرْوِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . رواه مسلم (٢٧١٣) ٢- وعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ مُكَاتَبًا جَاءَهُ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأَعِنِّي. قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَيْنًا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ؟! قَالَ: قُلْ: (اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ) رواه الترمذي (٢٥٦٣) وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وحسنه الألباني في صحيح الترمذي. الكتابة: المال الذي اشترط السيد على عبده أداءه إليه حتى يعتقه. جبل صِير: اسم جبل. ٣- وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ، فَقَالَ يَا أَبَا أُمَامَةَ! مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟! قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّكَ، وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: (قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ) قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي. رواه أبو داود (١٥٥٥) وفيه غسان بن عوف قال الذهبي: غير حجة، لذلك ضعف الشيخ الألباني الحديث في " ضعيف أبي داود "، ولكن الدعاء المذكور، وهو قوله: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن..) ثابت في الصحيحين دون قصة أبي أمامة هذه، والله أعلم. ثانيا: لا حرج عليك في استعمال بعض الأسماء الأجنبية المستعارة لغرض التسويق والدعاية، بشرطين اثنين: ١- ألا تدعي أثناء عملك أن هذا هو اسمك الحقيقي، فإذا سئلت عن اسمك الحقيقي يجب أن تذكر ما اخترته من اسم تعرف وتنادى به، حتى لا تكون كذبة عليك، وحتى يمكن التحقق من شخصك إذا استدعى الأمر ذلك. ٢- كما لا نحب أن تختار من الأسماء المستعارة ما يختص به النصارى من أسماء لا يسمي بها المسلمون غير العرب، كمثل اسم: " توني "، و " جريس "، و " بطرس ": فهذه أسماء غالبة لدى النصارى، ولا ينبغي للمسلم أن يتسمى بما يختص به غيره من أهل الديانات الأخرى. فإذا راعيت هذين الأمرين فلا حرج عليك من اختيار أسماء غير عربية مستعارة لغرض العمل، خاصة وأن الاسم لا ينبني عليه شيء عملي لدى العملاء، سوى أنه قد يدرأ عنك بعض التعصب والحقد على المسلمين. فإذا كان اسمك المستعار قد استعملته من قبل ذلك، وشق عليك تغييره، أو ترتب عليك ضرر من ذلك: فلا بأس بإبقائه، إن شاء الله، حتى ولو كان غالبا في النصارى، ما لم يدل على شرك، أو تعبيد لغير الله. وقد سبق في الموقع في جواب السؤال رقم: (١٠١٤٠١) تقرير جواز بقاء النصراني على اسمه السابق إذا أسلم، وأنه لا يلزمه تغييره ما لم يكن اسما مميزا في دين النصارى اليوم. وسبق أيضا بيان جواز الدخول إلى المواقع والمنتديات بأسماء مستعارة، وأن ذلك ليس من الكذب المحرم، وبناء عليه يمكن تخريج جواب الأخ السائل ههنا: (٧١٤١٧) وقد سئل الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: ما حكم عمل حوار تعليمي مكتوب بأسماء مستعارة؟ فأجاب: " الأمر في هذا سعة، يجعل حوار باسم فلان، وباسم فلان، قال فلان، وأجاب فلان، بأسماء مستعارة، ما فيه بأس " انتهى. http://www.alfawzan.ws/AlFawzan/FatawaSearch/tabid/٧٠/Default.aspx?PageID=٢٧٠٧ وأما استعمال صورتك الشخصية لغرض بث الثقة في نفوس العملاء فلا حرج فيه إن شاء الله، لوجود الحاجة المبيحة للتصوير. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13480

ما حكم تسمية المولود بـ " محمد الفاتح "؟ وهل هو من أسماء الأنبياء ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما هو حكم تسمية الطفل محمد الفاتح. هل هو واحد من أسماء الأنبياء؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله من السنة تسمية المولود باسم حسن، ومن ذلك تسميته بما جاءت الشريعة باستحسانه، وندبت إلى التسمية به، كعبد الله، وعبد الرحمن، والحارث، ومحمد. وكان ﷺ يُغَيِّرُ الِاسْمَ الْقَبِيحَ إلى الحسن. رواه الترمذي (٢٨٣٩) وصححه الألباني في "الصحيحة" (٢٠٧) . أما التسمية بـ" محمد الفاتح ". فـ "محمد" أشهر أسماء النبي ﷺ ، ومعناه: كثير الخصال التي يحمد عليها. و"الفاتح" أيضاً من أسمائه ﷺ ، وذكر ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" (١/٩٦) معناه فقال: "وأما الفاتح، فهو الذي فتح الله به باب الهدى بعد أن كان مُرْتَجاًَ، وفتح به الأعين العمي، والآذان الصم، والقلوب الغلف، وفتح الله به أمصار الكفار، وفتح به أبواب الجنة، وفتح به طرق العلم النافع والعمل الصالح، ففتح به الدنيا والآخرة، والقلوب والأسماع والأبصار والأمصار" انتهى. والذي يظهر لنا أنه لا ينبغي أن يجمع بينهما، فيسمى الولد بـ "محمد الفاتح"، لأن الجمع بينهما سيكون تزكية عظيمة لهذا الولد، وقد كان النبي ﷺ ينهى عن الأسماء التي فيها تزكية ومدح لصاحبها. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " الذي ينبغي أن لا يسمي الإنسان ابنه أو ابنته باسم فيه تزكية؛ لأن النبي ﷺ غير اسم بَرَّة إلى زينب؛ لما في اسم برة من التزكية، ولدينا أسماء أفضل من ذلك وأحسن: وهي ما ذكره النبي ﵊ في قوله: (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن) فإذا اختار الإنسان لأبنائه اسماً من هذه الأسماء كان أحسن وأولى لما فيها من التعبيد لله ، ولاسيما التعبيد لله أو للرحمن، ومثل ذلك عبد الرحيم وعبد الوهاب وعبد السميع وعبد العزيز وعبد الحكيم وأمثال ذلك " انتهى مختصرا. "فتاوى نور على الدرب" (٢٢٨ / ٢٣) . وينبغي الإشارة هنا إلى السلطان العثماني السابع في سلسلة آل عثمان، وهو القائد المسلم الذي فتح القسطنطينية، عاصمة الدولة البيزنطية، فَلُقِّبَ بالفاتح، فاسمه هو: محمد و"الفاتح" ليس اسماً له، وإنما هو لقب استحقه لما فتح تلك المدينة، وهو لقب صادق عليه بلا شك، ﵀. والخلاصة: أنه لا يشرع تسمية الولد باسم " محمد الفاتح " وإنما المشروع تسميته باسم " محمد " فقط، كما جرى عليه عمل المسلمين، أو بأي اسم آخر مما جاءت الشريعة بالحض على التسمية به كما تقدم. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →