Полный текст (16 344 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين
[السُّؤَالُ]
ـ[أخبرني المزيد عن القرآن.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
القرآن: هو كلام الله تعالى المنزل على نبيه محمد ﷺ المتعبد بتلاوته.
وهذا التعريف للقرآن جامع مانع.
فقولنا " كلام الله ": خرج به: كلام البشر وغيرهم.
وقولنا " المنزل على نبيه محمد ﷺ ": خرج به: الذي أنزل على غيره كالإنجيل والتوراة والزبور.
وقولنا " المتعبد بتلاوته ": خرج به الأحاديث القدسية.
وهو نور ويقين، وهو الحبل المتين، وهو منهج الصالحين، فيه أخبار الأولين من الأنبياء والصالحين وكيف أن من عصى أمرهم ذاق بأس الله وكان من الأذلين، وفيه آيات تحكي معجزات الله وقدرته في هذا الكون المتين، وفيه بيان لأصل هذا الآدمي الذي كان من ماء مهين، وفيه أحكام العقيدة التي يجب أن ينطوي عليها كل قلب مستكين، وفيه أحكام الشريعة التي تبين المباح من الحرام وتبين الباطل من الحق المبين، وفيه بيان المعاد ومصير الآدمي إما إلى نار يخزى فيها فيكون من الصاغرين، وإما إلى جنة ذات جنات وعيون وزروع ومقام أمين.
وفيه شفاء للصدور، وفيه للأعمى تبصرة ونور، قال الله تعالى: (وننزل من القرءان ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً) الإسراء / ٨٢
قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآيات:
يقول تعالى مخبراً عن كتابه الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد إنه (شفاء ورحمة للمؤمنين) أي: يذهب ما في القلوب من أمراض من شك ونفاق وشرك وزيغ وميل، فالقرآن يشفي من ذلك كله، وهو أيضا رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة، وأما الكافر الظالم نفسه بذلك فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعداً وكفراً والآفة من الكافر لا من القرآن، قال تعالى: (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك يُنادون من مكان بعيد) فصلت / ٤٤، وقال تعالى: (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون. وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون) التوبة / ١٢٤ – ١٢٥، والآيات في ذلك كثيرة.
قال قتادة - في قوله: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) -: إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه، ﴿ولا يزيد الظالمين إلا خساراً﴾ ، أي: لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه فإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين.
" تفسير ابن كثير " (٣ / ٦٠) .
وقال الله تعالى: (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) يونس / ٥٧، وقال الله تعالى: (ولو جعلناه قرءاناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته ءاعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد) فصلت / ٤٤.
وفيه هداية الناس من الضلال إلى الحق قال الله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) البقرة / ٢، وقال الله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير) الشورى / ٩، وقال الله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور) الشورى / ٥٢ – ٥٣.
وفيه ما لا يستطيع عده جهد العادِّين، فيجب على كل من أرد السعادتين في هذين الدارين أن يحتكم إليه ويعمل بأمره.
يقول الإمام ابن حزم:
ولما تبين بالبراهين والمعجزات أن القرآن هو عهد الله إلينا والذي ألزمنا الإقرار به والعمل بما فيه، وصح بنقل الكافة الذي لا مجال للشك فيه أن هذا القرآن هو المكتوب في المصاحف المشهورة في الآفاق كلها وجب الانقياد لما فيه فكان هو الأصل المرجوع إليه لأننا وجدنا فيه: (وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون) الأنعام / ٣٨، فما في القرآن من أمر أو نهي فواجب الوقوف عنده.
" الإحكام " (١ / ٩٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1367
من الذي كتب القرآن وكيف تم تجميعه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[من الذي كتب القرآن وكيف تم تجميعه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا: قد تكفل الله تعالى بحفظ هذا القرآن بنفسه فقال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر/٩.
قال ابن جرير الطبري في تفسيره (١٤/٨) :
يقول تعالى ذكره إنا نحن نزلنا الذكر وهو القرآن وإنا له لحافظون قال وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل ما ليس منه أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه اهـ
وقال السعدي في تفسيره (ص: ٦٩٦) :
إنا نحن نزلنا الذكر أي: القرآن الذي فيه ذكرى لكل شيء من المسائل والدلائل الواضحة، وفيه يتذكر من أراد التذكر.
وإنا له لحافظون أي: في حال إنزاله وبعد إنزاله، ففي حال إنزاله حافظون له من استراق كل شيطان رجيم، وبعد إنزاله أودعه الله في قلب رسوله، واستودعه في قلوب أمته، وحفظ الله ألفاظه من التغيير فيها والزيادة والنقص، ومعانيه من التبديل، فلا يحرف مُحَرِّف معنىً من معانيه إلا وقيض الله له من يبين الحق المبين، وهذا من أعظم آيات الله ونعمه على عباده المؤمنين، ومن حفظه أن الله يحفظ أهله من أعدائهم، ولا يسلط عليهم عدوا يجتاحهم اهـ
أنزل القرآن على النبي ﷺ مفرقاً، على مدى ثلاث وعشرين سنة، قال الله تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلا) الإسراء/١٠٦.
قال السعدي ﵀:
أي: وأنزلنا هذا القرآن مفرقًا، فارقًا بين الهدى والضلال، والحق والباطل.
(لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ) أي: على مهل، ليتدبروه ويتفكروا في معانيه، ويستخرجوا علومه.
(وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا) أي: شيئًا فشيئًا، مفرقًا في ثلاث وعشرين سنة اهـ
تفسير السعدي (ص: ٧٦٠) .
ثانيا:
كانت الكتابة قليلة في العرب، وقد وصفهم الله بذلك في قوله: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم) الجمعة / ٢، فكانوا يحفظون القرآن في صدورهم، وقليل منهم كان يكتب بعض آيات أو سور على الجلود والحجارة الرقاق ونحو ذلك.
ثالثا:
نهى النبي ﷺ في أول الأمر عن كتابة شيءٍ سوى القرآن ونهاهم عن كتابة كلامه مؤقتا حتى تتوافر همم الصحابة على حفظ القرآن وكتابته ولا يختلط كلام النبي ﷺ بكلام الله تعالى فيبقى القرآن محفوظاً من الزيادة فيه أو النقص.
رابعا:
وكَّل النبي ﷺ جماعة من الصحابة الأمناء الفقهاء حتى يكتبوا الوحي، وهم ما عرفوا في تراجمهم بكتاب الوحي كالخلفاء الأربعة وعبد الله بن عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وزيد بن ثابت وغيرهم ﵃ أجمعين.
خامساً:
أنزل القرآن على سبعة أحرف كما صح ذلك عن النبي ﷺ من حديث عمر بن الخطاب ﵁. رواه البخاري (٢٢٨٧) ، ومسلم (٨١٨) وهي لغات العرب المشهود لها بالفصاحة.
سادساً:
بقي القرآن محفوظاً في صدور الحفاظ من الصحابة وعلى الجلود وغيرها إلى زمان الخليفة أبي بكر الصديق ﵁، وفي حروب الردة قتل كثير من حفاظ القرآن من الصحابة فخشي أبو بكر- ﵁ أن يذهب القرآن ويضيع في صدور الصحابة، فاستشار كبار الصحابة لجمع القرآن كاملا في كتابٍ واحدٍ حتى يبقى محفوظاً من الضياع، وأوكل المهمة إلى جبل الحفظ زيد بن ثابت ﵁ فأخرج البخاري في " صحيحه " (٤٩٨٦) عن زَيْدَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي، فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ [أي: كثر] يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ: لِعُمَرَ كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ. قال زيد: فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ... ) حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ فَكَانَتْ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ﵁.
العُسُب: جريد النخل، كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطرف العريض.
واللخاف: الحجارة الرقاق.
وكان الصحابي زيد بن ثابت ﵁ يحفظ القرآن ولكن اتخذ منهجا في التثبت فكان لا يقبل أن يكتب آية إلا أن يُشهد على ذلك اثنين من الصحابة أنهما سمعاها من رسول الله ﷺ .
واستمر هذا المصحف بيد الخلفاء إلى زمن الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁، وكان الصحابة ﵃ قد تفرقوا في البلاد وكانوا يقرؤون القرآن على حسب ما سمعوه من رسول الله ﷺ من الأحرف السبعة، فكان تلاميذهم يقرأ كل واحد منهم على حسب ما أقرأه شيخه.
وكان التلميذ إذا سمع قارئاً يقرأ بخلاف قراءته أنكر عليه وخطأه وهكذا حتى خشي بعض الصحابة أن تحدث فتنة بين التابعين ومن بعدهم فرأى أن يجمع الناس على حرف واحد وهو لغة قريش التي نزل القرآن عليها أولاً لرفع الخلاف وحسم الأمر فاستشار عثمان ﵁ فوافق على هذا الرأي.
فروى البخاري في "صحيحه" (٤٩٨٨) عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاثَةِ إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ فَقَدْتُ آيَةً مِنْ الْأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ.
وبذلك انقطع الخلاف واتفقت الكلمة وبقي القرآن متواترا ومحفوظا في صدور الرجال إلى يوم القيامة وكان هذا من حفظ الله تعالى لكتابه مصداقاً لقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) الحجر / ٩.
والله اعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1368
أيما أفضل قراءة القرآن الجماعية أم الفردية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي صورة مدارسة جبريل للرسول ﷺ في رمضان للقرآن؟ وهل يدل على أن الاجتماع أفضل من الانفراد على القرآن؟ وهل هناك مزية لليل على النهار؟ نرجو التوضيح.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
" أولاً:
أما كيفية المدارسة فلا أعلم عن كيفيتها.
ثانياً:
وأما هل المستحب أن يجتمع الناس على القرآن أو أن يقرأ كل إنسان بمفرده؟
فهذه ترجع إلى الإنسان نفسه، إن كان إذا اجتمع إلى إخوانه لتدارس القرآن صار أخشع لقلبه، وأنفع في العلم فالاجتماع أفضل، يعني إذا كان الاجتماع صار هناك حضور قلب وخشوع وتدبر للقرآن، وتساؤل فيما بينهم فهذا أفضل، وإن كان الأمر بالعكس فالانفراد أفضل.
ثالثاًَ:
وأما مدارسة جبريل للنبي ﵊ فهو من أجل تثبيت القرآن بقلب النبي ﷺ .
وأما الفقرة الثالثة من السؤال وهي: هل هناك مزية لليل على النهار فهذا نعم، لكن قد يكون للإنسان أعمال لا يستطيع معها أن يدرس القرآن في الليل، فيجعل أكثر دراسته في النهار، فالإنسان ينظر ما هو أنفع له، لعموم قول الرسول ﵊: «احرص على ما ينفعك» فما كان أنفع لك إذا لم يكن محظوراً شرعاً فهو أفضل "
[الْمَصْدَرُ]
انتهى مجموع الفتاوى ٨/٧٨.
стр. 1369
سورة فيها لفظ الجلالة في كل آية
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي السورة التي ذكر اسم الله في كل آية منها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
السورة هي: المجادلة.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1370
الأوقات التي يجوز فيها قراءة القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز قراءة سورة الفاتحة في أي وقت؟ لقد سمعت أنه لا يجوز قراءتها إلا في أوقات محددة، مثل الصلاة أو وفقا لما أمر به النبي ﷺ من أمور محددة. وإذا كان الأخير هو الصحيح، فأنا أرجو أن تقدم لي قائمة بالأوقات المناسبة لقراءة الفاتحة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجوز لك أن تقرأ القرآن أو أي سورة منه، في أي وقت وعلى أي حال، إلا إذا كنت جنباً، فإنه يحرم عليك حينئذٍ قراءة القرآن، لحديث عَلِيٍّ قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا " رواه الترمذي (الطهارة/١٣٦) قَالَ الترمذي: حَدِيثُ عَلِيٍّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَبِهِ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّابِعِينَ قَالُوا يَقْرَأُ الرَّجُلُ الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَلا يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ إِلا وَهُوَ طَاهِرٌ وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَق انظر ضعيف سنن الترمذي للألباني حديث رقم ٢٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أجمع الأئمة على تحريم قراءة القرآن للجنب.
وليس من الأدب مع القرآم قراءته على جنب وهو كلام الله ، الذي يجب احترامه وتعظيمه وأن يُبْعَد عن كل ما يَمَسّ كرامته وقُدْسِيَّته من الأمكنة القذرة والمَحَالِّ المُحَرَّمة، ولأن الجُنُبَ قادر على رفع الجنابة عنه متى شاء، فَمُنِع من ذلك، أما إذا كان عليك حدث أصغر فيجوز لك القراءة فقط دون مس المصحف، يراجع سؤال رقم ١٠٦٧٢، أما المرأة في حالة الحيض والنفاس فيراجع سؤال ٢٥٦٤.
والله أعلم
يراجع كتاب توضيح الأحكام للبسام ١/٣٠٩.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1371
هل يُحتفل بختمة القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[فتاة ختمت القرآن تلاوة للمرة الأولى وتريد دعوة صاحباتها للاحتفال بهذه المناسبة فماذا تكتب في بطاقات الدّعوة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إنه عمل جليل أن تنهي فتاة مسلمة في هذا السنّ (أحد عشر عاما) تلاوة كتاب الله تعالى كاملا في بلاد غربة الدّين وسط ذلك المجتمع المنحرف وكما أخفت هذه الفتاة اسمها في السؤال وهو من علامات الإخلاص إن شاء الله فإنني أرى أن لا يُعلن ذلك إلا على سبيل تشجيع الآخرين للقيام بالأمر نفسه، فلو اقتصر الأمر على دعوة عادية تقوم بها بعض قريباتك أو صاحباتك تحضرين فيها مع زميلاتك وتذكرين فيها تجربتك في ختم القرآن للحاضرات لتحميسهنّ لا رياء ولا سمعة ويكون هناك تعليقات من بعض الأمهات حول عظمة القرآن الكريم وفضل تلاوته وأدب المسلم مع القرآن، وكذلك لو دعت هذه الفتاة صاحباتها إلى وليمة بهذه المناسبة من باب شكر النّعمة وفرحا بحصولها فلا بأس بذلك مع الحرص أن لا يتحوَّل ذلك إلى مظهر من مظاهر الاحتفال.
يتضح مما تقدم أن الاحتفال بختم القرآن حفظاً أو تلاوة وجمع الناس وصنع الطعام بهذه المناسبة يخشى فيه من فتنتين: إحداهما الرياء والسمعة والفخر والغرور، والثانية: الدخول في البدعة باعتقاد أن هذا الاحتفال من الدّين وأن كل من ختم القرآن يشرع له ذلك وتحصل السلامة من الآفة الأولى بمجاهدة النفس على الإخلاص لله تعالى، ومن الآفة الثانية بالاقتصار على العدد القليل من الحضور من الأهل والأقارب، وينبغي ترك ذلك الاجتماع أحيانا حتى لا يظن أنه سنة. أسأل الله أن يزيدك من فضله ويرزقك قوة الحفظ والإخلاص في القول والعمل. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1372
ترتيب السور والآيات في المصحف
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا لم ترتب سور المصحف على أولية النزول؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الإجماع والنصوص الكثيرة على ترتيب الآيات في السورة الواحدة أمر معلوم ومشهور، أما الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركشي في البرهان وأبو جعفر وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين. انتهى
وأما النصوص فمنها: ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: قلت لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني والى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموهما في السبع الطوال فقال عثمان كان رسول الله ﷺ تنزل عليه السورة ذات العدد فكان إذا أنزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولا وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظنت أنها منها فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتها في السبع الطوال. قال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي (المستدرك) (٢/٣٣٠)
(ومنها) ما أخرجه أحمد في المسند (٤/٢١٨) بإسناد حسن عن عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا إِذْ شَخَصَ بِبَصَرِهِ ثُمَّ صَوَّبَهُ حَتَّى كَادَ أَنْ يُلْزِقَهُ بِالأَرْضِ قَالَ ثُمَّ شَخَصَ بِبَصَرِهِ فَقَالَ أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
(ومنها) ما أخرجه البخاري في الصحيح برقم (٤٥٣٦) عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَانَ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا إِلَى قَوْلِهِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ قَدْ نَسَخَتْهَا الأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُهَا قَالَ تَدَعُهَا يَا ابْنَ أَخِي لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ.
(ومنها) ما رواه مسلم برقم (١٦١٧) عن عمر قال ما سألت النبي ﷺ عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بإصبعه في صدري وقال ألا تكفيك آية الصّيْف التي في آخر سورة النساء.
(ومنها) الأحاديث في خواتيم سورة البقرة.
(ومنها) ما رواه مسلم برقم (٨٠٩) عن أبي الدرداء مرفوعاً من حفظ عشر آيات من أول الكهف عصم من الدجال وفي لفظ عنده من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف.
وقراءته ﷺ للسور المختلفة بمشهد من الصحابة يدلّ على أن ترتيب آياتها توقيفي وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيباً سمعوا النبي ﷺ يقرأ على خلافة فبلغ ذلك مبلغ التواتر.
قال القاضي أبو بكر في الانتصار: ترتيب الآيات أمر واجب وحكم لازم فقد كان جبريل يقول ضعوا آية كذا في موضع كذا.
وقال أيضاً: الذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه ولم ينسخه ولا رفع تلاوته بعد نزوله هو هذا الذي بين الدفتين الذي حواه مصحف عثمان وأنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه وأن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى ورتّبه عليه رسوله من آي السور لم يُقدّم من ذلك مؤخّر ولا أخّر منه مقدّم وأن الأمة ضبطت عن النبي ﷺ ترتيب آي كل سورة ومواضعها وعرفت مواقعها كما ضبطت عنه نفس القراءات وذات التلاوة..
وقال البغوي في شرح السنة: كان رسول الله ﷺ يلقن أصحابه ويعلمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل إياه على ذلك وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا فثبت أن سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب أنزله الله جملة إلى السماء الدنيا ثم كان ينزله مفرّقاً عند الحاجة وترتي النزول غير ترتيب التلاوة.
وأما ترتيب السور فهل هو توقيفي أيضاً أو هو باجتهاد من الصحابة؟ في هذه المسألة خلاف فجمهور العلماء على الثاني منهم مالك والقاضي أبو بكر في أحد قوليه
قال ابن فارس: جمع القرآن على ضرْبين أحدهما تأليف السور كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين فهذا الذي تولته الصحابة وأما الجمع الآخر وهو جمع الآيات في السور فهو توفيقي تولاه النبي صلى الله عله وسلم كما أخبر به جبريل عن أمر ربه ومما استدل به لذلك اختلاف السلف في ترتيب السور فمنهم من رتبها على النزول وهو مصحف عليّ كان أوله اقرأ ثم المدثر ثم نون ثم المزمل وهكذا وكان أول مصحف ابن مسعود البقرة ثم النساء ثم آل عمران على اختلاف شديد وكذا مصحف أبيّ.
وقال الكرماني في البرهان: ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب وعليه كان ﷺ يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه وعرضه عليه في السنة التي توفي فيها مرتين وكان آخر الآيات نزولاً ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾ فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الربا والدين.
وقال الزركشي في البرهان: والخلاف بين الفريقين لفظي لأن القائل بالثاني يقول أنه رمز إليهم ذلك ليعلّمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته ولهذا قال مالك إنما ألّفوا القرآن (أي جمعوه) على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ مع قوله بأن ترتيب السور باجتهاد منهم فآل الخلاف إلى أنه هل هو بتوقيف قوليّ أو بمجرد إسناد فعليّ بحيث يبقى لهم فيه مجال للنظر.
وقال البيهقي في المدخل: كان القرآن على عهد النبي ﷺ مرتباً سوره وآياته على هذا الترتيب إلا الأنفال وبراءة لحديث عثمان السابق.
وقال ابن عطية: كثير من السور كان قد عُلم ترتيبها في حياته ﷺ كالسبع الطوال والحواميم والمفصّل وأن ما سوى ذلك يمكن أن يكون قد فَوَّض الأمر فيه إلى الأمة بعده.
وقال أبو جعفر: الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية ويبقى منها قليل يمكن أن يجرى فيه الخلاف كقوله اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران رواه مسلم برقم (٨٠٤) .
وروى البخاري برقم (٤٧٣٩) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفُ وَمَرْيَمُ وَطه وَالأَنْبِيَاءُ هُنَّ مِنْ الْعِتَاقِ الأُوَلِ وَهُنَّ مِنْ تِلادِي (أي من قديم ما قرأته) .
وقال أبو جعفر النحاس المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله ﷺ لحديث واثلة أعطيت مكان التوارة السبع الطوال "، قال فهذا الحديث يدل على أن تأليف القرآن مأخوذ عن النبي ﷺ ..
وقال ابن حجر ترتيب بعض السور على بعضها أو معظمها لا يمتنع أن يكون توقيفاً، قال: ومما يدل على أن ترتيبها توقيفي ما أخرجه أحمد وأبو داود عن أَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ قَالَ.. سَأَلْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَصْبَحْنَا قَالَ قُلْنَا كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ قَالُوا نُحَزِّبُهُ سِتَّ سُوَرٍ وَخَمْسَ سُوَرٍ وَسَبْعَ سُوَرٍ وَتِسْعَ سُوَرٍ وَإِحْدَى عَشْرَةَ سُورَةً وَثَلاثَ عَشْرَةَ سُورَةً وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ مِنْ ق حَتَّى تَخْتِمَ. قال فهذا يدل على أن ترتيب السور - على ما هو في المصحف الآن - كان على عهد رسول الله ﷺ ويحتمل أن الذي كان مرتباً حينئذ حزب المفصل خاصة بخلاف ماعداه.. أنظر (الإتقان في علوم القرآن) للسيوطي (١/٦٢ ـ ٦٥) . والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1373
دخول الخلاء بعقد فيه آيات قرآنية
[السُّؤَالُ]
ـ[لدى زوجتي عقد يحتوي على آيات قرنية فهل يجوز لها أن تدخل الحمام وهي تلبسه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز دخول الخلاء بشيء فيه آيات من القرآن الكريم لما يفضي إليه من الإهانة لكلام الله ، وبالتالي يجب على زوجتك خلعه قبل الدّخول للخلاء، والنّصيحة أن لا تعلّق المرأة ولا الطفل ولا أحد من الناس في العنق شيئا فيه آيات ولا تعويذات لما في ذلك من المحاذير حتى ولو لم يدخل الخلاء بها. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1374
القرآن والطب
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت في محاضرة بأن علماء الطب والدكاترة يدعون بأن العديد من الأدوية والعلاجات تم اكتشافها والوصول إليها عن طريق استنتاج حقائق من القرآن الكريم.
وعليه , فهذا هو سؤالي: هل الموجود بين أيدينا هو جميع ما يتعلق بالطب الذي ورد ذكره في القرآن الكريم؟ أم أن القرآن يحتوي على المزيد الذي يمكننا الاستفادة منه؟
أسأل عن ذلك بسبب طلب جاد تقدم به أحد أصدقائي، وهو هندوسي ويدعى "فيقنيش", حيث سأل عما إذا بقي في القرآن الكريم أمور لم تكتشف بعد تتعلق بالسيطرة على الأمراض القاتلة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أرسل الله تعالى محمَّداً ﷺ بدين شامل لكل نواحي الحياة كما قال أبو ذر ﵁: " لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما ".
رواه أحمد (٢٠٣٩٩) انظر" مجمع الزوائد " (٨ / ٢٦٣) . قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ وهو ثقة.
فجاء الإسلام ليسد حاجات الناس في كل شؤون حياتهم.
ثانياً:
وما جاء في السنة عن النبي ﷺ فإنه مكمِّل لما جاء في القرآن، وهذان المصدران هما المصدران الرئيسيان عند المسلمين، وقد بيَّن لنا النبي ﷺ أن الله تعالى ما أنزل داءً إلا وأنزل له دواء.
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: " ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ".
رواه البخاري في (٥٦٧٨) .
ثالثاً:
وما ذكره السائل عن بعض المسلمين من كون كثير من العلاجات اكتشفت عن طريق القرآن الكريم: فنقول إن هذا من الأمور المبالغ فيها.
فالقرآن الكريم ليس كتاب طبٍّ ولا كتاب (جغرافيا) ولا (جيولوجيا) كما يحلو لبعض المسلمين أن يقول ذلك أمام الغرب، بل هو كتاب هداية للناس ومن أعظم معجزاته: بلاغته وقوة معانيه، وهو الأصل في إعجازه، فقد أنزله الله تعالى على نبيه ﷺ في زمان بلغت الفصاحة والبلاغة فيه مبلغاً عظيماً فجاء هذا الكتاب ليعجز أولئك القوم فيما يتقنونه ليبيِّن لهم أنه من عند الله.
وهذا الأمر ليس بالمستغرب ولا بالمبتدع في هذا الدين، فقد جاءت آيات موسى ﵇ – العصا واليد – من جنس ما انتشر في زمانه وهو السحر، وكانت آيات عيسى ﵇ – من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص – من جنس ما أتقنه قومه وانتشر عندهم وهو الطب.
لذا نقول: إن أعظم ما في القرآن الكريم هو فصاحته وبلاغته، ولا زال العلماء إلى هذا الوقت يتبيَّن لهم ذلك بالتدبر والتفكر في آياته.
وهذا لا يعني أنه ليس فيه غير ذلك، بل ذكر الله تعالى فيه بعض الآيات في بيان تركيب جسم الإنسان، وتدرج خلقه، وبعض مظاهر الطبيعة، وغير ذلك.
أما بالنسبة لما يتعلق بالعلاج الذي ذكره السائل، فإن القرآن الكريم شفاء للمؤمنين، وهذا يشمل شفاء القلوب والأبدان، وذكر الله تعالى فيه (العسل) وبيَّن أنه شفاء للناس، وذكر فيه أصل حفظ الصحة والوقاية من الأمراض، فمن قال إن القرآن ذكر كثيراً من الأدوية بهذا المعنى فقد أصاب، وأما غير ذلك فغير صحيح، بل هو من مبالغات بعض المسلمين، فالقرآن الكريم ليس كتاب طب، وقد جاءت أمراض لم تكن في سالف الأزمان، فكيف يأتي علاجها – باعتبار ما قاله السائل – قبل مجيئها؟ .
رابعاً:
أ. وهذه بعض الآيات الدالة على أن القرآن شفاء.
قال تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمة للمؤمنين﴾ الإسراء / ٨٢.
قال ابن القيم ﵀:
قال الله تعالى: ﴿وننزل مِن القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾
والصحيح: أن ﴿مِن﴾ ها هنا لبيان الجنس لا للتبعيض، وقال تعالى: ﴿يا أيها الناس قد جاءكم موعظة مِن ربكم وشفاء لما في الصدور﴾ .
فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحدٍ يؤهل ولا يوفَّق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تام واعتقاد جازم واستيفاء شروطه: لم يقاومه الداء أبداً.
وكيف تقاوم الأدواءُ كلامَ ربِّ الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال لصدَّعها؟ ، أو على الأرض لقطَّعها؟ فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه لمن رزقه فهماً في كتابه.
" زاد المعاد " (٤ / ٣٥٢) .
ب. والقرآن الكريم فيه علاج للنفوس والأرواح، ومن صحَّ ذلك فيه: كان سبباً لطرد الآفات والأمراض من بدنه، والقرآن بهذا الاعتبار شفاء وعلاج لكثير من الأمراض.
قال ابن القيم ﵀:
وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أمورا كثيرة ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية بل تصير الأدوية الحسية عندها بمنزلة أدوية الطرقية عند الأطباء وهذا جار على قانون الحكمة الإلهية ليس خارجا عنها ولكن الأسباب متنوعة فإن القلب متى اتصل برب العالمين خالق الداء والدواء ومدبر الطبيعة ومصرفها على ما يشاء كانت له أدوية أخرى غير الأدوية التي يعانيها القلب البعيد منه المعرض عنه وقد علم أن الأرواح متى قويت وقويت النفس والطبيعة تعاونا على دفع الداء وقهره فكيف ينكر لمن قويت طبيعته ونفسه وفرحت بقربها من بارئها وأنسها به وحبها له وتنعمها بذكره وانصراف قواها كلها إليه وجمعها عليه واستعانتها به وتوكلها عليه أن يكون ذلك لها من أكبر الأدوية وأن توجب لها هذه القوة دفع الألم بالكلية ولا ينكر هذا إلا أجهل الناس وأغلظهم حجابا وأكثفهم نفسا وأبعدهم عن الله وعن حقيقة الإنسانية.
" زاد المعاد " (٤ / ١٢) .
ج. وفي القرآن سورة الفاتحة وهي رقية للأمراض.
عن أبي سعيد ﵁ قال: انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلُدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء فأتوهم فقالوا يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جُعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق يتفل عليه ويقرأ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي وما به قلبة، قال: فأوفوهم جُعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله ﷺ فذكروا له، فقال: وما يدريك أنها رقية؟ ثم قال: قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهماً فضحك رسول الله ﷺ .
رواه البخاري (٢١٥٦) ومسلم (٢٢٠١) .
قلبة: داء أو ألم يتقلب منه صاحبه.
قال ابن القيم ﵀ عن سورة الفاتحة:
ومَن ساعده التوفيق، وأُعين بنور البصيرة حتى وقف على أسرار هذه السورة وما اشتملت عليه من التوحيد ومعرفة الذات والأسماء والصفات والأفعال وإثبات الشرع والقدر والمعاد وتجريد توحيد الربوبية والإلهية وكمال التوكل والتفويض إلى من له الأمر كله وله الحمد كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله والافتقار إليه في طلب الهداية التي هي أصل سعادة الدارين وعلم ارتباط معانيها بجلب مصالحها ودفع مفاسدهما وأن العاقبة المطلقة التامة والنعمة الكاملة منوطة بها موقوفة على التحقيق بها: أغنته عن كثير من الأدوية والرقى، واستفتح بها من الخير أبوابه ودفع بها من الشر أسبابه.
" زاد المعاد " (٤ / ٣٤٧) .
د. وفي القرآن ذكر أصول حفظ الصحة.
وقال ابن القيم:
وأصول الطب ثلاثة: الحمية، وحفظ الصحة، واستفراغ المادة المضرة.
وقد جمعها الله تعالى له ولأمته في ثلاثة مواضع من كتابه:
فحمى المريض من استعمال الماء خشية من الضرر فقال تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً﴾ النساء / ٤٢ والمائدة / ٦. فأباح التيمم للمريض حمية له كما أباحه للعادم.
وقال في حفظ الصحة: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ البقرة / ١٨١.
فأباح للمسافر الفطر في رمضان حفظاً لصحته لئلا يجتمع على قوته الصوم ومشقة السفر فيضعف القوة والصحة.
وقال في الاستفراغ في حلق الرأس للمُحرم: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ البقرة / ١٩٦.
فأباح للمريض ومَن به أذى مِن رأسه وهو محرم أن يحلق رأسه ويستفرغ المواد الفاسدة والأبخرة الرديئة التي تولد عليه القمل، كما حصل لكعب بن عجرة، أو تولد عليه المرض.
وهذه الثلاثة هي قواعد الطب وأصوله، فذكر من كل جنس منها شيئاً وصورة تنبيها بها على نعمته على عباده في أمثالها من حميتهم، وحفظ صحتهم، واستفراغ مواد أذاهم، رحمة لعباده ولطفا بهم ورأفة بهم وهو الرؤوف الرحيم.
" زاد المعاد " (١ / ١٦٤، ١٦٥) .
قال ابن القيم: وذاكرت مرة بعض رؤساء الطب بمصر، فقال: والله لو سافرت إلى الغرب في معرفة هذه الفائدة لكان سفراً قليلاً أو كما قال
إغائة اللهفان ١ / ٢٥
هـ - ذِكر العسل في القرآن وأنه شفاء للناس.
قال الله تعالى ﴿يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس﴾ النحل / ٦٩.
قال ابن القيم ﵀:
وأما هدية في الشراب فمن أكمل هدي يحفظ به الصحة فإنه كان يشرب العسل الممزوج بالماء البارد، وفي هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدي إلى معرفته إلا أفاضل الأطباء، فإنَّ شُربَه ولعقَه على الريق يذيب البلغم، ويغسل خمل المعدة، ويجلو لزوجتها، ويدفع عنها الفضلات، ويسخنها باعتدال، ويفتح سددها، ويفعل مثل ذلك بالكبد والكلى والمثانة، وهو أنفع للمعدة من كل حلو دخلها، وإنما يضر بالعَرَض لصاحب الصفراء لحدته وحدة الصفراء فربما هيَّجها، ودَفْع مضرته لهم بالخلِّ فيعود حينئذ لهم نافعاً جدّاً وشربه أنفع من كثير من الأشربة المتخذة من السكر أو أكثرها، ولا سيما لمن لم يعتد هذه الأشربة، ولا ألفها طبعه فإنه إذا شربها لا تلائمه ملاءمة العسل ولا قريبا منه والمحكم في ذلك العادة فإنها تهدم أصولا وتبني أصولا.
وأما الشراب إذا جمع وصفي الحلاوة والبرودة فمن أنفع شيء للبدن ومن أكبر أسباب حفظ الصحة، وللأرواح والقوى والكبد والقلب عشق شديد له واستمداد منه وإذا كان فيه الوصفان حصلت به التغذية وتنفيذ الطعام إلى الأعضاء وإيصاله إليها أتم تنفيذ الطعام إلى الأعضاء وإيصاله إليها أتم تنفيذ.
" زاد المعاد " (٤ / ٢٢٤، ٢٢٥) .
وقال ﵀:
والعسل فيه منافع عظيمة: فإنه جلاء للأوساخ التي في العروق والأمعاء وغيرها محلل للرطوبات أكلاً وطلاء، نافع للمشايخ وأصحاب البلغم ومن كان مزاجه بارداً رطباً، وهو مغذٍّ ملين للطبيعة، حافظ لقوى المعاجين ولما استودع فيه، مُذهب لكيفيات الأدوية الكريهة، منقٍّ للكبد والصدر، مُدِّر للبول، موافق للسعال الكائن عن البلغم، وإذا شرب حارّاً بدهن الورد: نفع من نهش الهوام وشرب الأفيون، وإن شرب وحده ممزوجاً بماء: نفع من عضه الكلْب الكلِب، وأكل الفُطُر القتَّال، وإذا جعل فيه اللحم الطري حفظ طراوته ثلاثة أشهر، وكذلك إن جعل فيه القثاء والخيار والقرع والباذنجان ويحفظ كثيراً من الفاكهة ستة أشهر، ويحفظ جثة الموتى، ويسمى الحافظ الأمين، وإذا لطخ به البدن المقمَّل والشَّعر: قتَل قمله وصئبانه وطوَّل الشعر وحسَّنه ونعَّمه، وإن اكتحل به: جلا ظلمة البصر، وإن استن به: بيض الأسنان وصقلها وحفظ صحتها وصحة اللثة، ويفتح أفواه العروق، ويدرُّ الطمث، ولعقه على الريق: يُذهب البلغم، ويغسل خمل المعدة، ويدفع الفضلات عنها ويسخنها تسخيناً معتدلاً ويفتح سددها، ويفعل ذلك بالكبد والكلى والمثانة وهو أقل ضرراً لسدد الكبد والطحال من كل حلو.
وهو مع هذا كله مأمون الغائلة، قليل المضار مضر بالعَرَض للصفراويين ودفعها بالخل ونحوه فيعود حينئذ نافعاً له جدّاً.
وهو غذاء مع الأغذية، ودواء مع الأدوية، وشراب مع الأشربة، وحلو مع الحلوى، وطلاء مع الأطلية، ومفرح مع المفرحات، فما خُلق لنا شيءٌ في معناه أفضل منه ولا مثله ولا قريبا منه، ولم يكن معوَّل القدماء إلا عليه، وأكثر كتب القدماء لا ذِكر فيها للسكر البتة ولا يعرفونه فإنه حديث العهد حدث قريباً، وكان النبي ﷺ يشربه بالماء على الريق، وفي ذلك سر بديع في حفظ الصحة لا يدركه إلا الفطن الفاضل.
" زاد المعاد " (٤ / ٣٣، ٣٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1375
دعوى تحريف القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو أن تجيب على هذا السؤال فهو مهم بالنسبة لي، فقد كنت أقرأ في صفحة معادية للإسلام على الإنترنت حيث قال أحد النصارى بأن الشيخ السجستاني قال في كتابه " المصاحف " بأن الحجاج قد غيَّر في حروف المصحف وغيَّر على الأقل عشر كلمات، يدَّعي بأن السجستاني قد ألَّف كتاب اسمه " ما غيَّره الحجاج في مصحف عثمان " وقد ادَّعى هذا النصراني بأنَّه جمع الكلمات العشر التي تم تغييرها باللغة العربية.
حاولتُ الحصول على نسخةٍ من هذا الكتاب دون جدوى فأرجو التوضيح، فأنا لا أتخيَّل أنَّ جميع العلماء والحفَّاظ يسمحون لشخصٍ بأن يغيِّر القرآن ولا يقولوا شيئاً، حتى ولو أن السجستاني روى هذا.
هذا الأمر لا يُعقل أبداً لأننا لسنا كاليهود والنصارى لا نحفظ كتابنا ونتركه لرجال الدين، فالمسلمون يحفظ كثير منهم القرآن وكلهم يتلوه فلا يعقل أن لا يلاحظ أحد الفروق والاختلافات.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا يمكن أن يتطرق الشك بالنسبة للمسلم في ثبوت القرآن، فقد تكفَّل الله تعالى بحفظ القرآن فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الحجر / ٩، وقد كان القرآن محفوظاً في صدور الحفاظ من الصحابة وعلى جذوع الأشجار واللخاف (الخزف) إلى زمان الخليفة أبي بكر الصديق ﵁، وفي حروب الردة قتل كثير من حفاظ الصحابة فخشي أبو بكر- ﵁ -أن يذهب القرآن ويضيع في صدور الصحابة، فاستشار كبار الصحابة لجمع القرآن كاملا في كتابٍ واحدٍ حتى يبقى محفوظاً من الضياع، وأوكل المهمة إلى جبل الحفظ زيد بن ثابت وغيره من كتاب الوحي فأخرج البخاري في " صحيحه " (٤٩٨٦) عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: " أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟! قال عمر: هذا والله خير فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله قال هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنهما ".
ثانياً:
وأما الحجاج فلم يباشر بنفسه كتابة المصحف، بل أمره بعض الحاذقين بذلك، وإليك القصة كاملة:
قال الزرقاني:
والمعروف أن المصحف العثماني لم يكن منقوطاً ... وسواء أكان هذا أم ذاك فإن إعجام – أي: تنقيط - المصاحف لم يحدث على المشهور إلا في عهد عبد الملك بن مروان، إذ رأى أن رقعة الإسلام قد اتسعت واختلط العرب بالعجم وكادت العجمة تمس سلامة اللغة وبدأ اللبس والإشكال في قراءة المصاحف يلح بالناس حتى ليشق على السواد منهم أن يهتدوا إلى التمييز بين حروف المصحف وكلماته وهي غير معجمة، هنالك رأى بثاقب نظره أن يتقدم للإنقاذ فأمر الحجاج أن يُعنى بهذا الأمر الجلل، وندب " الحجاج " طاعة لأمير المؤمنين رجلين يعالجان هذا المشكل هما: نصر بن عاصم الليثي، ويحيى بن يعمر العدواني، وكلاهما كفء قدير على ما ندب له، إذ جمعا بين العلم والعمل والصلاح والورع والخبرة بأصول اللغة ووجوه قراءة القرآن، وقد اشتركا أيضاً في التلمذة والأخذ عن أبي الأسود الدؤلي، ويرحم الله هذين الشيخين فقد نجحا في هذه المحاولة وأعجما المصحف الشريف لأول مرة ونقطا جميع حروفه المتشابهة، والتزما ألا تزيد النقط في أي حرف على ثلاث، وشاع ذلك في الناس بعدُ فكان له أثره العظيم في إزالة الإشكال واللبس عن المصحف الشريف.
وقيل: إن أول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي، وإن ابن سيرين كان له مصحف منقوط نقطه يحيى بن يعمر، ويمكن التوفيق بين هذه الأقوال بأن أبا الأسود أول من نقط المصحف ولكن بصفة فردية، ثم تبعه ابن سيرين، وأن عبد الملك أول من نقط المصحف، ولكن بصفة رسميَّة عامَّة ذاعت وشاعت بين الناس دفعاً للبس، والإشكال عنهم في قراءة القرآن.
" مناهل العرفان " (١ / ٢٨٠، ٢٨١) .
ثالثاً:
وأما ما جاء في السؤال نقلاً عن كتاب " المصاحف " لابن أبي داود: فإليك الرواية فيه والحكم عليها:
عن عبَّاد بن صهيب عن عوف بن أبي جميلة أن الحجاج بن يوسف غيّر في مصحف عثمان أحد عشر حرفاً، قال: كانت في البقرة: ٢٥٩ ﴿لم يتسن وانظر﴾ بغير هاء، فغيرها " لَم يَتَسَنه ".
وكانت في المائدة: ٤٨ ﴿شريعة ومنهاجاً﴾ ، فغيّرها " شِرعَةً وَمِنهاجَاً ".
وكانت في يونس: ٢٢ ﴿هو الذي ينشركم﴾ ، فغيَّرها " يُسَيّرُكُم ".
وكانت في يوسف: ٤٥ ﴿أنا آتيكم بتأويله﴾ ، فغيَّرها " أنا أُنَبِئُكُم بِتَأوِيلِهِ ".
وكانت في الزخرف: ٣٢ ﴿نحن قسمنا بينهم معايشهم﴾ ، فغيّرها " مَعِيشَتَهُم ".
وكانت في التكوير: ٢٤ ﴿وما هو على الغيب بظنين﴾ ، فغيّرها ﴿بِضَنينٍ﴾ ... الخ..
كتاب " المصاحف " للسجستاني (ص ٤٩) .
وهذه الرواية ضعيفة جدّاً أو موضوعة؛ إذ فيها " عبَّاد بن صهيب " وهو متروك الحديث.
قال علي بن المديني: ذهب حديثه، وقال البخاري والنسائي وغيرهما: متروك، وقال ابن حبان: كان قدريّاً داعيةً، ومع ذلك يروي أشياء إذا سمعها المبتدئ في هذه الصناعة شهد لها بالوضع، وقال الذهبي: أحد المتروكين.
انظر " ميزان الاعتدال " للذهبي (٤ / ٢٨) .
ومتن الرواية منكر باطل، إذ لا يعقل أن يغيِّر شيئاً من القرآن فيمشي هذا التغيير على نسخ العالم كله، بل إن بعض من يرى أن القرآن ناقص غير كامل من غير المسلمين كالرافضة - الشيعة – أنكرها ونقد متنها:
قال الخوئي – وهو من الرافضة -: هذه الدعوى تشبه هذيان المحمومين وخرافات المجانين والأطفال، فإنّ الحجّاج واحدٌ من ولاة بني أُمية، وهو أقصر باعاً وأصغر قدراً من أن ينال القرآن بشيءٍ، بل هو أعجز من أن يغيّر شيئاً من الفروع الإسلامية، فكيف يغير ما هو أساس الدين وقوام الشريعة؟! ومن أين له القدرة والنفوذ في جميع ممالك الإسلام وغيرها مع انتشار القرآن فيها؟ وكيف لم يذكر هذا الخطب العظيم مؤرخ في تاريخه، ولا ناقد في نقده مع ما فيه من الأهمية، وكثرة الدواعي إلى نقله؟ وكيف لم يتعرض لنقله واحد من المسلمين في وقته؟ وكيف أغضى المسلمون عن هذا العمل بعد انقضاء عهد الحجاج وانتهاء سلطته؟ وهب أنّه تمكّن من جمع نسخ المصاحف جميعها، ولم تشذّ عن قدرته نسخةٌ واحدةٌ من أقطار المسلمين المتباعدة، فهل تمكّن من إزالته عن صدور المسلمين وقلوب حفظة القرآن وعددهم في ذلك الوقت لا يحصيه إلاّ الله.
" البيان في تفسير القرآن " (ص ٢١٩) .
وما نقله السائل عن الإمام السجستاني من أنه ألَّف كتاباً اسمه " ما غيَّره الحجاج في مصحف عثمان ": غير صحيح بل كذب ظاهر، وكل ما هنالك أن الإمام السجستاني ترجم للرواية سالفة الذكر عن الحجاج بقوله: (باب ما كتب الحجَّاج بن يوسف في المصحف) .
وعلى هذا فإنه لا يمكن أن يعتمد على هذا الرواية بحال من الأحوال، ويكفي في تكذيبها أنه لم يثبت حتى الآن أن أحداً نجح في محاولة لتغيير حرف واحد، فلو كان ما روي صحيحاً لأمكن تكراره خاصة في عصور ضعف المسلمين وشدة الكيد من أعدائهم، بل مثل هذه الشبهات التي تثار هي أحد الأدلة على بطلان هذه الدعاوى، وأن الأعداء قد عجزوا عن مقارعة حجج القرآن وبيانه فلجؤوا للطعن فيه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1376
الرد على من يحاول أن يثبت عدم صحة القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت مؤخرا بحثاً كتبه باحثون ألمان عن صحة القرآن. بعض ما قالوه نوقش في مقال في مجلة أتلانتك الشهرية بعنوان "ما هو القرآن؟ " كتبه توبي ليستر نُشر في عدد يناير ١٩٩٩ من تلك المجلة. لب القضية كان عن وجود نسخة قديمة جدا من القرآن في مسجد في اليمن يرى تحريفاً في القرآن الموجود. في بعض المواضع الكتابة التي كانت توجد في هذه النسخة قد مُسحت وكُتب فوقها.
المقال يحاول أن يلقي الشبهة للمسلمين في نظرتهم للقرآن بأنه موثوق به تماماً، وحاول أن يثبت أن القرآن عبارة عن كلام يتعرض للتغيير مثل أي كلام آخر.
أنا غير مسلمة ولكنني أعلم بأن القرآن له مكانة في الإسلام كمكانة المسيح في النصرانية.
بالنظر لهذا، كيف تجيب على محاولة الذي يريد أن يفند صحة القرآن؟ وهل يوجد لديك رد آخر على هذا الهجوم على صدق القرآن؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١. إن ثبوت صحة ما في أيدينا من نسخ القرآن الكريم لم يثبت عندنا بدليل أو بدليلين، بل ثبت بأدلة كثيرة متوافرة لا يقع عليها عاقل منصف إلا ويقطع أنه هو كما أنزله الله على قلب محمد ﷺ .
٢. وقد تعاقبت الأجيال جيلا بعد جيل تتلو كتاب الله وتتدارسه بينهم، فيحفظونه ويكتبونه، لا يغيب عنهم حرف، ولا يستطيع أحد تغيير حركة حرف منه، ولم تكن الكتابة إلا وسيلة من وسائل حفظه وإلا فإن الأصل أن القرآن في صدورهم.
٣. ولم يُنقل القرآن لنا وحده حتى يمكن تطرق التحريف المدَّعى إليه، بل نقل تفسير آياته، ومعاني كلماته، وأسباب نزوله، وإعراب كلماته، وشرح أحكامه، فأنَّى لمثل هذه الرعاية لهذا الكتاب أن تتطرق إليه أيدي آثمة تحرِّف فيه حرفاً، أو تزيد كلمة، أو تسقط آية؟
٤. وإن تحدَّث القرآن عن أشياء غيبية مستقبلية، أنزلها الله على رسوله محمد ﷺ ، ليبيِّن أنه من عند الله، وأن البشر لو أرادوا كتابة كتاب فإنهم قد يبدعون في تصوير حادث، أو نقل موقف، لكن أن يتحدث أحدهم عن أمر غيبي فليس له في هذا المجال إلا الخرص والكذب، وأما القرآن فإنه أخبر عن هزيمة الروم من قبل الفرس، وليس هناك وسائل اتصال تنقل لهم هذا الحدث، وأخبر في الآيات نفسها أنهم سيَغلبون فيما بعد في مدة معينة، ولو أن ذلك لم يكن لكان للكفار أعظم مجال للطعن في القرآن.
٥. ولو جئت إلى آية من كتاب الله تعالى فذهبت إلى أمريكا أو آسيا أو أدغال أفريقيا أو جئت إلى صحراء العرب أو إلى أي مكان يوجد فيه مسلمون لوجدت هذه الآية نفسها في صدورهم جميعاً أو في كتبهم لم يتغير منها حرف.
فما قيمة نسخة مجهولة في (اليمن) لم نرها يمكن أن يحرِّف فيها أحد العابثين في هذا العصر آية أو كلمة؟
وهل يقوم مثل هذا الكلام في سوق البحث والنظر؟ وخاصة أن القوم يدَّعون البحث والإنصاف والعدل في القول.
فماذا يكون رد هؤلاء لو جئنا إلى كتاب من كتبهم الموثوقة لمؤلِّفين معروفين، ولهذا الكتاب نسخ كثيرة في العالم، كلها على نسقٍ واحدٍ، ثم ادَّعى مدَّعٍ وجود نسخة من هذا الكتاب في بلدٍ ما، وفيها زيادات وتحريفات عما في نسخهم، فهل يعتدون بها؟
جوابهم هو جوابنا.
٦. والنسخ المخطوطة عند المسلمين لا تثبت بهذا الشكل الساذج، فعندنا خبراء يعرفون تاريخ الخط، وعندنا قواعد يضبط فيها إثبات صحة هذه المخطوطة كوجود السماعات والقراءات عليها، واسم وتوقيع من سمعها وقرأها.
ولا نظن أن هذا قد وجد في هذه النسخة المزعومة من اليمن أو من غيرها.
٧. ويسرنا أن نختم ردنا بهذه القصة الحقيقية والتي حدثت في بغداد في العصر العباسي، حيث أراد يهودي أن يعرف صدق الكتب المنسوبة لله من أهلها وهي التوراة عند اليهود، والإنجيل عند النصارى، والقرآن عند المسلمين.
فراح إلى التوراة فزاد فيها ونقص أشياء غير ظاهرة جداً، ثم دفعه إلى ورَّاقٍ – كاتب – منهم وطلب نسخ هذه النسخة، قال: فما هو إلا زمن يسير حتى صارت نسختى في معابد اليهود وبين كبار علمائهم.
ثم راح إلى الإنجيل فزاد فيه ونقص كما فعل في التوراة، ودفعه إلى ورَّاقهم وطلب نسخه فنسخه، قال: فما هو إلا زمن يسير حتى صار يقرأ في كنائسهم وتتناوله أيدي علمائهم.
ثم راح إلى القرآن فزاد فيه ونقص كما فعل في التوراة والإنجيل، ودفعه إلى ورَّاق المسلمين لينسخه له.
فلما رجع إليه لاستلام نسخته ألقاه في وجهه وأعلمه أن هذا ليس قرآن المسلمين!
فعلم هذا الرجل من هذه التجربة أن القرآن هو كتاب الله بحق وأن ماعداه لا يعدو أن يكون من صنع البشر.
وإذا كان ورَّاق المسلمين قد علم تحريف هذه النسخة فهل يمكن أن تمشي هذه على علماء المسلمين؟
وإذا أرادت السائلة تحويل هذه التجربة القديمة إلى واقع حالي فما عليها إلا أن تفعل فعل ذلك اليهودي الذي أسلم وتزيد وتنقص من هذه الكتب الثلاثة ولتر نتيجة تجربتها.
ولن نقول لها اعرضي نسختك من القرآن على ورَّاق، بل سنقول اعرضيها على صبيان وأطفال المسلمين ليكشفوا لك خطأ نسختك!
وقد طبعت بعض الدول الإسلامية مصاحف فيها أخطاء كان مكتشفها من الأطفال الصغار قبل الكبار.
والله الهادي.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1377
تحريف القرآن عند الرافضة
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت من أحد الزملاء الشيعة بأنه يوجد عندهم سورة لا توجد في مصحفنا، فهل هذا صحيح؟ هذه السورة تُسمى سورة " الولاية ".]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أما " سورة الولاية " فقد أقر بعض علماء الشيعة وأئمتهم بوجودها، ومن أنكر ذلك منهم فإنما يفعل ذلك تقية، وممن صرَّح بوجودها المسمَّى " ميرزا حسين محمد تقي النوري الطبرسي " – توفي سنة ١٣٢٠ هـ - فقد ألف كتاباً زعم فيه أن القرآن الكريم قد حرف، وأن الصحابة قد أخفوا منه أشياء منها سورة الولاية، وقد أكرمه " الرافضة " بعد موته بدفنه في " النجف "، وقد طبع كتاب الطبرسي هذا في إيران سنة ١٢٩٨هـ، وعند طبعه قامت حوله ضجة لأنهم كانوا يريدون أن يبقى التشكيك في صحة القرآن محصوراً في خاصتهم ومتفرقاً في مئات الكتب المعتبرة عندهم، وأن لا يجمع ذلك كله في كتاب واحد، قال في بداية كتابه:
هذا كتاب لطيف وسفر شريف ويسمى، بـ" فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب " ... وقد ذكر آيات وسوراً يزعم أن الصحابة حذفوها وأخفوها، ومنه " سورة الولاية " ونصها عندهم – كما في الكتاب -:
" يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنبي والولي الذين بعثناهما يهديانكم إلى الصراط المستقيم نبي وولي بعضهما من بعض وأنا العليم الخبير ... "، وسورة أخرى عندهم يسمونها سورة النورين: " يأيها الذين آمَنوا آمِنوا بالنورين أنزلناهما يتلوان عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب يوم عظيم. بعضهما من بعض وأنا السميع العليم. إن الذين يوفون بعهد الله ورسوله في آيات لهم جنات النعيم. والذين كفروا من بعد ما آمنوا بنقضهم ميثاقهم وما عاهدهم الرسول عليه يقذفون في الجحيم. ظلموا أنفسهم وعصوا وصية الرسول أولئك يسقون من حميم ...
إلى آخر هذه السخافات.
ويمكنك مشاهدتها كاملة مع صورة التلغراف من المصحف الفارسي:
http://arabic.islamicweb.com/shia/nurain.htm
وقد اطلع الأستاذ محمد علي سعودي - الذي كان كبير خبراء وزارة العدل بمصر - على مصحف إيراني مخطوط عند المستشرق " براين " فنقل منه هذه السورة بالتلغراف، وفوق سطورها العربية ترجمتها باللغة الإيرانية.
وكما أثبتها الطبرسي في كتابه " فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب " فإنها ثابتة أيضاً في كتابهم " دبستان مذاهب " باللغة الإيرانية لمؤلفه محسن فاني الكشميري، وهو مطبوع في إيران طبعات متعددة، ونقل عنه هذه السورة المكذوبة على الله المستشرق " نولدكه " في كتابه " تأريخ المصاحف " (٢ / ١٠٢) ، ونشرتها " الجريدة الآسيوية الفرنسية " سنة ١٨٤٢ (ص ٤٣١ – ٤٣٩) .
وقد ذكرها – أيضاً -: ميرزا حبيب الله الهاشمي الخوئي في كتابه " منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة " (٢ / ٢١٧) ، ومحمد باقر المجلسي في كتابه " تذكرة الائمة " (ص ١٩، ٢٠) باللغة الفارسية منشورات مولانا- ايران.
انظر كتاب: " الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة " لمحب الدين الخطيب
وهذا الزعم منهم تكذيب لقول الله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) الحجر / ٩، ولذلك أجمع المسلمون على كفر من زعم أن في القرآن تبديلاً وتحريفاً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وكذلك من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة ونحو ذلك، وهؤلاء يسمَّون القرامطة والباطنية، ومنهم التناسخية، وهؤلاء لا خلاف في كفرهم.
" الصارم المسلول " (٣ / ١١٠٨ – ١١١٠) .
قال ابن حزم:
القول بأن بين اللوحين تبديلا: كفر صحيح وتكذيب لرسول الله ﷺ .
" الفِصَل في الأهواء والملل والنِّحَل " (٤ / ١٣٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1378
نزول القرآن على سبعة أحرف
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت أنه أثناء خلافة عثمان، شُكلت لجنة يشرف عليها زيد بن ثابت لتتبع القرآن الكريم بكامله. لكن هذا النص "العثماني" لم يوفر قراءة موحدة، حيث أن اللغة العربية الأولى لم يكن فيها حروف علة، كما أن بعض الأحرف الصحيحة لم يكن لها نفس الشكل. وقد أوجدت علامات جديدة للتفريق بين الأحرف المختلفة. لكن ذلك لم يوقف الطرق المتعددة لقراءة القرآن.
ففي النصف الأول من القرن الرابع/العاشر توصل إمامُ قراءِ القرآن في بغداد، ابن مجاهد، لحل لهذه المشكلة. فقد قال إن الكلمة "حرف" يمكن أن تحل مكان "قراءة". وقد أعلن عن سبع طرق للقراءة الصحيحة. لأنه حسب ما يراه، فإن قول الرسول ﷺ أن القرآن نزل بسبعة أحرف، تعني أن هناك سبع طرق موحاة لقراءة القرآن.
وفي هذه الأيام فإن القراءات المشهورة والمستخدمة هي: ورش ونافع وحفص عن عاصم.
أرجو أن تخبرني عن هذه الطرق المختلفة للقراءة. هل توجد أحاديث تتعلق بهذا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اعلم –وفقك الله – أنّ القرآن نزل على حرف واحد أول الأمر ولكن رسول الله ﷺ ظل يستزيد جبريل حتى أقرأه على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ والدليل على ذلك حديث ابن عباس عن النبي ﷺ : " أقرأني جبريل على حرف فراجعته فزادني فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى على سبعة أحرف ". رواه البخاري (٣٠٤٧) ومسلم (٨١٩) .
ثانياً:
ما معنى الأحرف؟
أحسن الأقوال مما قيل في معناها أنها سبعة أوجه من القراءة تختلف باللفظ وقد تتفق بالمعنى واٍن اختلفت بالمعنى: فاختلافها من باب التنوع والتغاير لا من باب التضاد والتعارض.
ومعنى " حرف " في اللغة: الوجه، قال تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين) سورة الحج /١١.
ثالثاً: قال بعض العلماء: إن معنى الأحرف لغات العرب وهذا بعيد لحديث عمر بن الخطاب قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها عليه وكان رسول الله ﷺ أقرأنيها فكدت أن أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف ثم لببته بردائه فجئت به إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها فقال رسول الله ﷺ : اقرأ فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ. فقال: هكذا أنزلت. ثم قال لي اقرأ فقرأت فقال هكذا أنزلت. إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسّر منه. رواه البخاري (٢٢٨٧) ومسلم (٨١٨) .
ومما هو معلوم أن " هشاماً " أسدي قرشي، وأن " عمر " عدوي قرشي فكلاهما من قريش وليس لقريش إلا لغة واحدة، فلو كان اختلاف الأحرف اختلافاً في اللغات لما اختلف القرشيان.
وقد ذكر العلماء قرابة أربعين قولاً في هذه المسألة! ولعل الأرجح ما قد ذكرنا آنفاً. والله اعلم
رابعاً:
تبين أن الأحرف نزلت على ألفاظ متعددة كما بينه حديث عمر لأن إنكار عمر وقع على الحروف وليس على المعاني والخلاف بهذه الحروف ليس للتضاد ولكنه للتنوع كما قال ابن مسعود ((هو بمنزلة قول أحدكم هلمّ أقبل تعال)) .
خامساً:
أما تحديد القراءات السبعة فهي ليست من تحديد الكتاب والسنة ولكنها من اجتهاد ابن مجاهد ﵀ فظن الناس أن الأحرف السبعة هي القراءات السبعة لاتفاقها في العدد، وإنما جاء العدد مصادفة واتفاقاً أو قصداً منه ليوافق ما ورد من كون الأحرف سبعة وقد ظن بعض الناس أن الأحرف هي القراءات وهذا خطأ، ولا يُعرف هذا عن أهل العلم. والقراءات السبعة هي إحدى الأحرف السبعة وهي الحرف الذي جمع عثمان عليه المسلمين.
سادساً:
لما نسخ عثمان المصحف نسخه على حرف واحد ولكنه ترك النقط والتشكيل ليتسع هذا الرسم لحمل ما يستطيع حمله من الأحرف الأخرى فجاء المصحف برسمه محتملاً لبعض الأحرف فما احتمله جاءت به القراءة وما لم يحتمله نُسخ، وذلك لأن الناس أنكر بعضهم على بعض عند اختلافهم في القراءة فجمعهم عثمان على نُسخه واحدة ليجمع شملهم.
سابعاً:
قولك إن مجاهداً ظن أن القراءة تحل محل الحرف فهذا غير صحيح. كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه. مجموعة الفتاوى / ج١٣ / ٢١٠
ثامناً:
وأما القرّاء السبعة فهم:
١- نافع المدني ٢- ابن كثير المكي ٣- عاصم الكوفي
٤- حمزة الزيات الكوفي ٥- الكسائي الكوفي ٦- أبو عمرو بن العلاء البصري ٧- عبد الله بن عامر الشامي
وأقواهم سنداً في القراءة: نافع وعاصم.
وأفصحهم: أبو عمرو والكسائي.
ويروي عن نافع: ورش وقالون.
ويروي عن عاصم: حفص وشعبة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1379
يدعي نقصاً في بلاغة القرآن وفصاحته
[السُّؤَالُ]
ـ[في سورة البقرة (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) البقرة / ٨٧
يقول زميلي المسيحي انظر كيف عطف جملة الماضي (تقتلون) على جملة الماضي (كذبتم) .
فيجب أن تكون الآية - والعياذ بالله أن نبدل بكتابه العزيز - (ففريقا كذبتم وفريقا قتلتم) ، ويجب أن يكون الفعل تقتلون بالماضي؛ لأن الأنبياء قد انتهوا ومحمد هو خاتم الأنبياء - علما بأنه لا يعتقد بأن النبي محمد هو نبي بل النبي عيسى هو آخر الرسل.
وفي سورة آل عمران آية ٤٧ (فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، ويعتقد زميلي المسيحي بأنها ضعيفة أيضا، ويقول الأصح أن تكون - والعياذ بالله من أن نبدل كتابه العزيز - كن فكان، الرجاء التوضيح لأستطيع الرد عليه، واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا: ينبغي لمن لا قدرة له على النقاش أن يتقى الله في نفسه، ولا يدخل نفسه في نقاش مع الغير، بل يحرص على صيانة دينه من المراء مع الجهلة، أو أصحاب الشبه.
ثانيا: بالنسبة لما ذكر من الشبه - والتي هي أوهى من بيت العنكبوت – الجواب عنها من طريقين:
الطريق الأولى: طريق مجمل، وهي:
أن القرآن كتاب الله، نزل على عرب أقحاح، فاقوا الأمم في ميدان الفصاحة والبلاغة، واعتنوا بذلك أتم العناية، وبلغوا المنزلة العظمى في التفنن في البيان، فأقاموا الأسواق في الشعر والخطابة، وعلقوا معلقاتهم على الكعبة رفعا لشأن البلاغة والبيان، وتنافسوا في جميل القصائد، وروائع الخطب، وكانت قصائدهم تجري في عروقهم، فلا تنفك عنهم في فرح ولا حزن، ولا موت ولا حياة، ولا سعادة وشقاء، ولا نصر ولا هزيمة، وشهد لهم به القاصي والداني، ولم يعرف مثل هذا لأمة سواهم.
لهذا كان من حكمة الله أن أنزل لهم هذا القرآن بهذه اللغة التي يفتخرون بها، وتعالوا بها على الأمم، فبهرهم القرآن ببديع ألفاظه، وجميل معانيه، وعظيم مقاصده ومبانيه، فخضعوا وخنعوا له هيبةً أن يتكلموا فيه طعنا في لفظ، أو إعراب، أو بيان.!!
وتحداهم الله سبحانه في كتابه أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فلم يستطيعوا أن يأتوا بمثله، فضلا أن يأتوا بما يخل به من إعراب أو فصيح في الكمال، فقال تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) الاسراء / ٨٨.
ثم تحداهم الله أن يأتوا بعشر سور مثله، فقال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) هود / ١٣
فلما عجزوا عن ذلك انتقل التحدي إلى أن تحداهم الله بأن يأتوا بسورة مثله، قال تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) البقرة / ٢٣ فما كان لمن جاء بعد فساد اللغة، واختلاط لغته بلغة العجم أن يأتي بمثل هذه الترهات التي لا تدل إلا على عمق الجهل، وضحالة الفكر والمنطق، وعجمة اللغة، وكما قيل:
وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم
أما الطريق الثاني: وهو الجواب المفصل ببيان وجوه البلاغة والفصاحة فيما انتقده، فنقول:
أما قوله تعالى: (فريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون) .
قال العلامة الطاهر بن عاشور في تفسيره (التحرير والتنوير ١/٥٩٨) :
" وجاء (تقتلون) بالمضارع عوضا عن الماضي لاستحضار الحالة الفظيعة، وهي حال قتلهم رسلهم، كقوله تعالى: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ) فاطر / ٩، مع ما في صيغة (تقتلون) من مراعاة الفواصل، فاكتمل بذلك بلاغة المعنى وحسن النظم." انتهى كلامه.
ونقل الشيخ ابن عثيمين في تفسيره (١ / ٢٨٣) عن بعض العلماء فائدة أخرى من التعبير بالفعل المضارع (تقتلون) الذي يفيد الاستمرار وهي (أن هؤلاء اليهود استمر قتلهم الرسل حتى آخرهم محمد ﷺ فإنهم قتلوا الرسول ﷺ بالسم الذي وضعوه له في خيبر، فإنه ﷺ ما زال يتأثر منه حتى إنه ﷺ في مرض موته قال: (ما زالت أكلت خيبر تعاودني، وهذا أوان انقطاع الأبهر مني) أبو داود (٤٥١٢) والبخاري معلقاً، وقال الألباني في صحيح أبي داود حسن صحيح (٣٧٨٤) .
وأما قوله تعالى (وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) آل عمران / ٤٧، فهذه أدل وأدل على جهل هذا المعترض لأن الآية إنما تتحدث عن إرادة الله للشيء في المستقبل لا في الماضي بدليل ظرف الزمان (إذا) وهو ظرف لما يستقبل من الزمان، لذلك أتى الفعل (يقول) بالمضارع الدال على الاستقبال، وتلاه الفعل (يكون) بالمضارع الدال على الاستقبال أيضاً.
والله اعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1380
هل للأحجار الكريمة ذكر في القرآن ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كم عدد الأحجار الكريمة التي تم ذكرها في القرآن؟ وفي أي سورة ذُكرت؟ وهل لهذه الأحجار أي أهمية روحانية؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
مقصود القرآن الأعظم هو دلالة الخلق على الله، ليوحدوه ويعبدوه، وليفوزوا بجنته ورضوانه، وليس القرآن كتاب علوم أو طب أو فلك، وإن اشتملت آياته على شيء من ذلك.
ولهذا فلا ينبغي للمسلم أن ينشغل عن الهدف الأعظم من تلاوة القرآن إلى البحث عن عدد الأحجار أو الأنهار أو أنواع الحيوانات المذكورة فيه.
وقد ورد ذكر بعض الأحجار الكريمة كالياقوت واللؤلؤ والمرجان
قال سبحانه: (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ) الرحمن / ٥٨.
وقال: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) الرحمن / ٢٢.
وقال: (كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) الواقعة / ٢٣.
وقال: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً) الإنسان / ١٩.
وليس لهذه الأحجار أهمية روحانية، وإنما ذكرت في القرآن الكريم لبيان ما أنعم الله على عباده من البحار وما يستخرج منها، أو للتشبيه وتقريب الصورة، فشبّه الحور العين بالياقوت والمرجان واللؤلؤ المكنون، بجامع الصفاء في الياقوت، والبياض في اللؤلؤ والمرجان.
وشبه الولدان باللؤلؤ المنثور دلالة على الجمال وحسن المنظر.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1381
هل الأفضل قراءة القرآن حفظاً أم من المصحف ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الأفضل أن أقرأ القرآن وأنا أنظر إلى المصحف، أو أقرأ حفظاً؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أما في الصلاة؛ فالأفضل أن يقرأ من حفظه. راجع السؤال رقم (٣٤٦٥) .
وأما خارج الصلاة؛ فالأفضل في هذا أن يفعل الإنسان ما يزداد به خشوعه، فإن كان يزيد خشوعه بالقراءة من حفظه، فهو أفضل، وإن كان يزيد خشوعه بالقراءة من المصحف فهو أفضل، فإن استوى خشوعه في الحالين فالقراءة من المصحف أفضل، لأنه يجمع بين القراءة والنظر، ويحفظ بصره من الالتفات إلى ما يشغله عن القراءة والتدبر.
قال النووي في: " الأذكار " (ص ٩٠-٩١) :
قراءة القرآن من المصحف أفضل من القراءة من حفظه، هكذا قال أصحابنا، وهو مشهور عن السلف ﵃، وهذا ليس على إطلاقه، بل إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر والتفكر وجمع القلب والبصر أكثر مما يحصل من المصحف فالقراءة من الحفظ أفضل وإن استويا فمن المصحف أفضل، وهذا مراد السلف اهـ.
وقد رويت عن النبي ﷺ أحاديث ضعيفة لا يصح الاستدلال بها في فضل النظر في المصحف. نذكرها للتنبيه على ضعفها، منها:
حديث: (النظر في المصحف عبادة، ونظر الولد إلى الوالدين عبادة، والنظر إلى علي بن أبي طالب عبادة) . وهو حديث موضوع، كما قال الألباني في السلسلة الضعيفة (١/٥٣١) .
وحديث: (أعطوا أعينكم حظها من العبادة: النظر في المصحف، والتفكر فيه، والاعتبار عند عجائبه) وهو موضوع كذلك [سلسلة الأحاديث الضعيفة ٤/٨٨] .
وحيث: (خمس من العبادة: قلة الطعام، والقعود في المساجد، والنظر إلى الكعبة، والنظر في المصحف، والنظر إلى وجه العالم) . وهو حديث ضعيف جدا [ضعيف الجامع الصغير رقم:٢٨٥٥] .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1382
لماذا لم يذكر القرآن قصة هاجر وزمزم
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا لا يذكر القرآن عادة الختان وقصة هاجر ومعجزة بئر زمزم، بينما يذكر الكتاب المقدس ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
كان من الأولى أن تسأل فتقول: لماذا لم يفصل القرآن في ذكر عدد الصلوات في اليوم والليلة، وعدد كل صلاة، وماذا يُقرأ فيها، وما صفة الصلاة ... وهكذا الزكاة والحج والصيام وغيرها.
أخي السائل: إن الله جعل سنّة النبي ﵊ مبيّنة ومفصلة لما أُجمل في القرآن كما قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) . فهذه الأمور التي تذكرها بينتها السنة وكلاهما وحيٌ من عند الله: السنة والقرآن.
الشيخ سعد الحميد.
وإليك من السنة في قصة هاجر وزمزم ما يغنيك عن كل الأناجيل التي لا نعلم صحة ما فيها:
فقد روى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قصة هاجر زوجة إبراهيم وأم ابنه إسماعيل فقال في الرّواية: جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلا شَيْءٌ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا فَقَالَتْ لَهُ أَاللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا قَالَ نَعَمْ قَالَتْ إِذَنْ لا يُضَيِّعُنَا ثُمَّ رَجَعَتْ فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ، وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى أَوْ قَالَ يَتَلَبَّطُ فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتْ الْوَادِيَ ثُمَّ أَتَتْ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا فَقَالَتْ صَهٍ تُرِيدُ نَفْسَهَا ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا فَقَالَتْ قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنْ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ أَوْ قَالَ لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنْ الْمَاءِ لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا قَالَ فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ لا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ يَبْنِي هَذَا الْغُلامُ وَأَبُوهُ وَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَهْلَهُ وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنْ الأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمَ أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا فَقَالُوا إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ لَعَهْدَُا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا قَالَ وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْمَاءِ فَقَالُوا أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ فَقَالَتْ نَعَمْ وَلَكِنْ لا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ قَالُوا نَعَمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الإنْسَ فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ وَشَبَّ الْغُلامُ وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ.. ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلاً لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ ثُمَّ قَالَ يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ قَالَ فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ قَالَ وَتُعِينُنِي قَالَ وَأُعِينُكَ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا قَالَ فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَهُمَا يَقُولانِ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ قَالَ فَجَعَلا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولانِ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) صحيح البخاري ٣١١٣.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1383
تفسير قوله: (آتاني الكتاب وجعلني نبيا)
[السُّؤَالُ]
ـ[في قوله تعالى من سورة مريم بسم الله الرحمن الرحيم: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً) مريم/٣٠. صدق الله العظيم. سؤالي: ما هو الكتاب الذي كان يعنيه سيدنا عيسى ﵇، هل هو الإنجيل؟ وإذا كان هو، كيف يعطى لطفل في المهد؛ هل يعني أنه يحفظه غيبا؟ وكيف علمه للناس؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المقصود بالكتاب في قوله تعالى: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) مريم/٣٠ - هو الإنجيل، وقد عبر بلفظ الماضي (آتاني) ليدل على تحقق الوقوع، فسيؤتيه الله الكتاب مستقبلا، أو أن المراد: قضى أن يؤتيني الكتاب.
قال عكرمة: " (آتَانِيَ الْكِتَابَ) أي: قضى أنه يؤتيني الكتاب فيما قضى " حكاه ابن كثير عنه في تفسيره (٥/ ٢٢٩) .
وقال الشنقيطي ﵀ في "أضواء البيان": " وقوله: في هذه الآية الكريمة: (آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً) ، التحقيق فيه إن شاء الله: أنه عبر بالماضي عما سيقع في المستقبل تنزيلاً لتحقق الوقوع منزلة الوقوع. ونظائره في القرآن كثيرة، كقوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) ، وقوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ) - إلى قوله -: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا) ، وقوله تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) فهذه الأفعال الماضية المذكورة في الآيات بمعنى المستقبل، تنزيلاً لتحقق وقوعه منزلة الوقوع بالفعل، ونظائرها كثيرة في القرآن.
وهذا الذي ذكرنا ـ من أن الأفعال الماضية في قوله تعالى: (آتَانِيَ الْكِتَابَ) الخ، بمعنى المستقبل هو الصواب إن شاء الله. خلافاً لمن زعم أنه نبىء وأوتي الكتاب في حال صباه، لظاهر اللفظ " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1384
الحكمة في اختلاف اللفظ القرآني للحدث أو الموقف
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو سبب اختلاف اللفظ القرآني لنفس الحدث أو الموقف على لسان قائليه، مثال ذلك قصة إبليس عليه لعنة الله، في سورة الأعراف يقول إبليس: ( ... قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) آية/٢، بينما في سورة الحجر يقول: (قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون) آية/٣٣. فلماذا اختلف النصان هنا مع العلم بأن الموقف واحد؟ وأمثلة هذا كثيرة في القرآن الكريم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا بد أن نعرف في بداية الجواب أن الكلام المحكي في القرآن الكريم على ألسنة المتكلمين إنما هو بالمعنى وليس باللفظ، وذلك لدليلين ظاهرين:
١-أن القرآن كلام الله، وليس كلام أحد من المخلوقين، ولما كان كذلك كانت الأقوال المحكية على ألسنة المتكلمين بها من الناس والدواب، هي من كلام الله، يقص به أخبار الأولين، وينقل كلامهم. فهي تنسب إليهم باعتبار مضمون الكلام ومعناه.
٢-أن لغات الأمم السابقة لم تكن هي العربية الواردة في القرآن الكريم، وبذلك نجزم أن الكلام المنقول على ألسنتهم إنما هو كلام الله ، متضمنا معاني كلام المذكورين من الأمم السابقة.
جاء في " فتاوى اللجنة الدائمة " (٤/٦-٧) :
" الكلام يطلق على اللفظ والمعنى، ويطلق على كل واحد منهما وحده بقرينة.
وناقله عمن تكلم به من غير تحريف لمعناه ولا تغيير لحروفه ونظمه: مُخبِرٌ مُبَلِّغٌ فقط، والكلام إنما هو لِمَن بدأه.
أمَّا إن غيَّر حروفه ونظمه مع المحافظة على معناه، فينسب إليه اللفظ: حروفه ومعناه، وينسب من جهة معناه إلى من تكلم به ابتداءً.
ومن ذلك ما أخبر الله به عن الأمم الماضية، كقوله تعالى: (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ) غافر/٢٧، وقوله: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ) غافر/٣٦.
فهاتان تسميان قرآناً، وتنسبان إلى الله كلاماً له باعتبار حروفهما ونظمهما؛ لأنهما من الله لا من كلام موسى وفرعون؛ لأن النظم والحروف ليس منهما.
وتنسبان إلى موسى وفرعون باعتبار المعنى، فإنه كان واقعاً منهما.
وهذا وذاك قد علمهما الله في الأزل وأمر بكتابتهما في اللوح المحفوظ، ثم وقع القول من موسى وفرعون بلغتهما طبق ما كان في اللوح المحفوظ، ثم تكلم الله بذلك بحروف أخرى ونظم آخر في زمن نبينا محمد ﷺ ، فنسب إلى كلٍّ منهما باعتبار.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود " انتهى.
ثانيا:
أسلوب تكرار العبارة والقصة في القرآن الكريم، ولكن في سياقات مختلفة وألفاظ مترادفة: هو من سمات القصص القرآني الظاهرة، حيث يتكرر ذكر القصة الواحدة في كثير من السور، وفي كل مرة يتنوع السياق، ويتعدد الأسلوب، وترد القصة بعبارات جديدة، تفتح آفاقا للمعاني والفوائد، وأنماطا متنوعة من أساليب البلاغة والبيان، ولذلك عد العلماء والمفسرون هذا التنوع في اللفظ والعبارة من مظاهر الفصاحة والبيان، ونصوا على أن من مقاصد القصص القرآني تفريق الحدث الواحد في سياقات مختلفة، بل وألفوا في هذا الفن مؤلفات خاصة، منها كتاب " المقتنص في فوائد تكرار القصص " لبدر الدين بن جماعة، كما ذكر ذلك السيوطي في " الإتقان " (٢/١٨٤)
يقول الزركشي ﵀:
" إبراز الكلام الواحد في فنون كثيرة وأساليب مختلفة لا يخفى ما فيه من الفصاحة " انتهى.
" البرهان في علوم القرآن " (٣/٢٦)
وإذا رحنا نعدد الفوائد التي يضفيها هذا الأسلوب على مجمل ما في القرآن الكريم لعددنا شيئا كثيرا، ولكنا نذكر ههنا بعض هذه الفوائد:
١-زيادة بعض التفاصيل التي لم تذكرها الآيات من قبل، والمثال الوارد في السؤال واحد من صور هذه الفوائد، فقد زادت الآيات في سورة الحجر قيدا في وصف الأصل الذي خلق منه آدم ﵇، وهو كونه من صلصال من حمإ مسنون، في حين لم تذكر ذلك آيات سورة الأعراف المتعلقة بالقصة.
٢-تأكيد التحدي الذي جاء به القرآن لمشركي العرب أن يأتوا بشيء من مثله، فقد كشف هذا التنوع في العبارة عن عجزهم عن الإتيان بمثله بأي نظم جاء، وبأي عبارة عبَّروا.
٣-إذهاب السآمة والملل عن القصة، وذلك أن العرض الجديد يشد الأسماع، ويلفت الأنظار، ويبقي صلة المتعة والفائدة بين القارئ والنص المقدس، وهذا من المقاصد العظيمة أيضا، " فيجد البليغ ميلا إلى سماعها، لما جبلت عليه النفوس من حب التنقل في الأشياء المتجددة التي لكل منها حصة من الالتذاذ "
٤-" ظهور الأمر العجيب في إخراج صور متباينة في النظم بمعنى واحد، وقد كان المشركون في عصر النبي ﷺ يعجبون من اتساع الأمر في تكرير هذه القصص والأنباء مع تغاير النظم، وبيان وجوه التأليف، فعرفهم الله سبحانه أن الأمر بما يتعجبون منه مردود إلى قدرة من لا يلحقه نهاية، ولا يقع على كلامه عدد"
٥-التناسق مع الموضوع والمناسبة التي وردت القصة لأجلها، فأحيانا تقتضي هذه المناسبة إبراز معنى في الحوار الدائر لم يكن من الضروري إبرازه في مناسبة أخرى وردت فيها القصة، وهذه الفائدة باب واسع من أبواب اكتشاف بحور بلاغة القرآن وإعجازه، وأمثلتها التفصيلية موجودة في بطون كتب التفسير.
يمكن الاطلاع على هذه الفوائد وغيرها في كتاب " البرهان في علوم القرآن " (٣/٢٦-٢٩)
يقول الدكتور فضل حسن عباس حفظه الله:
" المنهج القصصي في القرآن الكريم هو المنهج البديع المعجز، حيث ذكرت القصة في سور كثيرة، وإن خصت بعض السور بذكر حدث واحد، ثم توزعت هذه المشاهد والأحداث على السور التي ذكرت فيها القصة، قلت أم كثرت، بحيث تجد في كل سورة ما لا تجده في غيرها، وبحيث يذكر في كل سورة ما يتلاءم مع موضوعها وسياقها، وبحيث تذكر القصة في السورة في الموضع الذي اختيرت له والذي اختير لها " انتهى.
" القصص القرآني " (ص/٨١)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1385
تفسير قوله تعالى ففروا إلى الله
[السُّؤَالُ]
ـ[ما تفسير قوله تعالى: (ففروا إلى الله إنني لكم منه نذير مبين) ، ولماذا لم يصدّر الآية بكلمة (قل) كما في كثير من الآيات؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
هذه الآية من أعظم آيات القرآن الكريم، تجمع معاني الخوف والرجاء: الخوف من الله تعالى، واللجوء إليه سبحانه، إذ لا منجا منه إلا إليه ، أمر بالفرار منه إليه ليدل العباد على أنه أرحم بهم من كل من سواه، وأنه يريد بالعباد الرحمة والمغفرة. وفي " مدارج السالكين " (١/٤٦٩-٤٨١) للعلامة ابن القيم كلام مطول مفيد عن منزلة " الفرار " من منازل السائرين.
يقول الله تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) الذاريات/٥٠.
قال الإمام الطبري ﵀:
" يقول تعالى ذكره: فاهربوا أيها الناس من عقاب الله إلى رحمته بالإيمان به، واتباع أمره، والعمل بطاعته (إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ) يقول: إني لكم من الله نذير أنذركم عقابه، وأخوّفكم عذابه الذي أحلَّه بهؤلاء الأمم الذين قصّ عليكم قصصهم، والذي هو مذيقهم في الآخرة. وقوله: (مُبِينٌ) يقول: يبين لكم نذارته " انتهى.
" جامع البيان " (٢٢/٤٤٠)
وقال القرطبي ﵀:
" لما تقدم ما جرى من تكذيب أممهم لأنبيائهم وإهلاكهم لذلك، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : قل لهم يا محمد، أي قل لقومك: (ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين) أي: فروا من معاصيه إلى طاعته.
وقال ابن عباس: فروا إلى الله بالتوبة من ذنوبكم. وعنه: فروا منه إليه واعملوا بطاعته.
وقال محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان: (ففروا إلى الله) اخرجوا إلى مكة.
وقال الحسين ابن الفضل: احترزوا من كل شيء دون الله، فمن فر إلى غيره لم يمتنع منه.
وقال أبو بكر الوراق: فروا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن.
وقال الجنيد: الشيطان داع إلى الباطل، ففروا إلى الله يمنعكم منه.
وقال ذو النون المصري: ففروا من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الشكر.
وقال عمرو بن عثمان: فروا من أنفسكم إلى ربكم.
وقال أيضا: فروا إلى ما سبق لكم من الله، ولا تعتمدوا على حركاتكم.
وقال سهل بن عبد الله: فروا مما سوى الله إلى الله.
(إني لكم منه نذير مبين) أي: أنذركم عقابه على الكفر والمعصية " انتهى.
" الجامع لأحكام القرآن " (١٧/٥٣-٥٤)
وقال العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀:
" لما دعا العباد للنظر لآياته الموجبة لخشيته والإنابة إليه، أمر بما هو المقصود من ذلك، وهو الفرار إليه أي: الفرار مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا، إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنًا، فرار من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى ذكر الله، فمن استكمل هذه الأمور فقد استكمل الدين كله، وقد زال عنه المرهوب، وحصل له نهاية المراد والمطلوب.
وسمى الله الرجوع إليه فرارًا: لأن في الرجوع لغيره أنواع المخاوف والمكاره، وفي الرجوع إليه أنواع المحاب والأمن والسعادة والفوز، فيفر العبد من قضائه وقدره إلى قضائه وقدره، وكل من خفت منه فررت منه، إلا الله تعالى؛ فإنه بحسب الخوف منه، يكون الفرار إليه، (إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) ؛ أي: منذر لكم من عذاب الله، ومخوف بَيِّنُ النذارة " انتهى.
" تيسير الكريم الرحمن " (ص/٨١١)
ثانيا:
أما كلمة (قل) فقد وردت في آيات كثيرة في القرآن الكريم، عددها نحو العشرة وثلاثمائة آية، وذلك في سياقات متعددة، ومواقف كثيرة، ومعان عديدة، غير أن ذلك لا يعني أن كل أمر يأمر الله نبيه ﷺ أن يبلغه للناس لا بد وأن يبدأ بكلمة (قل) ، فللقرآن أسلوبه المعروف، ولغة العرب تسع ألوانا عديدة من البيان البليغ، والتفنن في الأساليب هو من وجوه جمالها وتميزها.
وحول هذه الكلمة المذكورة بخصوصها، يقول الدكتور فضل حسن عباس:
" أما كلمة (قل) فالمتدبر لآي القرآن وأسلوبه يجد أنها تأتي حينما تدعو الحاجة إليها، وذلك حينما يكون الأسلوب أسلوبا تلقينيا، سواء كان هذا التلقين تعليميا أم ردا على شبهات، وذلك كما في السور الأخيرة الثلاث، الإخلاص والمعوذتين، وكما في الآيات التالية: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) الأنعام/١٤-١٦.
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ) الأنعام/٤٦، (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الأنعام/١٦١-١٦٢
والمتأمل في هذه الآيات الكريمة لا يرتاب في أنها جاءت في سياق خاص تلقينا وتعليما " انتهى.
"قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية " (ص/٥٧) .
ومن المهم أن نعلم أن التماس مثل هذه الحكم: إنما هو أمر اجتهادي؛ قد يأتي باحث آخر بحكمة أخرى مع هذه، أو هي أرجح وأولى، ومثل هذه الأمور تحتاج إلى تتبع إلى أساليب القرآن في التعبير، والسياقات المختلفة التي وردت فيها الكلمة، لالتماس محلها من البلاغة، وتعرف الحكمة في ورودها.
وفوق كل ذي علم عليم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1386
قضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم
[السُّؤَالُ]
ـ[أثنى الله في سورة آل عمران على الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض، وقد أثبت العلم الحديث توافق أشياء كثيرة مع ما ذكر في القران، ولكن مع هذا هناك بعض الناس من يقول إنه ينبغي أن لا تنزل المكتشفات العلمية الحديثة على الحقائق التي في القرآن؛ لأن العلم دائماً في تغير مستمر، بينما القرآن ثابت معجز في كل زمان ومكان، فقد يكتشف العلم الحديث شيئاً ويسارع الناس لتنزيل هذا المكتشف على ما جاء في القران، ثم ما يلبث هذا المكتشف أن يثبت عكسه، فيتأثر بذلك مَن في قلبه مرض. وقد قرأت مقالات لأحد العلماء يتحدث فيها عن العلم الحديث والقرآن، وأنه لا يمكن أن يتعارضا مع بعض، ولكن مع هذا كله ما زال كثير من الناس يصرون على عدم استخدام هذه الحقائق العلمية حتى في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام. فما هو رأيكم في ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
النظر في قضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، هو كغالب القضايا العلمية والفكرية: يكتنفه طرفان: إفراط وتفريط، والتوسط بين هذين الطرفين عادة ما يكون هو الأوفق والأقرب للصواب:
١-فمن الخطأ والتقصير الظاهر عدم الاستفادة من حقائق العلم الحديث في تفسير كثير من الآيات الكونية في القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة في السنة المطهرة، ونحن نؤمن أن خالق الكون ومنزل القرآن الكريم إله واحد، فلا بد أن تتطابق التفاصيل الواردة فيهما، والعلم الحديث خير معين على كشف هذا التطابق.
٢-ومن الخطأ الظاهر أيضا المبالغة في هذا التوجه، وتحميل الآيات ما لا تحتمل من أوجه المجاز المخالفة للسياق، أو المخالفة لما ثبت في السنة المطهرة من تفسير هذه الآيات، أو التسرع في عرض الفرضيات والنظريات على أنها حقائق علمية.
يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" الإعجاز العلمي في الحقيقة لا ننكره، لا ننكر أن في القرآن أشياء ظهر بيانها في الأزمنة المتأخرة، لكن غالى بعض الناس في الإعجاز العلمي، حتى رأينا من جعل القرآن كأنه كتاب رياضة، وهذا خطأ.
فنقول: إن المغالاة في إثبات الإعجاز العلمي لا تنبغي؛ لأن هذه قد تكون مبنية على نظريات، والنظريات تختلف، فإذا جعلنا القرآن دالاًّ على هذه النظرية ثم تبين بعد أن هذه النظرية خطأ، معنى ذلك أن دلالة القرآن صارت خاطئة، وهذه مسألة خطيرة جدًّا.
ولهذا اعتني في الكتاب والسنة ببيان ما ينفع الناس من العبادات والمعاملات، وبين دقيقها وجليلها حتى آداب الأكل والجلوس والدخول وغيرها، لكن علم الكون لم يأتِ على سبيل التفصيل.
ولذلك فأنا أخشى من انهماك الناس في الإعجاز العلمي وأن يشتغلوا به عما هو أهم، إن الشيء الأهم هو تحقيق العبادة؛ لأن القرآن نزل بهذا، قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) " انتهى.
" مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين " (٢٦/٢٨) .
وقد قام كثير من الباحثين والعلماء المعاصرين – جزاهم الله خيرا – بكتابة الأبحاث العلمية الرصينة المتزنة في هذا الباب، وقامت لذلك هيئات علمية متخصصة، ومؤتمرات دولية، ومجامع عامة يمكن أن تثمر فيما تثمره تقعيدا مؤصلا منضبطا لقضايا هذا العلم الجديد، حتى يصل إلى درجة من الكمال الممكن، كحال كل علم ينشأ غرسا صغيرا، ثم يكبر ويثبت بدراسات العلماء الأفذاذ المتخصصين.
ونحن ننقل هنا بعض الضوابط المهمة للوصول إلى نتائج سليمة في هذا المنهج العلمي:
يقول الدكتور عبد الله المصلح حفظه الله:
" إن المراد بهذه الضوابط تلك القواعد التي تحدد مسار بحوث الإعجاز العلمي وفق الأصول الشرعية المقررة، مع الالتزام بالجوانب الفنية والعلمية المطلوبة.
وتكمن أهمية هذه الضوابط في كونها مناط استرشاد للباحثين في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، وخصوصا في هذا الوقت الذي كثر فيه إقبال الباحثين والكاتبين على هذا الموضوع لأهميته في الدعوة والإقناع، وذلك لتميز هذا العصر بالعلم ومكتشفاته، حتى أصبح العلم سمة من سماته.
وهذا الاهتمام من غير سير على ضوابط واضحة أوجد مزالق كثيرة حتى عند بعض المخلصين، وإسهاما في علاج ذلك جاءت هذه الضوابط علها أن تكون مانعا من الوقوع في تلك الأخطاء، وحافزا للكتابة في هذا الموضوع الحيوي.
والتزام هذه الضوابط يساعد كذلك على إنهاء الخلاف الفكري بين المؤيدين لموضوع التفسير العلمي والمعارضين له؛ لأن جوهر الخلاف بينهم يرجع سببه إلى تلك المظاهر الارتجالية التي لا يصدر أصحابها عن منهج صحيح.
وتلك الضوابط هي:
١- ثبوت النص وصحته إن كان حديثا، لتواتر القرآن دون الحديث.
٢- ثبوت الحقيقة العلمية ثبوتا قاطعا، وتوثيق ذلك علميا متجاوزة مرحلة الفرض والنظرية إلى القانون العلمي.
٣- وجود الإشارة إلى الحقيقة العلمية في النص القرآني أو الحديثي بشكل واضح لا مرية فيه.
فإذا تم ذلك أمكنت دراسة القضية لاستخراج وجه الإعجاز.
ويجب في أثناء تلك الدراسة مراعاة الضوابط التالية:
١-جمع النصوص القرآنية أو الحديثية المتعلقة بالموضوع، ورد بعضها إلى بعض لتخرج بنتيجة صحيحة لا يعارضها شيء من تلك النصوص، بل يؤيدها.
٢-جمع القراءات الصحيحة المتعلقة بالموضوع إن وجدت، وكذلك روايات الحديث بألفاظها المختلفة.
٣-معرفة ما يتعلق بالموضوع من سبب نزول ونسخ، وهل يوجد شيء من ذلك أو لا؟
٤- محاولة فهم النص الواقع تحت الدراسة على وفق فهوم العرب إبان نزول الوحي، وذلك لتغير دلالات الألفاظ حسب مرور الوقت، ولهذا يقتضي الأمر الإلمام بمسائل تعين على فهم النص والتمكن من تقديم معنى على آخر، وهي كالآتي:
أ-إن النص مقدم على الظاهر، والظاهر مقدم على المؤول.
ب -إن المنطوق مقدم على المفهوم، وإن المفاهيم بعضها مقدم على الآخر كذلك.
ت -أن يخضع في تناوله للنص لقاعدة: العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، وأن العموم مقدم على الخصوص، والإطلاق مقدم على التقييد، والإفراد على الاشتراك، والتأصيل على الزيادة، والترتيب على التقديم والتأخير، والتأسيس على التأكيد، والبقاء على النسخ، والحقيقة الشرعية على العرفية، والعرفية على اللغوية.
ث -مراعاة السياق والسباق وعدم اجتزاء النص عما قبله وما بعده.
ج - مراعاة قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ح - معرفة معاني الحروف، وعدم تفسير حرف أو حمله على معنى لا يقتضيه الوضع العربي.
خ - مراعاة أوجه الإعراب، وعدم القول بتوجيه لا يسانده إعراب صحيح أو قرينة أخرى.
د - أن المشترك اللفظي يمكن حمله على واحد من معانيه دون نفي الآخر أو القطع بأن هذا الصواب وحده ما لم تكن هناك قرينة راجحة.
٥- إظهار وجه الإعجاز: فإذا تم ذلك لم يبق على الباحث سوى أن يظهر الربط بين الحقيقة الشرعية والعلمية بأسلوب واضح مختصر.
٦-أن هناك أمورا من قبيل المتشابه لا مجال لفهمها أو تناولها بالبحث.
٧-عدم البحث في الأمور الغيبية، كموعد قيام الساعة، وبداية الخلق، والجنة والنار.
٨-عدم الاعتماد على الإسرائيليات أو الروايات الضعيفة.
٩- الاعتماد على المصادر المعتبرة في ذلك دون غيرها، كأمهات التفسير والحديث وكتب غريب القرآن والسنة، مع الإشارة إلى جهود الدراسات السابقة إن وجدت.
١٠-الابتعاد عن تسفيه آراء السلف من علماء التفسير والحديث ورميهم بالجهل؛ لأن القرآن والسنة خطاب للبشرية في كل عصر، والكل يفهم منها بقدر ما يفتح الله عليه، وبحسب ما يبذله من جهد وما هو متوفر لديه من وسائل، ولن يحيط بفهم الوحي أهل عصر إلى قيام الساعة، فلا مجال للتسفيه والتجهيل، وإنما هي الاستفادة والتكميل والدعاء لمن تقدم، قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِاْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) الحشر/١٠، بل الواجب اتباع فهم السلف ﵃، وخصوصا الصحابة رضوان الله عليهم؛ لأنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، وعبد الله بن عباس، وابن مسعود ﵃، فهم العمدة والعدول بخبر الله تعالى، وعنهم أخذ التابعون، وعلى نهجهم ساروا، فمن عدل عن تفسيرهم إلى ما يخالفه كان مخطئا، بل ومبتدعا، لأنهم كانوا أعلم بتفسير كتاب الله من غيرهم، وأورع، وأتقى.
١١-ينبغي أن تحصر الدراسة فيما تمكن القدرة عليه، فالأفراد يمكن أن يقصروا بحوثهم فيما يتعلق بالاكتشافات فيما هو خاضع لتجاربهم المخبرية، ليصلوا من خلال ذلك إلى الحق، وللجامعات والمراكز والدول مجالات أكثر وأكبر.
١٢-ينبغي أن يعلم الباحث في هذا المجال أن كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ صدق وحق، ولا يمكن بحال أن يخالف حقيقة علمية؛ لأن منزل القرآن هو الخالق العالم بأسرار الكائنات، قال تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) الملك/١٤، ومعرفة ذلك تقتضي منا التريث وعدم تحميل النص ما لا يحتمله من أجل أن يوافق ما نظنه حقيقة، فإذا لم يتيسر ذلك بشكل واضح فعلينا أن نتوقف دون نفي أو إثبات، ونبحث عن موضوع آخر، والزمن كفيل بانكشاف الحق بعد ذلك.
١٣-على الباحث أن يتحرى الصدق والصواب وأن يخلص نيته لله في تبيين الحق للناس من أجل هدايتهم، وأن يعلم خطورة ما يتناوله، ويعبر عنه، فهو عندما يقول: هذا المعنى هو الذي يشير إليه قوله تعالى: فهو يفسر كلام رب العالمين، لذا يجب عليه أن يتذكر دائما قول النبي ﷺ : (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. (رقم/٢٩٥٠) ، وضعفه الألباني في " ضعيف الترمذي ".
١٤-ينبغي أن يتصف الباحث كذلك بالصبر، مع توفر الكفاءة العلمية المكتسبة، حتى يميز الحق من الباطل، ويقبله ويلتزم بالموضوعية، ومعناها هنا: حصر المعلومات ودراستها من غير تحيز لفكرة أو رأي سابق، مع التقيد بالمنهج العلمي في التوثيق والاقتباس والإحالات " انتهى.
" الإعجاز العلمي في القرآن والسنة تاريخه وضوابطه " (ص/٣٠-٣٧)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1387
تفسير قوله تعالى ـ عن النحل ـ: (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) .
[السُّؤَالُ]
ـ[يقول الله تعالى في سورة النحل: (ثم كلي من كل الثمرات) فمن المعلوم أن النحل لا تأكل الثمرات ذاتها، وإنما تمتص (تأكل) من أزهار الثمار فقط، فما تفسير هذه الآية تمامًا؟ أرجو التوضيح.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه الآية من الآيات الكونية الدالة على عظيم خلق الله ودقيق إبداعه في صنعه، وقد جعل للبشر في خلق النحل وعجائب هدايته له ما يبهر العقول ويحير الألباب، وهذا ما ندعو إلى التأمل فيه، وليس التنقير عن شبهات يختلقها بعض الناس في المنتديات، تذهب ببريق الحكمة والعظة من كلام الله ، وهو أمر لا ينطلي إلا على ضعاف العقول، أو من هانت عليه نفسه، وهان عليه أمر دينه، ففتح قلبه للشهوات، وجعل نفسه تبعا لكل ناعق!!
يقول العلامة السعدي ﵀:
" في خلق هذه النحلة الصغيرة، التي هداها الله هذه الهداية العجيبة، ويسر لها المراعي، ثم الرجوع إلى بيوتها التي أصلحتها بتعليم الله لها، وهدايته لها، ثم يخرج من بطونها هذا العسل اللذيذ مختلف الألوان بحسب اختلاف أرضها ومراعيها، فيه شفاء للناس من أمراض عديدة، فهذا دليل على كمال عناية الله تعالى، وتمام لطفه بعباده، وأنه الذي لا ينبغي أن يحب غيره، ويُدعَى سواه " انتهى.
" تيسير الكريم الرحمن " (٤٤٤)
وعلى كل حال: فأساس هذه الشبهة الضعف البالغ في فهم أساليب اللغة العربية وأبواب البيان والمجاز فيها، وليس أي شيء آخر، والجهل أساس كل داء.
يقول الله تعالى:
(وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) النحل/٦٨-٦٩.
فقوله تعالى: (كلي من كل الثمرات) يتضمن مسائل لغوية مهمة، منها:
أولا:
قوله (مِن) يحتمل ثلاثة معاني:
١- يحتمل أن يراد به (مِن) التبعيضية.
٢-ويحتمل أن يراد به (مِن) التي هي لابتداء الغاية، وهذان المعنيان من معاني حرف الجر (مِن) أشهر معانيها التي تفيدها، كما ذكر ذلك ابن هشام في " مغني اللبيب " (ص/٤١٩-٤٢٠) .
٣- ويحتمل أن يراد بها (مِن) التي هي لبيان الجنس.
فإذا قلنا إنها (مِن) التبعيضية: أفادت أن إلهام الله للنحل كان بأن تأكل جزءا من الثمار، وليس كل الثمار، وهذا الجزء هو ما تأخذه النحلة من رحيق الأزهار، وإن كان العلماء المتقدمون يذكرون في كتبهم أن النحل يصنع العسل من أكله لأوراق الشجر أيضا، بل ومن بعض الذرات التي تكون في الهواء، ولكن العلم الحديث لا يذكر ذلك، فاكتفينا بما يذكره العلم الحديث، والقرآن الكريم ذكر (من) التبعيضية، ولم يحدد هذا البعض الذي تأكله النحلة فتصنع منه العسل.
وإطلاق (الثمرات) على الأزهار هو من المجاز المعروف باعتبار ما سيكون، تماما كقوله تعالى: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا) يوسف/٣٦، وهو إنما يعصر العنب، ولكن أطلق عليه الخمر باعتبار ما سيكون عليه عصير العنب بعد وقت، وهكذا، أطلق على الأزهار أنها ثمار، باعتبار ما ستؤول إليه من الثمار النافعة، بقرينة المشاهد المحسوس من معاينة كل الناس، أن النحل إنما تقف على الأزهار، ولا تأكل من الثمرات الحقيقية شيئا.
يقول القرطبي ﵀:
" قوله تعالى: (ثم كلي من كل الثمرات) : وذلك أنها إنما تأكل النوار من الأشجار " انتهى.
" الجامع لأحكام القرآن " (١٠/١٣٥)
ويقول ابن جزي الغرناطي:
" (من) للتبعيض، وذلك أنها إنما تأكل النوار من الأشجار، وقيل المعنى من كل الثمرات التي تشتهيها " انتهى.
" التسهيل " (٢/٢٥٧)
ويقول أبو حيان الأندلسي ﵀:
" وظاهر (مِن) في قوله: (من كل الثمرات) أنها للتبعيض، فتأكل من الأشجار الطيبة والأوراق العطرة أشياء يولد الله منها في أجوافها عسلاً.
قال ابن عطية: إنما تأكل النوّار من الأشجار " انتهى.
" البحر المحيط " (٥/٤٩٦)
وأما إذا قلنا: إن (مِن) هنا لابتداء الغاية، فالمعنى المقصود أن النحل تأكل الرحيق، ويكون أكلها مبتدأ من هذه الأزهار، وليس من مكان آخر.
وإذا قلنا: إن (مِن) ههنا لبيان الجنس، كقوله تعالى: (وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) الكهف/٣١، أفادت معنى بيان ما ألهم الله النحل أن تأكله، وهو الثمرات، وليس أي جنس آخر من أجناس الطعام.
وكل هذه المعاني صحيحة، لا تعارض بينها، واتساع اللغة العربية يضيف إلى آيات القرآن الكريم آفاقا كثيرة من المعاني والدلالات البديعة الجميلة.
يقول الخطيب الشربيني:
" لفظ (من) هذا للتبعيض، أو لابتداء الغاية " انتهى.
" السراج المنير " (٢/٢٧٣) .
ثانيا:
وأما قوله تعالى في هذه الآية: (كل الثمرات) :
فيحتمل أن تكون الكلية ههنا مقصودة، فتدل الآية على أن من هدي النحل وجبلته أخذ رحيق الأزهار، من أي زهرة كانت.
ويحتمل ألا يكون التعميم مقصودا، بل أغلبيا على سبيل المجاز، كقوله تعالى: (لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) البقرة/٢٦٦.
والحقيقة أننا لا نستطيع الجزم بأحد هذين الاحتمالين، إذ كل منهما معقول محتمل، ولم نقف على دراسة علمية حديثة تحدد طبيعة الأزهار التي يقف عليها النحل، ويصنع من رحيقها العسل المعروف، على أن أكثر المفسرين حملوا ذلك على التبعيض، وأن العموم غير مراد. قال ابن قتيبة ﵀:
" (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) أي: من الثمرات، وكلّ هاهنا ليس على العموم، ومثل هذا قوله تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) " انتهى.
" غريب القرآن " (ص/٢٤٦) . وينظر: " البحر المحيط "، لأبي حيان (٢/٣٢٦) .
وقال العلامة الطاهر بن عاشور ﵀:
" (كُلَّ) هنا مستعملة في معنى الكثير، وهو استعمال وارد في القرآن والكلام الفصيح، قال تعالى: (وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ) يونس/٩٧ " انتهى.
" التحرير والتنوير " (٢٣/١٦٠) .
وقال الدميري ﵀:
" القرآن يدل على أنها ترعى الزهر، فيستحيل في جوفها عسلاً وتلقيه من أفواهها، فيجتمع منه القناطير المقنطرة قال الله تعالى: (ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس) ، وقوله: (من كل الثمرات) ، المراد به بعضها، نظيره قوله تعالى: (وأوتيت من كل شيء) يريد البعض، واختلاف الألوان في العسل بحسب اختلاف النحل والمرعى، وقد يختلف طعمه لاختلاف المرعى " انتهى.
" حياة الحيوان الكبرى " (٢/٤٦٣)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1388
هل يمكن إلغاء فريضة الحج والعمرة بسبب انتشار مرض "انفلونزا الخنازير "؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن إلغاء فريضة الحج والعمرة بسبب انتشار مرض " انفلونزا الخنازير "؟ وهل يعتبر ذلك طاعوناً؟ وهل مكة والمدينة في مأمن من الأوبئة بحفظ الله أو يمكن انتقال العدوى في هذه الأماكن؟ وهل قوله تعالى: (ومن دخله كان آمناً) يشمل أيضا الأوبئة، أي: يكون آمناً من الأوبئة؟ . أفيدونا مأجورين؛ لأني مقدم على العمرة خلال شهر.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا ريب أن الأمراض والأوبئة الفتاكة التي من طبيعتها الانتشار بالعدوى: تقاس على مرض الطاعون، من حيث أحكامه المتعلقة بما يسمَّى " الحجر الصحي ".
فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّأْمِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ ... .
فجاء عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁، وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْماً، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ) رواه البخاري (٥٣٩٧) ومسلم (٢٢١٩) .
قال النووي ﵀:
وأما الطاعون: فهو قروح تخرج في الجسد، فتكون في المرافق، أو الآباط، أو الأيدي، أو الأصابع، وسائر البدن , ويكون معه ورم، وألَم شديد , وتخرج تلك القروح مع لهيب، ويسودّ ما حواليه، أو يخضر، أو يحمر حمرة بنفسجية، كدرة، ويحصل معه خفقان القلب، والقيء , وأما الوباء: فقال الخليل وغيره: هو الطاعون، وقال: هو كل مرض عام , والصحيح الذي قاله المحققون: أنه مرض الكثيرين من الناس في جهة من الأرض، دون سائر الجهات , ويكون مخالفاً للمعتاد من أمراض في الكثرة، وغيرها , ويكون مرضهم نوعاً واحداً، بخلاف سائر الأوقات؛ فإن أمراضهم فيها مختلفة، قالوا: وكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعوناً , والوباء الذي وقع في الشام في زمن عمر كان طاعوناً , وهو طاعون " عمواس " , وهى قرية معروفة بالشام.
" شرح النووي " (١٤ / ٢٠٤) .
وعليه: فكل مرض فتاك من شأنه الانتقال للآخرين بالعدوى التي يقدِّرها الله فيه: فإن له حكم الطاعون؛ لأن الشريعة لا تفرِّق بين متماثلين.
ثانياً:
أخذ العلماء من الحديث السابق أنه لا يجوز القدوم على أرض بها وباء فتَّاك ينتقل بالعدوى , ولا الخروج من أرض وقع فيها، كما هو ظاهر النص السابق.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
وفِي هذا الحَدِيث جَوَاز رُجُوع مَن أَرَادَ دُخُول بَلدَة فَعَلِمَ أَنَّ بِهَا الطَّاعُون، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيسَ مِن الطِّيَرَة، وَإِنَّمَا هِيَ مِن مَنْع الإِلقَاء إِلَى التَّهْلُكَة، أَو سَدّ الذَّرِيعَة ... .
وَفِي الحَدِيث أَيضاً: مَنْع مَنْ وَقَعَ الطَّاعُون بِبَلَدٍ هُوَ فِيها مِن الخُرُوج مِنهَا.
" فتح الباري " (١٠ / ١٨٦، ١٨٧) .
وقال ابن القيم ﵀:
"وقد جمع النبي ﷺ للأمة في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها , ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه: كمال التحرز منه؛ فإن في الدخول في الأرض التي هو بها تعرضاً للبلاء , وموافاة له في محل سلطانه , وإعانة للإنسان على نفسه , وهذا مخالف للشرع والعقل، بل تجنب الدخول إلى أرضه من باب الحمية التي أرشد الله سبحانه إليها، وهي حمية عن الأمكنة، والأهوية المؤذية" انتهى.
" زاد المعاد " (٤ / ٤٢ - ٤٤) .
ثالثاً:
اختلف العلماء في المقصود بالأمن في قوله تعالى: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) آل عمران/٩٧ على أقوال، ومنها ما هو مقبول، ومنها ما هو ضعيف لا يلتفت إليه.
أما الأقوال الضعيفة، أو الباطلة في معنى الآية:
١. فمنها قول من قال: إن من دخله يأمن من عذاب النار في الآخرة! .
٢. وكقول من قال: إن من دخله يأمن من الموت على غير الإسلام! .
٣. وكقول من قال: إن المعنى: أن من دخل الحرم يأمن من الأمراض.
٤. وكقول من قال: إن معنى الآية: الأمن من القتل.
لوجود كل ذلك في واقع الأمر، كمن مات على الكفر، والردة، وكان قد دخل الحرم، ولوجود المرض، والوباء فيه، وكذا حصول القتل فيه، قديماً، وحديثاً.
٠٥ وقيل: إن (مَن) ها هنا لمن لا يعقل، والآية في أمان الصيد.
وأما الأقوال المعتبرة في الآية:
١. أن معنى الآية: أن هذا الأمن على النفس من آيات الحرم؛ لأن الناس كانوا يُتخطفون من حواليه، ولا يصل إليه جبار، فقصد الله تعالى بذلك تعديد النعم على كل مَن كان بها جاهلاً، ولها منكراً من العرب، كما قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) العنكبوت/ ٦٧، فكانوا في الجاهلية من دخله ولجأ إليه: أمِن من الغارة، والقتل.
٢. أنه أراد به: أن مَنْ دخله عام " عمرة القضاء " مع رسول الله ﷺ كان آمِناً، كما قال تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ آمِنِينَ) الفتح/ ٢٧.
٣. أنها خبر بمعنى الأمر، تقديره: " ومَن دخله: فأمِّنوه "، كقوله تعالى: (فلا رفثَ ولا فسوقَ ولا جدال في الحج) البقرة/ ١٩٧، أي: لا ترفثوا، ولا تفسقوا.
قال ابن القيم ﵀:
وهذا إما خبر بمعنى الأمر؛ لاستحالة الخُلْفِ في خبره تعالى، وإما خبرٌ عن شرعه ودينه الذي شرَعه في حرمه، وإما إخبارٌ عن الأمرِ المعهود المستمِرِّ في حرمه في الجاهلية والإسلام، كما قال تعالى: (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) العنكبوت/ ٦٧، وقوله تعالى: (وَقَالُواْ إن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا، أَوَ لَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيءٍ) القصص/ ٥٧، وما عدا هذا من الأقوال الباطلة: فلا يُلتفت إليه، كقول بعضهم: " ومَن دخله كان آمناً مِن النار "، وقول بعضهم: " كان آمناً مِن الموت على غير الإسلام "، ونحو ذلك، فكم ممن دخله وهو في قعر الجحيم.
" زاد المعاد في هدي خير العباد " (٣ / ٤٤٥) .
والقول الأول الذي ذكره ابن القيم هو الأليق بمعنى الآية.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
ويقول سبحانه: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) يعني: وجب أن يؤمَّن , وليس المعنى أنه لا يقع فيه أذى لأحدٍ , ولا قتل , بل ذلك قد يقع , وإنما المقصود: أن الواجب تأمين من دخله , وعدم التعرض له بسوء.
وكانت الجاهلية تعرف ذلك , فكان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يؤذيه بشيء حتى يخرج.
" فتاوى الشيخ ابن باز " (٣ / ٣٨٠) .
وعلى هذا: ليس المقصود بالأمنِ الأمنَ مِنَ الأمراض والأوبئة؛ فالأمراض والأوبئة قد تنزل أرض الحرم المكي والمدني , وهذا معروف، قديماً، وحديثاً.
وقد سبق في جواب السؤال رقم (١٣١٨٨٧) أن مكة والمدينة محفوظتان من الطاعون، وليستا محفوظتين من سائر الأوبئة والأمراض العامة.
رابعاً:
نحمد لله على أن هذا الوباء لم يبلغ مكة، أو المدينة، وإنما هي بضع حالات في عموم المملكة العربية السعودية، كما هو في أكثر الدول، مع الوجود الكبير اليومي من المصلين، والمعتمرين، ومع ذلك فلا بأس أن يأخذ الإنسان بأسباب السلامة، كلبس الكمامات , وغير ذلك من أسباب الوقاية من المرض.
والملاحظ أن بعض وسائل الإعلام تهول من هذا الأمر , ويستغل بعض الحاقدين والمتربصين ذلك للتنفير من شعائر الإسلام , مع أن هناك تجمعات كبيرة مماثلة - كملاعب كرة القدم، والمهرجانات الغنائية - ولم نر، أو نسمع، من أولئك التحذير والتنفير من تلك التجمعات، بل على العكس من ذلك، نرى التشجيع على الحضور، والمشاركة.
وإن تعجب فعجب من بعض العلماء حيث يفتون بعدم جواز الذهاب إلى الحج هذا العام بسبب ظهور بضع حالات في المملكة العربية السعودية! وكانوا يشددون أن النص النبوي في الطاعون لا يقبل الجدال أنه منطبق على هذه الحالة! وقد ظهر المرض في كثير من الدول، وشفي كثير منها، ولم يصل الأمر إلى إغلاق الدول الأبواب على نفسها.
وبكل حال: فإذا صارت بلد موبوءة بمرض " انفلونزا الخنازير "، أو " الطاعون ": فالحكم واحد، ولا فرق بين المملكة العربية السعودية، وغيرها، لكن ليس الحكم في هذا لأحدٍ من الناس، إلا أن يُعلن من مختصين أن تلك البقعة صارت موبوءة، فحينئذٍ نطبق عليها الحكم الشرعي، من تحريم دخولها، وتحريم خروج أحدٍ منها، لكن لا يتعجلن أحد بالحكم على موسم الحج، أو العمرة بالإلغاء، قبل دارسة ذلك من أهل الاختصاص من الأطباء، ثم اعتماد علمائنا ذلك وإصدارهم فتوى في الموضوع.
قال الدكتور أحمد الريسوني - الخبير في " مجمع الفقه الإسلامي " -:
إن مسألة إلغاء العمرة في رمضان أو موسم الحج المقبل بسبب " إنفلونزا الخنازير ": يرجع القرار فيها إلى الأطباء المسلمين المختصين.
وقال:
إن " منظمة المؤتمر الإسلامي "، أو " مجمع الفقه الإسلامي الدولي " مطالبان في هذه الحالة بتنظيم لقاء للأطباء المسلمين من عدد من الدول الإسلامية؛ ليتدارسوا الوضعية، ويقدروا الاحتمالات، ويصدروا توصياتهم، وبناء عليها يقرر الفقهاء في " مجمع الفقه الإسلامي "، أو أي هيئة فقهية تشكَّل لهذا الغرض ما إذا كانت الضرورة تدعو لإلغاء الشعيرتين.
وقال:
إن تقدير أطباء غير مسلمين، من أمريكا، أو كندا، أو غيرهما: لا يكفي؛ لأن الأمر يتعلق بالعالم الإسلامي، والحجاج والمعتمرين القادمين منه، ويتعلق كذلك بموازنة بين فريضة الحج وشعيرة العمرة، وما لهما من أهمية، مع احتمالات الخطورة، وانتشار الوباء.
وقال:
إذا قرر الأطباء المسلمون أن هناك احتمالات مرتفعة لانتشار الوباء بواسطة تجمع الحج، والعمرة: فيتعين حينئذ على جميع الدول الإسلامية، وعلى المملكة العربية السعودية على الخصوص، اتخاذ التدابير اللازمة لوقف هذه التجمعات، وتعليقها إلى حين انجلاء هذا الوباء.
وقال:
إن هذا الإجراء لا غبار عليه، وعلى مشروعيته، ووجوبه؛ لأن الله تعالى يقول: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) ، ورسول الله ﷺ قال: (إذا كان الوباء - أو الطاعون - في بلد فلا تخرجوا منه ولا تدخلوا إليه) ، وكذلك سيدنا عمر ﵁ أوقف سير جيش بكامله كان يتجه إلى الشام لما علم أن بها وباء الطاعون.
وقال:
لكن لا ينبغي التعجل، بل اتخاذ الخطوات اللازمة التي تبتدئ بتقرير، وتقدير الأطباء المختصين بشكل جماعي، وتنتهي بفتوى الفقهاء، ثم بتنفيذ المسؤولين السياسيين في البلدان المعنية، وخاصة المملكة العربية السعودية.
انتهى من موقعه.
http://www.raissouni.org/affdetail.asp?codelangue=٦&info=٣٠٠
فالنصيحة للسائل أن يتوكل على الله , ويتوجه لأداء العمرة , والحج، وأن يأخذ بأسباب السلامة - كما تقدم -، إلا أن يظهر – لا قدَّر الله – ما يستوجب التوقف عن دخول البلد الحرام، ويظهر ذلك بفتاوى أهل العلم الثقات، والله هو المأمول أن يحفظنا وإياكم من كل سوء وشر.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1389
هل أنزل الله تعالى المائدة على الحواريين ؟
[السُّؤَالُ]
ـ["قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. قَالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لَاّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ" هناك اختلاف بين المفسرين حول ما إذا كان الله تعالى أنزل المائدة أم لا. أرجوا أن تخبرونا رأيكم في هذا الأمر.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اختلف السلف في المائدة: هل أنزلها الله تعالى على أصحاب عيسى ﵇، أم إنهم خافوا لما قال الله تعالى لنبيه عيسى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) فلم ينزلها عليهم؟
فجمهور السلف على أن الله تعالى أنزلها عليهم؛ لقوله (إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ) ووعد الله حق لا يتخلف.
وهو المروي عن سلمان الفارسي وعمار بن ياسر وابن عباس، وإسحاق بن عبد الله ووهب بن منبه وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة وعطية العوفي وأبي عبد الرحمن السلمي وعطاء بن السائب، وغيرهم.
وقال مجاهد والحسن: لم ينزلها عليهم.
ووجه ذلك: أن الله لما أوعد على كفرهم بعد نزول المائدة خافوا أن يكفر بعضهم، فاستعفوا عن إنزال المائدة، فعلى هذا تقدير قوله: (إني منزلها عليكم) يعني إن سألتم، إلا أنهم استعفوا فلم تنزل.
قال الإمام ابن جرير الطبري ﵀:
"والصواب من القول عندنا في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أنزل المائدة على الذين سألوا عيسى مسألتَه ذلك ربَّه.
فإن الله تعالى ذكره لا يخلف وعدَه، ولا يقع في خبره الْخُلف، وقد قال تعالى ذكره مخبرًا في كتابه عن إجابة نبيه عيسى ﷺ ، حين سأله ما سأله من ذلك: (إني منزلها عليكم) ، وغير جائز أن يقول تعالى ذكره: (إني منزلها عليكم) ، ثم لا ينزلها؛ لأن ذلك منه تعالى ذكره خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر. ولو جاز أن يقول: (إني منزلها عليكم) ، ثم لا ينزلها عليهم، جاز أن يقول: (فمن يكفر بعد منكم فإنّي أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين) ، ثم يكفر منهم بعد ذلك فلا يعذّبه، فلا يكون لوعده ولا لوعيده حقيقة ولا صحة. وغير جائز أن يوصف ربنا تعالى ذكره بذلك " انتهى مختصرا.
"تفسير الطبري" (١١/ ٢٣٢)
وقال ابن كثير ﵀:
" وكل هذه الآثار دالة على أن المائدة نزلت على بني إسرائيل، أيام عيسى ابن مريم، إجابة من الله لدعوته، وكما دل على ذلك ظاهر هذا السياق من القرآن العظيم: (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ) الآية.
وقد قال قائلون: إنها لم تنزل، وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى، وليس هو في كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما يتوفر الدواعي على نقله، وكان يكون موجودًا في كتابهم متواترًا، ولا أقل من الآحاد، والله أعلم.
ولكن الذي عليه الجمهور أنها نزلت، وهو الذي اختاره ابن جرير، وهذا القول هو - والله أعلم- الصواب، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم " انتهى مختصرا.
"تفسير ابن كثير" (٣/٢٣٠-٢٣١)
فالقول الصحيح في ذلك: أنها أنها نزلت فعلا، وهو قول جمهور أهل العلم، واختاره ابن الجوزي والسمعاني وأبي جعفر النحاس وابن جزي والقرطبي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن عاشور والشوكاني وغيرهم.
ينظر: "تفسير البغوي" (٣/١١٨) ، "زاد المسير" (٢/٤٦٢) ، "معاني القرآن" (٢/٣٨٧) ، "التسهيل" (١/٣٤٢) ، تفسير القرطبي" (٦/٣٦٩) "التحرير والتنوير" (ص١٢٣٦) ، "فتح القدير" (٢/١٣٦) "الجواب الصحيح" (٣/ ١٢٧) .
قال الشيخ ابن باز ﵀:
" ففي هذا بيان شيء من قدرة الله جل وعلا , وأنه سبحانه القادر على كل شيء قدير , وأنه سبحانه في العلو , لأن الإنزال يكون من الأعلى إلى الأسفل.
فإنزال المائدة وطلب إنزالها , كل ذلك دليل على أن القوم قد عرفوا أن ربهم في العلو , فهم أعرف بالله وأعلم به من الجهمية وأضرابهم ممن أنكر العلو. فالحواريون طلبوا ذلك، وعيسى بين لهم ذلك، والله بين ذلك أيضا , ولهذا قال: (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ) فدل ذلك على أن ربنا جل وعلا يطلب من أعلى , وأنه في العلو فوق السماوات وفوق جميع الخلائق وفوق العرش , قد استوى عليه استواء يليق بجلاله وعظمته , لا يشابه خلقه في شيء من صفاته جل وعلا " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢/٥٦-٥٧)
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1390
تفسير قول الله تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) .
[السُّؤَالُ]
ـ[قال تعالى: "وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ" (الزمر: ٥٥) أريد منكم أن تقوموا بتفسير هذه الآية تفسيرا موثقا، وما هو معني "أحسن ما أنزل" في الآية؟ وهل تكون السنة مساوية للقرآن الكريم بأي حال من الأحوال؟]ـ
[الْجَوَابُ]
قال الإمام الشافعي ﵀:
" فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة؛ فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله. وهذا يشبه ما قال والله أعلم؛ لأن القرآن ذُكر، وأتبعته الحكمة، وذكر الله مَنَّه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة؛ فلم يجز الله ـ والله اعلم ـ أن يقال: الحكمة ـ ها هنا ـ إلا سنة رسول الله؛ وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله، وحتم على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقول: فرض؛ إلا لكتاب الله، ثم سنة رسوله؛ لما وصفنا من أن الله جعل الإيمان برسوله مقرونا بالإيمان به
". انتهى. "الرسالة" (٧٨) .
وروى أبو داود (٤٦٠٤) عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ) وصححه الألباني في "صحيح أبي داود".
وروى أبو داود (٤٦٠٥) والترمذي (٢٦٦٣) وابن ماجة (١٣) عن أَبِي رَافِعٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
(لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ، وإلا فَلَا) وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" وغيره.
وروى الترمذي (٢٦٦٤) وابن ماجة (١٢) عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ الْكِنْدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ مَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ. أَلَّا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) .
صححه الألباني في "صحيح ابن ماجة".
وعن إسماعيل بن عبيد الله قال: " ينبغي لنا أن نحفظ ما جاءنا عن رسول الله ﷺ ؛ فإن الله يقول: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) فهو عندنا بمنزلة القرآن ".
"السنة" لمحمد بن نصر المروزي (ص ٨٨)
وعن حسان بن عطية قال: " كان جبريل ينزل على رسول الله ﷺ فيعلمه السنة كما يعلمه القرآن ".
"الزهد" لابن المبارك (ص ٢٣)
وقال ابن القيم ﵀:
" قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) فأمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله، وأعاد الفعل إعلاما بأن طاعة الرسول تجب استقلالا من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه أوتي الكتاب ومثله معه، ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالا بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول؛ إيذانا بأنهم إنما يطاعون تبعا لطاعة الرسول، فمن أمر منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته، ومن أمر بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع له ولا طاعة " انتهى.
"إعلام الموقعين" (١ / ٤٨)
وقال أيضا:
" أنزل الله على رسوله وحيين وأوجب على عباده الإيمان بهما والعمل بما فيهما، وهما الكتاب والحكمة، وقال تعالى: (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة) وقال تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلهم الكتاب والحكمة) وقال تعالى: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) .
والكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة باتفاق السلف.
وما أخبر به الرسول عن الله فهو في وجوب تصديقه والإيمان به كما أخبر به الرب تعالى على لسان رسوله، هذا أصل متفق عليه بين أهل الإسلام، لا ينكره إلا من ليس منهم، وقد قال النبي ﷺ : (إني أوتيت الكتاب ومثله معه) " انتهى.
"الروح" (ص ٧٥) .
فتبين بذلك أن السنة هي وحي من عند الله، وأنها لازمة الطاعة والاتباع على كل من آمن بنبوة رسول الله ﷺ ، فإن كان هذا مراد السائل، فقد تبين كلام أهل العلم فيه، وإلا فبينهما من الفروق الأخرى أشياء كثيرة:
فالقرآن هو كتاب الله تعالى، الذي أنزله على رسوله وحيا باللفظ والمعنى، وهو معجِز ومتعبَّد بتلاوته، ولا تجوز روايته بالمعنى، ولا يجوز مسه للمحدث حتى يتطهر.
بخلاف السنة فإن لفظها من عند الرسول، وهو غير معجِز، وتجوز روايتها بالمعنى لمن لا يُخِلُّ به، ولا يَحْرُم مَسُّها على المُحدِث.
والقرآن يتعبد بتلاوته في الصلوات بخلاف السنة، فإنه لا يجوز أن يقرأ بها في الصلوات.
ومن كذب بحرف واحد من كتاب الله كفر، وليس كذلك الحال في السنة.
وهناك فروق أخرى، يمكن مراجعتها في بابه من كتب علوم القرآن والسنة، وكتب أصول الفقه.
والله أعلم.
الجواب:
الحمد لله
أولا:
يقول الله في كتابه الكريم: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) الزمر/٥٥
قال ابن جرير الطبري ﵀:
" يقول تعالى ذكره: واتبعوا أيها الناس ما أمركم به ربكم في تنزيله، واجتنبوا ما نهاكم فيه عنه، وذلك هو أحسن ما أنزل إلينا من ربنا.
فإن قال قائل: ومن القرآن شيء هو أحسن من شيء؟ قيل له: القرآن كله حسن، وليس معنى ذلك ما توهمت، وإنما معناه: واتبعوا مما أنزل إليكم ربكم من الأمر والنهي والخبر، والمثل، والقصص، والجدل، والوعد والوعيد؛ أحسنه أن تأتمروا لأمره، وتنتهوا عما نهى عنه؛ لأن النهي مما أنزل في الكتاب، فلو عملوا بما نهوا عنه كانوا عاملين بأقبحه، فذلك وجهه " انتهى. "تفسير الطبري" (٢١/ ٣١٢)
وقال البغوي ﵀:
" (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) يعني: القرآن، والقرآن كله حسن، ومعنى الآية ما قاله الحسن: التزموا طاعته واجتنبوا معصيته، فإن القرآن ذكر القبيح لتجتنبه، وذكر الأدون لئلا ترغب فيه، وذكر الأحسن لتؤثره. قال السدي: " الأحسن " ما أمر الله به في الكتاب " انتهى.
"تفسير البغوي" (٧/ ١٢٨)
وقال السعدي ﵀:
(وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) مما أمركم من الأعمال الباطنة، كمحبة الله، وخشيته، وخوفه، ورجائه، والنصح لعباده، ومحبة الخير لهم، وترك ما يضاد ذلك.
ومن الأعمال الظاهرة، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والصدقة، وأنواع الإحسان، ونحو ذلك، مما أمر الله به، وهو أحسن ما أنزل إلينا من ربنا، فالمتبع لأوامر ربه في هذه الأمور ونحوها هو المنيب المسلم " انتهى.
"تفسير السعدي" (ص ٧٢٧-٧٢٨) .
فالحاصل من ذلك: أن اتباع أحسن ما أنزل الله: هو الائتمار بأمره، والانتهاء بنهيه.
قال الإمام الآجري ﵀:
" فكل كلام ربنا حسن لمن تلاه ولمن استمع إليه، وإنما هذا - والله أعلم - صفة قوم إذا سمعوا القرآن تتبعوا من القرآن أحسن ما يتقربون به إلى الله تعالى، مما دلهم عليه مولاهم الكريم، يطلبون بذلك رضاه، ويرجون رحمته ". "أخلاق حملة القرآن" (٨) .
ثانيا:
لا يتم هذا الاتباع المأمور به إلا باتباع رسول الله ﷺ ؛ لأن ذلك مما أُنزِل إلينا من ربنا، كما قال تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) آل عمران/٣٢
وقال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) آل عمران/١٣٢
وقال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) الأنفال/١
وقال سبحانه: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء/٦٥.
فالسنة مبينة لمراد الله في كتابه، قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل / ٤٤.
ثالثا:
السنة وحي منزل من عند الله. قال الله تعالى:
(وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) النساء/١١٣، وقال تعالى لأمهات المؤمنين: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) الأحزاب/٣٤.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1391
الفرق بين الكفل والنّصيب
[السُّؤَالُ]
ـ[قال تعالى: (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها) : ما الفرق بين الكفل والنصيب؟ هل الكفل أعلى وأثقل من النصيب في الثواب والعقاب؟ وهل يقترن الكفل بالسوء، أو نستطيع توظيفه في الجانب الحسن؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
النصيب: هو الحظّ من كلّ شيء.
ينظر: الصّحاح (١/٢٢٥) ، ولسان العرب (١/٧٦١) مادة نصب.
والِكْفل: هو الحظّ والضِّعف من الأجر والإثم، ويأتي بمعنى المثل، وفي التنزيل: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِه) الحديد/ ٢٨، قيل: معناه ضعفين، وقيل: مثلين.
ينظر: تهذيب اللّغة (١٠/٢٥٠) ، ولسان العرب (١١/٥٨٩) مادة كفل.
فالنصيب والكفل بمعنى واحد، كما سبق عند أهل اللّغة.
وقد فرّق بعض أهل العلم بينهما في الاستعمال في هذه الآية الكريمة بما يأتي:
١- أنّ الكفل يستعمل في الشّدّة وفي الشّيء الرديء. قال القاسمي ﵀: " نكتة اختيار النصيب في (الحسنة) والكفل في (السيئة) : ما أشرنا إليه، وذلك أن النصيب يشمل الزيادة، لأن جزاء الحسنات يضاعف، وأما الكفل فأصله المَرْكَب الصَّعب، ثم استعير للمِثل المُساوي، فلذا اختير، إشارة إلى لطفه بعباده، إذ لم يضاعف السيئات كالحسنات. ويقال: إنه وإن كان معناه المثل، لكنه غلب في الشر، وندر في غيره، كقوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] ، فلذا خُص به السيئة، تطرية [أي: تحسينا للعبارة] ، وهرباً من التكرار" انتهى. "
محاسن التأويل". وينظر: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب الأصفاني (ص٧١٨) .
٢- إنّ المغايرة بينهما في الآية لكون الكفل يستعمل في الشّرّ كثيراً. قال أبو حيّان في البحر المحيط (٣/٣٢٢) : " وغاير في النصيب فذكره بلفظ الكفل في الشفاعة السيّئة؛ لأنّه أكثر ما يستعمل في الشّرّ، وإن كان قد استعمل في الخير؛ لقوله تعالى: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِه) [الحديد: ٢٨] ".
وقال القرطبي ﵀ (٥ / ٢٩٦) : " ويستعمل في النصيب من الخير والشّر، وفي كتاب الله تعالى: (يؤتكم كفلين من رحمته) ".
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1392
توجيه قوله تعالى: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا بفضل الله أؤمن بالقرآن وأؤمن أنه لا تعارض بين نصوص القرآن أو بين نصوص السنة بعضها ببعض كما هو معتقد أهل السنة والجماعة وأن ما يحدث للإنسان من اشتباه وتعارض إنما يكون عن قصر فهم أو علم أو قلة بحث وكنت أود أن لو عرضت عليكم شبهتي لكي يزول ما في صدري من اشتباه.. والسؤال كيف أجمع بين قول الله تعالى: (وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) وبين الواقع حيث إننا نشاهد كثيراً من الرجال تزوجوا وهم فقراء وماتوا فقراء وقد وعدهم الله بالغنى.. فهل معنى الغنى في الآية هو غنى النفس بحيث يمتلىء صدره بالرضا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الآية الكريمة: (وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) النور/٣٢، وعدٌ من الله تعالى للفقراء بالغنى إن أرادوا النكاح.
قال ابن عباس ﵄: أمر الله سبحانه بالنكاح، ورغَّبهم فيه، وأمرهم أن يزوّجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى.
وعن ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله تعالى: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) .
"تفسير الطبري" (١٩/١٦٦) .
وقال ابن كثير ﵀:
"وقد زوَّج رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذي لم يجد إلا إزاره، ولم يقدر على خاتم من حديد، ومع هذا فزوّجه بتلك المرأة، وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما يحفظه من القرآن.
والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه وإياها ما فيه كفاية له ولها" انتهى.
"تفسير ابن كثير" (٦/٥١-٥٢) .
وقال ابن عاشور ﵀:
" وعد الله المتزوج من هؤلاء إن كان فقيرا أن يغنيه الله، وإغناؤه تيسير الغنى إليه إن كان حرا، وتوسعة المال على مولاه إن كان عبدا" انتهى.
"التحرير والتنوير" (ص ٢٩٠١) .
وقال السعدي ﵀:
"فلا يمنعكم ما تتوهمون من أنه إذا تزوج افتقر بسبب كثرة العائلة ونحوه، وفيه حث على التزوج، ووعد للمتزوج بالغنى بعد الفقر" انتهى.
"تفسير السعدي" (ص ٥٦٧) .
ويؤيد ذلك: ما رواه الترمذي (١٦٥٥) عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ) . وحسنه الألباني في "صحيح الترمذي".
ولا شك أن كثيراً ممن تزوجوا لم يحصل لهم الغنى بالمال، وماتوا وهم فقراء، وقد ذكر العلماء ﵏ أوجهاً كثيرة للجمع بين هذا الواقع، وبين هذه الآية الكريمة: (وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) النور/٣٢، منها:
١- أنه ليس المقصود بالغنى في الآية الغنى بالمال، وإنما المراد غنى النفس، وهو القناعة، وهذا الغنى أفضل من غنى المال، لقول النبي ﷺ : (لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ) رواه البخاري (٦٤٤٦) .
قال السمرقندي:
"والغنى على وجهين: غني بالمال وهو أضعف الحالين، وغنى بالقناعة وهو أقوى الحالين" انتهى.
"بحر العلوم" (٣/٢١٤) .
وانظر: تفسير القرطبي (١٢/٢٤١، ٢٤٢) .
٢- أنه ليس المقصود بالفقر والغنى في الآية المال، وإنما المراد أن من أراد أن يتزوج ليعف نفسه وهو محتاج إلى ذلك، فإن الله تعالى ييسر له النكاح الحلال ليستغن به عن الزنا.
قال القرطبي: "وقيل: المعنى: إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله بالحلال ليتعففوا عن الزنا " انتهى.
"تفسير القرطبي" (١٢/٢٤١، ٢٤٢) .
٣- أن هذه الآية الكريمة: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) مقيدة بمشيئة الله تعالى، فمن شاء الله أن يغنيه أغناه، ومن شاء ألا يغنيه لم يغنه، وتقييد ذلك بمشيئة الله وإن لم يذكر في الآية الكريمة، إلا أنه معلوم، وقد ذُكر مثله في آيات أخرى، كقوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ) التوبة/٢٨، وقوله تعالى: (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ) الرعد/٢٦، وقوله: (فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ) الأنعام/٤١.
قال الشوكاني:
" قال الزجاج: حث الله على النكاح وأعلم أنه سبب لنفي الفقر، ولا يلزم أن يكون هذا حاصلا لكل فقير إذا تزوج؛ فإن ذلك مقيد بالمشيئة، وقد يوجد في الخارج كثير من الفقراء لا يحصل لهم الغنى إذا تزوجوا. وقيل المعنى: إنه يغنيه بغنى النفس، وقيل المعنى: إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله من فضله بالحلال ليتعففوا عن الزنا. والوجه الأول أولى ويدل عليه قوله سبحانه: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء) فيحمل المطلق هنا على المقيد هناك " انتهى.
فتح القدير - (ج ٤ / ص ٤١) .
وانظر: "تفسير القرطبي" (١٢/٢٤١ – ٢٤٢) ، و "تفسير البيضاوي" (ص ١٨٤) .
٤- أنه سواء كان المقصود الغنى بالمال، أو غنى النفس بالقناعة، فليس في الآية أن هذا الغنى يكون مستمراً في جميع الأوقات، بل متى حصل هذا الغنى ولو وقتاً يسيراً فقد تحقق الوعد المذكور في الآية الكريمة.
قال القرطبي:
"فإن قيل: فقد نجد الناكح لا يستغنى، قلنا: لا يلزم أن يكون هذا على الدوام، بل لو كان في لحظة واحدة لصدق الوعد" انتهى.
"تفسير القرطبي" (١٢/٢٤١ – ٢٤٢) وانظر: "أحكام القرآن" (٦/٨٤) .
٥- ما ذهب إليه ابن القيم ﵀: أن هذه الآية: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) ليست وعداً بالغنى لكل أحد تزوج، وإنما هي وعد لمن ذكروا في الآية فقط، وهم: الأيامى أي: النساء، والعبيد والإماء، فهؤلاء هم الذين يحصل لهم الغنى، أما النساء والإماء فيحصل لهن الغنى بنفقة أزواجهن عليهن، وأما العبد فيغنيه الله إما بالعمل والكسب، وإما بإنفاق سيده عليه.
فقال ﵀:
" فإن قيل: فقد قال الله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) وقال في الآية الأخرى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله) فأمرهم بالاستعفاف إلى وقت الغنى وأمر بتزويج أولئك مع الفقر وأخبر أنه تعالى يغنيهم، فما محمل كل من الآيتين؟
فالجواب: أن قوله: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله) في حق الأحرار، أمرهم الله تعالى أن يستعفوا حتى يغنيهم الله من فضله؛ فإنهم إن تزوجوا مع الفقر التزموا حقوقا لم يقدروا عليها وليس لهم من يقوم بها عنهم. وأما قوله: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) فإنه سبحانه أمرهم فيها أن يُنكحوا الأيامى وهن النساء اللواتي لا أزواج لهن، هذا هو المشهور من لفظ الأيم عند الإطلاق وإن استعمل في حق الرجل بالتقييد، مع أن العزب عند الإطلاق للرجل , وإن استعمل في حق المرأة، ثم أمرهم سبحانه أن يزوجوا عبيدهم وإماءهم إذا صلحوا للنكاح. فالآية الأولى في حكم تزوجهم لأنفسهم , والثانية في حكم تزويجهم لغيرهم. وقوله في هذا القسم: (إن يكونوا فقراء) يعم الأنواع الثلاثة التي ذكرت فيه، فإن الأيم تستغني بنفقة زوجها وكذلك الأمة، وأما العبد فإنه لما كان لا مال له وكان ماله لسيده فهو فقير ما دام رقيقا، فلا يمكن أن يجعل لنكاحه غاية وهي غناه ما دام عبدا , بل غناه إنما يكون إذا عتق واستغنى بهذا العتق، والحاجة تدعوه إلى النكاح في الرق، فأمر سبحانه بإنكاحه وأخبر أنه يغنيه من فضله: إما بكسبه وإما بإنفاق سيده عليه وعلى امرأته، فلم يمكن أن ينتظر بنكاحه الغنى الذي ينتظر بنكاح الحر، والله أعلم" انتهى.
"روضة المحبين" (ص ٣١٧-٣١٨) .
وبهذا يتبين أنه ليس هناك تعارض بين هذه الآية الكريمة وبين الواقع من كون بعض الناس يتزوج ولا يحصل له الغنى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1393
كيف يبتلى الصالحون في الدنيا والله يقول في القرآن: (فلَنَحيينهم حياة طيبة) ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك بعض الأمور التي يظهر لي أن فيها تعارضاً, وأحتاج منكم أن تنوروني بعلمكم جزاكم الله خيراً. نجد أن الصالحين يبتلون في الدنيا، وعلى قدر قوة الإيمان يزيد البلاء، والله يقول في القرآن: (فلَنَحيينهم حياة طيبة) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يجب أن يُعلم أن ما أخبر الله به لا يمكن أن يتعارض مع الواقع أبداً، لأن أخبار الله تعالى بلغت الغاية في الصدق، قال الله تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا) الأنعام/١١٥، وقال: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلًا) النساء/١٢٢، وقال: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا) النساء/٨٧.
ثانياً:
لا شك أن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء , وأن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم , وفي الابتلاء للعبد حكَم وفوائد كثيرة، في الدنيا، والآخرة.
وانظر في ذلك: جوابي السؤالين: (٣٥٩١٤) و (٢١٦٣١) .
وأما معنى " الحياة الطيبة " الوارد ذِكرها في قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل/ ٩٧: فالأقوال فيها متنوعة، وليس منها أن الله يفتح للمؤمن العامل للصالحات الدنيا، ويقيه الحزن، والفقر، والسوء، فالواقع يشهد بغير هذا - بل إن أولئك من أكثر الناس ابتلاء بمثل هذا -، وجماع معنى الحياة الطيبة في الآية: حياة القلب، وسعادته، وانشراحه، وإذا رُزق شيئا من متاع الدنيا فيكون حلالاً يقنع به، وعلى ذلك جاءت أقوال المفسرين.
١. ذَكر الإمام الطبري ﵀ أقوال العلماء في معنى " الحياة الطيبة "، وهي:
أ. يحييهم في الدنيا ما عاشوا فيها بالرزق الحلال.
ب. يرزقهم القناعة.
ج. الحياة الطيبة: الحياة مؤمنًا بالله عاملا بطاعته.
د. الحياة الطيبة: السعادة.
هـ. الحياة في الجنة.
واختار ﵀ من هذه الأقوال - غير المتضادة -: القول الثاني، فقال:
وأولى الأقوال بالصواب: قول من قال: تأويل ذلك: فلنحيينه حياة طيبة بالقناعة؛ وذلك أن من قنعه الله بما قسم له من رِزق: لم يَكثر للدنيا تعبُه، ولم يعظم فيها نَصَبه، ولم يتكدّر فيها عيشُه باتباعه نفسه ما فاته منها وحرصه على ما لعله لا يدركه فيها ...
وأما القول الذي رُوي عن ابن عباس أنه الرزق الحلال: فهو مُحْتَمَل أن يكون معناه الذي قلنا في ذلك، من أنه تعالى يقنعه في الدنيا بالذي يرزقه من الحلال، وإن قلّ: فلا تدعوه نفسه إلى الكثير منه من غير حله، لا أنه يرزقه الكثير من الحلال؛ وذلك أن أكثر العاملين لله تعالى بما يرضاه من الأعمال: لم نرهم رُزِقوا الرزق الكثير من الحلال في الدنيا، ووجدنا ضيق العيش عليهم أغلب من السعة.
" تفسير الطبري " (١٧ / ٢٩١، ٢٩٢) .
ب. وقال ابن القيم ﵀:
وأطيب العيش واللذة على الإطلاق: عيش المشتاقين، المستأنسين، فحياتهم: هي الحياة الطيبة في الحقيقة، ولا حياة للعبد أطيب، ولا أنعم، ولا أهنأ منها، فهي الحياة الطيبة المذكورة في قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) وليس المراد منها الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار، من طيب المأكل، والمشرب، والملبس، والمنكح، بل ربما زاد أعداء الله على أوليائه في ذلك أضعافاً مضاعفة، وقد ضمن الله سبحانه لكل مَن عمل صالحاً أن يحييه حياة طيبة، فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده، وأي حياة أطيب من حياة اجتمعت همومه كلها، وصارت هي واحدة في مرضات الله، ولم يستشعب قلبه، بل أقبل على الله، واجتمعت إرادته، وأفكاره التي كانت منقسمة، بكل واد منها شعبة على الله، فصار ذكر محبوبه الأعلى، وحبه، والشوق إلى لقائه، والأنس بقربه، وهو المتولى عليه، وعليه تدور همومه، وإرادته، وتصوره، بل خطرات قلبه ... .
" الجواب الكافي " (ص ١٢٩، ١٣٠) .
وقال ﵀ أيضاً:
وقد فُسرت الحياة الطيبة: بالقناعة، والرضى، والرزق الحسن، وغير ذلك، والصواب: أنها حياة القلب، ونعيمه، وبهجته، وسروره بالإيمان، ومعرفة الله، ومحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه؛ فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه، إلا نعيم الجنة، كما كان بعض العارفين يقول: " إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا: إنهم لفي عيش طيب "، وقال غيره: " إنه ليمر بالقلب أوقات يرقص فيها طرباً ".
" مدارج السالكين " (٣ / ٢٥٩) .
والأقوال في هذا المعنى كثيرة، وكلها تدل على أن الحياة الطيبة هي حياة معنوية، يعيشها قلب المؤمن مطمئناً بقضاء الله تعالى، ومنشرحاً بما قدره عليه، وسعيداً بإيمانه بربه تعالى، وليس المراد من الحياة الطيبة – قطعاً – النعيم البدني، وانعدام الأمراض والفقر وضيق العيش.
وننبه إلى أن القول بأن الحياة الطيبة إنما تكون الجنة: بعيد عن معنى الآية؛ لأن الله تعالى ذَكَرَ بعدها نعيم الجنة لمن آمن وعمل صالحاً.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀:
"وفي الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بالحياة الطيبة في الآية: حياته في الدنيا حياة طيبة، وتلك القرينة هي أننا لو قدرنا أن المراد بالحياة الطيبة: حياته في الجنة في قوله: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) : صار قوله: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) : تكراراً معه؛ لأن تلك الحياة الطيبة هي أجر عملهم، بخلاف ما لو قدرنا أنها في الحياة الدنيا، فإنه يصير المعنى: فلنحيينه في الدنيا حياة طيبة، ولنجزينه في الآخرة بأحسن ما كان يعمل، وهو واضح، وهذا المعنى الذي دل عليه القرآن: تؤيِّده السنة الثابتة عنه ﷺ ... " انتهى.
" أضواء البيان " (٢ / ٤٤١) .
وعلى هذا؛ فالحياة الطيبة للمؤمن في الدنيا لا تنافي الابتلاء؛ وذلك لأسباب:
١. المسلم يعلم أن رفع الدرجات، وتكفير السيئات، وبلوغ الغايات: لا يمكن أن تنال إلا على جسر من الابتلاءات، والامتحانات , ولذلك كان السلف يفرحون بالابتلاء؛ لما يرجون من الثواب، والجزاء , كما جاء في الحديث عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ الصَّالِحُونَ إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُهُمْ إِلَاّ الْعَبَاءَةَ يُحَوِّيهَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالرَّخَاءِ) رواه ابن ماجه (٤٠٢٤) ، وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه".
وهذا الفرح غير مسألة تمني البلاء , فتمني البلاء لا يجوز، كما جاء في الحديث عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى أَوْفَى ﵄ عن رسول الله ﷺ قَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ) رواه البخاري (٦٨١٠) ومسلم (١٧٤٢) .
قال ابن القيم ﵀:
وإذا تأملت حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده، وصفوته بما ساقهم به إلى أجلِّ الغايات، وأكمل النهايات التي لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان ... وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين الكرامة في حقهم، فصورته صورة ابتلاء، وامتحان، وباطنه فيه الرحمة والنعمة، فكم لله مِن نعمة جسيمة، ومنَّة عظيمة، تُجنى من قطوف الابتلاء، والامتحان، فتأمل حال أبينا آدم ﷺ ، وما آلت إليه محنته، من الاصطفاء، والاجتباء، والتوبة، والهداية، ورفعة المنزلة ... وتأمل حال أبينا الثاني نوح ﷺ ، وما آلت إليه محنته، وصبره على قومه تلك القرون كلها، حتى أقر الله عينه، وأغرق أهل الأرض بدعوته، وجعل لعالم بعده من ذريته، وجعله خامس خمسة، وهم أولو العزم الذين هم أفضل الرسل , وأمَر رسولَه ونبيه محمَّداً أن يصبر كصبره، وأثنى عليه بالشكر، فقال: (إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً) فوصفه بكمال الصبر، والشكر، ثم تأمل حال أبينا الثالث إبراهيم ﷺ إمام الحنفاء، وشيخ الأنبياء، وعمود العالم، وخليل رب العالمين من بني آدم، وتأمل ما آلت إليه محنته، وصبره، وبذله نفسه لله، وتأمل كيف آل به بذله لله نفسه، ونصره دينه إلى أن اتخذه الله خليلاً لنفسه ... وضاعف الله له النسل، وبارك فيه، وكثر، حتى ملؤوا الدنيا، وجعل النبوة والكتاب في ذريته خاصة، وأخرج منهم محمَّداً ﷺ وأمَره أن يتبع ملة أبيه إبراهيم ... .
فإذا جئت إلى النبي ﷺ ، وتأملت سيرتَه مع قومه، وصبره في الله، واحتماله ما لم يحتمله نبي قبله، وتلون الأحوال عليه، مِن سِلْم وخوف، وغنى وفقر، وأمن وإقامة، في وطنه وظعن عنه، وتركه لله، وقتل أحبابه، وأوليائه بين يديه، وأذى الكفار له بسائر أنواع الأذى، من القول، والفعل، والسحر، والكذب، والافتراء عليه، والبهتان، وهو مع ذلك كله صابر على أمر الله، يدعو إلى الله، فلم يُؤْذَ نبي ما أوذي، ولم يحتمل في الله ما احتمله، ولم يُعْطَ نبي ما أعطيه، فرفع الله له ذِكره، وقرن اسمه باسمه، وجعله سيد الناس كلهم، وجعله أقرب الخلق إليه وسيلة، وأعظمهم عنده جاهاً، وأسمعهم عنده شفاعة، وكانت تلك المحن والابتلاء عين كرامته، وهي مما زاده الله بها شرفاً، وفضلاً، وساقه بها إلى أعلى المقامات، وهذا حال ورثته من بعده، الأمثل، فالأمثل، كلٌّ له نصيب من المحنة، يسوقه الله به إلى كماله بحسب متابعته له.
" مفتاح دار السعادة " (١ / ٢٩٩ – ٣٠١) .
٢. والمسلم جنته في صدره , ولو كان مكبَّلا بأصناف البلاء , قال ابن القيم - يصف حال شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو يتنقل في أصناف من البلاء والاختبار -:
قال لي مرة - يعني: شيخ الإسلام -: ما يصنع أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري، أنَّى رحت فهي معي لا تفارقني، إنّ حبْسي خلوة، وقتْلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة ". وكان يقول في محبسه في القلعة: " لو بذلت ملء هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة "، أو قال: " ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير "، ونحو هذا.
وكان يقول في سجوده وهو محبوس: " اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ما شاء الله، وقال لي مرة: " المحبوس من حُبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه "، ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) الحديد/١٣، وعلم الله ما رأيتُ أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع كل ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس، والتهديد، والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض: أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحاً، وقوةً، ويقيناً، وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها، ونسيمها، وطيبها، ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها.
" الوابل الصيب " (ص ١١٠) .
فهذه الجنة التي وجدها شيخ الإسلام، ويجدها أهل الإيمان والتقوى، من انشراح الصدر، والبال ومن الطمأنينة , والعيش بين الشكر والصبر: لهي والله السعادة التي ينشدها العقلاء، ويطلبها الصالحون، ويسعى إليها الساعون.
وهذه والله هي حقيقة الحياة الطيبة التي وعدهم الله إياها في الدنيا.
رزقنا الله وإياكم إياها , وجعلنا من أهلها.
وانظر في فوائد ابتلاء المؤمن جواب السؤال رقم: (١٢٠٩٩) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1394
كيف يفسَّر امتنان الله بتيسير السفن بالرياح مع وجود سفن تسير بالوقود ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[قال الله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ. إِنْ يَشَأْ يُسْكِنْ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) الشورى/ ٣٢، ٣٣، كيف نفسر الآيتين وفي عصرنا الجواري تتحرك بالوقود، ولا تنتظر الرياح؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يخبر الله تعالى في هاتين الآيتين عن آية مشاهَدة من آياته العظام، وهي مسير السفن في البحار، وأطلق على السفن لفظ " الجواري "، وهي جمع " جارية "، كما قال تعالى: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) الحاقة/ ١١، وسمِّيت جارية: لجريها في البحار، وأخبر تعالى أن السفن في البحار كالجبال في البر، ولذا وصفها بأنها " أعلام "، وأخبر تعالى عن تسييره لتلك السفن بالريح، وأنه لو يشاء لأسكن تلك الرياح فتوقفت السفن عن الجري، أو يهلك الله تلك السفن بمن فيها، وهو على كل شيء قدير، لكنه تعالى تسبق رحمته غضبه، ويعفو تعالى عن كثير من مما يفعله عباده من السوء.
ثانياً:
الاتجاهات في تفسير هاتين الآيتين متعددة، ونحن نذكر أشهرها، فنقول:
١. ذهب عامة المفسرين إلى أن هذه الآيات في سفن معروفة منذ القدم، وهي السفن الشراعية، ولا يزال هذا النوع مستعملاً الآن، وهي تعتمد في حركتها على الريح، باعتباره سبباً قدره الله تعالى لتحريكها في عباب البحار.
٢. ومن المفسرين من رأى أن " الريح " في الآية بمعنى القوة، واستدل على ذلك بقوله تعالى (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) الأنفال/ من الآية ٤٦، وذكر هؤلاء أن " الريح " أُطلقت في القرآن وأريد بها معاني: القوة – وسبق الدليل عليه -، والرائحة، والدليل عليه قوله تعالى (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ) يوسف/ ٩٤، والمعنى الثالث: الرياح في الفضاء، ودليله: قوله تعالى (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ) آل عمران/ من الآية ١١٧.
٣. وذهب آخرون إلى أن سكون الريح في الفضاء يتسبب في إيقاف السفن على أي وجه كان تشغيلها، وبأي وقود تحركت به.
٤. وقال آخرون: إن كل أنواع الوقود المستعمل في تحريك السفن الحديثة يعتمد على إخراج هواء لدفع السفن للأمام، وأن هذا الهواء يدخل في معنى الآية العام.
هذه هي أبرز اتجاهات من تكلم في معنى الآيات السابقة، والذي يظهر – والله أعلم -: أن المعنى الأول هو المراد، وأنه هو الذي عليه عامة المفسرين، لا يُعرف بينهم خلاف، وأنه إن ثبت على وجه القطع أثر الريح في إيقاف السفن على أي وقود كان تحركها: فهو غير مخالف للآية، بل يكون دليلاً يضاف إلى أدلة الشرع الكثيرة في " الإعجاز العلمي "، وإن لم يثبت: فلا حاجة لنا به، وثمة ما يغني عنه.
ومما يدل على خطأ من ذكر أن الريح هنا بمعنى القوة: قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) يونس/ ٢٢، فقوله تعالى " بريح طيبة " يرد على من قال إنها القوة.
ثالثاً:
ننبه هنا إلى أمور:
أ. أنه لا مانع من الحديث في القرآن، والسنَّة عن نوع واحد من المركوبات، أو وسائل النقل، وهي التي يعرفها المخاطَب ويستعملها، وإنه لمن الغلو أن نجعل ذلك اللفظ يشمل غيره من وسائل النقل، أو المركوبات، إلا أن يكون اللفظ اسم جنس، فيعم.
ب. نصَّ الله تعالى على وجود وسائل للركوب، والنقل، لا يعرفها المخاطَبون بالقرآن في زمانهم، لكن على وجه الإجمال والإشارة المفهمة لما وراءها من المعنى؛ لعدم إحاطة المخاطبين في ذلك الزمان بمعناها على التفصيل. فهل سيقال لهم ـ مثلا ـ إن ثمة سفنا ستتحرك بالطاقة النووية – مثلاً -؟ وفي ضوء ذلك تأمل ما تضمنته تلك الآيات من الإعجاز والبيان، نحو قوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ) النحل/ ٨، وقوله تعالى (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) يّس/ ٤١، ٤٢.
ج. أن الله تعالى ذكر في كتابه الكريم أنه تعالى هو الذي يُسَيِّر الفلك بأمره، وهذا حكم عام، يشمل كل ما يسير في البحر، وبأي وقود كان، ومنه: قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) الحج/ من الآية ٦٥، وقوله: (وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ) الروم/ ٤٦، وهذا كافٍ في بيان المقصود، وأنه مهما كانت السفن تمخر عباب البحار والمحيطات فإنها تسير بأمر الله تعالى، والقادر على تسكين الريح في السفن الشراعية، ليس عاجزا عن إيقاف المحركات المصنوعة من البشر العاجز الضعيف، أو تقدير ما به يكون تلف السفينة وغرق أهلها، ولنعتبر جميعاً بالسفينة العملاقة " تايتنك "! – وتعني: القوة الهائلة، أو الجبارة -، والتي سارت في " المحيط الأطلنطي " من " بريطانيا " إلى " أمريكا " عام ١٩١٢ م، وقد بلغت الجرأة بأحد موظفي الشركة المصنعة للسفينة أن يقول بما ترجمته " حتى الله نفسه لا يستطيع إغراق هذه السفينة "! وهو لسان حال كثيرين ممن رأى الاحتياطات التي في السفينة من أجل أن لا تغرق! فكان أن قدَّر الله لها جبلاً جليديّاً في طريقها تسبَّب في تلفها، ومن ثم إغراقها بالكلية، وغرق حوالي ١٥٠٠ راكب! ، فمن الذي جرت تلك السفينة العملاقة بأمره؟ ومن الذي قدَّر عليها الغرق؟ إنه الله تعالى، وما البشر إلا عبيد ضعفاء، لا يملكون من أمرهم شيئاً.
ولذا جاء بعد الآيتين اللتين في الشورى الواردتين في السؤال قوله تعالى: (أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ) الشورى/ ٣٤، ومعنى " يوبقهن " أي: يهلك السفن، وأهلها.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1395
تفسير قوله تعالى (وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالمَعرُوفِ)
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى قوله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالمَعرُوفِ) ، أرجو الإجابة بالتفصيل إن أمكنكم ذلك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد الله
أولا:
يقول الله تعالى:
(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَاحاً، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، وَاللهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ) البقرة/٢٢٨
في هذه الآية بيان لعدة المطلقة المدخول بها إذا كانت من ذوات الأقراء (أي يأتيها الحيض وليست من ذوات الحمل) ، فتتربص وتقعد عدتها ثلاثة قروء، أي حيضات أو أطهار، على خلاف بين أهل العلم، ولما كانت مستأمنة على أمر حيضها وطهارتها وانقضاء عدتها، حذرها الله تعالى من محاولة كتم ذلك أو تحريفه رغبة في تطويل العدة أو تقصيرها، فقال : (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)
ثم أعطى الله تعالى الزوج حق إرجاع زوجته أثناء العدة إن لم تكن قد بانت، فقال سبحانه:
(وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَاحاً)
هذا تفسير موجز لسياق الآية السابقة، كان لا بد من بيانه، حتى يفهم السياق كاملا.
ثانيا:
بعد ذلك قرر قاعدة عظيمة من قواعد الحياة الزوجية، وتعتبر أساسا من أسس التعامل بين الزوجين، ومن الأركان العظيمة في قيام الأسر على العدل والرحمة.
فقال : (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)
يقول ابن كثير ﵀ "تفسير القرآن العظيم" (١/٣٦٣) :
" أي: ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف.
كما ثبت في صحيح مسلم [١٢١٨] عن جابر أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في حجة الوداع: (فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُم أَخَذتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاستَحلَلتُم فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكم عَلَيهِنَّ أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُم أَحَدًا تَكرَهُونَهُ، فَإِن فَعَلنَ ذَلِكَ فَاضرِبُوهُنَّ ضَربًا غَيرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ رِزقُهُنَّ وَكِسوَتُهُنَّ بِالمَعرُوفِ)
وفي حديث بهز بن حكيم عن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده أنه قال:
يا رسول الله! ما حق زوجة أحدنا؟
قال: (أَن تُطعِمَهَا إِذَا طَعِمتَ، وَتَكسُوَهَا إِذَا اكتَسَيتَ، وَلا تَضرِبِ الوَجهَ، وَلا تُقَبِّح، وَلا تَهجُر إِلا فِي البَيتِ) [٢١٤٢، وصححه الألباني] .
وقال وكيع عن بشير بن سليمان عن عكرمة عن ابن عباس قال:
(إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة؛ لأن الله يقول (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم " انتهى.
ثالثا:
هذا هو المعنى العام للآية، أن للنساء من الحقوق مثل ما للرجال عليهن من الحقوق، ولكن ما معنى هذه المثلية (وَلَهُنَّ مِثلُ) ، هل تعني التماثل التام بين الأزواج في الحقوق؟
يقول العلامة الطاهر ابن عاشور في "التحرير والتنوير" (١/٦٤٢) :
" والمثل أصله النظير والمشابه: وقد يكون الشيء مثلا لشيء في جميع صفاته، وقد يكون مثلا له في بعض صفاته، وهي وجه الشبه.
وقد ظهر هنا أنه لا يستقيم معنى المماثلة في سائر الأحوال والحقوق: أجناسا أو أنواعا أو أشخاصا؛ لأن مقتضى الخلقة، ومقتضى المقصد من المرأة والرجل، ومقتضى الشريعة، التخالف بين كثير من أحوال الرجال والنساء في نظام العمران والمعاشرة.
فتعين صرفها إلى معنى المماثلة في أنواع الحقوق على إجمال تُبَيِّنُهُ تفاصيل الشريعة:
فلا يُتَوَهَّم أنه إذا وجب على المرأة أن تَقُمَّ – أي تنظف - بيت زوجها وأن تجهز طعامه أنه يجب عليه مثل ذلك، كما لا يُتَوَهم أنه كما يجب عليه الإنفاق على امرأته أنه يجب على المرأة الإنفاق على زوجها، بل كما تقم بيته وتجهز طعامه، يجب عليه هو أن يحرس البيت وأن يحضر لها المعجنة والغربال، وكما تحضن ولده يجب عليه أن يكفيها مؤنة الارتزاق كي لا تهمل ولده، وأن يتعهده بتعليمه وتأديبه، وعلى هذا القياس " انتهى.
رابعا:
بناء على ما ذكرناه في معنى المثلية، فالحقوق والوجبات التي على الزوجين تنقسم إلى قسمين:
١- حقوق وواجبات يتساوى فيها كل من الزوجين تساويا تاما: مثل إحسان المعاشرة، وقصر الطرف عن غير ما أحل الله لهما، والمماثلة في وجوب الرعاية (الرجل راع على أهله والمرأة راعية في بيت زوجها) ، والتشاور في الرضاع، ونحو ذلك.
٢- وحقوق وواجبات تكون بين الزوجين على وجه المقابلة، كل بحسب ما قضاه الله عليه بمقتضى الفطرة والخلقة والشرع والحكمة، ومرجع ذلك إلى الشريعة وتفاصيلها، كما تقرره السنة المطهرة، وبحسب أنظار المجتهدين.
ويدل على هذا التقسيم قوله تعالى في الآية (وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ)
يقول الشيخ الطاهر ابن عاشور ﵀، في "التحرير والتنوير" (١/٦٤٣) :
" وفي هذا الاهتمام مقصدان:
أحدهما: دفع توهم المساواة بين الرجال والنساء في كل الحقوق، توهما من قوله آنفا (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) .
وثانيهما: تحديد إيثار الرجال على النساء بمقدار مخصوص؛ لإبطال إيثارهم المطلق الذي كان متَّبَعا في الجاهلية.
وهذه الدرجة هي ما فضل به الأزواج على زوجاتهم:
من الإذن بتعدد الزوجة للرجل دون أن يؤذن بمثل ذلك للأنثى، وذلك اقتضاه التزيد في القوة الجسمية، ووفرة عدد الإناث في مواليد البشر.
ومن جعل الطلاق بيد الرجل دون المرأة والمراجعة في العدة كذلك، وذلك اقتضاه التزيد في القوة العقلية وصدق التأمل.
وكذلك جعل المرجع في اختلاف الزوجين إلى رأي الزوج في شئون المنزل؛ لأن كل اجتماع يتوقع حصول تعارض المصالح فيه يتعين أن يجعل له قاعدة في الانفصال والصدر عن رأي واحد معين من ذلك الجمع، ولما كانت الزوجية اجتماع ذاتين لزم جعل إحداهما مرجعا عند الخلاف، ورجح جانب الرجل لأن به تأسست العائلة؛ ولأنه مظنة الصواب غالبا، ولذلك إذا لم يمكن التراجع واشتد بين الزوجين النزاع لزم تدخل القضاء في شأنهما، وترتب على ذلك بعث الحكمين كما في آية (وإن خفتم شقاق بينهما) " انتهى.
وللاطلاع على تفاصيل هذه الحقوق والوجبات، انظر سؤال رقم (١٠٦٨٠) فستجد فيه تفصيلا مفيدا إن شاء الله.
خامسا:
المرجع في تحديد هذه الحقوق والواجبات هو (المعروف) كما ذكرت الآية، وفي هذه الكلمة دلالات عظيمة، وإشارات إلى أمور كثيرة:
قال الشيخ ابن سعدي ﵀: " وللنساء على بعولتهن من الحقوق واللوازم مثل الذي عليهن لأزواجهن من الحقوق اللازمة والمستحبة.
ومرجع الحقوق بين الزوجين ويرجع إلى المعروف وهو: العادة الجارية في ذلك البلد وذلك الزمان من مثلها لمثله، ويختلف ذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص والعوائد.
وفي هذا دليل على أن النفقة والكسوة والمعاشرة والمسكن وكذلك الوطء - الكل يرجع إلى المعروف فهذا موجب العقد المطلق، وأما مع الشرط فعلى شرطهما، إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا " انتهى.
ويقول ابن عاشور (١/٦٤٣) : " وقوله (بالمعروف) الباء للملابسة، والمراد به: ما تعرفه العقول السالمة المجردة من الانحياز إلى الأهواء أو العادات أو التعاليم الضالة، وذلك هو الحسن، وهو ما جاء به الشرع نصا أو قياسا أو اقتضته المقاصد الشرعية أو المصلحة العامة التي ليس في الشرع ما يعارضها، والعرب تطلق المعروف على ما قابل المنكر.
أي: وللنساء من الحقوق مثل الذي عليهن ملابسا ذلك دائما للوجه غير المنكر شرعا وعقلا، وتحت هذا تفاصيل كبيرة تؤخذ من الشريعة، وهي مجال لأنظار المجتهدين في مختلف العصور والأقطار.." انتهى.
سادسا:
دين الإسلام حري بالعناية بإصلاح شأن المرأة، وكيف لا وهي شقيقة الرجل، والمربية الأولى في المجتمع، فلذلك شرع من قواعد العدالة ما لم يكن معروفا على وجه الأرض في شريعة ولا في قانون، فسبق إليه الإسلام الحنيف، وجاء بإصلاح حال المرأة ورفع شأنها؛ وارتقى بها من متاع يرثه الرجال، كما يرثون سائر المال والمتاع، فجعلهن شقائق الرجال، لهن مثل الذي عليهن من الحقوق والواجبات، لا يضيع لهن عمل ولا سعي، ودروهن في النهوض بالأمة، عامة، وببيتها خاصة لا يقل عن دور الرجل بحال!!
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1396
إبراهيم ﵇ لم يقنط من رحمة الله
[السُّؤَالُ]
ـ[هل بوسعكم – يا شيخ - تفسير بعض آيات سورة " الحِجر "؛ لأني لا أفهمها، وأنا أبحث عن تفسيرها في تفاسير مختلفة، لكنى أعجز عن إيجاده، يقولون في الآية ٥٥: (قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ القَانِطِينَ) فيقول هو في الآية ٥٦: (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَاّ الضَّالُّونَ) لأن الشيطان يوسوس لي، ويوهن قلبي بالقول بأن الله تعالى لم يقبل الدعاء، فإبراهيم ﵇ قد تقدم به العمر، وهو يدعو الله أن يرزقه بابنٍ من سارة ﵍، فلا تتوقع أن يجيب الله دعاءك عندما تكون في شدة، بل إنك عندما تطعن في العمر وتكون قد اقترفت الكثير من الذنوب: فإن من الممكن أن يكون مصيرك إلى جهنم! . ويقول الله تعالى في القرآن: (فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) ، كما ذكر في الحديث (كلٌّ مُيسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ) ، فهل بوسعكم - رجاء - تفسير لماذا قالت الملائكة لإبراهيم ﵇: " بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين"؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال تعالى: (وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْراَهِيمَ. إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ. قَالُواْ لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ. قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ. قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ. قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَاّ الضَّآلُّونَ) الحِجر/ ٥١ – ٥٦.
قول الملائكة لإبراهيم ﵇ ذلك كان من أجل قوله " أبشرتموني بذلك على أن مسني الكبَر وأثَّر فيَّ "، فقد تعجَّب ﵊ من بشارتهم بالولد في حالة مباينة للولادة؛ فإن البشارة بما لا يُتصور وقوعه عادةً: تُدخل في النفس التعجب منها، ولم يكن ﵇ قانطاً، ولا منكراً لقدرة الله، وهو الذي رأى بعيني رأسه موت الطيور الأربعة التي ذبحها بنفسه، ثم قسَّمها أجزاء، فأحياها الله تعالى له، فجاءته تسعى! وهو ﵇ آمَن بأن الله قد خلق بشراً بغير أبوين، فكيف من شيخ فانٍ، وعجوزٍ عقيم.
وأول ذلك أن الله تعالى أرسل ملائكة لتبشر إبراهيم ﵇ وزوجه " سارة " بإسحاق، فلما جاءت الملائكة بالبشرى: سألهم ﵇ عن طبيعة البشارة، وكيف سيكون الولد، مع أنه بلغ به السن ما بلغ، فأكدُّوا له الأمر أن ما جاءوا به هو بشارة حق.
قال ابن كثير ﵀:
ثم قال مُتعجباً من كِبَره، وكِبَر زوجته، ومتحققًا للوعد: (أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُون) .
"تفسير ابن كثير" (٤/٥٤١) .
فقول إبراهيم ﵇ " فبِمَ تبشرون " يحتمل الاستفهام، والتعجب معاً، ولا تعارض بينهما.
قال الماوردي ﵀:
(فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) فيه وجهان:
أحدهما: أنه قال ذلك استفهاماً لهم، هل بشروه بأمر الله؟ ليكون أسكن لنفسه.
الثاني: أنه قال ذلك تعجباً من قولهم، قاله مجاهد.
"تفسير الماوردى" (٣/١٦٣، ١٦٤) .
وقال ابن الجوزي ﵀:
وهذا استفهام تعجب كأنه عجب من الولد على كبره.
"زاد المسير" (٤/٤٠٦) .
فأكدوا بشارتهم بالولد، وأنها من الله تعالى، وهي حقٌّ لا ريب فيه.
قال ابن كثير ﵀:
فأجابوه مؤكدين لما بشروه به تحقيقاً، وبشارة بعد بشارة، (قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ) .
"تفسير ابن كثير" (٤/٥٤١) .
وقولهم له بعدها (فَلَا تَكُن مِّنَ القَانِطِينَ) لا يقتضي أنه كان قانطاً، بل هو تلطف من الملائكة في التنبيه له أن لا يصل به الأمر أن يكون في زمرة القانطين، وهذا الأسلوب معروف في التنبيه، ولا يلزم كون المخاطب به منهم، كما قال تعالى لنوح ﵇: (فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) هود/٤٦.
قال الطاهر بن عاشور ﵀:
فقالوا: (فَلَا تَكُنْ مِنَ القَانِطِينَ) ذلك أنه لمَّا استبعد ذلك استبعاد المتعجب من حصوله: كان ذلك أثَراً من آثار رسوخ الأمور المعتادة في نفسه، بحيث لم يقلعه منها الخبر الذي يعلم صدقه، فبقي في نفسه بقية من التردّد في حصول ذلك، فقاربتْ حاله تلك حال الذين يَيأسون من أمر الله، ولما كان إبراهيم ﵇ منزّهاً عن القنوط من رحمة الله: جاءوا في موعظته بطريقة الأدب المناسب، فنهوه عن أن يكون من زمرة القانطين؛ تحذيراً له مما يدخله في تلك الزمرة، ولم يفرضوا أن يكون هو قانطاً؛ لرفعة مقام نبوءته عن ذلك، وهو في هذا المقام كحاله في مقام ما حكاه الله عنه من قوله: (أَرني كَيْفَ تُحْيي المَوْتَى قَالَ أَوْ لَمْ تُؤمن قَالَ بَلَى وَلكنْ ليَطْمَئنَّ قَلْبي) البقرة/٢٦٠.
وهذا النّهي كقول الله تعالى لنوح ﵇: (إنّي أَعظُكَ أَنْ تَكُونَ منَ الجَاهلينَ) هود/٤٦.
"التحرير والتنوير" (١٤/٦٠) .
وقال الشيخ الشنقيطي ﵀:
ولا ينافي كون استفهام إبراهيم للتعجب من كمال قدرة الله: قول الملائكة له فيما ذَكَرَ الله عنهم: (قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلَا تَكُن مِّنَ القَانِطِينَ) الحجر/٥٥، بدليل قوله: (قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَاّ الضآلون) الحجر/٥٦؛ لأنه دليل على أن استفهامه ليس استفهام منكر، ولا قانط.
قوله تعالى: (قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَاّ الضّالُّونَ) .
بيَّن تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيَّه إبراهيم قال للملائكة: "إنه لا يقنط من رحمة الله جل وعلا إلا الضالون عن طريق الحق".
"أضواء البيان" (٢/٢٨٣) .
فإبراهيم ﵇ لم يقنط من رحمة الله، ولا يجوز أن ينسب ذلك إلى الأنبياء، فهم أكمل البشر علماً وعملاً.
بل لا يجوز لأحد من المؤمنين أن ييأس ويقنط من رحمة الله.
وقد عَدَّ عبد الله بن مسعود ﵁ "القنوط من رحمة الله" من أكبر الكبائر، رواه عبد الرزاق.
فلا يجوز لمؤمن أن يدعو الله تعالى وهو يائس من الإجابة، بل عليه أن يحسن ظنه بالله، ويوقن أنه سيستجيب له، ويعطيه ما سأل، وقد قال النبي ﷺ : (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَة) رواه الترمذي (٣٤٧٩) وحسنه الألباني في صحيح "سنن الترمذي".
وكذلك مهما تقدم العمر بالإنسان، وعمل من المعاصي ما عمل، فإن رحمة الله واسعة، يغفر لمن تاب إليه، وندم على ما فعل، ما لم يحضره الموت، قال الله تعالى: (قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣، وقال النبي ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ) رواه الترمذي (٣٥٣٧) وحسنه الألباني في صحيح "سنن الترمذي".
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1397
كيف الجمع بين تمام الدين في قوله تعالى: (الْيَوْم أَكْمَلْتُ لَكُم دينَكُم) واختلاف العلماء ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[الحمد لله، أنا مسلم، ولله الفضل والمنَّة، ولكن أشكلت عليَّ آية في كتاب الله العزيز، وهي (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُم دينَكُم) فإذا كان الدّين كاملاً - وهو كذلك -، فكيف نجمع بين هذه الآية وبين خلاف العلماء في مسائل كثيرة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ليس هناك تعارض بين كمال الشريعة، وما يوجد من اختلاف بين علماء الإسلام؛ وذلك إذا عُرف المراد من كمال الدّين في الآية، وكماله هو: أصول الدّين، وقواعد الأخلاق، وكليّات الشرع، أما المسائل الجزئية فهي متجددة ولا نهاية لها، ولهذا لم يأت النص من الشرع على حكمها، وإنما يجتهد العلماء في إدخالها في تلك القواعد العامة، أو الاستدلال لها بمختلف الأدلة، كالقياس وغيره، ومن هنا جاء اختلاف العلماء.
قال الشاطبي ﵀ في بيان معنى الآية -:
"المراد: كلياتها، فلم يبقَ للدّين قاعدة يحتاج إليها في الضروريات، والحاجيات، أو التكميليات، إلا وقد بُينت غاية البيان.
نعم، يبقى تنزيل الجزئيات على تلك الكليات موكولاً إلى نظر المجتهد؛ فإن قاعدة الاجتهاد أيضاً ثابتة في الكتاب والسنّة، فلا بد من إعمالها، ولا يسع الناس تركها ... ولا يوجد ذلك إلا فيما لا نص فيه، ولو كان المراد بالآية الكمال بحسب تحصيل الجزئيات بالفعل: فالجزئيات لا نهاية لها، فلا تنحصر بمرسوم، وقد نص العلماء على هذا المعنى، فإنما المراد: الكمال بحسب ما يحتاج إليه من القواعد، التي يجري عليها ما لا نهاية له من النوازل" انتهى.
"الاعتصام" (١/٥٠٧) .
وقال ابن القيم ﵀:
"فقد بيَّن الله سبحانه على لسان رسوله بكلامه، وكلام رسوله: جميع ما أمره به، وجميع ما نهى عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وجميع ما عفا عنه , وبهذا يكون دينُه كاملا كما قال تعالى: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُم دينَكُم وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُم نعْمَتي) " انتهى.
"إعلام الموقعين" (١/٣٣٢) .
ثانياً:
كمال الدّين، وتمامه، لا يمنع من الاختلاف في فهم آية، أو سبب نزولها، أو صحة حديث، أو فهمه على وجهه الصحيح؛ فليس العلماء على درجة واحدة من العلم، فقد يخفى على واحد منهم ما علمه غيره، وقد يَفهم من النصوص ما لا يفهمه غيره عندما يختفي عليه الدليل الواضح، وهذا كله لا يتعارض مع تمام الدين، بل هو محاولة من المجتهد للوصول إلى حكم الله، فيما لم يأت نص بحكمه، ونظراً لاختلاف الناس في الفهم والعلم فقد وقع الخلاف بينهم في حكم كثير من الجزئيات.
قال ابن القيم ﵀ – متمماً كلامه السابق نقله عنه -:
"ولكن قد يقصر فَهم أكثر الناس عن فَهم ما دلّت عليه النصوص، وعن وجه الدلالة، وموقعها، وتفاوت الأمّة في مراتب الفهم عن الله ورسوله: لا يحصيه إلا الله، ولو كانت الأفهام متساوية: لتساوت أقدام العلماء في العلم، ولما خص سبحانه سليمان بفهم الحكومة في الحرث، وقد أثنى عليه، وعلى داود بالعلم، والحكم، وقد قال عمر لأبي موسى في كتابه إليه " الفهم، الفهم فيما أدلي إليك "، وقال علي: " إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه "، وقال أبو سعيد: " كان أبو بكر أعلمَنا برسول الله ﷺ "، ودعا النبي ﷺ لعبد الله بن عباس أن (يفقهه في الدّين ويعلمه التأويل) " انتهى.
"إعلام الموقعين" (١/٣٣٢) .
وبهذا يعلم أن اختلاف العلماء لا ينافي كمال الدين.
ومن تأمل أسباب اختلاف العلماء: لم يجد فيها سبباً واحداً مرجعه إلى الشرع ذاته، فالتعارض بين الأدلة ليس موجوداً على الحقيقة في نصوص الشرع، بل فقط في نظر المجتهد، وخفاء الأدلة، وعدم العلم بها، أو عدم فهمهما على وجهها: وكل ذلك يؤكد ما قلناه من أن الشريعة كاملة تامّة وإنما يبحث كل مجتهد بما وهبه الله من علم وفهم: لمعرفة الحكم المطابق لمراد الله تعالى في نصوص الوحي.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1398
سبب تقديم قوله تعالى في سورة الرحمن (عَلَّمَ الْقُرْآنَ) على قوله (خَلَقَ الْإِنسَانَ)
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا ذكر في سورة الرحمن: (عَلَّمَ الْقُرْآنَ) قبل (خَلَقَ الْإِنسَانَ) ، وعلمه لمن؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
في هذه السورة العظيمة من سور القرآن الكريم يتعرف الله إلى خلقه بنعمه عليهم، وآلائه التي ملأت أرجاء السماء والأرض، يذكرهم بها عبوديتهم له ، ويلزمهم طاعته وابتغاء مرضاته.
ولما كان القرآن الكريم النعمة الكبرى والآية العظمى التي أنزلت على الإنسانية جمعاء، بدأ بها ، وقدمها على كل شيء، حتى على خلق الإنسان نفسه، ليوحي بذلك إلى الغاية التي خلق الإنسان من أجلها، وهي معرفة وحي الله والالتزام به، فلا يشتغل الإنسان بالخلق عن الخالق، ولا بالوسيلة عن المقصد.
وذكر الله تعالى خلق الإنسان بعد ذِكْر تعليم القرآن ليبين أن الإنسان هو المقصود بتعليم القرآن.
قال الله تعالى: (الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الإنْسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) الرحمن/١-٤.
قال أبو حيان الأندلسي ﵀:
"ولما عدّد نعمه تعالى، بدأ مِن نِعَمه بما هو أعلى رتبها، وهو تعليم القرآن، إذ هو عماد الدين ونجاة من استمسك به.
ولما ذكر تعليم القرآن ولم يذكر المعلَّم، ذكره بعد في قوله: (خَلَقَ الإنْسَانَ) ، ليُعلم أنه المقصود بالتعليم" انتهى.
"البحر المحيط" (١٠/١٨٧) .
وقال الألوسي ﵀:
"ثم أتبع سبحانه نعمة تعليم القرآن بخلق الإنسان فقال تعالى: (خَلَقَ الإنْسَانَ) ؛ لأن أصل النعم عليه، وإنما قدم ما قدم منها لأنه أعظمها، وقيل: لأنه مشير إلى الغاية من خلق الإنسان، وهو كماله في قوة العلم، والغاية متقدمة على ذي الغاية ذِهْنًا، وإن كان الأمر بالعكس خارجا" انتهى.
"روح المعاني" (٢٧/٩٩) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" وبدأ الله تعالى بتعليم القرآن قبل خلق الإنسان إشارة إلى أن نعمة الله علينا بتعليم القرآن أشد وأبلغ من نعمته بخلق الإنسان، وإلا من المعلوم أن خلق الإنسان سابقٌ على تعليم القرآن، لكن لما كان تعليم القرآن أعظمَ مِنَّةٍ من الله على العبد قدمه على خلقه " انتهى.
"لقاءات الباب المفتوح" (رقم/١٨٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1399
استفسار عن رأي شيخ الإسلام في آية المباهلة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو رأي شيخ الإسلام ابن تيميه في آية المباهلة]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
المباهلة هي الملاعنة، والمقصود منها أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء، فيقولوا: لعنة الله على الظالم منا.
ينظر: "النهاية في غريب الأثر" (١/٤٣٩) .
وآية المباهلة هي قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) . [آل عمران/٥٩-٦١]
وكان سبب نزول هذه الآية أن وفد نصارى نجران حين قدموا المدينة جعلوا يُجادلون في نبي الله عيسى ﵇، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية.
وقد تصلبوا على باطلهم، بعدما أقام عليهم النبي ﷺ البراهين بأنه عبد الله ورسوله.
فأمره الله تعالى أن يباهلهم.
فدعاهم رسول الله ﷺ إلى المباهلة، بأن يحضر هو وأهله وأبناؤه، وهم يحضرون بأهلهم وأبنائهم، ثم يدعون الله تعالى أن ينزل عقوبته ولعنته على الكاذبين.
فأحضر النبي ﷺ علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين ﵃، وقال: هؤلاء أهلي.
فتشاور وفد نجران فيما بينهم: هل يجيبونه إلى ذلك؟
فاتفق رأيهم أن لا يجيبوه؛ لأنهم عرفوا أنهم إن باهلوه هلكوا، هم وأولادهم وأهلوهم، فصالحوه وبذلوا له الجزية، وطلبوا منه الموادعة والمهادنة، فأجابهم ﷺ لذلك.
ينظر: "تفسير ابن كثير" (٢ /٤٩) ، "تفسير السعدي" (١ /٩٦٨) .
ثانياً:
ليس لشيخ الإسلام ابن تيمية رأي خاص في آية المباهلة، بل كلامه فيها ككلام سائر أهل السنة، إلا أنه قد بين بعض المفاهيم المغلوطة التي يحاول البعض أخذها من هذه القصة.
ونستطيع أن نلخص كلام شيخ الإسلام في المباهلة في نقاط:
١-إتيان النبي ﷺ بعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ عند المباهلة ثابت بالأحاديث الصحيحة.
قال شيخ الإسلام: " أما أخذه علياً وفاطمة والحسن والحسين في المباهلة فحديث صحيح رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص، قال في حديث طويل: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ... ) دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٧ / ١٢٣) .
٢- ليس في ذلك دلالة على أنهم أفضل هذه الأمة.
قال: " لا دلالة في ذلك على الإمامة ولا على الأفضلية ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٧/١٢٣)
وقال: " ولا يقتضي أن يكون من باهل به أفضل من جميع الصحابة، كما لم يوجب أن تكون فاطمة وحسن وحسين أفضل من جميع الصحابة ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٧ /١٢٥) .
٣- المباهلة إنما يختار لها الإنسان أقرب الناس منه نسباً، لا أفضلهم عنده.
قال شيخ الإسلام: " وسبب دعوة النبي ﷺ لهؤلاء فقط: أن المباهلة إنما تحصل بالأقربين إليه، وإلا فلو باهلهم بالأبعدين في النسب وان كانوا أفضل عند الله لم يحصل المقصود.. ".
وقال: " وهؤلاء أقرب الناس إلى النبي ﷺ نسباً، وإن كان غيرهم أفضل منهم عنده، فلم يؤمر أن يدعو أفضل أتباعه؛ لأن المقصود أن يدعو كل واحد منهم أخص الناس به، لما في جِبِلّة الإنسان من الخوف عليه وعلى ذوي رحمه الأقربين إليه ...
والمباهلة مبناها على العدل، فأولئك أيضا يحتاجون أن يدعوا أقرب الناس إليهم نسبا، وهم يخافون عليهم ما لا يخافون على الأجانب، ولهذا امتنعوا عن المباهلة لعلمهم بأنه على الحق وأنهم إذا باهلوه حقت عليهم بُهْلة الله، وعلى الأقربين إليهم ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٥/٤٥)
٤- سبب تخصيص علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين بالمباهلة أنهم أخص أهل بيته به في ذلك الوقت.
قال شيخ الإسلام: " وأما آية المباهلة فليست من الخصائص، بل دعا علياً وفاطمة وابنيهما، ولم يكن ذلك لأنهم أفضل الأمة، بل لأنهم أخص أهل بيته". انتهى.
"مجموع الفتاوى" (٤/٤١٩)
وقال: " وآية المباهلة نزلت سنة عشر لما قدم وفد نجران، ولم يكن النبي ﷺ قد بقي من أعمامه إلا العباس، والعباس لم يكن من السابقين الأولين، ولا كان له به اختصاص كعلي.
وأما بنو عمه فلم يكن فيهم مثل علي، وكان جعفر قد قتل قبل ذلك ... بمؤتة سنة ثمان، فتعين علي ﵁ ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٧/١٢٥) .
وقال: " لم يكن عنده إذ ذاك إلا فاطمة، فإن رقية وأم كلثوم وزينب كنَّ قد توفين قبل ذلك ...
وإنما دعا حسناً وحسيناً؛ لأنه لم يكن ممن ينسب إليه بالبنوة سواهما، فإن إبراهيم، إن كان موجودا إذ ذاك، فهو طفل لا يُدعى ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٧/ ١٢٩) .
٥- ليس في آية المباهلة دليل على أحقية علي بن أبي طالب ﵁ للخلافة والإمامة، بزعم أن الله جعله مقام نفس الرسول بقوله: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ... ) ، والاتحاد في النفس محال، فلم يبق إلا المساواة له في الولاية العامة.
قال شيخ الإسلام: " لا نسلم أنه لم يبق إلا المساواة، ولا دليل على ذلك، بل حمله على ذلك ممتنع، لأن أحداً لا يساوي رسول الله ﷺ ، لا علياً ولا غيره.
وهذا اللفظ في لغة العرب لا يقتضي المساواة، قال تعالى في قصة الإفك (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا..) ولم يوجب ذلك أن يكون المؤمنون والمؤمنات متساوين.
وقد قال الله تعالى في قصة بني إسرائيل (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ) أي يقتل بعضكم بعضا، ولم يوجب ذلك أن يكونوا متساوين، ولا أن يكون من عبد العجلَ مساوياً لمن لم يعبده.
وكذلك قد قيل في قوله (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي لا يقتل بعضكم بعضاً، وان كانوا غير متساوين.
وقال تعالى (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي لا يلمز بعضكم بعضاً، فيطعن عليه ويعيبه، وهذا نهي لجميع المؤمنين أن لا يفعل بعضهم ببعض هذا الطعن والعيب، مع أنهم غير متساوين، لا في الأحكام، ولا في الفضيلة، ولا الظالم كالمظلوم، ولا الإمام كالمأموم ...
فهذا اللفظ يدل على المجانسة والمشابهة، والتجانس والمشابهة يكون بالاشتراك في بعض الأمور، كالاشتراك في الإيمان ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٧ / ١٢٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1400
كيف يتطابق قوله تعالى عن اليهود: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهم الذِّلَّةُ وَالمَسْكَنَةُ) مع واقعهم الحالي ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[يقول الله عن اليهود في السورة رقم ٣ آية ١١٢ (باءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة) ، لكن يبدو أن أحوال اليهود حسنة، ويبدو أنهم أثرياء، ويبلون حسناً، فهل بوسعكم - رجاء – التفسير، بارك الله فيكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الآية الكريمة التي ذكرها السائل هي قوله تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) آل عمران/١١٢.
وأما معناها: فقد قال ابن كثير ﵀:
أي: ألزمهم الله الذلة، والصَّغَار، أينما كانوا، فلا يأمنون (إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ) أي: بذمَّة من الله، وهو عَقْد الذمة لهم، وضَرْب الجزية عليهم، وإلزامهم أحكام الملة، (وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) أي: أمانٌ منهم، ولهم ... .
وقوله: (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) أي: أُلزموا، فالتزَمُوا بغضب من الله، وهم يستحقونه.
(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) أي: أُلزِموها قَدراً، وشَرْعاً، ولهذا قال: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) أي: وإنما حملهم على ذلك: الكبْر، والبَغْي، وَالْحسَد، فأعْقَبَهم ذلك: الذِّلة، والصَّغَار، والمسكنة، أبداً، متصلا بذلة الآخرة، ثم قال تعالى: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) أي: إنما حَمَلهم على الكفر بآيات الله، وقَتْل رُسُل الله، وقُيِّضوا لذلك: أنّهم كانوا يُكثرون العصيان لأوامر الله ، والغشيان لمعاصي الله، والاعتداء في شرع الله، فَعِياذًا بالله من ذلك، والله المستعان.
" تفسير ابن كثير " (٢ / ١٠٤) .
والذلة التي ضربها الله على اليهود تشمل الذلة القدرية التي قدَّرها الله عليهم، والذلة الشرعية، بمعنى أن الله تعالى أمرنا بإذلالهم، بضرب الجزية عليهم.
قال الطبري ﵀:
و" الذلة " هي الصغار الذي أمر الله جل ثناؤه عبادَه المؤمنين أن لا يعطوهم أماناً على القرار على ما هم عليه من كفرهم به، وبرسوله، إلا أن يبذلوا الجزية عليهم لهم.
" تفسير الطبري " (٢ / ١٣٦) .
وقال ﵀:
أخبرهم الله جل ثناؤه أنه يبدلهم بالعز ذلاًّ، وبالنعمة بؤساً، وبالرضا عنهم غضباً، جزاء منه لهم على كفرهم بآياته، وقتلهم أنبياءه ورسله، اعتداءً، وظلماً منهم بغير حق، وعصيانهم له، وخلافاً عليه.
" تفسير الطبري " (٢ / ١٣٧) .
وسبق قول ابن كثير ﵀: " أُلزِموها قَدراً، وشَرْعاً ".
فالله تعالى قدَّر عليهم الإذلال بسبب كفرهم، وفسادهم، وحكم به عليهم شرعاً بما ضربه عليهم من الجزية.
ومن هذا الباب قول تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) الأعراف/ ١٦٧.
قال ابن كثير ﵀:
قوله: (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ) أي: على اليهود، (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) أي: بسبب عصيانهم، ومخالفتهم أوامر الله، وشرعه، واحتيالهم على المحارم.
ويقال: إن موسى ﵇ ضرب عليهم الخراج سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وكان أول من ضرب اخراج، ثم كانوا في قهر الملوك، من اليونانيين، والكشدانيين، والكلدانيين، ثم صاروا في قهر النصارى، وإذلالهم إياهم، أخذهم منهم الجزية، والخراج، ثم جاء الإسلام، ومحمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فكانوا تحت صغاره، وذمته، يؤدون الخراج، والجزية.
" تفسير ابن كثير " (٣ / ٤٩٧) .
وهذا هو واقع اليهود على مرِّ الأزمان؛ وحتى في هذا العصر الحديث لا تجد لهم محبة، ولا قبولاً في الأرض، وما مذابح الأوربيين لهم في " أوربا " ببعيد، وهم يؤمنون بذلك , ولذلك لا يعيشون إلا منعزلين، منطوين، أو أذلاء يستجدون النصرة من دول الكفر، والمنظمات الدولية.
قال ابن القيم ﵀ في وصف اليهود -:
فالأمَّة الغضبية هم اليهود، أهل الكذب، والبهت، والغدر , والمكر، والحيل , قتلة الأنبياء , وأكلة السحت - وهو الربا، والرشوة - أخبث الأمم طوية , وأرداهم سجية , وأبعدهم من الرحمة , وأقربهم من النقمة , عادتهم البغضاء , وديدنهم العداوة والشحناء , بيت السِّحِر، والكذب، والحيل , لا يرون لمن خالفهم في كفرهم وتكذيبهم الأنبياء حرمة , ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة , ولا لمن وافقهم حق، ولا شفقة , ولا لمَن شاركهم عندهم عدل , ولا نَصَفَة , ولا لِِمَن خالطهم طمأنينة , ولا أمََنة , ولا لمن استعملهم عندهم نصيحة، بل أخبثهم: أعقلهم، وأحذقهم: أغشهم , وسليم الناصية - وحاشاه أن يوجد بينهم: ليس بيهودي على الحقيقة , أضيق الخلْق صدوراً , وأظلمهم بيوتاً , وأنتنهم أفنيةً , وأوحشهم سجيَّةً , تحيتهم: لعنة , ولقاؤهم: طيرة، شعارهم: الغضب , ودثارهم: المقت.
" هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى " (ص ٨) .
وهذه صفات اتفق عليها القاصي والداني، والقريب والبعيد، ولذلك لوحقوا، وطوردوا، على مر الزمان؛ وحتى في هذا العصر لا ينعمون بالأمان حتى في دولتهم المزعومة.
ثانياً:
أما ما يقوله الأخ السائل من وجود " الغنى " و " العز " لليهود في زماننا هذا: فهو لا يخالف معنى الآية، وبيان ذلك من وجهين مُجملين:
١. ضرب الذلة والمسكنة على اليهود لازم لا يتخلف، وقد استثنى الله تعالى في " الذلة " – لا المسكنة - بقوله: (إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) فما تراه هو من هذا، وأما بمجردهم: فهم أحقر من أن يكون لهم عز، ونصر، ولذلك لا يُعرف لهم انتصار في معركة دخلوها وحدهم، ولا يزالون في حاجة إلى الشرق والغرب لتثبيت دولتهم، فإما مددهم من الله ليذل بهم من تركوا دينه، أو حبل من الناس: عهد وميثاق مع المؤمنين، أو تحالف مع دول الكفر لنصرتهم، وتأييدهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وأمَّا كون اليهود كانوا ينتصرون على العرب: فهذا لا يُعرف، بل المعروف خلافه , والله تعالى قد أخبر بما يدل على ذلك، فقال تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) آل عمران / ١٢، فاليهود من حين ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله، وحبل من الناس: لم يكونوا بمجردهم ينتصرون، لا على العرب، ولا غيرهم، وإنما كانوا يقاتلون مع حلفائهم قبل الإسلام، والذلة ضربت عليهم من حين بعْث المسيح ﵇ فكذبوه، قال تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) آل عمران/ ٥٥، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) الصف/ ١٤.
" مجموع الفتاوى " (١ / ٣٠٢) .
وقال الطاهر بن عاشور ﵀:
والمعنى: لا يسلمون من الذلّة، إلاّ إذا تلبَّسُوا بعهدٍ من الله، أي: ذمّة الإسلام، أو إذا استنصروا بقبائل أولى بأس شديد، وأمّا هم في أنفسهم: فلا نصر لهم، وهذا من دلائل النُّبوّة؛ فإنّ اليهود كانوا أعزّة بيثربَ، وخيبر، والنضير، وقريظة، فأصبحوا أذلّة، وعمَّتهم المذلّة في سائر أقطار الدنيا.
" التحرير والتنوير " (٤ / ٥٦) .
٢. أن " المسكنة " ليست هي " الفقر "، بل لعلهم أغنى الناس، لكن المسكنة التي ضربها الله عليهم هي إظهار فقرهم، وبُخلهم بما في أيديهم، وقد أخبرنا نبينا محمد ﷺ أنه (لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ) رواه البخاري (٦٠٨١) ومسلم (١٠٥١) ، وأنَّى لهؤلاء هذا الغنى؟! .
وقد ردَّ الشيخ العثيمين ﵀ على ما ذكره الأخ السائل، وقد لخَّصنا كلامه في نقاط، نرجو أن تكون مفيدة.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀ – في تفسير قوله تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) البقرة/ من الآية ٦١ -:
(وضربت عليهم الذلة والمسكنة) :
١. خبرٌ مِن الله عن بني إسرائيل أنه ضُربت عليهم الذلة والمسْكنة، (الذلة) هذه في الشجاعة، أذلة، لا يقابِلون عدوّاً، قال الله تعالى: (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ) الحشر/١٤.
٢. و (المَسْكَنة) يعود إلى الفقر، فليس عندهم شجاعة، وليس عندهم غِنى، لا كرماً بالمال، ولا كرماً بالنفس؛ لأن الشجاعة كرم بالنفس، يجود الإنسان بنفسه لإعلاء كلمة الله، والكرم: جود بالمال، ثم - والعياذ بالله - ما حصل لهم هذا، ولا هذا، بل العكس (ضُرِبَت عَلَيْهِم الذِّلَّة) فلا شجاعة عندهم، وضربت عليهم المسكنة فلا جود عندهم، ولهذا لا يوجد أمَّة أفقر من اليهود، ولا أبخل، أي: لا أفقر قلباً منهم، وليس مالاً، وإلا فأموالهم كثيرة.
٣. فهذه الذلة - والعياذ بالله - عليهم مضروبة، وكذلك المسْكنة، فإذا قال قائل: الواقع خلاف هذا الأمر؟! قلنا: لا يمكن أن يكون الواقع مخالفاً لكلام الله، ورسوله، وإنما الخطأ في الفهم، والتصور، أما كلام الله: فلا يختلف، فنقول:
هذه الآية مطلقة – أي: قوله تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) البقرة/٦١ - وفي قوله تعالى في آل عمران: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) آل عمران/١١٢: يقيِّد هذه الآية، ويصير المعنى: " ضُربت الذلة والمسكنة إلا بحبلٍ مِن الله وحبلٍ مِن الناس "، فإذا وصلهم الله تعالى، أو وصلهم الناس: فإنهم تزول عنهم الذلة، ويكون معهم شجاعة، وقوة.
٤. الحبل من الله ما هو؟ قيل: إنه الإسلام، والحبل من الناس: أن يمدهم الناس غير اليهود بما يمدونهم به، فاليهود الموجودون الآن في حبلٍ من الناس يمدهم، وهم النصارى في كل مكان، يمدونهم؛ لأن الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) المائدة/٥١، وهذا خبر، والخبر من الله: لا يُخلف، النصارى تمدهم من جميع أقطار الدنيا، إما علناً وإما سرّاً، وإما مباشراً أو غير مباشرٍ.
٥. الحبل من الله قلنا: إنه الإسلام - على ما ذكره كثير من أهل العلم - ويحتمل عندي: أنه أعم من الإسلام؛ لأنهم إذا أسلموا: زال عنهم وصف اليهودية، وصاروا من المسلمين، لكن عندي أنه (حبل من الله) : أن الله قد يسلطهم على غيرهم؛ عقوبةً لهم، قد يُسلَّطون على غيرهم، وتكون لهم الغلبة، عقوبة على الآخرين؛ لعلهم يرجعون إلى الله ، لا سيما إذا كانوا من أمَّة محمد ﵊، وعصوا وأَبعدوا عن هذه الملة: فإن الله يسلِّط عليهم مَن شاء مِن خلقه؛ لعلهم يرجعون، وهذا الأمر هو الواقع، لو نظرنا إلى الذين جعلوا أنفسهم في مسير هؤلاء اليهود - وهم العرب -: لوجدنا أكثرهم ضالين - ولا سيما ذوي القيادات منهم - منحرفين عن الحق، بل ربما يصل أمر بعضهم إلى الكفر - والعياذ بالله -، فلذلك يسلَّط عليهم هؤلاء، ويحصل ما يحصل.
٦. إذن يزول عنَّا الاشتباه في قوله: (وَضُرِبَت عَلَيْهِم الذِّلَّةُ وَالمَسْكَنَةُ) : " لماذا نراهم الآن في هذه الحال، والآية خبرٌ من الله، وخبر الله حق وصدق، لا يمكن أن يتخلف ":
فالجواب:
أن هذه الآية مقيَّدة بقوله تعالى (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) ، وانظر التقييد في " آل عمران ": تقييد في الذلة فقط، لكن المسكنة غير مقيدة، ولذلك هم مضروب عليهم المسكنة أينما كانوا، ولا يمكن أن يبذلوا قرشاً إلا وهم في أملٍ أن يحصلوا درهماً، فالمسكَنة مطلقة، والمذلة مقيدة، (إِلَاّ بِحَبْلٍ مِنَ الله وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) .
" تفسير سورة البقرة " (الشريط رقم ١٠، وجه أ) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1401
سبب نزول سورة الكافرون
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو سبب نزول سورة " الكافرون "؟ وما هي قصتها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جاء في سبب نزول هذه السورة أن كفار قريش عرضوا على النبي ﷺ أن يعبدوا الله ويقبلوا ما جاء به، بشرط أن يشاركهم في عبادة آلهتهم الباطلة بعض الزمان، فنزلت هذه السورة تقطع كل مفاوضات لا تفضي إلى تحقيق التوحيد الكامل لله رب العالمين.
فعن ابن عباس ﵄:
(أن قريشا وعدوا رسول الله ﷺ أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزّوجوه ما أراد من النساء، ويطئوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد، وكفّ عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح. قال: ما هي؟ قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزي، ونعبد إلهك سنة، قال: حتى أنْظُرَ ما يأْتي مِنْ عِنْدِ رَبّي. فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) السورة، وأنزل الله: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ) ... إلى قوله: (فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) .
رواه ابن أبي حاتم في " التفسير " (١٠/٣٤٧١) ، والطبري في " جامع البيان " (٢٤/٧٠٣) ، والطبراني في " المعجم الصغير " (٧٥١)
جميعهم من طريق أبي خلف عبد الله بن عيسى الخزاز الحداد، ثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ به.
وقال الطبراني: لم يروه عن داود بن أبي هند إلا عبد الله بن عيسى ... أحاديثه أفراد كلها. انتهى.
وعبد الله بن عيسى الخزاز ضعيف عند عامة العلماء، لا سيما رواياته عن داود بن أبي هند.
انظر ترجمته في " تهذيب التهذيب " (٥/٣٥٣) .
وعن سعيد بن مينا مولى البَختري قال:
لقي الوليد بن المُغيرة والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأميَّة بن خلف، رسولَ الله، فقالوا: يا محمد! هلمّ فلنعبد ما تعبد، وتعبدْ ما نعبد، ونُشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا كنا قد شَرِكناك فيه، وأخذنا بحظنا منه ; وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك كنت قد شَرِكتنا في أمرنا، وأخذت منه بحظك، فأنزل الله: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) حتى انقضت السورة.
رواه الطبري في " جامع البيان " (٢٤/٧٠٣) قال: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني سعيد بن مينا مولى البَختري به.
وسعيد بن ميناء من أوساط التابعين، فروايته مرسلة ضعيفة.
وقال السيوطي ﵀:
"أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن وهب قال: قالت قريش للنبي ﷺ : إن سرك أن نتبعك عاما وترجع إلى ديننا عاما، فأنزل الله: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) إلى آخر السورة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، عن ابن عباس ﵄: أن قريشا قالت: لو استلمت آلهتنا لعبدنا إلهك، فأنزل الله: (قل يا أيها الكافرون) السورة كلها" انتهى.
"الدر المنثور" (٨/٦٥٥) .
والحاصل: أن الآثار السابقة – وإن ضعفت أسانيد أفرادها – إلا أنها تتقوى بمجموعها، ويشهد بعضها لبعض، خاصة وأنه ليس في متنها ما يستنكر، ووافقت ظاهر القرآن الكريم، ولذلك صحح مضمونها الشيخ الألباني ﵀ في " صحيح السيرة النبوية " (٢٠١) ، وانظر: " السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية " (ص/١٧٥) .
وأما معنى السورة:
فقال ابن جرير الطبري ﵀:
" يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ وكان المشركون من قومه فيما ذكر عرضوا عليه أن يعبدوا الله سنة، على أن يعبد نبيّ الله ﷺ آلتهم سنة - فأنزل الله معرفة جوابهم في ذلك:
(قُلْ) يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوك عبادة آلهتهم سنة، على أن يعبدوا إلهك سنة (يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) بالله (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) من الآلهة والأوثان الآن (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) الآن (وَلا أَنَا عَابِدٌ) فيما أستقبل (مَا عَبَدْتُمْ) فيما مضى (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ) فيما تستقبلون أبدا (مَا أَعْبُدُ) أنا الآن، وفيما أستقبل. وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأن الخطاب من الله كان لرسول الله ﷺ في أشخاص بأعيانهم من المشركين، قد علم أنهم لا يؤمنون أبدا، وسبق لهم ذلك في السابق من علمه، فأمر نبيه ﷺ أن يؤيسهم من الذي طمعوا فيه، وحدّثوا به أنفسهم، وأن ذلك غير كائن منه ولا منهم في وقت من الأوقات، وآيس نبي الله ﷺ من الطمع في إيمانهم، ومن أن يفلحوا أبدا، فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا، إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف، وهلك بعض قبل ذلك كافرا، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت به الآثار " انتهى.
" جامع البيان " (٢٤/٧٠٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1402
تفسير قوله تعالى: (وَمِنْ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)
[السُّؤَالُ]
ـ[ (وَمِنْ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمْ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) سألني أحدهم عن معنى الآية السابقة، لكني لم أجبه لأني لا أعرف، فهل بوسعكم رجاء إخباري بمعنى الآية السابقة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
هذه الآية التي في سورة التوبة تتحدث عن الأعراب وليس عن العرب، وفرق بين اللفظين، فالعرب هم الجنس المعروف الذي ينقسم إلى حضر وبدو، والحضر هم ساكنو المدن والقرى، أما البدو فهم " الأعراب " سكان البادية، وهؤلاء هم الذين تخبر عنهم الآيات الكريمات في سورة التوبة.
قال النووي ﵀:
"أهل البادية هم الأعراب، ويغلب فيهم الجهل والجفاء، ولهذا جاء في الحديث: (من بدا جفا) ، والبادية والبدو بمعنًى [واحد] : وهو ما عدا الحاضرة والعمران. والنسبة إليها بدوي " انتهى.
"شرح مسلم" (١/١٦٩) .
وقال الدكتور جواد علي:
" المجتمع العربي: بدو وحضر. .
ويعرف الحضر، وهم العرب المستقرون بـ " أهل المدر "، عرفوا بذلك لأن أبنية الحضر إنما هي بالمدر. والمدر: قطع الطين اليابس.
وورد أن أهل البادية إنما قيل لهم " أهل الوبر "، لأن لهم أخبية الوبر. تمييزاً لهم عن أهل الحضر الذين لهم مبان من المدر.
وتطلق لفظة " عرب " على أهل المدر خاصة، أي على الحضر و " الحاضر " و " الحاضرة " من العرب، أما أهل البادية فعرفوا بـ " أعراب ". " انتهى باختصار.
" المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام " (٤/٢٧١) .
ثانياً:
أما الآيات الواردة في ذلك في سورة التوبة، فهي قول الله تعالى: (الأعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) التوبة/٩٧-٩٩.
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
"أخبر تعالى أن في الأعراب كفارا ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشد، وأجدر: أي: أحرى ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ... عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غَفَل، ومن أتى السلطان افتتن) رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن غريب....
وقوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أي: عليم بمن يستحق أن يعلمه الإيمان والعلم، (حَكِيمٌ) فيما قسم بين عباده من العلم والجهل والإيمان والكفر والنفاق، لا يسأل عما يفعل لعلمه وحكمته. وأخبر تعالى أن منهم (مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ) أي: في سبيل الله (مَغْرَمًا) أي: غرامة وخسارة، (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ) أي: ينتظر بكم الحوادث والآفات، (عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ) أي: هي منعكسة عليهم والسوء دائر عليهم، (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي: سميع لدعاء عباده، عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان.
وقوله: (وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ) ، هذا هو القسم الممدوح من الأعراب، وهم الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله، ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم، (أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ) أي: ألا إن ذلك حاصل لهم (سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) " انتهى.
"تفسير القرآن العظيم" (٤/٢٠١-٢٠٢) .
وقال العلامة السعدي ﵀:
" يقول تعالى: (الأعْرَاب) وهم سكان البادية والبراري (أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا) من الحاضرة الذين فيهم كفر ونفاق، وذلك لأسباب كثيرة:
منها: أنهم بعيدون عن معرفة الشرائع الدينية والأعمال والأحكام، فهم أحرى (وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) من أصول الإيمان وأحكام الأوامر والنواهي، بخلاف الحاضرة، فإنهم أقرب لأن يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، فيحدث لهم - بسبب هذا العلم - تصورات حسنة، وإرادات للخير الذي يعلمون، ما لا يكون في البادية. وفيهم من لطافة الطبع والانقياد للداعي ما ليس في البادية، ويجالسون أهل الإيمان، ويخالطونهم أكثر من أهل البادية، فلذلك كانوا أحرى للخير من أهل البادية، وإن كان في البادية والحاضرة، كفار ومنافقون، ففي البادية أشد وأغلظ مما في الحاضرة.
ومن ذلك أن الأعراب أحرص على الأموال، وأشح فيها. فمنهم (مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ) من الزكاة والنفقة في سبيل الله وغير ذلك (مَغْرَمًا) أي: يراها خسارة ونقصا، لا يحتسب فيها، ولا يريد بها وجه الله، ولا يكاد يؤديها إلا كرها.
(ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ) أي: من عداوتهم للمؤمنين وبغضهم لهم، أنهم يودون وينتظرون فيهم دوائر الدهر، وفجائع الزمان، وهذا سينعكس عليهم فعليهم دائرة السوء.
وأما المؤمنون فلهم الدائرة الحسنة على أعدائهم، ولهم العقبى الحسنة، (وَاللَّهُ سميع عليم) يعلم نيات العباد وما صدرت عنه الأعمال من إخلاص وغيره.
وليس الأعراب كلهم مذمومين، بل منهم (مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) فيسلم بذلك من الكفر والنفاق، ويعمل بمقتضى الإيمان. (وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ) أي: يحتسب نفقته، ويقصد بها وجه الله تعالى والقرب منه. (و) يجعلها وسيلة لـ (صَلَوَاتِ الرَّسُولِ) أي: دعائه لهم، وتبريكه عليهم، قال تعالى مبينا لنفع صلوات الرسول: (أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ) تقربهم إلى الله، وتنمي أموالهم، وتحل فيها البركة. (سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ) في جملة عباده الصالحين إنه غفور رحيم، فيغفر السيئات العظيمة لمن تاب إليه، ويعم عباده برحمته التي وسعت كل شيء، ويخص عباده المؤمنين برحمة يوفقهم فيها إلى الخيرات، ويحميهم فيها من المخالفات، ويجزل لهم فيها أنواع المثوبات.
وفي هذه الآية دليل على أن الأعراب كأهل الحاضرة، منهم الممدوح ومنهم المذموم، فلم يذمهم الله على مجرد تعربهم وباديتهم، إنما ذمهم على ترك أوامر الله، وأنهم في مظنة ذلك.
ومنها: أن الكفر والنفاق يزيد وينقص ويغلظ ويخف بحسب الأحوال.
ومنها: فضيلة العلم، وأن فاقده أقرب إلى الشر ممن يعرفه، لأن الله ذم الأعراب، وأخبر أنهم أشد كفرا ونفاقا، وذكر السبب الموجب لذلك، وأنهم أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله.
ومنها: أن العلم النافع الذي هو أنفع العلوم، معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله، من أصول الدين وفروعه، كمعرفة حدود الإيمان، والإسلام، والإحسان، والتقوى، والفلاح، والطاعة، والبر، والصلة، والإحسان، والكفر، والنفاق، والفسوق، والعصيان، والزنا، والخمر، والربا، ونحو ذلك، فإن في معرفتها يُتَمَكَّن من فعلها - إن كانت مأمورا بها، أو تركها إن كانت محظورة، ومن الأمر بها، أو النهي عنها.
ومنها: أنه ينبغي للمؤمن أن يؤدي ما عليه من الحقوق، منشرح الصدر، مطمئن النفس، ويحرص أن تكون مغنما، ولا تكون مغرما " انتهى.
" تيسير الكريم الرحمن " (٣٩٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1403
من هو تبع المذكور في القرآن الكريم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد من فضيلتكم إلقاء بعض الضوء مما ثبت عن تُبع الذي ورد ذكره في الآية: (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) والآية (وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) وهل كان تبع هذا شخصاً؟ وهل كان موحدًا أم كافرًا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذكر الله تعالى في القرآن الكريم " تبعا " هذا في موضعين اثنين، في معرض الإخبار عن كفر قومه وذكر ما حل بهم من عذاب الله وسخطه.
قال الله تعالى: (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) الدخان/٣٧.
وقال سبحانه: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ. وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ. وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) ق/١٢-١٤.
وكان تبع هذا ـ كما ذكر المفسرون ـ أحد ملوك اليمن، وكان مشركاً ثم أسلم، وكان يعبد الله على شريعة موسى ﵇، وقد توقف نبينا ﷺ في شأنه، في بادئ الأمر، هل كان رجلاً صالحاً أم لا؟ ثم بعد ذلك نزل عليه الوحي بأنه كان رجلاً صالحاً، فنهانا عن سبه فقال ﷺ : (لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ أَسْلَمَ) رواه أحمد في " المسند " (٣٧/٥١٩) عن سهل بن سعد ﵁ وقال المحققون: حسن لغيره. وحسنه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢٤٢٣) .
وقد ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره شيئاً من سيرة تبع هذا، فقال:
" كانت حِمْيَر - وهم سبأ - كلما ملك فيهم رجل سموه " تُبَّعًا "، كما يقال: كسرى: لمن ملك الفرس، وقيصر: لمن ملك الروم، وفرعون: لمن ملك مصر كافرا، والنجاشي: لمن ملك الحبشة، وغير ذلك من أعلام الأجناس.
ولكن اتفق أن بعض تبابعتهم خرج من اليمن، وسار في البلاد حتى وصل إلى سمرقند، واشتد ملكه وعظم سلطانه وجيشه، واتسعت مملكته وبلاده، وكثرت رعاياه، وهو الذي مَصَّر الحيرة، فاتفق أنه مَرَّ بالمدينة النبوية وذلك في أيام الجاهلية، فأراد قتال أهلها فمانعوه وقاتلوه بالنهار، وجعلوا يَقْرُونه بالليل، فاستحيا منهم وكف عنهم، واستصحب معه حبرين من أحبار يهود كانا قد نصحاه وأخبراه أنه لا سبيل له على هذه البلدة؛ فإنها مُهَاجَرُ نبي يكون في آخر الزمان، فرجع عنها وأخذهما معه إلى بلاد اليمن، فلما اجتاز بمكة أراد هدم الكعبة، فنهياه عن ذلك أيضًا، وأخبراه بعظمة هذا البيت، وأنه من بناية إبراهيم الخليل، وأنه سيكون له شأن عظيم على يدي ذلك النبي المبعوث في آخر الزمان، فعظمها وطاف بها، وكساها الملاء والوصائل والحبير، ثم كر راجعًا إلى اليمن، ودعا أهلها إلى التهود معه، وكان إذ ذاك دين موسى ﵇، فيه من يكون على الهداية قبل بعثة المسيح ﵇، فتهود معه عامة أهل اليمن.
وقد ذكر القصة بطولها الإمام محمد بن إسحاق في كتابه السيرة، وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ترجمة حافلة، أورد فيها أشياء كثيرة مما ذكرنا ومما لم نذكر، وذكر أنه ملك دمشق، وأنه كان إذا استعرض الخيل صُفَّت له من دمشق إلى اليمن.
ثم ساق من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
(ما أدري الحدود طهارة لأهلها أم لا؟ ولا أدري تبع لعينًا كان أم لا؟ ولا أدري ذو القرنين نبيًّا كان أم ملكا) ، وقال غيره: (أعزيرًا كان نبيًّا أم لا؟) . – رواه أبو داود (٤٦٧٤) -
وكأنه - والله أعلم - كان كافرًا ثم أسلم وتابع دين الكليم على يدي من كان من أحبار اليهود في ذلك الزمان على الحق قبل بعثة المسيح ﵇، وحج البيت في زمن الجُرهُميين، وكساه الملاء والوصائل من الحرير والحبر، ونحر عنده ستة آلاف بدنة، وعظمه وأكرمه. ثم عاد إلى اليمن.
وقد ساق قصته بطولها الحافظ ابن عساكر من طرق متعددة مطولة مبسوطة، عن أبي بن كعب، وعبد الله بن سلام، وعبد الله بن عباس، وكعب الأحبار، وإليه المرجع في ذلك كله، وإلى عبد الله بن سلام أيضًا، وهو أثبت وأكبر وأعلم.
وكذا روى قصته وهب بن مُنَبِّه، ومحمد بن إسحاق في السيرة، كما هو مشهور فيها.
وقد اختلط على الحافظ ابن عساكر في بعض السياقات ترجمة " تُبَّع " هذا بترجمة آخر متأخر عنه بدهر طويل، فإن " تُبَّعًا " هذا المشار إليه في القرآن أسلم قومه على يديه، ثم لما مات عادوا بعده إلى عبادة الأصنام والنيران، فعاقبهم الله تعالى كما ذكره في سورة سبأ.
وقال سعيد بن جبير: كسا " تُبَّعٌ " الكعبة، وكان سعيد ينهى عن سبه.
و" تُبَّع " هذا هو تُبَّع الأوسط، واسمه أسعد أبو كُرَيْب بن مَلْكيكرب اليماني، ذكروا أنه ملك على قومه ثلاثمائة سنة وستا وعشرين سنة، ولم يكن في حمير أطول مدة منه، وتوفي قبل مبعث رسول الله ﷺ بنحو من سبعمائة عام، وذكروا أنه لما ذكر له الحبران من يهود المدينة أن هذه البلدة مُهَاجَرُ نبي في الزمان اسمه أحمد قال في ذلك شعرا واستودعه عند أهل المدينة، وكانوا يتوارثونه ويروونه خلفًا عن سلف، وكان ممن يحفظه أبو أيوب خالد بن زيد الذي نزل رسول الله ﷺ في داره، وهو:
شَهِدْتُ عَلَى أَحْمَدَ أنَّه ... رَسُولٌ مِنَ اللهِ بَاري النَّسَم ...
فَلَو مُدَّ عُمْري إلى عُمْرِهِ ... لَكُنْت وَزيرا له وابن عَم ...
وَجَاهَدْتُ بالسَّيفِ أعْدَاءَهُ ... وَفرَّجتُ عَنْ صَدْرِه كُلَّ غَم ...
وذكر ابن أبي الدنيا أنه حُفِر قبر بصنعاء في الإسلام، فوجدوا فيه امرأتين صحيحتين، وعند رءوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب: " هذا قبر حبي ولميس – وروي: حبي وتماضر- ابنتي " تُبَّع "، ماتتا وهما تشهدان أن لا إله إلا الله ولا تشركان به شيئًا، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما.
قال قتادة: ذكر لنا أن كعبًا كان يقول في " تُبَّع ": نُعِت نَعْت الرجل الصالح، ذم الله تعالى قومه ولم يذمه، قال: وكانت عائشة تقول: لا تسبوا " تُبَّعًا "؛ فإنه قد كان رجلا صالحًا " انتهى باختصار.
" تفسير القرآن العظيم " (٧/٢٥٦-٢٥٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1404
تفسير قوله تعالى: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى)
[السُّؤَالُ]
ـ[ما سبب نزول الآية في القرآن الكريم: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) حيث إن هناك من يعللها بأن شرب الخمر يجوز بعد الصلاة.. وأستغفر الله العظيم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه الآية تمثل مرحلة من مراحل التشريع الإسلامي في التدرج في تحريم الخمر، فكان التحريم فيها مؤقتاً بوقت الصلاة، وكانوا يشربونها في غير أوقات الصلاة، ثم نزل بعد ذلك التحريم النهائي والقطعي للخمر.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
"التدرج في التشريع حتى يصل إلى درجة الكمال، كما في آيات الخمر الذي نشأ الناس عليه وألفوه، وكان من الصعب عليهم أن يجابهوا بالمنع منه منعا باتا، فنزل في شأنه أولا قوله تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) البقرة/٢١٩، فكان في هذه الآية تهيئة للنفوس لقبول تحريمه، حيث إن العقل يقتضي أن لا يمارس شيئا إثمه أكبر من نفعه.
ثم نزل ثانيا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) النساء/٤٣، فكان في هذه الآية تمرين على تركه في بعض الأوقات، وهي أوقات الصلوات.
ثم نزل ثالثا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) المائدة/٩٠-٩٢.
فكان في هذه الآيات المنع من الخمر منها باتا في جميع الأوقات، بعد أن هيئت النفوس، ثم مرنت على المنع منه في بعض الأوقات" انتهى.
" تفسير القرآن "
http://www.ibnothaimeen.com/all/books/article_١٦٨٠٤.shtml
وقد دل على وقوع هذا التدرج في التشريع أحاديث كثيرة:
١- عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً. فَنَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) الْآيَةَ، قَالَ: فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً. فَنَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) ، فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ يُنَادِي: أَلَا لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ. فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) قَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا) رواه أبو داود (٣٦٧٠) وصححه الألباني في صحيح أبو داود.
٢- وعن أبي هريرة ﵁ قال: (حُرِّمَتْ الْخَمْرُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَأْكُلُونَ الْمَيْسِرَ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ : (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَ النَّسُ مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، إِنَّمَا قَالَ: (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) . وَكَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ مِنْ الْأَيَّامِ صَلَّى رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ أَمَّ أَصْحَابَهُ فِي الْمَغْرِبِ خَلَطَ فِي قِرَاءَتِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا آيَةً أَغْلَظَ مِنْهَا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) ، وَكَانَ النَّاسُ يَشْرَبُونَ حَتَّى يَأْتِيَ أَحَدُهُمْ الصَّلَاةَ وَهُوَ مُفِيقٌ. ثُمَّ أُنْزِلَتْ آيَةٌ أَغْلَظُ مِنْ ذَلِكَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فَقَالُوا انْتَهَيْنَا رَبَّنَا) رواه أحمد في " المسند " (١٤/٢٦٧) وحسنه المحققون في طبعة مؤسسة الرسالة.
وقد انعقد إجماع الأمة إجماعاً قطعياً على تحريم الخمر، وأن شربها من كبائر الذنوب، وأن شاربها تقام عليه العقوبة الشرعية في الدنيا وهي: الحد.
وعلى هذا، فالآية المسؤول عنها، هي مرحلة من مراحل تحريم شرب الخمر، وليست هي المرحلة النهائية التي استقر عليها الحكم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1405
معنى قوله تعالى: (ولا تنس نصيبك من الدنيا)
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى الآية: (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لأهل العلم في تفسير هذه الآية قولان مشهوران:
القول الأول:
أن المعني: لا تنس نصيبك مما أباح الله لك فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح، فإن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقا.
"تفسير ابن كثير" (٦/٢٥٣) .
وهذا قول الحسن وقتادة وابن جريج.
وقد سئل الإمام مَالِكٌ ﵀ عَنْ هذه الآية فَقَالَ: (أَنْ يَعِيشَ وَيَأْكُلَ وَيَشْرَبَ غَيْرَ مُضَيِّقٍ عَلَيْهِ فِي رَأْيٍ) انتهى.
"المنتقى" (٤ / ٣٠٢) .
ويؤيده قوله تعالى قبلها: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ) أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة، في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات، التي يحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة، ولا تنس مع ذلك نصيبك من الدنيا.
فلا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك وتبقى ضائعا، بل أنفق لآخرتك، واستمتع بدنياك استمتاعا لا يضر دينك، ولا يضر بآخرتك.
راجع: "تفسير الطبري" (١٩ / ٦٢٥) - "تفسير ابن كثير" (٦/٢٥٣) – "زاد المسير" (٦/٢٤١) - "تفسير السعدي" (ص/٦٢٣) .
"والإسلام وسط في العمل للدنيا والآخرة، فكل منهما عبادة لله تعالى، وتحقيق لغاية الوجود الإنساني ضمن شروط معينة، بينما تأرجحت المذاهب الأخرى بين الاهتمام بالنواحي المادية الذي يظهر في المدنية الغربية الحديثة، وأصبح معبودها هو المال والقوة والرفاهية والرقي المادي - وبين الإزراء بهذا الرقي المادي والمتاع الدنيوي كما هو الشأن في المذاهب التي تدعو إلى الرهبنة وتعذيب الجسد من أجل الروح وتهذيبها للوصول إلى مرحلة الفناء، أما الإسلام فيقول الله تعالى: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) البقرة /٢٠١، وقوله: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) القصص/٧٧ ".
"بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو" (ص/٤٠٠) .
والقول الثاني:
لا تنس نصيبك من الدنيا بأن تعمل فيها للآخرة.
وهذا القول اختاره أكثر المفسرين، وهو قول عبد الله بن عباس ﵄.
قال الشوكاني:
"قال جمهور المفسرين: وهو أن يعمل في دنياه لآخرته، ونصيبُ الإنسان: عمرهُ وعملُه الصالح. قال الزجاج: معناه: لا تنس أن تعمل لآخرتك، لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا الذي يعمل به لآخرته" انتهى.
"فتح القدير" (٤/٢٦٦) .
وعن مجاهد قال: عمرك تعمل فيه لآخرتك. "تفسير ابن أبى حاتم" (٩ / ٣٠١٠) .
وقال مجاهد أيضا: لا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة حتى تنجو من العذاب، لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا أن يعمل للآخرة.
"تفسير البغوي" (٦ / ٢٢١) .
وقال عون بن عبد الله: إن قوما يضعونها على غير موضعها (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا) :
تعمل فيها بطاعة الله.
"تفسير الطبري" (١٩ / ٥٢٤) .
وقال الطبري يقول: ولا تترك نصيبك وحظك من الدنيا، أن تأخذ فيها بنصيبك من الآخرة، فتعمل فيه بما ينجيك غدا من عقاب الله.
"تفسير الطبري" (١٩ / ٥٢٤) .
وقال القرطبي: "اختلف فيه؛ فقال ابن عباس والجمهور: لا تضيع عمرك في ألا تعمل عملا صالحا في دنياك؛ إذ الآخرة إنما يعمل لها، فنصيبُ الإنسان: عمره وعمله الصالح فيها، فالكلام على هذا التأويل شدة في الموعظة.
وقال الحسن وقتادة: معناه: لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك. فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به وإصلاح الأمر الذي يشتهيه" انتهى.
"الجامع لأحكام القرآن" (١٣ / ٣١٤) .
ولا منافاة بين القولين فالمؤمن لا ينسى نصيبه من الدنيا ـ فيتمتع بها تمتعاً مباحاً، لا يجره إلى الحرام، ويستعين بهذا المباح على طاعة الله تعالى، فهو ترويح عن النفس، واستجماع لنشاطها.
والمؤمن لا ينسى نصيبه من الدنيا، وهو عمله الصالح الذي سيصحبه في قبره، ولهذا أثنى الله تعالى على من يدعو قائلاً: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) البقرة/٢٠١.
قال ابن كثير:
" فجمعت هذه الدعوةُ كلَّ خير في الدنيا، وصرَفت كلّ شر؛ فإن الحسنة في الدنيا تشملُ كلّ مطلوب دنيوي، من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عباراتُ المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا.
وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العَرَصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة " انتهى.
"تفسير ابن كثير" (١/٥٥٨) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →