Полный текст (16 344 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
سبب نزول سورة الكافرون
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو سبب نزول سورة " الكافرون "؟ وما هي قصتها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جاء في سبب نزول هذه السورة أن كفار قريش عرضوا على النبي ﷺ أن يعبدوا الله ويقبلوا ما جاء به، بشرط أن يشاركهم في عبادة آلهتهم الباطلة بعض الزمان، فنزلت هذه السورة تقطع كل مفاوضات لا تفضي إلى تحقيق التوحيد الكامل لله رب العالمين.
فعن ابن عباس ﵄:
(أن قريشا وعدوا رسول الله ﷺ أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزّوجوه ما أراد من النساء، ويطئوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد، وكفّ عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح. قال: ما هي؟ قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزي، ونعبد إلهك سنة، قال: حتى أنْظُرَ ما يأْتي مِنْ عِنْدِ رَبّي. فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) السورة، وأنزل الله: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ) ... إلى قوله: (فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) .
رواه ابن أبي حاتم في " التفسير " (١٠/٣٤٧١) ، والطبري في " جامع البيان " (٢٤/٧٠٣) ، والطبراني في " المعجم الصغير " (٧٥١)
جميعهم من طريق أبي خلف عبد الله بن عيسى الخزاز الحداد، ثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ به.
وقال الطبراني: لم يروه عن داود بن أبي هند إلا عبد الله بن عيسى ... أحاديثه أفراد كلها. انتهى.
وعبد الله بن عيسى الخزاز ضعيف عند عامة العلماء، لا سيما رواياته عن داود بن أبي هند.
انظر ترجمته في " تهذيب التهذيب " (٥/٣٥٣) .
وعن سعيد بن مينا مولى البَختري قال:
لقي الوليد بن المُغيرة والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأميَّة بن خلف، رسولَ الله، فقالوا: يا محمد! هلمّ فلنعبد ما تعبد، وتعبدْ ما نعبد، ونُشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا كنا قد شَرِكناك فيه، وأخذنا بحظنا منه ; وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك كنت قد شَرِكتنا في أمرنا، وأخذت منه بحظك، فأنزل الله: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) حتى انقضت السورة.
رواه الطبري في " جامع البيان " (٢٤/٧٠٣) قال: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني سعيد بن مينا مولى البَختري به.
وسعيد بن ميناء من أوساط التابعين، فروايته مرسلة ضعيفة.
وقال السيوطي ﵀:
"أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن وهب قال: قالت قريش للنبي ﷺ : إن سرك أن نتبعك عاما وترجع إلى ديننا عاما، فأنزل الله: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) إلى آخر السورة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، عن ابن عباس ﵄: أن قريشا قالت: لو استلمت آلهتنا لعبدنا إلهك، فأنزل الله: (قل يا أيها الكافرون) السورة كلها" انتهى.
"الدر المنثور" (٨/٦٥٥) .
والحاصل: أن الآثار السابقة – وإن ضعفت أسانيد أفرادها – إلا أنها تتقوى بمجموعها، ويشهد بعضها لبعض، خاصة وأنه ليس في متنها ما يستنكر، ووافقت ظاهر القرآن الكريم، ولذلك صحح مضمونها الشيخ الألباني ﵀ في " صحيح السيرة النبوية " (٢٠١) ، وانظر: " السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية " (ص/١٧٥) .
وأما معنى السورة:
فقال ابن جرير الطبري ﵀:
" يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ وكان المشركون من قومه فيما ذكر عرضوا عليه أن يعبدوا الله سنة، على أن يعبد نبيّ الله ﷺ آلتهم سنة - فأنزل الله معرفة جوابهم في ذلك:
(قُلْ) يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوك عبادة آلهتهم سنة، على أن يعبدوا إلهك سنة (يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) بالله (لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) من الآلهة والأوثان الآن (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) الآن (وَلا أَنَا عَابِدٌ) فيما أستقبل (مَا عَبَدْتُمْ) فيما مضى (وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ) فيما تستقبلون أبدا (مَا أَعْبُدُ) أنا الآن، وفيما أستقبل. وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأن الخطاب من الله كان لرسول الله ﷺ في أشخاص بأعيانهم من المشركين، قد علم أنهم لا يؤمنون أبدا، وسبق لهم ذلك في السابق من علمه، فأمر نبيه ﷺ أن يؤيسهم من الذي طمعوا فيه، وحدّثوا به أنفسهم، وأن ذلك غير كائن منه ولا منهم في وقت من الأوقات، وآيس نبي الله ﷺ من الطمع في إيمانهم، ومن أن يفلحوا أبدا، فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا، إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف، وهلك بعض قبل ذلك كافرا، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت به الآثار " انتهى.
" جامع البيان " (٢٤/٧٠٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1402
تفسير قوله تعالى: (وَمِنْ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)
[السُّؤَالُ]
ـ[ (وَمِنْ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمْ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) سألني أحدهم عن معنى الآية السابقة، لكني لم أجبه لأني لا أعرف، فهل بوسعكم رجاء إخباري بمعنى الآية السابقة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
هذه الآية التي في سورة التوبة تتحدث عن الأعراب وليس عن العرب، وفرق بين اللفظين، فالعرب هم الجنس المعروف الذي ينقسم إلى حضر وبدو، والحضر هم ساكنو المدن والقرى، أما البدو فهم " الأعراب " سكان البادية، وهؤلاء هم الذين تخبر عنهم الآيات الكريمات في سورة التوبة.
قال النووي ﵀:
"أهل البادية هم الأعراب، ويغلب فيهم الجهل والجفاء، ولهذا جاء في الحديث: (من بدا جفا) ، والبادية والبدو بمعنًى [واحد] : وهو ما عدا الحاضرة والعمران. والنسبة إليها بدوي " انتهى.
"شرح مسلم" (١/١٦٩) .
وقال الدكتور جواد علي:
" المجتمع العربي: بدو وحضر. .
ويعرف الحضر، وهم العرب المستقرون بـ " أهل المدر "، عرفوا بذلك لأن أبنية الحضر إنما هي بالمدر. والمدر: قطع الطين اليابس.
وورد أن أهل البادية إنما قيل لهم " أهل الوبر "، لأن لهم أخبية الوبر. تمييزاً لهم عن أهل الحضر الذين لهم مبان من المدر.
وتطلق لفظة " عرب " على أهل المدر خاصة، أي على الحضر و " الحاضر " و " الحاضرة " من العرب، أما أهل البادية فعرفوا بـ " أعراب ". " انتهى باختصار.
" المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام " (٤/٢٧١) .
ثانياً:
أما الآيات الواردة في ذلك في سورة التوبة، فهي قول الله تعالى: (الأعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) التوبة/٩٧-٩٩.
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
"أخبر تعالى أن في الأعراب كفارا ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشد، وأجدر: أي: أحرى ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ... عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غَفَل، ومن أتى السلطان افتتن) رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن غريب....
وقوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أي: عليم بمن يستحق أن يعلمه الإيمان والعلم، (حَكِيمٌ) فيما قسم بين عباده من العلم والجهل والإيمان والكفر والنفاق، لا يسأل عما يفعل لعلمه وحكمته. وأخبر تعالى أن منهم (مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ) أي: في سبيل الله (مَغْرَمًا) أي: غرامة وخسارة، (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ) أي: ينتظر بكم الحوادث والآفات، (عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ) أي: هي منعكسة عليهم والسوء دائر عليهم، (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي: سميع لدعاء عباده، عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان.
وقوله: (وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ) ، هذا هو القسم الممدوح من الأعراب، وهم الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله، ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم، (أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ) أي: ألا إن ذلك حاصل لهم (سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) " انتهى.
"تفسير القرآن العظيم" (٤/٢٠١-٢٠٢) .
وقال العلامة السعدي ﵀:
" يقول تعالى: (الأعْرَاب) وهم سكان البادية والبراري (أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا) من الحاضرة الذين فيهم كفر ونفاق، وذلك لأسباب كثيرة:
منها: أنهم بعيدون عن معرفة الشرائع الدينية والأعمال والأحكام، فهم أحرى (وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) من أصول الإيمان وأحكام الأوامر والنواهي، بخلاف الحاضرة، فإنهم أقرب لأن يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، فيحدث لهم - بسبب هذا العلم - تصورات حسنة، وإرادات للخير الذي يعلمون، ما لا يكون في البادية. وفيهم من لطافة الطبع والانقياد للداعي ما ليس في البادية، ويجالسون أهل الإيمان، ويخالطونهم أكثر من أهل البادية، فلذلك كانوا أحرى للخير من أهل البادية، وإن كان في البادية والحاضرة، كفار ومنافقون، ففي البادية أشد وأغلظ مما في الحاضرة.
ومن ذلك أن الأعراب أحرص على الأموال، وأشح فيها. فمنهم (مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ) من الزكاة والنفقة في سبيل الله وغير ذلك (مَغْرَمًا) أي: يراها خسارة ونقصا، لا يحتسب فيها، ولا يريد بها وجه الله، ولا يكاد يؤديها إلا كرها.
(ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ) أي: من عداوتهم للمؤمنين وبغضهم لهم، أنهم يودون وينتظرون فيهم دوائر الدهر، وفجائع الزمان، وهذا سينعكس عليهم فعليهم دائرة السوء.
وأما المؤمنون فلهم الدائرة الحسنة على أعدائهم، ولهم العقبى الحسنة، (وَاللَّهُ سميع عليم) يعلم نيات العباد وما صدرت عنه الأعمال من إخلاص وغيره.
وليس الأعراب كلهم مذمومين، بل منهم (مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) فيسلم بذلك من الكفر والنفاق، ويعمل بمقتضى الإيمان. (وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ) أي: يحتسب نفقته، ويقصد بها وجه الله تعالى والقرب منه. (و) يجعلها وسيلة لـ (صَلَوَاتِ الرَّسُولِ) أي: دعائه لهم، وتبريكه عليهم، قال تعالى مبينا لنفع صلوات الرسول: (أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ) تقربهم إلى الله، وتنمي أموالهم، وتحل فيها البركة. (سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ) في جملة عباده الصالحين إنه غفور رحيم، فيغفر السيئات العظيمة لمن تاب إليه، ويعم عباده برحمته التي وسعت كل شيء، ويخص عباده المؤمنين برحمة يوفقهم فيها إلى الخيرات، ويحميهم فيها من المخالفات، ويجزل لهم فيها أنواع المثوبات.
وفي هذه الآية دليل على أن الأعراب كأهل الحاضرة، منهم الممدوح ومنهم المذموم، فلم يذمهم الله على مجرد تعربهم وباديتهم، إنما ذمهم على ترك أوامر الله، وأنهم في مظنة ذلك.
ومنها: أن الكفر والنفاق يزيد وينقص ويغلظ ويخف بحسب الأحوال.
ومنها: فضيلة العلم، وأن فاقده أقرب إلى الشر ممن يعرفه، لأن الله ذم الأعراب، وأخبر أنهم أشد كفرا ونفاقا، وذكر السبب الموجب لذلك، وأنهم أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله.
ومنها: أن العلم النافع الذي هو أنفع العلوم، معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله، من أصول الدين وفروعه، كمعرفة حدود الإيمان، والإسلام، والإحسان، والتقوى، والفلاح، والطاعة، والبر، والصلة، والإحسان، والكفر، والنفاق، والفسوق، والعصيان، والزنا، والخمر، والربا، ونحو ذلك، فإن في معرفتها يُتَمَكَّن من فعلها - إن كانت مأمورا بها، أو تركها إن كانت محظورة، ومن الأمر بها، أو النهي عنها.
ومنها: أنه ينبغي للمؤمن أن يؤدي ما عليه من الحقوق، منشرح الصدر، مطمئن النفس، ويحرص أن تكون مغنما، ولا تكون مغرما " انتهى.
" تيسير الكريم الرحمن " (٣٩٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1403
من هو تبع المذكور في القرآن الكريم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد من فضيلتكم إلقاء بعض الضوء مما ثبت عن تُبع الذي ورد ذكره في الآية: (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) والآية (وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) وهل كان تبع هذا شخصاً؟ وهل كان موحدًا أم كافرًا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذكر الله تعالى في القرآن الكريم " تبعا " هذا في موضعين اثنين، في معرض الإخبار عن كفر قومه وذكر ما حل بهم من عذاب الله وسخطه.
قال الله تعالى: (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) الدخان/٣٧.
وقال سبحانه: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ. وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ. وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) ق/١٢-١٤.
وكان تبع هذا ـ كما ذكر المفسرون ـ أحد ملوك اليمن، وكان مشركاً ثم أسلم، وكان يعبد الله على شريعة موسى ﵇، وقد توقف نبينا ﷺ في شأنه، في بادئ الأمر، هل كان رجلاً صالحاً أم لا؟ ثم بعد ذلك نزل عليه الوحي بأنه كان رجلاً صالحاً، فنهانا عن سبه فقال ﷺ : (لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ أَسْلَمَ) رواه أحمد في " المسند " (٣٧/٥١٩) عن سهل بن سعد ﵁ وقال المحققون: حسن لغيره. وحسنه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢٤٢٣) .
وقد ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره شيئاً من سيرة تبع هذا، فقال:
" كانت حِمْيَر - وهم سبأ - كلما ملك فيهم رجل سموه " تُبَّعًا "، كما يقال: كسرى: لمن ملك الفرس، وقيصر: لمن ملك الروم، وفرعون: لمن ملك مصر كافرا، والنجاشي: لمن ملك الحبشة، وغير ذلك من أعلام الأجناس.
ولكن اتفق أن بعض تبابعتهم خرج من اليمن، وسار في البلاد حتى وصل إلى سمرقند، واشتد ملكه وعظم سلطانه وجيشه، واتسعت مملكته وبلاده، وكثرت رعاياه، وهو الذي مَصَّر الحيرة، فاتفق أنه مَرَّ بالمدينة النبوية وذلك في أيام الجاهلية، فأراد قتال أهلها فمانعوه وقاتلوه بالنهار، وجعلوا يَقْرُونه بالليل، فاستحيا منهم وكف عنهم، واستصحب معه حبرين من أحبار يهود كانا قد نصحاه وأخبراه أنه لا سبيل له على هذه البلدة؛ فإنها مُهَاجَرُ نبي يكون في آخر الزمان، فرجع عنها وأخذهما معه إلى بلاد اليمن، فلما اجتاز بمكة أراد هدم الكعبة، فنهياه عن ذلك أيضًا، وأخبراه بعظمة هذا البيت، وأنه من بناية إبراهيم الخليل، وأنه سيكون له شأن عظيم على يدي ذلك النبي المبعوث في آخر الزمان، فعظمها وطاف بها، وكساها الملاء والوصائل والحبير، ثم كر راجعًا إلى اليمن، ودعا أهلها إلى التهود معه، وكان إذ ذاك دين موسى ﵇، فيه من يكون على الهداية قبل بعثة المسيح ﵇، فتهود معه عامة أهل اليمن.
وقد ذكر القصة بطولها الإمام محمد بن إسحاق في كتابه السيرة، وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ترجمة حافلة، أورد فيها أشياء كثيرة مما ذكرنا ومما لم نذكر، وذكر أنه ملك دمشق، وأنه كان إذا استعرض الخيل صُفَّت له من دمشق إلى اليمن.
ثم ساق من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
(ما أدري الحدود طهارة لأهلها أم لا؟ ولا أدري تبع لعينًا كان أم لا؟ ولا أدري ذو القرنين نبيًّا كان أم ملكا) ، وقال غيره: (أعزيرًا كان نبيًّا أم لا؟) . – رواه أبو داود (٤٦٧٤) -
وكأنه - والله أعلم - كان كافرًا ثم أسلم وتابع دين الكليم على يدي من كان من أحبار اليهود في ذلك الزمان على الحق قبل بعثة المسيح ﵇، وحج البيت في زمن الجُرهُميين، وكساه الملاء والوصائل من الحرير والحبر، ونحر عنده ستة آلاف بدنة، وعظمه وأكرمه. ثم عاد إلى اليمن.
وقد ساق قصته بطولها الحافظ ابن عساكر من طرق متعددة مطولة مبسوطة، عن أبي بن كعب، وعبد الله بن سلام، وعبد الله بن عباس، وكعب الأحبار، وإليه المرجع في ذلك كله، وإلى عبد الله بن سلام أيضًا، وهو أثبت وأكبر وأعلم.
وكذا روى قصته وهب بن مُنَبِّه، ومحمد بن إسحاق في السيرة، كما هو مشهور فيها.
وقد اختلط على الحافظ ابن عساكر في بعض السياقات ترجمة " تُبَّع " هذا بترجمة آخر متأخر عنه بدهر طويل، فإن " تُبَّعًا " هذا المشار إليه في القرآن أسلم قومه على يديه، ثم لما مات عادوا بعده إلى عبادة الأصنام والنيران، فعاقبهم الله تعالى كما ذكره في سورة سبأ.
وقال سعيد بن جبير: كسا " تُبَّعٌ " الكعبة، وكان سعيد ينهى عن سبه.
و" تُبَّع " هذا هو تُبَّع الأوسط، واسمه أسعد أبو كُرَيْب بن مَلْكيكرب اليماني، ذكروا أنه ملك على قومه ثلاثمائة سنة وستا وعشرين سنة، ولم يكن في حمير أطول مدة منه، وتوفي قبل مبعث رسول الله ﷺ بنحو من سبعمائة عام، وذكروا أنه لما ذكر له الحبران من يهود المدينة أن هذه البلدة مُهَاجَرُ نبي في الزمان اسمه أحمد قال في ذلك شعرا واستودعه عند أهل المدينة، وكانوا يتوارثونه ويروونه خلفًا عن سلف، وكان ممن يحفظه أبو أيوب خالد بن زيد الذي نزل رسول الله ﷺ في داره، وهو:
شَهِدْتُ عَلَى أَحْمَدَ أنَّه ... رَسُولٌ مِنَ اللهِ بَاري النَّسَم ...
فَلَو مُدَّ عُمْري إلى عُمْرِهِ ... لَكُنْت وَزيرا له وابن عَم ...
وَجَاهَدْتُ بالسَّيفِ أعْدَاءَهُ ... وَفرَّجتُ عَنْ صَدْرِه كُلَّ غَم ...
وذكر ابن أبي الدنيا أنه حُفِر قبر بصنعاء في الإسلام، فوجدوا فيه امرأتين صحيحتين، وعند رءوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب: " هذا قبر حبي ولميس – وروي: حبي وتماضر- ابنتي " تُبَّع "، ماتتا وهما تشهدان أن لا إله إلا الله ولا تشركان به شيئًا، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما.
قال قتادة: ذكر لنا أن كعبًا كان يقول في " تُبَّع ": نُعِت نَعْت الرجل الصالح، ذم الله تعالى قومه ولم يذمه، قال: وكانت عائشة تقول: لا تسبوا " تُبَّعًا "؛ فإنه قد كان رجلا صالحًا " انتهى باختصار.
" تفسير القرآن العظيم " (٧/٢٥٦-٢٥٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1404
تفسير قوله تعالى: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى)
[السُّؤَالُ]
ـ[ما سبب نزول الآية في القرآن الكريم: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) حيث إن هناك من يعللها بأن شرب الخمر يجوز بعد الصلاة.. وأستغفر الله العظيم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه الآية تمثل مرحلة من مراحل التشريع الإسلامي في التدرج في تحريم الخمر، فكان التحريم فيها مؤقتاً بوقت الصلاة، وكانوا يشربونها في غير أوقات الصلاة، ثم نزل بعد ذلك التحريم النهائي والقطعي للخمر.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
"التدرج في التشريع حتى يصل إلى درجة الكمال، كما في آيات الخمر الذي نشأ الناس عليه وألفوه، وكان من الصعب عليهم أن يجابهوا بالمنع منه منعا باتا، فنزل في شأنه أولا قوله تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) البقرة/٢١٩، فكان في هذه الآية تهيئة للنفوس لقبول تحريمه، حيث إن العقل يقتضي أن لا يمارس شيئا إثمه أكبر من نفعه.
ثم نزل ثانيا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) النساء/٤٣، فكان في هذه الآية تمرين على تركه في بعض الأوقات، وهي أوقات الصلوات.
ثم نزل ثالثا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) المائدة/٩٠-٩٢.
فكان في هذه الآيات المنع من الخمر منها باتا في جميع الأوقات، بعد أن هيئت النفوس، ثم مرنت على المنع منه في بعض الأوقات" انتهى.
" تفسير القرآن "
http://www.ibnothaimeen.com/all/books/article_١٦٨٠٤.shtml
وقد دل على وقوع هذا التدرج في التشريع أحاديث كثيرة:
١- عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً. فَنَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) الْآيَةَ، قَالَ: فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً. فَنَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) ، فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ يُنَادِي: أَلَا لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ. فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) قَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا) رواه أبو داود (٣٦٧٠) وصححه الألباني في صحيح أبو داود.
٢- وعن أبي هريرة ﵁ قال: (حُرِّمَتْ الْخَمْرُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَأْكُلُونَ الْمَيْسِرَ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ : (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَ النَّسُ مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، إِنَّمَا قَالَ: (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) . وَكَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ مِنْ الْأَيَّامِ صَلَّى رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ أَمَّ أَصْحَابَهُ فِي الْمَغْرِبِ خَلَطَ فِي قِرَاءَتِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا آيَةً أَغْلَظَ مِنْهَا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) ، وَكَانَ النَّاسُ يَشْرَبُونَ حَتَّى يَأْتِيَ أَحَدُهُمْ الصَّلَاةَ وَهُوَ مُفِيقٌ. ثُمَّ أُنْزِلَتْ آيَةٌ أَغْلَظُ مِنْ ذَلِكَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فَقَالُوا انْتَهَيْنَا رَبَّنَا) رواه أحمد في " المسند " (١٤/٢٦٧) وحسنه المحققون في طبعة مؤسسة الرسالة.
وقد انعقد إجماع الأمة إجماعاً قطعياً على تحريم الخمر، وأن شربها من كبائر الذنوب، وأن شاربها تقام عليه العقوبة الشرعية في الدنيا وهي: الحد.
وعلى هذا، فالآية المسؤول عنها، هي مرحلة من مراحل تحريم شرب الخمر، وليست هي المرحلة النهائية التي استقر عليها الحكم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1405
معنى قوله تعالى: (ولا تنس نصيبك من الدنيا)
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى الآية: (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لأهل العلم في تفسير هذه الآية قولان مشهوران:
القول الأول:
أن المعني: لا تنس نصيبك مما أباح الله لك فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح، فإن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقا.
"تفسير ابن كثير" (٦/٢٥٣) .
وهذا قول الحسن وقتادة وابن جريج.
وقد سئل الإمام مَالِكٌ ﵀ عَنْ هذه الآية فَقَالَ: (أَنْ يَعِيشَ وَيَأْكُلَ وَيَشْرَبَ غَيْرَ مُضَيِّقٍ عَلَيْهِ فِي رَأْيٍ) انتهى.
"المنتقى" (٤ / ٣٠٢) .
ويؤيده قوله تعالى قبلها: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ) أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة، في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات، التي يحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة، ولا تنس مع ذلك نصيبك من الدنيا.
فلا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك وتبقى ضائعا، بل أنفق لآخرتك، واستمتع بدنياك استمتاعا لا يضر دينك، ولا يضر بآخرتك.
راجع: "تفسير الطبري" (١٩ / ٦٢٥) - "تفسير ابن كثير" (٦/٢٥٣) – "زاد المسير" (٦/٢٤١) - "تفسير السعدي" (ص/٦٢٣) .
"والإسلام وسط في العمل للدنيا والآخرة، فكل منهما عبادة لله تعالى، وتحقيق لغاية الوجود الإنساني ضمن شروط معينة، بينما تأرجحت المذاهب الأخرى بين الاهتمام بالنواحي المادية الذي يظهر في المدنية الغربية الحديثة، وأصبح معبودها هو المال والقوة والرفاهية والرقي المادي - وبين الإزراء بهذا الرقي المادي والمتاع الدنيوي كما هو الشأن في المذاهب التي تدعو إلى الرهبنة وتعذيب الجسد من أجل الروح وتهذيبها للوصول إلى مرحلة الفناء، أما الإسلام فيقول الله تعالى: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) البقرة /٢٠١، وقوله: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) القصص/٧٧ ".
"بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو" (ص/٤٠٠) .
والقول الثاني:
لا تنس نصيبك من الدنيا بأن تعمل فيها للآخرة.
وهذا القول اختاره أكثر المفسرين، وهو قول عبد الله بن عباس ﵄.
قال الشوكاني:
"قال جمهور المفسرين: وهو أن يعمل في دنياه لآخرته، ونصيبُ الإنسان: عمرهُ وعملُه الصالح. قال الزجاج: معناه: لا تنس أن تعمل لآخرتك، لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا الذي يعمل به لآخرته" انتهى.
"فتح القدير" (٤/٢٦٦) .
وعن مجاهد قال: عمرك تعمل فيه لآخرتك. "تفسير ابن أبى حاتم" (٩ / ٣٠١٠) .
وقال مجاهد أيضا: لا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة حتى تنجو من العذاب، لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا أن يعمل للآخرة.
"تفسير البغوي" (٦ / ٢٢١) .
وقال عون بن عبد الله: إن قوما يضعونها على غير موضعها (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا) :
تعمل فيها بطاعة الله.
"تفسير الطبري" (١٩ / ٥٢٤) .
وقال الطبري يقول: ولا تترك نصيبك وحظك من الدنيا، أن تأخذ فيها بنصيبك من الآخرة، فتعمل فيه بما ينجيك غدا من عقاب الله.
"تفسير الطبري" (١٩ / ٥٢٤) .
وقال القرطبي: "اختلف فيه؛ فقال ابن عباس والجمهور: لا تضيع عمرك في ألا تعمل عملا صالحا في دنياك؛ إذ الآخرة إنما يعمل لها، فنصيبُ الإنسان: عمره وعمله الصالح فيها، فالكلام على هذا التأويل شدة في الموعظة.
وقال الحسن وقتادة: معناه: لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك. فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به وإصلاح الأمر الذي يشتهيه" انتهى.
"الجامع لأحكام القرآن" (١٣ / ٣١٤) .
ولا منافاة بين القولين فالمؤمن لا ينسى نصيبه من الدنيا ـ فيتمتع بها تمتعاً مباحاً، لا يجره إلى الحرام، ويستعين بهذا المباح على طاعة الله تعالى، فهو ترويح عن النفس، واستجماع لنشاطها.
والمؤمن لا ينسى نصيبه من الدنيا، وهو عمله الصالح الذي سيصحبه في قبره، ولهذا أثنى الله تعالى على من يدعو قائلاً: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) البقرة/٢٠١.
قال ابن كثير:
" فجمعت هذه الدعوةُ كلَّ خير في الدنيا، وصرَفت كلّ شر؛ فإن الحسنة في الدنيا تشملُ كلّ مطلوب دنيوي، من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عباراتُ المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا.
وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العَرَصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة " انتهى.
"تفسير ابن كثير" (١/٥٥٨) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1406
لا تعارض بين إنجاء الله تعالى أهل نوح ﵇ وإغراق ولده
[السُّؤَالُ]
ـ[يقول الله في سورة الأنبياء عن نوح ﵇: (فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم) ويقول جل وعلا في سورة " الصافات ": (وجعلنا ذريته هم الباقين) ، ولكن يقول الله عن ابن نوح في سورة هود: (فحال بينهما الموج فكان من المغرقين) فكيف يمكن الجمع؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الله تعالى: (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ. وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) الأنبياء/٧٦-٧٧.
وقد فسر العلماء قوله تعالى: (فنجيناه وأهله) بأن معنى الأهل ههنا هم جميع أتباع نوح ﵇ الذين آمنوا به، سواء كانوا من قرابته أو لا.
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
" (وأهله) أي: الذين آمنوا به كما قال: (وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ) هود/٤٠" انتهى.
"تفسير القرآن العظيم" (٥/٣٥٤) .
وقال أبو بكر الجصاص ﵀:
" الأهل: اسم يقع على الزوجة، وعلى جميع من يشتمل عليه منزله، وعلى أتباع الرجل وأشياعه , قال الله تعالى: (إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ) العنكبوت/٣٣، فكان ذلك على جميع أهل منزله من أولاده وغيرهم , وقال: (فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ) الشعراء/١٧٠، ويقع على من اتبعه في دينه كقوله: (وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) الأنبياء/٧٦، فسمى أتباعه في دينه أهله ; وقال في ابنه: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) هود/٤٦، فاسم الأهل يقع على معاني مختلفة" انتهى.
"أحكام القرآن" (٢/٢٨٦) .
ويحتمل أن يكون المراد من أهله هنا أقاربه وزوجته، ولكن يستثنى منهم من دل القرآن على استثنائه، وأنه ليس من الناجين، بل من الهالكين، وقد دل القرآن على استثناء ابنه وامرأته.
قال العلامة الأمين الشنقيطي ﵀:
"قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ) يعني إلا من سبق عليه القول من أهله بالهلاك مع الكفرة الهالكين، كما قال تعالى: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَاّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) ، ومن سبق عليه القول منهم: ابنه المذكور في قوله: (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) ، وامرأته المذكورة في قوله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَةَ نُوحٍ) إلى قوله: (ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَاخِلِينَ) " انتهى.
"أضواء البيان" (٤/١٦٩) .
وعلى هذا فليس بين الآيات تعارض بوجه من الوجوه.
ولمزيد الفائدة انظر جواب السؤال رقم: (١٠٤٧٠) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1407
الأدب مع الله بإضافة الخير إليه، وإضافة الشر إلى غيره
[السُّؤَالُ]
ـ[قال تعالى في سورة الكهف (وأما السفينة فأردت أن أعيبها.... وأما الغلام....فأردنا أن يبدلهما ... وأما الجدار.....فأراد ربك أن ... ) والسؤال هو: لماذا ذكر في أمر السفينة على لسان الرجل الصالح أردت ونسب الإرادة إلى نفسه فقط , وفي الحالة الثانية نسبة الإرادة إلى الله وإلى نفسه , وفي الحالة الثالثة نسبة الإرادة إلى الله فقط , ثم قال: (وما فعلته عن أمري) ؟ فهل هناك تفسير لهذا الأمر من هذا الوجه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قول الخضر ﵇ عن السفينة: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا) هو من التأدب مع الله تعالى، حيث نسب إرادة العيب إلى نفسه، ولم ينسبه إلى الله مع أنه هو الذي قدَّره، تأدباً مع ربه سبحانه.
وأما قوله: (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا) فالإرادة هنا تخصه هو، وهو نبي، يفعل عن أمر الله، كما قال: (وما فعلته عن أمري) فناسب ضمير الجمع.
قال القرطبي ﵀:
" وقال في الغلام: (فأردنا) فكأنه أضاف القتل إلى نفسه، والتبديل إلى الله تعالى " انتهى.
"الجامع لأحكام القرآن" (١١ / ٤٠) .
وأما قوله: (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ)
فهو جار على الأصل من نسبة الخير إلى الله تعالى.
وقد كان من ثناء النبي ﷺ على الله تعالى قوله: (وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ) رواه مسلم (٧٧١) .
قال النووي:
" قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره: فِيهِ الْإِرْشَاد إِلَى الْأَدَب فِي الثَّنَاء عَلَى اللَّه تَعَالَى , وَمَدْحه بِأَنْ يُضَاف إِلَيْهِ مَحَاسِن الْأُمُور دُون مَسَاوِيهَا عَلَى جِهَة الْأَدَب " انتهى.
قال ابن القيم:
" الطريقة المعهودة في القرآن الكريم هي أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله ، فيذكر فاعلها منسوبة إليه ولا يبني الفعل معها للمفعول، فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة حذف وبني الفعل معها للمفعول أدبا في الخطاب، وإضافته إلى الله تعالى أشرف قسمي أفعاله.
فمنه قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) .
[يعني أنه في الإنعام قال: (أنعمت) وفي الغضب قال: (المغضوب عليهم) ولم يقل: غضبت عليهم] .
ونظيره قول إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه (الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين) الشعراء/٧٨-٨٠. فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله تعالى، ولما جاء إلى ذكر المرض قال: (وإذا مرضت) ولم يقل: (أمرضني) وقال: (فهو يشفين) .
ومنه قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن: (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا) الجن/١٠. فنسبوا إرادة الرشد إلى الرب، وحذفوا فاعل إرادة الشر، وبنوا الفعل للمفعول.
ومنه قول الخضر ﵊ في السفينة (فأردت أن أعيبها) فأضاف العيب إلى نفسه. وقال في الغلامين: (فأراد ربك أن يبلغا أشدهما) الكهف/٨٢ "
انتهى مختصرا.
"بدائع الفوائد" (٢/٢٥٦) .
" ومثله قوله: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان) الحجرات/٧. فنسب هذا التزيين المحبوب إليه، وقال: (زُيّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين ... ) آل عمران/١٤، فحذف الفاعل المُزَيِّن "
"بدائع الفوائد" (٢/٤٤٠) .
وقال القرطبي ﵀:
" أضاف عيب السفينة إلى نفسه رعاية للأدب؛ لأنها لفظة عيب فتأدب بأن لم يسند الإرادة فيها إلا إلى نفسه، كما تأدب إبراهيم ﵇ في قوله: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) فأسند الفعل قبل وبعد إلى الله تعالى، وأسند إلى نفسه المرض، إذ هو معنى نقصى ومصيبة، فلا يضاف إليه من الألفاظ إلا ما يستحسن منها دون ما يستقبح، وهذا كما
قال تعالى: (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) واقتصر عليه فلم ينسب الشر إليه، وإن كان بيده الخير والشر والضر والنفع، إذ هو على كل شيء قدير " انتهى.
"الجامع لأحكام القرآن" (١١ / ٣٩-٤٠) .
وقال ابن كثير في "تفسيره" (٦ / ١٤٦) :
" وقوله: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلَقْه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبا " انتهى.
وسئل الشيخ ابن باز ﵀:
ورد في سورة الكهف على لسان الرجل الصالح في قصته مع موسى ﵇، في قوله تعالى: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) إلى قوله تعالى: (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)
لاحظت أنه عند السفينة قال: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا) وعند ذكر الأبوين المؤمنين: (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا) وعند ذكر قصة اليتيمين صاحبي الجدار: (فَأَرَادَ رَبُّكَ) فما الفرق بين التعابير الثلاثة؟ وهل ذلك يعني أن للرجل الصالح إرادة في الأمر مع إرادة الله؟
فأجاب:
" الصحيح أن هذا الرجل هو الخضر صاحب موسى ﵊، وأنه نبي، وليس مجرد رجل صالح بل الصحيح أنه نبي، ولهذا قال: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) أي: بل عن أمر الله .
وجاء في القصة نفسها في الصحيح أنه قال لموسى: (إنك على علم من علم الله علمك الله إياه لا أعلمه أنا، وأنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت) .
فدل ذلك على أنه من الأنبياء، ولهذا قال: (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا)
وقال: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) والرسول يعلم إرادة الله حيث جاءه الوحي بذلك.
وفي قصة السفينة نسب الأمر إليه (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا) هذا والله أعلم لأن الرب سبحانه ينسب إليه الشيء الطيب، والعيب ظاهره ليس من الشيء الطيب، فنسبه إلى نفسه تأدبا مع ربه ، فقال: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا) وهذا عيب يراد منه أن تسلم السفينة حتى لا يأخذها الملك ; لأنه كان يأخذ كل سفينة صالحة سليمة فأراد الخضر أن يعيبها لتسلم من هذا الملك إذا رآها معيبة خاربة تسلم من شره وظلمه، فلما كان ظاهر الأمر لا يناسب ولا يليق إضافته لله نسبه لنفسه فقال: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا)
وعند ذكر الأبوين المؤمنين قال: (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا) كذلك لما كان أمرا طيبا نسبه إلى نفسه؛ لأنه مأمور من جهة الله (أردنا) ، وذكر نون الجمع؛ لأنه نبي، والنبي رجل عظيم فناسب أن يقول: (أردنا) ، ولأنه عن أمر الله وعن توجيه الله فناسب أن يقال فيه: (أردنا) ، ولأنه كان عملا طيبا ومناسبا وفيه مصلحة.
ولما كان أمر اليتيمين فيه خير عظيم وصلاح لهما، ومنفعة لهما قال: (فَأَرَادَ رَبُّكَ) فنسب الخير إليه ، وهذا من جنس قول الجن في سورة الجن، حيث قال سبحانه عن الجن: (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) الجن/١٠، فالشر لم يضيفوه إلى الله ، ولما جاء الرشد قالوا: (أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) فنسبوا الرشد إلى الله ، لأن الرشد خير فنسبوه إلى الله، وأما الشر فلا ينسب إليه، كما جاء في الحديث الصحيح: (والشر ليس إليك) ، وهذا من الأدب الصالح، من أدب الجن المؤمنين، ومن أدب الخضر ﵊ " انتهى.
"فتاوى نور على الدرب" (١ /١٠٩-١١١) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1408
كيف نمتثل قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف نمتثل هذه الآية ونطبقها في حياتنا، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نزلت هذه الآية تعلم الصحابة رضوان الله عليهم بعض الآداب في تعاملهم مع النبي الكريم محمد ﷺ ، وتحذرهم من التشبه بحال المنافقين الذين لا يراعون خلقاً ولا أدباً.
قال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) النور/٦٢.
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
"هذا أدب أرشد الله عبادَه المؤمنين إليه، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول، كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف، لا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه، من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة أو اجتماع لمشورة ونحو ذلك - أمرهم الله تعالى ألا ينصرفوا عنه والحالة هذه إلا بعد استئذانه ومشاورته، وأن من يفعل ذلك فهو من المؤمنين الكاملين.
ثم أمر رسوله صلوات الله وسلامه عليه إذا استأذنه أحد منهم في ذلك أن يأذن له إن شاء؛ ولهذا
قال: (فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلِّم، فإذا أراد أن يقوم فليسلِّم، فليست الأولى بأحق من الآخرة) رواه الترمذي وقال: حسن" انتهى باختصار.
"تفسير القرآن العظيم" (٦/٨٨) .
وقال العلامة السعدي ﵀:
"هذا إرشاد من الله لعباده المؤمنين، أنهم إذا كانوا مع الرسول ﷺ على أمر جامع، أي: من ضرورته أو من مصلحته أن يكونوا فيه جميعاً، كالجهاد، والمشاورة، ونحو ذلك من الأمور التي يشترك فيها المؤمنون، فإن المصلحة تقتضي اجتماعهم عليه وعدم تفرقهم، فالمؤمن بالله ورسوله حقاً لا يذهب لأمر من الأمور، لا يرجع لأهله، ولا يذهب لبعض الحوائج التي يشذ بها عنهم إلا بإذن من الرسول أو نائبه من بعده، فجعل موجب الإيمان عدم الذهاب إلا بإذن، ومدحهم على فعلهم هذا، وأدبهم مع رسوله، ووليّ الأمر منهم، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) .
ولكن هل يأذن لهم أم لا؟ ذكر لإذنه لهم شرطين:
أحدهما: أن يكون لشأن من شئونهم، وشغل من أشغالهم، فأما من يستأذن من غير عذر فلا يؤذن له.
والثاني: أن يشاء الإذن فتقتضيه المصلحة، من دون مضرة بالآذن، قال: (فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ) ، فإذا كان له عذر واستأذن، فإن كان في قعوده وعدم ذهابه مصلحة برأيه، أو شجاعته، ونحو ذلك، لم يأذن له، ومع هذا إذا استأذن وأذن له بشرطيه، أمر الله رسوله أن يستغفر له، لما عسى أن يكون مقصراً في الاستئذان، ولهذا قال: (وَاسْتَغْفِرْ لَهُم اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يغفر لهم الذنوب ويرحمهم، بأن جوز لهم الاستئذان مع العذر" انتهى.
"تيسير الكريم الرحمن" (٥٧٦) .
ثانياً:
أما في زماننا هذا فيمكننا الاستفادة من الآية وامتثالها بطرائق عدة، من أهمّها:
١- الالتزام بأحكام الشريعة وهدي النبي ﷺ ، ففي ذلك استئذان معنوي منه ﷺ .
قال ابن القيم ﵀: "فإذا جَعل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهباً إذا كانوا معه إلا باستئذانه، فأولى أن يكون مِن لوازمه أن لا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه وإذنه، يُعرَف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه" انتهى من "إعلام الموقعين" (١/٥١) .
٢- استئذان وليّ الأمر أو المسؤول قبل الانصراف من الأمر الجامع الذي هو من مصالح المسلمين. ولذلك بوب الإمام البخاري في صحيحه بقوله: " باب استئذان الرجل الإمام؛ لقوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) " انتهى.
وسبق في كلام السعدي ﵀ أن هذه الآية في حكم الاستئذان من الرسول ﷺ ووليّ الأمر.
وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٣/١٥٥) : "أقيمت الولايات رعاية للمصالح وحفاظا عليها، واستئذان من له الولاية في حدود ولايته أمر لا بد منه؛ لتستقيم الأمور وتحسم الفوضى، وهذا باب واسع، منه: إذا غزا الأمير بالناس لم يحلّ لأحد ممن معه أن يخرج من المعسكر ليحضر
الزاد والعتاد، ولا أن يبارز أحداً من العدو، ولا أن يحدث حدثاً إلا بإذنه؛ لأن الأمير أعرف بحال الناس، وحال العدو، ومكامنهم ومواضعهم وقربهم وبعدهم، فإذا خرج خارج بغير إذنه لم يأمن أن يصادف كميناً للعدو أو طليعة لهم فيأخذوه، أو يرحل الأمير بالمسلمين ويتركه فيهلك، ومن كان مع الجيش في الغزو فأراد الجيش أن ينتقل من موقع لآخر، وأراد بعض الجند التخلف لأمر ما، لا يحل لأحد منهم التخلف عن المسير مع الجيش، إلا بإذن. وإذا جمع الإمام أو الأمير أولي الرأي لاستشارتهم في أمر من الأمور، فليس لأحد منهم أن ينصرف بغير استئذان؛ لأنه قد يحتاج إلى رأيه؛ لقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ،
والآية ليست خاصة برسول الله ﷺ ؛ لأن الولاة خلفاء عن رسول الله ﷺ في رعاية المصالح العامة فتنطبق عليه الآية" انتهى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1409
العلاقة بين آية (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) وتنامي نفوذ الشيعة الآن
[السُّؤَالُ]
ـ[أتعتقد أن هذا الحديث له علاقة بما نمر به هذه الأيام من تنامي نفوذ الشيعة؟ وإذا كان الجواب بلا: فما تفسير هذا الحديث: عن أبي هريرة قال: لمَّا نزلت (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) كان سلمان إلى جنب رسول الله ﷺ , فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء القوم الذين إن تولينا استُبدلوا بنا؟ , قال: فضرب النبي ﷺ على منكب سلمان , فقال: (مِن هذا وَقَومِه , والذي نفسي بيده لَوْ أنَّ الدّينَ تَعَلَّقَ بالثُّرَيَّا لَنالَتْهُ رِجالٌ من أهْل فارِس) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
هذا الحديث رواه الترمذي (٣٢٦١) ، وفي إسناده مقال، وقد ضعفه كثير من أهل العلم، قال الترمذي بعد روايته له: غريب في إسناده مقال. وقال البغوي في "شرح السنة" (٧/٢٦١) : غريب. وقال ابن العربي في "عارضة الأحوذي" (٦/٣٣٠) : روي من طرق كثيرة لم تبلغ مرتبة الصحة. وقال الشوكاني في "فتح القدير" (٥/٦١) : في إسناده مسلم بن خالد الزنجي، فيه مقال معروف.
ورأى بعض العلماء أن تعدد طرق الحديث يقوي بعضها يعضاً، كالألباني ﵀، ولهذا صححه في صحيح الترمذي.
والقطعة الأخيرة من الحديث رواها البخاري (٤٦١٥) ومسلم (٢٥٤٦) ولفظها: (لَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَذَهَبَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ فَارِسَ - أَوْ قَالَ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ - حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ) .
وأما اللفظ الآخر وهو: (لَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ أُنَاسٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ) : فقد رواه أحمد في "مسنده" (١٣/٣٣١) وضعفه محققوه، وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٢٠٥٤) ، وفيها قوله: "وجملة القول: أن الحديث ضعيف بهذا اللفظ: "العلم"، وإنما الصحيح فيه: "الإيمان"، و "الدين". انتهى.
ثانياً:
هذا الحديث لا يدل على أن أهل فارس أفضل من الصحابة ﵃، وذلك للوجوه التالية:
الحديث في ذاته ضعيف عند كثير من أهل العلم، كما سبق.
على فرض صحة الحديث، فالآية المذكورة فيه وهي قوله تعالى: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) المراد منها التخويف فقط، وإلا فلا يوجد من هو أفضل من الصحابة ﵃، ولا مثلهم.
قال القرطبي ﵀:
"قوله تعالى: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ) هو إخبار عن القدرة، وتخويف لهم، لا أن في الوجود من هو خير من أصحاب رسول الله ﷺ " انتهى.
" تفسير القرطبي " (١٨ / ١٩٤) .
ج. لم يتفق العلماء والمفسرون على تفسير الآية بهذا الحديث، وأن القوم الذين سيأتون هم من فارس.
قال الماوردي ﵀:
" (يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ) فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنهم أهل اليمن، وهم الأنصار، قاله شريح بن عبيد.
الثاني: أنهم الفرس – وذكر حديث أبي هريرة -.
الثالث: أنهم مَن شاء مِن سائر الناس، قاله مجاهد" انتهى.
" النكت والعيون " (٥ / ٣٠٧، ٣٠٨) .
٣. وعلى فرض أن الآية في الردة، وأن المقصود بهم العرب، وأن القوم الذين سيحلون مكانهم هم " الفرس ": فإنها تحوي علماً غيبيّاً فيها بشارة للمسلمين من أهل الفرس أنه لا يحدث فيهم ردة عن الدِّين، وفيه إشارة لاحتمال وقوعها من غيرهم، وهو ما حصل بالفعل.
قال الطاهر بن عاشور ﵀:
"وأقول: هو يدل على أن " فارس " إذا آمنوا: لا يرتدون، وهو من دلائل نبوءة النبي ﷺ ؛ فإن العرب ارتد منهم بعض القبائل بعد وفاة النبي ﷺ ، وارتدّ البربر بعد فتح بلادهم وإيمانهم ثنتي عشرة مرة، فيما حكاه الشيخ أبو محمد بن أبي زيد، ولم يرتد أهل فارس بعد إيمانهم" انتهى.
" التحرير والتنوير " (٢٦ / ١٣٩) .
وعلى هذا؛ فلا تعلق للآية ولا الحديث بانتشار الرافضة في الأرض؛ لأن الكلام عن الفرس المسلمين، والرافضة الفرس ليسوا منهم.
فإما أن يقال: لم يحصل تولي عموماً لا عن الطاعة، ولا عن النفقة، فلم يحصل استبدال، أو يقال: حصل التولي من بعض العرب فجاء الله تعالى بالبديل من مسلمي الفرس، فخدموا دين الله تعالى، وساهموا في نشره، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في ذلك.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
"قال القرطبي: وقع ما قاله ﷺ عِياناً، فإنه وُجد منهم – أي: من الفرس - من اشتُهر ذِكرُه من حفَّاظ الآثار، والعناية بها، ما لم يشاركهم فيه كثيرٌ من أحدٍ غيرهم" انتهى.
" فتح الباري " (٨ / ٦٤٣) .
ولمعرفة بعض عقائد الشيعة الروافض التي خالفوا بها المسلمين انظر جواب السؤال رقم (٤٥٥٦٣) و (١١٨١٠١) و (٦٠٠٤٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1410
تفسير الإمام الشافعي لقوله تعالى ذلك أدنى ألا تعولوا
[السُّؤَالُ]
ـ[ما مدى صحة حديث (تزوجوا الولود الودود) ، وعن تفسير الشافعي لقوله تعالى في سورة النساء (ذلك أدنى ألا تعولوا) ، قال في تفسيره: أي لا تكثر عيالكم. كيف يجمع بين الحديث والتفسير إذا كان الحديث صحيحا؟ وجزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
وردت هذه الآية في شأن اليتيمة تكون في حجر وليها، ثم يرغب في نكاحها، من غير أن يعطيها مهر مثلها. قال الله تعالى:
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) النساء /٣.
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير الآية:
" إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة، وخاف ألا يعطيها مهر مثلها، فليعدل إلى ما سواها من النساء فإنهن كثير، ولم يضيق الله عليه.
وقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي: فإن خشيتم من تعداد النساء ألا تعدلوا بينهن كما قال تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) النساء/١٢٩، فمن خاف من ذلك فيقتصر على واحدة، أو على الجواري السراري، فإنه لا يجب قسم بينهن ولكن يستحب، فمن فعل فحسن، ومن لا فلا حرج " انتهى باختصار.
" تفسير القرآن العظيم " (٢/٢٠٨-٢١٢) .
ثانيا:
اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى: (ذلك أدنى ألا تعولوا) ، على قولين:
القول الأول: ذلك أدنى ألا تظلموا وتجوروا، وهذا قول جماهير المفسرين من الصحابة والتابعين والعلماء المحققين. روي ذلك عن وروى عن ابن عباس، وعائشة، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وأبي مالك وأبي رَزِين والنَّخعي، والشَّعْبي، والضحاك، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسُّدِّي، ومُقاتل بن حَيَّان وغيرهم.
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤/١٣) ، تفسير ابن كثير (٢/٢١٣) .
وهذا التفسير المروي عن جمهور السلف والعلماء، قد اختاره أيضا غير واحد من المحققين.
ينظر: " مجموع الفتاوى " لابن تيمية (٣٢/٧٠-٧١) ، " تفسير القرآن العظيم " (٢/٢١٢) .
قال الطحاوي ﵀:
" ولا نعلمه روي عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ في تأويلها غير هذا القول، وقد روي عن غير واحد من التابعين في تأويلها مثل ذلك أيضا ".
انتهى. " شرح مشكل الآثار" (١٤/٤٢٩) .
القول الثاني: ذلك أدنى ألا تكثر عيالكم. قال الإمام الشافعي ﵀:
" أَنْ لَا يَكْثُرَ من تَعُولُونَ إذَا اقْتَصَرَ الْمَرْءُ على وَاحِدَةٍ، وَإِنْ أَبَاحَ له أَكْثَرَ منها " انتهى.
الأم، للشافعي (٦/٢٧٥) ط دار الوفاء، وانظر: أحكام القرآن للشافعي، جمع البيهقي (١/٢٧٤) .
وروي هذا القول أيضا عن سفيان بن عيينة وزيد بن أسلم. انظر: تفسير ابن كثير (٢/٢١٢) .
وهذا القول الثاني، وإن كان خلاف المشهور في تفسيرها، وخلاف المعنى المتبادر منها، حتى صرح بعض أهل العلم بتغليطه، وأنه لا أصل له في اللغة؛ فقد انتصر لصحته في اللة غير واحد من أهل العلم، وصرح بعضهم بأنه لا تنافي بينه وبين القول الأول.
قال الإمام أبو منصور الأزهري ﵀:
" قال أكثر أهل التفسير: معناه: ذلك أقرب ألا تجوروا وتميلوا. وروى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال في قوله (ذلك أدنى ألا تعولوا) : أي أدنى ألا يكثر عيالكم.
قلت: وإلى هذا القول ذهب الشافعي، فيما أخبرني عبد الملك عن الربيع عنه.
قلت: والمعروف في كلام العرب: عال الرجل يعول، إذا جار، وأعال يُعيل إذا كثر عياله. " وقد روى أبو عمر عن أحمد بن يحيى عن سَلَمة عن الفراء، أن الكسائي قال: عال الرجل يَعيل: إذا افتقر، وأعال الرجل: إذا كثر عياله. قال الكسائي: ومن العرب الفصحاء من يقول: عال يعول: إذا كثر عياله.
قلت: وهذا يؤيد ما ذهب إليه الشافعي في تفسير الآية، لأن الكسائي لا يحكى عن العرب إلاّ ما حفظه وضبطه. وقول الشافعي نفسه حجَّة؛ لأنه عربيّ اللسان فصيح اللهجة، وقد اعترض عليه بعض المتحذلقين فخطَّأه؛ وقد عجل ولم يتثبت فيما قال. ولا يجوز للحضريّ أن يعجل إلى إنكار مالا يعرفه من لغات العرب " انتهى. "تهذيب اللغة" (٣/١٩٤-١٩٥) .
وقال الزمخشري في تفسيره:
" والذي يحكى عن الشافعي ﵀..، فوجهه أن يجعل من قولك: عال الرجل عياله يعولهم، كقولهم: مانهم يمونهم، إذا أنفق عليهم، لأنّ من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الكسب وحدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب.
وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين، حقيق بالحمل على الصحة والسداد، وأن لا يظنّ به تحريف تعيلوا إلى تعولوا..، وكفى بكتابنا المترجم بكتاب «شافي العيِّ، من كلام الشافعي» شاهداً بأنه كان أعلى كعباً وأطول باعاً في علم كلام العرب، من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكن للعلماء طرقاً وأساليب. فسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات.
فإن قلت: كيف يَقِل عيال من تَسَرِّى، وفي السرائر نحو ما في المهائر [أي: الحرائر] ؟
قلت: ليس كذلك، لأن الغرض بالتزوّج التوالد والتناسل، بخلاف التسرِّي، ولذلك جاز العزل عن السراري بغير إذنهن، فكان التسري مظِنَّة لقلة الولد بالإضافة إلى التزوج، كتزوّج الواحدة بالإضافة إلى تزوج الأربع. " انتهى. "الكشاف" (١/٤٦٩) .
وينظر أيضا: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، للأزهري (٣٥٢) ، رد الانتقاد على ألفاظ الشافعي، للبيهقي (١١٥-١١٩) وحواشي محققه، أضواء البيان، للشنقيطي (١/٣١٧-٣١٨) .
ثالثا:
بناء على ما سبق فلا إشكال بين الآية السابقة، والأحاديث الصحيحة التي تدل على استحباب تكثير النسل، ومنه قوله ﷺ : (تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ) رواه أبو داود (رقم/٢٠٥٠) وصححه ابن حجر في " فتح الباري " (٩/١٣) ، والشيخ الألباني في " صحيح أبي داود ". فعلى القول المشهور الذي ذهب إليه الجمهور: لا إشكال ولا تعارض؛ وإنما المراد: الاحتياط للعدل بين الزوجات، أو الاقتصار على واحدة إذا خاف الظلم.
وقد ذكر ابن القيم هذا الاستشكال الظاهري بعد أن استعرض مجموعة من الأحاديث التي تدل على فضل الأولاد والأبناء، ثم أجاب عن الاستشكال المبني على تفسير الإمام الشافعي من عشرة أوجه، أهمها:
" يتعين الأول – يعني تفسير جماهير العلماء للآية وليس تفسير الشافعي - لوجوه:
أحدها: أنه المعروف في اللغة الذي لا يكاد يُعرف سواه، ولا يعرف عال يعول إذا كثر عياله إلا في حكاية الكسائي، وسائر أهل اللغة على خلافه.
الثاني: أنه مروي عن عائشة وابن عباس، ولم يعلم لهما مخالف من المفسرين.
الثالث: أن الأدلة التي ذكرناها على استحباب تزوج الولود، وإخبار النبي ﷺ أنه يكاثر بأمته الأمم يوم القيامة ترد هذا التفسير.
الرابع: أن سياق الآية إنما هو في نقلهم مما يخافون الظلم والجور فيه إلى غيره، فإنه قال في أولها: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) فدلهم سبحانه على ما يتخلصون به من ظلم اليتامى، وهو نكاح ما طاب لهم من النساء البوالغ، وأباح لهم منه، ثم دلهم على ما يتخلصون به من الجور والظلم في عدم التسوية بينهن فقال: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) ، ثم أخبر سبحانه أن الواحدة وملك اليمين أدنى إلى عدم الميل والجور، وهذا صريح في المقصود.
الخامس: أنه من الممتنع أن يقال لهم: إن خفتم ألا تعدلوا بين الأربع فلكم أن تتسروا بمائة سرية وأكثر فإنه أدنى أن لا تكثر عيالكم.
السادس: أنه سبحانه قال: (فإن خفتم ألا تعدلوا) ولم يقل: (وإن خفتم ألا تفتقروا أو تحتاجوا) ، ولو كان المراد قلة العيال لكان الأنسب أن يقول ذلك.
انتهى ملخصا من " تحفة المودود بأحكام المولود " (ص/١٧-٢٠) .
وعلى القول الثاني في تفسير الآية: يكون الأمر في الحديث عاما: أن يسعى المسلم إلى تكثير النسل، وتكثير سواد المسلمين بالزوجة الولود؛ لكن إن خاف أن يغلب على حق أهله، أو يعجز عن الوفاء بكسبهم المشروع، ونفقتهم الواجبة: فله أن يقتصر على واحدة من الزوجات، وما عنده من الإماء؛ ليكون ذلك أخف لحمله، وأيسر لمؤونته، وأبعد له عن العجز عن مقام الرعاية والكفاية؛ وهذا كما أن الشرع أرشد إلى النكاح إرشادا عاما، ثم إنه أمر من عجز عن ذلك بالعفة وأسبابها، حتى ييسر الله له أمر زواجه. قال تعالى:
(وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) النور/٣٢-٣٣.
ونحو ذلك ما رواه البخاري (٤٦٧٨) ومسلم (٢٤٨٥) عن عَبْد اللَّهِ بن مسعود ﵁ قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1411
كيف عرفت الملائكة أن البشر سيفسدون في الأرض ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل خلق الله البشر أولا أم الملائكة؟ وإذا كان الملائكة، فكيف عرفوا أن البشر سيفسدون في الأرض كما في سورة البقره آيه ٣٠؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا شك أن خلق الملائكة كان سابقا على خلق آدم ﵇، فقد أخبرنا الله تعالى في أكثر من موضع من كتابه العزيز أنه أعلم الملائكة بأنه سيخلق بشرا من طين، ثم أمرهم بالسجود له حين يتم خلقه، وذلك دليل ظاهر على أن الملائكة كانوا موجودين قبل خلق البشر.
يقول الله تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) ص/٧١-٧٢
ثانيا:
وقد أخبر في سورة البقرة عن حواره مع الملائكة قبل خلق آدم، وذلك دليل ظاهر أيضا على وجودهم قبل آدم ﵇.
قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) البقرة/٣٠
ولكن كيف عرفت الملائكة أن الخليفة الجديد في الأرض سيفسد فيها ويسفك الدماء؟
اختلف في ذلك أهل العلم على أقوال:
القول الأول: أنهم علموا ذلك بإعلام الله تعالى لهم، وإن كان ذلك لم يذكر في السياق.
قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد وابن قتيبة.
كما في "زاد المسير" لابن الجوزي (١/٦٠)
وهو قول أكثر المفسرين كما قاله ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٧/٣٨٢)
يقول ابن القيم ﵀: " وفي هذا دلالة على أن الله قد كان أعلمهم أن بني آدم سيفسدون في الأرض، وإلا فكيف كانوا يقولون ما لا يعلمون، والله تعالى يقول وقوله الحق (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعلمون) ، والملائكة لا تقول ولا تعمل إلا بما تؤمر به لا غير، قال الله تعالى (ويفعلون ما يؤمرون) " انتهى. "مفتاح دار السعادة" (١/١٢) .
القول الثاني: أنهم قاسوه على أحوال من سلف قبل آدم على الأرض، وهم الجن، فقد سبقوا الإنسان في الأرض وكانوا يفسدون فيها ويسفكون الدماء، فعلمت الملائكة أن البشر سيكونون على حال من سبقهم.
روي نحو هذا عن ابن عباس وأبي العالية ومقاتل. انظر "زاد المسير" (١/٦١)
يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀: " قول الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) يرجِّحُ أنهم خليفة لمن سبقهم، وأنه كان على الأرض مخلوقات قبل ذلك تسفك الدماء وتفسد فيها، فسألت الملائكة ربها : (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) كما فعل من قبلهم " انتهى. "تفسير القرآن الكريم" (١/آية ٣٠) .
القول الثالث: أنهم فهموا ذلك من الطبيعة البشرية.
وهو الذي يبدو من اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "منهاج السنة" (٦/١٤٩)
يقول العلامة الطاهر ابن عاشور: " وإنما ظنوا هذا الظن بهذا المخلوق من جهة ما استشعروه من صفات هذا المخلوق المستخلف، بإدراكهم النوراني لهيئة تكوينه الجسدية والعقلية والنطقية، إما بوصف الله لهم هذا الخليفة، أو برؤيتهم صورة تركيبه قبل نفخ الروح فيه وبعده، والأظهر أنهم رأوه بعد نفخ الروح فيه، فعلموا أنه تركيب يستطيع صاحبه أن يخرج عن الجبلة إلى الاكتساب، وعن الامتثال الى العصيان ... ، ومجرد مشاهدة الملائكة لهذا المخلوق العجيب المراد جعله خليفة في الأرض كاف في إحاطتهم بما يشتمل عليه من عجائب الصفات.. "
قال: " وفي هذا ما يغنيك عما تكلف له بعض المفسرين من وجه اطلاع الملائكة على صفات الإنسان قبل بدوها منه.. " انتهى مختصرا من "التحرير والتنوير" (١/٢٣٠) .
القول الرابع: أنهم فهموا من قوله تعالى (خليفة) أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم، ويردعهم عن المحارم والمآثم، قاله القرطبي "الجامع لأحكام القرآن" (١/٣٠٢) .
والمعنى: أنه إذا كان هناك خليفة يحكم بين الناس في المظالم، فإنه يلزم من ذلك أن هؤلاء الناس تقع منهم المظالم.
وأنت ترى أخي السائل أنها أقوال مختلفة ليس على أي منها نصوص صريحة من الكتاب والسنة، إنما هي استنباطات لأهل العلم، قد تصيب وقد تخطئ، وإنما أراد الله تعالى أن نتعلم ما في هذه القصة من العبرة والعظة، وما كرم الله تعالى به الإنسان حين خلق آدم فأسجد له الملائكة، وما سوى ذلك من تفاصيل القصة، لا يضر الجهل بها، لذلك لم يأت الكتاب ببيانها، والله تعالى أعلم بالصواب.
تنبيه: ليس في هذا السؤال من الملائكة المكرمين لرب العزة سبحانه، عن خلق آدم وذريته اعتراض على الحكمة، أو معارضة لله سبحانه، فإنهم منزهون عن ذلك. قال ابن كثير ﵀: وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، كما قد يتوهمه بعض المفسرين , وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول، أي: لا يسألونه شيئاً لم يأذن لهم فيه ,.. وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك؛ يقولون: يا ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء، مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟!! فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك، أي نصلي لك ... ولا يصدر منا شيء من ذلك, وهلا وقع الاقتصار علينا؟
قال الله تعالى مجيباً لهم عن هذا السؤال: ﴿إني أعلم مالا تعلمون﴾ أي: إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف، على المفاسد التي ذكرتموها، مالا تعلمون أنتم؛ فإني جاعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء والأبرار والمقربون والعلماء والعاملون والخاشعون والمحبون له ﵎ المتبعون رسله صلوات الله وسلامه عليهم..) تفسير ابن كثير (١/٦٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1412
الذي يقبض الأرواح ملك واحد أم ملائكة ؟.
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك بعض المسيحيين الذين يقولون بوجود بعض المتناقضات في القرآن، ويدّعون بأن القرآن يقول بأن ملك الموت واحد (سورة السجدة: ١١) ثم يأتي مرة أخرى ليقول أن ملائكة يتوفون الناس (سورة محمد: ٢٧) . فهل يمكن مساعدتي في الرد على هذا، إنني أعلم أنه لا يوجد متناقضات في القرآن لذا أخبروني ما هو الخطأ في فكرتهم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
أولا:
لا شك في أن القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو كتاب محكم لا اختلاف فيه ولا تناقض.
وما يزعمه البعض من وجود تناقض في القرآن فبسبب قصور علمهم وقلة اطلاعهم وتدبرهم لكلام الله.
قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء/٨٢]
قال ابن كثير ﵀: " يقول تعالى آمرا لهم بتدبر القرآن، وناهيا لهم عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، ومخبرا لهم أنه لا اختلاف فيه، ولا اضطراب، ولا تعارض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو حق من حق ". انتهى من " تفسير القرآن العظيم" (١/٥٢٩) .
ثانياً:
جاء في بعض الآيات أن الذي يقبض أرواح الناس ملَك واحد، كما في قوله تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) [السجدة/١١]
ولم يثبت في حديث صحيح تسميته بـ "عزرائيل" كما هو مشهور عند كثير من الناس.
وجاء في آيات أخرى أن الناس تتوفاهم ملائكة لا ملَك واحد، كقوله تعالى: (إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أَنْفُسِهِمْ) [النساء: ٩٧] ا.
وقوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) [محمد: ٢٧] وقوله تعالى: (حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) [الأنعام: ٦١] إلى غير ذلك من الآيات.
ولا تعارض بين هذه الآيات ولا تناقض بحمد الله تعالى، وذلك لأن الموكل بقبض الأرواح ملك واحد، إلا أن له أعواناً يعملون بأمره ويعينونه على ذلك.
ومما يدل على وجود أعوان لملك الموت ما رواه الإمام أحمد في مسنده (١٨٠٦٣) عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قال النبي ﷺ : (إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنْ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ ﵇ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ..
فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
فَيَصْعَدُونَ بِهَا ... ) الخ، والحديث صححه ابن القيم في " إعلام الموقعين " (١ / ٢١٤) ، والألباني في "أحكام الجنائز" صـ ١٥٩.
فهذا الحديث يدل على أن مع ملك الموت ملائكة آخرين يأخذون من يده الروح حين يأخذها من بدن الميت.
قال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري: " إن قال قائل: أو ليس الذي يقبض الأرواح ملك الموت، فكيف قيل: (توفته رسلنا) ، و"الرسل" جملة، وهو واحد؟
قيل: جائز أن يكون الله تعالى ذكره أعان ملك الموت بأعوان من عنده، فيتولون ذلك بأمر ملك الموت.
فيكون" التوفي" مضافًا إلى ملك الموت، كما يضاف قتلُ من قتله أعوانُ السلطان، وجلدُ من جلدوه بأمر السلطان، إلى السلطان، وإن لم يكن السلطان باشر ذلك بنفسه، ولا وليه بيده ". انتهى من تفسير الطبري (١١/٤١٠) بتصرف يسير.
وقال الإمام أبو المظفر السمعاني:
" فإن قيل: قد قال في آية أخرى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) السجدة /١١، وقال هاهنا: (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) الأنعام /٦١، فكيف وجه الجمع؟
قيل: قال إبراهيم النخعي: لملك الموت أعوان من الملائكة، يتوفَّوْن عن أمره؛ فهو معنى قوله: (توفته رسلنا) ، ويكون ملك الموت هو المتوفى في الحقيقة؛ لأنهم يصدرون عن أمره، ولذلك نسب الفعل إليه في تلك الآية. وقيل: معناه: ذكر الواحد بلفظ الجمع، والمراد به: ملك الموت. "
وقال القرطبي:
" والتوفي تارة يُضاف إلى ملك الموت، كما قال: (قل يتوفاكم ملك الموت) .
وتارة إلى الملائكة لأنهم يتولون ذلك، كما في قوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) .
وتارة إلى الله وهو المتوفي على الحقيقة، كما قال: (الله يتوفى الأنفس حين موتها) " انتهى من " تفسير القرطبي" (٧/٧) .
قال الشيخ ابن عثيمين: " إن ملك الموت له أعوان يعينونه على إخراج الروح من الجسد حتى يوصلوها إلى الحلقوم، فإذا أوصلوها إلى الحلقوم قبضها ملك الموت.
وقد أضاف الله تعالى الوفاة إلى نفسه، وإلى رسله أي: الملائكة، وإلى ملك واحد ... ولا معارضة بين هذه الآيات، فأضافه الله إلى نفسه؛ لأنه واقع بأمره، وأضافه إلى الملائكة؛ لأنهم أعوان لملك الموت، وأضافه إلى ملك الموت؛ لأنه هو الذي تولى قبضها من البدن ". انتهى " الشرح الممتع" (٥/ ١١٤)
وينظر: أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن (٦/٢٩١) .
ثالثاً:
ننصحك أخي السائل بالابتعاد عن سماع الشبه، خاصة مع عدم وجود القدرة العلمية على ردها، والانشغال بما ينفعك من العلم النافع والعمل الصالح.
فالاستماع إلى الشبهات من أعظم الفتن التي تضر العبد في دينه , ولذلك كان السلف ينهون عن الاستماع لأهل الأهواء والبِدع، فكيف بسماع شبه غير المسلمين!!
وللوقوف على خطر الاستماع للشبهات يمكنك الرجوع إلى جواب السؤال (٩٧٧٢٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1413
تفسير قوله تعالى في وصف الشمس والقمر أنهما دائبان وأنهما في فلك يسبحون
[السُّؤَالُ]
ـ[ورد في القرآن قول الله تعالى: (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار) ، وقوله تعالى في سورة " يس ": (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) فما المقصود بـ " فلك " و " دائبين "؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
هاتان الآيتان من الآيات التي تتحدث عن المظاهر الكونية الباهرة التي تدل على سعة خلق الله تعالى وعظمته، الآية الأولى رقم/٣٣ في سورة الرعد يقول الله تعالى فيها: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)
وقد ذكر المفسرون لوصف دؤوب الشمس والقمر معاني عدة:
أشهرها دوام المسير في هذا الكون الفسيح من غير توقف.
ومنها: دوام طاعة الله تعالى والافتقار إلى تدبيره .
ومنها: دوام نفعهما واستمرار فوائدهما على هذا الكون.
يقول الحافظ ابن جرير الطبري ﵀:
" يتعاقبان عليكم أيها الناس بالليل والنهار، لصلاح أنفسكم ومعاشكم (دَائِبَيْنِ) في اختلافهما عليكم. وقيل: معناه: أنهما دائبان في طاعة الله ... عن ابن عباس، في قوله: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ) قال: دءوبهما في طاعة الله " انتهى.
" جامع البيان " (١٦/١٣-١٤)
ويقول الحافظ ابن كثير ﵀:
" أي: يسيران لا يقران ليلا ولا نهارا " انتهى.
" تفسير القرآن العظيم " (٤/٥١١)
ويقول الرازي ﵀:
" وقوله: (دَائِبَينَ) معنى الدؤوب في اللغة: مرور الشيء في العمل على عادة مطردة، يقال دأب يدأب دأباً ودؤوباً، قال المفسرون: قوله (دَائِبَينَ) معناه: يدأبان في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إزالة الظلمة وفي إصلاح النبات والحيوان، فإن الشمس سلطان النهار، والقمر سلطان الليل، ولولا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة، ولولاها لاختلت مصالح العالم بالكلية " انتهى.
" مفاتيح الغيب " (١٩/١٠١)
ثانيا:
وأما الآية الثانية التي يصف الرب فيها الشمس والقمر بالسباحة في الفلك فقد جاء ذلك في موضعين من القرآن الكريم:
الأول: قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) الأنبياء/٣٣
والثاني: قوله : (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) يس/٤٠
وحاصل تفسير العلماء لهذه الآية هو أنها تصف النجوم والشمس والقمر والأفلاك بالدوران والحركة والسير في الفضاء الفسيح دورانا محكما موزونا.
يقول الحافظ ابن كثير ﵀:
" (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) أي: يدورون. قال ابن عباس: يدورون كما يدور المغزل في الفلكة. وكذا قال مجاهد: فلا يدور المغزل إلا بالفلكة، ولا الفلكة إلا بالمغزل، كذلك النجوم والشمس والقمر لا يدورون إلا به، ولا يدور إلا بهن، كما قال تعالى: (فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) الأنعام/٩٦. " انتهى.
" تفسير القرآن العظيم " (٥/٣٤١)
ويقول العلامة القرطبي ﵀:
" (كلٌّ) يعني من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار (في فلك يسبحون) أي: يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء " انتهى.
" الجامع لأحكام القرآن " (١١/٢٨٦)
أما تقييد الآيات جريان وسباحة أجرام السماء بكونها (في فلك) ، فقد اختلف العلماء في تفسير شكله وهيئته وحقيقته على أقوال كثيرة، لكنها تتفق في النهاية على المعنى المقصود، وهو أن كل أجرام السماء من نجوم وشمس وقمر تجري وتسبح في فلك خاص، أي: مدار خاص، ونطاق معين، لا تصطدم بغيرها، ولا تختل مسيرتها.
يقول العلامة الطاهر ابن عاشور ﵀:
" والفلك: فسره أهل اللغة بأنه مدار النجوم، وكذلك فسره المفسرون لهذه الآية، ولم يذكروا أنه مستعمل في هذا المعنى في كلام العرب.
ويغلب على ظني أنه من مصطلحات القرآن، ومنه أخذه علماء الإسلام، وهو أحسن ما يعبر عنه عن الدوائر المفروضة التي يضبط بها سير كوكب من الكواكب، وخاصة سير الشمس، وسير القمر.
والأظهر أن القرآن نقله من فلك البحر، وهو الموج المستدير، بتنزيل اسم الجمع منزلة المفرد، والأصل الأصيل في ذلك كله " فَلْكة المِغْزَل " بفتح الفاء وسكون اللام، وهي خشبة مستديرة في أعلاها مسمار مثني، يدخل فيه الغزل، ويدار لينفتل الغزل " انتهى.
" التحرير والتنوير " (١٧/٤٥)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 1414
الفرق بين الكبائر والصغائر
[السُّؤَالُ]
ـ[هل من الممكن أن تبينوا لي الفرق بين الكبائر والصغائر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال ابن القيم ﵀: " الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن والسنة وإجماع السلف وبالاعتبار " انتهى.
"مدارج السالكين" (١/٣١٥)
فمتى عرفنا الكبائر عرفنا الصغائر.
وقد تعددت أقوال العلماء في تعريف الكبيرة بعد التسليم بعدم إرادة الحصر في السبع:
قال الحافظ:
" قِيلَ: الكبيرة مَا يَلْحَقُ الْوَعِيدُ بِصَاحِبِهِ بِنَصِّ كِتَاب أَوْ سُنَّة.
وَقَالَ اِبْن عَبْد السَّلَام: لَمْ أَقِف عَلَى ضَابِط الْكَبِيرَة يَعْنِي يَسْلَم مِنْ الِاعْتِرَاض , قَالَ: وَالْأَوْلَى ضَبْطُهَا بِمَا يُشْعِرُ بِتَهَاوُنِ مُرْتَكِبِهَا إِشْعَارَ أَصْغَرِ الْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا , قَالَ وَضَبَطَهَا بَعْضهمْ بِكُلِّ ذَنْب قُرِنَ بِهِ وَعِيد أَوْ لَعْن.
وَقَالَ اِبْن الصَّلَاح: لَهَا أَمَارَات مِنْهَا إِيجَاب الْحَدّ , وَمِنْهَا الْإِيعَاد عَلَيْهَا بِالْعَذَابِ بِالنَّارِ وَنَحْوهَا فِي الْكِتَاب أَوْ السُّنَّة , وَمِنْهَا وَصْف صَاحِبهَا بِالْفِسْقِ , وَمِنْهَا اللَّعْن.
وَقَدْ أَخْرَجَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ قَالَ " كُلّ ذَنْب نَسَبَهُ اللَّه تَعَالَى إِلَى النَّار فَهُوَ كَبِيرَة "
وَمِنْ أَحْسَنِ التَّعَارِيفِ قَوْلُ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهِم " كُلّ ذَنْب أُطْلِقَ عَلَيْهِ بِنَصِّ كِتَاب أَوْ سُنَّة أَوْ إِجْمَاع أَنَّهُ كَبِيرَة أَوْ عَظِيم أَوْ أُخْبِرَ فِيهِ بِشِدَّةِ الْعِقَاب أَوْ عُلِّقَ عَلَيْهِ الْحَدّ أَوْ شُدِّدَ النَّكِير عَلَيْهِ فَهُوَ كَبِيرَة ".
وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي تَتَبُّع مَا وَرَدَ فِيهِ الْوَعِيد أَوْ اللَّعْن أَوْ الْفِسْق مِنْ الْقُرْآن أَوْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَالْحَسَنَة وَيُضَمّ إِلَى مَا وَرَدَ فِيهِ التَّنْصِيص فِي الْقُرْآن وَالْأَحَادِيث الصِّحَاح وَالْحِسَان عَلَى أَنَّهُ كَبِيرَة.
وَقَالَ الْحَلِيمِيّ فِي " الْمِنْهَاج " مَا مِنْ ذَنْب إِلَّا وَفِيهِ صَغِيرَة وَكَبِيرَة , وَقَدْ تَنْقَلِب الصَّغِيرَةُ كَبِيرَةً بِقَرِينَةٍ تُضَمّ إِلَيْهَا , وَتَنْقَلِب الْكَبِيرَةُ فَاحِشَةً كَذَلِكَ , كَقَتْلِ النَّفْس بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنَّهُ كَبِيرَة , فَإِنْ قَتَلَ أَصْلًا أَوْ فَرْعًا أَوْ ذَا رَحِمٍ أَوْ بِالْحَرَمِ أَوْ بِالشَّهْرِ الْحَرَام فَهُوَ فَاحِشَة. وَالزِّنَا كَبِيرَةٌ , فَإِنْ كَانَ بِحَلِيلَةِ الْجَار أَوْ بِذَاتِ رَحِم أَوْ فِي شَهْر رَمَضَان أَوْ فِي الْحَرَم فَهُوَ فَاحِشَة.
وَسَرِقَة مَا دُون النِّصَاب صَغِيرَة , فَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوق مِنْهُ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ وَأَفْضَى بِهِ عَدَمُهُ إِلَى الضَّعْف فَهُوَ كَبِيرَة "
انتهى كلام الحافظ ملخصا.
وينظر: "تفسير ابن كثير" (٢/٢٨٥-٢٨٦)
وَسُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عَنْ الذُّنُوبِ الْكَبَائِرِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ. هَلْ لَهَا حَدٌّ تُعْرَفُ بِهِ؟
فأجاب:
" أَمْثَلُ الْأَقْوَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْقَوْلُ الْمَأْثُورُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ: أَنَّ الصَّغِيرَةَ مَا دُونُ الْحَدَّيْنِ: حَدُّ الدُّنْيَا وَحَدُّ الْآخِرَةِ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَا لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ: كُلُّ ذَنْبٍ خُتِمَ بِلَعْنَةِ أَوْ غَضَبٍ أَوْ نَارٍ فَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ. وَمَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ: وَلَيْسَ فِيهَا حَدٌّ فِي الدُّنْيَا وَلَا وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ أَيْ " وَعِيدٌ خَاصٌّ " كَالْوَعِيدِ بِالنَّارِ وَالْغَضَبِ وَاللَّعْنَةِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ ذَنْبٍ تُوُعِّدَ صَاحِبُهُ بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَا يَشُمُّ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَقِيلَ فِيهِ: مَنْ فَعَلَهُ فَلَيْسَ مِنَّا وَأَنَّ صَاحِبَهُ آثِمٌ. فَهَذِهِ كُلُّهَا مِنْ الْكَبَائِرِ " انتهى باختصار.
"مجموع الفتاوى" (١١/٦٥٠- ٦٥٢) ، وينظر: "مجموع الفتاوى" (١١/٦٥٨-٦٥٩) ، "مدارج السالكين" لابن القيم (١/٣١٥-٣٢٧) في بحث له نفيس.
وقد جاء ما يفيد بظاهره حصر الكبائر في سبع:
فروى البخاري (٢٧٦٧) ومسلم (٨٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: (الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ) .
وروى الطبراني في "المعجم الأوسط" (٥٧٠٩) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الكبائر سبع: الإشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وقذف المحصنة والفرار من الزحف وأكل الربا وأكل مال اليتيم والرجوع إلى الأعرابية بعد الهجرة) وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" (٤٦٠٦)
إلا أن الحصر في سبع غير مراد.
قال الحافظ في الفتح:
" أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قِيلَ لَهُ الْكَبَائِر سَبْع فَقَالَ: هُنَّ أَكْثَرُ مِنْ سَبْع وَسَبْع , وَفِي رِوَايَة عَنْهُ هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ , وَفِي رِوَايَة إِلَى السَّبْعمِائَةِ , وَيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى الْمُبَالَغَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى سَبْع " انتهى.
وها هنا ثلاثة أمور ينبغي الالتفات إليها والتفطن لها:
أولها: أن الإصرار على الصغيرة قد يجعلها كبيرة.
قالَ الْقَرَافِيُّ: الصَّغِيرَةُ لَا تَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ وَلَا تُوجِبُ فُسُوقًا , إلَّا أَنْ يُصِرَّ عَلَيْهَا فَتَكُونُ كَبِيرَةً. . . فَإِنَّهُ لَا صَغِيرَةَ مَعَ إصْرَارٍ , وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ كَمَا قَالَ السَّلَفُ. . . وَيَعْنُونَ بِالِاسْتِغْفَارِ التَّوْبَةَ بِشُرُوطِهَا , لَا طَلَبَ الْمَغْفِرَةِ مَعَ بَقَاءِ الْعَزْمِ " انتهى.
"الموسوعة الفقهية" (٣٤/١٥٦)
وقال ابن القيم ﵀:
" الإصرار على الصغيرة قد يساوي إثمه إثم الكبيرة أو يربى عليها " انتهى.
"إغاثة اللهفان" (٢/١٥١)
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" إذا أصر الإنسان على الصغيرة وصار هذا ديدنه صارت كبيرة بالإصرار لا بالفعل، مكالمة المرأة على وجه التلذذ حرام وليس بكبيرة، ولكن إذا أصر الإنسان عليه وصار ليس له هم إلا أن يشغل الهاتف على هؤلاء النساء ويتحدث إليهن صار كبيرة، فالإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة من حيث الإصرار؛ لأن إصراره على الصغيرة يدل على تهاونه بالله ، وأنه غير مبال بما حرم الله " انتهى بمعناه.
"لقاء الباب المفتوح" (١٧٢/٥)
ثانيها:
أن الاستهانة بالصغائر مهلكة؛ فقد روى أحمد (٣٨٠٨) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ) .
وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا: (كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا فَأَجَّجُوا نَارًا وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا) . صححه الألباني في "صحيح الترغيب" (٢٤٧٠)
راجع إجابة السؤال رقم (٢٢٤٢٢)
واجتناب الكبائر مكفرة للصغائر.
أنه لا يخلو أحد من ذنب يأتيه في عيشه، إما بينه وبين ربه، وإما بينه وبين الخلق، فليجتهد أن يطهر صحيفته دائما، وليعلم أنه إذا اتقى المهلكات، والكبائر والموبقات، غفر الله له ما بين ذلك من اللمم. قال الله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) النساء/٣١، وقال سبحانه: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) النجم/٣٢
قال الحافظ ابن حجر رحمه اله:
" قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَاد بِاللَّمَمِ مَا ذَكَرَهُ اللَّه فِي قَوْله تَعَالَى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) وَهُوَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ. وَقَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) فَيُؤْخَذ مِنْ الْآيَتَيْنِ أَنَّ اللَّمَم مِنْ الصَّغَائِر وَأَنَّهُ يُكَفَّر بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِر "
انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1415
مختصر قصة أهل الكهف
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت أتحدث مع والدي، فأخبرني أن هناك سورة في القرآن تتحدث عن أهل الكهف، وأن لها فضلاً خاصاً. فهل بالإمكان أن تبينوا لي ما قصة أهل الكهف، وما فضل هذه السورة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سورة الكهف سورة مكية، عدد آياتها (١١٠) آيات، والكهف هو الغار في الجبل.
وقد تضمنت هذه السورة قصصا أربعة، وهي قصة أصحاب الكهف، وقصة صاحب الجنتين، وقصة موسى والخضر، وقصة ذي القرنين.
وقد أخبر النبي ﷺ عن فضلها أنه (مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْف عُصِمَ مِنْ الدَّجَّالِ) رواه مسلم (٨٠٩) .
وعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْكِلَابِىِّ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ فَقَالَ: (إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ فَإِنَّهَا جِوَارُكُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ) رواه أبو داود (رقم/٤٣٢١) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وورد في فضل قراءتها يوم الجمعة أيضا أحاديث أخر يمكن مراجعتها في الجواب رقم: (١٠٧٠٠)
وخلاصة قصة أصحاب الكهف أنها قصة شبان (فتية) فروا من قومهم خشية الفتنة في دينهم. قال الحافظ ابن كثير ﵀ في شأنهم:
" قال كثير من المفسرين والمؤرخين وغيرهم: كانوا في زمن ملك يقال له دقيانوس، وكانوا من أبناء الأكابر، واتفق اجتماعهم في يوم عيد لقومهم، فرأوا ما يتعاطاه قومهم من السجود للأصنام والتعظيم للأوثان، فنظروا بعين البصيرة، وكشف الله عن قلوبهم حجاب الغفلة، وألهمهم رشدهم، فعلموا أن قومهم ليسوا على شيء، فخرجوا عن دينهم، وانتموا إلى عبادة الله وحده لا شريك له " انتهى.
" البداية والنهاية " (٢/١٣٥)
وقال الشيخ ابن سعدي ﵀:
" وهم فتية وفقهم الله، وألهمهم الإيمان، وعرفوا ربهم، وأنكروا ما عليه قومهم من عبادة الأوثان، وقاموا بين أظهرهم معلنين فيما بينهم عقيدتهم، خائفين من سطوة قومهم، فقالوا:
﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي: إن دعونا غيره.
﴿شَطَطًا﴾ أي: زورا وبهتانا وظلما.
﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الكهف /١٤ و ١٥.
فلما اتفقوا على هذا الأمر، وعرفوا أنهم لا يمكنهم إظهار ذلك لقومهم، سألوا الله أن يسهل أمرهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ الكهف /١٠.
فأووا إلى غار يسره الله غاية التيسير، واسع الفجوة، بابه نحو الشمال لا تدخله الشمس، لا في طلوعها ولا في غروبها، فناموا في كهفهم بحفظ الله ورعايته ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا، وقد ضرب الله عليهم نطاقا من الرعب على قربهم من مدينة قومهم، ثم إنه في الغار تولى حفظهم بقوله: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ الكهف /١٨؛ وذلك لئلا تُبلي الأرضُ أجسادهم، ثم أيقظهم بعد هذه المدة الطويلة: ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ ، وليقفوا في آخر الأمر على الحقيقة:
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ [الكهف: ١٩] إلى آخر القصة.
ففيها آيات بينات وفوائد متعددة:
ومنها: أن قصة أصحاب الكهف وإن كانت عجيبة، فليست من أعجب آيات الله؛ فإن لله آيات عجيبة وقصصا فيها عبرة للمعتبرين.
ومنها: أن من أوى إلى الله أواه الله، ولطف به، وجعله سببا لهداية الضالين ; فإن الله لطف بهم في هذه النومة الطويلة، إبقاء على إيمانهم وأبدانهم من فتنة قومهم وقتلهم، وجعل هذه النومة من آياته التي يستدل بها على كمال قدرة الله، وتنوع إحسانه، وليعلم العباد أن وعد الله حق.
ومنها: الحث على تحصيل العلوم النافعة والمباحثة فيها؛ لأن الله بعثهم لأجل ذلك، وببحثهم، ثم بعلم الناس بحالهم، حصل البرهان والعلم بأن وعد الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها.
ومنها: الأدب فيمن اشتبه عليه العلم أن يرده إلى عالمه، وأن يقف عند ما يعرف.
ومنها: صحة الوكالة في البيع والشراء، وصحة الشركة في ذلك، لقولهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ .
ومنها: جواز أكل الطيبات، والتخير من الأطعمة ما يلائم الإنسان ويوافقه، إذا لم تخرج إلى حد الإسراف المنهي عنه، لقوله: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ .
ومنها: الحث [على] التحرز والاستخفاء، والبعد عن مواقع الفتن في الدين، واستعمال الكتمان الذي يدرأ عن الإنسان الشر.
ومنها: بيان رغبة هؤلاء الفتية في الدين، وفرارهم من كل فتنة في دينهم، وتركهم لأوطانهم وعوائدهم في الله.
ومنها: ذكر ما اشتمل عليه الشر من المضار والمفاسد الداعية لبغضه وتركه، وأن هذه الطريقة طريقة المؤمنين.
ومنها: أن قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ الكهف /٢١، فيه دليل على أن هؤلاء القوم الذين بعثوا في زمانهم أناس أهل تدين؛ لأنهم عظموهم هذا التعظيم حتى عزموا على اتخاذ مسجد على كهفهم، وهذا إن كان ممنوعا - وخصوصا في شريعتنا - فالمقصود بيان أن ذلك الخوف العظيم من أهل الكهف وقت إيمانهم ودخولهم في الغار أبدلهم الله به بعد ذلك أمنا وتعظيما من الخلق، وهذه عوائد الله فيمن تحمل المشاق من أجله أن يجعل له العاقبة الحميدة.
ومنها: أن كثرة البحث وطوله في المسائل التي لا أهمية لها لا ينبغي الانهماك به، لقوله:
﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ الكهف /٢٢.
ومنها: أن سؤال من لا علم له في القضية المسئول فيها، أو لا يوثق به: منهي عنه، لقوله:
﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ الكهف/٢٢. " انتهى.
تيسير اللطيف المنان، لابن سعدي (٤٢١-٤٢٤) .
ويمكن مراجعة قصتهم مطولة في كتاب " البداية والنهاية " (٢/١٣٣-١٣٩) للحافظ ابن كثير ﵀.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1416
تفسير قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو تفسير قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"هذه الآية عظيمة، تدل على: أن العلماء، وهم العلماء بالله وبدينه وبكتابه العظيم وسنة رسوله الكريم، هؤلاء هم أكمل الناس خشية لله، وأكملهم تقوى لله وطاعة له سبحانه، وعلى رأسهم: الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فمعنى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ) أي الخشية الكاملة من عباده: العلماء، وهم الذين عرفوا ربهم بأسمائه وصفاته وعظيم حقه ، وتبصروا في شريعته، وآمنوا بما عنده من النعيم لمن اتقاه، وما عنده من العذاب لمن عصاه وخالف أمره، فهم لكمال علمهم بالله، وكمال معرفتهم بالحق كانوا أشد الناس خشية لله، وأكثر الناس خوفا من الله وتعظيما له ، وليس معنى الآية: أنه لا يخشى الله إلا العلماء، فإن كل مسلم ومسلمة وكل مؤمن ومؤمنة يخشى الله ويخافه سبحانه، لكن الخوف متفاوت، ليسوا على حد سواء، فكلما كان المؤمن أعلم بالله وأفقه في دينه كان خوفه من الله أكثر وخشيته أكمل، وهكذا المؤمنة كلما كانت أعلم بالله وأعلم بصفاته وعظيم حقه كان خوفها من الله أعظم، وكانت خشيتها لله أكمل من غيرها، وكلما قَلَّ العلم وقَلَّت البصيرة قَلَّ الخوف من الله وقَلَّت الخشية له سبحانه، فالناس متفاوتون في هذا حتى العلماء متفاوتون، فكلما كان العالم أعلم بالله، وكلما كان العالم أقوم بحقه وبدينه وأعلم بأسمائه وصفاته كانت خشيته لله أكمل ممن دونه في هذه الصفات، وكلما نقص العلم نقصت الخشية لله، ولكن جميع المؤمنين والمؤمنات كلهم يخشون الله على حسب علمهم ودرجاتهم في الإيمان؛ ولهذا يقول جل وعلا: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) البينة/٧، ٨، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) الملك/١٢، وقال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) الرحمن/٤٦، فهم مأجورون على خشيتهم لله، وإن كانوا غير علماء وكانوا من العامة، لكن كمال الخشية يكون للعلماء؛ لكمال بصيرتهم وكمال علمهم بالله، فتكون خشيتهم لله أعظم؛ وبهذا يتضح معنى الآية ويزول ما يتوهم بعض الناس من الإشكال في معناها، والله ولي التوفيق" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٤/٢٦٨-٢٧٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1417
لماذا أمات الله بني إسرائيل بالصاعقة ثم أحياهم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كان الناس سيموتون جميعهم ثم يحييهم الله جميعا يوم القيامة , فلماذا أمات الله بني إسرائيل بالصاعقة ثم أحياهم مرة أخرى؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذكر الله تعالى في كتابه الكريم قصة صعق بني إسرائيل، ثم بعثهم بعد الموت، في موضعين اثنين، وقد جاءا في سياق الحديث عن بني إسرائيل وما أنعم الله به عليهم، وذكر حالهم وما قابلوا تلك النعم بالكفر والجحود والنسيان.
يقول الله تعالى:
(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) البقرة/٥٥-٥٦.
ويقول سبحانه:
(يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا) النساء/١٥٣.
فقد كانت الصاعقة عقوبة لهم على جرأتهم على الله، وإصرارهم على التعنت في السؤال، والتكلف في تحقيق أسباب الإيمان، ومكابرتهم رغم كل الآيات والبراهين التي أراهم الله ، ومع ذلك سألوا الله أن يروه جهرة في الدنيا، وعلقوا إيمانهم بهذه الآية، وقد تعالى جل وعلا عن أن تراه العيون الضعيفة الكليلة في الدنيا، وإنما تراه في الجنة، فعاقبهم بالموت بالصاعقة التي أخذتهم أخذا شديدا، ولكنه سبحانه لحلمه وعفوه وصفحه وتجاوزه عن عباده بعثهم بعد الموت إلى الدنيا، ليعلموا عظيم نعمة الله عليهم، ويشكروه سبحانه على إمهاله لهم، ومنحهم الفرصة مرة أخرى للتوبة والأوبة، فكانت الصاعقة عقوبة لهم، وكان البعث بعد الموت آية ومنحة منه سبحانه ليعتبروا ويذكروا بها، ثم يشكروا نعمة الله تعالى عليهم حق شكره، ولذلك ختم الآية في سورة البقرة بقوله: (لعلكم تشكرون)
يقول الحافظ ابن كثير ﵀:
" اذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق إذ سألتم رؤيتي جهرة عيانًا، مما لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم، كما قال ابن جريج.
قال ابن عباس في هذه الآية: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) ، قال: علانية " انتهى باختصار.
" تفسير القرآن العظيم " (١/٢٦٤)
ويقول الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" قوله تعالى: (وإذ قلتم يا موسى) أي: واذكروا أيضاً يا بني إسرائيل إذ قلتم ... ؛ والخطاب لمن كان في عهد الرسول ﷺ ، لكن إنعامه على أول الأمة إنعام على آخرها؛ فصح توجيه الخطاب إلى المتأخرين مع أن هذه النعمة على من سبقهم. قوله تعالى: (لن نؤمن لك) أي: لن ننقاد، ولن نصدق، ولن نعترف لك بما جئت به.
قوله تعالى: (فأخذتكم الصاعقة) يعني الموت الذي صعقوا به.
وقوله تعالى: (بعثناكم من بعد موتكم) : هذه نعمة كبيرة عليهم أن الله تعالى أخذهم بهذه العقوبة، ثم بعثهم ليرتدعوا؛ ويكون كفارة لهم؛ ولهذا قال تعالى: (لعلكم تشكرون) أي: تشكرون الله ؛ و " لعل " هنا للتعليل " انتهى باختصار.
" تفسير سورة البقرة " (١/١٩١)
يقول الطاهر بن عاشور ﵀:
" وكان ذلك إرهابا لهم وزجرا، ولذلك قال: (بظلمهم) ، والظلم هو المحكي في سورة البقرة من امتناعهم من تصديق موسى إلى أن يروا الله جهرة، وليس الظلم لمجرد طلب الرؤية؛ لأن موسى قد سأل مثل سؤالهم مرة أخرى: حكاه الله عنه بقوله: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) الآية " انتهى.
" التحرير والتنوير " (٤/٣٠١)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 1418
كيف التوفيق بين قوله تعالى ما كان محمد أبا أحد من رجالكم وحديث إن ابني هذا سيد
[السُّؤَالُ]
ـ[يقول الله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) وعند البخاري وغيره يقول ﷺ في حق الإمام الحسن ﵁: (ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين) سؤالي رعاك الله: هل يصح أن نقول إن الإمام الحسن أو الحسين أبناء النبي ﷺ لما سبق من قوله ﷺ ؟ أم إنهم يدخلون في عموم قوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم. . الآية) فيما يخص النهي عن التبني بشكل عام، ويدخل فيه تبني رجل أحدا ليس من صلبه مباشرة، وإن كان من سلالته وإن نزلت؟ وهل منزلة البنوة التي أثبتها ﷺ في الحديث المذكور آنفاً حقيقية أم مجازية؟ وفقكم الله، وفتح عليكم من واسع فضله وعلمه.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس بين الآية والحديث تعارض والحمد لله، وإنما يقوم التعارض في ذهن بعض السامعين بسبب عدم تمكنهم من تصور مقصود السياق تصوراً تاما.
فالآية الكريمة إنما تتحدث عن شأن زواج النبي ﷺ من زينب بعد أن طلقها زيد بن حارثة الذي كان قد تبناه النبي ﷺ قبل تحريم التبني، فأنزل الله تعالى هذه الآيات الكريمات ليزيل ما قد يقع في قلوب بعض الناس من إنكار زواج النبي ﷺ من زوجة ابنه بالتبني سابقا، فذكر أن التبني باطل، وأنه لا تنبني عليه أحكام أبوة النسب الحقيقي، فقال :
(وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) الأحزاب/٣٧-٣٩.
ومعلوم أنه ولد للنبي ﷺ أربعة من الأولاد الذكور، وولد له حفيدان اثنان من ابنته فاطمة ﵄، وليس هؤلاء الأولاد محل إشكال ولم يدخلوا في النفي أصلا، لأسباب عدة:
١- أن سياق الآيات لا يقصدهم أصلا، بل يقصد نفي وجود أبوة نسب بين النبي ﷺ وبين أحد من المسلمين كي لا تنكر قلوبهم زواجه من زينب ﵂، ولذلك جاءت الآية بلفظ الخطاب فقال: (من رجالكم) ، فلا يدخل فيه أصلا أبناء النبي ﷺ .
٢- أن أبناءه الذكور ﷺ ماتوا جميعا قبل بلوغ الحلم، وهذا من حكمة الله ، لما في ذلك من تقرير ختم النبوة بمحمد ﷺ ، ونفي توهم كون النبوة تنتقل بالوراثة بين الأب وأبنائه، وأما الحسن والحسين فهما وإن كانا من أحفاده ﷺ لكنهما لا ينتسبان إليه من جهة الأبوة، بل ينتسبان إلى أبيهما علي بن أبي طالب ﵁، ولذلك كان بقاؤهما أحياء بعد وفاة النبي ﷺ من حكمة الله أيضا، فلم يدَّعِ أحد لهما النبوة بعد جدهما من أمهما النبي ﷺ ، فلا تعارض مع نفي أبوة النبي ﷺ لأحد من رجال المسلمين.
٣- ثم إن الآية نفت أبوة النبي ﷺ الحقيقية لأحد من المسلمين، وليس الأبوة المجازية، وأبوة الرجل لأحفاده من جهة ابنته أبوة مجازية، بل أبوة النبي ﷺ لسائر المسلمين أبوة مجازية، وفي تفسير بعض الصحابة لقول الله تعالى: (وأزواجه أمهاتهم) قال: وهو أب لهم.
وننقل هنا كلام أهل العلم في هذه الآية، وفي بعضه جواب عن التعارض الذي عرض للسائل الكريم:
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
" وقوله: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) نهى تعالى أن يقال بعد هذا: " زيد بن محمد " أي: لم يكن أباه وإن كان قد تبناه، فإنه صلوات الله عليه وسلامه لم يعش له ولد ذكر حتى بلغ الحلم؛ فإنه ولد له القاسم، والطيب، والطاهر، من خديجة، فماتوا صغارا، وولد له إبراهيم من مارية القبطية، فمات أيضا رضيعا، وكان له من خديجة أربع بنات: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، ﵃ أجمعين، فمات في حياته ثلاث، وتأخرت فاطمة حتى أصيبت به، صلوات الله وسلامه عليه، ثم ماتت بعده لستة أشهر " انتهى.
" تفسير القرآن العظيم " (٦/٤٢٨)
ونحوه في " معالم التنزيل " للبغوي (٦/٣٥٨) ، و" اللباب " لابن عادل (١٥/٥٥٧) .
وقال بهاء الدين ابن قدامة (٦٨٢هـ) ﵀:
" وقول النبي ﷺ للحسن: (إن ابني هذا سيد) – رواه البخاري (٢٧٠٤) - مجاز بالاتفاق، بدليل قول الله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله) " انتهى.
" الشرح الكبير " (٦/٢٢٤)
ويقول ابن حجر الهيتمي ﵀:
" فقوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) إنما سيق لانقطاع حكم التبني، لا لمنع هذا الإطلاق المراد به أنه أبو المؤمنين في الاحترام والإكرام " انتهى.
" الصواعق المحرقة " (٢/٤٦٢)
وجاء في " الدرر السنية " (١٣/٣٦٨) :
" وسئل أيضا الشيخ عبد الله بن الشيخ عن قوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) سورة الأحزاب آية/٤٠ هل هذه الآية قطعت كون رسول الله ﷺ والدا للحسن والحسين، مع ما ورد من الأحاديث الدالة على تسميتهما ابنين له؟
فأجاب:
سبب نزول الآية يزيل هذا الإشكال ; وذلك أنه ذكر المفسرون: أن رسول الله ﷺ لما تزوج زينب قال الناس: تزوج امرأة ابنه، وأنزل الله هذه الآية – يعني: زيد بن حارثة – يعني: لم يكن أبا لرجل منكم على الحقيقة، حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح.
فإن قيل: قد كان له أبناء: القاسم، والطيب، والطاهر، وإبراهيم، وقال للحسن: (إن ابني هذا سيد) ؟
فالجواب: أنهم قد خرجوا من حكم النفي بقوله: (من رجالكم) ، وهؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال.
وأجاب بعضهم: بأنه ليس المقصود أنه لم يكن له ولد فيحتاج إلى الاحتجاج في أمر بنيه بأنهم كانوا ماتوا، ولا في أمر الحسن والحسين بأنهما كانا طفلين، وإضافة (رجالكم) إلى المخاطبين يخرج من كان من بنيه، لأنهم رجاله لا رجال المخاطبين " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1419
دراسة ترجمة الطبطبائي للتفسير المسمى بـ تفسير الميزان
[السُّؤَالُ]
ـ[هل التفسير المسمَّى بـ " تفسير الميزان " الذي قام بتأليفه الطبطبائي موثوق به، ولماذا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
مؤلف كتاب " الميزان في تفسير القرآن " من كبار الشيعة ومقدَّميهم، وهو محمد حسين، بن محمد، المتصل نسبه بالطباطبائي التبريزي، نسبة إلى " تبريز " ثاني مدن إيران بعد طهران. ولد سنة (١٩٠٣م) ، وأقام في " قم " يُعَلِّم ويتعلَّم حتى صار من كبار المتصدرين للتدريس والفتوى والتأليف في مدارس الشيعة هناك، ولما توفي سنة (١٩٨١م) أعلنت الدولة الحداد الرسمي.
إذا علم ذلك فلا يسع المسلم إلا أن يتوقف فيما يرد في مؤلفات هذا الكاتب ابتداء، لما عليه الشيعة الاثنا عشرية (الرافضة) من انحراف عقائدي خطير.
ثانيا:
هذا الكتاب " الميزان في تفسير القرآن " يُعَدُّ أولَ تفسير شيعي جديد بعد تفسيري " مجمع البيان " للطبرسي، و " التبيان " للطوسي، كانت بداياته على شكل محاضرات يلقيها الطباطبائي على طلابه، صدر المجلد الأول منه سنة (١٩٥٦م) ، وتوالت أجزاؤه حتى بلغ (٢٠) مجلدا، وترجم إلى الإنجليزية والفارسية.
هذه المعلومات ملخصة من رسالة ماجستير مقدمة إلى الجامعة الأردنية عام (١٩٩٤م) " تفسير محمد حسين الطباطبائي الميزان في تفسير القرآن: دراسة منهجية ونقدية " للباحث: يوسف الفقير، (ص/٦-٢٣)
ثالثا:
لنا على هذا التفسير الكثير من الملاحظات، منها:
١- تشكيكه بوقوع النقص في القرآن الكريم - وهذا كفر نعرفه عن كثير من علماء الشيعة -، فقد قال وهو يتحدث عن توثيق النص القرآني بطرق عدد من الروايات في جمع القرآن:
" وبالجملة الذي تدل عليه هذه الروايات أن الموجود فيما بين الدفتين من القرآن هو كلام الله تعالى، فلم يزد فيه شيء، ولم يتغير منه شيء، وأما النقص فإنها لا تفي بنفيه نفيا قطعيا " انتهى.
" الميزان " (١٢/١٢٥)
ويقول أيضا:
" وبالجملة الروايات السابقة كما ترى آحاد محفوفة بالقرائن القطعية نافية للتحريف بالزيادة والتغيير قطعا، دون النقص إلا ظنا، ودعوى بعضهم التواتر من حيث الجهات الثلاثة لا مستند لها " انتهى.
" الميزان " (١٢/١٢٦)
٢- التفسير الباطني الذي هو في حقيقته خروج عن الشريعة باسم الكشف والإلهام والفتوحات، تجد ذلك في " تفسير الميزان " عند تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) النور/٣٥
فهو ينقل البحث الروائي عن الإمام الصادق أنه سئل عن هذه الآية فقال: هو مثل ضربه الله لنا، فالنبي والأئمة صلوات الله عليهم من دلالات الله وآياته التي يهتدي بها إلى التوحيد ومصالح الدين.
ثم يعلق الطباطبائي فيقول:
" الرواية من قبيل الإشارة إلى بعض المصاديق، وهو من أفضل المصاديق، وهو النبي ﷺ والطاهرون من أهل بيته ﵈، وإلا فالآية تعم بظاهرها غيرهم من الأنبياء والأوصياء والأولياء " انتهى.
" الميزان " (١٥/١٤١)
٣- كثرة الموضوعات والمكذوبات والأحاديث التي لا أصل لها، والتي يقرر من خلالها عقائد ومبادئ باطلة، وهذه أمثلتها لا تحصى كثرة.
يقول الدكتور محمد حسين الذهبي ﵀:
" وأشهر تعاليم الإمامية الاثني عشرية أمور أربعة: العصمة، والمهدية، والرجعة، والتقية.
أما العصمة: فيقصدون منها أن الأئمة معصومون من الصغائر والكبائر في كل حياتهم، ولا يجوز عليهم شيء من الخطأ والنسيان.
وأما المهدية: فيقصدون منها الإمام المنتظر الذي يخرج في آخر الزمان، فيملأ الأرض أمناً وعدلاً بعد أن مُلئت خوفاً وجوراً، وأول مَن قال بهذا هو " كيسان " مولى عليّ بن أبي طالب في محمد ابن الحنفية، ثم تسرَّبت إلى طوائف الإمامية فكان لكل منها مهدي منتظر.
وأما الرجعة: فهي عقيدة لازمة لفكرة المهدية، ومعناها: أنه بعد ظهور المهدي المنتظر يرجع النبي ﷺ إلى الدنيا، ويرجع عليّ، والحسن، والحسين، بل وكل الأئمة، كما يرجع خصومهم، كأبي بكر وعمر، فيُقتص لهؤلاء الأئمة من خصومهم، ثم يموتون جميعاً، ثم يحيون يوم القيامة.
وأما التقية: فمعناها المداراة والمصانعة، وهي مبدأ أساسي عندهم، وجزء من الدين يكتمونه عن الناس، فهي نظام سري يسيرون على تعاليمه، فيدعون في الخفاء لإمامهم المختفي، ويظهرون الطاعة لمن بيده الأمر، فإذا قويت شوكتهم أعلنوها ثورة مسلحة في وجه الدولة القائمة الظالمة " انتهى.
" التفسير والمفسرون " (٣/٦٥-٦٦)
وتفسير " الميزان " مليء بهذه العقائد الفاسدة، ولتعرف مثالا واحدا من الاستدلالات الفاسدة التي يأتي بها المؤلف في هذا الكتاب، فانظر كيف يستدل على عقيدة الرجعة – بكل خصوصياتها وتعلقاتها - بقوله تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ) النمل/٨٣، فيقول:
" ظاهر الآية أن هذا الحشر في غير يوم القيامة – ثم ذكر سببا ساقطا لهذا التوجيه المتهافت - " انتهى. " الميزان " (١٥/٤٠٠)
٥- تقرير الكتاب لرؤوس المسائل الفقهية التي ضل فيها الشيعة وخالفوا ما أجمع عليه المسلمون فيها، مثل نكاح المتعة، فقد نصر القول بجوازه وأنكر على القائلين بحرمته في أكثر من موضع في كتابه، انظر " الميزان " (٤/٢٧٩-٣١٦)
٦- المراجع والمصادر التي ينقل منها الطباطبائي هي – في أغلبها – من كتب الشيعة الغارقة في الضلالة، كتفسير " الصافي " لمؤلفه الحاقد ملا محسن الكاشاني المعروف بالفيض الكاشاني الذي ملأ كتابه بالطعن على الخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين، نقل عنه في " الميزان " (١/٣٠٩) ، وقد بلغت هذه القائمة نحوا من (٨٣) كتابا – كما عدها الباحث يوسف الفقير في دراسته " تفسير محمد حسين الطباطبائي الميزان في تفسير القرآن: دراسة منهجية ونقدية " (ص/٨٣) -.
٧- وغير ذلك من المخالفات العقائدية الكلامية: مثل مسائل صفات الله تعالى، ورؤية الله يوم القيامة، وغير ذلك، وقد سار في أغلبها على ما يقول به المعتزلة من أقوال تخالف الكتاب والسنة.
يمكن مراجعة هذه المسائل عند الباحث يوسف الفقير (ص/١٣٩-١٦٠) .
والخلاصة أننا نحذر من قراءة هذا الكتاب إلا للمتخصصين الذي يميزون الغث من السمين، ويعرفون الحق من الباطل، أما عامة الناس فلا يجوز لهم إقحام أنفسهم في هذه المتاهات من الشبهات التي تطمس نور القلب والعقل.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1420
من يؤتى كتابه بشماله سيؤتاه من وراء ظهره
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف نجمع بين قول الله تعالى: (وأما من أوتي كتابه بشماله) وقوله: (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الجمع بينهما أن يقال: يأخذه بشماله لكن تخلع الشمال إلى الخلف من وراء ظهره، والجزاء من جنس العمل، فكما أن هذا الرجل جعل كتاب الله وراء ظهره، أعطي كتابه يوم القيامة من وراء ظهره، جزاءً وفاقاً" انتهى.
"مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" ﵀ (٢/٤٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1421
تفسير قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا)
[السُّؤَالُ]
ـ[ما تفسير قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الورود في الآية الكريمة: هو المرور على الصراط المنصوب على متن جهنم، فقد دلت الأحاديث والآثار الكثيرة على أن الصراط ينصب على جهنم، ويمر الناس عليه على قدر أعمالهم.
ونوصيك بمراجعة تفسير ابن كثير في ذلك؛ لمزيد الفائدة.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود، الشيخ عبد الله بن غديان.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٤/٢٥٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1422
لا يقبل التفسير العلمي للقرآن إذا خالف تفسير السلف
[السُّؤَالُ]
ـ[هل إذا فسر أحد المتأخرين آيات القرآن تفسيراً علمياً الآن، هل نرد تفسيره؛ لأن السلف كان لهم تفسير مخالف لهذا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"إذا فسر المتأخرون الآية بتفسير لم يتكلم فيه السابقون، وكان لا يخالف، فإنه يؤخذ به، مثل تفسير كثير من الآيات الكونية بما ثبت الآن مما كان مجهولاً من قبل. أما إذا كان يخالف ما كان عليه السلف مخالفةً واضحة كتفسير (الاستواء على العرش) بـ (الاستيلاء على العرش) ، فهذا يجب أن يُرَدَّ، ولا يجوز قبوله" انتهى.
فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀.
"لقاءات الباب المفتوح" (٢/١٠٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1423
الشر من خلق الله ونفي نسبته إلى الله من التأدب اللفظي
[السُّؤَالُ]
ـ[قال تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا. مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) النساء/٧٨-٧٩. سؤالي هو: هل الشر من عند أنفسنا أم من عند الله ؟ لأن بعض غير المسلمين يعدّون هذا الأمر تناقضا في القرآن الكريم. فهلا وضحتم لنا هذا الأمر.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فهم هذه الآية يسير على من يسره الله عليه، فهي من الآيات المحكمات في كتاب الله المبين، ليس فيها تناقض ولا تعارض إلا في أذهان بعض الحاقدين، ساعدهم جهلهم باللغة ومعاني القرآن الكريم، فظنوا أن قوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) يعني أن المصائب التي هي (السيئة) هنا يخلقها الإنسان نفسه، وهذا جهل بالغ لا يقع فيه إلا أعجمي نزعته عجمته، أو عربي مفتون غلبه هواه، وذلك أن حرف الجر (مِن) هنا – في قوله تعالى: (فمن نفسك) - تعني السببية، أي: بسببك أنت أيها الإنسان، بسبب معصيتك ومخالفتك أمر الله تعالى تصيبك المصائب، كما قال : (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) الشورى/٣٠.
يقول الحافظ ابن كثير ﵀:
" قوله: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ) أي: خِصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو ذلك، هذا معنى قول ابن عباس وأبي العالية والسدي.
(يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) أي: قحط، وجدب، ونقص في الثمار والزروع، أو موت أولاد أو نتاج، أو غير ذلك، كما يقوله أبو العالية والسدي.
(يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) أي: من قِبَلك، وبسبب اتباعنا لك، واقتدائنا بدينك، كما قال تعالى عن قوم فرعون: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ) الأعراف/١٣١، وكما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ [فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وِإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ) الحج/١١.
(قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البَرّ والفاجر، والمؤمن والكافر. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: الحسنة والسيئة. وكذا قال الحسن البصري.
ثم قال تعالى مخاطبًا للرسول ﷺ ، والمراد جنس الإنسان ليحصل الجواب: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) أي: من فضل الله ومنِّه ولطفه ورحمته.
(وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) أي: فمن قِبَلك، ومن عملك أنت، كما قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) الشورى/٣٠، قال السدي، والحسن البصري، وابن جُريج، وابن زيد: (فَمِنْ نَفْسِكَ) أي: بذنبك.
وقال قتادة: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) عقوبة يا ابن آدم بذنبك. قال: وذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: (لا يصيب رجلا خَدْش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عِرْق، إلا بذنب، وما يعفو الله أكثر)
وهذا الذي أرسله قتادة قد روي متصلا في الصحيح: (والذي نفسي بيده، لا يصيب المؤمن هَمٌّ ولا حَزَنٌ، ولا نَصَبٌ، حتى الشوكة يشاكها إلا كَفَّر الله عنه بها من خطاياه) " انتهى باختصار. " تفسير القرآن العظيم " (٢/٣٦١-٣٦٣)
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" قال تعالى: (ما أصابك من حسنة فمن الله) أي: ما أصابك من نصر ورزق وعافية فمن الله، نعمة أنعم بها عليك وإن كانت بسبب أعمالك الصالحة، فهو الذي هداك وأعانك ويسرك لليسرى ومنَّ عليك بالإيمان وزيَّنه في قلبك، وكرَّه إليك الكفر والفسوق والعصيان.
وفي آخر الحديث الصحيح الإلهي حديث أبي ذر عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎: (يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) وفي الحديث الصحيح: (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي؛ فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من يومه ذلك دخل الجنة، ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة)
ثم قال تعالى: (وما أصابك من سيئة) مِن ذل، وخوف، وهزيمة، كما أصابهم يوم أحد
(فمن نفسك) أي بذنوبك وخطاياك، وإن كان ذلك مكتوبا مقدرا عليك، فإن القدر ليس حجة لأحد، لا على الله، ولا على خلقه، ولو جاز لأحد أن يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات لم يعاقَب ظالم، ولم يقاتَل مشرك، ولم يُقم حد، ولم يَكف أحد عن ظلم أحد، وهذا من الفساد في الدين والدنيا، المعلوم ضرورة فساده للعالَم بصريح المعقول المطابق لما جاء به الرسول " انتهى.
" مجموع الفتاوى " (٨/١١٣-١١٤)
ويقول العلامة السعدي ﵀:
" يخبر تعالى عن الذين لا يعلمون، المعرضين عما جاءت به الرسل، المعارضين لهم: أنهم إذا جاءتهم حسنة أي: خصب وكثرة أموال وتوفر أولاد وصحة، قالوا: (هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ، وأنهم إن أصابتهم سيئة أي: جدب وفقر ومرض وموت أولاد وأحباب، قالوا: (هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) أي: بسبب ما جئتنا به يا محمد، تطيروا برسول الله ﷺ كما تطير أمثالهم برسل الله، كما أخبر الله عن قوم فرعون أنهم قالوا لموسى: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ) ، وقال قوم صالح: (قالوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ) ، وقال قوم ياسين لرسلهم: (إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ) الآية. فلما تشابهت قلوبهم بالكفر تشابهت أقوالهم وأعمالهم، وهكذا كل من نسب حصول الشر أو زوال الخير لما جاءت به الرسل أو لبعضه فهو داخل في هذا الذم الوخيم.
قال الله في جوابهم: (قُلْ كُلٌّ) أي: من الحسنة والسيئة، والخير والشر. (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: بقضائه وقدره وخلقه.
ثم قال تعالى: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ) أي: في الدين والدنيا (فَمِنَ اللَّهِ) هو الذي مَنَّ بها ويسرها بتيسير أسبابها.
(وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ) في الدين والدنيا (فَمِنْ نَفْسِكَ) أي: بذنوبك وكسبك، وما يعفو الله عنه أكثر.
فالله تعالى قد فتح لعباده أبواب إحسانه وأمرهم بالدخول لبره وفضله، وأخبرهم أن المعاصي مانعة من فضله، فإذا فعلها العبد فلا يلومن إلا نفسه، فإنه المانع لنفسه عن وصول فضل الله وبره " انتهى.
" تيسير الكريم الرحمن " (ص/١٨٨)
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" قول الله : (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله) النساء/٧٨، ثم يقول في الآية التي بعدها: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) النساء/٧٩، فكيف الجمع بينهما؟
فأجاب:
الجمع بينهما أن الآية الأولى تقديرا، يعني من الله، هو الذي قدرها، والآية الثانية سببا يعني: أن ما أصابك من سيئة فأنت السبب، والذي قدر السيئة وقدر العقوبة عليه هو الله " انتهى.
" لقاءات الباب المفتوح " (لقاء رقم/١٥، سؤال رقم/١٥)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1424
تفسير قوله تعالى (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة)
[السُّؤَالُ]
ـ[برجاء التكرم بتفسير الآية رقم ١،٢،٣ من سورة النور: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) ]ـ
[الْجَوَابُ]
االجواب:
الحمد لله
اختلف المفسرون في دلالة قوله تعالى: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) النور/٣ على تحريم زواج العفيف من المرأة الزانية حتى تتوب، وتحريم زواج المرأة العفيفة من الرجل الزاني حتى يتوب، وذلك على قولين:
القول الأول: أنها تدل على التحريم: وهو قول الإمام أحمد بن حنبل ﵀ كما نجد ذلك في " المغني " لابن قدامة (٧/١٠٨) ، وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم بالأدلة الكثيرة، انظر " مجموع الفتاوى " (١٥/٣١٥) ، (٣٢/١١٣) ، " إغاثة اللهفان " (١/٦٥) ، وقد سبق في موقعنا اختيار هذا القول في أجوبة الأسئلة الآتية: (٨٥٣٣٥) و (٩٦٤٦٠) و (١٠٤٤٩٢) .
ونحوه قول الإمام الشافعي ﵀، إلا أن الشافعي قال بأنها منسوخة، وأجاز الزواج من الزاني أو الزانية.
يقول ﵀:
" اختلف أهل التفسير في هذه الآية اختلافا متباينا، والذي يشبهه عندنا - والله أعلم - ما قال ابن المسيب: هي منسوخة، نسختها: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) النور/٣٢. فهي من أيامى المسلمين. فهذا كما قال ابن المسيب إن شاء الله، وعليه دلائل من الكتاب والسنة " انتهى.
" الأم " (٥/١٥٨)
القول الثاني: أنها لا تدل على التحريم أصلا: وهو قول أكثر أهل العلم.
يقول الحافظ ابن كثير ﵀:
" هذا خبر من الله تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة، أي: لا يطاوعه على مراده من الزنى إلا زانية عاصية أو مشركة لا ترى حرمة ذلك، وكذلك: (الزانية لا ينكحها إلا زان) أي: عاص بزناه، (أو مشرك) لا يعتقد تحريمه.
عن ابن عباس ﵄: ليس هذا بالنكاح، إنما هو الجماع، لا يزني بها إلا زان أو مشرك. وهذا إسناد صحيح عنه، وقد روي عنه من غير وجه أيضا. وقد روي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، والضحاك، ومكحول، ومقاتل بن حيان، وغير واحد، نحو ذلك " انتهى. " تفسير القرآن العظيم " (٦/٩)
وفي مناقشة هذين القولين الكثير من التدقيق والتحرير، وقد شرح ذلك ووضحه العلامة الأمين الشنقيطي في كتابه " أضواء البيان " (٥/٤١٧-٤٢٨) ، ننقل كلامه هنا بشيء من التصرف والاختصار:
" من أنواع البيان التي تضمّنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، ويكون في نفس الآية قرينة دالَّة على عدم صحة ذلك القول، ومن أمثلة ذلك هذه الآية الكريمة.
وإيضاح ذلك: أن العلماء اختلفوا في المراد بالنكاح في هذه الآية:
فقال جماعة: المراد بالنكاح في هذه الآية: الوطء الذي هو نفس الزنى.
وقالت جماعة أخرى من أهل العلم: إن المراد بالنكاح في هذه الآية هو عقد النكاح.
قالوا: فلا يجوز لعفيف أن يتزوّج زانية كعكسه، وهذا القول - الذي هو أن المراد بالنكاح في الآية: التزويج لا الوطء - في نفس الآية قرينة تدلّ على عدم صحّته، وتلك القرينة هي ذكر المشرك والمشركة في الآية؛ لأن الزاني المسلم لا يحلّ له نكاح مشركة، لقوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) ، وقوله تعالى: (لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) ، وقوله تعالى: (وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) وكذلك الزانية المسلمة لا يحلّ لها نكاح المشرك؛ لقوله تعالى: (وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ) ، فنكاح المشركة والمشرك لا يحلّ بحال. وذلك قرينة على أن المراد بالنكاح في الآية التي نحن بصددها الوطء، الذي هو الزنى، لا عقد النكاح؛ لعدم ملاءمة عقد النكاح لذكر المشرك والمشركة.
اعلم أن العلماء اختلفوا في جواز نكاح العفيف الزانية، ونكاح العفيفة الزاني، فذهب جماعة من أهل العلم منهم الأئمّة الثلاثة إلى جواز نكاح الزانية مع الكراهة التنزيهية عند مالك وأصحابه ومن وافقهم، واحتجّ أهل هذا القول بأدلّة:
منها عموم قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ) ، وهو شامل بعمومه الزانية والعفيفة، وعموم قوله تعالى: (وَأَنْكِحُواْ الايَامَى مِنْكُمْ) ، وهو شامل بعمومه الزانية أيضًا والعفيفة. ومن أدلّتهم على ذلك: حديث ابن عباس ﵄: أن رجلاً جاء إلى النبيّ ﷺ فقال: إن امرأتي لا تردّ يد لامس، قال: (غرّبها) ، قال: أخاف أن تتبعها نفسي؟ قال: (فاستمتع بها) . قال ابن حجر في " بلوغ المرام " في هذا الحديث، بعد أن ساقه باللفظ الذي ذكرنا: رواه أبو داود، والترمذي، والبزار ورجاله ثقات، وأخرجه النسائي من وجه آخر، عن ابن عباس ﵄، لفظ قال: (طلّقها) ، قال: لا أصبر عنها، قال: (فأمسكها) اهـ من " بلوغ المرام ".
ثم اعلم أن الذين قالوا بجواز تزويج الزانية والزاني أجابوا عن الاستدلال بالآية التي نحن بصددها، وهي قوله تعالى: (الزَّانِى لَا يَنكِحُ إِلَاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) ، من وجهين:
الأول: أن المراد بالنكاح في الآية هو الوطء الذي هو الزنى بعينه، قالوا: والمراد بالآية تقبيح الزنى وشدّة التنفير منه؛ لأن الزاني لا يطاوعه في زناه من النساء إلا التي هي في غاية الخسّة لكونها مشركة لا ترى حرمة الزنى أو زانية فاجرة خبيثة. وعلى هذا القول فالإشارة في قوله تعالى: (وَحُرّمَ ذالِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) راجعة إلى الوطء الذي هو الزنى، أعاذنا اللَّه وإخواننا المسلمين منه، كعكسه، وعلى هذا القول فلا إشكال في ذكر المشركة والمشرك.
الوجه الثاني: هو قولهم: إن المراد بالنكاح في الآية التزويج، إلا أن هذه الآية التي هي قوله تعالى: (الزَّانِى لَا يَنكِحُ إِلَاّ زَانِيَةً) الآية منسوخة بقوله تعالى: (وَأَنْكِحُواْ الايَامَى مِنْكُمْ) وممن ذهب إلى نسخها بها: سعيد بن المسيّب، والشافعي.
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: وقد روي عن ابن عباس وأصحابه أن النكاح في هذه الآية: الوطء.
وابن عباس ﵄ من أعلم الصحابة بتفسير القرءان العظيم، ولا شكّ في علمه باللغة العربية، فقوله في هذه الآية الكريمة بأن النكاح فيها هو الجماع لا العقد يدلّ على أن ذلك جار على الأسلوب العربي الفصيح، فدعوى أن هذا التفسير لا يصحّ في العربية، وأنه قبيح، يردّه قول البحر ابن عباس.
وقالت جماعة أخرى من أهل العلم: لا يجوز تزويج الزاني لعفيفة ولا عكسه، وهو مذهب الإمام أحمد، وقد روي عن الحسن وقتادة، واستدلّ أهل هذا القول بآيات وأحاديث:
فمن الآيات التي استدلّوا بها هذه الآية التي نحن بصددها، وهي قوله تعالى: (الزَّانِى لَا يَنكِحُ إِلَاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذالِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) ، قالوا: المراد بالنكاح في هذه الآية: التزويج، وقد نصّ اللَّه على تحريمه في قوله: (وَحُرّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) قالوا: والإشارة بقوله: (ذلِكَ) ، راجعة إلى تزويج الزاني بغير الزانية أو المشركة، وهو نصّ قرءاني في تحريم نكاح الزاني العفيفة، كعكسه.
ومن الآيات التي استدلّوا بها قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ) ، قالوا: فقوله: (مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) ، أي: أعِفَّاء غير زناة. ويفهم من مفهوم مخالفة الآية أنه لا يجوز نكاح المسافح الذي هو الزاني لمحصنة مؤمنة، ولا محصنة عفيفة من أهل الكتاب، وقوله تعالى: (فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَات غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) ، فقوله: (مُحْصَنَات غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ) ، أي: عفائف غير زانيات، ويفهم من مفهوم مخالفة الآية، أنهن لو كنّ مسافحات غير محصنات، لما جاز تزوّجهن.
ومن أدلّة أهل هذا القول أن جميع الأحاديث الواردة في سبب نزول آية (الزَّانِى لَا يَنكِحُ إِلَاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) كلّها في عقد النكاح وليس واحد منها في الوطء، والمقرّر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول. وأنه قد جاء في السنّة ما يؤيّد صحّة ما قالوا في الآية، من أن النكاح فيها التزويج، وأن الزاني لا يتزوّج إلا زانية مثله، فقد روى أبو هريرة عن رسول اللَّه ﷺ أنّه قال: (الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله) ، وقال ابن حجر في بلوغ المرام في حديث أبي هريرة هذا: رواه أحمد، وأبو داود ورجاله ثقات.
وأمّا الأحاديث الواردة في سبب نزول الآية:
فمنها ما رواه عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن رجلاً من المسلمين استأذن رسول اللَّه ﷺ في امرأة يقال لها أُمّ مهزول، كانت تسافح، وتشترط له أن تنفق عليه، قال: فاستأذن النبيّ ﷺ أو ذكر له أمرها، فقرأ عليه نبيّ اللَّه: (وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) . رواه أحمد.
ومنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى بمكّة، وكانت بمكّة بغي يقال لها عناق، وكانت صديقته، قال: فجئت النبيّ ﷺ فقلت: يا رسول اللَّها أنكح عناقًا؟ قال: فسكت عني، فنزلت: (وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) ، فدعاني فقرأها عليّ، وقال: (لا تنكحها) . رواه أبو داود، والنسائي والترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه.
قالوا: فهذه الأحاديث وأمثالها تدلّ على أن النكاح في قوله: (الزَّانِى لَا يَنكِحُ إِلَاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) ، أنه التزويج لا الوطء، وصورة النزول قطعية الدخول؛ كما تقرّر في الأصول.
وقال ابن القيّم في (زاد المعاد) ، ما نصّه: وأمّا نكاح الزانية فقد صرّح اللَّه بتحريمه في سورة (النور) ، وأخبر أن من نكحها فهو إما زانٍ أو مشرك، فإنه إما أن يلتزم حكمه سبحان، ويعتقد وجوبه عليه أو لا، فإن لم يلتزمه، ولم يعتقده فهو مشرك، وإن التزمه واعتقد وجوبه، وخالفه فهو زان، ثم صرح بتحريمه، فقال: (وَحُرّمَ ذالِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) ، ولا يخفى أن دعوى النسخ للآية بقوله: (وَأَنْكِحُواْ الايَامَى مِنْكُمْ) من أضعف ما يقال، وأضعف منه حمل النكاح على الزنى. إذ يصير معنى الآية: الزاني لا يزنى إلا بزانية أو مشركة، والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك، وكلام اللَّه ينبغي أن يصان عن مثل هذا، وكذلك حمل الآية على امرأة بغي مشركة في غاية البعد عن لفظها وسياقها، كيف وهو سبحانه إنما أباح نكاح الحرائر والإماء بشرط الإحصان، وهو العفة، فقال: (فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَات غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) فإنما أباح نكاحها في هذه الحالة دون غيرها، وليس هذا من دلالة المفهوم، فإن الأبضاع في الأصل على التحريم، فيقتصر في إباحتها على ما ورد به الشرع، وما عداه فعلى أصل التحريم، انتهى محل الغرض من كلام ابن القيّم.
وهذه الأدلّة التي ذكرنا هي حجج القائلين بمنع تزويج الزاني العفيفة كعكسه، وإذا عرفت أقوال أهل العلم، وأدلّتهم في مسألة نكاح الزانية والزاني، فهذه مناقشة أدلّتهم:
أمّا قول ابن القيم: إن حمل الزنا في الآية على الوطء ينبغي أن يصان عن مثله كتاب اللَّه، فيردّه أن ابن عباس وهو في المعرفة باللغة العربية وبمعاني القرءان صحّ عنه حمل الزنى في الآية على الوطء، ولو كان ذلك ينبغي أن يصان عن مثله كتاب اللَّه لصانه عنه ابن عباس، ولم يقل به ولم يخف عليه أنه ينبغي أن يصان عن مثله.
وقال ابن العربي في تفسير ابن عباس للزنى في الآية بالوطء: هو معنى صحيح. انتهى منه بواسطة نقل القرطبي عنه.
وأمّا قول سعيد بن المسيّب والشافعي، بأن آية: (الزَّانِى لَا يَنكِحُ إِلَاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) ، منسوخة بقوله: (وَأَنْكِحُواْ الايَامَى مِنْكُمْ) فهو مستبعد؛ لأن المقرّر في أصول الشافعي ومالك وأحمد هو أنه لا يصحّ نسخ الخاص بالعام، وأن الخاص يقضى على العام مطلقًا، سواء تقدم نزوله عنه أو تأخّر، ومعلوم أن آية (وَأَنْكِحُواْ الأيَامَى مِنْكُمْ) أعمّ مطلقًا من آية: (الزَّانِى لَا يَنكِحُ إِلَاّ زَانِيَةً) فالقول بنسخها لها ممنوع على المقرّر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين، وإنما يجوز ذلك على المقرّر في أصول أبي حنيفة ﵀، كما قدمنا إيضاحه في سورة (الأنعام) ، وقد يجاب عن قول سعيد، والشافعي بالنسخ بأنهما فهماه من قرينة في الآية، وهي أنه لم يقيد الأيامى الأحرار بالصلاح، وإنما قيّد بالصلاح في أيامى العبيد والإماء، ولذا قال بعد الآية: (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ)
قال مقيّده عفا اللَّه عنه وغفر له:
هذه الآية الكريمة من أصعب الآيات تحقيقًا؛ لأن حمل النكاح فيها على التزويج، لا يلائم ذكر المشركة والمشرك، وحمل النكاح فيها على الوطء لا يلائم الأحاديث الواردة المتعلّقة بالآية، فإنها تعين أن المراد بالنكاح في الآية: التزويج.
ولا أعلم مخرجًا واضحًا من الإشكال في هذه الآية إلا مع بعض تعسّف، وهو أن أصحّ الأقوال عند الأصوليين - كما حرّره أبو العباس بن تيمية في رسالته في علوم القرءان، وعزاه لأجلاّء علماء المذاهب الأربعة - هو جواز حمل المشترك على معنييه، أو معانيه، فيجوز أن تقول: عدا اللصوص البارحة على عين زيد، وتعني بذلك أنهم عوّروا عينه الباصرة وغوّروا عينه الجارية، وسرقوا عينه التي هي ذهبه أو فضّته.
وإذا علمت ذلك، فاعلم أن النكاح مشترك بين الوطء والتزويج، خلافًا لمن زعم أنه حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر، كما أشرنا له سابقًا، وإذا جاز حمل المشترك على معنييه، فيحمل النكاح في الآية على الوطء، وعلى التزويج معًا، ويكون ذكر المشركة والمشرك على تفسير النكاح بالوطء دون العقد، وهذا هو نوع التعسّف الذي أشرنا له، والعلم عند اللَّه تعالى.
وأكثر أهل العلم على إباحة تزويج الزانية والمانعون لذلك أقلّ، وقد عرفت أدلّة الجميع.
واعلم أن الذين قالوا بجواز نكاح العفيف الزانية، لا يلزم من قولهم أن يكون زوج الزانية العفيف ديوثًا؛ لأنه إنما يتزوّجها ليحفظها، ويحرسها، ويمنعها من ارتكاب ما لا ينبغي منعًا باتًّا بأن يراقبها دائمًا، وإذا خرج ترك الأبواب مقفلة دونها، وأوصى بها من يحرسها بعده فهو يستمتع بها، مع شدّة الغيرة والمحافظة عليها من الريبة، وإن جرى منها شىء لا علم له به مع اجتهاده في صيانتها وحفظها فلا شىء عليه فيه، ولا يكون به ديوثًا، كما هو معلوم.
والأظهر لنا في هذ المسألة أن المسلم لا ينبغي له أن يتزوّج إلا عفيفة صينة، للآيات التي ذكرنا والأحاديث ويؤيّده حديث: (فاظفر بذات الدين تربت بداك) ، والعلم عند اللَّه تعالى " انتهى كلام الشيخ الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1425
هل الرفع لدرجة الآباء في الجنة يكون للذرية جميعها صغارها وكبارها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[السؤال: قرأتُ أنه من كرم الله أنه يرفع درجة الأبناء في الجنة إلى درجة آبائهم الأعلى منهم , وعلى هذا الأمر فإن أبناء الصحابة سترفع درجتهم لدرجة آبائهم، والأحفاد لدرجة الآباء، وهكذا كل جيل يرفع الجيل التالي حتى يصل الأمر لجيلنا فنرتفع لدرجة الصحابة إذا كنا أحفادهم، مما قد يسبب التهاون بالعمل ونعتمد على هذا الكرم الإلهي، فما رأيكم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الإشكال الوارد في السؤال يرد عند الحديث على قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) الطور/٢١، وقد اختلف أهل التفسير في لفظ " الذرية " هل يراد به: الصغار، أو الكبار، فأما من قال إن المراد به الصغار، فلا إشكال عنده في معنى الآية، وإنما يرد الإشكال في حال كون معنى " الذرية ": الكبار، والراجح في تفسيرها أنهم الصغار، وعليه: فلا يرد ما استشكله الأخ السائل، فالرفع للذرية الصغار، وإلا للزم كون جميع أهل الجنة في درجة واحدة.
١. قال ابن قيم الجوزية ﵀:
" وقد اختلف المفسرون في " الذرية " في هذه الآية، هل المراد بها: الصغار، أو الكبار، أو النوعان، على ثلاثة أقوال. ....
ثم قال:
واختصاص " الذرية " ههنا بالصغار: أظهر؛ لئلا يلزم استواء المتأخرين بالسابقين في الدرجات، ولا يلزم مثل هذا في الصغار؛ فإن أطفال كل رجل وذريته معه في درجته، والله أعلم " انتهى.
"حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" (ص ٢٧٩-٢٨١) باختصار.
٢. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
" إذا كان الأولاد سعداء، والأب من السعداء: فإن الله ﵎ يقول في كتابه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) يعني: أن الإنسان إذا كان له ذرية، وكانوا من أهل الجنة: فإنهم يَتبعون آباءهم، وإن نزلت درجتُهم عن الآباء، ولهذا قال: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ) أي: ما نقصنا الآباء (مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) بل الآباء بقي ثوابهم موفَّراً، ورُفعت الذرية إلى مكان آبائها، هذا ما لم يَخرج الأبناء عن الذرية بحيث ينفردون بأزواجهم، وأهليهم، فيكون هؤلاء لهم فضلهم الخاص، ولا يلحقون بآبائهم؛ لأننا لو قلنا: كل واحد يلحق بأبيه ولو كان له أزواج، أو كان منفرداً بنفسه: لكان أهل الجنة كلهم في مرتبة واحدة؛ لأن كل واحد من ذرية من فوقه، لكن المراد بالذرية: الذين كانوا معه، ولم ينفردوا بأنفسهم، وأزواجهم، وأولادهم، فهؤلاء يرفعون إلى منزلة آبائهم، ولا يُنقص الآباء من عملهم من شيء " انتهى.
"فتاوى نور على الدرب" (شريط ٣٢٤، وجه: أ) .
٣. وقال ﵀ أيضاً -:
" ثم قال : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) الطور/٢١، الذين آمنوا واتبعتهم الذرية بالإيمان، والذرية التي يكون إيمانها تبعاً: هي الذرية الصغار، فيقول الله : (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) أي: جعلنا ذريتهم تلحقهم في درجاتهم.
وأما الكبار الذين تزوجوا: فهم مستقلون بأنفسهم في درجاتهم في الجنة، لا يلحقون بآبائهم؛ لأن لهم ذرية، فهم في مقرهم، أما الذرية الصغار التابعون لآبائهم: فإنهم يرقَّون إلى آبائهم، هذه الترقية لا تستلزم النقص من ثواب ودرجات الآباء، ولهذا قال: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) ، (ألتناهم) يعني: نقصناهم، يعني: أن ذريتهم تلحق بهم، ولا يقال أخصم من درجات الآباء بقدر ما رفعتم درجات الذرية، بل يقول: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) " انتهى.
"تفسير القرآن من الحجرات إلى الحديد" (ص ١٨٧) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1426
هل ثمة تعارض بين خلق الجان من نار وبين قوله تعالى (وجعلنا من الماء كل شيء حي) ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[في سؤال يثيره بعض المسيحيين في المنتديات، وهو الآية القرآنية (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) الأنبياء/٣٠، والآية الأخرى (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ) الرحمن/١٥، فهل هذا تناقض؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لِلَّه
أولا:
أخبرنا الله في كتابه الكريم عن أصل خلق الجن، فقال تعالى: (وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ) الحجر/٢٧، وقال تعالى: (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ) الرحمن/١٥
وفي الحديث عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ) رواه مسلم (٢٩٩٦)
انظر جواب السؤال رقم (٢٣٤٠) ، (٦٤٨٥) ، (١٣٣٧٨)
ثانيا:
يقول : (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) الأنبياء/٣٠.
ولفهم معنى الآية الكريمة فهما صحيحا، وللوقوف على ما تقتضيه اللغة العربية في ذلك، لا بد من بيان بعض الأمور:
١- التأمل في سياق الآيات من ضرورات الفهم الصحيح، ويبدو للقارئ أن سياق هذه الآية في معرض إفحام المشركين بالحجج والبراهين، والرد على بعض ما يعتقدونه من الباطل.
يقول ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (٣/٢٣٨) :
" يقول تعالى منبها على قدرته التامة وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء وقهره لجميع المخلوقات فقال: (أولم ير الذين كفروا) أي: الجاحدون لإلهيته، العابدون معه غيره، ألم يعلموا أن الله هو المستقل بالخلق، المستبد بالتدبير، فكيف يليق أن يعبد معه غيره، أو يشرك به ما سواه، ألم يروا (أن السموات والأرض كانتا رتقا) أي: كان الجميع متصلا بعضه ببعض، متلاصق متراكم بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه من هذه، فجعل السموات سبعا، والأرض سبعا، وفصل بين السماء الدنيا والأرض بالهواء، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض، ولهذا قال: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤمِنُُونَ) أي: وهم يشاهدون المخلوقات تحدث شيئا فشيئا عيانا، وذلك كله دليل على وجود الصانع الفاعل المختار القادر على ما يشاء " انتهى.
إذا فمناسبة سياق المحاججة تقتضي الاستشهاد بآيات ظاهرة يشاهدها المخاطبون ويعايشونها، فكان قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) منطلقا من واقعهم الذي يرونه: من حاجتهم وحاجة جميع الحيوانات إلى الماء، أو من تخلقهم وتخلق الحيوانات من ماء التناسل. وليس في هذا السياق تعرض ـ أصلا ـ لعالم الغيب من الملائكة أو الجن أو غيرهم من خلق الله؛ لأن المحاججة إنما تكون بعالم الشهادة، حتى تكون الحجة أقوى وأبين، وأما عالم الغيب فقد لا يؤمن به المخاطب، فضلا عن أن يعرف كيفية خلقه وما هي مكوناته، وعلى هذا يكون الجن والملائكة لم يدخلوا في سياق العموم ابتداء.
٢- صيغ العموم في اللغة العربية ليست دائما على إطلاق عمومها، فقد تكون مخصوصة، بل قال أهل العلم: إن أكثر عمومات القرآن مخصوصة.
وقد جاءت صيغة العموم (كل) في بعض الآيات، ولم تدل على العموم المطلق، وذلك في قوله تعالى عن الريح التي أرسلها لإهلاك قوم عاد: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) الأحقاف/٢٥، وقوله تعالى عن ملكة سبأ: (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ) النمل/٢٣، ومن المعلوم أن الريح لم تدمر السماء ولا حتى المساكن، وأن ملكة سبأ لم تؤت ما أوتيه النبي سليمان ﵇.
وعلى هذا ينبغي فهم صيغ العموم في القرآن، لأنه نزل بلسان عربي مبين، والعرب تطلق صيغ العموم كثيرا، وهي تعلم أن ثمة بعض المخصوصات.
فكذلك قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) ينبغي تخصيصه بالملائكة، فإنها قد خلقت من نور، ولا تحتاج إلى الماء، ويبقى الجن أيضا في دائرة احتمال التخصيص.
وبهذا يظهر التوافق وعدم التناقض بين الآيات.
يقول الألوسي في "روح المعاني" (٧/٣٦) : " ولا بد من تخصيص العام، لأن الملائكة ﵈ وكذا الجن أحياء، وليسوا مخلوقين من الماء " انتهى.
وانظر "البحر المحيط" لأبي حيان (٨/٣٢٧) .
ويقول الرازي في تفسيره (١١/١٣) : " لقائل أن يقول: كيف قال: وخلقنا من الماء كل حيوان، وقد قال: (والجآن خلقناه مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم) الحجر/٢٧، وجاء في الأخبار أن الله تعالى خلق الملائكة من النور، وقال تعالى في حق عيسى ﵇: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِى) المائدة/١١٠، وقال في حق آدم: (خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ) آل عمران/٥٩.
والجواب: اللفظ وإن كان عاماً إلا أن القرينة المخصِّصَة قائمة، فإن الدليل لا بد وأن يكون مشاهداً محسوساً ليكون أقرب إلى المقصود، وبهذا الطريق تخرج عنه الملائكة والجن وآدم وقصة عيسى ﵈؛ لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك " انتهى.
ونقله الشنقيطي في "أضواء البيان" (٤/٢١٥) .
٣- وخلق الجن من النار هو في أصل خلق الله لهم، ثم كان تكاثرهم عن طريق التناسل، تماما كما أن الله خلق الإنسان بداية من الطين، ثم بدأ بالتناسل والتكاثر، ولما لم نكن نعرف شيئا عن كيفية تناسل الجن، يبقى احتمال تناسلهم بماء التناسل قائما، ومن ينفي الاحتمال يحتاج إلى دليل حسي أو عقلي أو شرعي، وقد لا يوجد، وقد فسر بعض أهل العلم: ومنهم أبو العالية من السلف، الماءَ الوارد في قوله سبحانه: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) بماء النطفة التي جعلها الله طريق التناسل في جميع الحيوانات، فقد يكون الجن يتناسلون بالنطف أيضا.
يقول الشنقيطي في "أضواء البيان" (٤/٢١٦-٢١٧) :
" قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ)
الظاهر أن (جَعل) هنا بمعنى خَلَق؛ لأنها متعدية لمفعول واحد؛ ويدل لذلك قوله تعالى في سورة النور: (والله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ) النور/٤٥
واختلف العلماء في معنى: " خلق كل شيء من الماء ":
قال بعض العلماء: الماء الذي خلق منه كل شيء هو النطفة؛ لأن الله خلق جميع الحيوانات التي تولد عن طريق التناسل من النطف، وعلى هذا فهو من العام المخصوص.
وقال بعض العلماء: هو الماء المعروف؛ لأن الحيوانات إما مخلوقة منه مباشرة، كبعض الحيوانات التي تتخلق من الماء، وإما غير مباشرة؛ لأن النطف من الأغذية، والأغذية كلَّها ناشئة عن الماء، وذلك في الحبوب والثمار ونحوها ظاهر، وكذلك هو في اللحوم والألبان والأسماك ونحوها: لأنه كله ناشئ بسبب الماء.
وقال بعض أهل العلم: معنى خَلْقه كل حيوان من ماء: أنه كأنما خلقه من الماء لفرط احتياجه إليه، وقلة صبره عنه، كقوله: (خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ) " انتهى.
وانظر "زاد المسير" (٥/٣٤٨) ، "تفسير القرطبي" (١١/٢٤٨) ، "الدر المنثور" (٥/٦٢٦) .
ثالثا:
يظهر جليا لمن يهتم بالجواب عن الشبه التي يطلقها بعض النصارى أنَّ هؤلاء المنشغلين باستخراج هذه الشبه بعيدون كل البعد عن فهم اللغة العربية، بل قد يكونون من الأعاجم الذين لم يدرسوا العربية، وإنما يريدون العبث ومحاولة الطعن في هذا القرآن العظيم.
وكل عاقل يدرك أن لا محل لأي تناقض في كتاب الله تعالى، ليس ذلك فقط لأن الله قال فيه: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً) النساء/٨٢، بل لأن العرب أصحاب اللسان العربي العالي، البالغ في الفصاحة والبلاغة القمة العالية، والذي تحداهم القرآن في آيات عديدة أن يجاروا أسلوب القرآن الرفيع، فلم يستطيعوا إليه سبيلا، لم يَدُر في خلدهم مثل هذه الدعاوى المتنطَّعة في تناقض القرآن، ولم يخطر لهم مثل هذه الشبه مع شدة تحريهم عن كل مطعن في القرآن.
ويدلك ذلك على الجهل الذي يخيم في أذهان أصحاب الشبه هؤلاء، وهم لا يشعرون أنهم بشبهاتهم هذه إنما يكشفون عن جهلهم وقلة معرفتهم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1427
معنى قوله تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن)
[السُّؤَالُ]
ـ[قال الله تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) ، ولم يقل على وجوههن، فدل ذلك على أن وجه المرأة ليس عورة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يصح الاستدلال بقوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) على عدم وجوب ستر المرأة وجهها، بل العكس هو الصحيح، فهذه الآية تدل على وجوب ذلك، ويبين هذا:
فعل الصحابيات الجليلات من المهاجرات بعد نزول هذه الآية، فقد شققن أزرهنَّ وغطين بها رؤوسهن ووجوههن، كما ذكرت ذلك عائشة ﵂.
فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) : شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا) رواه البخاري (٤٤٨٠) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
"قوله: (مروطهن) : جمع مرط، وهو الإزار، وفي الرواية الثانية: (أزرهن) ، قوله: (فاختمرن) أي: غطين وجوههن، وصفة ذلك: أن تضع الخمار على رأسها، وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنع" انتهى.
" فتح الباري " (٨ / ٤٩٠) .
وقال الشنقيطي ﵀:
"وهذا الحديث الصحيح صريح في أن النساء الصحابيّات المذكورات فيه فهمن أن معنى قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) : يقتضي ستر وجوههن، وأنهن شققن أزرهن فاختمرن، أي: سترن وجوههن بها؛ امتثالاً لأمر اللَّه في قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) ، المقتضي: ستر وجوههن.
وبهذا يتحقّق المنصف: أن احتجاب المرأة عن الرجال وسترها وجهها عنهم: ثابت في السنَّة الصحيحة، المفسّرة لكتاب اللَّه تعالى، وقد أثنت عائشة ﵂ على تلك النساء بمسارعتهن لامتثال أوامر اللَّه في كتابه، ومعلوم أنهن ما فهِمْن ستر الوجوه من قوله: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) ، إلا من النبيّ ﷺ ؛ لأنه موجود، وهنَّ يسألنه عن كل ما أشكل عليهن في دينهن، واللَّه جلَّ وعلا يقول: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) ، فلا يمكن أن يفسرنها من تلقاء أنفسهن ... .
فالعجب كل العجب، ممن يدّعي من المنتسبين للعلم أنه لم يرد في الكتاب ولا السنَّة ما يدلّ على ستر المرأة وجهها عن الأجانب، مع أن الصحابيات فعلن ذلك ممتثلات أمر اللَّه في كتابه إيمانًا بتنزيله، ومعنى هذا ثابت في الصحيح، كما تقدم عن البخاري، وهذا من أعظم الأدلّة وأصرحها في لزوم الحجاب لجميع نساء المسلمين، كما ترى" انتهى.
" أضواء البيان " (٦ / ٢٥٠، ٢٥١) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1428
وقفة مع قوله تعالى (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها)
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض أعداء الإسلام من الملحدين يحاولون النيل والطعن في هذا الدين وإثارة الشبه، فحاولوا تفسير الآية من سورة الإسراء المباركة (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) (١٦) , وفق تفسيرات ونظرة مجردة توهم القارئ الغافل ويدّعون بأن الآية الكريمة تُظهر الله وكأنه - تنزَّه الله عن ذلك - الإله الظالم المستبد , وأن إرادته للشر تفوق خيره وأنا وللأسف الشديد جدّاً , لست على دراية كاملة بقرآني , ولكن والله إني لما سمعت هذا الكلام: انتفض الدم في عروقي، أنا من نظري وعلمي المحدود أفادنا الله منكم - بأن هذه الآية المباركة وثيقة الصلة بما قبلها من آيات , وأنها مربوطة بحال بني إسرائيل، وظلمهم، وكفرهم البين , مع الإصرار على المعصية، وتجاهل العقاب الرباني العادل، فالله لما رأى منهم الإصرار على المعصية مع سبق الإصرار والترصد في الذنب أراد أن يحكم عليهم بأن أدام المترفين في غيهم، فهم الفئة التي يلجأ إليها الناس دوما، وهم القدوة، لتكون حجة قاطعة من عنده . أفيدوني فوراً، أفادكم الله تعالى]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه الآية فيها أقوال للعلماء مشهورة، وملخصها: أن الأمر فيها إما أن يكون أمراً شرعيّاً وهو موجه للمترفين، لكنه أمر بالطاعة، فأبوها، وإما أن يكون من الأمر الكوني لله تعالى، كما هو الحال في القضاء الكوني في قوله تعالى (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً) الإسراء/ ٤، والقول الثالث: أنه " أمَرنا " بمعنى أكثرنا، وليس ثمة عاقل يقول إن الأمر في الآية هو الأمر الشرعي للمترفين بالفسق؛ يعني: أن الله شرع الفسق، وجعله دينا لهم، جل الله عما يقول الجاهلون، وتقدس وتنزه؛ كما قال تعالى عن نفسه (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) الأعراف/ ٢٨.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀: قوله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) .
في معنى قوله (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) في هذه الآية الكريمة ثلاثة مذاهب معروفة عند علماء التفسير:
الأول: وهو الصواب الذي يشهد له القرآن، وعليه جمهور العلماء أن الأمر في قوله (أَمْرُنَا) هو الأمر الذي هو ضد النهي، وأن متعلق الأمر محذوف لظهوره. والمعنى: (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) بطاعة الله وتوحيده، وتصديق رسله وأتباعهم فيما جاؤوا به (فَفَسَقُواْ) أي: خرجوا عن طاعة أمر ربهم، وعصوه وكذبوا رسله.
(فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ) أي: وجب عليها الوعيد (فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) أي: أهلكناها إهلاكاً مستأصلاً، وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم.
وهذا القول الذي هو الحق في هذه الآية تشهد له آيات كثيرة، كقوله: (وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ... ) .
فتصريحه جل وعلا بأنه لا يأمر بالفحشاء دليل واضح على أن قوله (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ) أي: أمرناهم بالطاعة فعصوا، وليس المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء.
ومن الآيات الدالة على هذا: قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) .
فقوله في هذه الآية (وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ ... ) الآية: لفظ عام، في جميع المترفين، من جميع القرى، أن الرسل أمرتهم بطاعة الله فقالوا لهم: (إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) ، وتبجحوا بأموالهم وأولادهم، والآيات بمثل ذلك كثيرة ...
وهذا القول الصحيح في الآية جارٍ على الأسلوب العربي المألوف، من قولهم: " أمرتُه فعصاني "، أي: أمرته بالطاعة فعصى، وليس المعنى: أمرته بالعصيان، كما لا يخفى.
القول الثاني في الآية هو: أن الأمر في قوله (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) أمرٌ كوني قدري، أي: قدَّرنا عليهم ذلك، وسخرناهم له؛ لأن كلاًّ ميسرٌ لما خُلق له، والأمر الكوني القدري كقوله (وَمَا أَمْرُنَا إِلَاّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحِ بِالْبَصَرِ) ، وقوله: (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ) ، وقوله (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً) ، وقوله (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) .
القول الثالث في الآية: أن (أَمَرْنَا) بمعنى: أكْثرنا، أي: أكثرنا مترفيها، ففسقوا.
وقال أبو عبيدة: (أَمْرُنَا) بمعنى: أكثرنا، لغة فصيحة، كآمرنا، بالمد.
وقد علمتَ أن التحقيق الذي دل عليه القرآن: أنَّ معنى الآية: أمَرْنا مترفيها بالطاعة فعصوا أمْرَنا، فوجب عليهم الوعيد، فأهلكناهم، كما تقدم إيضاحه.
تنبيه:
في هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال: إن الله أسند الفسق فيها لخصوص المترفين دون غيرهم في قوله (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا) مع أنه ذكر عموم الهلاك للجميع، المترفين وغيرهم، في قوله (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) يعني: القرية، ولم يستثن منها غير المترفين؟ .
والجواب من وجهين:
الأول: أن غير المترفين تبع لهم، وإنما خص بالذكر المترفين الذين هم سادتهم وكبراؤهم لأن غيرهم تبع لهم، كما قال تعالى: (وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ) ، وكقوله (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ) ، وقوله: (حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا) ، وقوله تعالى: (وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ) ، وقوله: (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِى النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ النَّارِ) إلى غير ذلك من الآيات.
الوجه الثاني: أن بعضهم إن عصى الله، وبغى، وطغى، ولم ينههم الآخرون: فإن الهلاك يعم الجميع، كما قال تعالى: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً) ، وفي الصحيح من حديث أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂: أنها لما سمعت النَّبي ﷺ يقول: (لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرٍّ قد اقتربْ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه) وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت له: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم، إذا كثر الخبث)
" أضواء البيان " (٣ / ٧٥ – ٧٩) باختصار.
وبه يتبين أنه لا يتعلق بتلك الآية لتشكيك الناس في أمر دينهم، أو الطعن في كتاب ربهم، إلا جاهل بلغة العرب، جاهل بكتاب الله، جاهل بسنة رسول الله ﷺ .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1429
تفسير قوله تعالى (خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب)
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو تفسير قوله تعالى: (يخرج من بين الصلب والترائب) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
المراد بالآية تذكير الإنسان بأصل نشأته، وخلقه من ذلك الماء الدافق، وأن الذي خلقه هذه الخلقة بقدرته، قادر ـ سبحانه ـ على أن يعيد بعثه للحساب، مرة أخرى. قال الزمخشري: " فإن قلت: ما وجه اتصال قوله (فَلْيَنظُرِ) بما قبله؟
قلت: وجه اتصاله به: أنه لما ذكر أن على كل نفس حافظاً، أتبعه توصيةَ الإنسان بالنظر في أوّل أمره ونشأته الأولى؛ حتى يعلم أنّ من أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فيعملَ ليوم الإعادة والجزاء، ولا يُملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبته " انتهى من "تفسير الكشاف".
وإذا كان الصلب هو: الظهر، باتفاق المفسرين هنا، وأما الترائب، فقد اختلف أهل العلم فيما هي، وأين موضعا.
قال الإمام الطبري ﵀: " واختلف أهل التأويل في معنى الترائب، وموضعها:
قال بعضهم: الترائب: موضع القلادة من صدر المرأة "، وهو مروي عن ابن عباس وعكرمة، وغيرهما.
وقال آخرون: الترائب: ما بين المنكبين والصدر، وهو مروى عن مجاهد، وغيره من السلف.
وقال آخرون: معنى ذلك، أنه يخرج من بين صلب الرجل ونحره "، وهو مروى عن قتادة.
وروى ـ أيضا ـ قول من قال: هو اليدان والرجلان والعينان، ومن قال: هي الأضلاع التي أسفل الصلب، ومن قال: هي عصارة القلب.
ثم قال – أي: الطبري ﵀: " والصواب من القول في ذلك عندنا، قولُ من قال: هو موضع القِلادة من المرأة، حيث تقع عليه من صدرها؛ لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، وبه جاءت أشعارهم، قال المثقَّب العبدي:
وَمِنْ ذَهَبٍ يُسَنُّ عَلَى تَرِيبٍ ... كَلَوْنِ العَاجِ لَيْسَ بِذِي غُضُونِ " انتهى بتصرف.
تفسير الطبري (٢٤/٣٥٤-٣٥٦) .
وهذا الذي اختاره إمام المفسرين: من أن المراد به: صلب الرجل، وترائب المرأة، وهو موضع القلادة منها، هو الذي اختاره الإمام القرطبي في تفسيره (١٦/٣٤٣،٢٠/٥) ، والحافظ ابن كثير في تفسيره (٨/٣٧٥) ، واختاره أيضا: العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀، قال:
" اعلم أنه تعالى بين أن ذلك الماء، الذي هو النطفة، منه ما هو خارج من الصلب، أي: وهو ماء الرجل، ومنه ما هو خارج من الترائب، وهو ماء المرأة، وذلك قوله جل وعلا: (فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب) الطارق/٥-٧ لأن المراد بالصلب: صلب الرجل، وهو ظهره، والمراد بالترائب: ترائب المرأة، وهي موضع القلادة منها. ومنه قول امرىء القيس:
مُهَفهَفَةٌ بَيضاءُ غَيرُ مُفاضَةٍ تَرائِبُها مَصقولَةٌ كَالسَجَنجَلِ " انتهى.
أضواء البيان (٣/١٩٤) .
واختار ابن القيم ﵀ أن المراد صلب الرجل وترائبه، قال:
" لا خلاف أن المراد بالصلب صلب الرجل. واختلف في الترائب:
فقيل: المراد به ترائبه أيضا، وهي عظام الصدر، ما بين الترقوة إلى الثندوة.
وقيل: المراد ترائب المرأة.
والأول أظهر:
١- لأنه سبحانه قال: (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) ولم يقل يخرج من الصلب والترائب، فلا بد أن يكون ماء الرجل خارجا من بين هذين المختلفين، كما قال في اللبن: (يخرج من بين فرث ودم) .
٢- وأيضا فإنه سبحانه أخبر أنه خلقه من نطفة في غير موضع، والنطفة هي ماء الرجل. كذلك قال أهل اللغة: قال الجوهري: " والنطفة الماء الصافي قل أو كثر، والنطفة ماء الرجل، والجمع نطف ".
٣- وأيضا فإن الذي يوصف بالدفق والنضح إنما هو ماء الرجل، ولا يقال نضحت المرأة الماء ولا دفقته " انتهى.
"إعلام الموقعين" (١/١٤٥-١٤٦) .
وهو اختيار الشيخ ابن عاشور، وابن سعدي، وابن عثيمين، كما في "لقاء الباب المفتوح" (رقم/٤٥) ، وانظر نحوا من ذلك في "اللقاء الشهري" (رقم/٤٥) .
ونقل القرطبي عن الحسن البصري ﵀ أن: " المعنى: يخرج من صلب الرجل وترائب الرجل، ومن صلب المرأة وترائب المرأة " انتهى.
تفسير الطبري (٢٠/٤) .
واختار هذا القول الإمام ابنُ جُزي، ﵀، في تفسيره. انظر: تفسير التسهيل، لابن جزي (٧٨٥) .
ثانيا:
ثم السؤال الثاني هو أن الحقائق العلمية المكتشفة اليوم تقول بأن مني الرجل يصنع في الخصية التي تحتوي على الخلايا المهيئة لذلك، وليس في منطقة الظهر أو الصدر، فكيف يصف القرآن خروج الماء الدافق بأنه من بين الصلب والترائب؟
والجواب: أن هذا من الإعجاز العلمي لهذا الكتاب العظيم، فقد اكتشف الطب الحديث أن هذا المكان – بين الصلب والترائب - هو مكان نشوء الخلايا الأولى للخصية التي تنزل بعد مرحلة من تخلق الجنين إلى كيس الصفن أسفل البطن.
يقول الدكتور محمد دودح:
" والحقيقة العلمية هي أن الأصول الخلوية للخصية في الذكر أو المبيض في الأنثى تجتمع في ظهر الأبوين خلال نشأتهما الجنينية، ثم تخرج من الظهر من منطقة بين بدايات العمود الفقري وبدايات الضلوع ليهاجر المبيض إلى الحوض بجانب الرحم، وتهاجر الخصية إلى كيس الصفن حيث الحرارة أقل، وإلا فشلت في إنتاج الحيوانات المنوية، وتصبح معرضة للتحول إلى ورم سرطاني إذا لم تُكمل رحلتها.
والتعبير (يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ) يفي بوصف تاريخ نشأة الذرية، ويستوعب كافة الأحداث الدالة على سبق التقدير والاقتدار والإتقان والإحكام في الخلق، منذ تكوين البدايات في الأصلاب وهجرتها خلف أحشاء البطن، ابتداءً من المنطقة بين الصلب والترائب إلى المستقر , وحتى يولد الأبوان ويبلغان ويتزاوجان وتخلق الذرية مما يماثل نطفة ماء في التركيب عديمة البشرية من المني لكنها حية تتدفق ذاتياً لتندمج مع نطفة نظير، فتتكون النطفة الأمشاج من الجنسين.
(خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ) .. حقائق علمية تأخر العلم بها والكشف عن معرفتها وإثباتها ثلاثة عشر قرنًا , بيان هذا أن صلب الإنسان هو عموده الفقري (سلسلة ظهره) وترائبه هي عظام صدره.. وإذا رجعنا إلى علم الأجنة وجدنا في منشأ خصية الرجل ومبيض المرأة ما يفسر لنا هذه الآيات التي حيرت الألباب..، فكل من الخصية والمبيض في بدء تكوينهما يجاور الكلى ويقع بين الصلب والترائب، أي ما بين منتصف العمود الفقري تقريباً، ومقابل أسفل الضلوع.. فإذا كانت الخصية والمبيض في نشأتهما وفي إمدادهما بالدم الشرياني وفي ضبط شئونهما بالأعصاب قد اعتمدتا في ذلك كله على مكان في الجسم يقع بين الصلب والترائب، فقد استبان صدق ما نطق به القرآن الكريم وجاء به رب العالمين، ولم يكشفه العلم إلا حديثاً بعد ثلاثة عشر قرناً من نزول ذلك الكتاب , هذا وكل من الخصية والمبيض بعد كمال نموه يأخذ في الهبوط إلى مكانه المعروف؛ فتهبط الخصية حتى تأخذ مكانها في الصفن، ويهبط المبيض حتى يأخذ مكانه في الحوض بجوار بوق الرحم , وقد يحدث في بعض الأحيان ألا تتم عملية الهبوط هذه فتقف الخصية في طريقها ولا تنزل إلى الصفن فتحتاج إلى عملية جراحية " انتهى.
نقلا عن هذا الرابط:
http://islamtoday.net/questions/show_question_content.cfm?id=١٠٣٣٥
ويقول الدكتور محمد علي البار حفظه الله:
" تقول الآية الكريمة أن الماء الدافق يخرج من بين الصلب والترائب , ونحن قد قلنا أن هذا الماء (المني) إنما يتكون في الخصية وملحقاتها , كما تتكون البويضة في المبيض لدى المرأة , فكيف تتطابق الحقيقة العلمية مع الحقيقة القرآنية؟
إن الخصية والمبيض إنما يتكونان من الحدبة التناسلية بين صلب الجنين وترائبه , والصلب هو العمود الفقري والترائب هي الأضلاع , وتتكون الخصية والمبيض في هذه المنطقة بالضبط، أي بين الصلب والترائب , ثم تنزل الخصية تدريجيا حتى تصل إلى كيس الصفن (خارج تجويف البطن) في أواخر الشهر السابع من الحمل، بينما ينزل المبيض إلى حوض المرأة.. , ومع هذا فإن تغذية الخصية والمبيض بالدماء والأعصاب واللمف تبقى من حيث أصلها، أي من بين الصلب والترائب , فشريان الخصية أو المبيض يأتي من الشريان الأبهر (الأورطي البطني) من بين الصلب والترائب , كما أن وريد الخصية يصب في نفس المنطقة، أي بين الصلب والترائب , كما أن الأعصاب المغذية للخصية أو للمبيض تأتي من المجموعة العصبية الموجودة تحت المعدة من بين الصلب والترائب , وكذلك الأوعية اللمفاوية تصب في نفس المنطقة، أي بين الصلب والترائب.
فهل يبقى بعد كل هذا شك أن الخصية أو المبيض إنما تأخذ تغذيتها ودماءها وأعصابها من بين الصلب والترائب!!
فالحيوانات المنوية لدى الرجل أو البويضة لدى المرأة إنما تستقي مواد تكوينها من بين الصلب والترائب , كما أن منشأها ومبدأها هو من بين الصلب والترائب , والآية الكريمة إعجاز كامل، حيث تقول: (مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ) , ولم تقل من الصلب والترائب , فكلمة " بَيْنِ " ليست بلاغية فحسب، وإنما تعطي الدقة العلمية المتناهية.
والعلم الحديث يقرر أن الماء الذي لا يقذف ولا يندفع وإنما يسيل.. إنما هو إفرازات المهبل وغدد بارثولين المتصلة به، وأن هذه الإفرازات ليس لها دخل في تكوين الجنين، وإنما وظيفتها ترطيب المهبل.. ولكن العلم الحديث يكشف شيئا مذهلا؛ أن الحيوانات المنوية يحملها ماء دافق هو ماء المني , كذلك البويضة في المبيض تكون في حويصلة " جراف " محاطة بالماء، فإذا انفجرت الحويصلة تدفق الماء.. وتلقفت أهداب البوق البويضة لتدخلها إلى قناة الرحم حيث تلتقي بالحيوان المنوي لتكون النطفة الأمشاج.. هذا الماء يحمل البويضة تماما كما يحمل ماء الرجل الحيوانات المنوية , كلاهما يتدفق , وكلاهما يخرج من بين الصلب والترائب: من الغدة التناسلية؛ الخصية أو المبيض.
وتتضح مرة أخرى معاني الآية الكريمة في إعجازها العلمي الرائع: ماء دافق من الخصية يحمل الحيوانات المنوية , وماء دافق من حويصلة " جراف " بالمبيض يحمل البويضة " انتهى.
"خلق الإنسان بين الطب والقرآن" (ص/١١٤-١٢٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1430
هل أٌبيح للنبي ﷺ التزوج على نسائه قبل وفاته ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعتُ أنَّ الله قد حرَّم على النَّبي ﷺ أن يتزوج على نسائه أخريات، وحرَّم عليه أيضاً أن يطلقهن، ثم بعد ذلك نسخ الحكم، وأحل الله له أن يتزوج عليهن، وأن يطلقهن، فهل هذا صحيح؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اختلف العلماء ﵏ في مسألة حكم تزوج النبي ﷺ على نسائه التسع، هل هو على الإباحة أن ينكح من يشاء، أو هو ممنوع؟ .
والذي يظهر – والعلم عند الله – أن الله تعالى منع نبيه ﷺ من التزوج على نسائه ﵅ أولاً بقوله تعالى (لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً) الأحزاب/ ٥٢؛ إكراماً لنسائه؛ لأنهن اخترن الله ورسله والدار الآخرة عندما خيَّرهن النبي ﷺ ، ثم نُسخ هذا الحكم المانع بحكم آخر يبيح له صلى الله عليه التزوج بغيرهن؛ وذلك إكراماً للنبي ﷺ .
ثم أكرم النبي ﷺ نساءَه بأن لم يتزوج عليهنَّ، فكانت المنَّة له عليهن بذلك.
ثانياً:
اختلف العلماء فيما نسخ ذلك المنع، على ثلاثة أقوال:
١. القول الأول: أن الناسخ هو قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الأحزاب/ ٥٠.
ولا يشكل كون الآية الناسخة قبل المنسوخة في المصحف؛ إذا العبرة بالنزول وليس بالتدوين والكتابة، وثمة موضع آخر – عند الجمهور – يشبه هذا، ولم يستنكروا كون الآية الناسخة قبل المنسوخة في ترتيب المصحف، والآيتان هما: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) البقرة/ ٢٣٤ , وهي ناسخة – عند الجمهور - لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) البقرة/ ٢٤٠.
قال القرطبي – ﵀:
ويبيِّن لك أن اعتراض هذا المعترض لا يلزم: أن قوله (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج) منسوخة على قول أهل التأويل - لا نعلم بينهم خلافاً - بالآية التي قبلها (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً) .
" تفسير القرطبي " (١٤ / ٢١٨، ٢١٩) .
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀:
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) , هذه الآية يظهر تعارضها مع قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) ، والجواب ظاهر، وهو: أن الأولى ناسخة لهذه , وإن كانت قبلها في المصحف؛ لأنها متأخرة عنها في النزول.
وليس في القرآن آية هي الأولى في المصحف وهي ناسخة لآية بعدها إلاّ في موضعين، أحدهما: هذا الموضع , الثاني: آية (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ) هي الأولى في المصحف , وهي ناسخة لقوله: (لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) الآية؛ لأنها تقدمت في المصحف، فهي متأخرة في النزول , وهذا على القول بالنسخ.
" دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب " (ص ١٣) .
٢. القول الثاني: أن الناسخ هو قوله تعالى: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً) الأحزاب/ ٥١.
وهو قول " الضحَّاك " ﵀، كما في " معاني القرآن " للنَّحاس (٥ / ٣٦٨) ، وهو الذي رجَّحه النووي ﵀، كما في " شرح مسلم " (١٠ / ٥٠) ، وقال: " قال أصحابنا: الأصح: أنه ﷺ ما توفي حتى أبيح له النساء مع أزواجه " انتهى.
وهو – كذلك – ترجيح الشيخ أبي بكر الجزائري حفظه الله، كما في كتابه: " أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير " (٤ / ٢٨٤) .
٣. القول الثالث: أن الذي نسخ المنع هو السنَّة النبوية:
عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: " مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ ". رواه الترمذي (٣٢١٦) وقال: حسن صحيح، والنسائي (٣٢٠٤) .
وروي عن أم سلمة ﵂ بلفظ: " لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحلّ الله له أن يتزوج من النساء ما شاء، إلا ذات محرم، وذلك قول الله : (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) ".
لكنَّ الأثر ضعيف لا يصح، فقد أخرجه ابن أبى حاتم في " تفسيره " (١٠ / ٣١٤٥) ، وفيه: عمر بن أبي بكر الموصلي، وهو متروك، فالإسناد ضعيف جدّاً.
ورواه ابن سعد (٨ / ١٩٤) من طريق الواقدي، وهو ضعيف جدّاً.
انظر " بيان مشكل الآثار " (١ / ٤٥٣) .
وقد رجح " النحَّاس " هذا القول، ورأى أن السنَّة هي التي نسخت المنع، وذكر كونها منسوخة بالقرآن احتمالاً، لا ترجيحاً، فقال ﵀:
وهذا والله أعلم أولى ما قيل في الآية، وهو وقول عائشة ﵂ واحد في النسخ، وقد يجوز أن تكون عائشة أرادت أحل له ذلك بالقرآن.
" الناسخ والمنسوخ " (ص ٦٢٩) .
وهو الذي رآه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀، وذكر لفتة متينة، فقال:
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَك) الآية، يظهر تعارضه مع قوله: (لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) الآية.
والجواب: أن قوله: (لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ) منسوخ بقوله: (إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَك) ، وقد قدمنا في " سورة البقرة " أنه أحد الموضعين اللّذين في المصحف ناسخهما قبل منسوخهما لتقدمه في ترتيب المصحف مع تأخره في النزول - على القول بذلك -، وقيل: إن الآية الناسخة لها هي قوله تعالى: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ) الآية.
والذي يظهر لنا: أن القول بالنسخ أرجح، وليس المرجح لذلك عندنا أنه قول جماعة من الصحابة ومَن بعدهم، منهم: علي، وابن عباس، وأنس، وغيرهم، ولكن المرجح له عندنا: أنه قول أعلم الناس بالمسألة، أعني أزواجه ﷺ ؛ لأن حِليَّة غيرهن من الضرات، وعدمها: لا يوجد مَن هو أشد اهتماماً بهما منهن، فهن صواحبات القصة، وقد تقرر في علم الأصول أن صاحب القصة يقدَّم على غيره، ولعل هناك تفريق بين ما إذا كان صاحب القصة راوياً، وبين كونه مستنبطاً، كقصة فاطمة بنت قيس في إسقاط النفقة والسكنى، فالحجة معها، والحديث يؤيدها، ومع ذلك فعمَر يرد قولها، ولذلك قدم العلماء رواية ميمونة، وأبي رافع (أنه ﷺ تزوجها وهو حلال) على رواية ابن عباس المتفق عليها (أنه تزوجها مُحْرِماً) ؛ لأن ميمونة صاحبة القصة وأبا رافع سفير فيها.
فإذا علمت ذلك: فاعلم: أن ممن قال بالنسخ: أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: " ما مات ﷺ حتى أحلَّ الله له النساء "، وأم المؤمنين أم سلمة ﵂ قالت: " لم يمت ﷺ حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم ".
أما عائشة: فقد روى عنها ذلك: الإمام أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي في سننيهما، والحاكم وصححه، وأبو داود في " ناسخه "، وابن المنذر، وغيرهم.
وأما أم سلمة: فقد رواه عنها: ابن أبي حاتم - كما نقله عنه ابن كثير -، وغيره.
ويشهد لذلك: ما رواه جماعة عن عبد الله بن شداد ﵁ أن النبي ﷺ تزوج أم حبيبة وجويرية ﵄ بعد نزول (لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء) ، قال الألوسي في " تفسيره " إن ذلك أخرجه عنه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والعلم عند الله تعالى.
" دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب " (ص ٦٨، ٦٩) .
فالخلاصة:
أن الله تعالى أباح لنبيه ﷺ أن يتزوج من يشاء من النساء غير من عنده من التسع، وكان هذا بعد المنع منه، ولكنه ﷺ اقتصر عليهنَّ؛ إكراماً لهنَّ.
قال الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله - في تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ) -:
هذه الآية من المتقدم في التلاوة المتأخر في النزول، ونظيرها آيتي الوفاة في " البقرة " على رأي الجمهور، إذ مضمون هذه الآية التوسعة على الرسول صلى الله عيه وسلم؛ إكراماً له لما تحمَّله من نكاح زينب، ثم قصره في الآيات بعد على من تحته من النساء؛ إكراماً لهن أيضاً، وذلك في قوله (لا يحل لك النساء من بعد) ، ثم لم يُقبض حتى رَفع الله عنه الحظر؛ إكراماً؛ وإعلاءً من شأنه، إذ قالت عائشة: " ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء ".
" أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير " (٤ / ٢٨١) ، وينظر ما قرره الإمام الطحاوي حول ذلك المعنى في كتابه: " بيان مشكل الآثار " (١ / ٤٥٧) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1431
تفسير قوله تعالى: (يخرجهم من الظلمات إلى النور)
[السُّؤَالُ]
ـ[قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أََوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) ما المقصود بـ " النور " في الآية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"إن الله ولي الذين آمنوا، وناصرهم، ومعينهم، وموفقهم، يخرجهم من الظلمات؛ ظلمات الشرك، وظلمات المعاصي، والبدع، إلى نور التوحيد والحق والإيمان، يعني: بواسطة الرسل، وبواسطة كتبه المنزلة، فكفار قريش، وكفار بني إسرائيل وغيرهم أولياؤهم الطاغوت، والطاغوت الشيطان من الإنس والجن، فالشياطين من الإنس والجن هم أولياء الكفرة، يخرجونهم من نور التوحيد والحق إلى ظلمات الشرك والجهل والمعاصي والبدع، فالنور في هذه الآية المقصود به: التوحيد والإيمان والهدى، والظلمات: الشرك والمعاصي والبدع، نسأل الله العافية" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٤/٢٠٩) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1432
تفسير قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)
[السُّؤَالُ]
ـ[ما تفسير قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) وما هو الشيء الذي يجب فيه تحكيم الرسول ﷺ ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) عامة على ظاهرها، فلا يجوز للمسلمين أن يخرجوا عن شريعة الله، بل يجب عليهم أن يحكموا شرع الله في كل شيء، فيما يتعلق بالعبادات، وفيما يتعلق بالمعاملات، وفي جميع الشؤون الدينية والدنيوية، لكونها تعم الجميع، ولأن الله سبحانه يقول: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ويقول: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) فهذه الآيات عامة لجميع الشؤون التي يتنازع فيها الناس ويختلفون فيها، ولهذا قال سبحانه: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ) يعني الناس من المسلمين وغيرهم (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ) يعني محمداً ﷺ ، وذلك بتحكيمه ﷺ حال حياته، وتحكيم سنته بعد وفاته، فالتحكيم لسنته هو التحكيم لما أنزل من القرآن والسنة (فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) أي: فيما تنازعوا فيه، هذا هو الواجب عليهم: أن يحكموا القرآن الكريم، والرسول ﷺ ، في حياته، وبعد وفاته باتباع سنته التي هي بيان للقرآن الكريم، وتفسير له، ودلالة على معانيه.
أما قوله سبحانه: (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) فمعناه: أنه يجب أن تنشرح صدورهم لحكمه، وألا يبقى في صدروهم حرج مما قضى بحكمه ﵊. لأن حكمه هو الحق الذي لا ريب فيه، وهو حكم الله ، فالواجب التسليم له وانشراح الصدر بذلك، وعدم الحرج، بل عليهم أن يسلموا لذلك تسليما كاملا، رضاً بحكم الله، واطمئناناً إليه، هذا هو الواجب على جميع المسلمين فيما شجر بينهم من دعاوى وخصومات، سواء كانت متعلقة بالعبادات أو بالأموال أو بالأنكحة أو الطلاق أو بغيرها من شؤونهم.
وهذا الإيمان المنفي هو أصل الإيمان بالله ورسوله بالنسبة إلى تحكيم الشريعة والرضا بها والإيمان بأنها الحكم بين الناس، فلا بد من هذا، فمن زعم أنه يجوز الحكم بغيرها، أو قال إنه يجوز أن يتحاكم الناس إلى الآباء أو إلى الأجداد أو إلى القوانين الوضيعة التي وضعها الرجال سواء كانت شرقية أو غربية - فمن زعم أن هذا يجوز فإن الإيمان منتف عنه، ويكون بذلك كافرا كفرا أكبر.
فمن رأى أن شرع الله لا يجب تحكيمه، ولكن لو حَكَمَ كان أفضل، أو رأى أن القانون أفضل، أو رأى أن القانون يساوي حكم الله فهو مرتد عن الإسلام. وهي ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن يقول: إن الشرع أفضل ولكن لا مانع من تحكيم غير الشرع.
النوع الثاني: أن يقول: إن الشرع والقانون سواء ولا فرق.
النوع الثالث: أن يقول إن القانون أفضل وأولى من الشرع. وهذا أقبح الثلاثة، وكلها كفر وردة عن الإسلام.
أما الذي يرى أن الواجب تحكيم شرع الله، وأنه لا يجوز تحكيم القوانين ولا غيرها مما يخالف شرع الله، ولكنه قد يحكم بغير ما أنزل الله لهوىً في نفسه ضد المحكوم عليه، أو لرشوة، أو لأمور سياسية، أو ما أشبه ذلك من الأسباب وهو يعلم أنه ظالم ومخطئ ومخالف للشرع - فهذا يكون ناقص الإيمان، وقد انتفى في حقه كمال الإيمان الواجب، وهو بذلك يكون كافرا كفرا أصغر، وظالما ظلما أصغر، وفاسقا فسقا أصغر، كما صح معنى ذلك عن ابن عباس ﵄ ومجاهد وجماعة من السلف ﵏، وهو قول أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن سلك سبيلهم. والله المستعان" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٤/٢٢٠-٢٢٣) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1433
تفسير قوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)
[السُّؤَالُ]
ـ[يقول الله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) فما هو معنى الآية؟ وما هو المراد بالشرك في الآية الكريمة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"قد أوضح العلماء معناها كابن عباس وغيره، وأن معناها: أن المشركين إذا سُئلوا عمن خلق السماوات والأرض ومن خلقهم يقولون الله، وهم مع هذا يعبدون الأصنام والأوثان كاللات والعزى ونحوهما، ويستغيثون بها وينذرون ويذبحون لها. فإيمانهم هذا هو توحيد الربوبية، ويبطل ويفسد بشركهم بالله تعالى ولا ينفعهم. فأبو جهل وأشباهه يؤمنون بأن الله خالقهم ورازقهم، وخالق السماوات والأرض، ولكن لم ينفعهم هذا، لأنهم أشركوا بالله بعبادة الأصنام والأوثان. هذا هو معنى الآية عن أهل العلم" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٤/٢٤٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1434
معنى قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)
[السُّؤَالُ]
ـ[هل بوسعكم رجاء توضيح معنى الآية (١٩٥:٢) : (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) وأنا في حيرة، حيث قرأت في الفتوى رقم (٤٦٨٠٧) إلى أن المقصود من إلقاء النفس في التهلكة هو عدم الإنفاق في سبيل الله. ثم قرأت فتوى أخرى برقم (٢١٥٨٩) تقول بأن المقصود هو قتل النفس، وهذا إذا كنت قد أحسنت فهمها، أرجو الرد.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يتفق أهل العلم من المفسرين والفقهاء وغيرهم على أن قول الله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) البقرة/١٩٥
أنه وارد في سياق الأمر بالنفقة، وأنه قد ورد في سبب نزول الآية أن بعضَ الصحابة أرادوا أن يركنوا إلى ضيعاتهم وتجاراتهم ليصلحوها ويتركوا الجهاد في سبيل الله، فحذرهم الله من ذلك في هذه الآية.
فقد روى الإمام البخاري ﵀ (٤٥١٦) عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه قال في هذه الآية: " نزلت في النفقة " انتهى.
وروى الترمذي (٢٩٧٢) عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: (كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنْ الرُّومِ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ، فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ! يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ! فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ هَذَا التَّأْوِيلَ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلامَ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الإِسْلامَ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) فَكَانَتْ التَّهْلُكَةُ الإِقَامَةَ عَلَى الأَمْوَالِ وَإِصْلاحِهَا، وَتَرْكَنَا الْغَزْوَ. فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّة)
وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٣)
ومع ذلك، فإن العلماء - من المتقدمين والمتأخرين - يستدلون بهذه الآية أيضا على النهي عن قتل النفس وإيذائها وإلقائها إلى التهلكة بأي طريقة من طرق التهلكة، آخذين بعموم لفظ الآية، وبالقياس الجلي، مقررين بذلك القاعدة الأصولية القائلة: " العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب "
يقول الحافظ ابن حجر ﵀:
" وأما قصرها عليه – يعني قصر الآية على موضوع ترك النفقة في سبيل الله - ففيه نظر، لأن العبرة بعموم اللفظ " انتهى.
"فتح الباري" (٨/١٨٥)
ويقول الشوكاني ﵀:
" أي: لا تأخذوا فيما يهلككم. وللسلف في معنى الآية أقوال. والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما صدق عليه أنه تهلكة في الدين أو الدنيا فهو داخل في هذا، وبه قال ابن جرير الطبري " انتهى.
"فتح القدير" (١/١٩٣)
ويدل على ذلك أيضا تنوع تفسيرات السلف لهذه الآية، فقد ورد عن البراء بن عازب ﵁ أنه اعتبر من يذنب الذنب ثم ييأس من رحمة الله: أنه ألقى بيده إلى التهلكة.
قال ابن حجر في "فتح الباري" (٨/٣٣) : أخرجه ابن جرير وابن المنذر بإسناد صحيح.
وبهذا يتبين أنه ليس بين الجوابين السابقين في موقعنا تناقض، فالذي جاء في جواب السؤال رقم: (٤٦٨٠٧) ، بيان لسبب نزول هذه الآية وسياقها.
والذي جاء في جواب السؤال رقم: (٢١٥٨٩) هو الاستدلال بعموم لفظ الآية، وبيان أنه لا يجوز الإلقاء باليد إلى التهلكة مطلقا، مهما كان شكل وطريقة هذه التهلكة أو الأذى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1435
روايات مكذوبة أن الأرض موضوعة على ظهر ثور
[السُّؤَالُ]
ـ[مررت برواية مفادها أن الأرض موضوعة على ظهر ثور، وعندما يحرك الثور رأسه يحدث زلزالا. أظن أنني رأيت هذا في ابن كثير (٢/٢٩ و ١/٥٠) . هل يمكنكم تفسير هذا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ما ذكره السائل هنا لم يرد بإثباته دليل من القرآن الكريم، ولا من السنة النبوية الصحيحة، وغاية ما ورد فيه آثار عن بعض الصحابة والتابعين.
فقد ورد عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (أوّل ما خلق الله من شيء القلم، فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء، فخلقت منه السماوات، ثم خلق " النون " – يعني الحوت - فبسطت الأرض على ظهر النون، فتحرّكت الأرض فمادت، فأثبت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض، قال: وقرأ: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)
أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/٣٠٧) وابن أبي شيبة (١٤/١٠١) وابن أبي حاتم – كما في تفسير ابن كثير (٨/٢١٠) – والطبري في "جامع البيان" (٢٣/١٤٠) والحاكم في "المستدرك" (٢/٥٤٠) ، وغيرهم كثير، جميعهم من طريق الأعمش، عن أبي ظبيان حصين بن جندب، عن ابن عباس به. وهذا إسناد صحيح. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي في التلخيص: على شرط البخاري ومسلم. كما ورد ذلك عن مجاهد ومقاتل والسدي والكلبي. وانظر: "الدر المنثور" (٨/٢٤٠) ، وتفسير ابن كثير (٨/١٨٥) في بداية تفسير سورة القلم.
وهذا الأثر – كما ترى – موقوف من كلام ابن عباس، وليس من كلام النبي ﷺ ، والغالب أن ابن عباس ﵄ أخذه عن كعب الأحبار، أو عن كتب بني إسرائيل التي تحتوي على كثير من العجائب والغرائب والكذب، يدل على ذلك التفاصيل التي تذكرها بعض كتب التفسير في هذا الموضوع:
يقول الإمام البغوي ﵀:
" وقالت الرواة: لما خلق الله الأرض وفتقها بعث من تحت العرش ملكًا، فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين السبع، فوضعها على عاتقه، إحدى يديه بالمشرق، والأخرى بالمغرب، باسطتين قابضتين على الأرضين السبع، حتى ضبطها، فلم يكن لقدميه موضع قرار، فأهبط الله من الفردوس ثورًا له أربعون ألف قرن، وأربعون ألف قائمة، وجعل قرار قدمي الملك على سنامه، فلم تستقر قدماه، فأخذ الله ياقوتة خضراء من أعلى درجة في الفردوس، غلظها مسيرة خمسمائة عام، فوضعها بين سنام الثور إلى أذنه فاستقرت عليها قدماه، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض، ومنخراه في البحر، فهو يتنفس كل يوم نفسًا، فإذا تنفس مدَّ البحر، وإذا رد نفسه جزر البحر، فلم يكن لقوائم الثور موضع قرار، فخلق الله تعالى صخرة كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين فاستقرت قوائم الثور عليها، وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه: (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة) ، ولم يكن للصخرة مستقر، فخلق الله نونًا وهو الحوت العظيم، فوضع الصخرة على ظهره وسائر جسده خال، والحوت على البحر، والبحر على متن الريح، والريح على القدرة. يقال: فكل الدنيا كلها بما عليها حرفان، قال لها الجبار ﷻ : كوني فكانت.
قال كعب الأحبار: إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض فوسوس إليه، فقال له: أتدري ما على ظهرك يا لوِيثا – اسم الحوت - من الأمم والدواب والشجر والجبال لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك، فهمّ لوِيثا أن يفعل ذلك فبعث الله دابة فدخلت منخره فوصلت إلى دماغه، فعج الحوت إلى الله منها، فأذن لها الله فخرجت.
قال كعب: فوالذي نفسي بيده إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن همَّ بشيء من ذلك عادت كما كانت " انتهى.
"معالم التنزيل" (٨/١٨٦) ونحوه في تفسير القرطبي (٢٩/٤٤٢) ، وكلام كعب الأحبار رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/٨) ، وعلق محققو تفسير القرطبي (١/٣٨٥) : كل من الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، ومحمد رضوان عرقسوسي على هذا الأثر بقولهم: " خبر إسرائيلي لا أساس له، وكان من الأولى بالمصنف أن ينزه كتابه عن مثل هذا " انتهى.
فانظر كيف أن القصة زاد فيها الرواة وفصلوا، ثم رجع الأمر إلى كعب الأحبار الذي هو مصدر كثير من العجائب المنسوبة إلى هذا الدين.
ولذلك أشار الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" (١/١٥) – بعد ذكر مجموعة من الغرائب منها هذا الحديث – إلى أنها من الإسرائيليات، فقال: " هذا الإسناد يذكر به السدي أشياء كثيرة فيها غرابة، وكأن كثيرا منها متلقى من الإسرائيليات " انتهى.
وقد وردت بعض الأحاديث المرفوعة المنكرة في هذا المعنى، منها ما روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (الأرض على الماء، والماء على صخرة، والصخرة على ظهر حوت يلتقي حرفاه بالعرش، والحوت على كاهل ملك قدماه في الهواء) وهو حديث موضوع، انظر: "السلسلة الضعيفة" (رقم/٢٩٤) .
وإذا كان مثل ذلك لم يصح فيه شيء عن الشرع المعصوم، لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ ، وإنما غاية ما فيه آثار عن بعض السلف، ومن الظاهر أن مردها جميعا إلى الأخبار عن بني إسرائيل؛ فالواجب في مثل ذلك الإمساك عن الجزم فيه بشيء، وتفويض العلم بشأنه إلى علام الغيوب، كما أدبنا رسول الله ﷺ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا الْآيَةَ) , رواه البخاري (٤٤٨٥) .
وفي رواية أخرى بيان سبب التوقف عن تصديق أو تكذيب مثل ذلك:
(فَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُ وَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُ) رواه أبو داود (٣٦٤٤) وأحمد (١٦٧٧٤) ، وصححه الألباني في الصحيحة (٢٨٠٠) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1436
سؤال من نصراني عن اختلاف العلماء في تفسير القرآن الكريم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[من ملحد في كندا: لماذا العلماء اختلفوا في تفسير القرآن الكريم، يدَّعون أن الإنجيل الذي في كندا نسخة واحدة، والتفسير فيها واحد، ليس هناك رأيان؟ فما قولكم جزاكم الله عنا خيراً؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لم يقع الخلاف بين العلماء في تفسير جميع القرآن، وإنما اختلفوا في تفسير بعض آيات منه، ولا شك أن أكثر الآيات لم يقع في تفسيرها خلاف، بل يتفق المفسرون من السلف والخلف والعلماء على تفسيرها، وذلك أمر ظاهر لكل من يقرأ القرآن ويقرأ كتب التفسير، وما زال عامة المسلمين يقرؤون القرآن ويسمعون آياته ولا يستشكلون أكثرها، بل يعرفون المراد منها، وهذا كافٍ في تحقيق هداية القرآن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"وأما ما صح عن السلف أنهم اختلفوا فيه اختلاف تناقض: فهذا قليل بالنسبة إلى ما لم يختلفوا فيه" انتهى.
"مجموع الفتاوى" (٥/١٦٢) .
ثانياً:
كما أن الاختلاف الواقع أكثره حدث بعد القرون المفضلة، أما الصحابة والتابعون فكان الخلاف بينهم في تفسير القرآن قليلاً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جدا، وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة، فهو قليل بالنسبة إلى ما بعدهم، وكلما كان العصر أشرف، كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر" انتهى.
"مجموع الفتاوى" (١٣/٣٣٢) .
ثالثاً:
أما الآيات القليلة التي وقع في تفسيرها الخلاف، فهي أيضا على أقسام:
القسم الأول: الخلاف فيها خلاف تنوّع وليس خلاف تضاد، فهو خلاف لفظي غير مؤثر، وخلاف التنوع في حقيقته ليس اختلافا، إذ من شرط الاختلاف تناقض القولين، وهذا غير واقع في هذا القسم من الخلاف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ شارحا اختلاف التنوع:
"وذلك صنفان:
أحدهما: أن يعبر كل واحد منهم – يعني من المفسرين - عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المُسَمَّى غير المعنى الآخر، مع اتحاد المُسَمَّى، كما قيل في اسم السيف: الصارم، والمهند، وذلك مثل أسماء الله الحسنى، وأسماء رسوله ﷺ ، وأسماء القرآن، فإن أسماء الله كلها تدل على مسمى واحد، وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة وعلى الصفة التي تضمنها الاسم، وكذلك أسماء النبي ﷺ ، مثل محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب، وكذلك أسماء القرآن: مثل القرآن، والفرقان، والهدى والشفاء، والبيان، والكتاب. وأمثال ذلك.
إذا عرف هذا فالسلف كثيرا ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه وإن كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر، كمن يقول: أحمد: هو الحاشر، والماحي، والعاقب، والقدوس هو الغفور والرحيم، أي أن المسمى واحد، لا أن هذه الصفة هي هذه الصفة، ومعلوم أن هذا ليس اختلاف تضاد كما يظنه بعض الناس.
مثال ذلك: تفسيرهم للصراط المستقيم.
فقال بعضهم: هو " القرآن ": أي اتباعه.
وقال بعضهم: هو " الإسلام ".
فهذان القولان متفقان؛ لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبَّه على وصف غير الوصف الآخر.
كما أن لفظ (صراط) يشعر بوصف ثالث، وكذلك قول من قال: هو " السنة والجماعة " وقول من قال: " هو طريق العبودية " وقول من قال: " هو طاعة الله ورسوله " ﷺ ، وأمثال ذلك فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة؛ لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها.
الصنف الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه.
مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ " الخبز "، فأري رغيفا، وقيل له: هذا. فالإشارة إلى نوع هذا لا إلى هذا الرغيف وحده.
مثال ذلك: ما نقل في قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ)
فمعلوم أن (الظالم) لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للمحرمات، و (المقتصد) يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات، و (السابق) يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات.
ثم إن كلا منهم – يعني من المفسرين - يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات:
كقول القائل: السابق الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد الذي يصلي في أثنائه.
والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار.
ويقول الآخر:
السابق والمقتصد والظالم قد ذكرهم في آخر سورة البقرة، فإنه ذكر المحسن بالصدقة، والظالم بأكل الربا، والعادل بالبيع.
فكل قول فيه ذكر نوع داخل في الآية ذكر لتعريف المستمع بتناول الآية له وتنبيهه به على نظيره؛ فإن التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحد المطلق. والعقل السليم يتفطن للنوع كما يتفطن إذا أشير له إلى رغيف فقيل له: هذا هو الخبز " انتهى باختصار.
"مجموع الفتاوى" (١٣/٣٣٢-٣٣٨) .
وقال أيضا ﵀:
"ينبغي أن يُعلم أن الاختلاف الواقع من المفسرين وغيرهم على وجهين:
أحدهما: ليس فيه تضاد وتناقض؛ بل يمكن أن يكون كل منهما حقا، وإنما هو اختلاف تنوع، أو اختلاف في الصفات أو العبارات، وعامة الاختلاف الثابت عن مفسري السلف من الصحابة والتابعين هو من هذا الباب، فإن الله سبحانه إذا ذكر في القرآن اسما مثل قوله: (اهدنا الصراط المستقيم) فكل من المفسرين يعبر عن الصراط المستقيم بعبارة يدل بها على بعض صفاته، وكل ذلك حق ... فيقول بعضهم: الصراط المستقيم: كتاب الله، أو اتباع كتاب الله، ويقول الآخر: الصراط المستقيم: هو الإسلام، أو دين الإسلام. ويقول الآخر: الصراط المستقيم: هو السنة والجماعة. ويقول الآخر: الصراط المستقيم: طريق العبودية أو طريق الخوف والرجاء والحب وامتثال المأمور واجتناب المحظور، أو متابعة الكتاب والسنة، أو العمل بطاعة الله، أو نحو هذه الأسماء والعبارات.
ومعلوم أن المسمى هو واحد وإن تنوعت صفاته وتعددت أسماؤه وعباراته.
ومنه قسم آخر: وهو أن يذكر المفسر والمترجم معنى اللفظ على سبيل التعيين والتمثيل لا على سبيل الحد والحصر، مثل أن يقول قائل مِن العجم: ما معنى الخبز؟ فيشار له إلى رغيف" انتهى باختصار.
"مجموع الفتاوى" (١٣/٣٨١-٣٨٤) .
القسم الثاني: الآيات التي اختلف في تفسيرها اختلاف تضاد وتباين، وهذا القسم قليل، آياته معدودة، والاختلاف فيها مشهور ومحصور.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد" انتهى.
"مجموع الفتاوى" (١٣/١٧٨) .
ولوقوع هذا الاختلاف أسباب كثيرة، يدرسها العلماء المتخصصون، يمكن الرجوع إليها في كتاب: " أسباب اختلاف المفسرين " للأستاذ الدكتور محمد الشايع، وكتاب: " اختلاف المفسرين أسبابه وآثاره " للأستاذ الدكتور سعود الفنيسان.
رابعاً:
لا يجوز أن يكون هذا القسم الثاني وهو خلاف التضاد، مثار طعن ولا تشكيك في القرآن الكريم لأسباب عدة:
١- أنه لم يقع في الآيات المتعلقة بعقائد الإسلام أو مقاصد التشريع، بل إنما وقع في آيات الأحكام، مثل اختلاف العلماء في تفسير قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) البقرة/٢٢٨، هل القرء هو الطهر أم الحيض؟ أو وقع في تفسير بعض سياقات القرآن المتعلقة بالقصص أو الوعظ ونحوه، كاختلافهم في تفسير قوله تعالى: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) مريم/٢٤، هل المنادي جبريل أم عيسى ﵉. وهذا الاختلاف – كما ترى – لا يتعلق بصلب العقيدة والشريعة، بل في أمر فقهي أراد الله أن يقع فيه الخلاف رحمةًً بهذه الأمة، وابتلاءً أيضا، أو في أمر لا يتوقف فهم سياق الآيات على معرفة معناه.
٢- وهذا الخلاف – على قلته – أغلبه واقع في القرون المتأخرة، ولو رجعنا إلى تفسير السلف من الصحابة والتابعين لما وجدنا أكثر هذا الخلاف الموجود في كتب التفسير المتأخرة.
٣- وأخيرا، فالله له الحكمة في خفاء معاني بعض الآيات، كي يجتهد المجتهدون، ويثور العلم في الكتب والعقول.
خامساً:
أما دعوى نفي الاختلاف في الإنجيل أو في تفاسير الإنجيل فهذه دعوى غريبة عجيبة لا يدعيها النصارى أنفسهم، لما فيها من مناقضة للواقع، حيث تختلف نسخ الإنجيل ورواياته وترجماته اختلافا كثيرا متناقضا، كما تتكاثر فرق النصارى وخلافاتهم الدينية، واختلافهم في تفسيره واقع في صلب عقائدهم، في تفسير التثليث والتوحيد والأقانيم الثلاثة، وهو اختلاف تضاد أدى إلى حدوث فرق كثيرة فيهم تختلف في أصل الدين والعقيدة، أما الإسلام والقرآن فليس بين علماء الإسلام من أهل السنة الذين هم غالب الأمة من عهد الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا خلاف في أركان الدين وحقائقه الرئيسية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"وتفاسير النصارى للكتب الإلهية فيها من التحريف لكتاب الله والإلحاد في أسماء الله وآياته ما يطول وصفه ولا ينقضي التعجب منه" انتهى.
"الجواب الصحيح" (٣/٩٣) .
وقال أيضا:
"النصارى المقرون بأن هذه العبارة في الإنجيل المأخوذ عن المسيح مختلفون في تفسير هذا الكلام، فكثير منهم يقول: الأب هو الوجود، والابن هو الكلمة، وروح القدس هو الحياة. ومنهم من يقول: بل الأب هو الوجود، والابن هو الكلمة، وروح القدس هو القدرة. وبعضهم يقول: إن الأقانيم الثلاثة: جواد، حكيم، قادر، فيجعل الأب هو الجواد، والابن هو الحكيم، وروح القدس هو القادر، ويزعمون أن جميع الصفات تدخل تحت هذه الثلاثة، وقد رأيت في كتب النصارى هذا وهذا وهذا، ومنهم من يعبر عن الكلمة بالعلم، ومنهم من يقول قائم بنفسه حي حكيم، وهم متفقون على أن المتحد بالمسيح والحالّ فيه هو أقنوم الكلمة، وهو الذي يسمونه الابن دون الأب، ومن أنكر الحلول والاتحاد منهم كالأريوسية يقول إن المسيح ﵇ عبد مرسل كسائر الرسل صلوات الله عليهم وسلامه، فوافقهم على لفظ الأب والابن وروح القدس، ولا يفسر ذلك بما يقوله منازعوه من الحلول والاتحاد، كما أن النسطورية يوافقونهم أيضا على هذا اللفظ وينازعونهم في الاتحاد الذي يقوله اليعقوبية والملكية.
فإذا كانوا متفقين على اللفظ متنازعين في معناه، علم أنهم صدّقوا أولا باللفظ لأجل اعتقادهم مجيء الشرع به، ثم تنازعوا بعد ذلك في تفسير الكتاب كما يختلفون هم وسائر أهل الملل في تفسير بعض الكلام الذي يعتقدون أنه منقول عن الأنبياء ﵈" انتهى باختصار.
" الجواب الصحيح " (٣/١٨٩-١٩٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1437
تفسير قوله تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى الآية الكريمة: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) ، فكيف يسأل الرسول الرسل الذين من قبله؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه الآية في سورة الزخرف يقول الله فيها: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ) رقم/٤٥.
وظاهرها – كما يبدو - أمر النبي ﷺ بسؤال الرسل الذين بعثوا قبله عن التوحيد، فاستشكل العلماء ذلك إذ كيف يأمره الله بسؤالهم مع الانقطاع الزمني الظاهر بينه وبينهم، فكانت تفسيراتهم على عدة أقوال:
القول الأول: المقصود أمره بسؤال الرسل والأنبياء الذين صلى بهم ليلة الإسراء.
نقل هذا ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٢١/٦١١) عن ابن عباس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وعزاه القرطبي إلى سعيد بن جبير وقتادة وغيرهم من التابعين ثم قال في "الجامع لأحكام القرآن" (١٦/٩٥) : " هذا هو الصحيح في تفسير هذه الآية " انتهى.
القول الثاني: المقصود أن يسأل الأمم التي أرسل إليها الأنبياء من قبله، وليس سؤال الرسل أنفسهم.
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (٧/٢٣٠) : " قوله: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) ، أي: جميع الرسل دعوا إلى ما دعوت الناس إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة الأصنام والأنداد، كقوله: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) النحل/٣٦.
قال مجاهد: في قراءة عبد الله بن مسعود: " واسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا "، وهكذا حكاه قتادة والضحاك والسدي عن ابن مسعود، وهذا كأنه تفسير لا تلاوة " انتهى.
قال ابن جرير الطبري في تفسيره (٢١/٦١٢-٦١٣) :
" وأولى القولين بالصواب في تأويل ذلك قول من قال: عنى به: سل مؤمني أهل الكتابين.
فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يقال: سل الرسل، فيكون معناه سل المؤمنين بهم وبكتابهم؟
قيل: جاز ذلك من أجل أن المؤمنين بهم وبكتبهم أهل بلاغ عنهم ما أتوهم به عن ربهم، فالخبر عنهم وعما جاءوا به من ربهم، إذا صحَّ، بمعنى خبرهم، والمسألة عما جاءوا به بمعنى مسألتهم إذا كان المسئول من أهل العلم بهم والصدق عليهم، وذلك نظير أمر الله جلّ ثناؤه إيانا برد ما تنازعنا فيه إلى الله وإلى الرسول، يقول: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) ، ومعلوم أن معنى ذلك: فردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله، لأن الرد إلى ذلك رد إلى الله والرسول.
وكذلك قوله: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا) إنما معناه: فاسأل كتب الذين أرسلنا من قبلك من الرسل، فإنك تعلم صحة ذلك من قبلنا، فاستغنى بذكر الرسل من ذكر الكتب، إذ كان معلوما ما معناه " انتهى.
وهناك أقوال أخرى غير قوية يمكن مراجعتها في "تفسير القرطبي" (١٦/٩٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1438
من هم حاضرو المسجد الحرام ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[قال الله تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) البقرة/١٩٦، من هم حاضرو المسجد الحرام؟ هل هم أهل مكة أم أهل الحرم؟ وما رأيكم فيمن قال: إن المكي لن يتمتع ولن يقرن بدون أهله؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"هذا الذي ذكره السائل هو جزء من آية ذكرها الله فيمن تمتع فقال: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ) البقرة/١٩٦، وقد اختلف العلماء ﵏ في المراد بحاضري المسجد الحرام.
فقيل: هم من كان داخل حدود الحرم، فمن كان خارج حدود الحرم فليسوا من حاضري المسجد الحرام.
وقيل: هم أهل المواقيت ومن دونهم.
وقيل: هم أهل مكة ومن بينه وبينها دون مسافة القصر.
والأقرب أن حاضري المسجد الحرام هم أهل الحرم.
فمن كان من حاضري المسجد الحرم فإنه إذا تمتع بالعمرة إلى الحج فليس عليه هدي مثل: لو سافر الرجل من أهل مكة إلى المدينة مثلاً في أشهر الحج ثم رجع من المدينة فأحرم من ذي الحليفة بالعمرة مع أنه قد نوى أن يحج هذا العام فإنه لا هدي عليه هنا؛ لأنه من حاضري المسجد الحرام، وكذلك أهل مكة يمكن أن يقرنوا ولكن لا هدي عليهم مثل: أن يكون أحد من أهل مكة في المدينة ثم يحرم من ذي الحليفة في أيام الحج بعمرة وحج قارناً بينهما، فهذا قارن ولا هدي عليه أيضاً، لأنه من حاضري المسجد الحرام" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (٢٢/ ٧٠، ٧١) .
وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (١١/٣٨٩) :
"اختلف أهل العلم في المعنى بـ: (حاضري المسجد الحرام) ، والراجح أنهم أهل الحرم.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1439
كيف يكون المسلم فتنة للكافر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[يقول الله : (رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) الممتحنة/٥، فكيف يكون المسلم فتنة للذين كفروا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"يكون فتنة للذين كفروا بتسلُّط الكفار عليه؛ لأن تسلط الكفار على المؤمن فتنة، حيث إنهم يؤزَرون على ذلك، ويأثمون عليه، فيكون ذلك فتنة لهم.
ويحتمل أن معنى (فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي: أن يفتنونا هم عن ديننا، كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) البروج/١٠. والآية تشتمل المعنيين جميعاً؛ لأن المعنيين لا ينافي أحدهما الآخر، والقاعدة في التفسير: أن الآية إذا احتملت معنيين لا ينافي أحدهما الآخر فإن الواجب حملها على المعنيين جميعاً" انتهى.
فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀.
"لقاءات الباب المفتوح" (٢/١٠٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1440
هل يوجد في القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية أن الأرضين سبع ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يوجد في القرآن الكريم: الأرضون السبع، أو عن النبي ﷺ ؟ وفي أي سورة من القرآن الكريم أو حديث عن النبي ﷺ ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"ثبت في القرآن الكريم أن الله تعالى خلق سبع أرضين، كما خلق سبع سماوات، قال سبحانه: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) الطلاق/١٢، وثبت أيضا في الحديث الصحيح: أن الأرضين سبع، فقد روى البخاري ومسلم، عن سعيد بن زيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين) وفي الصحيحين عن عائشة مرفوعا مثله.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٦٣) .
وقال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) الطلاق/١٢، قال: "يقول تعالى مخبرا عن قدرته التامة وسلطانه العظيم، ليكون ذلك باعثًا على تعظيم ما شرع من الدين القويم: (اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ) أي: سبعا أيضا" انتهى.
وقال السعدي ﵀:
"أخبر تعالى أنه خلق الخلق من السماوات السبع ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيهن ... " انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
"وأما الأرض فإنها جاءت بلفظ الإفراد في القرآن، وجاءت في السنة بلفظ الجمع؛ وعددها سبع: جاء ذلك في صريح السنة، وفي ظاهر القرآن؛ ففي ظاهر القرآن: (اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ) ؛ لأن المماثلة في الوصف متعذرة؛ فلم يبق إلا العدد" انتهى.
"تفسير سورة البقرة" (٣/٤٣٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الأسلام سؤال وجواب
следующие страницы →