Полный текст (16 344 стр.). Показаны 13826–13865 · переход к 13831.
стр. 13826
كيف يكفر عن يمينه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[في لحظة غضب حلفت بالله أن أمي ما تذهب معي في السيارة لمدة شهر، لكن بعد ذلك ندمت، وحتى الآن لم تذهب معي، ولكن أريد التوبة، فماذا عليَّ أن أفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من حلف على يمينِ إثمٍ أو قطيعةٍ أو فسادٍ حَرُمَ عليه الوفاء بهذا اليمين، بل يجب الحنث، وتجب عليه الكفارة، وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.
قال النبي ﷺ : (إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ ثُمَّ أَرَى خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) رواه البخاري (٣١٣٣) ومسلم (١٦٤٩) .
فعليك أن تكفر عن يمينك، وتركب والدتك معك في السيارة.
ونذكرك الله في والدتك، فقد قرن الله حقها بحقه سبحانه، فلا ترد لها طلبا، ولا تخيب لها ظنا، ولا تغضبها في صغير ولا كبير، بل احمد الله تعالى أن أكرمك بفرصة البر بها، وكسب حبها ورضاها، فالجنة في لزومك قدميها، بالعناية والرعاية وحسن المعاملة.
نسأل الله تعالى أن يعيننا جميعا على الخير، وأن يتقبل منا التوبة.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13827
لا يذهب بوالدته إلى المسجد الحرام خوفا عليها ولكنها تذهب مع السائق
[السُّؤَالُ]
ـ[شخص والدته محبة للخير، ولذا تشق على نفسها بكثرة الطاعات من صيام وقيام مما يسبب لها التعب والمرض، وقد نصحها الأطباء فلم تستجب؟ ولذا فإنه لا يوصلها إلى المسجد الحرام إذا طلبت كنوع من الاحتجاج على فعلها، ومع ذلك فهي تلجأ إلى السائق ليقوم بتوصيلها. فما رأيكم في تصرفها وفي تصرفه معها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"ليس من المشروع، بل ولا من المطلوب من المرء أن يتعبد لله تعالى بعبادات تشق عليه، لقول النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وقد قال للنبي ﷺ : إنه يقوم الليل ولا ينام، ويصوم النهار ولا يفطر، قال له النبي ﷺ : (إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ) رواه مسلم (١١٥٩) . فالإنسان نفسه عنده أمانة، يجب عليه أن يرعاها حق رعايتها. وقال النبي ﷺ : (اكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا) . وإذا كان الإنسان في الشيء الواجب يقول الرسول ﷺ لعمران بن حصين ﵁: (صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ) رواه البخاري (١١١٧) . ولما رفع الصحابة ﵃ أصواتهم بالذكر قال لهم رسول الله ﷺ : (ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) رواه البخاري (٢٩٩٢) أي: لا تكلفوها، امشوا بطمأنينة، كما يمشي الناس في الربيع، والناس في الربيع يمشون بطمأنينة لا يستعجلون في المشي حتى ترتع الإبل، ولا تتكلف المشي.
فنقول لهذه المرأة – نسأل الله تعالى أن يزيدها من فضله رغبة في طاعته – نقول لها: ينبغي لها أن تتمشى في طاعة الله على ما جاء في شريعة الله ، وألا تكلف نفسها، وأن تتقي الله في نفسها، وأن لا تشق على نفسها لا بالصيام ولا بالقيام ولا بغيره.
وأما ركوبها مع السائق وحدها فهذا محرم، لأنه لا يجوز للمرأة أن تخلو برجل غير محرم لها في السيارة، لقول النبي ﷺ : (لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ) رواه البخاري (٥٢٣٣) وهذا النهي عام، أما السفر فلا تسافر المرأة بلا محرم، ولو كان معها غيرها. فهنا أمران: خلوة وهي حرام في الحضر والسفر، وسفر وهو حرام إلا بمحرم.
فهذه المرأة تقع فيما حرم الله لإدراك أمر ليس بواجب عليها.
أما بالنسبة لامتناع الابن عن إيصالها إلى المسجد الحرام فإن هذا إذا كان قصده لعلها تمتنع فهذا طيب، لكن المشكلة أنها مصرة على الذهاب، فأرى أن لا يمتنع ما دامت إذا لم يذهب بها طلبت من السائق أن يذهب معها، وهو غير محرم، فالذي أرى، ألا يمتنع إذا كانت مصممة على الذهاب" انتهى باختصار.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" فتاوى الصيام (١٢٧- ١٣٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13828
يقصر في زيارة أمه في إجازته !؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك رجل يسكن في الخارج، وعندما يأتي مع زوجته، لا يجلس مع أمه كثيرا، ويذهب إلى بيت أم زوجته، عندما نقول له: إنك تذهب كثيرا هناك يقول لنا: " النصف عندنا والنصف عندهم "، ولكن النصف الذي عندنا هو نوم فقط يعني "فندق"؛ هل هذا الرجل يفعل الصواب؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
فالصواب أن يسعى هذا الرجل في إرضاء أمه بما يستطيعه، فإن النبي ﷺ قد قال: (رِضَى الرَّبِّ فِي رِضَى الْوَالِدِ وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ) . رواه الترمذي (١٨٢١) والحاكم في المستدرك (٧٢٤٩) وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، قال المباركفوري في تحفة الأحوذي عند قوله ﷺ : (في رضا الوالد) " وكذا حكم الوالدة بل هو أولى " انتهى.
ويدل على ما ذكره الشارح من أن رضا الأم كرضا الأب، بل أولى، ما رواه البخاري (٥٩٧١) ومسلم (٢٥٤٨) عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ!!
وهذا يدل على أن الواجب تقديم الوالدين: الأم، ثم الأب، على كل من سواهما في البر وحسن الصحبة والمعروف.
فكل ما كان من هذا القبيل؛ كالزيارة، والهدية، والبر، والاصطحاب في السفر، وما أشبه ذلك، أو عده الناس بر وإحسانا، فكل هذا يقدم فيه الوالدان على من سواهما.
فإذا كانت الأم ترغب في أن يبقى ولدها عندها وقتاً أطول وأمرته بذلك، وكان لا يتضرر بذلك البقاء، فإنه يجب عليه طاعتها، قال العلامة ابن مفلح رحمه اله في الآداب الشرعية (١/٤٣٣) : " ومن الواجب بر الوالدين وإن كانا فاسقين وطاعتهما في غير معصية الله تعالى" انتهى.
ومن المعلوم في هذا المقام أن حرص الأم على بقاء الابن معها إنما يبعث عليه وفور محبتها له، والأنس برؤيته فلا ينبغي للولد أن يدخل عليها الأذى بغيابه عنها.
لكننا نوصي الأم أيضاً بالمسامحة والعفو في التعامل مع ابنها، وأن لا تضيق عليه ما دام يبقى معها أوقاتاً، وهي لا تتضرر بذهابه في بعض الأوقات الأخرى، فعيش الناس لا بد له من ذلك.
وليس ثمة تحديد لمقدار الوقت الذي يجب على الولد أن يبقى فيه مع أمه، بل البر والصلة مردهما إلى العرف؛ ثم هو يتفاوت تفاوتا بينا، بحسب اختلاف أحوال الآباء، وأحوال الأبناء، والواجب من ذلك أن يجتهد الولد في إرضاء والديه، وبرهما والإحسان إليهما، على قدر استطاعته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13829
طاعة الزوج في قطيعة الرحم
[السُّؤَالُ]
ـ[هل للزوجة أن تُطيع زوجها في قطيعة أهلها، كأمها وأبيها وأخواتها وأقاربها؟ وعلى من يكون الإثم هنا؟ علماً أن الزوج يستشهد على إرغام زوجته بقطيعة أهلها بقصة امرأة في عهد الرسول ﷺ أطاعت زوجها في مثل ذلك إلى أن مات أبوها، ولم تره، طاعةً لزوجها، وأيدها الرسول في ذلك وقال: (إن أباها دخل الجنة أو غفر له بسبب طاعتها لزوجها) ، فما مدى صحة هذا الحديث؟ وما الحكم في هذا الموضوع؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الله أوجب حق الوالدين وحق الأقارب ونهى عن قطيعة الوالدين والأقارب، فقطيعة الوالدين هذا عقوق، وهو من أكبر الكبائر بعد الشرك، وكذلك قطيعة الرحم كبيرة من الكبائر، لقوله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) محمد/٢٢، ٢٣.
ولا يجوز للزوج أن يحمل زوجته على قطيعة أرحامها بغير حق، لأنه بذلك يحملها على المعصية، وعلى مقاطعة أرحامها، وفي ذلك من الإثم، والمفاسد الشيء الكثير، وطاعة الزوج وطاعة كل ذي حق إنما تجب بالمعروف، لقوله ﷺ : (إنما الطاعة بالمعروف) ولقوله ﷺ : (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) فلا يجوز لهذا الزوج أن يمنع زوجته من صلة أرحامها في حدود المشروع، في حدود المصلحة، بل عليه أن يعينها على ذلك، وأن يُشجعها على ذلك، لأن في هذا الخير الكثير لها وله، وأما الحديث الذي أشار إليه السائل، فهذا لم أسمع به، ولم أره، ولا أدري ما حاله" انتهى.
الله أعلم.
"مجموع فتاوى الشيخ صالح الفوزان" (٢/٥٤٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13830
توفى والده وهو غير راضٍ عنه
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب في التاسعة عشر من العمر، توفي والدي وهو غير راض عني، وأصبح هذا الشعور يؤرقني ليل نهار، فما الذي يمكنني أن أعمله لكي أريح ضميري الذي يعذبني كثيراً؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"يجب على الولد أن يبرَّ بوالده، وأن لا يغضبه وأن لا يعقه، لأن حق الوالد عظيم، لكن إذا حصل من الإنسان مع والده شيء من الإساءة، فعليه أن يستحله وأن يستسمحه، ويطلب منه العفو إذا كان حياً.
أما إذا مات الوالد على هذه الحالة وهو قد غضب على ولده، فلم يبق حينئذٍ إلا أن يتوب هذا الولد إلى الله ويستغفره مما حصل، وأن يعمل للوالد شيئاً من البر بعد وفاته، بأن يتصدق عنه، وأن يدعو له، ويستغفر له، ويكثر من هذا لعل الله أن يخفف عنه حق والده" انتهى.
والله أعلم.
"مجموع فتاوى الشيخ صالح الفوزان" (٢/٥٨٣) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجوال
стр. 13831
معنى الصلاة على الوالدين بعد موتهما
[السُّؤَالُ]
ـ[سئل الرسول ﷺ : هل بقي لي شيء أبر به أبوي بعد موتهما؟ فقال الرسول ﷺ : (نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما) الحديث رواه أبو داود وابن ماجه فكيف تكون الصلاة على الوالدين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"المراد بالصلاة في هذا الحديث: الدعاء بالمغفرة والرحمة ودخول الجنة والنجاة من النار ونحو ذلك، كما في قول الله : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) أي: ادع الله (إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) التوبة/١٠٣، أي دعاءك.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد الرزاق عفيفي ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ عبد الله بن قعود.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٤/٢١٩) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13832
وعد والدته بإعطائها مالاً تضعه في بناء مسجد، ثم ماتت
[السُّؤَالُ]
ـ[طلبت والدتي مني مبلغاً من المال تضعه مساهمة في بناء مسجد يُقام بقريتنا ولم يكن عندي في ذلك الوقت المال الزائد عن حاجتي حتى ألبي طلبها، فوعدتها مستقبلاً أن أعطيها إن شاء الله، ثم سافرت إلى خارج بلدي لطلب الرزق الحلال، وفي هذه الأثناء قدَّر الله على والدتي بمرض توفيت على أثره، فهل يبقى ذلك الوعد مني لها ديناً في ذمتي وعليَّ أن أدفع ما وعدتها به إلى ذلك المسجد المعين أم يجوز ولو لغيره من المساجد التي تحتاج إلى مال، أم أنه لا يبقى ذلك الوعد ديناً في ذمتي وبالتالي أكون معافىً منه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"نعم، يجب عليك، أو ينبغي لك ويتأكد عليك أن تفي بوعدك، وأن تدفع هذه الدراهم في المسجد الذي ترغب والدتك أن تدفعها فيه، وقد وعدتها بذلك، فمن برها والإحسان إليها أن تنفذ هذا الوعد، لعل الله أن يتقبله وأن ينفعها به، وهذا من برها ومن الإحسان إليها، فإن كان المسجد الذي تريده الوالدة قد استغنى وتم تكاليفه فإنك تدفعه في مسجد أخر، لكن كما ذكرنا لا ينبغي لك أن تفرط في هذا الوعد، وأن لا تدفع هذه الدراهم، بل ينبغي لك ويتأكد في حقك أن تُنفِّذ هذا الوعد براً بوالدتك.
والله أعلم" انتهى.
"مجموع فتاوى الشيخ صالح الفوزان" (٢/٧٠٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13833
هل يطيع والده في ترك الدراسة والاشتغال بالتجارة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ولد سجَّل في إحدى المعاهد ليدرس، ولكن والده غير راض بذلك، ويريد من ولده أن يشتغل بالتجارة ولا يدرس، فهل يحق للولد أن يعصي والده أم يطيعه ويترك الدراسة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"ينبغي للابن أن يجمع بين الحسنيين، فيطلب العلم ويساعد والده على تجارته، وإذا أصر والده على إلزام ابنه لترك طلب العلم والاشتغال بالتجارة فإنه لا يطيعه في ذلك وليس هذا من العقوق.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.. الشيخ عبد الله بن غديان.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٥/١٣٩) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13834
تردد نصرانية تريد الإسلام وتسأل عن علاقتها بأهلها
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا امرأة نصرانية وأحب رجلاً مسلماً وأريد أن أتزوجه، أرشدني للإسلام حتى رأيت الأدلة العلمية على صحة الإسلام، أنا الآن في موقف حيادي فلست نصرانية ولست مسلمة، أنا حقاً أريد أن أعتنق الإسلام وأحاول جاهدة، بالحقيقة فقد كنت متمسكة بالنصرانية جدّاً ولكنني فقدت هذا الشعور وقد وافقت عائلتي على دخولي في الإسلام إن كان هذا يرضيني وإن شاء الله فسوف أسلم قريباً ولكنني قلقة لأنني لا أستطيع الحصول على الطمأنينة والرغبة التامة فيما أريد فعله، إذا لم أشعر بالطمأنينة والرغبة حين دخولي الإسلام فسأشعر بأنني سوف أسلم فقط لأتزوج هذا الرجل وهذا ما لا أريده وأنا أريد أن أسلم لله وقد احترت في أمري فماذا أفعل؟
سؤالي الثاني: إذا أسلمت فهل أستطيع أن أقابل أفراد عائلتي غير المسلمين؟ قرأت في موقع إسلامي أن الزوج إذا منع زوجته من الذهاب إلى أماكن لا يحبها أو أن تفعل أشياء لا يريدها فعلى الزوجة أن تطيعه في هذا، أنا أحب عائلتي جدّاً جدّاً وهم كذلك يحبونني جدّاً ولذلك فهم لا يمانعون من دخولي في الإسلام ولذلك فأنا لا أريد أن أتركهم وهم كذلك لا يريدون أن يفقدوني.
أرجو أن توضح لي هل يمكن أن أقابلهم وأن أحتفل معهم بالأيام الخاصة وهل أستطيع أن أتبادل معهم الهدايا في الأعياد الخاصة كعيد ميلاد المسيح.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إن التردد في دخول الإسلام لا ينبغي أن يصدر من امرأة مثلك، لها مثل هذا الأسلوب في الكلام، وعندها من العقل والحكمة ما تعرف به الصواب من الخطأ، بل ينبغي أن تكوني مرشدة لغيرك من الحيارى والتائهين.
واعلمي أن الشيطان هو الذي يحول بينك وبين الجزم بدخول الإسلام، وأنه هو الذي يوهمك أن دخولك الإسلام ليس من أجل القناعة الذاتية به، وأنك لن تكوني مطمئنة، وغير ذلك مما يقذفه في قلبكِ وعقلكِ، ويجعلكِ تترددين في قرار فيه سعادتك في الدنيا والآخرة.
إن إسلامك هو لله سبحانه، وما كان الرجل المسلم إلا سبباً فيه، وطريقاً إليه، وليس يعيب الرجل أن يسلم بسبب امرأة تنصحه وتهديه، وليس يعيب المرأة أن تُسلم بسبب رجل ينصحها ويهديها، وإليك قصة امرأٍة في الإسلام لا يُعرف لها نظير، فهي من نوادر هذه الأمة، وتفكِّري جيّداً في حادثتها:
عن أنس بن مالك قال: خطبَ أبو طلحة أمَّ سليم، فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يُرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تُسلم: فذاك مهري، وما أسألك غيره، فأسلمَ، فكان ذلك مهرها.
قال ثابت – تلميذ أنس -: فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهراً من أم سليم، الإسلام، فدخل بها، فولدت له.
رواه النسائي (٣٣٤١) وصححه الألباني في صحيح النسائي.
واعلمي أنه سرعان ما سيدخل الإيمان إلى شغاف قلبك، ولن تكون الدنيا كلها تعدل عندك العيش ساعة واحدة متقلبة في هذه النعمة العظيمة، ولقد كان بعض الناس يدخلون الإسلام من أجل المال، فسرعان ما يحبون الإسلام ويحاربون من أجله ويبذلون فيه الغالي والنفيس.
فعليك أن تجاهدي نفسك، وأن تعلمي أن الشيطان يريد أن يصدك عن السعادة وعن دين الفطرة والعقل، وأنت ستختارين دين آدم وإبراهيم وموسى والمسيح عيسى ﵈، دين الفطرة التي خلق الناس عليها، فهذا الكون ليس له إلا ربٌّ واحد لا شريك له، هو المستحق للتوحيد والعبادة، ونبينا محمد ﷺ لم يُرسل إلا بما أرسل به الرسل من قبله، فكوني مع طائفة أتباع الأنبياء والرسل تسعدي في الدنيا والآخرة.
ثانياً:
لن يمنعك الإسلام من اللقاء بأسرتك، بل سيوصيكِ بهم أكثر لتكوني مثالاً حسناً للمرأة المسلمة، ولتعينيهم على اعتناق هذا الدين، فأولى الناس أن يشاركك في هذه النعمة هم أهلُك وأفراد أسرتك.
قالت أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق: قدمتْ عليَّ أمِّي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدهم (تعني: المدة التي عاهد فيها رسول الله ﷺ أهل مكة على ترك القتال فيها) ، فاستفتيتُ رسولَ الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله قدمتْ عليَّ أمِّي وهي راغبة أفأصلُ أمِّي؟ قال: نعم، صلِي أمَّك ".
رواه البخاري (ومسلم (١٠٠٣) .
فها هو النبي ﷺ يأذن بأن يصل المسلم أهلَه الذين هم على غير دين الإسلام، حتى لو كان هؤلاء الأهل يدعونه لترك دينه وأن يصبح مشركاً فإن الإسلام مع نهيه له أن يجيبهم لدعوتهم تلك، أمره أن يحسِن إليهم ويتلطف معهم.
قال الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) لقمان / ١٤-١٥.
وقد اهتمَّ نبينا محمد ﷺ بدعوة أهله إلى الدين وظلَّ يزورهم ويدعوهم حتى إنه زار عمَّه أبا طالب وهو في الرمق الأخير وعرض عليه الإسلام.
فليس هناك ما يمنعك من زارة أهلك، وليكن ذلك بالاتفاق مع زوجك، وعليك أن تنتهزي هذه الزيارة لدعوتهم إلى الحق والخير والأخذ بأيديهم إلى النجاة.
والمحرَّم في مثل هذه الزيارات هو ما يكون فيها من اختلاط النساء بالرجال، أو مصافحة الرجال الأجانب، أو المشاركة في أعيادهم، ولا يخفى عليكِ أن ما جاء به الإسلام من أحكام إنما هو لمصلحة الناس الدنيوية والأخروية، ولا بأس من تبادل الهدايا معهم، وقد يكون ذلك سبباً في تأليف قلوبهم وترغيبهم في الإسلام، ما لم تكن الهدايا بسبب أعيادهم لاسيما الدينية فلا يجوز لك قبولها ولا إهداؤها لأن ذلك من الإعانة لهم على باطلهم والرضا به.
يراجع سؤال رقم (١١٣٠)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13835
تابت من العمل في البنك ويريد أهلها وزوجها أن تبقى فيه!
[السُّؤَالُ]
ـ[لي صديقة عمرها ٤٣ سنة، متزوجة، وأم لثلاثة أطفال، تعمل في بنك ربوي مند ٢٠ سنة، في السنة الأخيرة - والحمد لله - هداها الله إلى الاقتناع بأن هذا العمل حرام شرعاً؛ لما فيه من تعاملات ربوية، ومساعدة على نشرها، واتخذت قرارها بتركه، لكن الأمور لم تجرِ بهذه السهولة، اصطدمت بمعارضة قوية من عائلتها، من جهة أولى زوجها، حاول المستحيل لمنعها لدرجة أن الأمر وصل للتهديد بالطلاق إن هي أصرت على موقفها، فهو لا يريدها أن تترك العمل؛ لأنها تساهم – تقريباً- بنصف راتبها في مستلزمات البيت، وما يعزز أكثر رفضه - في نظره - أنه يتحجج بأن عملها يمنح لأطفالهما تأميناً صحيّاً لا يمكنه أن يوفره من خلال عمله (يعمل في عمل مند أكثر من ١٥ سنة بعقد قابل للتجديد كل سنة) تخبره بأنها ستقنع بما يجنيه هو، وأن الله هو المؤمن وكل شيء بيده، لكن لا فائدة، ومن جهة أخرى والدها الذي وصل به الأمر بتخييرها بين رضاه، وسخطه إن تركت العمل، يقول لها: يمكنك تركه ولكن بشرط أن تجدي عملا آخر قبل ذلك، وهذا نراه شرطاً تعجيزيّاً، وذلك لسببين: أولاً: مشكلة السن، عمرها ٤٣ سنة، ثانياً: استفحال مشكلة البطالة في بلادنا، هناك صعوبة في إيجاد عمل آخر، كما أنه عمل على إقناع شقيقيها على عدم مساعدتها سواء ماديّاً، أو معنوياً. مع العلم: أسرتها أسرة ملتزمة بتعاليم ديننا الإسلامي، لكن عملها هو نقطة خلافهم، هي الآن حائرة، لا تدري ما تفعل، زوجها يخبرها أن الله أمر الزوجة بطاعة زوجها، وهذا هو فوزها الأكبر أكثر من أي شيء، وبين والدها الذي يهدد إن لم تطعه سيسخط عليها دنيا وآخرة، وبأن بر الوالدين وطاعتهما فوق كل ما تريد أن تفعله، وأنها يجب عليها المحافظة على عملها لأنه هو مستقبلها، وأنها يمكن أن تمر بظروف قاسية إن تركته. نرجو من فضيلتكم أن تنصحوها، وأن تضعوها على الطريق الصحيح، وأن تبينوا لها حكم ما يقول زوجها، وأبوها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نحمد الله تعالى أن وفقها للتوبة من الكسب المحرَّم، ومن الإعانة على ما يسخط الرب تعالى من العمل في الربا، وهو من كبائر الذنوب التي توعد الله أصحابها بالمحق والعذاب، إلا أن يتوبوا ويعودوا لربهم بصدق وإخلاص.
ثانياً:
لا تخلو هذه الدنيا من ابتلاء، فيبتلى المسلم فيها بأنواع شتى من الابتلاءات، وقد يُبتلى التائب من ذنبه، والمقبل على ربه تعالى فعليه أن يصبر ويثبت فإنه الآن في محطة الاختبار ليُرى صدقه في توبته وإقباله على ربه تعالى من عدمه، لذا فإنه يجب على صديقتك أن تعلم أن ابتلاءها هو في صالحها إن صبرت عليه وتحملته، وأنه أمرٌ يعرض للتائبين من ذنوبهم، والمقبلين على ربهم تعالى، فلا تجزع، ولا تفزع، ولا تضجر، ولتكن مع ربها تعالى بالإنابة، والدعاء، والعمل الصالح، وستجد ما يسرها إن شاء الله، من التثبيت على الطاعة، والتوفيق للعمل الصالح.
وطريق الجنة محفوف بالمكاره، ومن صبر على قطع هذا الطريق فإن نهايته ستكون سعيدة، وطريق النار محفوف بالشهوات، ولو استمتع العاصي بدنياه بتلك الشهوات فإنه سيندم على ذلك أشد الندم، وسيجد من الحسرة والسخط والعذاب ما يُنسيه استمتاعه ذاك.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (حُجِبَتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ) . رواه البخاري (٦١٢٢) ومسلم (٢٨٢٣) .
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ) . رواه مسلم (٢٨٢٢) .
قال النووي ﵀:
"قال العلماء: هذا من بديع الكلام، وفصيحه، وجوامعه، التي أوتيها ﷺ ، من التمثيل الحسن، ومعناه: لا يوصل الجنة إلا بارتكاب المكاره، والنار بالشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب: وصل إلى المحجوب، فهتك حجاب الجنة: باقتحام المكاره، وهتك حجاب النار: بارتكاب الشهوات، فأما المكاره: فيدخل فيها: الاجتهاد في العبادات، والمواظبة عليها، والصبر على مشاقها، وكظم الغيظ، والعفو، والحلم، والصدقة، والإحسان إلى المسيء، والصبر عن الشهوات، ونحو ذلك.
وأما الشهوات التي النار محفوفة بها: فالظاهر أنها: الشهوات المحرمة، كالخمر، والزنا، والنظر إلى الأجنبية، والغيبة، واستعمال الملاهي، ونحو ذلك.
وأما الشهوات المباحة: فلا تدخل في هذه، لكن يكره الإكثار منها؛ مخافة أن يجر إلى المحرمة، أو يقسي القلب، أو يشغل عن الطاعات، أو يحوج إلى الاعتناء بتحصيل الدنيا للصرف فيها، ونحو ذلك" انتهى.
" شرح مسلم " (١٧ / ١٦٥، ١٦٦) .
ثالثاً:
من الواجب على هذه الأخت أن تلتزم الصدق في توبتها، فتندم على ما فات من عمرها الذي قضته في العمل المحرَّم، وتعزم عزماً مؤكداً على عدم العود للعمل في البنوك الربوية، ولا في غيرها من الأماكن المحرَّمة.
قال علماء اللجنة الدائمة للإتاء:
"العمل في البنوك التي تتعامل بالربا: من الأمور المحرمة، ولا يجوز لك أن تستمر فيه؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان، وقد نهى الله عنه بقوله: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) ، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ من حديث جابر ﵁: (أن رسول الله ﷺ لعن آكلَ الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه) ، وعليك التوبة إلى الله من ذلك" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٥ / ٤٥، ٤٦) .
وقالوا أيضاً:
"ثبت تحريم الربا بالكتاب، والسنَّة، والإجماع، وثبت أن التعاون عليه بالكتابة، والشهادة، ونحوهما: حرام، وعلى هذا: فالعمل في البنوك الربوية محرم؛ لما فيه من التعاون على الإجراءات الربوية من حساب، وصرف، وقبض، وتقييد، وكتابة، وحراسة، ونحو ذلك، وقد قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٥ / ٤٦، ٤٧) .
رابعاً:
أما ما قاله زوجها ووالدها من أن الله تعالى أمر بطاعة الزوج، وطاعة الوالدين وبرهما، فهو حق، قد أمر الله تعالى بذلك، لكن. . إذا تعارض أمر الله تعالى مع أمر الزوج أو الوالد بحيث أمرا بما يخالف أمر الله، فلا يشك مؤمن في أن الواجب هو تقديم أمر الله تعالى، ومن قال غير ذلك فهو على خطر عظيم، وعليه أن يراجع إيمانه.
ولذلك قال النبي ﷺ : (لَا طَاعَةَ في مَعْصِيَةِ الله، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ) رواه البخاري (٦٨٣٠) ومسلم (١٨٤٠) .
وجاء في " الموسوعة الفقهية " (٢٨ / ٣٢٧) :
"طاعة المخلوقين - ممّن تجب طاعتهم – كالوالدين، والزّوج، وولاة الأمر: فإنّ وجوب طاعتهم مقيّد بأن لا يكون في معصية، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" انتهى.
وقال الشيخ الفوزان حفظه الله:
"المرأة مأمورة بطاعة الله ، ومأمورة بطاعة زوجها، وبطاعة والديها، ضمن طاعة الله .
أمَّا إذا كان في طاعة المخلوق: من والد، أو زوج، معصية للخالق: فهذا لا يجوز؛ لقوله ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف) - رواه البخاري -؛ وقوله ﷺ : (لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق) - رواه أحمد – " انتهى.
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (١ / ٢٦٥، ٢٦٦، سؤال ١٦١) .
فأعلمي صديقتك بحرمة طاعتها لوالديها وزوجها في الرجوع للعمل في البنك الربوي، وأن غضب والدها عليها لا وزن له عند الله تعالى؛ لأنه والحالة هذه يكون هو الآثم الظالم لها، وإن أمكنها أن تتقاعد مبكراً، وتحصل على راتب شهري بعد تقاعدها، فذلك خير، ولا حرج عليها من أخذ هذا الراتب إن شاء الله.
وإن وُفِّقَت إلى الجمع بين إرضاء الله تعالى وعدم إسخاط الوالدين والزوج بالعمل في مكان مباح: فذلك أفضل، وأجمع للشمل، وإن عجزت عن التوفيق بين الأمرين: فلتقدم مرضاة الله على رضا أي أحدٍ سواه، وإن أصابها سوء أو أذى أو ضرر: فلتصبر، ولتحتسب.
وعليها أن تلين مع زوجها وأبيها وتحاول إقناعهما بأن الحرام مهما كان كثيرا فإنه لا بركة فيه، وعاقبته إلى زوال.
ونسأل الله أن ييسر لها أمرها ويهدي أهلها.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13836
والده يشرب الخمر، فكيف يتصرف معه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ي إليكم أسري، واجتماعي بنفس الوقت، أبي – يا شيخ حفظكم الله - مبتلى بالمسكر (الخمر) منذ زمن , وكلما رأيته بهذه الحالة أنقهر، وأغتم مما أراه، وإذا نصحته وقلت له إن هذا الشيء لا يجوز وحرام: يزعل مني، ويحاول إسكاتي، مما يجعلني أتصادم معه في الكلام، وأحياناً أسبه وكأنه واحد من أعدائي , علما بأن أمي متوفية - رحمها الله - منذ سنتين، وجدتي التي هي أم أبي مريضة في المستشفى بسبب جلطة دماغية عافانا الله وإياكم منها , ومما يزيد الأمر سوءً أن أبي - هداه الله – لا يستطيع المشي إلا على العكاز، ولمسافة قريبة فقط؛ لأنه منذ صغره وهو أعرج، وعمره الآن ٦٠ سنة، وكما قلت لكم أنني نصحته أكثر من مرة ولكن لا فائدة من الكلام، حيث إن أصحابه نصحوه، ولكن لا حياة لمن تنادي , كذلك يعاني من مرض السكر، والضغط , وأنا لا أريد العقوق به، ولكن ما الذي يجب أن أعمله تجاهه؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
شرب الخمر حرام، وهو من كبائر الذنوب، وقد دلَّ على تحريمه الكتاب، والسنَّة، والإجماع، ولا خلاف بين العلماء في تحريمه.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) المائدة/ ٩٠، ٩١.
وللخمر مفاسد على الدين، والبدن، والعقل، والمال، والعرض، ولذا فإن كثيراً من الصحابة ﵃ حرّموا شربها على أنفسهم في الجاهلية: ومنهم أبو بكر الصدِّيق ﵁، قالت عائشة ﵂: " حرَّم أبو بكر الخمرة على نفسه، فلم يشربها في جاهلية، ولا إسلام، وذلك أنه مرَّ برجل سكران يضع يده في العذرة ويدنيها من فيه، فإذا وجد ريحها صرف عنها، فقال أبو بكر: إن هذا لا يدري ما يصنع ".
ومنهم: عثمان بن مظعون، حيث روي عنه قوله: " لا أشرب شراباً يذهب عقلي، ويضحك بي مَن هو أدنى مني، ويحملني على أن أنكح كريمتي من لا أريد ".
ومنهم: قيس بن عاصم، حيث روي عنه قوله – في سبب تحريم شرب الخمر على نفسه -: " لأني رأيته متلفة للمال، داعية إلى شرّ المقال، مذهبة بمروءات الرجال ".
ويتعرض شارب الخمر يعرِّض نفسه لمفاسد وعقوبات في نفسه، إن لم يتدارك نفسه بتوبة صادقة: هلك، وانظر بعض هذه المفاسد والعقوبات في جواب السؤال رقم (٣٨١٤٥) .
ثانياً:
أما ما يجب عليه تجاه المنكر الذي يفعله والدك فإنه يتلخص بما يلي:
١. المداومة على نصحه، ووعظه، بتبيين حرمة شربه للخمر، والعقوبات المترتبة على فعله.
٢. التلطف في المعاملة، والإحسان له بالقول والفعل.
٣. عدم إعانته على شراء الخمر، لا من حيث جلبه له، ولا من حيث إعطاؤه من المال ما يشتري به من ذلك المنكر.
٤. عزله عن الأسرة، أو عزل الأسرة عنه في حال سكره؛ لئلا تؤثر مخالطته لهم على سلوكهم وأخلاقهم، خاصة إذا كان في الأسرة من يمكن أن يتأثر به؛ ولكي يأمنوا شرَّ أفعاله إذا سكر.
٥. رفع الأمر لمن يأخذ على يده بالعقوبة، من حاكم، أو قاضٍ، أو جهات مسئولة.
٦. الدعاء له بأن يهديه الله ويخلصه من فعل الحرام.
وهذه بعض الفتاوى في الموضوع، نسأل الله أن تكون نافعة في بيان المقصود.
أ. سئل علماء اللجنة الدائمة:
ما حكم الإسلام في المسلم الذي يشرب الخمر، ولا يقبل النصح، ويعلل ذلك بقوله: " إنه هو الوحيد الذي سيحاسبه الله "، ولا يسمح لأحد أن يتدخل في شئونه، فهل يجوز للمسلمين أن يتعاملوا معه أو لا؟
فأجابوا:
يجب على مَن عرف الحق من المسلمين أن يبلغه قدر طاقته، وأن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر حسب استطاعته، فإن قُبلت نصيحته: فالحمد لله، وإلا رفع أمر مَن ارتكب المنكر أو فرَّط في الواجبات إلى ولي الأمر العام، أو الخاص، ليأخذ على يد المسيء حتى يرتدع، ولا ينتشر الشر، ودعوى من يشرب الخمر ويصر على ذلك أنه لا يحاسبه على شربها غير الله: ليست بصحيحة إذا كان يشربها علناً، فإن مَن يراه يشربها مكلف بالإنكار عليه حسب استطاعته، فإن لم يقم بالواجب عليه نحو من يرتكب المنكر: عوقب على تفريطه في واجب البلاغ والإنكار، فليس شرب إنسان الخمر علناً مما يختص جرمه بالشارب، بل يعود ضرره على المجتمع في الدنيا، وخطره يوم القيامة على الشارب، والمفرط في الإنكار عليه، وفي الأخذ على يده، وعلى مَن عرف من المسلمين حال المجرم أن يهجره في المعاملات، ولا يخالطه إلا بقدر ما ينصح له، وما يضطر إليه فيه، وليجتهد ما استطاع في إبلاغ ذلك إلى ولاة الأمور ليقيموا عليه الحد؛ ردعاً له، ولغيره؛ وقطعا لدابر الشر والفساد؛ وتطهيراً للمجتمع من ذلك الوباء.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجن الدائمة " (٢٢ / ٨١، ٨٢) .
ب. وسئل علماء اللجنة الدائمة – أيضاً -:
أنا موظف في إحدى الدوائر الحكومية، وأستلم راتبا وقدره (٢٩٨١) ريالاً، ولي أب يريد أن أعطيه من الراتب الذي أستلمه، وأنا لا أقدر؛ لأنني اشتريت سيارة، وأسدد أقساطها، وكل قسط (٢٠٠٠) ريال، ولي أخت تعطيه شهريا (٨٥٠) ريالاً، ويوجد عنده محل يبيع ويشتري المواد الغذائية، ويريد مني نقوداً، وأنا لا أقدر، مع أنه يشرب الخمر! ويريد أن أعطيه نقوداً، فهل يجوز أن أعطيه نقوداً مع أنه يمكن أن يشتري خمراً بالنقود التي أعطيه إياها؟ وإذا لم أعطه نقوداً يطردني من البيت، ويقول:" إن لم تعطني نقوداً فاخرج من البيت "، وأخواتي لا يعطيهم نقوداً إلا بعد مشقة كبيرة.
أفيدوني في هذا السؤال، أفادكم الله، وأسكنكم فسيح جناته؟ .
فأجابوا:
إذا كان الواقع كما ذُكر من أنه يشرب الخمر، وكان عنده ما يكفيه لحاجته المباحة: فصاحبه في الدنيا بالمعروف، وأحسن إليه بما تيسر لك، مما لا يتمكن من صرفه في محرم؛ مثل أن تعطيه كسوة، أو كيس أرز، أو شيئاً مما يكون أثاثاً للبيت؛ من سجادة، أو أواني، وتبش في وجهه، وتكلمه كلاماً ليِّناً سمحاً، ونحو ذلك من المعروف والإحسان، مع نصيحته بترك شرب الخمر، وسائر المحرمات.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٥ / ١٧٣، ١٧٤) .
ج. وسئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:
أنا شاب هداني الله للإيمان - والحمد لله - متزوج حديثًا، وأتقاضى راتباً شهريّاً، وقد استأجرت بيتًا، وسكنت فيه مع زوجتي؛ وذلك لصغر بيت أهلي، وأعطي أهلي جزءًا من راتبي، وبعضه لوالدي الذي يشرب الخمر يوميّاً! فهو مدمن عليها! لذلك فإن ضميري يؤنبني بأني بذلك أشجعه على شراء الخمر، علماً أنه يتقاضى راتباً يعطي منه لوالدتي نصفه والباقي يصرفه على شراء الخمر، والسجائر، ولعب القمار – أحياناً -، خصوصاً وأنا بحاجة إلى هذا المبلغ لتكوين نفسي، وكذلك فإن أختي الكبيرة تعطيه من راتبها، فما حكم إعطائنا له تلك المبالغ؟ أفيدونا أفادكم الله.
فأجاب:
يجب على المسلم أن يتوب إلى الله من المعاصي، ولاسيما الكبائر، كشرب الخمر، ولعب القمار، وغير ذلك مما حرم الله ، فيجب على هذا الوالد، وعلى كل عاصٍ: أن يتوب إلى الله، ويبادر بالتوبة، وألا يتجارى مع الهوى، والشيطان، فيُهلك نفسه، فيقع في غضب الله، وسخطه، والواجب عليكم أن تناصحوه، وأن تكرروا له النصيحة، وتغلظوا عليه، وإذا كان هناك سلطة إسلامية: فيجب عليكم أن ترفعوا شأنه إليها للأخذ على يده، وإعانته على نفسه.
وأما بالنسبة لما تعمله أنت، وأنك هداك الله للإسلام: فهذه نعمة عظيمة، ونسأل الله لنا ولك الثبات، ثم ما تعمله من توزيع راتبك على حوائجك، وعلى أهلك، وعلى والدك: فهذا شيء تشكر عليه، ونرجو الله أن يتقبل منا ومنك.
وأما بالنسبة لكون والدك يشرب الخمر، ويستعين بما تعطيه على ذلك: فإذا تحققت أن والدك يستعين بما تدفعه إليه على معصية الله: فلا تعطه؛ لأن الله جل وعلا يقول: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة/ ٢.
فإذا تحققت من أن والدك يستعين بما تعطيه إياه على معصية الله: فإنك تمنع عنه العطاء؛ لعله يتوب إلى الله، ويرتدع عما هو عليه.
وعلى كل حال: الوالد له حق، لكن إذا كان بالحالة التي ذكرتها، وأنه يستعين بما تدفعه إليه على شرب الخمر، ولعب القمار، وغير ذلك: فإنك لا تعطيه شيئًا يعينه على المعصية.
" المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان " (٤ / ص ٢٦١، السؤال ٢٦٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13837
تركها أهلها في صغرها، ورباها عمُّها وزوجته، فكيف تتصرف مع أهلها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أبي وأمي أعطياني لعمِّي، وأنا عمري ثلاثة أيام، ولقد كبرت في بيت عمي وزوجته، وأنا أظن أنهما والداي، إلى أن صار عمري ١٢ سنة، وعلمت بالأمر، فصدمت، ولكن بعد فترة اعتدت بالوضع، وصرت أعيش بينهما، ولكن أبي الحقيقي يعاملني على أنني ابنة أخيه، وكذلك أمي، وإخوتي، إلى أن تزوجت، ووقعتْ بيني وبينهم مشكلة، لستُ سبباً فيها، فقاطعوني، حتى أنني أنجبتُ إثر عملية قيصرية، ولم يكلفوا أنفسهم عناء السؤال عليَّ، فهل أنا مذنبة في حقهم؟ وهل أعتبر عاقة لوالدي - مع العلم أنهم قد تخلوا عني منذ صغري -؟ ، وما هو واجبي تجاههم في الشرع؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
اعلمي ـ يا أمة الله ـ أن من رحمة الله تعالى بك أن يعوضك عن تقصير أبيك وأمك، وإهمالهم لشأنك، بعناية عمك وزوجه، وقيامهم بأمرك، وعمك ـ والحمد لله ـ هو محرم لك، بل هو كأبيك لك، كما قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( ... يَا عُمَرُ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ) رواه مسلم (٩٨٣) .
وإن كان الواجب على الجميع أن تتم هذه العناية من عمك وزوجه، وأنت تعرفين كفالته لك على أنك ابنة أخيه؛ فتربيتهم لكِ، ومعيشتك تلك الفترة في بيتهم، وتحت كنفهم: لا يجعلك بنتاً لهم، ولا ينزع والديك منك، لا نسبة، ولا برّاً لهما، ولا صلةً لأشقائك، وإن كانوا قد أخطأوا بفعلهم ذاك، فإنه لا يجوز لك مقابلة الخطأ بخطأ، بل تعفين وتصفحين، ولك الأجر إن شاء الله، وإن كان لعمك أبناء فإنه لا يحل لك أن تختلي بأحدٍ منهم، ولا أن تكشفي عن شيء من جسمك أمامهم؛ فهم أجانب عنكِ، ولست أختاً لهم حتى يحل لك ذلك.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
إنني فتاة في سن الحادية والعشرين من عمري، ولدت على أيام الحرب – أي: حرب الستين - في الحرب فقدت والدتي ووالدي، وأطفال كثيرون فقدوا الآباء والأمهات، جمعونا يوم ذاك، وأخذونا إلى ملجأ في " عمان "، عشت في الملجأ شهراً على الأقل، وجاءت عائلة أردنية، وأخذتني بالتبني! لأنهم زوجان لا ينجبان الأولاد، عشت معهم وكأنني ابنة لهم، لم يشعروني بأي شيء، فعلا ربوني على الهداية، والحمد لله رب العالمين، عرفت من زميلاتي في المدرسة أن لا أهل لي، في البداية لم أهتم لذلك؛ لأن والدتي معي، ولكن الآن والدتي بالتبني توفيت، وأنا لوحدي مع والدي، هو رجل كويس، والحمد لله، ولكنه محرَّم عليَّ، أنا أمامه ألبس الطويل الساتر، ولكن لا ألبس الإيشارب، عشت عند دار والدتي، أي: دار جدي بالتبني، ولكن لم أرتح كثيراً، فرجعت لوالدي أعيله لأنه مريض، بعديد من الأمراض، هل وجودي معه حرام، وهل عدم لبس الإيشارب أمامه حرام؟ .
فأجابوا:
التبني لا يجعلكِ بنتاً لمن تبناك كما كان الحال في زمن الجاهلية، إنما القصد منه الإحسان، وتربية الصغير، والقيام بمصالحه، حتى يكبر، ويرشد، ويتولى شؤون نفسه ويستقل في الحياة، فنرجو الله أن يحسن إلى من أحسن إليك، لكنه ليس أباً ولا محرماً لك، فيجب أن تحتجبي عنه، شأنك معه في هذا كأي أجنبي، مع مقابلة إحسانه بالإحسان، ومعروفه بالمعروف، مع الحجاب، وعدم الخلوة.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٠ / ٣٦٠) .
وسئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -:
امرأة متزوجة، ولكن لم يشأ الله أن تنجب أطفالاً، لذا هل يجوز أن تتبنى طفلاً وتنسبه لها ولزوجها أم لا، وإذا كان جائزاً فما هي صفات الطفل الذي يجوز تبنيه، بمعنى: أن يكون أبواه معروفين، ولكنهما قد ماتا كاليتيم مثلاً، أو مَن لا يعرف أبواه ونحو ذلك؟
فأجاب:
التبني كان موجوداً في الجاهلية فأبطله الإسلام، ونهى عنه، فالطفل المتبنَّى يكون أجنبيّاً من المتبنِّي؛ لأنه إنما ينسب لأبويه الحقيقيين، ولا ينسب لمن تبناه.
يقول الله : (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ٤ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ) الأحزاب / ٤، ٥.
فالواجب على المسلمين أن يتجنبوا هذا الأمر الخطير الذي أبطله الإسلام، ونهى عنه، ولا مانع من أن المسلم يحسن إلى اليتيم، وإلى الصغير الذي ليس له وليّ يقوم على تربيته، فالإحسان إليه فيه فضل عظيم، لكن لا يتبناه.
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (٤ / ١٩٧، السؤال ٢١٦) .
وانظري جوابي السؤالين: (١٠٠١٠) و (٥٢٠١) .
ثانيا:
أما بخصوص بر والديكِ: فاعلمي أن ما فعلاه في حقك لا يجيز لك التخلي عنهما، وهجرهما، ولا يمكنكِ التبرؤ من النسبة إليهما، ويجب عليكِ برُّها، والإحسان إليهما، ويحرم عليكِ جفاؤهما وعقوقهما.
قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) النساء/ ٣٦.
وقال سبحانه: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) لقمان/ ١٤.
وقال : (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء/ ٢٣، ٢٤.
وعن عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسْعود قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
رواه البخاري (٥٠٤) ومسلم (٨٥) .
وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ - ثَلَاثًا -؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَجَلَسَ - وَكَانَ مُتَّكِئًا - فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ.
رواه البخاري (٢٦٥٤) ومسلم (١٢٦) .
وانظري أجوبة الأسئلة: (٢٢٧٨٢) و (١٣٧٨٣) و (١١٤٩٥) و (٣٠٤٤) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13838
زوجها يمنع أولادهما من زيارة أبويها الكافرين
[السُّؤَالُ]
ـ[سألت شيخنا فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن امرأة تقول أبواي كافران وزوجي يمنع أولادي من رؤيتهما، فهل له حق في ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
فأجاب حفظه الله بقوله:
الحمد لله
ليس له حق، ولكن ينبغي عليك مداراته، ويقال للزوج إذا لم يكن على الأبناء خطر في الدين فلا تمنعهم، وبإمكانه أن يتفادى الخطر بأن يحضر الزيارة بنفسه.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
стр. 13839
يحب والده المتوفى ويريد أن يحسن إليه
[السُّؤَالُ]
ـ[أتقدم إليكم بسؤالي هذا والقلق ينتابني حيال والدي ﵀، والدي توفي منذ سنتين، وكان لديه تقصير تجاه رب العالمين وذلك: ١- لم يكن مواظباً على الصلاة المكتوبة , كان يصلي أحياناً وأحياناً لا يفعل كسلاً، وليس إنكاراً لوجوبها. ٢- كان قليلاً ما يصوم رمضان ويحتج بأنه مريض وعليه أن يأخذ دواء القلب، أو أنه ضعيف لا يستطيع , ولكنه كان من المدخنين، وأنا أظن أنه لم يكن مواظباً على الصيام بسبب ضعف مقاومته لترك التدخين. ٣- كنا في فترة بعيدة من الزمان نملك دكاناً للبقالة، وحسب علمي وكما أذكر أنه لم يكن يخرج زكاة البضاعة التي فيه , وكانت أوضاعنا المادية صعبة , ولم تربح تجارتنا، وبعنا الدكان بعدها. ٤- أحياناً ربما امتلك مبلغاً من المال يمكنه من الحج ولكنه لم يحج , وكان دائماً يقول لي إنه يتمنى الذهاب إلى الحج ولكنه لا يستطيع، حيث إنه كان يعاني من مشاكل كثيرة وخطيرة في العينين، وكان عليه أن يبتعد عن الزحام والشمس والتعب، ولكن بعد وفاته تبرع بعض الناس وقاموا بالحج عنه - أظنهم ثلاثة أشخاص منفردين، وليسوا من أقربائه –. أحببت والدي كثيراً، وكذلك أحبه كل من عرفه. لذلك أرجو منكم أن تبينوا لي ماذا يمكنني عمله من أجل البر بوالدي , أنا أحبه وأخاف عليه من عذاب القبر ومن عذاب يوم القيامة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا أردت أن تنفع وتبر والدك بعد وفاته، فيمكنك أن تنفعه بما يأتي:
١- الدعاء الصادق له، قال الله تعالى: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ. رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) إبراهيم/٤٠-٤١.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال رَسُولَ الله ﷺ : (إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَاّ مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) رواه مسلم (١٦٣١) .
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ الله ﵎ لَيَرْفَعُ لِلرَّجُلِ الدَّرَجَةَ، فَيَقُولُ: أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: بِدُعَاءِ وَلَدِكَ لك) رواه الطبراني في "الدعاء" (ص/٣٧٥) ، وعزاه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٢٣٤) للبزار، ورواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٧/٧٨) .
قال الذهبي في "المهذب" (٥/٢٦٥٠) : إسناده قوي. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير عاصم بن بهدلة وهو حسن الحديث.
٢- التصدق عنه.
٣- أداء الحج والعمرة عنه، وإهداء ثوابهما إليه، وقد سبق في موقعنا تفصيل هذه الأمور في جواب السؤال رقم (١٢٦٥٢) .
٤- قضاء دينه: كما فعل جابر بدين والده عبد الله بن حرام ﵄ بأمر من النبي ﷺ . والقصة رواها البخاري (٢٧٨١) .
أما ما فاته من صيام رمضان ومن أداء الزكاة فهذا لا يمكن للولد استدراكه، فإذا تعمد المسلم التقصير في هذين الفرضين فلا بد أن يتحمل وزرهما، ولا يؤديها أحد عن أحد.
ومثل ذلك: الصلاة، فإنه لا يصلي أحد عن أحد.
وقد أخبرنا ربنا بأن المسلم مجازى بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر:
يقول الله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) الزلزلة/٧-٨، إلا أن يتجاوز الله برحمته وفضله عن السيئات.
غير أن الزكاة تشبه الدَّيْن، فهي حق للمستحقين الزكاة، فعليك أن تقدر الزكاة التي لم يخرجها في حياته وتقوم بإخراجها عنه ونرجو أن يكون ذلك سبباً للتخفيف عنه.
نسأل الله أن يجزيك خيراً على حبك لوالدك وحرصك على بره، وأن يعفو عنه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13840
إذا طلب الوالد منه مالا ولم يكن عنده فهل يلزمه الاقتراض
[السُّؤَالُ]
ـ[الوالد الله يحفظه لنا أحيانا يطلب منا أنا وإخوتي مساعدته لزواج أحد إخوتي أو تغيير أثاث المنزل أو غير ذلك من الأشياء التي ليست مهمة وأكثر الأحيان أقوم بدفع ما يخصني ولكن مرة من المرات لا أستطيع لأنها لا تكون متوفرة لدي فيزعل علي لفترة ثم أقوم بطلب سلفة من البنك وآتي بها له وهكذا، علما أن حالته المادية متوسطة، هل يجوز أن أعصيه وأقول له: المبلغ ليس عندي أم أذهب إلى البنك وآخذ دَيْناً في شيء لا يعتبر مهما بهذه الدرجة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
للأب أن يأخذ من مال ولده، ما احتاج إليه، إذا كان لا يضر بالابن، وذلك لما روى ابن أبو داود (٣٥٣٠) وأحمد (٦٦٤٠) من حديث عبد الله بن عمرو أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَالا وَوَلَدًا، وَإِنَّ أَبِي يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالِي. فَقَالَ: (أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ) . صححه الألباني في صحيح أبي داود.
ومعنى الحديث ـ كما قال الخطابي ﵀: أن هذا الرجل كان يحتاج المال من أجل النفقة وكان مال الابن قليلاً بحيث تستأصله النفقة وتأتي عليه كله، فلم يعذره النبي ﷺ في ترك النفقة على أبيه. وانظر: "عون المعبود".
ويشترط أن يكون الأب بحاجة إلى هذا المال، عند جمهور الفقهاء خلافا للحنابلة؛ لما روى الحاكم (٢ / ٢٨٤) والبيهقي (٧ / ٤٨٠) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن أولادكم هبة الله لكم ﴿يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور﴾ فهم وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها) . صححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢٥٦٤) .
قال ابن قدامة ﵀: " ولأبٍ أن يأخذ من مال ولده ما شاء , ويتملكه , مع حاجة الأب إلى ما يأخذه , ومع عدمها , صغيرا كان الولد أو كبيرا , بشرطين:
أحدهما: أن لا يجحف بالابن , ولا يضر به , ولا يأخذ شيئا تعلقت به حاجته.
الثاني: أن لا يأخذ من مال ولده فيعطيه الآخر. وذلك لأنه ممنوع من تخصيص بعض ولده بالعطية من مال نفسه , فلأن يمنع من تخصيصه بما أخذ من مال ولده الآخر أولى.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: ليس له أن يأخذ من مال ولده إلا بقدر حاجته ; لأن النبي ﷺ قال: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام , كحرمة يومكم هذا , في شهركم هذا) متفق عليه. وروي أن النبي ﷺ قال: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه) رواه الدارقطني؛ ولأن ملك الابن تام على مال نفسه , فلم يجز انتزاعه منه " انتهى من "المغني" (٥/٣٩٥) باختصار.
فإذا احتاج الأب للمال فله أن يأخذ من مال ولده، فينفق على نفسه وعلى من يعول، بشرط ألا يضر بالابن وألا يأخذ شيئا تعلقت به حاجته، كسيارته التي يركبها ونحو ذلك. وانظر جواب السؤال رقم (٩٥٩٤) .
ثانيا:
إذا لم يكن لديك مال فلا يلزمك الاقتراض، ولك أن تقول لوالدك: إنه لا مال لديك الآن، أو أنك بحاجة إلى المال الموجود معك، ولا يعد هذا عصيانا له.
ولا يجوز أن تقترض من البنك الربوي بحال، لما جاء من لعن آكل الربا وموكله، ولا يجوز طاعة الأب فيما لو أمر بهذا الاقتراض؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
والحاصل: أن الأب إذا احتاج إلى المال لينفق منه أو يشتري به أثاثا للبيت ونحو ذلك، جاز له أن يأخذ من مال أولاده، بشرط ألا يكون في ذلك ضرر عليهم، وألا يأخذ ما تعلقت به حاجتهم، فإذا لم يكن لديهم مال فائض فلا يلزمهم الاقتراض.
وينبغي أن يتعاون الإخوة في مساعدة من لم يتزوج منهم، كلٌّ حسب استطاعته وقدرته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13841
يريد الزواج من فتاة ووالداه يرفضان لسوء سمعتها
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا في مشكلة كبيرة فأنا تبت والحمد لله منذ مدة وأرجو من الله أن يتقبل منا ومن جميع المسلمين لكن لي مشكلة وهي أني أريد الزواج من فتاة وأهلي غير موافقين منذ سنين لأن لها سمعة سيئة هي تريد التوبة أيضا لكن المشكلة في الزواج والداي يرفضان فكرة الزواج منها مطلقا وأنا لا أخفي عليكم أني أريد الزواج منها لكن لا أريد أن أخسر والدي هي تريد التوبة واشترطت عليها أن ترتدي الحجاب الشرعي وأنا لا يهمني الماضي إن تغيرت. والزواج لشاب من سني آمن ماذا أفعل؟ انصحوني إخواني في الله وجزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نهنئك على التوبة والاستقامة ونسأل الله تعالى لك الثبات ومزيدا من الخير والهدى والفلاح.
ثانيا:
لا شك أن الزواج فيه الأمن والاطمئنان والعفة والإحصان، وهو خير ما يوصى به الشباب، لا سيما عند كثرة الفتن والمغريات، وقد قال ﷺ : (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) رواه البخاري (٥٠٦٥) ومسلم (١٤٠٠) .
ثالثا:
من عرفت بالسوء ثم تابت واستقامت فلا حرج في الزواج منها.
وإذا كان والداك يرفضان هذه الفتاة لسمعتها وماضيها، فهما على حق في ذلك، أو على الأقل وجهة نظرهما مقبولة، ليست باطلة، فعليك أن تطيعهما في عدم الزواج منها، إلا في حالة أن تخشى الوقوع في الزنا بها، عياذا بالله من ذلك.
ونصيحتنا أن تغلب جانب العقل على العاطفة، وأن تبحث عن غير هذه المرأة، ممن ترضى دينها وخلقها، وبهذا تحقق جملة من المصالح، أعظمها إرضاء والديك.
وأكثر من دعاء الله تعالى، أن يلهمك الصواب والسداد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13842
تريد أن تقسم حسناتها بينها وبين والديها
[السُّؤَالُ]
ـ[هل أستطيع أن أقسم حسناتي ثلثا لي وثلثا لوالدتي وثلثا لوالدي – أي كل الحسنات المكتسبة من كل أعمال الخير التي يثاب الإنسان عليها في يومه وليله، من تسابيح واستغفار وصدقات ودعاء - من دون طبعا الصلاة والزكاة والحج والصيام -، أم أني أستطيع أن أقسم فقط حسنات الصدقات بيني وبينهم من دون سائر العبادات التي ذكرتها؟ وهل أستطيع أن أتصدق عنهم في حياتهم وبعد مماتهم؟ وهل أستطيع أن أجري لوالدي صدقات جارية من مالي الخاص ليأخذوا هم الثواب - كبناء مسجد وتوزيع مصاحف ... - وهم ما زالوا على قيد الحياة؟ وهل أستطيع أن أفعل ذلك بعد مماتهم؟ وهل أستطيع إذا اكتسبوا على سبيل المثال مالا حراما أن أسدده عنهم من مالي الخاص؟ وأخيرا، أنا في كل سجود أدعو الدعاء التالي ثلاث مرات: " رب اغفر لي ولوالدي ووالديهم وإخواني، ونجنا من عذاب القبر، وأخلدنا في الفردوس الأعلى " كما أستخدم السبحة للترديد يوميا ٢٠٠ مرة: " رب اغفر لي ولوالدي ولإخواني وللمؤمنين والمؤمنات ". هل ما أفعله هو عمل طيب ويفيد أم هو بدعة وضياع للوقت؟ وهل إن كان ما أفعله جيدا ومفيدا، فهل فعلا ممكن بدعائي هذا المتواصل المتكرر أن يغفر الله لي ولوالدي ووالديهم ولإخواني كل ذنوبنا، وينجينا من عذاب القبر، ويخلدنا في الفردوس الأعلى؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نشكر لك حرصك على بر والديك وعلى إيصال الخير لهما، ونسأل الله ﵎ أن يكتب لك الأجر والتوفيق، وأن يجمعك بوالديك وجميع المسلمين في الجنة.
لا خلاف بين أهل العلم جميعا على وصول ثواب الصدقة للأموات إذا أهدى المتصدق الثواب إليهم، وخاصة الوالدين، كذلك لا خلاف في أن الدعاء للأحياء والأموات يجلب لهم الخير والرحمة إذا تقبله الله ، وقد شهدت بذلك مجموعة من الأحاديث الواردة في السنة الصحيحة، والتي سبق بيانها بالشرح والتفصيل في مجموعة من أجوبة الموقع، يمكنك مراجعة بعضها في الأرقام الآتية: (١٢٦٥٢) ، (٤٢٣٨٤) ، (١٠٢٣٢٢) .
ثانيا:
يجوز للمتصدق أن ينوي تقسيم أجر صدقته بينه وبين والديه أثلاثا أحياءاً كانوا أم أمواتاً، "لأن الثواب ملك للمتصدق، فله أن يهديه جميعه وله أن يهدي بعضه، يوضحه أنه لو أهداه إلى أربعة مثلا يحصل لكل منهم ربعه، فإذا أهدى الربع وأبقى لنفسه الباقي جاز، كما لو أهداه إلى غيره" نقلا عن "الروح" لابن القيم (ص/١٩٠) ، يذكره في معرض المناقشة.
وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم (٢٠٩٩٦) عن الشيخ ابن باز ﵀ جواز الصدقة عن الحي والميت.
على أننا نرشدك إلى الأفضل وهو أن تعملي الأعمال الصالحة لنفسك، ويكون ثوابها كلها لك، وتكثري من الدعاء لوالديك فهذا هو الأفضل والأكمل. وانظري جواب السؤال رقم (٤٢٠٨٨) .
ثالثا:
أما سائر العبادات المندوبة كالصوم والحج والعمرة وقراءة القرآن والأذكار والإحسان إلى الناس ونحوها من أعمال البر، فقد اختلف العلماء في وصول ثوابها إلى الأموات.
قال ابن القيم في كتاب "الروح" (ص/١٧٠) :
" فمذهب الإمام أحمد وجمهور السلف وصولها، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة.
نص على هذا الإمام أحمد - في رواية محمد بن يحيى الكحال - قال: قيل لأبي عبد الله: الرجل يعمل الشيء من الخير من صلاة أو صدقة أو غير ذلك، فيجعل نصفه لأبيه أو لأمه؟ قال: أرجو. أو قال: الميت يصل إليه كل شيء من صدقة أو غيرها.
وقال أيضا: اقرأ آية الكرسي ثلاث مرات، وقل هو الله أحد، وقل: اللهم إنَّ فضلَه لأهل المقابر.
والمشهور من مذهب الشافعي ومالك أن ذلك لا يصل " انتهى.
وقد سبق في الموقع ترجيح القول الثاني، أنه لا يصل إلى الميت ثواب شيء من الأعمال إلا ما دلت النصوص على وصوله، كالصدقة والدعاء والحج والعمرة، لقول الله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) النجم/٣٩.
وراجعي جواب السؤال رقم (٤٦٦٩٨) .
رابعاًَ:
أما تسديد المال الحرام عنهم، فالمال الحرام كالمسروق والمغصوب والذي خُدع صاحبه ونحو ذلك يتعلق به حقان: الأول: حق الله تعالى في ارتكاب ما حرم.
الثاني: حق صاحب المال في أخذ ماله بغير حق.
وتسديد المال لصاحبه نرجو أن يسقط حق صاحب المال، ولكن يبقى حق الله تعالى، فلا يسقط إلى بالتوبة، أو بعفو الله تعالى عن المسيء.
خامساً:
أما الدعاء الذي ذكرته، فلا حرج فيه، لكن لا تلتزمي فيه عددا معينا، واجتهدي في الدعاء قدر استطاعتك، من غير تقييد بعدد معين ولا اعتقاد فضل معين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13843
أمها تنهاها عن الحجاب فماذا تفعل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أمي تكرهني، وصرت أشك في أمرها، أعلم أنك ستقول أنه من عمل الشيطان، وأنا فعلا أذكر نفسي بهذا في كل ثانية، فهي تغضب من كلام وحوار عادي جداً، والله يا سيدي الشيخ أنا لم أقصد في مضايقتها إلا أني أحاول أن أذكرها بتعاليم ديننا، فهي متبرجة وتعمل في أماكن مختلطة، وأخاف عليها، وفي نفس الوقت هي تكره لي فعلي للخير، تكرهه كرهاً شديداً، وعندما يضيق بها الأمر تنهار بدون سبب حتى تشعرني بالذنب وتقول أني بنت عاقة وأنها غير راضية عنى، وتبدأ تقول" "أنت واحدة محجبة أنتي؟ أنت واحدة تعرف ربنا" وأبدأ أشعر أن الخير مني بعيد فعلاً لكني فعلاً لم أضايقهم، واستغفر الله وأذهب لمصالحتهم، لكنها ترفض الحديث معي، وأنا والله لا أتكبر عليها فكلنا مسلمين، لكني أريد أن أعرف "غضب الأم من غضب الله " وأخاف فعلاً أي يصيبني مقت من الله . قد وصل بي الأمر أني كنت فعلا محجبة من قبل وتركت الصلاة وتركت الحجاب الشرعي بسبب هذا، ولكني الآن تائبة وأخاف أن أقع في هذا مرة أخرى. أنصحني جزاك الله خيراً]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فإن حق الوالدين عظيم فقد قرن الله سبحانه حقهما بحقه فقال جل شأنه: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) الإسراء/٢٣
(وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لقمان:١٤)
وقد أحسنت أيتها الأخت غاية الإحسان في اعتذارك لأمك ومحاولة مصالحتها وإن لم تكوني أسأت إليها، فإن أولى الناس بالإحسان إليه وبره والعفو عن إساءته وحسن صحبته.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ:
(يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أَبُوكَ) رواه البخاري (٥٩٧١) ومسلم (٢٥٤٨) .
وإساءة أحد الوالدين مهما بلغت لا تبرر للولد أن يقصر في حقوقهما عليه فضلا عن أن يسيء إليهما، وقد أمر الله بحسن صحبتهما، وإن اجتهدوا غاية الاجتهاد في دعوة الولد إلى الشرك، فقال سبحانه: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) لقمان/١٥.
قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره (٣/٥٨٦) : " أي إن حرصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفا، أي محسنا إليهما "
فإن كان هذا أدب الشرع مع الوالدين اللذين يأمران ولدهما أن يشرك بالله، ويجاهدانه على ذلك، أي يحاولان معه ـ جهدهما ـ أن يقع في ذلك، فلا شك أن الوالدين المسلمين أولى بالصحبة بالمعروف، حتى وإن كانا عاصيين، حتى وإن أمرا ولدهما بمعصية الله؛ غير أنه ـ أيضا ـ لا يجوز له أن يطيعهما إذا أمراه بالمعصية؛ كما قال رسول اللَّهِ ﷺ : (لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ) رواه البخاري (٧٢٥٧) ومسلم (١٨٤٠) من حديث علي ﵁، واللفظ لمسلم.
قال ابن قدامة ﵀: " قال وإذا خوطب بالجهاد فلا إذن لهما , وكذلك كل الفرائض , لا طاعة لهما في تركها. يعني إذا وجب عليه الجهاد. لم يعتبر إذن والديه ; لأنه صار فرض عين وتركه معصية , ولا طاعة لأحد في معصية الله.
وكذلك كل ما وجب مثل الحج , والصلاة في الجماعة والجمع , والسفر , للعلم الواجب. قال الأوزاعي لا طاعة للوالدين في ترك الفرائض والجمع والحج والقتال ; لأنها عبادة تعينت عليه , فلم يعتبر إذن الأبوين فيها , كالصلاة , ولأن الله تعالى قال: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ ولم يشترط إذن الوالدين " انتهى. المغني (٩/١٧١) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ويلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية وإن كانا فاسقين , وهو ظاهر إطلاق أحمد , وهذا فيما فيه منفعة لهما ولا ضرر , فإن شق عليه ولم يضره وجب وإلا فلا , وإنما لم يقيده أبو عبد الله لسقوط الفرائض بالضرر وتحرم في المعصية ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق , فحينئذ ليس للأبوين منع ولدهما من الحج الواجب , لكن يستطيب أنفسهما , فإن أذنا وإلا حج وليس للزوج منع زوجته من الحج الواجب مع ذي محرم , وعليها أن تحج وإن لم يأذن في ذلك , حتى أن كثيرا من العلماء أو أكثرهم يوجبون لها النفقة عليه مدة الحج. والحج واجب على الفور عند أكثر العلماء , والقول بوجوب العمرة على أهل مكة قول ضعيف جدا مخالف للسنة الثابتة , ولهذا كان أصح الطريقين عن أحمد أن أهل مكة لا عمرة عليهم رواية واحدة , وفي غيرهم روايتان , وهي طريقة أبي محمد وطريقة أبي البركات في العمرة ثلاث روايات ثالثها تجب على غير أهل مكة " انتهى. الفتاوى (٥/٣٨١) .
وكل ما نوصيك به ـ أيتها الأخت الكريمة ـ أن تحذري من أن يضحك عليك الشيطان مرة أخرى، ويصرفك عن الطريق الهداية، والعمل بطاعة ربك؛ فإن هذا هو مقصوده منك: أن يصدك عن سبيل الله، وعن الصلاة؟!!
واعلمي أن ما تلاقينه من المتاعب والمصاعب، مع والدتك، أو أسرتك، أو أصدقائك ومجتمعك: اعلمي أن ذلك كله من ابتلاء الله تعالى لك: ليظهر صدقك مع ربك، ويتميز الصادق في محبة الله وطاعته من الكاذب. قال الله تعالى: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت: ١-٣.
قال الشيخ ابن سعدي ﵀:
" يخبر تعالى عن [تمام] حكمته، وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال " إنه مؤمن " وادعى لنفسه الإيمان، أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه، فإنهم لو كان الأمر كذلك، لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، ولكن سنته وعادته في الأولين وفي هذه الأمة، أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن، التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة، فمن كان عند ورود الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل، ويدفعها بما معه من الحق، وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عما أمر الله به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان، ويجاهد شهوته، دل ذلك على صدق إيمانه وصحته.
ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكا وريبا، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات، دلَّ ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه.
والناس في هذا المقام درجات لا يحصيها إلا الله، فمستقل ومستكثر، فنسأل الله تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يثبت قلوبنا على دينه، فالابتلاء والامتحان للنفوس بمنزلة الكير، يخرج خبثها وطيبها. " انتهى. تفسير السعدي (٦٢٦) .
فاحذري ـ يا أمة الله ـ من طاعة الشيطان، والرسوب في الاختبار؛ ولتكن زلتك الأولى درسا تلقنتيه، يحصنك من العودة مرة أخرى عن طريق ربك، ولتكن توبتك التي ذكرتيها لنا بداية للطريق الصحيح مع ربك، والصبر على أمره:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) آل عمران/٢٠٠.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13844
هل يسافر مع أمه محرما أم يبقى ليستعد للامتحانات
[السُّؤَالُ]
ـ[أدرس في بلد أجنبي , وأمي عندي في زيارتي , بعد ثلاثة أسابيع ستسافر مع صديقتها إلى بلدي المسلم حيث يتواجد أبي. أولاً: لا أدري إذا أردت السفر معها هل سأنجح في جميع الامتحانات في الوقت المناسب؟ ثانياً, إذا استطعت السفر معها سيرغموني على حضور عرس بنت عمي الذي يشمل المحرمات , وإذا امتنعت قد يحصل مشاكل مع الأهل والأقارب, ولذلك أنوي التأخير والتحجج بالامتحانات لتجنب الحضور. فما هو الأولى, أن أكون محرما لوالدتي (إذا نجحت الامتحانات) , أم اجتناب مواجهة حضور العرس؟ جزاكم الله خيراً. إن كان بالإمكان الرد على السؤال قبل سفر أمي. إن لم تستطيعوا, لا حرج, جزاكم الله خيراً في كل الأحوال, على الأقل سأعرف للمرة القادمة إن شاء الله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز سفر المرأة بلا محرم، كما هو مبين في السؤال رقم (١٠١٥٢٠) ورقم (٩٣٧٠)
أولا: في ظننا أنه لا يغيب عن بالك أنك إذا استطعت تأخير سفر أمك إلى ما بعد انتهائك من الامتحانات، فتصحبها في سفرها، وتجمع الخير كله، إن شاء الله، فهو الواجب عليك.
وأما إذا لم يكن ذلك ممكنا، كما يظهر من سؤالك؛ فأنت الذي تستطيع تقدير ما يتعلق بالدراسة والامتحانات، فإن كانت مدة السفر يسيرة، ويمكن أن تتدارك ما فاتك، وتتهيأ للامتحانات بعد عودتك، فاجتهد في أن تسافر مع أمك، واعلم أن ما تنفقه من الوقت والجهد في هذه الصحبة التي تبر بها أمك، وتقيها من الوقوع في الإثم؛ فإن الله سيخلفه عليك، ويعوضك ـ إن شاء الله ـ خيرا مما فاتك.
وأما إن كنت تعلم، أو يغلب على ظنك، أنه يحصل لك ضرر في دراستك، أو قصور في الاستعداد لامتحاناتك، فلا يلزمك ذلك، واجتهد في تقليل الشر والمفسدة المترتبة على سفرها بدون محرم، بتأمين رفقة مأمونة من النسوة الثقات، ما أمكنك ذلك.
ثانيا:
لا يجوز حضور العرس المشتمل على المحرمات، وعلى المرء أن يبذل النصيحة لأهله وأقاربه، وأن يهنئهم في أفراحهم ومسراتهم دون أن يحضر شيئا من المنكرات، وإن أمكن أن تجعل السفر بعد العرس، لتتجنب حضوره، سواء بقيت معك أمك، أو سافرت قبلك، فهذا أسلم لك، وأبعد عن الحرج والإثم.
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: " إذا كانت حفلات الزواج خالية من المنكرات كاختلاط الرجال بالنساء، والغناء الماجن، أو كانت إذا حضرت غيّرت ما فيها من منكرات جاز لها أن تحضر للمشاركة في السرور، بل الحضور واجب إن كان هناك منكر تقوى على إزالته. أما إن كان في الحفلات منكرات لا تقوى على إنكارها فيحرم عليها أن تحضرها؛ لعموم قوله تعالى: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ) الأنعام: من الآية٧٠) وقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) (لقمان:٦) والأحاديث الواردة في ذم الغناء والمعازف كثيرة جدا " انتهى نقلا عن فتاوى المرأة، جمع محمد المسند، ص ٩٢
وينظر: سؤال رقم (١٠٩٥٧) .
فاجتهد فيما تراه الأصلح، وقدم برّ الوالدة ما استطعت، ولعل الله تعالى أن يوفقك في امتحانك، ويعوضك خيرا عن الوقت الذي بذلته من أجل رعاية أمك والبر بها.
ونسأل الله تعالى لك التوفيق والسداد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13845
والده يريد منه السفر للعمل وزوجته تصر على بقائه
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا من حيرة من أمري فقد تزوجت من تسعة شهور ومكثت مع زوجتي منذ تاريخ الزواج حتى سفري إلى الخارج حوالي ٤ شهور، وقد اعترضت زوجتي على سفري، وحاولت منعي من السفر بكل الطرق، ولكن دون جدوى، فالحمد لله بيننا الحب والتفاهم، وحاولت إقناعها أنني عندما أسافر ثم أستقر سوف أبحث عن سكن لأرسل لها وتمكث معي، ولكن لم أجد السكن المناسب، فالإيجارات هنا غالية الثمن حتى لا يكفي مرتبي سداد نصف الشهر، وعندما علمت بذلك أخذت ترسل الرسائل والتي ترسل معها دموعها وقلبها الذي يحترق على سرعة نزولي، هذا من ناحية، من ناحية أخرى: والدي يشجع سفري لكي أساعده في زواج أخي، فزوجتي يوميا تطلبني بالنزول فلا تستطيع العيش لوحدها، ووالدي يريد البقاء والعمل. هل أقوم بالنزول حتى لا أظلم زوجتي؟ أم أقوم بمساعدة والدي في زواج أخي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
للزوج أن يسافر ويتغيب عن أهله، لأجل العمل ونحوه من المصالح المشروعة، مدة لا تزيد على ستة أشهر، فإن زاد على ذلك فلا بد من استئذان زوجته.
والأصل في ذلك أن عمر بن الخطاب سأل ابنته حفصة ﵄: كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: سبحان الله! مثلك يسأل مثلي عن هذا! فقال: لولا أني أريد النظر للمسلمين ما سألتك. قالت: خمسة أشهر. ستة أشهر. فوقت للناس في مغازيهم ستة أشهر ; يسيرون شهرا , ويقيمون أربعة , ويسيرون شهرا راجعين.
وسئل الإمام أحمد ﵀: كم للرجل أن يغيب عن أهله؟ قال: يروى ستة أشهر.
وانظر: "المغني" (٧/٢٣٢، ٤١٦) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " سفر الرجل عن زوجته إذا كانت في محل آمن: لا بأس به، وإذا سمحت له بالبقاء أكثر من ستة أشهر فلا حرج عليه، أما إذا طالبت بحقوقها، وطلبت منه أن يحضر إليها فإنه لا يغيب عنها أكثر من ستة أشهر، إلا إذا كان هناك عذر كمريض يعالج وما أشبه ذلك، فإن الضرورة لها أحكام خاصة. وعلى كل حال فالحق في ذلك للزوجة، ومتى ما سمحت بذلك وكانت في مأمن فإنه لا إثم عليه، ولو غاب الزوج عنها كثيرا " انتهى من "فتاوى العلماء في عشرة النساء" (ص ١٠٦) .
وعليه؛ فمن حق أهلك عليك أن تعود إليهم، لا سيما وأن راتبك لا يكفي للسكن كما ذكرت، وهذا يعني تأخرك عن أهلك، مع حاجتهم إليك.
ولا يخفى أن أداء الحق، وحفظ الأهل، والقيام على رعايتهم، مع دوام الحب واستمراره، كل ذلك مقدم على جمع المال.
ولا يجب طاعة الأب فيما لو أمرك بالبقاء في الخارج، لما يترتب على هذا من تضييع حق زوجتك، ومعلوم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لكن ينبغي أن تتلطف في إقناعه، وبيان عدم جدوى الاغتراب والبعد عن الأهل.
ونسأل الله لك التوفيق والسداد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13846
إذا منعها الزوج من زيارة والديها هل تؤجر على نيتها
[السُّؤَالُ]
ـ[هل من واجب الإبن أن يكون أكثر اهتماما بوالديه وأن يحترمهما ويعتنى بهما أكثر من البنت، أم إن الأبناء والبنات متساوون من جهة مسؤولياتهم تجاه والديهم؟ وإذا كانت هناك ابنة متزوجة وزوجها لايسمح لها أن ترى والديها إلا عندما يروق له ذلك، وهى غير قادرة على أن تخدم والدتها، على الرغم من رغبتها فى القيام بذلك؛ فهل تؤجر على هذه الرغبة بالرغم من عدم قدرتها على تحقيقها؟ هذا مع أن زوجها على علم بالمتطلبات الواجب القيام بها ويحسن إلى والدته؟!]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
بر الوالدين واجب على جميع الأبناء، الذكور والإناث، لا فرق بينهم في ذلك؛ لعموم الأدلة الآمرة ببر الوالدين والإحسان إليهما، كقوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء/٢٣، ٢٤
وقال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) النساء/٣٦
وروى البخاري (٥٢٧) ومسلم (٨٥) عن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : (أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا. قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ. قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) .
وروى البخاري (٥٩٧١) ومسلم (٢٥٤٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أَبُوكَ) .
فهذه الأدلة وغيرها عامة في أمر الأبناء بالبر، سواء كانوا ذكورا أو إناثا، لكن قد يتيسر للذكر بعض صور البر التي لا تتيسر للأنثى، كزيارة الوالدين على الدوام، فإن المرأة قد يمنعها زوجها من زيارة والديها أو من الإكثار من ذلك، كما جاء في سؤالك.
ثانيا:
إذا منع الزوج زوجته من زيارة والديه، فهل تلزمها طاعته؟ في ذلك خلاف بين الفقهاء، ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه ليس له أن يمنعها من زيارة والديها.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه له أن يمنعها، ويلزمها طاعته، فلا تخرج إليهما إلا بإذنه، لكن ليس له أن يمنعها من كلامهما ولا من زيارتهما لها، إلا أن يخشى ضررا بزيارتهما، فيمنعهما دفعا للضرر. وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٨٧٨٣٤)
ثالثا:
إذا كانت الزوجة راغبة في زيارة والديها، وخدمة والدتها، لكنها لا تقدر على ذلك بسبب زوجها، فإنها تؤجر على هذه الرغبة والنية الصالحة، وقد دلت السنة الصحيحة على أن الراغب في العمل الحريص على فعله، يثاب في حال عجزه ثوابَ من فعله.
فقد روى البخاري (٤٤٢٣) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: (إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ! قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ)
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح البخاري: " وَفِيهِ أَنَّ اَلْمَرْءَ يَبْلُغُ بِنِيَّتِهِ أَجْرَ الْعَامِلِ إِذَا مَنَعَهُ اَلْعُذْر عَنْ اَلْعَمَلِ " انتهى.
وروى الترمذي (٢٣٢٥) وابن ماجه (٤٢٢٨) عن أَبي كَبْشَةَ الْأَنَّمَارِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ ... ) الحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي.
وعلى الزوج أن يحسن إلى زوجته، وأن يعينها على بر والديها، فهذا من حسن العشرة التي أمر الله بها، قال تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) النساء/١٩
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13847
هل تجب طاعة الوالدين في عدم دخول الإنترنت
[السُّؤَالُ]
ـ["لا طاعة في المعصية" لكن سؤالي هو هل يجوز أن أعصي والديّ فيما لا يترتب عليه إثم بينما تنجم عنه حقيقة منفعة. فإذا أمراني على سبيل المثال ألا أضيع الأموال على الإنترنت على هذا الموقع لكنهما فى واقع الأمر لن يعانيا من أية خسارة لأنهما ثريان للغاية. فهل يجوز أن أعصيهما في هذه الأمور سرا أو أثناء غيابهما حتى لا أضايقهما؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
تجب طاعة الوالدين في غير المعصية؛ لقول النبي ﷺ : (لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف) رواه البخاري (٧٢٥٧) ومسلم (١٨٤٠) ، وقوله: (لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ رواه أحمد (١٠٩٨) .
وطاعة الوالدين واجبة على الولد فيما فيه نفعهما ولا ضرر فيه على الولد، أما ما لا منفعة لهما فيه، أو ما فيه مضرة على الولد فإنه لا يجب عليه طاعتهما حينئذ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الاختيارات ص ١١٤: " ويلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية، وإن كانا فاسقين ... وهذا فيما فيه منفعة لهما، ولا ضرر عليه " انتهى.
ولا شك أن من منفعة الوالدين حفظ مالهما، ولهذا فالأصل وجوب طاعتهما في ذلك.
وأيضا: فإنه لا يجوز للولد أن يأخذ شيئا من مال والديه إلا بإذنهما؛ لقوله ﷺ : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) رواه أحمد (٢٠١٧٢) وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (١٤٥٩) .
لكن يستثنى من ذلك جواز أخذ الابن نفقته بالمعروف، إذا كان الوالد لا يعطيه نفقته، ومن جملة النفقة: ما يستعين به على طلب العلم الواجب.
لحديث عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَقَالَ: (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ) رواه البخاري (٥٣٦٤) .
وأما طلب علم الدين ـ بصفة عامة ـ فهو من أهم ما يحتاج إليه المسلم في حياته، ومن أولى ما ينبغي أن يصرف عنايته إليه؛ أقبل الابن على العلم الشرعي، سواء كان عن طريق الحضور المباشر لدروس أهل العلم الثقات، أو كان ذلك عن طريق الكتاب أو الشريط أو موقع موثوق به، ونهاه والداه عن شيء من ذلك، ولم يمكنه تحصيل المصلحة الشرعية من طريق آخر لا يغضبهما، فإنه لا يطيعهما في ذلك، بل يقدم طلب ما يحتاج إليه من العلم الشرعي على ذلك.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين عن أب يمنع ابنه من حضور مجالس الذكر والدروس العلمية، ونتج عن ذلك أن هذا الولد ترك الالتزام، واتجه للأفلام وما شابهه من المحرمات، هل يعتبر فعل هذا الوالد من الصد عن سبيل الله؟ وهل يطاع في هذه الحالة؟
فأجاب:
" إذا نهاك أبوك أو أمك عن حضور المجالس فلا تطعه؛ لأن حضور مجالس الذكر خير، ولا يعود على الوالدين بالضرر، فلهذا نقول: لا تطعهما، ولكن احرص على أن تداريهما، ومعنى المداراة: ألا تبين أنك تذهب إلى حلق الذكر كأنك تذهب إلى أصحابك أو ما أشبه ذلك.
أما بالنسبة للأب والأم اللذين يمنعان الولد من حضور مجالس الذكر، فإن منعهما من الصد عن ذكر الله، وهما آثمان في ذلك، والذي ينبغي للأب والأم إذا رأيا ولدهما قد أقبل على العلم أن يستبشرا بذلك، وأن يساعداه بكل ما يستطيعان؛ لأن هذا من نعمة الله عليه وعليهما، فمن الذي ينفع من الأولاد إذا مات الإنسان؟ الولد الصالح، كما قال النبي ﵊: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولدٌ صالح يدعو له) " انتهى. لقاءات الباب المفتوح، رقم (٩٩) ص (٩) .
وبناء على ذلك نقول: إن كنت لا تستطيعين تعلم أحكام الشريعة الواجب عليك تعلمها - كالعقيدة، وأحكام الطهارة والصلاة والصوم وأحكام المعاملات التي تقدمين عليها – إلا بدخول الإنترنت، فإنه يجوز لك أن تدخلي بدون إذن والديك، وأن تنفقي في ذلك بالمعروف، وليس لك أن تزيدي على ذلك إلا بإذن.
وما رأيتِ فائدته ونفعه من المواقع يمكنك تحميله كاملا، بواسطة البرامج المعدة لذلك، ثم تتصفحينه من غير اتصال بالإنترت، فتتحقق لك الفائدة من غير مخالفة لوالديك.
ونسأل الله لنا لك التوفيق والسداد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13848
هل يترك عمله ليعيش مع والديه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أعمل في الخارج، ولي أب وأم في بلدي، ويوجد لي أخوات هناك أيضا، وكل منهم مشغول في حياته، غير أنهم مقيمون في نفس البلد، أشعر دائما بالتقصير تجاه والدَيَّ، وأشعر دائما أنهم في حاجة إلي، على الرغم من سؤالي الدائم عنهم، والنزول في إجازات أقضيها معهم. هل الواجب عليَّ شرعا أن أترك عملي في الخارج والرجوع لبلدي والعمل بجانبهما؟ أم ماذا علي فعله؟ وما الواجب علي حتى لا يكون هناك أي تقصير تجاههم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
بر الوالدين على مراتب وشعب، أدناها صلتهما بالإنفاق والرعاية والسؤال والاهتمام، وأما أعلاها فلا حد له، يتنافس فيه الصالحون، ويتبارى فيه المؤمنون، يرسمون صورا من البر لا يكاد ينتهي حسنها عند حد، إذ هي أخلاق النبوة ومعدن الرسالة، كان الباعث عليها تلك الآيات والأحاديث التي تعظم حق الوالدين وتقرنه بحق الله تعالى، وترتب الأجر العظيم على البر والصلة، فقد عده النبي ﷺ من أفضل الأعمال بعد الصلاة، وسمع النبي ﷺ قراءة حارثة بن النعمان في الجنة فقال: (كَذَلِكُمُ البِرُّ، كَذَلِكُمُ البِرُّ) رواه ابن وهب في "الجامع" (٢٢) وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٩١٣)
وصار أويس القرني مستجاب الدعوة بسبب بره أمه.
وروى البخاري في "الأدب المفرد" (١٥) وصححه الألباني في "صحيح الأدب" عن ابن عباس ﵄: (أنه أتاه رجل فقال: إني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري فأحبت أن تنكحه، فغرت عليها فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أمك حية؟ قال: لا. قال: تب إلى الله ، وتقرب إليه ما استطعت. فذهبت فسألت ابن عباس: لم سألته عن حياة أمه؟ فقال: لأني لا أعلم عملا أقرب إلى الله من بر الوالدة) .
ونحن نقول لك أخانا السائل:
لا شك أن الأَولى في البر والصلة للوالدين البقاء عندهما للخدمة والرعاية، فقد لازم أبو هريرة أمه، ولم يحج حتى ماتت، لصحبتها. كما في صحيح مسلم (١٦٦٥) ، ونص الفقهاء على أن سفر الابن للعلم أو التجارة يَحرُمُ إذا ترتب عليه ضيعة للوالدَين:
جا في "الموسوعة الفقهية" (٣/١٥٦) :
" إذا أراد – يعني الولدُ - الخروج لطلب العلم في بلدة أخرى، أو للتجارة، وخاف على والديه الضيعة، فليس له أن يخرج إلا بإذنهما.
والأصل في ذلك ما أخرجه أبو داود (٢٥٢٨) والنسائي (٤١٦٣) أنه: (جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: جِئْت أُبَايِعُك عَلَى الْهِجْرَةِ وَتَرَكْت أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ , فَقَالَ ﷺ : ارْجِعْ فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتهمَا) .
- صححه ابن الملقن في "البدر المنير" (٩/٤٠) والألباني في "صحيح أبي داود" -
وَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: (جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُجَاهِدُ؟ فَقَالَ: أَلِك أَبَوَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ , قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ) متفق عليه " انتهى.
أما إذا لم يترتب عليه ضيعة الوالدين، وكان عندهما من يقوم عليهما، أو كانا قادرين على القيام على شؤونهما، فله أن يخرج إلى طلب العلم أو التجارة، ولا يشترط استئذانهما.
جاء في "المدونة" (٢/١٠١) :
" قال مالك: إذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء، وليس للوالد أن يمنعه " انتهى.
وانظر بعض التفصيلات الفرعية في "الموسوعة الفقهية" (٨/٧٠-٧١) .
إلا أننا ننصحك بالكمال، وننصحك بما فيه الأجر الأعظم عند الله، أن تكون أقرب إليهما، فتسعدهما فيما بقي لهما من أيام، وتقوم على شؤونهما، فلا تحرمهما من صحبتك، ولا تكن سببا لحزنهما كلما أردت توديعهما في سفرك، ومن أراد الكمال في البر، فلينزل عند رغبتهما، وما يكون أسعد لقلبيهما، وأقرب لمحبتهما ورضاهما، وقد فسر عروة بن الزبير ﵀ قوله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) الإسراء/٢٤ بقوله: " لا تمتنع من شيء أحباه " انتهى. "تفسير الطبري" (١٧/٤١٨) .
وروى البخاري في "الأدب المفرد" (١٨) وصححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد" عن أبي بردة أن ابن عمر ﵄ شهد رجلا يمانيا يطوف بالبيت، حمل أمه وراء ظهره، يقول: إني لها بعيرها المذلل، أترانى جزيتها؟ قال ابن عمر: لا، ولا بزفرة واحدة.
الزفرة تردد النفس، وهو مما يعرض للمرأة عند الولادة.
وقال عبد الله بن جعفر: سمعت بندارا – وهو من أئمة الحديث – يقول: أردت الخروج – يعني في طلب الحديث – فمنعتني أمي، فأطعتها، فبورك لي فيه ".
قال الذهبي في "السير" (١٢/١٤٤) : " جمع حديث البصرة، ولم يرحل، برا بأمه، ثم رحل بعدها " انتهى.
وقال جعفر الخلدي: " كان الأبَّار – أبو العباس أحمد بن علي بن مسلم (ت٢٩٠هـ) - من أزهد الناس، استأذن أمه في الرحلة إلى قتيبة – يعني ليسمع الحديث - فلم تأذن له، ثم ماتت، فخرج إلى خراسان، ثم وصل إلى بلخ وقد مات قتيبة، فكانوا يعزونه على هذا، فقال: هذا ثمرة العلم، إني اخترت رضى الوالدة " انتهى. "السير" (١٣/٤٤٣)
وسئل الإمام ابن عساكر عن تأخره عن الرحلة إلى أصبهان، فقال: " استأذنت أمي في الرحلة إليها فما أذنت " انتهى. "السير" (٢٠/٥٦٧) .
وقال بشر الحافي:
" الولد يَقرُبُ من أمه بحيث يَسمع أمَّه: أفضل من الذي يضرب بسيفه في سبيل الله، والنظر إليها أفضل من كل شيء " انتهى. "التبصرة" ابن الجوزي (١/١٨٨)
هكذا كان حال سلفنا الصالح، لا يقدمون على بر الوالدين عملا من الأعمال، ولا يرون الدنيا كلها تعدل أن يَشعُرَ أحدهما بحاجته لابنه ثم لا يجده عنده.
فإذا كان بإمكانك الرجوع إلى والديك، والبقاء في بلدهما، ولا يصيبك بذلك ضرر كبير بسبب ترك عملك، فاحرص على البر، وأقدم على الخير، ولا تتردد في ذلك، فإن الله قد أمر بالمسارعة والمسابقة إلى الخيرات.
أما إن كان رضاهما يتحقق أكثر ببقائك في عملك، وتحصيلك من المال ما تنفق عليهما به، فاحتفظ بعملك، واحرص على استغلال كل فرصة للسفر إليهما وقضاء الإجازات معهما، وابتغ في كل ذلك رضى الله .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13849
ما هي حدود تدخل الوالدين في زواج ابنهم؟ وهل يأثم إن خالف رغبتهما ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[تعرفت على فتاة أسلمت حديثاً (كانت نصرانية) ، واتفقنا على الزواج، لكن أسرتي تمانع ذلك بشدة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نرجو أن تنتبه لما فعلتَه من مخالفات شرعية من التعرف على تلك الفتاة الأجنبية عنك، ومخاطبتك لها، ومصاحبتها، وغير ذلك من التقصير الذي تعترف به، واعلم أن هذه المعاصي تقتضي منك: الإقلاع عنها، والندم عليها، والعزم على عدم العود لها، مع الإكثار من الاستغفار والأعمال الصالحة.
وبخصوص علاقتك بتلك الفتاة: فلا يحل لك محادثتها، أو رؤيتها، فضلاً عن مصاحبتها والخلوة بها، ومن الجيد لك ولها أنكما فكرتما في الزواج، فهو الوسيلة الوحيدة لجمعك بها جمعاً شرعيّاً، فابذل وسعك فيه، فإن لم يتيسر لك: فلا تُبقِ لتلك العلاقة أثراً، ولعلَّ الله تعالى أن يعوضك خيراً منها، ويعوضها خيراً منك.
وقد سبق ذكرنا لمسألة تحريم المراسلة بين الجنسين في جوابي السؤالين: (٢٦٨٩٠) و (١٠٢٢١) فلينظرا.
وفي التعلق المحرم وآثاره والزواج من المتعلَّق به: يُراجع جواب السؤال رقم (٤٧٤٠٥) .
ثانياً:
بالنسبة لاعتراض أسرتك على التزوج بها: فاعلم أن علاقة الوالدين بزواج ابنهم لها صور متعددة، ومنها:
١. عدم موافقتهم على أي فتاة يختارها لنفسه زوجة.
٢. عدم موافقتهم على فتاة يختارها، لكن عدم موافقتهم تكون لأسباب شرعية، كأن تكون سيئة السمعة، أو تكون على غير دين الإسلام – وإن كان نكاح الكتابية جائز في أصله -.
٣. عدم موافقتهم على فتاة يختارها لا لأسباب شرعية، بل لأسباب شخصية، أو دنيوية، كنقص جمالها، أو حسبها ونسبها، وقلبه غير متعلق بها، ولا يخشى على نفسه لو ترك التزوج بها.
٤. الصورة السابقة نفسها، لكنَّ قلبه متعلق بها، ويخشى على نفسه الفتنة لو أنه ترك التزوج بها.
٥. إجباره على فتاة يختارونها له، ولو كانت ذات دين وجمال.
والذي يظهر لنا من حكم تلك الصور السابقة: أنه يجب على الابن طاعة والديه في الصورتين الثانية والثالثة، ويتأكد الوجوب في الصورة الثانية، ففي الصورة الثانية الأمر فيها واضح، وطاعتهما ملزمة؛ لأنه سيقدم على أمرٍ فيه شر لابنهم وقد ينتشر ليصيبهم، وفي الصورة الثالثة: الأمر فيها مباح له، وطاعتهما واجبة، فيقدم الواجب على المباح.
وأما الصورة الأولى والرابعة والخامسة: فلا يظهر أنه يجب عليه طاعتهما؛ فاختيار الزوجة من حق الابن، وليس من حق والديه، ويمكنهم التدخل في بعض الحالات، لا فيها كلها، فمنعُه من التزوج بأي فتاة يختارها بغض النظر عن كونها متدينة أم لا: تحكم لا وجه له، ولا يلزمه طاعتهما.
وكذا لو تعلق قلبه بامرأة، وخشي على نفسه الفتنة لو أنه لم يتزوج بها: فهنا لا تلزمه طاعتهما إذا أمراه بتركها، وعدم التزوج بها؛ لما يؤدي ذلك إلى شر وفتنة جاءت الشريعة لدرئهما عنه.
ويتأكد عدم طاعتهما في الصورة الخامسة، وهي أن يلزماه بفتاة هم يختارونها، وهذا ليس مما يلزمه طاعتهما فيه، وهو بمنزلة الطعام والشراب، فهو يختار ما يشتهي ليأكله ويشربه، وليس لهما التحكم في ذلك.
قال ابن مفلح الحنبلي ﵀:
ليس للوالدين إلزام الولد بنكاح من لا يريد، قال الشيخ تقي الدين ﵀ (أي: ابن تيمية) : إنه ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد، وإنه إذا امتنع لا يكون عاقا، وإذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر منه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه: كان النكاح كذلك، وأولى، فإن أَكْلَ المكروه مرارة ساعة، وعِشْرة المكروه من الزوجين على طول، تؤذي صاحبه، ولا يمكنه فراقه. انتهى كلامه.
" الآداب الشرعية " (١ / ٤٤٧) .
وعليه نقول:
إذا كانت تلك الفتاة قد أسلمت وحسن إسلامها، وكان قلبك معلَّقاً بها، وكنت تخشى على نفسك الفتنة لو أنك تركتها: فنرى أن تتزوجها، ولو لم توافق أمك، وأولى من هذا أنك تخشى على دينها أن تُفتن فيه، بسبب عدم وجود من يرعى شأنها وأمرها.
ونوصيك بمحاولة بذل الجهد لإقناع والديك؛ لتجمع بين الخيرين: طاعتهما، والتزوج بمن تعلق قلبك بها، ولك أن تتزوج دون علم والدتك، مع الحرص على هدايتها، وإرشادها، والدعاء لها ولوالدك.
واعلم أنه حيث جاز لك التزوج بمن ترغب، ولم تُلزم بطاعة والديك: فلا تخشَ دعاءهما عليك، وغضبهما منك؛ لأنه دعاء بإثم، ولا يقبله الله منهما، إن شاء الله، إلا أن تكون ظالماً لهما معتدياً عليهما، وحيث جاز لك التزوج دون الالتزام بما يرغبانه فلست آثماً ولا ظالماً.
وانظر – للأهمية -: جوابي السؤالين: (٨٢٧٢٤) و (٨٤٠٥٢) .
وانظر جوابي السؤالين: (٢١٨٣١) و (٥٥١٢) .
وفي تلك الأجوبة بيان لكثير من الصور التي ذكرناها.
وانظر جواب السؤال رقم (٥٠٥٣) فيه بيان حقوق أمك عليك، وحقوقك على أمك.
ثالثاً:
اعلم أنه لا يجوز لك التزوج بتلك الفتاة من غير ولي لها، فإن كان ثمة ولي لها من أهلها من المسلمين: فيجب موافقته على الزواج - ولا ولاية لكافرٍ عليها إن هي أسلمت -، فإن لم يوجد أحد من المسلمين من أوليائها: تولى أمرها أحد المسلمين، كقاضٍ شرعي، أو مفتٍ للمسلمين، أو إمام مركز إسلامي، وبكل حال: لا يحل لها التزوج من غير ولي.
وانظر - للأهمية -: جواب السؤال رقم (٧٩٨٩) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13850
هل الصيد في الأشهر الحرم حرام ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الصيد في الأشهر الحرم حرام؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأشهر الحرم هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وهي المرادة بقوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) ، ولا حرج من الصيد فيها، إنما التحريم للصيد متعلق بأمرين:
الأول: الإحرام بحج أو عمرة لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) المائدة/٩٥.
قال ابن كثير ﵀:
"وهذا تحريم منه تعالى لقتل الصيد في حال الإحرام، ونهي عن تعاطيه فيه " انتهى.
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٩٩) .
الثاني: الصيد في حدود الحرم، والمقصود به مكة والمدينة للأحاديث الواردة في ذلك.
فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قام يوم الفتح فقال: (إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة، لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحلل لي إلا ساعة من الدهر، لا ينفَّر صيدُها ولا يعضد شوكها) رواه البخاري (١٢٨٤) ومسلم (١٣٥٣) .
والشاهد منه قوله ﷺ : (ولا ينفر صيدها) فهذا الحديث نص في تحريم تنفير الصيد في مكة، وأولى منه تحريم الصيد نفسه.
وأما المدينة فقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع ما ذعرتها، قال رسول الله ﷺ : (ما بين لابتيها حرام) رواه البخاري (١٧٧٤) ومسلم (١٣٧٢) .
واللابة يقال لها: الحَرَّة، وهي الحجارة السوداء، والمدينة بين لابتين، شرقية وغربية.
أما الأشهر الحرم فلا علاقة بينها وبين تحريم الصيد.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13851
والدها يريد الإقامة معها وهي وزوجها يريدان الهجرة من بلاد الكفر
[السُّؤَالُ]
ـ[يتعلق سؤالي بكوني اضطررت للسفر لبلد غير مسلم بسبب زواجى من رجل كان يعيش ويعمل هناك، حدث ذلك منذ فترة من الزمن، ولكن يريد كلٌّ منَّا الآن الرحيل والذهاب إلى بلد مسلم، في الوقت الذي تقدم فيه أبي بطلب للمجيء إلى هنا حتى يكون قريباً مني، فهو يبلغ من العمر ٧٠ عاماً، وليست لديه زوجة ترعاه، والآن فإن والدي يرجوني ألا أتركه وحيداً؛ لأنه تقدم في العمر للحد الذي لا يمكنه فيه الاعتناء بنفسه، وحتى لو حصل زوجي على وظيفة فى بلد مسلم فإننا لانستطيع أن نصطحب معنا والدي بسبب مشاكل فى الحصول على تأشيرة، رجاء قدموا لي يد العون.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قد أحسنتما في التخلص من الإقامة في بلاد الكفر، فلا يجوز للمسلم أن يقيم في تلك الديار ويستقر بينهم؛ لقول النبي ﷺ : (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُر المُشْرِكِينَ) رواه أبو داود (٢٦٤٥) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم (٢٧٢١١) تحريم الإقامة في بلاد الكفر ووجوب الهجرة إلى بلاد المسلمين، فلينظر.
وبخصوص والدك: فيجب عليكِ إبلاغه بهذا الحكم، وعدم التنازل عن ترك البلد من أجله، وذهابه معكم إلى بلدٍ مسلم هو الأليق به، وهو واجب عليكِ أن تسعي فيه، ولا نظن أنه أمرٌ يستحيل حدوثه، فرجل في مثل سنِّه نظن أنه من السهل الحصول على تأشيرة له، وبخاصة أنه والدك، فدرجة القرابة القوية بينكما تؤهله في كل البلدان – في الغالب - للحصول على تأشيرة.
وإذا فُرض أنه صعُب ذلك عليكِ، أو أن الأمر سيتأخر بعض الوقت: فالذي ننصح به هو بقاؤه مع أسرة مستقيمة، أو مع أشخاص موثوقين لحين الحصول على تأشيرة ليلتحق بكم
وإذا لم يتيسر هذا الأمر: فيمكنكِ التأخر من أجله زمناً يسيراً لحين الحصول على تأشيرة، فيسافر معك للبلد المسلم، ويكون زوجك قد سبقك وهيأ لكما أمور السكن والإقامة.
وأخيراً: إذا لم يتيسر أمر تأشيرته، وليس له مكان يقيم فيه في بلده، ولم يوجد إلا أنتِ ترعينه وتقومين على خدمته: فالذي نراه هو اختيار تأخير خروجك من بلد الكفر حتى ييسر الله أمره، ولعلَّ احتسابك هذا الأمر لله تعالى أن ييسر الله لك أمرك، ويفرج عنك كربك، فاقنعي زوجك بتأخير الخروج من أجل والدك، ولعله أن يأخذ سنَّه في الحسبان، وأن يحتسب أمره عند الله تعالى.
وننبه الزوجة إلى أن اختيارها التأخر، أو إلغاء الخروج من أجل والدها لا يكون دون موافقة زوجها، فزوجها له عليها طاعة، فإذا أمرها بالخروج معه، وعدم الانتظار، أو عدم الإلغاء: فليس لها أن تخالفه، وطاعته تقدَّم على طاعة والديها، لذا فليكن الأمر بينها وبين زوجها بالتفاهم والإقناع، فلعلَّه أن يرضى بحلٍّ تبر فيه والدها حتى يقضي الله أمر والدها.
وهذا كله على فرض أنه لا يوجد لوالدك أبناء آخرين يقومون بشأنه غيرك، كما هو ظاهر من سؤالك؛ وإلا لو كان له أحد سواك، ولو أخ أو أخت له، لكان ذلك أعون على تخطي المشكلة، ولو إلى أن يتم لك ولزوجك الاستقرار في مكان يمكنكما اصطحابه إليه.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13852
معاناة شاب مستقيم من تصرفات والده الذي يمنعه من الخير
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو من فضيلتكم إفادتي في هذه المشكلة:
بدأت هذه المشكلة بيني وبين أبي، وذلك منذ التزمت وأعفيت لحيتي، في البداية بدأ الأمر بالضغط عليَّ لكي أحلق لحيتي، ثم منع أصحابي من دخول بيتنا، ثم منعي من أن أصادق بعض الشباب في الحي، علماً بأن عمري كان وقتها ٢١ عاماً، وكنت إذا رأيت ورقه ملقاة في الشارع فيها آيات من القرآن أو أحاديث آخذها معي إلى البيت وأحرقها، وأبي كان يعلم بهذا، وفي مرة وجدتُ كتاباً في الفقه يدرَّس في الأزهر ملقى في الشارع وممزقاً , فأخذته ووضعته في حقيبة معي أحمل فيها الملابس الخاصة بعملي , وعندما عدت إلى البيت في آخر النهار وضعت الحقيبة عند باب الحجرة حتى أتناول عشائي , وكان من عادة أبي أن يقوم بتفتيش متعلقاتي , فلما رأى الكتاب الممزق قال: " لماذا تحضر الزبالة من الشوارع "، وهو يعلم أنه كتاب ديني، فقلت: " كلام الله ورسوله زبالة؟ " فقال أبي: " نعم زبالة "، وفي مرة قال لي: لا تمشِ مع ابن فلان – جارنا -[وذلك حتى لا أدعوه للالتزام] فقلت: في شرع من هذا؟ فقال: في شرع أبي! "، هذا ليس كل شيء , كان يستهزئ بالإخوة الملتزمين، ويسخر منهم , مع أن منهم إخوة في مثل عمره، وهم جيرانه أيضا، في مرة أخذ المنبه من عندي وأنا نائم حتى لا أصحو لصلاة الفجر.
آخر أحداث هذه المعاناة: هو أنه دبَّر لي مكيدة لكي يتم اعتقالي من قبل السلطات الأمنية, ولكني نجوت بفضل الله ، الآن أصبح عمري ٢٥ عاماً , وأنا أكرهه وأبغضه؛ لما سبَّب لي من الأذى في نفسي وديني , لا أستطيع أن أحبه أو أشعر به كأب , أصبحت أشعر أنه عدوي , خاصة بعد حادثة الاعتقال، وكل يوم أحاول أن أجد سبيلا كي أؤمن نفسي ضد غدره بي.
عندما أقرأ النصوص التي تتضمن الأمر ببرِّ الوالدين والإحسان إليهما , أقول لنفسي: هذا الرجل استهزأ بديني وبكلام الله ورسوله، وحاربني في التزامي، ولم يكتف بذلك , بل نصب لي فخّاً ليتم اعتقالي، ومن وجه آخر أمي تتعذب؛ فهو يظلمها ويسيء معاملتها , وهي تريد أن يصبح البيت مستقراً وهادئاً.
هل يكون أبي باستهزائه منافقاً , وهل يسقط حق برِّه بذلك؟ .
هل يجوز لي الدعاء عليه؟ أحياناً تحدث بيننا مشادة كلامية وقد أرفع صوتي عليه , هل أكون بذلك عاقّاً له؟ أرجو من فضيلتكم إفادتي، ونصحي مع ذكر الدليل من الكتاب والسنَّة أو فعل من أفعال سلفنا الصالح؛ حتى أجد شيئاً أقتدي به في مثل هذا الموقف؟ .
وجزاكم الله عنا كل خير.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله تعالى أن يفرِّج همك، ويزيل كربك، وأن يهدي والدك للحق، ولا بدَّ من تنبيهك لبعض الأمور التي قد تخفى عليك، ولها تعلق بسؤالك، وهي مفيدة لحالك، وهي تصلح لأن تكون تنبيهات لكل من يعاني من منع أهله له من الالتزام في المساجد، ومع الصالحين:
١. ينطلق بعض الآباء من منع أبنائهم من الالتزام في حلقات المسجد، أو من مصاحبة بعض المستقيمين لا من منطلق بغضهم للإسلام، بل من خوفهم على أبنائهم من أن تجترفهم بعض التيارات والأحزاب التي قد تؤدي بهم إلى انحراف في الفكر والاعتقاد، والغالب يخاف من ضرر أو أذى دنيوي، فينبغي على الأبناء مراعاة هذا الأمر في تعاملهم مع آبائهم الذين تصدر منهم أفعال في ظاهرها معاداة للدين، وفي حقيقتها تحذير من الانتساب لجماعات وأحزاب قد تأتي بالضرر على الابن وأسرته.
ومن الحكمة في تعامل الأبناء مع هؤلاء الآباء مد جسور الثقة بينه وبين والده، وإطلاعه على من يصاحب من المستقيمين، حتى يُدخل الطمأنينة على قلبه.
٢. لا يحل للأبناء أن يتسببوا في كلمات يقولها أهلوهم، ويكون فيها طعن وشتم للدين، فبعض الأبناء إذا منعهم والدهم من المشي مع فلان من الناس: سارع إلى القول: شرع من هذا؟ أو بأي دين؟ أو هل تكره الرسول وأصحابه؟ وغيرها من الأسئلة التي قد يبادر الوالد للإجابة عليها بما يضر دينه، ومنه ما حصل معك مع والدك هنا، فعندما أنكر عليك حمل الكتاب الذي التقطته من الشارع لم يكن يعني الطعن في كلام الله ورسوله، وإلا فلو رأى مصحفاً في حقيبتك فهل سيقول ما قاله في الكتاب الذي التقطته من الشارع؟ فلم يكن من الحكمة أن تبادر والدك إلى قولك " كلام الله ورسوله زبالة؟ "!! فبالإضافة إلى عدم جواز قولك هذا ابتداء فإنك قد تسببت بجوابٍ سيء من والدك، وأنت تعلم أنك أنكر الأوراق الممزقة والتي قد تكون لها رائحة وعليها قذر، ولم يكن ينكر عليك الآيات والأحاديث نفسها.
ومثله عندما منعك من المشي مع أحد جيرانكم فسارعت إلى القول: في شرع من هذا؟ " حتى قال لك: " في شرع أبي! "، وأنت تريد الشرع بمعنى الدين، وهو – لعله – يريد القانون والنظام، أو أنه أراد الشرع الإسلامي فأساء في اللفظ.
واعلم – يا أخي – أننا لسنا نقصد في الجواب واقعتك وحدها، بل هو جواب لكل من يعاني من سوء تصرفات أهله معه، ونريد أن نذكر إخواننا بأنه قد تكون الأخطاء ابتداء منهم، وإلا فقد يكون والدك، أو أمثاله، شيطاناً مريداً، والعياذ بالله، لكننا نريد التنبيه على الأفعال لا الحكم على الأشخاص.
٣. لا يجب عليك التقاط الأوراق التي تُرمى في الشارع، كما لم يكن من الحكمة إحضارها للبيت وأنت تعلم – بحسب قولك – أن والدك من عادته الاطلاع على ما في حقيبتك، ولم يكلفنا الشرع بالتقاط الأوراق من الشارع وإلا ضاع عمرنا في الشوارع لكثرة ما يُلقى فيها من صحف وكتب يكون فيها آيات وأحاديث، وإنما يكون المسلم مسئولاً عن أوراقه هو، وعما يُلقى في بيته أو مكان إقامته، ولا مانع من التقاط الملقى في الشارع إذا كان لا يشق عليه، وكان قليلاً، لكن ليس على أنه واجب شرعي.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
ما حكم من يضع متاعه أو حاجياته أو يلفها في كتب أو ورق يحتوي على سور وآيات من القرآن الكريم والسنة المطهرة، فأنكر عليه شخص بالقول، فرد عليه فقال - أي: الذي يضع البضاعة -: لا بأس بهذا، ولا ضرر في ذلك، واستمر في عمله هذا، وقال: لا أجد غير هذا الورق، مع العلم أنه يقرأ ويكتب، وهذه ظاهرة شائعة عندنا، فما حكم الله في هذا العمل؟ وهل أسير في الشارع راكعاً لجمع تلك الآيات والسور التي كثر رميها على الأرض في حين أن الناس تسخر مني؟ فماذا أفعل لإزالة هذا المنكر المنتشر؟ .
فأجابوا:
أولاً: لا يجوز أن يضع المسلم متاعه، أو حاجته، في أوراق كتب فيها سور وآيات من القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية، ولا أن يُلقي ما كتب فيه ذلك في الشوارع والحارات والأماكن القذرة؛ لما في ذلك من الامتهان، وانتهاك حرمة القرآن، والأحاديث النبوية، وذكر الله، ودعوى أنه لا يجد غير هذا الورق: دعوى يكذبها الواقع، فإن وسائل صيانة المتاع كثيرة، وفيها غنية عن استعمال ما كتب فيه القرآن، والأحاديث النبوية، أو ذكر الله، وإنما هو الكسل وضعف الدين.
ثانياً: يكفيك للخروج من الإثم والحرج: أن تنصح الناس بعدم استعمال ما ذكر فيما فيه امتهان، وأن تحذرهم من إلقاء ذلك في سلات القمامة، وفي الشوارع، والحارات، ونحوها، ولست مكلفاً بما فيه حرج عليك مِن جعل نفسك وقفاً على جمع ما تناثر من ذلك في الشوارع ونحوها، وإنما ترفع من ذلك ما تيسر منه دون مشقة وحرج.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٤ / ٧٣ – ٧٥) .
٤. يجب على الأبناء مراعاة الضغط الإعلامي الهائل على الأهل في تحذيرهم من التطرف والتشدد، وتصوير ذلك أن منبعه من المساجد وأهل الاستقامة، ومثل هذا الضغط الإعلامي وجد أرضية قابلة لقبوله من الجهل الذي يعيش فيه كثير من العوام، فيحتاج الأمر من الأبناء إلى وضوح في الأفعال، وإظهار لأحسن الأخلاق والأقوال حتى يحكم أهلوهم على ما يسمعونه من الإعلام بأنه كذب وزور.
٥. واعلم أنه إن كان والدك مرتداً كافراً: فإنه يجب عليك التلطف في معاملته، والإحسان إليه بما تستطيعه، لا أنه يستحق ذلك – لأن حكم المرتد غير الكافر الأصلي – بل لحاجتك لأن يهديه الله تعالى، ويترك معاداته للدين وينتظم في سلك المسلمين الموحدين.
فلا ترفع صوتك عليه، ولا تهنه، ولا تغلظ له بالقول، وإن كنت تود الدعاء: فادع له بدلا من أن تدع عليه، فلعلَّ الله تعالى أن يستجيب لك فيهديه.
٦. يجوز لك أن تبغض أفعال وأقوال والدك، ويحل لك أن تبغضه نفسه، إن ثبت وقوعه في الردة، ويجوز لك الخروج من البيت إن رأيتَ أن بقاءكَ في البيت يؤثر سلباً على استقامتك وقيامك بشعائر دينك، وإن رأيت أن بقاءك لا يؤثر على دينك واستقامتك، ويستفيد أشقاؤك ووالدتك من بقائك: فابق معهم ولا تغادر.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
ما حكم الوالد الذي يسب الدين هل يكفر بدون إعلان؟ وإذا أنكر عليه هذا الأمر، وعرف بأن سبَّ الدِّين كفر يعود مرة بعد مرة إلى هذا الأمر، ما حكم هذا الأب؟ مع العلم بأنه يظهر التوبة، ثم لا يلبث إذا ثار يقول هذه الكلمة، وهذا يحدث كل فترة، فما حكم هذا الوالد؟ وما حكم تعامل الابن معه؟ هل يهجره ويترك المنزل؟ مع أنه شاب صغير لا يستطيع العمل، وإذا ترك المنزل فإنه سيترك الكلية ويذهب ليعمل أي عمل آخر بعيدا عن هذا المنزل.
فأجاب:
يجب عليك الاستمرار في نصحه، ومتى تبين لك أن النصح لا يفيد فيه فأنت أعلم بظروفك، فإذا كنت تعلم أن بقاءك في البيت أكثر مصلحة: فإنك تبقى، وإذا تبين لك أن ترك البيت أصلح: فإنك تتركه، ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ونذكرك بقول الله سبحانه: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) .
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٥ / ٢٧٦، ٢٧٧) .
ثانياً:
وأما والدك فإننا نقول له:
١. اتق الله في نفسك، واغتنم حياتك قبل مماتك، فلو أدركك الموت وأنت على هذه الحال فإنه سيكون أسوأ حال، وكان الواجب عليك أن تتروى في كلامك، وفي أجوبتك لابنك، وبعض كلامك كفرٌ صريح، فنخشى عليك أن تموت عليه، فإهانة كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ كفرٌ مخرج من الإسلام بلا خلاف بين العلماء.
٢. وكان الواجب عليك أن تشجع ابنك على الطاعة والاستقامة والالتزام مع أهل الخير، ولا مانع من أن تتابعه وتراقبه، لكن ليس عليك منعه من المسجد والطاعة والدعوة، والابن المستقيم على الطاعة خير لأهله في الدنيا والآخرة، فمثل هؤلاء هم الذين ترجى منهم الطاعة والإنفاق والرحمة على أهليهم، وهم الذين يستغفرون لأهليهم بعد موتهم، ويدعون لهم بخير بعد وفاتهم.
٣. ولا يحل لك أن تأمر ابنك بحلق لحيته، فحلق اللحية محرَّم، ولا يجوز لك أن تأمر ابنك بمعصية، بل يجب أن تشجعه على الطاعة والاستقامة، وأن تنهى من يحلق لحيته من أبنائك لا العكس، وأن تنهى من تتبرج من بناتك لا العكس، وهكذا.
وأما أن تسعى في تمكين الظلم من عرض ابنك وبدنه، فيسجنوه أو يؤذوه، فهذا انتكاس في فطرة الأبوة التي جعلها الله فيك، وشذوذ في عاطفتك نحوه؛ ألم تعلم يا عبد الله أن الله سائل كل راع عما استرعاه: حفظ أم ضيع. [رواه ابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني] .
ألم تعلم، يا عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [متفق عليه] .
فكيف إذا كان هذا المسلم هو ابنك، وفلذة كبدك؟!!
لقد صدق القائل:
وراعي الشاةِ يحمي الذئبَ عنها فكيف إذا الرعاة لها ذئابُ
٤. لا يجوز لك ظلم زوجتك، ولا الإساءة إليها، وقد أمرك الله تعالى بمعاشرتها بالمعروف، فلا يحل لك ما تفعله معها من ظلم وإساءة.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي) رواه ابن ماجة (١٩٧٧) وصححه الألباني.
وأخيراً:
فإننا ندعو الوالد للتوبة والاستغفار مما بدا منه، وندعوه لإصلاح قوله وفعله، وأن يتدارك أمره قبل أن ينتهي أجله ويلقى ربه، وندعوه لتشجيع أولاده على الطاعة والاستقامة، ولا بأس من توجيههم ونصحهم فهم يحتاجون لذلك، لكن لا يحل لهم منعهم من الطاعات الواجبات، ولا أن يكرههم على ارتكاب المحرمات، وليس له طاعة إن فعل ذلك، وأولاده آثمون إن استجابوا له.
وندعو الابن للتحلي بالصبر، وندعو إلى معالجة الأمور بحكمة، وأن يعلم أن والده لا يكره له الخير، لكنه يجهل الخير من الشر، فعليه مسئولية دلالة والده على الخير لنفسه ولأهله وذريته.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13853
بر الوالد المنكر للحديث
[السُّؤَالُ]
ـ[أعيش في أسرة غير متدينة تضطهدني وتسخر مني وأنا متمسك بالسنة ولله الحمد ووالدي يعتقد بأن الأحاديث التي تشرح أمورا في القرآن كالصلاة يجب اتّباعها والأحاديث التي تذكر أمورا ليست في القرآن كتحريم مصافحة المرأة الأجنبية لا يجب اتباعها وعنده اعتقادات أخرى وأنا أعلم أن بر الوالدين واجب، هل يجوز لي أن أصلي وراء أبي وإذا كان الجواب بالنفي فهل يجوز أن أتظاهر أني أصلي معه كي لا أغضبه ثم أعيد الصلاة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إنّ الوضع الذي تعيش فيه أيها الأخ السائل هو وضع صعب فعلا، وليس بالهيّن على المؤمن أن يعيش مع أب عنده ضلالات وانحرافات عن المنهج الصحيح منهج أهل السنّة والجماعة ولكن المسلم يحتسب الأجر في الصّبر على مثل هذا الأب والتلطّف في نصحه وتبصيره بالحقّ بالوسائل المناسبة التي لا تُشعر الأب بتعالي ولده عليه ولا بانتقاصه له وإنما يشعر الأب بأنها نصيحة ابن معترف بالأبوة موقّر ومشفق كما حصل لإبراهيم ﵇ في دعوته لأبيه، قال الله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) سورة مريم
فقد استعمل إبراهيم ﵇ نداء الأبوة في أرقّ ألفاظه فقال: يا أبت، ولم يقل له أنا عالم وأنت جاهل بل قال إنّي قد جاءني من العلم ما لم يأتك
وأظهر شفقته على أبيه وحرصه على سلامته بقوله: يا أبت إني أخاف أن يمسّك عذاب من الرحمن
ولما رفض أبوه الحقّ وتهدّده بالرّجم ما زاد إبراهيم على أن قال لأبيه بكلّ أدب سلام عليك ووعده أن يستغفر له
هكذا فلتكن دعوة الأبناء الصالحين لآبائهم الضالين.
واعلم بأنّ مسألة إنكار السنّة أو شيء منها أمر خطير جدا - ولعلّنا نذكر شيئا من التفصيل في الموضوع في موضع آخر - ولكن نقول باختصار هنا إذا كانت بدعة أبيك تخرجه عن الإسلام كإنكار السنّة نهائيا وقد أقيمت الحجّة عليه ورفض الحقّ فلا تصحّ صلاتك خلفه حينئذ لكفره، وأما إذا كانت بدعة أبيك لا تصل إلى الكفر كعدم التزامه - عن تقصير وتفريط - بحكم قد جاءت به السنّة فيجوز لك أن تصلي وراءه حينئذ وصلاتك صحيحة. والله تعالى أعلم.
إضافة: وردنا من الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين في خصوص هذا السؤال ما يلي:
الإنكار قد يكون إنكار تأويل وقد يكون إنكار جحد فإذا كان إنكار جحد بمعنى أنّه يقول: نعم أنا أعلم أنّ الرسول ﷺ قال هذا لكن أنا أنكر ذلك ولا أقبله فإن كان هذا فهو كافر مرتدّ عن الإسلام ولا تجوز الصلاة خلفه.
وإن كان إنكاره إنكار تأويل فيُنظر إن كان التأويل محتملا مما تسوّغه اللغة ويعلم مصادر الشريعة ومواردها فهذا لا يكفر ويكون من جملة المبتدعين إذا كان قوله بدعيا فيصلى خلفه إلا إذا كان في ترك الصلاة خلفه مصلحة بحيث يرتدع ويفكّر في الأمر مرة ثانية فلا يُصلّى خلفه.
حال هذا الأب أنه يقر ببعض أقسام السنة وهو ما كان موافقاً للقرآن شارحاً له. في الوقت الذي ينكر القسم الآخر وهو ما كان زائداً على القرآن. ومثل هذا يُعد من البدع العظيمة التي توعد الشارع عليها كما ثبت عنه ﵊: " لا أُلفين أحدكم متكئاً على أريكة ... " الحديث.
فهي بدعة كبيرة يخشى على صاحبها. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 13854
يعيره أهله بمكثه عندهم وعدم زواجه فكيف يتعامل معهم
[السُّؤَالُ]
ـ[أعامل أهلي بما يرضي الله، وهم يسيئون إليَّ في بعض الأحيان بأن يعايروني بأني مازلت أسكن معهم ولم أتزوج حتى الآن، علماً بأني أساعد في مصاريف المنزل من مرتبي المتواضع - ٢٠٠ جنيه - وأنا موظف حكومة بالتربية والتعليم، وقد كنت أريد أن أدرس مجالاً آخر ولا أعمل بالحكومة إلا أنني سمعت كلامهم عن الاستقرار والمعاش وأصبحت موظفاً، لا يمكنني الزواج حاليّاً، وعمري ٣٤ عاماً، أعرف عقوق الوالدين، وأجتنبه، ولكن لي كرامة أريد أن أحافظ عليها عندما يعايروني، خاصة أمي بأني لم أرحل عنهم حتى الآن، كيف أتعامل معهما؟ أكتم غضبي كثيراً ولكن إلى متى؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إن للوالدين عليك حقّاً عظيماً في البر والمصاحبة بالمعروف، وإن أساؤوا إليك، بل وإن سعوا جاهدين لأن تترك الإسلام وتلحق بقافلة الشرك – وحاشاهم من ذلك -، وهذا الحق كفله لهم الشرع المطهَّر، فقال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) الإسراء/٢٣، وقال تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) لقمان/١٥.
فاعلم هذا وأنت تظن أن إحسانك لهم وبرَّك بهم يهدم " كرامتك "، واعلم هذا وأن تقول " إلى متى أكتم غضبي؟ ".
فعليك أن تبقى على سكوتك عن الإساءة من أهلك تجاهك، ويجب عليك أن تداوم على برِّك وإحسانك لهم، ولو أساؤوا إليك وآذوك.
ثانياً:
والذي ننصحك به عمليّاً هو:
١. الصبر والاحتساب على ما أصابك من أهلك، قال تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) البقرة/٤٥.
٢. البر والإحسان لهم، وتفقدهم بالهدايا والرعاية، والكلام الطيب، فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (تهادوا تحابوا) . رواه البخاري في " الأدب المفرد " (٥٩٤) ، وحسَّنه الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " (٣ / ٧٠) والألباني في " إرواء الغليل " (١٦٠١) .
٣. نصحهم وإرشادهم للالتزام بالأحكام الشرعية والأخلاق الفاضلة، بالحكمة، والموعظة الحسنة.
قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل/١٢٥.
٤. تنويع أسلوب الدعوة، وعدم التزام طريقة واحدة، فالأشرطة السمعية، والمرئية، والكتيبات قد يكون لواحد منها أثره في تغيير سلوكهم.
٥. الاستعانة بأهل العلم وطلابه من أصحاب المكانة عندهم، بجعلهم يزورونك ويكلمونهم وينصحونهم.
٦. السعي في طلب الرزق الحلال، الذي تستعين به على أمور الزواج، فيمكنك البحث عن عمل آخر، أو السفر إلى دولة إسلامية للعمل فيها.
٧. داوم على الدعاء لهم بالهداية والتوفيق.
ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن ييسر لك أمورك، وأن يهدي أهلك للبر والرشاد.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13855
والده يجحد وجوب الصلاة ويسب الصحابة فما حكمه وكيف يتعامل معه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[الحمد لله الذي هدانا وأنعم علينا بنعمة الإسلام، أنا بدأت بالالتزام منذ أشهر قليلة، وأبي يحاربني في ذلك، أبي لا يصلي؛ لأنه لا يعترف أن الصلاة فرض، بل ويسب بعض الصحابة، ويتكلم عن السيدة عائشة، ويتكلم بالسوء عن الصالحين أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية، ويشكك في أي حديث شريف، ويتحيز كثيراً للشيعة، ويعاملني أنا وأمي وإخوتي معاملة سيئة، بل ويهين أمي، ولا يدع أخي الصغير يذهب إلى المسجد بحجة المذاكرة، ويمنعني أن أتحدث إلى إخوتي في أمور الدين، ولا يحب أن ينصحه أحد، ولا يطيق سماع القرآن، ولا سماع البرامج الدينية، ويتهمها بالتضليل، وكلما يراني أشاهد برنامجاً دينيّاً يغيِّر القناة. فما هو حكمه في الشرع؟ وكيف أستطيع التعامل معه؟ مع العلم أنه أنا والحمد لله أعامله معاملة طيبة، وأدعو له، ولكنه يهينني، ويقول لإخوتي إنني إرهابي، ويشجعهم على سماع الأغاني، وعدم مشاهدة البرامج الدينية، وعلى عدم سماع كلامي. أرجو الرد على سؤالي، وجزاكم الله خيراً]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله تعالى أن يُعظم أجرك في مصيبتك، ونسأله تعالى أن يهدي والدك قبل أن يأتيه أجله.
أما حكم والدك: فقد أتى بأفعال وأقوال يوجب بعضها كفره وخروجه من الملة، فكيف بها مجتمعة؟! ومن ذلك: تركه للصلاة حتى لو كان كسلاً، وجحده لفرضيتها، وهذان أمران يكفرانه، ويخرجانه من ملة الإسلام، أما الأول: فعلى الصحيح من أقوال أهل العلم في حال تركها كسلاً، وأما الثاني فبالاتفاق، ولكن لا خلاف في أن تارك الصلاة إن تركها جحوداً لفرضيتها أنه كافر خارج من ملة الإسلام.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀:
أجمع العلماء على أن تارك الصلاة، الجاحد لوجوبها كافر، وأنه يقتل كفراً ما لم يتب.
" أضواء البيان " (٤ / ٣٣٥) .
ووالدك لم يترك الصلاة كسلاً، بل تركها جحوداً لفرضيتها، وإنه لو كان تركها كسلاً لكفر: فكيف وقد تركها جحوداً لها؟! .
وأما سبُّه لبعض الصحابة: فالظاهر أنه لا يستثني في سبه إلا بعض الصحابة! لا أنه يسبُّ بعضهم، والذي ظهر لنا من سؤالك أن والدك معتقد لمذهب الرافضة الخبيث، والذي يَحكم على الصحابة بالردة إلا عدداً قليلاً منهم، وهذا موجب لكفرهم؛ ومن لم يحكم بكفرهم من العلماء: فإنه يحكم بسجنهم حتى التوبة أو الموت.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
سب الصحابة على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يسبهم بما يقتضي كفر أكثرهم، أو أن عامتهم فسقوا: فهذا كفر؛ لأنه تكذيب لله ورسوله بالثناء عليهم والترضي عنهم، بل من شك في كفر مثل هذا: فإن كفره متعين؛ لأن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب أو السنة كفار، أو فساق.
الثاني: أن يسبهم باللعن والتقبيح، ففي كفره قولان لأهل العلم، وعلى القول بأنه لا يكفر: يجب أن يجلد ويحبس حتى يموت أو يرجع عما قال.
الثالث: أن يسبهم بما لا يقدح في دينهم، كالجبن والبخل: فلا يكفر، ولكن يعزر بما يردعه عن ذلك، ذكر معنى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب " الصارم المسلول " ونقل عن أحمد في (ص ٥٧٣) قوله: " لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساوئهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب أو نقص، فمن فعل ذلك: أُدب، فإن تاب، وإلا جلد في الحبس حتى يموت أو يرجع ".
" فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٥ / ٨٣، ٨٤) .
ومن لوازم الطعن في الصحابة ﵃: الطعن في النبي ﷺ ، وفي الإسلام، وفي رب العباد .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
إن سب الصحابة ﵃ ليس جرحاً في الصحابة رضي اله عنهم فقط، بل هو قدح في الصحابة، وفي النبي ﷺ ، وفي شريعة الله، وفي ذات الله :
- أما كونه قدحاً في الصحابة: فواضح.
- وأما كونه قدحاً في رسول الله ﷺ : فحيث كان أصحابه، وأمناؤه، وخلفاؤه على أمته من شرار الخلق.
وفيه قدح في رسول الله ﷺ من وجه آخر، وهو تكذيبه فيما أخبر به من فضائلهم ومناقبهم.
- وأما كونه قدحاً في شريعة الله: فلأن الواسطة بيننا وبين رسول الله صلي الله عليه وسلم في نقل الشريعة: هم الصحابة، فإذا سقطت عدالتهم: لم يبق ثقة فيما نقلوه من الشريعة.
- وأما كونه قدحاً في الله سبحانه: فحيث بعث نبيه ﷺ في شرار الخلق، واختارهم لصحبته، وحمل شريعته ونقلها لأمتهـ.
فانظر ماذا يترتب من الطوام الكبرى على سب الصحابة ﵃.
ونحن نتبرأ من طريقة هؤلاء الروافض الذين يسبون الصحابة ويبغضونهم، ونعتقد أن محبتهم فرض، وأن الكف عن مساوئهم فرض، وقلوبنا - ولله الحمد - مملوءة من محبتهم؛ لما كانوا عليه من الإيمان، والتقوى، ونشر العلم، ونصرة النبي ﷺ .
ومن طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول، أو عمل.
مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين - (٨ / ٦١٦) .
ولذا فلا عجب أن يحكم علماء الإسلام بالزندقة على كل من ينتقص من أصحاب النبي ﷺ .
قال ابن حجر الهيتمي – حمه الله -:
قال إمام عصره أبو زرعة الرازي - من أجلِّ شيوخ مسلم -: إذا رأيتَ الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله: فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة، فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة، فيكون الجرح به ألصق، والحكم عليه بالزندقة والضلالة والكذب والفساد هو الأقوم الأحق.
" الصواعق المحرقة " (٢ / ٦٠٨) .
وكذلك يقال في قذف أم المؤمنين عائشة ﵂ أنه كفر وردة.
وانظر تفصيل ذلك في جواب السؤال رقم (٩٥٤) .
ومن لم يسلم منه صحابة النبي صلى الله عليه فلن يسلم منه أئمة الهدى من بعدهم كالتابعين ومن تبعهم كشيخ الإسلام ابن تيمية، وبسبهم على الصحابة وطعنهم في دينهم فإنهم يحكمون على أنفسهم أنهم على دينٍ غير ديننا.
ثانياً:
أما عن كيفية التعامل مع والدك:
فلا بدَّ لك من سلوك طرق شتى في بيان الحق له، والسعي الحثيث في هدايته، ولا تيأس ولا تمل من هذا، فهو باعتقاده وأقواله وأفعاله قد خرج من الإسلام خروجاً كليّاً، وعليك تدارك الأمر بما تراه نافعاً له، ونوجهك إلى أمورٍ، منها:
١. وجوب التبرؤ من اعتقاده وأقواله وأفعاله.
٢. التلطف في إيصال الحق له.
٣. تنويع طريق الدعوة وبيان الحق، فالمناظرات التي جرت بين أهل السنة وبين الرافضة كانت قاصمة ظهر لهم، فيمكنك الاستعانة بها، لتقنعه برؤيتها وسماعها، وكذا يوجد من الأشرطة السمعية والكتب ما يكفي لدعوة هؤلاء المنتقصين من الصحابة، وما يُرد به على شبهاتهم.
٤. السعي نحو عدم تأثير والدك على أمك وأشقائك، حتى لا تتوسع دائرة الكفر والردة.
٥. الدفاع عن نفسك بأخلاقك وسلوكك الحسن معه ومع أهل بيتك.
٦. عدم اليأس من هدايته، والاستمرار في دعوته، عن طريقك مباشرة، وعن طريق غيرك ممن يعرفهم ويثق بهم من أهل السنَّة.
٧. مداومة الدعاء له، واختيار الأوقات الفاضلة كثلث الليل الآخر، والأحوال الفاضلة كالسجود في الصلاة.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
كيف نعامل الرجل الذي يسب الأصحاب الثلاثة؟ .
فأجابوا:
صحابة رسول الله ﷺ خير هذه الأمة، وقد أثنى الله عليهم في كتابه، قال الله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ، وقال تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) ، إلى غير هذا من الآيات التي أثنى الله فيها على الصحابة، ووعدهم بدخول الجنة، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي من هؤلاء السابقين، وممن بايع تحت الشجرة فقد بايع النبي ﷺ نفسه لعثمان، فكانت شهادة له، وثقة منه به، وكانت أقوى من بيعة غيره للنبي ﷺ ، في أحاديث كثيرة إجمالاً وتفصيلاً، وخاصة أبا بكر وعثمان وعليًّا، وبشَّر هؤلاء بالجنة في جماعة آخرين من الصحابة، وحذَّر من سبهم فقال: (لا تسبُّوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه) رواه مسلم في صحيحه من طريق أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، - ورواه البخاري من حديث أبي هريرة -.
فمن سبَّ أصحاب رسول الله ﷺ ، أو شتمهم، وخاصة الثلاثة: أبا بكر وعمر وعثمان المسؤول عنهم: فقد خالف كتاب الله وسنة رسوله وعارضهما بمذمته إياهم، وكان محروماً من المغفرة التي وعدها الله مَن تابعهم واستغفر لهم ودعا الله ألا يجعل في قلبه غلا على المؤمنين.
ومِن أجل ذمّه لهؤلاء الثلاثة وأمثالهم: يجب نصحه، وتنبيهه لفضلهم، وتعريفه بدرجاتهم وما لهم من قَدم صدق في الإسلام، فإن تاب: فهو من إخواننا في الدين، وإن تمادى في سبهم: وجب الأخذ على يده، مع مراعاة السياسة الشرعية في الإنكار بقدر الإمكان، ومن عجز عن الإنكار بلسانه ويده: فبقلبه، وهذا هو أضعف الإيمان، كما ثبت في الحديث الصحيح.
" فتاوى إسلامية " (١ / ١٢) .
ونسأل الله أن يوفقك في مسعاك، وأن يثبتك على الحق، وأن يهدي والدك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13856
هل يسقط بر الوالدين بتعاطي السحر لأبنائهما
[السُّؤَالُ]
ـ[أب قام بعمل سحر لابنته وهي زوجتي الآن من أجل التفريق بيننا، ومن أجل أن تصبح ابنته في حالة اللاشعور فما الحكم الديني في هذه الحالة؟ هل تقطع رحمه؟ علما بأنه مصر على التفريق بشعوذته هذه أم أنها تكتفي بالتواصل معه هاتفيا وخاصة في العيدين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يسقط حق الوالدين في الإحسان والبر ولو بتعاطي السحر والشعوذة، وإضرار أولادهما بذلك.
فقد أمر الله تعالى بمصاحبة الوالدين بالمعروف ولو كانا يأمران ولدهما بالشرك، قال الله تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) لقمان/١٥.
فالأب وإن ارتكب كبيرة من الكبائر، فلا يجوز هجره، بل عليك أن تحسني إليه، وتعظيه بالتي هي أحسن، ولا تملي من نصحه لعل الله يجعل هدايته على يديك.
هذا مع الحذر منه، وتجنب الوسائل التي يمكن أن يستخدمها في سحره كالشرب والأكل عنده، مع التحصن بالأذكار الشرعية الثابتة في ذلك.
وإذا خشيت من زيارته حصول ضرر عليك فلا حرج عليك من الامتناع من زيارته، وتقتصري في صلته والإحسان إليه بالاتصال به هاتفيا، والسؤال عنه ومساعدته إن احتاج إلى مساعدة.
وعلى الأب أن يتق الله ويدع ما هو عليه من اقتراف الكبائر (إن كان كما ذكرت ابنته) قبل أن يفجأه الموت وهو على ذلك، كما ننبه السائلة إلى عدم اتهام أبيها بما ذكرت دون بينة ثابتة، فقد يكون الأمر مجرد شكوك ووساوس لا حقيقة لها.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13857
أجرى لوالده العملية بدون رضاه، فهل يكون عاقاً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[والدي مريض ورفض إجراء العملية الجراحية، وقد احتلت عليه حتى تجرى له بدون علمه، وذلك حرصاً مني على شفائه، فهل في هذا عقوق له؟ وماذا لو كان توفي في هذه العملية، هل أكون متسبباً في قتله بذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" لا حرج عليك في ذلك إن شاء الله؛ لأنكَ تريد له الخير، وتريد له المصلحة، ولم تُرِد به الضَّرر؛ فأنت محسن، ويُرجى لك الأجر إن شاء الله، وحتى لو تُوُفِّي من أثر هذه العمليَّة، ما دامت أنَّها عمليَّة جارية مجراها الطبّيَّ، ولم يحصل فيها تفريط، والطَّبيب من أهل الخبرة، وتوفرت الشُّروط؛ فلا حرج عليك في ذلك؛ لأنك محسن، والله تعالى يقول: (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ) التوبة /٩١ ".
والله تعالى أعلم.
" المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان " (٣ / ٤٠٣)
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13858
تساعد والديها من راتبها دون علم زوجها
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا سيدة متزوجة ولي ٣ أطفال، اشتغل بشركة وأتقاضى مرتبا شهريا أشارك به في مصروف البيت، أي أساعد زوجي، سؤالي هو أن أبي يبلغ ٨٤ من العمر، وأمي ٧٦، وأنا ابنتهم الوحيدة، فأساعدهم من مرتبي الشهري دون علم زوجي، بالرغم من أنه لا يعارض في الأمر؛ فما حكم الشرع في ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا لم يكن هناك اشتراط من قِبل الزوج أن تعملي في مقابل مشاركتك بالراتب كله أو جزء منه، في مصروف البيت، فراتبك الذي تأخذينه، أو المبلغ المتبقي منه بعد القدر الذي اشترط زوجك أن تشاركي به،: ملكٌ لك، يجوز أن تتصرفي فيه بما يباح من أنواع التصرف، ولا يلزمك استئذان الزوج في ذلك، لكن إن فعلت تطييبا لخاطره، فهو أفضل.
ومساعدة الوالدين من أعظم أعمال البر والخير، وهي من صلة الرحم التي تزيد في العمر، وتبارك في الرزق، كما قال النبي ﷺ : (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) رواه البخاري (٥٩٨٦) ومسلم (٢٥٥٧) .
وعلى ذلك، فلا حرج فيما تفعلينه من مساعدة والديك بجزء من راتبك، من دون علم زوجك، خاصة وأنت تقولين أنه لا يمانع من مثل ذلك، لكن لو رأيت أن إخباره بذلك يطيب خاطره فهو أفضل.
نسأل الله تعالى أن يأجرك ويثيبك على هذه المساعدة، وأن يبارك لك في مالك وعملك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13859
أمه لا ترضى عن الزواج بهذه المرأة فماذا يفعل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أبلغ من العمر ٣٥ سنة. أعيش مع والدتي التي سهرت على تربيتي أنا وأختي المتزوجة بعد وفاة أبي قبل ولادتي بـ ٤ أشهر ولم تتزوج بعده ﵀. قبل ٣ سنوات وقعت في حب سيدة تبلغ من العمر ٥٠ سنة أرملة هي كانت زوجة عم أمي ﵀. كما لديها بنت تربيها تبلغ ١٣ سنة. هذه السيدة تحبني حبا لا حد له وقد اتفقنا على الزواج. ولما صارحت أمي رفضت رفضا مطلقا. واعلم أن هده السيدة تحبني وتفعل المستحيل من أجلي، وأنا أحبها كذلك. لكن إذا تزوجنا سأفقد أمي وعائلتي. وكذلك هي. أستاذي أرجوك أرجوك أرجوك أن ترشدني وتدلني على حل وما يقول الدين في هذه المسألة لإرضاء الله أولا وأخيرا. أرجوكم ولكم إن شاء لله جنة الفردوس مع الرسول ﷺ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا لم تستطع إقناع أمك بهذا الزواج، وكان استمرارك فيه يعني إغضابها بل فقدانها كما ذكرت، فالواجب أن تطيعها في عدم الزواج من هذه المرأة، إلا في حالة أن تخشى الوقوع في الزنا بها، عياذا بالله من ذلك.
وفقه المسألة أن طاعة الأم واجبة، والزواج من امرأة بعينها ليس واجبا، فالنساء كثيرات، ولهذا صرح ابن الصلاح والنووي وابن هلال -كما ذكر العلامة محمد مولود الموريتاني في نظم البرور- بوجوب طاعة الوالد إذا منع ابنه من الزواج بامرأة معينة.
لكن إذا غلب على الظن الوقوع في الحرام، كان درء هذه المفسدة مقدما على طاعة الأم.
قال الشيخ المرابط أباه ولد محمد الأمين الشنقيطي في نظم الفردوس:
إن يمنع الوالد الابن من نكاحْ امرأةٍ امنعن على ابنه النكاحْْ
ما لم يكن خشي من معصيةِ تقع بينه وبين المرأةِ
كما عزاه للهلالي السيدُ عبد الإله العلوي الأمجدُ
ونصيحتنا أن تغلب جانب العقل على العاطفة، وأن تبحث عن غير هذه المرأة، ممن ترضى دينها وخلقها، والأفضل أن تكون بكرا، في سنٍّ يسمح لها بالإنجاب، وبهذا تحقق جملة من المصالح، أعظمها إرضاء أمك الكريمة، التي ضحت بمصلحتها لأجل تربيتك، ثم المحافظة على كيان العائلة، وإنجاب الذرية التي هي أحد مقاصد النكاح.
وأكثر من دعاء الله تعالى، أن يلهمك الصواب والسداد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13860
الصلاة على الميت بعد دفنه بسنوات
[السُّؤَالُ]
ـ[لي جدة توفيت ولم أصل عليها، وأنا في نفس المدينة، حيث دفنوها قبل حضوري لهم، وهي الآن متوفية منذ ٣ سنوات. فهل علي شيء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يبدو من سؤالك أنك تشعر بالتقصير تجاه جدتك، فإذا كنت في المدينة نفسها وتتمكن من إدراك صلاة الجنازة والدفن فلماذا لم تفعل؟ وأي عذر منعك عن شهود خير ما يمكن أن تبر به جدتك في مماتها، بالصلاة عليها والدعاء والاستغفار لها!
والأجداد والجدات يجب برهم والإحسان إليهم كالوالدين.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (١٦/١٣٣) :
" الجد والجدة كالأبوين في البر " انتهى بتصرف.
وأمامك فرصة لتعويض ما فاتك إن شاء الله، إذ يمكنك أن تذهب فتصلي على قبرها صلاة الجنازة، فقد ذهب الإمام الشافعي وغيره إلى جواز الصلاة على الميت في قبره، ويدل على ذلك:
ما رواه البخاري (٤٥٨) ومسلم (٩٥٦) أن الرسول ﷺ صلى على امرأة في قبرها، كانت تنظف المسجد، وكان الصحابة قد دفنوها من غير أن يخبروا الرسول ﷺ بموتها.
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلا، فَقَالَ: مَتَى دُفِنَ هَذَا؟ قَالُوا: الْبَارِحَةَ. قَالَ: أَفَلا آذَنْتُمُونِي!؟ قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ) رواه البخاري (١٣٢١) .
وعن يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: (أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَرَأَى قَبْرًا جَدِيدًا، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذِهِ فُلانَةُ، مَوْلاةُ بَنِي فُلَانٍ، فَعَرَفَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مَاتَتْ ظُهْرًا وَأَنْتَ نَائِمٌ قَائِلٌ (أي: في القيلولة) فَلَمْ نُحِبَّ أَنْ نُوقِظَكَ بِهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَفَّ النَّاسَ خَلْفَهُ، وَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، ثُمَّ قَالَ: لا يَمُوتُ فِيكُمْ مَيِّتٌ مَا دُمْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ إِلا آذَنْتُمُونِي بِهِ؛ فَإِنَّ صَلاتِي لَهُ رَحْمَةٌ) رواه النسائي (٢٠٢٢) وحسنه ابن عبد البر في "التمهيد" (٦/٢٧١) وصححه الألباني في صحيح النسائي.
وقد روى ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣/٢٣٩) مجموعة من الآثار عن الصحابة والتابعين ممن صلوا على القبور بعد الدفن: منهم عائشة ﵂ حين صلت على قبر أخيها عبد الرحمن، وابن عمر صلى على قبر أخيه عاصم، وسليمان بن ربيعة وابن سيرين وغيرهم. وكذلك ذكره ابن حزم في "المحلى" (٣/٣٦٦) عن أنس وعلي وابن مسعود ﵃ جميعا.
ومنع بعض الفقهاء من الصلاة على القبر مطلقا، وبعضهم قيده بشهر أو ثلاثة أيام، ولكن ليس هناك دليل على هذا التقييد.
قال ابن حزم ﵀ "المحلى" (٣/٣٦٦) :
" أما أمر تحديد الصلاة بشهر أو ثلاثة أيام فخطأ لا يشكل، لأنه تحديد بلا دليل " انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "الشرح الممتع" (٥/٤٣٦) :
" والصحيح أنه نصلي على القبر ولو بعد شهر، إلا أن بعض العلماء قيده بقيد حسن، قال: بشرط أن يكون هذا المدفون مات في زمن يكون فيه هذا المصلي أهلا للصلاة.
مثال ذلك: رجل مات قبل عشرين سنة، فخرج إنسان وصلى عليه وله ثلاثون سنة، فيصح؛ لأنه عندما مات كان للمصلي عشر سنوات، فهو من أهل الصلاة على الميت.
مثال آخر: رجل مات قبل ثلاثين سنة، فخرج إنسان وصلى عليه وله عشرون سنة ليصلي عليه، فلا يصح؛ لأن المصلي كان معدوما عندما مات الرجل، فليس من أهل الصلاة عليه.
ومن ثَمَّ لا يشرع لنا نحن أن نصلي على قبر النبي ﷺ ، وما علمنا أن أحدا من الناس قال: إنه يشرع أن يصلي الإنسان على قبر النبي ﷺ أو على قبور الصحابة، لكن يقف ويدعو " انتهى.
وللتوسع في المسألة انظر: "الأم" (١/٤٥٢) ، "المجموع" (٥/٢٠٨-٢١٠) ، "المغني" (٢/١٩٤-١٩٥) ، "بدائع الصنائع" (١/٣١٥) ، "الموسوعة الفقهية" (١٦/٣٥) .
كما أن البر لا يتوقف على حياة الوالدين وكذا الجَدَّين، بل يستمر بعد وفاتهما، وأعظم ما يمكن أن يبر به المرء والديه الدعاء لهما والاستغفار لهما.
عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ قَالَ: (بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، الصَّلاةُ عَلَيْهِمَا، وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا تُوصَلُ إِلا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا) رواه أبو داود (٥١٤٢) وحسنه ابن العربي في "عارضة الأحوذي" (٤/٣٠٧) وصححه الشيخ ابن باز في "مجموع الفتاوى" (٩/٢٩٥) .
قال صاحب "عون المعبود" (١٤/٣٦) :
" (الصلاة عليهما) أي: الدعاء، ومنه صلاة الجنازة، قاله القارىء، وفي فتح الودود: والمراد بها الترحم " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13861
هل يجبر والدته على الانتقال من البيت القديم الذي يسبب لها المرض ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[شخص والدته عندها ٩٠ عاما تسكن في منزلها القديم جدا وهو منزل مليء بالبراغيث والفئران (مما نتج عنه أن أصبح عندها نقص في نسبة الهيموجلوبين) وهو يعرض عليها أن تنتقل إلى منزل آخر استأجره لها ولكنها ترفض أن تترك منزلها بشدة فهل عليه أن ينقلها إلى هذا المنزل الجديد بأي طريقة ولا يعبأ برفضها الانتقال من منزلها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كان الأمر كما ذكرت من قدم المنزل، وتعرض الأم للمرض بسبب البقاء فيه، فينبغي أن يسعى الابن في إقناعها بالتحول عنه، وأن يجتهد في ذلك، فإن أبت فليس له أن يجبرها على الانتقال، ما دامت بعقلها، تدرك وتعي ما يقال لها؛ لأن لها حق البقاء والسكن في المحل الذي تريد.
وعلى الابن أن يسعى في تنظيف البيت ما استطاع، وعليه أن يوفر لها ما تحتاجه من طعام وشراب وخدمة، سواء فعل ذلك بنفسه، أو استأجر لها من يخدمها، وأن يجتهد في برها وصلتها وتفقد أحوالها، لاسيما وهي في هذا العمر، كما قال سبحانه: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء/٢٣، ٢٤.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13862
بر الأطفال بوالديهم
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي أنواع العبادات التي يمكن للطفل أو الطفلة فعلها من أجل الوالدين وهما على قيد الحياة، وبعد موتهما؟ أرجو إعطاءنا أمثلة من القرآن والسنة ومن أفعال السلف الصالح.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن جماع حقوق الوالدين على أبنائهما الإحسان إليهما في كل شيء، وصحبتهما بالمعروف، كما قال الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) الأحقاف/١٥، وقال سبحانه: (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) العنكبوت/٨، وقال تعالى: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) سورة لقمان/١٥
قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: " وبالوالدين إحساناً " أي: أحسنوا إليهما بجميع وجوه الإحسان القولي والعملي " تفسير السعدي ص٥٢٤
وإن من أهم العبادات التي يُطالب بها الصغير تجاه والديه طاعتهما، وامتثال أمرهما، والانتهاء عند نهيهما، فإذا أمره والداه بأمر بادر بفعل ما أمر به، وإذا نهياه عن شيء سارع في تركه، ما لم يكن في ذلك معصية لله ورسوله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ثم الدعاء والاستغفار لهما، خاصة عند كِبَر سنهما، وضعفهما، وحاجتهما إلى من يرفق بهما، ويقوم بأمرهما، قال الله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَاّ تَعْبُدُواْ إِلَاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء/٢٣-٢٤
وقد ذكر الله في كتابه نموذجاً من نماذج صلاح الأبناء، فقد قال سبحانه عن عبده يحي بن زكريا: (يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) مريم/١٢ – ١٥
قال ابن جرير الطبري – ﵀: " يقول تعالى ذكره: (وبرا بوالديه) مسارعاً في طاعتِهما ومحبَّتهما، غير عاقٍّ بهما.
(ولم يكن جبَّاراً عصيّاً) يقول جل ثناؤه: ولم يكن مستكبراً عن طاعة ربه وطاعة والديه، ولكنه كان لله ولوالديه متواضعا متذللا، يأتمر لما أمر به، وينتهي عما نهي عنه، لا يعصي ربه، ولا والديه. " تفسير الطبري " (١٦ / ٥٨) .
وقال تعالى عن عبده عيسى بن مريم: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) مريم/٣٠ – ٣٢.
قال ابن كثير – ﵀: " وقوله (وبرّاً بوالدتي) أي: وأمرني ببر والدتي، ذكره بعد طاعة ربه لأن الله تعالى كثيراً ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين كما قال تعالى (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) ، وقال (أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) ، وقوله: (ولم يجعلني جباراً شقيا) ، أي: ولم يجعلني جبَّاراً مستكبراً عن عبادته وطاعته وبر والدتي فأشقى بذلك. " تفسير ابن كثير " (٣ / ١٢١) .
وأما بعد الموت: فيمكن أن يعمل الصغير أشياء كثيرة، ومنها:
١. إن كان عنده مال وعلى والديه ديْن أن يُبرئ ذمتهما بأداء الدَّيْن.
٢. إن كان عنده مال ولم يؤد والداه الحج أن يحج عنهما، أو يدفع المال لمن يحج عنهما.
٣. أن يستغفر لوالديه ويدعو لهما بالرحمة والمغفرة، قال تعالى: (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء/٢٤
قال الشيخ ابن سعدي ﵀: " أي: ادعُ لهما بالرحمة، أحياءً وأمواتاً. تفسير السعدي ص٥٢٤
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " إنَّ الرجل لتُرفع درجتُه في الجنَّة فيقول: أنَّى هذا فيقال: باستغفار ولدك لك ". رواه ابن ماجه (٣٦٦٠) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (١٦١٧)
هذا إذا كان الصغير مميِّزاً، وتيسر له قبض المال أما إن كان صغيراً لا يعقل فإن مثل هذا الكلام لا ينطبق عليه.
ومن الأمثلة السلفية العظيمة على بر الوالدين فعل عبد الله بن عمر ﵄.
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلا مِنْ الأَعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ، وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ: فَقُلْنَا لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، إِنَّهُمْ الأَعْرَابُ؛ وَإِنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: (إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ) رواه مسلم (٢٥٥٢)
وفي رواية عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ أَلَسْتَ ابْنَ فُلانِ بْنِ فُلانٍ قَالَ بَلَى فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ وَقَالَ ارْكَبْ هَذَا وَالْعِمَامَةَ قَالَ اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ أَعْطَيْتَ هَذَا الأَعْرَابِيَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ)
وأما أبو هريرة فكان يستخلفه مروان، وكان يكون بـ " ذي الحليفة " (عشرة كيلو تقريباً من المدينة) فكانت أمه في بيت، وهو في آخر. قال: فإذا أراد أن يخرج وقف على بابها، فقال: السلام عليك يا أمّتاه ورحمة الله وبركاته. فتقول: وعليك يا بُني ورحمة الله وبركاته. فيقول: رحِمك الله ما ربَّيتني صغيراً. فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيراً، ثم إذا أراد أن يدخل صنع مثله "
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13863
والدها يقسو عليهم وعلى أمهم فعزموا على مقاطعته
[السُّؤَالُ]
ـ[قسوة الأب، تزوج أبي أمي وهى بسيطة لا تعرف سوى الاحترام والطاعة لم تخرج من البيت ولا تعرف مدرسة ولا كلية وهو يعشق النساء ويجري وراءهن ولم يهتم يوما بمشاعر أمي ودائما يقول عليها عبيطة المهم أني نشأت أنا وأختي وأخي ولم يربنا أحد سوى الأم البسيطة، ووالدي الآن دائم الخناق معنا ويشتمنا بألفاظ وقحة مخجلة جدا، المهم أنا أسأل عن رضا الله فنحن أخذنا موقفا منه ولا نكلمه ولا نخدمه فهل يغضب الله عنا؟ كما أنه لا يصلي ودائما أحثه على الصلاة لكن دون جدوى.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
كون والدك يترك الصلاة، ويعشق النساء ويجري وراءهن، هذه منكرات ظاهرة، وأعظمها ترك الصلاة؛ لأن تركها كفر يخرج عن الإسلام في أصح قولي العلماء، لأدلة كثيرة، منها قوله ﷺ : (بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ) رواه مسلم (٨٢) .
ولهذا فالواجب نصح الأب وعدم اليأس من توبته وهدايته، وينبغي أن تبحثوا عن وسائل متنوعة لنصحه، كإعطائه شريطا عن حكم تارك الصلاة، والاستعانة بمن يستطيع نصحه من الأهل والأقارب، ونحو ذلك.
وكونه أساء إليكم ولا يزال فإن هذا يوجب الرحمة في قلوبكم عليه، فإنه لو مات ولقي ربه بهذه الأعمال فإنه سيلقاه بذنوب وآثام عظيمة.
لذلك فعليك أنت وإخوتك وأهلكِ أن تعيدوا النظر في علاقتكم مع والدكم وموقفكم منه، فالله أمرنا بالإحسان إلى الوالدين وبرهما حتى مع كفرهما ودعوتهما للكفر:
قال تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) لقمان/١٥.
وهذا إبراهيم ﵇ يحاور أباه المشرك بأدب كما ذكر الله تعالى ذلك عنه في قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا. إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا. يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا. يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا. يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا. قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا. قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) مريم/٤١–٤٧.
فانظروا لأدب هذا النبي ﷺ ، وكيف يخاطب والده المشرك الذي يهدده ويتوعده، وفي هذا موعظة بالغة ودرس مفيد لمن ابتلي بمثل هؤلاء الآباء؟!
ثانيا:
ويتأكد ما ذكرناه إذا علمتِ أن حق الأب في البر والإحسان إليه لا يسقط بتقصيره وإساءته، بل كل يؤدي الحق الذي عليه، فإذا قصر هو، فلا تقصروا أنتم، ثم إن الإعراض عنه وتجاهله وترك خدمته يزيده سوءا على سوئه، وأنتم ولا شك لا تريدون هذا. وكثير ممن ابتلي بالمعاصي ثم تاب يتحدث عن أثر هجر الناس له وأن ذلك يزيد من البلاء، ويحمل الإنسان على ارتكاب حماقات ما كان ليرتكبها لو شعر أن له أولادا يحبونه ويحترمونه حتى مع قسوته وإساءته.
إن النفس البشرية مهما طغت وأساءت إلا أنها لا تنسى الإحسان وإن تجاهلته في الظاهر، ولهذا فقد يكون العلاج النافع مع أبيكم هو زيادة القرب منه مهما بعد، والرحمة به مهما قسا، مع الدعاء له بالهداية والاستقامة.
وكوني على ثقة من أن إحسانكم لن يضيع عند الله، وستجنون منه ثمارا نافعة في الدنيا والآخرة بإذن الله.
نسأل الله أن يهدي والدك وأن يصلح حاله، وحالكم أجمعين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13864
مطلقة ولا تريد السكن مع أمها بل في شقتها
[السُّؤَالُ]
ـ[مطلقة بطفلة، تستأجر شقة، وتعمل جادة لتوفير الجو الملائم لطفلتها ولا تبخل على والديها وإخوتها بأي شيء، حتى مات أبوها وهو راض عنها، المشكلة هو أن الأم تجبرها على السكن معهم في مسكن ضيق، وأنا لا أحتمل ذلك خاصة أن الأم عصبية الله يغفر لنا ولها لا تحترم الكبير رغم أنها تؤدي جميع الفرائض، هل إذا رفضت المطلقة السكن معهم تعتبر آثمة؟ لأنها لا تحتمل المشاكل.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يخفى ما للأم من عظيم الحق، وواجب الإحسان والبر، لكن إذا كان الأمر كما ذكرت من تضرر المسئول عنها بسكنها مع أمها، وترغب في السكن في شقتها، فلا حرج عليها في ذلك، إذا كان السكن مأمونا، ولا يلحقها بانفرادها فيه مفسدة، على أن تقوم بحق الأم في برها والإحسان إليها والقيام بخدمتها إن احتاجت إلى خدمة أو مساعدة بالمال.
وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء عمن يرغب في الاستقلال بالسكن عن والديه؛ لأنه لا يجد الراحة في السكن مع الأسرة؟
فأجابت: " إذا كان الواقع كما ذكر من عدم استقرارك وراحتك في السكنى مع الأسرة في بيت والدك، فلا إثم عليك في انفرادك عن الأسرة ببيت مستقل؛ تحقيقا للراحة والاستقرار، مع القيام بحقوق الوالدين وصلة الرحم وعدم القطيعة " انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٥/١٦٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 13865
يتسبب في بكاء أمه فهل يكون عاقا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أمي تبكي مني أحيانا وتتضايق مني فقط لأنني لا أملك رخصة قيادة السيارة ولا أعمل ومتهاون في ذلك بعكس الآخرين يملكون هذه الأشياء، فهل أنا عاق لوالدتي بهذا؟ علما أنني أحبها وتحبني وأبرها وأدعو لها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
بر الوالدين من أعظم القربات، وآكد الفرائض، وأحب الأعمال إلى الله بعد الإيمان، لاسيما البر بالأم، لعظم حقها، وجميل معروفها، وسبْق إحسانها، ولهذا جاءت الوصية بها، والتأكيد على إحسان صحبتها، كما روى البخاري (٥٩٧١) ومسلم (٢٥٤٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: (أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ)
وروى أحمد (١٥٥٧٧) والنسائي (٣١٠٤) وابن ماجه (٢٧٨١) أن مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْتُ الْغَزْوَ وَجِئْتُكَ أَسْتَشِيرُكَ فَقَالَ هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ الْزَمْهَا فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلِهَا ثُمَّ الثَّانِيَةَ ثُمَّ الثَّالِثَةَ فِي مَقَاعِدَ شَتَّى كَمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ) قال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.
ثانيا:
من أظهر معاني البر بالوالدين: السعي في مرضاتهما، وتحقيق الأنس والسعادة لهما، وإزالة ما من شأنه التنغيص عليهما، والتكدير لخواطرهما.
وإذا كان الأمر كذلك، فما أعظم ما ذكرت، من كونك تتسبب في بكاء أمك وإدخال الحزن عليها، فأي بر هذا؟!
فاتق الله أيها الأخ الكريم، واحذر أن تكون في عداد العاقين وأنت لا تشعر.
أما علمت أن النبي ﷺ رد رجلا هاجر إليه حين علم أنه ترك والديه يبكيان؟
روى أبو داود (٢٥٢٨) والنسائي (٤١٦٣) وابن ماجه (٢٧٨٢) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ فَقَالَ ارْجِعْ عَلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
ولا يخفى شأن الهجرة في ذلك الزمن.
ثالثا:
إن والدتك الكريمة إنما تدعوك لأمر فيه مصلحة وخير لك، وهو أن تعمل كما يعمل غيرك، وأن تجدّ كما يجدون، بدلا من عيش الكسل والبطالة، وقد أثنى النبي ﷺ على من يعمل، ويأكل من عمل يده، فقال: (مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) رواه البخاري (٢٠٧٢) .
وقال: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلا فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ) رواه البخاري (١٤٧٠) ومسلم (١٠٤٢) ولفظه: (لأَنْ يَحْتَزِمَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ فَيَحْمِلَهَا عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلا يُعْطِيهِ أَوْ يَمْنَعُهُ) .
فبادر أيها الأخ الكريم بالسعي لأخذ رخصة القيادة، والعمل والاجتهاد، لتقر عين والدتك بك، ويذهب عنها حزنها وألمها، فتكون من الفائزين بإذن الله.
وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →