← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 13861–13900 · переход к 13866.

стр. 13861

هل يجبر والدته على الانتقال من البيت القديم الذي يسبب لها المرض ؟ [السُّؤَالُ] ـ[شخص والدته عندها ٩٠ عاما تسكن في منزلها القديم جدا وهو منزل مليء بالبراغيث والفئران (مما نتج عنه أن أصبح عندها نقص في نسبة الهيموجلوبين) وهو يعرض عليها أن تنتقل إلى منزل آخر استأجره لها ولكنها ترفض أن تترك منزلها بشدة فهل عليه أن ينقلها إلى هذا المنزل الجديد بأي طريقة ولا يعبأ برفضها الانتقال من منزلها؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا كان الأمر كما ذكرت من قدم المنزل، وتعرض الأم للمرض بسبب البقاء فيه، فينبغي أن يسعى الابن في إقناعها بالتحول عنه، وأن يجتهد في ذلك، فإن أبت فليس له أن يجبرها على الانتقال، ما دامت بعقلها، تدرك وتعي ما يقال لها؛ لأن لها حق البقاء والسكن في المحل الذي تريد. وعلى الابن أن يسعى في تنظيف البيت ما استطاع، وعليه أن يوفر لها ما تحتاجه من طعام وشراب وخدمة، سواء فعل ذلك بنفسه، أو استأجر لها من يخدمها، وأن يجتهد في برها وصلتها وتفقد أحوالها، لاسيما وهي في هذا العمر، كما قال سبحانه: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء/٢٣، ٢٤. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13862

بر الأطفال بوالديهم [السُّؤَالُ] ـ[ما هي أنواع العبادات التي يمكن للطفل أو الطفلة فعلها من أجل الوالدين وهما على قيد الحياة، وبعد موتهما؟ أرجو إعطاءنا أمثلة من القرآن والسنة ومن أفعال السلف الصالح.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إن جماع حقوق الوالدين على أبنائهما الإحسان إليهما في كل شيء، وصحبتهما بالمعروف، كما قال الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) الأحقاف/١٥، وقال سبحانه: (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) العنكبوت/٨، وقال تعالى: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) سورة لقمان/١٥ قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: " وبالوالدين إحساناً " أي: أحسنوا إليهما بجميع وجوه الإحسان القولي والعملي " تفسير السعدي ص٥٢٤ وإن من أهم العبادات التي يُطالب بها الصغير تجاه والديه طاعتهما، وامتثال أمرهما، والانتهاء عند نهيهما، فإذا أمره والداه بأمر بادر بفعل ما أمر به، وإذا نهياه عن شيء سارع في تركه، ما لم يكن في ذلك معصية لله ورسوله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ثم الدعاء والاستغفار لهما، خاصة عند كِبَر سنهما، وضعفهما، وحاجتهما إلى من يرفق بهما، ويقوم بأمرهما، قال الله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَاّ تَعْبُدُواْ إِلَاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء/٢٣-٢٤ وقد ذكر الله في كتابه نموذجاً من نماذج صلاح الأبناء، فقد قال سبحانه عن عبده يحي بن زكريا: (يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) مريم/١٢ – ١٥ قال ابن جرير الطبري – ﵀: " يقول تعالى ذكره: (وبرا بوالديه) مسارعاً في طاعتِهما ومحبَّتهما، غير عاقٍّ بهما. (ولم يكن جبَّاراً عصيّاً) يقول جل ثناؤه: ولم يكن مستكبراً عن طاعة ربه وطاعة والديه، ولكنه كان لله ولوالديه متواضعا متذللا، يأتمر لما أمر به، وينتهي عما نهي عنه، لا يعصي ربه، ولا والديه. " تفسير الطبري " (١٦ / ٥٨) . وقال تعالى عن عبده عيسى بن مريم: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) مريم/٣٠ – ٣٢. قال ابن كثير – ﵀: " وقوله (وبرّاً بوالدتي) أي: وأمرني ببر والدتي، ذكره بعد طاعة ربه لأن الله تعالى كثيراً ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين كما قال تعالى (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) ، وقال (أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) ، وقوله: (ولم يجعلني جباراً شقيا) ، أي: ولم يجعلني جبَّاراً مستكبراً عن عبادته وطاعته وبر والدتي فأشقى بذلك. " تفسير ابن كثير " (٣ / ١٢١) . وأما بعد الموت: فيمكن أن يعمل الصغير أشياء كثيرة، ومنها: ١. إن كان عنده مال وعلى والديه ديْن أن يُبرئ ذمتهما بأداء الدَّيْن. ٢. إن كان عنده مال ولم يؤد والداه الحج أن يحج عنهما، أو يدفع المال لمن يحج عنهما. ٣. أن يستغفر لوالديه ويدعو لهما بالرحمة والمغفرة، قال تعالى: (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء/٢٤ قال الشيخ ابن سعدي ﵀: " أي: ادعُ لهما بالرحمة، أحياءً وأمواتاً. تفسير السعدي ص٥٢٤ عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " إنَّ الرجل لتُرفع درجتُه في الجنَّة فيقول: أنَّى هذا فيقال: باستغفار ولدك لك ". رواه ابن ماجه (٣٦٦٠) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (١٦١٧) هذا إذا كان الصغير مميِّزاً، وتيسر له قبض المال أما إن كان صغيراً لا يعقل فإن مثل هذا الكلام لا ينطبق عليه. ومن الأمثلة السلفية العظيمة على بر الوالدين فعل عبد الله بن عمر ﵄. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلا مِنْ الأَعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ، وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ: فَقُلْنَا لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، إِنَّهُمْ الأَعْرَابُ؛ وَإِنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: (إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ) رواه مسلم (٢٥٥٢) وفي رواية عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ أَلَسْتَ ابْنَ فُلانِ بْنِ فُلانٍ قَالَ بَلَى فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ وَقَالَ ارْكَبْ هَذَا وَالْعِمَامَةَ قَالَ اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ أَعْطَيْتَ هَذَا الأَعْرَابِيَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ) وأما أبو هريرة فكان يستخلفه مروان، وكان يكون بـ " ذي الحليفة " (عشرة كيلو تقريباً من المدينة) فكانت أمه في بيت، وهو في آخر. قال: فإذا أراد أن يخرج وقف على بابها، فقال: السلام عليك يا أمّتاه ورحمة الله وبركاته. فتقول: وعليك يا بُني ورحمة الله وبركاته. فيقول: رحِمك الله ما ربَّيتني صغيراً. فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيراً، ثم إذا أراد أن يدخل صنع مثله " والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13863

والدها يقسو عليهم وعلى أمهم فعزموا على مقاطعته [السُّؤَالُ] ـ[قسوة الأب، تزوج أبي أمي وهى بسيطة لا تعرف سوى الاحترام والطاعة لم تخرج من البيت ولا تعرف مدرسة ولا كلية وهو يعشق النساء ويجري وراءهن ولم يهتم يوما بمشاعر أمي ودائما يقول عليها عبيطة المهم أني نشأت أنا وأختي وأخي ولم يربنا أحد سوى الأم البسيطة، ووالدي الآن دائم الخناق معنا ويشتمنا بألفاظ وقحة مخجلة جدا، المهم أنا أسأل عن رضا الله فنحن أخذنا موقفا منه ولا نكلمه ولا نخدمه فهل يغضب الله عنا؟ كما أنه لا يصلي ودائما أحثه على الصلاة لكن دون جدوى.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: كون والدك يترك الصلاة، ويعشق النساء ويجري وراءهن، هذه منكرات ظاهرة، وأعظمها ترك الصلاة؛ لأن تركها كفر يخرج عن الإسلام في أصح قولي العلماء، لأدلة كثيرة، منها قوله ﷺ : (بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ) رواه مسلم (٨٢) . ولهذا فالواجب نصح الأب وعدم اليأس من توبته وهدايته، وينبغي أن تبحثوا عن وسائل متنوعة لنصحه، كإعطائه شريطا عن حكم تارك الصلاة، والاستعانة بمن يستطيع نصحه من الأهل والأقارب، ونحو ذلك. وكونه أساء إليكم ولا يزال فإن هذا يوجب الرحمة في قلوبكم عليه، فإنه لو مات ولقي ربه بهذه الأعمال فإنه سيلقاه بذنوب وآثام عظيمة. لذلك فعليك أنت وإخوتك وأهلكِ أن تعيدوا النظر في علاقتكم مع والدكم وموقفكم منه، فالله أمرنا بالإحسان إلى الوالدين وبرهما حتى مع كفرهما ودعوتهما للكفر: قال تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) لقمان/١٥. وهذا إبراهيم ﵇ يحاور أباه المشرك بأدب كما ذكر الله تعالى ذلك عنه في قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا. إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا. يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا. يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا. يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا. قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا. قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) مريم/٤١–٤٧. فانظروا لأدب هذا النبي ﷺ ، وكيف يخاطب والده المشرك الذي يهدده ويتوعده، وفي هذا موعظة بالغة ودرس مفيد لمن ابتلي بمثل هؤلاء الآباء؟! ثانيا: ويتأكد ما ذكرناه إذا علمتِ أن حق الأب في البر والإحسان إليه لا يسقط بتقصيره وإساءته، بل كل يؤدي الحق الذي عليه، فإذا قصر هو، فلا تقصروا أنتم، ثم إن الإعراض عنه وتجاهله وترك خدمته يزيده سوءا على سوئه، وأنتم ولا شك لا تريدون هذا. وكثير ممن ابتلي بالمعاصي ثم تاب يتحدث عن أثر هجر الناس له وأن ذلك يزيد من البلاء، ويحمل الإنسان على ارتكاب حماقات ما كان ليرتكبها لو شعر أن له أولادا يحبونه ويحترمونه حتى مع قسوته وإساءته. إن النفس البشرية مهما طغت وأساءت إلا أنها لا تنسى الإحسان وإن تجاهلته في الظاهر، ولهذا فقد يكون العلاج النافع مع أبيكم هو زيادة القرب منه مهما بعد، والرحمة به مهما قسا، مع الدعاء له بالهداية والاستقامة. وكوني على ثقة من أن إحسانكم لن يضيع عند الله، وستجنون منه ثمارا نافعة في الدنيا والآخرة بإذن الله. نسأل الله أن يهدي والدك وأن يصلح حاله، وحالكم أجمعين. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13864

مطلقة ولا تريد السكن مع أمها بل في شقتها [السُّؤَالُ] ـ[مطلقة بطفلة، تستأجر شقة، وتعمل جادة لتوفير الجو الملائم لطفلتها ولا تبخل على والديها وإخوتها بأي شيء، حتى مات أبوها وهو راض عنها، المشكلة هو أن الأم تجبرها على السكن معهم في مسكن ضيق، وأنا لا أحتمل ذلك خاصة أن الأم عصبية الله يغفر لنا ولها لا تحترم الكبير رغم أنها تؤدي جميع الفرائض، هل إذا رفضت المطلقة السكن معهم تعتبر آثمة؟ لأنها لا تحتمل المشاكل.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يخفى ما للأم من عظيم الحق، وواجب الإحسان والبر، لكن إذا كان الأمر كما ذكرت من تضرر المسئول عنها بسكنها مع أمها، وترغب في السكن في شقتها، فلا حرج عليها في ذلك، إذا كان السكن مأمونا، ولا يلحقها بانفرادها فيه مفسدة، على أن تقوم بحق الأم في برها والإحسان إليها والقيام بخدمتها إن احتاجت إلى خدمة أو مساعدة بالمال. وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء عمن يرغب في الاستقلال بالسكن عن والديه؛ لأنه لا يجد الراحة في السكن مع الأسرة؟ فأجابت: " إذا كان الواقع كما ذكر من عدم استقرارك وراحتك في السكنى مع الأسرة في بيت والدك، فلا إثم عليك في انفرادك عن الأسرة ببيت مستقل؛ تحقيقا للراحة والاستقرار، مع القيام بحقوق الوالدين وصلة الرحم وعدم القطيعة " انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٥/١٦٩) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13865

يتسبب في بكاء أمه فهل يكون عاقا ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أمي تبكي مني أحيانا وتتضايق مني فقط لأنني لا أملك رخصة قيادة السيارة ولا أعمل ومتهاون في ذلك بعكس الآخرين يملكون هذه الأشياء، فهل أنا عاق لوالدتي بهذا؟ علما أنني أحبها وتحبني وأبرها وأدعو لها.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: بر الوالدين من أعظم القربات، وآكد الفرائض، وأحب الأعمال إلى الله بعد الإيمان، لاسيما البر بالأم، لعظم حقها، وجميل معروفها، وسبْق إحسانها، ولهذا جاءت الوصية بها، والتأكيد على إحسان صحبتها، كما روى البخاري (٥٩٧١) ومسلم (٢٥٤٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: (أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ) وروى أحمد (١٥٥٧٧) والنسائي (٣١٠٤) وابن ماجه (٢٧٨١) أن مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْتُ الْغَزْوَ وَجِئْتُكَ أَسْتَشِيرُكَ فَقَالَ هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ الْزَمْهَا فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلِهَا ثُمَّ الثَّانِيَةَ ثُمَّ الثَّالِثَةَ فِي مَقَاعِدَ شَتَّى كَمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ) قال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن. ثانيا: من أظهر معاني البر بالوالدين: السعي في مرضاتهما، وتحقيق الأنس والسعادة لهما، وإزالة ما من شأنه التنغيص عليهما، والتكدير لخواطرهما. وإذا كان الأمر كذلك، فما أعظم ما ذكرت، من كونك تتسبب في بكاء أمك وإدخال الحزن عليها، فأي بر هذا؟! فاتق الله أيها الأخ الكريم، واحذر أن تكون في عداد العاقين وأنت لا تشعر. أما علمت أن النبي ﷺ رد رجلا هاجر إليه حين علم أنه ترك والديه يبكيان؟ روى أبو داود (٢٥٢٨) والنسائي (٤١٦٣) وابن ماجه (٢٧٨٢) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ فَقَالَ ارْجِعْ عَلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. ولا يخفى شأن الهجرة في ذلك الزمن. ثالثا: إن والدتك الكريمة إنما تدعوك لأمر فيه مصلحة وخير لك، وهو أن تعمل كما يعمل غيرك، وأن تجدّ كما يجدون، بدلا من عيش الكسل والبطالة، وقد أثنى النبي ﷺ على من يعمل، ويأكل من عمل يده، فقال: (مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) رواه البخاري (٢٠٧٢) . وقال: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلا فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ) رواه البخاري (١٤٧٠) ومسلم (١٠٤٢) ولفظه: (لأَنْ يَحْتَزِمَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ فَيَحْمِلَهَا عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلا يُعْطِيهِ أَوْ يَمْنَعُهُ) . فبادر أيها الأخ الكريم بالسعي لأخذ رخصة القيادة، والعمل والاجتهاد، لتقر عين والدتك بك، ويذهب عنها حزنها وألمها، فتكون من الفائزين بإذن الله. وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13866

حلف بالطلاق أن يحلق الابن لحيته !! [السُّؤَالُ] ـ[حلف على ابنه أن يحلق لحيته وإلا طلق أمه فما الحكم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: يحرم على الرجل حلق لحيته؛ للأحاديث الصريحة الآمرة بإعفائها، ومنها قوله ﷺ : (أحفوا الشوارب، وأعفوا اللحى) رواه البخاري (٥٥٥٤) ومسلم (٢٥٩) . وقوله ﷺ : (خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب) رواه البخاري (٥٥٥٣) . وقوله ﷺ : (جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس) رواه مسلم (٢٦٠) . قال العلامة ابن مفلح ﵀: " وذكر ابن حزم الإجماع أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض " انتهى من الفروع (١/١٣٠) . وسئلت اللجنة الدائمة للإفتاء: أنا شاب مسلم وأريد أن أطلق لحيتي ولكن والدي يعارض ذلك بشدة، فهل يجب علي إطلاق اللحية أو طاعة الوالدين؟ فأجابت: " حلق اللحية حرام، لا يجوز فعله لطاعة والد أو رئيس؛ لأن الطاعة في المعروف، وقد قال ﵊: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) " انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (٥/١٤٦) . وعليه؛ فلا يجوز للأب أن يأمر ابنه بحلقها، ولا يجوز للابن أن يطيعه في ذلك. وعلى الابن أن يبر أباه ويطيعه في غير ذلك، وأن يبين له أن طاعة الله ورسوله مقدمة على طاعة كل من سواهما. ثانيا: إذا كان الأب قد حلف بالطلاق على ابنه أن يحلق لحيته، فإنه يُنظر في نيته فإن أراد التهديد والتخويف وحث الابن على الامتثال، فهذا له حكم اليمين، في أحد قولي العلماء، وهو الذي يفتي به جمع من فقهاء العصر. فيستمر الابن في إعفاء لحيته، ويكفّر الأب كفارة يمين، وهي عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. وإن كانت نيته إيقاع الطلاق فيما لو لم يحلق الابن لحيته، فإن استمر الابن في الإعفاء وقعت طلقة واحدة. والخطأ هنا ليس خطأ الابن، بل هو خطأ الأب الذي أقحم الطلاق في هذه المسألة، وعاقبة الطلاق راجعة عليه وعلى جميع أسرته، فليتق الله تعالى، وليقف عند حدوده، ولا يجمع بين أمره بالمعصية وبين الإضرار بنفسه وأهله. وهل للابن أن يحلق لحيته مرةً تفاديا لوقوع الطلاق على أمه أم لا؟ الذي يظهر والله أعلم أنه إن تبين له أن أباه قصد وقوع الطلاق، لا التهديد والتخويف، وكانت هذه هي الطلقة الثالثة، مما يترتب على وقوعها بينونة الأم، فإنه يحلق لحيته لدفع هذه المفسدة الكبرى، فإن حلق لحيته انحلت يمين الطلاق، ثم يعود لإعفاء لحيته. وينبغي أن يعلم الأب حينئذ أنه لا مجال لطاعته في هذا الأمر، وأنه لو حلف بالطلاق مرة أخرى فلن يضر إلا نفسه. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13867

والده لا يوافق على زواجه من فتاة تكبره بعامين [السُّؤَالُ] ـ[تعرفت على شاب ذي دين وخلق في دورة تدريبية منذ أربع سنوات ولكن والده يرفض زواجنا لأنني أكبره بعامين؟ أريد أن أعرف ما رأى الدين في ذلك وماذا نستطيع أن نفعل؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: لا حرج في زواج الرجل ممن تكبره بعامين أو أكثر، إذا كانت صاحبة دين وخلق، وقد تزوج النبي ﷺ من خديجة بنت خويلد ﵂، وهي أكبر منه سنا. وللأب رأي معتبر في اختيار زوجة ابنه، لحقه في البر والإكرام، ولعامل الخبرة والتجربة التي قد لا تتوفر للابن، لكن موافقة الأب ليست شرطا لصحة النكاح، بخلاف المرأة فإن نكاحها يتوقف على موافقة وليها. ثانيا: ينبغي للابن أن يسعى لإقناع أبيه، وأن يبين له رغبته في الزواج منك، فإن استجاب الأب فالحمد لله، وإن أصر على موقفه، فإن الابن سيكون بين أمرين صعبين: ١- بين أن يتنازل عن رغبته، ويحقق مراد والده، وهذا أسلم له في أغلب الأحوال؛ إلا إن كانت طبيعة الأب توحي بأنه لن يرضى لابنه إلا ما يختاره هو بنفسه، مما لا يوافق رغبة الابن، كأن يختار له من داخل العائلة أو القبيلة من لا تصلح له، أو يظهر أن اعتراضه يرجع إلى تدين الفتاة واستقامتها، ففي هذه الحال، سيكون الابن مضطرا لمخالفته، لأنه إن لم يخالفه اليوم، سيخالفه غدا. ٢- وبين أن يمضي في رغبته، مخالفا لأبيه - على فرض أنه يستطيع إكمال النكاح بنفسه - وهذا لا ينبغي؛ لما فيه من مخالفة الأب، وإغضابه، ولما فيه من احتمال القطيعة، وحصول النفرة، وفي ذلك مضرة على الابن وأولاده، وعليك أيضا، والمرأة العاقلة لا ينبغي لها أن ترضى بمثل هذا الزواج، إلا في نحو ما ذكرنا، من كون الأب يسلك منهجا في الاختيار سيتعارض غالبا مع رغبة الابن، وأنه لا مفر له من معارضته، فإن بعض الآباء لهم ذوق خاص، أو نظرة خاصة، لا تناسب أبناءهم، ونحن ننصح الآباء أن يدعوا حرية الاختيار لأولادهم، فإن الزواج حياة ممتدة، ومن حق الإنسان أن يختار من سيشاركه هذه الحياة، وأن يكون دور الأب هو النصح والإرشاد، دون الإلزام، ما دام الابن سيختار من تناسبه. وعلى الابن أن يجتهد في إقناع أبيه، ونسأل الله تعالى أن يوفقكما لكل خير. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13868

مشكلاته مع أهله سببت له اكتئابا [السُّؤَالُ] ـ[منذ نعومة أظفاري نشأت في حياة بائسة، فقد كان والدي متزوجاً باثنتين زوجته الأولى، وأمي، وقد كان أخي الأكبر مسيطراً سيطرة كاملة على المنزل، وكان جبَّاراً لا أحد يستطيع الكلام في وجوده أو حتى الهمس، ولا أعلم ما هو السر حتى الآن، أما أبي فقد ترك كل شيء له، حتى أمي وزوجة أبي لا يقدرون عليه ولا يستطيعون مناقشته، وعندما أصبحت في الصف الرابع أو الخامس طُلقت والدتي وعشتُ أصنافاً من العذاب والويل - والله -، قمع على أتفه الأسباب، واستعباد، وقلوب قاسية من هذا الأخ ومن زوجة أبي، وضرب حتى يخرج الدم، وأبي لا حياة لمن تنادي، ثم كبرت وتوظفت وكبر إخواني الآخرون، وما زال حتى الآن يراهم ملائكة ويراني لا شيء - تافه وحقير - وهم بدورهم متكبرون وقاطعوني، وقد واصلتهم، ولكني رأيت تعاملهم معي فقاطعتهم، حاولت التقرب منه ولكنه مصمم على عدم العدل في كل تصرفاته، والآن أعاني من هذا الظلم، وأعاني من الاكتئاب ومن ثقتي بنفسي، فما هو الحل؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا شك أن ما تعاني منه هو مؤلم، والظلم إذا حصل من القريب كان أشدَّ على النفس من ظلم البعيد، لكنَّ المسلم الذي يحمل اعتقاد أهل السنَّة والجماعة يعلم أن " ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه "، وهو يأخذ بأسباب السعادة، ويفعل ما أمره الله تعالى به دون تقصير، وإذا لم يقدِّر الله تعالى له الخير فيكون ما أصابه ابتلاء ليكفِّر الله تعالى به السيئات ويرفع الدرجات. ثانياً: والظلم الذي وقع عليك من والدك، وزوجته، وأخيك، هو مما يحز في النفس وجوده، وهو أمرٌ يدل على استيلاء الشيطان على عقول وقلوب أتباعه الذين يستجيبون لأمر الشر والسوء، ويصدون أنفسهم عن مواطن الخير والفضل. وما كنتَ تفعله من مواصلتهم مع قطعهم لك هو الذي ينبغي لك المداومة عليه، وقد أخطأتَ في ترك مواصلتهم، والمسلم يحتسب ما يقع عليه من ظلم، ويرجو ثواب صبره عند ربه ﵎، وإذا كان هذا الظلم من والدَين أو رحم فإنه لا يقطعهم إلا أن يؤثر قربه منهم على دينه، ولتعلم أن الله تعالى ينصرك ويؤيدك إن كنتَ واصلاً لهم وهم يقطعونك. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ. رواه مسلم (٢٥٥٨) . وقد جعل الله تعالى ذلك أدبا عاما للمسلم مع الناس: أن يحلم على الجاهل، ويحسن إلى المسيء؛ قال الله تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) سورة فصلت قال الشيخ ابن سعدي ﵀ في تفسيره (٥٥٨) : " أي: لا يستوي فعل الحسنات والطاعات، لأجل رضا الله تعالى، وفعل السيئات والمعاصي، التي تسخطه ولا ترضيه. ولا يستوي الإحسان إلى الخلق، ولا الإساءة إليهم، لا في ذاتها، ولا في وصفها، ولا في جزائها: " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان "؟!! ثم أمر بإحسان خاص، له موقع كبير، وهو: الإحسان إلى من أساء إليك فقال: " ادفع بالتي هي أحسن ": أي: فإذا أساء إليك مسيء من الخلق، خصوصا من له حق كبير عليك، كالأقارب، والأصحاب، ونحوهم، إساءة بالقول أو بالفعل، فقابله بالإحسان إليه؛ فإن قطعك فصله، وإن ظلمك فاعف عنه، وإن تكلم فيك، غائبا أو حاضرا، فلا تقابله، بل اعف عنه، وعامله بالقول اللين. وإن هجرك، وترك خطابك، فطيب له الكلام، وابذل له السلام. فإذا قابلت الإساءة بالإحسان، حصل فائدة عظيمة: " فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم " أي: كأنه قريب شفيق!! " وما يلقاها " أي: وما يوفق لهذه الخصلة الحميدة " إلا الذين صبروا " نفوسهم على ما تكره، وأجبروها على ما يحبه الله. فإن النفوس مجبولة على مقابلة المسيء بإساءته وعدم العفو عنه، فكيف بالإحسان؟ فإذا صبر الإنسان نفسه، وامتثل أمر ربه، وعرف جزيل الثواب وعلم أن مقابلته للمسيء بجنس عمله، لا تفيده شيئا، ولا تزيد العداوة إلا شدة، وأن إحسانه إليه ليس بواضع قدره، بل مَنْ تواضع لله رفعه، هان عليه الأمر، وفعل ذلك متلذذا مستحليا له. " وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم " لكونها من خصال خواص الخلق، التي ينال بها العبد، الرفعة في الدنيا والآخرة، التي هي من أكبر خصال مكارم الأخلاق." انتهى. قال ابن حبان البستي – ﵀: الواجب على العاقل توطين النفس على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لجازاة الإساءة؛ إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسنُ من الإحسان، ولا سبب لنماء الإساءة وتهييجها أشدُّ من الاستعمال بمثلها. ولقد أنشدني منصور بن محمد الكريزي: سألزمُ نفسي الصفح عن كل مذنب وإن كثرت منه إليَّ الجرائم فما الناس إلا واحد من ثلاثةٍ شريف ومشروف ومثلٌ مقاوم فأما الذي فوقي فأعرف فضله وأتبع فيه الحقَّ، والحقُّ لازم وأما الذي دوني فإن قال صنْتُ عن إجابته عِرضي وإن لام لائم وأما الذي مثلي فإن زلَّ أو هفا تفضَّلتُ إن الحلم للفضل حاكم " روضة العقلاء ونزهة الفضلاء " (ص ١٦٦) . ولا يعني أنك إذا واصلتَهم أنك لا تُنكر عليهم أفعالهم ولا تبيِّن لهم أخطاءهم، بل يجب عليك أن تفعل ذلك، وهذا من النصيحة التي أوجبها الله تعالى عليك، حتى يقفوا على أخطائهم، ويصلحوا ما أفسدوه، فإن رأيت تغيرهم للأفضل فهو خير عظيم قدَّمتَه لهم، وإن لم يستجيبوا لنصحك فعليك بتكرار المحاولة مع الاستعانة بالدعاء أن يصلح الله تعالى بالهم وشأنهم، ولا تقطع الصلة بهم بالكلية؛ بل أبق عليها ولو على أدنى مراتبها. ثالثاً: وأما ما أصابك من اكتئاب وفقدان ثقة بنفسك فمردُّه إلى ما عانيته من هموم وغموم، لكن لا ينبغي لك الاستسلام لهذا، ويجب أن تعلم أن اكتئابك هذا سيسبب لك أمراضا نفسية وعضوية إن استمررت مستسلماً له، وعليك أن تبدأ بعلاج نفسك لتواجه الحقيقة وهي أن الناس تختلف طبائعها، وأنك تجد الخير والشر عندهم، وأن غيرك يعاني أضعاف ما تعاني منه، فليس أمامك إلا أن تسلك الطرق الشرعية في انشراح الصدر لتنعم بحياة آمنة مطمئنة لا كدر فيها ولا هم ولا غم. ويمكن أن نلخص لك ما نريد منك أن تفعله في أمور: ١. الرضا بقدر الله تعالى، والسعي في إصلاح والدك وزوجته وأخيك بالتي هي أحسن. ٢. المحافظة على ذِكر الله تعالى، ومنها الأدعية الواردة في علاج مثل هذه الأمور. أ. قال الله تعالى: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد/٢٨. ب. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ " اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي ": إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا، قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا) . رواه أحمد (٣٧٠٤) وصححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١٩٩) . قال ابن القيم – ﵀: ومن أسباب شرح الصدر: دوام ذِكْره على كل حال، وفي كل موطن؛ فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر، ونعيم القلب، وللغفلة تأثير عجيب في ضيقه، وحبسه، وعذابه. " زاد المعاد " (٢ / ٢٢) ٣. إشغال الوقت بطلب العلم والدعوة إلى الله تعالى وقراءة سير الصالحين. ٤. ترك النظر المحرَّم وفضول المخالطة والأكل والنوم. قال ابن القيم – ﵀: ومنها – أي: أسباب انشراح الصدر -: ترك فضول النظر والكلام والاستماع والمخالطة والأكل والنوم؛ فإن هذه الفضول تستحيل آلاماً وغموماً وهموماً في القلب، تحصره، وتحبسه، وتضيِّقه، ويتعذب بها، بل غالب عذاب الدنيا والآخرة منها. " زاد المعاد " (٢ / ٢٢) وستجد – إن شاء الله - أن ما بك من هموم وغموم وتكدر معيشة سيزول، وسيكون مكانه انشراح صدر وراحة بال. ونسأل الله تعالى أن يرفع عنك الهموم والغموم، وأن يصلح أهلك ويهديهم لأحسن الأقوال والأفعال والأخلاق، ونسأله تعالى أن يُعظم لك الأجر، وأن يعينك على ذِكره وشكره وحُسن عبادته. وللمزيد: انظر أجوبة الأسئلة (٢١٦٧٧) و (٤٥٨٤٧) و (٤٦٣١) . وانظر أيضا: في قسم الكتب في موقعنا: علاج الهموم. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13869

والدتها تسيئ معاملتها [السُّؤَالُ] ـ[يوجد تفرقة في المعاملة بين الأخوات من قبل الأهل، التحكم والسيطرة من قبل الوالدين في التصرفات والملبس والمأكل، ولا تقل لي إنهم ينصحونني بالزى الإسلامي، بل على العكس (وضع ماكياج لإعجاب العرسان) هم يريدونني أن لا أصرف من مرتبي، أو عدم الذهاب كثيرا للملاجئ والمسنين، وأمي تريدنا أن نذهب لأهلها فقط، وأبي لا يبالي، فَهَمُّه جمع المال والأكل؛ فهو شخصية ضعيفة مع أمي المتسلطة، وأختي الوحيدة تابعة لأمي في كل شيء، وفي المقابل أمي تعاملها أحسن وباهتمام وتكبرها علي، لقد احتسبت الله بيني وبينهم، أريد فقط أن أعرف ما معنى المعاملة بالإحسان، وكيف أضبط انفعالي معها وهى تكذب؟ وهل قولي لها أنت كاذبة حرام؟ وماذا أفعل عندما يضيق صدري وتبتل وسادتي مما تفعله وتقوله عني أمام الناس؟ والله المستعان.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كثيرة هي المشاكل التي تعرض في حياة الأسرة المسلمة، كما أنها متنوعة بتنوع نواحي الحياة المختلفة إلى اجتماعية أو اقتصادية أو نفسية، ولكن من أخطر أنواع المشاكل تلك التي يعاني فيها الأبناء من تصرفات آبائهم، ذلك أن الواجب أن يقوم الوالدان باحتواء أبنائهم وشملهم بعطفهم ورعايتهم، وتفهم حاجاتهم، ومراعاة نفسياتهم، في حين أن الحال ينعكس في هذا النوع من المشاكل، حيث تتغير وجهة الخطاب لتصبح موجهة إلى الأبناء، كي تتسع صدورهم ونفوسهم لما يعانونه من والديهم. وفي ذلك دعوة للجيل القادم كي يستفيد من التجربة، فيقوم بدور الأبوة الذي سيسخره الله له، ولن يعذره أحد بالجهل أو قلة المعرفة، كما يمكن أن يعذر به الجيل السابق، فإن تعلم وسائل التربية الإسلامية الصحيحة أمر ميسور اليوم، ولا يعجز عنه إلا عاجز. وسوف نعترف لك ـ مقدما ـ بأن حديثنا هنا ربما يبدو وكأنه يهون من مشكلة، هي كبيرة في حقيقة الأمر، ونقول لك أختنا الكريمة: لا عيب في ذلك، فإذا قدر أن ذلك التهوين يخفف عنا بعضا من أعباء تلك المشاكل، وإحساسنا بوطأتها، فأهلا به، وهو جزء من العلاج: فَقُلتُ لَها يا عَزَّ كُلُّ مُصيبَةٍ إِذا وُطِّنَت يَومًا لَها النَفسُ ذلَّتِ وإذا كان لهذه المشكلة طرفان: أحدهما أنت، والآخر: أسرتك؛ أمك، وأبوك ـ أيضا ـ، ثم أختك؛ فإن حديثنا سوف ينصب في معظمه ـ أيضا ـ عليك، وأنت الشاكية، وأنت المظلومة، كما يبدو لنا من رسالتك؟!! وإذا بدا ذلك نوعا من الاستسهال في التعامل مع المشكلة، فليكن ـ أختنا الكريمة ـ؛ فلا أنت، ولا نحن نريد تعقيد المشكلة، ولا إلهاب العداوة، إنما نريد الحل، بغض النظر عن طرف الخيط الذي نمسك به؛ فالمهم أن نحل المشكلة، إن استطعنا، أو ـ على أقل تقدير ـ ألا نزيدها تعقيدا!! لو كان أبوك يسمع لنا لقلنا له: الواجب الأول عليك، والدور الكبير لك، فأنت القيم، وأنت الراعي ومسئول عن رعيتك؛ لكنه لم يسألنا، ولا نظنه يسمع لنا صوتا!! لو كانت أمك تسمع نداءنا لقلنا لها: اللهَ الله في أبنائكِ، فحقهم واحد، والعدل بينهم واجب: ( ... فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ) متفق عليه، واللفظ للبخاري لو كانت أمك تسمع لنا لقلنا لها: (إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا) رواه مسلم (١٨٣٧) . لقد كان من الممكن أن نقول الكثير، لو كان طرف المشكلة الآخر يسمع لنا!! لكننا الآن مضطرون إلى أن نوجه حديثنا إلى طرف واحد، هو أنت، وأن نحمل عبء الحل على جانب واحد، هو أنت، فأنت الخيط الذي نملك أن نجذبه، إذا كنا نريد أن نحل العقدة التي تؤرقك!! وإذا كان واضحا أنك أمام أزمة في التفاهم مع والدتك، وهذه حقيقة يجب أن تبدئي العلاج منها، فلا تحاولي الفرار ورفض الاعتراف وتقبل هذه المشكلة، ويتمثل ذلك بالانفعالات الغضبية التي تصيبك أثناء تعاطيك مع الوالدة، ونحن لا نظن أنها تصدر إلا ممن يحاول الهروب من واقعه، ولم يتفهم ما يواجهه. والبداية الصحيحة في العلاج تبدأ من الحقيقة التي يقررها القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) الشورى/٣٠، فتغيير كل واقع إنما ينطلق من أصحاب الشأن، وليس من غيرهم، وينطلق فقط حين يتفهمون أن التغيير يبدأ من أنفسهم، وليس من غيرهم. فلا بد – أختي الفاضلة – أن تتلمسي مواضع الخلل ومكامن النقص في تعاملك مع أسرتك، وتعملي على علاجها أو لنقل – تغييرها -، ولا نقول هذا تجاوزا، إذ ليس بالضرورة أن يكون هذا الخلل سوء خلق منك – لا قدر الله -، لكنه قد يكون خطأ في طريقة التعاطي مع المشكلة والتعامل مع الواقع، وأستطيع مما ذكرت في السؤال التنبيه على شيء من ذلك: - دائرة المندوبات والمستحبات لا ينبغي أن تجعل مثار شقاق ونزاع، فإن أمر إصلاح ذات البين وتأليف القلوب أعظم من مصلحة فعل تلك المستحبات، فإن كنت تسببت في بعض النزاع لإصارك على القيام بأمور غاية أمرها الندب، فأرجو أن تراجعي مواقفك تلك. - متابعة الوالدة مصروفات ابنتها ومحاولة ضبطها أمر محمود، والجانب السلبي فيه فقط هو المبالغة في ذلك، وأظن أن هذا الفهم لسياق المشكلة أكثر موضوعية من وضعها في سياق التجبر والتسلط! - الانفعال السريع والغضب أساس كل مشكلة، ولن يقود إلى علاج أبدا، من أراد تحصيل ما يتمنى فلا بد أن يكتم في قلبه بعض سهام الظلم أو الأذى. عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مَا مِنْ جُرعَةٍ أَعظَمُ أَجرًا عِندَ اللَّهِ مِن جُرعَةِ غَيظٍ كَظَمَهَا عَبدٌ ابتِغَاءَ وَجهِ اللَّهِ) رواه ابن ماجه (٤١٨٩) وحسنه العراقي في " تخريج الإحياء " (٤ / ١٦٣) . ويمكنك الاستفادة من الأجوبة التالية في علاج سرعة الغضب (٦٥٨) و (٤٥٦٤٧) . وأظنك تملكين – والحمد لله – بعض المفاتيح التي يمكن أن تخفف عنك ما أهمك، فقد أنعم الله عليك بالوظيفة، والمال يأسر القلوب. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (تَهَادُوا تَحَابُّوا) . رواه البخاري في " الأدب المفرد " (٢٠٨) وحسَّنه العراقي في " تخريج الإحياء " (٢ / ٥٣) وابن حجر في " بلوغ المرام " (٢٧٧) والألباني في " صحيح الأدب المفرد ". وبالهدية يمكن أن تتملكي قلب والدك ووالدتك وأختك، وراوحي بين أنواع الهدايا: عينية أو نقدية أو بعض أثاث المنزل أو رحلة سياحية إلى مكان جميل، وسيكون لذلك أثر عظيم في نفوسهم إن شاء الله. وأختك مفتاح حل آخر، إذ يمكنك التفاهم معها والتقرب والتحبب إليها، لتكون عونا لك على ما تواجهين، وخسارتك لها يعني فشلك أنت في ذلك، فلا تحاولي أن تضعي اللوم عليها هي أيضا – وإن كان ذلك هو الواقع – ولكن حين يتهم المرء طريقته فإنه سيسعى حتما لتغييرها إلى الملائم والمناسب، وهنا يكون العلاج. واعلمي – أختي الفاضلة – أن قلب الوالدة يظل ينبض بالشفقة والرأفة على ولده، مهما أظهر من قسوة وشدة، فحاولي أن تستخرجي كل رحمة في قلب والدتك، بالتحبب والتذلل والمسامحة والمصابرة، ولا أظنك إذا ارتميت في حجر والدتك وقبلت يدها واختلطت دموعك بكلماتك في حبها وشكوى تعب الحياة وألمها إليها: فلا أظنك ترجعين خائبة، بل أرجو أن تعود والدتك خيراً مما كنت تظنين. يقول الله : (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فصلت/٣٤. وقد جاء في وصف النبي ﷺ أنه: (وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِن يَعفُو وَيَغفِر) رواه البخاري (٢١٢٥) . وأولى من يعامل بالحسنى ويقابل بالمسامحة هما الوالدان، لما فرض الله لهما من حق عظيم، حتى قال : (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) الإسراء/٢٤. والخُلُق الحسن يقتضي تحمل الظلم والأذى من الأحبة، فكيف بالوالدين؟!! عن ابن عباس ﵄ قال: " المؤمن ملجم بلجام، فلا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يجد طعم الذل ". وخطب علي بن أبي طالب في أصحابه فقال: (كونوا في الناس كالنحلة في الطير، فإنه ليس شيء من الطير إلا يستضعفها، ولو يعلم ما في أجوافها لم يفعل، خالقوا الناس بأخلاقكم وألسنتكم، وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم، فإن لامرئ ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع من أحب) . وعن محمد بن الحنفية قال: (ليس بحليم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بُدّاً حتى يجعل الله له فرجا - أو قال: مخرجاً -) روى هذه الآثار ابن أبي الدنيا في كتابه " مداراة الناس " (٣٧، ٢٧، ٤١) . كن كالنخيل عن الأضغان مرتفعا يرمى بطوب، فيلقي أطيب الثمرِ والمهم – أختي الفاضلة – أن تسعي في تغيير الأساليب التي اعتدت عليها في مخاطبة ومحاورة والدتك، وأن تتفكري في كل فكرة ممكنة تكون منفذا لقلبها، ولا تعجزي أبداً، ولا تقولي حاولت وأسقط في يدي، واستعيني بالله أولاً وآخراً. وأخيراً: لن يكون سوء معاملة والدتك لك نهاية المطاف أبدا، فالدنيا مليئة بالفرص الطيبة، ومليئة بالخيِّرين من أقارب وجيران وأصحاب، يعيش المرء معهم أيامه، ويطوي بقربهم عمره، يحسن إلى الناس كافة، ويخالقهم بخلق حسن، وهذه أعظم رسالة يحملها المسلم في حياته. عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إِنَّ مِن أَحَبِّكُم إِلَيَّ وَأَقرَبِكُم مِنِّي مَجلِسًا يَومَ القِيَامَةِ أَحَاسِنُكُم أَخلَاقًا) رواه الترمذي (٢٠١٨) وقال: حسن غريب، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". سئلت اللجنة الدائمة: السائل يعيش مع والديه في منزل واحد، لكنه دائم الخصومة مع أمه والقطيعة لوالده، وسبب ذلك أن أمه تفضل أخاه الصغير، فتصفه بأقبح الأوصاف، وتشتمه بأقذع الشتائم ولأتفه الأسباب، فصارت عنده عقد نفسية، وتتسامح مع أخيه، ولو أساء أشد إساءة، فصار مدللا خاليا من العقد النفسية، وكذلك والده يسيء إليه كثيرا، لا يرد ﵇ إلا نادرا، ويضربه أحيانا أمام الناس لأدنى سبب، ولا يضرب أخاه الصغير ولو اشتدت إساءته، فهل يطالب من أساء إليه والداه بما يطالب به سائر الأبناء من البر والصلة، وهل يأثم بإثارة الخصومات مع أنه يجتهد في إبعاد الخصومات، وكثيرا ما يندم بعد وقوعها ويتصدق عنهما دون شعور منهما، فهل يثابان بذلك ويثاب هو أيضا، وهل يخفف ذلك من ذنوبه، مع أن هذه الصدقة قليلة جدّاً؟ . فأجابت: قد يكون الوالدان معذوريْن فيما حصل منهما، وقد يكون لديهما اعتبارات في التشديد على واحد من أولادهما دون آخر، ككونه أكبر سنّاً، وأرشد من غيره، فالغلط منه أشد، وكتأديبه ليستقيم فيكون قدوة لإخوانه الصغار، وعلى تقدير إساءتهما لا يجوز للولد أن يقابل سيئتهما بالسيئة، بل يقابلها بالحسنة، عملا بقوله تعالى (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فصلت/٣٤، وقوله (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) لقمان/١٥. فأمر الولد أن يصاحب والديه بالمعروف ولو جاهداه على أن يشرك بالله غيره، والشرك أكبر الكبائر، وأمره أن يلزم سبيل الله المستقيم، وأخبر بأن جزاء الجميع عنده تعالى يوم القيامة، وقد أمر النبي ﷺ ببر الوالدين، وحذر من عقوقهما وبين أن العقوق من أكبر الكبائر، هذا وتُشكَر على الندم على ما فعلت من إثارة الخصومات والقطيعة، وعلى الصدقة عنهما، ولو أعلنت ذلك لهما كان أرجى إلى الوئام وحنانهما عليك، ويرجى لك ولهما الأجر ومغفرة الذنوب بما قربت من الصدقة عنهما، وإن قَلَّت، فإن الله يضاعف الحسنات، وأما الوالدان فالواجب عليهما تحري العدل بين أولادهما، لقوله ﷺ : (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) . " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٥ / ١٢٣ – ١٢٥) . ونسأل الله أن يوفقكِ ويفتح عليك أبواب رحمته وفضله. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13870

حكم العتاقة أو قراءة القرآن للأموات [السُّؤَالُ] ـ[والدي توفي وكان مريضا في الأربع سنين الأخيرة من عمره، توفي من شهر من الآن وعمره ٥٢ سنة وكان مريضا بجلطة لا يستطيع التحرك أو المشي ومرض السكر والضغط أريد أن أعرف هل يوجد له عتاقة صلاة؟ بعض المشايخ يقولون هذا، بمعنى قراءة القرءان عليه عن طريق المشايخ، هم الذين يفعلون ذلك. وبعض الآراء تخالف. أنا أريد الجواب عن هذا السؤال. وهل عليه كفارة عن أيامه الأخيرة أم لا بسبب مرضه الخطير أم له عتاقة صلاة كما يقال؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: " قراءة القرآن عبادة من العبادات البدنية المحضة، لا يجوز أخذ الأجرة على قراءته للميت، ولا يجوز دفعها لمن يقرأ، وليس فيها ثواب، والحالة هذه، ويأثم آخذ الأجرة ودافعها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " لا يصح الاستئجار على القراءة وإهدائها إلى الميت، لأنه لم ينقل عن أحد من الأئمة، وقد قال العلماء: إن القارئ لأجل المال لا ثواب له، فأي شيء يهدى إلى الميت؟ " انتهى. والأصل في ذلك: أن العبادات مبنية على الحظر، فلا تفعل عبادة إلا إذا دل الدليل الشرعي على مشروعيتها، قال تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) ، وقال ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ، وفي رواية: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، أي: مردود على صاحبه، وهذا العمل – وهو استئجار من يقرأ القرآن للميت - لا نعلم أنه فعله النبي ﷺ أو أحد من أصحابه، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، والخير كله في اتباع ما جاء به الرسول ﷺ ، مع حسن القصد، قال تعالى: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) ، وقال تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) ، والشر كله بمخالفة ما جاء به رسول الله ﷺ وصرف القصد بالعمل لغير وجه الله " انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة". فهذه العتاقة لا أصل لها في الشرع، وهي بدعة مذمومة لم يفعلها الرسول ﷺ ولا أرشدنا إليها، ولم يفعلها أحد من أصحابه ﵃، وما كان كذلك فلا ينبغي لمؤمن أن يفعله. ثانيا: المشروع هو الدعاء للميت، والصدقة عنه، كما روى مسلم (١٦٣١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ: إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) . قال النووي ﵀ في شرح مسلم: " وَفِيهِ أَنَّ الدُّعَاء يَصِل ثَوَابه إِلَى الْمَيِّت , وَكَذَلِكَ الصَّدَقَة....وَأَمَّا قِرَاءَة الْقُرْآن وَجَعْل ثَوَابهَا لِلْمَيِّتِ وَالصَّلاة عَنْهُ وَنَحْوهمَا فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور أَنَّهَا لا تَلْحَق الْمَيِّت " انتهى باختصار. وانظر السؤال رقم (١٢٦٥٢) فأكثر من الدعاء لوالدك، وتصدق عنه بما تستطيع، وإن كان لم يحج أو لم يعتمر، وأمكن أن تحج وتعتمر عنه فافعل، فهذا مما ينفعه بإذن الله. ومن البر بالأب الميت: إكرام صديقه، وصلة الرحم المتصلة به. والمرض يجعله الله كفارة لعبده المؤمن، كما يكون سببا لرفع درجته وعلو منزلته إن هو صبر واحتسب، قال ﷺ : (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) رواه البخاري (٥٦٤٢) ومسلم (٢٥٧٣) من حديث أبي هريرة ﵁. نسأل الله أن يرحم أموات المسلمين. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13871

أمه لا تحب زوجته فأدى ذلك إلى سكنه عند أهلها [السُّؤَالُ] ـ[أمي لا تحب زوجتي، مما أدَّى إلى خروجي من المنزل والعيش مع زوجتي في منزل والديها؛ فما العمل؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ليس من الضروري أن تعيش مع أهلك، بل قد يكون من الخير لك ولزوجتك ولأمك أن تعيش مع زوجتك خارج بيت والديك، وفي الغالب فإن من يسكن مع أهله – أو حتى قريبا منهم – لا تخلو حياته من منغصات ومشكلات، والعقلاء الذين يزِنون الأمور بميزان الشرع والحكمة قليل، وخاصة من النساء بسبب ما يحصل بينهن من غيرة وتنافس. وقد يكون في سكنك خارجاً عن أهلك ما يُصلح العلاقة بين أمك وزوجتك، فالبُعد غنيمة في كثيرٍ من الأحيان، فلا داعي للقلق، وربَّ شيء تراه ضارّاً وتغتم له ثم يكون فيه الخير، وقد يتولد الشوق من أمك لك ولأحفادها ببُعدك عنها، وقد يختلف شعورها تجاه زوجتك إذا كانت بعيدة عن ناظريها، ولا تراها إلا قليلاً، وهذا مشاهد ومجرَّب. وأما إذا أردت الحل لأصل المشكلة، وهي عدم محبة أمك لزوجتك: فلا بدَّ لك من البحث عن أسباب عدم المحبة، ومعرفة موانع وجود المحبة، وهذه بعض الأسباب التي يمكن أن تكون أدَّت لعدم محبة أمك لزوجتك: ١. كثرة الخلطة، وهو ما يولِّد كثرة الكلام، ومن كثُر كلامه كثر لغطه وخطؤه. ٢. الغيرة من تعلق زوجتك بها وحبك لها، وهذا موجود بكثرة، فترى أم الزوج تغار من تعلق ابنها بزوجته، وتلبيته لرغباتها، وترى أن هذه الزوجة قد أخذت ابنها منها. ٣. سوء تعامل زوجتك مع أمك، فبعض الزوجات لا تحسن التعامل مع أم زوجها، فلا تلبي لها طلباتها، ولا تظهر لها الاحترام والتقدير، فتقع بينهما من المشاكل الشيء الكثير. ٤. تقصيرك في حق أمك، وعدمه في حق زوجتك، فلا تستطيع الأم بغض ولدها، بل تجعل ذلك – فيما بدا لها – في السبب وهو زوجته، فتبغضها. فهذه بعض الأسباب التي قد تولِّد بغض أمك لزوجتك، وإذا تبين لك أنها موجودة كلها أو بعضها: فلا بدَّ لك من معالجتها بالحكمة والحسنى. وننصحك أن تقوم بهذه الخطوات لتوجِد المحبة بين أمك وزوجتك: ١. السكن بعيداً عن والدتك، وأن تخبر أمك أنك فعلتَ هذا مع عدم رغبتك به من أجلها، ومن أجل أن لا تضغط أمك على نفسها فيسبب لها آلاماً وأمراضاً. ٢. أن توصي زوجتك بالإكثار من بعث الهدايا لأمك، سواء المادية منها كاللباس والطعام وغيرهما، أو المعنوية كبعث السلام والسؤال عن صحتها. ٣. توسيط عقلاء ممن تحبهم والدتك لتغيير نظرتها تجاه زوجتك، وهنا قد يكون لطرف خارجي من التأثير ما يفوق تأثير ولدها وزوجها عليها. على أننا نشير هنا إلى أنه ينبغي عليك، ما دمت تركت السكن مع أمك، أن تجتهد في الاستقلال بمسكن خاص بك، بعيد عن أهل زوجتك أيضا، فإن انتقالك إليهم ربما يعمق هوة الخلاف بين الطرفين، ثم إنه لا يكون ـ في العادة ـ مستحبا في استقامة الحياة الزوجية، وربما تولدت عنه آثار سلبية في العشرة بين الزوجين. ولا تنس دعاء الله تعالى أن يهدي الجميع لما يحب ويرضى، والدعاء بأن يؤلِّف الله تعالى بين القلوب، وأن يصلح بالهم، ويهديهم لأحسن الأقوال والأفعال والأخلاق. والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13872

ترغب بالزواج من شخص ووالدها غير موافق فهل تخالفه وتتزوج ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا فتاة عربية مسلمة أبلغ من العمر ٢٨ سنة، بدأت العمل في إحدى الإدارات الحكومية منذ ٦ أشهر، تعرفت على شاب في أوروبا وهو على خلق كبير ويريد الزواج مني بشرط أن أذهب معه إلى مكان إقامته، لكن أبي يقول بأن لدي مستقبلا كبيراً في عملي، وأنا أرى أن المرأة عملها في البيت أن تهتم بأطفالها، ما حكم الشرع إذا خالفتُ رأي أبي، وأنا متأكدة أن الشاب مسلم وعلى خلق، وهو أيضا من نفس البلد الذي أعيش فيه؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إن من أعظم نعَم الله على الفتاة في هذا الزمان المليء بالفتن أن تُرزق بزوج صالح مستقيم في دينه، يرعى حقوق ربه وحقوق زوجته، والمرأة العاقلة المستقيمة إن تقدَّم لها من يرتضى دينه وخلقه لا ترفضه بحجة دراستها أو وظيفتها؛ لأنها إن رفضت الزواج في هذا السن وتقدم بها العمر، فسوف تتنازل عند الزواج عن كثير مما كانت تحرص عليه، حينما كانت صغيرة مرغوبة لكل خاطب. ثانياً: أما عن مخالفة الوالد في شأن الزواج أو عدمه أو في اختيار الزوج: ففيه تفصيل: فإن كان للأب في معارضته سبب شرعي: فإنه يجب أن يطاع ولا يعصى وتكون معصيته ومخالفة أمره من العقوق الذي هو من كبائر الذنوب. وإن كان السبب في المعارضة دنيويّاً أو اجتماعيّاً مخالفاً للدين ولمقاصد الشرع: فإنه لا إثم في مخالفته مع الحرص الشديد على رضاه وإقناعه. مع التنبيه الشديد على ضرورة الاستجابة لرغبة الأب العاقل؛ لأنه أدرى بمصلحة ابنته منها، وأنت إن يسَّر الله لك الزواج ستكونين أمّاً، فكيف سيكون شعورك لو أن رجلاً تقدَّم لابنتك راغبا الزواج بها ورأيتِ أنت وزوجك عدم صلاحيته للزواج من ابنتك؟ وهل سترضين بمخالفة ابنتكِ لكِ ولأبيها؟! وقد يرى الأب لابنته أحياناً ألاّ تتغرب بعد زواجها وأن تبقى قريبة منه، وذلك لمظنة أن تظلم أو يهضم حقها في حال بعدها عن أهلها وعيشها مع الزوج في الغربة، وهذا الحكم مبني على واقع وخبرة في الحياة ولا شك. قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -: فقد يخيل إليها أن هذا الشخص يصلح لها في حين أنه لا يصلح، فليس لها أن تخالف أباها ما دام أنه ينظر في مصلحتها. " المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (٥ / ٢٤٢) . وقلنا في جواب السؤال (٦٣٩٨) : الأهل هم الأقدر – عادة وغالباً – على تحديد الأفضل لابنتهم ومن يصلح للزواج منها؛ لأن الغالب على البنت هو قلة العلم وقلة الخبرة بالحياة وما يصلح فيها وقد تخدع ببعض الكلمات فتحكم عاطفتها دون عقلها. لذلك فإن على البنت أن لا تخرج عن رأي أهلها إن عُرف عنهم الدين والعقل. انتهى وانظري جواب السؤال رقم (٢٠١٦٢) لتقفي على قصة بعض النساء اللاتي خالفن رأي أهلهن وتزوجن بمن يرغبن. ثالثاً: : لا بد للمرأة من ولي يزوجها ويباشر عقد النكاح، وهو من أركان العقد الشرعي، ولا يحل للمرأة أن تزوِّج نفسها بغير ولي شرعي، فإن خالفت فالعقد باطل ولا يأخذ صفة عقد النكاح الشرعي الحلال؛ وذلك لقوله ﷺ : (أًيُّمَا امْرَأةٍ نَكَحَت بِغَيْرِ إِذْنِ وَليِّهَا فَنِكاحُها بَاطِلٌ فَنكاحُها بَاطِل فنكاحها باطل ... " الحديث، رواه الترمذي (١١٠٢) وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". وانظري جواب الأسئلة: و (٧٩٨٩) . رابعاً: لا يجوز العيش والسكنى في بلاد الشرك والكفر إلا لعذر شرعي ليس فيه إقامة، كعلاج، وتجارة، ودعوة، وما شابه ذلك من الأمور التي لا بد منها، أما أن يعيش في بلادهم ويستقر بينهم فذلك لا يحل لقول النبي ﷺ : " أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُر المُشْرِكِينَ " رواه أبو داود (٢٦٤٥) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". خامساً: وننبه على شيئين وردا في سؤالك، وهما: عملكِ، وتعرفكِ على الشاب الذي يرغب بالزواج منكِ: أما عمل المرأة فلا شك أن ما ذكرتيه من كون الأصل في عمل المرأة هو أن يكون في بيتها لرعاية حق زوجها وأبنائها، ولكن إن كانت المرأة تعمل خارج بيتها: فلا بدَّ أن يخلو عملها من طبيعة محرَّمة ومن بيئة غير شرعية، فإن كان عملها في بنك ربوي أو مؤسسة تأمين أو محل يقدم المنكرات أو يبيعها: فلا يحل لها العمل فيه. وإن كانت طبيعة العمل مباحة لكن بيئته ليست كذلك كأن يكون فيه اختلاط غير منضبط مع الرجال، ويفتح باب التعامل معهم، والتعارف عليهم: فلا يجوز لها العمل فيه. وأما تعرفكِ على الشاب: فإن كان عن طريق محرَّم كالمراسلة أو المحادثة أو ما يسمى برامج التعارف بين الجنسين: فإن هذا يستوجب عليك التوبة والاستغفار؛ لأن محادثة الأجنبي ومراسلته لا تحل لامرأة أجنبية عنه، وهذا سبب موجب لمنعه من التزوج بك. وقد بيَّنا حكم هذا الفعل في فتاوى متعددة، فانظري أجوبة الأسئلة: (٧٨٣٧٥) والخلاصة فيما يتعلق بمشكلتك هذه أنه لا ينبغي لك التعجل في أمر هذا الزواج الذي لا يريده وليك، فإن رأيت أنه ليس لرفض والدك سبب شرعي مقبول، فاجتهدي في إقناعه بالقبول، عن طريق والدتك أو من له رأي عند أبيك من أهلك وأقاربك، لا سيما وأن سنك قد بدأت في الزحف نحو الثلاثين، وهو أمر يوجب على وليك أن يكون همه الأول اختيار الزوج المناسب لك، وليس الوظيفة المناسبة. وأسأل الله العلي القدير أن يختار لك الخير في أمر دينك ودنياك. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13873

هل يلزمه استئذان والديه للسفر القريب لمدة يومين ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أبي وأمي يعيشون في مدينة وأنا أعيش في مدينة أخرى لظروف العمل، في يوم من الأيام سافرت أنا وزوجتي إلى دولة مجاورة لمدة يومين ورجعنا. ذكر لي أحد أصدقائي بأني بفعلي هذا قد عققت والداي لأني لم أخبرهما قبل أن أذهب، مع العلم أني قد أخبرتهما بذلك وأنا في تلك الدولة. فهل فعلاً أكون قد عققتهما؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا كان الوالدان أو أحدهما غير محتاج إلى الولد في الخدمة أو التمريض ونحو ذلك، فلا حرج عليه أن يسافر السفر المأمون الذي لا خطر فيه بدون إذنهما، ولا يعد ذلك عقوقا. وإن أخبرهما بسفره، بِرّاً بهما وتطييبا لخاطرهما فهو أولى وأفضل. وأما السفر الذي لا يؤمن فيه الهلاك، كالسفر للجهاد فإنه لا بد فيه من إذنهما ما لم يكن الجهاد فرض عين. قال الكاساني ﵀ في "بدائع الصنائع" (٧/٩٨) : " لا يخرج الولد إلى الجهاد إلا بإذن والديه أو أحدهما إذا كان الآخر ميتا ; لأن بر الوالدين فرض عين فكان مقدما على فرض الكفاية. والأصل أن كل سفر لا يؤمن فيه الهلاك، ويشتد فيه الخطر لا يحل للولد أن يخرج إليه بغير إذن والديه، لأنهما يشفقان على ولدهما فيتضرران بذلك، وكل سفر لا يشتد فيه الخطر يحل له أن يخرج إليه بغير إذنهما إذا لم يضيعهما، لانعدام الضرر. ومن مشايخنا من رخص في سفر التعلم بغير إذنهما، لأنهما لا يتضرران بذلك بل ينتفعان به، فلا يلحقه سمة العقوق " انتهى. وقال السرخسي ﵀ في "شرح السير الكبير" (١/١٩٧) : " وكل سفر أراد الرجل أن يسافر غير الجهاد لتجارة أو حج أو عمرة فكره ذلك أبواه، وهو لا يخاف عليهما الضيعة فلا بأس بأن يخرج، لأن الغالب في هذه الأسفار السلامة، ولا يلحقهما في خروجه مشقة شديدة، فإن الحزن بحكم الغيبة يندفع بالطمع في الرجوع ظاهرا، إلا أن يكون سفرا مخوفا عليه منه، فحينئذ حكم هذا وحكم الخروج إلى الجهاد سواء، لأن خطر الهلاك فيه أظهر. والسفر على قصد التعلم إذا كان الطريق آمنا والأمن في الموضع الذي قصده ظاهرا لا يكون دون السفر للتجارة، بل هذا فوقه لقوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين) . فلا بأس بأن يخرج إليه وإن كره الوالدان، إذا كان لا يخاف الضيعة عليهما " انتهى. ونحوه قاله النووي ﵀ في "المجموع" (٨/٣١٤) . والحاصل أنه لا شيء عليك في عدم استئذان والديك في هذا السفر، لأن الغالب فيه السلامة، والظاهر أنهما لا يحتاجان إليك في الخدمة أو غيرها لأنك تعيش في مدينة غير مدينتهما. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13874

سمعة أهلها سيئة وتريد السفر بعيداً عنهم !! [السُّؤَالُ] ـ[أنا حياتي في البيت لا تطاق، ومن كثرة ما حصل من أهلي - أمي، وأبي - كرهت نفسي وكرهتهم، وأدى بي ذلك إلى عقوقهم، ولا أقدر أن أبرَّهم تحت أي ظرف، وأرجو أن الرد يكون غير المحاولة مرة أخرى، سمعتهم سيئة، فيه طلاق لكن بطريقة لا أقدر أن أقولها، أنا قررت أن أبعد عنهم وأسافر مكاناً أعيش فيه وأشتغل بعيداً عن سمعتهم. أنا منقبة بسبب المشاكل، المكان يشترط عدم وجود النقاب، ولكن فقط محجبة، أنا قررت أسافر وأعيش بعيداً عن كل هذا، أن أكون محجبة أحسن من أن أكون منقبة قد وصلتْ- والعياذ بالله - للكفر! بالله عليكم أفيدوني، أنا محتاجة أتكلم مع أي أحد، بالله عليكم حلوا مشكلتي، أنا قربت أن أيأس من رحمة ربنا! أنا لو مت والعياذ بالله خايفة أكون كافرة،لأنكم لا تعرفون ما بداخلي.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا تخلو هذه الدنيا من هموم وغموم، والمسلم يعلم ذلك، بل كل الناس يعلمون ذلك، وكل الناس يعانون من الدنيا نعيمها وبؤسها، رخاءها وشقاءها: فيومٌ علينا، ويوم لنا ويوما نُساءُ، ويوما نُسرُّ والفرق بين المؤمن والكافر في ذلك، أن المؤمن يرجو من الله في الشدة والرخاء من الأجر، ما حرم منه الكافر لأجل كفره. قال الله تعالى: (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) النساء/١٠٤ والمؤمن يعلم أن ما يراه في هذه الدنيا من الخير ما هو إلا طرف وبارق منه، وما يراه من الشر في هذه الدار، أيا كان هذا الشر، فهو لفحة من الشر , وطرف منه؛ الخير الحقيقي في الجنة، والشر الحقيقي في النار: كان شداد بن أوس ﵁ يقول: إنكم لن تروا من الخير إلا أسبابه، ولن تروا من الشر إلا أسبابه؛ الخير كله بحذافيره في الجنة، والشر بحذافيره في النار، وإن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، والآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قاهر، ولكل بنون؛ فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا) صفة الصفوة (١/٧٠٩) ولأجل هذه الحقيقة، ينسى هذا الخير كله عند أول صبغة لصاحبه في النار، إن كان من أهلها، وينسى هذا الشر كله ـ أيضا ـ عند أول غمسة لصاحبه في الجنة، إن كان من أهلها!! فتلك حكمة الله تعالى، التي يراها المؤمن فيما يقدره الله تعالى عليه: أن يبتلي عباده بالسراء والضراء: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) الأنبياء/٣٥ إن كلام الإيمان، ودعوى الصدق سهلة على كل أحد؛ لكن بالاختبار، يتبين الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق. قال تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت/٢-٣. ولذلك فإن المؤمن يختلف عن غيره من الناس عندما يُبتلى بالسراء والضراء، فهو شاكر في السراء، صابر في الضرَّاء، ولا خير في غير ذلك: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) . رواه مسلم (٢٩٩٩) . ومن أسمائه تعالى التي سمى بها نفسه: (الحكيم) وفي أفعاله من الحكمة ما يعجز العقل عن الوقوف على أسرارها جميعا، وفيما تبين لنا منها ما يُثَبِّت المؤمن على سبيل التصديق، وباب الصبر والثبات. وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم: (٣٥٩١٤) بعض الحِكَم والمصالح المترتبة على حصول الابتلاء، فلينظر فهو مهم. وهناك أمور إذا تأملها من أصيب بمصيبة هانت عليه مصيبته وخفت، وقد ذكر ابن القيم في كتابه " زاد المعاد " (٤ / ١٨٩ – ١٩٥) جملة منها، كنا قد ذكرناها في جواب السؤال رقم: (٧١٢٣٦) فلينظر؛ فهو مهم. ثانياً: برُّك لوالديكِ واجب شرعي، ويحرم عقوقهما حتى ولو كانت أخلاقهما، أو معاملتهما سيئة، وحتى لو كان بينهما ما كان، وقد أمر الله بمصاحبتهما بالمعروف، وإن جاهداكِ على الكفر، كما قال تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) لقمان/١٥. وقد أمر النبي ﷺ بصلتهما والإحسان إليهما حتى ولو كانا كافرين، كما قال لأسماء ﵂ وقد جاءت إليها أمها تزورها وهي كافرة لحاجة فقال لها: " صلي أمَّك " كما رواه البخاري (٢٤٧٧) ومسلم (١٠٠٣) . ثالثاً: ابتعادكِ عن أهلك وسفرك بمفردك، ليس حلا شرعيا للمشكلة، بل هو نوع من لمعالجة الخاطئة، لوضع غير صحيح؛ كالمتسجير من الرمضاء بالنار. عن ابن عباس قال: سمعت النبي ﷺ يخطب يقول: (لَا يَخْلونَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ إِلَاّ وَمَعَها ذُو مَحْرَم، وَلَا تُسَافِر المَرْأةُ إِلَاّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ... ) رواه البخاري (١٧٦٣) ومسلم (١٣٤١) . فدل هذا الحديث على أن سفر المرأة منفردة، من غير زوج ولا محرم لها، من المحرمات. ولفظ " السفر " في الحديث عام، وهو شامل للسفر إلى الحج أو العمرة أو طلب العلم، فما تنوين فعله داخل في السفر المنهي عنه في الحديث، فإذا كان السفر إلى بلاد الكفر: فهو أشد حرمة وأعظم خطراً. رابعاً: لا يجوز للمرأة أن تتخلى عن حجابها ورمز عفافها وعنوان دينها وحيائها، وطاعة الله تعالى مقدمة على الشهوات والملذات وأمور الدنيا الزائفة. قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀: يجب على المرأة أن تحتجب عن الأجانب في الداخل والخارج، لقوله سبحانه: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) وهذه الآية الكريمة تعم الوجه وغيره، والوجه هو عنوان المرأة وأعظم زينتها، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) وقال سبحانه: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ) الآية. وهذه الآيات تدل على وجوب الحجاب في الداخل والخارج، وعن المسلمين والكفار. ولا يجوز لأي امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تتساهل في هذا الأمر؛ لما في ذلك من المعصية لله ولرسوله؛ ولأن ذلك يفضي إلى الفتنة بها في الداخل والخارج. " فتاوى المرأة المسلمة " (١ / ٤٤٦، ٤٤٧) . خامساً: لا ينبغي لكِ القنوط من رحمة الله تعالى، فما جاء في سؤالك من كلام يدل على أنكِ قد فقدتِ الثقة بنفسك، وقطعتِ الأمل والرجاء بربك تعالى، وودَّ الشيطان لو ظفر منكِ بهذا أن يدوم ويستمر، فإياك أن تنساقي وراء مكائد الشيطان، وإياك أن تقعي في شرَكِه. نعم، نقرأ في رسالتك الحزن والأسى على الحال الذي وصل إليه أهلك، وما وصلت إليه سمعتهم التي آذتك، والتي سببت لك التفكير في الرحيل عنهم، لكننا نريد التفكير بروية ودون تعجل خشية أن تقعي فريسةً بين أنياب أهل الشر، وبخاصة إذا علموا حال أهلكِ، ووجودك وحيدة بينهم، لذا فيجب عليكِ التخطيط للخلاص من تلك المشكلات دون الوقوع في المحرَّمات. ونقترح عليكِ عرض مشكلتكِ على أحد أقربائك العقلاء من المحارم عليك مثل العم أو الخال، ليخلصك من مشكلات البقاء بين أهلك، فالانتقال إلى بيت أحد محارمك هو المقدَّم في حل مشكلتك، إذا كانت الحياة معهم على ما وصفت، ولم يكن هناك أمل في صلاحهم، ويمكن بعدها أن ييسر الله لك زوجاً صالحاً، تسعدين بالعيش معه، ويرزقك الله تعالى منه ذرية طيبة. ولا مانع من أن يسعى أقرباؤك لتتزوجي من رجلٍ صالح، وهم لو فعلوا ذلك لاستحقوا المدح والثناء، بل لا مانع من أن تسعي أنت، عن طريق من تثقين في عقله ودينه، ونصحه لك، أن يبحث لك عن زوج مناسب، أو يذكرك عند شخص معين تتوسمين فيه الصلاح، وتأملين أن يكون مأمونا عليك. لكننا على أية حال، لا ننصحك بالسفر وحدك، ولا الانتقال لبيت وحدك، بل ننصحك بالسكن مع أحد أقربائك من المحارم، إن أمكن ذلك، على أن تختاري بيتاً صالحاً يصلح أن تعيشي فيه، فإن لم يتيسر فننصحك بالبحث عن أخوات مستقيمات من الطالبات – مثلاً – وتسكنين معهنَّ، فإن لم يتيسر فابحثي عن أخت صالحة تعيش مع أخواتها أو أمها، يصلح أن تكوني بينهن، والمهم في ذلك كله تجنب العيش وحدك، وتجنب السفر، وخاصة لبلاد الكفر، والحرص على وجود بيئة صالحة ملائمة تصلح أن تحافظي على دينك فيها. ولا يجوز لك الاستسلام لأوهام الشيطان بأنك من اليائسات أو من القريبات للكفر، فكل ذلك يساهم في كثرة الهموم والغموم. وتأملي معي ـ أيتها الأخت الصابرة إن شاء الله ـ قول الله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) البقرة/٢١٤، فستعلمين أن الأزمة متى اشتدت، ووصلت هزتها أن تكون زلزالا، فإن الفرج بعدها قريب برحمة أرحم الراحمين. وتأملي قول الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) ، وقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) الطلاق/٤، وقوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) . وقول النبي ﷺ لابن عباس: (يا غلام؛ أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ؟ فَقُلْتُ: بَلَى!! َقَالَ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) رواه أحمد (٢٨٠٠) ، وصححه الألباني. وأخيراً: نوصيك بالدعاء، مع تحري الأوقات الفاضلة كالثلث الأخير من الليل، وكثرة الدعاء في السجود، وأخلصي في دعائك، وتذللي لربك أن يهدي والديك، وأن يصلح شأنهما، وأن يوفقك لما يحب ويرضى. وانظري ـ أيضا ـ كتاب " علاج الهموم " في قسم الكتب من موقعنا. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13875

تبرُّ حماتها أكثر من برِّها لأمها ! [السُّؤَالُ] ـ[هل أؤجر على برِّي بحماتي؟ وهل قد يعفو الله عني عدم برى بأمي كما ينبغي أن يكون البر، إذا كنت بارة بحماتي؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله شرع الله تعالى أعدلَ الأحكام وأحسنها، وفيها سعادة الفرد والأسرة والمجتمع، وقد شرع لذلك حقوقاً وواجبات على كل فرد في المجتمع لتتم الحياة ويعرف كلٌّ ما له وما عليه. وحقوق الزوج على زوجته عظيمة في نفسه وماله وبيته وأهله، فاحترام أهل الزوج وخاصة أبويه من احترام الزوج وحسن عشرته، والمرأة عندما تقوم بواجبات زوجها فهي إنما تطيع ربها وترجو ثوابه. وبرُّكِ بحماتك أمرٌ تُشكرين عليه، ولا يمكن لأحدٍ أن يُنكر عليكِ، بل إن ما تفعلينه موافق للشرع والعقل، وأنتِ بذلك تكسبين رضى زوجكِ، وتساهمين في إنجاح علاقتك الزوجية، وتخلينها مما يمكن أن يسوءها. ولكن على المرء أن لا يطيع ربه في جانب وينسى الجوانب الأخرى، فلا يجوز أن يكون برُّكِ بحماتك على حساب برِّك بأمك؛ فإن للوالدين - وخاصة الأم - على أولادهم حقوقاً كبيرة، وانظري في ذلك جواب (٥٠٥٣) ففيه تفصيل لحق الأم على أولادها. فيجب عليكِ برُّ أمَّكِ والإحسان إليها حتى ولو كانت كافرة، على قدر طاقتك وما تسمح به ظروف حياتك؛ بل لو دعتك إلى الكفر وجاهدت نفسها في سبيل ذلك، كما قال ربنا ﵎ (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا) العنكبوت/٨، وقال: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) لقمان/١٥، فكيف يكون حقها عليكِ إن كانت مسلمة موحِّدة؟ . عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيتُ رسول الله ﷺ ، قلت: وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: " نعم، صِلي أمك ". رواه البخاري (٢٤٧٧) ومسلم (١٠٠٣) . ومعنى راغبة: أي: تطلب بر ابنتها لها. فاجمعي بين الخيريْن، وبرِّي أمكِ وحماتك، وإذا تعارض الأمران فلا تقدِّمي على أمكِ حماتك ولا غيرها من النساء، لكن بشرط ألا تفسدي ما بينك وبين زوجك. ونسأل الله أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن يجعلك من الصالحات القانتات. وانظري جواب الأسئلة (٢٢٧٨٢) و (٥٣٢٦) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13876

يريد الزواج وأمه تعارض ذلك لصغر سنه [السُّؤَالُ] ـ[عمري ١٩ سنة. أريد أن أتزوج. ولكن أمي لا تريد لأنها تظن بأنه غير وقت الزواج. هل يجوز لرجل في الإسلام أن يتزوج بدون موافقة والديه؟ وبدون أن يخبرهما حتى تتحسن الأمور إن شاء الله؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: يجوز للرجل أن يتزوج بدون موافقة والديه، بخلاف المرأة فإنه يشترط لصحة نكاحها موافقة وليها. لكن من البر وحسن المعاملة استئذان الوالدين وأخذ موافقتهما، وذلك أدعى لحصول الوئام والاتفاق وجمع الشمل. ثانيا: ينبغي أن تبين لأمك مدى حاجتك للزواج، وأن تسعى لإقناعها، والحصول على رضاها، فإن استجابت فالحمد لله، وإن أصرت على موقفها، فلا حرج عليك في الزواج من الفتاة التي تريد إذا كانت صالحة متدينة. ومن الأخطاء الشائعة رفض الوالدين تزويج أبنائهم بحجة الدراسة أو صغر السن، وعدم إدراكهما لما يعانيه الشاب في زمان انتشرت فيه الفتن، وكثرت فيه المغريات، وربما أدى رفضهما إلى انحراف الأبناء، وسلوكهم طرق الغواية والشر، ولهذا ننصح الآباء والأمهات بإعانة أبنائهم وبناتهم على الزواج، وتيسير ذلك والتشجيع عليه؛ امتثالا لقول النبي ﷺ : (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) رواه البخاري (٥٠٦٥) ومسلم (١٤٠٠) . وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عمن يريد الزواج مع رفض والده، فأجاب: " هذا السؤال يقتضي أن نوجه نصيحتين؛ النصيحة الأولى لوالدك حيث أصرَّ على منعك من الزواج بهذه المرأة التي وصفتَها بأنها ذات خلق ودين، فإن الواجب عليه أن يأذن لك في تزوجها إلا أن يكون لديه سبب شرعي يعلمه ويبينه حتى تقتنع أنت وتطمئن نفسك، وعليه أن يقدِّر هذا الأمر في نفسه لو كان أبوه منعه من أن يتزوج امرأة أعجبته في دينها وأخلاقها، أفلا يرى أن ذلك فيه شيء من الغضاضة وكبت حريته؟ فإذا كان هو لا يرضى أن يقع من والده عليه مثل هذا فكيف يرضى أن يقع منه على ولده مثل هذا، وقد قال النبي ﵊ (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) . فلا يحل لأبيك أن يمنعك من التزوج بهذه المرأة بدون سبب شرعي، وإذا كان هناك سبب شرعي فليبينه لك حتى تكون على بصيرة. أما النصيحة التي أوجهها إليك أيها السائل: فأنا أقول: إذا كان يمكنك أن تعدل عن هذه المرأة إلى امرأة أخرى: فإرضاءً لأبيك وحثّاً على لمِّ الشمل وعدم الفرقة فافعل. وإذا كان لا يمكنك بحيث يكون قلبك متعلقا بها وتخشى أيضا أنك لو خطبت امرأة أخرى أن يمنعك أبوك من زواجك بها – لأن بعض الناس قد يكون في قلبه غيرة أو حسد ولو لأبنائه فيمنعهم مما يريدون – أقول: إذا كنتَ تخشى هذا ولا تتمكن من الصبر عن هذه المرأة التي تعلَّق بها قلبك: فلا حرج عليك أن تتزوجها ولو كره والدك، ولعله بعد الزواج يقتنع بما حصل ويزول ما في قلبه، ونسأل الله أن يقدر لك ما فيه خير الأمرين " انتهى من " فتاوى إسلامية " (٤/١٩٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13877

والدته تتهم زوجته زورا [السُّؤَالُ] ـ[أرجو أن تشرح لي مسألة إغضاب الوالدين، حيث يحرم أن أقول لهما مجرد كلمة أف، السبب في سؤالي هذا هو أنني متزوج منذ عدة سنوات ولدي طفلان، ولكن والدتي تشكو دائما من زوجتي، ولا يوجد بينهما تفاهم، وهي تتصل بي وتخبرني أن زوجتي شريرة، وتقول إن زوجتي لا تحترمها، في حين أن زوجتي ليست كذلك، وتقول أيضا إن زوجتي تفعل كذا وتقول كذا وهو ما تنكره زوجتي، وهي لم تعد تقيم معنا، ومع ذلك ما زالت تقول إن زوجتي لا تحترمها، ولا أعتقد أن زوجتي قد أخطأت في شيء في الحقيقة، ولكني متكدر جدا لأنهما لا تستطيعان التفاهم معا، وزوجتي تبتعد عن عائلتي لأنها تخشى أن يتهموها بشيء لم تفعله، وهذا يزيد من غضب أمي؛ لأنها تقول إن زوجتي لا تهتم بها، فماذا أفعل في هذا الموقف بحيث لا أغضب والديّ، ولكن في نفس الوقت لم ترتكب زوجتي شيئا، وتقول لي إنه حرام علي أن لا أقول شيئا عندما يتهمونها بشيء لم تفعله، فهل هذا صحيح؟ أرجو نصحي، ماذا أفعل في هذا الموقف؟ وهل حرام على أمي أن تخبرني بأن أختار بينهما؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه مشكلتك أيها الأخ الكريم، هي إحدى المعضلات في الحياة الزوجية، وهي مشكلة قديمة معقدة، حتى صارت عند العرب مضرب المثل لمن بينهم من المعاملة والأخذ والإعطاء ما لا غنى بهم عنه، ثم لا تزال المشارة والعداوة بينهم؛ فيقولون: (إن الحماة أولعت بالكَنَّة، وأولعت كنتها بالظِّنة) ؛ فالحماة أخت الزوج وأمه، والكنة امرأة الرجل. والمعنى: أن الكنة إذا سمعت أدنى كلمة قالت: هذا عمل حماتي!! [انظر: المستقصى في الأمثال، للزمخشري ١/٧٧] ؛ فهناك، في واقع الأمر، تربص متبادل من الطرفين، كل بالآخر!! وفي مثل هذه العلاقات تشتبك كثير من العوامل والمؤثرات التي ينبغي مراعاتها وتفهمها، ثم التدرب على كيفية التعاطي معها للخروج بأفضل النتائج. ولعلك تدرك أخي الكريم أن الغيرة – التي فطر الله البشر عليها - هي من أهم تلك العوامل، وخاصة بين الأم والزوجة، فإن الأم التي صحبتك تلك السنوات الطوال، تحفظك وترعاك وتعتني بك، سوف تشعر بأنك لم تعد ملكا خالصا لها، بل سوف تشعر أيضا أن نصيبها منك لم يعد وافيا بحقها عليك، وأن القسمة بينها وبين زوجتك لم تكن عادلة؛ فللزوجة الحب والحنان والتدليل والرعاية، وللأم الصبر على متاعبها على مضض، وإعطاؤها ما تحتاجه، على كره وتأفف، هذا إن كان سيعطيها، فكيف إذا كان عاقا، ومنعها حقوقها؟!! وحينئذ تخلق المشاكل. والغيرة نار تعمي وتصم، لا تلبث أن تأكل كل سعادة واطمئنان تعيشها الأسرة، وهي أقوى ما تكون إذا أسأنا التعامل معها، ولم نحاول تهذيبها وتخفيف لهيبها. أقول ذلك ابتداء كي تتفهم معي أمرين اثنين مهمين: الأمر الأول: كي تدرك حقيقة السبب الذي يدفع والدتك لمثل هذه التصرفات تجاه زوجتك، وتدرك حقيقة عذرها في ذلك، وأنها قد لا تكون تملك من أمرها شيئا، فالمرأة ضعيفة جدا أمام هذا الشعور، ولا تستطيع إخفاءه رغم سعيها الشديد للظهور بمظهر الرضا والقبول، فإذا أدْرَكتَ حقيقة عذر الوالدة، اطمأن قلبك نحوها، وسكنت مشاعرك تجاهها، وأيقنت أن برها وطاعتها وحبها فرض لازم في حقك نحوها، لا ينبغي أن تشك في ذلك لحظة واحدة، مهما بلغ حد المشاكل التي تجرها عليكم نار الغيرة. أما الأمر الثاني: فهو أن تعلم أنك بالحب وحده يمكنك تغيير الحال الذي بين والدتك وزوجتك، فالوالدة بحاجة إلى اطمئنان زائد بمحبة ابنها لها، وأنه على ما عَهِدَتهُ فيه من مودةٍ واحترام وبر وإحسان، بل ينبغي عليك السعي إلى مضاعفة تلك المشاعر، بتكرار الزيارات والهدايا والحرص على إسعادها بالكلمة وتلبية الرغبات، وحينئذ ستبدأ نفسها بالسكون، وغيرتها بالهدوء، وتختفي تدريجيا تلك المشاكل التي كانت تصنعها. وإذا كانت الوالدة، من خلال ما يبدو لنا من رسالتك، سريعة في التجني على زوجتك وأم أولادك، فإننا سوف نحاول أن نبدأ العلاج منك ومن زوجتك؛ لأن هذا في واقع الأمر هو الطرف الأسهل والأقرب في المعادلة، ونقول للزوجة الكريمة، قال الله تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت:٣٤) . وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ) رواه مسلم (٢٥٨٨) . وفي حديث آخر: (وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا) رواه الترمذي (٢٣٢٥) وصححه الألباني. فكم من المشاكل ستزول حين تجاهد الزوجة الكريمة نفسها على ذلك الأدب، ابتغاء مرضاة، وإصلاحا لحال زوجها، ومحافظة على عيشه وبيته!! ولتحاول أن تنزل أم زوجها مكان أمها، في احتمال غضبها، وغفران إساءتها، لا سيما والمسكن منفصل، وهذا يقلل إلى حد كبير من حدوث المشاكل والمصادمات. وكم ستخف تلك المشكلات، إلى أن تنتهي بإذن الله، إذا استطاعت الزوجة الكريمة أن تتحين الفرص المناسبة لهدية لطيفة تهديها لأمك، حتى وإن كان في النفوس ما فيها. قال ﷺ : (تهادوا تحابوا) رواه أبو يعلى، وحسنه الألباني. وأما أنت، أيها الأخ الكريم، فيجب أن يتسع قلبك لبر الوالدة وحبها الكبير، مع حب الزوجة والسكون إليها، ونجاحك في ذلك بداية العلاج، وفشلك فيه يعني استمرار المعاناة أو زيادتها، والأمر يحتاج منك إلى شيء من التصبر والتعلم، فإن الإنسان قابل لتعلم بذل مشاعر الود والمحبة كما يتعلم أي صناعة في هذه الدنيا. وأنت خلال ذلك كله لا بد أن تقف عند الخطوط التي رسمتها لك الشريعة الإسلامية، وذلك في قوله : (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَاّ تَعْبُدُواْ إِلَاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) الإسراء/٢٣ وقوله سبحانه: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) لقمان/١٥ فتأمل كيف أن شرك الوالدين أو كفرهما – وهي أعظم الذنوب – لا ينبغي أن تحجب الابن عن صحبة والديه بالمعروف، فكيف ببعض المشاكل مع الزوجة؟ وأهم هذه الخطوط التي رسمتها الشريعة أيضا، حفظ حق الزوجة، واحترام مشاعرها ورغباتها، وعدم الجور عليها أو ظلمها لإيفاء حق الوالدة، فلا ينبغي لك أن تطيع والدتك إذا أمرتك بفراق زوجتك، ولا يجوز أن تصدقها فيما تتهم به زوجتك زورا وبهتانا، خاصة إذا كانت الزوجة ذات خلق ودين، فهي أمانة مستودعة في ذمتك، فيجب عليك أن تحفظ هذه الأمانة. وإذا كان لنا من همسة في أذن الوالدة الكريمة، فنقول لها: أيتها الأم الكريمة التي حملت ووضعت، وربت وتعبت، وآثرت على نفسها وبذلت، لا تكدري إحسانك لابنك بتنغيص عيشه، وأنزلي هذه الزوجة التي اختارها ابنك لنفسه، وجعل الله له منها الولد، أنزليها منزلة ابنتك، وانظري: كيف تحبين أن تعيش ابنتك مع زوجها وأهلها، فعامليها به، وجاهدي نفسك على الإحسان، كما أمرنا الرب الجليل: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) البقرة/١٩٥. فإذا عجزت عن الإحسان فاعدلي. قال الله تعالى: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الحجرات/٩. وحذار، أيتها الوالدة، من الظلم؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) متفق عليه. وقد سبق تفصيل بعض الأحكام المتعلقة بذلك في جواب السؤال رقم (٧٦٥٣) ، (٤٤٩٣٢) ، (٤٧٠٤٠) . نسأل الله أن يصلح بالكم، وأن يصلح ذات بينكم، وأن يرزقنا وإياكم الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13878

يشتكي من سوء معاملة والدته [السُّؤَالُ] ـ[مشكلتي أن أمي لا تحبنا – نحن أولادها – لا نجتمع معها إلا وتسبنا وتشتمنا وتحاول أن تعتدي علينا بالضرب، ماذا أفعل؟ هل أقاطعها؟ أنا أزورها بعد فترات متباعدة لعل قلبها يلين، لكن بلا فائدة، ما إن تراني حتى تبدأ في السب والشتم والطرد من البيت، وتفعل نفس الشيء مع إخوتي كيف نصل إلى رضاها؟ حاولنا الكثير والكثير فماذا نفعل؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله بر الوالدين من أوجب الواجبات التي تجب للبشر على البشر، لقول الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) لقمان/١٤،١٥. فأمر الله تعالى بمصاحبة هذين الوالدين المشركين اللذين يبذلان الجهد في أمر ولدهما بالشرك - أمر أن يصاحبهما في الدنيا معروفا. وطاعة الوالدين واجبة على الولد فيما فيه نفعهما ولا ضرر فيه على الولد، أما ما لا منفعة لهما فيه، أو ما فيه مضرة على الولد فإنه لا يجب عليه طاعتهما حينئذ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في " الاختيارات " (ص ١١٤) : (ويلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية، وإن كانا فاسقين ... وهذا فيما فيه منفعة لهما، ولا ضرر عليه) انتهى. وأما هجرك لها فلا ينبغي، فإنها أمك وحقها عليك عظيم، ويمكنك مواصلتها عن طريق الهاتف، أو زيارتها بين الحين والآخر، وتحتسب ما يصيبك منها في هذه الزيارة من السب والشتم ونحو ذلك، كل ذلك تبتغي بذلك مرضاة الله. ولكن تقليلا للشر والضرر الحاصل عليك من زيارتها يمكنك مباعدة ما بين الزيارتين، ولكن تتعاهدها بالهاتف إن أمكن أو السؤال عن أحوالها فربما تحتاج إليك أو تقع في ضائقة ما. فإذا فعلت ذلك فلا حرج عليك إن شاء الله تعالى من تقليل زيارتها ولا تكون عاقا لها، لأنها - وهي صاحبة الحق في بِرِّك لها – لا تريد منك زيارتها، ولا تطالبك بذلك. وأنت لم تقلل من زيارتها إلا اجتنابا لما يلحقك من الضرر منها. وللفائدة ينظر جواب السؤالين رقم (٢٦٢١) ، (٣٠٤٤) . ونسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خير، وأن يهدي والداتك، ويصلح أحوالكم. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13879

أقرباؤه يؤذون والديه وحصلت مقاطعة بينهم فماذا يصنع ؟ [السُّؤَالُ] ـ[والدتي امرأة تقيَّة جدّاً، لكني ومنذ طفولتي كنت أشاهد نشوء مشاكل عائلية تقع بينها وبين أقاربي، هؤلاء الأقارب دائما يذكرون افتراءات غير مبنية على أسس ويكذبون دونما حياء أو خجل، إنهم لا يشكرون لوالديّ مساهماتهم التي قدماها للعائلة، لكنهم بالمقابل يتحدثون وراء ظهورنا ويهزؤون مِن تمسك والدتي بدينها، ومع ذلك فإن والدتي لا تزال تريد أن تحافظ على صلة القرابة وكانت تصبر عليهم، وفي بعض الأحيان كانت تشتكي لوالدي وتطلب منه أن يتدخل لكنه لم يفعل أي شيء، وكان يقول: إن ذلك ربما يتسبب في قطع العلاقة معهم للأبد، وكان يطلب منها الصبر، وكانت والدتي تصبر على الإساءة، وكانت تقابلهم بعكس ما كنَّ يعاملنها به، لا لشيء إلا لتفوز برضى الله ورحمته، إلا أنه في الآونة الأخيرة تدهور الوضع، وقام زوج إحدى قريباتي بإهانة والدي، وقرر والدي بعد ذلك أن يقطع العلاقة معهم، كما طلبت عمتي أيضا من والدتي ألا تتصل بهم، وأنا أجد نفسي ضائعا وسط هذا الزخم ولا أعرف كيف أتصرف، والداي طلبا مني الامتناع تماما عن الاتصال بأقاربي، لكني ولأني أعلم أن من يقطع العلاقات العائلية فقد قال الله بأنه سيقطعه يوم القيامة فإني أحادثهم من وقت لآخر، مع أنهم لا يفعلون ذلك معي، لكني أعلم أنه إن اكتشف والداي ما أقوم به فإن ذلك سيؤذيهما وسيغضبان عليَّ، لقد قلت لوالدتي أن تسامحهم وأن تبدأ في الاتصال بهم، وهي تقول إنها تريد ذلك، لكنها لا ترغب أن تمر مجدَّداً بنفس المعاناة وتتعرض للإهانات التي تعرضت لها خلال سنوات، ما هو الأسلوب الصحيح للتعامل مع مثل هذا الوضع؟ هل أبذل جهوداً لأحافظ على الرحم مع أناس أهانوا والدي؟ وكيف نضع حدّاً لهذا الوضع المزري؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نسأل الله تعالى أن يُعظم أجرك وأجر والدتك، وأن يجمع بينكم وبين أقاربكم على خير، وأن يهديهم ويصلح أحوالهم. وصلة الرحم لها منزلة عظيمة في شرع الله تعالى، وهي تشمل أموراً مادية وأخرى معنوية، والمعنوية منها أهم بكثير، فالمادية مثل الإحسان إليهم بالمال، والمعنوية مثل أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وهذا أعظم ما تكون به الصلة. وفي حال أن يكون أولئك الأقارب على انحراف وضلال وفساد ويخشى المسلم على نفسه أن ينساق وراءهم أو يتأثر بهم فليهجرهم هجراً جميلاً، وهو الذي لا أذى فيه ولا قطيعة، وعليه الإكثار من الدعاء لهم، والإكثار من وعظهم وتذكيرهم بالمراسلات والهاتف وغير ذلك من الوسائل التي تبقي تلك الصلة دون قطيعة، ودون تأثير منهم عليه. ثانياً: وتجب عليك صلة رحمك ولو منعك والدك، والنبي ﷺ يقول (لَا طَاعَةَ في مَعْصِيَةِ الله، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ) رواه البخاري (٦٨٣٠) ومسلم (١٨٤٠) . لكن لا يجوز لكَ إيذاء والدك بإظهار المخالفة له، فيمكنك صلة أقاربك دون إعلامه بهذا، وأن تستمر في محاولة رأب الصدع بينه وبين رحمه، ولكن ننبهك إلى أن تحرص على الأقارب الذين لا يكون منهم إظهار للفسق والفجور، خشية أن تتسبب في تأثير هؤلاء على أهل بيتك، لكن احرص على أهل الدِّين والخير منهم، فمثل هؤلاء تكون الخسارة في قطيعتهم، ويكون الأجر العظيم في الصلة بينهم وبين أهلك. ثالثاً: ومن الأمور التي تعين على الصلة بين الأقارب والتي نوجهك لها لتخبر بها أهلك وأقاربك: ١. إعلامهم جميعاً بوجوب صلة الرحم وتحريم قطعها. ٢. إعلامهم بحقيقة الصلة، وأنها ليست المكافأة، بل صلة القاطع، ومقابلة الإساءة بالإحسان. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: (لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ، وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ) . رواه مسلم (٢٥٥٨) . الملّ: الرماد الحار. قال النووي – ﵀: " ويجهلون " أي: يسيئون , والجهل هنا القبيح من القول , ومعناه: كأنما تطعمهم الرماد الحار , وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم , ولا شيء على هذا المحسن , بل ينالهم الإثم العظيم في قطعيته , وإدخالهم الأذى عليه. وقيل: معناه إنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم من الخزي والحقارة عند أنفسهم كمن يسف المل. وقيل: ذلك الذي يأكلونه من إحسانك كالمل يحرق أحشاءهم. " شرح مسلم " (١٦ / ١١٥) . ٣. الصفح عنهم في حال أن يصدر منهم خطأ، والعفو في حال أن يعتذروا. ٤. تخفيف الزيارات وتجنب المزاح، فربما كانت كثرة اللقاءات والزيارات، وما يحصل فيها من تجاوز للشرع، أو تجاوز في المباح هو من الأسباب التي تؤدي للقطيعة. ٥. محاولة الابتعاد عن الأقارب في السكن، فربما تسبب تقارب السكن في القطيعة بين الناس، إما بسبب الأولاد وإما بسبب الزوجات أو غيرهما. روي أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عمَّاله: " مروا الأقارب أن يتزاوروا ولا يتجاوروا ". قال الغزالي - معلقا على كلام عمر -: " وإنما قال ذلك لأن التجاور يورث التزاحم على الحقوق، وربما يورث الوحشة وقطيعة الرحم ". " إحياء علوم الدين " (٢ / ٢١٦) . وقال أكثم بن صيفي: " تباعدوا في الديار تقاربوا في المودة ". ٦. ترك الاستماع لأهل الفتنة الذين يفرقون بين المرء وأهله، والذين يسوؤهم اجتماع الأسرة الواحدة، وهم النمامون أصحاب الكبائر. ٧. استعن بالله تعالى بدعائه في صلاتك وفي آخر الليل أن يهدي الله أقاربك لأحسن الأخلاق والأفعال والأخلاق. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13880

يعطي أهله ليشتروا كماليات ويقترض من زوجته [السُّؤَالُ] ـ[ما رأي الشرع في الزوج الذي يعطي من أمواله لأهله ليشتروا أشياء غير أساسية وهو عليه ديون ويقترض من زوجته ليسدد ديونه؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: يتكرر كثيراً في أسئلة الناس قول " رأي الشرع " و " رأي الدين "، وهذه الألفاظ غير صحيحة المعنى، فالأولى للمسلم اجتنابها. قال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله: "ومن المصطلحات المولدة الفاسدة: "رأي الدين": الرأي في أساسه مبني على التدبر والتفكر، ومنها قولهم: " رأي الدين "، " رأي الإسلام "، " رأي الشرع "، وهي من الألفاظ الشائعة في أُخريات القرن الرابع عشر الهجري، وهو إطلاق مرفوض شرعاً؛ لأن الرأي يتردد بين الخطأ والصواب فصار من الواضح منع إطلاقها على ما قضى الله به في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، فهذا يقال فيه: " دين الإسلام "، (إِنَّ الدِّينَ عنْدَ الله الإِسلام) والله سبحانه يقول: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) الأحزاب/٣٦. فتشريع الله لعباده يقال فيه: حكم الله، وأمره، ونهيه وقضاؤه، وهكذا، وما كان كذلك فلا يقال فيه " رأي "، والرأي مدرجة الظن والخطأ والصواب. أما إذا كان بحكمٍ صادر عن اجتهاد فلا يقال فيه: " رأي الدين "، ولكن يقال: " رأي المجتهد " أو " العالم "؛ لأن المختلف فيه بحق يكون الحق فيه في أحد القولين أو الأقوال. وانظر بحثاً مهماً في كتاب " تنوير الأفهام لبعض مفاهيم الإسلام " للشيخ محمد بن إبراهيم شقرة ص / ٦١ – ٧٣" انتهى باختصار يسير. " معجم المناهي اللفظية " (ص ٢٢٣، ٢٢٤) الطبعة الأولى. ثانياً: يجب على الأولاد أن ينفقوا على والديهم، وهذا الوجوب ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وانظر جواب السؤال رقم (١١١٨٩٢) . وهذه النفقة الواجبة للوالدين لها شروط، منها: أن يكون الولد قادراً على الإنفاق، والوالد محتاجاً لعجزه أو فقره أو عدم استطاعته للكسب. وليعلم هذا الزوج أن أجره عند الله تعالى عظيم إن كان ينفق على والديه المحتاجين للنفقة الضرورية، حتى لو أدى ذلك لاستلافه للمال، أما إن كان والداه غير محتاجين للنفقة الضرورية، وهو ينفق عليهم من أجل شراء سلع كمالية: فالواجب عليه أن ينتبه لنفسه، ولا ينبغي له أن يحمل نفسه ديونا من غير ضرورة أو حاجة ملحة؛ لأن شأن الدين عند الله عظيم، وقد صح عن النبي ﷺ (أن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدَّين) فكيف بمن لقي الله تعالى غير مقتول في سبيله؟! نعم، لو كان عنده فضل مال وأراد أن يوسع على والديه بالنفقة لشراء حاجات مباحة غير ضرورية لكان محسناً لهما غير مسيء لنفسه، أما أن يفعل ذلك بأموال غيره – زوجته أو غيرها – فإنه يكون مسيئاً لنفسه لأنه حمَّلها ما لا طاقة لها به. وعليه أن يعتذر لهما بألطف عبارة أنه غير قادر على إعطائهم ما يريدون، ويعدهم أنه إن تيسر له مال فائض عن حاجة أبنائه وزوجته الضرورية أنه سيعطيهم. قال الله تعالى: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً) الإسراء/٢٨. قال ابن كثير ﵀: "أي: إذا سألك أقاربك ومَن أمرناك بإعطائهم وليس عندك شيء وأعرضت عنهم لفقد النفقة (فقل لهم قولاً ميسوراً) أي: عِدْهم وعداً بسهولة ولين إذا جاء رزق الله: فسنصلكم إن شاء الله" انتهى. " تفسير ابن كثير " (٣ / ٥٢) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13881

هل يأكل من مال أبيه ومصدره من مقهى فيه أمور محرمة [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم المال الذي يتم ربحه من المقهى، وأود هنا أن أشرح لكم بعض الأمور وهي: ١- استخدام الدش ولا يستخدم إلا في مشاهدة أغاني الفيديو كليب ومباريات الكرة ٢-ألعاب الدومينو- النرد ويلعبها الزبائن على أن يدفع الخاسر ثمن المشروبات كلها وحده أو يدفع نقود للفائز، ويكون للمقهى جزء من هذه النقود. ٣- شرب الشيشة بشكل كبير. ٤- جلوس الشباب لينظروا للنساء في الطريق اللائي معظمهن متبرجات. ٥- المزاح القبيح بين الجالسين على المقهى مع بعضهم باستخدام ألفاظ قذرة. والسؤال الآن: هل المال العائد من المقهى من الأموال المختلطة؟ وهل لي أن آكل من هذا المال؟ وأنا لا أجد عملاً، مع العلم أن المقهى ملك لأبي وهو الذي يديره.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: استعمال الدش على الوجه المذكور، وشرب الشيشة ولعب القمار، وتبادل الألفاظ القذرة والنظر إلى النساء المتبرجات، كل ذلك من المحرمات الظاهرة، والإثم على من اقترفها أو أعان عليها، أو أقرها ولم ينكرها، ولا شك أن فتح المقهى الذي تمارس فيه هذه الرذائل محرم، وما يأتي من المال في مقابل هذه الأعمال أو التمكين منها محرم أيضا؛ لقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) المائدة/٢. وقوله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) النساء/١٤٠. قال القرطبي ﵀: " قوله تعالى: (فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره) أي غير الكفر. (إنكم إذا مثلهم) : فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله : (إنكم إذا مثلهم) فكل من جلس في مجلس معصية، ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء. وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية " انتهى. وقوله ﷺ : (وإن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه) رواه أحمد وأبو داود (٣٠٢٦) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٥١٠٧) وانظر في تحريم اللعب بالنرد السؤال رقم (١٤٠٩٥) ورقم (٢٢٣٠٥) وكون الخاسر في هذه الألعاب يدفع نقوداً للفائز أو ثمن المشروبات هو من القمار ولا شك، وانظر السؤال رقم (٢٠٩٦٢) ثانيا: إذا كان لوالدك مورد ماليٌّ آخر، أو كان في المقهى ما يباح بيعه، كالشاي والقهوة ونحو ذلك، فمال أبيك مختلط، اختلط فيه الحلال بالحرام، ولا حرج عليك في الأكل من هذا المال ما دمت محتاجا، والورع ترك ذلك. جاء في "حاشية الدسوقي" (٣/٢٧٧) : " اعلم أن من أكثر ماله حلال وأقله حرام: المعتمد جواز معاملته ومداينته والأكل من ماله ... وأما من أكثر ماله حرام والقليل منه حلال: فالمعتمد كراهة معاملته ومداينته والأكل من ماله. وأما من كان كل ماله حراماً وهو المراد بمستغرق الذمة، فهذا تمنع معاملته ومداينته ويمنع من التصرف المالي وغيره " انتهى. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " إذا كان مكسب الوالد حراماً، فإن الواجب نصحه، فإما أن تقوموا بنصحه بأنفسكم إن استطعتم إلى ذلك سبيلاً، أو تستعينوا بأهل العلم ممن يمكنهم إقناعه أو بأصحابه لعلهم يقنعونه حتى يتجنب هذا الكسب الحرام، فإذا لم يتيسر ذلك فلكم أن تأكلوا بقدر الحاجة ولا إثم عليكم في هذه الحالة، لكن لا ينبغي أن تأخذوا أكثر من حاجتكم للشبهة في جواز الأكل ممن كسبه حرام " انتهى من "فتاوى إسلامية" (٣/٤٥٢) . وراجع السؤال رقم (٤٥٠١٨) و (٢١٧٠١) نسأل الله تعالى أن يهدي والدك، ويصلح حاله، وأن يرزقك رزقا حلالا مباركا فيه. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13882

أسلم وأمه تريد منه الرجوع إلى النصرانية [السُّؤَالُ] ـ[أنا طالب من اليونان وأبلغ من العمر ١٨ عاما. وقد أسلمت منذ أسبوعين. وأنا أصلي بشكل عادي خمس مرات في اليوم، وأذهب للمسجد وأدرس القرآن. لكني واجهت بعض المشاكل منذ ذاك. صديقتي قبلت بذلك ونحن نخطط على الزواج في المستقبل. وكذلك فقد قبلت أختي بالأمر. لكن أمي هي المشكلة. فقد دب الفتور في علاقتها معي. فهي تريدني أن أعود للنصرانية مرة أخرى وهي لا تقبل بالإسلام على الإطلاق. لقد قالت لي إن النصارى سينظرون إليّ على أني خائن وسيقول المسلمون إني تابع لهم، لأني ولدت نصرانيا. أنا لم أخبر أبي بأي شيء حتى الآن (فوالداي مطلقان) ، وذلك لأنه لن يقبل بذلك (فهو نصراني أيضا) ولأنه سيتشاجر مع والدتي. أفضل صديق عندي هو مسلم وقد ساعدني كثيرا، لكن والدتي تظن أنه أجبرني على الإسلام، وهذا غير صحيح. لقد درست الإسلام وأدركت أنه الدين الصحيح، وذلك الذي دفعني لاعتناقه. ما هي نصيحتك للتعامل مع أهلي؟ أنا لا أريد أن أخيب أملهما، خصوصا والدتي، لأنها عانت كثيرا بسبب الطلاق. وأشكرك على اهتمامك.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: نهنئك ونبارك لك، على هذه النعمة التي مَنَّ الله بها عليك، فإنها والله أعظم النعم، وإنه التوفيق الذي نسأل الله أن يدخلك به الجنة، ويجمعك به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فهنيئا لك , ثم هنيئا لك، أقبلت على الله في هذه السن التي أقبل في مثلها الأخيار من أصحاب النبي ﷺ ، كمصعب بن عمير، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وسعد بن معاذ. نهنئك لأن صحيفتك صارت بيضاء نقية، لم تندس بالذنوب، فقد محى الإسلام ما كان قبله، وأنت الآن تستقبل عمرا جديدا، وحياة سعيدة بإذن الله، ونسأل الله أن يحفظك، ويثبت قلبك، ويهدي والديك وإخوانك وأحبابك. ثانيا: نحمد الله أنك بدأت طريق الهداية بالذهاب إلى المسجد، ودراسة القرآن، فإن هذا عنوان الخير، كما قال نبينا ﷺ : (مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) رواه البخاري (٧١) ومسلم (١٠٣٧) . وعليك أن تبذل الجهد في حفظ القرآن وترتيله وقيام الليل به، وتعلم أحكامه، والعمل بما فيه، فإن الجنة درجات، وإن صاحب القرآن يقال له في الجنة: اقرأ وارتق، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها. ثالثا: إن الموقف الذي بدر من أمك تجاهك، لا يُستغرب، فإن معركتك الحقيقية مع الشيطان، وهو لا يرضى بإسلامك، ولا يحب لك الخير، فلا شك أنه سيستعين بأقاربك، ويوسوس لأهلك، حتى يستخدمهم سلاحا ضدك، ويمنعهم من اللحاق بك في موكب الإيمان الحق، فلا تحزن، ولا تيأس، واستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ليصرف كيده عنك، وكن رفيقا رحيما بأمك، فإنها لو ذاقت طعم الهداية ما وقفت في طريقك، واستعن بالله تعالى في دعوتها، ونصحها، وأكثر من الدعاء لها بالهداية والرحمة، فلعلك توافق ساعة إجابة، فتقر عينك بإسلامهم وصلاحهم. واعلم أنك لست وحدك في هذا الميدان، فهناك آلاف الناس ممن وفقهم الله لمعرفة الحق، واختيار الإسلام عن رضا وقناعة، وكثير منهم لاقى معارضة وصدودا من أهله، ثم شاء الله بالفتح، وجاء بالفرج، فأسلم البيت كله، بل العائلة كلها، وكان ذلك في ميزان حسنات الابن الموفق، نسأل الله أن يجعلك من هؤلاء وأن يسعدك بإسلام أهلك جميعا. واعلم أن وجود المعارضة من البيت هو اختبار وابتلاء للمسلم، حتى يظهر صدق إسلامه، وقوة إيمانه، كما قال الله تعالى: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت/١- ٣. ومن نماذج المؤمنين الصادقين الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص ﵁، كان برّاً بأمه، فلما أسلم امتنعت أمه عن الطعام والشراب، حتى يرجع عن دينه، فأبى ﵁، وثبت على إسلامه، ولم تجد أمه فائدة من إضرابها فعادت لطعامها وشرابها، ومما ورد في ذلك قوله ﵁: (يا أمّه , تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفسا ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي، وإن شئت لا تأكلي. فأكلت) . انظر: "تفسير ابن كثير" (٣/٤٢٩) . رابعا: لقد عالج القرآن هذه المشكلة، لأنها كثيرة الوقوع، لا سيما في الجيل الأول الذي فارق الكفر، واعتنق الإسلام، ولاقى حربا شديدة من قبل الأهل والعشيرة وأقرب الناس، قال الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) لقمان/١٤- ١٥ فلا مجال لطاعة الوالدين في الكفر، بل لا جال لطاعتهما في المعصية، ولكن هذا لا يمنع من الإحسان إليهما، والقيام على شئونهما، وبذل الغالي والنفيس في سبيل هدايتهما، وهذا دليل على عظمة الإسلام، وأنه دين الرحمة والمحبة، لهذا يدعو أتباعه إلى هداية الناس وإدخالهم في النعمة التي دخلوا فيها. خامسا: من اختار طريق الهداية، فلا يلتفت إلى كلام الآخرين، ولا يتعجب من صدوره، فإنه أمر متوقع، وإلا فماذا سيقول عنك النصارى؟ هل سيقولون: إنك اهتديت، وعرفت الحق، وآثرته على الأهل والأقارب؟! الجواب: لا، لن يقولوا ذلك، فلا تلتفت لقولهم: خائن أو غير ذلك، وانظر إليهم بعين الشفقة والحرص على هدايتهم، وابذل الجهد حتى تتعلم وتصبح داعية تنتشلهم مما هم فيه من الضلال والانحراف. وأما ظنُّ أمك أن المسلمين سيقولون: إنك تابع؛ لأنك ولدت نصرانيا، فهذا ليس صحيحا، بل سنقول: إنك أخ لنا , اخترت الهداية، ورجعت للفطرة التي ولدت عليها، فلقد ولدت على الإسلام والتوحيد، وعلماء النصارى يعلمون أن المولود يولد على الفطرة، ولهذا يسارعون إلى تعميد الطفل، ويعتقدون أنه إذا لم يعمّد سيكون مسلما! وهذا دليل على أن الأصل هو الإسلام، وأن الطفل لو ترك على أصله لكان مسلما. وليس في الإسلام تبعية لأحد إلا لمحمد ﷺ , لأنه النبي الرسول الذي أمرنا باتباعه، وما عدا ذلك فالإسلام يربي أتباعه على الحرية والانعتاق من تسلط الكهنوت والأحبار والرهبان، ولا يحوج العبد إلى واسطة بينه وبين الله تعالى. وأخيراً.. لقد قلت في سؤالك: إن صديقتك قبلت بإسلامك , وإنكما تخططان للزواج في المستقبل. وهنا , لابد أن تعلم أن مِنْ حرص الإسلام على عفة أتباعه وطهارة قلوبهم أنه حرم على الرجال اتخاذ الصديقات , ولا يقر الإسلام علاقة بين رجل وامرأة من هذا القبيل إلا إذا كانت في نطاق الزوجية , فإن كانت صديقتك نصرانية , فعليك بدعوتها إلى الإسلام والحرص على هدايتها ففي ذلك خير كثير لكما إن شاء الله تعالى , فإن أبت فأخبرها أن الإسلام قد حرم هذه العلاقة التي بينكما , وأنك لن تقدم رضا أحد كائناً من كان على رضى الرحمن , فإما أن تتزوجا (ويجوز للمسلم أن يتزوج نصرانية) وإما أن تفترقا , إيثاراً لرضى الله . وأهم ما نوصيك به هو الإحسان إلى أمك وأبيك وإخوانك وأقاربك، والرفق بهم، وتفهم ما يدور بمشاعرهم، وسؤال الله الهداية لهم، واختيار الوسائل الحكيمة لدعوتهم، ومن ذلك: الكلمة الطيبة، والهدية، والزيارة، ودعوتهم لزيارة المسجد، وإعطاؤهم الكتيب والشريط النافع. نسأل الله أن يحفظك ويرعاك، ويوفقك لكل خير. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13883

أمه تسيء إليه بعد زواجه [السُّؤَالُ] ـ[منذ سنة تزوجت من جارتي ويعلم الله أن البنت التي تزوجتها قمة في الأخلاق والأدب والاحترام ولقد سكنت مع أهلي في نفس الشقة وعدد أفراد أسرتي ٥ شباب وبنت عمرها ١٧ سنة، ومنذ أن تزوجت وحال أمي تغير تغيراً كاملاً، إذ بها تنهال علي بالشتائم، وتكيل لي السب أمام زوجتي، وأمام إخوتي، علماً بأنني الأكبر في إخوتي، وتهينني لأتفه الأمور، إذا حاولت أن أتحدث مع إخوتي تأتي وتقلب علي أي شيء أمامي، وتسبني وتطردني من البيت عدة مرات، لا أدري لماذا هذا التغير الذي حصل من أمي العزيزة! رغم أنني لا أبخل عليهم بأي شيء، ولست من النوعية التي تفضل زوجته على أهله، ولكن أمي تتعامل معي بحساسية زائدة. أرجو أن توضحوا لي الأمور لأنني غير قادر على السكن بالإيجار، لأن المرتب بالكاد يكفيني. أرجو أن تفيدوني أفادكم الله.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نسأل الله تعالى أن يوفقك لبر والدتك والإحسان إليها، وأن يصلح حالها، ويؤلف بينكما على طاعته ومرضاته. وما تعاني منه قد يكون مرده إلى شعور والدتك بالغيرة، أو بفقدانك بعد الزواج، واستيلاء غيرها عليك، وهذا الشعور يلحق بعض الأمهات بعد زواج أبنائها، وهو شعور خاطئ، ينبغي أن تسعى هي للتخلص منه. وينبغي أن تعينها لتعود إلى سابق حالها، وذلك بأمور: ١- أن تجتهد في الإحسان إليها، وإكرامها، والاهتمام بها، وإشعارها بأنك لا تزال كما كنت حفيا بها، حريصا على تلبية رغباتها. ٢- تجنب الثناء على زوجتك أو الاهتمام بها أمام والدتك، مع إعطاء الزوجة حقها من الإحسان والإكرام، لكن بعيدا عن نظر الأم، إلى أن تتحسن حالتها، وتدرك الأمور على طبيعتها. ٣- ترغيب الزوجة في التقرب من الأم، بالكلام والاهتمام والإهداء ونحو ذلك. ٤- الصبر على ما يصدر منها من سب وشتم وطرد، فإنك مأمور ببرها، ولا يجوز لك أن تقابل إساءتها بمثلها، فإن صبرت على ذلك، فأبشر بالفرج، فإن العاقبة للصابرين، وإن النصر مع الصبر، وإن مع العسر يسرا، وقد قال الله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فصلت/٣٤. فكلما أساءت إليك بادر أنت بالتلطف والإكرام والإحسان، فإن ذلك كفيل بأن يذهب ما في نفسها إن شاء الله. ٥- الدعاء لها بالتوفيق والهداية والاستقامة وصلاح البال والحال، فإنها أحق الناس بدعائك وإحسانك، وإنك مهما قدمت لن تجزيها على معروفها وسابق إحسانها. ٦- احرص أن تكون قدوة صالحة لإخوانك، فيأخذوا عنك الطريقة الحسنة في معالجة هذه المشكلة، التي قد تحدث لهم بعد زواجهم، فلتكن مثالا للصبر والإحسان والبر، واحذر أن يستدرجك الشيطان للتأفف أو التضجر أو الإنكار عليها أو توبيخها فإنك لن تجني من وراء ذلك خيرا، قال الله تعالى: (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) الإسراء/٢٣. ٧- ينبغي أن تناقش المشكلة مع أحد إخوانك، فربما خفيت عليك بعض الجوانب، أو بدر منك ما أغضب والدتك دون أن تشعر، فمعرفة السبب تسهل عليك طريق المعالجة. نسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد والرشاد. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13884

ولدٌ يجادلُ والدتَه في أمورِ طعامِهِ وصلاتِهِ [السُّؤَالُ] ـ[أخي سمين جدًا، ويأكل كثيرًا، وكلما نَصَحَتْه والدتي في التقليل من الأكل، وتهدده بأنها سوف لن ترضى عنه إذا لم يسمع كلامها، فيقول: إن الأكل ليس محرمًا، وليس للوالدة أن تمنعه من أمر حلال؟ وأيضًا، هو لا يصلي في المسجد، وكلما قالت له الوالدة: لماذا لا تذهب؟ يقول: إن صلاة الجماعة سنة مؤكدة كما قال الإمام أبو حنيفة. وأيضًا يؤخر الصلاة بعد الأذان بفترة طويلة، وكلما قلنا له: لماذا لا تصلي في الوقت؟ فيقول: أنا لم أتجاوز الوقت المحدد، فالصلاة لها أوقاتٌ معروفةٌ ليست مقترنةً بالأذان والإقامة. فكيف نجيب عليه؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إنّ مِن أعظمِ ما امتنّ الله به على عبادِهِ أنْ سخَّر لهم ما في الأرضِ جميعا منه، وأنزل عليهم النعم، وأباح لهم الطيباتِ من المأكلِ والمشربِ والملبس وغيرها. ولكنه أيضًا ذم كلَّ من يسرفُ في استعمالِ هذه المباحات، أو يترخصُ فيها ترخصًا يؤذيه، أو يشغله عن ما هو أنفعُ له في دينِه ودنياه. قال : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الأعراف/٣١. ثانياً: من أخطرِ المهلكاتِ لابنِ آدمَ شهوةُ البطن، والبطنُ ينبوع الشهواتِ ومَنِبتُ الأدواء والآفات. يقول النبي ﷺ : (مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٍ يُقِمْنِ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لاْ مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ) رواه الترمذي (٢٣٨٠) وصححه الألباني في صحيح الترمذي. أي: يكفي ابن آدم من الطعام ما يقيم صلبه فقط , ولا يزيد على ذلك , فإن أبى وأصَرَّ على الزيادة , فيأكل ما يملأ ثلث بطنه , ويكون ثلث آخر للشراب , ويبقى الثلث للتنفس , ولا يزيد على هذا القدر. انظر: "تحفة الأحوذي". وقد كان العقلاءُ في الجاهليةِ والإسلامِ يتمدحونَ بقلةِ الأكل. قال حاتمُ الطائيُّ: فإنَّكَ إِنْ أَعْطَيْتَ بَطْنَكَ سُؤْلَهُ وَفَرْجَكَ نالا مُنْتَهى الذَّمِّ أَجْمَعَا "فتح الباري" (٩/٦٦٩) . وإذا أكثر الإنسان من الطعام حتى ضره ذلك، كان هذا حراما. سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: هل كثرةُ الأكلِ حرام؟ فأجابوا: " نعم، يَحرُمُ على المسلمِ أن يُكثرَ من الأكلِ على وجهٍ يضرُّه؛ لأنّ ذلك من الإسراف، والإسرافُ حرام، لقول الله : (يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين) الأعراف/٣١ " انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٢/٣٢٩) . وقد جاء عن النبي ﷺ الترهيب من الإكثار من الشبع , وأن ذلك سبب للتألم بالجوع يوم القيامة، فعن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَجَشَّأَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: (كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ، فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا، أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . رواه الترمذي (٢٠١٥) . وصححه الألباني في صحيح الترمذي. والْجُشَاء هُوَ صَوْتٌ مَعَ رِيحٍ يَخْرُجُ مِنْ الإنسان عِنْدَ الشِّبَعِ. وَرَوَاهُ اِبْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ وَالْبَيْهَقِيُّ , عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَزَادُوا: فَمَا أَكَلَ أَبُو جُحَيْفَةَ مِلْءَ بَطْنِهِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا , كَانَ إِذَا تَغَدَّى لا يَتَعَشَّى وَإِذَا تَعَشَّى لا يَتَغَدَّى , وَفِي رِوَايَةٍ لابْنِ أَبِي الدُّنْيَا: قَالَ أَبُو جُحَيْفَةَ: فَمَا مَلأَتْ بَطْنِي مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً. انظر: "تحفة الأحوذي". وسبيلُ ترك الأكلِ الكثير إنما هو بالتدريج، فمن اعتادَ الأكلَ الكثيرَ وانتقلَ دفعةً واحدةً إلى القليل ضعفَ وعظُمت مشقته، فينبغي أن يتدرجَ إليه قليلًا قليلًا، وذلك بأن ينقص قليلا قليلا من طعامِه المعتاد، حتى يصلَ إلى الحدّ المعتدلِ من الطعام. ثالثاً: إن كانت صلاةُ الجماعة سنةً مؤكدة، أو كانت الصلاة في أول الوقت فضيلة، فذلك يعني أن نَعَضَّ عليها بالنواجذ ونحرصَ عليها، لا أن نُهمِلَها ونتهاونَ بأدائِها، ولْنحمدِ اللهَ تعالى أن شرعَ لنا سُننَ الهدى ومناسكَ العبادةِ والخير، ولْنأخذِ العبرةَ من حالِ سلفنا من الجيل الأول. يقول ابن مسعود ﵁: (من سرّه أن يلقَى اللهَ غدًا مسلمًا فليحافِظ على هؤلاء الصلواتِ حيثُ ينادَى بهن، فإنّ اللهَ شرعَ لنبيكم سننَ الهُدى، وإنّهنَّ مِن سننِ الهُدى، ولو أنّكم صلّيتُم في بيوتِكم كما يُصَلّي هذا المتخلِّفُ في بيتِهِ لتركتُم سنةَ نبيِّكم، ولو تركتم سنةَ نبيِّكم لضلَلَتم، وما مِن رجلٍ يتطهرُ فيُحسِنُ الطهور، ثم يَعمِد إلى مسجدٍ مِن هذه المساجد، إلا كتبَ اللهُ له بكلِّ خطوةٍ يخطوها حسنة، ويرفعُه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتُنا وما يتخلَّف عنها إلا منافقٌ معلومُ النفاق، ولقد كان الرجلُ يؤتى به يهادَى بين الرجلين حتى يقام في الصف) رواه مسلم (٦٥٤) . وهذا على فرضِ كونِ صلاةِ الجماعة سنةً مؤكدةً , وقد سبق بيان وجوبها بالأدلة الدالة على ذلك , في أجوبة كثير من الأسئلة , وانظر السؤال رقم: (١٢٠) (٨٩١٨) (١٠٢٩٢) (٢١٤٩٨) (٤٠١١٣) . نسألُ اللهَ تعالى أن يوفقَنا وإياك لما يحب ويرضى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13885

ما حكم العيش مع والدة كافرة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم العيش مع والدة كافرة ونقل الزوجة لنفس البيت للعيش معها؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا مانع من أن يعيش الولد مع والدته الكافرة، أو أن تعيش هي معه، وقد يكون هذا سبباً في هدايتها إذا أحسن الولد لها في المعاملة، وأحسن في عرض الإسلام عليها، والبعد عنها قد يكون سبباً في تأخير هدايتها. والمسلم مأمورٌ بالإحسان إلى والديه وبرهما حتى لو كانوا كفَّاراً، ولا يحل للمسلم أن يعقهما أو يسيء إليهما في القول أو الفعل، على أن ذلك لا يعني أن يطيعها في المعصية أو يداهنها في الكفر الذي تعتنقه. أ. قال تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون﴾ العنكبوت / ٨. ب. وقال تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون﴾ لقمان / ١٥. ت. وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيتُ رسول الله ﷺ ، فقلت: إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال: " نعم، صِلي أمك ". رواه البخاري (٢٤٧٧) ومسلم (١٠٠٣) . ث. عن سعد بن أبي وقاص: أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفتْ أم سعد أن لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمتَ أن الله وصاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا، قال: مكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابنٌ لها يقال له " عمارة " فسقاها فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله في القرآن هذه الآية ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك على أن تشرك بي﴾ وفيها: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾ ... . رواه مسلم (١٧٤٨) . هـ. وهذه فتوى للشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في حكم طاعة الوالدين في حلق اللحية: السؤال: عن حكم طاعتك لوالدك في حلق اللحية. فأجاب الشيخ ﵀: بأنه لا يجوز لك طاعة والدك في حلق اللحية، بل يجب توفيرها وإعفاؤها؛ لقول النبي ﷺ : " أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين "، ولقوله ﷺ : " إنما الطاعة في المعروف "، وإعفاء اللحية واجب وليس بسنَّة حسب الاصطلاح الفقهي؛ لأن الرسول ﷺ أمر بذلك، والأصل في الأمر الوجوب، وليس هناك صارف عنه. " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٨ / ٣٧٧ – ٣٧٨) . وانظر جواب السؤالين (٥٠٥٣) و (٦٤٠١) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13886

هل يطيع والده ويحلق اللحى في محله ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا أعمل في محل حلاقة، وهذا المحل ملك لوالدي، ولدي أخ منَّ الله عليه بالهداية ويعمل معي بالمحل وإنه الآن متزوج وإنه يرفض حلق اللحية للزبائن لأنه يرى أن هذا حرام شرعاً وأن المال الذي يأتي من حلق اللحية حرام , أنا أعزب أعيش مع والدي، كنت أرفض حلق اللحية للزبائن أولاً، لكن أبي ضغط عليَّ وأغلق المحل، وليس لدي عمل آخر , إن أخي مصر على عدم حلق اللحية فلا يعاني ضغطاً من أبي لأنه في بيت آخر، أنا مرتبط بتجهيز وأقساط فعدت لحلق اللحية وأنا أكرهها ليفتح أبي المحل، فماذا أفعل؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قد سبق في جواب السؤالين (١١٩٠) و (٨١٩٦) حرمة حلق اللحية، وحرمة الإعانة على حلقها، سواء كان بفتح محل لحلق اللحى أم بغير ذلك. وطاعة الوالدين وبرهما واجبة، إلا أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، كما قال النبي ﷺ : (لا طاعة في معصية الله) رواه البخاري (٦٨٣٠) ومسلم (١٨٤٠) . وعليه: فلا يجوز فتح محل لحلق اللحية، ويمكنك الاكتفاء بحلق وتقصير الشعر وحف الشوارب دون التعرض للحى الناس، وفي هذا جمع بين الأمرين: فتح المحل وعدم الوقوع في الحرام. وليعلم والدك أن تحصيل الرزق يجب أن يكون وفق الشرع، وأن الله تعالى يبارك في المال الحلال القليل، ويمحق المال الحرام الكثير، وأنت لستَ مضطراً شرعاً للوقوع في هذه المعصية، وطاعة والدك ليست ملزمة لكَ لما فيها من الأمر بالمعصية. فاستعن بالله تعالى ولا تستجب لما يدعوك إليه والدك، وابحث عن عمل آخر، أو ابق في محلك من غير أن تحلق اللحى، وسيجعل لك مخرجاً، ويرزقك من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) الطلاق/٢، ٣. واقتد بأفعال خير القرون وهم صحابة النبي ﷺ ، فما كانوا ليقدموا دنياهم على دينهم، ولا نفع الدنيا على خير الآخرة، وقد كانوا يسمعون الوحي ينهاهم عن الأمر الحبيب إلى نفوسهم فيسارعون إلى تركه، وكانوا يسمعون الأمر الثقيل على نفوسهم فيسارعون إلى فعله، وأهل المدينة كانوا أهل زرع، وكان لهم نفع في بعض عقودهم، فلما جاءهم النهي عن بعضها قال أحدهم: (نهانا رسول الله ﷺ عن أمرٍ كان لنا نافعاً وطواعية الله ورسوله أنفع لنا) رواه البخاري (٢٢١٤) ومسلم (١٥٤٨) . ولم يتردد الصحابة عندما حرمت الخمر عن الامتناع عن شربها والكأس في أيديهم، ولم يؤخروا كسر الجرار بل سارعوا إلى ذلك، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: " كنتُ أسقي أبا طلحة الأنصاري وأبا عبيدة بن الجراح وأبيّ بن كعب شراباً من فضيخ - وهو تمر - فجاءهم آتٍ فقال: إن الخمر قد حرِّمت فقال أبو طلحة: يا أنس قم إلى هذه الجرار فاكسرها، قال أنس: فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى انكسرت " رواه البخاري (٦٨٢٦) ومسلم (١٩٨٠) . وبمثل هذه الاستجابة سبق أولئك الكرام من جاء بعدهم، والواجب على المسلم أن لا يتردد في ترك ما هو عليه من مخالفة للشرع، وليعلم أن هذا مقتضى إيمانه الذي رضيه لنفسه، قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا) الأحزاب/٣٦. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13887

تزوج أرملة فعارضه أهله [السُّؤَالُ] ـ[أنا رجل مسلم تزوجت أرملة لها ٤ أولاد دون موافقة أهلي، وأعيش الآن في سعادة، ونقرأ القرآن، ونحافظ على الصلوات، تزوجتها لأنني أريد أن أساعدها في حياتها وتربيتها لأبنائها الأربعة، سبب رفض والداي لزواجي هو لماذا أتحمل عبء شخص آخر، هذا غير الخزي الذي سيلحق بهم من أقاربهم. شرحت لهم التالي: أنني سعيد بتحملي لهذه المسئولية وأنني لم أكلف نفسي فوق طاقتها. لماذا لا أتحمل المتاعب لأساعد امرأة تعاني من مشاكل صحية ونفسية ومالية وأعطيها الحياة من جديد. أقاربي يهتمون بجمال الزوجة وثروتها فقط ولا يهمهم الدين. بالرغم من كل التوضيحات لهم، لكنهم رفضوني أنا وزوجتي، وقد تزوجت بالرغم من كل هذا، وأنا سعيد الآن، وأتوب إلى الله دائماً لأنني قسوت على والدي ووالدتي. سمعت أحد المشايخ يقول بأن " الجنة تحت أقدام الأمهات " (أظنني سمعتها هكذا) ، أشعر بالذنب فأرجو أن تخبرني بما يجب فعله.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ما فعلتَه من زواجك من امرأة ذات عيال وتعاني من مشاكل متعددة هو أمر تُحمد عليه وتؤجر، وخاصة إن كانت صاحبة دين كما هو ظاهر من سؤالك. فقد رغَّب الشرع للمتزوج أن يبحث عن ذات الدين، فإنها نعمَ الزوجة تكون له، تحفظ نفسها وزوجها، وتربي أولاده على ما يحب ربنا تعالى، وتطيع زوجها ولا تعصيه وزواج البكر مستحب شرعاً، وهو أفضل من زواج الثيب، لكن قد يعرض للثيب ما يجعلها أفضل من البكر كما لو كان في الزواج بها مصلحة لا توجد في البكر، أو كانت تفوق البكر في الدين والخلق. روى البخاري (٤٠٥٢) ومسلم (٧١٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلْ نَكَحْتَ يَا جَابِرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ؟ قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَهَلا جَارِيَةً تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ. فقُلْتُ: إِنَّ أَبِي قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ آتِيَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَجِيءَ بِامْرَأَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ. قَالَ فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ أَوْ قَالَ لِي خَيْرًا وَفِي رِوَايَةِ: قَالَ: أَصَبْتَ. وَفِي رِوَايَةِ لمسلم: قَالَ: فَذَاكَ إِذَنْ، إِنَّ الْمَرْأَةَ تُنْكَحُ عَلَى دِينِهَا وَمَالِهَا وَجَمَالِهَا فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ. قال الشوكاني في "نيل الأوطار" (٦/١٢٦) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ نِكَاحِ الأَبْكَارِ إلا لِمُقْتَضٍ لِنِكَاحِ الثَّيِّبِ كَمَا وَقَعَ لِجَابِرٍ اهـ. وقال السندي: (فَذَاكَ) الَّذِي فَعَلْت مِنْ أَخْذ الثَّيِّب أَحْسَن أَوْ أَوْلَى أَوْ خَيْر اهـ. فقد أصبت وأحسنت في زواجك من هذه المرأة، ولا عليك من كلام الناس بعدها، فقد فعلتَ ما فعله النبي ﷺ ، فقد كان أكثر نسائه ثيبات. ولا تشترط موافقة أهلك على زواجك، وخاصة إن كانت معارضتهم لما ذكرتَه عنهم، وقد سبق في جواب السؤال رقم (٢٠١٥٢) فتوى الشيخ عبد الله بن حميد في هذه المسألة، فلينظر، فهو مهم. وعليك أن تتوب وتستغفر من قسوتك على والديك، والواجب عليك التلطف معهما، واسترضاؤهما، ويمكنك بالجدال بالتي هي أحسن أن تتوصل لإقناعهما، فتجمع بين الأمرين: أمر زواجك ممن ترغب، وأمر رضاهما وهو مهم. ثانياً: أما حديث " الجنة تحت أقدام الأمهات " فهو غير صحيح بهذا اللفظ. وقد ورد من حديث ابن عباس وحديث أنس. أما حديث ابن عباس: فقد رواه ابن عدي في " الكامل " (٦ / ٣٤٧) ، وقال: هذا حديث منكر. وأما حديث أنس: فقد رواه الخطيب البغدادي، وهو ضعيف. قال العجلوني: وفي الباب أيضاً ما أخرجه الخطيب في " جامعه " والقضاعي في مسنده عن أنس ﵁ رفعه " الجنة تحت أقدام الأمهات "، وفيه: منصور بن المهاجر، وأبو النضر الأبار، لا يعرفان. وذكره الخطيب أيضاً عن ابن عباس ﵄، وضعَّفه. " كشف الخفاء " (١ / ٤٠١) . وقال الشيخ الألباني عن حديث ابن عباس إنه موضوع. وقال: ويغني عنه: حديث معاوية بن جاهمة أنه جاء النبي ﷺ قال: يا رسول الله أردتُ أن أغزو، وقد جئت أستشيرك فقال: هل لك أم؟ قال: نعم، قال: فالزمها؛ فإن الجنة تحت رجليها. رواه النسائي (٢ / ٥٤) وغيره كالطبراني (١ / ٢٢٥ / ٢) ، وسنده حسن إن شاء الله، وصححه الحاكم (٤ / ١٥١) ، ووافقه الذهبي، وأقره المنذري (٣ / ٢١٤) . " السلسلة الضعيفة " (٥٩٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13888

هل من العقوق سفره لطلب الرزق وتركه لوالديه ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا شاب في ٢٨ من عمري وخطبت منذ حوالي عام والحمد لله، الرزق قليل، ولكن جاءني بإذن الله عقد عمل بإحدى الدول العربية براتب حسن، ولكني أتردد في قبول الوظيفة حيث إني الابن الوحيد لوالدي، والأخ الوحيد لثلاثة بنات، فهل يعتبر سفري من أجل مستقبلي وإتمام زواجي فيه شيء من عقوق الوالدين؟ حيث إنني إن سافرت سأتركهما وحدهما وهما كبار السن، علما بأني إن تزوجت هنا لن أعيش معهما، وهما يمانعان في الانتقال من بيتهما. أسألكم إرشادي لما فيه الخير والصلاح.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إذا كان أحد والديك أو كلاهما محتاجاً إليك لخدمته ولا يوجد من يقوم بذلك بعد سفرك، فإنك لا تسافر إلا بإذنهما. فإن أذنا لك في السفر، أو كانا غير محتاجَيْن إليك، إما لكونهما يقدران على خدمة أنفسهما، أو يوجد من يخدمهما غيرك، فلا حرج عليك حينئذ من السفر لإتمام زواجك، وتحصين فرجك، ولو لم يأذنا، ولا يعد سفرك من العقوق. إلا أنه من الأحسن بلا شك إرضاؤهما، وبيان ما في السفر من مصالح لك، وأنك لن تضيعهما، وسيكون سفرك بقدر حاجتك، ثم تعود إليهما. . . ونحو ذلك. وقد نص العلماء ﵏ على جواز سفر الولد لطلب الرزق بدون إذن والديه، بشرط أن يكون السفر آمناً لا خطورة فيه على الولد، وأن يكونا غير محتاجين إليه. قال الكاساني في "بدائع الصنائع" (٧/٩٨) أثناء حديثه عن الخروج للجهاد إذا كان فرض كفاية، قال: " وَلا يُبَاحُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَخْرُجَ إلا بِإِذْنِ مَوْلاهُ , وَلا الْمَرْأَةُ إلا بِإِذْنِ زَوْجِهَا ; لأَنَّ خِدْمَةَ الْمَوْلَى , وَالْقِيَامَ بِحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ، كُلُّ ذَلِكَ فَرْضُ عَيْنٍ فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ , وَكَذَا الْوَلَدُ لا يَخْرُجُ إلا بِإِذْنِ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا إذَا كَانَ الآخَرُ مَيِّتًا ; لأَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ. وَالأَصْلُ أَنَّ كُلَّ سَفَرٍ لا يُؤْمَنُ فِيهِ الْهَلاكُ , وَيَشْتَدُّ فِيهِ الْخَطَرُ لا يَحِلُّ لَلْوَلَدِ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِ وَالِدِيهِ ; لأَنَّهُمَا يُشْفِقَانِ عَلَى وَلَدِهِمَا فَيَتَضَرَّرَانِ بِذَلِكَ , وَكُلُّ سَفَرٍ لا يَشْتَدُّ فِيهِ الْخَطَرُ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا إذَا لَمْ يُضَيِّعْهُمَا ; لانْعِدَامِ الضَّرَرِ , وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ رَخَّصَ فِي سَفَرِ التَّعَلُّمِ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا ; لأَنَّهُمَا لا يَتَضَرَّرَانِ بِذَلِكَ بَلْ يَنْتَفِعَانِ بِهِ , فَلا يَلْحَقُهُ سِمَةُ الْعُقُوقِ " انتهى. وقال السرخسي في "السير الكبير" (١/١٩٧) : " وَكُلُّ سَفَرٍ أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُسَافِرَ غَيْرَ الْجِهَادِ لِتِجَارَةٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَكَرِهَ ذَلِكَ أَبَوَاهُ , وَهُوَ لا يَخَافُ عَلَيْهِمَا الضَّيْعَةَ فَلا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ ; لأَنَّ الْغَالِبَ فِي هَذِهِ الأَسْفَارِ السَّلامَةُ , وَلا يَلْحَقُهُمَا فِي خُرُوجِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ , فَإِنَّ الْحُزْنَ بِحُكْمِ الْغَيْبَةِ يَنْدَفِعُ بِالطَّمَعِ فِي الرُّجُوعِ ظَاهِرًا , إلا أَنْ يَكُونَ سَفَرًا مَخُوفًا عَلَيْهِ مِنْهُ. . . فَحِينَئِذٍ حُكْمُ هَذَا وَحُكْمُ الْخُرُوجِ إلَى الْجِهَادِ سَوَاءٌ ; لأَنَّ خَطَرَ الْهَلاكَ فِيهِ أَظْهَرُ " انتهى باختصار يسير. وقال النووي في "المجموع" (٨/٣١٤) : " إذَا أَرَادَ الْوَلَدُ السَّفَرَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ فَقَدْ جَزَمَ الْمُصَنِّفُ (يعني: أبا إسحق الشيرازي ﵀ فِي أَوَّلِ كِتَابِ السِّيَرِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ بِغَيْرِ إذْنِ الأَبَوَيْنِ , قَالَ: وَكَذَلِكَ سَفَرُ التِّجَارَةِ لأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا السَّلامَةُ " انتهى. ثانياً: وأما عدم إقامتك معهما بعد الزواج، مع رغبتهما في بقائك معهما، فلا حرج عليك في ذلك، إن شاء الله تعالى، إذا لم يكن في ذلك تضييع لهما، أو الإضرار بهما. لاسيما وقد تكون هناك أسباب تدعو إلى ذلك، كضيق المسكن، أو رغبة الزوجة في الانفراد بمسكن مستقل- وهذا حق لها- ونحو ذلك من الأسباب. مع التنبه على أن انفرادك عنهما لا يعني عدم السؤال عنهما، ولا قضاء حوائجهما وبرهما، بل إن ذلك من أوجب الواجبات عليك لاسيما مع كبرهما، قال الله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء/٢٣، ٢٤. وبر الوالدين باب مفتوح إلى الجنة، فاحرص على إرضائهما، والإحسان إليهما، وعدم إغضابهما. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13889

الزواج من نصرانية أسلمت حديثاً ولها ولد [السُّؤَالُ] ـ[لي صديقة ممتازة أسلمت قبل شهرين، كانت متزوجة ولها ولد من زوجها النصراني، يعتبر الزواج الآن باطلاً بعد إسلامها ولديها حق رعاية الطفل، أريد أن أتزوجها وأرعى هذا الطفل ولكن والداي لا يسمحان لي بفعل هذا، أفتخر بأن أقول بأن الله استعملني لهداية هذه المرأة، ولكنني أواجه الآن هذه المشكلة، فوالداي من جهة يعارضان تماماً رغبتي في الزواج من هذه الفتاة لأنها من بلد مختلف وعاداتها وتقاليدها مختلفة وكذلك بسبب وجود طفل لها من زوجها الأول. ومن جهة أخرى فأنا أعلم بأن هذه الفتاة تحتاج للكثير من المساعدة في شؤون حياتها ودينها، وأريد مساعدتها بالزواج منها ورعاية طفلها. أرجو أن تنصحني حسب القرآن والسنة، هل أمضي قدماً في هذا الزواج أم أتركها كما يريد والداي حتى إذا علمنا أن السبب الوحيد الذي يرفضان لأجله هو أنها من بلد مختلف وتقاليد مختلفة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إن للوالدين حقا عظيما على أبنائهما، ولهذا قرن الله الأمر بالإحسان إليهما، بالأمر بعبادته سبحانه، فقال: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ... ) البقرة / ٨٣. وقال: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ... ) النساء/ ٣٦ وقال: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) الأنعام / ١٥١ وقال: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) الاسراء / ٢٣ فبرهما والإحسان إليهما، والسعي في مرضاتهما من أعظم الأعمال، وأفضل الخصال. ومعلوم أنه لا يجب على الإنسان أن يتزوج امرأة بعينها، فإذا حصل التعارض بين إرضاء والديه، والزواج بامرأة يرغب فيها، قدم رضا والديه ولا شك. وقد روى الترمذي (١٩٠٠) وابن ماجه (٢٠٨٩) عن أبي الدرداء أن رجلا أتاه فقال إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها قال أبو الدرداء سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه ". والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي. وهذا يقوله أبو الدرداء ﵁ في شأن الطلاق، وهو فوق مسألتنا هذه بمراحل، فإن الطلاق شأنه عظيم، ولهذا كان القول الصحيح أنه لا تجب طاعتهما فيه. (انظر: الآداب الشرعية لابن مفلح ١/٤٤٧) . وبناء على ما سبق، فينبغي أن تتلطف في إقناع والديك بالزواج من هذه المرأة، فإن أصرا على الرفض، فالنصيحة أن تطيعهما، والمرأة لن تعدم زوجا صالحا يتقدم لها إن شاء الله، ولك أجر هدايتها والحمد لله. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13890

والده يمنعه من صلاة الفجر في المسجد فهل يطيعه ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا عمري ١٦ سنة والمسجد قريب جدّاً من بيتنا، ولكن أبي لا يسمح لي أن أصلي الفجر فيه، ويسمح بباقي الصلوات قائلاً إنه يخاف عليَّ أن يحدث لي شيء، لأن بيننا وبين المسجد تقاطعاً، أي: شارعين متداخلين، مع أني كلمته كثيراً وحاولت إقناعه بالآيات والأحاديث، ولكن لا فائدة، فهل أذهب للصلاة من دون علمه؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: في البداية - أخي السائل - نود أن نحيي فيك هذه الهمة الطيبة والحرص على الفرائض وصلاة الجماعة، ونسأل الله لك الثبات على الدين والاستقامة، وألا تكون مثل هذه التصرفات من والدك مثبطة لك عن الاستقامة وعمل الخير والهداية، وقبل الجواب على سؤالك فينبغي أن تتذكر أمراً هاماً جداً، وهو: أن بر الوالدين وطاعتهما فريضة قد وصى الله بها في مواضع كثيرة من كتابه العزيز ومن ذلك قوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) النساء/٣٦، وقوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء/٢٣، ٢٤. واعلم أن طاعة الوالدين ملزمة لك إلا أن يأمرا بمعصية الله تعالى، فحينها لا طاعة لهما؛ لقول النبي ﷺ : (لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف) رواه البخاري (٦٨٣٠) ومسلم (١٨٤٠) . أما عن صلاة الجماعة فهي واجبة، لا يجوز للأب أن يمنع ولده المكلف منها، بل الواجب على الآباء أن يأمروا أبناءهم بها ويرغبوهم فيها ويحثوهم عليها، وإذا أحس الوالد من ولده تقصيراً في هذا الواجب فعليه أن يستشعر المسئولية التي حُمِّلَها، والرعية التي سوف يُسأل عنها أمام الله تعالى يوم الحساب، فيأمر وينهى ويذكر رعيته بما يجب عليهم تجاه ربهم من الواجبات وخطر التهاون فيها. فإن قصر الوالد في حق أولاده بأن تركهم دون أمر ونهي وترغيب في الخير وترهيب من الشر، فهذا لا يعفيهم من الإثم إن قصروا في الواجبات أو فعلوا المحرمات. فإن تعدى الأمر عند الوالد بأن ينهى أبناءه عن الواجب الذي أمرهم الله به فعندئذ لا طاعة له في معصية الله أو في ترك ما أوجب الله، فإذا أمر الأب ولده بترك صلاة الجماعة كل أوقاتها أو بعضها فقد أمر بمعصية، فحينئذ لا طاعة له، مع صحبته بالمعروف والإحسان إليه. أما عن سؤالك هل تخرج سرّاً لصلاة الفجر: فهذا طيب بالنسبة لك، لكنه يسيء إلى والدك من حيث لا تشعر، فوالدك متلبس بمعصية ما دام يمنعك من صلاة الجماعة، حتى لو خرجت سرّاً فالإثم لا يرتفع عنه، لأنه ما يزال آمراً بالمنكر، ناهياً عن المعروف، حتى لو خرجت للصلاة دون علمه، فعليك أن تحاول إقناعه أولاً بالحكم الشرعي ولو عن طريق غيرك إن كان لا يسمع منك أو يعتبرك صغيراً، فإن لم يستجب، فلا حرج عليك أن تخرج بلا إذن منه وبغير علمه، مع أخذ الحيطة والحذر في طريقك للمسجد. ثانياً: ونقول لوالدك – هداه الله – إن الله تعالى حمَّلك مسئولية عظيمة، وهي تعليم ونصح أهلك من زوجة وأولاد، وقد قال الرسول ﷺ في الحديث المتفق عليه: (كلكم راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته) . وقد أمرك الله تعالى أن تقي نفسك وأهلك ناره فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم/٦، وقول تعالى – ناصّاً على الأمر بالصلاة -: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) طه/١٣٢. قال ابن القيم ﵀: " فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى: فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبَل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسنُنه، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كباراً " انتهى. " تحفة الودود " (ص ٢٢٩) . ونحن نسألك سؤالاً مهمّاً: أين أنت عن صلاة الفجر؟! أليس من الواجب عليك أداؤها جماعة؟! أليس من الواجب عليك أن تكون قدوة لأهلك وأولادك فتصلي في بيت الله تعالى جماعة؟! إنك إن فعلت هذا أدَّيت ما أوجبه الله عليك، وأعنتَ ولدك على صلاته في المسجد، واطمأننتَ عليه إن كنتَ خائفاً من ذهابه وحده. واعلم أيها الوالد الكريم أن النبي ﷺ قد أخبرنا أن من صلى الفجر فهو في ذمة الله تعالى، فكيف تخاف على من كان في ذمته ؟! فعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ صَلَّى صَلاةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلا يَطْلُبَنَّكُمْ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) رواه مسلم (٦٥٧) . والذمة هنا الضمان، وقيل: الأمان، كما قال النووي ﵀. نسأل الله تعالى أن يوفقك لأداء الأمانة، وأن تكون قدوة صالحة لأهلك، وأن تعين ولدك على أداء الصلوات في بيت الله . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13891

هل يجوز له الكذب على والديه للخروج لطلب العلم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[بعد أن مَنَّ الله علي بالإسلام، أحببت أن أخرج لطلب العلم ولكن أبواي منعاني ويعارضان ذلك بشدة، فاضطررت إلي الخروج لطلب العلم في أحد البلاد المجاورة دون إذنهما، ومن ورائهما وكنت إذا تأخرت في المرواح إلى المنزل، يسألاني، فأكذب عليهم، إضافة إلى ذلك أنا أقضي يوماً كاملاً من الأسبوع خارج المنزل على اعتبار أنني أذاكر مع أحد الزملاء، وهكذا أقوم كثيراً بالكذب عليهم ... فسؤالي الأول ١- هل يجوز ذلك (أعني الكذب عليهم) لمعرفتي أن الكذب جريمة بشعة وذنب عظيم ولكنه هو الطريقة الوحيدة للاستمرار في طلب العلم ٢- ماذا أفعل إذا عرفا ما كنت أخفيه وواجهاني بالأمر، بالتأكيد سيمنعاني، فهل أنزل على رغبتهما أم أستمر في طلب العلم، علماً بأنهم قد يخرجاني من البيت إذ لم أفعل، وأنا ما زلت طالباً في كلية الطب، ولا أتقن أي عمل أشتغل به خارج المنزل طلباً للرزق فماذا أفعل؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: طلب العلم الشرعي قربة من أعظم القربات، وعنوان على توفيق الله للعبد ومحبته له؛ لقول النبي ﷺ : (مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) رواه البخاري (٧١) ومسلم (١٠٣٧) . وهذا العلم ينقسم إلى فرض عين؛ وإلى فرض كفاية، ففرض العين منه، ما يحتاجه المسلم لتصح عقيدته وعبادته ومعاملته. وما عدا ذلك فهو نفل في حق الفرد، فرض كفاية على مجموع الأمة. وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: هل دراسة العلم الشرعي فرض؟ فأجابوا: "العلم الشرعي على قسمين: منه ما هو فرض على كل مسلم ومسلمة، وهو معرفة ما يصحح به الإنسان عقيدته وعبادته، وما لا يسعه جهله، كمعرفة التوحيد وضده الشرك، ومعرفة أصول الإيمان وأركان الإسلام، ومعرفة أحكام الصلاة وكيفية الوضوء والطهارة من الجنابة ونحو ذلك، وعلى هذا المعنى فُسر الحديث المشهور: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) . والقسم الآخر: فرض كفاية، وهو معرفة سائر أبواب العلم والدين، وتفصيلات المسائل وأدلتها، فإذا قام به البعض سقط الإثم عن باقي الأمة " انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٢/٩٠) . ثانيا: الأصل في الكذب أنه حرام، ولا يباح إلا في حالات خاصة بينتها الشريعة، تحقيقا للمصلحة العظيمة أو دفعا للمضرة، وانظر هذه الحالات في جواب السؤال رقم (٤٧٥٦٤) . ثالثا: الخروج لطلب العلم بغير إذن الوالدين أو مع مخالفتهما، فيه تفصيل: ١- إن كان العلم فرضا متعينا، فلا يشترط إذن الوالدين، وإن منعاه فلا طاعة لهما في ذلك، إلا أن الكذب عظيم، وفي المعاريض مندوحة عنه، قال البخاري ﵀ في صحيحه: "باب المعاريض مندوحة عن الكذب. وقال إسحاق: سمعت أنسا: مات ابن لأبي طلحة، فقال: كيف الغلام؟ قالت أم سليم: هدأ نَفسُه، وأرجو أن يكون قد استراح. وظن أنها صادقة". والتعريض: ضد التصريح، والمراد به التورية، والمندوحة: الفسحة والسعة. قال الحافظ: " وشاهد الترجمة منه قول أم سليم: هدأ نَفَسُه، وأرجو أن قد استراح؛ فإن أبا طلحة فهم من ذلك أن الصبي المريض تعافى؛ لأن قولها: هدأ، بمعنى سكن. والنفَس مشعر بالنوم، والعليل إذا نام أشعر بزوال مرضه أو خفته، وأرادت هي أنه انقطع بالكلية بالموت، وذلك قولها: وأرجو أنه استراح. فهم منه أنه استراح من المرض بالعافية، ومرادها أنه استراح من نكد الدنيا وألم المرض، فهي صادقة باعتبار مرادها، وخبرُها بذلك غير مطابق للأمر الذي فهمه أبو طلحة، فمن ثَمَّ قال الراوي: وظن أنها صادقة، أي باعتبار ما فهم". انتهى من "فتح الباري" (١٠/٥٩٤) . وقال ابن قتيبة ﵀: " فمن المعاريض قول إبراهيم الخليل ﷺ في امرأته: إنها أختي، يريد أن المؤمنين إخوة ". انتهى من "تأويل مختلف الحديث" ص ٣٥. فلو سئلتَ عن تأخرك مثلا فلك أن تقول: إنك كنت تذاكر أو تدرس مع زميلك، فيُظن أنك تقصد مذاكرة دروس الطب، والواقع أنك تقصد الدروس الشرعية، أو أن تقول: كنت عند زميلي، وتقصد زميلك في طلب العلم، أو أنك مررت على زميلك بالفعل بعد رجوعك من درس العلم، وهذه المعاريض إنما تستعمل عند الحاجة، وأما الإكثار منها بغير حاجة فلا؛ لأن ذلك باب إلى الكذب، وسقوط الهيبة، وانعدام الثقة فيما يقوله المرء. وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: هل طلب العلم المفروض مشترط فيه إذن الأبوين أم لا؟ فأجابوا: طلب العلم الذي يتوقف عليه صحة إيمانك وأداء الفرائض، لا يتوقف على إذن الوالدين، وما كان من العلوم فرض كفاية فاستأذن فيه الوالدين " انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٢/٧٨) . ٢- وإن كان الوالدان يمنعان من حضور حلقات العلم كراهة في العلم الشرعي، فلا إذن لهما ولا طاعة في ذلك، قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " ... وأما إذا علم كراهة الوالدين للعلم الشرعي فهؤلاء لا طاعة لهما، ولا ينبغي له أن يستأذن منهما إذا خرج؛ لأن الحامل لهما كراهة العلم الشرعي " وانظر تمام كلامه في جواب السؤال رقم (١١٥٥٨) . ٣- وإن كان الخروج لطلب العلم يستلزم السفر والغياب عنهما مع حاجتهما إليك لخدمتهما ونحو ذلك، فلابد من إذنهما؛ أما إذا كان طلب العلم في البلد التي أنت بها، ولا يحتاجان إليك فترة غيابك فلا يشترط إذنهما في ذلك. روى الخلال عن أحمد ﵀: " أن رجلا سأله: إني أطلب العلم، وإن أمي تمنعني من ذلك، تريد حتى أشتغل في التجارة؟ قال لي: دارِها وأَرضها، ولا تدع الطلب. وقال ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (١/٦٤٦) : "ذكر صاحب النظم: لا يطيعهما في ترك نفل مؤكدٍ، كطلب علم لا يضرهما به" انتهى. رابعا: ينبغي أن تعلم أن طرق تحصيل العلم كثيرة، لا سيما في هذا الزمن الذي انتشرت فيه الأشرطة والاسطوانات والكتب، فمن ذلك: ١-الاستفادة من الكتب والأشرطة والشروح الموجود على الإنترنت. ٢-الاستفادة مما يعرض في بعض القنوات الفضائية، كالدروس العلمية النافعة التي تعرضها قناة المجد التعليمية. ٣-قراءة الكتب، مع سؤال أهل العلم، عن طريق الإنترنت وغيره، عما أشكل. وانظر جواب السؤال رقم: (٢٠١٩١) ففيه بيان كيفية طلب العلم. نسأل الله لك التوفيق والسداد. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13892

هل يحق للابن أو للبنت رفض من اختاره لهما والداهما في الزواج [السُّؤَالُ] ـ[إلى أي مدى يحق للوالدين اختيار رفيق حياة ابنهما؟ وما هو الحكم إن هما أجبراها على الزواج من أحد أقاربها ولم يكن هو الاختيار النهائي في ذهنها الذي ترغب في الارتباط به؟ وإلى أي حد تكون مذنبة إن هي رفضت؟ هل يحق لها رفض الشخص الذي قام والداها باختياره لها؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الأصل أن من شروط النكاح رضا الزوجين؛ لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: " لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا الأيم حتى تستأمر. قالوا: يا رسول الله، كيف إذنها؟ قال: أن تسكت " أخرجه البخاري (٥١٣٦) ، ومسلم (١٤١٩) . فالرضى معتبر بالنسبة للزوج، وكذلك أيضا بالنسبة للزوجة، فلا يحق للوالدين أن يجبرا ابنهما أو ابنتهما على أن يتزوج زوجا لا يرغبه. لكن إذا كان الزوج الذي اختاره الوالدان صالحا فإنه ينبغي للولد سواء كان ذكرا أو أنثى أن يطيع والديه في ذلك؛ لقوله ﷺ : " إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه " أخرجه الترمذي (١٠٨٤) ،وابن ماجه (١٩٦٧) . حسنه الألباني في صحيح الترمذي (٨٦٥) لكن إذا كانت هذه الطاعة قد تسبب فرقة بعد ذلك فإنه لا يلزمه أن يطيعهما في ذلك؛ لأن الرضا أساس العلاقة الزوجية، وهذا الرضا لا بد أن يكون وفق الشريعة، وذلك بأن يرضى ذا الخلق والدين. الشيخ: د. خالد المشيقح ولا يعتبر الولد عاصياً أو مذنباً إذا لم يطع والديه في ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وليس للأبوين إلزام الولد بنكاح من لا يريد، فإن امنتع فلا يكون عاقاً، كأكل ما لا يريد ". الإختيارات (٣٤٤) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13893

إذن الوالدين لحج التطوع والفريضة [السُّؤَالُ] ـ[هل له الحج بغير إذن والديه، ويصح حجه، والخروج في طلب العلم، وهل يأثمان بمنعه؟]ـ [الْجَوَابُ] لهما منعه من حج التطوع، ولا يأثمان بذلكم، وليس لهما منعه من الحج المفروض، ويأثمان بمنعه، ومتى حج بغير إذنهما صح حجه مطلقاً - وإن كان عاصياً في التطوع - وله السفر في طلب العلم بغير إذنهما. [الْمَصْدَرُ] من كتاب فتاوى الإمام النووي ص ٩٤

стр. 13894

هل للوالد أن يأخذ من مال أولاده ما يشاء ولو كان غنيّاً [السُّؤَالُ] ـ[في الحديث الشريف في باب حق الأب على الابن قال ﵇: (أنت ومالك لأبيك) فهل هذا الكلام ينطبق على البنت التي تعمل براتب جيد، ولو أن والدها ليس بحاجة مادية إليها ما دامت تحت ولايته؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الحديث يعم الابن والبنت، ويدل على ذلك أيضاً قوله ﷺ في حديث عائشة ﵂: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم) رواه الخمسة، لكن يُشترط ألا يكون في ذلك ضرر بيّن على الولد ذكراً كان أو أنثى، لقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) وما جاء في معناه من الأدلة وأن لا يأخذ الوالد ذلك تكثراًً بل يأخذه لحاجة. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم [الْمَصْدَرُ] فتاوى اللجنة الدائمة (٢١/١٨٠) .

стр. 13895

هل يطيع والديه أم يطبق السنة [السُّؤَالُ] ـ[سنة النبي ﷺ مهمة جدا. والمثال الذي أسمعه دائما هو أن الفرائض هي مثل جدر البيت، والسنن هي مثل أثاثه. وعليه فإن سؤالي هو: إذا كان الشخص يواجه معارضة من والديه تجاه ارتدائه للملابس الموافقة للسنة، وأكله ونومه حسبما جاءت به السنة.. الخ، فهل يترك من هو في مثل هذا الوضع القيام بتلك السنن إرضاءً لوالديه؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله عليه أن يُقنع أبويه ويبيّن لهما السنة في اللباس والأكل والنوم ونحو ذلك، فإذا أصرّ كلاهما أو أحدهما فله أن يطيعهما في اللباس والأكل والنوم الذي لا يخالف نصا ولا دليلا واضحا حيث أن الأصل في اللباس ونحوه الإباحة، وأنه يرجع في ذلك إلى العادة لأن هذه الأمور من العادات الطبيعية التي كان النبي ﷺ يفعلها قبل الإسلام ويفعلها غيره، فلا حرج على المسلم إذا لبس لباس أهل بلده وأكل مما يناسبهم، ووافقهم فيما لا يخالف نصا صريحا سيّما إذا كان الوالدان يأمرانه بذلك. الشيخ ابن جبرين. أما إذا أمراه بأمر يخالف الشريعة في اللباس، مثلاً كالإسبال وتطويل اللباس ليجاوز الكعبين أو أمراه أن يأكل بالشمال مثلاً فلا يطعهما في هذا مع استعمال الرفق معهما، والله اعلم. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 13896

أمه تميل إلى زوجة أخيه أكثر من زوجته [السُّؤَالُ] ـ[والدتي لا تصلي أبدا، وهي تقع في الغيبة وتكرهني لأني واجهتها بتعاليم الدين الإسلامي. ولقد اصطحبتها معي للحج رجاء أن تتبع الطريق المستقيم بإذن الله. والآن، فهي متعلقة كثيرا بأخي الأصغر، وبعد أن تزوج، فقد أصبحت تصرف على زوجته بشكل مستمر. أما زوجتي فإنها تطيعها بهدوء وتقوم بكل أعمال المنزل الروتينية. كما أن والدتي كانت تلعنني دائما. فهل أعاملها بصرامة، أم أن ذلك يخالف تعاليم الإسلام؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله مهما فعلت والدتك من أخطاء تجاهك فينبغي أن تتحمل وتصبر، بل ينبغي أن تستثمر وجودها على قيد الحياة لتعتني ببرها ففي ذلك أجر عظيم. وقد بكى أحد السلف حين مات أحد والديه فقال: كان لي بابان إلى الجنة فأغلق أحدهما. بل قال النبي ﵊: " رغم أنف من أدرك والديه أو أحدهما عند الكبر ثم لم يغفر له ". والوالدان يصعب أن يتحكما في عواطفهما، ويحصل منهما كثيرا أن يميلا لبعض الأولاد دون بعض، فعلينا أن نتحمّل ذلك منهم ونصبر، وعما قريب سنكون _ إن طال بنا العمر _ مكانهما. الشيخ محمد الدويش. وإذا استمرت أمك على ترك الصلاة فعليك الاستمرار في دعوتها بالحسنى واللين والرفق وتجتهد لها بالدعاء لعل الله أن يهديها. وتارك الصلاة بالكلية كافر ولكنَّ الوالدين يعاملان معاملة خاصة حتى لو كانا كافرين لقوله تعالى: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً) لقمان/١٥. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 13897

اختلف مع والديه قبل دخول رمضان فبم تنصحونه ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم من بدأ صيام الشهر الفضيل وهو على خلاف مع والديه على مصاريف البيت التي يحملونه إياها دون مشاركة عادلة من قِبلهم علماً بأنهم يستطيعون المساعدة؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أوجب الله تعالى برَّ الوالدين، ونهى عن عقوقهما، وأمر بمصاحبتها بالمعروف، وكل ذلك واضح مبيَّن في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ . انظر أجوبة الأسئلة: (٥٣٢٦) و (٣٠٨٩٣) و (٢٢٧٨٢) . ولم يُشرع الصيام من أجل الجوع والعطش، بل قد ذكر الله تعالى الحكمة العظيمة، والفائدة الجليلة من تشريع الصيام، وهو أن يحصِّل العبد به تقوى الله تعالى. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة/١٨٣. والتقوى: هي فعل الطاعات وترك المعاصي. ومن هنا أخبر النبي ﷺ عن صوم كثير من الناس، وأنه لا ينالهم إلا الجوع والعطش. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر ". رواه ابن ماجه (١٦٩٠) . وصححه ابن حبان (٨ / ٢٥٧) والألباني في " صحيح الترغيب " (١٠ / ٨٣) . وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " ربَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر ". رواه الطبراني في " الكبير " (١٢ / ٣٨٢) . وصححه الألباني في " صحيح الترغيب والترهيب " (١٠٨٤) . وكما ينبغي للمسلم أن يتحيَّن فرصة إدراك والديه أو أحدهما ليدخل الجنة بسبب ذلك: فإنه ينبغي أن يتحيَّن فرصة رمضان ليتوب ويستغفر ويتقي ربه تعالى ليدخل بسبب ذلك الجنة. عن أبي هريرة ﵁ قال: صعد النبي ﷺ المنبر فقال: آمين، آمين، آمين، قيل يا رسول الله إنك صعدت المنبر فقلت: آمين آمين آمين، قال: أتاني جبريل ﵊ فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين، فقال: يا محمد، ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين، قال: ومن ذُكرتَ عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين. رواه ابن حبان (٣ / ١٨٨) ، وصححه الشيخ الألباني في " صحيح الترغيب " (١٦٧٩) . والخلاصة: أنه يجب عليك أن تحرص على رضا والديك ولو حمَّلاك فوق طاقتك، فإنك إن احتسبتَ ذلك فتح الله لك – إن شاء – أبواباً من الرزق، ولا داعي للتحسس من طلب الأهل مالاً للنفقة، وحيث أنهم لم يطلبوا ذلك المال للحرام والمعصية فهو أمر غير مستنكر. ويمكنك التكلم معهم - إن كانوا قادرين - بالحسنى، وإفهامهم بحاجتك وعدم قدرتك على أكثر مما تدفع، وكذا يجب عليك أن تساعدهم وتنفق عليهم بما تستطيعه إن كانوا محتاجين. ودخول شهر رمضان فرصة لإصلاح ما بينك وبينهم، وفرصة للبذل والعطاء، وأكثر الأبواب في البذل والعطاء أجراً هو الإنفاق على الأهل كما في حديث: حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى ... ) رواه البخاري (١٤٢٨) ومسلم (١٠٣٤) ، فأنفق واحتسب الأجر عند الله، وأبشر بالذي يسرك من ربك تعالى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13898

أبوهم في حالة خرف وطلق أمهم فهل يقع؟ وهل يضعونه في دار المسنين ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أبي رجل طريح الفراش وعنده من الأمراض ما عنده وأحيانا لا يدرك ما يقول، وأحياناً أخرى تجده يحسب المال بالقرش كما أنه كثير سباب الدين ونظره ضعيف مع العلم بأنه لا يسمع بالمرة، وكثيراً ما يتبول في فراشه ثم يلقى بوله على الأرض وعندما نصل إليه ونسأله يرد مرة بالإنكار ومرة علشان تمسحوا بالعند، وذات مرة توضأت أمي فنادى عليها فذهبت له فرش عليها البول فنهرته أمي فقال لها: سوف أطلقك وبعد قليل قال لها أنت طالق، فماذا عن هذا الطلاق؟ وكيف نتعامل مع هذا الأب وهو وصل إلى حالة سيئة جدّاً ولا يحتمل؟ فهل لنا أن نودعه دار المسنين؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الذي يظهر من تصرفات والدكم أنه بلغ مرحلة الخرف، وبها تسقط عنه التكاليف الشرعية، فلا يؤمر بصلاة ولا صيام، ولا يقع منه يمين ولا نذر ولا طلاق. وإذا استطعتم الصبر على تصرفاته وتحملها فافعلوا، وإن لم تستطيعوا فلا حرج عليكم في الذهاب به إلى دار ترعى المسنين، على أن تستمروا في بره وزيارته، وتلبية احتياجاته المادية والمعنوية قدر استطاعتكم. واعلموا أن الله تعالى قد أوصاكم بوالديكم خاصة عند الكبَر لشدة الحاجة في ذلك الوقت، وقد نهى الله تعالى عن التضجر والإساءة بالفعل والقول ولو بقول " أف ". قال الله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء/٢٣، ٢٤. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: ثم ذكر [الله ] بعد حقه القيام بحق الوالدين فقال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: أحسنوا إليهما بجميع وجوه الإحسان القولي والفعلي لأنهما سبب وجود العبد ولهما من المحبة للولد والإحسان إليه والقرب ما يقتضي تأكد الحق ووجوب البر. ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ أي: إذا وصلا إلى هذا السن الذي تضعف فيه قواهما ويحتاجان من اللطف والإحسان ما هو معروف: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ وهذا أدنى مراتب الأذى نبه به على ما سواه، والمعنى لا تؤذهما أدنى أذية. ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ أي: تزجرهما وتتكلم لهما كلاما خشنا، ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ بلفظ يحبانه وتأدب وتلطف بكلام لين حسن يلذ على قلوبهما وتطمئن به نفوسهما، وذلك يختلف باختلاف الأحوال والعوائد والأزمان. ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أي: تواضع لهما ذلا لهما ورحمة واحتسابا للأجر لا لأجل الخوف منهما أو الرجاء لما لهما، ونحو ذلك من المقاصد التي لا يؤجر عليها العبد. ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ أي: ادع لهما بالرحمة أحياء وأمواتا، جزاء على تربيتهما إياك صغيراً. وفهم من هذا أنه كلما ازدادت التربية ازداد الحق، وكذلك من تولى تربية الإنسان في دينه ودنياه تربية صالحة غير الأبوين فإن له على من رباه حق التربية. " تفسير السعدي " (ص ٤٠٧، ٤٠٨) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13899

أمره والده ببيع السيارة خوفاً عليه من وقوع حادث له فهل يستجيب له ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا أدرس خارج بلدي وفي بلد مسلم ومعي أولادي، ظروف هذا البلد والمكان الذي أدرس فيه يقتضي أن أمتلك سيارة للتنقل من وإلى الجامعة وغيرها، وقد اشتريت سيارة وأفادتني كثيراً في مجال عملي، إلا أن والدي ما أن سمع الخبر أرسل لي برسالة يطلب مني أن أبيع هذه السيارة فوراً بسبب الزحام في السير وخوفه من وقوع مكروه لا سمح الله لي، علما أن الدراسة صعبة جدّاً بدون توفر وسيلة المواصلات خاصة في هذا البلد مما قد يضطرني إلى ترك الدراسة والعودة إلى الوطن في حالة البقاء بدون مواصلات. أفيدوني جزاكم الله خيراً في هذه المسألة، وهل يعتبر عدم تنفيذ أوامر الوالد في هذا الناحية عصياناً؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يعتبر اقتناء السيارة الآن في كثير من الأحوال من الحاجيات وليس من الكماليات، وإذا كنت تحسن القيادة فلا مسوِّغ لمنع والدك لك من اقتناء سيارة وركوبها. وأما الحوادث فإنك لن تترك ركوب السيارات من وإلى مكان دراستك، والحوادث لا تفرق بين القائد والمقود. فالذي يظهر أنه لا يجب عليك طاعة والدك في هذا، وينبغي لك التلطف معه، ومحاولة إقناعه بذلك وعدم مواجهته بمخالفة أمره. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13900

تزوج امرأة غير التي يريدها أبواه [السُّؤَالُ] ـ[عقدت النكاح على ابنة عمي في حفل خطوبتنا وكان مقرراً أن نحتفل بزفافنا في تاريخ لاحق. وقد جئت إلى الولايات المتحدة وتزوجت فتاة مسلمة أخرى دون أن أخبر أبويّ. ومضى على زواجنا الآن أربعة أشهر. وقد أخبرت أبوي بذلك فتضايقا وهما يريدان أن أطلق زوجتي وأتزوج ابنة عمي. ولكنهما الآن يقولان أن علي أن أتزوج ابنة عمي سواء أطلقت زوجتي أم لا. غير أنني أعلم أنني لن أستطيع أن أعدل بينهما. وأنا لم ألمس ابنة عمي أبداً، ولكني أعيش مع زوجتي الثانية منذ أربعة أشهر الآن. فكيف أتصرف؟ جزاك الله خيراً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا كانت زوجتك التي معك الآن ذات دين وخلق فلست ملزما بطلاقها، وإذا كنت مطيقا للعدل بين زوجتين فلبّ طلب أبويك بالزواج من قريبتك المذكورة، داخلا في قوله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) النساء ٣، فإن خفت عدم العدل وظننت عدم القيام به فاكتف بواحدة، سواء الأولى أو الثانية امتثالا لقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) النساء آية ٣، واسع بكلّ حال في استرضاء والديك، والله وليّ التوفيق. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد
следующие страницы →