← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 14001–14040 · переход к 14006.

стр. 14001

مرطبات الجسم المحتوية على دهون حيوانية [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز لنا استعمال مرطب للجسم ويحتوي على دهون حيوانية؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله استعمال مرطب الجسم إذا كان مشتملا على دهون حيوانية إن كانت هذه الحيوانات مأكولة اللحم، ومذكّاة تذكية شرعية فلا بأس وإلا فلا يجوز. [الْمَصْدَرُ] الشيخ: عبد الكريم الخضير.

стр. 14002

إجراء العمليات الجراحية للكلاب ! [السُّؤَالُ] ـ[أنا طالب في السنة الأخيرة بكلية الطب البيطري، وكثيراً ما نعمل عمليات جراحية للكلاب والقطط، وأحياناً تكون هذه العمليات علاجاً لبعض الأورام الخبيثة، أو لأسباب أخرى، لكن الذي لفت انتباهي في هذه الأيام – وللأسف الشديد- أن بعض الناس يقلدون الغرب، فترى أحدهم يأتي بالكلب، ويريد أن تعمل عملية خصي أو استئصال رحم أو مبايض أو قطع ذيل..إلخ، وليس هناك داع لهذه العملية، ولكن فقط لرغبة صاحب القطة أو الكلب، وطبعاً كثير من هؤلاء الناس لا يستخدمون الكلاب للحراسة، وإنما يكون داخل البيت. والسؤال: ما حكم هذه العمليات التي ليس لها ضرورة سوى رغبة صاحب الحيوان؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "أولاً: ثبت أن النبي ﷺ قال: (من اتخذ كلباً إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية انتقص من أجره كل يوم قيراط) خرجه الشيخان في صحيحيهما، وقال ﵊: (من اقتنى كلباً لا يغني عنه زرعاً ولا ضرعاً نقص من عمله كل يوم قيراط) متفق على صحته. وبهذه النصوص وغيرها يعلم أن ما وقع فيه بعض المسلمين من اقتناء الكلاب لغير مسوغ من المسوغات الثلاثة التي نص عليها النبي ﷺ ، وإنما يفعل ذلك تشبهاً بالكفار، أو لمجرد التسلية واللهو – أنه محرم، ولا يسوغ بحال. ثانياً: يجب أن يكون التعامل مع الحيوانات المباحة في مداواتها وتغذيتها بقدر الحاجة، وأن لا تزيد النفقة عليها إلى حد الإسراف والتبذير، فذلك من عمل إخوان الشياطين، كما قال تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) الإسراء/٢٧، وما ذكر في السؤال من كون بعض الناس يعمد إلى شيء من هذه الحيوانات فيجري لها عمليات لا تدعو الحاجة إليها، بل هي إلى اللهو والعبث أقرب – لا شك أنه محرم؛ لكونه تغييراً لخلق الله، أو تمثيلاً بالحيوان، وهذا من عمل الشيطان، كما قال الله تعالى عنه: (لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) النساء/١١٨، ١١٩، وقال النبي ﷺ لما مُرَّ عليه بحمار قد وسم في وجهه: (لعن الله الذي وسمه) خرجه مسلم في صحيحه، إضافة إلى أن هذه العمليات تبذير وإسراف وإنفاق للمال في غير محله، واللائق بحال المسلم الاقتصاد في صرف الأموال واستعمال المباحات، وأن لا تكون الدنيا أكبر همه ومنتهى أمله، قال الله تعالى في صفات عباده الصالحين: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) الفرقان/٦٧، هذا في الأمور الجازة، فكيف بغيرها؟! والإنسان مسئول يوم القيامة عن كل درهم حصله؛ من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ . وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ بكر أبو زيد. "فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/١٦٤) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14003

دفن الحيوان بعد موته [السُّؤَالُ] ـ[أود أن أسألكم عن الهوام، مثل الحية، وغيرها من الهوام، إذا قدرني الله عليها وقتلتها، هل أقوم بدفنها، أو أتركها مكشوفة على الأرض؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " الأمر في ذلك واسع؛ لأنه لم يرد في الشرع نص يدل على مشروعية دفنها، ولا على النهي عن ذلك، والأولى دفنها لئلا يتأذى بها أحد. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم " انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز.. الشيخ عبد الرزاق عفيفي.. الشيخ عبد الله بن غديان.. الشيخ عبد الله بن قعود. "فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٨/٤٤٤) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14004

قتل الحشرات بالصعق الكهربائي [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم قتل الذباب بالصعق الكهربائي؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا حرج من استعمال آلات الصعق الكهربائي المعروفة اليوم في قتل الحشرات والتخلص منها، وذلك لعدة أوجه: ١- المحذور هو القتل بالنار، لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَاّ اللَّهُ) رواه البخاري (٣٠١٦) ، وَرَأَى النبي ﷺ قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حرقها بعض الصحابة بالنار فقال: (إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ) رواه أبو داود (٢٦٧٥) وصححه النووي في "رياض الصالحين" (٥١٩) والألباني في "السلسلة الصحيحة" (٤٨٧) . وأما الصعق الكهربائي فإنه يختلف عن النار؛ لأن القتل بالكهرباء عبارة عن تفريغ شحنات لتدمير الخلايا، وتكسير الدم بشكل سريع، وإذا زادت قوتها إلى حد كبير أحدثت حرارةً تَظهر على المقتول بتغير لونه وتفحمه، فيبدو كأنه أحرق بالنار، ولكن الواقع أنها الكهرباء وليست النار. ٢- الحاجة الظاهرة لهذه الوسيلة النافعة في قتل الحشرات المؤذية. وقد صدرت فتاوى من أهل العلم المعاصرين في جواز هذه الطريقة في قتل الحشرات: سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: ما حكم قتل الحشرات بالصعق الكهربائي؟ علما بأن النبي ﷺ قد أمر بحسن القتلة وحسن الذبحة. فأجابوا: "إذا كانت هذه الحشرات مؤذية بالفعل، ولا سبيل للتخلص من أذاها إلا بقتلها بالصعق الكهربائي ونحوه، جاز قتلها بذلك، استثناء من الأمر بإحسان القتلة للضرورة، لعموم قوله ﷺ : (خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور) البخاري ومسلم. ولأمره ﷺ بغمس الذباب في الشراب، وقد يكون في ذلك قتل له " انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٦/١٩٢) . وقال الشيخ ابن عثيمين عن هذه الأجهزة في "فتاوى نور على الدرب" (الحيوانات/ص ٢) : " لا بأس بها لوجوه: الوجه الأول: أن صعقها ليس فيه إحراق، ولكنه صعق يمتص الحياة، بدليل أنك لو وضعت ورقة على هذه الآلة لم تحترق. ثانياً: أن الواضع لهذا الجهاز لم يقصد تعذيب البعوض والحشرات بالنار، وإنما قصد دفع أذاها، والحديث (نهى أن يعذب بالنار) ، وهذا ما عذب هذه إلا لدفع أذاها. الثالث: أنه لا يمكن في الغالب القضاء على هذه الحشرات إلا بهذه الآلة، أو بالأدوية التي تفوح منها الرائحة الكريهة، وربما يتضرر الجسم منها، ولقد أحرق النبي صلى الله عليه وعلى وسلم نخل بني النضير، والنخل عادةً لا يخلو من طير أو حشرة أو ما أشبه ذلك " انتهى. وفي "لقاءات الباب المفتوح" (لقاء رقم ٥٩/ سؤال رقم ١٢) : " نرى أنه لا بأس به، وأن هذا ليس من باب التعذيب بالنار؛ لأنه حسب ما نعرف عنه أن الحشرة تموت بالصعق الكهربائي، ويدل لهذا أنك لو أتيت بورقة وألصقتها بهذا الجهاز لم تحترق، مما يدل على أن ذلك ليس من باب الاحتراق، لكن من باب الصعق، كما أن البشر لو مس سلك الكهرباء مكشوفاً لهلك بدون احتراق " انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14005

حكم إخصاء الحيوانات [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم خصاء الحيوانات كالأغنام والخرفان والأحصنة والبقر وغيرها في الإسلام بهدف التسمين أو أي أسباب أخري؟ وإذا كان يحرم ذلك هل هناك بعض الحالات التي يسمح بها الإسلام؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله خصاء الحيوانات كالأغنام والأبقار لا حرج فيه إذا كان لمصلحة، كالرغبة في سمنها وطيب لحمها، وقد ضحى النبي بالخصي من الغنم، كما روى أحمد وابن ماجه (٣١٢٢) أن النبي ﷺ ضحى بكبشين عظيمين موجوءين. صححه الألباني في صحيح ابن ماجه. والوجاء هو الخصاء، كما قال الخطابي وغيره. وللفقهاء خلاف في هذه المسألة حاصله ما جاء في "الموسوعة الفقهية" (١٩/١١٢) : " قرر الحنفية أنه لا بأس بخصاء البهائم؛ لأن فيه منفعة للبهيمة والناس. وعند المالكية: يجوز خصاء المأكول من غير كراهة؛ لما فيه من صلاح اللحم. والشافعية فرقوا بين المأكول وغيره، فقالوا: يجوز خصاء ما يؤكل لحمه في الصغر، ويحرم في غيره. وشرطوا أن لا يحصل في الخصاء هلاك. أما الحنابلة فيباح عندهم خصي الغنم لما فيه من إصلاح لحمها، وقيل: يكره كالخيل وغيرها" انتهى. وقد ورد في النهي عن إخصاء البهائم والخيل خاصة حديث، لكنه ضعيف. وذلك لما رواه أحمد (٤٧٦٩) عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن إخصاء الخيل والبهائم. وقال ابن عمر: فيها نماء الخلق. قال شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند: إسناده ضعيف وقد روي موقوفا ومرفوعا وموقوفه هو الصحيح. وقد كره مالك وغيره خصاء الخيل، وقال: لا بأس بإخصائها إذا أكلت. "المنتقى" للباجي (٧/٢٦٨) . وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه: " وأما الخصاء فهو جائز إذا كان فيه مصلحة، ولكن يجب أن تتخذ الإجراءات اللازمة لمنع تألم البهيمة " انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (٣٧/١٥) . والحاصل: أن خصاء البهائم مأكولة اللحم لا حرج فيه عند جمهور العلماء، ما دام ذلك لمصلحة، وروعي فيه عدم تعذيب الحيوان. وراجع السؤال رقم (١٠٥٠٢) لمزيد الفائدة. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14006

قلع أظافر القط لئلا يؤذي وإخصاؤه [السُّؤَالُ] ـ[لدينا هرّ في البيت ونحن نبقيه عندنا على أنه حيوان أليف نستمتع بوجوده. وسؤالنا يتعلق بالخصي/استأصال المبايض وقلع أظفار الحيوانات. هل يجوز لنا قلع أظفار يدي القط الأماميتين بشكل دائم من أجل حماية أفراد العائلة وحماية أثاث المنزل من خدش أظفاره؟ وهل يجوز إجراء عملية جراحية له تمنعه من التناسل (مع أنه يمكنه القيام بالأعمال الجنسية لكن لا يمكنه أن يتوالد) ؟ لقد أخبرنا البيطري أنه ما لم تجرى عليه عملية لخصيه , فإنه من المتوقع أن يقوم بتحديد منطقته عن طريق التبول على الأثاث وفي أماكن عديدة داخل البيت.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا بأس – إن شاء الله – من قلع أظفار القط، لكن بشرط أن يكون ذلك من غير أذى، والطرق الطبية في هذا الوقت كثيرة، وأذية البهائم محرمة. ثانياً: منع قطتك من التناسل منع لغريزة فطر الله خلقه عليها، ولا شك أن البهائم حكمها أهون من الإنسان، لكن لا يعني هذا التعدي على خلق الله تعالى. وإذا تسببت هذه العملية بأذى، أو أحدثت مضاعفات مع القطة فإن هذا الفعل لا يجوز، وتحريم الأذى عام في البشر والبهائم، وهذه بعض الأحاديث الدالة على ذلك: عن ابن عمر ﵄: عن النَّبيِّ قَالَ: " دَخَلَت امْرأةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأرْضِ ". " خشاش الأرض ": هوامُّها مِن فأرة ونحوها. رواه البخاري (٣١٤٠) ومسلم (٢٢٤٢) ، وعندهما عن أبي هريرة كذلك. وعن جابر بن عبد الله: أنَّ النَّبيَّ ﷺ مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ قَدْ وُسِمَ في وَجْهِهِ فقَالَ: " لَعَنَ الله الذي وَسَمَهُ ". رواه مسلم (٢٢١٧) . وقد اختلف العلماء في خصاء غير الآدمي على أقوال: فالحنفية قالوا: إنه لا بأس بخصاء البهائم؛ لأن فيه منفعة للبهيمة والناس. والمالكية قالوا: يجوز خصاء المأكول من غير كراهة؛ لما فيه من صلاح اللحم. والشافعية: فرقوا بين المأكول وغيره، فقالوا: يجوز خصاء ما يؤكل لحمه في الصغر، ويحرم في غيره، وشرطوا أن لا يحصل في الخصاء هلاك. أما الحنابلة: فيباح عندهم خصي الغنم لما فيه من إصلاح لحمها، وقيل: يكره كالخيل وغيرها. وقد قال الإمام أحمد: لا يعجبني للرجل أن يخصي شيئاً، وإنما كره ذلك للنهي الوارد عن إيلام الحيوان. انظر: " المجموع " (٦ / ١٥٥) ، " الآداب الشرعية " (٣/ ١٤٤، ١٤٥) ، " الفتاوى الهندية " (٥ / ٣٥٨) وفيها التنصيص على خصاء القط بقولهم: (خصاء السنور إذا كان فيه نفع أو دفع ضرر لا بأس به، كذا في " الكبرى ") ، " الفواكه الدواني " (٢ / ٣٤٦) . لذا نقول: إذا كان في خصاء القط منفعة، ولم يكن فيه هلاكٌ له: فيجوز. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: إذا كانت القطط كثيرة مؤذية، وكانت العمليَّة لا تؤذيها: فلا حرج؛ لأن هذا أولى من قتلها بعد خلقها.. وأما إذا كانت قططاً معتادة ولا تؤذي: فلعلَّ في بقائها تتنامى خيراً. " فتاوى إسلامية " (٤ / ٤٤٨) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 14007

مصير الحيوانات يوم القيامة [السُّؤَالُ] ـ[ماتت قطتي، البالغة من العمر ٢٠ عاما، مؤخراً. وقامت قريباتي الصغيرات (بنات أخ/أخت) بالسؤال عن ما إذا كانت الحيوانات تدخل الجنة. ولم أتمكن من الجواب على ذلك لأني لا أعرف. فهل تذهب الحيوانات للجنة/النار؟ وكيف لنا أن نكفّر عن معاملتنا (؟) إذا كنا قد عاملنا الحيوانات بقسوة (خصوصا بعد موتها) ؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا السؤال من شقَّين: الشِّق الأول: هو مصير الحيوانات في الآخرة: يقول الله تعالى: (وإذا الوحوش حشرت) التكوير/٥ وقال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) الأنعام/٣٨، قال ابن عباس: يحشر كل شيء حتى الذباب. والحيوانات يوم القيامة يقتص بعضها من بعض، فقد جاء من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ رواه مسلم (البر والصلة والآداب/٤٦٧٩) . وجاء في الحديث: (يقضي الله بين خلقه الجن والإنس والبهائم، وإنه ليقيد يومئذ الجماء من القرناء، حتى إذا لم يبق تبعة عند واحدة لأخرى قال الله: كونوا ترابا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يا ليتني كنت تراباً) قال الشيخ الألباني: صحيح. برقم (١٩٦٦) انظر السلسلة الصحيحة ج/٤ ص/٩٦٦. والواجب على المسلم الرفق بالحيوان وأن لا يعذبه، وقد ثبت أن امرأة عذِّبت بسبب هرَّة. فروى البخاري من حديث ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ) (بدء الخلق/٣٠٧١) وغفر الله لبَغِيٍّ لأنها أحسنت إلى كلب فقد روى البخاري أيضاً من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ) (أحاديث الأنبياء/٣٢٠٨) ومن حصل منه إيذاء لحيوان فإن عليه بالتوبة إلى الله من ذلك، لأنه رب الحيوانات وهو الذي كلفنا بالإحسان إليها (إلا ما كان ضاراً) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 14008

قتل الحيوانات الهَرِمَةْ والمريضة [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز القتل الرحيم للحيوانات إن كانت عجوزة أو مريضة؟.]ـ [الْجَوَابُ] سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين هذا السؤال فقال: الحيوان إذا مرِضَ فإنْ كان مما لا يُؤكَل لحْمُه ولا يُرْجَى شِفَاؤُه فلا حرج عليك في أن تقتله، لأن في إبقائِه إلزاماً لك في أمر يكون فيه ضياع مالك، لأنه لا بد أن تنفق عليه، وهذا الإنفاق يكون فيه إضاعة للمال، وإبْقَاؤه إلى أن يَمُوتَ بدون أن تُطْعِمَهُ أو تَسْقِيَه محرّمٌ لأن النبي ﷺ قال: " دخلَت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خَشَاشِ الأرض " أما إن كان الحيوان مما يُؤْكل، وبلغت الحال به إلى حد لا يُمْكن الانتفاع به ولا إعطاؤُه لمن ينتفع به فإن حكمه حكم الحيوان مُحرّمُ الأكْلِ، أيْ أنه يجوز له أن يتلفه، سواء بذبحه أو قتله بالرصاص، وافعل ما يكون أريح له لقوله ﷺ : " إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته " [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد بن صالح العثيمين في فتاوى منار الإسلام ٣/٧٥٠.

стр. 14009

هل تقتل الحشرات الضارة حرقا [السُّؤَالُ] ـ[الحشرات التي توجد في المنزل مثل النمل والصراصير وما أشبه ذلك هل يجوز قتلها بالحرق وإن لم يجز فماذا نفعل؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذه الحشرات إذا حصل منها الأذى تقتل بالمبيدات الحشرية ولا تقتل بالنار، يقول الرسول ﷺ : (خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْغُرَابُ وَالْحُدَيَّا وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) رواه مسلم ٢٠٧١، وفي لفظ آخر والحية (سادسة) ، هذه أخبر النبي ﷺ عن أذاها وأنها فواسق وقد خرجت عن طبيعة غيرها من عدم الأذى، ولهذا قال: يقتلن في الحل والحرم، وهكذا إذا وُجد الأذى من غيرها كالنمل أو الصراصير أو الخنافس أو غيرها ما يؤذي فإنها تقتل بالمبيدات الحشرية وليس بالنار والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] فتاوى إسلامية ابن باز /٤٥١

стр. 14010

عملية منع الإنجاب في القطط [السُّؤَالُ] ـ[هل من الخطأ أن نجري على القطط عمليات تمنع الإنجاب؟ فنحن إن تركناها فإنها ستنجب الكثير من الصغار، وسيكون علينا أن نرسلهم (الصغار) إلى جمعية الرفق بالحيوان، التي قد تقتلهم إذا لم تجد من يأخذهم منها.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " إذا كانت العملية لا تؤذيها فلا حرج، لأن هذا أولى من قتلها بعد خلقها ". [الْمَصْدَرُ] فتوى الشيخ ابن عثيمين من كتاب فتاوى إسلامية ٤/٤٤٨.

стр. 14011

لا يجوز جعل الحيوانات أهدافاً للتصويب عليها [السُّؤَالُ] ـ[لقد قمت بقتل أرنب برميه بالرصاص بغية التدريب على إصابة الهدف. ثم دفنته بعد ذلك. إنني أشعر بالحرج الشديد لما فعلته. ما الحكم الإسلامي فيما فعلته؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا شك أن هذا العمل الذي قمت به عمل محرّم شرعاً ولا يجوز، وهذا من تعذيب الحيوان الذي نهى عنه النبي ﷺ : ١. فقد جاء في الحديث عن عَبْدِ اللَّهِ بن عمر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا وَلا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ) رواه البخاري (٢٢٣٦) ومسلم (٢٢٤٢) ، قال النووي: الذي يظهر من الحديث أنها إنما دخلت النار بهذه المعصية. ٢. وعن ابن عمر ﵄ أنه دخل على يحيى بن سعيد وغلام من بني يحيى رابط دجاجة يرميها فمشى إليها ابن عمر حتى حلَّها، ثم أقبل بها وبالغلام معه فقال: ازجروا غلامكم عن أن يُصبَر هذا الطير للقتل، فإني سمعت النبي ﷺ نهى أن تصبر بهيمة أو غيرها للقتل. رواه البخاري (٥١٩٥) ومسلم (١٩٥٨) ولفظه " إن رسول الله ﷺ لعن من فعل هذا ". ومعنى " تُصبر " أي: تُحبس لتُرمى وتُتخذ هدفاً. ٣. وجاء في الحديث الآخر الذي روي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا) رواه مسلم (١٩٥٧) ، والمراد بالغرض الهدف. قال النووي: قوله: " نهى رسول الله ﷺ أن تصبر البهائم " وفي رواية: " لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا " قال العلماء: صبر البهائم: أن تحبس وهي حية لتقتل بالرمي ونحوه، وهو معنى: " لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضاً "، أي: لا تتخذوا الحيوان الحي غرضا ترمون إليه كالغرض من الجلود وغيرها، وهذا النهي للتحريم، ولهذا قال ﷺ في رواية ابن عمر التي بعد هذه: " لعن الله من فعل هذا "، ولأنه تعذيب للحيوان، وإتلاف لنفسه، وتضييع لماليته، وتفويت لذكاته إن كان مذكًّى، ولمنفعته إن لم يكن مذكًّى. " شرح مسلم " (١٣ / ١٠٨) . فالواجب عليك التوبة النصوح من هذا العمل، والاستغفار، وأن تكثر من الحسنات حتى يغفر الله لك ذنبك. والله الهادي إلى سواء السبيل. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 14012

هل الاحتفاظ بسمك الزينة حرام [السُّؤَالُ] ـ[هل الاحتفاظ بسمك الزينة حرام؟ كذلك سمعتُ أن الكلب خُلق من القاذورات الموجودة في المكان الذي تشاجر فيه إبليس مع آدم ﵇. هل هذا صحيح؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله جاء في أحكام الشريعة النهي عن اقتناء وتربية بعض الحيوانات مثل (الكلب والخنزير) ، لما يترتب على اقنتنائها من أضرار قد نعلم بعضها ونجهل بعضها. أما ما لم ترد الشريعة بالنهي عن اقتنائه فلا بأس بالاحتفاظ به، وقد ورد في السنة ما يدل على احتفاظ بعض الصحابة بحيوانات مباحة للرعاية والزينة أو اللعب المباح: كما جاء عن أنس ابن مالك ﵁ أنه كان له أخ صغير له نغر يلعب به - وهو طير صغير- فمات طائره فرآه النبي ﷺ مهموما حزينا فداعبه بما مقتضاه إقراره له على اقتنائه لطائره الصغير هذا فقال له ﷺ : (يا أبا عمير ما فعل النغير!!) . وأخبر ﷺ أن امرأة دخلت النار في هرة (لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) يفهم منه أنها لو أطعمتها لكانت ناجية من هذا الوعيد. ويُذكر أن أبا هريرة كُني بذلك لهر كان يصحبه. اذا فاقتناء الحيوانات المباحة مع عدم إهمالها من الأمور المباحة بل لعله أن يكون من أبواب الأجر كما قال ﷺ : (في كل كبد رطبة أجر) ، وأما إذا اقترن بإهمالها وظلمها فإنه قد يكون بابا من أبواب الإثم والتوعد بالنار كما في حديث التي أهملت هرتها حتى ماتت. وهنا ننبه الأخ السائل والقارئ أن الإسلام قد سبق المنظمات الغربية والشرقية بإعلانه لسائر الحقوق من حقوق للمرأة وحقوق للحيوانات وحقوق للعامل وحقوق لصاحب العمل وهكذا، بل وأعظم من هذا في بيانه لحق الله على الخلق ولحق الخلق على الله. وننبه هنا أيضا إلى أن الجنس البشري أولى بالعناية والاهتمام من الحيوانات وأن الأجر فيه أكبر: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) ، (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها، وغير ذلك من أحاديث النبي ﷺ . وعليه فلا بأس باحتفاظك بأسماك الزينة التي ذكرتها في سؤالك مع العناية بإطعامها وتجنيبها أسباب الهلاك والله أعلم. وأما بالنسبة لخلق الكلب فقد خلقه الله كما خلق سائر البهائم والحيوانات ولا يجوز أدعاء خصوصية معينة في مادة خلق الكلب إلا بدليل قال الله تعالى: (وما شهدنا إلا بما علمنا) . وأما إبليس فإنما أمره الله بالسجود لآدم فأبى واستكبر، ثم كان منه أنه أغوى آدم وأمره بالأكل من الشجرة التي نهي عن الأكل منها؛ ولم يكن هنالك شيء من القاذورات والله أعلم، ولا أعلم شيئا عن المشاجرة التي ذكرت. ومن الهدي القرآني أن العلم الذي يحتاجه المسلم في دنياه أو آخرته يذكر، وأما العلم الذي لا حاجة له فإن القرآن يعرض عنه معلما للمسلمين أن يشتغلوا بالعلم النافع وأن يعرضوا عما سواه. ومثال ذلك يتضح في إعراض النص القرآني عن ذكر لون كلب أصحاب الكهف، ونوع الخشب الذي صنعت منه سفينة نوح ونحو ذلك مما لا يترتب على العلم به علم أو اعتقاد نافع، ولعل الكلام عن المادة التي خلق منها الكلب أن تكون من هذا القبيل. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 14013

قتل الحيوان حال إفساده [السُّؤَالُ] ـ[في عمارتنا قطة متوحشة، هل يجوز قتلها؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا كانت الهرة أو نحوها معروفة بالإفساد وضارية، فقتلها إنسان في حال إفسادها دفعا جاز، ولا ضمان عليه، كقتل الصائل دفعا. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] فتاوى الإمام النووي ٢٢٠.

стр. 14014

شراء طيور الزينة من أجل صوتها وألوانها [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز شراء طيور الزينة من أجل التمتع بصوتها، وألوانها؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " بيع طيور الزينة مثل الببغاوات والطيور الملونة والبلابل لأجل صوتها جائز؛ لأن النظر إليها وسماع أصواتها غرض مباح , ولم يأت نص من الشارع على تحريم بيعها أو اقتنائها , بل جاء ما يفيد جواز حبسها إذا قام بإطعامها وسقيها وعمل ما يلزمها , ومن ذلك ما رواه البخاري من حديث أنس قال: (كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقاً , وكان لي أخ يقال له: أبو عمير – قال: أحسبه فطيماً - وكان إذا جاء قال: (يا أبا عُمير ما فعل النُّغير؟) نغر كان يلعب به) الحديث. والنغر نوع من الطيور , قال الحافظ ابن حجر في شرحه (فتح الباري) في أثناء تعداده لما يستنبط من الفوائد من هذا الحديث قال: وفيه. . جواز لعب الصغير بالطير , وجواز إنفاق المال فيما يتلهى به الصغير من المباحات , وجواز إمساك الطير في القفص ونحوه , وقص جناح الطير إذ لا يخلو حال طير أبي عمير من واحد منهما , وأيهما كان الواقع التحق به الآخر في الحكم , وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (دخلت امرأة النار في هرة حبستها , لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) , وإذا جاز هذا في الهرة جاز في العصافير ونحوها. وذهب بعض أهل العلم إلى كراهة حبسها للتربية , وبعضهم منع من ذلك , قالوا: لأن سماع أصواتها والتمتع برؤيتها ليس للمرء به حاجة , بل هو من البطر والأشر ورقيق العيش , وهو أيضاً سفه؛ لأنه يطرب بصوت حيوان صوته حنين إلى الطيران , وتأسف على التخلي في الفضاء , كما في كتاب "الفروع وتصحيحه" للمرداوي (٤/٩) , و"الإنصاف" (٤/٢٧٥) " انتهى. [الْمَصْدَرُ] "فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (١٣/٣٩) .

стр. 14015

حكم تشريح الضفادع للأغراض العلميّة [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز تشريح الضفادع بالنسبة لطلبة الكليات الذين يدرسون ذلك؟ وقد يترتب على عدم تشريحها رسوب الطالب في المادة أو حرمانه من بعض الدرجات التي قد تمنعه من التفوق في الدراسة , فلا يتم تعينه معيداً في الكلية.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الحكم في هذه المسألة يتطلّب النظر في أمرين مهمّين: أولاً: في حكم قتل الضفدع، وكلام أهل العلم في ذلك. وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم على قولين: الأول: الكراهة، وهو مذهب المالكية، وقولٌ لبعض الشافعية والحنابلة. انظر: "التمهيد" (١٥/١٧٨) ، "شرح العمدة لابن تيمية" (٣/١٤٨) . الثاني: التحريم، وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة، وابن حزم واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. انظر: "مشكل الآثار" للطحاوي (٢/٣٥) ، "المجموع" (٩/٢٩) ، "المغني" (٩/٣٣٨) ، "المحلى" (٧/٢٢٥) , "الفتاوى الكبرى" (٢/١٣٩) . والدليل على ذلك ما جاء عن عبد الرحمن بن عثمان ﵁: أنَّ طَبِيْبًا سَأَلَ النّبيّ ﷺ عَن ضِفْدَعٍ يَجْعلُها فِي دَوَاءٍ؟ فَنَهَاه النّبيّ ﷺ عَنْ قَتْلِها. رواه أبو داود (٥٢٦٩) وصححه النووي في "المجموع" (٩/٣٤) . وقد سبق اختيار هذا القول في الموقع، في جواب السؤال (١٩١٩) , (١٠٢٢٠) . ثانياً: إذا دعت الحاجة أو الضرورة لتشريح الضفدع فلا حرج فيه إن شاء الله تعالى , فقد أجاز العلماء تشريح جثة المسلم لأغراض التحقيق الجنائيّ أوالطبّ الوقائي، وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (١١٩٦٢) . فمن باب أولى جواز تشريح الحيوانات – وهي أقل حرمةً من الإنسان – لأغراض البحث العلميّ إذا دعت الحاجة إلى ذلك. وقد سبق في الموقع ذكر فتوى مختصرة في ذلك، انظر جواب السؤال رقم (٨٥٠٩) . ومما ينبغي التنبه له: أن على الطالب أن يحسن إلى الحيوان الذي يقوم بتشريحه , فيقوم بتخديره تخديراً كاملاً , ثم يسرع في قتله بعد الانتهاء من التشريح , وذلك لقول النبيّ ﷺ : (إنّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَىْ كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَه، فَلْيُرِحْ ذَبِيْحَتَه) رواه مسلم (١٩٥٥) . وقد سئل الشيخ ابن عثيمين في "فتاوى الحرم المكي" (١١٦٦) : نحن ندرس في إحدى الجامعات بكلية العلوم قسم الأحياء، وفي أثناء دراستنا نحتاج إلى تشريح بعض الحيوانات، مثل الضفادع والفئران وغيرها، لغرض التعليم والدراسة، فما حكم هذا التشريح؟ فأجاب: " التشريح إذا دعت الضرورة إليه فلا بأس به، ولكن يجب أن يعمل لهذه الحيوانات ما يجعلها لا تحسّ بالألم وقت التشريح، وكذلك يجب أن يلاحظ أنّ الحيوانات التي تكون نجسةً بعد الموت فإنّه يجب التطهر منها " انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14016

تسبب في موت قطط صغيرة فهل له توبة !؟ [السُّؤَالُ] ـ[أقيم في عمارة مشتركة، وفي شقتي التي أتردد عليها بين الفينة والأخرى تركت إحدى النوافذ مفتوحة فولدت قطة أربعة من الصغار، وقد تحدثت بخصوص هذه القطة مع والداي فنصحوني أن أحتفظ بها إلى حين أن يكبروا قليلا ليتمكنوا من الفرار والاختباء وآنذاك أخرجهم لكني احتفظت بها فقط لمدة قصيرة جدّاً حتى تمكنت من الإبصار وأولى خطوات المشي، ثم قمت بطردهم من الشقة، وجعلتهم فوق السطح، مع علمي أن أمهم لن تهتدي إليهم، وهذا ما حدث بالفعل. هذا مع علمي اليقين بحديث الرسول ﷺ بخصوص المرأة التي دخلت النار في هرة، ومع ذلك تركتهم وغادرت المكان لمدة ثلاثة أيام. ما حدث الآن هو أنه بعد أن عدت وجدت القطط غير موجودة وأمهم تبحث عنهم، والظاهر أنهم سقطوا في قناة الصرف الصحي للعمارة. فما حكمي في هذه النازلة لأني كان بإمكاني أن أتفادى ذلك وأحتفظ بهذه القطط ولن يكلفني ذلك شيئا ولأني خالفت نصيحة والداي، فهل أنا آثم؟ وماذا أعمل لأكفر عن خطئي فأفيدوني رحمكم الله، ولكم جزيل الشكر والثواب، فنفسيتي منهارة، فلم أعد أحس بطعم الحياة، فأنا أنتظر الموت فقط لأرتاح من هذا الإحساس، فأنا طول الوقت أفكر في هذه القطط وأقول لم تؤذني وقتلتها فأنا سأدخل النار كتلك المرأة في الحديث الشريف. وأصبحت عبوسا ومعنوياتي في الحضيض كل شيء أفعله بفتور كبير ولا أحس بالفرحة في أي شيء، تمنيت لو أن الزمان يرجع للوراء , أحس بضياع كبير وبأني مشلول ماديّاً ومعنويّاً وبأني لن أنسى هذا الحادث وآلامه دنيا وآخرة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إن الله تعالى قد أمر بالرفق في كل شيء، ففي الحديث: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله) رواه البخاري (٥٦٧٨) ومسلم (٢١٦٥) . وروى مسلم (٢٥٩٢) عن حديث جرير ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (من يحرم الرفق يحرم الخير) . واعلم أنه من كان عنده شيء من الدواب فيجب عليه أن يحميها ويطعمها ويسقيها، ولا يجوز له أن يعرضها للهلاك، وفي الحديث الذي أشرت إليه أن الرسول ﷺ أخبرنا أن امرأة دخلت النار بسبب هرة حبستها، لا هي أطعمتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض، أي حشراتها. رواه البخاري (٢٣٦٥) ومسلم (٩٠٤) . وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتْ الْحُمَرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ (أي: ترفرف بأجنحتها) فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: (مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا) رواه أبو داود (٢٦٧٥) وصححه الشيخ الألباني في " صحيح أبي داود ". والحمرة – بتشديد الميم وتخفيفها -: طائر صغير كالعصفور. فحاصل المسألة: أن من استرعاه الله شيئاً من هذه الدواب كأن تكون في حرزه أو يربيها ويبقيها لحاجته وجب عليه رعايتها والإحسان إليها والرفق بها. وبناء عليه: فإنه يجب عليك أن تتوب إلى الله تعالى من أمور: أولها: معصية والديك اللذين أمرك الله ببرِّهما، وبطاعتهما فيما لا معصية فيه. الثاني: أن هذه القطط كانت في حرزك وقصرت في رعايتها حتى أدى ذلك إلى هلاكها. ثالثها: أنك فجعت أمها بالتفريق بينها وبين أولادها، ثم بموت صغارها. ولا شك - أخي - أن شعورك بالذنب بهذه الصورة التي ذكرت يدل على حياة قلبك وصدق شعورك بالندم على ما فعلت. لكنك أيضا ربما بالغت في ذلك حتى وصل بك الأمر إلى اليأس والقنوط، وهذا لا شك أنه لا يجوز فالله تعالى يقول: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣، فأين أنت عن سعة رحمة الله التي وسعت كل شيء، وعن قبول الله تعالى لعباده التائبين حتى من كبار الذنوب؟ وقد أخبرنا النبي ﷺ عن الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا ثم قتل عابداً فكمل به المائة ثم تاب توبة صادقة فقبل الله توبته – وهي في الصحيحين – فأين أنت منه؟ إنه قتل مائة نفسٍ وتاب وقبل الله منه، فلا يقعنَّ منك يأس ولا قنوط من عفو الله ورحمته، وأقدم على العمل الصالح وتذكر دائما قوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات) هود/١١٤. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14017

تركت الطيور حتى ماتت فهل تأثم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[نحن كنا نربي عصافير، وكانت أمي تطعمهم، وكانت تسمع أنه من الغلط أن تأتي بجانب الطيور أثناء الدورة، وكلفتني بإطعامهم، وكنت أخاف منهم في بعض الأوقات لأنهم يعضون، وكنت أنسى أوقاتاً إلى أن نسيتهم تماما، فماتوا، فكيف نكفر عما فعلنا؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا أصل للاعتقاد بعدم جواز قربان الطيور أثناء الدورة الشهرية للمرأة، وليس هناك علاقة بين الأمرين، فالواجب التخلي عن مثل هذه الاعتقادات، وللحائض أحكام خاصة ليس منها مثل هذا الأمر ولا قريب منه. وقد اتفق العلماء على جواز قيام المرأة وهي حائض بذبح الحيوانات. انظر: "المغني" (١٣/٣١١) . ثانياً: الواجب على من كان عنده هذه الطيور أو غيرها من البهائم أن يقوم على رعايتها، فإذا كان لا يستطيع ذلك فعليه الاعتذار عن القيام بهذه المهمة، أو بيعها أو ذبحها إن كان مما يؤكل. وقد ورد الوعيد الشديد فيمن حبس حيواناً ولم يطعمه أو يسقيه حتى مات. قال ابن قدامة المقدسي ﵀: " ومن ملك بهيمة لزمه القيام بها , والإنفاق عليها ما تحتاج إليه , من علفها , أو إقامة من يرعاها ; لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض) متفق عليه. فإن امتنع من الإنفاق عليها , أُجْبِر على ذلك فإن أبى أو عجز , أُجْبِر على بيعها , أو ذبحها إن كانت مما يذبح " انتهى. " المغني " (٨ / ٢٠٥) . وقال الشوكاني – تعليقا على شرح حديث " حبس الهرة " -: " وقد استدل بهذا الحديث على تحريم حبس الهرة وما يشابهها من الدواب بدون طعام ولا شراب؛ لأن ذلك من تعذيب خلق الله , وقد نهى عنه الشارع ... قال النووي: والأظهر أنها كانت مسلمة (يعني: هذه المرأة) وإنما دخلت النار بهذه المعصية " انتهى. "نيل الأوطار" (٧/٧) . وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٥/١١٩، ١٢٠) : " يجوز حبس حيوان لنفع , كحراسة وسماع صوت وزينة , وعلى حابسه إطعامه وسقيه لحرمة الروح " انتهى. وسبق في جواب السؤال رقم (٤٨٠٠٨) : " يجوز الاحتفاظ بطيور الزينة ومثيلاتها في أقفاص خاصة من أجل منظرها أو صوتها، بشرط تقديم الطعام والشراب لها " انتهى. وانظري الجواب بتفصيله هناك ففيه زيادات وفوائد. ثالثاً: إن كان عذركِ في عدم إطعام تلك الطيور حتى ماتت هو النسيان لها وعدم التعمد فهو عذر شرعي، نسأل الله أن يعفو عنكِ بسببه، قال الله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) البقرة/٢٨٦. وقد أجاب الله تعالى دعوة المؤمنين هذه فقال: (قد فعلت) كما رواه مسلم (١٢٦) من حديث ابن عباس ﵄. وقال الله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) الأحزاب/٥. وحيث إنك لم تتعمدي قتلها فلا حرج عليك إن شاء الله. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14018

هل يجوز الاحتفاظ بالطيور داخل القفص ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز الاحتفاظ بالطيور داخل القفص؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يجوز الاحتفاظ بطيور الزينة ومثيلاتها في أقفاص خاصة من أجل منظرها أو صوتها، بشرط تقديم الطعام والشراب لها. وقد ثبت في الصحيحين – البخاري (٥٧٧٨) ومسلم (٢١٥٠) - أنه كان لأخي أنس بن مالك لأمه يقال له " أبو عمير " كان له طائر وكان اسمه " النغير " فمات الطائر وحزن عليه الصبي، فمازحه النبي ﷺ بقوله " يا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ". والنُّغَيْرُ: طائر صغير يشبه العصفور، وقيل: هو البلبل. وقد استُدل بهذا الحديث على جواز حبس الطائر؛ لعدم إنكار النبي ﷺ على أبي عمير. انظر " فتح الباري " (١٠ / ٥٤٨) . وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀: ما الحكم فيمن يجمع الطيور ويضعها في قفص وذلك لكي يتسلى بها أولاده؟ . فأجاب: لا حرج في ذلك إذا أعد لها ما يلزم من الطعام والشراب؛ لأن الأصل في مثل هذا الأمر الحل، ولا دليل على خلاف ذلك فيما نعلم، والله ولي التوفيق. " فتاوى علماء البلد الحرام " (ص ١٧٩٣) . وقال علماء اللجنة الدائمة: بيع طيور الزينة - مثل الببغاوات والطيور الملونة والبلابل - لأجل صوتها جائز؛ لأن النظر إليها وسماع أصواتها غرض مباح، ولم يأت نص من الشارع على تحريم بيعها أو اقتنائها، بل جاء ما يفيد جواز حبسها إذا قام بإطعامها وسقيها وعمل ما يلزمها، ومن ذلك ما رواه البخاري من حديث أنس قال: " قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ، قَالَ: أَحْسِبُهُ فَطِيمًا وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ نُغَرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ.... الحديث، والنُّغَر نوع من الطيور، قال الحافظ ابن حجر في شرحه " فتح الباري " في أثناء تعداده لما يستنبط من الفوائد من هذا الحديث قال: وفيه ... جواز لعب الصغير بالطير، وجواز ترك الأبوين ولدهما الصغير يلعب بما أبيح اللعب به، وجواز إنفاق المال فيما يتلهى به الصغير من المباحات، وجواز إمساك الطير في القفص ونحوه، وقص جناح الطير إذ لا يخلو طير أبي عمير من واحد منهما، وأيهما كان الواقع التحق به الآخر في الحكم، وكذلك حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: " دخلت امرأة النَّارَ في هرة حبستها لا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا وَلا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ " أخرجه البخاري في الصحيح، وإذا جاز هذا في الهرة جاز في العصافير ونحوها. وذهب بعض أهل العلم إلى كراهة حبسها للتربية، وبعضهم منع ذلك، قالوا: لأن سماع أصواتها والتمتع برؤيتها ليس للمرء به حاجة، بل هو من البطر والأشر ورقيق العيش، وهو أيضاً سفه لأنه يطرب بصوت حيوان صوته حنين إلى الطيران، وتأسف على التخلي في الفضاء، كما في كتاب " الفروع وتصحيحه " للمرداوي (٤ / ٩) ، و " الإنصاف " (٤ / ٢٧٥) . " فتاوى اللجنة الدائمة " (١٣ / ٣٨ – ٤٠) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14019

هل يطعم الحيوانات طعاماً منتهي الصلاحية [السُّؤَالُ] ـ[هل يأثم الإنسان إذا أطعم حيواناً كالكلب أو القطة طعاماً انتهت صلاحيته أو زائداً عنده كاللحم أو الحليب؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا كان لا يضرها فلا بأس من إطعامها ذلك. ومن المعلوم أن قدرة مثل هذه الحيوانات على تحمل الأطعمة المتغيرة أقوى من الإنسان، وقد رزقها الله من الحواس ما تعرف به ما يصلح لها مما لا يصلح لها، بالإضافة إلى أن مثل هذه المعلبات يكون فيها وقت احتياط في الغالب. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14020

أخذ المساعدة وطلبها من الدولة ومن الكنيسة [السُّؤَالُ] ـ[أنا أعيش في أمريكا ونأخذ بعض الخدمات المجانية خصوصًا أننا نعتبر من محدودي الدخل ولكن بعض هذه الخدمات كالأكل مثلا ممكن نأخذها من الكنائس، هل هذا يجوز؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا حرج في قبول المساعدة من الدولة أو الجهات القائمة على التبرعات ولو كانت الكنيسة، ما لم يدع ذلك إلى التنازل عن شيء من الدين، أو الإقرار لشيء من المنكر، أو التأثير على الأولاد ونحوهم، لكن التعفف عن ذلك والاستغناء عنه أولى، فإن اليد العليا خير من اليد السفلى، لا سيما في الأخذ من الكنيسة التي لها مآربها المشبوهة فيما تعطيه للمسلمين غالبا. روى البخاري (١٤٢٨) عن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ) . وروى البخاري (١٤٢٩) ومسلم (١٠٣٣) عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ: (الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ) . وطلب الصدقة من الناس مذموم، ولو كان السؤال لمسلم، إلا إذا كان السائل مضطرا للسؤال؛ لقوله ﷺ : (إِنْ الْمَسْأَلَةَ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا، أَوْ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ) وصححه الترمذي والألباني في صحيح الترمذي. ورواه أبو داود (١٦٣٩) بلفظ: (الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ، إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ، أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا) . قال في "سبل السلام" (١/٥٤٨) : " (كدٌّ) أي: خدش وهو الأثر، وأما سؤاله من السلطان فإنه لا مذمة فيه ; لأنه إنما يسأل مما هو حق له في بيت المال، ولا منّة للسلطان على السائل ; لأنه وكيل، فهو كسؤال الإنسان وكيله أن يعطيه من حقه الذي لديه" انتهى. وروى البخاري (١٤٧٥) ومسلم (١٠٤٠) عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ) . وروى مسلم (١٠٤١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ) . ومعنى: (مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا) أي: أنه يسأل الناس ليجمع المال الكثير من غير أن يكون محتاجاً إليه. وفي هذه الأحاديث زجر بليغ، وتنفير واضح عن المسألة، إلا المضطر الذي لا يجد بداً من السؤال. وعليه؛ فما لم تكونوا بحاجة ماسة للمساعدة فتعففوا عن طلبها، وإذا كنتم في حاجة إليها فلا حرج عليكم من طلبها وأخذها. ونسأل الله أن يغنيكم من فضله. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14021

تفصيل القول في هجاء المسلم والكافر والمبتدع [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم هجاء المشركين والفسَّاق؟ أرجو التفصيل، فقد أعجبني تفصيلكم في سؤال عن حكم الرثاء في الإسلام، فقد كانت إجابة شافية، ومؤصلة، ومعزوة. وشكراً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: " الهجاء " ضد " المدح "، وقد اتفق الفقهاء على أن الأصل في عرض المسلم أنه مصون، وأنه لا يجوز هجوه من غير أن يكون مستحقّاً لذلك. ففي " الموسوعة الفقهية " (٤٢ / ١٥٩، ١٦٠) : "وقد استدل الفقهاء على عدم جواز هجو المسلم بقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) الأحزاب/ ٥٨، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَْلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِْيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الحجرات/ ١١، وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : (الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) – متفق عليه -، وَقَوْلِهِ ﷺ : (لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا بِاللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ) – رواه الترمذي، وصححه الألباني –" انتهى. ثانياً: ذهب الشافعية إلى جواز هجو المبتدع، والمعلن بفسقه، وذهب الحنفية إلى جواز هجو المنافق. قال الشربيني الشافعي ﵀: "ومثله في جواز الهجو: المبتدع، كما ذكره الغزالي في " الإحياء "، والفاسق المعلِن، كما قاله العمراني، وبحَثه الإسنوي" انتهى. "مغني المحتاج" (٤/٤٣٠) . وفي "الموسوعة الفقهية" (٤٢/١٥٩) : "ذهب الفقهاء إلى عدم جواز هجو المسلم، واستثنى الشافعية المبتدع، والفاسق المعلِن بفسقه، فيجوز هجوهم، وعند الحنفية: يجوز هجو المسلم المنافق" انتهى. وكلما ازداد قبح البدعة، وبُعدها عن الصراط المستقيم: تحتم على أهل السنَّة كشف عوارها، وتبيين ضلالها، وهو من الجهاد في سبيل الله باللسان. قال ابن القيم ﵀ في بيان شرِّ بدعة التعطيل، والتأويل، وذم أهليهما -: "فكشْف عورات هؤلاء، وبيان فضائحهم، وفساد قواعدهم: مِن أفضل الجهاد في سبيل الله، وقد قال النبي ﷺ لحسان بن ثابت: (إِنَّ رُوحَ القُدُسِ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عَنْ رَسُولِهِ) ، وقال: (أُهْجُهُم - أَوْ هَاجِهِم - وَجِبْرِيلُ معك) ، وقال: (اللهمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ مَا دَامَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِكَ) ، وقال عن هجائه لهم: (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ فِيهم من النَّبْل) ، وكيف لا يكون بيان ذلك من الجهاد في سبيل الله: وأكثر هذه التأويلات المخالفة للسلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وأهل الحديث قاطبة، وأئمة الإسلام الذين لهم في الأمَّة لسان صدق: يتضمن من عبث المتكلم بالنصوص، وسوء الظن بها من جنس ما تضمنه طعن الذين يلمزون الرسول، ودينه، وأهل النفاق، والإلحاد؛ لما فيه من دعوى أن ظاهر كلامه إفك، ومحال، وكفر، وضلال، وتشبيه، وتمثيل، أو تخييل، ثم صرْفها إلى معانٍ يعلم أن إرادتها بتلك الألفاظ من نوع الأحاجي، والألغاز، لا يصدر ممن قصْدُه نصح، وبيان، فالمدافعة عن كلام الله ورسوله، والذب عنه: من أفضل الأعمال، وأحبها إلى الله، وأنفعها للعبد" انتهى. "الصواعق الرسلة" (١/٣٠١، ٣٠٢) . ثالثاً: أما الكافر، والمشرك، والمرتد: فظاهر النصوص تدل على جواز هجائهم، بل قد دلَّت سنَّة النبي ﷺ على أن ذلك من الجهاد في سبيل الله. عَنْ أَنَس بن مالك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ) . رواه أبو داود (٢٥٠٤) والنسائي (٣٠٦٩) ، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود". قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "عيب ديننا، وشتم نبيِّنا: مجاهدة لنا، ومحاربة، فكان نقضاً للعهد، كالمجاهدة، والمحاربة بالأَوْلى. يبين ذلك: أن الله سبحانه قال في كتابه: (وَجَاهِدُوا بِأَمْوالِكم وَأَنْفِسكم فِي سَبيلِ الله) التوبة/٤١، والجهاد بالنفس: يكون باللسان، كما يكون باليد، بل قد يكون أقوى منه، قال النبي ﷺ : (جَاهِدُوا المُشْرِكين بِأَيْدِيكُم وَأَلْسِنَتِكُم وَأَمْوالِكُم) رواه النسائي وغيره، وكان ﷺ يقول لحسان بن ثابت: (أهْجُهُم وَهَاجِهِم) ، (وكان يُنصب له منبر في المسجد ينافح عن رسول الله ﷺ بشعره، وهجائه للمشركين) – رواه البخاري تعليقا، ورواه أبو داود والترمذي متصلاً، وحسنه الألباني -، وقال النبي ﷺ : (اللهمَّ أَيِّدْهُ بِرُوح القُدُس) – متفق عليه -، وقال: (إِنَّ جِبرائيلَ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عَنْ رسول الله ﷺ – وهو الحديث قبل السابق -، وقال: (هِيَ أَنْكَى فِيهُم مِن النَّبْل) – رواه مسلم – " انتهى. "الصارم المسلول" (١/٢١٣) . وينبغي أن يكون ذلك ردّاً على هجاء أولئك الكفار للإسلام، أو لنبينا محمد ﷺ ؛ وقد دلَّ النص القرآني على عدم جواز ابتدائهم بالسب، والهجاء؛ خشيةً من تعرضهم لله تعالى، أو لدينه، أو لرسوله ﷺ ، بالسب والشتم، فقال الله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام/ ١٠٨. ومما يدل على جواز هجاء الكفار والمشركين ردّاً عليهم: ما ثبت من أن النبي ﷺ قال لحسان بن ثابت ﵁: (اهْجُهُمْ - أَوْ قَالَ: هَاجِهِمْ - وَجِبْرِيلُ مَعَكَ) رواه البخاري (٥٨٠١) ومسلم (٢٤٨٦) . قال العيني ﵀: "قوله (اهجهم) : أمرٌ مِن هجا، يهجو، هجواً، وهو نقيض المدح. قوله (أو هاجهم) : شك من الراوي، من المهاجاة، ومعناه: جازهم بهجوهم. قوله (وجبريل معك) : يعني: يؤيدك، ويعينك عليه" انتهى. "عمدة القاري" (١٥/١٣٤) . وفي "مغني المحتاج" (٤/٤٣٠) : "محل تحريم الهجاء إذا كان لمسلم فإن كان لكافر أي غير معصوم جاز، كما صرح به الروياني وغيره؛ لأنه ﷺ أمر حسَّان بهجو الكفار، بل صرح الشيخ أبو حامد بأنه مندوب. وظاهر كلامهم: جواز هجو الكافر غير المحترم [يعني غير المعصوم] المعين" انتهى. وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٤٢/١٦٠) : "ذهب الفقهاء إلى جواز هجو الكافر غير المعصوم، وكذا المرتد؛ لأن النبي ﷺ أمر حسان بن ثابت ﵁ بهجو الكفار" انتهى. وفي ذِكر جبريل ﵇ في الحديث دون غيره من الملائكة حكمة بالغة. قال ابن رجب الحنبلي ﵀: "وإنما خصَّ النبي ﷺ جبريل، وهو روح القدس، بنصرة من نصره، ونافح عنه؛ لأن جبريل صاحب وحي الله إلى رسله، وَهُوَ يتولى نصر رسله، وإهلاك أعدائهم المكذبين لهم، كما تولى إهلاك قوم لوط، وفرعون، في البحر. فمَن نصر رسول الله، وذب عنه أعداءه، ونافح عنه: كان جبريل معه، ومؤيِّداً له، كما قال لنبيه ﷺ : (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) التحريم/٤" انتهى. "فتح الباري" لابن رجب (٢/٥٠٩) . وبالتأمل في سبب ورود الحديث: يتبين أن النبي ﷺ أمر حسان بن ثابت بهجاء المشركين ردّاً على طعنهم، لا أن ذلك كان ابتداءً. قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وفي الحديث: جواز سب المشرك، جواباً عن سبه للمسلمين , ولا يعارض ذلك مطلق النهي عن سب المشركين لئلا يسبوا المسلمين: لأنه محمول على البداءة به , لا على من أجاب منتصراً" انتهى. "فتح الباري" (١٠/٥٤٧) . وفي "حاشية السندى على صحيح البخارى" (٤/١٤١) : "وقوله: (بِرُوحِ القُدُس) هو جبريل، في ذلك إشارة إلى أن هجو الكفار من أفضل الأعمال، ومحله: إذا كان جواباً، كما هنا، وإلا فهو منهي عنه لآية: (وَلَا تَسُبُّوا الذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دِونِ اللهِ) " انتهى. فالخلاصة: ١. تحريم هجاء المسلم من حيث الأصل. ٢. جواز هجاء الكافر، والمشرك، والمرتد. ٣. مراعاة أن يكون هجاء الكافر ردّاً عليه، لا ابتداء من المسلم. ٤. أن يكون الناظم للهجاء على قدر من البلاغة والفصاحة؛ لاختيار النبي ﷺ لحسان بن ثابت دون غيره، ولما قد يسببه نظم الجاهل والضعيف من سخرية الشعراء والفصحاء. ٥. جواز ابتداء المبتدع، والمعلِن بفسقه، بالهجاء. ٦. مراعاة عدم الشطط في الهجاء، وعدم التعدي على العرض، وعدم القذف. ٧. من هجا مسلماً بغير حق: فإنه يستحق التعزير. ففي "الموسوعة الفقهية" (٤٢/١٦٢) : "للإمام أن يعزِّر مَن يهجو الناس بغير حق؛ وذلك لأن هذا النوع من الهجاء محرم، وفعله معصية، وكل معصية ليس فيها حد: وجب فيها التعزير" انتهى. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14022

ترك الزّواج استحياء من النّساء وإزالة الشّهوة الجنسيّة [السُّؤَالُ] ـ[أنا شاب عمري ١٨ سنة، لا أريد أن أتزوّج لأنّني خجول جدّا جدّا، وقد تعقدت من النّساء أخجل منهنّ بشكل رهيب جدّا، وأريد أن أزيل الشّهوة الجنسيّة سواء بعمليّة جراحيّة أيضا، أنا أقسمت بالله أن لا أتزوّج هل عليّ إثم إذا لم أتزوّج؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أوّلاً: طوبى لك على ما رزقك الله به من هذه الخصلة الحميدة والصّفة الجليلة التي حثّ الشّرع المطهّر على التّحلّي بها، فقد ورد في فضل الحياء أحاديث كثيرة منها: ما رواه عبد الله ابن عمر ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (دَعْهُ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ) رواه البخاريّ (٢٤) ومسلم (٣٦) . قال الشّيخ محمّد بن صالح العثيمين ﵀ في "شرح رياض الصالحين" (٤/٢٩ – ٣٠) : "الحياء: انكسار يكون في القلب، وخجل لفعل ما لا يهتمّ به النّاس، أو ما لا يستحسنه النّاس. الحياء من الله والحياء من الخلق من الإيمان، الحياء من الله يوجب للعبد أن يقوم بطاعة الله، وأن ينتهي عمّا نهى الله، والحياء من النّاس يوجب للعبد أن يستعمل المروءة، وأن يفعل ما يجمّله ويزيّنه عند النّاس، ويتجنّب ما يدنّسه ويشينه، فالحياء من الإيمان" انتهى. ومع فضيلة الحياء وأهمّيته، فلا ينبغي أن يكون سببا لترك ما أمر به الإسلام ودعا إليه؛ لأنّ الحياء إنّما يطلب ويُحمد إذا كان معينا على امتثال أوامر الله ورسوله، قال الشّيخ عبد الرّحمن السّعديّ ﵀ في تفسير قوله تعالى: (وَاللهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) الأحزاب/٥٤: "فالأمر الشّرعيّ، ولو كان يُتَوَهَّم أنّ في تركه أدبًا وحياء، فإنّ الحزم كلّ الحزم اتّباع الأمر الشّرعيّ، وأن يَجزم أنّ ما خالفه ليس من الأدب في شيء" انتهى. تيسير الكريم الرّحمن (ص ٦٧٠) . والانصراف عن الزّواج بالكلّيّة والرّغبة عنه خلاف السّنّة، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك، فقد روى البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١) عن أَنَس بْن مَالِكٍ ﵁ قال: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ! قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ! قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: (أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ، إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) . فالنكاح لا ينافى كمال الحياء، فقد كان الرسول ﷺ أشد الناس حياءً، ومع ذلك فقد تزوج ﷺ . وروى البخاري (٥٠٧٤) ومسلم (١٤٠٢) عن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قال: (رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لاخْتَصَيْنَا) . فلا يجوز إزالة الشهوة سواء كان ذلك بعملية جراحية أو غيرها. قال في "الفواكه الدواني" (١/١٣٧) : "وأما لو استعملت دواء لقطعه (الحيض) أصلا فلا يجوز لها حيث كان يترتب عليه قطع النسل، كما لا يجوز للرجل استعمال ما يقطع نسله أو يقلله" انتهى. وورد سؤال إلى اللّجنة الدّائمة للبحوث العلميّة والإفتاء عن حكم إجراء عمليّة خصي لقطع الشّهوة، فأجابت: "لا يجوز لك الإقدام على إجراء عمليّة لقطع الخصيتين؛ لنهي النّبيّ ﷺ عثمان بن مظعون عن الاختصاء" انتهى. فتاوى اللّجنة الدّائمة (١٨/٣٤) . وسبق بيان حكم من حرّم النّكاح على نفسه في جواب السؤال رقم (٨٧٩٩٨) . ثانياً: أما اليمين التي حلفتها، فقد حلفت على ترك السّنّة والخير، فالمطلوب منك أن تكفر عن يمينك كفارة يمين، وتتزوج متى يسر الله لك الزواج؛ لقول النّبيّ ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة ﵁: (وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ َيمِينِكَ وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) رواه البخاري (٦٧٢٢) ومسلم (١٦٥٢) . وكفارة اليمين هي: عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله، أو كسوتهم، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. وقد سبق بيانها تفصيلا في جواب السؤال رقم (٤٥٦٧٦) . ثالثاً: أما حكم ترك الزّواج، فإنّ الزّواج يختلف حكمه بحسب الإنسان وقدرته المادية والبدنية، ومدى احتياجه له، فتارة يجب، وتارة يستحب، وتارة يكره، وانظر جواب السؤال رقم (٣٦٤٨٦) . فالنّصيحة لك أن تصبر ولا تستعجل وتقطع بأنّك لا تستطيع الزّواج، فإنّ لعامل السّنّ تأثيرا كبيرًا فيما أنت فيه من شدّة الحياء، ومع تقدّم السّنّ فإنّه ستخفّ هذه الشّدّة ويكون الأمر في حدود المعتاد، واجتهد أيضا في الدّعاء والتّضرّع إلى الله أن يخفّف عنك، وأن يوفّقك للزّواج السّعيد، ويحسن أيضا لعلاج هذا الأمر استشارة أهل الخبرة والاستفادة من تجاربهم ونصائحهم وإرشاداتهم. نسأل الله أن ييسّر أمرك ويوفّقك لكلّ خير. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14023

ما مدى أهمية إظهار التعاطف مع المسلمين ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما مدى أهمية إظهار التعاطف مع المسلمين؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ختم الله تعالى الرسالات بدين الإسلام، فجاءت أحكامه وتشريعاته غاية في الحكمة، ومصلحة للفرد والمجتمعات إلى قيام الساعة. ومن أبرز ما جاءت به الشريعة المطهرة: العلاقة بين المسلمين بعضهم مع بعض، فجاءت التشريعات واضحة بينة تقوي تلك العلاقة، وتحرِّم كل ما يفسدها ويدنسها، ومن تلك التشريعات الربانية في تقوية العلاقات بين المسلمين بعضهم مع بعض: وجوب التواد والتراحم والتعاطف بينهم. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀: " ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: هديه إلى أن الرابطة التي يجب أن يُعتقد أنها هي التي تربط بين أفراد المجتمع، وأن يُنادى بالارتباط بها دون غيرها: إنما هي دين الإسلام؛ لأنه هو الذي يربط بين أفراد المجتمع، حتى يصير بقوة تلك الرابطة جميع المجتمع الإسلامي كأنه جسد واحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. فربْط الإسلام لك بأخيك: كربط يدك بمعصمك، ورِجلك بساقك، كما جاء في الحديث عن النَّبي ﷺ : (إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ، ولذلك يكثر في القرآن العظيم إطلاق النفس وإرادة الأخ؛ تنبيهاً على أن رابطة الإسلام تجعل أخا المسلم كنفسه، كقوله تعالى: (وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ) البقرة/٨٤، الآية، أي: لا تخرجون إخوانكم، وقوله: (لولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً) النور/ ١٢، أي: بإخوانكم، على أصح التفسرين، وقوله: (وَلَا تلمزوا أَنفُسَكُمْ) الحجرات/١١، الآية، أي: إخوانكم، على أصح التفسرين، وقوله: (وَلَا تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ) البقرة/ ١٨٨، الآية، أي: لا يأكل أحدكم مال أخيه، إلى غير ذلك من الآيات، ولذلك ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) " انتهى. " أضواء البيان " (٣ / ١٣٠، ١٣١) . ثانياً: من الأهمية بمكان إظهار ذلك التعاطف مع المسلمين، ومشاركتهم في أفراحهم وأحزانهم، ولهذا الإظهار فوائد شتَّى، منها: ١. أن ذلك يعتبر من كمال الإيمان الواجب. عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) رواه البخاري (٤٦٧) ومسلم (٢٥٨٥) . وبوب عليه النووي بقوله: بَاب تَرَاحُمِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَعَاضُدِهِمْ. قال النووي – ﵀: " قوله ﷺ (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً) ، وفي الحديث الآخر (مَثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم) إلى آخره: هذه الأحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض، وحثهم على التراحم، والملاطفة، والتعاضد، في غير إثم، ولا مكروه، وفيه جواز التشبيه وضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأفهام. قوله ﷺ (تداعى لها سائر الجسد) أي: دعا بعضه بعضاً إلى المشاركة في ذلك، ومنه قولهم " تداعت الحيطان " أي: تساقطت، أو قربت من التساقط " انتهى. " شرح مسلم " (١٦ / ١٣٩، ١٤٠) . وعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) رواه البخاري (٥٦٦٥) ومسلم (٢٥٨٦) . قال المناوي – ﵀: " قال ابن أبي جمرة: الثلاثة وإن تفاوت معناها: بينها فرق لطيف، فالمراد بالتراحم: أن يرحم بعضهم بعضاً لحلاوة الإيمان، لا لشيء آخر، وبالتواد: التواصل الجالب للمحبة كالتهادي، وبالتعاطف: إعانة بعضهم بعضاً " انتهى. " فيض القدير " (٥ / ٦٥٦) . وفي رواية – عند مسلم -: (الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنْ اشْتَكَى رَأْسُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ) . وفي رواية: (الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنْ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ وَإِنْ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: " ولهذا كان المؤمن يُسرُّه ما يُسرُّ المؤمنين، ويسوؤه ما يسوؤهم، ومَن لم يكن كذلك: لم يكن منهم! فهذا الاتحاد الذي بين المؤمنين: ليس هو أن ذات أحدهما هي بعينها ذات الآخر، ولا حلت فيه بل، هو توافقهما، واتحادهما في الإيمان بالله ورسوله، وشُعَب ذلك: مثل محبة الله ورسوله، ومحبة ما يحبه الله ورسوله " انتهى. " مجموع الفتاوى " (٢ / ٣٧٣، ٢٧٤) . وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في " فتح الباري شرح صحيح البخاري ": " وهذا التشبيك من النبي ﷺ في هذا الحديث: كان لمصلحة، وفائدة، لم يكن عبثاً؛ فنه لما شبَّه شد المؤمنين بعضهم بعضاً بالبنيان: كان ذلك تشبيهاً بالقول، ثم أوضحه بالفعل، فشبَّك أصابعه بعضها في بعض؛ ليتأكد بذلك المثال الذي ضربه لهم بقوله، ويزداد بياناً وظهوراً. ويفهم من تشبيكه: أن تعاضد المؤمنين بينهم كتشبيك الأصابع بعضها في بعض، فكما أن أصابع اليدين متعددة: فهي ترجع إلى أصل واحد، ورجُل واحد، فكذلك المؤمنون وإن تعددت أشخاصهم: فهم يرجعون إلى أصل واحد، وتجمعهم أخوة النسب إلى آدم ونوح، وأخوة الإيمان.." انتهى. ٢. ومنها - أي: من فوائد إظهار التعاطف مع المسلمين - إزالة الحواجز التي وُجدت من رواسب الجاهلية، أو الاستعمار، من عصبية للغة، أو لون، أو جنس. قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀: " ولا ريب أيضا أن الدعوة إلى القومية تدعو إلى البغي والفخر ; لأن القومية ليست ديناً سماويّاً يمنع أهله من البغي والفخر , وإنما هي فكرة جاهلية، تحمل أهلها على الفخر بها، والتعصب لها على من نالها بشيء , وإن كانت هي الظالمة، وغيرها المظلوم , فتأمل أيها القارئ ذلك يظهر لك وجه الحق. ومن النصوص الواردة في ذلك: ما رواه الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله قد أذهب عنكم عصبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى) ، وهذا الحديث يوافق قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ، أوضح سبحانه بهذه الآية الكريمة أنه جعل الناس شعوباً وقبائل للتعارف، لا للتفاخر والتعاظم , وجعل أكرمهم عنده هو أتقاهم , وهكذا يدل الحديث المذكور على هذا المعنى، ويرشد إلى سنة الجاهلية: التكبر، والتفاخر بالأسلاف، والأحساب , والإسلام بخلاف ذلك , يدعو إلى التواضع، والتقوى، والتحاب في الله , وأن يكون المسلمون الصادقون من سائر أجناس بني آدم , جسداً واحداً , وبناءً واحداً، يشد بعضهم بعضاً , ويألم بعضهم لبعض " انتهى. " فتاوى الشيخ ابن باز " (١ / ٢٩٠، ٢٩١) . ٣. ومنها: القيام على الضعَفة والعجَزة والمساكين، رعايةً، وعنايةً. وفي " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٠ / ٣٤٨) : " ومن ذلك: تولِّي اليتامى، والمساكين، والعجزة عن الكسب، ومن لا يُعرف لهم آباء، بالقيام عليهم، وتربيتهم، والإحسان إليهم؛ حتى لا يكون في المجتمع بائس، ولا مهمل؛ خشية أن تصاب الأمة بغائلة سوء تربيته، أو تمرده، لما أحس به من قسوة المجتمع عليه، وإهماله " انتهى. ٥. ومنها: نصرة المظلوم من المسلمين في كل مكان، وإعانته بما يُستطاع، قتالاً معه ضد الظالم المغتصب، أو إعانته بالمال، ومن عجز عن ذلك، فلن يعجز عن دعاء لهم بالنصر والتثبيت والتأييد. " ولقد قرر العلماء ﵏: أنه لو أصيبت امرأة مسلمة في المغرب بضيمٍ: لوجب على أهل المشرق من المسلمين نصرتها , فكيف والقتل، والتشريد، والظلم، والعدوان، والاعتقالات بغير حق , كل ذلك يقع بالمئات الكثيرة من المسلمين فلا يتحرك لهم إخوانهم، ولا ينصرونهم، إلا ما شاء الله من ذلك! ... " انتهى. " فتاوى الشيخ ابن باز " (٢ / ١٦٣ - ١٦٥) . ٦. ومنها: قطع طمع أعدائهم بهم. فلو علم الأعداء من الكفار أن المسلمين يد واحدة، حزنهم واحد، وسرورهم واحد: لما اعتدى ظالم فاجر على مسلم، فضلاً أن يُعتدى على بلدٍ مسلم، تستباح أعراض نسائه، وتُنهب أمواله، ويشرَّد رجاله. قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀: " فهذه الأحاديث وما جاء في معناها: تدل دلالة ظاهرة على وجوب التضامن بين المسلمين , والتراحم والتعاطف , والتعاون على كل خير , وفي تشبيههم بالبناء الواحد , والجسد الواحد: ما يدل على أنهم بتضامنهم، وتعاونهم، وتراحمهم: تجتمع كلمتهم , وينتظم صفهم , ويسلمون من شر عدوهم " انتهى. فتاوى الشيخ ابن باز " (٢ / ٢٠٠، ٢٠١) . ثالثاً: قد ضرب الصحابة ﵃ أروع الأمثلة في التطبيق العملي للتعاطف والتراحم: ١. عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: (قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَآخَى النَّبيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِىِّ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ) رواه البخاري (٣٩٣٧) . ولا ندري أيهما أعجب: الكرم والإيثار من سعد بن الربيع أم عزة النفس والرغبة في الاكتساب بجهد اليد من عبد الرحمن بن عوف، ﵃. ٢. عَنْ أَنَسٍ ﵁ – أيضاً - قَالَ: قَالَ الْمُهَاجِرُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قَوْمٍ قَدِمْنَا عَلَيْهِمْ أَحْسَنَ مُوَاسَاةً فِي قَلِيلٍ وَلَا أَحْسَنَ بَذْلًا فِي كَثِيرٍ، لَقَدْ كَفَوْنَا الْمَئُونَةَ، وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنَإِ، حَتَّى لَقَدْ حَسِبْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ، قَالَ: (لَا، مَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ، وَدَعَوْتُمْ اللَّهَ لَهُمْ) رواه أحمد برقم (١٢٦٦٢) ، والترمذي برقم (٢٤٨٧) ، وصححه الشيخ الألباني ﵀ في " مشكاة المصابيح " (٢/١٨٥) . وللفائدة انظر جواب السؤال رقم (٩٨٦٦٨) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14024

يصلي ويصوم ويقوم الليل ولكنه يسئ لزوجته وجيرانه [السُّؤَالُ] ـ[ماذا تقولون في شخص يصلي في المسجد، ويقيم الليل، ويصوم أيام الاثنين والخميس، والثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر من كل شهر، ولكنه مع ذلك عديم الأخلاق مع زوجته التي يتشاجر معها كل يوم، ومع جيرانه ومعارف زوجته، وأناس آخرين؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله مكارم الأخلاق من أعظم الغايات التي بُعث النبي ﷺ لتحقيقها في الناس، فقد أرسله الله ليقيم في الناس الدين الحق والحياة العادلة المقسطة، بعد أن نظر الله تعالى إلى أهل الأرض فمقتهم ومقت ما هم عليه من شرك وجهل وسوء خلق، إلا بقايا من أهل الكتاب. وقد عبر النبي ﷺ عن هذا المقصد العظيم من مقاصد بعثته بأداة الحصر " إنما "، ليلقي في قلب السامع أن جميع العقائد والأحكام التي جاء به الشرع الحنيف إنما تصب في هذا الهدف، وهو إقامة الأخلاق الحسنة، وإقامة العدل والإحسان. يقول ﷺ : (إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ) رواه أحمد في "المسند" (٢/٣١٨) وحسنه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم/٤٥) ولا شك أن من أعظم المشكلات التي يعاني منها بعض المسلمين اليوم: الفصام بين جانبي العبادات والأخلاق، حيث أصبحت الممارسة العملية للعبادات – لدى بعض الناس - أشبه بالعادات أو " الطقوس " التي تؤدَّى بأشكالها دون العناية بآثارها في النفوس والقلوب، مع أن أركان الإسلام الأربعة – التي هي أهم العبادات – كان من غاياتها تهذيب النفوس وتحسين الأخلاق. فالصلاة مثلا: يقول الله فيها: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) العنكبوت/٤٥ وعن أبي هريرة ﵁ قال: (قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فُلَانَةَ - يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا - غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنَّ فُلَانَةَ - يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا - وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنْ الْأَقِطِ وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ قَالَ: هِيَ فِي الْجَنَّةِ) رواه أحمد في "المسند" (٢/٤٤٠) وصححه المنذري في "الترغيب والترهيب" (٣/٣٢١) ، والشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم/١٩٠) وكذلك الشأن في فرض الصيام، فقد بين النبي ﷺ أن الخلق الحسن هو ثمرة الصيام المقبول، فمن لم يجد هذه الثمرة، لم ينفعه صيامه عند الله. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِى أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) رواه البخاري (١٩٠٣) والزكاة أيضا إنما شرعت تزكية للنفس، وتطهيرا لها من أدران الآثام والأوزار وغوائل القلب. يقول الله : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) التوبة/١٠٣ وكذلك الركن الخامس من أركان الإسلام، الحج، يقول الله عنه: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) البقرة/١٩٧. ولو رحنا نسوق منزلة الأخلاق الكريمة في تشريعات الإسلام من الكتاب والسنة لطال بنا المقام جدا، حتى عقد ابن القيم ﵀ في "مدارج السالكين" (٢/٣٠٧) فصلا بعنوان: " الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين ". لكن يكفي أن نتأمل كيف أن مكارم الأخلاق من المقاصد الأساسية لتشريع أركان الإسلام، ففي ذلك دلالة على عظيم منزلة هذا المقصد، وضرورة المحافظة عليه، وجعله نصب عيني كل مسلم موحد لله . فالواجب عليكم أن تذكروا ذلك الشخص الذي يؤذي زوجته وجيرانه بتقوى الله تعالى، وأن الله لا يرضى أفعاله تلك، بل يسخط لأذى الجار والزوجة والأقارب، فأين هي آثار القيام والصيام على قلبه وخلقه وجوارحه؟! واستعملوا معه الرفق في النصح، فحرصه على العبادة بذرة خير إن شاء الله، وقد روى الإمام أحمد في "المسند" (٢/٤٤٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ، فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ؟ قَالَ: إِنَّهُ سَيَنْهَاهُ مَا يَقُولُ) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/٢٦١) : رجاله ثقات. وقال شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد في "تحقيق المسند" (١٥/٤٨٣) : إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14025

عند كثرة الأعراس هل يلزمه إجابة كل دعوة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[كثرت الأعراس والاحتفالات فهل يجب علي إجابة الدعوة، علماً أن الرجال فيهم المسبل والحليق، وأحيانا بعض المدخنين؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: من حق المسلم على المسلم إجابة دعوته؛ لما روى البخاري (١١٦٤) ومسلم (٤٠٢٢) عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ) . وظاهر السنة وجوب إجابة دعوة المسلم إلى وليمته، وإلى ذلك ذهب جماهير أهل العلم، وبهذا تعلم أنه إذا وجهت لك دعوة خاصة وجب عليك الحضور، ولم يجز لك التخلف إلا لعذر شرعي يبيح لك ذلك، كأن تكون مريضا أو محتاجا لسفر أو ملازمة أهل، أو أن يكون في محل الدعوة منكر لا تقدر على إزالته، أو كان الداعي المجاهر بالمعصية كحلق اللحية والتدخين يتأثر بعدم حضورك ويدعوه ذلك للتوبة، وأما إن كان غيابك وهجرك لا يؤثر فيه، فيلزمك الحضور، أداء للواجب الشرعي. وقد سبق تفصيل القول في شروط إجابة الدعوة، فراجع جواب السؤال رقم (٢٢٠٠٦) ، وذكرنا في جواب السؤال رقم (٤٥٧٨٩) أنه لا يجوز حضور حفلات الأعراس المشتملة على منكرات. ثانيا: ما ذكره السائل من أن هذه الأعراس يوجد فيها المسبل والحليق، وأحيانا بعض المدخنين، لا يظهر لنا أنه مانع من إجابة الدعوة؛ فإن هذه المعاصي ليس لها تعلق بمكان الإجابة، أو بنفس الدعوة. وهناك فرق بين أن تكون الدعوة في المكان المعد للمعصية، أو المكان الذي يوجد فيه هذا الفعل المحرم، كالمقهى، ومكان القمار، والمكان الذي تحلق فيه اللحى، ونحو ذلك، وبين أن تكون الدعوة في مكان يوجد فيه بعض العصاة أو الفساق. وليُعلم أن هذه المعاصي عم بها البلاء في كل مكان، ولا نعلم أحدا من أهل العلم قال بمشروعية الابتعاد عن الحليق أو المسبل في وسائل المواصلات، والمحلات، وأماكن الدارسة.... قال المرداوي ﵀ في الإنصاف (٨/٣١٨-٣١٩) : " وَمَنَعَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمِنْهَاجِ مِنْ إجَابَةِ ظَالِمٍ وَفَاسِقٍ وَمُبْتَدِعٍ , وَمُفَاخِرٍ بِهَا , أَوْ فِيهَا , وَمُبْتَدِعٍ يَتَكَلَّمُ بِبِدْعَتِهِ إلَّا لِرَادٍّ عَلَيْهِ. وَكَذَا إنْ كَانَ فِيهَا مُضْحِكٌ بِفُحْشٍ أَوْ كَذِبٍ كَثِيرٍ فِيهِنَّ , وَإِلَّا أُبِيحَ إذَا كَانَ قَلِيلًا. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَخُصَّ بِهَا الْأَغْنِيَاءَ , وَأَنْ لَا يَخَافَ الْمَدْعُوُّ الدَّاعِيَ , وَلَا يَرْجُوهُ , وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي الْمَحَلِّ مَنْ يَكْرَهُهُ الْمَدْعُوُّ , أَوْ يَكْرَهَ هُوَ الْمَدْعُوَّ. قَالَ فِي التَّرْغِيبِ , وَالْبُلْغَةِ: إنْ عَلِمَ حُضُورَ الْأَرَاذِلِ , وَمَنْ مُجَالَسَتُهُمْ تُزْرِي بِمِثْلِهِ: لَمْ تَجِبْ إجَابَتُهُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ [ابن تيمية] ﵀ , عَنْ هَذَا الْقَوْلِ: لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ: وَقَدْ أَطْلَقَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ الْوُجُوبَ. وَاشْتَرَطَ الْحِلَّ , وَعَدَمَ الْمُنْكَرِ. فَأَمَّا هَذَا الشَّرْطُ: فَلَا أَصْلَ لَهُ كَمَا أَنَّ مُخَالَطَةَ هَؤُلَاءِ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ لَا تُسْقِطُ الْجَمَاعَةَ. وَفِي الْجِنَازَةِ: لَا تُسْقِطُ حَقَّ الْحُضُورِ. فَكَذَلِكَ هَاهُنَا. وَهَذِهِ شُبْهَةُ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ. هُوَ نَوْعٌ مِنْ التَّكَبُّرِ , فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. نَعَمْ , إنْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامٍ مُحَرَّمٍ: فَقَدْ اشْتَمَلَتْ الدَّعْوَةُ عَلَى مُحَرَّمٍ. وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا: فَقَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَكْرُوهٍ. وَأَمَّا أنْ كَانُوا فُسَّاقًا , لَكِنْ لَا يَأْتُونَ بِمُحَرَّمٍ وَلَا مَكْرُوهٍ , لِهَيْبَتِهِ فِي الْمَجْلِسِ: فَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَحْضُرَ , إذَا لَمْ يَكُونُوا مَنْ يُهْجَرُونَ , مِثْلَ الْمُسْتَتِرِينَ. أَمَّا إنْ كَانَ فِي الْمَجْلِسِ مَنْ يُهْجَرُ: فَفِيهِ نَظَرٌ. وَالْأَشْبَهُ: جَوَازُ الْإِجَابَةِ , لَا وُجُوبُهَا. انْتَهَى. وانظر: الفروع، لابن مفلح (٥/٢٩٧) . وحتى التدخين الذي يصل ضرره إلى غير المدخن، بالإمكان منعه وقت العرس، أو منعه حيث يجتمع الناس، ويمكن للمدعو أن ينتحي جانبا عن المدخن. فإن تأذى بذلك، ولم يستطع أن يبتعد عنه، وهو أمر بعيد نوعا ما، أمكنه الانصراف، مع إعلام صاحب العرس بعذره. ثالثا: ما ذكره السائل من كثرة الأعراس، فلا يظهر لنا أنه عذر يبيح التخلف؛ فمن المعلوم أن هذه الكثرة ليست مما يبلغ ـ عادة ـ حدة المشقة الموجبة للعذر، وغايتها أن تكثر ـ نسبيا ـ في موسم معين، كالصيف مثلا، ولا يظهر لنا أن دعوتين وثلاث دعوات، ونحوا من ذلك، في أسبوع مما يشق على الإنسان تلبيته، ما دام ذلك أمرا طارئا، وليس ذلك مما يضر به في طلب معاشه أو معاده. وإنما يُتصور المشقة في كثرة الدعوات: إن كان المدعو قاضيا، أو حاكما، أو عالما، أو داعية، أو نحو ذلك، مما تتوجه إليه أنظار عامة الناس، ويكون محلا لدعوتهم [وهو ما يعرف بالشخصيات العامة] ، حتى لو لم يكن بينه وبين من يدعوه حرمة، أو صلة نسب، أو جوار، بل ولو لم يكن يعرفه المدعو أصلا؛ فعادة كثير من الناس ـ حينئذ ـ أن يدعو أمثال هؤلاء؛ إما محبة لأن يشاركوه عرسه، خاصة إن كانوا من أهل الخير والصلاح، أو تباهيا بوجودهم عنده، كما هو الواقع كثيرا. وفي مثل هذه الحال: لا يتحتم على المدعو أن يجيب الدعوة، خاصة إن شغلته عما هو أولى به من العلم أو الحكم أو الدعوة. قال ابن مفلح ﵀ في آداب القاضي: " وَيَعُودُ الْمَرْضَى , وَيَشْهَدُ الْجَنَائِزَ مَا لَمْ يَشْغَلْهُ. وَفِي التَّرْغِيبِ: وَيُوَدِّعُ الْغَازِيَ وَالْحَاجَّ , وَهُوَ فِي الدَّعَوَاتِ كَغَيْرِهِ , وَلَا يُجِيبُ قَوْمًا وَيَدَعُ قَوْمًا بِلَا عُذْرٍ , ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ , وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ يُكْرَهُ لَهُ مُسَارَعَتُهُ إلَى غَيْرِ وَلِيمَةِ عُرْسٍ , وَيَجُوزُ: وَفِي التَّرْغِيبِ: يُكْرَهُ , وَقَدَّمَ: لَا يَلْزَمُهُ حُضُورُ وَلِيمَةِ عُرْسٍ , وَذَكَرَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ: إنْ كَثُرَتْ الْوَلَائِمُ صَانَ نَفْسَهُ " انتهى. الفروع (٦/٤٥١) . وانظر: الإنصاف، للمرداوي (١١/٢١٥) . وقال البهوتي ﵀: " (وَلَهُ حُضُورُ الْوَلَائِمِ) كَغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِحُضُورِهَا (فَإِنْ كَثُرَتْ الْوَلَائِمُ تَرَكَهَا) كُلَّهَا , (وَاعْتَذَرَ إلَيْهِمْ) وَسَأَلَهُمْ التَّحْلِيلَ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِذَلِكَ عَنْ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ (وَلَا يُجِيبُ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ) ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَسْرٌ لِقَلْبِ مَنْ لَا يُجِيبُهُ (إلَّا أَنْ يَخْتَصَّ بَعْضَهَا بِعُذْرٍ يَمْنَعُهُ , مِثْل أَنْ يَكُونَ فِي إحْدَاهُمَا مُنْكَرٌ , أَوْ فِي مَكَان بَعِيدٍ أَوْ يَشْتَغِلُ بِهَا زَمَنًا طَوِيلًا , وَالْأُخْرَى بِخِلَافِهَا فَلَهُ الْإِجَابَةُ إلَيْهَا لِظُهُورِ عُذْرِهِ) " انتهى. كشاف القناع (٦/٣١٨) . وقال الخطيب الشربيني ﵀: " وَلَهُ تَخْصِيصُ إجَابَةِ مَنْ اعْتَادَ تَخْصِيصَهُ، وَيُنْدَبُ إجَابَةُ غَيْرِ الْخَصْمَيْنِ إنْ عَمَّمَ الْمُولِمُ النِّدَاءَ لَهَا وَلَمْ يَقْطَعْهُ كَثْرَةُ الْوَلَائِمِ عَنْ الْحُكْمِ وَإِلَّا فَيَتْرُكُ الْجَمِيعَ " انتهى. مغني المحتاج (٤/٣٩٢) . بل في بعضها يترجح عليه أن يترك الإجابة، لا سيما إن غلب على ظنه قصد المفاخرة والمباهاة فيها، كما سبق لصاحب الإنصاف نقله عن ابن الجوزي. قال الحطّاب ﵀: " قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَمَا يُفْعَلُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ فِي بَعْضِ الْأَعْرَاسِ أَوْ الْوَلَائِمِ أَوْ الْأَعْيَادِ مِنْ طَعَامٍ رَفِيعٍ أَوْ حَلَاوَةٍ، وَقَصْدِ بَعْضِ النَّاسِ بِهَا الْمُفَاخَرَةَ وَعَرْضِهِ فَقَطْ، لَا أَكْلِهِ: فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْضُرَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ أَكْلِهِ " انتهى. مواهب الجليل (٤/٦) . وقال الملا علي القاري، ﵀: " وقد دعي بعض العلماء فلم يجب فقيل له أن السلف كانوا يدعون فيجيبون قال كان ذلك منهم للموافاة والمواساة وهذا منكم للمكافأة والمباهاة " انتهى. مرقاة المفاتيح (١٠/١٦٦) . والحاصل أن إجابة دعوة المسلم واجبة، ما دامت لم تشتمل على معصية، أو مانع من الحضور، على ما سبق تفصيله، وأن وجود بعض العصاة في الدعوات ليس مانعا من الإجابة، وهذا شأن عامة مجتمعات الناس، وما يحصل من التكرار عادة: ليس مانعا من الإجابة، إلا أن يكون الشخصية له خصوصية تجعله محلا للدعوة من عامة الناس، بما يشق عليه، أو يشغله عما هو أولى به من أمر معاشه ومعاده: فهنا يباح له التخلف عن الإجابة، ولو قدم عذره لصاحب الدعوة: كان أحسن، وأصلح لذات البين. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14026

اكتساب الأخلاق الفاضلة [السُّؤَالُ] ـ[كيف أكتسب الأخلاق الحسنة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: الخلق الحسن صفة سيد المرسلين وأفضل أعمال الصديقين، وهو - على التحقيق - شطر الدين وثمرة مجاهدة المتقين ورياضة المتعبدين، والأخلاق السيئة هي السموم القاتلة والمخازي الفاضحة. يقول النبي ﷺ (إِنَّمَا بُعِثتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخلَاقِ) رواه البخاري في "الأدب المفرد" (٢٧٣) وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٤٥) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ: (تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ) رواه الترمذي (٢٠٠٤) وقال صحيح غريب. وصححه الألباني في صحيح الترمذي لذلك كانت العناية بضبط قوانين العلاج لأمراض القلوب وطرق اكتساب الأخلاق الفاضلة من أهم الواجبات، إذ لا يخلو قلبٌ من القلوب من أسقام لو أُهلمت تَراكمت وترادفت، ولا تخلو نفس من أخلاق لو أطلقت لساقت إلى الهلكة في الدنيا والآخرة. وهذا النوع من الطب يحتاج إلى تأنُّقٍ في معرفة العلل والأسباب، ثم إلى تشمير في العلاج والإصلاح، كي ينال الفلاح والنجاح، يقول تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) الشمس/٩، وقد كان النبي ﷺ يدعو بحسن الخلق ويقول: (الَّلهُمَّ حَسَّنتَ خَلْقِي فَحَسِّن خُلُقِي) رواه ابن حبان في صحيحه (٣/٢٣٩) وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (٧٥) ثانيا: إذا عرف العبد عيوب نفسه أمكنه العلاج، ولكنَّ كثيرا من الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم، يرى أحدُهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عينه، فمن أراد أن يعرف عيوب نفسه فله أربعة طرق: الأول: أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس، مُطَّلعٍ على خفايا الآفات يأخذ عنه العلم والتربية والتوجيه معاً. الثاني: أن يطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا، فينصبه رقيبا على نفسه ليلاحظ أحواله وأفعاله، فما كره من أخلاقه وأفعاله وعيوبه الباطنة والظاهرة ينبهه عليه، فهكذا كان يفعل الأكياس والأكابر من أئمة الدين، كان عمر ﵁ يقول: رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي. الطريق الثالث: أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنة أعدائه، فإن عين السخط تبدي المساويا، ولعل انتفاع الإنسان بعدو مُشاحن يذكِّرُهُ عيوبَه أكثرُ من انتفاعه بصديقٍ مداهنٍ يُثنى عليه ويمدحه ويخفى عنه عيوبه. الطريق الرابع: أن يخالط الناس، فكل ما رآه مذموما فيما بين الخلق فليطالب نفسه به وينسبها إليه، فإن المؤمن مرآة المؤمن، فيرى من عيوب غيره عيوب نفسه، قيل لعيسى ﵇: مَن أدَّبك؟ قال: ما أدبني أحد، رأيت جهل الجاهل شَينًا فاجتنبته. ثالثا: والخُلُق عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة، وكما أن حسن الصورة الظاهرِ مطلقا لا يتم بحسن العينين دون الأنف والفم والخد، بل لا بد من حسن الجميع ليتم حسنُ الظاهر، فكذلك في الباطن أربعة أركان لا بد من الحسن في جميعها حتى يتم حسن الخلق، فإذا استوت الأركان الأربعة واعتدلت وتناسبت حصل حسن الخلق، وهو: قوة العلم، وقوة الغضب، وقوة الشهوة. وقوة العدل بين هذه القوى الثلاث. أما قوة العلم فحسنها وصلاحها في أن تصير بحيث يسهل بها إدراك الفرق بين الصدق والكذب في الأقوال، وبين الحق والباطل في الاعتقادات، وبين الجميل والقبيح في الأفعال، فإذا صلحت هذه القوة حصل منها ثمرة الحكمة، والحكمة رأس الأخلاق الحسنة. وأما قوة الغضب: فحسنها في أن يصير انقباضها وانبساطها على حد ما تقتضيه الحكمة. وكذلك الشهوة: حسنها وصلاحها في أن تكون تحت إشارة الحكمة، أعني إشارة العقل والشرع. وأما قوة العدل: فهو ضبط الشهوة والغضب تحت إشارة العقل والشرع. فالعقل مثاله مثال الناصح المشير. وقوة العدل هي القدرة، ومثالها مثال المنفذ الممضي لإشارة العقل، والغضب هو الذي تنفذ فيه الإشارة. فمن استوت فيه هذه الخصال واعتدلت فهو حسن الخلق مطلقا، وعنها تصدر الأخلاق الجميلة كلها. ولم يبلغ كمال الاعتدال في هذه الأربع إلا رسول الله ﷺ ، والناس بعده متفاوتون في القرب والبعد منه، فكل من قرب منه في هذه الأخلاق فهو قريب من الله تعالى بقدر قربه من رسول الله. رابعا: وهذا الاعتدال يحصل على وجهين: أحدهما: بجود إلهي وكمال فطري. والوجه الثاني: اكتساب هذه الأخلاق بالمجاهدة والرياضة، وأعني به حمل النفس على الأعمال التي يقتضيها الخلق المطلوب. قال رسول الله ﷺ : (العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ومن يتحر الخير يعطه ومن يتوق الشر يوقه) رواه الخطيب وغيره من حديث أبي الدرداء، وحسنه الألباني. فمن أراد مثلا أن يحصل لنفسه خلق الجود، فطريقه أن يتكلَّفَ تعاطيَ فعل الجواد، وهو بذل المال، فلا يزال يطالب نفسه ويواظب عليه تكلفا مجاهدا نفسه فيه حتى يصير بذلك طبعا، ويتيسر عليه فيصير به جوادا. وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع، وقد غلب عليه الكبر، فطريقهُ أن يواظب على أفعال المتواضعين مدة مديدة وهو فيها مجاهد نفسه ومتكلف إلى أن يصير ذلك خلقا له وطبعا فيتيسر عليه. وجميع الأخلاق المحمودة شرعا تحصل بهذا الطريق، ولن ترسخ الأخلاق الدينية في النفس، ما لم تتعود النفس جميع العادات الحسنة، وما لم تترك جميع الأفعال السيئة، وما لم تواظب عليه مواظبة من يشتاق إلى الأفعال الجميلة ويتنعم بها، ويكره الأفعال القبيحة ويتألم بها. ويعرف ذلك بمثال: وهو أن من أراد أن يصير الحذق في الكتابة له صفةً نفسية حتى يصيرَ كاتبًا بالطبع فلا طريق له إلا أن يتعاطى بجارحة اليد ما يتعاطاه الكاتب الحاذق ويواظب عليه مدة طويلة يحاكي الخط الحسن، فيتشبه بالكاتب تكلفا، ثم لا يزال يواظب عليه حتى يصير صفةً راسخةً في نفسه فيصدر منه في الآخر الخط الحسن طبعا. وكذلك مَن أراد أن يصير فقيهَ النفس، فلا طريق له إلا أن يتعاطى أفعالَ الفقهاء وهو التكرار للفقه، حتى تنعطف منه على قلبه صفةُ الفقه فيصيرَ فقيهَ النفس. وكذلك من أراد أن يصير سخيًّا عفيفَ النفسِ حليما متواضعا، فيلزمه أن يتعاطى أفعال هؤلاء تكلفا حتى يصير ذلك طبعا له؛ فلا علاج له إلا ذلك. وكما أن طالب فقه النفس لا ييأس من نيل هذه الرتبة بتعطيل ليلة ولا ينالها بتكرار ليلة، فكذلك طالب تزكية النفس وتكميلها وتحليتها بالأعمال الحسنة لا ينالها بعبادة يوم ولا يحرم عنها بعصيان يوم، ولكن العطلة في يوم واحد تدعو إلى مثلها، ثم تتداعى قليلا قليلا حتى تأنس النفس بالكسل. خامسا: مثال النفس في علاجها بمحو الرذائل والأخلاق الرديئة عنها وجلب الفضائل والأخلاق الجميلة إليها مثالُ البدن في علاجه بمحو العلل عنه وكسب الصحة له وجلبها إليه. وكما أن الغالب على أصل المزاج الاعتدال، وإنما تعتري المعدة المضرة بعوارض الأغذية والأهوية والأحوال، فكذلك كل مولود يولد معتدلا صحيح الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، أي بالاعتياد والتعليم تكتسب الرذائل. وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملا وإنما يكمل ويقوى بالتنشئة والتربية بالغذاء، فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال، وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم. وكما أن البدن إن كان صحيحا فشأن الطبيب تمهيد القانون الحافظ للصحة، وإن كان مريضا فشأنه جلب الصحة إليه، فكذلك النفس منك إن كانت زكية طاهرة مهذبة فينبغي أن تسعى لحفظها وجلب مزيد قوة إليها واكتساب زيادة صفائها، وإن كانت عديمة الكمال والصفاء فينبغي أن تسعى لجلب ذلك إليها. وكما أن العلة المغيرة لاعتدال البدن الموجبة المرض لا تعالج إلا بضدها، فإن كانت من حرارة فبالبرودة، وإن كانت من برودة فبالحرارة، فكذلك الرذيلة التي هي مرض القلب علاجها بضدها، فيعالج مرض الجهل بالتعلم، ومرض البخل بالتسخي، ومرض الكبر بالتواضع، ومرض الشره بالكف عن المشتهى تكلفا. وكما أنه لا بد من الاحتمال لمرارة الدواء وشدة الصبر عن المشتهيات لعلاج الأبدان المريضة، فكذلك لا بد من احتمال مرارة المجاهدة والصبر لمداواة مرض القلب، بل أولى، فإن مرض البدن يخلص منه بالموت، ومرض القلب - والعياذ بالله تعالى - مرض يدوم بعد الموت أبد الآباد. فهذه الأمثلة تُعَرِّفُك طريق معالجة القلوب، وتُنبهك على أن الطريق الكلي فيه سلوك مسلك المضاد لكل ما تهواه النفس وتميل إليه، وقد جمع الله ذلك كله في كتابه العزيز في كلمة واحدة، فقال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) النازعات/٤٠-٤١ وأخيرا: الأصل المهم في المجاهدة الوفاء بالعزم، فإذا عزم على ترك شهوة فينبغي أن يصبر ويستمر، فإنه إن عَوَّدَ نفسه ترك العزم أَلِفَت ذلك ففسدت، وإذا اتفق منه نقضُ عزمٍ فينبغي أن يُلزِمَ نفسه عقوبةً عليه، وإذا لم يخوف النفس بعقوبة غلبته وحسنت عنده تناول الشهوة فتفسد بها الرياضة بالكلية. هذه المباحث مستخلصة من كتاب "إحياء علوم الدين" للغزالي (٣/٦٢-٩٨) مع تصرف وزيادة. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14027

هل يراعي ذوق الناس وعرفهم فيسبل المسلم ثوبه؟ وهل في البنطال إسبال ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم لبس السروال تحت الكعب في مجتمعاتنا الحاضرة من غير مخيلة؟ إذ أن رفعه فوق الكعب يفسد منظر الشخص، ويلفت انتباه الغير، أرجو ألا تروا في سؤالي مجادلة أو ازدراء، إنما هو استفسار جاد، وهذا الأمر يهمني كثيراً، خصوصا في مجال العمل.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: اعلم أخي السائل أن أحكام الشريعة المطهرة لم تأتِ لتجعل المسلم ذليلاً أو أضحوكة بين الناس، بل جاءت بما فيه الخير للناس جميعاً في دينهم ودنياهم، وتأمَّل في أحوال العالم تجد صدق هذا القول، فقد فشت مخالفات الأمم للإسلام في حياتهم الدنيوية كثيراً، وانظر – على سبيل المثال – آثار الاختلاط بين النساء والرجال على أحوال الأمم، وانظر آثار إباحة الخمور، وانظر آثار التبرج والسفور، وانظر آثار الحرية الزائفة على تلك الأمم، إنهم أكثر الأمم إصابة بالقلق، والاكتئاب، إنهم أكثر الأمم انتحاراً، إنهم أكثر الأمم ضرباً للزوجات وقتلاً لهنَّ، والأمثلة كثيرة جدّاً، وما نقوله موثق من إحصائيات أنفسهم، وليس هذا مجال تفصيل ذلك، وإنما هي إيماءة لما نريد إيصاله لك ولغيرك من القراء الذين قد يوسوس لهم الشيطان بقبح القيام ببعض الشعائر الثابتة في الإسلام، ولا نراك – إن شاء الله – من أولئك، ولكن لا يمنع هذا من التنبيه عليه، والإشارة إليه. ثانياً: واعلم أخي الفاضل أنه لا ينبغي للمسلم مراعاة الناس وأعرافهم إذا تعلَّق الأمر بواجب أمره الله تعالى به، أو بمحرَّم نهاه الله تعالى عن فعله. نعم، يمكن للمسلم مراعاة أحوال الناس وأعرافهم في باب المستحبات، والمباحات، والمكروهات، أما باب الواجبات والمحرمات: فلا يجوز له البتة التنازل عنهما من أجل الناس. ويستدل بعض الناس خطأ بحديث عائشة في ترك النبي ﷺ لهدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم ﵇، فيجعلونه دليلاً على التنازل عن الواجبات، وهو خطأ ظاهر، ولو كان هذا واجباً عليه ﷺ ما تركه من أجل تأليف قلوب الناس، بل كان جائزاً، وإليك الحديث كاملاً، وكلام أهل العلم حوله. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لهَا: يَا عَائِشَةُ لوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِليَّةٍ لأَمَرْتُ بِالبَيْتِ فَهُدِمَ فَأَدْخَلتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلزَقْتُهُ بِالأَرْضِ وَجَعَلتُ لهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ. رواه البخاري (١٥٠٩) ومسلم (١٣٣٣) . وفي لفظ عندهما: (فأخافُ أنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهم) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: ومعلوم أن الكعبة أفضل وقف على وجه الأرض، ولو كان تغييرها وإبدالها بما وصفه واجباً: لم يتركه، فعُلم أنه كان جائزاً، وأنه كان أصلح، لولا ما ذكره من حدثان عهد قريش بالإسلام، وهذا فيه تبديل بنائها ببناء آخر، فعُلم أن هذا جائز في الجملة، وتبديل التأليف بتأليف آخر هو أحد أنواع الإبدال. " مجموع الفتاوى " (٣١ / ٢٤٤) . وقال – ﵀: فترك الأفضل عنده لئلا ينفر الناس، وكذلك لو كان رجل يرى الجهر بالبسملة فأم بقوم لا يستحبونه أو بالعكس ووافقهم: كان قد أحسن. " مجموع الفتاوى " (٢٢ / ٢٦٨، ٢٦٩) . وقال – ﵀: وقد ينتقل – أي: النبي ﷺ عن الأفضل إلى المفضول؛ لما فيه من الموافقة، وائتلاف القلوب، كما قال لعائشة (لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة ولجعلت لها بابين) ، فهنا تركَ ما هو الأولى؛ لأجل الموافقة، والتأليف الذي هو الأدنى من هذا الأولى. " مجموع الفتاوى " (٢٦ / ٩١) . ثالثاً: وبخصوص إسبال الثياب عموماً، والسروال خصوصاً: ينبغي التنبيه على أمور: ١. إسبال الثياب حتى تلامس الكعبين من كبائر الذنوب، وليس تحريم الإسبال مقيَّداً بالكِبْر، بل هو محرَّم لذاته، وهو نفسه من الكِبْر، فإذا أضيف إليه كِبْر قلبي: كان الإثم أكبر. قال الحافظ ابن حجر – ﵀: قال ابن العربي ﵀: لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول " لا أجره خيلاء "؛ لأن النهي قد تناوله لفظا، ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكماً أن يقول " لا أمتثله؛ لأن تلك العلة ليست فيَّ ": فإنها دعوى غير مسلَّمة، بل إطالته ذيله دالة على تكبره ا. هـ ملخصاً. وحاصله: أن الإسبال يستلزم جرَّ الثوب، وجرُّ الثوب يستلزم الخيلاء، ولو لم يقصد اللابس الخيلاء، ويؤيده: ما أخرجه أحمد بن منيع من وجه آخر عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه: (وإياك وجر الإزار؛ فإن جر الإزار من المَخِيلة) . " فتح الباري " (١٠ / ٢٦٤) . وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (وإياك والإسبال فإنه من المَخِيلة) ، فجعل الإسبال كلَّه من المَخِيلة؛ لأنه في الغالب لا يكون إلا كذلك، ومَن لم يسبل للخيلاء: فعمله وسيلة لذلك، والوسائل لها حكم الغايات. " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٦ / ٣٨٣) . وينظر في ذل جواب السؤال رقم (٧٦٢) ففيه بيان أدلة تحريم الإسبال. ٢. لا يحل لأحدٍ أن يقسِّم الدين إلى لبٍّ وقشور، ويجعل هؤلاء المقسِّمون إسبال الإزار وحلق اللحية من القشور! وهذا خطأ وسببه الجهل بحكم الشرع، وهذا الفعلان من كبائر الذنوب، فانظر لتهوين هؤلاء المقسمين من ارتكاب الكبائر بقولهم السوء ذاك. وانظر الرد عليهم في جواب السؤال رقم (١٢٨٠٨) . ٣. الإسبال ليس فقط في الثوب، بل في الإزار والسراويل والبناطيل والعباءات، وكل ما يلبسه المسلم من ثياب. ٤. وننبه إلى أن الذي يُلبس إلى نصف الساق هو الإزار، أما الثوب والبنطال فلا يُلبسان كذلك، بل يُلبسان فوق الكعبين، ولا يحل أن يلمسا الكعبين. وقد بيَّنا هاتين المسألتين (٤ و ٥) في جواب السؤال رقم: (١٠٥٣٤) فلينظر. ٥. لا يحل لبس البنطال – وهو المقصود فيما ظهر لنا من قول السائل " السروال " إذا كان ضيقاً يصف العورة. ولينظر جواب السؤال رقم: (٦٩٧٨٩) . وأخيراً: ٧. إسبال البنطال من كبائر الذنوب، وعليه: فلا اعتبار لذوق الناس ورأيهم في تقصيره وفقاً للسنَّة النبويَّة، كما بينَّا في أول الجواب، ونعجب – حقيقة – ممن ينظر لهذا التقصير على أنه مفسد لمنظر المسلم، ولا يرى تقصير ثياب النساء إلى نصف الفخذ كذلك، ولا يرى البناطيل الضيقة المقززة التي يلبسها بعض الشباب كذلك، ولا يرى البناطيل الساحلة! التي خرج بها علينا بعض الشباب كذلك، ولا يرى قصات الشباب والشابات التي تشبهوا بها بالحيوانات كذلك – قصة الأسد، وعُرف الديك، والبطة، والفأر -. وعلى الأخ الذي يلتزم تقصير الثوب أن لا يبالغ في ذلك، فحكم إسبال الثياب محرَّم، وليس فيه مجال مراعاة للناس، أما المبالغة في التقصير فهي التي فيها المجال، وعلى الإخوة الذين يلتزمون هذا الهدي أن لا يعرِّضوا أنفسهم للسخرية، وأن لا يفتحوا مع الناس هذه المسألة على حساب غيرها، وأن لا يجعلوا بينهم وبين الناس حاجزاً بمثل هذه الأفعال التي وسَّعت فيها الشريعة، ويمكنهم مراعاة أعراف بلدانهم، ولو أطال ثيابه إلى ما قبل الكعبين بقليل من أجل منع الناس من السخرية، ومن أجل عدم وضع حواجز بينه وبين الناس: لرُجي أن يؤجر أكثر من أجر تقصير ثيابه بأكثر مما فعل. فإسبال البنطال إلى ما تحت الكعبين من المحرمات التي لا يراعى فيها ذوق الناس وعرفهم، وليس للمكلف أن يخالف في هذا من أجل الناس، أما حد التقصير: فلو راعى المكلَّف عرف بلده، ونظرة الناس له: لكان أفضل له وأسلم. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: اللباس إلى نصف الساق سنَّة، وإلى ما تحت نصف الساق سنَّة، الممنوع: أن يكون أسفل من الكعبين، فإن الصحابة رضوان الله عليهم وهم أجلُّ قدراً ممن بعدهم، وأحب للخير لمن بعدهم: كانت ألبستهم تصل إلى الكعب، أو إلى ما فوقه يسيراً، كما قال أبو بكر ﵁ للنبي ﷺ : " يا رسول الله، إن أحد شقي إزاري يسترخي عليَّ إلا أن أتعهده "، وهذا يدل على أن إزاره ينزل عن نصف ساقه؛ لأنه لو كان إلى نصف ساقه واسترخى عليه حتى يصل إلى الأرض لزم من ذلك انكشاف عورته من فوق، وهذا هو المعروف بين الصحابة. فإذا رأيت مثلاً: أن الناس يكرهون اللبس إلى نصف الساق أو أعلى، وأنك لو لبست كما يلبس الناس في غير إسراف ولا مخيلة أدعى لقبول كلامك: الحمد لله، اترك هذا الذي تريد أن تفعله؛ تأليفاً للقلوب؛ وقبولاً للكلام، ولهذا أجد الناس الآن تلين قلوبهم للناصح إذا كان لباسه على العادة، لكنه ليس محرَّماً، أكثر مما تميل إلى الذين يرفعون لباسهم إلى نصف الساق أو أكثر، والإنسان قد يدع المستحب لحصول ما هو أفضل منه، هذا وأرى أنه إذا قال له والداه: أنزل ثوبك إلى أسفل من نصف الساق: أرى أنه يطيعهما في هذا الحال؛ لأنه كله سنَّة، والحمد لله، كلٌّ عمل به الصحابة ﵃. " لقاءات الباب المفتوح " (٨٣ / السؤال رقم ١٤) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14028

نشر رسائل الآخرين وأحاديثهم [السُّؤَالُ] ـ[فما حكم من يقوم بنشر أغراض الآخرين (الشخصية) سواءا أكانت مذكرات أو رسائل أو حديث دار معه في مجلس ... الخ. فيقوم بنشرها أمام الناس أو أمام فئة معينة دون إذن من صاحبها؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا استودعه إياها على أنها سر فلا يجوز له إفشاؤها لقوله ﷺ "المجالس بالأمانة " وكذلك إذا كان يترتب على نشرها ضررٌ على أخيه المسلم فلا يجوز ذلك لقوله ﷺ "" لا ضرر ولا ضرار " وكذلك إذا كان نشرها يترتب عليه فضيحة لأخيه المسلم العاصي المستتر بستر الله فلا يجوز نشرها أيضاً وأما إذا كان يترتب على نشرها مصلحة شرعية ومنفعة لصاحبها أو للناس ولم يشترط صاحبها كتمانها فلا بأس بنشرها حينئذٍ بل قد يؤجر على ذلك. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 14029

الحذر من الإشاعات وقت الأزمات [السُّؤَالُ] ـ[يوجد بعض الكتَّاب وخاصة في الإنترنت ينشرون أخباراً بلا تثبت، مما يتسبب في ربكة المسلمين، وإدخال الوهن إلى قلوبهم.. كادعاء سقوط مدينة من مدن المسلمين أو قتل قائدٍ من قادتهم أو غير ذلك مما يُسبب الإحباط ويفت في العزيمة ... وكل ذلك بلا تثبت ولا تأكد من صحة الخبر.. بل إن بعضهم يكتب في نهاية مقاله: " هكذا بلغني ولكني لست متأكداً من صحة الخبر "!! فما نصيحتكم لهؤلاء.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا شك أنه في وقت الفتن تنشط الدعاية وتكثر الإِثارة وهنا يأتي دور الإِشاعة. ومن المعلوم أن التثبت مطلب شرعي لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) . وفي قراءة أخرى (فتثبتوا) وقد حذر الشارع أشد التحذير من نقل الشخص لكل ما يسمعه فعن حفص بن عاصم قال: قال رسول الله ﷺ : (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع) رواه مسلم في المقدمة ٦ صحيح الجامع ٤٤٨٢. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع) السلسلة الصحيحة ٢٠٢٥. "قَالَ النَّوَوِيّ: فَإِنَّهُ يَسْمَع فِي الْعَادَة الصِّدْق وَالْكَذِب فَإِذَا حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ فَقَدْ كَذَبَ لإِخْبَارِهِ بِمَا لَمْ يَكُنْ , وَالْكَذِب الإِخْبَار عَنْ الشَّيْء بِخِلَافِ مَا هُوَ وَلا يُشْتَرَط فِيهِ التَّعَمُّد ". وعن المغيرة بن شعبة قال: قال النبي ﷺ : (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال) رواه البخاري ٢٢٣١. قال الحافظ ابن حجر: (قَوْله: (وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ) . . . قَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ:. . . وفي معني الحديث ثلاثة أوجه: أولها: الإِشَارَة إِلَى كَرَاهَة كَثْرَة الْكَلام لأَنَّهَا تُؤَوِّل إِلَى الْخَطَأ. . . ثَانِيهَا: إِرَادَة حِكَايَة أَقَاوِيل النَّاس وَالْبَحْث عَنْهَا لِيُخْبِر عَنْهَا فَيَقُول: قَالَ فُلان كَذَا وَقِيلَ كَذَا , وَالنَّهْي عَنْهُ إِمَّا لِلزَّجْرِ عَنْ الاسْتِكْثَار مِنْهُ , وَإِمَّا لِشَيْءٍ مَخْصُوص مِنْهُ وَهُوَ مَا يَكْرَههُ الْمَحْكِيّ عَنْهُ. ثَالِثهَا: أَنَّ ذَلِكَ فِي حِكَايَة الاخْتِلاف فِي أُمُور الدِّين كَقَوْلِهِ: قَالَ فُلان كَذَا وَقَالَ فُلان كَذَا , وَمَحَلّ كَرَاهَة ذَلِكَ أَنْ يُكْثِر مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يُؤْمَن مَعَ الإِكْثَار مِنْ الزَّلَل , وَهُوَ مَخْصُوص بِمَنْ يَنْقُل ذَلِكَ مِنْ غَيْر تَثَبُّت , وَلَكِنْ يُقَلِّد مَنْ سَمِعَهُ وَلا يَحْتَاط لَهُ. قُلْت: وَيُؤَيِّد ذَلِكَ الْحَدِيث الصَّحِيح (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّث بِكُلِّ مَا سَمِعَ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم) اهـ بتصرف يسير. وعن أبي قلابة قال: قال أبو مسعود لأبي عبد الله أو قال أبو عبد الله لأبي مسعود: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في زعموا؟ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " بئس مطية الرجل زعموا " السلسلة الصحيحة ٨٦٦. قال العظيم آبادي: " (بِئْسَ مَطِيَّة الرَّجُل) : الْمَطِيَّة بِمَعْنَى الْمَرْكُوب (زَعَمُوا) : الزَّعْم قَرِيب مِنْ الظَّنّ أَيْ أَسْوَأ عَادَة لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَّخِذ لَفْظ زَعَمُوا مَرْكَبًا إِلَى مَقَاصِده فَيُخْبِر عَنْ أَمْر تَقْلِيدًا مِنْ غَيْر تَثَبُّت فَيُخْطِئ وَيُجَرَّب عَلَيْهِ الْكَذِب قَالَهُ الْمَنَاوِيُّ. ولذلك حرص سلفنا الصالح على التثبت والحذر من الإشاعات: قال عمر ﵁: (إياكم والفتن فإن وقع اللسان فيها مثل وقع السيف) . ولقد سطَّر التاريخ خطر الإِشاعة إذا دبت في الأمة وإليك أمثلة من ذلك: ١- لما هاجر الصحابة من مكة إلى الحبشة وكانوا في أمان، أُشيع أن كفار قريش في مكة أسلموا فخرج بعض الصحابة من الحبشة وتكبدوا عناء الطريق حتى وصلوا إلى مكة ووجدوا الخبر غير صحيح ولاقوا من صناديد قريش التعذيب. وكل ذلك بسبب الإِشاعة. ٢- في غزوة أحد لما قتل مصعب بن عمير أُشيع أنه الرسول ﷺ ، وقيل: قُتل رسول الله فانكفأ جيش الإِسلام بسبب الإِشاعة، فبعضهم هرب إلى المدينة وبعضهم ترك القتال. ٣- إشاعة حادثة الإِفك التي اتهمت فيها عائشة البريئة الطاهرة بالفاحشة وما حصل لرسول الله ﷺ والمسلمين معه من البلاء، وكل ذلك بسبب الإِشاعة. إذاً ما هو المنهج الشرعي في التعامل مع الأخبار؟ هناك ملامح في التعامل مع الأخبار نسوقها باختصار: ١) التأني والتروي: يقول النبي ﷺ : (التأني من الله والعجلة من الشيطان) السلسلة الصحيحة ١٧٩٥. قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل ٢) التثبت في الأخبار: قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين َ) وفي قراءة (فتثبتوا) سبب نزول الآية: أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات، وأنه لما أتاهم الخبر فرحوا، وخرجوا ليتلقوا رسول الله ﷺ ، وأنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه رجع إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله: إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة. فغضب رسول الله ﷺ من ذلك غضباً شديداً، فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد، فقالوا: يا رسول الله: إنا حُدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أن يكون إنما رده كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله! وأن رسول الله استعتبهم، وهمّ بهم، فأنزل الله عذرهم في الكتاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين﴾ الحجرات/٦. أنظر السلسلة الصحيحة (٣٠٨٥) . معنى التثبت: تفريغ الوسع والجهد لمعرفة حقيقة الحال ليعرف أيثبت هذا الأمر أم لا. والتبين: التأكد من حقيقة الخبر وظروفه وملاباساته. يقول الحسن البصري: "المؤمن وقاف حتى يتبين". وختاماً: نوصي الجميع بالتثبت وعدم التسرع في نقل الأخبار حتى يتأكد من صحتها، حتى لو كان الخبر ساراً، لأنه إذا تبين خطأ الناقل فستسقط عدالته عند الناس ... ويكون عرضة للاستخفاف ممن له هوى في نفسه ... وفق الله الجميع لما يحب ويرضى ... وللاستزادة: استمع لمحاضرة بعنوان (وقفات مع الأخبار والإشاعات) على هذا الرابط: http://www.islamicaudiovideo.com/index.php?subjref=٦٨٩&v=٣٥ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14030

الموقف من الشائعات والأخبار على شبكة الانترنت [السُّؤَالُ] ـ[ما هو العلاج لظاهرة الشائعات على شبكة الإنترنت وما هو موقف المسلم من الأخبار التي يقرؤها هنا وهناك وما يُكتب في ساحات الحوار وخصوصا أن بعضها بشائر وأنباء سارة للمسلمين لكن المصدر مجهول.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نعيش اليوم، واقع كثير من الإشاعات التي تسوق الأماني على شكل أخبار، تنشرها مواقع ومنتديات على شبكة الإنترنت؛ لتبثها للناس على أنها بشائر، فتتلقفها قلوب الطيبين على أنها حقائق لا تقبل الشك، جاءت من مصادر موثوقة، ولئن ثبت وقوع شيء من ذلك فقد بقي الكثير منه ركاماً من الشائعات يستطيع من شاء أن يقول لنا: إن هذا إلا اختلاق! إن المتأمل يدرك أن كثيراً من وسائل الإعلام العالمية، وتبعاً لذلك العربية بالغت في تغطية بعض الأحداث، وتدخلت في تحليلها بطريقة غير موضوعية تنم عن انحياز سافر، وفقدان للموضوعية مكشوف، وتتشفى بالتزيد والتهويل، وما هو عنها بغريب، فإن المصداقية في هذه الوسائل غير متوفرة، خصوصاً حين تتدخل عواطفها ورغباتها. دع عنك أن الموضوعية الإعلامية أصبحت إحدى ضحايا هذه الحرب القائمة وتنكرت الدوائر الغربية للدروس المثالية التي كانت تلقنها الآخرين. لكن هذا لا يعني المجادلة في الحقائق المادية، ولا نكران الأوضاع الحسية القائمة، ولا مقابلة ذلك الانحياز السافر بمبالغات وظنون. وهنا نقف أمام حقائق نذكر بها أنفسنا، والخيرين الذين يتلقفون هذه الأخبار ويبشرون بها غيرهم بنيات طيبة وقلوب سليمة، ونعظ بها أولئك الذين اختلقوا هذه الإشاعات وتولوا ترويجها. (١) أن علينا أن نكون يقظين في تلقي هذه الأخبار، وألا يشفع لقبولها ملاقاتها لرغباتنا وأمانينا، فلنا منهجية في التثبت ينبغي أن تكون مطردة فيما نحب ونكره، فليس صحيحاً أن نشكك في الخبر المصور من أرض المعركة، ونثير تساؤلات الشك والريبة حوله مع أن منتهاه الحسّ، في حين ينشر خبر عبر رسائل الجوالات مصدره بعض مواقع الإنترنت، وإذا كان هناك من يتقبل مثل هذه الأخبار، فليعلم أن الناس لن يصدقوه، فليحذر أن يجعل نفسه عرضة للتكذيب، وقديما قيل "من تتبع غرائب الأخبار كُذِّب". (٢) علينا أن نَحْذر من جهالة المصدر، وليس خبر أهم من أخبار السنة النبوية ومع ذلك فليس من منهج المسلمين قبولها من المجاهيل، ولذا فلا بد من تلقي الأخبار من مصدر موثوق، فإن لم يكن موثوقاً فلا أقل من أن يكون معلوماً، بحيث ينال شرف الصدق، وتلحقه معرة الكذب (وبئس مطية الرجل زعموا) . (٣) إذا كان هناك من استجازوا اختلاق هذه الإشاعات بأنواع التأولات فإن علينا أن نرفض جعل أنفسنا رواحل لنقلها، نُصَدَّقها ثم نُسَوِّقها، (فمن حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) . (٤) مما يتأوله هؤلاء الذين يختلقون تلك الإشاعات أنها من الكذب في الحرب وهو مباح، ويتجاهلون ولا يجهلون أن القدر المباح من الكذب في الحرب هو الذي يضلل الأعداء وليس الذي يُسَوَّق الوهم ويُغَرِر بالمسلمين. (٥) إذا كنا خسرنا جوانب من المعركة، فإن علينا ألا نخسر الصدق الذي هو رأس مالنا في التعامل مع الناس، وسيطول استغراب الناس وعجبهم إذا اكتشفوا أن هذه الأخبار الكاذبة كانت تنقل إليهم عبر وسيط صالح، ومن جُرَّب عليه الكذب، أو نَقْل الكذب وتَصديقَه فلن يكون محلاً للثقة بعد. (٦) وكما سيفجع الطيبون فيرتابوا في الراوي الذي كان الصلاح يظهر عليه، لأنه كان يحدثهم بهذه الأخبار ويؤكدها لهم، فكذلك سيشمت آخرون، لهم موقف من هؤلاء الشباب ليقولوا: هذه أخبارهم، وهذه مصداقيتهم! وسيجد كل من شَرِق بالصحوة فرصة في تعميم هذا الخطأ، ووصف طلائع الصحوة كلَّها بهذا السلوك، فاللهَ اللهَ أن نُفَرِّح شامتاً، أو نضع في فم كاشح حجة. (٧) لئن كان الصدق فضيلة إسلامية، ومروءة عربية، فإن الكذب فاحشة حرمها الإسلام، وأنف منها مشركو العرب حتى قال أبو سفيان – وهو مشرك - (لولا أن يأثر الناس عليّ كذبا لكذبت عليه) يعني هرقل، فلم يكن يقبل أن يوجد في تاريخه كذبة ولو كانت على عدوه محمد ﷺ عند هرقل (ملك الروم) . وإننا نخشى من التوسع في رواية هذه الإشاعات أن تنجلي حقيقتها بغير ذلك فَيَأْثِرَ الناس علينا كذباً كثيراً. (٨) إن اختلاق الإشاعات وسرعة تصديقها مهرب نفسي أمام واقع لا يرضاه المرء ولا يستريح إليه، وقديماً قال أبو الطيب: طَوَى الجزيرةَ حتى جاءني خبرٌ فَزِعْتُ فيه بآمالي إلى الكَذِب حتى إذا لم يدع لي صدقه أمَلاً شَرِقْتُ بالدمع حتى كاد يشرقُ بي فتجد النفس سلوتها في تكذيب مالا يروق لها واختلاق الإشاعات وترويجها، إلا أنها - في النهاية - ترضخ لسلطان الحقيقة القاهر، ولكن هذه الحيلة النفسية لا تصلح أن تكون مهرباً لأتباع محمد – ﷺ – الذي علمهم فضيلة الصدق وأمرهم بتحريه فقال: " إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً ". (٩) إن تسويف الإحساس بالواقع، والتقنع بأغطية الوهم، وأعظمها تصديق الشائعات وترويجها، سيضاعف فداحة الخسائر وأعظمها خسارة القيم، ألا وإنَّ الصدق أعلاها وأغلاها "فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم". (١٠) إن الاعتراف بالحقيقة أولى الخطوات في معالجة الأزمات وتجاوزها، كما أن مغالطتها وسترها أعظم أسباب تكريسها وتجديدها ومعاودتها. (١١) وكما نتواصى بعدم نقل هذه الأخبار، فإن علينا تبصير من ينقلونها بطيبةٍ وحسن قصد، ومواجهتهم بالحقيقة، وعدم مجاملة المشاعر على حساب العقل والنقل، وانتشالهم من قلق المغالطة، إلى وضوح الحقيقة، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة. (١٢) يقول سيد قطب – ﵀ – (الحقيقة في كل شيء تغلب المظهر في كل شيء حتى لو كانت حقيقة الكفر) . وبعد فكم تمنيت ألا يكون الحديث على هذا النحو، ولكن القذاة في عيني، وقد آثرت الصدق في الحديث عن الصدق، فإن أحب الحديث إلى الله أصدقه (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) . اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم [الْمَصْدَرُ] الشيخ عبد الوهاب بن ناصر الطريري.

стр. 14031

حكم قول التخلق بأخلاق الله [السُّؤَالُ] ـ[ذكر بعض الخطباء في أثناء خطبة الجمعة أن علينا " الاتصاف بصفات الله والتخلق بأخلاقه " هل لهذه الجملة محمل صحيح وهل سبق أن قالها أحد؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا التعبير غير لائق، ولكن له محمل صحيح وهو الحث على التخلق بمقتضى صفات الله وأسمائه وموجبها، وذلك بالنظر إلى الصفات التي يحسن من المخلوق أن يتصف بمقتضاها، بخلاف الصفات المختصة بالله كالخلاق والرزاق والإله ونحو ذلك. فإن هذا شيء لا يمكن أن يتصف به المخلوق، ولا يجوز أن يدعيه، وإنما المقصود: الصفات التي يحب الله من عباده أن يتصفوا بمقتضاها كالعلم والقوة والرحمة والحلم والكرم والجود والعفو. وأشباه ذلك، فهو سبحانه عليم يحب العلماء، قوي يحب المؤمن القوي أكثر من حبه للمؤمن الضعيف، كريم يحب الكرماء، رحيم يحب الرحماء، عفو يحب العفو. . إلخ، لكن الذي لله سبحانه من هذه الصفات وغيرها أكمل وأعظم من الذي للمخلوق، بالمقاربة بينهما؛ لأنه سبحانه ليس كمثله شيء في صفاته وأفعاله، كما أنه لا مثل له في ذاته، وإنما حسب المخلوق أن يكون له نصيب من معاني هذه الصفات يليق به ويناسبه على الحد الشرعي، فلو تجاوز الكرم الحد صار مسرفا، ولو تجاوز في الرحمة الحد عطل الحدود والتعزيرات الشرعية، وهكذا لو زاد في العفو على الحد الشرعي وضعه في غير موضعه، وهذه الأمثلة تدل على سواها، وقد نص العلامة ابن القيم ﵀ على هذا المعنى في كتابيه: (عدة الصابرين) (والوابل الصيب) ، ولعله نص على ذلك في غيرهما كالمدارج وزاد المعاد وغيرهما. وإليك نص كلامه في العدة والوابل: قال في العدة صفحة ٣١٠: ولما كان سبحانه هو الشكور على الحقيقة كان أحب خلقه إليه من اتصف بصفة الشكر، كما أن أبغض خلقه إليه من عطلها أو اتصف بضدها، وهذا شأن أسمائه الحسنى، أحب خلقه إليه من اتصف بموجبها، وأبغضهم إليه من اتصف بضدها، ولهذا يبغض الكفور والظالم والجاهل والقاسي القلب، والبخيل والجبان والمهين واللئيم، وهو سبحانه جميل يحب الجمال، عليم يحب العلماء، رحيم يحب الراحمين، محسن يحب المحسنين، ستير يحب أهل الستر، قادر يلوم على العجز، والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، عفو يحب العفو، وتر يحب الوتر، وكل ما يحبه من آثار أسمائه وصفاته وموجبها، وكل ما يبغضه فهو مما يضادها وينافيها) ا. هـ وقال في الوابل الصيب صفحة ٥٤٣ من مجموعة الحديث: والجود من صفات الرب ﷻ ، فإنه يعطي ولا يأخذ، ويطعم ولا يطعم، وهو أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، وأحب الخلق إليه من اتصف بمقتضيات صفاته، فإنه كريم يحب الكرماء من عباده، وعالم يحب العلماء، وقادر يحب الشجعان، وجميل يحب الجمال) . انتهى. وأرجو أن يكون فيما ذكرناه كفاية، وحصول للفائدة، وأسأل الله سبحانه أن يوفقنا جميعا للفقه في دينه والقيام بحقه إنه سميع قريب. [الْمَصْدَرُ] مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز ٦ / ٢٥١

стр. 14032

ما هي حالات إخلاف الوعد ؟ [السُّؤَالُ] ـ[نعلم أن إخلاف الوعد من صفات المنافقين، لكن إذا لم يتمكن المسلم من الوفاء بوعده لسبب خارج عن إرادته، فهل يعتبر فعل أمراً محرماً واتصف من صفات المنافقين، أو يكون معذوراً..]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا شك أن الوفاء بالوعد والعهد من صفات المؤمنين، وأن إخلافهما من صفات المنافقين، كما جاء عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: " أربع مَن كنَّ فيه كان منافقاً، ومن كانت فيه خصلة من أربعة: كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلفَ، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر – رواه البخاري (٢٣٢٧) ومسلم (٥٨) -. والمؤمن الذي يواعد الناس ويخلف وعده إما أن يكون معذوراً أو لا يكون كذلك، فإن كان معذوراً فلا إثم عليه، وإن لم يكن معذوراً: كان آثماً. ولم يأتِ نصٌّ – فيما نعلم – يجمع ما استثني من تحريم إخلاف الوفاء بالوعد والعهد، لكن يمكن أن يكون إخلاف الوعد أو العهد في حالات يُعذر فيها المؤمن، منها: أ. النسيان. وقد عفا الله تعالى عن النسيان في ترك واجب أو فعل محرَّم، كما قال الله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ قال الله تعالى: " نعم " – رواه مسلم (١٢٥) من حديث أبي هريرة -، وفي رواية: " قد فعلت " – رواه مسلم (١٢٦) من حديث ابن عباس -. فمن واعد شخصاً ثم نسي الوعد أو نسي وقته: فلا حرج عليه. ب. الإكراه على إخلاف الوعد. والإكراه: أحد الموانع التي تجيز للمسلم التخلف عن الموعد، كمن حُبس أو مُنع من الوفاء بالوعد أو هُدّد بعقوبة تؤلمه. فعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". رواه ابن ماجه (٢٠٤٥) ، وللحديث شواهد كثيرة، وقد صححه الشيخ الألباني في " صحيح الجامع " (١٨٣٦) . ج. الوعد على فعل محرَّم أو ترك واجب. فمن وعد شخصاً على أن يفعل له محرماً، أو يترك واجباً فإنه لا يجوز الوفاء به. ويمكن الاستدلال بحديث عائشة – ويُسمَّى حديث بريرة – وهو في الصحيحين - وقد وعدت عائشة – ﵂ – أهل بريرة على أن يكون ولاء بريرة لهم على حسب طلبهم مع أن عائشة – ﵂ – هي التي ستعتقها، ولم تفِ بهذا الوعد؛ لأنهم خالفوا الشرع وهم يعلمون أن " الولاء لمن أعتق "، فكيف تعتقها عائشة ويكون ولاء بريرة لهم؟ . قال الشافعي: ... فلما بلغهم هذا: كان مَن اشترط خلاف ما قضى الله ورسوله عاصياً، وكانت في المعاصي حدود وآداب، وكان من آداب العاصين: أن تعطل عليهم شروطهم لينكلوا عن مثلها، وينكل بها غيرهم، وكان هذا من أحسن الأدب. " اختلاف الحديث " (ص ١٦٥) . د. حصول طارئ مع صاحب الموعد من مرض أو وفاة قريب أو تعطل وسيلة النقل ... الخ. وهي أعذار كثيرة، تدخل في قوله تعالى ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14033

ما معنى قولهم: سيئة هذا الرجل تغوص في بحر حسناته؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى هذه العبارة: (سيئة هذا الرجل تغوص في بحر حسناته) ؟ وهل هي عبارة إرجاء، وادعاء لعلم الغيب أن حسنات هذا الرجل قد قبلت؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله تطلق هذه العبارة وما في معناها على رجل صالح أو عالم زل في مسألة، أو وقع منه ما لم يحمد عليه، أو كانت له هفوة حفظت عنه، فيراد بهذه العبارة الدفاع عنه، وعدم النيل منه للهفوة أو الزلة؛ لأنه معروف بالستر والصلاح، أو بالعلم، ومحامده المحفوظة أكثر بكثير من مذامه أو أخطائه. فإنه قد يأتي من يتتبع زلات العلماء، ويتنقصهم بها، فيقال له: إن سيئة هذا العالم مغمورة في بحر حسناته. وهذا كما قال الذهبي ﵀ في ترجمة شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وقد انفرد بفتاوى نيل من عرضه لأجلها، وهي مغمورة في بحر علمه، فالله تعالى يسامحه ويرضى عنه، فما رأيت مثله، وكل أحد من الأمة فيؤخذ من قوله ويترك فكان ماذا؟ " انتهى. "تذكرة الحفاظ" (٤/١٩٢) . كما قال عكس ذلك في ترجمة الحجاج الثقفي: "وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه، وأمره إلى الله" انتهى. "سير أعلام النبلاء" (٤/ ٣٤٣) . وقال ابن القيم ﵀: "الحسنات لما غلبت السيئات ضعف تأثير المغلوب المرجوح، وصار الحكم للغالب دونه لاستهلاكه في جنبه كما يستهلك يسير النجاسة في الماء الكثير، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث" انتهى. "طريق الهجرتين" (ص ٥٦٣) . وقال أيضا: "المصائب لا تستقل بمغفرة الذنوب، ولا تغفر الذنوب جميعها إلا بالتوبة أو بحسنات تتضاءل وتتلاشى فيها الذنوب، فهي كالبحر لا يتغير بالجيف" انتهى. "مدارج السالكين" (١/٣١٢) . وقال أيضا: "من قواعد الشرع والحكمة أيضا: أن من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يحتمل له مالا يحتمل لغيره، ويعفى عنه ما لا يعفى عن غيره؛ فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل فإنه يحمل أدنى خبث، ومن هذا قول النبي ﷺ لعمر: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم) وهذا هو المانع له ﷺ من قتل من حس عليه وعلى المسلمين [يعني: تجسس، ونقل أخباره إلى الأعداء] وارتكب مثل ذلك الذنب العظيم، فأخبر ﷺ أنه شهد بدرا، فدل على أن مقتضى عقوبته قائم، لكن منع من ترتب أثره عليه ما له من المشهد العظيم، فوقعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ما له من الحسنات. وهذا أمر معلوم عند الناس مستقر في فطرهم: أن من له ألوف من الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين ونحوها ... كما قيل: وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع وقال آخر: فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا فأفعاله اللاتي سررن كثير" انتهى. "مفتاح دار السعادة" (١/١٧٦-١٧٧) . وليست هذه العبارة وأمثالها من الإرجاء في شيء؛ فإن أصل بدعة الإرجاء في قولهم: إن الإيمان تصديق بالقلب فقط، وبعضهم يزيد على ذلك الإقرار باللسان، ولا يشترط له العمل الصالح، ولا تضره المعصية مهما كانت. كما أن هذه العبارة وأشباهها ليست من ادعاء الغيب؛ فإن الناس يشهدون على الرجل بصلاحه أو فساده بما يظهر لهم من فعله، وليس هذا من ادعاء علم الغيب، إنما الغيب فيما له عند الله، وهل قبلت عماله أو ردت عليه؟ وهل هو من أهل الجنة أو من أهل النار؟ ونحو ذلك. والمقصود من هذه العبارة أن حسنات الرجل الظاهرة كثيرة، تستهلك فيها هفوته أو هفواته اليسيرة، كما تستهلك النجاسة اليسيرة في الماء الكثير، وليس معناها أن حسناته قد قبلت منه؛ فإن هذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14034

لماذا كان النبي ﷺ وأصحابه يخافون من ربهم مع تبشيرهم بالجنة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لماذا كان الصحابة المبشَّرون بالجنة يخافون الله أشد الخوف، على الرغم أن الرسول ﷺ بشرهم بالجنة، بل الرسول ﷺ نفسه كان أخوفهم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا شك أن أصحاب النبي ﷺ هم خير هذه الأمة وأفضلها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ومِن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنَّة , وما اتفق عليه أهل السنَّة والجماعة من جميع الطوائف: أن خير قرون هذه الأمة في الأعمال، والأقوال، والاعتقاد , وغيرها من كل فضيلة: أن خيرها: القرن الأول، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ من غير وجه , وأنهم أفضل من الخلَف في كل فضيلة، من علم وعمل، وإيمان، وعقل، ودين، وبيان، وعبادة , وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل، هذا لا يدفعه إلا مَن كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام , وأضله الله على علم، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: " مَن كان منكم مستنّاً فليستنَّ بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبرُّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ". وما أحسن ما قال الشافعي ﵀ في رسالته: " هم فوقنا في كل علم، وعقل، ودين، وفضل، وكل سبب ينال به علم، أو يدرك به هدى ". " مجموع الفتاوى " (٤ / ١٥٧، ١٥٨) . ثانياً: عبادة الله تعالى تتضمن الخوف، والرجاء، والمحبة له سبحانه تعالى؛ وهذا هو كمال الإيمان. قال ابن القيم ﵀: وسبب هذا: اقتران الخوف من الله تعالى بحبِّه، وإرادته , ولهذا قال بعض السلف: " مَن عبد الله تعالى بالحب وحده: فهو زنديق , ومن عبده بالخوف وحده: فهو حروري – أي: من الخوارج - , ومن عبده بالرجاء وحده: فهو مرجئ , ومن عبده بالحب والخوف والرجاء: فهو مؤمن. وقد جمع الله تعالى هذه المقامات الثلاثة بقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَه) الإسراء/ ٥٧، فابتغاء الوسيلة هو محبته، الداعية إلى التقرب إليه، ثم ذكر بعدها الرجاء والخوف , فهذه طريقة عباده، وأوليائه. " بدائع الفوائد " (٣ / ٥٢٢) . ثالثاً: لا يستغرب أن يكون الصحابة أشد الناس خوفاً من الله، فكلما ازداد العبد إيماناً: ازداد خوفه من الله، ألا ترى أن الله تعالى أثنى على أنبيائه، ورسله بهذه الصفة، قال تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) الأحزاب/ ٣٩، وقال عن الملائكة الكرام: (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) الأنبياء/ ٢٨، وقال: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) النحل/ ٥٠. وعن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِالمَلإ الأَعْلَى وَجِبْريلُ كَالحِلْسِ البَالِي ِنْ خَشْيَةِ الله رواه الطبراني في " الأوسط " (٥ / ٦٤) ، وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢٢٨٩) . والحلس البالي: الثوب البالي. وهكذا كان حال نبينا محمد ﷺ ، فقد قال عن نفسه: (إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا) رواه البخاري (٢٠) ومسلم (١١٠٨) . قال ابن القيم ﵀: والمقصود: أن الخوف من لوازم الإيمان، وموجباته، فلا يتخلف عنه، وقال تعالى: (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) المائدة/ ٤٤ , وقد أثنى سبحانه على أقرب عباده إليه بالخوف منه، فقال عن أنبيائه بعد أن أثنى عليهم ومدحهم: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) الأنبياء/ ٩٠، فالرغَب: الرجاء , والرغبة، والرهَب: الخوف، والخشية. وقال عن ملائكته الذين قد أمَّنهم من عذابه: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) النحل/ ٥٠، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية) ، وفي لفظ آخر: (إني أخوفكم لله وأعلمكم بما أتقي) – رواه مسلم -، وكان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء – رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود " -. وقد قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) فاطر/ ٢٨، فكلما كان العبد بالله أعلم: كان له أخوف، قال ابن مسعود: وكفى بخشية الله علماً. ونقصان الخوف من الله: إنما هو لنقصان معرفة العبد به؛ فأعرف الناس: أخشاهم لله , ومن عرف الله: اشتد حياؤه منه، وخوفه له، وحبه له , وكلما ازداد معرفة: ازداد حياء، وخوفاً، وحبّاً، فالخوف من أجلِّ منازل الطريق , وخوف الخاصة: أعظم من خوف العامَّة , وهم إليه أحوج، وهم بهم أليق، ولهم ألزم. " طريق الهجرتين " (٤٢٣، ٤٢٤) . فعلى ذلك فلما كان الصحابة أعلم، وأتقى لله، وأعرف به: استلزم ذلك عظم خوفهم منه تعالى، مع الرجاء، والمحبة، وهكذا حال الأنبياء الذين هم أعرف، وأعلم، وأتقى لله تعالى من غيرهم من الناس. ويمكن تلخيص أسباب خوف النبي ﷺ ، وصحابته الكرام ممن بشِّر بالجنة، بما يلي: ١. أنهم عرفوا معنى عبادة ربهم تعالى، وكان خوفهم من الله تعالى هو تحقيق لركن من أركانها، مع تحقيق ركني الرجاء، والمحبة. ٢. أنهم كانوا علماء بالله تعالى، ومن كان بالله أعلم كان منه أخوف. ٣. بحثاً عن مزيد ثواب، وعظيم أجر، من ربهم تعالى، قال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) الرحمن/ ٤٦. فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الخوف، والرجاء، والمحبة. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14035

معنى الذل والافتقار وكيف يحققهما العبد المسلم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[قرأت في كتاب "مدارج السالكين" لابن القيم: يحكى عن بعض العارفين: دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها، فما دخلت من باب إلا رأيت عليه الزحام، فلم أتمكن من الدخول، حتى جئت باب الذل، والافتقار، فإذا هو أقرب باب إليه، وأوسعه، ولا مزاحم فيه، ولا معوق، فما هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته: فإذا هو سبحانه قد أخد بيدي، وأدخلني. " مدارج السالكين ". فما هو الذل، والافتقار، المقصود هنا الذي يوصل لهذا المقام العظيم؟ يعني: هل يوجد في عبادة بعينها أكثر من أي عبادة؟ فوالله محتاجون، ضعفاء إيماناً. والله المستعان.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الحكمة من خلق الإنسان هي: عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات/ ٥٦. وأركان العبادة هي: كمال الذل والخضوع، مع كمال المحبة، لله تعالى. قال ابن القيم ﵀: وعبادة الرحمن غاية حبه ** مع ذل عابده هما قطبان وعليهما فلك العبادة دائر ** ما دار حتى قامت القطبان " النونية " (ص ٣٥) . وقال ابن القيم ﵀ أيضاً -: والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب، بغاية الذل والخضوع , والعرب تقول: " طريق معبَّد " أي: مذلَّل، والتعبد: التذلل والخضوع، فمن أحببتَه ولم تكن خاضعاً له: لم تكن عابداً له , ومن خضعت له بلا محبة: لم تكن عابداً له، حتى تكون محبّاً خاضعاً. " مدارج السالكين " (١ / ٧٤) . وانظر جواب السؤال رقم: (٤٨٩٧٣) . فتحقيق الذل إذاً يكون بتحقيق العبودية لله تعالى وحده، والعبد ذليل لربه تعالى في ربوبيته، وفي إحسانه إليه. قال ابن القيم – ﵀: فإن تمام العبودية هو: بتكميل مقام الذل والانقياد، وأكمل الخلق عبودية: أكملهم ذلاًّ لله، وانقياداً، وطاعة، والعبد ذليل لمولاه الحق بكل وجه من وجوه الذل، فهو ذليل لعزِّه، وذليل لقهره، وذليل لربوبيته فيه وتصرفه، وذليل لإحسانه إليه، وإنعامه عليه؛ فإن مَن أحسن إليك: فقد استعبدك، وصار قلبُك معبَّداً له، وذليلاً، تعبَّدَ له لحاجته إليه على مدى الأنفاس، في جلب كل ما ينفعه، ودفع كل ما يضره. " مفتاح دار السعادة " (١ / ٢٨٩) . قد يظهر الذل في عبادة أعظم منه في عبادة أخرى , وأعظم العبادات التي فيها عظيم الذل والخضوع لله هي: الصلاة المفروضة , والصلاة ذاتها تختلف هيئاتها وأركانها في مقدار الذل والخضوع فيها، وأعظم ما يظهر فيه ذل العبد وخضوعه لربه تعالى فيها: السجود. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لفظ " السجود "، فإنه إنما يستعمل في غاية الذل والخضوع، وهذه حال الساجد. " جامع الرسائل، رسالة في قنوت الأشياء " (١ / ٣٤) . ثانياً: أما الافتقار إلى الله فهو مقام عالٍ يصل إليه العبد من طرق كثيرة، لعل أبرزها: العبودية، والدعاء، والاستعانة والتوكل. ١. فإذا تحصَّل العبدُ على مقام الذل لربه تعالى: ظهر مقام الافتقار، وعلم أنه لا غنى له عن ربه تعالى، بل صار مستغنٍ بربه عن غيره، فكمال الذل، وكمال الافتقار: يَظهران في تحقيق كمال العبودية للرب تعالى. قال ابن القيم ﵀: سئل محمد بن عبد الله الفرغاني عن الافتقار إلى الله سبحانه، والاستغناء به، فقال: " إذا صح الافتقار إلى الله تعالى: صحَّ الاستغناء به، وإذا صح الاستغناء به: صحَّ الافتقار إليه، فلا يقال أيهما أكمل: لأنه لا يتم أحدهما إلا بالآخر ". قلت: الاستغناء بالله هو عين الفقر إليه، وهما عبارتان عن معنى واحد؛ لأن كمال الغنى به هو كمال عبوديته، وحقيقة العبودية: كمال الافتقار إليه من كل وجه، وهذا الافتقار هو عين الغنى به. " طريق الهجرتين " (ص ٨٤) . ٢. ومما يظهر فيه مقام الافتقار إلى الله تعالى: الدعاء، وخاصة بوصف حال الداعي، كما قال موسى ﵇: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) النمل/ ٢٤، وكما قال تعالى عن أيوب ﵇: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) الأنبياء/ ٨٣ , وكان من دعاء النبي ﷺ : (اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِى إِلَى نَفْسِى طَرْفَةَ، عَيْنٍ وَأَصْلِحْ لِى شَأْنِى كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنْتَ) رواه أبو داود (٥٠٩٠) ، وحسَّنه الألباني في "صحيح أبي داود". قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والمقصود هنا: الكلام أولاً في أن سعادة العبد في كمال افتقاره إلى ربه، واحتياجه إليه، أي: في أن يشهد ذلك، ويعرفه، ويتصف معه بموجب ذلك، من الذل، والخضوع، والخشوع، وإلا فالخلق كلهم محتاجون، لكن يظن أحدهم نوع استغناء، فيطغى، كما قال تعالى (كَلَاّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَِآهُ اسْتَغْنَى) . " مجموع الفتاوى " (١ / ٥٠) . ٣. ومما يظهر فيه مقام الافتقار إلى الله تعالى: حين يستعين العبد بربه ويتوكل عليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إذا تبين هذا: فكلما ازداد القلب حبّاً لله: ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية: ازداد له حبّاً، وفضَّله عما سواه، والقلب فقير بالذات إلى الله من وجهين: من جهة العبادة الغائية، ومن جهة الاستعانة والتوكل، فالقلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا ينعم، ولا يسر، ولا يلتذ، ولا يطيب، ولا يسكن، ولا يطمئن، إلا بعبادة ربه وحبه، والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات: لم يطمئن، ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه من حيث هو معبوده، ومحبوبه، ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرَح، والسرور، واللذة، والنعمة، والسكون، والطمأنينة. وهذا لا يحصل له إلا باعانة الله له؛ فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله، فهو دائماً مفتقر إلى حقيقة: (إياك نعبد وإياك نستعين) . " العبودية " (ص ٩٧) . والعبد مفتقر إلى الله تعالى في كل شيء، في خلقه ووجوده وفي استمراره وحياته، وفي علومه ومعارفه، وفي هدايته وأعماله، وفي جلب أي نفع له، أو دفع أي ضرر له، وهذا هو معنى: "لا حول ولا قوة إلا بالله". نسأل الله تعالى أن يغنينا بالافتقار إليه. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14036

كيف نمتثل قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) ؟ [السُّؤَالُ] ـ[كيف نمتثل هذه الآية ونطبقها في حياتنا، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نزلت هذه الآية تعلم الصحابة رضوان الله عليهم بعض الآداب في تعاملهم مع النبي الكريم محمد ﷺ ، وتحذرهم من التشبه بحال المنافقين الذين لا يراعون خلقاً ولا أدباً. قال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) النور/٦٢. قال الحافظ ابن كثير ﵀: "هذا أدب أرشد الله عبادَه المؤمنين إليه، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول، كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف، لا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه، من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة أو اجتماع لمشورة ونحو ذلك - أمرهم الله تعالى ألا ينصرفوا عنه والحالة هذه إلا بعد استئذانه ومشاورته، وأن من يفعل ذلك فهو من المؤمنين الكاملين. ثم أمر رسوله صلوات الله وسلامه عليه إذا استأذنه أحد منهم في ذلك أن يأذن له إن شاء؛ ولهذا قال: (فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلِّم، فإذا أراد أن يقوم فليسلِّم، فليست الأولى بأحق من الآخرة) رواه الترمذي وقال: حسن" انتهى باختصار. "تفسير القرآن العظيم" (٦/٨٨) . وقال العلامة السعدي ﵀: "هذا إرشاد من الله لعباده المؤمنين، أنهم إذا كانوا مع الرسول ﷺ على أمر جامع، أي: من ضرورته أو من مصلحته أن يكونوا فيه جميعاً، كالجهاد، والمشاورة، ونحو ذلك من الأمور التي يشترك فيها المؤمنون، فإن المصلحة تقتضي اجتماعهم عليه وعدم تفرقهم، فالمؤمن بالله ورسوله حقاً لا يذهب لأمر من الأمور، لا يرجع لأهله، ولا يذهب لبعض الحوائج التي يشذ بها عنهم إلا بإذن من الرسول أو نائبه من بعده، فجعل موجب الإيمان عدم الذهاب إلا بإذن، ومدحهم على فعلهم هذا، وأدبهم مع رسوله، ووليّ الأمر منهم، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) . ولكن هل يأذن لهم أم لا؟ ذكر لإذنه لهم شرطين: أحدهما: أن يكون لشأن من شئونهم، وشغل من أشغالهم، فأما من يستأذن من غير عذر فلا يؤذن له. والثاني: أن يشاء الإذن فتقتضيه المصلحة، من دون مضرة بالآذن، قال: (فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ) ، فإذا كان له عذر واستأذن، فإن كان في قعوده وعدم ذهابه مصلحة برأيه، أو شجاعته، ونحو ذلك، لم يأذن له، ومع هذا إذا استأذن وأذن له بشرطيه، أمر الله رسوله أن يستغفر له، لما عسى أن يكون مقصراً في الاستئذان، ولهذا قال: (وَاسْتَغْفِرْ لَهُم اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يغفر لهم الذنوب ويرحمهم، بأن جوز لهم الاستئذان مع العذر" انتهى. "تيسير الكريم الرحمن" (٥٧٦) . ثانياً: أما في زماننا هذا فيمكننا الاستفادة من الآية وامتثالها بطرائق عدة، من أهمّها: ١- الالتزام بأحكام الشريعة وهدي النبي ﷺ ، ففي ذلك استئذان معنوي منه ﷺ . قال ابن القيم ﵀: "فإذا جَعل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهباً إذا كانوا معه إلا باستئذانه، فأولى أن يكون مِن لوازمه أن لا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه وإذنه، يُعرَف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه" انتهى من "إعلام الموقعين" (١/٥١) . ٢- استئذان وليّ الأمر أو المسؤول قبل الانصراف من الأمر الجامع الذي هو من مصالح المسلمين. ولذلك بوب الإمام البخاري في صحيحه بقوله: " باب استئذان الرجل الإمام؛ لقوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) " انتهى. وسبق في كلام السعدي ﵀ أن هذه الآية في حكم الاستئذان من الرسول ﷺ ووليّ الأمر. وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٣/١٥٥) : "أقيمت الولايات رعاية للمصالح وحفاظا عليها، واستئذان من له الولاية في حدود ولايته أمر لا بد منه؛ لتستقيم الأمور وتحسم الفوضى، وهذا باب واسع، منه: إذا غزا الأمير بالناس لم يحلّ لأحد ممن معه أن يخرج من المعسكر ليحضر الزاد والعتاد، ولا أن يبارز أحداً من العدو، ولا أن يحدث حدثاً إلا بإذنه؛ لأن الأمير أعرف بحال الناس، وحال العدو، ومكامنهم ومواضعهم وقربهم وبعدهم، فإذا خرج خارج بغير إذنه لم يأمن أن يصادف كميناً للعدو أو طليعة لهم فيأخذوه، أو يرحل الأمير بالمسلمين ويتركه فيهلك، ومن كان مع الجيش في الغزو فأراد الجيش أن ينتقل من موقع لآخر، وأراد بعض الجند التخلف لأمر ما، لا يحل لأحد منهم التخلف عن المسير مع الجيش، إلا بإذن. وإذا جمع الإمام أو الأمير أولي الرأي لاستشارتهم في أمر من الأمور، فليس لأحد منهم أن ينصرف بغير استئذان؛ لأنه قد يحتاج إلى رأيه؛ لقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، والآية ليست خاصة برسول الله ﷺ ؛ لأن الولاة خلفاء عن رسول الله ﷺ في رعاية المصالح العامة فتنطبق عليه الآية" انتهى. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14037

كيف يحقق التجار التوكل على الله [السُّؤَالُ] ـ[أرغب في معرفة كيفية التوكل عند التجارة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله التوكل على الله في عموم حاجات المسلم من علامات إيمان المرء، ويتأكد ذلك في التوكل على الله في الرزق، وتحصيله. قال أبو حاتم بن حبَّان – ﵀: الواجب على العاقل: لزوم التوكل على من تكفل بالأرزاق؛ إذ التوكل هو نظام الإيمان [النظام: هو السلك الذي تنظم فيه حبات العقد] ، وقرين التوحيد، وهو السبب المؤدي إلى نفي الفقر، ووجود الراحة، وما توكل أحدٌ على الله جل وعلا من صحة قلبه، حتى كان الله جلَّ وعلا ـ بما تضمَّن من الكفالة ـ أوثق عنده بما حوته يده: إلا لم يكِلْه الله إلى عباده، وآتاه رزقه من حيث لم يحتسب. وأنشدني منصور بن محمد الكريزي: توكلْ على الرحمن في كلِّ حاجةٍ ... أردتَّ فإن الله يقضي ويَقْدُرُ متى ما يُرِدْ ذو العرش أمراً بعبده ... يُصِبْه، وما للعبد ما يتخَيَّر وقد يَهلك الإنسانُ من وجه أَمْنِه ... وينجو بإذن الله من حيث يَحْذَر " روضة العقلاء ونزهة الفضلاء " (ص ١٥٣، ١٥٤) . أما كيفية التوكل في التجارة، فينبغي على العبد أن يلتفت إلى ما يلي: أ. أن يعتقد أن الله تعالى قد قسم الأرزاق بين خلقه، وقدَّر ذلك في الأزل. قال أبو حاتم بن حبَّان – ﵀: العاقل يعلم أن الأرزاق قد فُرغ منها، وتضمنها العلي الوفي، على أن يوفرها على عباده في وقت حاجتهم إليها، والاشتغال بالسعي لما تضمن، وتكفل: ليس من أخلاق أهل الحزم، إلا مع انطواء صحة الضمير على أنه وإن لم يسع في قصده: أتاه رزقه من حيث لم يحتسب. " روضة العقلاء ونزهة الفضلاء " (ص ١٥٥) . ب. أن يقطع العلائق في تحصيل رزقه بينه وبين غير الله تعالى. قال أبو حاتم بن حبَّان – ﵀: التوكل هو: قطع القلب عن العلائق برفض الخلائق، وإضافته بالافتقار إلى محوِّل الأحوال، وقد يكون المرء موسراً في ذات الدنيا، وهو متوكل صادق في توكله، إذا كان العُدْم والوجود عنده سيين لا فرق عنده بينهما، يشكر عند الوجود، ويرضى عند العدم، وقد يكون المرء لا يملك شيئاً من الدنيا بحيلة من الحيل، وهو غير متوكل، إذا كان الوجود أحب إليه من العدم، فلا هو في العدم يرضى حالته، ولا عند الوجود يشكر مرتبته. " روضة العقلاء ونزهة الفضلاء " (ص ١٥٦) . ج. أن يكون قلب الطالب للرزق معتمداً على الله تعالى ربِّه، مع بذل الأسباب، والسعي في تحصيلها. ومما يدل على أن التوكل فيه أخذ بالأسباب: ما جاء عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا) . رواه الترمذي (٢٣٤٤) وابن ماجه (٤١٦٤) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". قال ابن كثير ﵀: فالسعي في السبب لا ينافي التوكل - وذكر حديث (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله ... ) -، فأثبت لها رواحاً، وغدوّاً، لطلب الرزق، مع توكلها على الله ، وهو المسَخِّر، المسيِّر، المسبِّب. " تفسير ابن كثير " (٨ / ١٧٩) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رمه الله -: فعلى العبد أن يكون قلبه معتمداً على الله، لا على سببٍ من الأسباب، والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة. " مجموع الفتاوى " (٨ / ٥٢٨) . وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: التوكل يجمع شيئين: أحدهما: الاعتماد على الله، والإيمان بأنه مسبب الأسباب، وأن قدره نافذ، وأنه قدر الأمور وأحصاها وكتبها . الثاني: تعاطي الأسباب؛ فليس من التوكل تعطيل الأسباب، بل التوكل يجمع بين الأخذ بالأسباب والاعتماد على الله، ومن عطلها فقد خالف الشرع والعقل. " فتاوى الشيخ ابن باز " (٤ / ٤٢٧) . وانظر تتمة كلام الإمامين، والتفصيل في المسألة في جواب السؤال رقم: (١١٨٢٦٢) . د. حسن الظن بالله تعالى، والالتجاء إليه بالدعاء، والسؤال، والطلب. يقول شيخ الإسلام: ينبغي للمهتم بأمر الرزق أن يلجأ فيه إلى الله ويدعوه , كما قال سبحانه فيما يؤثر عنه نبيه ﷺ : (كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَاّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِى أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَاّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ) – رواه مسلم -. وانظر كلاما متيناً لشيخ الإسلام ابن تيمية في جواب السؤال رقم: (٢١٥٧٥) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14038

من هو الضيف الذي يجب إكرامه ؟ [السُّؤَالُ] ـ[من هو الضيف الذي يجب إكرامه؟ هل إذا زارني أحد أصحابي أو جيراني يكون ضيفا؟ ويكون له حق الضيف؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يجب على المضيف أن يكرم ضيفه، ويقوم بحقه، ويدل على ذلك: ما جاء في الحديث عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزاعِي ﵁ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ) قَالَ: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهْوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ) رواه البخاري (٥٦٧٣) ومسلم (٤٨) . وفي لفظ لمسلم (٤٨) : (الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) . قال الخطابي ﵀: قوله: (جائزته يوم وليلة) سئل مالك بن أنس عنه فقال: يُكرمه، ويتحفه، ويخصه، ويحفظه، يوماً وليلة، وثلاثة أيام ضيافة. قلت: يريد أنه يتكلف له في اليوم الأول بما اتسع له من بِر، وألطاف، ويقدِّم له في اليوم الثاني والثالث ما كان بحضرته، ولا يزيد على عادته، وما كان بعد الثلاث: فهو صدقة، ومعروف، إن شاء فعل، وإن شاء ترك. "معالم السنن" (٤/٢٣٨) . وقال ابن القيم ﵀: إن للضيف حقّاً على مَن نزل به، وهو ثلاث مراتب: حق واجب، وتمام مستحب، وصدقة من الصدقات، فالحق الواجب: يوم وليلة , وقد ذكر النبي ﷺ المراتب الثلاثة في الحديث المتفق على صحته من حديث أبي شريح الخزاعي – وساق الحديث السابق -. "زاد المعاد" (٣/٦٥٨) . وقال ابن قدامة ﵀: "والواجب يوم ليلة، والكمال ثلاثة أيام؛ لما روى أبو شريح الخزاعي - وساق الحديث -" انتهى. "المغني" (١١/٩١) . والضيف الذي يجب إكرامه، وله حق على المضيف، هو الضيف المسافر، وهو القادم من بلد آخر. فيجب على من ينزل عليه أن يطعمه ويكرمه، فإن لم يفعل فلهه حق في ماله، وهذا لا ينطبق على الزائر من البلد نفسه، وليس قادماً من السفر، فهذا يمكن أن تقول له: "ارجع"، كما قال تعالى: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) النور/٢٨. ومما يدل على ما قلناه: ما يوجد في بعض الأحاديث من التصريح بذلك، وأن الحق للضيف إنما هو للمسافر، وليس للمقيم، ومنه: عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قال: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّك تَبْعَثُنَا فَنَمُرُّ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَنَا [أي لا يقدموا لنا حق الضيف] ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنْ أَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ) رواه البخاري (٢٣٢٩) ومسلم (١٧٢٧) . وقد اختلف العلماء في حكم الضيافة، وعلى من تجب، ففي "الموسوعة الفقهية" (٢٨/٣١٦، ٣١٧) : "وقد ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن الضيافة سنَّة، ومدتها ثلاثة أيام، وهو رواية عن أحمد. والرواية الأخرى عن أحمد - وهي المذهب - أنها واجبة، ومدتها يوم ليلة، والكمال ثلاثة أيام. وبهذا يقول الليث بن سعد. ويرى المالكية وجوب الضيافة في حالة المجتاز الذي ليس عنده ما يبلغه ويخاف الهلاك. والضيافة على أهل القرى والحضر، إلا ما جاء عن الإمام مالك، والمام أحمد - في رواية - أنه ليس على أهل الحضر ضيافة، وقال سحنون: الضيافة على أهل القرى، وأما أهل الحضر فإن المسافر إذا قدم الحضر وجد نزلاً - وهو الفندق - فيتأكد الندب إليها ولا يتعين على أهل الحضر تعينها. انتهى والراجح – والله أعلم – أن ضيافة المسافر المجتاز – لا المقيم - واجبة، وأن وجوبها على أهل القرى، والأمصار، دون تفريق. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ في شرح قول الحجاوي ﵀: "وَتَجِبُ ضِيَافَةُ المُسْلِمِ الْمُجْتَازِ بِهِ فِي الْقُرَى يَوْماً وَلَيْلَةً". قال: قوله: " وتجب ضيافة المسلم ": " تجب " هذا بيان حكم الضيافة، والضيافة أن يَتلقَّى الإنسان مَن قدم إليه، فيكرمه، وينزله بيته، ويقدم له الأكل، وهي من محاسن الدين الإسلامي، وقد سبقنا إليها إبراهيم ﵊، كما قال الله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) الذاريات/ ٢٤، أي: الذين أكرمهم إبراهيم، ولا يمتنع أن يقال: والذين أكرمهم الله بكونهم ملائكة. فحكم الضيافة واجب، وإكرام الضيف - أيضاً – واجب، وهو أمر زائد على مطلق الضيافة، قال النبي ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) ، أي: من كان يؤمن إيماناً كاملاً: فليكرم ضيفه. ... . قوله: " المجتاز به " يعني: الذي مرَّ بك وهو مسافر، وأما المقيم: فإنه ليس له حق ضيافة، ولو كان المقيم له حق الضيافة: لكان ما أكثر المقيمين الذين يقرعون الأبواب! فلا بد أن يكون مجتازاً، أي: مسافراً ومارّاً، حتى لو كان مسافراً مقيماً يومين، أو ثلاثة، أو أكثر: فلا حق له في ذلك، بل لا بد أن يكون مجتازاً. قوله: " في القرى " دون الأمصار، والقرى: البلاد الصغيرة، والأمصار: البلاد الكبيرة، قالوا: لأن القرى هي مظنة الحاجة، والأمصار بلاد كبيرة فيها مطاعم، وفنادق، وأشياء يستغني بها الإنسان عن الضيافة، وهذا - أيضاً - خلاف القول الصحيح؛ لأن الحديث عامّ، وكم من إنسان يأتي إلى الأمصار وفيها الفنادق، وفيها المطاعم، وفيها كل شيء، لكن يكرهها ويربأ بنفسه أن يذهب إليها، فينزل ضيفاً على صديق، أو على إنسان معروف، فلو نزل بك ضيف - ولو في الأمصار -: فالصحيح: الوجوب. "الشرح الممتع على زاد المستقنع" (١٥/٤٨ – ٥١) باختصار. وأما الزائر من البلد نفسه فلا شك أن إطعامه وإكرامه يدخل في عموم الأمر بإطعام الطعام والإحسان إلى الناس، ولكنه ليس هو الضيف الذي أوجب النبي ﷺ إكرامه، وجعل له حقاً في مال المضيف. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14039

هاشمية من آل البيت تشعر بتميزها عن الناس وتعاملهم بما لا يليق ! [السُّؤَالُ] ـ[أنا عندي مشكلة وهي: أنا هاشمية، ويرجع نسبي إلى " جعفر الطيار "، وعندما أذهب إلى أناس ليسوا من آل البيت، أو يقوم أحد بخطبتي ليس من آل البيت: أحس أنهم أقل منِّي، وما أقدر أتحدث إليهم، وإذا يوجد مجلس: أخرج منه، ولكن والدي، ومن حولي من أهلي ينصحوني، هل هذا الشيء يعد تفاخراً، وجاهلية، ولكن الله قال في كتابه العزيز (وجعلناكم شعوبا وقبائل) ؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: اعلمي ـ يا أمة الله ـ أن أصل الناس جميعاً واحد، وكل خلق الله من البشر فأبوهم آدم، وأمهم حواء، وقد ذكَّرنا الله تعالى بهذا في مواضع من كتابه، وكذا جاء ذلك في السنَّة النبوية، ومن الحكَم في ذلك: ترك التفاخر بالأنساب، والتطاول على الناس، وازدراؤهم. وما جعل الله تعالى الناس شعوباً وقبائل إلا لأجل أن يعرف بعضهم بعضاً بتميز القبيلة والجنس، كالتميز بالاسم، لا لأجل التفاخر بعربيته، أو بقبيلته، أو بجنسه، أو بلغته. وكون الإنسان هاشميّاً لا يرفعه عند ربه تعالى، وليس هو مجال المفاضلة بين الناس؛ لأن نسب الإنسان وهبي من الله ليس كسبيّاً، والكافر من بني هاشم سيكون حطب جهنم، والعبد الأعجمي المسلم قد يكون مأواه الفردوس الأعلى. وقد جمع الله تعالى تلك الأشياء الثلاثة في سياق واحد، وآية واحدة، هي نفس الآية التي وردت في سؤالك، لكن يبدو أنك لم تتأمليها بما يكفي لفهمها. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات/ ١٣. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀: " لمَّا كان قوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى) يدل على استواء الناس في الأصل؛ لأن أباهم واحد، وأمهم واحدة، وكان في ذلك أكبر زاجر عن التفاخر بالأنساب، وتطاول بعض الناس على بعض: بيَّن تعالى أنه جعلهم شعوباً، وقبائل لأجل أن يتعارفوا، أي: يعرف بعضُهم بعضاً، ويتميز بعضهم عن بعض، لا لأجل أن يفتخر بعضهم على بعض، ويتطاول عليه، وذلك يدل على أن كون بعضهم أفضل من بعض، وأكرم منه: إنما يكون بسبب آخر غير الأنساب، وقد بيَّن الله ذلك هنا بقوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) فاتضح من هذا: أن الفضل، والكرم، إنما هو بتقوى الله، لا بغيره من الانتساب إلى القبائل، ولقد صدق من قال: فقد رفع الإسلام سلمان فارس ... وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب وقد ذكروا أن سلمان ﵁ كان يقول: أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم وهذه الآيات القرآنية، تدل على أن دين الإسلام سماوي صحيح، لا نظر فيه إلى الألوان، ولا إلى العناصر، ولا إلى الجهات، وإنما المعتبر فيه: تقوى الله جل وعلا، وطاعته، فأكرم الناس، وأفضلهم: أتقاهم لله، ولا كرم، ولا فضل لغير المتقي، ولو كان رفيع النسب " انتهى. " أضواء البيان " (٧ / ٤١٧، ٤١٨) . ثانياً: ولا يشك مسلم أن الله تعالى قد فضَّل أهل بيت النبي ﷺ بفضائل متعددة، وأوجب علينا محبتهم، ورعايتهم، لكن ننبه على أن ذلك للمؤمن منهم، لا لكل منتسب إليهم، وأن هذه الفضائل لا تدعو للتفاخر، بل تدعو لشكر المنعِم ، واحترام الآخرين، وتقدير تلك المحبة والرعاية منهم. وفي جواب السؤال رقم (١٢١٩٤٨) بينَّا تلك الفضائل لآل البيت، فلتنظر. ولما كان الفخر بالأنساب من كبائر الذنوب: وجب عليك التنبه لنفسك في موقفك مع الآخرين، وطريقة تعاملك معهم، وقد ورد النهي عن التفاخر بالأنساب في أحاديث كثيرة: ١. منها: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآْبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ) رواه الترمذي (٣٢٧٠) ، وأبو داود (٥١١٦) وحسَّنه الألباني في " صحيح الترمذي ". والعبية - بضم العين وكسرها -: الكبر والفخر، الجِعلان: دويبة سوداء، كالخنفساء تدير الخراء بأنفها. قال المباركفوري – ﵀: " قال الخطَّابي: معناه: أن الناس رجلان: مؤمن تقي فهو الخيِّر الفاضل، وإن لم يكن حسيباً في قومه، وفاجر شقي فهو الدني وإن كان في أهله شريفاً رفيعاً. انتهى. وقيل: معناه أن المفتخر إما مؤمن تقي، فإذن لا ينبغي له أن يتكبر على أحد، أو فاجر شقي فهو ذليل عند الله، والذليل لا يستحق التكبر، فالتكبر منفي بكل حال " انتهى نقلاً من " تحفة الأحوذي " (١٠ / ٣١٧) . ٢. ومنها: حديث أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَْحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَْنْسَابِ، وَالاِسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ) رواه مسلم (٩٣٤) . قال عبد الرؤوف المناوي – ﵀: " (أربع) أي خصال أربع كائنة. (في أمتي من أمر الجاهلية) أي: من أفعال أهلها. (الفخر في الأحساب) أي: الشرف بالآباء، والتعاظم بمناقبهم. (والطعن في الأنساب) أي: الوقوع فيها بنحو قدح، أو ذم. (والاستسقاء بالنجوم) أي: اعتقاد أن نزول المطر بنجم كذا. (والنياحة) أي: رفع الصوت بندب الميت، وتعديد شمائله. فالأربع: محرَّمات، ومع ذلك لا تتركها هذه الأمة، أي: أكثرهم، مع العلم بتحريمها " انتهى. " التيسير بشرح الجامع الصغير " (١ / ٢٧٣) . فأعيدي النظر في طريقة تعاملك مع الناس، ولا يحل لك ازدراء أحد من الناس، وما أنتِ فيه من نعمة من انتسابك لأهل البيت ليس لك فيه كسب، وإنما الفضل الحقيقي بما تعملينه، وتكسبينه من الصالحات: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ) رواه مسلم (٢٦٩٩) . قال النووي ﵀: " مَعْنَاهُ: مَنْ كَانَ عَمَله نَاقِصًا , لَمْ يُلْحِقهُ بِمَرْتَبَةِ أَصْحَاب الْأَعْمَال , فَيَنْبَغِي أَلَّا يَتَّكِل عَلَى شَرَف النَّسَب , وَفَضِيلَة الْآبَاء , وَيُقَصِّر فِي الْعَمَل " انتهى من شرح صحيح مسلم. وإن بقيتِ على حالك هذه: صارت تلك النعمة نقمة، وخسرتِ أشياء كثيرة، فتضيع عليك حسناتك، وتأخذين سيئات غيرك، وهذا هو عين الإفلاس: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ؛ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ؛ التَّقْوَى هَاهُنَا ـ وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاَ مَرَّاتٍ ـ. بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) . وليكن قدوتك سيد آل البيت جميعاً، وهو النبي ﷺ ، فكيف كان يعامل الكبار، وكيف كان رحيماً بالصغار، وكيف كان يصبر على الأعراب، ويقدِّم العجمي – كسلمان الفارسي لدينه – وليس في منهج حياته اعتبار لنسبه في تعامله مع الآخرين، وهذه حياته بين يديك، قلبي صفحاتها، وتأملي معانيها، واستغرقي في أحوالها: فلن تجدي حرفاً منها يماثل، ولا يقارب ما أنت عليه من حال. نسأل الله أن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن ييسر أمرك، ويهدي قلبك. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14040

معنى "الصدق مع الله" وكيف يحققه المسلم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[للعبادة أركان ثلاثة، أحدها: " الصدق مع الله "، فكيف يكون الصدق مع الله؟ إني أتطلع للمعالي، وأريد أن ألِمَّ بأكبر قدر من العلم الشرعي، وأريد أن أكون داعية، وقد رزقني الله مواهب عديدة تحتاجها الدعوة، ونشر العلم، وأريد أن أقوى على القيام، والصيام، قد أتممت حفظ كتاب الله، والآن في طريقي لأثبِّت حفظي، وأتقن التلاوة، وأتعلم العلم الشرعي، وعندي مشاريع، وأفكار عدة لخدمة كتاب الله، ونصرة الدين، ولكن خطواتي بطيئة؛ لتعدد المهام، وكثرة العوائق، خاصة من الأهل والمجتمع الذي حولي - وكم أعاني منهم - ولضعف بنيتي الصحية، وعدم قدرتي على بذل مجهود كبير، وإن بذلت: جلست أياما لا أستطيع أن أحرك شيئاً، إني دائما أضع جدولا لجميع المهام، وأحاول أن أسير عليه، ولكني لا أقدر بسبب الظروف المتغيرة، إني أعيش وحدي، لا أجد أختاً تشاركني أهدافي، ولا قائداً يمسك بي ويتابعني لأحقق طموحاتي، أبحث كثيراً، ولكن لا أجد، لا أعلم ما سبب تباطئي خطواتي، أهو الصدق مع الله هذا الركن الذي قد أكون لم أحققه بعد أم ماذا؟ يحزنني كثيراً، ويؤلمني، تأخري في الوصول لأهدافي، فإن كان ثم نصيحة: فلا تبخلوا بها عليَّ فإني بأمس الحاجة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: " الصدق مع الله " أجل أنواع الصدق، ويكون المسلم صادقاً مع ربِّه تعالى إذا حقَّق الصدق في جوانب ثلاثة: الإيمان والاعتقاد الحسَن، والطاعات، والأخلاق، فليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، والصادق فيه هو من حققه على الوجه الذي أراده منه ربه تعالى، ومنه الصدق في اليقين، والصدق في النية، والصدق في الخوف منه تعالى، وليس كل من عمل طاعة يكون صادقا حتى يكون ظاهره وباطنه على الوجه الذي يحبه الله تعالى. وقد بَينَّ الله تعالى الصادقين في آية واحدة، وهي قوله : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَة وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْس) ِ ثم قال سبحانه بعد هذه الأوصاف كلها: (أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) البقرة/ ١٧٧. قال ابن كثير ﵀: اشتملت هذه الآية الكريمة على جُمَل عظيمة، وقواعد عميمة، وعقيدة مستقيمة. " تفسير ابن كثير " (١ / ٤٨٥) . وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: (أُولَئِكَ) أي: المتصفون بما ذُكر من العقائد الحسنة، والأعمال التي هي آثار الإيمان، وبرهانه ونوره، والأخلاق التي هي جمال الإنسان وحقيقة الإنسانية: فأولئك هم (الَّذِينَ صَدَقُوا) في إيمانهم؛ لأن أعمالهم صدَّقت إيمانهم، (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) لأنهم تركوا المحظور، وفعلوا المأمور؛ لأن هذه الأمور مشتملة على كل خصال الخير، تضمناً، ولزوماً؛ لأن الوفاء بالعهد يدخل فيه الدين كله، ولأن العبادات المنصوص عليها في هذه الآية: أكبر العبادات، ومن قام بها: كان بما سواها أقوم، فهؤلاء هم الأبرار، الصادقون، المتقون. " تفسير السعدي " (ص ٨٣) . وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: ومن فوائد الآية: أن ما ذُكر هو حقيقة الصدق مع الله، ومع الخلق؛ لقوله تعالى: (أولئك الذين صدقوا) ؛ فصِدْقهم مع الله: حيث قاموا بهذه الاعتقادات النافعة: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، وأنهم أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وبذلوا المحبوب في هذه الجهات، وأما صدقهم مع الخلق: يدخل في قوله تعالى: (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) ، وهذا من علامات الصدق، ولهذا قال تعالى: (أولئك الذين صدقوا) فصدقوا في اعتقاداتهم، وفي معاملاتهم مع الله، ومع الخلق. " تفسير سورة البقرة " (٢ / ٢٩٣، ٢٩٤) . ثانياً: اعلمي أختي السائلة: أن الصدق مع الله تعالى ليس شيئاً نتجمل به، ونقنع به أنفسنا وندع العمل، بل الصدق مع الله يكون في النية، ويكون في العمل إذا قمنا به، وتيسرت أسبابه، والصادق مع ربه تعالى يبلغ بصدق نيته ما يبلغ العامل إن تعذر عليه القيام بالعمل. فعن سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ) . رواه مسلم (١٩٠٩) . قال ابن القيم ﵀: ليس للعبد شيء أنفع من صدقه ربَّه في جميع أموره، مع صدق العزيمة، فيصدقه في عزمه، وفي فعله، قال تعالى: (فإذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا الله لَكَانَ خَيْراً لَهُم) فسعادته في صدق العزيمة، وصدق الفعل، فصدق العزيمة: جمعها، وجزمها، وعدم التردد فيها، بل تكون عزيمة، لا يشوبها تردد، ولا تلوُّم، فإذا صدقت عزيمته: بقي عليه صدق الفعل، وهو استفراغ الوسع، وبذل الجهد فيه، وأن لا يتخلف عنه بشيء من ظاهره، وباطنه، فعزيمة القصد تمنعه من ضعف الإرادة والهمة، وصدق الفعل يمنعه من الكسل، والفتور، ومَن صدَق الله في جميع أموره: صنع الله له فوق ما يصنع لغيره، وهذا الصدق معنى يلتئم من صحة الإخلاص، وصدق التوكل، فأصدَقُ الناس: مَن صح إخلاصُه، وتوكله. " الفوائد " (ص ١٨٦، ١٨٧) . ثالثاً: قد يحتار المسلم بم يبدأ؟ وكيف يرتب أمره في يومه وليلته؟ وهذا لا ينبغي أن يكون عائقاً أمام القاصد لفعل الخير، من طلب العلم، أو الدعوة إلى الله، فمثل تلك الفوضى يمكن للمسلم أن يتخلص منها بترتيب ساعات يومه، فيجعل الجزء الأول من نهاره لحفظ القرآن، ويرتب باقي يومه بين طلب العلم عن طريق الأشرطة، وقراءة الكتب، وحضور مجالس العلم، وبين أداء الواجبات التي في ذمته، زوجاً كان أو زوجة، عاملاً كان أو متفرغاً. والذي ننصحكِ به أختنا السائلة: أن تبدئي ولا تؤجلي، وأن تصدقي في النية حتى ييسر الله لك أموركِ. ولمزيد الفائدة انظري جواب السؤال رقم (١٠٥٣٠٨) . ونسأل الله أن يعينك على طاعته، وأن يوفقك، ويسددك. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →