Полный текст (16 344 стр.). Показаны 14036–14075 · переход к 14041.
стр. 14036
كيف نمتثل قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف نمتثل هذه الآية ونطبقها في حياتنا، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نزلت هذه الآية تعلم الصحابة رضوان الله عليهم بعض الآداب في تعاملهم مع النبي الكريم محمد ﷺ ، وتحذرهم من التشبه بحال المنافقين الذين لا يراعون خلقاً ولا أدباً.
قال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) النور/٦٢.
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
"هذا أدب أرشد الله عبادَه المؤمنين إليه، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول، كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف، لا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه، من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة أو اجتماع لمشورة ونحو ذلك - أمرهم الله تعالى ألا ينصرفوا عنه والحالة هذه إلا بعد استئذانه ومشاورته، وأن من يفعل ذلك فهو من المؤمنين الكاملين.
ثم أمر رسوله صلوات الله وسلامه عليه إذا استأذنه أحد منهم في ذلك أن يأذن له إن شاء؛ ولهذا
قال: (فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلِّم، فإذا أراد أن يقوم فليسلِّم، فليست الأولى بأحق من الآخرة) رواه الترمذي وقال: حسن" انتهى باختصار.
"تفسير القرآن العظيم" (٦/٨٨) .
وقال العلامة السعدي ﵀:
"هذا إرشاد من الله لعباده المؤمنين، أنهم إذا كانوا مع الرسول ﷺ على أمر جامع، أي: من ضرورته أو من مصلحته أن يكونوا فيه جميعاً، كالجهاد، والمشاورة، ونحو ذلك من الأمور التي يشترك فيها المؤمنون، فإن المصلحة تقتضي اجتماعهم عليه وعدم تفرقهم، فالمؤمن بالله ورسوله حقاً لا يذهب لأمر من الأمور، لا يرجع لأهله، ولا يذهب لبعض الحوائج التي يشذ بها عنهم إلا بإذن من الرسول أو نائبه من بعده، فجعل موجب الإيمان عدم الذهاب إلا بإذن، ومدحهم على فعلهم هذا، وأدبهم مع رسوله، ووليّ الأمر منهم، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) .
ولكن هل يأذن لهم أم لا؟ ذكر لإذنه لهم شرطين:
أحدهما: أن يكون لشأن من شئونهم، وشغل من أشغالهم، فأما من يستأذن من غير عذر فلا يؤذن له.
والثاني: أن يشاء الإذن فتقتضيه المصلحة، من دون مضرة بالآذن، قال: (فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ) ، فإذا كان له عذر واستأذن، فإن كان في قعوده وعدم ذهابه مصلحة برأيه، أو شجاعته، ونحو ذلك، لم يأذن له، ومع هذا إذا استأذن وأذن له بشرطيه، أمر الله رسوله أن يستغفر له، لما عسى أن يكون مقصراً في الاستئذان، ولهذا قال: (وَاسْتَغْفِرْ لَهُم اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يغفر لهم الذنوب ويرحمهم، بأن جوز لهم الاستئذان مع العذر" انتهى.
"تيسير الكريم الرحمن" (٥٧٦) .
ثانياً:
أما في زماننا هذا فيمكننا الاستفادة من الآية وامتثالها بطرائق عدة، من أهمّها:
١- الالتزام بأحكام الشريعة وهدي النبي ﷺ ، ففي ذلك استئذان معنوي منه ﷺ .
قال ابن القيم ﵀: "فإذا جَعل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهباً إذا كانوا معه إلا باستئذانه، فأولى أن يكون مِن لوازمه أن لا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه وإذنه، يُعرَف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه" انتهى من "إعلام الموقعين" (١/٥١) .
٢- استئذان وليّ الأمر أو المسؤول قبل الانصراف من الأمر الجامع الذي هو من مصالح المسلمين. ولذلك بوب الإمام البخاري في صحيحه بقوله: " باب استئذان الرجل الإمام؛ لقوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) " انتهى.
وسبق في كلام السعدي ﵀ أن هذه الآية في حكم الاستئذان من الرسول ﷺ ووليّ الأمر.
وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٣/١٥٥) : "أقيمت الولايات رعاية للمصالح وحفاظا عليها، واستئذان من له الولاية في حدود ولايته أمر لا بد منه؛ لتستقيم الأمور وتحسم الفوضى، وهذا باب واسع، منه: إذا غزا الأمير بالناس لم يحلّ لأحد ممن معه أن يخرج من المعسكر ليحضر
الزاد والعتاد، ولا أن يبارز أحداً من العدو، ولا أن يحدث حدثاً إلا بإذنه؛ لأن الأمير أعرف بحال الناس، وحال العدو، ومكامنهم ومواضعهم وقربهم وبعدهم، فإذا خرج خارج بغير إذنه لم يأمن أن يصادف كميناً للعدو أو طليعة لهم فيأخذوه، أو يرحل الأمير بالمسلمين ويتركه فيهلك، ومن كان مع الجيش في الغزو فأراد الجيش أن ينتقل من موقع لآخر، وأراد بعض الجند التخلف لأمر ما، لا يحل لأحد منهم التخلف عن المسير مع الجيش، إلا بإذن. وإذا جمع الإمام أو الأمير أولي الرأي لاستشارتهم في أمر من الأمور، فليس لأحد منهم أن ينصرف بغير استئذان؛ لأنه قد يحتاج إلى رأيه؛ لقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ،
والآية ليست خاصة برسول الله ﷺ ؛ لأن الولاة خلفاء عن رسول الله ﷺ في رعاية المصالح العامة فتنطبق عليه الآية" انتهى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14037
كيف يحقق التجار التوكل على الله
[السُّؤَالُ]
ـ[أرغب في معرفة كيفية التوكل عند التجارة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
التوكل على الله في عموم حاجات المسلم من علامات إيمان المرء، ويتأكد ذلك في التوكل على الله في الرزق، وتحصيله.
قال أبو حاتم بن حبَّان – ﵀:
الواجب على العاقل: لزوم التوكل على من تكفل بالأرزاق؛ إذ التوكل هو نظام الإيمان [النظام: هو السلك الذي تنظم فيه حبات العقد] ، وقرين التوحيد، وهو السبب المؤدي إلى نفي الفقر، ووجود الراحة، وما توكل أحدٌ على الله جل وعلا من صحة قلبه، حتى كان الله جلَّ وعلا ـ بما تضمَّن من الكفالة ـ أوثق عنده بما حوته يده: إلا لم يكِلْه الله إلى عباده، وآتاه رزقه من حيث لم يحتسب.
وأنشدني منصور بن محمد الكريزي:
توكلْ على الرحمن في كلِّ حاجةٍ ... أردتَّ فإن الله يقضي ويَقْدُرُ
متى ما يُرِدْ ذو العرش أمراً بعبده ... يُصِبْه، وما للعبد ما يتخَيَّر
وقد يَهلك الإنسانُ من وجه أَمْنِه ... وينجو بإذن الله من حيث يَحْذَر
" روضة العقلاء ونزهة الفضلاء " (ص ١٥٣، ١٥٤) .
أما كيفية التوكل في التجارة، فينبغي على العبد أن يلتفت إلى ما يلي:
أ. أن يعتقد أن الله تعالى قد قسم الأرزاق بين خلقه، وقدَّر ذلك في الأزل.
قال أبو حاتم بن حبَّان – ﵀:
العاقل يعلم أن الأرزاق قد فُرغ منها، وتضمنها العلي الوفي، على أن يوفرها على عباده في وقت حاجتهم إليها، والاشتغال بالسعي لما تضمن، وتكفل: ليس من أخلاق أهل الحزم، إلا مع انطواء صحة الضمير على أنه وإن لم يسع في قصده: أتاه رزقه من حيث لم يحتسب.
" روضة العقلاء ونزهة الفضلاء " (ص ١٥٥) .
ب. أن يقطع العلائق في تحصيل رزقه بينه وبين غير الله تعالى.
قال أبو حاتم بن حبَّان – ﵀:
التوكل هو: قطع القلب عن العلائق برفض الخلائق، وإضافته بالافتقار إلى محوِّل الأحوال، وقد يكون المرء موسراً في ذات الدنيا، وهو متوكل صادق في توكله، إذا كان العُدْم والوجود عنده سيين لا فرق عنده بينهما، يشكر عند الوجود، ويرضى عند العدم، وقد يكون المرء لا يملك شيئاً من الدنيا بحيلة من الحيل، وهو غير متوكل، إذا كان الوجود أحب إليه من العدم، فلا هو في العدم يرضى حالته، ولا عند الوجود يشكر مرتبته.
" روضة العقلاء ونزهة الفضلاء " (ص ١٥٦) .
ج. أن يكون قلب الطالب للرزق معتمداً على الله تعالى ربِّه، مع بذل الأسباب، والسعي في تحصيلها.
ومما يدل على أن التوكل فيه أخذ بالأسباب: ما جاء عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا) .
رواه الترمذي (٢٣٤٤) وابن ماجه (٤١٦٤) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
قال ابن كثير ﵀:
فالسعي في السبب لا ينافي التوكل - وذكر حديث (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله ... ) -، فأثبت لها رواحاً، وغدوّاً، لطلب الرزق، مع توكلها على الله ، وهو المسَخِّر، المسيِّر، المسبِّب.
" تفسير ابن كثير " (٨ / ١٧٩) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رمه الله -:
فعلى العبد أن يكون قلبه معتمداً على الله، لا على سببٍ من الأسباب، والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة.
" مجموع الفتاوى " (٨ / ٥٢٨) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
التوكل يجمع شيئين: أحدهما: الاعتماد على الله، والإيمان بأنه مسبب الأسباب، وأن قدره نافذ، وأنه قدر الأمور وأحصاها وكتبها .
الثاني: تعاطي الأسباب؛ فليس من التوكل تعطيل الأسباب، بل التوكل يجمع بين الأخذ بالأسباب والاعتماد على الله، ومن عطلها فقد خالف الشرع والعقل.
" فتاوى الشيخ ابن باز " (٤ / ٤٢٧) .
وانظر تتمة كلام الإمامين، والتفصيل في المسألة في جواب السؤال رقم: (١١٨٢٦٢) .
د. حسن الظن بالله تعالى، والالتجاء إليه بالدعاء، والسؤال، والطلب.
يقول شيخ الإسلام: ينبغي للمهتم بأمر الرزق أن يلجأ فيه إلى الله ويدعوه , كما قال سبحانه فيما يؤثر عنه نبيه ﷺ : (كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَاّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِى أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَاّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ) – رواه مسلم -.
وانظر كلاما متيناً لشيخ الإسلام ابن تيمية في جواب السؤال رقم: (٢١٥٧٥) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14038
من هو الضيف الذي يجب إكرامه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[من هو الضيف الذي يجب إكرامه؟ هل إذا زارني أحد أصحابي أو جيراني يكون ضيفا؟ ويكون له حق الضيف؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجب على المضيف أن يكرم ضيفه، ويقوم بحقه، ويدل على ذلك:
ما جاء في الحديث عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزاعِي ﵁ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ) قَالَ: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهْوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ) رواه البخاري (٥٦٧٣) ومسلم (٤٨) .
وفي لفظ لمسلم (٤٨) : (الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) .
قال الخطابي ﵀:
قوله: (جائزته يوم وليلة) سئل مالك بن أنس عنه فقال: يُكرمه، ويتحفه، ويخصه، ويحفظه، يوماً وليلة، وثلاثة أيام ضيافة.
قلت: يريد أنه يتكلف له في اليوم الأول بما اتسع له من بِر، وألطاف، ويقدِّم له في اليوم الثاني والثالث ما كان بحضرته، ولا يزيد على عادته، وما كان بعد الثلاث: فهو صدقة، ومعروف، إن شاء فعل، وإن شاء ترك.
"معالم السنن" (٤/٢٣٨) .
وقال ابن القيم ﵀:
إن للضيف حقّاً على مَن نزل به، وهو ثلاث مراتب: حق واجب، وتمام مستحب، وصدقة من الصدقات، فالحق الواجب: يوم وليلة , وقد ذكر النبي ﷺ المراتب الثلاثة في الحديث المتفق على صحته من حديث أبي شريح الخزاعي – وساق الحديث السابق -.
"زاد المعاد" (٣/٦٥٨) .
وقال ابن قدامة ﵀:
"والواجب يوم ليلة، والكمال ثلاثة أيام؛ لما روى أبو شريح الخزاعي - وساق الحديث -" انتهى.
"المغني" (١١/٩١) .
والضيف الذي يجب إكرامه، وله حق على المضيف، هو الضيف المسافر، وهو القادم من بلد آخر.
فيجب على من ينزل عليه أن يطعمه ويكرمه، فإن لم يفعل فلهه حق في ماله، وهذا لا ينطبق على الزائر من البلد نفسه، وليس قادماً من السفر، فهذا يمكن أن تقول له: "ارجع"، كما قال تعالى: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) النور/٢٨.
ومما يدل على ما قلناه: ما يوجد في بعض الأحاديث من التصريح بذلك، وأن الحق للضيف إنما هو للمسافر، وليس للمقيم، ومنه:
عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قال: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّك تَبْعَثُنَا فَنَمُرُّ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَنَا [أي لا يقدموا لنا حق الضيف] ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنْ أَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ) رواه البخاري (٢٣٢٩) ومسلم (١٧٢٧) .
وقد اختلف العلماء في حكم الضيافة، وعلى من تجب، ففي "الموسوعة الفقهية" (٢٨/٣١٦، ٣١٧) :
"وقد ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن الضيافة سنَّة، ومدتها ثلاثة أيام، وهو رواية عن أحمد.
والرواية الأخرى عن أحمد - وهي المذهب - أنها واجبة، ومدتها يوم ليلة، والكمال ثلاثة أيام. وبهذا يقول الليث بن سعد.
ويرى المالكية وجوب الضيافة في حالة المجتاز الذي ليس عنده ما يبلغه ويخاف الهلاك.
والضيافة على أهل القرى والحضر، إلا ما جاء عن الإمام مالك، والمام أحمد - في رواية - أنه ليس على أهل الحضر ضيافة، وقال سحنون: الضيافة على أهل القرى، وأما أهل الحضر فإن المسافر إذا قدم الحضر وجد نزلاً - وهو الفندق - فيتأكد الندب إليها ولا يتعين على أهل الحضر تعينها. انتهى
والراجح – والله أعلم – أن ضيافة المسافر المجتاز – لا المقيم - واجبة، وأن وجوبها على أهل القرى، والأمصار، دون تفريق.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ في شرح قول الحجاوي ﵀: "وَتَجِبُ ضِيَافَةُ المُسْلِمِ الْمُجْتَازِ بِهِ فِي الْقُرَى يَوْماً وَلَيْلَةً".
قال: قوله: " وتجب ضيافة المسلم ": " تجب " هذا بيان حكم الضيافة، والضيافة أن يَتلقَّى الإنسان مَن قدم إليه، فيكرمه، وينزله بيته، ويقدم له الأكل، وهي من محاسن الدين الإسلامي، وقد سبقنا إليها إبراهيم ﵊، كما قال الله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) الذاريات/ ٢٤، أي: الذين أكرمهم إبراهيم، ولا يمتنع أن يقال: والذين أكرمهم الله بكونهم ملائكة.
فحكم الضيافة واجب، وإكرام الضيف - أيضاً – واجب، وهو أمر زائد على مطلق الضيافة، قال النبي ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) ، أي: من كان يؤمن إيماناً كاملاً: فليكرم ضيفه.
... .
قوله: " المجتاز به " يعني: الذي مرَّ بك وهو مسافر، وأما المقيم: فإنه ليس له حق ضيافة، ولو كان المقيم له حق الضيافة: لكان ما أكثر المقيمين الذين يقرعون الأبواب! فلا بد أن يكون مجتازاً، أي: مسافراً ومارّاً، حتى لو كان مسافراً مقيماً يومين، أو ثلاثة، أو أكثر: فلا حق له في ذلك، بل لا بد أن يكون مجتازاً.
قوله: " في القرى " دون الأمصار، والقرى: البلاد الصغيرة، والأمصار: البلاد الكبيرة، قالوا: لأن القرى هي مظنة الحاجة، والأمصار بلاد كبيرة فيها مطاعم، وفنادق، وأشياء يستغني بها الإنسان عن الضيافة، وهذا - أيضاً - خلاف القول الصحيح؛ لأن الحديث عامّ، وكم من إنسان يأتي إلى الأمصار وفيها الفنادق، وفيها المطاعم، وفيها كل شيء، لكن يكرهها ويربأ بنفسه أن يذهب إليها، فينزل ضيفاً على صديق، أو على إنسان معروف، فلو نزل بك ضيف - ولو في الأمصار -: فالصحيح: الوجوب.
"الشرح الممتع على زاد المستقنع" (١٥/٤٨ – ٥١) باختصار.
وأما الزائر من البلد نفسه فلا شك أن إطعامه وإكرامه يدخل في عموم الأمر بإطعام الطعام والإحسان إلى الناس، ولكنه ليس هو الضيف الذي أوجب النبي ﷺ إكرامه، وجعل له حقاً في مال المضيف.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14039
هاشمية من آل البيت تشعر بتميزها عن الناس وتعاملهم بما لا يليق !
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا عندي مشكلة وهي: أنا هاشمية، ويرجع نسبي إلى " جعفر الطيار "، وعندما أذهب إلى أناس ليسوا من آل البيت، أو يقوم أحد بخطبتي ليس من آل البيت: أحس أنهم أقل منِّي، وما أقدر أتحدث إليهم، وإذا يوجد مجلس: أخرج منه، ولكن والدي، ومن حولي من أهلي ينصحوني، هل هذا الشيء يعد تفاخراً، وجاهلية، ولكن الله قال في كتابه العزيز (وجعلناكم شعوبا وقبائل) ؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اعلمي ـ يا أمة الله ـ أن أصل الناس جميعاً واحد، وكل خلق الله من البشر فأبوهم آدم، وأمهم حواء، وقد ذكَّرنا الله تعالى بهذا في مواضع من كتابه، وكذا جاء ذلك في السنَّة النبوية، ومن الحكَم في ذلك: ترك التفاخر بالأنساب، والتطاول على الناس، وازدراؤهم.
وما جعل الله تعالى الناس شعوباً وقبائل إلا لأجل أن يعرف بعضهم بعضاً بتميز القبيلة والجنس، كالتميز بالاسم، لا لأجل التفاخر بعربيته، أو بقبيلته، أو بجنسه، أو بلغته.
وكون الإنسان هاشميّاً لا يرفعه عند ربه تعالى، وليس هو مجال المفاضلة بين الناس؛ لأن نسب الإنسان وهبي من الله ليس كسبيّاً، والكافر من بني هاشم سيكون حطب جهنم، والعبد الأعجمي المسلم قد يكون مأواه الفردوس الأعلى.
وقد جمع الله تعالى تلك الأشياء الثلاثة في سياق واحد، وآية واحدة، هي نفس الآية التي وردت في سؤالك، لكن يبدو أنك لم تتأمليها بما يكفي لفهمها.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات/ ١٣.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀:
" لمَّا كان قوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى) يدل على استواء الناس في الأصل؛ لأن أباهم واحد، وأمهم واحدة، وكان في ذلك أكبر زاجر عن التفاخر بالأنساب، وتطاول بعض الناس على بعض: بيَّن تعالى أنه جعلهم شعوباً، وقبائل لأجل أن يتعارفوا، أي: يعرف بعضُهم بعضاً، ويتميز بعضهم عن بعض، لا لأجل أن يفتخر بعضهم على بعض، ويتطاول عليه، وذلك يدل على أن كون بعضهم أفضل من بعض، وأكرم منه: إنما يكون بسبب آخر غير الأنساب، وقد بيَّن الله ذلك هنا بقوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) فاتضح من هذا: أن الفضل، والكرم، إنما هو بتقوى الله، لا بغيره من الانتساب إلى القبائل، ولقد صدق من قال:
فقد رفع الإسلام سلمان فارس ... وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب
وقد ذكروا أن سلمان ﵁ كان يقول:
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم
وهذه الآيات القرآنية، تدل على أن دين الإسلام سماوي صحيح، لا نظر فيه إلى الألوان، ولا إلى العناصر، ولا إلى الجهات، وإنما المعتبر فيه: تقوى الله جل وعلا، وطاعته، فأكرم الناس، وأفضلهم: أتقاهم لله، ولا كرم، ولا فضل لغير المتقي، ولو كان رفيع النسب " انتهى.
" أضواء البيان " (٧ / ٤١٧، ٤١٨) .
ثانياً:
ولا يشك مسلم أن الله تعالى قد فضَّل أهل بيت النبي ﷺ بفضائل متعددة، وأوجب علينا محبتهم، ورعايتهم، لكن ننبه على أن ذلك للمؤمن منهم، لا لكل منتسب إليهم، وأن هذه الفضائل لا تدعو للتفاخر، بل تدعو لشكر المنعِم ، واحترام الآخرين، وتقدير تلك المحبة والرعاية منهم.
وفي جواب السؤال رقم (١٢١٩٤٨) بينَّا تلك الفضائل لآل البيت، فلتنظر.
ولما كان الفخر بالأنساب من كبائر الذنوب: وجب عليك التنبه لنفسك في موقفك مع الآخرين، وطريقة تعاملك معهم، وقد ورد النهي عن التفاخر بالأنساب في أحاديث كثيرة:
١. منها: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآْبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ) رواه الترمذي (٣٢٧٠) ، وأبو داود (٥١١٦) وحسَّنه الألباني في " صحيح الترمذي ".
والعبية - بضم العين وكسرها -: الكبر والفخر، الجِعلان: دويبة سوداء، كالخنفساء تدير الخراء بأنفها.
قال المباركفوري – ﵀:
" قال الخطَّابي: معناه: أن الناس رجلان: مؤمن تقي فهو الخيِّر الفاضل، وإن لم يكن حسيباً في قومه، وفاجر شقي فهو الدني وإن كان في أهله شريفاً رفيعاً. انتهى.
وقيل: معناه أن المفتخر إما مؤمن تقي، فإذن لا ينبغي له أن يتكبر على أحد، أو فاجر شقي فهو ذليل عند الله، والذليل لا يستحق التكبر، فالتكبر منفي بكل حال " انتهى نقلاً من " تحفة الأحوذي " (١٠ / ٣١٧) .
٢. ومنها: حديث أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَْحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَْنْسَابِ، وَالاِسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ) رواه مسلم (٩٣٤) .
قال عبد الرؤوف المناوي – ﵀:
" (أربع) أي خصال أربع كائنة.
(في أمتي من أمر الجاهلية) أي: من أفعال أهلها.
(الفخر في الأحساب) أي: الشرف بالآباء، والتعاظم بمناقبهم.
(والطعن في الأنساب) أي: الوقوع فيها بنحو قدح، أو ذم.
(والاستسقاء بالنجوم) أي: اعتقاد أن نزول المطر بنجم كذا.
(والنياحة) أي: رفع الصوت بندب الميت، وتعديد شمائله.
فالأربع: محرَّمات، ومع ذلك لا تتركها هذه الأمة، أي: أكثرهم، مع العلم بتحريمها " انتهى.
" التيسير بشرح الجامع الصغير " (١ / ٢٧٣) .
فأعيدي النظر في طريقة تعاملك مع الناس، ولا يحل لك ازدراء أحد من الناس، وما أنتِ فيه من نعمة من انتسابك لأهل البيت ليس لك فيه كسب، وإنما الفضل الحقيقي بما تعملينه، وتكسبينه من الصالحات:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ) رواه مسلم (٢٦٩٩) .
قال النووي ﵀:
" مَعْنَاهُ: مَنْ كَانَ عَمَله نَاقِصًا , لَمْ يُلْحِقهُ بِمَرْتَبَةِ أَصْحَاب الْأَعْمَال , فَيَنْبَغِي أَلَّا يَتَّكِل عَلَى شَرَف النَّسَب , وَفَضِيلَة الْآبَاء , وَيُقَصِّر فِي الْعَمَل " انتهى من شرح صحيح مسلم.
وإن بقيتِ على حالك هذه: صارت تلك النعمة نقمة، وخسرتِ أشياء كثيرة، فتضيع عليك حسناتك، وتأخذين سيئات غيرك، وهذا هو عين الإفلاس:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ؛ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ؛ التَّقْوَى هَاهُنَا ـ وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاَ مَرَّاتٍ ـ. بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) .
وليكن قدوتك سيد آل البيت جميعاً، وهو النبي ﷺ ، فكيف كان يعامل الكبار، وكيف كان رحيماً بالصغار، وكيف كان يصبر على الأعراب، ويقدِّم العجمي – كسلمان الفارسي لدينه – وليس في منهج حياته اعتبار لنسبه في تعامله مع الآخرين، وهذه حياته بين يديك، قلبي صفحاتها، وتأملي معانيها، واستغرقي في أحوالها: فلن تجدي حرفاً منها يماثل، ولا يقارب ما أنت عليه من حال.
نسأل الله أن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن ييسر أمرك، ويهدي قلبك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14040
معنى "الصدق مع الله" وكيف يحققه المسلم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[للعبادة أركان ثلاثة، أحدها: " الصدق مع الله "، فكيف يكون الصدق مع الله؟ إني أتطلع للمعالي، وأريد أن ألِمَّ بأكبر قدر من العلم الشرعي، وأريد أن أكون داعية، وقد رزقني الله مواهب عديدة تحتاجها الدعوة، ونشر العلم، وأريد أن أقوى على القيام، والصيام، قد أتممت حفظ كتاب الله، والآن في طريقي لأثبِّت حفظي، وأتقن التلاوة، وأتعلم العلم الشرعي، وعندي مشاريع، وأفكار عدة لخدمة كتاب الله، ونصرة الدين، ولكن خطواتي بطيئة؛ لتعدد المهام، وكثرة العوائق، خاصة من الأهل والمجتمع الذي حولي - وكم أعاني منهم - ولضعف بنيتي الصحية، وعدم قدرتي على بذل مجهود كبير، وإن بذلت: جلست أياما لا أستطيع أن أحرك شيئاً، إني دائما أضع جدولا لجميع المهام، وأحاول أن أسير عليه، ولكني لا أقدر بسبب الظروف المتغيرة، إني أعيش وحدي، لا أجد أختاً تشاركني أهدافي، ولا قائداً يمسك بي ويتابعني لأحقق طموحاتي، أبحث كثيراً، ولكن لا أجد، لا أعلم ما سبب تباطئي خطواتي، أهو الصدق مع الله هذا الركن الذي قد أكون لم أحققه بعد أم ماذا؟ يحزنني كثيراً، ويؤلمني، تأخري في الوصول لأهدافي، فإن كان ثم نصيحة: فلا تبخلوا بها عليَّ فإني بأمس الحاجة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
" الصدق مع الله " أجل أنواع الصدق، ويكون المسلم صادقاً مع ربِّه تعالى إذا حقَّق الصدق في جوانب ثلاثة: الإيمان والاعتقاد الحسَن، والطاعات، والأخلاق، فليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، والصادق فيه هو من حققه على الوجه الذي أراده منه ربه تعالى، ومنه الصدق في اليقين، والصدق في النية، والصدق في الخوف منه تعالى، وليس كل من عمل طاعة يكون صادقا حتى يكون ظاهره وباطنه على الوجه الذي يحبه الله تعالى.
وقد بَينَّ الله تعالى الصادقين في آية واحدة، وهي قوله : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَة وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْس) ِ ثم قال سبحانه بعد هذه الأوصاف كلها: (أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) البقرة/ ١٧٧.
قال ابن كثير ﵀:
اشتملت هذه الآية الكريمة على جُمَل عظيمة، وقواعد عميمة، وعقيدة مستقيمة.
" تفسير ابن كثير " (١ / ٤٨٥) .
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀:
(أُولَئِكَ) أي: المتصفون بما ذُكر من العقائد الحسنة، والأعمال التي هي آثار الإيمان، وبرهانه ونوره، والأخلاق التي هي جمال الإنسان وحقيقة الإنسانية: فأولئك هم (الَّذِينَ صَدَقُوا) في إيمانهم؛ لأن أعمالهم صدَّقت إيمانهم، (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) لأنهم تركوا المحظور، وفعلوا المأمور؛ لأن هذه الأمور مشتملة على كل خصال الخير، تضمناً، ولزوماً؛ لأن الوفاء بالعهد يدخل فيه الدين كله، ولأن العبادات المنصوص عليها في هذه الآية: أكبر العبادات، ومن قام بها: كان بما سواها أقوم، فهؤلاء هم الأبرار، الصادقون، المتقون.
" تفسير السعدي " (ص ٨٣) .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
ومن فوائد الآية: أن ما ذُكر هو حقيقة الصدق مع الله، ومع الخلق؛ لقوله تعالى: (أولئك الذين صدقوا) ؛ فصِدْقهم مع الله: حيث قاموا بهذه الاعتقادات النافعة: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، وأنهم أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وبذلوا المحبوب في هذه الجهات، وأما صدقهم مع الخلق: يدخل في قوله تعالى: (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) ، وهذا من علامات الصدق، ولهذا قال تعالى: (أولئك الذين صدقوا) فصدقوا في اعتقاداتهم، وفي معاملاتهم مع الله، ومع الخلق.
" تفسير سورة البقرة " (٢ / ٢٩٣، ٢٩٤) .
ثانياً:
اعلمي أختي السائلة: أن الصدق مع الله تعالى ليس شيئاً نتجمل به، ونقنع به أنفسنا وندع العمل، بل الصدق مع الله يكون في النية، ويكون في العمل إذا قمنا به، وتيسرت أسبابه، والصادق مع ربه تعالى يبلغ بصدق نيته ما يبلغ العامل إن تعذر عليه القيام بالعمل.
فعن سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ) . رواه مسلم (١٩٠٩) .
قال ابن القيم ﵀:
ليس للعبد شيء أنفع من صدقه ربَّه في جميع أموره، مع صدق العزيمة، فيصدقه في عزمه، وفي فعله، قال تعالى: (فإذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا الله لَكَانَ خَيْراً لَهُم) فسعادته في صدق العزيمة، وصدق الفعل، فصدق العزيمة: جمعها، وجزمها، وعدم التردد فيها، بل تكون عزيمة، لا يشوبها تردد، ولا تلوُّم، فإذا صدقت عزيمته: بقي عليه صدق الفعل، وهو استفراغ الوسع، وبذل الجهد فيه، وأن لا يتخلف عنه بشيء من ظاهره، وباطنه، فعزيمة القصد تمنعه من ضعف الإرادة والهمة، وصدق الفعل يمنعه من الكسل، والفتور، ومَن صدَق الله في جميع أموره: صنع الله له فوق ما يصنع لغيره، وهذا الصدق معنى يلتئم من صحة الإخلاص، وصدق التوكل، فأصدَقُ الناس: مَن صح إخلاصُه، وتوكله.
" الفوائد " (ص ١٨٦، ١٨٧) .
ثالثاً:
قد يحتار المسلم بم يبدأ؟ وكيف يرتب أمره في يومه وليلته؟ وهذا لا ينبغي أن يكون عائقاً أمام القاصد لفعل الخير، من طلب العلم، أو الدعوة إلى الله، فمثل تلك الفوضى يمكن للمسلم أن يتخلص منها بترتيب ساعات يومه، فيجعل الجزء الأول من نهاره لحفظ القرآن، ويرتب باقي يومه بين طلب العلم عن طريق الأشرطة، وقراءة الكتب، وحضور مجالس العلم، وبين أداء الواجبات التي في ذمته، زوجاً كان أو زوجة، عاملاً كان أو متفرغاً.
والذي ننصحكِ به أختنا السائلة: أن تبدئي ولا تؤجلي، وأن تصدقي في النية حتى ييسر الله لك أموركِ.
ولمزيد الفائدة انظري جواب السؤال رقم (١٠٥٣٠٨) .
ونسأل الله أن يعينك على طاعته، وأن يوفقك، ويسددك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14041
هل يجوز الذهاب لوليمة عرس سبقتها منكرات وآثام ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[تقام في بلدنا حفلات الزفاف بحيث يكون فيها معازف، وغناء، وألعاب نارية، حتى وقت متأخر من الليل، وفي اليوم التالي تقام وليمة عرس، نحن نقاطع الحفلة التي فيها المنكرات، ولكن اختلفنا بشأن الذهاب إلى الوليمة، بعضنا يقول: إن الذهاب إلى الوليمة يكون تأييداً لهم على منكرهم، والبعض يقول: إن المنكر انتهى، والوليمة ليس فيها منكرات، لذا يجب إجابة الدعوة، هل يجوز الذهاب إلى وليمة من أقام المنكرات، مع العلم أن الوليمة لا يصاحبها معازف؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قد بينَّا في جواب السؤال رقم: (٢٢٠٠٦) حكم إجابة الدعوة، ورجحنا وجوب الإجابة، وذكرنا الشروط التي يجب تحققها لثبوت الوجوب، ومن تلك الشروط:
" ألا يكون هناك منكر في مكان الدعوة، فإن كان هناك منكر، وهو يستطيع إزالته: وجب عليه الحضور لسببين: إجابة الدعوة، وتغيير المنكر، وإن كان لا يمكنه إزالته: حرم عليه الحضور ".
انتهى
وهذا الشرط المذكور في الجواب هو في حال كون المنكر موجوداً وقت الوليمة، وهذا مما لا ينبغي أن يُختلف فيه.
قال ابن قدامة ﵀:
إذا دعي إلى وليمة فيها معصية، كالخمر، والزمر، والعود، ونحوه، وأمكنه الإ ن كار، وإزالة المنكر: لزمه الحضور، والإنكار.
وإن لم يقدر على الإنكار: لم يحضر، وإن لم يعلم بالمنكر حتى حضر: أزاله، فإن لم يقدر: انصرف.
" المغني " (٧ / ٢٧٩) .
وأما الوارد في السؤال فهو فيما لو كانت المنكرات قد سبقت الوليمة بيوم أو يومين، كما هو الحال في الأعراس في بعض الدول، حيث يحتفل النساء في ليلة، ثم الرجال والنساء في الليلة التي تليها، ثم تكون الوليمة في اليوم الثالث، وغالباً ما تكون بعد صلاة الجمعة، والذي نراه في هذه الحال أنه لا يجوز لأحدٍ أن يحضر تلك الوليمة إن كان قد سبقتها منكرات وآثام، والعرس وحدة واحدة، والوليمة جزء منه، وينبغي النظر إليه بهذا الاعتبار، وثمة اعتبار آخر، وهو أن حضور المسلم للطعام فيه إقرار لهم بما فعلوه قبلها من منكرات، والأصل أن مثل هؤلاء يهجرون لفعلهم المنكر، فكيف لأحد أن يشاركهم طعامهم بعد أن عصوا ربهم وجاهروا بذلك على يومين أو أكثر؟! .
نعم، يوجد من يقول بأنه ليس ثمة منكر وقت الوليمة، وأنه لا يشاهِد، ولا يَسمع شيئاً من المنكرات أثناء تناول الوليمة، لكن لا ينبغي أن نغض الطرف عن فعل أصحاب العرس في لياليهم التي عصوا فيها الرب تعالى، وهو متوعدون بالعقوبة عليها، والمسلم يجب أن يكون له موقف من تلك المنكرات، وأهلها، وإن ذهابه لتناول الطعام ليزري به؛ حيث يقول أهل تلك الأعراس: " إن من أنكر علينا معاصينا سيشاركنا في الطعام! وسيحضر في فقرة العرس الأخيرة! "، وهذا ما يُقال من قبل أولئك العصاة، مع تندر، واستهزاء بأهل الفضل والخير، وأنهم أهل طعام! .
والحنفية مع تساهلهم في حضور الوليمة إن كان المنكر في المنزل، غير مشاهد، ولا مسموع، لكنهم أبوا أن يكون أهل الدِّين من الحاضرين لتلك الوليمة.
ففي " الموسوعة الفقهية " (٤٥ / ٢٤٠) :
وأما الحنفية: فقد صرحوا بأنه لو كان المنكر في المنزل: فإنْ قدر المدعو على المنع: فعل، وإلا صبر، مع الإنكار بقلبه، هذا إن لم يكن مقتدى به، فإن كان مقتدى به، ولم يقدر على المنع: فإنه يخرج، ولا يقعد؛ لأن فيه شينَ الدِّين.
انتهى
سئل الشيخ محمد بن عبد العزيز المسند – حفظه الله -:
أحياناً أدعى إلى وليمة بعدها تقام بدعة، مثل ضرب الدفوف، أو سهرة غناء أناشيد، وهذا بعد الوليمة بكثير، فهل يجوز تلبية مثل هذا؟ .
فأجاب:
لا يجوز تلبية مثل هذه الولائم، إلا لمن في حضوره إزالة لهذا المنكر، أو تخفيف له، أمّا الاكتفاء بالحضور دون إنكار: فهو نوع من الإقرار، لكن ينبغي أن يكون الإنكار بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، فلا يصل إلى درجة العراك، أو الشتائم، والسباب.
" الأسئلة الجزائرية " (السؤال رقم ٢٦، رقم الفتوى: ٢٤٥٦٣) .
http://www.islamlight.net/almesnad/index.php?option=com_ftawa&task=view&id=٢٤٥٦٣
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14042
أسلمت دون أهلها فهل تبر أهلها مع أذيتهم لها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أسلمت وأنا صغيرة وقد طردني والدي من المنزل فانتقلت إلى أحد الدول الإسلامية مع زوجي للعيش هناك، وأنا اتصل على والدتي دائماً فهل علي إثم بترك اتصالي على والدي مع العلم أنه يتكلم علي بأنها عاهرة ويقوم بتهديدي وعائلتي بالقتل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نحمد الله تعالى أن هداكِ للإسلام، ولا شك أن فضل الله عليكِ عظيم إذ اختاركِ من بين أهلكِ لتكوني أولهم دخولاً في هذا الدين، ونسأل الله أن تكوني سبباً لدخولهم فيه كذلك.
وما فعلته من دعوة أهلك إلى الإسلام هو ما أوجبه الله تعالى عليكِ، وهم أولى من غيرهم بالدعوة وتبيين الحق لهم.
قال الله تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين﴾ يوسف / ١٠٨، وقال تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ الشعراء / ٢١٤.
وينبغي على الداعية إلى الله تعالى أن يرفق في دعوته ويتلطف في عرضها، وبخاصة إذا كانوا من أهله، فقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين ومصاحبتهم في الدنيا بالمعروف حتى لو كانوا كفاراً، ويدعونه إلى الكفر.
قال تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين﴾ النحل / ١٢٥، وقال تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون﴾ العنكبوت / ٨.
ومن لم يستجب منهم: فإنما ضلاله على نفسه، وليس يلحق الداعي من إثمه شيء.
قال تعالى: ﴿من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ الإسراء / ١٥.
وما فعلته من هجرتكِ إلى " إحدى الدول الإسلامية " وزواجك هو عين الصواب، فلا يستطيع المسلم أن يحافظ على دينه غالباً إذا كان في بيئة تعاديه وتحاربه، ويكون غريباً بينهم، وخاصة إذا كانت امرأة ليس لها حول ولا قوة إلا بالله تعالى، ويدل على هذه المشقة ما فعله والدكِ من طردك من البيت عندما علم بإسلامك.
واتصالك بوالدتكِ والسؤال عنها وعن والدكِ أمرٌ تُشكرين عليه، وهو مما أوجبه الله تعالى عليك، وحق الوالدين عظيم، فلا تقطعي صلتك بهم وإن أساؤوا إليك وحاولي الاتصال بوالدك والتلطف معه في الكلام لعل ذلك يكون من أسباب هدايته ويزيل ما في قلبه من قسوة عليك.
وأما ما يهددكِ به والدكِ: فلا تلتفتي له ولا تهتمي به، فلن يصيبك وزوجك وعائلتك إلا ما كتب الله لكم، فخذوا بالأسباب واستعينوا بالله تعالى فهو خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين.
وما قذفكِ به واتهمكِ بفعله: هو مما يدخل في أذية الكافر للمسلم، وقد قُذف عرض نبينا محمد ﷺ باتهام زوجته وأمنا أم المؤمنين عائشة – ﵂ – بالزنا، وقيل عنه ساحر وكاهن ومجنون، وهكذا قيل لإخوانه الأنبياء ﵈، فاصبري على هذا وثقي بالله تعالى أنه سيفرج كربك ويزيل همك، فاستعيني به، وداومي على دعائه واللجوء إليه فهو نعم النصير ونعم المعين.
ونسأل الله تعالى أن يثبتك على دينه وأن يزيدك هدى وبصيرة وعلماً.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14043
مريض وورَّى في معاملة التوظيف أنه معافى فهل يترك وظيفته ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[رجل يعمل الآن في وظيفة، ولم يصدق في سؤال: "هل يعاني من مرض مزمن"؟ عندما تقدم لهذا العمل، بل ورَّى بقوله " لم يعاني "؛ لأنه حقيقة لم يعاني، هو مصاب بفيروس التهاب الكبد فقط، وهو مرض مزمن، ولم يجد منه أية معاناة، فهل تنصحه بترك العمل، خاصة وأن صاحب العمل لو يعلم بمرضه ربما لا يسمح له بالبقاء في عمله؟ وهل تنفعه التورية أم أنه يعتبر غير صادق في بياناته؟ وهل يلزمه شيء في المدة السابقة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
جاءت الشريعة المطهرة بالأمر بكل خلُق قويم، وحذَّرت من كل خلق ذميم.
ومن الأخلاق القويمة التي أمر بها ربنا تعالى: الصدق، وحذرنا من ضده وهو الكذب.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) التوبة/ ١١٩.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنّ الصِدقَ يَهدي إلى البّر، وإنّ البرّ يهدي إلى الجَنّةِ، وإنّ الرجُلَ ليَصدُقُ حتّى يُكتَبَ عِندَ الله صِدّيقا، وإنّ الكَذِبَ يهدي إلى الفُجورِ، وإنّ الفُجورَ يَهدي إلى النّار، وإنّ الرَجُلَ ليَكذِبُ حتى يُكتَبَ عِندَ اللهِ كَذابا) رواه البخاري (٥٧٤٣) ومسلم (٢٦٠٧) .
ولعلَّك رأيت الكذب نافعاً لك، ورأيت الصدق مضرّاً لك، لذا فعلت ما فعلت من كتم المرض أن تدونه في معاملة التوظيف، وهو ما حذَّر منه سلف الأمة.
قال بعض الصالحين: عليك بالصدق حيث تخاف أن يضرك، فإنه ينفعك، ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك، فإنه يضرك.
فعلى المؤمن أن يزيِّن حياته بالصدق، والصادق لن تجده إلا متصفاً بصفات الكمال الأخرى.
قال ابن القيم ﵀:
"فالصدق بريد الإيمان ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحليته ولباسه، بل هو لبه وروحه، والكذب بريد الكفر والنفاق ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحليته ولباسه ولبه، فمضادة الكذب للإيمان كمضادة الشرك للتوحيد، فلا يجتمع الكذب والإيمان إلا ويطرد أحدهما صاحبه ويستقر موضعه" انتهى.
" زاد المعاد " (٣ / ٥٩٠) .
ثانياً:
التورية هي أن يُفهم المتكلمُ سامعَه شيئاً غير الذي في نفسه، ويكون الكلام محتملاً.
ولا يجوز للمسلم استعمال التورية إلا لتحقيق مصلحة شرعية، أو دفع مفسدة، أو لحاجة ماسة، ولا يحل له استعمالها في كل حين، ولا لأخذ ما ليس من حقه.
وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: ما هي التورية؟ وما الفرق بينها وبين الكذب؟ .
فأجاب:
"التورية: أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره، والكذب: صريح في أنه تكلم بخلاف الواقع. السائل: السامع ربما يفهم شيئاً آخر.
الشيخ: لا يهم، هذا هو بُعد التورية، أن يفهم السامع من خطابك خلاف ما تريد، التورية قد يحتاج الإنسان إليها.
أما الظالم: فلا تصح توريته، ولا تحل، والحكم فيها أنها على حسب ما يعتقده خصمه، ولهذا جاء في الحديث: (يمينك على ما يصدقك به صاحبك) فإذا قال الظالم بهذا التأويل، لم ينفعه، والمظلوم ينفعه.
ومَن ليس بظالم ولا مظلوم: من العلماء من قال: إن التورية جائزة، ومنهم من قال: إنها غير جائزة، والراجح: أنها غير جائزة، وأن الإنسان يجب أن يكون صريحاً؛ لأن الإنسان إذا اعتاد التورية ثم ظهر الأمر على خلاف ما ظهر من كلامه: اتهمه الناس بالكذب، وأساءوا فيه الظن، لكن إذا كان مظلوماً: فهذه حاجة، والظلم قليل بالنسبة للحوادث.
والخلاصة: التورية للمظلوم: جائزة، وللظالم: غير جائزة، ولمن ليس ظالماً ولا مظلوماً: على خلافٍ بين العلماء، والراجح: أنها حرام" انتهى.
" لقاءات الباب المفتوح " (١٦١ /السؤال رقم ٩) باختصار.
وانظر جوابي السؤالين: (٢٧٢٦١) و (٤٥٨٦٥) .
ثالثاً:
الظاهر أن صاحب العمل يسأل هذا السؤال حتى لا يكون الموظف مصاباً بمرض يُقعده عن وظيفته، أو يكثر من تأخره وغيابه، أو يؤثر في حسن أدائه للعمل.
وبما أنك تعلم أن صاحب العمل لو علم بإصابتك بهذا المرض فإنه لا يسمح لك بالبقاء فيه، فالذي ننصحك به هو مصارحة صاحب العمل بهذا المرض، ثم يقرر بعد ذلك ما يراه.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14044
حكم إجابة الدعوة، وشروط ذلك
[السُّؤَالُ]
ـ[أحيانا أدعى إلى حضور عزيمة صغيرة أو مناسبة كبيرة.. ما العمل إذا كانت هذه الاجتماعات غالبا فيها غيبة وهمز وتفاخر وتنافس على الملابس وهمز لمن تلبس ملابس بسيطة (مثلي) وقد يكون بها نميمة كما أن لدي أعمال منزلية (لا أرغب في استقدام خادمة , وكل من تحضر هذه المناسبات تقريبا لديها خادمة فتجد فراغا في الوقت) .
وزوجي وبيتي محتاج لي , كل دقيقة أبذلها في بيتي لها أثر إن شاء الله وهو رسالتي الأولى كما أنني أتمنى وقتا إضافيا لكي أقرأ القرآن أو كتاب نافع ولا أريد الدخول في اجتماعات دنيا أرى مضارها تطغى على فوائدها إن كان لها فوائد أرشدوني ما هو التصرف المناسب؟ وما هو العذر المناسب لعدم الحضور إن كان يحق لي ذلك؟
وما العمل إن كانت صاحبة العزيمة تحقد علي وتفرح إذا رأتني في موقف محرج وتتكلم علي هل يجب علي حضور دعوتها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
وبعد: فقد ورد في صحيح البخاري (١١٦٤) ومسلم (٤٠٢٢) أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ رَدُّ السَّلَامِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ ".
وقد قسم العلماء الدعوة التي أُمر المسلم بإجابتها إلى قسمين:
الأول: الدعوة إلى وليمة العرس، فجماهير العلماء على وجوب إجابتها إلا لعذر شرعي، وسيأتي ذكر بعض هذه الأعذار ـ إن شاء الله ـ.والدليل على وجوب الإجابة ما رواه البخاري (٤٧٧٩) ومسلم (٢٥٨٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ "
الثاني: الدعوة لغير وليمة العرس على اختلاف أنواعها، فجماهير العلماء يرون أن إجابتها مستحبة، ولم يخالف إلا بعض الشافعية والظاهرية، فأوجبوها، ولو قيل بتأكد استحباب الإجابة لكان قريبا.والله أعلم.
لكن العلماء اشترطوا شروطا لإجابة الدعوة، فإذا لم تتحقق هذه الشروط لم يكن حضور الدعوة واجبا ولا مستحبا، بل قد يحرم الحضور، وقد لخص هذه الشروط الشيخ محمد ابن عثيمين ﵀ فقال:
١- ألا يكون هناك منكر في مكان الدعوة، فإن كان هناك منكر وهو يستطيع إزالته وجب عليه الحضور لسببين: إجابة الدعوة، وتغيير المنكر، وإن كان لا يمكنه إزالته حرم عليه الحضور.
٢- أن يكون الداعي للوليمة ممن لا يجب هجره أو يُسنّ. [كأن يكون مجاهرا بفسق أو معصية، وهجره قد ينفع في توبته من ذلك]
٣- أن يكون الداعي مسلما، وإلا لم تجب إجابته لقوله ﷺ : " حق المسلم على المسلم.. "
٤- أن يكون طعام الوليمة مباحا، يجوز أكله.
٥- أن لا تتضمن إجابة الدعوة إسقاط واجب أو ما هو أوجب منها فإن تضمن ذلك حرمت الإجابة.
٦- أن لا تتضمن ضررا على المجيب مثل أن يحتاج إلى سفر أو مفارقة أهله المحتاجين إلى وجوده بينهم، أو نحو ذلك من أنواع الضرر. (القول المفيد ٣ / ١١١ بتصرف) .
وزاد بعض العلماء:
٧- أن يخص الداعي المدعو بالدعوة، بخلاف ما لو دعا الحاضرين في مجلس عام لحضور وليمته، وهو أحد هؤلاء، فلا يلزمه الحضور عند الأكثر.
وبهذا يتبين لك أن حضور مثل هذه الدعوات لا يلزمك بل قد يحرم عليك، إذا كنت لا تستطيعين تغيير المنكر أو يترتب على حضورك تضييع حق زوجك أو حق أولادك من تربيتهم ورعايتهم الواجبة عليك، ثم أنت أيضا لا تسلمين من شرهم وضررهم، وهذا عذر يسقط عنك حضور الدعوة الواجبة، فكيف بما هو دونها.
ولابد أن تنبه المرأة أيضاً بأنها لابد من أن تستأذن زوجها للخروج إلى المناسبة التي دُعيت إليها وعليك أن تنصحي هؤلاء الأخوات بالحرص على الاستفادة من وقتهن ومجالسهن فيما يعود عليهن بالنفع الديني أو الدنيوي، فإن رسول الله ﷺ حذرنا من مغبة المجالس التي لا يذكر الله تعالى فيها فقال ﷺ : " مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ " رواه الترمذي (٣٣٠٢) وقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وصححه الأباني كما في صحيح الترمذي (٣ / ١٤٠) .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ تِرَةً: يَعْنِي حَسْرَةً وَنَدَامَةً
وفي سنن أبي داود (٤٢١٤) وغيره عن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةً " وصححه النووي في رياض الصالحين (٣٢١) وتابعه الألباني رحمهما الله.
فأبلغي إليهم هذه النصيحة إما مشافهة أو كتابة، ولو زدت على ذلك بأن دعوتهم في منزلك، واغتنمت الاجتماع لعقد حلقة ذكر بالإضافة إلى بعض الأمور المباحة المحببة إلى نفوسهن لعل الله أن يجعلك سببا في أن تسني لهم هذه السُنة الحسنة في الاستفادة من مثل هذه المجالس. والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 14045
الحياء من الله تعالى، صُوَره، وأنواعه، وآثاره
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف - يا شيخ - أستحي من الله؟ فالله يراني في الخلاء، وعند قضاء الحاجة، فالرسول ﷺ يقول: إنه يجب علينا أن نستحي من الله كما نستحي من الرجل الصالح منا، فمَن أستحي منه مِن البشر لا أريده أن يراني على هذه الأوضاع التي ذكرتها سابقاً، فأخجل منه مِن أن يطلع على عورتي ويراني كذلك، ولكن هذا يستحيل مع الله، فكيف أستحي من الله؟ وهل لهذا الحياء ثواب عند الله؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سؤالك أخي الفاضل في محله، وهو يدل على انتباه، ونباهة، فنسأل الله أن يزيدك هدى وتوفيقاً، وأن تكون من حملة العلم والدعاة إلى الله.
وجواباً عليه نقول:
١. الحياء لغةً مصدر حيي، وهو: تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذمّ، وفي الشّرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح من الأفعال والأقوال، ويمنع من التّقصير في حقّ ذي الحق.
" الموسوعة الفقهية " (١٨ / ٢٥٩) .
٢. الحديث الذي ورد في سؤالك هو:
عَنْ سَعِيدِ بن يَزِيدَ الأَزْدِيِّ، أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَوْصِنِي، قَالَ: أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحِيَ مِنَ اللَّهِ كَمَا تَسْتَحِي مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ.
رواه الإمام أحمد في " الزهد " (٤٦) ، والبيهقي في " شعب الأيمان " (٦ / ١٤٥) والطبراني في " المعجم الكبير " (٧٧٣٨) ، وصححه الألباني في " الصحيحة " (٧٤١) .
قال المناوي – ﵀:
(أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي من الرجل الصالح من قومك) قال ابن جرير: هذا أبلغ موعظة وأبْين دلالة بأوجز إيجاز، وأوضح بيان، إذ لا أحد من الفسقة إلا وهو يستحي من عمل القبيح عن أعين أهل الصلاح، وذوي الهيئات والفضل؛ أن يراه وهو فاعله، والله مطلع على جميع أفعال خلقه، فالعبد إذا استحى من ربه استحياءه من رجل صالح من قومه: تجنَّب جميع المعاصي الظاهرة، والباطنة، فيا لها مِن وصية، ما أبلغها، وموعظة ما أجمعها " انتهى.
" فيض القدير " (٣ / ٧٤) .
ولذلك قال بعض السلف: خف الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قربه منك!!
قال الراغب الأصفهاني ﵀:
(حق الإنسان إذا همَّ بقبيح أن يتصور أجل من في نفسه حتى كأنه يراه، فالإنسان يستحي ممن يكبر في نفسه، ولذلك لا يستحي من الحيوان، ولا من الأطفال، ولا من الذين لا يميزون، ويستحي من العالم أكثر مما يستحي من الجاهل، ومن الجماعة أكثر ما يستحي من الواحد.
والذين يستحي منهم الإنسان ثلاثة: البشر، وهم أكثر من يستحي منه، ثم نفسه، ثم الله تعالى، ومن استحى من الناس ولم يستحي من نفسه: فنفْسه عنده أخس من غيره، ومن استحى منها ولم يستح من الله: فلعدم معرفته بالله، فالإنسان يستحيي ممن يعظمه، ويعلم أنه يراه أو يسمع نجواه، فيبكته؛ ومن لا يعرف الله فكيف يعظمه، وكيف يعلم أنه مطلع عليه؟ "
انتهى. "الذريعة إلى مكارم الشريعة" ص (٢٨٩) .
٣. وما ذكرتَه أخي الفاضل ليس له دخل بالحياء في أصل صورته؛ لأنه لا قضاء للحاجة، ولا جماع، ولا اغتسال إلا بكشف عورة، وهذا أمرٌ معلوم، لكن قد يفعل ذلك بعض من نزع الحياء من قلبه، فتراه يتمشى في البيت وهو عريان! أو يعبث بعورته أثناء قضائه لحاجته، أو تراه يغتسل ولا يبالي بمن يراه من الناس، وهكذا تختلف صور أولئك الذين يقضون حاجتهم، أو يغتسلون بحسب ما في قلوبهم من الحياء.
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، قَالَ: إِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِياً، قَالَ: اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنْ النَّاسِ.
رواه الترمذي (٢٧٩٤) وأبو داود (٤٠١٧) وابن ماجه (١٩٢٠) ، وحسنه الألباني في " صحيح الترمذي ".
وقوله في الحديث: (فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحَيَا مِنْهُ) " أَيْ: فَاستتر [يعني: مما أمر الله بالاستتار منه] ، طَاعَة لَهُ وَطَلَبًا لِمَا يُحِبّهُ مِنْك وَيُرْضِيه؛ وَلَيْسَ الْمُرَاد فَاسْتَتِرْ مِنْهُ؛ إِذْ لَا يُمْكِن الِاسْتِتَار مِنْهُ جَلَّ ذِكْرُهُ وَثَنَاؤُهُ "
قاله السندي في حاشية ابن ماجة.
وقد سئل ابن عباس، ﵄، عن قول الله : (أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) هود/٥، فَقَالَ: (أُنَاسٌ كَانُوا يَسْتَحْيُونَ أَنْ يَتَخَلَّوْا فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ وَأَنْ يُجَامِعُوا نِسَاءَهُمْ فَيُفْضُوا إِلَى السَّمَاءِ فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ) . رواه البخاري (٤٦٨١) .
يعني: أنهم كانوا يكرهون أَنْ يَقْضُوا الْحَاجَة فِي الْخَلَاء وَهُمْ عُرَاة.
كان الصدِّيق يقول: استحيوا من الله؛ فإني أذهب إلى الغائط فأظل متقنعا بثوبي حياءً من ربي !!
وكان أبو موسى إذا اغتسل في بيت مظلم لا يقيم صلبه حياء من الله .
" فتح الباري " لابن رجب (١ / ٥٢) .
ولكن هذا قدر زائد، ومكرُمة عالية، لا يؤمر بها كل الناس، والإخلال بمثل هذا المقام، لا يخل بأدب ولا دين، مادام المرء قد حفظ عورته، كما أمره نبيه ﷺ ، وأعطى الحياء حقه؛ فلم يقدم على قبيح في الشرع، ولا مرذول في الأدب والأخلاق.
وللفائدة:
ففي المسألة حديث مشهور، لكنه ضعيف، ينهى عن التعري عند قضاء الحاجة، وعند الجماع، وهو: (إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ؛ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لَا يُفَارِقُكُمْ إِلَّا عِنْدَ الْغَائِطِ، وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ) رواه الترمذي (٢٨٠٠) ، وفيه ليث بن أبي سليم، وكان قد اختلط، وضعفه الألباني في " إرواء الغليل " (٦٤) .
وانظر:
جواب السؤال رقم (٤٥٥١٤) هل يجوز للزوجين التجرد من الثياب وقت الجماع بدون أي غطاء؟ .
وجواب السؤال رقم (٦٨٩٤) هل يجوز الاستحمام عرياناً؟ .
وجواب السؤال رقم (٢١٣٨٨) النوم عارياً.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14046
خلافات مع زوجها، وتسأل كيف تصبح زوجة صالحة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أمريكية، وقد أسلمتُ حديثاً، وقد نشأت على ألا أسمح لرجل بأن يتحكم فيِّ، والمشكلة الآن هي أن زوجي ليس أمريكياً ونحن نتصادم كثيراً، أنا أعلم أكثر منه فيما يخص القوانين والأمور اليوميَّة، ولغته الإنجليزيَّة ليست جيِّدة إلى تلك الدرجة، لذلك فأنا أحتاج أن أشرح له في بعض الأحيان؛ لأنه قد تعود على الأحوال في بلاده هو وعلى حضارتها، وأنا أتولى القيام بالحديث في الغالب إذا كنا في أماكن عامة، وهذا يغضبه كثيراً، لكني أشعر أن تلك هي الطريقة الوحيدة لنتمكن من إتمام الأمور بطريقة صحيحة في الغالب، ونحن الآن نختلف كثيراً، وأنا لا أعرف كيف أصبح " الزوجة " المطلوبة إسلاميّاً، فأنا لا أزال في طور التعلم، ومشكلتي العظمى تكمن هنا، فكيف لي أن أغير ذلك؟ وكيف أقلل من المشكلة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نحمد الله أن وفقكِ للإسلام وهداكِ له، وهذه أعظم نعمة من الله تعالى على عبده.
ونعلمكِ أن الله تعالى قد جعلَ لكِ حقوقاً على زوجكِ، وأوجب عليكِ واجباتٍ تجاهه – ويمكنكِ مراجعة السؤال رقم (١٠٦٨٠) لتقفي عليها -.
فعليكِ القيام بما أوجبه الله عليكِ من حقوق تجاه زوجكِ، وقد عظَّمت الشريعة حقوق الزوج لما له من أهمية عظيمة في بناء البيت المسلم، ولما أوجبه الله تعالى عليه من القيام بمصالح أسرته ورعايتها.
والمرأة المسلمة ينبغي أن تكون عاقلة حكيمة في تصرفاتها مع زوجها، فالإنسان – عادةً – تأسره الكلمة الطيبة، وتقيِّده المعاملة الحسنة، فإذا كان هذا من شريكة حياته ورفيقة دربه كان ذلك أبلغ في التأثير، كما أن على المرأة العاقلة أن تبتعد عن كل ما يسيء لزوجها من تصرفات، وأن تتخلص من كل ما يزعجه من أفعال، وأن لا تحاول فرض شخصيتها عليه، فالرجل له القوامة وعليه المسئولية، وإشعاره بالنقص في مواقف معينة قد يجره إلى الغضب وإلى عدم إحسان التصرف، وقد قال بعضهم: " الزوجة المثالية هي التي تجيد فن التوافق الزوجي، وتوازِن بين طاعة الزوج واحترامه، وبين تعبيرها عن شخصيتها السوية الناجحة ".
وكلامك مع الناس عنه – لأنه لا يحسن لغة قومك – يجوز شرعاً، لكن كما سبق لا بدَّ أن تكوني حكيمة في مثل هذا التصرف والفعل، فإنك مع قيامك بمثل هذه الأقعال لا تشعريه بالنقص وبعدم الأهميَّة بل ارجعي إليه عند الكلام مع الناس، وشاوريه ولا تتخذي قرارات بوجوده إلا بعد إذنه، وليكن ذلك أمام مَن تكلمين ليشعر بقيمته وبقدره , ويمكنكِ أن تُظهري له تفوقه عليكِ في لغته وتشعريه بذلك، وأنكما تكمِّلان بعضكما بعضاً، فعاونيه على تعلم لغتك، وليعاونك على تعلم لغته.
هذا الذي ننصحك به وهو ما يمكن أن يوقف غضبه أو يمنعه من مثل هذه التصرفات، والأمر لا يعدو أن يكون مجرد مداراة لوقت معيَّن حتى يتمكن من اللغة ويستطيع القيام بشؤون نفسه وحده.
ثانياً:
ولكي تكوني زوجة صالحة لا بدَّ لك من معرفة ما أوجبه الله عليكِ فتفعليه، ولا بدَّ من معرفة ما كان عليه النساء الفاضلات من أخلاق وحسن تعامل مع الزوج، والأمر يحتاج منك لمجاهدة ومكابدة حتى تتعودي، لكن ذلك ليس مستحيلاً، فقد قال النبي ﷺ " إنما العلم بالتعلُّم، وإنما الحلم بالتحلُّم، ومَن يتحر الخير يُعْطَه، ومَن يتقِّ الشرَّ يُوقَه " – رواه الدارقطني في " الأفراد " وهو حديث حسن، كذا قال الألباني في " صحيح الجامع " (٢٣٢٨) - ومن هذه الصفات والأخلاق ما أوصتْ به أمٌّ عاقلةٌ ابنتَها قبل الزواج، وهي وصايا جامعة، نسأل الله أن يعينك على تحقيقها، قالت الأم لابنتها:
أي بنيّة إنك فارقتِ بيتكِ الذي منه خرجتِ، وعشكِ الذي فيه درجتِ إلى رجلٍ لم تعرفيه، وقرينٍ لم تألفيه، فكوني له أَمَةً يكن لكِ عبداً، واحفظي له خصالاً عشراً تكن لك ذخراً:
أما الأولى والثانية: فالخشوع له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة.
وأما الثالثة والرابعة: فالتفقد لمواضع أنفه وعينه، فلا تقع عينه منك على قبيح ولا يشم إلا أطيب ريح.
وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت منامه وطعامه؛ فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مُغضبة.
وأما السابعة والثامنة: فالاحتفاظ بماله والإرعاء على حشمه وعياله.
وأما التاسعة والعاشرة: فإن ملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير.
ثالثاً:
وعلى الزوج أن يتقي الله ربَّه، ولا يبخس حق امرأته، وليؤد لها حقوقها التي أوجبها الله عليه، ولا بدَّ أن يعلم أن الناس درجات، وأن ما يعرفه هو يجهله كثيرون، وما يجهله هو يعرفه كثيرون، ولأَن تكون معه امرأته تترجم له وتدله على ما ينفعه وتبين له الطريق خيرٌ من أن يكون معه شخص آخر لا يثق بأمانته، والعلم لا يحصل إلا بالتعلم، وطريق العلم يكون بالجد والاجتهاد.
ونصيه بالحرص على أن يملك نفسه عند الغضب، وأن لا يغضب إلا إذا انتهكت محارم الله تعالى فهذا هو الغضب المحمود.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14047
وعد والدته بإعطائها مالاً تضعه في بناء مسجد، ثم ماتت
[السُّؤَالُ]
ـ[طلبت والدتي مني مبلغاً من المال تضعه مساهمة في بناء مسجد يُقام بقريتنا ولم يكن عندي في ذلك الوقت المال الزائد عن حاجتي حتى ألبي طلبها، فوعدتها مستقبلاً أن أعطيها إن شاء الله، ثم سافرت إلى خارج بلدي لطلب الرزق الحلال، وفي هذه الأثناء قدَّر الله على والدتي بمرض توفيت على أثره، فهل يبقى ذلك الوعد مني لها ديناً في ذمتي وعليَّ أن أدفع ما وعدتها به إلى ذلك المسجد المعين أم يجوز ولو لغيره من المساجد التي تحتاج إلى مال، أم أنه لا يبقى ذلك الوعد ديناً في ذمتي وبالتالي أكون معافىً منه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"نعم، يجب عليك، أو ينبغي لك ويتأكد عليك أن تفي بوعدك، وأن تدفع هذه الدراهم في المسجد الذي ترغب والدتك أن تدفعها فيه، وقد وعدتها بذلك، فمن برها والإحسان إليها أن تنفذ هذا الوعد، لعل الله أن يتقبله وأن ينفعها به، وهذا من برها ومن الإحسان إليها، فإن كان المسجد الذي تريده الوالدة قد استغنى وتم تكاليفه فإنك تدفعه في مسجد أخر، لكن كما ذكرنا لا ينبغي لك أن تفرط في هذا الوعد، وأن لا تدفع هذه الدراهم، بل ينبغي لك ويتأكد في حقك أن تُنفِّذ هذا الوعد براً بوالدتك.
والله أعلم" انتهى.
"مجموع فتاوى الشيخ صالح الفوزان" (٢/٧٠٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14048
ما هو الزهد ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو الزهد، هل الزهد لبس الثياب المرقعة، وصيام الدهر، والابتعاد عن المجتمع، أو غير ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"ليس الزهد لبس المرقع من الثياب، ولا اعتزال الناس والبعد عن المجتمع، ولا صيام الدهر، فإن النبي ﷺ سيد الزاهدين، وكان يلبس الجديد من الثياب، ويتزين للوفود وفي الجمع والأعياد، ويخالط الناس، ويدعوهم إلى الخير ويعلمهم أمور دينهم، وكان ينهى أصحابه ﵃ عن صيام الدهر، وإنما الزهد التعفف عن الحرام، وما يكرهه الله تعالى، وتجنب مظاهر الترف والإفراط في متع الدنيا، والإقبال على عمل الطاعات، والتزود للآخرة بخير الزاد، وخير تفسير له سيرة النبي ﷺ العملية.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد الرزاق عفيفي ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ عبد الله بن قعود.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٤/٣٦٩) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14049
كيف تعامل زوجة أخيها سيئة الخلق
[السُّؤَالُ]
ـ[لي زوجة أخ لا تحترم أحد أبدا وتسكن معنا في البيت فهل لي أن أقول لها شيئا يغير من طباعها؟ وإذا لم تستمع لي فماذا افعل؟ هل أسلم عليها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الكلمة الطيبة تفتح مغاليق القلوب وتزيل الغشاوة عنها وتصفي النفوس، والتسامح والعفو والنصح يعيد المودة بين الناس، وحين يبذل المرء الكلمة الطيبة ويتغاضى عن الإساءة يكبر في عيون الناس ويجعل المسيء يعتذر عن إساءته أو يتوقف عن التمادي فيها. ولاشك أن بعض الناس قد اختار طريقاً في التعامل مع الآخرين لا يحب - هو نفسه - أن يعامله به أحد ويظن أن القوة والمواجهة والتحدي هو الذي يجعل الناس يحترمونه، ومع اندفاعه واستمراره في ارتكاب الخطأ ونظراً لما يواجهه من نقد شديد وتوجيه جارح يتيه في دوامة الحقد وثورة الانتقام فلا يدري الصواب من الخطأ والحق من الباطل ويقف المرء عاجزاً عن توجيهه ونصحه فأي كلمة تعني له بدء المواجهة، واستمرار العداوة، فهو في موقع الرصد والتربص، فالأسلم هنا أن نجعل بين هذا الشخص وبين تعاملنا معه وقفة مراجعة نعتزله فيها فترة وجيزة نحاول فيها أن نبدد مخاوفه من المواجهة والنقد والمحاسبة ونزرع الكلمة الطيبة والطمأنينة والابتسامة ونشعره بالصفح والمودة، قال الله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) ولا نعني بالعزلة أن نقطع كل الروابط ونمتنع عن رد السلام والحديث معه، وإنما نجتنب الاحتكاك والخلطة به حتى نجد فرصة سانحة تكون فيها النفس مستعدة لتقبل النصح والتوجيه فنبدأ بذكر محاسنه وما نرجوه له من الخير وما نأمله منه ثم نضع النصيحة في أسلوب مهذب محبب لا يجرح ولا يقدح ولا يُمل ونحتسب ذلك عند الله ونصبر ونسامح ونعطي من أخلاقنا وحسن تعاملنا صورة يقتدي بها من نود نصحه وتوجيهه. ولنستمع إلى توجيه الحقّ سبحانه لرسوله (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)
فالاندفاع في التوبيخ والتجريح والنقد وعدم اختيار الوقت المناسب غالباً ما يأتي بنتائج عكسية والتواضع ولين الجانب يزيل الحواجز ويمنع التعدي والخصومة، ففي الحديث الصحيح عن عياض ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد) رواه مسلم ٢٨٦٥.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 14050
هل يشتغل بطهارة القلب أم بنوافل الأعمال ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أَيُّمَا أَوْلَى مُعَالَجَةُ مَا يَكْرَهُ اللَّهُ مِنْ قَلْبِك مِثْلُ: الْحَسَدِ وَالْحِقْدِ وَالْغِلِّ وَالْكِبْرِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَرُؤْيَةِ الأَعْمَالِ وَقَسْوَةِ الْقَلْبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْقَلْبِ مِنْ دَرَنِهِ وَخُبْثِهِ؟ أَوْ الاشْتِغَالُ بِالأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ: مِنْ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَأَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ: مَنْ النَّوَافِلِ وَالْمَنْذُورَاتِ مَعَ وُجُودِ تِلْكَ الأُمُورِ فِي قَلْبِهِ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ: وَأَنَّ لِلأَوْجَبِ فَضْلا وَزِيَادَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِيمَا يَرْوِيه عَنْهُ رَسُولُهُ ﷺ : ﴿مَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ﴾ ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ﴾ وَالأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ لا تَكُونُ صَالِحَةً مَقْبُولَةً إلا بِتَوَسُّطِ عَمَلِ الْقَلْبِ فَإِنَّ الْقَلْبَ مَلِكٌ وَالأَعْضَاءُ جُنُودُهُ، فَإِذَا خَبُثَ الْمَلِكُ خَبُثَتْ جُنُودُهُ ; وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ﴿أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ﴾ وَكَذَلِكَ أَعْمَالُ الْقَلْبِ لا بُدَّ أَنْ تُؤَثِّرَ فِي عَمَلِ الْجَسَدِ وَإِذَا كَانَ الْمُقَدَّمُ هُوَ الأَوْجَبُ [سَوَاءٌ] سُمِّيَ بَاطِنًا أَوْ ظَاهِرًا فَقَدْ يَكُونُ مَا يُسَمَّى بَاطِنًا أَوَجَبَ مِثْلُ تَرْكِ الْحَسَدِ وَالْكِبْرِ فَإِنَّهُ أَوَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ نَوَافِلِ الصِّيَامِ وَقَدْ يَكُونُ مِمَّا سُمِّيَ ظَاهِرًا أَفْضَلَ: مِثْلُ قِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ مُجَرَّدِ تَرْكِ بَعْضِ الْخَوَاطِرِ الَّتِي تَخْطُرُ فِي الْقَلْبِ مِنْ جِنْسِ الْغِبْطَةِ وَنَحْوِهَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ عَمَلِ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ يُعِينُ الآخَرَ وَالصَّلاةُ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَتُورِثُ الْخُشُوعَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الآثَارِ الْعَظِيمَةِ: هِيَ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ وَالصَّدَقَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ." انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (مجموع الفتاوى ٦/٣٨١)
فلا فصل بين صلاح الباطن وإصلاح الظاهر.
والعبادات الظاهرة التي يمارسها الإنسان بجوارحه فإنها – إذا أراد بها وجه الله – تؤثر إيجاباً في باطنه ولا شك.
ومن أمثلة ذلك قول النبي ﷺ : " أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْر " رواه النسائي (٢٣٨٦) وصححه الألباني في صحيح النسائي (٢٢٤٩)
ووحر الصدر: غيظة وحقده وحسده.
ومن العلاجات المهمة لأمراض القلب التدبر والتفكر في نصوص الوعيد على من ترك هذه الأمراض ترتع في قلبه كقول النبي ﷺ : " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كبر " رواه مسلم (٩١) .
وحديث قول النار: " أُوثرت بالمتكبرين " رواه البخاري (٤٨٥٠) ومسلم (٢٨٤٦)
وحديث: " يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال " رواه الترمذي (٢٤٩٢) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (٢٠٢٥) .
وقول النبي ﷺ : " دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَاكُمْ لَكُمْ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ " رواه الترمذي (٢٥١٠) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (٢٠٣٨)
فمن تأمل بعين البصيرة مثل هذا الوعيد على هذه الأمراض القلبية فإنه ولا شك سيجاهد نفسه في تطهير قلبه منها، ويستعين على ذلك بأعمال الجوارح ويدعو ربه أن ينقي قلبه من الغلِّ والحسد والحقد وغيرها كما قال تعالى عن دعاء المؤمنين: ﴿ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا﴾ .
والله أعلم وصلى اله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14051
تنازلت له شقيقته عن حصتها ثم ندمت
[السُّؤَالُ]
ـ[تنازَلَت شقيقتي عن حصتها لي في محل بعد وفاة والدينا، وهي الآن نادمة تريد العدول عن تنازلها، هل يحق لها ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
خطابنا معك – أخانا الكريم – سيعتمد لغة مكارم الأخلاق ومحاسِن الشِّيَم، ويتكئ على ما نظنه فيك – إن شاء الله – من الكرم والجود وعالي المروءة، فإن ما نعرفه من ديننا العظيم يدعونا لحثك على البر والصلة ومقابلة الإحسان بالإحسان، إذ هي أختك التي تربَّت معك، وجمعت بينك وبينها رحمٌ واحدة، ولها الحق العظيم عليك في رعايتها وتدبير شؤونها والسعي في إسعادها، فأَوْلى بك أن تُكرِمها فتعيدَ إليها ما تنازلت عنه، وتقابلَها بإحسانها الأول إحسانا أعظم وأكبر، فتُقيلها تبرَّعها كي يقيل الله عثرتك يوم القيامة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ)
رواه أبو داود (٣٤٦٠) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
وفي لفظ في "السنن الكبرى" للبيهقي: (مَنْ أَقَالَ نَادِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
قال ابن عبد السلام: " إقالة النادم من الإحسان المأمور به في القرآن، لما له من الغرض فيما ندم عليه " انتهى. نقلا عن المناوي في "فيض القدير" (٦/٧٩) .
بل نقول لك أخانا السائل: قد كان الأَوْلى والأفضلَ منك أن تَردَّ إلى أختك ما تبرَّعَت به حال ما شعرت أنها قد ندمت، ولا تضطرَّها إلى طلب ذلك بلسانها، حتى لا توقعها في الحرج والمشقة.
يقول مَعْمَر – وهو من خيار التابعين -:
" مِن أقبح المعروف أن تُحوِجَ السائل إلى أن يسأل وهو خجلٌ منك، فلا يجيئ معروفُك قدر ما قاسى من الحياء، وكان الأَوْلى أن تتفَقَّد حال أخيك وترسلَ إليه ما يحتاج، ولا تُحوِجَه إلى السؤال " انتهى.
وهكذا ينبغي أن يكون الأمر بين الإخوة، فمالُهُم واحد، وفَرَحُهم واحد، وحُزنُهم واحد.
وتذكر دائما ما لك عند الله تعالى من أجر عظيم، إذا كنت عند رغبة أختك، وأعدت إليها ما ندمت عليه، ففرجت عنها ضيق صدرها، وحفظت لها برها وصلتها، خاصة إذا كان ندمها على تنازلها بسبب ضيق حال، وفقرٍ طرأ عليها، فعليك حينئذ مد يد العون إليها، فتمنحها ما يوسع عليها، وتكافئها على تنازلها الأول، والله يقول: (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) الرحمن/٦٠.
الآثار السابقة منقولة عن "علو الهمة" للسيد العفاني (٢/٦١٢-٦٥١) (٥/٢٨٨-٣٠٢)
أما إذا كان تنازلها الأول عن حياء اضطرها إليه خوف ملامة من المجتمع الذي قد يظلم المرأة في ميراثها، أو خوف قطيعة يُحدثُها لها إخوانها إن هم رأوا منها إصرارا على حقها، فحينئذ يحرم عليك أكل ذلك المال، ويجب إرجاعه إليها، فقد نص الفقهاء على أن ما أخذ بالحياء فهو سحت.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (١٨/٢٦٣) :
" صرّح الشّافعيّة والحنابلة أنّه: إذا أخذ مال غيره بالحياء، كأن يسأل غيره مالاً في ملأ فدفعه إليه بباعث الحياء فقط، أو أهدي إليه حياءً هديّةً يعلم المُهدَى له أنّ المُهدِي أهدى إليه حياءً، لم يملكه، ولا يحلّ له التّصرّف فيه، وإن لم يحصل طلب من الآخذ، فالمدار مجرّد العلم بأنّ صاحب المال دفعه إليه حياءً، لا مروءةً، ولا لرغبة في خير.
ومن هذا: لو جلس عند قوم يأكلون طعاماً، وسألوه أن يأكل معهم، وعلم أنّ ذلك لمجرّد حيائهم، لا يجوز له أكله من طعامهم " انتهى.
والحاصل: أنه ينبغي لك أن ترد إلى أختك ما كانت تنازلت عنه، إبقاءً على المودة بينكما، وصلة للرحم.
ونسأل الله تعالى أن يعوضك خيراً.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14052
مساعدة المرأة الكبيرة في بيتها
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا أسلمت امرأة كبيرة في سنها , فهل يجوز لشاب مسلم أن يدخل بيتها ليساعدها في تنظيف البيت وغسل ثيابها والطبخ لها وما إلى ذلك؟ وهل يجوز الدخول إلى بيتها بقصد تعليمها الإسلام؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا بد أن نعلم أن الشارع نهى عن الدخول على النساء الأجنبيات والدليل على ذلك:
عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إياكم والدخول على النساء فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال الحمو الموت ".
رواه البخاري (٤٩٣٤) ومسلم (٢١٧٢) .
والحمو هم أقارب الزوج من الأجانب.
وعن ابن عباس ﵁ سمع النبي ﷺ يقول: " لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافر إلا ومعها ذو محرم ".
رواه البخاري (٢٨٤٤) ومسلم (١٣٤١) .
ثانياً:
أنه مما هو معلوم أن لكل ساقطة لاقطة، ومعنى هذا الكلام: أن المرأة حتى ولو كانت كبيرة فإن الشيطان قد يزينها في أعين الشاب أو الرجل الكبير أو العكس، وقد يستدرجه للوقوع في الفاحشة، وفي ذلك قصص كثيرة.
ثالثاً:
الأوْلى أن يوكل بعض الشباب زوجته أو أخته أو ابنته، أو تُوكَّل بعض الأخوات في هذا العمل الخير، وهذا أفضل من أن يخدمها رجل، والمرأة مع المرأة أفضل في التعامل وأدعى للاستفادة من الرجل وخصوصا فيما يتعلق بأحكام النساء، وأما إذا لم يوجد فيجوز أن تخدمها ولكن بشرط عدم الخلوة فيذهب معك أخ أو أكثر ويكون بضوابط شرعية من حجاب وغيره ويكون المكث عندها بقدر الحاجة.
ورابعاً:
جزاكم الله على هذا العمل الصالح خير الجزاء، ونسأل الله التوفيق لنا ولكم ولجميع المسلمين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14053
النبي ﷺ وبناء المجتمع الإسلامي
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف وإلى أي حد نجح سيدنا محمد ﷺ في إنشاء مجتمع مستقر في المدينة عام ٦٣٢ ميلادي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لاشك أن المجتمع الذي أنشأه النبي ﷺ في المدينة هو مثال للمجتمعات الآمنة المستقرة، وقد ظهر ذلك جليّاً منذ أن وطىء النبي ﷺ بقدمه المدينة وبدأ في تكوين الدولة، ويرجع أمن واستقرار المجتمع هذا إلى عدة أسباب وعوامل، منها:
أولاً:
بناؤه ﷺ للمسجد في المدينة أوّل قدومه مما ساعد في إيجاد مرجع يُلجأ إليه حين النوازل، ومكان يجتمع فيه المسلمون يسأل بعضهم عن بعض، ويعرف بعضهم أحوال بعض، فيعاد مريضهم، وتتبع جنازة ميتهم، ويعان مسكينهم، ويزوج أعزبهم.
وهذه بعض الأحاديث في ذلك:
عن أنس بن مالك ﵁: لمَّا قدم رسول الله ﷺ المدينة أمر ببناء المسجد، وقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. رواه البخاري (٢٦٢٢) ومسلم (٥٢٤) .
عن البراء بن عازب: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ قال: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته وكان الرجل يأتي بالقِنو والقنوين فيعلقه في المسجد وكان أهل الصفة – وفي رواية ابن ماجه " فقراء المهاجرين " - ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط من البسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله تبارك تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ قال: لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطاه لم يأخذه إلا على إغماض أو حياء، قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده. رواه الترمذي (٢٩٨٧) وابن ماجه (١٨٢٢) . وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٢٣٨٩) .
القِنو: العذق الذي فيه الرطب. الشيص: النخل غير الملقح. الحَشَف: تمر يابس فاسد.
ثانياً:
إيخاؤه ﷺ بين المهاجرن والأنصار، وقد قوَّى هذا الفعل بين أفراد المجتمع المدني بما لم يُسمع بمثله، فآخى النبي ﷺ بين العجمي والعربي، وبين الحر والمولى، وبين القرشي ومن دونه من أهل القبائل، فصار المجتمع لحمة واحدة، وجسداً واحداً، فلم يستغرب بعدها أن يطلب الأنصاري من المهاجر أن يتقاسم معه ماله نصفين، وأن يعرض الأنصاري على المهاجر إحدى نسائه ليطلقها له ويتزوجها، وكان المهاجر يرثُ الأنصاريَّ لقوة ما بينهم من العلاقة، ثم نسخ التوارث بينهما بآية المواريث، ورُغِّب الأنصار أن يوصوا لهم بشيء، فبمثل هذا المجتمع تضرب الأمثال.
وهذه بعض الأحاديث في ذلك:
١- عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: لمَّا قدمنا المدينة آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالاً فأقْسِم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويتَ نزلتُ لك عنها، فإذا حلَّت تزوجتَها، قال: فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوق قينقاع، قال: فغدا إليه عبد الرحمن فأتى بأقط وسمن، قال: ثم تابع الغدو فما لبث أن جاء عبد الرحمن عليه أثر صفرة فقال رسول الله ﷺ : تزوجتَ؟ قال: نعم، قال: ومن؟ قال: امرأة من الأنصار، قال: كم سقت؟ قال: زنة نواة من ذهب – أو نواة من ذهب - فقال له النبي ﷺ : أوْلِم ولو بشاة. رواه البخاري (١٩٤٣) .
٢- عن ابن عباس ﵄ قال: كان المهاجرون لمَّا قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم فلما نزلت ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ نسخت ثم قال ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾ إلا النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصي له. رواه البخاري (٢١٧٠) .
ثالثاً:
شرعت الزكاة في السنة الثانية للهجرة، فصارت المواساة بين الأغنياء للفقراء مما جعل اللحمة تزداد بين المجتمع المدني، وأواصر الأخوة في الله تقوى أكثر من ذي قبل، بل تعدى الأمر من إيتاء الزكاة إلى صدقة التطوع.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه " بيرحاء "، وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما أُنزلت هذه الآية ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله ﵎ يقول ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وإن أحب أموالي إلي " بيرحاء " وإنها صدقة لله أرجو برَّها وذُخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله ﷺ : بخٍ ذلك مال رابح، ذلك مال ربح، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. رواه البخاري (١٣٩٢) ومسلم (٩٩٨) .
وقد ظهرت علامات التآلف بين المسلمين في المدينة، وعرف المهاجرون حق إخوانهم الأنصار عليهم، وفي ذلك بعض الأحاديث ومنها:
عن أنس قال: لما قدِم النبي ﷺ المدينةَ أتاه المهاجرون، فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا قوماً أبذلَ مِن كثيرٍ ولا أحسنَ مواساةً مِن قليلٍ من قومٍ نزلنا بين أظهرهم، لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنإ، حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله، فقال النبي ﷺ : لا ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم. رواه الترمذي (٢٤٨٧) وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٢٠٢٠) .
وقد ألّف الله بين قلوب أهل المجتمع المدني، وكان الحب في الله تعالى من شعارات القوم، وقد أوجبه الله عليهم، وجعله من علامات كمال الإيمان.
عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". رواه البخاري (١٣) ومسلم (٤٥) .
عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ " ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى ".
رواه البخاري (٥٦٦٥) ومسلم (٢٥٨٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14054
أهمية الصدق
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي أهمية الصدق في الإسلام في العلاقات الشخصية وعلاقات العمل على حد سواء؟ وهل هناك حالات يعتبر فيها الكذب عملاً "مقبولاً"؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الصدق هو: قول الحق الذي يواطئ فيه اللسان القلب، وهو أيضاً: القول المطابق للواقع والحقيقة من حيث اللغة.
ولما كان الصدق ضرورة من ضرورات المجتمع الإنساني، وفضيلة من فضائل السلوك البشري ذات النفع العظيم، وكان الكذب عنصر إفساد كبير للمجتمعات الإنسانية، وسبب لهدم أبنيتها، وتقطيع روابطها وصلاتها، ورذيلة من رذائل السلوك ذات الضرر البالغ؛ أمر الإسلام بالصدق ونهى عن الكذب.
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) ، قال ابن كثير ﵀ ٢/٤١٤: أي: اصدقوا والزموا الصدق تكونوا من أهله، وتنجوا من المهالك، ويجعل لكم فرجاً من أموركم ومخرجاً أ. هـ.
وقال سبحانه: (فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم) .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ (أي يبالغ فيه ويجتهد) حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا. " رواه مسلم ٤٧٢١.
فدل هذا الحديث على أن الصدق يهدي إلى البر، والبر كلمة جامعة تدل على كل وجوه الخير، ومختلف الأعمال الصالحات، والفجور في أصله الميل والانحراف عن الحق، والفاجر هو المائل عن طريق الهداية، فالفجور والبر ضدان متقابلان.
وعن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ : " دع ما يريبك إلى مالا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة " رواه الترمذي ٢٥٢٠ والنسائي ٨/٣٢٧ وأحمد ١/٢٠٠.
وجاء من حديث أبي سفيان ﵁ في حديثه الطويل في قصة هرقل حين قال: فماذا يأمركم، يعني النبي ﷺ ، قال أبو سفيان، قلت: يقول: " اعبدوا الله وحده لا تشركوا بالله شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق والعفاف والصلة " رواه البخاري ١/٣٠ ومسلم ١٧٧٣.
وعن حكيم بن حزام ﵁ أن النبي ﷺ قال: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما " رواه البخاري ٤/٢٧٥ ومسلم ١٥٣٢.
والصدق يشمل الصدق مع الله بإخلاص العبادة لله والصّدق مع النّفس بإقامتها على شرع الله والصّدق مع النّاس في الكلام والوعود والمعاملات من البيع والشراء والنكاح فلا تدليس ولا غش ولا تزوير ولا إخفاء للمعلومات وهكذا حتى يكون ظاهر الإنسان كباطنه وسره كعلانيته.
أما بالنسبة للكذب فإنه محرم عظيم ويتفاوت في القبح والإثم وأشنع صوره الكذب على الله والرسول لأنه افتراء في الدين، وتجرؤ عظيم على الله، ولذلك كان من صفات النبي ﷺ صفة الصدق في تبليغ ما أمره الله بتبليغه، ولهذا قال تعالى: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) وقال تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين) ، ونظير ذلك الكذب على النبي ﷺ كما جاء في الحديث المتواتر عن النبي ﷺ أنه قال: " من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " متفق عليه.
والأصل في الكذب عدم الجواز، ولكن توجد حالات جاء الشرع بجواز الكذب فيها تحقيقاً للمصلحة العظيمة أو دفعاً للمضرة:
فمن تلك الحالات أن يتوسط إنسان للإصلاح بين فريقين متخاصمين إذا لم يمكنه أن يصلح إلا بشيء منه لحديث أم كلثوم ﵂ أن النبي ﷺ قال: " ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيَنْمي (أي يبلّغ) خيراً أو يقول خيراً ". رواه البخاري ٢٤٩٥
ومن تلك الحالات حديث الرجل لامرأته، وحديث المرأة لزوجها في الأمور التي تشدّ أواصر الوفاق والمودّة بينهما وما قد يصاحب ذلك الكلام من المبالغات كما جاء في حديث أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَحِلُّ الْكَذِبُ إِلا فِي ثَلَاثٍ يُحَدِّثُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا وَالْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ وَالْكَذِبُ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ. " رواه الترمذي ١٨٦٢ وقال هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وانظر صحيح مسلم ٤٧١٧.
وإن من أعظم صور الصدق والكذب الصدق في العهد والوعد والكذب فيهما، فالصدق في الوعد وفي العهد من فضائل الأخلاق التي يتحلى بها المؤمنون، ويشترك الوعد والعهد بأن كلاً منهما إخبار بأمر جزم المخبر بأن يفعله لا سيما إن كان الوعد والعهد في حقوق الله تعالى كما قال تعالى مثنياً على بعض عباده: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) وقال تعالى: (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) وقال تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا)
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص والصدق في الأقوال والأعمال.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 14055
هل كان الطفل يتسلق على ظهر النبي ﷺ وهو يصلي
[السُّؤَالُ]
ـ[هل من سنة النبي الكريم ﷺ انه كان يسمح للأطفال بالتعلق عليه وهو يصلي، وأين أحصل على ذلك (الدليل) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي قتادة أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها.
وفي رواية: رأيت رسول الله ﷺ يؤم الناس وأمامه بنت أبي العاص على عاتقه فإذا ركع وضعها وإذا رفع من السجود أعادها.
الشيخ عبد الكريم الخضير.
وروى النسائي (١١٤١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي إِحْدَى صَلاتَيْ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلاةِ، فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلاتِهِ [أي في أثناء صلاته] سَجْدَةً أَطَالَهَا، قَالَ أَبِي: فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلاةَ قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ، قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ. وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي [أي ركب على ظهري] فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ. صحيح النسائي (١٠٩٣) .
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 14056
والدتها تطلبها لرؤيتها وهي لا تستطيع السفر إليها
[السُّؤَالُ]
ـ[أقيم في بلد غربي منذ ١١ عاما بعيدا عن والديّ، وقد توفي أبي، وأمي وأخواتي الأربع يقمن في العراق، ولدي ٨ أطفال سنهم يتراوح بين سنتين وثلاث عشرة سنة، وأمي مسنة ومريضة وهي تتصل بي دائما وتطلب مني أن أعود لبلدي لأراها قبل أن تموت، والعودة صعبة لأني لا أستطيع أن أترك أطفالي وحدهم، وزوجي لا يوافق على عودتي وتركي أولادي وحدهم، وليس لي محرم أسافر معه، وأنا أرسل لأمي نقودا، وأتصل بها كثيرا وأبكي دائما، وأنا أعلم أن عليّ أن أرضي أمي، ولكني لا أستطيع أن أترك أطفالي في بلد كافر، وزوجي يعمل بالنهار والليل، وليس لي أقارب هنا، ولا أدري ماذا أفعل، هل أطيع أمي وأترك أولادي وأعود إلى بلدي دون إذن زوجي؟ أم أطيع زوجي وأبقى مع أولادي؟ أرجو الإجابة بأسرع ما يمكن والسلام عليكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أسأل الله تعالى المعافاة التامة لوالدتك، وأن يجمع بينكما على الخير والسعادة والعافية في الدنيا والآخرة.
وأبشرك – أختي الكريمة – بأن الله حين يعلم منك حب الوفاء لوالدتك والسعي لتحقيق مرضاتها وطلب رضاها والعمل على برها سيكتب لك ثواب ذلك كله بمنه وكرمه وفضله.
ومفتاح الأمر الصبر، إذ به تنال الرغبات وتفرج الكربات، فلعل الله ابتلاكم بهذا الفراق كي يرى منكم الصبر والتصبر، ثم يكون فرجه بأن ييسر أمر اجتماعكم من حيث لم تحتسبوا، وينعم عليك بقرب والدتك ولو بعد حين.
إلا أنه لا يفوتني تنبيهك على بعض الأحكام الشرعية المهمة في هذا الشأن:
١- التذكير والتأكيد على حرمة سفر المرأة من غير محرم.
قال البغوي:
" لم يختلفوا في أنَّه ليس للمرأة السفر في غير الفرض إلا مع زوج أو محرم " انتهى.
نقله في "فتح الباري" (٤/٧٦)
وقد سبق بيان ذلك في موقعنا في أجوبة الأسئلة الآتية:
(٩٣٧٠) ، (٢٥٨٤١) ، (٤٧٠٢٩) ، (٥٢٧٠٣) ، (٨٢٣٩٢)
٢- من حق الزوج أن يمنع زوجته من السفر لزيارة والديها إذا كان يترتب على سفرها بعض المفاسد، مثل الخوف على الأبناء، أو الخوف على حياة الزوجة إذا عدم الأمان في البلد الذي ستسافر إليه، أو عدم توفر محرم وانشغال الزوج بعمله، وحينئذ لا يجوز للمرأة أن تخالف زوجها فتسافر من غير إذنه، وقد نقل ابن المنذر الإجماع: على أن للرجل منع زوجته من الخروج في الأسفار كلها. وإنما اختلفوا في السفر لحج الفريضة. انظر "فتح الباري" (٤/٧٧) ، هذا في الأسفار التي يترتب عليها المفاسد السابقة.
فإن أمنت جميع هذه المفاسد، وتوفر المحرم، فلا يجوز للزوج حينئذ أن يمنعها من بر والديها وزيارتهم بما يحقق المقصود، فإن بر الوالدين من أوجب الواجبات، ولا شك أن من البر زيارة الوالدة المريضة التي تسأل ابنتها أن تراها قبل أن يحل أجلها وقد طال غيابها عنها.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (١٩/١١٠) :
" ولا ينبغي للزّوج منع زوجته من عيادة والديها وزيارتهما؛ لأنّ في منعها من ذلك قطيعةً لهما، وحملاً لزوجته على مخالفته، وقد أمر الله تعالى بالمعاشرة بالمعروف، وليس هذا من المعاشرة بالمعروف " انتهى.
وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٥/٣٨٧) :
" يجب على الزوج أن يحسن عشرة زوجته، امتثالا لقول الله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف) ومن العشرة بالمعروف الإذن للزوجة بزيارة أهلها وإيصالها إليهم، ولا يكون سوء التفاهم لا سيما في الأمور الدنيوية حائلا دون ذلك، أما إذا كان يترتب على زيارة الزوجة لأهلها مفسدة فإن للزوج أن يمنع الزوجة من الزيارة؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح " انتهى.
فإن أصر الزوج على منع زوجته من زيارة الوالدين، فهل يجوز لها أن تخالفه وتخرج لزيارتهم؟ اختلف في ذلك أهل العلم على قولين سبق ذكرهما في موقعنا في جواب السؤال رقم (٨٣٣٦٠) .
ونحن لا نختار للمرأة أن تخالف زوجها فتخرج من بيته بغير إذنه، لما في ذلك من المفاسد العظيمة على البيت والأسرة والعلاقة بين الزوجين، ودرء هذه المفسدة أولى من جلب المصلحة في زيارة الوالدين، خاصة وأن التأني ومحاولة التفاهم مع الزوج كي يسمح ويساعد في سفر المرأة لرؤية والدتها أمر قريب ممكن، ومع حسن الأدب والحوار والخطاب بالخير والحسنى يلين الله القلوب بإذنه، ويعطفها إلى الوفاق إن شاء الله تعالى.
وانظري سؤال رقم (١٤٢٦) (١٠٦٨٠)
٣- ونذكركم أيضا بما سبق تقريره في موقعنا تحت رقم (١١٧٩٣) ، (١٤٢٣٥) ، (٢٧٢١١) من التحذير من الإقامة في بلاد الكفار، لما في ذلك من المفاسد العظيمة على الدين والأخلاق، نرجو الاطلاع عليها والاستفادة منها، فإن دين المسلم رأس ماله، ولا يجوز له أن يفرط فيه فيضيع نفسه وأبناءه مقابل دراهم يتلقاها من بلاد الكفر والرذيلة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14057
ينكرون عليه تطبيق السنَّة ويدَّعون أنها تفرق المسلمين !
[السُّؤَالُ]
ـ[قال إمام مسجدنا في خطبة الجمعة بأنه لا ينبغي التشدد بالسنة النبوية؛ لأن السنَّة تفرق بين المسلمين , ونحن يجب علينا أن نتحد، واستدل بأَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا أَبَدًا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا. هل هذا صحيح - مع العلم بأننا متبعون للسنَّة، وهو يسمي المتبع للسنَّة متشدداً؟ . أفيدونا بارك الله فيكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لقد قال إمامكم منكراً من القول وزوراً، وكان الواجب عليه أن يتقي الله ربَّه، وأن يحفظ لسانه عن الكلام فيما يغمسه في الإثم.
والسنَّة النبوية هي هدي النبي ﷺ وأقواله وأفعاله، فكيف تكون السنَّة مفرِّقة بين المسلمين؟! وما الذي يوحدهم إن كانت السنَّة تفرقهم؟!
ولو صدق ذلك الإمام لقال: إن السنة هي التي تجمع الناس، وتلم شتاتهم.
قال الإمام أبو المظفر السمعاني ﵀: " وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل، فأورثهم الاتفاق والائتلاف، وأهل البدعة أخذوا الدين من طريق المعقولات، فأورثهم الافتراق والاختلاف.. " الانتصار لأهل الحديث ص (٤٧) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" سبب الاجتماع والألفة جمع الدين والعمل به كله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له كما أمر به، باطنا وظاهرا، وسبب الفرقة ترك حظ مما أمر العبد به، والبغى بينهم!!
ونتيجة الجماعة رحمة الله ورضوانه وصلواته وسعادة الدنيا والآخرة وبياض الوجوه،
ونتيجة الفرقة عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه وبراءة الرسول منهم. "
مجموع الفتاوى (١/١٧) .
وقال ﵀ أيضا:
" ما كان مأثورا حصلت له الألفة وما كان معروفا حصلت به المعرفة كما يرى عن مالك ﵀ أنه قال: إذا قل العلم ظهر الجفاء وإذا قلت الآثار كثرت الأهواء "
درء التعارض (١/١٤٩) .
وكيف يسمَّى المتبع للسنَّة متشدِّداً والمسلم مأمورٌ باتباعها والاقتداء بهدي صاحبها وهو النبي ﷺ ؟! وماذا يقول هذا الإمام عن أفعال الصحابة ﵃ عندما اتبعوا سنة نبيهم صلى الله عليه خير اتباع؟! وماذا سيكون حكمه على هذه الواقعة:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ جِبْرِيلَ ﷺ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا - أَوْ قَالَ: أَذًى - وَقَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا.
رواه أبو داود (٦٥٠) ، وصححه الألباني.
فهؤلاء أصحاب النبي ﷺ قد ألقوا نعالهم في الصلاة لمجرد رؤيتهم لنبيهم ﷺ يخلع نعله، فكيف لو كان الأمر سنَّةً عنه صلى الله وسلم، أو كان هدياً له؟! .
ثانياً:
إن لمز متبعي سنَّة النبي ﷺ واتهامهم بالتشدد أو التطرف هو من الإيذاء والبهتان، وقد توعد الله تعالى من يفعل ذلك، فضلاً أنه يكون متشبهاً بالمشركين الذين سبقوه إلى هذا الفعل.
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) الأحزاب/٥٨.
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ. وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ. وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ) المطففين/٢٩ – ٣٢.
قال الشيخ العثيمين – ﵀:
" (وَإِذَا رَأَوْهُمْ) أي: رأى المجرمون المؤمنين قَالُوا:
(إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ) ضالون عن الصواب، متأخرون، متزمتون، متشددون، إلى غير ذلك من الألقاب، ولقد كان لهؤلاء السلف خلفٌ في زماننا اليوم، وما قبله، وما بعده، فمن الناس من يقول عن أهل الخير: إنهم رجعيون، إنهم متخلفون، ويقولون عن الملتزم: إنه متشدد، متزمّت، وفوق هذا كله من قالوا للرسل: إنهم سحرة أو مجانين، قال الله تعالى: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) الذاريات/٥٢، فورثة الرسل من أهل العلم والدين سينالهم من أعداء الرسل ما نال الرسل؛ من ألقاب السوء والسخرية، وما أشبه ذلك، ومن هذا تلقيب أهل البدع والتعطيل لأهل الإثبات من السلف بأنهم حَشوَّية، مُجسِّمة، مُشبِّهة، وما أشبه ذلك من ألقاب السوء التي ينفرون بها الناس عن الطريق السوي.
" لقاءات الباب المفتوح " (اللقاء رقم ٣٠) .
ثالثاً:
التشدد المذموم في الدِّين هو جعل المستحب واجباً، أو جعل المكروه محرَّماً، وقد حذَّر النبي صلى الله عليه من الغلو في الدين، كما أنه حذَّر من التشدد فيه، وليس معنى الغلو والتشدد تطبيق السنة، بل تغيير أحكامها، والتشدد في إيجاب الأمر أو تحريمه وليس هو كذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – في شرح حديث (لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ) -:
" ففيه نهي النبي ﷺ عن التشدد في الدين بالزيادة عن المشروع، والتشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات، وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه في الطيبات، وعلل ذلك بأن الذين شددوا على أنفسهم من النصارى شدد الله عليهم لذلك، حتى آل الأمر إلى ما هم عليه من الرهبانية المبتدعة.
وفي هذا تنبيه على كراهة النبي ﷺ لمثل ما عليه النصارى من الرهبانية المبتدعة، وإن كان كثير من عبادنا قد وقعوا في بعض ذلك متأولين معذورين، أو غير متأولين ولا معذورين.
وفيه أيضا تنبيه على أن التشديد على النفس ابتداء يكون سببا لتشديد آخر يفعله الله إما بالشرع وإما بالقدر، فأما بالشرع: فمثل ما كان النبي ﷺ يخافه في زمانه من زيادة إيجاب أو تحريم كنحو ما خافه لما اجتمعوا لصلاة التراويح معه، ولما كانوا يسألون عن أشياء لم تحرم، ومثل أن من نذر شيئا من الطاعات وجب عليه فعله وهو منهي عن نفس عقد النذر، وكذلك الكفارات الواجبة بأسباب.
وأما القدر: فكثيراً ما قد رأينا وسمعنا من كان يتنطع في أشياء فيبتلى أيضا بأسباب تشدد الأمور عليه في الإيجاب والتحريم؛ مثل كثير من الموسوسين في الطهارات: إذا زادوا على المشروع، ابتلوا بأسباب توجب حقيقة عليهم أشياء فيها عظيم مشقة ومضرة."
" اقتضاء الصراط المستقيم " (١٠٣، ١٠٤) .
وقال الشيخ العثيمين – ﵀ في شرح حديث الرسول الله ﷺ :
(إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ) رواه النسائي (٣٠٥٩) وابن ماجه (٣٠٢٩) وصححه الألباني في " صحيح النسائي " -:
وفي هذا الحديث يحذر الرسول ﷺ أمته من الغلو، ويبرهن على أن الغلو سبب للهلاك؛ لأنه مخالف للشرع؛ ولإهلاكه للأمم السابقة؛ فيستفاد منه تحريم الغلو من وجهين:
الوجه الأول: تحذيره ﷺ ، والتحذير نهي وزيادة.
الوجه الثاني: أنه سبب لإهلاك الأمم كما أهلك من قبلنا، وما كان سببا للهلاك كان محرما.
.. والناس في العبادة طرفان ووسط؛ فمنهم المفرط، ومنهم المفرط، ومنهم المتوسط.
فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وكون الإنسان معتدلا لا يميل إلى هذا ولا إلى هذا: هذا هو الواجب؛ فلا يجوز التشدد في الدين والمبالغة، ولا التهاون وعدم المبالاة، بل كن وسطا بين هذا وهذا.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٩ / ٣٦٧، ٣٦٨) .
رابعاً:
الحديث الذي استدل به إمامكم: فهذا الحديث رواه البخاري (١٣٣٣) ومسلم (١٤) وليس في صحته إشكال، لكنه أُتي من سوء فهمه له، ولو وقف على رواياته وكلام أهل العلم لما استدل به على ما فهمه منه، فقد جاء في رواية عند البخاري (وعَلَّمَهُ شَرَائِعَ الإسْلام) وهذه اللفظة تشمل باقي الفرائض، وتشمل المندوبات.
قال الحافظ ابن حجر – ﵀:
قوله: (فَإِذَا هُوَ يَسْأَل عَن الإِسْلام) أي: عن شرائع الإسلام , ويحتمل أنه سأل عن حقيقة الإسلام , وإنما لم يذكر له الشهادة لأنه علم أنه يعلمها، أو علم أنه إنما يسأل عن الشرائع الفعلية , أو ذكرها ولم ينقلها الراوي لشهرتها , وإنما لم يذكر الحج إما لأنه لم يكن فرض بعد أو الراوي اختصره , ويؤيد هذا الثاني ما أخرجه المصنِّف – أي: البخاري - في الصيام من طريق إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل في هذا الحديث قال: " فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام " , فدخل فيه باقي المفروضات بل والمندوبات ... .
قوله: (وَذَكَرَ رَسُولُ الله ﷺ الزَّكَاةَ) في رواية إسماعيل بن جعفر قال: " أخبرني بما فرض الله عليَّ من الزكاة , قال فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام " , فتضمنت هذه الرواية أن في القصة أشياء أجملت , منها بيان نصب الزكاة؛ فإنها لم تفسر في الروايتين , وكذا أسماء الصلوات , وكأن السبب فيه شهرة ذلك عندهم , أو القصد من القصة بيان أن المتمسك بالفرائض ناج وإن لم يفعل النوافل ... .
فإن قيل: أما فلاحه بأنه لا ينقص فواضح , وأما بأن لا يزيد فكيف يصح؟ أجاب النووي بأنه أثبت له الفلاح لأنه أتى بما عليه، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مفلحا , لأنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى.
" فتح الباري " (١ / ١٠٨) .
ونرجو من الإمام أن يتأمل لفظة " وعلمه شرائع الإسلام "، كما نرجو أن يتأمل نهاية ما نقلناه عن الحافظ ابن حجر، والذي أقرَّ فيه كلام الإمام النووي، بأن الفلَاح يكون أولى لمن جاء بالواجبات وأضاف إليها المندوبات.
خامساً:
نوصيكم بالمحافظة على أوامر الله تعالى ورسوله ﷺ ، كما نوصيكم بالمحافظة على تطبيق السنن والمستحبات، دون غلو وتشدد، وتعليم ذلك للناس بحكمة وحسن أسلوب، ولا يجوز لكم تنفير الناس بالتشدد فيما فيه سعة، أو بجعل المستحبات واجبات، أو بالتشدد في النكير على الناس، وخاصة خاصتهم كإمام المسجد أو المفتي أو من له منزلة عند الناس، واستمعوا لهذه النصيحة الجامعة من عالم فاضل.
قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:
يجب عليك الالتزام بسنة رسول الله ﷺ والمحافظة عليها، وألا تلتف إلى عذل من يعذلك، أو يلومك في هذا، أما أن الوالدين يلومانك في تمسكك بالسنة ويريدان منك التساهل في ذلك: فلا تطعهما في هذا الأمر، خصوصاً إذا كانت هذه السنن من الواجبات التي يجب التمسك بها، لا في المستحبات، وإذا لم يصل الأمر إلى التشدد، أما إذا كان الأمر بلغ بك إلى حد التشدد: فلا ينبغي لك، ولكن ينبغي الاعتدال والتوسط في تطبيق السنن، والعمل بها، من غير غلو وتشدد، ومن غير تساهل ولا تفريط، هذا هو الذي ينبغي عليك، وعلى كل حال أنت مثاب - إن شاء الله - وعليك بالتمسك بسنة رسول الله ﷺ وإقناع من يلومك في هذا، خصوصًا الوالدين، عليك أن تتبعهما وأن ترغبهما في السنن وتبين لهما ما في ذلك من الثواب والخير، فلعله أن يزول عنهما هذا الاعتراض أو هذا الاستغراب، ولعله أيضاً أن يكون هذا العمل سبباً في التزامهما أيضاً بالسنن والاقتداء، وتكون أنت داعية إلى الله ، ولا شك أن الإنسان الذي يدعو إلى الله يجب أول ما يدعو أقاربه وأقرب الناس إليه، والوالدان من أقرب الناس إليك.
فعلى كل حال إذا كان تمسكك بالسنن لا ينتهي إلى حد الإفراط والغلو: فهو أمر محمود، وعليك أن تستمر عليه، وأن تدعو إليه والديك وغيرهما، والله أعلم.
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (٢ / ٣٠١، ٣٠٢) .
وأخيرا: كما أن من التشدد المذموم أن ننزل المستحب منزلة الأمر الواجب، أو المكروه منزلة المحرم، أو نلزم أنفسنا بما لم يلزمنا الله تعالى به؛ فكذلك من الجهل بأصول الشريعة أن نهدر الأصل العام العظيم، وهو وجوب الألفة والمحبة بين المسلمين، والاجتماع على حبله المتين، وصيانة عرض المسلم من السلب والعيب، فضلا عن العدوان والأذى والضرب، من الجهل أن نهدر ذلك كله لأجل أن هذا تمسك بأمر مستحب، وغيره لا يراه مستحبا، أو لا يلتزم به، وبالمقابل العدوان على عرض المسلم أو حقه لأجل أنه أخل بأمر يستمسك به غيره، وبمثل ذلك ينال العدو اللعين مراده من المؤمنين؛ فكيف لو كان ذلك في بلاد المهجر والغربة، حيث يرانا غيرنا صورة لديننا.
روى الإمام مسلم في صحيحه (٢٨١٢) عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" فأما صفة الصلاة: ومن شعائرها مسألة البسملة؛ فإن الناس اضطربوا فيها نفيا وإثباتا: في كونها آية من القرآن، وفي قراءتها، وصنفت من الطرفين مصنفات يظهر في بعض كلامها نوع جهل وظلم مع أن الخطب فيها يسير. وأما التعصب لهذه المسائل ونحوها فمن شعائر الفرقة والاختلاف الذي نهينا عنها ; إذ الداعي لذلك هو ترجيح الشعائر المفترقة بين الأمة وإلا فهذه المسائل من أخف مسائل الخلاف جدا لولا ما يدعو إليه الشيطان من إظهار شعار الفرقة ... "
ثم قال: " ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات، لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا، كما ترك النبي ﷺ تغيير بناء البيت، لما في إبقائه من تأليف القلوب، وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر، ثم صلى خلفه متما، وقال: الخلاف شر. "
مجموع الفتاوى (٢٢/٤٠٥-٤٠٧٩) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14058
الدعاء لمن أحسن إليك بـ (جزاك الله خيرا)
[السُّؤَالُ]
ـ[هل شكر من تأخذ منه المال بمثل: " جزاك الله خيرا " فيه محذور؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الخلق الكريم يقتضي مكافأة من يؤدي إليك المعروف، وقد أمر النبي ﷺ بهذا، فقال: (مَن صَنَعَ إِليكُم مَعرُوفًا فَكَافِئُوه، فَإِن لَم تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوا بِهِ فَادعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوا أَنَّكُم قَد كَافَأتُمُوهُ) رواه أبو داود (١٦٧٢) وصححه الألباني.
وإحسان المكافأة يعني اختيار ما يدخل الفرح والسرور على صاحب المعروف، فكما أنه أدخل على قلبك المسرة، فينبغي أن تسعى لشكره بالمثل، قال تعالى: (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) الرحمن/٦٠.
فإن قصرت الحيلة عن مكافأته بهدية، أو مساعدة في عمل، أو تقديم خدمة له، ونحو ذلك، فلا أقل من الدعاء له، وقد يكون هذا الدعاء من أسباب سعادته في الدنيا والآخرة.
ومن أفضل صيغ الدعاء لمن أدى إليك معروفا ما جاءت به السنة:
فعن أسامة بن زيد ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا. فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ) .
رواه الترمذي (١٩٥٨) والنسائي في "السنن الكبرى" (٦/٥٣) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وقد ورد هذا الدعاء من قول النبي ﷺ في سياق حديث طويل وفيه قوله: (وَأَنتُم مَعشَرَ الأَنصَارِ! فَجَزَاكُمُ اللَّهُ خَيرًا، فَإِنَّكُم أَعِفَّةٌ صُبُرٌ) رواه ابن حبان (٧٢٧٧) والحاكم (٤/٧٩) وقال: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي، وقال الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٣٠٩٦) : وهو كما قالا.
كما كانت هذه الجملة من الدعاء معتادة على ألسنة الصحابة رضوان الله عليهم:
جاء في مصنف ابن أبي شيبة (٥/٣٢٢) : قال عمر بن الخطاب ﵁: (لو يعلم أحدكم ما له في قوله لأخيه: جزاك الله خيرا، لأَكثَرَ منها بعضكم لبعض) .
وهذا أسيد بن الحضير ﵁ يقول لعائشة ﵂: (جزاك الله خيرا، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجا، وجعل للمسلمين فيه بركة) رواه البخاري (٣٣٦) ومسلم (٣٦٧) .
وفي صحيح مسلم (١٨٢٣) عن ابن عمر ﵄ قال: (حضرت أبي حين أصيب فأثنوا عليه، وقالوا: جزاك الله خيرا. فقال: راغب وراهب) . أي راغب فيما عند الله من الثواب والرحمة، وراهب مما عنده من العقوبة.
ومعنى " جزاك الله خيرا" أي أطلب من الله أن يثيبك خيرا كثيراً.
"فيض القدير" (١/٤١٠) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ "شرح رياض الصالحين" (٤/٢٢) :
" والمكافأة تكون بحسب الحال، من الناس من تكون مكافأته أن تعطيه مثل ما أعطاك أو أكثر، ومن الناس من تكون مكافأته أن تدعو له، ولا يرضى أن تكافئه بمال، فإن الإنسان الكبير الذي عنده أموال كثيرة، وله جاه وشرف في قومه إذا أهدى إليك شيئا فأعطيته مثل ما أهدى إليك رأى في ذلك قصورا في حقه، لكن مثل هذا ادع الله له، (فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه) ، ومن ذلك أن تقول له: (جزاك الله خيرا) ، وذلك لأن الله تعالى إذا جزاه خيرا كان ذلك سعادة له في الدنيا والآخرة " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14059
علاقة الذنوب والمعاصي والأخلاق بالعقيدة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الوقوع في الذنوب دليل على فساد في العقيدة أو شبهة في العقيدة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأخلاق الحسنة – وهي التي تكون في ذاتها طاعة، أو تؤدي إلى طاعة - من الدِّين، بل هي الدِّين، وقد أثنى الله تعالى على نبيه محمد ﷺ بأنه على خُلُق عظيم، وفسر ابنُ عباس الخلق هنا بالإسلام.
قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم/٤.
قال ابن عباس ﵄:
أي: " إنك على دين عظيم، وهو الإسلام ". رواه الطبري في " تفسيره " (١٢ / ١٧٩) .
فالصحيح أنه لا انفكاك للخلُق عن الدِّين، قال الفيروزآبادي في كتابه " بصائر ذوي التمييز " (٢ / ٥٦٨) : واعلم أن الدين كلّه خلُق، فمن زاد عليك في الخلُق زاد عليك في الدِّين. انتهى.
ومما لا شك فيه أن للعقيدة ارتباطاً وثيقاً بالسلوك والأخلاق، سلباً وإيجاباً، ويتبين ذلك من خلال أمور، منها:
١. أن المسلم الذي يعتقد أن الله تعالى يسمعه ويبصره ويطلع على سريرته، ويقوى هذا الجانب فيه لا يصدر منه من الأخلاق والأفعال ما يفعله من ضعف اعتقاده في هذه الأمور.
ومما يدل على ذلك:
أ. قوله تعالى (وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) النساء/١٢٨.
ب. وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) النساء/١٣٥.
ج. وقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) النساء/٥٨.
٢. ومنها: أن المسلم الذي يؤمن بوعد الله تعالى ووعيده يدفعه اعتقاده ذاك للقيام بما هو محبوب لله تعالى، والابتعاد عن كل ما هو مبغوض له .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) . رواه الترمذي (١١٦٢) وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ وأبو داود (٤٦٨٢) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
ومن المعلوم أن أحبَّ خلقه إليه المؤمنون، فإذا كان أكملهم إيمانا أحسنهم خلقا: كان أعظمهم محبة له أحسنهم خلقا، والخُلُق الدين كما قال الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى? خُلُقٍ عَظِيمٍ) ، قال ابن عباس: على دين عظيم، وبذلك فسره سفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل، وغيرهما، كما قد بيَّناه في غير هذا الموضع. " الاستقامة " (ص ٤٤٢) .
وقال المباركفوري – ﵀:
قوله: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً) بضم اللام ويسكن؛ لأن كمال الإيمان يوجب حسن الخلق والإحسان إلى كافة الإنسان.
" تحفة الأحوذي " (٤ / ٢٧٣) .
٣. ومنها: أن قوة الإيمان تدفع للقيام بالأعمال الصالحة، وتمنع من التدنس برجس المعاصي والآثام.
ومما يدل على ذلك:
أ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) .
رواه البخاري (٢٣٣٤) ومسلم (٥٧) .
ب. عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ) .
رواه البخاري (٥٦٧٠) .
ج. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الإِيمَانِ) .
رواه البخاري (٢٤) ومسلم (٣٦) .
قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ ﵀: الإِيمَانُ يَبْدُو فِي الْقَلْبِ ضَعِيفًا ضَئِيلا كَالْبَقْلَةِ ; فَإِنْ صَاحِبُهُ تَعَاهَدَهُ فَسَقَاهُ بِالْعُلُومِ النَّافِعَةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَأَمَاطَ عَنْهُ الدَّغَلَ وَمَا يُضْعِفُهُ وَيُوهِنُهُ، أَوْشَكَ أَنْ يَنْمُوَ أَوْ يَزْدَادَ وَيَصِيرَ لَهُ أَصْلٌ وَفُرُوعٌ وَثَمَرَةٌ وَظَلَّ إلَى مَا لا يَتَنَاهَى، حَتَّى يَصِيرَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ. وَإِنْ صَاحِبَهُ أَهْمَلَهُ وَلَمْ يَتَعَاهَدْهُ جَاءَهُ عَنْزٌ فَنَتَفَتْهَا، أَوْ صَبِيٌّ فَذَهَبَ بِهَا، وَأَكْثَرَ عَلَيْهَا الدَغَلَ فَأَضْعَفَهَا، أَوْ أَهْلَكَهَا أَوْ أَيْبَسَهَا؛ كَذَلِكَ الإِيمَانُ!!
وَقَالَ خيثمة بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الإِيمَانُ يَسْمَنُ فِي الْخِصْبِ وَيَهْزُلُ فِي الْجَدْبِ؛ فَخِصْبُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَجَدْبُهُ الذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي!! [نقله ابن تيمية في كتاب "الإيمان" ص (٢١٣) ]
٤. ومنها: أن الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره يمنع من أخلاق سيئة كثيرة، ومعاصي توعد الشرع عليها أشد الوعيد، كالتسخط، وشق الثياب، وتمزيق الشعر، والنياحة، كما أن هذا الإيمان يدعو صاحبه للتحلى بفضائل الأخلاق ومعاليها، كالصبر، والرضا، والاحتساب.
عَنْ صُهَيْبٍ الرومي ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) . رواه مسلم (٢٩٩٩) .
وفي سنن أبي داود (٤٧٠٠) : قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ!!
قَالَ: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟!!
قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ!!)
يَا بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي!!) صححه الألباني.
٥. ومنها: أن الشرع حث على كثيرٍ من الطاعات مؤكدا عليها بارتباطها بالإيمان بالله واليوم الآخر، وحرَّم معاصٍ وموبقات مذكِّراً بالإيمان بالله واليوم الآخر.
ومما يدل على ذلك:
أ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) .
رواه البخاري (٥٦٧٢) ومسلم (٤٧) .
ب. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلاثِ لَيَالٍ إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ) .
رواه البخاري (١٠٣٦) ومسلم (١٣٣٨) – واللفظ له -.
ج. عَن أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) .
رواه البخاري (١٢٢١) ومسلم (١٤٨٦) .
٦. ومنها: أن النبي ﷺ بيَّن في سنَّته أن فساد الاعتقاد – كالنفاق – يؤدي إلى فساد الأخلاق والأعمال.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) .
رواه البخاري (٣٣) ومسلم (٥٩) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (المخالفون لأهل الحديث هم مظنة فساد الأعمال؛ إما عن سوء عقيدة ونفاق، وإما عن مرض في القلب وضعف إيمان؛ ففيهم من ترك الواجبات واعتداء الحدود والاستخفاف بالحقوق وقسوة القلب ما هو ظاهر لكل أحد، وعامة شيوخهم يُرمون بالعظائم، وإن كان فيهم من هو معروف بزهد وعبادة، ففي زهد بعض العامة من أهل السنة وعبادته ما هو أرجح مما هو فيه!!
ومن المعلوم أن العلم أصل العمل، وصحة الأصول توجب صحة الفروع، والرجل لا يصدر عنه فساد العمل إلا لشيئين: إما الحاجة وإما الجهل؛ فأما العالم بقبح الشيء الغني عنه فلا يفعله؛ اللهم إلا من غلب هواه عقله، واستولت عليه المعاصي، فذاك لون آخر وضرب ثان!!) مجموع الفتاوى (٤/ ٥٣) .
نسأل الله تعالى أن يصلح شأننا كله، وأن يهدينا لأحسن الأقوال والأفعال والأخلاق.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14060
والدتها تسيئ معاملتها
[السُّؤَالُ]
ـ[يوجد تفرقة في المعاملة بين الأخوات من قبل الأهل، التحكم والسيطرة من قبل الوالدين في التصرفات والملبس والمأكل، ولا تقل لي إنهم ينصحونني بالزى الإسلامي، بل على العكس (وضع ماكياج لإعجاب العرسان) هم يريدونني أن لا أصرف من مرتبي، أو عدم الذهاب كثيرا للملاجئ والمسنين، وأمي تريدنا أن نذهب لأهلها فقط، وأبي لا يبالي، فَهَمُّه جمع المال والأكل؛ فهو شخصية ضعيفة مع أمي المتسلطة، وأختي الوحيدة تابعة لأمي في كل شيء، وفي المقابل أمي تعاملها أحسن وباهتمام وتكبرها علي، لقد احتسبت الله بيني وبينهم،
أريد فقط أن أعرف ما معنى المعاملة بالإحسان، وكيف أضبط انفعالي معها وهى تكذب؟ وهل قولي لها أنت كاذبة حرام؟ وماذا أفعل عندما يضيق صدري وتبتل وسادتي مما تفعله وتقوله عني أمام الناس؟ والله المستعان.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
كثيرة هي المشاكل التي تعرض في حياة الأسرة المسلمة، كما أنها متنوعة بتنوع نواحي الحياة المختلفة إلى اجتماعية أو اقتصادية أو نفسية، ولكن من أخطر أنواع المشاكل تلك التي يعاني فيها الأبناء من تصرفات آبائهم، ذلك أن الواجب أن يقوم الوالدان باحتواء أبنائهم وشملهم بعطفهم ورعايتهم، وتفهم حاجاتهم، ومراعاة نفسياتهم، في حين أن الحال ينعكس في هذا النوع من المشاكل، حيث تتغير وجهة الخطاب لتصبح موجهة إلى الأبناء، كي تتسع صدورهم ونفوسهم لما يعانونه من والديهم.
وفي ذلك دعوة للجيل القادم كي يستفيد من التجربة، فيقوم بدور الأبوة الذي سيسخره الله له، ولن يعذره أحد بالجهل أو قلة المعرفة، كما يمكن أن يعذر به الجيل السابق، فإن تعلم وسائل التربية الإسلامية الصحيحة أمر ميسور اليوم، ولا يعجز عنه إلا عاجز.
وسوف نعترف لك ـ مقدما ـ بأن حديثنا هنا ربما يبدو وكأنه يهون من مشكلة، هي كبيرة في حقيقة الأمر، ونقول لك أختنا الكريمة: لا عيب في ذلك، فإذا قدر أن ذلك التهوين يخفف عنا بعضا من أعباء تلك المشاكل، وإحساسنا بوطأتها، فأهلا به، وهو جزء من العلاج:
فَقُلتُ لَها يا عَزَّ كُلُّ مُصيبَةٍ إِذا وُطِّنَت يَومًا لَها النَفسُ ذلَّتِ
وإذا كان لهذه المشكلة طرفان: أحدهما أنت، والآخر: أسرتك؛ أمك، وأبوك ـ أيضا ـ، ثم أختك؛ فإن حديثنا سوف ينصب في معظمه ـ أيضا ـ عليك، وأنت الشاكية، وأنت المظلومة، كما يبدو لنا من رسالتك؟!!
وإذا بدا ذلك نوعا من الاستسهال في التعامل مع المشكلة، فليكن ـ أختنا الكريمة ـ؛ فلا أنت، ولا نحن نريد تعقيد المشكلة، ولا إلهاب العداوة، إنما نريد الحل، بغض النظر عن طرف الخيط الذي نمسك به؛ فالمهم أن نحل المشكلة، إن استطعنا، أو ـ على أقل تقدير ـ ألا نزيدها تعقيدا!!
لو كان أبوك يسمع لنا لقلنا له: الواجب الأول عليك، والدور الكبير لك، فأنت القيم، وأنت الراعي ومسئول عن رعيتك؛ لكنه لم يسألنا، ولا نظنه يسمع لنا صوتا!!
لو كانت أمك تسمع نداءنا لقلنا لها: اللهَ الله في أبنائكِ، فحقهم واحد، والعدل بينهم واجب:
( ... فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ) متفق عليه، واللفظ للبخاري
لو كانت أمك تسمع لنا لقلنا لها: (إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا) رواه مسلم (١٨٣٧) .
لقد كان من الممكن أن نقول الكثير، لو كان طرف المشكلة الآخر يسمع لنا!!
لكننا الآن مضطرون إلى أن نوجه حديثنا إلى طرف واحد، هو أنت، وأن نحمل عبء الحل على جانب واحد، هو أنت، فأنت الخيط الذي نملك أن نجذبه، إذا كنا نريد أن نحل العقدة التي تؤرقك!!
وإذا كان واضحا أنك أمام أزمة في التفاهم مع والدتك، وهذه حقيقة يجب أن تبدئي العلاج منها، فلا تحاولي الفرار ورفض الاعتراف وتقبل هذه المشكلة، ويتمثل ذلك بالانفعالات الغضبية التي تصيبك أثناء تعاطيك مع الوالدة، ونحن لا نظن أنها تصدر إلا ممن يحاول الهروب من واقعه، ولم يتفهم ما يواجهه.
والبداية الصحيحة في العلاج تبدأ من الحقيقة التي يقررها القرآن الكريم في قوله تعالى:
(وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) الشورى/٣٠، فتغيير كل واقع إنما ينطلق من أصحاب الشأن، وليس من غيرهم، وينطلق فقط حين يتفهمون أن التغيير يبدأ من أنفسهم، وليس من غيرهم.
فلا بد – أختي الفاضلة – أن تتلمسي مواضع الخلل ومكامن النقص في تعاملك مع أسرتك، وتعملي على علاجها أو لنقل – تغييرها -، ولا نقول هذا تجاوزا، إذ ليس بالضرورة أن يكون هذا الخلل سوء خلق منك – لا قدر الله -، لكنه قد يكون خطأ في طريقة التعاطي مع المشكلة والتعامل مع الواقع، وأستطيع مما ذكرت في السؤال التنبيه على شيء من ذلك:
- دائرة المندوبات والمستحبات لا ينبغي أن تجعل مثار شقاق ونزاع، فإن أمر إصلاح ذات البين وتأليف القلوب أعظم من مصلحة فعل تلك المستحبات، فإن كنت تسببت في بعض النزاع لإصارك على القيام بأمور غاية أمرها الندب، فأرجو أن تراجعي مواقفك تلك.
- متابعة الوالدة مصروفات ابنتها ومحاولة ضبطها أمر محمود، والجانب السلبي فيه فقط هو المبالغة في ذلك، وأظن أن هذا الفهم لسياق المشكلة أكثر موضوعية من وضعها في سياق التجبر والتسلط!
- الانفعال السريع والغضب أساس كل مشكلة، ولن يقود إلى علاج أبدا، من أراد تحصيل ما يتمنى فلا بد أن يكتم في قلبه بعض سهام الظلم أو الأذى.
عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مَا مِنْ جُرعَةٍ أَعظَمُ أَجرًا عِندَ اللَّهِ مِن جُرعَةِ غَيظٍ كَظَمَهَا عَبدٌ ابتِغَاءَ وَجهِ اللَّهِ) رواه ابن ماجه (٤١٨٩) وحسنه العراقي في " تخريج الإحياء " (٤ / ١٦٣) .
ويمكنك الاستفادة من الأجوبة التالية في علاج سرعة الغضب (٦٥٨) و (٤٥٦٤٧) .
وأظنك تملكين – والحمد لله – بعض المفاتيح التي يمكن أن تخفف عنك ما أهمك، فقد أنعم الله عليك بالوظيفة، والمال يأسر القلوب.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (تَهَادُوا تَحَابُّوا) .
رواه البخاري في " الأدب المفرد " (٢٠٨) وحسَّنه العراقي في " تخريج الإحياء " (٢ / ٥٣) وابن حجر في " بلوغ المرام " (٢٧٧) والألباني في " صحيح الأدب المفرد ".
وبالهدية يمكن أن تتملكي قلب والدك ووالدتك وأختك، وراوحي بين أنواع الهدايا: عينية أو نقدية أو بعض أثاث المنزل أو رحلة سياحية إلى مكان جميل، وسيكون لذلك أثر عظيم في نفوسهم إن شاء الله.
وأختك مفتاح حل آخر، إذ يمكنك التفاهم معها والتقرب والتحبب إليها، لتكون عونا لك على ما تواجهين، وخسارتك لها يعني فشلك أنت في ذلك، فلا تحاولي أن تضعي اللوم عليها هي أيضا – وإن كان ذلك هو الواقع – ولكن حين يتهم المرء طريقته فإنه سيسعى حتما لتغييرها إلى الملائم والمناسب، وهنا يكون العلاج.
واعلمي – أختي الفاضلة – أن قلب الوالدة يظل ينبض بالشفقة والرأفة على ولده، مهما أظهر من قسوة وشدة، فحاولي أن تستخرجي كل رحمة في قلب والدتك، بالتحبب والتذلل والمسامحة والمصابرة، ولا أظنك إذا ارتميت في حجر والدتك وقبلت يدها واختلطت دموعك بكلماتك في حبها وشكوى تعب الحياة وألمها إليها: فلا أظنك ترجعين خائبة، بل أرجو أن تعود والدتك خيراً مما كنت تظنين.
يقول الله : (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فصلت/٣٤.
وقد جاء في وصف النبي ﷺ أنه: (وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِن يَعفُو وَيَغفِر) رواه البخاري (٢١٢٥) .
وأولى من يعامل بالحسنى ويقابل بالمسامحة هما الوالدان، لما فرض الله لهما من حق عظيم، حتى قال : (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) الإسراء/٢٤.
والخُلُق الحسن يقتضي تحمل الظلم والأذى من الأحبة، فكيف بالوالدين؟!!
عن ابن عباس ﵄ قال: " المؤمن ملجم بلجام، فلا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يجد طعم الذل ".
وخطب علي بن أبي طالب في أصحابه فقال: (كونوا في الناس كالنحلة في الطير، فإنه ليس شيء من الطير إلا يستضعفها، ولو يعلم ما في أجوافها لم يفعل، خالقوا الناس بأخلاقكم وألسنتكم، وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم، فإن لامرئ ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع من أحب) .
وعن محمد بن الحنفية قال: (ليس بحليم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بُدّاً حتى يجعل الله له فرجا - أو قال: مخرجاً -)
روى هذه الآثار ابن أبي الدنيا في كتابه " مداراة الناس " (٣٧، ٢٧، ٤١) .
كن كالنخيل عن الأضغان مرتفعا يرمى بطوب، فيلقي أطيب الثمرِ
والمهم – أختي الفاضلة – أن تسعي في تغيير الأساليب التي اعتدت عليها في مخاطبة ومحاورة والدتك، وأن تتفكري في كل فكرة ممكنة تكون منفذا لقلبها، ولا تعجزي أبداً، ولا تقولي حاولت وأسقط في يدي، واستعيني بالله أولاً وآخراً.
وأخيراً:
لن يكون سوء معاملة والدتك لك نهاية المطاف أبدا، فالدنيا مليئة بالفرص الطيبة، ومليئة بالخيِّرين من أقارب وجيران وأصحاب، يعيش المرء معهم أيامه، ويطوي بقربهم عمره، يحسن إلى الناس كافة، ويخالقهم بخلق حسن، وهذه أعظم رسالة يحملها المسلم في حياته.
عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إِنَّ مِن أَحَبِّكُم إِلَيَّ وَأَقرَبِكُم مِنِّي مَجلِسًا يَومَ القِيَامَةِ أَحَاسِنُكُم أَخلَاقًا) رواه الترمذي (٢٠١٨) وقال: حسن غريب، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
سئلت اللجنة الدائمة:
السائل يعيش مع والديه في منزل واحد، لكنه دائم الخصومة مع أمه والقطيعة لوالده، وسبب ذلك أن أمه تفضل أخاه الصغير، فتصفه بأقبح الأوصاف، وتشتمه بأقذع الشتائم ولأتفه الأسباب، فصارت عنده عقد نفسية، وتتسامح مع أخيه، ولو أساء أشد إساءة، فصار مدللا خاليا من العقد النفسية، وكذلك والده يسيء إليه كثيرا، لا يرد ﵇ إلا نادرا، ويضربه أحيانا أمام الناس لأدنى سبب، ولا يضرب أخاه الصغير ولو اشتدت إساءته، فهل يطالب من أساء إليه والداه بما يطالب به سائر الأبناء من البر والصلة، وهل يأثم بإثارة الخصومات مع أنه يجتهد في إبعاد الخصومات، وكثيرا ما يندم بعد وقوعها ويتصدق عنهما دون شعور منهما، فهل يثابان بذلك ويثاب هو أيضا، وهل يخفف ذلك من ذنوبه، مع أن هذه الصدقة قليلة جدّاً؟ .
فأجابت:
قد يكون الوالدان معذوريْن فيما حصل منهما، وقد يكون لديهما اعتبارات في التشديد على واحد من أولادهما دون آخر، ككونه أكبر سنّاً، وأرشد من غيره، فالغلط منه أشد، وكتأديبه ليستقيم فيكون قدوة لإخوانه الصغار، وعلى تقدير إساءتهما لا يجوز للولد أن يقابل سيئتهما بالسيئة، بل يقابلها بالحسنة، عملا بقوله تعالى (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فصلت/٣٤، وقوله (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) لقمان/١٥.
فأمر الولد أن يصاحب والديه بالمعروف ولو جاهداه على أن يشرك بالله غيره، والشرك أكبر الكبائر، وأمره أن يلزم سبيل الله المستقيم، وأخبر بأن جزاء الجميع عنده تعالى يوم القيامة، وقد أمر النبي ﷺ ببر الوالدين، وحذر من عقوقهما وبين أن العقوق من أكبر الكبائر، هذا وتُشكَر على الندم على ما فعلت من إثارة الخصومات والقطيعة، وعلى الصدقة عنهما، ولو أعلنت ذلك لهما كان أرجى إلى الوئام وحنانهما عليك، ويرجى لك ولهما الأجر ومغفرة الذنوب بما قربت من الصدقة عنهما، وإن قَلَّت، فإن الله يضاعف الحسنات، وأما الوالدان فالواجب عليهما تحري العدل بين أولادهما، لقوله ﷺ : (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) .
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٥ / ١٢٣ – ١٢٥) .
ونسأل الله أن يوفقكِ ويفتح عليك أبواب رحمته وفضله.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14061
بين النفاق والمداراة
[السُّؤَالُ]
ـ[١. أود معرفة الخط الفاصل بين النفاق والمجاملة؛ ذلك أني ألمس في الكثير من الأحيان ازدواجية في سلوك الناس وتصرفاتهم تبعا للمصلحة والأهواء، ويقال: إن الأمر مجرد مجاملة فهل هذا صحيح؟
٢. وهل يمكن أن يشوب الصداقة الحقة بعض النفاق؛ ذلك أن لي صديقة لم تحمل لي من الود ما كنت اعتقده، كانت لها مكانة في قلبي لا ينازعها عليها أحد، واكتشفت أخيرا أن مكانتي لديها لا تساوي شيئا مطلقا، وسلوكها معي لسنوات تحكمه الأقنعة الزائفة، كنت أعتقد، وكان الكل يجزم قطعا، أن الصداقة بيننا قوية، وإلى الآن لست أدري كيف لي أن أتبرأ من هذه الصداقة بعد أن علمت بحقيقتها.
٣. فهل سلوك هذه الصديقة يعد نفاقا؟
٤. وما جزاء نفاق الأصدقاء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
كثيراً ما يخلط بعض الناس بين مفاهيم النفاق والمداراة والمداهنة، وسبب ذلك غياب معاني الأخوة والصحبة الصادقة في الذهن والواقع، فلم تعد قلوبهم تفرق بين الحق والباطل، وبين الإحسان والإساءة.
أولاً:
إذا أُطلق لفظ النفاق فإنه يستوحي معانيَ الشر كلها، ولم يكن النفاق يوما محمودا ولو من وجه ما، ويعرِّفُه علماء السلوك بأنه إظهار الخير للتوصل إلى الشر المضمر.
فالمنافق لا يبتغي الخير أبدا، وإنما يسعى للإضرار بالناس وخيانتهم وجلب الشر لهم، ويتوصل إلى ذلك بإظهار الخير والصلاح، ويلبَسُ لَبوس الحب والمودة.
يقول في التحذير من صحبة المنافقين:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ. هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) آل عمران/١١٨-١١٩.
وهكذا كل من يصاحب الناس فيظهرُ لهم الخير والمودة، وفي حقيقة أمره إنما يسعى في أذاهم، ويتمنى النيل منهم، ويطلبُ الشرَّ لهم.
ثانياً:
أما المُدَارِي (وهو المُجَامِلُ أيضا) فلا يُضمِرُ الشر لأحد، ولا يسعى في أذية أحد في ظاهر ولا في باطن، ولكنه قد يظهر المحبة والمودة والبِشر وحسن المعاملة ليتألف قلب صاحب الخلق السيء، أو ليدفع أذاه عنه وعن غيره من الناس، ولكن دون أن يوافقه على باطله، أو يعاونَه عليه بالقول أو بالفعل.
قال ابن مفلح الحنبلي – ﵀:
وقيل لابن عقيل في فنونه: أسمع وصية الله (ادْفَعْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) ، وأسمع الناس يعدون من يظهر خلاف ما يبطن منافقا , فكيف لي بطاعة الله تعالى والتخلص من النفاق؟ .
فقال ابن عقيل: " النفاق هو: إظهار الجميل , وإبطان القبيح , وإضمار الشر مع إظهار الخير لإيقاع الشر, والذي تضمنتْه الآية: إظهار الحسن في مقابلة القبيح لاستدعاء الحسن ".
فخرج من هذه الجملة أن النفاق إبطان الشر وإظهار الخير لإيقاع الشر المضمر، ومن أظهر الجميل والحسن في مقابلة القبيح ليزول الشر: فليس بمنافق، لكنه يستصلح، ألا تسمع إلى قوله (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) ، فهذا اكتساب استمالة , ودفع عداوة , وإطفاء لنيران الحقائد , واستنماء الود، وإصلاح العقائد , فهذا طب المودات، واكتساب الرجال. " الآداب الشرعية " (١ / ٥٠، ٥١) .
ولذلك كانت المداراة من الأخلاق الحسنة الفاضلة، وذكر العلماء فيها من الآثار والأقوال الشيء الكثير.
قال ابن بطال ﵀: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة. "
فتح الباري " (١٠ / ٥٢٨)
وقد أنشأ البخاري ﵀ في صحيحه بابا بعنوان: (باب المداراة مع الناس) وقال فيه:
" ويُذكَرُ عن أبي الدرداء: إِنَّا لنُكَشِّرُ في وجوهِ أقوامٍ وإنَّ قُلوبَنا لَتَلعَنُهُم ".
ومعنى " لنكشر ": من الكشر، وهو ظهور الأسنان، وأكثر ما يكون عند الضحك، وهو المراد هنا.
وأسند في هذا الباب حديث عائشة ﵂:
(أَنَّهُ استَأذَنَ عَلَى النّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: ائذَنُوا لَهُ فَبِئسَ ابنُ العَشِيرَةِ أَو بِئسَ أَخُو العَشِيرَةِ. فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الكَلَامَ. فَقُلتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قُلتَ مَا قُلتَ ثُمَّ أَلَنتَ لَهُ فِي القَولِ؟ فَقَالَ: أَيْ عَائِشَةُ! إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنزِلَةً عِندَ اللَّهِ مَن تَرَكَهُ أَو وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحشِهِ)
قال ابن مفلح الحنبلي – ﵀:
وقول أبي الدرداء هذا ليس فيه موافقة على محرَّم، ولا في كلام , وإنما فيه طلاقة الوجه خاصة للمصلحة وهو معنى ما في الصحيحين وغيرهما عن عائشة ﵂: يَا عَائِشَةُ إنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ النَّاسُ أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ.
قَالَ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " وَغَيْرِهِ: " فيه مداراة من يتقى فحشه، ولم يمدحه النبي ﷺ ولا أثنى عليه في وجهه، ولا في قفاه، إنما تألفه بشيء من الدنيا مع لين الكلام ".
وقد ذكر ابن عبد البر كلام أبي الدرداء في فضل حسن الخلق.
" الآداب الشرعية " (١ / ٥٠) .
وقد كتب أهل العلم فصولا في " المداراة " حتى أفرد ابن أبي الدنيا جزءً بعنوان " مداراة الناس "، وكان مما أسنده فيه في (ص / ٤٨ و ٥٠) :
عن حميد بن هلال قال: أدركتُ الناس يَعُدُّون المداراة صدقة تُخرج فيما بينهم.
وعن الحسن قال: التودد إلى الناس نصف العقل ". انتهى.
وقال حنبل إنه سمع أبا عبد الله – أي: أحمد بن حنبل - يقول:
والناس يحتاجون إلى مداراة ورفق، وأمر بمعروف بلا غلظة، إلا رجل معلن بالفسق فقد وجب عليك نهيه وإعلامه.
" الآداب الشرعية " (١ / ١٩١) .
وسئل الشيخ ابن باز ﵀:
في بعض الظروف تقتضي المجاملة بأن لا نقول الحقيقة، فهل يعتبر هذا نوعا من الكذب؟
فأجاب:
هذا فيه تفصيل: فإن كانت المجاملة يترتب عليها جحد حق أو إثبات باطل: لم تجز هذه المجاملة، أما إن كانت المجاملة لا يترتب عليها شيء من الباطل، إنما هي كلمات طيبة فيها إجمال، ولا تتضمن شهادة بغير حق لأحد، ولا إسقاط حق لأحد: فلا أعلم حرجاً في ذلك.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٥ / ٢٨٠) .
ثالثاً:
ومن المهم أيضا التفريق بين المداراة المحمودة، وبين المداهنة المذمومة، فقد يخلط الناس بينهما في حمأة اختلاط المفاهيم والأخلاق في هذه الأزمان.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغَلِطَ؛ لأن المداراة مندوبٌ إليها، والمداهنةَ محرَّمة، والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها: معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة: هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وتركُ الإغلاظِ عليه حيث لا يُظهِر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك.
" فتح الباري " (١٠ / ٥٢٨) .
رابعاً:
كثير من الأصحاب والأصدقاء – ويكثر ذلك في معشر النساء - يخطؤون في فهم الوجه الصحيح لصحبتهم، فينحون نحو المغالاة الظاهرة التي تدفعهم إلى التعلق الشديد، في حين يكون الطرف المقابل لا يرى كل تلك المعاني المبالغة، بل يقصد صحبة طيبة متزنة اقتضاها الحال والمقام، وحينئذ يصدم من كان يُعَلِّقُ على تلك الصحبة آمالا لا تكاد تحملها الجبال، فنحن بحاجة إلى ترشيد المودة التي قد تأسر قلوبنا تجاه أناس نحبهم، كي لا نُفاجأ يوما، فنظن قصورا من المعاني هدمت، وهي لم تكن مبنيةً يوما.
يقول عمر بن الخطاب ﵁: " لا يكن حُبُّكَ كَلَفًا ولا بغضك تَلَفًا ".
وفي المقابل نحن بحاجة إلى تعميق معاني الأخوة، الأخوة التي تقتضي الوفاء والصدق والإخلاص، وترفع التكلف والمجاملة والمداراة. وقديما قالوا: " إِذَا صَحَّتِ المَوَدَّةُ سَقَطَ التَّكَلُّفُ "
جاء في " لسان العرب " (١١ / ١٢٣) :
" وجامَل الرجلَ مُجامَلةً: لم يُصْفِهِ الإِخاءَ، وماسَحَه بالجَمِيل " انتهى.
ولا شك أن مثل هذه المجاملة مذمومة، إذ ليس لها محل في سياق الأخوة والصحبة الصالحة، وإن وقعت المجاملة أحيانا بين الأصحاب فإنما تكون بحسب المقام فقط، درءا لفتنة أو حفظا لمودة، أما أن تكون المجاملة شعار تلك الصداقة، فذلك تشويه لجميع معاني الأخوة الصادقة.
قال علي ﵁: شر الأصدقاء من تكلف لك، ومن أحوجك إلى مداراة، وألجأك إلى اعتذار.
وقيل لبعضهم: من نصحب؟ قال: من يرفع عنك ثقل التكلف، وتسقط بينك وبينه مؤنة التحفظ.
وكان جعفر بن محمد الصادق ﵄ يقول: أثقل إخواني علي من يتكلف لي وأتحفظ منه. " إحياء علوم الدين " (٢ / ١٨١) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14062
هل يحل له أخذ باقي المواد المصروفة له في العمل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو الحكم في شخص يعمل في أحد فروع شركة أمريكية، وقد خصصت له مكاناً يعمل به ومعه موظف يساعده في العمل، وهذا المكان تخصص له الشركة مخصصاً تموينيّاً من الشاي والسكر وغيرها من المشروبات الساخنة في صورة جافة، وما يحدث أن يفيض من هذا المخصص كميات معينة كل شهر، ولا يمكن إعادتها، فهل يجوز لهذا الشخص استعمالها في منزله مع أسرته؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كانت هذه المواد المصروفة من قبَل الشركة للموظفين على سبيل التمليك لهم: فلا حرج عليهم في أخذ ما زاد منها إلى بيوتهم، وخاصة إذا كانت هذه المواد لا يمكن إعادتها، فيتعين – هنا – أخذها حتى لا يكون ذلك من تضييع المال بغير وجه حق.
أما إذا كانت الشركةتصرف هذه الأشياء لاستعمالها في الشركة فقط، ولا تسمح لأحد أن يأخذ منها شيئا، فلا يجوز لأحد من الموظفين أن يأخذ منها لبيته.
وحينئذ لابد من سؤال المسئولين في الشركة لمعرفة حقيقة الأمر.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14063
نعم، كان خلقه ﷺ القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو أن تؤكد ما إذا كانت عائشة ﵂ قالت عن النبي ﷺ ما يلي: (كان خلقه القرآن) . لقد أمضيت ساعات وأنا أبحث عن الدليل لكن دون جدوى.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نعم، ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت ذلك في وصف النبي ﷺ .
فقد جاء في حديث طويل في قصة سعد بن هشام بن عامر حين قدم المدينة، وأتى عائشة ﵂ يسألها عن بعض المسائل، فقال:
(فَقُلتُ: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ! أَنبئِينِي عَن خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟
قَالَت: أَلَستَ تَقرَأُ القُرآنَ؟
قُلتُ: بَلَى.
قَالَت: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ كَانَ القُرآنَ.
قَالَ: فَهَمَمْتُ أَن أَقُومَ وَلَا أَسأَلَ أَحَدًا عَن شَيْءٍ حَتَّى أَمُوتَ ... الخ) رواه مسلم (٧٤٦)
وفي رواية أخرى:
(قُلتُ: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ! حَدِّثِينِي عَن خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَت: يَا بُنَيَّ أَمَا تَقرَأُ القُرآنَ؟ قَالَ اللَّهُ: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) خُلُقُ مُحَمَّدٍ القُرآنُ)
أخرجها أبو يعلى (٨/٢٧٥) بإسناد صحيح.
قال النووي رحمه الله تعالى في "شرح مسلم" (٣/٢٦٨) :
" معناه: العمل به، والوقوف عند حدوده، والتأدب بآدابه، والاعتبار بأمثاله وقصصه، وتدبره، وحسن تلاوته " انتهى.
وقال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (١/١٤٨) :
" يعني أنه كان يتأدب بآدابه ويتخلق بأخلاقه، فما مدحه القرآن كان فيه رضاه، وما ذمه القرآن كان فيه سخطه، وجاء في رواية عنها قالت: (كَانَ خُلُقُهُ القُرآنُ، يَرضَى لِرِضَاه، وَيَسخَطُ لِسَخَطِهِ) " انتهى.
وقال المُناوي في "فيض القدير" (٥/١٧٠) :
" أي ما دل عليه القرآن من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده إلى غير ذلك.
وقال القاضي: أي خلقه كان جميع ما حصل في القرآن، فإنَّ كُلَّ ما استحسنه وأثنى عليه ودعا إليه فقد تحَلَّى به، وكل ما استهجنه ونهى عنه تَجَنَّبَه وتَخَلَّى عنه، فكان القرآن بيان خلقه ... " انتهى.
ثانيا:
ومن حق النبي ﷺ علينا – خاصة في هذه الأيام التي يتعرض فيها شخصه الكريم لحملة الكذب والتشويه – أن نَذكُرَ شيئا من شمائله الكريمة، وصفاته الحميدة، ليعلم العالَم أن في شخصه الكريم ﷺ أطهر شخص وأعظم نفس وأكرم قلب.
يقول أبو حامد الغزالي ﵀ في "إحياء علوم الدين" (٢/٤٣٠-٤٤٢) :
" بيان جملة من محاسن أخلاقه التي جمعها بعض العلماء والتقطها من الأخبار، فقال:
كان أحلم الناس، وأشجع الناس، وأعدل الناس، وأعف الناس، لم تمسَّ يده قط يد امرأة لا يملك رقها أو عصمة نكاحها أو تكون ذات محرم منه، وكان أسخى الناس، لا يبيت عنده دينار ولا درهم، وإن فضل شيء ولم يجد من يعطيه وفَجَأَهُ الليلُ لم يأو إلى منزله حتى يتبرَّأَ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت عامه فقط من أيسر ما يجد من التمر والشعير، ويضع سائر ذلك في سبيل الله، لا يُسأَلُ شيئا إلا أعطاه، ثم يعود على قوت عامه فيؤثِرُ منه حتى إنه ربما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء، وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله، ويقطع اللحم معهن، وكان أشد الناس حياء، لا يثبت بصره في وجه أحد، ويجيب دعوة العبد والحر، ويقبل الهدية ولو أنها جرعة لبن ويكافئ عليها، ولا يأكل الصدقة، ولا يستكبر عن إجابة الأمة والمسكين، يغضب لربه ولا يغضب لنفسه، وينفذ الحق وإن عاد ذلك عليه بالضرر أو على أصحابه، وَجَدَ مِن فُضَلاء أصحابه وخيارهم قتيلا بين اليهود فلم يَحِفْ عليهم ولا زاد على مُرِّ الحق، بل وداه بمائة ناقة وإنَّ بأصحابه لحاجة إلى بعير واحد يتقوون به، وكان يعصب الحجر على بطنه من الجوع، ولا يتورع عن مطعم حلال، لا يأكل متكئا ولا على خِوان، لم يشبع من خبزٍ ثلاثةَ أيام متوالية حتى لقي الله تعالى، إيثارا على نفسه لا فقرا ولا بخلا، يجيب الوليمة، ويعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويمشي وحده بين أعدائه بلا حارس، أشد الناس تواضعا، وأسكنهم في غير كبر، وأبلغهم من غير تطويل، وأحسنهم بِشْرًا، لا يهوله شيء من أمور الدنيا، ويلبس ما وجد، يردف خلفه عبده أو غيره، يركب ما أمكنه، مرة فرسا، ومرة بعيرا، ومرة بغلة، ومرة حمارا، ومرة يمشي حافيا بلا رداء ولا عمامة ولا قلنسوة، يعود المرضى في أقصى المدينة، يحب الطيب، ويكرة الرائحة الرديئة، يجالس الفقراء، ويؤاكل المساكين، ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم، ويتألف أهل الشرف بالبر لهم، يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم، لا يجفو على أحد، يقبل معذرة من اعتذر إليه، يمزح ولا يقول إلا حقا، يضحك من غير قهقهة، يرى اللعب المباح فلا ينكره، يسابق أهله، وترفع الأصوات عليه فيصبر، وكان له عبيد وإماء لا يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس، ولا يمضي له وقت في غير عمل لله تعالى أو فيما لا بد منه من صلاح نفسه، لا يحتقر مسكينا لفقره وزمانته [الزمانة: المرض المزمن] ، ولا يهاب ملكا لملكه، يدعو هذا وهذا إلى الله دعاء مستويا.
ومما رواه أبو البختري قال: ما شتم رسول الله ﷺ أحدا من المؤمنين بشتيمة إلا جعل لها كفارة ورحمة، وقال: (إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعانا) ، وكان إذا سئل أن يدعو على أحد، مسلم أو كافر، عدل عن الدعاء عليه إلى الدعاء له، وما ضرب بيده أحدا قط، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون فيه إثم أو قطيعة رحم، وقد وصفه الله تعالى في التوراة قبل أن يبعثه، فقال: محمد رسول الله، عبدي المختار، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، وكان من خلقة أن يبدأ من لقيه بالسلام، ومن قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر، ولم يكن يُعرَف مجلسه من مجلس أصحابه، قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) آل عمران/١٥٩
قد جمع الله له السيرة الفاضلة والسياسة التامة وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، نشأ في بلاد الجهل والصحارى في فقره وفي رعاية الغنم، يتيما لا أب له ولا أم، فعلمه الله تعالى جميع محاسن الأخلاق، والطرق الحميدة وأخبار الأولين والآخرين، وما فيه النجاة والفوز في الآخرة والغبطة والخلاص في الدنيا، ولزوم الواجب وترك الفضول، وفقنا الله لطاعته في أمره والتأسي به في فعله آمين يا رب العالمين " انتهى بشيء من الاختصار.
ولا يحسبن أحد أن ما سبق من قبيل الكلام الإنشائي الخطابي، بل كل جملة فيه جاء في المسانيد والصحاح والسنن عشرات الأحاديث الصحيحة المسندة مما يدل عليه ويشهد له، ولكن آثرت عدم ذكرها اختصارا، ومن أراد الاطلاع عليها فليرجع إلى كتاب (الشمائل المحمدية) للإمام الترمذي.
رابعا:
وفي النهاية أنصحك أخي السائل أن تستعين في بحثك بجهاز الحاسوب والبرامج الحديثية الميسرة، وهي كثيرة بحمد الله، فإنها تختصر عليك الوقت والجهد، كما أنك تستطيع من خلالها الوصول إلى الحديث الذي تريد ومعرفة حكمه، وأنصحك بشراء بعض الكتب الشاملة،مما تجمع أحاديث النبي ﷺ وترتبها على المواضيع، ومن أعظمها وأوسعها وأيسرها كتاب (رياض الصالحين) للإمام النووي، وكذلك (الترغيب والترهيب) للإمام المنذري، فقد رتب أحاديثه على الموضوعات، وجمع من جميع كتب السنة ما يتعلق بالموضوع الذي يتحدث عنه، وقد خدمه أهل العلم بالتحقيق وبيان الصحيح من الضعيف، منهم الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
أسأل الله تعالى لك الأجر على جهدك وبحثك، وأسأله سبحانه أن يوفقنا وإياك لما فيه الخير.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14064
مشكلة الحماس أول التوبة ثم الفتور بعدها
[السُّؤَالُ]
ـ[عندما يتوب الإنسان يبدأ بداية قوية ويقول: إن الشيطان يأمرني بالتخفيف، ويزيد من الطاعات، ثم تبرد الهمة فيقول: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ، وتخف الطاعات حتى يعود كما كان.
وسؤالي: ما هي النصيحة؟ هل يبدأ بداية قوية أم بالتدريج حتى يثبت عليه ويزيد عليه بعد مدة أو يأخذ بالمقولة " إذا هبت رياحك فاغتنمها "؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن نعمة الهداية والتوبة من أعظم نعَم الله تعالى على المسلم، وتغيير حاله للأحسن مما يقرِّبه إلى الله تعالى أكثر، وفي العادة يُقبل التائب على الطاعة إقبالاً عظيماً يحاول فيها تعويض ما فاته من العمر الذي قضاه في المعصية والضلال.
وهذا الأمر طبيعي بالنسبة لكل صادق في توبته، وقد ذكَره نبينا ﷺ ، وبيَّن ما يحصل بعده من برود وفتور في الهمة، وهذا أمر طبيعي أيضاً، لكن الخطر على صاحب هذه التوبة أن يكون فتوره وبروده في تناقص مستمر إلى أن يرجع إلى حاله الأول، ولذا كان من الواجب الانتباه إلى هذا الأمر، وعلى التائب الطائع إذا فترت همته أن يقف عند الاعتدال والتوسط، والتزام السنة؛ ليحافظ على رأس ماله، ويحسن الانطلاق مرة أخرى إلى الطاعة بقوة ونشاط؛ لأن الانطلاق من التوسط خير من الانطلاق من الصفر.
عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ شِرَّتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ) . رواه ابن حبان في "صحيحه" (١/١٨٧) ، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" (٥٦) .
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ فَلا تَعُدُّوهُ) رواه الترمذي (٢٤٥٣) وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب" (٥٧) .
قال المباركفوري ﵀:
" قوله (إن لكل شيء شِرَّةً) أي: حرصا على الشيء ونشاطا ورغبة في الخير أو الشر.
(ولكل شِرَّةٍ فَتْرَةً) أي: وهْناً وضعفاً وسكوناً.
(فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ) أي: جعل صاحب الشرة عملَه متوسطاً، وتجنب طرفي إفراط الشرة وتفريط الفترة.
(فَارْجُوهُ) أي: ارجو الفلاح منه؛ فإنه يمكنه الدوام على الوسط , وأحب الأعمال إلى الله أدومها.
(وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ) أي: اجتهد وبالغ في العمل ليصير مشهوراً بالعبادة والزهد وسار مشهوراً مشارا إليه.
(فَلا تَعُدُّوهُ) أي: لا تعتدوا به ولا تحسبوه من الصالحين لكونه مرائيا , ولم يقل فلا ترجوه إشارة إلى أنه قد سقط ولم يمكنه تدارك ما فرط " انتهى.
" تحفة الأحوذي " (٧ / ١٢٦) .
ولكي يتجنب المسلم الإفراط والتفريط فعليه بالقصد، وهو التوسط، فلا يبالغ في فعل العبادة والطاعة؛ لئلا يملَّ فيترك، ولا يتركها كسلاً وتهاوناً لئلا يستمرئ الترك فلا يرجع، وكلا الأمرين ذميم، ومن توسط في الأمر سلك، ومن سلك وصل إلى ما يحبه الله ويرضاه.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ. قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا، وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنْ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا) . رواه البخاري (٦٠٩٨) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
" قوله: (سددوا) معناه: اقصدوا السداد أي: الصواب.
قوله " وقاربوا " أي: لا تُفْرِطُوا (أي تشددوا) فتُجهدوا أنفسكم في العبادة، لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال فتتركوا العمل فَتُفَرِّطُوا (أي تقصروا) .
قوله " واغدوا وروحوا وشيئا من الدلجة ": والمراد بالغدو السير من أول النهار , وبالرواح السير من أول النصف الثاني من النهار , والدلجة: سير الليل، يقال: سار دلجة من الليل أي ساعة، فلذلك قال: (شيء من الدلجة) لعسر سير جميع الليل.
وفيه إشارة إلى الحث على الرفق في العبادة , وعبر بما يدل على السير لأن العابد كالسائر إلى محل إقامته وهو الجنة.
قوله " والقصدَ القصدَ " أي: الزموا الطريق الوسط المعتدل , واللفظ الثاني للتأكيد " انتهى باختصار.
"فتح الباري" (١١/٢٩٧،) .
والخلاصة: ندعوك للتفكر في الأحاديث السابقة، والتأمل في معناها، واعلم أن التوبة بحاجة إلى شكر، وأعظم الشكر أن تداوم على بقائها، ولا يكون ذلك إلا بالمداومة على العمل والطاعة، واعلم أن (أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ) رواه البخاري ومسلم، فلا تبدأ بقوة ولا تفتر بالمرَّة، بل اقتصد في الطاعة، وهذا في مقدورك، وكلما رأيت من نفسك نشاطا فاجعله في طاعة الله، وكلما رأيتَ فتوراً ومللاً فارجع إلى التوسط، ونسأل الله أن ييسر أمرك، ويهديك لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14065
حكم المشاركة في الروابط القبلية التعاونية
[السُّؤَالُ]
ـ[أقاربي قاموا بعمل رابطة تعاونية، وقد شارك فيها كل أبناء العائلة، ويقوم مبدأ هذه الرابطة على التعاون فيما بينهم، بحيث لو حصلت أي مشكلة لأحد أبناء العائلة مع عائلة أخرى، فإنهم يقومون بحل هذه المشكلة، والإصلاح بين الطرفين، كما أن لهم اجتماعاً شهريّاً في بيت أحد الأعضاء (على الدور) يلتقون ويسلمون على بعض ويسمعون أخبار بعض وهكذا، ويتم أخذ مبلغ من المال من كل من يشارك في هذه الرابطة شهريّاً إذا كان المشارك يعمل، ويكون المال بحوزة أمين الصندوق، وتكون مصارف هذا المال على الأوجه التالية:
١. إقراض المحتاج من أبناء العائلة وتقسيط المبلغ عليه.
٢. المساعدة في دفع الدية أو تعويض لأي إنسان من عائلة أخرى يتم دهسه من قبل أحد أبناء العائلة أو تعرضه لمكروه من قبل أحد أبناء العائلة.
٣. إخراج الزكاة من هذا المال على المحتاجين من أبناء العائلة.
٤. تقوم الرابطة بعمل غداء بعد دفن أي ميت من أبناء العائلة ودعوة من كان على المقبرة للأكل منه بحجة أن فيهم القادم من بعيد وغير ذلك.
وسؤالي هو: ما حكم المشاركة في مثل هذه الرابطة، وهل تعتبر من التعاون على البر والتقوى؟ وما حكم صنع الطعام لأهل الميت؟ وهل تنصحونا بالمشاركة فيها إذا تبين أن صنع الطعام لأهل الميت بهذه الطريقة حرام ولم يقبلوا نصيحتي بترك هذا الفعل - علماً بأن أقاربي أصبحوا ينظرون إلي نظرة خاصة لأني انسحبت منها حتى يتبين الحكم الشرعي -؟ ، وإذا كانت مثل هذه الرابطة لا تجوز فماذا تنصحون ليتكاتف أبناء العائلة ويتحدوا ولا يتفرقوا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الروابط التي تجمع أفراد القبيلة أو الأسرة أمرٌ مشروع في أصله، ويُرجى أن يكون فيه خير إذا خلا من المحاذير الشرعية.
وقد أمر الله تعالى بالتعاون على البر والتقوى، قال : (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة/٢.
وقد أثنى النبي ﷺ على " الأشعريين " - وهم قوم من اليمن - كانوا إذا قلَّ طعامهم سفراً أو حضراً اجتمعوا فجاء كل واحدٍ منهم بما يملك ثم تقاسموا ما يجمعونه بينهم.
فعن أبي موسى ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم) رواه البخاري (٢٣٨٤) ومسلم (٢٥٠٠) .
قال النووي:
" وفي هذا الحديث فضيلة الأشعريين , وفضيلة الإيثار والمواساة , وفضيلة خلط الأزواد في السفر , وفضيلة جمعها في شيء عند قلتها في الحضر , ثم يقسم " انتهى.
" شرح مسلم " (١٦ / ٦٢) .
والصناديق التعاونية التي تقيمها القبائل والأسر ويتم جمع اشتراكات من أفرادها، ثم الصرف على المحتاجين حسب الشروط التي يحددونها أمر مشروع وهو يشبه فعل الأشعريين، لكنه استباق لأمر المصيبة قبل وقوعها؛ ليتم التعاون على حلها، فيخف مصاب صاحبها.
ويجب على المشتركين فيها أن يكون قصدهم التعاون فيما بينهم لا الاستفادة والربح , فقد سئل الشيخ ابن عثيمين عن إحدى هذه الجمعيات , فأجاب:
" اطلعت على بنود الجمعية فلم أر فيها ما يمنع إنشاءها إذا كان مقصود المشترك التعاون دون التعويض والاستفادة من الصندوق , لأنها بنية التعاون تكون من باب الإحسان , وبنية التعويض والاستفادة من الميسر المحرم " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٨/١٨٣) .
ومن المحاذير التي يمكن أن يقع فيها أهل تلك الروابط ما يكون بينهم من العصبية الجاهلية لنسبهم أو لغتهم، وما يكون في اجتماعاتهم من محرمات كشرب الدخان وسماع الغناء – مثلاً – وما يكون من إعانة صاحب المعصية على معصيته، أو الوقوف بجانب الظالم لمجرد أنه منتسب إليهم، وكذا ما يكون من استثمار للأموال المجموعة في مشاريع محرمة أو في بنوك ربوية.
وأما الوقوف بجانب المظلوم أو صاحب الحاجة أو المتضرر من حادث أو مرض أو المساهمة في دفع دية الخطأ أو شبه العمد أو إعانة العزاب على الزواج وأمثال ذلك من أعمال البر والطاعة فهو أمر يشكرون عليه ويستحقون الدعم والمؤازرة.
ثانياً:
وأما صنع الطعام في الجنائز , فإن المشروع أن يصنع أقارب أهل الميت وجيرانهم الطعام لأهل الميت، لأنهم جاءهم ما يشغلهم عن إعداد الطعام لأنفسهم.
فعن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: لما جاء نعي جعفر قال النبي ﷺ : (اصنعوا لأهل جعفر طعاماً فإنه قد جاءهم ما يشغلهم) رواه أبو داود (٣١٣٢) والترمذي (٩٩٨) وابن ماجه (١٦١٠) وحسنه الألباني في صحيح أبي داود.
قال المباركفوري:
"والمعنى: جاءهم ما يمنعهم من الحزن عن تهيئة الطعام لأنفسهم فيحصل الهم والضرر وهم لا يشعرون، قال الطيبي: دلَّ على أنه يستحب للأقارب والجيران تهيئة طعام لأهل الميت انتهى، قال ابن العربي في " العارضة ": والحديث أصل في المشاركات عند الحاجة " انتهى.
" تحفة الأحوذي " (٤ / ٦٧) .
والمحذور هو صنع أهل الميت العام للمعزين، لقول جرير بن عبد الله البجلي ﵁: (كُنَّا نَعُدُّ الاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنِيعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنْ النِّيَاحَةِ) رواه أحمد (٦٨٦٦) صححه الألباني في "أحكام الجنائز".
لكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك، كما لو جاء للتعزية أناس من بعيد فلا حرج من صنع الطعام لهم، على أن يكون ذلك على قدر الحاجة، ولا يكون فيه إسراف ولا مباهاة، ويكون للمسافرين فقط، ولا يُدعى إليه كل من حضر الجنازة كما يفعل البعض.
قال ابن قدامة في "المغني" (٣/٤٩٦) :
" فأما صنع أهل الميت طعاما للناس , فمكروه ; لأن فيه زيادة على مصيبتهم , وشغلا لهم إلى شغلهم , وتشبها بصنع أهل الجاهلية. . .
وإن دعت الحاجة إلى ذلك جاز ; فإنه ربما جاءهم من يحضر ميتهم من القرى والأماكن البعيدة , ويبيت عندهم , ولا يمكنهم إلا أن يضيفوه " انتهى.
وقال الشيخ ابن باز:
" أما أهل الميت فليس لهم صنع الطعام للناس؛ أما إذا صنعوا ذلك لأنفسهم أو لضيوف نزلوا بهم فلا بأس " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (١٣/٣٩٢) .
ثالثاً:
وقد ذكرت في سؤالك أن المال المجموع تخرج زكاته إلى المحتاجين من أبناء العائلة , وهذا المال لا زكاة فيه، فقد سئل الشيخ محمد بن العثيمين ﵀ عن مثل هذه الجمعية وإخراج الزكاة من صندوقها فأجاب:
" أموال هذا الصندوق ليس فيها زكاة , لأنها خارجة عن ملك المشتركين فليس لها مالك معين , ولا زكاة فيما ليس له مالك معين " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٨/١٨٤) .
وعلى أهل العلم والاستقامة أن يشاركوا في هذه الروابط لنصحهم وتوجيههم، وتحذيرهم من الوقوع في المعاصي والآثام، وإعانتهم على البر والتقوى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14066
هل تؤجر المرأة على عملها في البيت ولو لم تنو الاحتساب ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل إذا عملت المرأة في بيتها دون احتساب نية أجر العمل عند الله تؤجر على عملها أم لا يحسب لها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عمل المرأة في بيتها عمل عظيم تساهم به في نشر المودة والرحمة في بيتها، ولها اليد الطولى في المساهمة في تربية أولادها، وهي مُعينة لزوجها على عمله وعلى دعوته وطلبه للعلم.
وهذا العمل – شأنه في ذلك شأن سائر الأعمال – لا تثاب عليها المرأة إلا إذا أخلصت فيه النية لله تعالى.
وهذه بعض النصوص المؤيدة لهذا مع نقل طائفة من أقوال أهل العلم:
١. ذكر البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان باباً عدَّد فيه واجبات شرعية، وذكر فيه احتساب الأجر على فعله.
قال البخاري ﵀:
بَاب مَا جَاءَ إِنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَدَخَلَ فِيهِ الإِيمَانُ وَالْوُضُوءُ وَالصَّلاةُ وَالزَّكَاةُ وَالْحَجُّ وَالصَّوْمُ وَالأَحْكَامُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) عَلَى نِيَّتِهِ، نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) .
"صحيح البخاري" (١/٢٩) "كتاب الإيمان".
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
قوله: " باب ما جاء " أي: باب بيان ما ورد دالاًّ على أن الأعمال الشرعية معتبرة بالنية والحسبة.
"فتح الباري" (١/١٣٥، ١٣٦) .
٢. عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة) . رواه البخاري (٥٥) ومسلم (١٠٠٢) .
فنفقة الرجل على زوجته وأولاده واجب شرعي، ولا يثاب عليها إلا إن قصد الاحتساب.
قال القرطبي:
أفاد منطوقه أن الأجر في الإنفاق إنما يحصل بقصد القربة سواء كانت واجبة أو مباحة , وأفاد مفهومه أن من لم يقصد القربة لم يؤجر , لكن تبرأ ذمته من النفقة الواجبة.
"فتح الباري" (١/١٣٦) .
وقال ابن حجر:
ويستفاد منه أن الأجر لا يحصل بالعمل إلا مقرونا بالنية. . .
وقال الطبري ما ملخصه: الإنفاق على الأهل واجب , والذي يعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده , ولا منافاة بين كونها واجبة وبين تسميتها صدقة , بل هي أفضل من صدقة التطوع. "فتح الباري" (٩/٤٩٨) .
وقال النووي ﵀:
(يحتسبها) معناه: أراد بها وجه الله تعالى، فلا يدخل فيه من أنفقها ذاهلا (أي غفل عن النية، ولم ينو الاحتساب) , ولكن يدخل المحتسب.
وطريقه في الاحتساب: أن ينفق بنية أداء ما أمر به من النفقة والإحسان.
"شرح مسلم" (٧/٨٨، ٨٩) باختصار وتصرف.
٣. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرتَ عليها حتى ما تجعل في فم امرأتك) رواه البخاري (٥٦) ومسلم (١٦٢٨) .
قال ابن الحاج المالكي ﵀:
وينبغي له أن لا يخلي نفسه من أن يلقم زوجته اللقمة واللقمتين، لقوله ﵊: (حتى اللقمة يضعها في فم امرأته) فقد حصل له الثواب مع أن وضع اللقمة في فم امرأته له فيها استمتاع، وينبغي له أن يحتسب في ذلك كله أعني: إحضار الطعام والإطعام.
"المدخل" (١/٢٢٤) باختصار.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀:
(وإنك لن تنفق نفق تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها) علق حصول الأجر بذلك (أي بابتغاء وجه الله) وهو المعتبر.
"فتح الباري" (٥/٣٦٧) .
والخلاصة:
أن عمل المرأة في بيتها تثاب عليه إذا احتسبت ثواب ذلك عند الله تعالى، وأخلصت النية.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14067
الطاعة في الصغر وهل تتسلط عليه الشياطين إذا أكثر من الطاعة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا صغير في سني وأحب أن أتعبد الله بعد الساعة ١٢ بعد منتصف الليل خاصة أثناء الصيام، لكن هناك من يقول لي إنه عندما يكثر المسلم من الصلاة أو عبادة الله فإن الجن والشيطان يحاولون منعه، فهل هذا صحيح؟
وأسأل أيضاً: عندما يقوم الشاب بالتعبد لله وهو صغير فإن ذلك يشبه الذهب بالنسبة له، سأكون في غاية الامتنان لك إذا أوضحت لي هذا الأمر بشيء من الاستطراد.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إننا لنسرُّ كثيراً عندما نقف على مثل هذه النماذج الطيبة لشباب الإسلام، فبينما الصغار يفكرون في اللهو واللعب، ويقضون أوقاتهم فيما لا ينفع تأتينا هذه النماذج الطيبة لشباب يحبون التعبد لله، ويطلبون العلم، ويدعون إلى الله ، ويحرصون على حفظ القرآن والسنَّة، فهنيئاً لك هذه الهمة، ونسأل الله أن يثبتك على دينه وأن يحفظك، وأن يجعلك قرة عين لوالديك.
واعلم أيها الابن الفاضل أن الشيطان إذا رأى إقبال العبد على ربه تعالى فإنه يحاول صدَّه، وقد أخذ الشيطان العهد على نفسه لهذه المهمة الخبيثة، لكن الله تعالى أعلمنا أن لا سبيل له على عباده المخلَصين.
قال تعالى: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ. قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ. إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) الحجر/٣٩ – ٤٢.
واعلم أن الشيطان لا يملك إلا دعوة الناس للضلال، وتزيينه لهم، وليس له سلطان عليهم يجبرهم به على ما يريد، فاللوم إنما يكون على من استجاب له.
قال تعالى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) إبراهيم/٢٢.
وطاعة الله سدٌّ منيع أمام كيد الشيطان ووسوسته، وذِكر الله تعالى حصن حصين يحفظ الله تعالى به الذاكر من مكر الشيطان وغوايته.
عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: (إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ. قَالَ: يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟!) رواه الترمذي (٣٤٢٣) وأبو داود (٥٠٩٥) . وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
ولا سبيل للشيطان على قلب عرف الله، وعلى جوارح ذلَّت لله تعالى، بفعل طاعته، وترك معصيته، وإن نور الطاعة ليحرق الشياطين كما تحرق الشهب إخوانهم.
قال ابن القيم ﵀:
" الطاعة تنوِّر القلب وتجلوه وتصقله وتقويه وتثبته حتى يصير كالمرآة المجلوة في جلائها وصفائها فيتلألأ نوراً، فإذا دنا الشيطان منه أصابه من نوره ما يصيب مسترق السمع من الشهب الثواقب، فالشيطان يفرق من هذا القلب أشد من فرق الذئب من الأسد " انتهى. " الجواب الكافي " (ص ٦٤) .
ثانياً:
وأما التعبد لله تعالى في الصغر فهو علامة خير لصاحبه، وقد أخبر النبي ﷺ عن فضل عظيم للشاب الذي ينشأ في طاعة الله وهو أنه يكون في ظل الله يوم القيامة، يوم تكون الشمس فوق رؤوس الخلائق.
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ. . . وذكر منهم: وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ) رواه البخاري (١٤٢٣) ومسلم (١٠٣١) .
ومن حفظ جوارحه في صغره عن المعصية حفظها الله له في كبَره، وقد قال النبي ﷺ لابن عباس وهو غلام صغير: (احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ) رواه الترمذي (٢٥١٦) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
قال ابن رجب الحنبلي ﵀:
" ومَنْ حفظ الله في صباه وقوته: حفظه الله في حال كبَره وضعف قوته، ومتَّعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله، وكان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته وعقله، فوثب يوماً وثبةً شديدةً فعوتب في ذلك، فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغَر فحفظها الله علينا في الكبَر، وعكس هذا: أن بعض السلف رأى شيخاً يسأل الناس فقال: إن هذا ضعيف ضيَّع الله في صغره فضيَّعه الله في كبَره " انتهى.
" جامع العلوم والحكَم " (١ / ١٨٦) .
فاستعن بالله على طاعته واسأله المزيد من فضله، ولا تلتفت إلى المثبطات والمعوقات عن هذا الطريق، واحذر شياطين الإنس والجن، ونسأل الله أن يعينك لى ذِكره وشكره وحسن عبادته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14068
حكم التخاصم وفضل الإصلاح بين المتخاصمين
[السُّؤَالُ]
ـ[لدينا في الفصل زميلتان متخاصمتان في رمضان، ومنذ فترة طويلة وهم على ذلك الحال، والعلاقة بيني وبينهم ليست قوية، أريد أن أصلح بينهما لأحصل على أجر الإصلاح بين الناس، وأريد رسالة أكتبها إليهما، ولكني أخشى المواجهة، أرجو أن تنال رسالتي اهتمامكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إن ما تحرصين عليه أيتها الأخت لهو من مكارم الأخلاق.
قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) الأنفال/١.
وقال تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) النساء/١١٤.
وقد أخبر النبي ﷺ أن الإصلاح بين الناس أفضل من تطوع الصيام والصلاة والصدقة.
عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: صَلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ) قَالَ الترمذي: وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (هِيَ الْحَالِقَةُ. لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ) . رواه أبو داود (٤٢٧٣) والترمذي (٢٤٣٣) . وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
وقد أجاز الشرع المطهر الكذب من أجل هذا الأمر العظيم، فيجوز لكِ أن تنقلي لكلا الطرفين المتخاصمين مدح الطرف الآخر وثناءه عليه، رغبةً في الإصلاح، وليس هذا من الكذب المحرم.
عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أنها سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: (لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا) . رواه البخاري (٢٤٩٥) .
ثانياً:
الهجر بين المسلمين من المحرمات، ويمكنك تذكير الطرفين بالنصوص الدالة على هذا، ومنها:
من القرآن الكريم:
أ. قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) الأنفال/٤٦.
ب. وقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) آل عمران/١٠٣.
ومن السنة النبوية:
أ. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) رواه البخاري (٦٠٦٥) ومسلم (٢٥٥٩) .
ب. عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ) . رواه البخاري (٥٧٢٧) ومسلم (٢٥٦٠) .
ج. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلا رَجُلا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا) . رواه مسلم (٢٥٦٥) .
قال النووي:
" (أَنْظِرُوا هَذَيْنِ) أي: أَخِّرُوهُمَا حَتَّى يَرْجِعَا إِلَى الصُّلْح وَالْمَوَدَّة ". انتهى.
د. عن أبي خراش السلمي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ) . رواه أبو داود (٤٩١٥) .
وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" (٢٧٦٢) .
فهذه النصوص تدل على تحريم هجر المسلم لأخيه، بترك السلام عليه والإعراض عنه أكثر من ثلاثة أيام، ما لم يكن الهجر بسبب شرعي ويترتب عليه مصلحة فإنه يجوز أكثر من ثلاثة أيام.
انظر السؤال (٢١٨٧٨) .
فعليك أن تذكري المتخاصمتين بهذه الآيات والأحاديث، وتحاولي التقريب بين وجهات النظر، والحث على نبذ الفرقة والخلاف، ويمكنك مخاطبة كل واحدة منهما مباشرة كما يمكنك كتابة هذه النصوص في ورقة ودفعها لهما لقراءتها.
ونسال الله أن يوفقك لما فيه الخير.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14069
الحياة الإسلامية أفضل حياة ولكن في بعض الأحيان أشعر أنه لا يمكنني المواصلة على هذا الطريق
[السُّؤَالُ]
ـ[الحياة الإسلامية هي أفضل حياة يمكن أن يحياها الإنسان، ولكن في بعض الأحيان يكون الأمر صعباً وأشعر بأنه لا أمل في المواصلة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فقد أحسنت أيها الأخ السائل ـ بارك الله فيك ـ حين قررت أن الحياة الإسلامية هي أفضل حياة يمكن أن يحياها الإنسان؛ فهذه حقيقة عظيمة قل من يدركها من بني البشر، فضلاً عن أن يقتنع بها، وقد بين الله تعالى ذلك في غير موضع من كتابه.
قال تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) النحل/٩٧.
كما بين سبحانه أن من أعرض عن الإيمان بالله وذكره فقد عرض نفسه لحياة الضنك والشقاء كما قال تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آيتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى * وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى) طه/١٢٤ ـ ١٢٧
فإذا علمت ذلك ـ أخي الكريم ـ واستقر في قلبك، واطمأنت به نفسك، ثم علمت أن الله تعالى ما خلق هذا الكون بأرضه وسمائه وبحاره وأنهاره، وجباله وسهوله ووهاده وصحاراه؛ إلا من أجلك أنت أيها المخلوق الضعيف الفقير؛ كما قال سبحانه: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ً) البقرة/٢٩، ثم علمت أن الحكمة العظمى من وجودك في هذه الدار إنما هي عبادة ربك وخالقك وبارئك الذي أحسن كل شيء خلقه (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات/٥٦.
وأنه سبحانه ما خلق الموت والحياة إلا ليختبر عباده ويبتليهم في أدائهم لهذه العبادة، وقيامهم بحق الله فيها (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) الملك/٢، ثم تكرم سبحانه على عباده فوعد المحسنين في هذه الدار، بأن لهم عنده في تلك الدار جنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ كما وعد المسيء المفرط في حقه سبحانه بأن له نارا تلظى، لا يموت فيها ولا يحي، وجعل فيها من أنواع النكال والعذاب ما يشيبُ الوليد سماعُه فضلا عن رؤيته ومعاينته نسأل الله لنا ولك السلامة منها.. آمين.
فإذا عرفت هذا معرفة قلب ويقين؛ علمت أن الفوز بهذا النعيم العظيم، والنجاح في هذا الامتحان الخطير، لا يكون إلا على جسر من التعب والمشقة التي تحتاج إلى صبر وتحمل ومعاناة. لكنها مشقة سرعان ما تنقضي، ومعاناة عن قريب تنتهي؛ ليعقبها راحة أبدية ونعيم سرمدي فما عسى أن تساوي مشقة ساعة، ولحظة ألم؛ إذا ما قورنت بنعيم الدهر ولذة الأبد.. نسأل الله تعالى أن يمن علينا وعليك بفضله وجنته.. آمين.
ثم اعلم أخي ـ وفقك الله لهداه ـ أنه كلما اشتدت غربة الدين وقل المتمسكون بالحق ـ كما هو الحال في زماننا هذا ـ صعب على النفس الثبات عليه؛ وشق عليها مخالفة الكثرة الكاثرة من الخلق. ولذا فقد اقتضت حكمة الله تعالى وكرمه مضاعفة أجور المؤمنين الصادقين الثابتين على الحق؛ الذين قدموا رضاه على ما سواه، وضحوا في سبيل ذلك بالغالي والنفيس. ففي صحيح مسلم (١٤٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاء) .
وفي سنن الترمذي (٣٠٥٨) عن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ ﵁ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (.. َإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ) . وفي رواية: (قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ قَالَ بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣١٧٢) .
فدلت هذه الأحاديث العظيمة وغيرها على أن الناس في آخر الزمان يكثر فيهم أهل الشر والفساد، ويقل فيهم أهل الخير والتقوى والصلاح، وذلك لكثرة الفتن، وانتشار المعاصي والمغريات حتى يصبح المتمسك بالدين غريباً بينهم؛ بل ربما صار غريبا بين أهله وذويه.
كما دلت على أن التمسك بالدين ليس بالأمر السهل بل هو كحال القابض على الجمر، وأن المعين على ذلك بعد توفيق الله هو الصبر على هذا الطريق حتى يلقى العبد ربه غير مفرط ولا مبدل فيلقى رباً راضياً غير غضبان يوفيه أجره مضاعفا أضعافاً كثيرة. فمن علم هذا حق العلم هان عليه ما يلقى في سبيل ما ينتظره عند ربه بمشيئة الله تعالى وكرمه وفضله.
وهذا الذي قلناه إذا كانت تشعر بصعوبة الأمر على نفسك، وخوفك من أن يضعف صبرك، وتزل قدمك عن طريق الثبات.
فأما إن تشعر أنه لا أمل لك في العمل على نشر هذه الحياة الإسلامية التي تحياها، فيمن حولك، وإعادتهم إليها، كما هو الواجب عليك لشدة ما تلاقي من الممانعة والمحربة، وعوامل الهدم لبنائك، فأعلم أن كل خطوة تخطوها في ذلك الطريق نصر، وصدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وإنك لا تدري متى تعمل الكلمة التي تقولها في نفس من سمعها، فلعلها تنفعه، ولو بعد حين، ولا ينبغي أن ينقطع رجاؤك في ذلك النفع يوماً (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) الأعراف/١٦٤.
واحذر من دبيب اليأس إلى قلبك، فإنه: (لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ) يوسف/٨٧، واحذر من القنوط فإنه ضلالة: (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ) الحجر/٥٦.
واعلم أن خطاك لن تضيع، فما دمت على الطريق، فنقطتك التي ينتهي إليها أجلك هي محطة الوصول لك (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) النساء/١٠٠، ثم يأتي الدور على من بعدك، ليحمل عنك الراية ويكمل باقي الطريق، وكم في هذه الأمة من بقايا: (لا يَزَالُ اللَّهُ يَغْرِسُ فِي هَذَا الدِّينِ غَرْسًا يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي طَاعَتِهِ) رواه ابن ماجة وحسنه الألباني في سنن ابن ماجة ١/٥.
وكن على ثقة بوعد الله لهذه الأمة بالنصر والتمكين: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ) الأنبياء/ ١٠٥ – (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو ذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر) رواه أحمد وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٣٢، (ويمكنك الرجوع إلى محاضرة: لا تيأس فالنصر قادم، موقع الصوتيات والمرئيات) .
فأوصيك أيها الأخ الكريم بالثبات على الدين وعدم التزحزح عنه رغم كثرة الفتن والمغريات، وكثرة العوائق والمثبطات، واعلم أن العاقبة للمتقين.
وعليك بالحرص على جميع الوسائل التي تعينك على الثبات على دين الله، وستجد في هذا الموقع رسالة في بيان طرق ووسائل الثبات على الدين أنصحك بمراجعتها والاطلاع عليها.
وفي ختام هذه الكلمات أحب أن أتركك ـ أخي الكريم ـ مع هذه الآيات العظيمة من كتاب الله تعالى والتي أنزلها على عبده محمد ﷺ لتكون شفاء لقلوب المؤمنين، ودواء لأمراضها؛ فاقرأها قراءة تدبر وتأمل، وإذا تيسر لك مراجعة تفسيرها في أحد التفاسير المختصرة كتفسير الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي أو تفسير ابن كثير ﵀ فهذا حسن ـ
قال الله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) البقرة/٢١٤.
وقال جل شأنه: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين َ) العنكبوت/١ ـ ٣ وقال : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ) العنكبوت/٩ ـ١٠.
وقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) الحج/١١.
وقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) فصلت/٣٠.
وقال : (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الاحقاف/١٣ ـ ١٤
إلى غير ذلك من الآيات التي تحث على التمسك بالدين وتبين ما أعد الله للمؤمنين الصاقين، وكتاب الله مليء بالآيات التي تقرر هذا المعنى وتوضحه وتبينه أبلغ بيان فأنصحك ـ أخي ـ بالإقبال على قراءة القرآن قراءة تدبر وتعقل، وستجد فيه بإذن الله خير معين لك على الصبر وعدم الممل أو اليأس أو استطالة الطريق، فهذه الدار الدنيا سرعان ما تفنى وتزول ثم يلقى العبد ما قدمه عند ربه إن خيراً فخير وإن شراً فشر (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) آل عمران/٣٠.
أسأل الله أن يشرح صدرك للخير وأن يثبتك عليه حتى تلقاه، وأن يصرف عنك السوء والشر إنه سميع قريب. والله تعالى أعلى وأعلم.
وصلى الله وسلم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14070
عندها إشكال في إجابة سؤال حول محادثة النساء للرجال
[السُّؤَالُ]
ـ[ذكرت في السؤال رقم ٦٤٥٣ حول العلاقة بين الجنسين ما نصه: " فالمحادثة - بالصوت أو الكتابة - بين الرجل والمرأة في حدِّ ذاته من المباحات، لكن قد تكون طريقاً للوقوع في حبائل الشيطان. ومَن علم مِن نفسه ضعفاً، وخاف على نفسه الوقوع في مصائد الشيطان، وجب عليه الكف عن المحادثة، وإنقاذ نفسه.ومن ظنَّ في نفسه الثبات واليقين، فإننا نرى جواز هذا الأمر في حقِّه لكن بشروط " والحمد لله فقد فهمت المقصود إلى هذا الجزء، لكن أشكل علي الجزء الآخر "١-يجب ألا يسمح بالخروج كثيراً عن الموضوع مثار النقاش، أو أن يكون لغرض الدعوة إلى الإسلام ".
وسؤالي هو: حسب الشريعة ما هي الأمور التي تعتبر من المواضيع التي يباح الحديث حولها في المقام الأول؟ مثلاً: نحن نعلم أن الإسلام هو موضوع يجوز الحديث حوله، لكن ما هي الأمور الأخرى التي يمكننا تناولها في النقاش - إن وُجدت -؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قد سبق بيان هذا في جواب السؤال رقم (١٤٩٧) ، ومما جاء فيه:
" فالكلام مع المرأة الأجنبية إنما يكون لحاجة، كاستفتاء وبيع وشراء أو سؤال عن صاحب البيت ونحو ذلك وأن يكون مختصرا دون ريبة لا في موضوعه ولا في أسلوبه.
أمّا حصر الكلام مع المرأة الأجنبية في الأمور الخمسة الواردة في السؤال - وهي: أن يسأل عن حال أسرتها، والأغراض الطبية، وفي البيع والشراء، ولسؤالها للتعرف عليها عند الزواج، وللدعوة إلى الإسلام - ففيه نظر إذ إنّها قد تصلح للمثال لا للحصر، بالإضافة إلى الالتزام بالشروط الشرعية في الكلام معها حتى فيما تدعو الحاجة إليه من الدّعوة أو الفتوى أو البيع أو الشراء وغيرها. والله تعالى أعلم "
وفي جواب السؤال رقم (١١٢١) :
" والمرأة غير ممنوعة من الكلام مع الأجنبي عند الحاجة، كأن تباشر معه البيع وسائر المعاملات المالية لأنها تستلزم الكلام من الجانبين، كما أن المرأة قد تسأل العالم عن مسألة شرعية أو يسألها الرجل كما هو ثابت ذلك بالنصوص من القرآن والسنة، وبهذه الضوابط السابقة يكون كلامها لا حرج فيه مع الرجل الأجنبي. وكذلك يجوز تسليم الرجل على النساء، والنساء على الرجال على الراجح، ولكن ينبغي أن يكون هذا السلام خالياً مما يطمع فيه مرضى القلوب، بشرط أَمن الفتنة، وملاحظة ما تقدّم من الضوابط.
أما إذا خيفت الفتنة من جرّاء السلام فيحظر سلام المرأة ابتداءً، وردها للسلام، لأن دفع الفتنة بترك التسليم دفع للمفسدة، ودفع المفاسد أولى من جلب المنافع.
يراجع " المفصل في أحكام المرأة " عبد الكريم زيدان (٣ / ٢٧٦) . والله أعلم
وبهذا يُعلم أننا لا نقصد الكلام العام من غير حاجة، ولا الإكثار من الكلام الخاص، بل يكون ذلك بقدر الحاجة للجواب.
والتفصيل في الكلام المباح أو في المسائل الشرعية دون حاجة يؤدي إلى إزالة أو إذابة الحواجز بين الطرفين، ويجرِّئ كل واحد منهما على الآخر، وقد يؤدي ذلك إلى ما لا تُحْمَد عقباه.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14071
يرغب بالزواج منها وهي لا تلبس النقاب فهل يُقْدِم أم يبحث عن غيرها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب عربي أعيش على تقاليدنا العربية الملتزمة أو ما يسمى بحسن الخلق والأدب الجم، ولكن هذا الالتزام لا يمت للالتزام الإسلامي بصلة، حيث لا يتعارض الالتزام بالتقاليد عندنا مع الموسيقى والاختلاط والتعامل مع البنوك الربوية وهكذا، تقدمت لخطبة فتاة من نفس المحيط الذي أعيش فيه وأسرتها من أصدقاء العائلة منذ زمن بعيد والجميع يبارك زواجنا لما هو معروف عنا نحن الاثنين من حسن الخلق، مشكلتي - للأسف - بدأت منذ بدأت أقرأ عن أحكام الزواج في الإسلام وبدأت ألتزم بداية من التقليل في الاختلاط والمواظبة على الصلاة في المسجد وإطلاق لحيتي وعدم التعامل مع البنوك وعدم سماع الموسيقى وما إلى ذلك، فالأسرتان الآن يعتبرونني متشددا إلا من رحم ربي، وأصبحوا يخيفون الفتاة مني مع أنها تحبني حبّاً شديداً وصرحت بهذا للجميع مراراً، الفتاة تريد الالتزام ولكنها لا تطيق بعض الأشياء مثل ارتداء النقاب أو تغطية الوجه، وبالطبع تعتبر هذه الأشياء من مظاهر التشدد والمغالاة في الدين بالنسبة للأهل. فهل أترك ذات الأخلاق الحميدة والأدب الجم والتي تحرص على صلاتها وأذكار الرسول - عليه أفضل الصلاة والسلام - وتحاول الالتزام والتي تحبني وتعلن هذا ولا تريد التخلي عني ولكنها لا تطيق بعض الأمور المتعلقة بدينها مثل تغطية الوجه، وأبحث عن أخرى ملتزمة ولكني لا أعلم أهلها ولا سلوكها وسيكون حكمي عليها بالسمع فقط ممن يعرفون أسرتها وسلوكهم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله العظيم أن يثبتنا وإياك على دينه , وأن يرزقنا وإياك الزيادة في الطاعة والاستقامة.
أما بالنسبة لما سألت عنه فالأحسن لك هو الاقتران بتلك الفتاة التي يميل لها قلبك، وهي على الأمر نفسه، وليس فيها ما يعيب مما يدعوك لتركها، وكل ما في الأمر أنها تحتاج لقليل من الرعاية والعناية والتربية الإسلامية الحقة على تقبل أوامر الله تعالى والانقياد لها.
وقد يأتي بعد الزواج كثير من هذا، وبخاصة إذا أحسنتَ صحبتها وعشرتها، وإذا أبدلتَ بيئتها إلى بيئة خير منها، وهو ما ننصحك به ونحثك عليه.
ولا يوجد مانع يمنع المرأة المحبة لدينها والمطيعة لزوجها من الاستجابة لأمر الله فيما يتعلق بلباسها، وبخاصة أن هذا مما يزيد زوجها لها حبّاً واحتراماً.
وقد يكون رفضها للنقاب بسبب ما يفتريه بعض الجهال وأهل الأهواء من أن النقاب عادة جاهلية موروثة لم يأت به الإسلام , فعليك أن تبين لها حكم ستر المرأة وجهها , بالأدلة من الكتاب والسنة , وأن هذا الحكم قد اتفق العلماء على مشروعيته.
وذكِّرها بالصحابيات اللاتي سارعن إلى شق أكسيتهن لتتلفع الواحدة منهن بها لتغطي وجهها بعد نزول آية الحجاب، واجعلها تحرص على الصحبة الصالحة، وأعلمها أن الدنيا زائلة، وقريباً يلقى كل واحدٍ منا ربَّه بعمله.
ولا ينبغي لك ولا لها أن تهتما بما يقوله أهلكما ويحكمون به، فمثل تلك البيئات التي لا تَعلم أحكام الإسلام ولا تُفرِّق بين الانقياد للشرع والتنطع فيه: لا يُعتبر رأيها ولا يُقبل حكمها على مَن التزَم طريق الصلاح والاستقامة.
وإذا لم تستجب زوجتك لحكم الشرع في تغطية وجهها: فاصبر عليها، وحاول أن يصل إليها أمر الشرع من غير طريقك، وذلك كامرأة أخرى من الداعيات أو عن طريق الأشرطة والكتب لعلماء تثق بعلمهم ودينهم.
واستعن بالله تعالى، وداوم على دعائه بطلب التوفيق والإعانة وإقامة بيتٍ على ما يحب ربنا ويرضى عنه.
وأطلعها على جواب السؤال: (٢١١٣٤) ففيه: وجوب النقاب من الكتاب والسنة.
ولتنظر أنت جواب السؤال: (٢٠٣٤٣) ففيه: وجوب نصيحة الزوج لزوجته وطرق ذلك.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14072
تتمسك بالسنة وتتهم بالتعنت، وتريد النصيحة
[السُّؤَالُ]
ـ[وُلدت مسلمة، وكنت أجهل كل شيء باستثناء الصلاة، وبفضل الله فقد استيقظت الآن وأخذت أتصرف وفقا للقرآن والسنة ما أمكنني ذلك، لكني فقدت جميع صديقاتي الآن، وهن مسلمات أيضا؛ فهن غير متمسكات كثيراً بالدين، ولا يكترثن به كثيرا، وأنا وزوجي أصبحنا غريبين في بلادنا، صديقاتي امتنعن عن الاتصال بي وبوالدي، زوجي وأخواته يناديننا وهابيون، وكذلك بنت خالي، وأمي قالت إنها لا تملك الكثير من الوقت وهي لا تأبه طالما أن جميع أبنائها في خير ويصلون، أغلب الناس يسخرون من حجابي، والأمر محزن وصعب، أعني: أني أعيش في جزيرة صغيرة بالمحيط الهندي والجميع مسلمون ودولتي هي " جمهورية المالديف "، أنا أشعر بالوحدة الشديدة والحزن هنا، هل تخبرني كيف أتصرف - فأنا أشعر بالوحدة الشديدة وأني بمفردي والوضع مؤلم جدّاً أن يفقد المرء كل أصدقائه السابقين -؟ . أرجو أن تقدم لي نصيحة جيدة تتعلق بالكيفية التي أتصرف بها في هذا الوضع، لقد حاولت كثيراً أن أخبر أهلي أيضا عن السنَّة لكن جميع الأجوبة التي حصلت عليها كانت: لقد فقدت دينك، أنت وهابية، إنها الطريقة الوهابية. وأسأل الله أن يثيبكم جميع على العمل الذي تقومون به.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله تعالى أن يفرِّج كربك وييسر أمرك، وأن يعينك على طاعته وحسن عبادته، واعلمي أن الغربة التي تعيشينها علامة خير لك، فقد قال النبي ﷺ " بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء " رواه مسلم (١٤٥) ، ولـ " طوبى " معاني كثيرة ومنها: الخير والكرامة، وشجرة عظيمة في الجنة، والفرح والسرور، وغيرها كثير، وكلها أقوال محتملة في تفسيرها.
قال السندي – ﵀:
" غريباً " أي: لقلة أهله، وأصل " الغريب ": البعيد من الوطن.
" وسيعود غريباً ": قلة من يقوم به، ويعين عليه، وإن كان أهله كثيراً.
" للغرباء " القائمين بأمره.
و" طوبي " فُعلى من " الطيب " وتفسر بالجنة، وبشجرة عظيمة فيها.
وفيه تنبيه على أن نصرة الإسلام والقيام بأمره يصير محتاجاً إلى التغرب عن الأوطان، والصبر على مشاق الغربة كما كان في أول الأمر.
" شرح سنن ابن ماجه " (شرح حديث ٣٩٨٦) .
ثانياً:
لكِ في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، فقد جاء قومه بالنور فأبوا إلا البقاء في ظلمات الكفر والجهل، واتهموه بأنه ساحر وكاهن ومجنون، وصبر على دعوتهم، ولم يملَّ من تكرارها، ونوَّع بين الدعوة الفردية والجماعية، والدعوة السرية والعلنية، حتى نجح نجاحاً مبهراً، وهكذا الدعاة بعده دعوا إلى الكفار إلى الإسلام، ودعوا العصاة إلى الطاعة، ودعوا المبتدعة إلى السنة، فلاقى كثيرون ضنكاً وهمّاً وصعوبة، فلم يكن ليمنعهم هذا من الاستمرار على الدعوة، ولولا ذلك ما وصل الإسلام إلى بلدكم " جزر المالديف "! .
فاعتبري بهؤلاء القدوات، وافعلي فعلهم، واصبري صبرهم؛ لتنالي رضا الله تعالى، وما تسمعينه من لمزٍ ونسبة إلى " الوهابية " قد قاله من كان قبلهم، ولا يزال السفهاء يرددونه مع دعاة السنَّة، وليس ذلك بضارِّهم ولا بمُوقِفهم عن تبليغ دين الله تعالى.
ثالثاً:
ومع الصبر على هذه الدعوة ننصحك بانتقاء العقلاء من النساء، ومن أقاربك لتبليغهم دين الله تعالى، وتذكيرهم بحقيقة الشرائع الإسلامية، فإن الناس الذين رضوا بالانتساب إلى الدين لا يمنعهم سلوك طريق السنَّة، لكن عندهم موانع تحول دون وصولهم إلى طريق الحق؛ من علماء الضلالة ودعاة البدعة، وفتن الشبهات والشهوات، وغير ذلك. وعندنا ـ نحن ـ تقصير في تبليغهم حقيقة الدين، أو ليس عندنا طرق حكيمة في هذا التبليغ.
فعليكِ بالرفق والتؤدة والصبر، وانتقي عقلاء القوم، وتلطفي في توجيههم وتبليغهم، ونوِّعي بين الشريط المسموع، والمحاضرة المرئية، والكتاب المقروء، ولعلك أن تجدي من النتائج ما تسرين به.
ثالثاً:
احرصي على أن يكون منطلق هذه الدعوة بيتكم، فابدئي مع زوجك وأبنائك لتنطلقي من هذا البيت المبارك إلى الناس جميعاً، وتذكري أن أمَّنا " خديجة بنت خويلد " هي أول من أسلم من هذه الأمة مطلقاً، وهي أول من نصر النبي ﷺ في تبليغ الرسالة، ودعت بناتها إلى الإسلام، فكان بيتها أول البيوت إسلاماً، ومنه انطلقت دعوة الخير لتعم أرجاء الأرض، فكوني مثلها، واقتدي بفعلها.
وفي جواب رقم (٩٣٨٠) تجدين المزيد من الوصايا والنصائح فنرجو الاطلاع عليك، وهو مغنٍ عن التكرار ها هنا.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14073
حديث: (اللهم أحيني مسكيناً)
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى دعاء النبي ﷺ (اللهم أحيني مسكيناً) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث رواه الترمذي (٢٣٥٢) عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . وقَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ورواه ابن ماجه (٤١٢٦) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
وقد ضعفه كثير من أهل العلم، وعلى فرض صحته فالمراد بالمسكنة هنا التواضع والإخبات، وليس المراد قلة المال.
قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (٦/٧٥) :
" فأمَّا الحديث الذي رواه ابن ماجه عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: (اللهم أحيني مسكيناً. . . الحديث) فإنَّه حديث ضعيف، لا يثبت من جهة إسناده، لأن فيه يزيد بن سنان أبا فروة الرَّهاويّ وهو ضعيف جداً، والله أعلم.
وقد رواه التّرمذيّ من وجه آخر عن أنس. . . ثم قال: هذا حديث غريب.
قلت (ابن كثير) : وفي إسناده ضعف، وفي متنه نكارة، والله أعلم " انتهى.
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي "التَّلْخِيصِ" (٣/١٠٩) بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ:
" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ , وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ أَيْضًا , وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ عَنْهُ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ " انتهى.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذا الحديث فقال:
" هذا يُرْوَى، لكنه ضعيف لا يثبت، ومعناه: أحيني خاشعا متواضعا، لكن اللفظ لم يثبت " انتهى. "مجموع الفتاوى" (١٨/٣٥٧) .
وقال أيضاً (١٨/٣٢٦) :
" هذا الحديث قد رواه الترمذي، وقد ذكره أبو الفرج (ابن الجوزي) في الموضوعات، وسواء صح لفظه أو لم يصح: فالمسكين المحمود هو المتواضع الخاشع لله ; ليس المراد بالمسكنة عدم المال، بل قد يكون الرجل فقيراً من المال وهو جبار، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ملك كذاب، وفقير مختال، وشيخ زان) وكان النبي ﷺ يقول: (أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد) فالمسكنة خلق في النفس، وهو التواضع والخشوع واللين ضد الكبر. كما قال عيسى ﵇: (وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً) مريم/٣٢. ومنه قول الشاعر:
مساكين أهل الحب حتى قبورهم عليها تراب الذل بين المقابر
أي: أذلاء " انتهى.
وفي "لسان العرب" (١٣/٢١٦) :
" وأَصل المسكين في اللغة الخاضع، وأَصل الفقير المحتاج.
ولهذا قال ﷺ : (اللهم أَحْيِني مِسْكيناً) أَراد به التواضع والإِخْبات، وأَن لا يكون من الجبارين المتكبرين. أي: خاضعاً لك يا رب ذليلاً غير متكبر، وليس يراد بالمسكين هنا الفقير المحتاج " انتهى.
ونقل الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (٣/١٠٩) عن البيهقي أنه قال عن هذا الحديث:
" وَوَجْهُهُ عِنْدِي أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ الْمَسْكَنَةَ الَّتِي يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إِلَى الْقِلَّةِ , وَإِنَّمَا سَأَلَ الْمَسْكَنَةَ الَّتِي يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إِلَى الإِخْبَاتِ وَالتَّوَاضُعِ " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14074
حكم صلة الأم والإخوة من الرضاعة
[السُّؤَالُ]
ـ[لدي أم من الرضاعة وإخوة، فهل عليَّ أن أصلهم وأزورهم كما أزور أمي وإخوتي من النسب علماً أني كنت أزورهم، ولكن قيل لي: إنه لا يلزمني ذلك، وأنا محتار في ذلك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا تشبه الأحكام الشرعية المتعلقة بالرضاع تلك المتعلقة بأحكام النسب، فالرضاع لا يوجب النفقة ولا التوارث ولا ولاية النكاح. . . بخلاف النسب.
ويشتركان في تحريم النكاح، وإباحة النظر، والخلوة، والمحرمية في السفر.
وهذا من حكمة الشرع، ولا يمكن أن يجعل الشرع حقوق الأم من الرضاعة والتي ترضع الطفل خمس مرات بتلك التي حملت ووضعت وأرضعت وربَّت، وكانت السبب المحسوس في وجود الولد، وهل ما في قلب الأم من النسب مثل ما في قلب الأم من الرضاعة من حيث الشفقة والرحمة والحرص؟
وقد أشارت الآيات القرآنية إلى ذلك كما قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) لقمان/١٤، وقال تعالى - بعد أن أمر الولد بالإحسان إلى الوالدين ونهاه عن أدنى ما يمكن أن يصدر عنه من عقوق لهما -: (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) .
لذا ذكر بعض العلماء أن على الابن من الرضاعة إكرام وتقدير أمه ووالده من الرضاعة، وليس عليه البر والصلة التي تكون بين الولد ووالديه، وبينه وبين رحِمِه.
وفي الباب بعض الأحاديث الضعيفة نذكرها للفائدة:
١. عن أبي الطفيل ﵁ قال: رأيتُ النبي ﷺ يقسم لحماً بالجعرانة إذ أقبلت امرأة حتى دنت إلى النبي ﷺ فبسط لها رداءه، فجلست عليه، فقلت: من هي؟ فقالوا: هذه أمه التي أرضعته. رواه أبو داود (٥١٤٤) ، وضعفه الألباني في " ضعيف أبي داود " (١١٠٢) .
وقد بوَّب ابن حبان (١٠ / ٤٤) على هذا الحديث بقوله " ذكر ما يستحب للمرء إكرام من أرضعته في صباه ".
٢. عن عمر بن السائب أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان جالساً فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه من الرضاعة فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلستْ عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام له رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه. رواه أبو داود (٥١٤٥) ، وضعفه الألباني في " السلسلة الضعيفة " (١١٢٠) .
٣. عن حجاج بن حجاج الأسلمي عن أبيه أنه سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ فقال: غرة عبدٍ أو أمة. رواه الترمذي (١١٥٣) والنسائي (٣٣٢٩) وأبو داود (٢٠٦٤) ، وضعفه الألباني في " ضعيف أبي داود " (٤٤٥) .
" غُرَّة " أي مملوك.
قال السيوطي في شرح النسائي (٦/١٠٨) :
"المراد بـ " مذمة الرضاع ": الحق اللازم بسبب الرضاع، فكأنه سأل: ما يسقط عني حق المرضعة حتى أكون قد أديته كاملا؟ ، وكانوا يستحبون أن يهبوا للمرضعة عند فصال الصبي شيئا سوى أجرتها" اهـ.
٤. وذكر أهل السير أن النساء الأسرى من هوازن لما جُمعوا جاء خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول الله إنما في الحظائر أمهاتك وخالاتك وحواضنك، فامنُن علينا منَّ الله عليك. وهذه الأحاديث الوارد فيها هو الإكرام والتقدير، وهما من أخلاق الإسلام التي حثَّ عليها لعامة المسلمين. فكان هذا سبب إعتاقهم عن بكرة أبيهم. البداية والنهاية (٤/٤١٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14075
كيف يعرف العبد أن ربه راض عنه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل من شيءٍ يدل العبد أن ربه راضٍ عنه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من علامة رضا الرب عن عبده: أن يوفقه لفعل الخيرات، واجتناب المحرمات، ومصداق هذا قول الله : ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم﴾ ، وقوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ .
أما إذا خُذل العبد عن فعل الطاعات واجتناب المحرمات - والعياذ بالله - فإن ذلك دليل على عدم رضا الله عن العبد.
وقد بيَّن الله في كتابه أيضاً أن علامة رضا الله عن العبد وعلامة هدايته أن يشرح صدره للهدى والإيمان الصحيح، وعلامة الضلال والبعد عن الصراط المستقيم الضيق والحرج في الصدر قال الله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيِّقاً حرجاً كأنما يصعَّد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون﴾ الأنعام / ١٢٥.
قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه ... ﴾ قال: " يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به ".
تفسير ابن كثير (٢ / ١٧٥) .
وأيضاً من علامة محبة الله للعبد ورضاه عنه أن يحببه إلى عباده روى البخاري (٣٢٠٩) ومسلم (٢٦٣٧) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا أحب الله العبد نادى جبريل أن الله يحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء أن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض.
قال النووي:
(ثم يوضع له القبول في الأرض)
أي: الحب في قلوب الناس ورضاهم عنه، فتميل إليه القلوب وترضى عنه، وقد جاء في رواية (فتوضع له المحبة) . اهـ
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →