← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

سؤال من نصراني عن اختلاف العلماء في تفسير القرآن الكريم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[من ملحد في كندا: لماذا العلماء اختلفوا في تفسير القرآن الكريم، يدَّعون أن الإنجيل الذي في كندا نسخة واحدة، والتفسير فيها واحد، ليس هناك رأيان؟ فما قولكم جزاكم الله عنا خيراً؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لم يقع الخلاف بين العلماء في تفسير جميع القرآن، وإنما اختلفوا في تفسير بعض آيات منه، ولا شك أن أكثر الآيات لم يقع في تفسيرها خلاف، بل يتفق المفسرون من السلف والخلف والعلماء على تفسيرها، وذلك أمر ظاهر لكل من يقرأ القرآن ويقرأ كتب التفسير، وما زال عامة المسلمين يقرؤون القرآن ويسمعون آياته ولا يستشكلون أكثرها، بل يعرفون المراد منها، وهذا كافٍ في تحقيق هداية القرآن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأما ما صح عن السلف أنهم اختلفوا فيه اختلاف تناقض: فهذا قليل بالنسبة إلى ما لم يختلفوا فيه" انتهى. "مجموع الفتاوى" (٥/١٦٢) . ثانياً: كما أن الاختلاف الواقع أكثره حدث بعد القرون المفضلة، أما الصحابة والتابعون فكان الخلاف بينهم في تفسير القرآن قليلاً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جدا، وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة، فهو قليل بالنسبة إلى ما بعدهم، وكلما كان العصر أشرف، كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر" انتهى. "مجموع الفتاوى" (١٣/٣٣٢) . ثالثاً: أما الآيات القليلة التي وقع في تفسيرها الخلاف، فهي أيضا على أقسام: القسم الأول: الخلاف فيها خلاف تنوّع وليس خلاف تضاد، فهو خلاف لفظي غير مؤثر، وخلاف التنوع في حقيقته ليس اختلافا، إذ من شرط الاختلاف تناقض القولين، وهذا غير واقع في هذا القسم من الخلاف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ شارحا اختلاف التنوع: "وذلك صنفان: أحدهما: أن يعبر كل واحد منهم – يعني من المفسرين - عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المُسَمَّى غير المعنى الآخر، مع اتحاد المُسَمَّى، كما قيل في اسم السيف: الصارم، والمهند، وذلك مثل أسماء الله الحسنى، وأسماء رسوله ﷺ ، وأسماء القرآن، فإن أسماء الله كلها تدل على مسمى واحد، وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة وعلى الصفة التي تضمنها الاسم، وكذلك أسماء النبي ﷺ ، مثل محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب، وكذلك أسماء القرآن: مثل القرآن، والفرقان، والهدى والشفاء، والبيان، والكتاب. وأمثال ذلك. إذا عرف هذا فالسلف كثيرا ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه وإن كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر، كمن يقول: أحمد: هو الحاشر، والماحي، والعاقب، والقدوس هو الغفور والرحيم، أي أن المسمى واحد، لا أن هذه الصفة هي هذه الصفة، ومعلوم أن هذا ليس اختلاف تضاد كما يظنه بعض الناس. مثال ذلك: تفسيرهم للصراط المستقيم. فقال بعضهم: هو " القرآن ": أي اتباعه. وقال بعضهم: هو " الإسلام ". فهذان القولان متفقان؛ لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبَّه على وصف غير الوصف الآخر. كما أن لفظ (صراط) يشعر بوصف ثالث، وكذلك قول من قال: هو " السنة والجماعة " وقول من قال: " هو طريق العبودية " وقول من قال: " هو طاعة الله ورسوله " ﷺ ، وأمثال ذلك فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة؛ لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها. الصنف الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه. مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ " الخبز "، فأري رغيفا، وقيل له: هذا. فالإشارة إلى نوع هذا لا إلى هذا الرغيف وحده. مثال ذلك: ما نقل في قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ) فمعلوم أن (الظالم) لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للمحرمات، و (المقتصد) يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات، و (السابق) يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات. ثم إن كلا منهم – يعني من المفسرين - يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات: كقول القائل: السابق الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد الذي يصلي في أثنائه. والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار. ويقول الآخر: السابق والمقتصد والظالم قد ذكرهم في آخر سورة البقرة، فإنه ذكر المحسن بالصدقة، والظالم بأكل الربا، والعادل بالبيع. فكل قول فيه ذكر نوع داخل في الآية ذكر لتعريف المستمع بتناول الآية له وتنبيهه به على نظيره؛ فإن التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحد المطلق. والعقل السليم يتفطن للنوع كما يتفطن إذا أشير له إلى رغيف فقيل له: هذا هو الخبز " انتهى باختصار. "مجموع الفتاوى" (١٣/٣٣٢-٣٣٨) . وقال أيضا ﵀: "ينبغي أن يُعلم أن الاختلاف الواقع من المفسرين وغيرهم على وجهين: أحدهما: ليس فيه تضاد وتناقض؛ بل يمكن أن يكون كل منهما حقا، وإنما هو اختلاف تنوع، أو اختلاف في الصفات أو العبارات، وعامة الاختلاف الثابت عن مفسري السلف من الصحابة والتابعين هو من هذا الباب، فإن الله سبحانه إذا ذكر في القرآن اسما مثل قوله: (اهدنا الصراط المستقيم) فكل من المفسرين يعبر عن الصراط المستقيم بعبارة يدل بها على بعض صفاته، وكل ذلك حق ... فيقول بعضهم: الصراط المستقيم: كتاب الله، أو اتباع كتاب الله، ويقول الآخر: الصراط المستقيم: هو الإسلام، أو دين الإسلام. ويقول الآخر: الصراط المستقيم: هو السنة والجماعة. ويقول الآخر: الصراط المستقيم: طريق العبودية أو طريق الخوف والرجاء والحب وامتثال المأمور واجتناب المحظور، أو متابعة الكتاب والسنة، أو العمل بطاعة الله، أو نحو هذه الأسماء والعبارات. ومعلوم أن المسمى هو واحد وإن تنوعت صفاته وتعددت أسماؤه وعباراته. ومنه قسم آخر: وهو أن يذكر المفسر والمترجم معنى اللفظ على سبيل التعيين والتمثيل لا على سبيل الحد والحصر، مثل أن يقول قائل مِن العجم: ما معنى الخبز؟ فيشار له إلى رغيف" انتهى باختصار. "مجموع الفتاوى" (١٣/٣٨١-٣٨٤) . القسم الثاني: الآيات التي اختلف في تفسيرها اختلاف تضاد وتباين، وهذا القسم قليل، آياته معدودة، والاختلاف فيها مشهور ومحصور. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد" انتهى. "مجموع الفتاوى" (١٣/١٧٨) . ولوقوع هذا الاختلاف أسباب كثيرة، يدرسها العلماء المتخصصون، يمكن الرجوع إليها في كتاب: " أسباب اختلاف المفسرين " للأستاذ الدكتور محمد الشايع، وكتاب: " اختلاف المفسرين أسبابه وآثاره " للأستاذ الدكتور سعود الفنيسان. رابعاً: لا يجوز أن يكون هذا القسم الثاني وهو خلاف التضاد، مثار طعن ولا تشكيك في القرآن الكريم لأسباب عدة: ١- أنه لم يقع في الآيات المتعلقة بعقائد الإسلام أو مقاصد التشريع، بل إنما وقع في آيات الأحكام، مثل اختلاف العلماء في تفسير قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) البقرة/٢٢٨، هل القرء هو الطهر أم الحيض؟ أو وقع في تفسير بعض سياقات القرآن المتعلقة بالقصص أو الوعظ ونحوه، كاختلافهم في تفسير قوله تعالى: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) مريم/٢٤، هل المنادي جبريل أم عيسى ﵉. وهذا الاختلاف – كما ترى – لا يتعلق بصلب العقيدة والشريعة، بل في أمر فقهي أراد الله أن يقع فيه الخلاف رحمةًً بهذه الأمة، وابتلاءً أيضا، أو في أمر لا يتوقف فهم سياق الآيات على معرفة معناه. ٢- وهذا الخلاف – على قلته – أغلبه واقع في القرون المتأخرة، ولو رجعنا إلى تفسير السلف من الصحابة والتابعين لما وجدنا أكثر هذا الخلاف الموجود في كتب التفسير المتأخرة. ٣- وأخيرا، فالله له الحكمة في خفاء معاني بعض الآيات، كي يجتهد المجتهدون، ويثور العلم في الكتب والعقول. خامساً: أما دعوى نفي الاختلاف في الإنجيل أو في تفاسير الإنجيل فهذه دعوى غريبة عجيبة لا يدعيها النصارى أنفسهم، لما فيها من مناقضة للواقع، حيث تختلف نسخ الإنجيل ورواياته وترجماته اختلافا كثيرا متناقضا، كما تتكاثر فرق النصارى وخلافاتهم الدينية، واختلافهم في تفسيره واقع في صلب عقائدهم، في تفسير التثليث والتوحيد والأقانيم الثلاثة، وهو اختلاف تضاد أدى إلى حدوث فرق كثيرة فيهم تختلف في أصل الدين والعقيدة، أما الإسلام والقرآن فليس بين علماء الإسلام من أهل السنة الذين هم غالب الأمة من عهد الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا خلاف في أركان الدين وحقائقه الرئيسية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وتفاسير النصارى للكتب الإلهية فيها من التحريف لكتاب الله والإلحاد في أسماء الله وآياته ما يطول وصفه ولا ينقضي التعجب منه" انتهى. "الجواب الصحيح" (٣/٩٣) . وقال أيضا: "النصارى المقرون بأن هذه العبارة في الإنجيل المأخوذ عن المسيح مختلفون في تفسير هذا الكلام، فكثير منهم يقول: الأب هو الوجود، والابن هو الكلمة، وروح القدس هو الحياة. ومنهم من يقول: بل الأب هو الوجود، والابن هو الكلمة، وروح القدس هو القدرة. وبعضهم يقول: إن الأقانيم الثلاثة: جواد، حكيم، قادر، فيجعل الأب هو الجواد، والابن هو الحكيم، وروح القدس هو القادر، ويزعمون أن جميع الصفات تدخل تحت هذه الثلاثة، وقد رأيت في كتب النصارى هذا وهذا وهذا، ومنهم من يعبر عن الكلمة بالعلم، ومنهم من يقول قائم بنفسه حي حكيم، وهم متفقون على أن المتحد بالمسيح والحالّ فيه هو أقنوم الكلمة، وهو الذي يسمونه الابن دون الأب، ومن أنكر الحلول والاتحاد منهم كالأريوسية يقول إن المسيح ﵇ عبد مرسل كسائر الرسل صلوات الله عليهم وسلامه، فوافقهم على لفظ الأب والابن وروح القدس، ولا يفسر ذلك بما يقوله منازعوه من الحلول والاتحاد، كما أن النسطورية يوافقونهم أيضا على هذا اللفظ وينازعونهم في الاتحاد الذي يقوله اليعقوبية والملكية. فإذا كانوا متفقين على اللفظ متنازعين في معناه، علم أنهم صدّقوا أولا باللفظ لأجل اعتقادهم مجيء الشرع به، ثم تنازعوا بعد ذلك في تفسير الكتاب كما يختلفون هم وسائر أهل الملل في تفسير بعض الكلام الذي يعتقدون أنه منقول عن الأنبياء ﵈" انتهى باختصار. " الجواب الصحيح " (٣/١٨٩-١٩٢) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1437

تفسير قوله تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى الآية الكريمة: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) ، فكيف يسأل الرسول الرسل الذين من قبله؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذه الآية في سورة الزخرف يقول الله فيها: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ) رقم/٤٥. وظاهرها – كما يبدو - أمر النبي ﷺ بسؤال الرسل الذين بعثوا قبله عن التوحيد، فاستشكل العلماء ذلك إذ كيف يأمره الله بسؤالهم مع الانقطاع الزمني الظاهر بينه وبينهم، فكانت تفسيراتهم على عدة أقوال: القول الأول: المقصود أمره بسؤال الرسل والأنبياء الذين صلى بهم ليلة الإسراء. نقل هذا ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٢١/٦١١) عن ابن عباس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وعزاه القرطبي إلى سعيد بن جبير وقتادة وغيرهم من التابعين ثم قال في "الجامع لأحكام القرآن" (١٦/٩٥) : " هذا هو الصحيح في تفسير هذه الآية " انتهى. القول الثاني: المقصود أن يسأل الأمم التي أرسل إليها الأنبياء من قبله، وليس سؤال الرسل أنفسهم. قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (٧/٢٣٠) : " قوله: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) ، أي: جميع الرسل دعوا إلى ما دعوت الناس إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة الأصنام والأنداد، كقوله: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) النحل/٣٦. قال مجاهد: في قراءة عبد الله بن مسعود: " واسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا "، وهكذا حكاه قتادة والضحاك والسدي عن ابن مسعود، وهذا كأنه تفسير لا تلاوة " انتهى. قال ابن جرير الطبري في تفسيره (٢١/٦١٢-٦١٣) : " وأولى القولين بالصواب في تأويل ذلك قول من قال: عنى به: سل مؤمني أهل الكتابين. فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يقال: سل الرسل، فيكون معناه سل المؤمنين بهم وبكتابهم؟ قيل: جاز ذلك من أجل أن المؤمنين بهم وبكتبهم أهل بلاغ عنهم ما أتوهم به عن ربهم، فالخبر عنهم وعما جاءوا به من ربهم، إذا صحَّ، بمعنى خبرهم، والمسألة عما جاءوا به بمعنى مسألتهم إذا كان المسئول من أهل العلم بهم والصدق عليهم، وذلك نظير أمر الله جلّ ثناؤه إيانا برد ما تنازعنا فيه إلى الله وإلى الرسول، يقول: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) ، ومعلوم أن معنى ذلك: فردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله، لأن الرد إلى ذلك رد إلى الله والرسول. وكذلك قوله: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا) إنما معناه: فاسأل كتب الذين أرسلنا من قبلك من الرسل، فإنك تعلم صحة ذلك من قبلنا، فاستغنى بذكر الرسل من ذكر الكتب، إذ كان معلوما ما معناه " انتهى. وهناك أقوال أخرى غير قوية يمكن مراجعتها في "تفسير القرطبي" (١٦/٩٦) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1438

من هم حاضرو المسجد الحرام ؟ [السُّؤَالُ] ـ[قال الله تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) البقرة/١٩٦، من هم حاضرو المسجد الحرام؟ هل هم أهل مكة أم أهل الحرم؟ وما رأيكم فيمن قال: إن المكي لن يتمتع ولن يقرن بدون أهله؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "هذا الذي ذكره السائل هو جزء من آية ذكرها الله فيمن تمتع فقال: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ) البقرة/١٩٦، وقد اختلف العلماء ﵏ في المراد بحاضري المسجد الحرام. فقيل: هم من كان داخل حدود الحرم، فمن كان خارج حدود الحرم فليسوا من حاضري المسجد الحرام. وقيل: هم أهل المواقيت ومن دونهم. وقيل: هم أهل مكة ومن بينه وبينها دون مسافة القصر. والأقرب أن حاضري المسجد الحرام هم أهل الحرم. فمن كان من حاضري المسجد الحرم فإنه إذا تمتع بالعمرة إلى الحج فليس عليه هدي مثل: لو سافر الرجل من أهل مكة إلى المدينة مثلاً في أشهر الحج ثم رجع من المدينة فأحرم من ذي الحليفة بالعمرة مع أنه قد نوى أن يحج هذا العام فإنه لا هدي عليه هنا؛ لأنه من حاضري المسجد الحرام، وكذلك أهل مكة يمكن أن يقرنوا ولكن لا هدي عليهم مثل: أن يكون أحد من أهل مكة في المدينة ثم يحرم من ذي الحليفة في أيام الحج بعمرة وحج قارناً بينهما، فهذا قارن ولا هدي عليه أيضاً، لأنه من حاضري المسجد الحرام" انتهى. "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (٢٢/ ٧٠، ٧١) . وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (١١/٣٨٩) : "اختلف أهل العلم في المعنى بـ: (حاضري المسجد الحرام) ، والراجح أنهم أهل الحرم. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1439

كيف يكون المسلم فتنة للكافر ؟ [السُّؤَالُ] ـ[يقول الله : (رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) الممتحنة/٥، فكيف يكون المسلم فتنة للذين كفروا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "يكون فتنة للذين كفروا بتسلُّط الكفار عليه؛ لأن تسلط الكفار على المؤمن فتنة، حيث إنهم يؤزَرون على ذلك، ويأثمون عليه، فيكون ذلك فتنة لهم. ويحتمل أن معنى (فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي: أن يفتنونا هم عن ديننا، كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) البروج/١٠. والآية تشتمل المعنيين جميعاً؛ لأن المعنيين لا ينافي أحدهما الآخر، والقاعدة في التفسير: أن الآية إذا احتملت معنيين لا ينافي أحدهما الآخر فإن الواجب حملها على المعنيين جميعاً" انتهى. فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀. "لقاءات الباب المفتوح" (٢/١٠٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1440

هل يوجد في القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية أن الأرضين سبع ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يوجد في القرآن الكريم: الأرضون السبع، أو عن النبي ﷺ ؟ وفي أي سورة من القرآن الكريم أو حديث عن النبي ﷺ ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "ثبت في القرآن الكريم أن الله تعالى خلق سبع أرضين، كما خلق سبع سماوات، قال سبحانه: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) الطلاق/١٢، وثبت أيضا في الحديث الصحيح: أن الأرضين سبع، فقد روى البخاري ومسلم، عن سعيد بن زيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين) وفي الصحيحين عن عائشة مرفوعا مثله. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٦٣) . وقال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) الطلاق/١٢، قال: "يقول تعالى مخبرا عن قدرته التامة وسلطانه العظيم، ليكون ذلك باعثًا على تعظيم ما شرع من الدين القويم: (اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ) أي: سبعا أيضا" انتهى. وقال السعدي ﵀: "أخبر تعالى أنه خلق الخلق من السماوات السبع ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيهن ... " انتهى. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "وأما الأرض فإنها جاءت بلفظ الإفراد في القرآن، وجاءت في السنة بلفظ الجمع؛ وعددها سبع: جاء ذلك في صريح السنة، وفي ظاهر القرآن؛ ففي ظاهر القرآن: (اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ) ؛ لأن المماثلة في الوصف متعذرة؛ فلم يبق إلا العدد" انتهى. "تفسير سورة البقرة" (٣/٤٣٦) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الأسلام سؤال وجواب

стр. 1441

من هم أصحاب الأعراف ؟ [السُّؤَالُ] ـ[سمعت من شخص يقول: إن الأعراف سور بين الجنة والنار يمكثون فيه عدداً من السنين؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "الناس إذا كان يوم القيامة انقسموا إلى ثلاثة أقسام: قسم ترجح حسناتهم على سيئاتهم فهؤلاء لا يعذبون ويدخلون الجنة، وقسم آخر ترجح سيئاتهم على حسناتهم فهؤلاء مستحقون للعذاب بقدر سيئاتهم ثم ينجون إلى الجنة، وقسم ثالث سيئاتهم وحسناتهم سواء، فهؤلاء هم أهل الأعراف، ليسوا من أهل الجنة، ولا من أهل النار، بل هم في مكان برزخ عالٍ مرتفع يرون النار ويرون الجنة، يبقون فيه ما شاء الله وفي النهاية يدخلون الجنة، وهذا من تمام عدل الله أن أعطى كل إنسان ما يستحق، فمن ترجحت حسناته فهو من أهل الجنة، ومن ترجحت سيئاته عذب في النار إلى ما شاء الله، ومن كانت حسناته وسيئاته متساوية فهو من أهل الأعراف لكنها -أي الأعراف- ليست مستقراً دائماً، وإنما المستقر: إما إلى الجنة، وإما إلى النار، جعلني الله وإياكم من أهل الجنة" انتهى. فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀. "لقاءات الباب المفتوح" (١/٤٠٨) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1442

يسأل عن السبيل الذي وسوس به إبليس لأبينا آدم [السُّؤَالُ] ـ[أخبرنا الله في كتابه العزيز أنه عندما رفض إبليس لعنه الله السجود لسيدنا آدم قام بطرده من الجنة. أريد من فضيلتكم توضيح أمر قد أشكل علي، وهو كيف وسوس إبليس لسيدنا آدم وهو في الجنة، مع أن الله تعالى طرده؟ جزاك الله كل خير.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: لا نرى للسائل الكريم، ولا لغيره من المسلمين الاشتغال كثيرا بتفاصيل القصص التي طوى القرآن ذكرها، ولم يَرِد بها أثرٌ صحيح عن النبي ﷺ ، إذ لو كان فيها كبير فائدة أو حكمة لذكرها الله في كتابه، أو علَّمها الرسول ﷺ أصحابه، فلا ينبغي للمسلم أن ينشغل بالمفضول عن الفاضل، وبالفروع عن الأصول. عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ) رواه البخاري (٢٤٠٨) ومسلم (٥٩٣) يقول ابن حجر في "فتح الباري" (٣/٣٤٢) : " قال ابن التين: يحتمل أن يكون المراد السؤال عن المشكلات، أو عما لا حاجة للسائل به، ولذلك قال ﷺ : (ذروني ما تركتكم) قلت: وحمله على المعنى الأعم أولى " انتهى. ثانيا: ومن ذلك الخوض في تفاصيل الطريقة التي وسوس بها إبليس لعنه الله، لأبينا آدم وأمنا حواء ﵉، فقد اقتصر القرآن الكريم على ذكر أصل الحادثة من غير تفصيل طبيعة الوسوسة ولا طريقتها، وأوضح ما جاء في ذلك قوله : (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ. وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) الأعراف/٢٠-٢١ وقوله سبحانه: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى) طه/١٢٠ فإذا وقفنا مع ظاهر الآيات بدا لنا أن هذه الوسوسة كانت مشافهة ومخاطبة مباشرة، وقد نقل بعض أهل العلم ذلك عن جمهور المفسرين، فقال القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (١/٣١٢) : " قال ابن مسعود وابن عباس وجمهور العلماء: أغواهما مشافهة، ودليل ذلك قوله تعالى: (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) ، والمقاسمة ظاهرها المشافهة " انتهى. غير أن هذا الظاهر لا يفسر كيف استطاع إبليس أن يخاطب آدم وحواء بهذا الخطاب، وهل كان على هيئته المعروفة أم تمثل لهما، وهل دخل الجنة دخولا حقيقيا أم عارضا، كل ذلك من الغيب الذي لا يمكننا أن نخوض فيه من غير أثارة من علم. إلا أن نذهب إلى ما روي عن بعض الصحابة والتابعين، ومال إليه ابن جرير الطبري (١/٥٣٢) ، وأصله من كلام وهب بن منبه عن علوم أهل الكتاب أنه: " لما أراد إبليس أن يستزلَّهما دَخل في جوف الحية، وكانت للحية أربع قوائم كأنها بُخْتِيَّة، من أحسن دابة خلقها الله، فلما دخلت الحية الجنة، خرج من جوفها إبليس " انتهى باختصار. أو يقال بما قرره الشيخ الأمين الشنقيطي في "أضواء البيان" حين قال: " والمفسرون يذكرون في ذلك قصة الحية، وأنه دخل فيها فأدخلته الجنة، والملائكة الموكّلون بها لا يشعرون بذلك، وكل ذلك من الإسرائيليات، والواقع أنه لا إشكال في ذلك، لإمكان أن يقف إبليس خارج الجنة قريباً من طرفها، بحيث يسمع آدم كلامه وهو في الجنة، وإمكان أن يدخله الله إياها لامتحان آدم وزوجه، لا لكرامة إبليس، فلا محال - عقلاً - في شيء من ذلك، والقرآن قد جاء بأن إبليس كلّم آدم، وحلف له حتى غره وزوجه بذلك " انتهى. وإنما يعنينا من ذلك أن نؤمن إيماناً لا شك فيه، أن هذه القصة وقعت، كما أخبرنا الله في كتابه، وأن سوق العداوة قد قامت بين إبليس وجنده وآدم وذريّته: (إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً) الإسراء / ٥٣، فاحذره كما حذّرك الله، واستعن عليه بإخلاص الدين لله (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) ص/٨٢-٨٣، واحذر يا عبد الله أن تكون من حزب الغاوين (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) الحجر٤١-٤٤. والله تعالى أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1443

تفسير قوله تعالى هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا [السُّؤَالُ] ـ[ورد في السورة رقم (٧٦) - سورة " الإنسان " - قوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) ما المقصود بقوله تعالى (الدهر) ؟ وهل آدم وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام ضِمن المقصود بـ " الإنسان" في الآية؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله سورة الإنسان تبدأ باستفهام تقريري رفيق مُنَبِّهٍ للقلب، يوقظه إلى حقيقةِ عدمه قبل أن يكون، ومن الذي أوجده وجعله شيئا مذكورا بعد أن لم يكن، وجاء على صيغة الاستفهام تشويقا للسامع لينتظر الخطاب الذي يلحقه، فيقول الله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) الإنسان/١ وكلمة (الإنسان) في الآية تعم كل إنسان، إذ البشرُ كلهم مخلوقون، حادثون، وُجدوا بعد أن كانوا في العدم، ولم يكونوا شيئا يذكر، كقوله – في شأن النبي زكريا ﵇: (قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) مريم/٩ يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: " ذكر الله في هذه السورة الكريمة أول حالة الإنسان، ومبتدأها، ومتوسطها، ومنتهاها، فذكر أنه مر عليه دهر طويل - وهو الذي قبل وجوده - وهو معدوم، بل ليس مذكورا " انتهى. "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" (ص/٩٠٠) ويقول العلامة الطاهر ابن عاشور ﵀: " المعنى: هل يقر كل إنسان موجود أنه كان معدوما زمانا طويلا، فلم يكن شيئا يذكر، أي: لم يكن يُسمَّى ولا يُتحدَّث عنه بذاته، وتعريف: (الإنسان) للاستغراق، مثل قوله: (إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) العصر: ٢-٣ الآية. أي: هل أتى على كل إنسان حين كان فيه معدوما. و (الدهر) : الزمان الطويل " انتهى باختصار. "التحرير والتنوير" (٢٩/٣٤٥-٣٤٦) ولعل هذا القول – وهو مروي عن ابن عباس وابن جريج – أقرب من القول بتعيين آدم ﵇ مرادا من قوله (الإنسان) ، فالسياق عام، ويدل على عمومه الآية التي بعدها، التي يقول الله تعالى فيها: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) ، ومعلوم أن بني آدم هم الذين خلقوا من نطفة أمشاج، فهو دليل على أن المراد بكلمة (الإنسان) في الآية الأولى جميع الناس. وهذا النفي لوجود الإنسان إنما هو بالنسبة للخلق والواقع، وبهذا الاعتبار فالنفي يشمل جميع الخلق، حتى الرسل والأنبياء، فكلهم كانوا في العدم ثم خلقهم الله تعالى. أما بالنسبة لذكر الله تعالى وعلمه، فالبشر كلهم مذكورون في العلم الأزلي، مكتوبون في اللوح المحفوظ، وللرسل والأنبياء جميعا ذكر خاص في المرتبة العليا، فهم أفضل البشر، وذكرهم في علم الله تعالى يناسب رفيع مقام النبوة والرسالة التي وهبهم الله إياها. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1444

قوله تعالى وأطعموا القانع والمعتر [السُّؤَالُ] ـ[يقول الله تعالى: (وأطعموا القانع والمعتر) ، مَن هو المعتر؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذه الكلمة جاءت في سياق آيات من سورة الحج، حيث يقول الله : (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) الحج/٣٦-٣٧ يقول الحافظ ابن كثير في تفسير المعنى الإجمالي للآية – كما في "تفسير القرآن العظيم" (٥/٤٢٥) -: " يقول تعالى ممتنا على عباده فيما خلق لهم من البدن، وجعلها من شعائره، وهو أنه جعلها تهدى إلى بيته الحرام، بل هي أفضل ما يهدى إلى بيته الحرام. وقوله: (لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) ، أي: ثواب في الدار الآخرة. وقال الأعمش، عن أبي ظِبْيَان، عن ابن عباس في قوله: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) ، قال: قيامًا على ثلاث قوائم، معقولةً يدُها اليسرى، يقول: " بسم الله والله أكبر، اللهم منك ولك " وكذلك روى مجاهد، وعلي بن أبي طلحة، والعَوْفي، عن ابن عباس، نحو هذا. وقوله: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) قال: ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: يعني: سقطت إلى الأرض " انتهى باختصار. أما قوله تعالى: (وأطعموا القانع والمعتر) : فقد اختلف في تفسيرها أهل العلم على أقوال كثيرة، اختار الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره (ص/٥٣٨) منها: أن القانع هو الفقير الذي لا يَسأل، والمعتر: هو الفقير الذي يسأل. وهو اختيار الطاهر ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير" (١٧/١٩٢) ، بل هو اختيار أكثر المفسرين. ويكفي السائل ـ إن شاء الله ـ أن حفظ ذلك، من جملة الأقوال التي قيلت في تفسيرها. وأما عن جملة الأقوال التي قيلت فيها، فقال ابن الجوزي في "زاد المسير" (٥/٤٣٣) : " فيهما ستة أقوال: أحدها: أن القانع: الذي يسأل، والمعتر: الذي يتعرض ولا يسأل: رواه بكر بن عبد الله عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، واختاره الفراء. والثاني: أن القانع: المتعفف، والمعتر: السائل: رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والنخعي، وعن الحسن كالقولين. والثالث: أن القانع: المستغني بما أعطيته وهو في بيته، والمعتر: الذي يتعرض لك ويلم بك ولا يسأل: رواه العوفي عن ابن عباس. والرابع: القانع: أهل مكة، والمعتر: الذي يعتر بهم من غير أهل مكة: رواه خصيف عن مجاهد. والخامس: القانع: الجار وإن كان غنيا، والمعتر الذي يعتر بك: رواه ليث عن مجاهد. والسادس: القانع: المسكين السائل، والمعتر: الصديق الزائر: قاله زيد بن أسلم " انتهى باختصار. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1445

الغلامان الحليم والعليم اللذان بشر بهما إبراهيم ﵇ [السُّؤَالُ] ـ[بشر الله تعالى إبراهيم ﵇ بغلام حليم وفي آية أخرى (بغلام عليم) . فهل هو شخص واحد أم شخصان؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نعم، بشر الله تعالى إبراهيم ﵇ بغلام حليم في آية من كتابه في سورة الصافات. وجاءت البشرى بالغلام العليم في موضعين في القرآن الكريم، في سورة الذاريات وفي سورة الحجر. والذي ذهب إليه جمهور المفسرين ـ وهو الصحيح ـ أن الغلام الحليم إسماعيل ﵇، والغلام العليم هو إسحاق ﵇. ويدل على صحة هذا القول دليلان: الأول: أن الغلام العليم جاءت به البشرى لإبراهيم وامرأته وهي سارة، وابن سارة هو إسحاق. وأما إسماعيل فهو ابن هاجر جارية إبراهيم. الدليل الثاني: سياق الآيات، فإن سياق الآيات ظاهر جداً. للدلالة على هذا القول. أما البشرى بالغلام الحليم، فقد قال الله تعالى عن إبراهيم ﵇ أنه دعا ربه قائلاً: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ) سورة الصافات/١٠٠-١١٣. فهذه الآيات تدل على أن الغلام الحليم هو إسماعيل، لأنه هو الذي أمر إبراهيم بذبحه. ولا يمكن أن يكون هو إسحاق، لأن الله تعالى بعد أن ذكر قصة الغلام الحليم وهو الذبيح، بشر إبراهيم بإسحاق، فقال: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ) وهذا يدل دلالة واضحة على أن الغلام السابق ليس هو إسحاق، وأيضاً: لأن إسحاق بشر أنه سيكون نبياً فلا يمكن أن يؤمر بذبحه. ووصف إسماعيل بـ (الحليم) ، مناسب جداً، فإن الحلم هو العقل، وكمال الرأي، المتضمن كمال الصبر، وجوابه ﵇ لما أخبر بالأمر بذبحه يدل على كمال عقله، وكمال صبره، (قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ) . قال ابن كثير ﵀: "وإسماعيل وصف هاهنا بالحليم؛ لأنه مناسب لهذا المقام" انتهى. وأما الغلام العليم، فقد قال الله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتْ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) الذاريات/٢٤-٣٠. وقال تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ * وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِي الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) الحجر/٤٩-٤. فآيات سورة الذاريات تدل على أن هذا الغلام العليم سيكون من امرأته، وامرأته هي سارة، وابنها هو إسحاق. بل جاءت هذه البشرى في سورة هود صريحة بأنه إسحاق. قال الله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ * فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) هود/٩٦-٧٥. فسياق هذه الآيات موافق لسياق آيات سورة الذاريات، مما يدل على أن المبشر به في السورتين هو شخص واحد وهو إسحاق ﵇. وانفرد مجاهد ﵀، وقال: الغلام العليم هو إسماعيل، ولم يوافقه أحد من العلماء على هذا القول، بل حكموا بضعفه ورده. وهذه طائفة من أقوال العلماء، في أن الغلام الحليم هو إسماعيل، والغلام العليم هو إسحاق ﵇. قال ابن جرير الطبري (٩/٧٦٢٦) : " (قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) يعني: بإسحاق، و (عليم) بمعنى عالم إذا كبر. ورُوي عن مجاهد في قوله: (بِغُلامٍ عَلِيمٍ) قال: إسماعيل. وإنما قلت (ابن جرير) : عنى به إسحاق، لأن البشارة كانت بالولد من سارّة، وإسماعيل لهاجَر لا لسارّة" انتهى باختصار. وقال ابن كثير (٤/٢٩٩) : " (وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) وهو إسحاق، ﵇، كما تقدم في سورة هود" انتهى. واختار القرطبي أيضاً أن المراد بـ "الغلام العليم" هو إسحاق ﵇، فقال: " (وبشروه بغلام عليم) أي بولد يولد له من سارة زوجته.... "ومعنى (عليم) أي: يكون بعد بلوغه من أولي العلم بالله وبدينه. والجمهور على أن المبشَّر به هو إسحق. وقال مجاهد وحده: هو إسماعيل، وليس بشيء، فإن الله تعالى يقول: (وبشرناه بإسحق) . وهذا نص" انتهى. "تفسير القرطبي" (١٩/٤٩٤) . يشير القرطبي بذلك إلى أن آيات الصافات ذكرت البشرى بإسحاق بعد ذكر البشرى بالغلام الحليم وهو الذبيح، إسماعيل ﵇. وقال في "البحر المحيط" (١٠/١٣٩) : " (بغلام عليم) : أي سيكون عليماً، وفيه تبشير بحياته حتى يكون من العلماء. وعن الحسن: عليم نبي؛ والجمهور: على أن المبشر به هو إسحاق بن سارة. وقال مجاهد: هو إسماعيل" انتهى. وقال الشوكاني في فتح القدير (٤/١٨٣) : " (إِنَّا نُبَشّرُكَ بغلام عَلِيمٍ) والعليم: كثير العلم..... وهذا الغلام: هو إسحاق كما تقدّم في هود" انتهى. وقال أيضاً (٧/٤٦) : " (وَبَشَّرُوهُ بغلام عَلَيمٍ) أي: بشروه بغلام يولد له كثير العلم عند أن يبلغ مبالغ الرجال، والمبشر به عند الجمهور هو إسحاق. وقال مجاهد وحده: إنه إسماعيل، وهو مردود بقوله: (وبشرناه بإسحاق) الصافات/١١٢" انتهى. وقال الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (٧/٤٨٥) : " (إنا نبشرك بغلام عليم) والغلام العليم: إسحاق ﵇، أي: عليم بالشريعة، بأن يكون نبياً". وقال أيضاً (١٢/١٤٠) : " (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) الغلام الذي بشر به هو الولد الأول الذي ولد له، وهو إسماعيل لا محالة. والحليم: الموصوف بالحلم، وهو اسم يجمع أصالة الرأي، ومكارم الأخلاق، والرحمة بالمخلوق. وهذا الغلام الذي بشر به إبراهيم هو إسماعيل ابنه البكر، وهذا غير الغلام الذي بشره به الملائكة الذين أرسلوا إلى قَوم لوط في قوله تعالى: (قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) الذاريات/٢٨، فذلك وُصف بأنه (عليم) . وهذا وصُف بـ (حَلِيمٍ) . وأيضاً: ذلك كانت البشارة به بمحضر سَارَة أمِّه، وقد جُعلت هي المبشرة في قوله تعالى: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا) هود/٧٢، فتلك بشارة كرامة، والأولى بشارة استجابة دعائه، فلما ولد له إسماعيل تحقق أمل إبراهيم أن يكون له وارث من صلبه" انتهى باختصار. وقال السعدي (ص٩٦٣) : " (لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) وهو إسحاق ﵊، تضمنت هذه البشارة بأنه ذكر لا أنثى (عليم) أي: كثير العلم، وفي الآية الأخرى: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) " انتهى. وقال أيضاً (ص٨٣١) : "فبشرناه بغلام حليم" وهذا إسماعيل بلا شك، فإنه ذكر بعده البشارة بإسحاق، ولأن الله تعالى قال في بشراه بإسحاق: (فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب) ، فدل على أن إسحاق غير الذبيح، ووصف الله إسماعيل ﵇ بالحلم، وهو يتضمن الصبر وحسن الخلق وسعة الصدر والعفو عمن جنى" انتهى. وقال الشيخ ابن عثيمين في تفسير سورة الذاريات: " (وبشروه بغلام عليم) البشارة هي الإخبار بما يسر، أي: أخبروه بما يسره وهو الغلام العليم، وكان إبراهيم ﵊ قد بلغ من الكبر عتيًّا قبل أن يولد له، فبشروه بهذا الغلام، وبشروه بأنه عليم أي: سيكون عالماً؛ لأن الله تعالى جعله من الأنبياء، والأنبياء هم أعلم الخلق بالله وأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله، وهذا الغلام العليم غير الغلام الحليم، لأن في القرآن أن إبراهيم بُشر بغلام عليم في آيتين من كتاب الله، وبشر بغلام حليم في آية واحدة، وهما غلامان، أما الغلام الحليم فإنه إسماعيل أبو العرب، وأما الغلام العليم فإنه إسحاق أبو بني إسرائيل، ولذلك تجد قصتهما مختلفة، ولقد أبعد عن الصواب، من قال: إن الغلام الحليم هو الغلام العليم، بل ونص صريح في سورة الصافات أنهما غلامان مختلفان، فإن الله تعالى لما ذكر قصة الذبيح في سورة الصافات قال بعدها: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) فكيف يبشر بمن أمر بذبحه، وكان عنده وبلغ معه السعي، كل هذا مما يدل على أن الغلام الحليم غير الغلام العليم" انتهى. وقال ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر آيات سورة الصافات وفيها قصة الذبيح الذي هو الغلام العليم: ثم قال تعالى: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) الصافات/١١٢، فهذه بشارة من الله تعالى له شكراً على صبره على ما أمر به، وهذا ظاهر جدا في أن المبشَّر به غير الأول، بل هو كالنص فيه" انتهى من "زاد المعاد" (١/٧٣) . وقال أيضاً (١/٧٤) : " فإن الله سبحانه سمى الذبيح حليما، لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه للذبح طاعة لربه، ولما ذكر إسحاق سماه عليما، فقال تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ) الذاريات/٢٤، ٢٥، إلى أن قال: (قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) الذاريات/٢٨، وهذا إسحاق بلا ريب لأنه من امرأته وهي المبشرة به، وأما إسماعيل فمن السُّرِّيّة (يعني: الأمة) ، وأيضا: فإنهما بشرا به على الكبر واليأس من الولد، وهذا بخلاف إسماعيل فإنه ولد قبل ذلك" انتهى. وبهذا يتبين أن الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم هو إسماعيل، والغلام العليم هو إسحاق، عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1446

كم سنة عاش نوح ﵇ ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل عاش نوح ﵇ (٩٥٠) سنة، ولماذا ذكر قي القرآن أنه عاش ألف سنة إلا خمسين عاما، حيث ميز بين السنة والعام؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله في عمر نوح ﵇ العظة والعبرة البالغة: فهي قرون طويلة قضاها في قومه يدعوهم إلى الله تعالى، يشفق عليهم من عذابه، ويرجو لهم رحمته، ولم يصبه اليأس ولا أخذه القنوط، بل رجا أن يهديهم الله على يديه وإن طال الزمان، فكانت سنوات عمره دروسا للدعاة والمعلمين والمربين في الصبر والعزيمة والإيمان. كما أن فيها من العظة والعبرة لكل إنسان، ليدرك أن الموت آت وإن طال الزمان، وأن العمر إنما هو أيام تتقضى مع غروب شمس كل يوم، لتسدل الستار على قصة روحه التي منحت فرصة نيل السعادة الأبدية في الجنة، فيا فوزها إن كان سعيها في تحصيل هذه السعادة، ويا خسارها إن قصرت وفرطت. روى ابن أبي الدنيا في "الزهد" (رقم/٣٥٨) بسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ملك الموت إلى نوح ﵇، فقال: يا أطول النبيين عمرا! كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال: " كرجل دخل بيتا له بابان، فقام في وسط البيت هنيهة – القليل من الزمان -، ثم خرج من الباب الآخر " انتهى. والمسلم الحصيف هو الذي يلتفت إلى هذه المعاني والعبر، فتبعث في نفسه العزيمة وتحثها على العمل، ولا ينبغي أن يشغل باله كثيرا بتفاصيل التاريخ التي لم يلتفت إليها الوحي في بيانه، ولم يثبت فيها شيء من أدلة الشريعة المعتمدة. ومن ذلك السؤال عن تحديد عمر نوح ﵇، فقد ورد فيه عدة أقوال لعلماء للسلف من الصحابة والتابعين، ولم يثبت فيه شيء من الكتاب والسنة الصريحة كي يجزم بأحد هذه الأقوال، ولكننا نسرد هذه الأقوال هنا من باب زيادة العلم بما تنقله كتب السلف: القول الأول: (٩٥٠) سنة: وهو قول قتادة. جاء في "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير (٦/٢٦٨) : " وقال قتادة: يقال إن عمره كله كان ألف سنة إلا خمسين عاما، لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلثمائة سنة، ودعاهم ثلثمائة، ولبث بعد الطوفان ثلثمائة وخمسين سنة " انتهى. روى نحوه ابن أبي حاتم في "التفسير" (رقم/١٨٠٤١) القول الثاني: (١٠٥٠) سنة: قاله ابن عباس. عن ابن عباس ﵄ قال: " بعث الله نوحا وهو ابن أربعين سنة، ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله، وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا " انتهى. عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٥٥) لكل من ابن أبي شيبة (٧/١٨) ، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم (٩/٢٥١) ، وصححه وابن مردويه. القول الثالث: (١٠٢٠) سنة: قول كعب الأحبار. روى ابن أبي حاتم في "التفسير" (رقم/١٨٠٤٣) حدثنا أبو زرعة، ثنا صفوان، ثنا الوليد، ثنا أبو رافع إسماعيل بن رافع، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن كعب الأحبار، في قول الله: " فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما "، قال:"عاش بعد ذلك سبعين عاما". القول الرابع: (١٤٠٠) سنة: يحكى عن ابن عباس، وهو قول وهب بن منبه: انظر "تفسير القرطبي" (١٣/٣٣٢) القول الخامس: (١٦٥٠) سنة: قول عون بن أبي شداد. عن عون بن أبي شداد، قال: " إن الله ﵎ أرسل نوحا إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاث مائة سنة، فدعاهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاث مائة سنة " رواه ابن أبي حاتم في "التفسير" (رقم/١٨٠٤٤) والطبري في "جامع البيان" (٢٠/١٧) القول السادس: (١٧٠٠) سنة، قول عكرمة. عن عكرمة ﵁ قال: " كان عمر نوح ﵇ قبل أن يبعث إلى قومه وبعدما بعث ألفا وسبعمائة سنة " انتهى. عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٥٦) لعبد بن حميد قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (٦/٢٦٨) بعد أن استغرب الأقوال السابقة: " وقول ابن عباس أقرب " انتهى. ثانيا: اختلف المفسرون أيضا في الحكمة من استعمال لفظي " السنة " و " العام "، على قولين: القول الأول: ذهب بعض المفسرين إلى أنها حكمة لفظية فحسب، لأن تكرار اللفظ نفسه فيه ثقل على اللسان، فجاء بلفظ مرادف مغاير، وهو " عاما " لتحقيق الخفة المطلوبة. يقول الزمخشري في "الكشاف": " فإن قلت: فلم جاء المميز أوّلاً بالسنة وثانياً بالعام؟ قلت: لأنّ تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد حقيق بالاجتناب في البلاغة، إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض ينتحيه المتكلم من تفخيم أو تهويل أو تنويه أو نحو ذلك " انتهى. وبنحوه في "التحرير والتنوير" (٢٠/١٤٦) القول الثاني: أن استعمال لفظ " السنة " جاء للدلالة على صعوبة السنوات التي قضاها نوح ﵇ في دعوة قومه، فهي سنوات عجاف من حيث الخير والمطر والبركة، ومن حيث مشقتها أيضا على نوح ﵇ في أمر الدعوة، حيث واجهه قومه بالإعراض والأذى، ثم عاش بعد الطوفان وهلاك الكفر من الأرض أعواما من الخصب والنعيم والرخاء، والعرب تطلق لفظ " السنة " على أيام الجدب والقحط، ولفظ " العام " على أيام الرخاء والنعيم. يقول الراب الأصفهاني في "مفردات ألفاظ القرآن" (٢/١٤٠) : " العام كالسنة، لكن كثيرا ما تستعمل السنة في الحول الذي يكون فيه الشدة أو الجدب؛ ولهذا يعبر عن الجدب بالسنة، والعام بما فيه الرخاء والخصب، قال: (عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون) يوسف/٤٩، وقوله: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) العنكبوت/١٤، ففي كون المستثنى منه بالسنة والمستثنى بالعام لطيفة. وقال برهان الدين البقاعي "نظم الدرر" (١٤/٤٠٤) : " وعبر بفلظ " سنة " ذما لأيام الكفر ... وقال: " عاما " إشارة إلى أن زمان حياته ﵊ بعد إغراقهم كان رغدا واسعا حسنا بإيمان المؤمنين، وخصب الأرض " انتهى. ونحوه توجيه الإمام الزركشي في "البرهان في علوم القرآن" (٣/٣٨٦) وجمع بعض أهل العلم بين هذين القولين، إذ لا مانع من اعتبار الحكمتين من هذه المغايرة: اللفظية والمعنوية، وأقوال المفسرين - إن لم تتعارض - فالأخذ بها جميعها أولى من اطراح بعضها: يقول ابن عادل في "اللباب" (١٢/٤٢٩) : " وقد روعيت هنا نكتة لطيفة، وهو أن غَايَرَ بين تَمْيِيزي العَدَد فقال في الأول " سنة " وفي الثاني " عاماً "، لئلا يثقل اللفظ، ثم إنه خص لفظ العام بالخمسين إيذاناً بأن نبي الله ﷺ لما استراح منهم بقي في زمن حسن، فالعرب تعبر عن الخَصْب بالعام، وعن الجَدْب بالسنة " انتهى. وانظر جواب السؤال رقم (١٠٤٧٠) ، (١٠٥٥١) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1447

تفسير قوله تعالى: (وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا) [السُّؤَالُ] ـ[في سورة الجن، الآية (رقم/٣) : (وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا) يكررها النصارى تشكيكا في ديننا، كيف نرد عليهم ردا مفحما؟ هل المتحدث هنا هم الجن جهلا منهم؟ أم المقصود بقوله (جد) ضد الهزل؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذه الآية من سورة " الجن " ذات الوقع المؤثر في النفوس، تحكي حديثا صدر عن الجن الذين استمعوا القرآن من النبي ﷺ ، فآمنوا بالقرآن، وأسلموا. قال الله تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا. وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا. وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا) الجن/١-٤. وظاهر جداً من سياق الآيات: أن الجن أعلنوا إيمانهم بوحدانية الله، ورفضهم لما يقوله المشركون من نسبة الصاحبة والولد إلى الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. والجد في الآية معناه: العظمة والجلال، وليس معناه "أبو الأب" كما فهم هؤلاء المفترون. قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" (١/٣٦٤) : " الجيم والدال أصولٌ ثلاثة: الأوَّل العظمة، والثاني: الحَظ، والثالث: القَطْع. فالأوّل: العظمة: قال الله جلّ ثناؤُه إخباراً عمّن قال: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا) الجن/٣. ويقال: " جَدَّ الرجُل في عَينِي " أي: عَظُم، قال أنسُ بنُ مالكٍ: (كان الرجلُ إذا قرأ سورةَ البقرة وآلِ عِمرانَ جَدَّ فينا) أي: عَظُم في صُدورِنا. والثاني: الغِنَى والحظُّ: قال رسول الله ﵌ في دعائه: (لا يَنْفَع ذا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ) يريد: لا ينفَعُ ذا الغنى منك غِناه، إنّما ينفعه العملُ بطاعتك. والثالث: يقال: جَدَدت الشيءَ جَدّاً، وهو مجدودٌ وجَديد، أي: مقطوع " انتهى. وانظر: "لسان العرب" (٣/١٠٧) . فتفسير عبارة الجن التي حكاها الله عنهم: (وأنه تعالى جد ربنا) كتفسير دعاء استفتاح الصلاة أيضا: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ) رواه مسلم موقوفا عن عمر (٣٩٩) . والمقصود في كل منهما: تعالت وارتفعت عظمة الله تعالى، وكبرياؤه، وعزته، ونحو ذلك من المعاني التي فيها تعظيم الله تعالى وإجلاله. لذلك حكى ابن الجوزي في "زاد المسير" (٨/٣٧٨) الأقوال في تفسير الآية، فقال: " للمفسرين في معنى: (تعالى جَدُّ ربِّنا) سبعة أقوال: أحدها: قدرة ربنا، قاله ابن عباس. والثاني: غنى ربنا، قاله الحسن. والثالث: جلال ربنا، قاله مجاهد وعكرمة. والرابع: عظمة ربنا، قاله قتادة. والخامس: أمر ربنا، قاله السُّدِّي. والسادس: ارتفاعُ ذِكْرِه وعظمته، قاله مقاتل. والسابع: مُلك ربنا وثناؤه وسلطانه، قاله أبو عبيدة " انتهى. وهذه المعاني كلها متقاربة وتدل على عظمة الله تعالى وكبريائه. والمعنى الإجمالي منها في الآية: هو التعبير عن الشعور باستعلاء الله سبحانه وبعظمته وجلاله عن أن يتخذ صاحبة، أي: زوجة، وولداً، بنين أو بنات! وكانت العرب تزعم أن الملائكة بنات الله، جاءته من صهر مع الجن! فكذبت الجن هذه الخرافة الأسطورية. قال ابن عاشور في "التحرير والتنوير" (١٤/٢٢٢) : "التعالي: شدة العلوّ. والجَدّ: العظمة والجلال، وهذا تمهيد وتوطئة لقوله: (ما اتخذ صاحبة ولا ولَداً) ، لأن اتخاذ الصاحبة للافتقار إليها لأنسها وعونها والالتذاذ بصحبتها، وكل ذلك من آثار الاحتياج، والله تعالى الغني المطلق، وتعالى جَدّه بغناه المطلق، والولد يرغب فيه للاستعانة والأنس به. . . وكل ذلك من الافتقار والانتقاص" انتهى. وقال السعدي في تفسيره (ص ١٠٥٥) : " (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا) أي: تعالت عظمته وتقدست أسماؤه، (مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا) فعلموا من جَدِّ الله وعظمته، ما دلهم على بطلان من يزعم أن له صاحبة أو ولدا، لأن له العظمة والكمال في كل صفة كمال، واتخاذ الصاحبة والولد ينافي ذلك، لأنه يضاد كمال الغنى" انتهى وسئل الشيخ ابن باز ﵀: ما معنى قولنا في دعاء الاستفتاح للصلاة: (وتعالى جدك) ؟ الجواب: " معنى ذلك: تعالى كبرياؤك وعظمتك، كما قال سبحانه في سورة الجن - عن الجن - أنهم قالوا: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا) " انتهى. "فتاوى الشيخ ابن باز" (١١/٧٤) . فتبين من ذلك أن في الآية رداًّ على من نسب لله الصاحبة والولد، كالمشركين والنصارى، لأن ذلك يتنافى من عظمة الله وجلاله. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] موقع الإسلام سؤال وجواب

стр. 1448

الجمع بين آية (والله يعصمك من الناس) وموته ﷺ بالسم [السُّؤَالُ] ـ[كيف نوفق بين الآية (والله يعصمك من الناس) أي: من القتل، وبين الحديث الذي ترويه عائشة في صحيح البخاري (يا عائشة، ما أزال أجد الم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم) ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نص الآية: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) المائدة/ ٦٧. نص الحديث: قالت عَائِشَةُ رضى الله عنها: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ فِى مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ: يَا عَائِشَةُ، مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِى أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِى مِنْ ذَلِكَ السَّمِّ. رواه البخاري (٤١٦٥) . " الطعام ": هو الشاة المسمومة. " أوان ": وقت، وحين. " أبهَري ": عرق مرتبط بالقلب، إذا انقطع مات الإنسان. وأصل القصة: عَنْ أَنَسٍ أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لأَقْتُلَكَ، قَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ. رواه البخاري (٢٤٧٤) ومسلم (٢١٩٠) . ثانياً: يجب أن يَعلم المسلم أنه ليس ثمة تعارض بين نصوص الوحي، وما يظنه بعض الناس من وجود تعارض بين نصوص الوحي بعضها مع بعض: فهو تعارض في ظاهر الأمر بالنسبة له، وليس تعارضاً في واقع الأمر، ولذا فإن علماء الإسلام الراسخين لا يعجزهم – بفضل الله وتوفيقه – من بيان أوجه التوفيق بين ما ظاهره التعارض بالنسبة لمن يرى ذلك ممن يخفى عليه وجه الجمع بين تلك النصوص. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من جميع الوجوه، وليس مع أحدهما ترجيح يقدم به. " المسودة " (٣٠٦) . وقال ابن القيم ﵀: وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه ليس أحدهما ناسخاً للآخر: فهذا لا يوجد أصلاً، ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق ﷺ الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق. " زاد المعاد " (٤ / ١٤٩) . وقال ابن القيم ﵀ – أيضاً -: فصلوات الله وسلامه على مَن يصدّق كلامُه بعضه بعضاً، ويشهد بعضه لبعض، فالاختلاف، والإشكال، والاشتباه إنما هو في الأفهام، لا فيما خرج من بين شفتيه من الكلام، والواجب على كل مؤمن أن يَكِلَ ما أشكل عليه إلى أصدق قائل، ويعلم أن فوق كل ذي علم عليم. " مفتاح دار السعادة " (٣ / ٣٨٣) . وقال الشاطبي – ﵀: كل مَن تحقق بأصول الشريعة: فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض، كما أن كل مَن حقق مناط المسائل: فلا يكاد يقف في متشابه؛ لأن الشريعة لا تعارض فيها البتة، فالمتحقق بها متحقق بما في الأمر، فيلزم أن لا يكون عنده تعارض، ولذلك لا تجد ألبتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ: أمكن التعارض بين الأدلة عندهم. " الموافقات " (٤ / ٢٩٤) . وقد برز طوائف من العلماء يتحدون من يزعم وجود تعارض بين نصوص الوحي؛ ومنهم الإمام ابن خزيمة ﵀ حيث كان يقول – كما في " تدريب الراوي " (٢ / ١٧٦) -: " لا أعرف حديثين متضادين، فمن كان عنده فليأتني به لأؤلف بينهما ". ثالثاً: ما ذكره الأخ السائل مما ظاهره التعارض بين قوله تعالى (والله يعصمك من الناس) مع قوله ﷺ (وهذا أوان انقطاع أبهري) وأنه مات بالسم الذي وضعه له اليهود: فليس بينهما تعارض – بتوفيق الله -؛ لأن " العصمة " في الآية هي: العصمة من الفتنة، ومن الضلال، ومن القتل قبل تبليغ الرسالة، وكل ذلك قد تحقق له ﷺ ، وقد عصمه ربه تعالى من كل ذلك، ولم يمت ﷺ إلا بعد أن أبلغ رسالة ربه تعالى، وقد قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً) المائدة/ من الآية ٣، وقد ذكر بعض العلماء معنى لطيفاً ها هنا، وهو أن الله تعالى أبى إلا أن يجمع لنبينا ﷺ بين النبوة والشهادة. وقد عصم الله تعالى نبيه ﷺ من كفار قريش عندما أرادوا قتله في مكة، وعصمه ربه من القتل في المدينة فيما حضره من غزوات، بل وحتى محاولة اليهود قتله بالسم: فإن الله تعالى قد عصمه منها، فأخبرته الشاة أنها مسمومة، ومات الصحابي الذي كان معه، وأكل منها – وهو بِشْر بْن الْبَرَاء بْن مَعْرُور - ولم يمت ﷺ ، ولا يخالف هذا وجوده أثر ذلك السم، واعتقاده أنه سيموت بسببه، وما قاله ﷺ ليس فيه أن السم هو سبب موته، بل فيه أنه يشعر به، ونه قد يكون هذا هو الموافق لانتهاء أجله. وبكل حال: فإن العصمة من القتل هي فيما كان قبل تبليغ رسالة ربه، ولم يمت ﷺ إلا وقد أبلغها على أكمل وجه، وسياق الآية يدل على ذلك، حيث أمره ربه تعالى بتبليغ الرسالة، وأخبره أنه يعصمه من الناس. ومما يدل على ذلك أيضاً: قوله ﷺ لليهودية (مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ) بعد أن أخبرته أنها أرادت قتله، وهو نص إما في عصمته من القتل بالسم حتى فارق الدنيا، أو هو نص في ذلك قبل تبليغ الرسالة. وخلاصة الكلام: أنه إما أن يُقال بأن النبي صلى الله عليه سلم عُصم من القتل بالسم – كما سيأتي في كلام ابن كثير والنووي وغيرهما -، وقد أوحى الله بوجود السم فيها، وهذا من عصمته له، أو يقال: إن العصمة هي في أثناء التبليغ لرسالة الإسلام، ولا ينافي ذلك وقوع القتل بعد التبليغ لها – كما سيأتي في كلام القرطبي وابن حجر والعثيمين -، وأن الله تعالى جمع بذلك القتل لنبينا ﷺ بين النبوة والشهادة، وجعل ذلك تذكيراً لنا على الدوام بعداوة اليهود لنا ولديننا. وهذه بعض أقوال علماء الأمة فيما ذكرناه، وهو يوضح المقصود إن شاء الله. ١. قال ابن كثير – ﵀: ومِن عصمة الله لرسوله ﷺ : حفْظُه له من أهل مكة، وصناديدها، وحسَّادها، ومُعَانديها، ومترفيها، مع شدة العداوة، والبِغْضة، ونصب المحاربة له ليلاً، ونهاراً، بما يخلقه الله تعالى من الأسباب العظيمة بقَدَره، وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب، إذ كان رئيساً مطاعاً كبيراً في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله ﷺ ، لا شرعيَّة، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر، هابوه، واحترموه، فلما مات أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيراً، ثم قيض الله له الأنصار، فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى دارهم - وهي المدينة -، فلما صار إليها حَمَوه من الأحمر والأسود، فكلما همَّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء: كاده الله، ورد كيده عليه، لما كاده اليهود بالسحر: حماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سم اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر: أعلمه الله به، وحماه الله منه؛ ولهذا أشباه كثيرة جدّاً، يطول ذِكْرها. " تفسير ابن كثير " (٣ / ١٥٤) . ٢. وقال النووي – في شرحه لحديث الشاة المسمومة -: فيه بيان عصمته ﷺ من الناس كلهم، كما قال الله: (والله يعصمك من الناس) وهي معجزة لرسول الله ﷺ في سلامته مِن السم المهلك لغيره، وفي إعلام الله تعالى له بأنها مسمومة، وكلام عضو منه له، فقد جاء في غير مسلم أنه ﷺ قال: (إن الذراع تخبرني أنها مسمومة) . " شرح مسلم " (١٤ / ص ١٧٩) . ٣. وقال ابن الجوزي – ﵀ –: قوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) قال ابن قتيبة: أي: يمنعك منهم، وعصمة الله: منعه للعبد من المعاصي، ويقال: طعام لا يعصم، أي: لا يمنع من الجوع. فان قيل: فأين ضمان العصمة وقد شُجَّ جبينه، وكسِرت رَباعيته، وبولغ في أذاه؟ : فعنه جوابان: أحدهما: أنه عصمه من القتل، والأسرِ، وتلفِ الجملة، فأمّا عوارض الأذى: فلا تمنع عصمة الجملة. والثاني: أن هذه الآية نزلت بعدما جرى عليه ذلك؛ لأن " المائدة " من أواخر ما نزل. " زاد المسير " (٢ / ٣٩٧) . ٤. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀: أما ما يصيب الرسل من أنواع البلاء: فإنه لم يُعصم منه ﵊ , بل أصابه شيء من ذلك , فقد جُرح يوم أحد , وكُسرت البيضة على رأسه , ودخلت في وجنتيه بعض حلقات المغفر , وسقط في بعض الحفر التي كانت هناك , وقد ضيقوا عليه في مكة تضييقاً شديداً , فقد أصابه شيء مما أصاب من قبله من الرسل , ومما كتبه الله عليه , ورفع الله به درجاته , وأعلى به مقامه , وضاعف به حسناته , ولكن الله عصمه منهم فلم يستطيعوا قتله، ولا منعه من تبليغ الرسالة , ولم يحولوا بينه وبين ما يجب عليه من البلاغ، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ﷺ . " فتاوى الشيخ ابن باز " (٨ / ص ١٥٠) . ٥. وقال القرطبي ﵀: ليس في الآية ما ينافي الحراسة، كما أن إعلام الله نصر دينه وإظهاره، ما يمنع الأمر بالقتال، وإعداد العدد. " المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم " (٦ / ٢٨٠) . ٦. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ بعد أن ساق كلام القرطبي هذا -: وعلى هذا فالمراد: العصمة من الفتنة، والإِضلال، أو إزهاق الروح، والله أعلم. " فتح الباري " (٦ / ٨٢) . رابعاً: من الشواهد العملية على عصمته ﷺ من القتل قبل تبليغ الرسالة: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ رَجُلاً أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي فَلَمْ أَشْعُرْ إِلا وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، قَالَ: فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رواه البخاري (٢٧٥٣) ومسلم (٨٤٣) . وفي رواية: فقال: يا محمد من يمنعك مني؟ فقال رسول الله ﷺ : الله يمنعني منك، ضع السيف، فوضعه. قال النووي: ففيه بيان توكل النبي ﷺ على الله، وعصمة الله تعالى له من الناس، كما قال الله تعالى (والله يعصمك من الناس) . " شرح مسلم " (١٥ / ٤٤) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1449

معنى (الخبيثات للخبيثين) وهل يمكن العثور على زوجة صالحة ظاهراً وباطناً ؟! [السُّؤَالُ] ـ[كتبت هذه الرسالة بعد قراءتي لمقال وفي آخر المقال ذكر الموقف التالي: ساق اللالكائي بسنده أن الحسن بن زيد لما ذَكَرَ رجل بحضرته عائشة بذكر قبيح من الفاحشة، فأمر بضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله، هذا رجل طعن على النبي ﷺ ، قال الله : (الخبيثاتُ للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطّيِّباتُ للطّيِّبين والطَّيِّبون للطَّيِّبات أولئك مُبرَّئون ممّا يقولون لهم مَّغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ) ، فإن كانت عائشة رضي الله تعالى عنها خبيثة فالنبي ﷺ خبيث، فهو كافر، فاضربوا عنقه، فضربوا عنقه. فما هو تفسير آية (الخبيثاتُ للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطّيِّباتُ للطّيِّبين والطَّيِّبون للطَّيِّبات أولئك مُبرَّئون ممّا يقولون لهم مَّغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ) ؟! وقد حدثت لي تجربة شخصية من عهد قريب، حيث تزوجت من فتاة كنت أعتقد فيها الصلاح، وكان هدفي هو إقامة بيت مسلم أحاول فيه بكل جهدي أن أسير على نهج رسولنا الكريم ﵊، ومن بعده صحابته الكرام ﵃ أجمعين، وبدون الكثير من التفاصيل فقد قصَّرت في حق نفسي، ولم أُحسن السؤال عنها وعن أخلاقها، ووجدتها - غفر الله لي ولها - على جانب عظيم من الخبث، وأكثر حديثها كذب وخداع، ولم أشعر أن عندها أي حب للدين أو للالتزام، وقد طلقتها بعد أن أنجبتُ منها مرة واحدة بعدما يئستُ تماماً من الإصلاح، وأنا في قلبي حب شديد للدِّين، ولمن أراه من الصالحين، وفي المقابل عندي بغض شديد لمن أراه غير ملتزم، وبالذات إن كان يصر على المعصية أو يجاهر بها، المهم كانت تجربة زواجي وطلاقي أقسى وأمرّ ما مررت به في حياتي، وأنا الآن خائف من تكرار التجربة، وهل سأجد من تعينني على الصلاح، وكيف أطمئن طالما تعوَّد الناس على إظهار غير حقيقتهم وبالذات عند هذه الأمور؟ لأني قبل أن أتزوج تلك الفتاة كنت قد استخرت الله كثيراً، وكنت أحيانا أبكي أثناء الصلاة ليرشدني الله، وبالذات لما كنت أرى علامات منها، أو من أسرتها لا تدل على الالتزام الحقيقي، أنا لا أبرئ نفسي من الخطأ والتقصير، ولا أزكى نفسي، ولكني - والله - أحب دينه، وأغار عليه بشدة، وأبغض الكذب بغضاً شديداً، باختصار: فإني لست أظن مهما سألت أو جمعت المعلومات أو حاولت دراسة شخصية الفتاة قبل الارتباط بها - مع الضوابط الشرعية بالطبع - أني سأحسن الاختيار، إلا برحمة وفضل من الله، كما أن الزواج أصبح شديد الصعوبة هذه الأيام، وأصعب وأشد ما فيه هو كيف أجد هذه الزوجة الصالحة، فوالله إني لأظنه الآن من أصعب الأمور، وأكاد أظنه من المستحيلات إلا بقدر الله وتوفيقه ، وعندما أسمع أو أقرأ هذه الآية فإني بدون إرادتي أشعر بالحزن الشديد، فهل تعني هذه الآية أنني ما تزوجت هذه الفتاة إلا لأني أستحقها؟ أعلم أنه بلاء من الله، ولكني أبغي سماع رأي واضح في تفسير الآية، وإن أمكن الرد على باقي ما ذكرته من الاستفسارات.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) النور/ ٢٦، فقال بعضهم: هو الخبث والطِّيب في الأقوال، فيكون معنى الآية: الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من القول، وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. وقال آخرون: هو الخبث والطيب من الأفعال، فيكون معنى الآية: الأفعال الخبيثات للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من الأفعال، وكذا الأفعال الطيبات للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الأفعال. والقول الثالث في الآية: أن الخبث والطيب هو من الأشخاص في النكاح، فيكون معنى الآية: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء. ولا مانع من حمل الآية على المعاني جميعها، وإن كان أظهر الأقوال هو القول الأول، وعليه الجمهور من المفسرين، ويليه: القول الثاني. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ) أي: كل خبيث من الرجال والنساء، والكلمات، والأفعال مناسب للخبيث، وموافق له، ومقترن به، ومُشاكِل له، وكل طيِّب من الرجال والنساء، والكلمات والأفعال مناسب للطيب، وموافِق له، ومقترن به، ومشاكِل له، فهذه كلمة عامة وحصر، لا يخرج منه شيء، من أعظم مفرداته: أن الأنبياء - خصوصا أولي العزم منهم، خصوصا سيدهم محمد ﷺ ، الذي هو أفضل الطيبين من الخلق على الإطلاق - لا يناسبهم إلا كل طيب من النساء، فالقدح في عائشة ﵂ بهذا الأمر قدح في النبي ﷺ ، وهو المقصود بهذا الإفك من قصد المنافقن، فمجرد كونها زوجة للرسول ﷺ يُعلم أنها لا تكون إلا طيبة طاهرة من هذا الأمر القبيح. فكيف وهي هي؟ صدِّيقة النساء، وأفضلهن، وأعلمهن، وأطيبهن، حبيبة رسول رب العالمين، التي لم ينزل الوحي عليه وهو في لحاف زوجة من زوجاته غيرها، ثم صرح بذلك بحيث لا يُبقي لمُبطل مقالاً، ولا لشك وشبهة مجالاً فقال: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) والإشارة إلى عائشة ﵂ أصلا، وللمؤمنات المحصنات الغافلات تبعا. (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) تستغرق الذنوب. (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) في الجنة صادر من الرب الكريم. " تفسير السعدي " (ص ٥٦٣) . ثانياً: ما نقلتَه بشأن قتل من قذف عائشة ﵂ صحيح، وهذا هو الذي ينبغي على الحكام المسلمين أن يفعلوه، وهو قتل كل من قذف عائشة ﵂؛ لأن الطعن في عرض عائشة تكذيب للقرآن، وطعن في النبي ﷺ ، وكل واحدٍ من هذين يوجب الكفر المخرج من الملة، ويستحق فاعله القتل على الردة. وفي " الموسوعة الفقهية " (٢٢ / ١٨٥) : اتّفق الفقهاء على أنّ من قذف عائشة ﵂: فقد كذّب صريح القرآن الّذي نزل بحقّها، وهو بذلك كافر، قال تعالى - في حديث الإفك بعد أن برّأها الله منه -: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) ، فمن عاد لذلك: فليس بمؤمنٍ. وهل تعتبر مثلها سائر زوجات النّبيّ ﷺ ورضي الله عنهنّ؟ . قال الحنفيّة والحنابلة في الصّحيح واختاره ابن تيميّة: إنّهنّ مثلها في ذلك، واستدلّ لذلك بقوله تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) . والطّعن بهنّ يلزم منه الطّعن بالرّسول والعار عليه، وذلك ممنوع. والقول الآخر وهو مذهب الشّافعيّة والرّواية الأخرى للحنابلة: أنّهنّ - سوى عائشة - كسائر الصّحابة، وسابّهنّ يجلد، لأنّه قاذف. انتهى وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: قذْف عائشة بما برأها الله منه: كفر؛ لأنه تكذيب للقرآن، وفي قذف غيرها من أمهات المؤمنين قولان لأهل العلم، أصحهما: أنه كفر؛ لأنه قدح في النبي ﷺ ، فإن (الخبيثات للخبيثين) . " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٥ / ص ٨٦) . وانظر جواب السؤال رقم: (٩٥٤) . ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (تُنكَحُ المرأةُ لأربَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظفَر بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَدَاكَ) . رواه البخاري (٤٨٠٢) ومسلم (١٤٦٦) . ليس من المستحيل أن يجد الرجل امرأة صالحة تعينه على طاعة الله، وتقوم بخدمته، وتربي أولاده، وتحفظ ماله وبيته، وقد أوصى النبي ﷺ بنكاح ذات الدِّين، ولولا أنه بمقدور الرجل واستطاعته أن يجد تلك المرأة المتدينة لما أوصاه نبيه ﷺ بتزوجها، وهو الذي أخبر في الحديث نفسه أن من الرجال من ينكح المرأة لجمالها، ومنهم من ينكحها لحسبها، ومالها، فالرجال يختارون من النساء كلٌّ حسب رغبته، وعادته، وعرفه، والوصية لجميع المسلمين بأن يكون البحث عن ذات الدين، والاقتران بها؛ لأن في التزوج منها خيراً يراه الرجل في نفسه، وفي بيته، وعلى أولاده. ولا ينبغي لك أخي السائل قطع الأمل من وجود امرأة صاحبة دين وخلق، فما تزال أمة الإسلام بخير، وما تزال بيوت المسلمين تربي أجيالاً من النساء يحملن أخلاق الإسلام، ويتربين عليه. ولا يعني فشل تجربة في الزواج أن الحكم سينساق ليشمل كل زواج بعده، فلا يخرج ما حصل معك أولاً عن كونه عقوبة لك بسبب تقصيرك في السؤال والاستفصال عن المرأة التي تزوجتها. والناس يعرف بعضهم بعضاً، ويختلط بعضهم ببعض، فلا يخفى حال الأسرة وأفرادها عن أقربائهم، وجيرانهم، كما أن أفراد الأسرة يختلطون في المسجد، والمدرسة، والزيارات، فتُعرف المرأة الصالحة من عكسها، ويُعرف الرجل المتدين من عكسه؛ وذلك بمحافظتهما على الصلاة، والالتزام بالشرائع الظاهرة، والأخلاق في التعامل مع الآخرين، وما يخفيه أحدهم في باطنه: فهذا مما لا يمكن لأحد معرفته، ولا يلام من اغتر بصلاح الظاهر وخفي عليه فساد الباطن؛ إذ لم يكلفنا ربنا بشق بواطن الناس والاطلاع عليها. ثم إن ما يجري على النساء اللاتي تبحث بينهن عن شريكةٍ لحياتك يجري عليك أيضاً! فما الذي يُدري الناس بحقيقة أمرك، وعلم باطنك؟! وقد أوصي الأولياء بأن يزوجوا أهل الدين والخلُق من الرجال، وذلك بحسب ما يظهر منهم، مع السؤال والاستفصال من المقربين لهذا الخاطب، وما قد يقع من الإيهام والخديعة من قبَل المرأة فإنه قد يقع مثله – بل وأضعافه – من الرجال، فلا ينبغي لك أخي السائل أن تقلق وأن تغتم بسبب زواجك الأول، وكل ما عليك الآن هو البحث بأناة، وسؤال أهل الخير عن الأسر الفاضلة الكريمة التي ربَّت بناتها على طاعة الله تعالى، وعلى الأخلاق الفاضلة، ومن ثمَّ تخصص سؤالك عمن ترغب نكاحها من تلك الأسرة بسؤال صديقاتها وزميلاتها عن التزامها واستقامتها وعن أخلاقها وتعاملها، وبذلك تكون حققت وصية النبي صلى الله ليه وسلم، والمرجو أن لا يخيب ظنك بها، وأن لا تخيِّب أنت ظنهم بك. ونسأل الله تعالى أن يوفقك لحسن الاختيار، وأن يرزقك زوجة صالحة، تعفُّك، وتعفها، وتُحسن إليها وتُحسن إليك، وأن يرزقكم ذرية طيبة. ولمعرفة مواصفات الزوجة انظر جوابي السؤالين: (٢٦٧٤٤) و (١٠٣٧٦) . والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1450

الجمع بين آيتي تبشير مريم بعيسى ﵇ [السُّؤَالُ] ـ[كنت أتكلم إلى واحد من غير المسلمين حين قال أنه يوجد تعارض في القرآن؛ نعوذ بالله. وأنا أعلم تماما أن هذا إما فساد تصور أو سوء ترجمة لمعاني القرآن. لكني لم أستطع الرد عليه بالشكل الكافي لقلة علمي. وملخص هذا التعارض الذي ادعاه ما يلي: ذُكر في آية أن العديد من الملائكة بشرت السيدة مريم بميلاد عيسى (الآية ٤٢ من سورة آل عمران) بينما ذكر في آية أخرى أن الذي بشرها بذلك هو ملك واحد (الآية ١٧ من سورة مريم) ؟ فهل هم ملك واحد أم عدة ملائكة؟ رجاء إزالة هذا اللبس وتفسيره لي.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فقد صدقت في وصفك هذا القول الذي زعم صاحبه أن القرآن متعارض أنه فساد تصور، وهو إما أن يكون لسوء فهم صاحبه أو لعناده، فيبحث عن شبه يهز بها إيمان بعض المسلمين الذين يجهلون دينهم، ولذا فإن النصح مبذول لجميع إخواننا المسلمين: أن لا يتصدى أحد منهم لمناقشة المبطلين قبل أن يتسلح بسلاح العلم الذي يدفع به شبههم، وليترك هذا الأمر لأهله من العلماء الراسخين، وطلبة العلم المتقنين فربما وردت شبهة على القلب الفارغ فأثرت فيه أعظم الأثر والسلامة لا يعد لها شيء. وأما عن خصوص هذه المسألة فإنه لا تعارض بين الآيتين والحمد لله، وقد أجاب عنها علماء التفسير قديما إذ قال الرازي في تفسيره عند تفسير آية آل عمران: (المراد بالملائكة ههنا جبريل وحده وهذا كقوله سبحانه: (ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده) يعني جبريل) اهـ. وهذا ليس غريبا على لغة العرب أن يطلق الجمع ويراد به واحد، وأمثلة هذا كثيرة في القرآن كقوله سبحانه: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) آل عمران (١٧٣) والمقصود بـ (الناس) الأولى: نعيم بن مسعود، والناس الثانية المقصود به: أبو سفيان وأصحابه وليس المقصود جميع الناس. قال الإمام ابن عطية في تفسيره المحرر الوجيز: (وعبر عن جبريل بالملائكة إذ هو منهم فذكر اسم الجنس كما قال تعالى: (الذين قال لهم الناس) اهـ. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1451

هل ثبت في النصوص أن مكة المكرمة هي مركز الأرض ؟ [السُّؤَالُ] ـ[سَمعتُ بأنّ مكة المكرمة مركزُ الأرضِ. هَلْ ذلك حق؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله دراسة هذه المسألة تتفرع إلى جانبين اثنين: الجانب الشرعي، وذلك للبحث عن الأدلة من القرآن والأحاديث والآثار الواردة في هذا الموضوع. والجانب العلمي: للنظر في الأبحاث العلمية والبراهين الحسية التي تبين القضية. أولا: أما الجانب الشرعي فقد قال بعض أهل العلم: إن في القرآن الكريم إشارات إلى هذه النظرية، وفي السنة النبوية وآثار السلف تصريحٌ بها. أما إشارات القرآن ففي قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً) البقرة/١٤٣، لأن الآية في معرض الأمر باتخاذ الكعبة قبلة، فكأن معنى الآية: كما كانت الكعبة وسط الأرض، كذلك جعلناكم أنتم أمةً وسطا بين الأمم. يقول القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (٢/١٥٣) : " المعنى: وكما أن الكعبة وسط الأرض، كذلك جعلناكم أمة وسطا " انتهى. ولكن هذا واحدٌ من وجوه ستة يذكرها المفسرون في طرفي التشبيه في قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم) ، لعل أظهرها ما ذكره ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٣/١٤١) : " كما هديناكم - أيّها المؤمنون - بمحمد ﵊، وبما جاءكم به من عند الله، فخصصناكم بالتوفيق لقِبلة إبراهيم وملته، وفضلناكم بذلك على مَن سِواكم مِن أهل الملل، كذلك خصصناكم ففضَّلناكم على غيركم مِن أهل الأديان، بأن جعلناكم أمة وسطًا " انتهى. وانظر: "تفسير القرآن العظيم" (١/٤٥٤) ، "مفاتيح الغيب" (٢/٣٨٧) ، "الدر المصون" (٢/١٣٤) . وأيضا هناك إشارة في قوله : (وَهََذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مّصَدّقُ الّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمّ الْقُرَىَ وَمَنْ حَوْلَهَا) الأنعام/٩٢ فقال بعض العلماء: إنما سميت مكة " أم القرى " لأنها أصل قرى الأرض كلها، ومنها دحيت الأرض، فهي لذلك وسط الأرض. بل قال بعض أهل العلم: إن في تسميتها " مكة " إشارة إلى أنها مركز الأرض ووسطها: يقول الراغب الأصفهاني في "مفردات القرآن" (١/٤٧٠ – ٤٧١) : " مكك: اشتقاق مكة من تمكَّكْتُ العظم: أخرجت مخه، وامتكَّ الفصيلُ ما في ضِرع أمه، وعبَّر عن الاستقصاء بالتمكُّكِ. وتسميتها بذلك لأنها كانت تَمُكُّ مَن ظلم بها: أي تدقُّه وتهلكه. قال الخليل: سميت بذلك لأنها وسط الأرض، كالمخ الذى هو أصل ما في العظم " انتهى. وانظر "مفاتيح الغيب" (٤/٣١٠) حيث ذكر في اشتقاق مكة وجوها أخرى كثيرة. فالحاصل أن القرآن الكريم لا يتضمن نصًّا ولا دلالةً أو إشارةً ظاهرة بأن مكة المكرمة أو الكعبة المشرفة تقع في مركز الأرض ووسطها، وما ورد في ذلك لا يعدو كونه إشارات محتملة وإيماءات بوجه مشتبه. ثانيا: أما الأحاديث النبوية المرفوعة، فقد حاولنا جمعها بالاستقصاء من كتب السنة، كي نقف على جميع طرقها ورواياتها، فلم نجد إلا حديثا واحدا مرفوعا في هذا الباب، وهو ما جاء: عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أول بقعة وضعت في الأرض موضع البيت، ثم مدت منها الأرض، وإن أول جبل وضعه الله على وجه الأرض " أبو قبيس "، ثم مدت منه الجبال) . قال المناوي في "فيض القدير" (٣/١٠٨) : " (ثم مُدَّت) بالبناء للمجهول أي: بسطت. (منها الأرض) : من سائر جوانبها، فهي وسط الأرض وقطبها " انتهى. لكن الحديث: رواه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (٢/٣٤١) ، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣/٤٣١) ، والديلمي في "مسند الفردوس" (١/١/١١) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٠/٣١) وعزاه السيوطي في "الجامع" (٩٦٠٣) إلى الحاكم في تاريخه. كلهم من طريق: سليمان بن عبد الرحمن: نا عبد الرحمن بن علي بن عجلان القرشي نا عبد الملك بن جريج عن عطاء عن ابن عباس مرفوعاً. وهذا الحديث معل بجهالة عبد الرحمن بن علي، وبوقف الرواية على عطاء أو مجاهد من قولهم. وعبد الرحمن بن علي بن عجلان الدمشقي هذا: روى عن ابن جريج وعن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وروى عنه سليمان بن عبد الرحمن وعمرو بن عثمان الحمصي وابن بنته شيبة بن الوليد. لم يرد توثيقه إلا عن سليمان بن عبد الرحمن الراوي عنه، نقله عنه ابن عساكر في ترجمته في "تاريخ دمشق" (٣٥/١٣٣) ، غير أن سليمان هذا – وهو أبو أيوب الدمشقي – متكلم فيه، أخذوا عليه كثرة روايته عن المجهولين. قال فيه ابن معين: ثقة إذا روى عن المعروفين. وقال ابن حبان: يعتبر حديثه إذا روى عن الثقات المشاهير، فأما إذا روى عن المجاهيل ففيها مناكير. انظر ترجمته في "تهذيب الكمال" (١٢/٢٦) ، لذلك لم يعتبر أهل العلم توثيق سليمان بن عبد الرحمن لبعض من يروي هو عنهم، فذكر العقيلي عبد الرحمن بن علي بالجهالة، وأعل حديثه بالوقف على عطاء أو مجاهد، وروى ذلك بالأسانيد إليهم، فقال في ترجمته في "الضعفاء" (٢/٣٤١) : " مجهول بنقل الحديث، حديثه غير محفوظ إلا عن عطاء من قوله، مجهول بالنقل ... حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا الحارث بن زياد الجعفي قال سمعت عطاء بن أبى رباح قال: أول جبل وضع على الأرض أبو قبيس. وحدثنا أبو يحيى بن أبى مسرة قال حدثني أبى قال حدثنا سعيد بن سالم المقداح عن ابن جريج عن مجاهد قال: أول لمعة من الأرض موضع البيت مدت الأرض منها. قال أبو جعفر: هذه الرواية أولى " انتهى باختصار. كما أنه ورد نحو هذا الحديث من قول ابن عباس ﵁ كما سيأتي، وهو ما يبين وهم من رفع الحديث. وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة" (رقم/٥٨٨١) ثالثا: قد ورد في آثار الصحابة والتابعين روايات كثيرة تدل على أنهم كانوا يرون وسط الأرض في مكة المكرمة: ١- جاء من قول عبد الله بن عمرو بن العاص: " خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان إذ كان عرشه على الماء زبدةً بيضاء، وكانت الأرض تحته كأنها حشفة، فدحيت الأرض من تحته " رواه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٠) بسند رواته ثقات. وعزاه في الدر المنثور" (٢/٢٦٥) لابن المنذر والطبراني والبيهقي في "الشعب". ٢- وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: " وضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت ". رواه الطبري في تفسيره (٣/٦١) بسند لا بأس به. ٣- وورد من كلام أبي هريرة ﵁ أنه قال: " خُلقت الكعبة قبل الأرض بألفي سنة. قالوا: كيف خلقت قبل وهي من الأرض؟ قال: كانت حشفة – يعني: جزيرة - على الماء، عليها ملكان يسبحان الليل والنهار ألفي سنة، فلما أراد الله أن يخلق الأرض دحاها منها، فجعلها في وسط الأرض " عزاه في "الدر المنثور" (١/١١٥) إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم. وقد وقفت على سنده في "مجلس إملاء في رؤية الله ﵎" لأبي عبد الله الدقاق (ص/٢٨٧) وفي "أمالي ابن بشران" (٢/٢٠٤) وفيه أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني ترجمته في "تهذيب التهذيب" (١٠/٤٢٢) وأكثر كلمة المحدثين على تضعيفه. أما عن التابعين: فقد جاء عن مجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وغيرهم نحو هذا الكلام، كما عند ابن أبي حاتم والطبري في تفسيريهما، وكذا في مصنف عبد الرزاق (٥/٩٠) ، ومن الكتب التي توسعت في نقل هذه الأخبار: "أخبار مكة" للأزرقي، و "أخبار مكة" للفاكهي. وهذه الآثار مما تحتمل أن يكون لها حكم الرفع، وتحتمل أيضا أن تكون منقولة عن أهل الكتاب، فإن كتبهم مليئة بأخبار خلق السماوات والأرض وبدء الخليقة. يؤيد ذلك ورود الأثر السابق عن كعب الأحبار، كما يرويه عنه عبد الرزاق في "المصنف" (٥/٩٥) أنه قال: " كان البيت غثاء على الماء قبل أن يخلق الله تعالى الأرض بأربعين عاما، ومنه دحيت الأرض " انتهى. كما ورد عن قتادة ﵀ – في "فضائل الصحابة" للإمام أحمد (٢/٩٠١) – أن صخرة بيت المقدس هي وسط الأرض. وذلك ما قد يشعر بأن الأمر مأخوذ عن أخبار متضاربة عن أهل الكتاب. رابعا: فالحاصل مما سبق أنك لا تجد دليلا ظاهرا يقوى للدلالة على أن مكة المكرمة هي مركز الأرض، ولكن الإشارات التي ذكرناها في بعض النصوص، على ما فهمه منها بعض أهل العلم، وما جاء في الآثار السابقة، تشعر بأن لهذه الكلام أصلا، وهي قرائن ترجح قول من قال ذلك، ما لم يظهر خلافها بالأدلة العلمية الصحيحة. خامسا: أما من الناحية العلمية، فنحن لسنا من أهل التخصص في علوم الأرض و " الجغرافيا "، فلزم أن نقف في البحث عند هذا الحد، ولكن نحيلك على بعض المتخصصين من أهل العلم الذين بحثوا في هذا الأمر، وتوصلوا إلى أن مكة المكرمة هي مركز الأرض ووسطها، فلعل في أبحاثهم العلمية ما يقوي هذا الجانب، مع إبقاء الأمر تحت دائرة البحث والنظر، وهو في غايته أمر اجتهادي قابل للصواب والخطأ. انظر: بحث: " إسقاط الكرة الأرضية بالنسبة لمكة المكرمة " د. حسين كمال الدين أحمد: " مجلة البحوث الإسلامية " – الرياض – (٢/٢٩٢) وبحث " الإسقاط المكي للعالم " د. حسين كمال الدين أحمد: "مجلة البحوث الإسلامية" – الرياض – (٦/٢٢٥) وانظر الروابط الآتية: http://www.elnaggarzr.com/index.php?l=ar&id=١١&cat=٣٩ http://www.elnaggarzr.com/index.php?l=ar&id=٤٧٦&p=٢&cat=٥٧٥ http://www.elnaggarzr.com/index.php?l=ar&id=٤٨٨&p=٢&cat=٥٩٥ http://www.islamtoday.net/questions/show_question_content.cfm?id=١١٤٥٨٣ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1452

الغيب المطلق لا يعلمه إلا الله [السُّؤَالُ] ـ[أود معرفة كيف يتوافق إخبار القرآن بأنه لا يعلم الغيب إلا الله مع اكتشافي بأن النبي ﷺ أخبرنا في أحد الأحاديث بأن تنبؤ الجن بما سيحدث في المستقبل يحمل جزءا من الصدق، ثم يدخل الجن به مئات الأكاذيب ويخبرونا بها، كما أخبرنا النبي ﷺ في أحاديث أخرى بأن التنجيم يقوم على الأكاذيب " الشمس والقمر هما آيتان فقط من آيات الله ". فكيف تخبرنا الجن بما سيحدث فى المستقبل مع أنه لا يعلم بذلك إلا الله؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله: فإن علم الغيب مما استأثر الله تعالى بعلمه كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، فقد قال الله تعالى: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) النمل/٦٥، وقال سبحانه: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) الأنعام/٥٩. وقد فسر النبي ﷺ هذه المفاتيح بالأمور الخمسة التي وردت في سورة لقمان في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الآية/٣٤، وروى البخاري في صحيحه حديث رقم (٤٤٧٧) عن عائشة ﵂ أنها قالت: (من حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب ثم قرأت: وما تدري نفس ماذا تكسب غدا) . ولكن من المهم في هذه المسألة أن نعلم ما هو الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه فإن الغيب معناه ما كان غائبا؛ وهذا الغائب إما أن يكون غائبا عن الخلق كلهم - أهل السماء وأهل الأرض -، فهذا النوع من الغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه وهو الذي يسمى بالغيب المطلق. وإما أن يكون هذا الغائب غائبا عن بعض الخلق، ومعلوما لخلق آخرين، فهذا إنما يسمى غيبا بالنسبة للجاهل به، وليس هو غيبا عن جميع الخلق، فلا يختص الله بعلمه. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "شرح العقيدة الواسطية" (ص/١٥٨) : " المراد بالغيب: ما كان غائباً، والغيب أمر نسبي، لكن الغيب المطلق علمه خاص بالله " انتهى. وما يخبر به الكهان، مما سيقع في المستقبل ليس من علم الغيب في شيء، وليس من علم الغيب في شيء، وليس من علم ما في غد، بل هم كذابون في دعاواهم؛ لكن قد أخبرنا النبي ﷺ أنهم سرقوا علم ذلك، مما أوحاه الله على ملائكته، فعن عائشة ﵂ قالت: سَأَلَ أُنَاسٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْكُهَّانِ، فَقَالَ: (إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنْ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيُقَرْقِرُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ) رواه البخاري برقم (٧٥٦١) . وقد بين لنا النبي ﷺ كيفية استراق الجن لهذه الكلمة فقال: (وَلَكِنْ رَبُّنَا ﵎ اسْمُهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ، فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ. قَالَ: فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَتَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ وَيُرْمَوْنَ بِهِ فَمَا جَاءُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ) رواه مسلم برقم (٢٢٢٩) . فتبين من هذا أن الجن لا يعلمون الغيب وإنما يسترقون السمع من الكلام الذي تردده الملائكة، والملائكة أنفسهم لم يكن عندهم شيء من علم ذلك، إلا بعد أن أعلمهم الله به، وبعد علمهم به لم يعد غيبا مطلقا، وأما قبل ذلك فإنهم كغيرهم من الخلق لايعلمون من الغيب شيئا، فرجع هذا إلى إخبار الله، وإعلامه لهم، قال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً) الجن/٢٦. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " إن أشرف الرسل الملكي وهو جبريل سأل أشرف الرسل البشري وهو محمد ﵊ قال أخبرني عن الساعة؟ قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) ، والمعنى: كما أنه لا علم لك بها، فلا علم لي بها أيضا) انتهى. "شرح العقيدة الواسطية" (ص/١٥٨) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1453

معنى آية (والقمر قدّرناه منازل ..) [السُّؤَالُ] ـ[إنني أميل إلى الإسلام، ومنذ عام ١٩٩٤م بدأت أقرأ القرآن وأحاديث الرسول ﷺ من وقت مبكر من هذه السنة، ولقد وجدت إشباعاً روحياً عظيماً في الإسلام. سوف أتلقى دروساً لأنني أخطط لاعتناق الإسلام. أنا لست متأكدة من معنى آية في سورة ياسين وآمل أن تستطيع مساعدتي (الآية رقم ٣٩) وهي قوله تعالى: (والقمر قدرناه منازل ... الآية) إنني ممتنة لمساعدتك، وأدعو الله أن يهديك ويحفظك ويبارك لمساعدتك التي تمنحها لناس كثير في أنحاء العالم عن طريق أجوبتك.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: أريد أن أهنئك أيتها السائلة على القناعة التي وصلت إليها بصحة دين الإسلام وأنّه الدّين الوحيد الذي يلبي حاجات النفس ويجلب لها الطمأنينة والسعادة ويبدو من ألفاظ سؤالك التأثّر الواضح بما قرأتيه عن الإسلام حتى لو أنّك لم تخبرينا بأنّك هندوسية لما ظنّنا إلا أنك مسلمة من خلال الأسلوب المستخدم في السؤال. وأهمّ ما أريد أن أقدّمه لك من النّصيحة هنا هو المسارعة بالدخول في الإسلام وأن يكون ذلك عاجلا غير آجل وإذا كان الشّخص قد تبينت له كلّ هذه الحقائق فلماذا يتأخّر عن الدخول في الإسلام؟ وهناك أمر آخر يحسن التنبيه عليه وهو أنّ بعض الذين يريدون الدّخول في الإسلام يؤخّرون دخولهم فيه حتى يتعلموا قدرا من هذا الدّين ككيفية الصلاة ونحو ذلك لظنّهم ربّما أنّه لا يصلح الدّخول في الدّين إلا بعد قطع شوط في تعلّمه وهذا أمر غير صحيح فإنّه متى تبيّن للإنسان الحقّ وجب عليه أن يتّبعه ويدخل في الإسلام فورا ثمّ يتعلّم الكتاب والسنّة ويتفقّه في الدّين ويتدرّج في سلّم العلم والعمل بحسب قدرته واستطاعته، لأنّ الإنسان لا يدري متى توافيه المنيّة، فإذا لقي الله بغير الإسلام كان من الهالكين، ثمّ إنّ الإنسان لا يُؤجر ولا تُكتب له الحسنات إلا بعد الدّخول في الدّين فيفوته خير كثير نافع إذا أخّر إسلامه، والوقت المنصرم من العُمُر لا يُمكن أن يعود. هذا ونعود إلى سؤالك - أيتها السائلة العاقلة الموفّقة إلى الحقّ بإذن الله - بشأن معنى الآية التاسعة والثلاثين من سورة يس. في هذه الآية يقول جلّ وعلا: " والقمر قدرناه منازل" أي جعلناه يسير سيرا آخر يستدل به على مضي الشهور كما أن الشمس يعرف بها الليل والنهار كما قال "يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج". وقال تعالى: "هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب" الآية.. فجعل الشمس لها ضوء يخصها والقمر له نور يخصه وفاوت بين سير هذه وهذا فالشمس تطلع كل يوم وتغرب في آخره على ضوء واحد ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفا وشتاء يطول بسبب ذلك النهار ويقصر الليل ثم يطول الليل ويقصر النهار وجعل سلطانها بالنهار فهي كوكب نهاري وأما القمر فقدّره منازل يطلع في أول ليلة من الشهر القمري ضئيلا قليل النور ثم يزداد نورا في الليلة الثانية ويرتفع منزلة ثم كلما ارتفع ازداد ضياء وإن كان مقتبسا من الشمس حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة ثم يَشرع في النقص إلى آخر الشهر حتى يصير كالعرجون القديم. قال ابن عباس ﵄ وهو أصل العذق. وقال مجاهد العرجون القديم أي العذق اليابس يعني ابن عباس ﵄ أصل العنقود من الرطب إذا عتق ويبس وانحنى ". (المرجع تفسير ابن كثير) . وهذا التشبيه في الآية للقمر في آخر الشهر بالعرجون هو قمّة البلاغة والجمال في التعبير، والحسن البالغ في انتقاء المشبّه به من البيئة المحيطة للمقارنة بالمشبّه. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 1454

هل يدخل المسلمون في الذين أذهبوا طيباتهم في الحياة الدنيا ؟ [السُّؤَالُ] ـ[من هم الذين أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا؟ هل يدخل فيهم من تلذذ بالطعام والشراب ولبس أحسن الثياب، واشترى أغلى العطور، وركب أحسن السيارات؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الله تعالى: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) الأحقاف/ ٢٠. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀: " اعلم أن للعلماء كلاما كثيراً في هذه الآية، قائلين: إنها تدل على أنه ينبغي التقشف، والإقلال من التمتع بالمآكل، والمشارب، والملابس، ونحو ذلك، وأن عمر بن الخطاب ﵁ كان يفعل ذلك خوفاً من أن يدخل في عموم مَن يقال لهم يوم القيامة: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا) ، والمفسرون يذكرون هنا آثاراً كثيرة في ذلك، وأحوال أهل الصفة، وما لاقوه مِن شدة العيش. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق إن شاء الله في معنى هذه الآية هو: أنها في الكفار، وليست في المؤمنين الذين يتمتعون باللذات التي أباحها الله لهم؛ لأنه تعالى ما أباحها لهم ليُذهب بها حسناتهم. وإنما قلنا: إن هذا هو التحقيق؛ لأن الكتاب والسنَّة الصحيحة دالان عليه، والله تعالى يقول: (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) النساء/ ٥٩. أما كون الآية في الكفار: فقد صرح الله تعالى به في قوله: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ) . والقرآن والسنَّة الصحيحة قد دلا على أن الكافر إن عمل عملاً صالحاً مطابقاً للشرع، مخلصاً فيه لله، كالكافر الذي يبر والديه، ويصل الرحم، ويقري الضيف، وينفس عن المكروب، ويعين المظلوم يبتغي بذلك وجه الله: يثاب بعمله في دار الدنيا خاصة بالرزق، والعافية، ونحو ذلك، ولا نصيب له في الآخرة. فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) هود/ ١٥، ١٦ , وقوله تعالى: (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرةِ مِنْ نَصِيبٍ) الشورى/ ٢٠. وقد قيَّد تعالى هذا الثواب الدنيوي المذكور في الآيات بمشيئته وإرادته، في قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً) الإسراء/ ١٨. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: (إن الله لا يظلم مؤمناً حسنةً، يُعطي بها في الدنيا، ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر: فيُطعم بحسناته ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزي بها) هذا لفظ مسلم في صحيحه. وفي لفظ له عن رسول الله ﷺ : (إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة في الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقاً في الدنيا على طاعته) ا. هـ. فهذا الحديث الثابت عن النبي ﷺ فيه التصريح بأن الكافر يُجازى بحسناته في الدنيا فقط، وأن المؤمن يجازى بحسناته في الدنيا والآخرة معاً، وبمقتضى ذلك يتعين تعييناً لا محيص عنه أن الذي أذهب طيباته في الدنيا، واستمتع بها هو الكافر؛ لأنه لا يجزى بحسناته إلا في الدنيا خاصة. وأما المؤمن الذي يُجزى بحسناته في الدنيا والآخرة معاً: فلم يُذهب طيباته في الدنيا؛ لأن حسناته مدخرة له في الآخرة، مع أن الله تعالى يثيبه بها في الدنيا، كما قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) الطلاق/ ٢،٣ , فجعل المخرج من الضيق له، ورزقه من حيث لا يحتسب ثواباً في الدنيا، وليس ينقص أجر تقواه في الآخرة، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. وعلى كل حال: فالله جل وعلا أباح لعباده على لسان نبيه ﷺ الطيبات في الحياة الدنيا، وأجاز لهم التمتع بها، ومع ذلك جعلها خاصة بهم في الآخرة، كما قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الأعراف/ ٣٢. فدل هذا النص القرآني أن تمتع المؤمنين بالزينة والطيبات من الرزق في الحياة الدنيا لم يمنعهم من اختصاصهم بالتنعم بذلك يوم القيامة، وهو صريح في أهم لم يُذهبوا طيباتِهم في حياتهم الدنيا. ولا ينافي هذا أن من كان يعاني شدة الفقر في الدنيا كأصحاب الصفة يكون لهم أجر زائد على ذلك؛ لأن المؤمنين يؤجرون بما يصيبهم في الدنيا من المصائب والشدائد، كما هو معلوم. والنصوص الدالة على أن الكافر هو الذي يُذهب طيباته في الحياة الدنيا؛ لأنه يجزي في الدنيا فقط كالآيات المذكورة، وحديث أنس المذكور عند مسلم: قد قدمناها موضحة في سورة " بني إسرائيل " في الكلام على قوله تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الآخرةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) الإسراء/ ١٩، وذكرنا هناك أسانيد الحديث المذكور وألفاظه. " أضواء البيان " (٧ / ٢٢٩ – ٢٣١) . غير أن هذه الآية العظيمة، وإن كانت واردة في شأن الكفار، كما هو بيِّنٌ من لفظها، وكما حققه الشيخ ﵀، فلقد كانت عادةً معروفة في السلف: أن يستدلوا بالآيات الواردة في شأن الكفار، على من عمل مثل أعمالهم من المسلمين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، بعد ما ذكر قول الله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (لأعراف:١٧٩) ، وآيات أخرى في ذلك السياق: " فطائفة من المفسرين تقول في هذه الآيات وما أشبهها كقوله: ﴿وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه﴾ وأمثالها مما ذكر الله في عيوب الإنسان وذمها، فيقول هؤلاء: هذه الآية في الكفار، والمراد بالإنسان هنا: الكافر؛ فيبقى من يسمع ذلك يظن أنه ليس لمن يظهر الإسلام في هذا الذم والوعيد نصيب ; بل يذهب وهمه إلى من كان مظهرا للشرك من العرب، أو إلى من يعرفهم من مظهري الكفر كاليهود والنصارى ومشركي الترك والهند ونحو ذلك، فلا ينتفع بهذه الآيات التي أنزلها الله ليهتدي بها عباده. فيقال: - أولا -: المظهرون للإسلام فيهم مؤمن ومنافق، والمنافقون كثيرون في كل زمان والمنافقون في الدرك الأسفل من النار. ويقال: " ثانيا: الإنسان قد يكون عنده شعبة من نفاق وكفر، وإن كان معه إيمان، كما قال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: ﴿أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر. وإذا خاصم فجر﴾ فأخبر أنه من كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق. وقد ثبت في الحديث الصحيح أنه قال لأبي ذر ﵁: ﴿إنك امرؤ فيك جاهلية﴾ وأبو ذر ﵁ من أصدق الناس إيمانا ... وإذا عرف هذا علم أن كل عبد ينتفع بما ذكر الله في الإيمان من مدح شعب الإيمان وذم شعب الكفر " انتهى. مجموع الفتاوى (١٠/١٠٥-١٠٦) ويشهد لذلك الأصل ـ أن من استعجل الطيبات، على وجه محرم، فإنه معرض للحرمان من طيبات الآخرة، بقدر ما استعجل، وإن كان مؤمنا ـ قول النبي ﷺ : (مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ) . رواه البخاري (٥٤٩٤) ومسلم (٢٠٧٣) . قال ابن القيم ﵀ وهو يعدد العقوبات التي تقع على الزاني إذا لم يتب -: ومنها: أنه يعرض نفسه لفوات الاستمتاع بالحور العين في المساكن الطيبة في جنات عدن، والله إذا كان قد عاقب لابس الحرير في الدنيا بحرمانه لبسه يوم القيامة، وشارب الخمر في الدنيا بحرمانه إياها يوم القيامة، فكذلك مَن تمتع بالصور المحرمة في الدنيا، بل كل ما ناله العبد في الدنيا من حرام: فاته نظيره يوم القيامة. " روضة المحبين " (٣٦٥ - ٣٦٨) . وذكر الشيخ الألباني ﵀ في السلسلة الصحيحة رقم (٣٨٤) حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: (من لبس الحرير في الدنيا: لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا: لم يشربه في الآخرة، ومن شرب في آنية الذهب والفضة في الدنيا: لم يشرب بها في الآخرة، ثم قال: لباس أهل الجنة، وشراب أهل الجنة، وآنية أهل الجنة) ، ثم قال: " اعلم أن الأحاديث في تحريم لبس الحرير , وشرب الخمر , والشرب في أواني الذهب والفضة , هي أكثر من أن تحصر , وإنما أحببت أن أخص هذا الحديث بالذكر , لأنه جمع الكلام على هذه الأمور الثلاثة , وساقها مساقاً واحداً , ثم ختمها بقوله: (لباس أهل الجنة ... ) , الذي يظهر أنه خرج مخرج التعليل , يعني: أن الله تعالى حرم لباس الحرير - على الرجال خاصة - لأنه لباسهم في الجنة كما قال تعالى (وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) الحج/ ٢٣ , وحرَّم الخمر على الرجال والنساء؛ لأنه شرابهم في الجنة قال تعالى (مّثَلُ الْجَنّةِ الّتِي وُعِدَ الْمُتّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مّن مّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لّبَنٍ لّمْ يَتَغَيّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مّنْ خَمْرٍ لّذّةٍ لّلشّارِبِينَ) محمد/ ١٥، وحرَّم الشرب في آنية الذهب والفضة على الرجال والنساء أيضاً؛ لأنها آنيتهم قال تعالى: (ادْخُلُواْ الْجَنّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ) الزخرف/ ٧١، فمن استعجل التمتع بذلك غير مبال ولا تائب , عوقب بحرمانه منها في الآخرة، جزاء وِفاقاً. وما أحسن ما رواه الحاكم عن صفوان بن عبد الله بن صفوان قال: " استأذن سعد على ابن عامر , وتحته مرافق - وهي شيء يتكأ عليه شبيه بالوسادة - من حرير , فأمر بها فرفعت , فدخل عليه وعليه مِطْرف خز , فقال له: استأذنت عليَّ وتحتي مرافق من حرير فأمرت بها فرفعت , فقال له: نعم الرجل أنت يا ابن عامر، إن لم تكن ممن قال الله (أَذْهَبْتُمْ طَيّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدّنْيَا) الأحقاف/ ٢٠ , والله لأن أضطجع على جمر الغضا أحب إليَّ من أن أضطجع عليها " صحيح، على شرط مسلم. " انتهى على أن التمتع بالطيبات من الرزق، وإن كان مباحا، إلا أنه لا ينبغي أن يكون غالب شأن الإنسان، ولا ينبغي له أن يعود نفسه على التنعم والإرفاه، فليس ذلك من شأن المنشغلين بالآخرة، كما في مسند الإمام أحمد (٢١٦٠٠) عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: (إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ) حسنه الألباني في صحيح الجامع. ومن السلف من كان يعد ذلك، بل ما هو دونه، من إذهاب الطيبات: روى البخاري (١٢٧٤) أن عبد الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ أتي يَوْمًا بِطَعَامِهِ فَقَالَ: " قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا بُرْدَةٌ وَقُتِلَ حَمْزَةُ أَوْ رَجُلٌ آخَرُ خَيْرٌ مِنِّي فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا بُرْدَةٌ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي ". وفي رواية للبخاري (٤٠٤٥) : (وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ الزُّهْدِ , وَأَنَّ الْفَاضِلَ فِي الدِّينِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ التَّوَسُّعِ فِي الدُّنْيَا لِئَلَّا تَنْقُصَ , حَسَنَاتُهُ , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِقَوْلِهِ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا قَدْ عُجِّلَتْ ". وروى مالك في الموطأ (١٧٤٢) أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَدْرَكَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَمَعَهُ حِمَالُ لَحْمٍ فَقَالَ: " مَا هَذَا فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَرِمْنَا إِلَى اللَّحْمِ فَاشْتَرَيْتُ بِدِرْهَمٍ لَحْمًا فَقَالَ عُمَرُ أَمَا يُرِيدُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَطْوِيَ بَطْنَهُ عَنْ جَارِهِ أَوْ ابْنِ عَمِّهِ أَيْنَ تَذْهَبُ عَنْكُمْ هَذِهِ الْآيَةُ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا " في إسناده انقطاع، وضعفه الألباني. قال الحليمي ﵀: " وهذا الوعيد من الله تعالى، وإن كان للكفار الذين الذين يقدمون على الطيبات المحظورة، ولذلك قال: ﴿اليوم تجزون عذاب الهون﴾ ، فقد يخشى مثله على المنهمكين في الطيبات المباحة؛ لأن من تعودها مالت نفسه إلى الدنيا فلم يؤمن أن يرتبك في الشهوات والملاذ، كلما أجاب نفسه إلى واحدة منها دعته إلى غيرها، فيصير إلى أن لا يمكنه عصيان نفسه في هوى قط، وينسد باب العبادة دونه؛ فإذا آل الأمر به إلى هذا لم يبعد أن يقال: ﴿أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾ ؛ فلا ينبغي أن تُعود النفسُ ما يميل بها إلى الشره، ثم يصعب تداركها، ولتُرَضْ من أول الأمر على السداد، فإن ذلك أهون من أن تَدْرَب على الفساد، ثم يجتهد في إعادتها إلى الصلاح، والله أعلم. " انتهى. نقله الببيهقي في شعب الإيمان (٧/٤٦٢-٤٦٣) . وقال الحافظ ابن حجر ﵀ فتح الباري (٩/١٠٦) : " والحق أن ملازمة استعمال الطيبات تفضي إلى الترفُّه والبطر، ولا يأمن من الوقوع في الشبهات؛ لأن من اعتاد ذلك قد لا يجده أحيانا، فلا يستطيع الانتقال عنه، فيقع في المحظور، كما أن منع تناول ذلك أحيانا يفضي إلى التنطع المنهي عنه، ويَرِد عليه صريح قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) الأعراف: ٢٦، كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها، وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلا، وترك التنفل يفضي إلى إيثار البطالة وعدم النشاط إلى العبادة، وخير الأمور الوسط " انتهى. والخلاصة: أن الذين أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا طائفتان: الأولى: الكفار والمشركون. والثانية: العصاة الذين وقعوا في المعاصي مما له نظير في الجنة، ولم يُطهَّروا من آثارها بحدٍّ، أو توبة، أو مغفرة من الله تعالى. ولا يدخل في هؤلاء من تنعَّم بالمباحات والطيبات وأدى شكرها، لكن لا ينبغي أن يعود الإنسان نفسه الترف والتنعم، لما يخشى عليه من الوقوع في الشبهة أو الحرام، أو الانشغال بها عما هو أولى، وتبرم نفسه إذا فقدها. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1455

شرح قوله تعالى (الخبيثات للخبيثين) والتوفيق بينها وبين حال امرأتي نوح ولوط [السُّؤَالُ] ـ[ما تفسير الآية التالية: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات) سورة النور، وكيف نوفق بين الآية وبين ما نسمعه من أنه قد تكون الزوجة صالحة والزوج فاسقاً كأن لا يصلي أو يشرب الخمر؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: قال الله تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) النور/٢٦. وقد اختلف المفسرون في معناها على أقوال متقاربة، لا يناقض بعضها بعضا. فمن معاني " الخبيث " و " الطيب " في الآية: ١. الخبث والطيب في الأقوال. فيكون معنى الآية: الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من القول، وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. وهذا قول عبد الله بن عباس، ومجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن البصري، وحبيب بن أبي ثابت، والضحاك، واختاره ابن جرير الطبري. قال النحاس في كتابه " معاني القرآن ": وهذا من أحسن ما قيل في هذه الآية. ودل على صحة هذا القول: قوله تعالى (أولئك مبرءون مما يقولون) أي: عائشة وصفوان مبرَّآن مما يقول الخبيثون والخبيثات. قال الطبري – ﵀: وأولى هذه الأقوال في تأويل الآية: قول من قال: عنى بالخبيثات: الخبيثات من القول، وذلك قبيحه وسيئه، للخبيثين من الرجال والنساء، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول، هم بها أولى؛ لأنهم أهلها، والطيبات من القول، وذلك حسنه وجميله، للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول ; لأنهم أهلها وأحقّ بها. وإنما قلنا هذا القول أولى بتأويل الآية: لأن الآيات قبل ذلك إنما جاءت بتوبيخ الله للقائلين في عائشة الإفك، والرامين المحصنات الغافلات المؤمنات، وإخبارهم ما خصهم به على إفكهم، فكان ختم الخبر عن أولى الفريقين بالإفك من الرامي والمرمي به: أشبه من الخبر عن غيرهم. وقوله: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ) يقول: الطيبون من الناس مبرّءون من خبيثات القول، إن قالوها فإن الله يصفح لهم عنها، ويغفرها لهم، وإن قيلت فيهم ضرّت قائلها ولم تضرّهم، كما لو قال الطيبَ من القول الخبيثُ من الناس لم ينفعه الله به؛ لأن الله لا يتقبله.. " " ولو قيلت له لضرّته؛ لأنه يلحقه عارها في الدنيا، وذلها في الآخرة ". " تفسير الطبري " (١٩ / ١٤٤، ١٤٥) . ٢. الخبيث والطيب من الأفعال: ويكون معنى الآية: الأفعال الخبيثات للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من الأفعال، وكذا الأفعال الطيبات للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الأفعال. وهو قول حبيب بن أبي ثابت، وعطاء بن أبي رباح، وقتادة، وروي عن هؤلاء الأئمة أنهم أضافوا الأقوال إلى الأفعال في معنى الآية؛ فجمعوا بين القولين السابقين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: قال جمهور السلف: الكلمات الخبيثة للخبيثين، ومن كلام بعضهم: الأقوال والأفعال الخبيثة للخبيثين. وقد قال تعالى (ضرب الله مثلاً كلمة طيبة) ، (ومثل كلمة خبيثة) ، وقال الله: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) ، والأقوال والأفعال صفات القائل الفاعل، فإذا كانت النفس متصفة بالسوء والخبث: لم يكن محلها ينفعه إلا ما يناسبها. " مجموع الفتاوى " (١٤ / ٣٤٣) . ٣. الخبث والطيب من الأشخاص في النكاح: ويكون معنى الآية: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء. وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال: كان رسول الله ﷺ طيِّباً، وكان أولى بأن يكون له الطيبة، وكانت عائشة الطيبة , وكانت أولى بأن يكون لها الطيب. قال القرطبي – ﵀: وقيل: إن هذه الآية مبنية على قوله: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) النور/٣، الآية، فالخبيثات: الزواني، والطيبات: العفائف، وكذا الطيبون، والطيبات. واختار هذا القول النحاس أيضاً، وهو معنى قول ابن زيد. " تفسير القرطبي " (١٢ / ٢١١) . ثانياً: لا إشكال في الآية، على القول الأول أو الثاني، ولا تعارض بينها وبين ما ذكر السائل، ويراه الناس، من أن الزوجة ربما كانت صالحة والزوج فاسقا، أو العكس. وإنما الإشكال – عند بعض الناس – في القول الثالث في مسألتين: ١. ما يرونه من عموم تزوج طيب بفاسقة، وتزوج فاسق بطيبة. ٢. ما ورد بخصوص زوجتي نوح ولوط ﵉ ووصف الله لهما بالخيانة، وما ورد في تزوج امرأة فرعون المؤمنة بفرعون الطاغية. فيقال هنا: إن معنى الآية ـ على تقدير أن يكون المراد بالخبث والطيب: خبث الأزواج وطبهم ـ: أنه لا يليق بالطيب أن يتزوج إلا طيبة مثله، ولا يليق بالخبيثة إلا خبيث مثلها، ومن رضي بالخبيثة مع علمه بحالها: فهو خبيث مثلها، ومن رضيت بخبيث مع علمها بحاله: فهي خبيثة مثله. قال ابن كثير – ﵀: وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء. وهذا - أيضاً - يرجع إلى ما قاله أولئك باللازم، أي: ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله ﷺ إلا وهي طيبة؛ لأنه أطيب من كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له، لا شرعاً ولا قَدَراً؛ ولهذا قال: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) أي: هم بُعَداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان. (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) أي: بسبب ما قيل فيهم من الكذب. (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) أي: عند الله في جنات النعيم. وفيه وعد بأن تكون زوجة النبيّ ﷺ في الجنة. " تفسير ابن كثير " (٦ / ٣٥) . وفي الآية بيان براءة عائشة ﵂، حيث زكاها الله تعالى بوصفها بالطيبة لأنها كانت تحت الطيب، وهو النبي ﷺ ، ولم يكن الله تعالى ليختارها زوجة لنبيه ﷺ لو كانت خبيثة! ومن هنا كان الطاعن في عرض عائشة طاعناً في النبي صلى الله عليه، ومستحقّاً للحكم بالردة والقتل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: قال أبو السائب القاضي: كنتُ يوماً بحضرة الحسن بن زيد الداعي بطرستان، وكان يلبس الصوف، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويوجِّه في كل سنَة بعشرين ألف دينار إلى مدينة السلام يفرِّق على سائر ولد الصحابة، وكان بحضرته رجلٌ فذكَر عائشة بذكرٍ قبيحٍ من الفاحشة، فقال: يا غلام اضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله، هذا رجل طعن على النبي ﷺ ، قال الله تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (النور:٢٦) فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي ﷺ خبيث، فهو كافر، فاضربوا عنقه، فضربوا عنقه، وأنا حاضر، رواه اللالكائي " الصارم المسلول " (١ / ٥٦٨) . والأثر في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " للالكائي (١٩٥٨) . فلله دره من حاكم، ونسأل الله تعالى أن يجزيه خير الجزاء، وأن يكرم نزله بما ذبَّ عن عرض نبينا ﷺ . وأما ما كان من زوجتي لوط ونوح ﵉، حيث وصفهما الله تعالى بالخيانة في قوله (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) التحريم/١٠، فالخيانة هنا هي خيانة في الإيمان. قال ابن كثير – ﵀: (فَخَانَتَاهُمَا) أي: في الإيمان، لم يوافقاهما على الإيمان، ولا صدَّقاهما في الرسالة، فلم يُجْدِ ذلك كلَّه شيئاً، ولا دفع عنهما محذوراً؛ ولهذا قال: (فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) أي: لكفرهما. (وَقِيلَ) أي: للمرأتين: (ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) . وليس المراد (فَخَانَتَاهُمَا) في فاحشة، بل في الدين، فإنَّ نساء الأنبياء معصوماتٌ عن الوقوع في الفاحشة؛ لحرمة الأنبياء، كما قدمنا في " سورة النور ". قال سفيان الثوري عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قتة: سمعت ابن عباس يقول في هذه الآية (فَخَانَتَاهُمَا) قال: ما زنتا، أما امرأة نوح: فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط: فكانت تدل قومها على أضيافه. وقال العَوفي عن ابن عباس قال: كانت خيانتهما أنهما كانتا على عَورتيهما، فكانت امرأة نُوح تَطَلع على سر نُوح، فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، وأما امرأة لوط فكانت إذا أضاف لوط أحداً أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء. وهكذا قال عكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وغيرهم. وقال الضحاك عن ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، إنما كانت خيانتهما في الدين. " تفسير ابن كثير " (٨ / ١٧١) . وهذه فتوى جامعة من علماء اللجنة الدائمة لكل ما سبق من المسائل نرجو أن تكون نافعة للسائل والقارئ، وفيها الجواب على القسم الثاني من الإشكال الثاني، وهو بخصوص تزوج امرأة فرعون المؤمنة من فرعون الطاغية. سئل علماء اللجنة الدائمة: حدثت مناظرة بيني وبين شخص مسيحي، وقد فاجأني بقوله لي: هناك آية في القرآن تتضمن قول الله : (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) إلخ الآية، والآية الأخرى تتضمن قوله تعالى (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ) ، (يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) ، وهناك آية أخرى وهي قوله تعالى (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ. وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) إلخ الآية، وأن هناك على حد زعمه تناقضاً، فكيف يقول الله (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ) إلخ الآية، بينما زوجات أنبياء الله نوح ولوط خبيثات، وفرعون كما جاء فيه في القرآن وزوجته طيبة، وحيث ليس لدي جواب مقنع آمل التكرم بإفتائي عن ذلك، جزاكم الله خيراً. فأجابوا: أولاً: قال الله تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) هذه الآية ذُكرت بعد الآيات التي نزلت في قصة الإفك تأكيداً لبراءة عائشة ﵂ مما رماها به عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين، زوراً وبهتاناً، وبياناً لنزاهتها، وعفتها في نفسها، ومن جهة صلتها برسول الله ﷺ ، وللآية معنيان: الأول: أن الكلمات الخبيثات والأعمال السيئات أولى بها الناس الخبيثون، والناس الخبثاء أولى وأحق بالكلمات الخبيثات والأعمال الفاحشة، والكلمات الطيبات والأعمال الطاهرة أولى وأحق بها الناس الطيبون ذوو النفوس الأبية والأخلاق الكريمة السامية، والطيبون أولى بالكلمات والأعمال الصالحات. والمعنى الثاني: أن النساء الخبيثات للرجال الخبيثين، والرجال الخبيثون أولى بالنساء الخبيثات، والنساء الطيبات الطاهرات العفيفات أولى بالرجال الطاهرين الأعفاء، والرجال الطيبون الأعفاء أولى بالنساء الطاهرات العفيفات، والآية على كلا المعنيين دالة على المقصود منها، وهو نزاهة عائشة ﵂ عمَّا رماها به عبد الله بن أبيّ بن سلول من الفاحشة ومن تبعه ممن انخدع ببهتانه واغتر بزخرف قوله. ثانياً: قال الله تعالى (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ. قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) ، ومعنى الآيتين: أن الله تعالى أخبر عن رسوله نوح ﵇ أنه سأله تعالى أن ينجز له وعده إياه بنجاة ولده من الغرق والهلاك بناء على فهمه من ذلك من قوله تعالى له (احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ) فقال: (فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) ، وقد وعدتني بنجاة أهلي، ووعدك الحق الذي لا يخلف وأنت (أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) ، (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) أي: الذين وعدتك بإنجائهم؛ لأني إنما وعدتك بإنجاء مَن آمن مِن أهلك، بدليل الاستثناء في قوله تعالى (إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) ؛ ولذلك عاتبه الله تعالى على تلك المساءلة وذلك الفهم بقوله: (يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) ، وبيَّن ذلك بقوله (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) ؛ لكفره بأبيه نوح ﵇؛ ومخالفته إياه، فليس من أهله ديناً، وإن كان ابناً له من النسب، قال ابن عباس وغير واحد من السلف ﵃: " ما زنت امرأة نبي قط " وهذا هو الحق، فإن الله سبحانه أغْيَر مِن أن يمكِّن امرأة نبي من الفاحشة؛ ولذلك غضب سبحانه على الذين رموا عائشة زوج النبي ﷺ بالفاحشة، وأنكر عليهم ذلك وبرَّأها مما قالوا فيها، وأنزل في ذلك قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة. ثالثاً: قال الله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا) الآيتين من سورة التحريم. بعد أن عاتب الله تعالى أزواج رسول الله ﷺ ، وخاصة عائشة وحفصة ﵅ جميعاً على ما بدَر منهن مما لا يليق بحسن معاشرة النبي ﷺ حتى حلف أن يعتزلهن شهراً، وأنكر تعالى عليهن بعض ما وقع منهن من أخطاء في حقه ﵊، وأنذرهن بالطلاق وأن يبدله أزواجاً خيراً منهن: ختم سورة التحريم بمثلَين: مثل ضربه للذين كفروا بامرأتين كافرتين امرأة نوح وامرأة لوط، ومثل ضربه للذين آمنوا بامرأتين صالحتين بآسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران؛ إيذاناً بأن الله حكم عدل لا محاباة عنده، بل كل نفس عنده بما كسبت رهينة، وحث العباد على التقوى، وأن يخشوا يوماً يرجعون فيه إلى الله، يوماً لا يجزي فيه والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً، يوم يفرُّ المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، يوم لا تزر فيه وازرة وزر أخرى، وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى، يوم لا تنفع فيه الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً، فبيَّن سبحانه أن امرأة نوح وامرأة لوط كانتا كافرتين، وكانتا تحت رسوليْن كريميْن من رسل الله، وكانت امرأة نوح تخونه بدلالة الكفار على مَن آمن بزوجها، وكانت امرأة لوط تدل الكفار على ضيوفه، إيذاء وخينة لهما، وصدّاً للنَّاس عن اتباعهما، فلم ينفعهما صلاح زوجيهما نوح ولوط، ولم يدفعا عنهما من بأس الله شيئاً، وقيل لهاتين المرأتين: ادخلا النار مع الداخلين، جزاءً وفاقاً بكفرهما وخيانتهما؛ بدلالة امرأة نوح على من آمن به، ودلالة امرأة لوط على ضيوفه، لا بالزنى، فإن الله سبحانه لا يرضى لنبي من أنبيائه زوجة زانية، قال ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى (فَخَانَتَاهُمَا) قال: " ما زنتا "، وقال: " ما بغت امرأة نبي قط إنما كانت خيانتهما في الدين "، وهكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وغيرهم. وبيَّن الله سبحانه بالمثل الذي ضربه للذين آمنوا بآسية زوجة فرعون، وكان أعتى الجبابرة في زمانه، أن مخالطة المؤمنين للكافرين لا تضرهم، إذا دعت الضرورة إلى ذلك، ما داموا معتصمين بحبل الله تعالى متمسكين بدينه، كما لم ينفع صلاحُ الرسولين: نوح ولوط زوجتيهما الكافرتين، قال الله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) ، ولذلك لم يضر زوجة فرعون كفرُ زوجها وجبروته، فإن الله حكم عدل لا يؤاخذ أحداً بذنب غيره بل حماها وأحاطها بعنايته وحسن رعايته، واستجاب دعاءها وبنى لها بيتاً في الجنة، ونجَّاها من فرعون وكيده، وسائر القوم الظالمين مما تقدم في تفسير الآيات من أن ابن نوح ليس ابن زنى، وأن عائشة ﵂ برَّأها الله في القرآن مما رماها به رأس النفاق، ومن انخدع بقوله من المؤمنين والمؤمنات، وأن كلا من امرأة نوح وامرأة لوط لم تزن وإنما كانتا كافرتين، ودلت كل منهما الكفار على ما يسوؤهما ويصد الناس عن اتباعهما، وأن زواج المؤمن بالكافرة كان مباحاً في الشرائع السابقة، وكذا زواج الكافر بالمؤمنة، وأن الله حمى امرأة فرعون من كيده وحفظ عليها دينها ونجاها من الظالمين: يتبين أن الآيات المذكورة متوافقة، لا متناقضة، وأن بعضها يؤيِّد بعضاً. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان " فتاوى اللجنة الدائمة " (٣ / ٢٧٠ – ٢٧٦) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1456

ما هو اللوح المحفوظ وما معناه [السُّؤَالُ] ـ[نرجو شرحاً مفصلاً مصحوباً بتفسير العلماء العظام مثل ابن كثير أو الطبري أو غيرهما لقول الله : (في لوح محفوظ) سورة البروج آية ٢٢. جزاكم الله خيراً.]ـ [الْجَوَابُ] ١. قال ابن منظور: اللوح: كل صفيحة عريضة من صفائح الخشب. وقال الأزهري: اللوح صفيحة من صفائح الخشب والكتف إذا كتب عليها سميت لوحا. واللوح الذي يكتب فيه. واللوح: اللوح المحفوظ، وفي التنزيل ﴿في لوحٍ محفوظٍ﴾ يعني: مستودعٌ مشيئات الله تعالى. وكل عظم عريض: لوح. والجمع منها: ألواح. وألاويح: جمع الجمع. " لسان العرب " (٢ / ٥٨٤) . ٢. قال ابن كثير ﵀: في لوح محفوظ أي: هو في الملإ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل. " تفسير ابن كثير " (٤ / ٤٩٧، ٤٩٨) . ٣. وقال ابن القيم ﵀: وقوله ﴿محفوظ﴾ : أكثر القراء على الجر صفة للوح، وفيه إشارة إلى أن الشياطين لا يمكنهم التنزّل به لأن محله محفوظ أن يصلوا إليه، وهو في نفسه محفوظ أن يقْدِر الشيطان على الزيادة فيه والنقصان. فوصفه سبحانه بأنه محفوظ في قوله ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ ، ووصف محله بالحفظ في هذه السورة. فالله سبحانه حفظ محله، وحفظه من الزيادة والنقصان والتبديل، وحفظ معانيه من التحريف كما حفظ ألفاظه من التبديل، وأقام له مَن يحفظ حروفه مِن الزيادة والنقصان، ومعانيه مِن التحريف والتغيير. " التبيان في أقسام القرآن " (ص ٦٢) . ٤. أما ما جاء في بعض كتب التفسير، أن اللوح المحفوظ في جبهة " إسرافيل "، أو أنه مخلوق من زبرجدة خضراء، وغير ذلك فهو مما لم يثبت، وهو من الغيب الذي لا يقبل إلا ممن أوحي إليه منه بشيء. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 1457

العروة الوثقى [السُّؤَالُ] ـ[ما هي العروة الوثقى؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله العروة الوثقى جاء ذكرها في القرآن الكريم في موضعين اثنين: في سورة البقرة، الآية (٢٥٦) في قوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) . وفي سورة لقمان، الآية (٢٢) في قوله تعالى: (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) كما جاء في السنة النبوية ذكر العروة الوثقى في حديث أخرجه البخاري (٣٨١٣) ومسلم (٢٤٨٤) عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قال: (كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ فِي نَاسٍ فِيهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَاءَ رَجُلٌ فِي وَجْهِهِ أَثَرٌ مِنْ خُشُوعٍ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَتَجَوَّزُ فِيهِمَا ثُمَّ خَرَجَ، فَاتَّبَعْتُهُ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ وَدَخَلْتُ، فَتَحَدَّثْنَا، فَلَمَّا اسْتَأْنَسَ قُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ لَمَّا دَخَلْتَ قَبْلُ قَالَ رَجُلٌ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ، وَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ، رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، رَأَيْتُنِي فِي رَوْضَةٍ - ذَكَرَ سَعَتَهَا وَعُشْبَهَا وَخُضْرَتَهَا - وَوَسْطَ الرَّوْضَةِ عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ أَسْفَلُهُ فِي الْأَرْضِ وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ، فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ لِي: ارْقَهْ. فَقُلْتُ لَهُ: لَا أَسْتَطِيعُ. فَجَاءَنِي مِنْصَفٌ - قَالَ ابْنُ عَوْنٍ وَالْمِنْصَفُ الْخَادِمُ - فَقَالَ بِثِيَابِي مِنْ خَلْفِي، وَصَفَ أَنَّهُ رَفَعَهُ مِنْ خَلْفِهِ بِيَدِهِ، فَرَقِيتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى الْعَمُودِ، فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَقِيلَ لِيَ: اسْتَمْسِكْ. فَلَقَدْ اسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي. فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: تِلْكَ الرَّوْضَةُ الْإِسْلَامُ، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَأَنْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ. قَالَ: وَالرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) . وقد بين السلف الصالح معنى العروة الوثقى بعبارات منوعة كلها تدل على مقصود واحد: فقال ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك: يعني لا إله إلا الله. وقال أنس بن مالك: القرآن. وقال مجاهد: الإيمان. وقال السدي: هو الإسلام. وعن سالم بن أبي الجعد: هو الحب في الله والبغض في الله. وانظر هذه الأقوال في "تفسير ابن أبي حاتم" (٢/٤٩٦) قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (١/٦٨٤) : " وكل هذه الأقوال صحيحة ولا تنافي بينها " انتهى. وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "فتاوى نور على الدرب" (الصلاة/١٢١٨) : ما هي العروة الوثقى؟ فأجاب: " العروة الوثقى هي الإسلام، وسميت عروة وثقى أنها توصل إلى الجنة " انتهى. فأنت ترى – أخي السائل – أن المعنى الذي فسر به العلماء العروة الوثقى هو ما يوصل المتمسك به إلى الجنة، وذلك يشمل الإسلام والإيمان والقرآن وكلمة التوحيد، وكل واحد عبر بأحد هذه المعاني المتقاربة في مؤداها. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1458

ليس في شريعتنا جواز إتيان الدبر [السُّؤَالُ] ـ[أرجو مساعدتي في معرفة الصواب، في البخاري الحديث رقم (٤١٧٠) و (٤١٧١) إن الإتيان في الدبر حلال، وموقعكم يقول إنه حرام، فما هو الصواب؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه أولاً: الأحاديث الصحيحة التي جاءت في تحريم إتيان الزوجة في الدبر كثيرة، فمن ذلك: ١- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ رواه أبو داود (٣٩٠٤) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. ٢- وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ) رواه الترمذي (١١٦٥) وصححه ابن دقيق العيد في "الإلمام" (٢/٦٦٠) ، والألباني في صحيح الترمذي. ٣- وعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ) رواه ابن ماجه (١٩٢٤) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه. والأحاديث في ذلك كثيرة، حتى قال الطحاوي ﵀ في "شرح معاني الآثار" (٣/٤٣) : "جاءت الآثار متواترة بذلك " انتهى. ولذلك كانت كلمة العلماء على الأخذ بهذه الأحاديث. قال الماوردي رحمه الله تعالى في "الحاوي" (٩/٣١٩) : " لأنه إجماع الصحابة: روي ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء " انتهى. وجاء في "المغني" (٧/٣٢) : " ولا يحل وطء الزوجة في الدبر في قول أكثر أهل العلم: منهم علي وعبد الله وأبو الدرداء وابن عباس وعبد الله بن عمرو وأبو هريرة، وبه قال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن ومجاهد وعكرمة والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر " وقد سبق في موقعنا بيان ذلك بشيء من التفصيل، فانظر إجابات الأسئلة: (١١٠٣) ، (٥٢٨٠٣) . ثانياً: يتوهم بعض الناس جواز إتيان المرأة في دبرها، ويفهمون من قول الله تعالى: (نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) البقرة/٢٢٣، أن الله سبحانه أباح في هذه الآية كل شيء، حتى الوطء في الدبر، وقد يتأكد هذا الوهم عندهم إذا قرؤوا الحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه – ولعله الحديث الذي قصده السائل - والذي فيه: عن جابر ﵁ قال: كَانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: إِذَا جَامَعَهَا مِن وَرَائِهَا جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَل فنزلت (نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) . وهذا فهم خاطئ للآية، فإن قوله تعالى: (فأتوا حرثكم أنى شئتم) يعني إباحة أحوال وأوضاع الجماع المختلفة، إذا كانت في موضع الحرث: وهو الفرج، وليس الدبر، فيجوز أن يأتي الرجل زوجته من الخلف أو الأمام أو على جنب إذا كان ذلك في موضع الحرث، وليس الدبر. ودليل ذلك أن رواية مسلم برقم (١٤٣٥) لحديث جابر السابق في سبب نزول الآية فيها: (إِنْ شَاءَ مُجَبِّيَةً، وَإِنْ شَاءَ غَيْرَ مُجَبِّيَةٍ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ) . (مُجَبِّيَةً) : أي: منكبة على وجهها، كهيئة السجود. (في صمام واحد) : هو القبل. وفي رواية أبي داود للحديث نفسه برقم (٢١٦٣) : عن محمد بن المنكدر قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: إِنَّ الْيَهُودَ يَقُولُونَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ فِي فَرْجِهَا مِنْ وَرَائِهَا كَانَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ : (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) . وفي سنن الترمذي (٢٩٨٠) وحسنه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكْتُ. قَالَ: وَمَا أَهْلَكَكَ؟! قَالَ: حَوَّلْتُ رَحْلِي اللَّيْلَةَ. قَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، قَالَ: فَأُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ، وَاتَّقِ الدُّبُرَ وَالْحَيْضَةَ. حسنه الألباني في صحيح الترمذي. فهذه الأحاديث والروايات توضح المقصود من الآية، فلا يجوز لمسلم أن يتجاوز ذلك إلى فهمه الذي لا يدل عليه الأثر ولا اللغة. قال ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" (٤/٢٦١) : " وقد دلت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين: أحدهما أنه أباح إتيانها في الحرث، وهو موضع الولد، لا في الحُش الذي هو موضع الأذى، وموضع الحرث هو المراد من قوله: (من حيث أمركم الله) الوجه الثاني: أنه قال: (أنى شئتم) أي: من أين شئتم: من أمام أو من خلف. ال ابن عباس: (فأتوا حرثكم) يعني: الفرج " انتهى بتصرف. ثالثاً: ولعل السائل يعني أيضا ما رواه البخاري عن نافع عن ابن عمر ﵄: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) قال: يأتيها في. . . قال ابن حجر في "فتح الباري" (٨/١٨٩) : " هكذا وقع في جميع النسخ، لم يذكر ما بعد الظرف وهو المجرور " انتهى. ثم ذكر ما جاء من بعض الروايات خارج صحيح البخاري أن ابن عمر قال: يأتيها في دبرها. وقد أجاب عن ذلك أهل العلم بجوابين: الأول: أنه حصل خطأ من بعض الرواة عن ابن عمر، وأنهم فهموا منه جواز إتيان الدبر، وهو إنما كان يحكي جواز إتيان المرأة في قبلها من خلفها، بدليل ما جاء من طرق صحيحة عنه أنه كان يرى حرمة إتيان الزوجة في دبرها، فقد روى النسائي في "السنن الكبرى" (٥/٣١٥) بسند صحيح أن ابن عمر سئل عنه فقال: أو يفعل ذلك مسلم؟! قال ابن القيم ﵀ في "تهذيب السنن" (٦/١٤٢) : " فقد صح عن ابن عمر أنه فسر الآية بالإتيان في الفرج من ناحية الدبر،وهو الذي رواه عنه نافع، وأخطأ من أخطأ على نافع فتوهم أن الدبر محل للوطء لا طريق إلى وطء الفرج، فوقع الاشتباه في كون الدبر طريقا إلى موضع الوطء أو هو مأتى، واشتبه على من اشتبه عليه معنى (من) بمعنى (في) فوقع الوهم " انتهى. الجواب الثاني: أنه اجتهاد من ابن عمر ﵄ في فهم الآية، وقد دلت السنة، وأقوال سائر الصحابة، أنه اجتهاد مجانب للصواب، وقد روى أبو داود برقم (٢١٦٤) وحسنه الألباني في صحيح أبي داود عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ - وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ - أَوْهَمَ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ - وَهُمْ أَهْلُ وَثَنٍ - مَعَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ يَهُودَ - وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ -، وَكَانُوا يَرَوْنَ لَهُمْ فَضْلًا عَلَيْهِمْ فِي الْعِلْمِ، فَكَانُوا يَقْتَدُونَ بِكَثِيرٍ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَأْتُوا النِّسَاءَ إِلَّا عَلَى حَرْفٍ، وَذَلِكَ أَسْتَرُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ، فَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَدْ أَخَذُوا بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ يَشْرَحُونَ النِّسَاءَ شَرْحًا مُنْكَرًا، وَيَتَلَذَّذُونَ مِنْهُنَّ مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ،فَذَهَبَ يَصْنَعُ بِهَا ذَلِكَ فَأَنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: إِنَّمَا كُنَّا نُؤْتَى عَلَى حَرْفٍ، فَاصْنَعْ ذَلِكَ وَإِلَّا فَاجْتَنِبْنِي. حَتَّى شَرِيَ أَمْرُهُمَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) أَيْ: مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ، يَعْنِي بِذَلِكَ مَوْضِعَ الْوَلَدِ. وهذا قد يؤيد أن ابن عمر كان يقول بجواز الإتيان في الدبر، فلعله رجع إلى الصواب، بعد أن بَيَّن له ابن عباس أو غيره سبب نزول الآية ومعناها الصحيح، ولذلك ثبت عنه – كما تقدم – أنه كان يقول بتحريمه، ويقول: أو يفعل ذلك مسلم!! والحاصل أن شريعتنا جاءت بتحريم هذا الفعل، وليس فيها شيء يدل على جوازه، ومن ظن في شيء من الكتاب أو السنة ما يدل عليه فقد أخطأ وأوهم. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1459

معنى حرف الجر (مِن) في قوله تعالى: (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي) [السُّؤَالُ] ـ[هل دعاء نبي الله إبراهيم ﵇ (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي) يصلح لأن يقال كما هو؟ لورود كلمة " ومن ذريتي " وليست: رب اجعلني مقيم الصلاة وذريتي؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لِلَّه أولا: سياق الآيات في هذا المقطع من سورة إبراهيم ﵇، يصور فيه مشهد إبراهيم الخليل ﵇ الضارع الخاشع الذاكر الشاكر، وهو يدعو ربه الكريم، ويتذلل بين يديه سبحانه، ليرد الجاحدين إلى الاعتراف، ويرد الكافرين إلى الشكر، ويرد الغافلين إلى الذكر، ويرد الشاردين من أبنائه إلى سيرة أبيهم لعلهم يقتدون بها ويهتدون. يقول : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء * الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) إبراهيم/٣٥-٤١ وقد كان إبراهيم ﵇ رحيما شفيقا بأمته وذريته، فلم يكن يفوت فرصة إلا ويسأل الله سبحانه الخير لهم. ويبقى السؤال عن سبب مجيء حرف الجر (مِن) في قوله: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي) ، ولم يقل (وذريتي) . اختلف في ذلك المفسرون إلى قولين: القول الأول: وهو قول جماهير المفسرين ممن تكلم في هذه المسألة، أن (مِن) هنا للتبعيض، قالوا وهو تأدب من إبراهيم الخليل ﵇ في دعائه الله ، حيث كان يعلم أن حكمة الله اقتضت وجود المؤمن والكافر، والظالم والمحسن، فكان دعاؤه مراعيا لما يعلمه من حكمة الله وسنته في خلقه، كما قال سبحانه: (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ) الصافات/١١٣ يقول الزمخشري في "الكشاف" (١/٦٣٤) : " (ومن ذريتي) وبعض ذريتي، عطفا على المنصوب في (اجعلني) ، وإنما بعَّضَ لأنه عَلِمَ بإعلام اللَّهِ أنه يكون في ذريته كفار، وذلك قوله: (لا ينال عهدي الظالمين) " انتهى. وانظر: "تفسير البيضاوي" (٣/٢٠٢) ، "تفسير أبي السعود" (٥/٥٤) ، "الجلالين" (٣٣٥) ، "روح المعاني" (١٣/٢٤٣) وفي القرآن الكريم مواقف عديدة من دعاء إبراهيم ﵇ وتخصيصه ذريته بشيء من الدعاء، وفي كل منها يأتي حرف الجر (مِن) فانظر قوله سبحانه في سورة البقرة: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) البقرة/١٢٤ وكذلك قوله : (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) البقرة/١٢٨ القول الثاني: عدم التسليم بكونها للتبعيض، فقد كان الأنبياء يدعون لأقوامهم بصيغة التعميم وهم يعلمون سنة الله في خلقه حين كتب في الناس المؤمن والكافر وكتب من المؤمنين أيضا من يعذب بسبب ذنوبه في النار ثم يخرج منها، ولم يكن ذلك اعتداء في الدعاء. فهذا نوح ﵇ يقول: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً) نوح/٢٨ وإبراهيم ﵇ أيضا يقول: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) وكان نبينا محمد ﷺ يدعو ويقول: (الّّلهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي) رواه مسلم (٢٠٢) قالوا والأنبياء يسألون الله أكمل ما يحبون لأنفسهم وذرياتهم وأقوامهم، وإبراهيم ﵇ يطمع أن تكون ذريته كلها مُوَحِّدَةً، تعبد الله وتجتنب الأصنام، وإن كان الشرك لا بد وأن يكون على الأرض، ففي غير ذريته. يقول العلامة الطاهر ابن عاشور في تفسيره المتميز "التحرير والتنوير" (٧/٤٤٥) : " و (مِن) ابتدائية، وليست للتبعيض؛ لأن إبراهيم ﵇ لا يسأل الله إلا أكمل ما يحبه لنفسه ولذريته. ويجوز أن تكون (مِن) للتبعيض، بناء على أن الله أعلمه بأن يكون من ذريته فريق يقيمون الصلاة وفريق لا يقيمونها، أي: لا يؤمنون. وهذا وجه ضعيف؛ لأنه يقتضي أن يكون الدعاء تحصيلا لحاصل، وهو بعيد، وكيف وقد قال (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) ولم يقل: ومن بني " انتهى. أو يقال إنها لبيان الجنس، فإن تقدير الآية: (واجعل من ذريتي مقيمي الصلاة) ، والمعنى: واجعل جنس ذريتي مقيمي الصلاة، كقوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) الفتح/٢٩. انظر "مغني اللبيب" (٤٢٠-٤٢١) وهذا الوجه أقرب. يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "تفسير البقرة ٢" (٣٣) في قوله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) البقرة/١٢٤: قوله تعالى: (وَمِن ذُرِّيَّتِي) أي واجعل من ذريتي إماماً؛ وهنا (مِن) يحتمل أنها لبيان الجنس؛ وبناءً على ذلك تصلح (ذريتي) لجميع الذرية؛ يعني: واجعل ذريتي كلهم أئمة؛ ويحتمل أنها للتبعيض " انتهى. ثانيا: إذا فهم ما سبق تبين أنه لا بأس للمسلم أن يدعو بالصيغة نفسها التي جاءت في القرآن الكريم، فقد تبين أنها ليست للتبعيض، وأن الدعاء بها ينال جميع الذرية. يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "لقاء الباب المفتوح" (٣٠/١٤) : " الدعاء بقوله: (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي) من دعاء إبراهيم ﵊ لا بأس به " انتهى بتصرف. ثالثا: تنبيه على بدعة منتشرة تتعلق بقراءة هذه الآية بعد إقامة الصلاة. جاء في أسئلة اللقاء الشهري (٢٣/١٠) مع الشيخ ابن عثيمين ﵀ السؤال التالي: " بعض الإخوة من المصلين يقول بعد انتهاء المؤذن من الإقامة إما: (أقامها الله وأدامها ما دامت السماوات والأرض) وإما أن يقرأ قول الله تعالى عن إبراهيم: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ) فما رأي فضيلتكم في هذا الدعاء في هذا المقام خاصة، أقصد قراءة الآية، هل ينكر على الإنسان مع أنه يدعو بها، وهل ورد عن النبي ﷺ دعاء بعد الإقامة، أرجو التوضيح أثابكم الله؟ فأجاب رحمه الله تعالى: " الإقامة ليس بعدها دعاء، وإنما يشرع الإمام بالصلاة بعد انتهاء الإقامة وبعد أن يسوي الصفوف بنفسه أو بنائبه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يمكن أن يكبر للصلاة حتى تستوي الصفوف، حتى إنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يجوب الصف من أوله إلى آخره يمسح بالمناكب والصدور، يقول: استووا، ولما كثر الناس في زمن عمر وعثمان، صار الخليفة يوكل رجالاً يجوبون الصفوف يتفقدونها بعد الإقامة، فإذا جاءوا وقالوا: إن الصفوف على ما ينبغي كبروا للصلاة، وليس بعد الإقامة دعاء. وأما قوله: أقامها الله وأدامها مادامت السماوات والأرض. فإن قوله: (ما دامت السماوات والأرض) لم يرد عن النبي ﵊، وأما قول: (أقامها الله وأدامها) فهذه تقال عند قول: (قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة) لأن فيها حديثاً ضعيفاً، وهذا الحديث الضعيف لا يعمل به عند جماعة من العلماء، ولهذا فلا يقال: أقامها الله وأدامها لا بعد قوله: قد قامت الصلاة، ولا بعد انتهائه من الإقامة. وأما الدعوة بدعوة إبراهيم: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) فهذه أيضاً لا أصل لها إطلاقاً، ولم يرد الدعاء بها عن السلف، فتركها أولى وأحسن " انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1460

كيف شرح الله صدر رسوله الكريم محمد ﷺ [السُّؤَالُ] ـ[كيف شرح الله تعالى صدر رسوله ﷺ عندما قال: (ألم نشرح لك صدرك) ؟.....وهل صحيح ما قيل: إنه كان على يد سيدنا جبريل ﵇ مرتين في عمره؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه لقد أنعم الله على أنبيائه ورسله بنعم عظيمة جليلة، أولاها فضلا، وأوفاها مِنَّةً، وأعلاها قدرا نعمةُ النبوة، حيث اصطفاهم لقربه، واجتباهم لرحمته. يقول الله تعالى: (وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ) آل عمران/١٧٩ ويقول سبحانه: (وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) الأنعام/٨٧ وقد خص الله نبيه وخليله محمدا ﷺ بمزيد فضل، وحباه بعظيم قدر، حتى قال : (وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) النساء/١١٣ ومن هذا الفضل أنه سبحانه شرح صدر الرسول الكريم محمدٍ ﷺ ، وامتن عليه بهذه النعمة العظيمة في سورة من القرآن الكريم تتلى إلى يوم القيامة، تسمى سورة "الشرح". يقول : (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) الشرح/١ وشَرْحُ صدر النبي ﷺ يتضمن معاني كثيرة عظيمة: ١- شرح الله صدره للإسلام دينا وشريعة، وهذا أعظم ما يمكن أن ينشرح له الصدر، وهو تفسير ابن عباس، علقه البخاري في صحيحه (كتاب التفسير / باب سورة الشرح، ص ٩٨٢) ٢- وشرح الله صدر نبيه محمد ﷺ بأن ملأه حكمة وعلما وإيمانا، كما فسره الحسن البصري، ويذكر العلماء في تفسير ذلك حادثة شق صدره ﷺ ، والتي تكررت مرتين في حياته ﷺ : الأولى: كانت وهو صغير في بني سعد. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﷺ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ. ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ يَعْنِي ظِئْرَهُ فَقَالُوا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ قَالَ أَنَسٌ وَقَدْ كُنْتُ أَرْئِي أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ) رواه مسلم (١٦٢) الثانية: كانت ليلة الإسراء. كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﷺ فَفَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ) رواه البخاري (٣٤٩) ومسلم (١٦٣) يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى "فتح الباري" (٧/٢٠٤) : " وقد استنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة الإسراء، وقال إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد، ولا إنكار في ذلك، فقد تواردت الروايات به ... وجميع ما ورد من شق الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك، قال القرطبي في "المفهم": لا يلتفت لإنكار الشق ليلة الإسراء؛ لأن رواته ثقات مشاهير " انتهى. وقد جاءت حادثة شق الصدر أيضا في بعض الروايات في أوقات أخرى، في عمر العشر سنوات، وعند البعثة، لكنها روايات ضعيفة. انظر "السيرة النبوية الصحيحة" (١/١٠٣) يقول ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (٤/٦٧٧) : " يقول تعالى: (ألم نشرح لك صدرك) يعني: أما شرحنا لك صدرك، أي: نورناه وجعلناه فسيحا رحيبا واسعا، كقوله: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) وقيل: المراد بقوله: (ألم نشرح لك صدرك) شرح صدره ليلة الإسراء، ولكن لا منافاة، فإنه من جملة شرح صدره الذي فعل بصدره ليلة الإسراء وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضا فالله أعلم " انتهى. ٣- وجاء في "روح المعاني" (٣٠/١٦٦) : " وقيل: المعنى: ألم نزل همك وغمك بإطلاعك على حقائق الأمور وحقارة الدنيا، فهان عليك احتمال المكاره في الدعاء إلى الله تعالى. ونقل عن الجمهور أن المعنى: ألم نفسحه بالحكمة ونوسعه بتيسيرنا لك تلقي ما يوحى إليك بعد ما كان يشق عليك " انتهى. ٤- وقال ابن عاشور في "التحرير والتنوير" (١/٤٨٥٠) : " وشرح صدره كناية عن الإنعام عليه بكل ما تطمح إليه نفسه الزكية من الكمالات، وإعلامه برضى الله عنه، وبشارته بما سيحصل للدين الذي جاء به من النصر " انتهى. وانظر "سبل الهدى والرشاد" (٢/٥٩) . ٥- ويقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "تفسير سورة الشرح" (ص/١) : " وهذا الشرح شرح معنوي ليس شرحاً حسيًّا، وشرح الصدر أن يكون متسعاً لحكم الله بنوعيه، حكم الله الشرعي وهو الدين، وحكم الله القدري وهو المصائب التي تحدث على الإنسان " انتهى باختصار. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1461

توضيح قوله تعالى (إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان) [السُّؤَالُ] ـ[ورد في قصة سليمان وملكة سبأ في سورة النمل الآية التالية: (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أنا أفهم أن المعنى: أنها ظلمت نفسها بالكفر، وأنها أسلمت بعد أن تبين لها الحق، ولكن لفظ الآية، وعدم وجود علامة وقف بعد كلمة (نفسي) ، توحي بعكس هذا المعنى، وهو أنها ظلمت نفسها بالإسلام - ومعاذ الله -، فهل من توضيح؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يقول تعالى في سورة النمل: (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا، قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ، قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) . النمل/٤٤ يحكي في هذه الآية المفاجأة الكبيرة التي كان أعدها سليمان ﵇ لملكة سبأ، وكانت قصرا من البلور، أقيمت أرضيته فوق الماء، فوقفت الملكة مدهوشة أمام هذه العجائب التي يعجز عن مثلها البشر، فرجعت إلى الله، وناجته معترفة بظلمها لنفسها فيما سلف من عبادة غيره، معلنة إسلامها مع سليمان لله رب العالمين. هذا هو فهم سياق القصة، وهو أيضا ما تقتضيه قواعد اللغة العربية. فإن قولها (ظَلَمْتُ نَفْسِي) جملة فعلية في محل رفع خبر (إِنِّي) ثم جاء حرف العطف (الواو) ليعطف جملة على جملة، فقالت (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ) انظر "إعراب القرآن وبيانه" محيي الدين درويش (٧/٢١٦) ، "الجدول في إعراب القرآن" لمحمود صافي (٩/٤١٥) والتقدير: وإني أسلمت مع سليمان لله رب العالمين. وهذا هو التقدير الصحيح؛ لأن النحاة يقولون: إن حرف العطف إنما جيء به لاختصار التكرار في الجملة. يقول ابن عقيل في "شرح ألفية ابن مالك" (٢/٢٠٨) : " العطف على نية تكرار العامل " انتهى. فبدل أن تقول: جاء زيد وجاء عمرو، تختصر فتقول: جاء زيد وعمرو. وكذلك الحال في عطف الجمل التي لها محل من الإعراب: فبدل أن تقول: إن الله يعلم ما أنتم عليه، وإن الله سيحاسبكم عليه. تختصر فتقول: إن الله يعلم ما أنتم عليه وسيحاسبكم عليه. فالواجب فهم الآية الكريمة على هذه القاعدة، فيكون تقدير الآية: (إني ظلمت نفسي، وإني أسلمت مع سليمان لله رب العالمين) ولا يلزم لغة - إذا كان العطف بين الجمل - أن تشترك في المعنى، بل قد يكون المعنى متضادا. يقول الأستاذ عباس حسن في "النحو الوافي" (٣/٥٥٧) : " والعطف بالواو إذا كان المعطوف غير مفرد، قد يفيد مطلق التشريك، نحو: نبت الورد ونبت القصب، أو لا يفيد، نحو: حضرت الطيارة ولم تحضر السيارة " انتهى. فحين يعطف الله تعالى قول ملكة سبأ (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ) لا يجوز أن تفهم على أنها توضيح للمعطوف عليه أو بيان له، من حيث أصل اللغة، فكيف حين يكون بين المعنيين تضاد ظاهر. والسياق يبين أن الملكة اعترفت بظلمها نفسها حين كانت تعبد الشمس من دون الله، فتابت من ذلك الشرك، وأسلمت وجهها، ووحدت عبادتها لله رب العالمين. وبهذا يكون المعنى سليما، وينتفي التوهم الذي يظنه السائل في الآية. قد يكون لإشكال السائل وجه – من حيث قواعد النحو - إذا كان سياق الكلام: (إني ظلمت نفسي: أسلمت مع سليمان) بحذف حرف العطف، على أن الجملة الثانية بدل من الجملة الأولى، كقوله تعالى: (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً: يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً) الفرقان/٦٨-٦٩ فإن مضاعفة العذاب هي بيان وتوضيح للإثم الذي يلقاه مرتكب الكبائر. كما قد يكون لهذا الإشكال وجه – من حيث قواعد اللغة – لو كان حرف العطف هو الفاء، فكان الكلام: إني ظلمت نفسي فأسلمت مع سليمان. فإن الفاء تفيد – كثيرا – مع الترتيب (التسبب) ، أي الدلالة على السببية في عطف الجمل، نحو: رمى الصياد الطائر فقتله. انظر "النحو الوافي" (٣/٥٧٤) أَمَا وقد جاء السياق القرآني على الوجه البَيِّنِ الجَلِيِّ: (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فليس لإشكال السائل أي محل من الفهم الصحيح للسياق، وقواعد النحو العربي. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1462

معنى قول الله (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى كلمة (يأتي) في الآية: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) ؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الله تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) البقرة/١٠٩. بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن كثيرا من أهل الكتاب يودون الكفر والردة لأهل الإسلام، كراهية وبغضا وحسدا، مع أنهم يعلمون الحق ويوقنون به، ومع ذلك فقد أمر الله تعالى المؤمنين بالعفو والصفح عنهم، وذلك لحكم كثيرة منها: الرغبة في هدايتهم وإيضاح الحق لهم، ومنها انشغال المسلمين بالحرب مع كفار قريش، فاقتضت الحكمة أن يقتصروا على مواجهة عدو واحد. وبين الله تعالى أن هذا العفو والصفح ممتد إلى غاية وأمد، وهي أن يأتي أمر من الله للمسلمين يبيح لهم القتال. فيأتي هنا بمعنى: يجيء ويصدر وينزل، أي ينزل عليهم أمر الله تعالى. وقد جاء الأمر من الله تعالى بعد ذلك بقتالهم، كما قال ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم. قال الطبري ﵀ في تفسيره: (١/٥٣٤) : " (فاعفوا) فتجاوزوا عما كان منهم من إساءة وخطأ في رأي أشاروا به عليكم في دينكم، إرادة صدكم عنه، ومحاولة ارتدادكم بعد إيمانكم، وعما سلف منهم من قولهم لنبيكم ﷺ : اسمع غير مسمع وراعنا لَيَّاً بألسنتهم وطعنا في الدين، واصفحوا عما كان منهم من جهل في ذلك حتى يأتي الله بأمره، فيحدث لكم من أمره فيكم ما يشاء، ويقضي فيهم ما يريد. فقضى فيهم تعالى ذكره، وأتى بأمره، فقال لنبيه ﷺ وللمؤمنين به: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) التوبة/٢٩. ثم روى عن الربيع في قوله: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) ، قال: اعفوا عن أهل الكتاب حتى يحدث الله أمرًا. فأحدث الله بعد فقال: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى وهم صاغرون) " انتهى. وقال ابن الجوزي ﵀ في "زاد المسير" (١/١٣٢) : " قوله تعالى: (حتى يأتي الله بأمره) قال ابن عباس: فجاء الله بأمره في النضير بالجلاء والنفي، وفي قريظة بالقتل والسبي " انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1463

الفرق بين قوله تعالى: (من إملاق) وقوله: (خشية إملاق) [السُّؤَالُ] ـ[ما الفرق بين الآيتين: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) الأنعام/١٥١، (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً) الإسراء/٣١؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الإملاق هو الفقر، وقد كان من عادة أهل الجاهلية أنهم يئدون بناتهم إما لوجود الفقر، أو خشية وقوعه في المستقبل، فنهاهم الله تعالى عن الأمرين، فالآية الأولى (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ) الأنعام /١٥١، واردة على السبب الأول، أي: لا تقتلوا أولادكم لفقركم الحاصل فإن الله متكفل برزقكم ورزقهم، والآية الثانية: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ) الإسراء/٣١، واردة على السبب الثاني، أي: لا تقتلوا أولادكم خشية أن تفتقروا أو يفتقروا بعدكم، فإن الله يرزقهم ويرزقكم. قال ابن كثير ﵀: " وقوله تعالى: (من إملاق) قال ابن عباس: هو الفقر، أي: لا تقتلوهم من فقركم الحاصل. وقال في سورة الإسراء: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) أي: لا تقتلوهم خوفاً من الفقر في الأجل (يعني في المستقبل) ، ولهذا قال هناك: (نحن نرزقهم وإياكم) فبدأ برزقهم للاهتمام بهم، أي لا تخافوا من فقركم بسبب رزقهم فهو على الله، وأما في هذه الآية فلما كان الفقر حاصلاً قال: (نحن نرزقكم وإياهم) لأنه الأهم ههنا، والله أعلم " انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1464

تفسير قوله تعالى (فَاْليَوْمَ نُنَجِّيْكَ بِبَدَنِكَ) [السُّؤَالُ] ـ[ما المقصود بقوله تعالى: (فَاْليَوْمَ نُنَجِّيْكَ بِبَدَنِكَ) الآية ٩٢ من سورة يونس؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذه الآية من سورة يونس جاءت في معرض الحديث عن موقف من مواقف الطاغية فرعون تجاه نبي الله موسى ﵇ ومن آمن معه من بني إسرائيل، وذلك حين سار موسى ﵇ بالمؤمنين في هجرتهم إلى الأرض المباركة، فلحقه فرعون وجنوده ليردوهم ويفتنوهم، وفي طريق الهجرة الطويل اعترضهم البحر جميعا، فأكرم الله نبيه موسى ومن معه من المؤمنين بأن جعل البحر لهم يابسا يمشون فوقه، فعبروه أمام أعين أعدائهم، وهم ينظرون!! فما كان من عدو الله فرعون إلا أن استخفه الطغيان، وأهوى به الطيش والحمق، فركب البحر خلف موسى ومن معه، ليكون هلاكه ومن معه بالغرق في نفس البحر الذي جاوزه موسى ومن معه من المؤمنين!! فلما أحاط الموت بالطاغية من كل مكان، وتقاذفته لجج البحر وأمواجه، وأيقن أن الغرق مصيره لا محالة، قال: (قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ، وهيهات هيهات، قد فات وقت التوبة، ومضى زمان الإنابة والإيمان حين حل الموت، وذهب عن الخبيث كل قوة وحيلة!! ولا شك أن موت هذا الطاغية المسرف في الطغيان في مثل هذا الموقف العظيم من أعظم الآيات التي تبين عاقبة العناد والظلم والاستكبار، لذلك أراد الله أن يثبت هذه الآية ويؤكدَها، ويرفعَ عنها أي شك أو لبس أو إشاعات، فقضى أن تظهر جثة فرعون هامدة باردة على الشاطئ، يراها قومه ومن كان يعبده، فيكون ذلك أبلغ في إقامة العظة والعبرة عليهم. قال الله تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً، وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) يقول ابن كثير ﵀: (قال ابن عباس وغيره من السلف: إن بعض بني إسرائيل شكوا في موت فرعون، فأمر الله تعالى البحر أن يلقيه بجسده سويا بلا روح، وعليه درعه المعروفة، على نجوة من الأرض، وهو المكان المرتفع، ليتحققوا موته وهلاكه، ولهذا قال تعالى: (فاليوم ننجيك) أي: نرفعك على مكان بارز من الأرض، (ببدنك) قال مجاهد: بجسدك، وقال الحسن: بجسم لا روح فيه، وقال عبد الله بن شداد: سويا صحيحا: أي لم يتمزق، ليتحققوه ويعرفوه، وقال أبو صخر: بدرعك. وكل هذه الأقوال لا منافاة بينها كما تقدم والله أعلم. وقوله: " لتكون لمن خلفك آية " أي: لتكون لبني إسرائيل دليلا على موتك وهلاكك، وأن الله هو القادر الذي ناصيةُ كلِّ دابةٍ بيده، وأنه لا يقوم لغضبه شيء) تفسير ابن كثير (٢/٥٦٥) . بتصرف. وكذلك كان، فقد رأى بنو إسرائيل فرعون ميتا رأي العين، فكان آية لمن رآه حينها، وكان آية لكل من سمع بقصة هلاكه ممن بعدهم!! وليس في الآية ما يدل على أن بدنه سيبقى محفوظا إلى يوم القيامة، كما يتوهم بعض الناس، فإن ذلك من تحميل القرآن ما لا يحتمل، إذ لو كان المقصود بقاء جسد فرعون آية لجميع الناس بعده، يرونه ميتا ويعاينون جثته، لبقيت جثته معروفة ظاهرة لكل " من خلفه "، ممن سمع بقصته، حتى تتم العبرة، وتظهر الآية، ويصدق الوعد؛ فأين ذهبت قصته عن الناس، حتى عفا أثرها، وزال ذكرها قرونا متطاولة، قبل أن يدعي أهل الآثار أنهم اكتشفوا جثة فرعون الذي مات غرقا؟!! يقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: (ومعنى قوله تعالى: (لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) أي: لتكون لبني إسرائيل دليلاً على موتك وهلاكك، وأن الله هو القادر الذي ناصيةُ كل دابَّة بيده، لا يقدر أحد على التخلُّص من عقوبته، ولو كان ذا سُلطة ومكانة بين الناس. ولا يلزم من هذا أن تبقى جثَّةُ فرعون إلى هذا الزَّمان، كما يظنُّهُ الجُهَّالُ؛ لأن الغرض من إظهار بدنه من البحر معرفةُ هلاكه وتحقُّقُ ذلك لمن شكَّ فيه من بني إسرائيل، وهذا الغرض قد انتهى، وجسم فرعون كغيره من الأجسام، يأتي عليه الفناء، ولا يبقى منه إلا ما يبقى من غيره، وهو عَجْب الذَّنَبِ، الذي منه يُرَكَّبُ خلقُ الإنسان يوم القيامة؛ كما في الحديث؛ فليس لجسم فرعون ميزةٌ على غيره من الأجسام. والله أعلم) "المنتقى من فتاوى الفوزان" (١/سؤال رقم ١٣٢) . ولكن يقال هنا: إن حصل وظهرت جثة فرعون من جديد، وثبت بكلام أهل الخبرة بالتاريخ والآثار أنها الجثة التي ذكر الله في كتابه، فإنما يكون ذلك إشارة إلى صدق ما أخبر به القرآن من نجاة بدن فرعون. يقول العلامة الطاهر ابن عاشور ﵀: (ومن دقائق القرآن قوله تعالى: " فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً "، وهي عبارة لم يأت مثلها فيما كتب من أخبار فرعون؛ وإنها لمن الإعجاز العلمي في القرآن، إذ كانت الآية منطبقةً على الواقع التاريخي) التحرير والتنوير (١/٢٠٦٥) . والخلاصة: أن بدن فرعون نَجَا يومها من الضياع أو التحلل، ولا يعني ذلك لزوم بقائه محفوظا إلى يوم القيامة، فمن ثبت عنده من أهل العلم بالآثار والتاريخ أن بدن فرعون ما زال محفوظا اليوم، وهو الذي يُعرَض في بعض المتاحف، فلا يجوز أن يَدَّعِيَ أن هذا الحفظ إنما هو معجزة من الله للناس جميعا، وإنما هو فقط تصديقٌ تاريخي جاء موافَقَةً لما في القرآن الكريم، وذلك هو الإعجاز. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1465

هذه الآية لا تمنع من عملية تقويم الأسنان [السُّؤَالُ] ـ[قال تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) ومع ذلك نجد في زمننا هذا من يقومون بمراجعة طبيب الأسنان لعمل ما يسمى بالتقويم فما حكم ذلك؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله المراد من قوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) التين/٤: " أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورةٍ وشكلٍ، منتصبَ القامة، سويَّ الأعضاء، حسَنَها" كما قال ابن كثير ﵀ في تفسيره (٤/٦٨٠) . وقال القرطبي ﵀: " في أحسن تقويم: وهو اعتداله واستواء شبابه، كذا قال عامة المفسرين. وهو أحسن ما يكون؛ لأنه خلق كل شيء مُنكبّاً على وجهه، وخلقه هو مستوياً، وله لسان، ويد وأصابع يقبض بها. وقال أبو بكر بن طاهر: مزيّناً بالعقل، مؤديا للأمر، مهديا بالتمييز، مديد القامة، يتناول مأكوله بيده " انتهى من تفسير القرطبي (٢٠/١٠٥) . وهذا لا يمنع الإنسان من أن يعالج أسنانه، أو يقوِّم ما اعوج منها، كما لا يمنعه من معالجة سائر أمراضه، والمهم ألا يفعل لذلك لمجرد الزينة والتجمل؛ إذ الضابط العام في عمليات التجميل، أن ما كان منها لإزالة تشويه أو عيب فلا حرج فيه، وما كان لمجرد الجمال والزينة، فهو ممنوع. ينظر "مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ﵀" ج ١٧ سؤال رقم ٤ وقد سئل ﵀: ما حكم عمليات تقويم الأسنان؟ فأجاب بقوله: " تقويم الأسنان على نوعين: النوع الأول: أن يكون المقصود به زيادة التجمل فهذا حرام ولا يحل، وقد لعن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله هذا مع أن المرأة مطلوب منها أن تتجمل وهي من يُنشَّأ في الحلية، والرجل من باب أولى أن ينهى عن ذلك. النوع الثاني: إذا كان تقويمها لعيب فلا بأس بذلك فيها، فإن بعض الناس قد يبرز شيء من أسنانه إما الثنايا أو غيرها تبرز بروزا مشينا بحيث يستقبحه من يراه ففي هذا الحال لا بأس من أن يعدلها الإنسان؛ لأن هذا إزالة عيب وليس زيادة تجميل، ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أمر الرجل الذي قطع أنفه أن يتخذ أنفا من ورق أي فضة ثم أنتن فأمره أن يتخذ أنفا من ذهب) لأن في هذا إزالة عيب، وليس المقصود زيادة تجمل " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ﵀" ج ١٧ سؤال رقم ٦ وانظر جواب السؤال رقم (٢١٢٥٥) . والحاصل أن الآية الكريمة لا تدل على المنع من معالجة الأسنان وتقويمها لإزالة التشوه، أو العيب الحادث بها. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1466

كلمة حول الإعجاز العددي في القرآن واستعمال التقويم الشمسي [السُّؤَالُ] ـ[قرأت مؤخرا عن بعض " معجزات " القرآن الكريم، التي شملت العديد من الأشياء مثل المراحل الثلاثة للجنين، ومدارات الكواكب،.. الخ، إلا أن إحداها تحدثت عن أن كلمة " يوم " وردت في القرآن ٣٦٥ مرة، وأن كلمة " قمر " تكررت ١٢ مرة، وقد نسيت عدد المرات التي تكرر ذكر كلمة " أيام " في القرآن، وقد قام أحد الأصدقاء بطباعة التقويم الإسلامي (الهجري) لكنه لم يكن يتكون من ٣٦٥ يوماً، فما معنى ذلك حول التقويم الإسلامي؟ أيعني ذلك أنه غير دقيق؟ أم أن الله علم أن أغلب العالم سيستخدمون التقويم الميلادي وأنه إشارة إلى صحة هذا التقويم الأخير؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: شُغف كثير من الناس بأنواع من الإعجازات في القرآن الكريم، ومن هذه الأنواع " الإعجاز العددي " فنشروا في الصحف والمجلات وشبكات الإنترنت قوائم بألفاظ تكررت مرات تتناسب مع لفظها، أو تساوى عددها مع ما يضادها، كما زعموا في تكرار لفظة " يوم " (٣٦٥) مرة، ولفظ " شهر " (١٢) مرة، وهكذا فعلوا في ألفاظ أخرى نحو " الملائكة والشياطين " و " الدنيا والآخرة " إلخ. وقد ظنَّ كثيرٌ من الناس صحة هذه التكرارات وظنوا أن هذا من إعجاز القرآن، ولم يفرقوا بين " اللطيفة " و " الإعجاز "، فتأليف كتابٍ يحتوي على عدد معيَّن من ألفاظٍ معيَّنة أمرٌ يستطيعه كل أحدٍ، فأين الإعجاز في هذا؟ والإعجاز الذي في كتاب الله تعالى ليس هو مثل هذه اللطائف، بل هو أمر أعمق وأجل من هذا بكثير، وهو الذي أعجز فصحاء العرب وبلغاءهم أن يأتوا بمثل القرآن أو بعشر سورٍ مثله أو بسورة واحدة، وليس مثل هذه اللطائف التي يمكن لأي كاتب أن يفعلها – بل وأكثر منها – في كتاب يؤلفه، فلينتبه لهذا. وليُعلم أنه قد جرَّ هذا الفعل بعض أولئك إلى ما هو أكثر من مجرد الإحصائيات، فراح بعضهم يحدد بتلك الأرقام " زوال دولة إسرائيل " وتعدى آخر إلى " تحديد يوم القيامة "، ومن آخر ما افتروه على كتاب الله تعالى ما نشروه من أن القرآن فيه إشارة إلى " تفجيرات أبراج نيويورك "! من خلال رقم آية التوبة وسورتها وجزئها، وكل ذلك من العبث في كتاب الله تعالى، والذي كان سببه الجهل بحقيقة إعجاز كتاب الله تعالى. ثانياً: بالتدقيق في إحصائيات أولئك الذين نشروا تلك الأرقام وُجد أنهم لم يصيبوا في عدِّهم لبعض الألفاظ، ووجدت الانتقائية من بعضهم في عدِّ الكلمة بالطريقة التي يهواها، وكل هذا من أجل أن يصلوا إلى أمرٍ أرادوه وظنوه في كتاب الله تعالى. قال الشيخ الدكتور خالد السبت: قدَّم الدكتور " أشرف عبد الرزاق قطنة " دراسة نقدية على الإعجاز العددي في القرآن الكريم، وأخرجه في كتاب بعنوان: " رسم المصحف والإعجاز العددي، دراسة نقدية في كتب الإعجاز العددي في القرآن الكريم " وخلص في خاتمة الكتاب الذي استعرض فيه ثلاثة كتب هي (١) كتاب " إعجاز الرقم ١٩ " لمؤلفه باسم جرار، (٢) كتاب " الإعجاز العددي في القرآن " لعبد الرزاق نوفل، (٣) كتاب " المعجزة " لمؤلفه عدنان الرفاعي، وخلص المؤلف إلى نتيجة عبَّر عنها بقوله: " وصلت بنتيجة دراستي إلى أن فكرة الإعجاز العددي " كما عرضتها هذه الكتب " غير صحيحة على الإطلاق، وأن هذه الكتب تقوم باعتماد شروط توجيهية حيناً وانتقائية حيناً آخر، من أجل إثبات صحة وجهة نظر بشكل يسوق القارئ إلى النتائج المحددة سلفاً، وقد أدت هذه الشروط التوجيهية أحياناً إلى الخروج على ما هو ثابت بإجماع الأمة، كمخالفة الرسم العثماني للمصاحف، وهذا ما لا يجوز أبداً، وإلى اعتماد رسم بعض الكلمات كما وردت في أحد المصاحف دون الأخذ بعين الاعتبار رسمها في المصاحف الأخرى، وأدت كذلك إلى مخالفة مبادئ اللغة العربية من حيث تحديد مرادفات الكلمات وأضدادها. (ص ١٩٧) دمشق، منار للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٢٠هـ / ١٩٩٩. وقد ذكر الدكتور فهد الرومي أمثله على اختيار الدكتور عبد الرزاق نوفل الانتقائي للكلمات حتى يستقيم له التوازن العددي، ومن ذلك قوله: إن لفظ اليوم ورد في القرآن (٣٦٥) مرة بعدد أيام السنة، وقد جمع لإثبات هذا لفظي " اليوم "، " يوماً " وترك " يومكم " و " يومهم " و " يومئذ "؛ لأنه لو فعل لاختلف الحساب عليه! وكذلك الحال في لفظ " الاستعاذة " من الشيطان ذكر أنه تكرر (١١) مرة، يدخلون في الإحصاء كلمتي " أعوذ " و " فاستعذ " دون " عذت " و " يعوذون " و " أعيذها " و " معاذ الله ". انظر: " اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر " (٢ / ٦٩٩، ٧٠٠) بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية ١٤١٤هـ. وبهذا الكلام العلمي المتين يتبيَّن الجواب عن كلمة " يوم " وعددها في القرآن الكريم، والذي جاء في السؤال. ثالثاً: وأما الحساب الذي يذكره الله تعالى في كتابه الكريم فهو الحساب الدقيق الذي لا يختلف على مدى السنوات، وهو الحساب القمري. وفي قوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) الكهف/٢٥ ذكر بعض العلماء أن عدد (٣٠٠) هو للحساب الشمسي، وأن عدد (٣٠٩) هو للحساب القمري! وقد ردَّ على هذا القول الشيخ محمد بن صالح العثيمين، وبيَّن في ردِّه أن الحساب عند الله تعالى هو الحساب القمري لا الشمسي. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: " (وَازْدَادُوا تِسْعاً) ازدادوا على الثلاث مائة تسع سنين، فكان مكثُهم ثلاث مائة وتسع سنين، قد يقول قائل: " لماذا لم يقل مائة وتسع سنين؟ " فالجواب: هذا بمعنى هذا، لكن القرآن العظيم أبلغ كتاب، فمن أجل تناسب رؤوس الآيات قال: (ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) ، وليس كما قال بعضهم بأن السنين الثلاثمائة بالشمسية، وازدادوا تسعاً بالقمرية؛ فإنه لا يمكن أن نشهد على الله بأنه أراد هذا، مَن الذي يشهد على الله أنه أراد هذا المعنى؟ حتى لو وافق أن ثلاث مائة سنين شمسية هي ثلاث مائة وتسع سنين بالقمرية فلا يمكن أن نشهد على الله بهذا؛ لأن الحساب عند الله تعالى واحد. وما هي العلامات التي يكون بها الحساب عند الله؟ الجواب: هي الأهلَّة، ولهذا نقول: إن القول بأن " ثلاث مائة سنين " شمسية، (وازدادوا تسعاً) قمرية قول ضعيف. أولاً: لأنه لا يمكن أن نشهد على الله أنه أراد هذا. ثانياً: أن عدة الشهور والسنوات عند الله بالأهلة، قال تعالى: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) يونس/٥، وقال تعالى: (يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) البقرة/١٨٩ " انتهى. " تفسير سورة الكهف ". والحساب بالقمر والأهلة هو المعروف عند الأنبياء وأقوامهم، ولم يُعرف الحساب بالشمس إلا عند جهلة أتباع الديانات، وللأسف وافقهم كثير من المسلمين اليوم. قال الدكتور خالد السبت – في معرض رده على من استدل بآية (لا يزال بنيانهم..) في سورة التوبة على تفجيرات أمريكا -: " الخامس: أن مبنى هذه الارتباطات على الحساب الشمسي، وهو حساب متوارث عن أُمم وثنية، ولم يكن معتبراً لدى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإنما الحساب المعتبر في الشرع هو الحساب بالقمر والأهلة، وهو الأدق والأضبط، ومما يدل على أن المعروف في شرائع الأنبياء هو الحساب بالقمر والأهلة حديث واثلة بن الأسقع ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ) أخرجه أحمد (٤ / ١٠٧) ، والبيهقي في " السنن " (٩ / ١٨٨) ، وسنده حسن، وذكره الألباني في " الصحيحة " (١٥٧٥) . وهذا لا يعرف إلا إذا كان الحساب بالقمر والأهلة، ويدل عليه أيضا الحديث المخرج في الصحيحين عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى ... الحديث , أخرجه البخاري (٢٠٠٤) ومسلم (١١٣٠) ، وقد صرَّح الحافظ ﵀ أنهم كانوا لا يعتبرون الحساب بالشمس - انظر: " الفتح " (٤ / ٢٩١) ، وانظر (٧ / ٣٢٣) -. وقال ابن القيم ﵀ تعليقا على قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ) يونس/٥، وقوله تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) يس/٣٨، ٣٩: " ولذلك كان الحساب القمري أشهر وأعرف عند الأمم وأبعد من الغلط، وأصح للضبط من الحساب الشمسي، ويشترك فيه الناس دون الحساب، ولهذا قال تعالى: (وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) يونس/٥ ولم يقل ذلك في الشمس، ولهذا كانت أشهر الحج والصوم والأعياد ومواسم الإسلام إنما هي على حساب القمر وسيره حكمة من الله ورحمة وحفظا لدينه لاشتراك الناس في هذا الحساب، وتعذر الغلط والخطأ فيه، فلا يدخل في الدين من الاختلاف والتخليط ما دخل في دين أهل الكتاب " انتهى من "مفتاح دار السعادة " ص ٥٣٨، ٥٣٩. وربما يُفهم من العبارة الأخيرة لابن القيم ﵀ أن أهل الكتاب كانوا يعتمدون الحساب بالشمس، وهذا قد صرح الحافظ ابن حجر ﵀ بردِّه بعد أن نسبه لابن القيم - انظر: " الفتح " (٧ / ٣٢٣) –. والواقع أنه لم يكن معتبراً في شرعهم وإنما وقع لهم بعد ذلك لدى جهلتهم " انتهى. وفي فوائد قوله تعالى: (يسئلونك عن الأهلة ... ) قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " ومنها: أن ميقات الأمم كلها الميقات الذي وضعه الله لهم - وهو الأهلة - فهو الميقات العالمي؛ لقوله تعالى: (مواقيت للناس) ؛ وأما ما حدث أخيراً من التوقيت بالأشهر الإفرنجية: فلا أصل له من محسوس، ولا معقول، ولا مشروع؛ ولهذا تجد بعض الشهور ثمانية وعشرين يوماً، وبعضها ثلاثين يوماً، وبعضها واحداً وثلاثين يوماً، من غير أن يكون سبب معلوم أوجب هذا الفرق؛ ثم إنه ليس لهذه الأشهر علامة حسيَّة يرجع الناس إليها في تحديد أوقاتهم، بخلاف الأشهر الهلاليَّة فإن لها علامة حسيَّة يعرفها كل أحدٍ " انتهى. " تفسير البقرة " (٢ / ٣٧١) . وقال القرطبي ﵀ تعليقاً على قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ) التوبة/٣٦: " هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام في العبادات وغيرها إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط وإن لم تزد على اثني عشر شهراً؛ لأنها مختلفة الأعداد، منها ما يزيد على ثلاثين، ومنها ما ينقص، وشهور العرب لا تزيد على ثلاثين وإن كان منها ما ينقص، والذي ينقص ليس يتعين له شهر وإنما تفاوتها في النقصان والتمام على حسب اختلاف سير القمر في البروج " انتهى. " تفسير القرطبي " (٨ / ١٣٣) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1467

هل تدخل النساء في قوله تعالى (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) ؟ [السُّؤَالُ] ـ[قال تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أمولكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا) النساء/٥. وحسب تفسير ابن كثير فإن " السفهاء " في هذه الآية يقصد بها النساء والأطفال، وأشعر أن الآية تقول إنه يجب على الأزواج ألا يعطوا المال لزوجاتهم لينفقن أو ألا يعطوا دخلهم لزوجاتهم لينفقن منها لأنهن سفيهات وغير حكيمات، فهل هذا الفهم صحيح أم أني أخرجت المعنى عن السياق؟ أرجو أن توضح معنى الآية حيث إني مشغولة بذلك كثيراً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ذكر بعض المفسرين في الآية أن " السفهاء" هم النساء، وهذا القول غير صحيح، بل المراد بـ "السفيه" كل من لا يحسن التصرف في المال، ذكراً كان أم أنثى، فيشمل: المجنون، والصبي الصغير، الرجل البالغ - وكذلك المرأة - الذي لا يحسن التصرف في المال، بل يضيعه وينفقه على ما لا ينفعه. وقد رد بعض المفسرين القول بأن المراد بذلك النساء، واستبعدوه لغة وشرعاً. أما لغة فقالوا: إنه لا يقال في النساء " سفهاء " بل " سفائه "، و " سفيهات ". وأما شرعاً فلتواتر النصوص القرآنية والنبوية المبينة لتملك النساء للمال ولتعاملهن بيعاً وشراءً وإجارة، ولا يزال الأزواج يعطون نساءهم نفقة البيت للقيام على شئونه، ولما منع أبو سفيان النفقة عن زوجته واشتكت للنبي ﷺ قال لها النبي ﷺ : (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) رواه البخاري (٢٠٩٧) ومسلم (١٧١٤) . قال القرطبي: واختلف العلماء في هؤلاء " السفهاء " من هم فعن سعيد بن جبير قال: هم اليتامى لا تؤتوهم أموالكم، قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية، وروى إسماعيل بن أبي خالد عن أبي مالك قال: هم الأولاد الصغار لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها وتبقوا بلا شيء، وروى سفيان عن حميد الأعرج عن مجاهد قال: هم النساء، قال النحاس وغيره: وهذا القول لا يصح، إنما تقول العرب في النساء " سفائه " أو " سفيهات ". . . وقال أبو موسى الأشعري ﵁: السفهاء هنا كل من يستحق الحجر. "تفسير القرطبي" (٥/٢٨) . وذكر ابن جرير الطبري ﵀ أقوال المفسرين في الآية – ومنها القول بأن المراد بذلك النساء – ثم قال: " والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه عم بقوله: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) فلم يخصص سفيها دون سفيه، فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيها ماله صبيا صغيرا كان أو رجلا كبيرا، ذكرا كان أو أنثى، والسفيه الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله، هو المستحق الحجر بتضييعه ماله وفساده وإفساده وسوء تدبيره ذلك. . . وأما قول من قال: عنى بالسفهاء النساء خاصة، فإنه جعل اللغة على غير وجهها " انتهى. "تفسير الطبري" (٣/٢٤٩) . وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: " السفهاء، جمع " سفيه " وهو: من لا يحسن التصرف في المال، إما لعدم عقله، كالمجنون والمعتوه، ونحوهما، وإما لعدم رشده، كالصغير وغير الرشيد، فنهى الله الأولياء أن يُؤتوا هؤلاء أموالهم خشية إفسادها وإتلافها؛ لأن الله جعل الأموال قياماً لعباده في مصالح دينهم ودنياهم، وهؤلاء لا يُحسنون القيام عليها وحفظها " انتهى. "تفسير السعدي" (ص١٣٠، ١٣١) . فتبين بذلك أنه لا حرج على الرجل أن يعطي المال لزوجته لتنفق منه على البيت، إذا كانت عاقلة رشيدة بحيث تحسن التصرف في المال. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1468

عنده إشكال في تفسير هذه الآية [السُّؤَالُ] ـ[أود معرفة تفسير قول الله تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) آل عمران /٤٥؛ وهل معنى قوله تعالى: (بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) : بروح منه، كما يدعي النصارى؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اعلم أيها الأخ الكريم، وفقنا الله وإياك لما يحبه ويرضاه، أن الفرق بين ما أنزل الله في كتابه من الهدى ودين الحق، وبين ما يقوله النصارى في نبي الله عيسى ﵇، هو الفرق بين الإيمان والكفر، بين التوحيد والشرك، بين الهدى والضلال، هو الفرق بين الظلمات والنور، نسأل الله أن ينور لنا قلوبنا بتوحيده والإيمان به. ثم اعلم أخانا أن الواجب على من أشكل معنى شيء من المتشابه في كتاب الله تعالى أن يفهمه في ضوء الآيات المحكمات، التي هي معظم هذا الكتاب المبين، وأكثر نصوصه، وهي الأصل الذي يرجع إليه في فهمه واستنباط أحكامه وعبره، لا أن يعارض آية بأخرى، ولا أن يضرب بعض الوحي ببعض، أو يتبع المتشابه الذي يشكل فهمه عليه أو على غيره من الناس، ويترك الواضح المبين، فتلك هي طريقة أهل البدع والضلال، عافانا الله وإياكم، قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) آل عمران/٧. وليست الآية التي ذكرتها مما يدل على قول النصارى في شيء، بل الآية في سياقها ترد على النصارى، وتبين ضلالهم وكفرهم برب العالمين. قال الله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنْ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ * وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) آل عمران/٤٤-٥١ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ففي هذا الكلام وجوه تبين أنه مخلوق وليس كما يقوله النصارى: منها: أنه بين مراده، وأنه مخلوق حيث قال: (كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) ، كما قال في الآية الأخرى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) آل عمران/٥٩. وقال تعالى في سورة مريم: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) مريم /٣٥ وقال: (اسمه المسيح عيسى بن مريم) أخبر أنه ابن مريم، وأخبر أنه وجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين؛ وهذه كلها صفة مخلوق. وقالت مريم: (أنى يكون لي ولد) فبين أن المسيح، الذي هو الكلمة، هو ولد مريم، لا ولد الله . وقال تعالى في سورة النساء: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا * لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) النساء/١٧١-١٧٣، فقد نهى النصارى عن الغلو في دينهم، وأن يقولوا على الله غير الحق، وبين أن المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأمرهم أن يؤمنوا بالله ورسله، فبين أنه رسوله، ونهاهم أن يقولوا ثلاثة، وقال (انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد) ؛ وهذا تكذيب لقولهم في المسيح: إنه إله حق، من إله حق، من جوهر أبيه. ثم قال: (سبحانه أن يكون له ولد) فنزه نفسه وعظمها أن يكون له ولد كما تقوله النصارى. ثم قال: (له ما في السموات وما في الأرض) فأخبر أن ذلك ملك له، ليس فيه شيء من ذاته. ثم قال: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا الله ولا الملائكة المقربون) أي: لن يستنكفوا أن يكونوا عبيدا لله ﵎. فمع ذلك البيان الواضح الجلي، هل يظن ظان أن مراده بقوله: (وكلمته) أنه إله خالق، أو نحو ذلك من أقوالهم الكفرية. وإنما خُصَّ عيسى ﵇ باسم الكلمة؛ لأنه لم يخلق على الوجه المعتاد الذي خلق عليه غيره، بل خرج عن العادة، فخلق بأمر الله التكويني له: (كن) ، وهذا هو الكلمة المذكورة، ولم يخلق من لقاح الذكر للأنثى، كما هي سنة الله المعروفة في خلق البشر. وكون عيسى ﵇ كلمة من الله، وروحا منه، كما تدل عليه نصوص الوحي المبين، لا يوجب أن يكون جزءا من الله تعالى، قد خرج منه، وانفصل عن ذاته، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، بل المراد بذلك أنه من عنده ، كما قال تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) الجاثية/١٣ وقوله تعالى (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) النحل/٥٣، وقوله تعالى: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) النساء/٧٩، وقال تعالى في شأن نبينا محمد ﷺ : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً) البينة/١-٢ فهذه الأشياء كلها من الله، وهي مخلوقة. وقوله عن المسيح وروح منه خص المسيح بذلك لأنه نفخ في أمه من الروح؛ فحبلت به من ذلك النفخ، وذلك غير روحه التي يشاركه فيها سائر البشر، فامتاز بأنها حبلت به من نفخ الروح فلهذا سمي روحا منه. [انظر: دقائق التفسير: ١/٣٢٤ وما بعدها] . ثم إن ما في هذه الآيات من التصريح بأن الله تعالى خلقه، وكذلك يخلق سبحانه ما يشاء، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وإخباره ﵇ بأن ما جاء به من الآيات والمعجزات إنما هو من عند الله وبإذنه، آية لهم على وحدانيته ، ثم ختم الآيات بالتصريح بالمقصود منها، وهو أمرهم بعبادة الله رب عيسى، ورب من أرسل إليهم عيسى ﵇ كذلك واضح الدلالة على بطلان ما يدعيه النصارى في عيسى ﵇ وأمه، وتصريح برد كفرهم وضلالهم. وكما ذكرت هذه الآية أن عيسى كلمة من الله تعالى، وفيها ما يدل على المراد، قد ورد ذلك في سنة النبي ﷺ ؛ وذلك ما رواه البخاري (٣٤٣٥) ومسلم (٢٨) من حديث عُبَادَةَ ﵁ أنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَلِ) وفي لفظ مسلم: (وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ أَمَتِهِ) قَالَ الْقُرْطُبِيّ ﵀: مَقْصُود هَذَا الْحَدِيث التَّنْبِيه عَلَى مَا وَقَعَ لِلنَّصَارَى مِنْ الضَّلال فِي عِيسَى وَأُمّه. وَقَالَ غَيْره: فِي ذِكْر عِيسَى تَعْرِيض بِالنَّصَارَى وَإِيذَان بِأَنَّ إِيمَانهمْ مَعَ قَوْلهمْ بِالتَّثْلِيثِ شِرْك مَحْض , وَكَذَا قَوْله: " عَبْده " وَفِي ذِكْر " رَسُوله " تَعْرِيض بِالْيَهُودِ فِي إِنْكَارهمْ رِسَالَته وَقَذْفه بِمَا هُوَ مُنَزَّه عَنْهُ وَكَذَا أُمّه. وَفِي قَوْله: " وَابْن أَمَته " تَشْرِيف لَهُ. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1469

معنى اللمم [السُّؤَالُ] ـ[قال الله تعالى: (والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) ما معنى اللمم في هذه الآية الكريمة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذه الآية الكريمة في سورة النجم، وهي تذكر صفات المحسنين الذين هم أهل الجنة، قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) النجم/٣١، ٣٢. وقد اختلف المفسرون والأئمة في معنى اللمم على أقوال، منها: ١- روي عن جماعة من السلف: أنه الإلمام بالذنب مرة، ثم لا يعود إليه، وإن كان كبيراً، قال البغوي: هذا قول أبي هريرة، ومجاهد، والحسن، ورواية عن ابن عباس. ٢- وقال سعيد بن المسيب: هو ما ألم بالقلب. أي ما خطر عليه. ٣- وقال الحسين بن الفضل: "اللمم": النظر من غير تعمد، فهو مغفور، فإن أعاد اللمم: فليس بلمم، وهو ذنب. ٤- وذهبت طائفة إلى أن "اللمم": ما فعلوه في الجاهلية قبل إسلامهم، فالله لا يؤاخذهم به، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: أنتم بالأمس كنتم تعملون معنا، فأنزل الله هذه الآية، وهذا قول زيد بن ثابت، وزيد بن أسلم. ٥- وذهب جمهور العلماء إلى أن "اللمم" هو صغائر الذنوب. روى البخاري (٦٢٤٣) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ) . قَالَ الرَّاغِب: اللَّمَم مُقَارَفَة الْمَعْصِيَة، وَيُعَبَّر بِهِ عَنْ الصَّغِيرَة. وقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَاد بِاللَّمَمِ مَا ذَكَرَهُ اللَّه فِي قَوْله تَعَالَى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ) وَهُوَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ. وَقَالَ فِي الآيَة الأُخْرَى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) فَيُؤْخَذ مِنْ الآيَتَيْنِ أَنَّ اللَّمَم مِنْ الصَّغَائِر وَأَنَّهُ يُكَفَّر بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِر اهـ. وذكر النووي ﵀ كلام الخطابي ثم قال: " هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي تَفْسِير اللَّمَم , وَقِيلَ: أَنْ يُلِمّ بِالشَّيْءِ وَلا يَفْعَلهُ , وَقِيلَ: الْمَيْل إِلَى الذَّنْب. وَلا يُصِرّ عَلَيْهِ , وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِظَاهِرٍ. وَأَصْل اللَّمَم وَالإِلْمَام الْمَيْل إِلَى الشَّيْء وَطَلَبَهُ مِنْ غَيْر مُدَاوَمَة. وَاَللَّه أَعْلَم " اهـ. قال الحافظ: وَمُحَصَّل كَلَام اِبْن عَبَّاس تَخْصِيصه بِبَعْضِهَا (يعني: تخصيص اللمم ببعض الذنوب الصغار) , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَة اللَّمَم أَوْ فِي حُكْم اللَّمَم اهـ. وروى الترمذي (٣٢٨٤) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ) . قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لا أَلَمَّا) . صححه الألباني في صحيح الترمذي. قال في تحفة الأحوذي: اخْتَلَفَت أَقْوَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ اللَّمَمِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ صَغَائِرُ الذُّنُوبِ. . وَهو الظَّاهِرُ الرَّاجِحُ اهـ. وقال القرطبي ﵀: "إلا اللمم" وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه اهـ. وقال ابن جرير: " وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال "إلا" بمعنى الاستثناء المنقطع، ووجه معنى الكلام (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) بما دون كبائر الإثم، ودون الفواحش الموجبة للحدود في الدنيا، والعذاب في الآخرة، فإن ذلك معفو لهم عنه، وذلك عندي نظير قوله جل ثناؤه: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) النساء/٣١. فوعد جل ثناؤه باجتناب الكبائر، العفو عما دونها من السيئات، وهو اللمم الذي قال النبي ﷺ : (لعينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه) وذلك أنه لا حد فيما دون ولوج الفرج في الفرج، وذلك هو العفو من الله في الدنيا عن عقوبة العبد عليه، والله جل ثناؤه أكرم من أن يعود فيما قد عفا عنه " اهـ وقد ورد في السنة الصحيحة إطلاق اللمم على من يعمل الذنوب المرة ونحوها، ولم يداوم على ذلك. وهو موافق لمعنى اللمم في اللغة. ففي حديث الإفك: قَوْله ﷺ : (إِنْ كُنْت أَلْمَمْت بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّه) رواه البخاري (٢٦٦١) ومسلم (٢٧٧٠) . قال النووي: مَعْنَاهُ: إِنْ كُنْت فَعَلْت ذَنْبًا وَلَيْسَ ذَلِكَ لَك بِعَادَةٍ , وَهَذَا أَصْل اللَّمَم اهـ. وقد جمع السعدي ﵀ في تفسيره بين المعنيين، فقال (ص ٩٧٦) : " (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ) أي: يفعلون ما أمرهم الله به من الواجبات التي يكون تركها من كبائر الذنوب، ويتركون المحرمات الكبار من الزنا وشرب الخمر وأكل الربا والقتل ونحو ذلك من الذنوب العظيمة (إِلا اللَّمَمَ) وهو الذنوب الصغار التي لا يصر صاحبها عليها، أو التي يُلِم العبد بها المرة بعد المرة على وجه الندرة والقلة، فهذه ليس مجرد الإقدام عليها مخرجاً للعبد من أن يكون من المحسنين، فإن هذه مع الإتيان بالواجبات وترك المحرمات تدخل تحت مغفرة الله التي وسعت كل شيء، ولهذا قال: (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) فلولا مغفرته لهلكت البلاد والعباد، ولولا عفوه وحلمه لسقطت السماء على الأرض، ولما ترك على ظهرها من دابة، ولهذا قال النبي ﷺ : (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ) " اهـ. وليس معنى الآية الإذن لهم في ارتكاب (اللمم) وهي الصغائر، بل المعنى: أنهم يجتنبون الكبائر، ثم ما وقع منهم من الصغائر - على سبيل الزلة والخطأ - فإنه يقع مغفوراً لهم باجتنابهم الكبائر. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1470

المقصود بالجنة والناس في سورة الناس [السُّؤَالُ] ـ[ما المقصود بالجِنّة والنَّاس في سورة الناس، هل هم شياطين الإنس والجن أم ماذا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: قال الله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس *ِ مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاس * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاس *ِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاس) . سورة الناس في هذه الآيات الكريمة أمر بالاستعاذة من الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس. وفيها بيان حال هذا الوسواس، وأنه قد يكون من الجن، وقد يكون من الإنس. قال الحسن: هما شيطانان، أما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية. وقال قتادة: إن من الجن شياطين، وإن من الإنس شياطين، فتعوذ بالله من شياطين الإنس والجن. هذا هو الصحيح في معنى هذه الآية الكريمة. قال ابن القيم ﵀: " فالصواب في معنى الآية أن قوله: (مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) بيان للذي يوسوس، وأنهم نوعان: إنس وجن، فالجني يوسوس في صدور الإنس، والإنسي أيضا يوسوس في صدور الإنس. . . . ونظير اشتراكهما في هذه الوسوسة: اشتراكهما في الوحي الشيطاني، قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً) الأنعام/١١٢. فالشيطان يوحي إلى الإنسي باطله، ويوحيه الإنسي إلى إنسي مثله، فشياطين الإنس والجن يشتركان في الوحي الشيطاني، ويشتركان في الوسوسة. . . . وتدل الآية على الاستعاذة من شر نوعي الشياطين: شياطين الإنس وشياطين الجن " انتهى باختصار. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "تفسير جزء عم": " وقوله: (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاس) أي: أن الوساوس تكون من الجن، وتكون من بني آدم. أما وسوسة الجن؛ فظاهر؛ لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم. وأما وسوسة بني آدم؛ فما أكثرَ الذين يأتون إلى الإنسان يوحون إليه بالشر، ويزينونه في قلبه حتى يأخذ هذا الكلام بلُبِّه وينصرف إليه " انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1471

حديث توسل آدم بالنبي وتفسير: (وابتغوا إليه الوسيلة) [السُّؤَالُ] ـ[أرجو تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) المائدة/٣٥، وذلك ردّاً على الصوفية في التوسل، حيث إن بعضهم فسرها بجواز التوسل بالأنبياء والأولياء، أما بالنسبة لحديث آدم لما اقترف الخطيئة فيقولون: إن البيهقي صحح الحديث، وإن الذهبي أثنى على هذا الكتاب.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: حديث اقتراف آدم للخطيئة وتوسله بالنبي ﷺ حديث موضوع مكذوب على النبي ﷺ وعلى آدم ﵇. وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٣٤٧١٥) ونقلنا عن أهل العلم تبيينهم لكذبه، ومن هؤلاء العلماء الإمام الذهبي ﵀. والبيهقي ﵀ لم يرو الحديث في سننه، بل رواه في "دلائل النبوة" (٥/٤٨٩) وضعَّفه، فقد قال بعد سياقه للحديث: " تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف ". ومما يرجح نكارة المتن وبطلانه: أن الدعاء الذي قبِل الله به توبة آدم هو ما قاله الله في سورة الأعراف: (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) الأعراف/٢٣، فهذا هو الدعاء الذي دعا به آدم وحواء، وفيه دعاء الله تعالى وحده، والتوسل بأسمائه وصفاته، والتوسل بذكر حالهم، وهي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه ثم قالها فتاب الله تعالى عليه، كما قال تعالى: (فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) البقرة/٣٧. ثانياً: أما تفسير لفظ " الوسيلة " في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) المائدة/٣٥: فهي الطريق الموصلة إلى الله تعالى، ولا طريق موصلة إليه إلا الطريق التي يحبها الله ويرضى عنها، وتكون بطاعته وترك معصيته. قال ابن كثير ﵀: " يقول تعال آمراً عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بطاعته كان المراد بها الانكفاف من المحارم وترك المنهيات، وقد قال بعدها: (وابتغوا إليه الوسيلة) قال سفيان الثوري عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس: أي: القربة، وكذا قال مجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد، وقال قتادة: أي: تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، وقرأ ابن زيد: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة) ، وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه. والوسائل والوسيلة: هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود " انتهى. "تفسير ابن كثير" (٢/٥٣، ٥٤) . وقال الشنقيطي ﵀: " اعلم أن جمهور العلماء على أن المراد بالوسيلة هنا هو القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه على وفق ما جاء به محمد ﷺ بإخلاص في ذلك لله تعالى؛ لأن هذا وحده هو الطريق الموصلة إلى رضى الله تعالى، ونيل ما عنده من خير الدنيا والآخرة. وأصل الوسيلة: الطريق التي تقرب إلى الشيء، وتوصل إليه وهي العمل الصالح بإجماع العلماء؛ لأنه لا وسيلة إلى الله تعالى إلا باتباع رسوله ﷺ ، وعلى هذا فالآيات المبينة للمراد من الوسيلة كثيرة جدّاً كقوله تعالى: (وَمَآءَاتَـ?كُمُ ?لرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـ?كُمْ عَنْهُ فَ?نتَهُواْ) ، وكقوله: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ?للَّهَ فَ?تَّبِعُونِى) ، وقوله: (قُلْ أَطِيعُواْ ?للَّهَ وَأَطِيعُواْ ?لرَّسُولَ) ، إلى غير ذلك من الآيات. وروي عن ابن عباس ﵄ أن المراد بالوسيلة الحاجة. . . وعلى هذا القول الذي روي عن ابن عباس فالمعنى: (وَ?بْتَغُواْ إِلَيهِ ?لْوَسِيلَةَ) : واطلبوا حاجتكم من الله؛ لأنه وحده هو الذي يقدر على إعطائها، ومما يبين معنى هذا الوجه قوله تعالى: (إِنَّ ?لَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ?للَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَ?بْتَغُواْ عِندَ ?للَّهِ ?لرِّزْقَ وَ?عْبُدُوهُ) ، وقوله: (وَ?سْأَلُواْ ?للَّهَ مِن فَضْلِهِ) ، وفي الحديث: (إذا سألتَ فاسأل الله) . ثم قال الشنقيطي ﵀: التحقيق في معنى الوسيلة هو ما ذهب إليه عامة العلماء من أنها التقرب إلى الله تعالى بالإخلاص له في العبادة، على وفق ما جاء به الرسول ﷺ ، وتفسير ابن عباس داخل في هذا؛ لأن دعاء الله والابتهال إليه في طلب الحوائج من أعظم أنواع عبادته التي هي الوسيلة إلى نيل رضاه ورحمته. وبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهَّال المدعين للتصوُّف من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه: أنه تخبط في الجهل والعمى وضلال مبين، وتلاعب بكتاب الله تعالى، واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار، كما صرح به تعالى في قوله عنهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ?للَّهِ زُلْفَى?) وقوله: (وَيَقُولُونَ هَـ?ؤُلا?ءِ شُفَعَـ?ؤُنَا عِندَ ?للَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ?للَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ?لسَّمَوَتِ وَلَا في ?لأرْضِ ? عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رِضى الله وجنته ورحمته هي اتباع رسوله ﷺ ، ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل، (لَّيْسَ بِأَمَـ?نِيِّكُمْ وَلا? أَمَانِىِّ أَهْلِ ?لْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُو?ءًا يُجْزَ بِهِ) . وهذا الذي فسرنا به الوسيلة هنا هو معناها أيضاً في قوله تعالى: (أُولَـ?ئِكَ ?لَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى? رَبِّهِمُ ?لْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) ، وليس المراد بالوسيلة أيضاً المنزلة التي في الجنة التي أمرنا ﷺ أن نسأل له الله أن يعطيه إياها، نرجو الله أن يعطيه إياها؛ لأنها لا تنبغي إلا لعبد، وهو يرجو أن يكون هو " انتهى باختصار. "أضواء البيان" (٢/٨٦– ٨٨) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1472

يسأل عن الصابئة: من هم؟ وما حقيقة مذهبهم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ورد ذكر الصابئة في عدة آيات من القرآن، فمن هم؟ وما الدين الذي يدينون به؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ذكرت هذه الطائفة من الناس في ثلاثة مواضع من القرآن؛ فأولها في قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة/٦٢، والثاني في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) الحج/١٧، والثالث قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) المائدة/٦٩. والصابئة جمع صابئ، اسم فاعل من صَبَأ يصبَأ، إذا خرج من دين إلى آخر. قال الطبري: (والصابئون، جمع صابئ، وهو المستحدث سوى دينه دينا، كالمرتد من أهل الإسلام عن دينه، وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره، تسميه العرب: صابئا ... يقال صبأت النجوم: إذا طلعت..) انظر تفسير الطبري ٢/١٤٥، لسان العرب صبأ وأما مذهبهم، فقال ابن القيم، ﵀: (وقد اختلف الناس فيهم اختلافا كثيرا، وأشكل أمرهم على الأئمة لعدم الإحاطة بمذهبهم ودينهم؛ فقال الشافعي رحمه الله تعالى: هم صنف من النصارى، وقال في موضع: ينظر في أمرهم؛ فإن كانوا يوافقون النصارى في أصل الدين، ولكنهم يخالفونهم في الفروع، فتؤخذ منهم الجزية، وإن كانوا يخالفونهم في أصل الدين لم يقروا على دينهم ببذل الجزية.... وأما أقوال السلف فيهم فذكر سفيان عن ليث عن مجاهد قال: هم قوم بين اليهود والمجوس ليس لهم دين، وفي تفسير شيبان عن قتادة قال: الصابئة قوم يعبدون الملائكة ... ) قال ابن القيم: (قلت: الصابئة أمة كبيرة، فيهم السعيد والشقي، وهي إحدى الأمم المنقسمة إلى مؤمن وكافر، فإن الأمم قبل مبعث النبي، ﷺ ، نوعان: نوع كفار أشقياء كلهم، ليس فيهم سعيد، كعبدة الأوثان والمجوس، ونوع منقسمون إلى سعيد وشقي، وهم اليهود والنصارى والصابئة، وقد ذكر الله سبحانه النوعين في كتابه، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون) البقرة/٦٢، وكذلك قال في المائدة، وقال في سورة الحج (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) فلم يقل هاهنا: من آمن منهم بالله واليوم الآخر، لأنه ذكر معهم المجوس والذين أشركوا؛ فذكر ست أمم، منهم اثنتان شقيتان، وأربع منهم منقسمة إلى شقي وسعيد، وحيث وعد أهل الإيمان والعمل الصالح منهم بالأجر ذكرهم أربع أمم ليس إلا، ففي آية الفصل بين الأمم أدخل معهم الأمتين، وفي آية الوعد بالجزاء لم يدخلها معهم، فعلم أن الصابئين فيهم المؤمن والكافر، والشقي والسعيد. وهذه أمة قديمة قبل اليهود والنصارى، وهم أنواع: صابئة حنفاء، وصابئة مشركون. وكانت حران دار مملكة هؤلاء قبل المسيح، ولهم كتب وتآليف وعلوم، وكان في بغداد منهم طائفة كبيرة، منهم إبراهيم بن هلال الصابئ صاحب الرسائل، وكان على دينهم ويصوم رمضان مع المسلمين، وأكثرهم فلاسفة ولهم مقالات مشهورة ذكرها أصحاب المقالات. وجملة أمرهم أنهم لا يكذبون الأنبياء ولا يوجبون اتباعهم، وعندهم أن من اتبعهم [يعني اتبع الأنبياء] فهو سعيد ناج وأن من أدرك بعقله ما دعوا إليه، فوافقهم فيه وعمل بوصاياهم، فهو سعيد، وإن لم يتقيد بهم، فعندهم دعوة الأنبياء حق، ولا تتعين طريقا للنجاة، وهم يقرون أن للعالم صانعا مدبرا حكيما منزها عن مماثلة المصنوعات، ولكن كثيرا منهم، أو أكثرهم، قالوا: نحن عاجزون عن الوصول إلى جلاله بدون الوسائط؛ والواجب التقرب إليه بتوسط الروحانيين المقدسين المطهرين عن المواد الجسمانية، المبرئين عن القوى الجسدية، المنزهين عن الحركات المكانية والتغييرات الزمانية، بل قد جبلوا على الطهارة، وفطروا على التقديس. ثم ذكر أنهم يعبدون هذه الوسائط ويتقربون إليها، ويقولون: (هم آلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب، وإله الآلهة) ثم قال، ﵀: (فهذا بعض ما نقله أرباب المقالات عن دين الصابئة وهو بحسب ما وصل إليهم، وإلا فهذه الأمة فيهم المؤمن بالله وأسمائه وصفاته وملائكته ورسله واليوم الآخر وفيهم الكافر، وفيهم الآخذ من دي الرسل بما وافق عقولهم واستحسنوه، فدانوا به ورضوه لأنفسهم. وعقد أمرهم أنهم يأخذون بمحاسن ما عند أهل الشرائع بزعمهم، ولا يوالون أهل ملة ويعادون أخرى، ولا يتعصبون لملة على ملة. والملل عندهم نواميس لمصالح العالم، فلا معنى لمحاربة بعضها بعضا بل يؤخذ بمحاسنها وما تكمل به النفوس، وتتهذب به الأخلاق، ولذلك سموا صابئين كأنهم، صبؤوا عن التعبد بكل ملة من الملل، والانتساب إليها، ولهذا قال غير واحد من السلف: ليسوا يهودا ولا نصارى ولا مجوسا. وهم نوعان صابئة حنفاء وصابئة مشركون؛ فالحنفاء هم الناجون منهم وبينهم مناظرات ورد من بعضهم على بعض، وهم قوم إبراهيم كما أن اليهود قوم موسى،والحنفاء منهم أتباعه) أحكام أهل الذمة ١/٩٢-٩٨ وما ذكره من انقسام الصابئة إلى موحدين ومشركين قرره شيخ الإسلام أيضا في غير موضع. انظر الرد على المنطقيين [٢٨٧-٢٩٠،٤٥٤-٤٥٨] ، منهاج السنة، تعليق المحقق [١/٥] . وانظر أيضا بحث الشيخ ابن عاشور للمسألة عند تفسيره لآية البقرة. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1473

تفسير قوله تعالى: (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ) [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ؟ وعلى من تعود الخشية؟ ونحن جميعاً نعلم أن الله لا يخشى أحدا، وإنما يخشاه العباد؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) فاطر/٢٨. فالفاعل هنا: (العلماءُ) فهم أهل الخشية والخوف من الله. واسم الجلالة (الله) : مفعول مقدم. وفائدة تقديم المفعول هنا: حصر الفاعلية، أي أن الله تعالى لا يخشاه إلا العلماءُ، ولو قُدم الفاعل لاختلف المعنى ولصار: لا يخشى العلماءُ إلا اللهَ، وهذا غير صحيح فقد وُجد من العلماء من يخشون غير الله. ولهذا قال شيخ الإسلام عن الآية: " وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ خَشِيَ اللَّهَ فَهُوَ عَالِمٌ. وَهُوَ حَقٌّ، وَلا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ عَالِمٍ يَخْشَاهُ " انتهى من "مجموع الفتاوى" (٧/٥٣٩) . وانظر: "تفسير البيضاوي" (٤/٤١٨) ، و "فتح القدير" (٤/٤٩٤) . وأفادت الآية الكريمة أن العلماء هم أهل الخشية، وأن من لم يخف من ربه فليس بعالم. قال ابن كثير ﵀: " إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير أتم والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير ... وقال سعيد بن جبير: الخشية هي التي تحول بينك وبين معصية الله . وقال الحسن البصري: العالم من خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سخط الله فيه، ثم تلا الحسن: (إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور) . وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية. . . وقال سفيان الثوري عن أبي حيان التيمي عن رجل قال: كان يقال العلماء ثلاثة: عالم بالله عالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله. فالعالم بالله وبأمر الله: الذي يخشى الله تعالى ويعلم الحدود والفرائض، والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله: الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض. والعالم بأمر الله ليس العالم بالله: الذي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى الله " انتهى من تفسير ابن كثير (٤/٧٢٩) باختصار. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١٧/٢١) : " قوله تعالى: (إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لا يَخْشَاهُ إلا عَالِمٌ ; فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ خَشِيَ اللَّهَ فَهُوَ عَالِمٌ كَمَا قَالَ فِي الآيَةِ الأُخْرَى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) الزمر/٩ " انتهى. وقال السعدي ﵀: " فكل مَنْ كان بالله أعلم، كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية الله الانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء مَنْ يخشاه، وهذا دليل على فضل العلم، فإنه داعٍ إلى خشية الله، وأهل خشيته هم أهل كرامته، كما قال تعالى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) البينة/٨ " انتهى. والحاصل: أن الفاعل في الآية هم العلماء. ومعنى الآية: أن الله تعالى لا يخشاه أحدٌ إلا العلماءُ، وهم الذين يعرفون قدرته وسلطانه. وليس معنى الآية أن الله تعالى هو الذي يخشى العلماء، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1474

معنى الخيط الأبيض والخيط الأسود المذكورين في آية الصيام [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى قول الله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) ؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) البقرة/١٨٧. ومعنى ذلك أن الله تعالى أباح للصائم الأكل والشرب ليلاً حتى يتبين له (أي يتيقن) طلوع الفجر. والمراد من الخيط الأبيض النهار، والخيط الأسود الليل. قال الحافظ: وَمَعْنَى الآيَةِ حَتَّى يَظْهَرَ بَيَاضُ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ , وَهَذَا الْبَيَانُ يَحْصُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ. وَقَوْلُهُ: (مِنْ الْفَجْرِ) بَيَانٌ لِلْخَيْطِ الأَبْيَضِ , وَاكْتَفَى بِهِ عَنْ بَيَانِ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ لأَنَّ بَيَانَ أَحَدِهِمَا بَيَانٌ لِلآخَرِ اهـ. وقد فهم بعض الصحابة ﵃ الآية على خلاف معناها، ففهموا أن المراد منها الخيط الحقيقي، فكان أحدهم يجعل تحت وسادته أو يربط في رجله خيطين أحدهما أبيض والآخر أسود ويظل يأكل حتى يتبين له أحدهما من الآخر، وسبب هذا الخطأ في فهم معنى الآية أن الله تعالى أنزل الآية أولاً بدون قوله:) مِنَ الْفَجْرِ) ، ففهمها بعض الصحابة على المعنى المتبادر إلى الذهن من كلمة "الخيط" ثم أنزل الله تعالى بعد مدة (قال بعض العلماء إنها سنة) أنزل قوله: (مِنَ الْفَجْرِ) فعلموا أن المراد بالخيط الأبيض ضوء الفجر (النهار) وبالخيط الأسود الليل. روى البخاري (١٩١٧) ومسلم (١٠٩١) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ) وَلَمْ يَنْزِلْ (مِنْ الْفَجْرِ) فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الْخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ: (مِنْ الْفَجْرِ) فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. فهؤلاء الصحابة حَمَلُوا الْخَيْطَ عَلَى ظَاهِرِهِ , فَلَمَّا نَزَلَ (مِنْ الْفَجْرِ) عَلِمُوا الْمُرَادَ. وقد فهم عدي بن حاتم ﵁ الآية كما فهمها هؤلاء حتى صحح له النبي ﷺ هذا الفهم وبين له المعنى المراد من الآية. روى البخاري (١٩١٦) عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلا يَسْتَبِينُ لِي فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ. وفي رواية للبخاري (٤٥١٠) : (إِنَّكَ لَعَرِيضُ) . وفي رواية أخرى له أيضاً (٤٥٠٩) : (إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ أَنْ كَانَ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِكَ) . وفي أخرى (٤٥١٠) : (إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا) . وقصة عدي ﵁ وقعت بعد نزول قوله تعالى: (مِنَ الْفَجْرِ) أي بعد حديث سهل السابق. وقد اعتذر بعض العلماء عن خطأ عدي في هذا الفهم مع نزول قوله تعالى (مِنَ الْفَجْرِ) بأن عديا لم يبلغه حديث سهل، أو لم يكن من لغة قومه استعمال الخيط الأبيض والخيط الأسود للدلالة على الليل والنهار. ولذلك ترجم ابن حبان لحديث عدي بقوله: "ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْعَرَبَ تَتَفَاوَتُ لُغَاتُهَا" وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ عَدِيًّا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ فِي لُغَتِهِ أَنَّ سَوَادَ اللَّيْلِ وَبَيَاضَ النَّهَارِ يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِالْخَيْطِ الأَسْوَدِ وَالْخَيْطِ الأَبْيَضِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: حَدِيث عَدِيٍّ مُتَأَخِّرٌ عَنْ حَدِيثِ سَهْلٍ , فَكَأَنَّ عَدِيًّا لَمْ يَبْلُغْهُ مَا جَرَى فِي حَدِيثِ سَهْلٍ، وَإِنَّمَا سَمِعَ الآيَةَ مُجَرَّدَةً فَفَهِمَهَا عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ اهـ. وقال الحافظ: وَأَمَّا عَدِيٌّ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي لُغَةِ قَوْمِهِ اِسْتِعَارَةُ الْخَيْطِ لِلصُّبْحِ , أَوْ نَسِيَ قَوْلَهُ: (مِنْ الْفَجْرِ) حَتَّى ذَكَّرَهُ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ اهـ. وقَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا للقاضي عِيَاضٍ: وَإِنَّمَا حَمَلَ الْخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالأَسْوَدَ عَلَى ظَاهِرِهِمَا بَعْضُ مَنْ لا فِقْهَ عِنْدَهُ مِنْ الأَعْرَابِ كَالرِّجَالِ الَّذِينَ حُكِيَ عَنْهُمْ سَهْلٌ وَبَعْضُ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي لُغَتِهِ اِسْتِعْمَالُ الْخَيْطِ فِي الصُّبْحِ كَعَدِيٍّ اهـ. وأما قوله ﷺ : (إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا) فقد زعم بعضهم أن النبي ﷺ أراد بذلك أنه فِيهِ غَبَاوَةٌ وَغَفْلَةٌ. وادعى هؤلاء أن عُرْضَ الْقَفَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الغباوة, وَأَنْشَدَوا فِي ذَلِكَ شِعْرًا. وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ كَثِيرٌ من العلماء مِنْهُمْ الْقُرْطُبِيُّ والقاضي عياض والنووي. قال القرطبي: "حَمَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى الذَّمِّ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْفَهْمِ وَكَأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى الْجَهْلِ وَالْجَفَاءِ وَعَدَمِ الْفِقْهِ , وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوهُ. . وَإِنَّمَا عَنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ وِسَادَك إِنْ كَانَ يُغَطِّي الْخَيْطَيْنِ اللَّذَيْنِ أَرَادَ اللَّهُ فَهُوَ إِذًا عَرِيضٌ وَاسِعٌ , وَلِهَذَا قَالَ فِي أَثَرِ ذَلِكَ: إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ , فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَكَيْفَ يَدْخُلَانِ تَحْتَ وِسَادَتِك؟ وَقَوْلُهُ " إِنَّك لَعَرِيضُ الْقَفَا " أَيْ إِنَّ الْوِسَادَ الَّذِي يُغَطِّي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَرْقُدُ عَلَيْهِ إِلا قَفًا عَرِيضٌ لِلْمُنَاسَبَةِ اهـ باختصار. وقَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ إِنْ جَعَلْت تَحْت وِسَادك الْخَيْطَيْنِ الَّذِينَ أَرَادَهُمَا اللَّه تَعَالَى وَهُمَا اللَّيْل وَالنَّهَار فَوِسَادُك يَعْلُوهُمَا وَيُغَطِّيهِمَا , وَحِينَئِذٍ يَكُون عَرِيضًا , وَهُوَ مَعْنَى الرِّوَايَة الأُخْرَى فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ (إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا) وَهُوَ مَعْنَى الرِّوَايَة الأُخْرَى: (إِنَّك لَضَخْمٌ) اهـ. انظر: فتح الباري شرح حديث رقم (١٩١٧) ، (١٩١٦) .، شرح مسلم للنووي حديث رقم (١٠٩٠) ، (١٠٩١) . ومن الأحكام المستنبطة من الآية الكريمة أن من شك في طلوع الفجر فله أن بأكل ويشرب حتى يتيقن طلوعه لأن الله تعالى قال: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ) . رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَحَلَّ اللَّهُ لَك الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مَا شَكَكْت. قال الحافظ: إِسْنَاده صَحِيحٍ. وَرَوَى اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ عن أَبِي الضُّحَى قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ اِبْنَ عَبَّاسٍ عَنْ السُّحُورِ , فَقَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ: كُلْ مَا شَكَكْت حَتَّى لا تَشُكَّ. قَالَ اِبْنُ الْمُنْذِرِ: وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ صَارَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ. قال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع (٦/٢٤٧) . "من أتى مفطرا، وهو شاك في طلوع الفجر فصومه صحيح، لأن الله قال: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) البقرة/١٨٧. وضد التبين الشك والظن، فما دمنا لم يتبين لنا فلنا أن نأكل ونشرب، وهذه المسألة لها خمسة أقسام: ١- أن يتيقن أن الفجر لم يطلع، مثل: أن يكون طلوع الفجر في الساعة الخامسة، ويكون أكله وشربه في الساعة الرابعة والنصف فصومه صحيح. ٢- أن يتيقن أن الفجر طلع، كأن يأكل الساعة الخامسة والنصف فهذا صومه فاسد. ٣- أن يأكل وهو شاك هل طلع الفجر أو لا، ويغلب على ظنه أنه لم يطلع؟ فصومه صحيح. ٤- أن يأكل ويشرب، ويغلب على ظنه أن الفجر طالع فصومه صحيح. ٥- أن يأكل ويشرب مع التردد الذي ليس فيه رجحان فصومه صحيح" اهـ. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1475

يسأل عن إعراب كلمة (الصابئون) وكيف نردّ على من يقول إنها خطأ نحوي في القرآن [السُّؤَالُ] ـ[أريد إعراب كلمة "الصابئون" في سورة المائدة، ولماذا جاءت بالواو، مع أنها في آية أخرى جاءت بالياء، وتشابه الكلام في الآيتين كبير. وقد كان ذلك سببا في خلاف كبير بيني وبين شخص نصراني يقول: إن القرآن فيه أخطاء نحوية، فقلت له: سأترك الإسلام إن كان هناك خطأ نحوي واحد في القرآن. وقولي هذا عن قوه إيمان، وعن ثقة بأن القرآن، كلام الله ، منزه عن قول المفترين.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله وردت كلمة " الصابئين " بياء النصب في سورتي البقرة والحج؛ في قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة/٦٢، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) الحج/١٧ ووردت نفس الكلمة بواو الرفع في سورة المائدة؛ في قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) المائدة/٦٩ أما الآيتان الأوليان فلا إشكال في إعرابهما؛ لأن الكلمة فيهما وقعت معطوفة بالواو على كلمة محلها النصب، وهي " الذين "؛ اسم إن، فنصبت، وعلامة نصبها الياء، لأنها جمع مذكر سالم. وإنما محل الإشكال هو الآية الثالثة، آية سورة المائدة؛ فقد وقعت في نفس موقعها في الآيتين الأوليين، ومع ذلك جاءت مرفوعة. وقد ذكر النحاة والمفسرون في توضيح ذلك الإشكال عدة وجوه، وذكروا نظائرها المعروفة في لغة العرب، ونكتفي هنا بثلاثة منها، هي من أشهر ما قيل في ذلك: الأول: أن الآية فيها تقديم وتأخير، وعلى ذلك يكون سياق المعنى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى، من آمن بالله ... فلا خوف عليهم، ولاهم يحزنون، والصابئون كذلك، فتعرب مبتدأً مرفوعا،وعلامة رفعه الواو، لأنه جمع مذكر سالم. ونظير ذلك من لغة العرب قول الشاعر: فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وَقَيَّار ٌبها لغريب وموطن الشاهد قوله "قيار"، وهو اسم لفرسه، أو جمله؛ فقد جاءت هذه الكلمة مرفوعة على أنها مبتدأ، ولم تجئ منصوبة على أنها معطوفة على اسم إن المنصوب وهو ياء المتكلم في قوله (فإني) الثاني: أن " الصابئون " مبتدأ، والنصارى معطوف عليه، وجملة من آمن بالله ... خبر "الصابئون"، وأما خبر "إن" فهو محذوف دل عليه خبر المبتدأ "الصابئون"، ونظير ذلك من لغة العرب قول الشاعر: نحن بما عندنا، وأنت بما عندك راضٍ، والأمر مختلف والشاهد فيه أن المبتدأ "نحن" لم يذكر خبره، اكتفاء بخبر المعطوف "أنت"؛ فخبره "راض" يدل على خبر المبتدأ الأول، وتقدير الكلام: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض. الثالث: أن " الصابئون " معطوف على محل اسم " إن "؛ فالحروف الناسخة، إن وأخواتها، تدخل على الجملة الاسمية المكونة من مبتدأ وخبر، واسم إن محله الأصلي، قبل دخول إن عليه الرفع لأنه مبتدأ، ومن هنا رفعت "الصابئون" باعتبار أنها معطوفة على محل اسم إن. [انظر: أوضح المسالك، لابن هشام، مع شرح محيي الدين، ١/٣٥٢-٣٦٦ , تفسير الشوكاني والألوسي، عند هذه الآية] . وما ذكرته، من قوة يقينك , وثقتك بكلام الله سبحانه، هو الواجب على كل مسلم، قال الله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) النساء/٨٢ قال الشيخ ابن عاشور، ﵀ في تفسيره: (وبعد فمما يجب أن يوقَن به أن هذا اللفظ كذلك نزل، وكذلك نطق به النبي ﷺ ، وكذلك تلقاه المسلمون منه وقرؤوه، وكتب في المصاحف، وهم عرب خُلَّص، فكان لنا أصلا نتعرف منه أسلوبا من أساليب استعمال العرب في العطف، وإن كان استعمالا غير شائع، لكنه من الفصاحة والإيجاز بمكان ... ) اهـ وتلمس ابن عاشور الفائدة البلاغية من الإتيان بلفظ " الصابئون " موفوعاً، فقال ما معناه: إن الرفع في هذا السياق غريب، فيستوقف القارئ عنده: لماذا رفع هذا الاسم بالذات، مع أن المألوف في مثل هذا أن ينصب؟ فيقال: إن هذه الغرابة في رفع الصابئون تناسب غرابة دخول الصابئين في الوعد بالمغفرة، لأنهم يعبدون الكواكب، فهم أبعد عن الهدى من اليهود والنصارى، حتى إنهم يكادون ييأسون من الوعد بالمغفرة والنجاة فنبه بذلك على أن عفو الله عظيم. يشمل كل من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً وإن كان من الصابئين. [انظر تفسير آية المائدة من تفسير ابن عاشور] ولمعرفة من هم الصابئة؟ انظر الإجابة على السؤال رقم (٤٩٠٤٨) لكن يبقى لنا عِبَرٌ لا ينبغي تفويتها في هذا السياق: أولا: ينبغي علينا الاهتمام بالعلم الشرعي؛ فلا يكفي فقط أن يعتصم الإنسان بما عنده من يقين سابق، وإن كان ذلك أعظم ملجأ ومعاذ، بل إذا ضم إلى ذلك العلم الشرعي كان، إن شاء الله، في مأمن من أن تهز إيمانه هذه الشبهات وأمثالها، مما يثيره أعداء دينه. ثانيا: ينبهنا مثل هذا الموقف إلى قدر من التفريط في واجب من أعظم واجباتنا نحو كتاب الله تعالى، ألا وهو واجب التدبر والمدارسة، وليس مجرد التلاوة، قال تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ) ص/٢٩، قال الشيخ ابن سعدي، ﵀: " أي هذه الحكمة من إنزاله، ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمها، ويتأملوا أسرارها وحكمها، فإنه بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة، تدرك بركته وخيره، وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود "؛ والدليل من هذا الموقف على ما ذكر هو أننا لو كنا نقوم بهذا الواجب حينا بعد حين لأوشكت مثل هذه الآيات أن تستوقفنا، لنسأل عنها، أو نبحثها، قبل أن نواجه بالإشكال من أعدائنا. ثالثا: إذا قمنا بالواجبين السابقين كنا مؤهلين لأخذ زمام المبادرة، لندعو نحن غيرنا، ونخبرهم بالحق الذي عندنا، ونكشف لهم، بالتي هي أحسن، الباطل الذي عندهم، بدلا من أن نقف موقف الدفاع، شأن الضعفة والمنهزمين. والله الموفق. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →