Полный текст (16 344 стр.). Показаны 14106–14145 · переход к 14111.
стр. 14106
هل تستجاب توبة من ابتلي بالعادة السرية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل تستجاب توبة من ابتلي بالعادة السرية وقد قرأت في الإنترنت حديثا عن الرسول ﷺ : (سبع لا ينظر إليهم الخالق يوم القيامة، ولا يزكيهم، ويدخلهم النار: الفاعل، والمفعول به، والناكح بيده، وناكح البهيمة، وناكح المرأة من دبرها، والجامع بين المرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، والمؤذي جاره حتى يلعنه) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نص الحديث المقصود في السؤال كالآتي:
(سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العالمين، يدخلون النار أول الداخلين، إلا أن يتوبوا، إلا أن يتوبوا، إلا أن يتوبوا ممن تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل، والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب أبويه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره) .
وقد روي هذا الحديث عن اثنين من صحابة رسول الله ﷺ :
أولا: عن أنس بن مالك ﵁:
رواه أبو علي الحسن بن عرفة في جزء حديثي له (رقم/٤١) ، ومن طريقه ابن الجوزي في " العلل المتناهية " (٢/١٤٤) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٧/٣٢٩) ، والآجري في " ذم اللواط " (رقم/٥٤) قال ابن عرفة: حدثني علي بن ثابت الجزري، عن مسلمة بن جعفر، عن حسان بن حميد، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ به.
وهذا إسناد ضعيف جدا.
قال الذهبي ﵀:
" مسلمة بن جعفر، عن حسان بن حميد عن أنس، في سب الناكح يده: يُجهَل هو وشيخه. وقال الأزدي: ضعيف " انتهى.
" ميزان الاعتدال " (٤/١٠٨)
وقال الحافظ ابن الجوزي ﵀:
" قال المؤلف: "هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ، ولا حسان يعرف، ولا مسلمة " انتهى.
" العلل المتناهية " (٢/١٤٤) .
وقال الحافظ ابن كثير ﵀:
" هذا حديث غريب، وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته " انتهى.
" تفسير القرآن العظيم " (٥/٤٦٣) .
وقد نص على تضعيفه أيضا: ابن الملقن في " البدر المنير " (٧/٦٦٢) ، وابن حجر في " التلخيص الحبير " (٣/١٢١٦) ، والألباني في " إرواء الغليل " (٨/٥٨) .
ثانيا: عن عبد الله بن عمرو ﵁:
رواه الآجري في " ذم اللواط " (رقم/٥٣) ، وعنه ابن بشران في " الأمالي " (رقم/٤٧٧) وغيره.
قال الشيخ الألباني ﵀:
" هذا إسناد ضعيف من أجل ابن لهيعة وشيخه الإفريقي، فإنهما ضعيفان من قبل حفظهما، وقد أورد المنذري في " الترغيب " (٣ / ١٩٥) قطعة من الحديث، وقال: رواه ابن أبي الدنيا والخرائطي وغيرهما، وأشار لضعفه " انتهى.
" السلسلة الضعيفة " (رقم/٣١٩)
والحاصل: أنه لم يثبت حديث خاص في لعن من ابتلي بالعادة السرية، أو بيان جزائه عند الله، وإنما يقرر العلماء حرمة هذه القاذورة من وصف الله لكل طريق لتفريغ الشهوة ـ غير الزواج وجماع الأمة ـ: أنه من الاعتداء، وذلك في قوله تعالى: (والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) المؤمنون/٥-٧.
ولا شك أن العادة السرية، ونكاح اليد، مما هو "وراء ذلك "؛ فهو من العدوان.
وقد استدل بهذه الآية على تحريم نكاح اليد الإام مالك والإمام الشافعي، رحمهما الله.
قال الشنقيطي ﵀:
" الذي يظهر لي أن استدلال مالك، والشافعي وغيرهما من أهل العلم بهذه الآية الكريمة، على منع جلد عميرة الذي هو الاستمناء باليد استدلال صحيح بكتاب الله، يدل عليه ظاهر القرآن، ولم يرد شيء يعارضه من كتاب ولا سنة " انتهى.
" أضواء البيان " (٥/٣١٧) .
وأما باب التوبة فمفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، لا يحول دونه حائل، ولا يمنع منه مانع، والله يقبل التوبة من عباده جميعا، ويغفر الذنوب جميعا، وإذا كان المشرك التائب المعلن إسلامه يغفر الله له ما سلف، فكيف بالمؤمن الذي ضعف أمام الشهوة ثم آب وأناب إلى الله .
يقول الله تعالى:
(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) الزمر/٥٣-٥٤.
على أن الحديث المذكور، على فرض أن يكون صحيحا ـ يشهد لصحة توبة ناكح يده، إذا تاب إلى الله تعالى.
وانظر جواب السؤال رقم: (٣٢٩) في تحريم العادة السرية.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14107
تحريم الجلوس على موائد الخمر
[السُّؤَالُ]
ـ[أدرس في إحدى جامعات اليابان وتعقد في هذه الجامعة عدة اجتماعات وندوات وحفلات يكون الخمر موجودا بها. فهل علي إثم لوجودي في مكان به خمرة مع العلم أنني أحرص على عدم الجلوس بجانبها ولا أشربها بحمد الله؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا يجوز الجلوس مع قوم يشربون الخمر إلا أن تنكر عليهم، فإن قبلوا وإلا فارقتهم، لقول النبي ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر) . خرجه الإمام أحمد والترمذي بإسناد حسن، ولأن الجلوس معهم وسيلة إلى مشاركتهم في عملهم السيئ أو الرضا به، وقد قال الله في سورة الأنعام: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ، وقال : (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) ، والله ولي التوفيق" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٣/٦٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14108
كيف يتصرف مع أخته التي اكتشف أن لها علاقة محرَّمة مع أجنبي ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[اكتشفت علاقة محرَّمة لأختي الكبيرة بشاب أجنبي عنها عن طريق الإنترنت، وأظن أن السبب الأول هو: الفراغ العاطفي الذي تعاني منه أختي من جهة أمي وأبي، ومن جهتي أنا، والثاني: هو أنها خائفة من تأخر زواجها، أو عدمه - حسب ظني -. كما أني قد اكتشفت لها علاقة محرمة من قبلُ، وحذرتها من الوقوع في هذا مرة ثانية، وعاهدتني على أن لا تعود لهذا، علماً أن أختي تعمل في مكان مختلط، وتكلم الأجانب كأنهم إخوة لها. الرجاء منكم نصحنا لما هو خير، وما الواجب عليَّ فعله لمواجهة هذا البلاء العظيم؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا شك أن هذا أمر محزن ومؤلم، والمسلم لا يرضى الفحش في أهل بيته، ولا يقبل به، وإذا كان هذا الفحش صادراً من أنثى في الأسرة: كان أشد إيلاماً على النفوس الشريفة من أهل بيتها.
وكثيراً ما نسمع ونرى من تصرفات حمقاء خرقاء، من بعض من يظن نفسه مصيباً في فعله، فيسارع إلى قتل أخته، أو ابنته، إن علم بوجود علاقة بينها وبين رجل أجنبي، وقد لا تكون تتعدى المراسلات والمكالمات، نعم فعلها محرَّم، ونعم غيرته حسنة طيبة في أصلها، لكن تصرفه كان مخالفاً للشرع، وليس حكم من كلمت أجنبيّاً، أو راسلته أنها تُقتل.
وقد بينَّا هذه المسألة بتفصيلٍ وافٍ في جواب السؤال: (٨٩٨٠) .
ولذا فنحن نشكر لك غيرتك المحمودة، ونشكر لك توجهك بالسؤال لنا، ونسأل الله تعالى أن يوفقك لأن تصيب الحق والصواب في تصرفك معها، ونسأله تعالى أن يهديها، وأن يصلح حالها.
وملخص ما نذكره هنا هو قطع الأسباب التي أدَّت بها في أن تقع بذلك المنكر، فلا تمكنوها من الاتصال بالآخرين، لا عن طريق الإنترنت، ولا عن طريق الهاتف، بل يجب أن تحمى عن افتراس الرجال لها، وافتتانهم بها، وافتتانها بهم.
ثم ينبغي أن تكون هذه الاحتياطات الإضافية مصحوبة بتقوية الوازع الإيماني عندها، وتعريفها بحكم مثل هذه العلاقات في الشرع، وخطرها على دين المسلم، وتقوية مراقبتها لربها، وتعظيمها لشرعه وحرماته.
ولتفصيل الموقف الشرعي من هذه الأخت، ولمعرفة الأسباب التي تؤدي بالنساء للوقوع في هذا المنكر، ولمعرفة العلاج الناجع معها: انظر جواب السؤال رقم: (١١١٦٦٥) .
ونضيف هنا مما لم نذكره هناك: أن تحاول أنت وأهلك بكل ما أوتيتم من قوة وحكمة أن توقفوا أختك عن العمل والخروج من المنزل بمفردها.
فإن لم يمكن منعها من العمل بالكلية، فامنعوها من العمل في بيئة مختلطة تتمكن فيها من الاتصال بالرجال؛ لما يترتب على الاختلاط من مفاسد، ومحاذير، وقد رأيتم أنتم في أختم هذه الآثار المدمرة.
وقد سبق بيان ذلك في أجوبة الأسئلة: (١٢٠٠) و (٦٠٢٢١) و (٣٩١٧٨)
و (٢٢٣٩٧) .
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14109
حكم لبس " الميني عقال "!
[السُّؤَالُ]
ـ[إن مما لفت انتباهي خلال تجولي في عالم الإنترنت: انتشار موضة " الميني عقال "، وهي عبارة عن أساور يلبسها البنات، والشباب، وعلى حد زعمهم: أنها تعبِّر عن الهوية السعودية؛ لأنها تأخذ شكل العقال، وفي طرفه قطعة صغيرة من قماش الشماغ! ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل لبس هذا النوع من الأساور يجوز أم لا يجوز؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نأسف أن يصل الحال بالشباب الممتلئ نشاطاً وحيوية ما نراه في شوارعنا، وأسواقنا، وجامعاتنا، في لبسهم، وهيئتهم، ومشيتهم، فضلاً عن سلوكهم وأخلاقهم.
وقد عُرف عن الشباب الخليجي لباسهم المميز من الثوب الساتر، والشماغ – أو الغترة – التي تغطي الرأس، وغالباً ما يُلبس " العقال " ليثبت الشماغ على الرأس.
وعندما يكون الفراغ الروحي مسيطراً على طائفة من أولئك فإنهم يبتدعون ما يظنونه يملأ ذلك الفراغ، فترك طائفة منهم لبس الثوب، وجعل بدلا منه البنطال، وتركوا الشماغ والعقال وكشفوا شعورهم وقد أغرقوها بالجل! ونصبوا شعيرات منها تقف هنا وهناك! .
ومن آخر ما ابتدعوه أنهم صغَّروا " العقال " و " الشماغ " جدّاً، وبدلاً من أن يكونا على الرأس: صارا أسورة في أيديهم! وأطلقوا عليه " الميني عقال " – أي: العقال الصغير -، حتى يجمعوا بين لبس البنطال – الضيق أو الساحل – وبين لبس العقال، والعجيب أنهم جعلوا لذلك اللباس التافه شعار " أقدر "! ظانين أنه يصب في " تشجع الشباب على البحث عن ذاتهم، وقدراتهم، وطاقتهم الداخلية "!! وكتبوا عليه أيضاً " اعقل وتوكل "! فصار هذا " الميني عقال " علامة على أن لابسه من الشباب، وأنه يمتلء حيوية، وأنه يفعل ما يشاء، وبعض من سوَّق له أراد أنه يحمل رمزاً وطنيّاً! حتى قال بعض الحمقى منهم إننا نتعرف على لابسه أنه من " السعودية "! إن رأيناه في بلد أجنبي، فيكون ذلك وسيلة للتقارب بيننا! ثم انتقل إلى دول خليجية أخرى، فادعوا أنه شعار ليعرف بعضهم بعضاً أن لابسه " خليجي "!
وإذا كان هذا صحيحاً، فلماذا يلبسونه في بلادهم؟!
وهذا يعمق مفهوماً غير شرعي، ويقوي التعصب لما لم يشرعه الله تعالى، بل لما ذمه من التفرق والتشتت.
وهلا كان تميزهم بلباسهم الشرعي القديم الذي تخلوا عنه لأجل موافقة الغرب؟! وهلَاّ كان تميزهم بدينهم، وصلاتهم، وحسن أخلاقهم؟!
فلبس هذا "الميني عقال" يدل على الفراغ الذي يعاني منه هؤلاء الشباب، وأنه لا يعرفون معالي الأمور ولا يشتغلون بها، وإنما يشغلون أنفسهم بسفاسف الأمور وتفاهاتها.
ولبس هذا العقال ينطوي على مفاسد، منها: أن المعصم إنما توضع فيه الزينة للنساء لا للرجال، وقد (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ) رواه البخاري (٥٥٤٦) .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
أمّا السوار، والقلادة في العنق، وما أشبه ذلك: فهذا نحرِّمه من وجهٍ آخر، وهو التشبه بالنساء، والتخنث، وربما يساء الظن بهذا الرجل، فهذا يحرم لغيره لا لذاته.
" الشرح الممتع " (٦ / ١٠٨) .
وانظر جواب السؤال رقم: (٦٦٩٧) .
ومنها: أن في لبس " الميني عقال " دعوة إلى التعصب، وهو نوع من إحياء الجاهلية، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بما فيه خير الناس، فجمعت الناس على إله واحد، ونبي واحد، ودين واحد، وقرآن واحد، وقبلة واحدة، وأذابت ما فيه تعصب للون، أو الجنس، أو العِرق.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
إن الواجب - يا إخواني - ألا نكون وطنيين، وقوميين، أي: ألا نتعصب لقومنا، ولوطننا؛ لأن التعصب الوطني قد ينضم تحت لوائه المؤمن، والمسلم، والفاسق، والفاجر، والكافر، والملحد، والعلماني، والمبتدع، والسنَِّي، وطن يشمل كل هؤلاء، فإذا ركزنا على الوطنية فقط: فهذا لا شك أنه خطير؛ لأننا إذا ركزنا على الوطنية: جاء إنسان مبتدع إلى إنسان سنِّي، وقال له: " أنا وإياك مشتركان في الوطنية، ليس لك فضل عليَّ، ولا لي فضل عليك "! ، وهذا مبدأ خطير في الواقع، والصحيح هو التركيز على أن نكون مؤمنين.
ونبيِّن – أيضاً - أن التعصب للوطن، وكون الجامع بيننا هو الوطنية: ليس بصحيحٍ أبداً، ولا يستقيم الأمر إلا أن يكون الجامع بيننا الإيمان: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) الحجرات/ ١٠، والآية نزلت في المدينة، وكان في المدينة يهود قبل هجرة الرسول ﷺ إليها، ومع ذلك فلم يدخلوا في الآية مع أنهم مواطنون؛ فإن الرسول ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي.
فهذه مسألة خطيرة، فالمبدأ الصحيح أن الذي يجمع بيننا هو الإسلام، والإيمان، وبهذا نكسب المسلمين في كل مكان.
" لقاء الباب المفتوح " (٤٨ / السؤال رقم ٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14110
حكم التدخين عن طريق " الأرجيلة " – الشيشة – وبيان مضار ذلك
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الشيشة حرام؟ وماذا لو أن الشخص لم يستخدم أي نوع من أنواع التبغ، وإنما يستخدم ماء الورد، فهل ما تزال حراماً كذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
مما لا شك فيه أن " الدخان " من أخبث السموم التي تكالب كثير من الناس على تناوله، غير عابئين بما يسببه من الأمراض، والتي تؤدي إلى موت كثيرين منهم، وقد ذكرت " منظمة الصحة العالمية " في تقريرها لعام ٢٠٠٨ م: أنّ تعاطى " التبغ " يقتل بالفعل ٥.٤ مليون نسمة سنويّاً! ، أي: بمعدل ١٤.٠٠٠ شخصاً تقريباً كل يوم! ، وأنه ما لم تتخذ إجراءات عاجلة: فإن التبغ سيقتل ١٠ مليون شخص سنويّاً بحلول عام ٢٠٢٠ م!
وفي جواب السؤالين: (٧٤٣٢) و (١٠٩٢٢) بيان تحريم زراعة، وتجارة، وتناول هذه النبتة الخبيثة.
ثانياً:
" التبغ " – ومثله " الجراك " و " المعسِّل " - الذي يدخَّن عن طريق " الشيشة " – الأرجيلة – لا يختلف عن تبغ السجائر العادية الملفوفة بالورق، بل فيه من السوء ما ليس في السجائر.
جاء في موقع " جمعية مكافحة التدخين " في البحرين ما نصه:
مكونات الشيشة:
لا تختلف هذه المكونات عن مكونات تبغ السجائر، ودخانها , حيث إن بها ما لا يقل عن ٤٠٠٠ مادة سامَّة , أهمها: النيكوتين، وغاز أول أكسيد الكربون، والقطران، والمعادن الثقيلة، والمواد المشعة، والمسرطنة، والمواد الكيميائية الزراعية، ومبيدات الحشرات، وغيرها الكثير من المواد السامَّة.
تدَّعي بعض شركات إنتاج التبغ إزالة كل أو معظم مادة القطران من تبغ الشيشة , كما أنه يضاف إلى تبغ الشيشة العديد من المواد المنكهة مجهولة التركيب , ونجهل مقدار ضررها.
ما يقال عن التدخين عن طريق الشيشة - أو النارجيلة - باستخدام التبغ، أو الجراك، أو المعسِّل بأنه خالي من الخطر: غير صحيح البتة، فقد أثبتت إحدى الدراسات على مدى أربع سنوات في المملكة العربية السعودية بأن المعسِّل هو عبارة عن تبغ خالص , مع كميات كبيرة من الأصباغ، والألوان، والنكهات التي تخلط من غير أي رقابة صحية، وثبت أنها تسبب مختلف الأمراض والسرطانات.
ويحتوي " الجراك " على ١٥ % من التبغ الذي يخلط ببعض العسل، والفواكه، والمضافات الكيمائية التي تطبخ، وتخمَّر.
انتهى
ثالثاً:
يعتقد بعض السذَّج من الناس أن تناول هذه النبتة عن طريق " الأرجيلة " – الشيشة – حلال! لأن الدخان يمرُّ عبر ماء الأرجيلة! وهذا بعيد جدّاً عن الصواب، وأما أهل الخبرة فيقولون:
١. تدخين رأس واحد للأرجيلة يعادل تدخين عشرة سجائر على الأقل.
٢. الاحتراق الجزئي للمعسِّل يزيد من المواد السامة في الأرجيلة.
٣. استعمال الأرجيلة من قبل أشخاص متعددين يزيد من انتقال الأمراض المعدية بينهم.
٤. الماء لا يُفلتر المواد السامة والمسرطنة التي يحتويها تبغ الأرجيلة.
وجاء في موقع " جمعية مكافحة التدخين " في البحرين ما نصه:
هناك اعتقاد لدى الكثيرين بأن تدخين " الشيشة " أقل ضرراً من السيجارة , وذلك بسبب الاعتقاد السائد بأن مرور الدخان من خلال الماء الموجود في الشيشة يعمل على ترشيح الدخان من المواد الضارة وبالتالي تقليل الضرر الناجم عن تدخين الشيشة، وقد تبيَّن خطأ هذا الاعتقاد من خلال تحليل الدخان الخارج من فم مدخن الشيشة على أنه يحتوي على نفس المواد الضارة، والمسرطنة الموجودة في دخان " السجائر "، كما أثبتت الدراسات أن التدخين بالشيشة:
١. يسبِّب الإدمان.
٢. يقلل من كفاءة أداء الرئتين لوظائفهما , ويسبب انتفاخ الرئة " الإنفزيما "، والالتهاب الشعبي المزمن، وهذا المرض يحد من قدرة الإنسان على بذل أي مجهود كلما تفاقم.
٣. يؤدي إلى حدوث سرطانات الرئة، والفم، والمرئ، والمعدة.
٤. يؤدي إلى ارتفاع تركيز غاز أول أكسيد الكربون في الدم.
٥. يؤدي إلى تناقص الخصوبة عند الذكور، والإناث.
٦. يساعد على ازدياد نسبة انتشار " التدرن الرئوي " عند مستخدمي الشيشة.
٧. عند النساء المدخنات للشيشة أثناء الحمل يؤدي إلى تناقص وزن الجنين , كما يعرض الأجنَّة إلى أمراض تنفسيَّة مستقبلاً، أو إلى حدوث الموت السريري المفاجئ بعد الولادة.
٨. انبعاث الروائح الكريهة مع النفَس، ومن الثياب، كذلك من التأثيرات الأخرى، كَبَحَّة الصوت , واحتقان العينين , وظهور تجاعيد الجلد والوجه خصوصاً في وقت مبكر.
٩. هذا علاوة على كون تدخين الشيشة يعتبر أحد أهم ملوثات الهواء في غرف المنازل، وقريباً من المقاهي حيث يوجد عدد كبير من المدخنين.
انتهى من الرابط السابق.
ولذا كان تحريم استعمال التدخين عن طريق الأرجيلة – الشيشة – هو المتعيّن.
سئل الشيخ محمد بن إبراهيم – ﵀:
عن الفرق بين شرب الدخان بورقه الملفوف، وشرب الجراك في الشيشة ... إلخ؟ .
فأجاب الشيخ ﵀ بتقرير تحريم التدخين، ثم قال:
إذا ثبت هذا: فلا فرق بين شربه في أوراقه المعدة له، وفي غيرها، كالشيشة الخبيثة، وسواء كان ورق الدخان المشروب خالصاً، أو مخلوطاً بغيره كالجراك: فإنه مخلوط بالدخان الخبيث، والأسماء لا تغير الحقائق، وإذا خلط الشيء المحرم بغيره: فتحريمه باق بحاله، وفي الحديث: (يأتي في آخر الزمان أناس يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها) – رواه أحمد، وصححه الألباني في " الصحيحة " (٤١٤) -.
" فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم " (١٢ / ٩٠) .
وقال علماء اللجنة الدائمة:
الشيشة، والنرجيلة، والدخان: من الخبائث، وهي محرمة؛ لما فيها من الأضرار على البدن، والمال، قال الله تعالى في وصف نبيه محمد ﷺ : (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) ، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا ضرر ولا ضرار) ، فلا يجوز استعمال هذه الأمور، ولا بيعها، ولا ترويجها.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٦ / ٣٥١) .
رابعاً:
أما سؤالك عن استعمال الشيشة من غير وضع " تبغ " بل " ماء ورد " فقط: فهو ما لا نعرفه، ولا نتخيل وجوده، فما هي المادة المحترقة؟ وماذا ستستنشق؟ والحكم على الشيء فرع عن تصوره، فنرجو توضيح الأمر في مرة قادمة.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14111
كانت تفعل العادة السرية ولا تغتسل وتصوم وتصلي
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو من فضيلتكم أن يفتيني في أمري الذي قد بعثت به إلى الكثير ولم أجد منهم >الرد وقد عشت في قلق دائم فأرجو منكم فتواى كنت في سن صغيرة افعل العادة السيئة منذ عمري ١٢سنة ولم أكن اعرف معناها أو حتى ما هي وفي سن ١٤سنة عرفت أنها العادة السرية السيئة ولكن لم أكن اعرف حكمها فقط أنها خطرة وأنها تسبب أمراض ولم أكن في هذه السن أصلي ولكني أصوم دون صلاة. وفي سن ١٥سنة بدأت أصلي وأصوم ولا أسمع الأغاني ولكني لازلت أفعل العادة السرية ولا أعرف حكمها أيضا وإذا فعلتها لم أكن اغتسل وكنت أصلي بعدها وأصوم وقد فعلتها في ظهر رمضان مرتان لا أدري، وفي سن ١٨ قرأت في كتاب أنها محرمة ويجب الغسل بعدها ولكني لم أستطع التوبة منها واستمر فعلي لها حتى بعد الزواج والآن تبت إلى الله توبة نصوحاً وعمري ٢٧سنة السؤال ما حكم ما فعلته وما علي فعله؟ وما حكم صومي وصلاتي عندما كنت أفعلها ولم أكن أغتسل ثم أقوم للصلاة وما حكم صيامي وما كفارة ما فعلت وما حكم صيام اليومين الذين فعلت فيهما العادة في ظهر رمضان وما هي الكفارة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
يحرم الاستمناء أو ما يسمى بـ "العادة السرية" لأدلة سبق بيانها في جواب السؤال رقم ٣٢٩،
وإذا خرج المني بذلك وجب الغسل.
وليس في فعل الاستمناء كفارة، لكن تجب التوبة منه، وذلك بالإقلاع عنه، والندم على فعله، والعزم على عدم العودة إليه.
ثانيا:
إذا كانت ممارستك للعادة السرية يصحبها خروج المني، فهذا مبطل للصوم، ولا تصح معه الصلاة إلا أن تغتسلي.
وإذا لم يكن يصحبها خروج المني فصلاتك وصومك صحيحان.
ثالثا:
من استمنى وهو جاهل بوجوب الغسل منه وبكونه مبطلا للصوم، فهل يلزمه قضاء الصلاة والصوم؟ في ذلك خلاف بين الفقهاء، والجمهور على وجوب القضاء، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجب، وينظر جواب السؤال رقم (٥٠٠١٧) .
والأحوط أن تقضي صوم اليومين، إذا كان قد خرج المني.
وأما الصلاة فينبغي أن تكثري من النوافل والأعمال الصالحة، ولا نرى لزوم قضائها.
رابعا:
ينبغي أن تعلمي أن البلوغ له علامات، وأن الفتاة قد تبلغ قبل سن الخامسة عشرة، إذا حاضت، أو ظهر عليها شيء من علامات البلوغ الأخرى، وينظر في ذلك جواب السؤال رقم (٢٠٤٧٥) ورقم (٢١٢٤٦) .
وما جرى معك يؤكد أهمية طلب العلم الشرعي، وهو أمر ميسر في هذا الزمن والحمد لله.
ونسأل الله لنا ولك التوفيق والثبات.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 14112
هاشمية من آل البيت تشعر بتميزها عن الناس وتعاملهم بما لا يليق !
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا عندي مشكلة وهي: أنا هاشمية، ويرجع نسبي إلى " جعفر الطيار "، وعندما أذهب إلى أناس ليسوا من آل البيت، أو يقوم أحد بخطبتي ليس من آل البيت: أحس أنهم أقل منِّي، وما أقدر أتحدث إليهم، وإذا يوجد مجلس: أخرج منه، ولكن والدي، ومن حولي من أهلي ينصحوني، هل هذا الشيء يعد تفاخراً، وجاهلية، ولكن الله قال في كتابه العزيز (وجعلناكم شعوبا وقبائل) ؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اعلمي ـ يا أمة الله ـ أن أصل الناس جميعاً واحد، وكل خلق الله من البشر فأبوهم آدم، وأمهم حواء، وقد ذكَّرنا الله تعالى بهذا في مواضع من كتابه، وكذا جاء ذلك في السنَّة النبوية، ومن الحكَم في ذلك: ترك التفاخر بالأنساب، والتطاول على الناس، وازدراؤهم.
وما جعل الله تعالى الناس شعوباً وقبائل إلا لأجل أن يعرف بعضهم بعضاً بتميز القبيلة والجنس، كالتميز بالاسم، لا لأجل التفاخر بعربيته، أو بقبيلته، أو بجنسه، أو بلغته.
وكون الإنسان هاشميّاً لا يرفعه عند ربه تعالى، وليس هو مجال المفاضلة بين الناس؛ لأن نسب الإنسان وهبي من الله ليس كسبيّاً، والكافر من بني هاشم سيكون حطب جهنم، والعبد الأعجمي المسلم قد يكون مأواه الفردوس الأعلى.
وقد جمع الله تعالى تلك الأشياء الثلاثة في سياق واحد، وآية واحدة، هي نفس الآية التي وردت في سؤالك، لكن يبدو أنك لم تتأمليها بما يكفي لفهمها.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات/ ١٣.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀:
" لمَّا كان قوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى) يدل على استواء الناس في الأصل؛ لأن أباهم واحد، وأمهم واحدة، وكان في ذلك أكبر زاجر عن التفاخر بالأنساب، وتطاول بعض الناس على بعض: بيَّن تعالى أنه جعلهم شعوباً، وقبائل لأجل أن يتعارفوا، أي: يعرف بعضُهم بعضاً، ويتميز بعضهم عن بعض، لا لأجل أن يفتخر بعضهم على بعض، ويتطاول عليه، وذلك يدل على أن كون بعضهم أفضل من بعض، وأكرم منه: إنما يكون بسبب آخر غير الأنساب، وقد بيَّن الله ذلك هنا بقوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) فاتضح من هذا: أن الفضل، والكرم، إنما هو بتقوى الله، لا بغيره من الانتساب إلى القبائل، ولقد صدق من قال:
فقد رفع الإسلام سلمان فارس ... وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب
وقد ذكروا أن سلمان ﵁ كان يقول:
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم
وهذه الآيات القرآنية، تدل على أن دين الإسلام سماوي صحيح، لا نظر فيه إلى الألوان، ولا إلى العناصر، ولا إلى الجهات، وإنما المعتبر فيه: تقوى الله جل وعلا، وطاعته، فأكرم الناس، وأفضلهم: أتقاهم لله، ولا كرم، ولا فضل لغير المتقي، ولو كان رفيع النسب " انتهى.
" أضواء البيان " (٧ / ٤١٧، ٤١٨) .
ثانياً:
ولا يشك مسلم أن الله تعالى قد فضَّل أهل بيت النبي ﷺ بفضائل متعددة، وأوجب علينا محبتهم، ورعايتهم، لكن ننبه على أن ذلك للمؤمن منهم، لا لكل منتسب إليهم، وأن هذه الفضائل لا تدعو للتفاخر، بل تدعو لشكر المنعِم ، واحترام الآخرين، وتقدير تلك المحبة والرعاية منهم.
وفي جواب السؤال رقم (١٢١٩٤٨) بينَّا تلك الفضائل لآل البيت، فلتنظر.
ولما كان الفخر بالأنساب من كبائر الذنوب: وجب عليك التنبه لنفسك في موقفك مع الآخرين، وطريقة تعاملك معهم، وقد ورد النهي عن التفاخر بالأنساب في أحاديث كثيرة:
١. منها: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآْبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ) رواه الترمذي (٣٢٧٠) ، وأبو داود (٥١١٦) وحسَّنه الألباني في " صحيح الترمذي ".
والعبية - بضم العين وكسرها -: الكبر والفخر، الجِعلان: دويبة سوداء، كالخنفساء تدير الخراء بأنفها.
قال المباركفوري – ﵀:
" قال الخطَّابي: معناه: أن الناس رجلان: مؤمن تقي فهو الخيِّر الفاضل، وإن لم يكن حسيباً في قومه، وفاجر شقي فهو الدني وإن كان في أهله شريفاً رفيعاً. انتهى.
وقيل: معناه أن المفتخر إما مؤمن تقي، فإذن لا ينبغي له أن يتكبر على أحد، أو فاجر شقي فهو ذليل عند الله، والذليل لا يستحق التكبر، فالتكبر منفي بكل حال " انتهى نقلاً من " تحفة الأحوذي " (١٠ / ٣١٧) .
٢. ومنها: حديث أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَْحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَْنْسَابِ، وَالاِسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ) رواه مسلم (٩٣٤) .
قال عبد الرؤوف المناوي – ﵀:
" (أربع) أي خصال أربع كائنة.
(في أمتي من أمر الجاهلية) أي: من أفعال أهلها.
(الفخر في الأحساب) أي: الشرف بالآباء، والتعاظم بمناقبهم.
(والطعن في الأنساب) أي: الوقوع فيها بنحو قدح، أو ذم.
(والاستسقاء بالنجوم) أي: اعتقاد أن نزول المطر بنجم كذا.
(والنياحة) أي: رفع الصوت بندب الميت، وتعديد شمائله.
فالأربع: محرَّمات، ومع ذلك لا تتركها هذه الأمة، أي: أكثرهم، مع العلم بتحريمها " انتهى.
" التيسير بشرح الجامع الصغير " (١ / ٢٧٣) .
فأعيدي النظر في طريقة تعاملك مع الناس، ولا يحل لك ازدراء أحد من الناس، وما أنتِ فيه من نعمة من انتسابك لأهل البيت ليس لك فيه كسب، وإنما الفضل الحقيقي بما تعملينه، وتكسبينه من الصالحات:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ) رواه مسلم (٢٦٩٩) .
قال النووي ﵀:
" مَعْنَاهُ: مَنْ كَانَ عَمَله نَاقِصًا , لَمْ يُلْحِقهُ بِمَرْتَبَةِ أَصْحَاب الْأَعْمَال , فَيَنْبَغِي أَلَّا يَتَّكِل عَلَى شَرَف النَّسَب , وَفَضِيلَة الْآبَاء , وَيُقَصِّر فِي الْعَمَل " انتهى من شرح صحيح مسلم.
وإن بقيتِ على حالك هذه: صارت تلك النعمة نقمة، وخسرتِ أشياء كثيرة، فتضيع عليك حسناتك، وتأخذين سيئات غيرك، وهذا هو عين الإفلاس:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ؛ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ؛ التَّقْوَى هَاهُنَا ـ وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاَ مَرَّاتٍ ـ. بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) .
وليكن قدوتك سيد آل البيت جميعاً، وهو النبي ﷺ ، فكيف كان يعامل الكبار، وكيف كان رحيماً بالصغار، وكيف كان يصبر على الأعراب، ويقدِّم العجمي – كسلمان الفارسي لدينه – وليس في منهج حياته اعتبار لنسبه في تعامله مع الآخرين، وهذه حياته بين يديك، قلبي صفحاتها، وتأملي معانيها، واستغرقي في أحوالها: فلن تجدي حرفاً منها يماثل، ولا يقارب ما أنت عليه من حال.
نسأل الله أن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن ييسر أمرك، ويهدي قلبك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14113
يطلق مخطوبته التي ارتكب معها بعض المحرمات حتى لا يفكر بالرجوع إليها
[السُّؤَالُ]
ـ[خطبت فتاه وصار بيني وبينها بعض القبلات، مما أدى إلى كراهيتي لها ثم تركتها وخطبت أخرى ولكن الإحساس بالذنب ظل يطاردني وكلما زاد قلت لنفسي بصوت واضح على الخطيبة الأولى هي طالق.. طالق حتى لا يحق لي الرجوع لها وكي أثبت نفسي مع الثانية ولكن يشاء الله أن تفسخ الخطوبة بالثانية لمشاكل عائليه وفكرت في الرجوع للأولى ولكنى قد طلقتها قبل أن أكتب عليها فهل يجوز لي العودة إليها كي أكفر عن ذنبي أم أنها لا تحل لي]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
يجب على المسلم أن يتقي الله في بنات المسلمين ونسائهم، وأن لا يتعدى حدود الله، فمن تعدى حدود الله فقد ظلم نفسه، ولا يؤمن الرجل حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وحتى يكره له ما يكره لنفسه، ولا تجد رجلا في العالمين ذا دين ومروءة وعقل يرضى لنفسه أن يخطب أحدهم ابنته أو أخته ثم يصنع معها ما لا يحل له من التقبيل والخلوة المحرمة ونحو ذلك.
فليتق الله كل امرئ في محارم الله، وحرمات المسلمين.
ثانيا:
لا بد أن تعلم أخي المسلم أن الخاطب أجنبي عن المخطوبة؛ لأن الخطبة مجرد وعد بالزواج، وليست زواجا، ولا يحل له من مخطوبته شيء مما يحل له من امرأته، وإنما هي أجنبية عنه تماما.
قال ابن قدامة في "المغني" (٧/٧٤) :
" لَا يَجُوزُ لَهُ الْخَلْوَةُ بِهَا ; لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِغَيْرِ النَّظَرِ , فَبَقِيَتْ عَلَى التَّحْرِيمِ ; وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَ الْخَلْوَةِ مُوَاقَعَةُ الْمَحْظُورِ , فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ﴿لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ , فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهَا نَظَرَ تَلَذُّذٍ وَشَهْوَةٍ , وَلَا لِرِيبَةٍ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ يَنْظُرُ إلَى الْوَجْهِ وَلَا يَكُونُ عَنْ طَرِيقِ لَذَّةٍ " انتهى.
وقال الشيخ العثيمين:
" المرأة المخطوبة كغير المخطوبة في النظر إليها، والتحدث إليها والجلوس معها؛ أي إن ذلك حرام على الإنسان، إلا النظر بلا خلوة إذا أراد خطبتها. وإذا كان الرجل يريد أن يستمتع بالجلوس إلى مخطوبته والتحدث إليها فليعقد النكاح.
وخلاصة القول أنه يحرم على الخاطب أن يتحدث مع مخطوبته في الهاتف، أو يخلو بها في مكان، أو يحملها في سيارته وحده، أو تجلس معه ومع أهله وهي كاشفة الوجه " انتهى باختصار
"فتاوى نور على الدرب" (١٠/٨٧) مختصرا.
ثالثا:
حيث إن المخطوبة أجنبية، لا تحل له إلا بالعقد، فتطليقها قبل العقد لغو وليس بشيء، لأن الطلاق لم يصادف محله، وقد روى أبو داود (٢١٩٠) وابن ماجة (٢٠٤٧) وأحمد (٦٨٩٣) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا بَيْعَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ) .
وإسناده حسن، وله شواهد، انظر: "إرواء الغليل" (٧/١٥١)
وقال البخاري في صحيحه (٥/٢٠١٧) :
" بَاب لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) َقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَعَلَ اللَّهُ الطَّلَاقَ بَعْدَ النِّكَاحِ) انتهى.
والخلاف في هذه المسألة مشهور:
قال ابن رشد:
" وأما تعليق الطلاق على الأجنبيات بشرط التزويج مثل أن يقول: إن نكحت فلانة فهي طالق فإن للعلماء في ذلك ثلاثة مذاهب: قول إن الطلاق لا يتعلق بأجنبية أصلا عم المطلق أو خص، وهو قول الشافعي وأحمد وداود وجماعة، وقول إنه يتعلق بشرط التزويج عم المطلق جميع النساء أو خصص، وهو قول أبي حنيفة وجماعة، وقول إنه إن عم جميع النساء لم يلزمه، وإن خصص لزمه، وهو قول مالك وأصحابه " انتهى.
"بداية المجتهد" (٢/٦٧)
والصواب في ذلك ما تقدم؛ أنه لا طلاق قبل النكاح، وهو قول جمهور السلف.
قال ابن عبد البر:
" قول من قال لا يلزم طلاق قبل نكاح ولا عتق قبل ملك لا إذا خص ولا إذا عم:
ثبت ذلك عن علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وعائشة زوج النبي ﷺ وسعيد بن المسيب وشريح والحسن وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وعلي بن حسين وأبي الشعثاء جابر بن زيد والقاسم بن عبد الرحمن ومجاهد ومحمد بن كعب القرظي ونافع بن جبير بن مطعم وعروة بن الزبير وقتادة ووهب بن منبه وعكرمة.
وبه قال سفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود ومحمد بن جرير الطبري " انتهى مختصرا.
الاستذكار - (٦ / ١٨٨- ١٨٩)
وسئل شيخ الإسلام ﵀ عن رجل حلف بالطلاق أنه ما يتزوج فلانة، ثم بدا له أن ينكحها، فهل له ذلك؟
فأجاب: " له أن يتزوجها ولا يقع بها الطلاق إذا تزوجها عند جمهور السلف وهو مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما " انتهى.
مجموع الفتاوى - (ج ٣٢ / ص ١٧٠) .
وفي فتاوى اللجنة الدائمة:
أن رجلا حلف أنه كلما تزوج امرأة فهي طالق، أو كل امرأة يتزوجها فهي كذا؟
فأجابت اللجنة:
" تعليق الطلاق قبل النكاح لا يقع على الصحيح من قولي العلماء؛ لما روى الترمذي وحسنه عن النبي ﷺ قال: لا طلاق قبل نكاح " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٠/١٩٢)
على أن محل الخلاف المذكور هنا، هو فيما لو قال: إن تزوجت فلانة، فهي طالق، أو: أيما امرأة تزوجتها فهي طالق؛ وأما إن طلق امرأة أجنبية عنه، دون أن يعلق تطليقها بنكاحه إياها، فهو لغو، من غير شك، ولا يتعلق به طلاق أصلا.
قال علماء اللجنة الدائمة:
" الطلاق قبل العقد لا يقع؛ لأنه لا يصح إلا من زوج، والخاطب الذي لم يعقد النكاح ليس زوجا، فلا يصح طلاقه ولا يقع؛ لقوله ﷺ (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق)
انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٠/١٩١)
والخلاصة: أن ما ذكرته من تلفظك بالطلاق في حق مخطوبتك السابقة، لغو ليس له أثر في نكاحها، ولا يمنعك ذلك من العودة إلى نكاحها، متى رغبت بذلك، وبدا لك أن ذلك من الخير.
رابعا:
كونك تريد العودة إليها كي تكفر عن ذنبك، فإن سبيل تكفير الذنب ليس هو العودة إليها، وإنما هو الاستغفار والتوبة إلى الله، والندم على ما وقع منك، والحرص على المحافظة على حرمات المسلمين، ثم لا شك أن رجوعك إليها إن كان في ذلك المصلحة لك ولها، لا شك أن به تطييبا لخاطرها، ومراعاة لحالها، على أن يكون هذا الرجوع بسبيل الاستقامة والتوبة عما بدر من قبل، كما أن عليها الاستغفار والتوبة أيضا مما كان منها، وعلى أن تتعلم أنت وهي من ذلك الدرس: كيف أن الشيطان يسعى بالإنسان للوقوع في المعصية، ثم يسعى به إلى إلقاء البغضاء في قلوب أهلها. وتأمل بيان الله لنا حال المودات والصداقات بين أهل المعاصي، كيف يكون أمرها: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) الزخرف/٦٧.
ولقد يكون السبب في ورطتها معك أنها سعت لإرضائك، حتى تتم زاجها بك، ونسيت سخط رب العالمين.
كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنْ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ وَلَا تُكْثِرِي عَلَيَّ؟
فَكَتَبَتْ عَائِشَةُ ﵂ إِلَى مُعَاوِيَةَ: (سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ؛ مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ) .
رواه الترمذي (٢٤١٤) مرفوعا، وموقوفا على عائشة، والصواب وقفه، كما قال الدارقطني ﵀، وغيره. انظر: العلل، للدارقطني (١٤/١٨٣) .
ولذلك قالوا:
" أول من يزهد في الغادر: من غَدر له الغادر. وأول من يمقت شاهد الزور: من شهد له به. وأول من تهون الزانية في عينه: الذي يزني بها ".
"الأخلاق والسير"، لابن حزم (٧٥) .
والخلاصة:
أنه لا حرج في رجوعك إلى مخطوبتك السابقة، على أن يسبق ذلك: توبة منك ومنها، عما بدر منكما، وعلى أن تتعلما من ذلك الدرس الماضي، ثم تبادر بإتمام الزواج في أقرب وقت ممكن لك.
ثم شيء نصارحك به: أننا لمسنا منك وسواسا ظاهرا، ونخشى عليك أن يؤثر ذلك في حياتك، وهذا هو الذي دفعك للتلفظ بذلك؛ فاحذر باب الوسواس، لا ينغص عليك عيشك، ولا يفسد عليك دنياك وأخراك.
وراجع إجابة السؤال رقم (٩٨٤٥٢) – (٨٧٤٩٦)
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14114
حكم النظر إلى النساء المتبرجات بقصد أو بغير قصد
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم النظر إلى النساء المتبرجات: بقصد، أو بغير قصد؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"إن النظر بقصد لا يجوز، لقوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) النور/٢، وقد جعل الله العين مرآة القلب، فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته، وفي الصحيح (أن الفضل بن عباس ﵄ دفع يوم النحر من مزدلفة إلى منى فمرت ظعن [أي: نساء] يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن، فحول رسول الله ﷺ وجهه إلى الشق الآخر) . قال ابن القيم في "روضة المحبين": هذا منع - أي للنظر إلى الأجنبيات- وإنكار بالفعل، فلو كان النظر جائزاً لأقره عليه، قال: وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر، واللسان يزني وزناه النطق، والرجل تزني وزناها الخطى، واليد تزني وزناها البطش، والقلب يهوى ويتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) . فبدأ بزني العين لأنه أصل زنا اليد والرجل والقلب والفرج. ونَبَّه بزني اللسان بالكلام على زنى الفم بالقُبَل. وجعل الفرج مصدقاً لذلك إن حقق الفعل، أو مكذباً له إن لم يحققه. قال: وهذا الحديث من أبين الأشياء على أن العين تعصي بالنظر، وأن ذلك زناها، ففيه رد على من أباح النظر مطلقاً. ا. هـ.
وأما النظر بغير قصد من الناظر فلا يعاقب عليه إذا لم يتعمده القلب، فإذا أتبعه نظراً آخر أثم، روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن جرير ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وروى أحمد وأبو داود والترمذي عن بريدة ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: (يا عليّ، لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة) قال الترمذي: حسن غريب. ففي هذين الحديثين دليل على أنه إذا صرف النظر في الحال فلا إثم عليه، وإن استدام النظر أثم. وفي (باب نظر الفجأة، وما كره من النظر) من (كتاب الورع) للإمام أحمد بن حنبل رواية أبي بكر أحمد بن محمد المروذي عنه ما نصه: قلت لأبي عبد الله [يعني: الإمام أحمد] : رجل تاب وقال: لو ضرب ظهري بالسياط ما دخلت في معصية، غير أنه لا يدع النظر، قال: أي توبة هذه؟! قال جرير: (سألت النبي ﷺ عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري) " انتهى.
"فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀" (١٠/١٦-١٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14115
التحايل على قوانين الدول الكافرة بدعوى الطلاق من أجل الحصول على المال
[السُّؤَالُ]
ـ[نحن نعيش في السويد وهناك كثير من الرجال هنا يطلقون زوجاتهم في المحكمة على الورق دون أن يلفظوا لفظة الطلاق، وهذا لكي يحصلوا على شقتين وراتبين منفصلين، ثم يعيشون في بيت واحد، ويؤجرون البيت الآخر، فهل يقع الطلاق في هذه الحالة؟ وإذا كان لا يقع فهل يجوز للمسلم أن يعيش ويتحايل على القانون في هذه البلاد بدلاً من أن نظهر لهم أخلاق الإسلام الكريمة وندعوهم إلى الإسلام؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إذا كتب الإنسان الطلاق كتابة مستبينة واضحة ونوى الطلاق، فإن الطلاق يقع باتفاق الفقهاء ﵏؛ لأن الكتابة حروف يفهم منها الطلاق , فأشبهت النطق ; ولأن الكتابة تقوم مقام قول الكاتب , بدليل أن النبي ﷺ كان مأمورا بتبليغ الرسالة , فبلغ بالقول مرة , وبالكتابة أخرى.
وأما إن كتب الطلاق ولم ينو بذلك الطلاق فلا يقع طلاقه عند جمهور العلماء.
قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (١٠/٥٠٤) : " فأما إن كان كتب ذلك من غير نية , ففي إحدى الروايتين عن أحمد: يقع، وهو قول الشعبي , والنخعي , والزهري , والحكم ; لما ذكرنا.
والثانية: لا يقع إلا بنية، وهو قول أبي حنيفة , ومالك , ومنصوص الشافعي ; لأن الكتابة محتملة , فإنه يقصد بها تجربة القلم , وتجويد الخط , وغم الأهل , فلم يقع من غير نية " انتهى بتصرف.
وانظر: "بدائع الصنائع" (٤/٢٣٩) ، "الشرح الكبير" (٢/٣٨٤) للدردير؛ "مغني المحتاج" (٣/٢٨٤) ؛ "الإنصاف" (٢٢/٢٣٠) .
فعلى هذا؛ لا يقع الطلاق بكتابته على الورقة في المحكمة ما دام أنه لم يقصد بذلك الطلاق.
وانظر جواب السؤال رقم (٧٢٢٩١) (٧٢٨٦٠) .
ثانياً:
الواجب على المسلم أينما كان أن يكون أميناً صادقاً في أقواله وأفعاله وتعاملاته وتصرفاته مع الآخرين، ولو كانوا غير مسلمين، فلا يجوز له الكذب والغش، فإن ذلك من كبائر الذنوب، قال ﷺ : (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيِه كَانَ مُنَافِقًا خَاِلصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) رواه البخاري (٣٤) ومسلم (٥٨) ، وقال ﷺ : (مَنَ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي) مسلم (١٠٢) .
والتحايل على النظام بادّعاء الطلاق من أجل الحصول على منفعة مادية من الشقة والراتب، غِش وكذب وتزوير لا يجوز، ولو كان في دولة كافرة، ما دام أنه يقيم في تلك الدولة بأمان رسمي من الدولة.
فما دامت تلك الدولة قد أمَّنته، وتحميه وتحافظ عليه وعلى أمواله، فالواجب عليه أن يكون أميناً تجاه تلك الدولة، فلا يجوز له خيانتها أو غشها.
قال الإمام الشافعي ﵀: "إذا دخل قوم من المسلمين بلاد الحرب بأمان، فالعدو منهم آمنون إلى أن يفارقوهم، أو يبلغوا مدة إقامتهم، وليس لهم ظلمهم أو خيانتهم" انتهى.
"الأم" (٤/٢٦٣) .
فالواجب على من يقيم في بلاد غير المسلمين أن يلتزم شرع الله ويتحلى بآداب الإسلام وأخلاقه الفاضلة، كي يظهر لغير المسلمين فضل الإسلام وعظمته، حتى يأخذوا عنه انطباعا حسنا، لا أن يخالف تعاليم الإسلام ويرتكب ما نهى عنه، فيسيء بذلك إلى نفسه والإسلام.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14116
رأت جدَّها القدوة الحسنة لها في موقف مشين مع الخادمة، فماذا تصنع ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة أبلغ من العمر ١٦ عاماً، ورأيت موقفاً من شخص كان لا يماثله أحد في نصحه، وفي توجيهه، كان قمة في الأخلاق، يغبطه الجميع بعلمه، وحكمته، هذا الشخص هو جدي، والذي يبلغ من العمر٧٠ عاماً، رأيته في وضع مزرٍ مع خادمته، بحيث لا أعلم كيف أصف لك ما رأيت، بل أصابني الذهول، وانصدمت، ولم أتمالك أعصابي، تمنيت أن أموت ولم أر هذا الموقف، وكان الموقف الذي رأيته قد حصل تكراراً بينهم، والسؤال: ماذا أعمل؟ وماذا أفعل؟ فأنا أرحم جدتي التي هي زوجته، فهي إنسانة رائعة، وزوجة مخلصة، وأخاف عليها، فهي مريضة، فأنا في تفكير مستمر، وهم دائم لا أهنأ بأكل، ولا شرب، ولا نوم، هل ما رأيته حلال أم حرام أم سحر؟ ولمن أبوح لهذا السر الخطير؟ مع العلم أن معاملته مع الخدم رائعة، فهو يلبي لهم جميع طلباتهم، لا يقصر أبداً. أريد حلاًّ عاجلاً، أرجوك، فأنا لم أذق من يومها طعماً للراحة أبداً. وجزاك الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ليُعلم أن ما فعله جدُّك هو من قبائح الذنوب، وأيّاً ما وصل إليه من درجات في علاقته الجنسية مع تلك الخادمة: فإنه يعدُّ منكراً مغلَّظاً، ويستوجب إثماً أشد من إثم غيره؛ وذلك لكونه شيخاً كبيراً، بل وله زوجة! وقد جاء في الشرع المطهَّر ما يؤكد هذا المعنى ويوضحه، وهو أنه حيث تقل دواعي المعصية من فاعلها: فإنه يزداد إثماً إذا تجرأ عليها وفعلها.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ) .
رواه مسلم (١٠٧) .
قال النووي – ﵀:
وأما تخصيصه ﷺ في الرواية الأخرى " الشيخ الزاني، والملِك الكذاب، والعائل المستكبر " بالوعيد المذكور: فقال القاضي عياض: سببه: أن كل واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بُعدها منه، وعدم ضرورته إليها، وضعف دواعيها عنده، وإن كان لا يُعذر أحدٌ بذنب، لكن لما لم يكن إلى هذه المعاصي ضرورة مزعجة، ولا دواعي معتادة: أشبه أقدامهم عليها المعاندة، والاستخفاف بحق الله تعالى، وقصد معصيته، لا لحاجة غيرها؛ فان الشيخ لكمال عقله، وتمام معرفته بطول ما مرَّ عليه من الزمان، وضعف أسباب الجماع، والشهوة للنساء، واختلال دواعيه لذلك عنده ما يريحه من دواعي الحلال في هذا، ويخلي سرَّه منه، فكيف بالزنى الحرام؟! وإنما دواعي ذلك: الشباب، والحرارة الغريزية، وقلة المعرفة، وغلبة الشهوة؛ لضعف العقل، وصغر السن ... .
" شرح مسلم " (٢ / ١١٧) .
وقال المناوي – ﵀:
ولهذا قيل: مَن لم يرعوِ عند الشيب، ولم يستح من العيب، ولم يخش الله في الغيب: فليس لله فيه حاجة، شيبٌ، وعيبٌ.
" فيض القدير " (٣ / ٤٣٧) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
فهؤلاء الثلاثة اشتركوا في هذا الوعيد، واشتركوا في فعل هذه الذنوب مع ضعف دواعيهم؛ فإن داعية الزنا في الشيخ ضعيفة، وكذلك داعية الكذب في الملك ضعيفة؛ لاستغنائه عنه، وكذلك داعية الكبر في الفقير، فإذا أتوا بهذه الذنوب مع ضعف الداعي: دلَّ على أن في نفوسهم من الشر الذي يستحقون به من الوعيد ما لا يستحقه غيرهم.
وقلَّ أن يشتمل الحديث الواحد على جُمَل إلا لتناسب بينهما، وإن كان قد يخفى التناسب في بعضها على بعض الناس، فالكلام المتصل بعضه ببعض يسمَّى حديثاً واحداً.
" مجموع الفتاوى " (١٨ / ١٤) .
ثانياً:
من الواجب عليكِ الآن وقد رأيتِ من جدك معصية منكرة:
١. أن تنصحي جدكِ، وتعِظيه، وتخوفيه بالله رب العالمين، وتذكريه بوجوب حفظ نفسه، وخشية العار في الدنيا والآخرة، وهذا هو واجب شرعي عليكِ، لا يسعك تركه والتخلي عنه، ولتدَعي الذهول، والصدمة، وتمني الموت، فهذا لا تنتفعين به أنتِ، ولا يستفيد منه جدُّك، بل عليك المبادرة بفعل ما ذكرناه لك تجاهه، بل عليك السعي في إقناعه بإخراج هذه الخادمة من البيت، ونقلها لعمل آخر، أو ردها إلى أهلها، لينقطع عنه دابر الفتنة والفساد.
عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ) . رواه مسلم (٥٥) .
وعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. رواه البخاري (٥٠١) ومسلم (٥٦) .
٢. والأمر نفسه تفعلينه مع الخادمة، مع تهديدها بإخبار أهلك عنها، وطردها من البيت، فلعلها هي من تغوي ذلك الشيخ الكبير.
٣. ومن مهماتك أيضاً: الانتباه لعدم وقوع خلوة في البيت بينه وبينها، والحيلولة دون حصوله بما تملكينه من قدرة.
٤. ويجب عليك الستر على جدك والخادمة، وإعطاؤهما فرصة للتوبة، والإنابة؛ فإن الله تعالى يحب الستر.
عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( ... ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . رواه البخاري (٢٣١٠) ومسلم (٢٥٨٠) .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . رواه مسلم (٢٥٩٠) .
قال النووي – ﵀:
قال القاضي: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يستر معاصيه، وعيوبه عن اذاعتها في أهل الموقف، والثاني: ترك محاسبته عليها، وترك ذِكرها.
قال: والأول أظهر؛ لما جاء في الحديث الآخر (يقرره بذنوبه يقول: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم) .
" شرح مسلم " (١٦ / ١٤٣) .
فإن أصرَّ على فعل المعصية، ولم يرعو بالنصح والتذكير: فبإمكانك أن تخبري جدتك فقط بفعله؛ أو إن كان له أحد من أبنائه، بإمكانه أن يؤثر عليه، ويمنع ذلك المنكر، والدك ـ مثلا ـ أو أحد أعمامك؛ فهو أفضل، حرصا على عدم صدمة جدتك. والمهم ـ على كل حال ـ هو ردعه عن اكتساب الإثم.
٥. ويجب عليكم إن كان جدك صاحب شهوة ويرغب بالزواج: أن تعينوه على ذلك، ففي الزواج ستر له، وقضاء لشهوته، ونقترح عليك أن تخبري بذلك والدك، ليعرض عليه الزواج قبل إخباره بأنهم يعلمون منه فعل تلك المعصية، فلعله بالزواج أن يستغني عن مواجهته، وإحراجه.
ثالثاً:
ونحن نشكر لك غيرتك على حرمات الله أن تنتهك، ونشكر لك حب الخير لأهلك أن لا يأتي واحد منهم ما يُغضب ربه تعالى، ولعل هذه الحادثة أن تكون خيراً لجدك؛ وذلك بأن يُحدث توبة صادقة، وأن ينتبه لنفسه، وسنِّه، فيزداد من فعل الخيرات، وأداء الطاعات، وليس الأمر سحراً، ولا تخييلاً، إنما هي شهوة يؤججها فيه الشيطان، ولعل مرض زوجته مما أثَّر في إقباله على ذلك المنكر، وفي مثل هذا السن نرجو أن يكون للنصيحة والموعظة أثرهما البالغيْن عليه، ولعله يستحيي منكِ وهو القدوة الحسنة.
وانظري جواب السؤال رقم: (١١١٩١١) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14117
هل يزوِّر في عمره من أجل التقاعد المبكر في شركته ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أعمل في شركة " أرامكو "، ويوجد نظام " تقاعد مبكر " لمن يصل عمره خمسون عاما، بحيث يحصل على العلاج مدى الحياة، فهل يجوز تغيير العمر بطلب زيادة العمر عن طريق الأحوال المدنية، وإعادة التسنين، بدون دفع، أو تحديد عمر معين، لكن الهدف الحصول على العلاج؛ لأن التقاعد قبل الخمسين لا يوجد معه علاج؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز الكذب وتغيير العمر من أجل الحصول على العلاج المجاني الذي تقدمه الشركة، فهذا داخل في الكذب والغش، وقد قال النبي ﷺ : (مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا) رواه مسلم (١٠١) .
وقال ﷺ : (إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا) رواه البخاري (٦٠٩٤) ومسلم (٢٦٠٧) .
والواجب على المؤمن أن يكون صادقاً في أقواله وأفعاله، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) التوبة/١١٩.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14118
كانت تسخر وتستهزئ بمن حولها وتخشى أن تبتلى وتعاقب
[السُّؤَالُ]
ـ[اسأل عن الاستهزاء بالناس، أنا تقريبا نصف كلامي استهزاء وسخرية بالناس، مثلا كنت استهزئ بفتاة كانت كبيره بالسن وما تزوجت فكنت أعايرها أمامها بالعنوسة وكنت اقصد اجرحها لأنه كانت بيني وبينها مشاكل كثير ٠٠ واستهزئ أحيانا إما بشكل احد أو مستوى احد أو أبناءهم أو أي شي ٠٠ وقبل فتره قريبه قرأت موضوعاً عن الاستهزاء وعقوبته وأنها ترجع للشخص بالدنيا بنفس العيب اللي استهزاء فيه وقرأت هذي الجملة (من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يفعله) وبعدها أصابني رعب كبير واستغفرت ربي وصرت أحاول أن ابتعد عن ذلك. فسؤالي هو: ما هي الطريقة سواء إذا كانت الاستغفار أو صدقه أو كفارة أو أي شيء آخر لأني أخاف من عقوبة ربي ويصيبني مثل الأشخاص الذين استهزأت بهم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا يجوز الاستهزاء بالناس أو السخرية بهم أو تعييرهم بعيب أو ذنب؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الحجرات/١١.
وقال تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) الهمزة/١.
والهمز يكون بالإشارة، واللمز يكون بالقول، واللماز هو العيّاب الطعان، والويل: واد في جهنم.
وفي هاتين الآيتين الكريمتين: تحريم السخرية، وتحريم اللمز والهمز، وتحريم التنابز بالألقاب، والإخبار بأن ذلك فسوق وظلم، وتوعّد فاعل ذلك بالويل، وإرشاد العباد إلى أمر عظيم وهو أن الخيرية عند الله تعالى ليست بالهيئة والشكل والمظهر، فقد يسخر الإنسان ممن هو خير منه وأفضل، عند الله تعالى.
ثم من الذي يسلم من العيوب، حتى يعيب غيره؟!
ولو فرض وجود إنسان لا عيب له ظاهر، فهذا حري به أن يحمد الله تعالى، وأن يشكره على نعمته، لا أن يسخر من عباده وخلقه.
ومن الذي يأمن تبدل الحال، وتغير المآل، فقد يمسي الجميل قبيحا، والغني فقيرا، والضاحك باكيا.
قال ابن كثير ﵀ في تفسير آية الحجرات: " ينهى تعالى عن السخرية بالناس، وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الكِبْر بطر الحق وغَمْص الناس) ويروى: (وغمط الناس) والمراد من ذلك: احتقارهم واستصغارهم، وهذا حرام، فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدرا عند الله وأحب إليه من الساخر منه المحتقِر له؛ ولهذا قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ) ، فنص على نهي الرجال وعطف بنهي النساء.
وقوله: (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا تلمزوا الناس. والهمَّاز اللَّماز من الرجال مذموم ملعون، كما قال تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) الهمزة/١، فالهمز بالفعل، واللمز بالقول، كما قال: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) القلم/١١ أي: يحتقر الناس ويهمزهم طاعنًا عليهم، ويمشي بينهم بالنميمة وهي: اللمز بالمقال؛ ولهذا قال هاهنا: (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) ، كما قال: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) النساء/٢٩ أي: لا يقتل بعضكم بعضا.
قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومقاتل بن حَيَّان: (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا يطعن بعضكم على بعض.
وقوله: (وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ) أي: لا تتداعوا بالألقاب، وهي التي يسوء الشخص سماعها " انتهى.
وقد بين نبينا ﷺ أن الإيمان يحمل صاحبه على حسن الخلق، والتواضع للناس، وترك أذاهم بالقول والفعل، كما قال ﷺ : (لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ) رواه الترمذي (١٩٧٧) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وأرشد ﷺ إلى ما يقوله الإنسان إذا رأى مبتلا، فقال: (مَنْ رَأَى
صَاحِبَ بَلاءٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا إِلا عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ كَائِنًا مَا كَانَ مَا عَاشَ) رواه الترمذي (٣٤٣١) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
ثانيا:
الحديث الذي أشرت إليه، وهو حديث: (من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يفعله) حديث غير صحيح، كما سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (١٣٧٣١) .
ولكن الاستهزاء بالناس محرم، ويُخشى على صاحبه أن يسلب النعمة، وأن يعاقب فيصاب بمثل ما استهزأ به من ذنب أو عيب.
ثالثا:
التوبة من هذه الذنوب المتعلقة بالآخرين: إنما تكون بالتحلل من أصحابها، مع الندم عليها، والعزم على عدم العود لها مستقبلا.
ومن علمت باستهزائك بها فلابد من الاعتذار لها وطلب لعفو والمسامحة، ومن لم تعلم فلا تخبريها بما وقع منك، ولكن.. أكثري من الدعاء والاستغفار لها والثناء عليها.
وأكثري من الصدقة بالمال والأعمال الصالحة، فإن الصدقة تكفر الخطيئة، والحسنات يذهبن السيئات.
ونسأل الله تعالى أن يتقبل توبتك، ويغفر ذنبك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14119
وسائل إعلام بلده تطعن في الإسلام وأحكامه، وكلمة مهمة حول الاختلاط وعمل المرأة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا من دولة إسلامية, لذلك فإن ٩٠% من السكان مسلمون، لكن ٥% من هذه النسبة يتبعون الأحكام الإسلامية، فأصبح عندنا قراءة الجريدة، ومشاهدة التلفاز: من الأمور التي تدل على الحضارة، لكن وسائل الإعلام هنا من تلفاز، وجريدة , تحاول طمس الإسلام من المجتمع، فيحاولون إثبات خطأ الكتاب والسنَّة، وقام بعض الفتيات المكشوفات الوجه بمناقشة أمور عن الإسلام , فقلن مثل هذه الأمور: يقلن بجواز عمل المرأة مع الرجال، وأن هذا ثابت بالكتاب والسنَّة، ويقلن بجواز اختلاط الرجل بالمرأة للدراسة في نفس الصف، ويقلن إن الأصوليين متطرفون ـ فصار الناس يبصقون على الأصوليون عندنا ـ ويقلن بجواز الربا في الإسلام، فإذا تكلمتُ ودافعت عن الدِّين: فسوف أعدّ متطرفاً، مما يؤدي بي إلى السجن، فما حكم من يحاول هدم الإسلام وذلك بتفسير الكتاب والسنَّة بهذه الطريقة؟ وكيف لي أن أحمي أقاربي، وأهلي من هذا الأمر؛ فهم بعيدون من الدِّين؟ وهل يعدّون كفاراً إذا آمنوا بما يُبث تلفزيونيّاً؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
تكفَّل الله تعالى بحفظ كتابه ودينه، فقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحِجْر: ٩، وإنما أغاظ أعداءَ الدين: انتشارُ الإسلام في الآفاق، وظهور دينه تعالى على الأديان كافة، تحقيقاً لوعد الله تعالى حيث قال: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) التوبة/ ٣٣، الصف/ ٩
لذا فلا عجب أن يحاول أعداء الإسلام النيل من القرآن والسنَّة والأحكام الشرعية، فقد امتلأت قلوبهم غيظاً على حال أديانهم المحرفة، وأفكارهم البالية، وقوانينهم التافهة، وقد أظهر الله الإسلام في الأرض، وأعلى شأنه، ولا عجب بعد ذلك من معرفة أنه أكثر الأديان نموّاً، وقد دخل فيه وتشرف بالانتساب إليه: قادة، وعلماء، ومفكرون، وأدباء، وساسة، وهذا كله مع ما يصحب هذا الدين من تشويه لأحكامه، وطعن في شرائعه، من المنافقين في داخله، ومن الكفار في خارجه.
ثانياً:
حتى ما يحاول هؤلاء الأعداء الطعن في الإسلام من خلاله: فإنه قد ثبت بيقين عند العقلاء والحكماء أن ما جاء به الإسلام هو الحق، والعدل، والعفاف، والأمن، سواء في قضية اختلاط الرجال بالنساء، أو في عمل المرأة، وها هي المجتمعات الغربية ومقلدوهم من الشرقيين يعانون من هاتين القضيتين أيما معاناة، فالنساء في العالم كله يعانين من التحرش الجنسي بهن أقولاً وأفعالاً، والرجال يعانون من أخذ النساء وظائفهم وهم الذين يُطلب منهم الإنفاق على بيوتهم، بينما تذهب رواتب النساء إلى الصالونات، والملابس، والعطور! .
قال الدكتور مازن مطبقاني – حفظه الله -:
أما التعرض للمضايقات الجسدية، أو التحرش الجنسي: فحدِّث، ولا حرج، فإذا كان الاغتصاب يصعب تحديد حالاته بدقة؛ لأن نسبة كبيرة من النساء لا يبلغن عن حدوثه؛ وذلك لصعوبة إثباته، أو للمضايقات التي يتعرضن لها إذا ما أقدمن على الشكوى: فإن تعرض المرأة للمضايقات الجنسيَّة بلغ حدّاً كبيراً، ومما يلفت الانتباه أن ثلثي الشرطيات البريطانيات يتعرضن للمضايقات الجنسية من زملائهن في العمل، مما أدى إلى قيام إدارة الشرطة بتكليف عالمة نفس بدراسة الوضع واقتراح الحلول المناسبة.
ولكن هل ستقدم عالِمة النفس من المقترحات ما يمنع التحرش الجنسي في إدارة الشرطة؟ أعتقد أن المجتمعات الغربية عموماً بلغت ما يسمونه " نقطة ألّا رجوع "، إلا أن يكتب الله لهم الهداية، فقد بدأ الاختلاط بالزعم أنه " يخفف التوتر الجنسي لدى الطرفين، ويسمو بالعلاقة بينهما إلى مستوى إنساني، فلا يعود أحدهما ينظر إلى الآخر من زاوية جنسيَّة فحسب، وهكذا فالمجتمعات التي تقر الاختلاط تشكو من تفاقم المشكلات الأخلاقية التي تنجم عن العلاقات بين الجنسين.
وقد خصصت مجلة " النيوزويك " الأمريكية Newsweek ملفاً للحديث عن السلوك الجنسي للرجال مع النساء والنساء مع الرجال، وحرصت على تقديم تعريف للاغتصاب، ونظراً للاختلاط الذي تعرفه المجتمعات الغربية منذ مئات السنين: فمن الصعب تحديد ما هو الاغتصاب.
ووصل الأمر بانتشار حالات الاغتصاب إلى أن امرأة تعمل شرطية في شرطة لندن تعرضت للاغتصاب في أحد القاطرات في لندن، في وقت متأخر، وهي في طريق عودتها إلى بيتها، وقد انزعجت الشرطة في لندن من ازدياد حوادث الاغتصاب، لذلك قامت بإصدار بعض التعليمات لمواجهة هذه الحوادث، ومن التعليمات:
أ. الاحتشام في اللباس.
ب. عدم وضع الأيدي في الجيوب حتى تكون المرأة مستعدة للدفاع إذا ما تعرضت للاعتداء.
ج. عدم الجلوس في الحافلات في الطابق العلوي إذا كانت الحافلة خالية، والحرص على الركوب قريباً من السائق.
ولكن أنَّى لهن أن يسمعن موعظة، وقد ذكرني هذا بمحامية أمريكية عجوز استضافها التلفزيون الأمريكي قبل أكثر من عشرين سنة للتحدث في مشكلة الاغتصاب، فذكرت أن النساء هنَّ سبب ما يقع لهن من حوادث اغتصاب، حيث الملابس الفاضحة، والخروج وحيدات دون حماية من رجل، وأضافت أن الرجل مهما كان مكتفياً غريزيّاً: فإن منظر عري النساء يثيره.
كما أن الاختلاط الذي يعيشه الغرب يتسبب إلى حد ما فيما يعانيه الغرب، حتى إن مجلة "المختار Reader's Digest قد نشرت تحقيقاً حول الاختلاط في العمل في مجالات الحياة المختلفة، وما يتسبب فيه من إثارة الغرائز هو أحد أسباب انتشار الجرائم الجنسيَّة، ومما أوردته المجلة في تحقيقها: " أينما يعمل الرجال، والنساء معاً: فإن " الافتتان " يأتي بوحي من واقع الميدان (العمل المختلط) وليس هذا الانجذاب بسبب سيطرة إفرازات زائدة لهرمون " الأدريانين " فحسب، ولكن في أي مكان عمل (مختلط طبعاً) من المعمل إلى المكتبة العامة ".
هذه الفطرة التي فطر الخالق عليها، وهي الانجذاب بين الجنسين: يريد الغرب كبتها في العمل، وهو ليس بمستطيع، وهذا ما يقوله أحد العاملين بمعهد العلاقات بين الجنسين في مدينة " سانتا باربرا " بكاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية: " لا يمكننا أن نشرع قانوناً لإبقاء الميول الغريزية خارج نطاق العمل، فهذه الميول جزء من شخصية الفرد، لا تستطيع أن تعطل أداءها بضغطة زر لأنك موجود في العمل ".
ولعل من أسباب هذه الأوضاع أن الحضارة الغربية كما يرى علي عزت بيجوفتش قد " أحالت المرأة إلى موضوع إعجاب، أو استغلال، ولكنها حُرِمَت من شخصيتها، وهو الشيء الوحيد الذي يستحق التقدير، والاحترام، وهذا الموضوع مشهود بشكل مضطرد، وقد أصبح أكثر وضوحاً في مواكب الجمال، أو في بعض مهن نسائية معينة مثل " الموديلات "، وفي هذه الحالات لم تعد المرأة شخصية، ولا حتى كائناً إنسانيّاً، وإنما هي لا تكاد تكون أكثر من حيوان جميل ".
" الغرب من الداخل، دراسات للظواهر الاجتماعية " (ص ٥٥ – ٥٧) .
فها أنت ترى ما جرَّه الاختلاط بين الرجال والنساء على تلك المجتمعات، وماذا صار حال النساء اللاتي يعملن في بيئات مختلطة، أو يتركن بيوتهن، وأزواجهن، وأولادهن، فهدمن بيوتهن، وخانهن أزواجهن، وتشرد أولادهن، ولا عجب بعدها إن علمنا أن ستة ملايين امرأة في أمريكا وحدها تركن أعمالهن ليتفرغن لعمل البيت، ولرعاية الأولاد، والعناية بالزوج، وانظر تعليمات الشرطة البريطانية للنساء بالاحتشام، وعدم الخلوة! فها هو الإسلام يدعون له دون التصريح بتسميته، وللأسف ها هم الزنادقة والمنافقون والجهلة يشككون الناس في الإسلام، ويطعنون به تصريحاً، وتلميحاً، سرّاً، وعلانية.
ثالثاً:
أما وصف وسائل الإعلام الغربية، ومن يقلدها من الإمعات المسلمين المتمسكين بدينهم بالأصوليين، والمتطرفين: فهي تتمة لحلقات ذلك المسلسل السخيف، والذي كان أبطاله طغاة المشركين، وجلاوزة الملحدين، والذين اتهموا الأنبياء وأتباعهم بما ليس فيهم؛ تنفيراً للناس عنهم، وعن دعوتهم، والمسلم ينبغي أن يتوقع هذا من أعداء الدين، ولا ينبغي أن يؤثر ذلك على دعوته، وتبليغه دين الله تعالى، فيكفيه أن سلفه هم الأنبياء ﵈، ويكفيهم أن سلفهم هم أعداء الله، ورسله ﵈، قال تعالى: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) الذاريات/ ٥٢، بل اسمع ماذا قال رأس الكفر فرعون عن موسى ﵇، قال تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) غافر/ ٢٦.
وانظر لمزيد بيان حول هذه المسألة: جواب السؤال رقم: (٩٤٣١) .
رابعاً:
وعلى المسلم أخذ كامل حيطته وحذره من أولئك الذين يتهمون المسلمين ظلماً وزوراً، وعليه واجب تكذيب أولئك بأقواله، وأفعاله، فيحتاط من شرهم، وكيدهم، ويرد عليهم قولاً وعملاً بحسب قدرته، واستطاعته، ولا يكلفه الله تعالى فوق طاقته، فبعض البلاد تستبيح حرمات الدعاة إلى الله تعالى، وتسلك معهم سبلاً كثيرة لصدهم عن دعوتهم، ولو أن أهل الخير والصلاح كانوا كثرة في بلادهم لتغير تعامل حكوماتهم معهم، فالدعوة إلى الله، وتكثير سواد أهل الدِّين مما يقوي ظهر الدعوة، ويحمي الدعاة، بإذن الله تعالى.
وأما إذا كانت الظروف الأمنية في بلد الأخ السائل – وغيره – مما لا يستطيع معها إظهار دعوته: فليكتف تقوية إيمانه، وزيادة علمه الشرعي، مع دعوة الخاصة من أقربائه، وأصدقائه، دون الحاجة لإعلان ذلك على رؤوس الملأ.
خامساً:
لا ننصحك بالاهتمام كثيراً بحكم من يستمع لطغاة الإعلام، ويصدِّق قولهم؛ فإنه تعتري أولئك موانع كثيرة تمنع الفقيه من إلحاقهم بالزنادقة، والملحدين؛ لأنه يُلبَّس عليهم في أشياء تُعرض عليهم قد تكون حقيقية – كتفجير، أو قتل – ثم يجعلون ذلك ملصقاً بكل من تمسَّك بدينه، لذا فإننا لا نحبذ لك – ولا لغيرك – الاهتمام بالحكم الشرعي على هؤلاء الناس؛ لاختلافه باختلافهم، علماً، وفهماً، وإدراكاً.
ونرى أن تنصب جهودك – أخي السائل – على دعوتهم – نقصد أهلك وأقرباءك – واستعمال الحكمة في ذلك، مع تقديم مزيد من الأدلة والبراهين على كذب وسائل الإعلام تلك في دعواها، وعلى أنكم على الإسلام الصحيح، وعلى الحق المبين، وأن تكونوا قدوة صالحة لأولئك المدعوين؛ لتكذبوا وسائل الإعلام تلك بأقوالكم، وأخلاقكم، وأفعالكم، فنحن الآن في مقام الدعوة والبيان، ولسنا في مقام القضاء والسلطان.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14120
اكتشف زوجها علاقة لها سابقة مع عشيق صورها وهي عارية، فماذا يصنعون ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أكملت الدراسة الجامعية، عندما كنت في الدراسة: كان معنا شاب بالفصل، تقرَّب إليَّ إلى أن جعلني أحبه في السنة الأخيرة من الدراسة، وكان يريد الزواج، وفعلاً تقدم لخطبتي، لكن أهلي رفضوا، وحاول عدة مرات، ولكن دون جدوى، فازداد تمسكي به، وكنا نتكلم بالهاتف ساعات، وبدأنا نمارس الجنس بالهاتف! وبعدها اتفقنا على لقاء في بيتنا، بعد خروج الأهل إلى الدوام، ونحن نتغيب، ونبقى وحدنا بالبيت، فمكَّنته من نفسي، لكن من الخلف! وصوَّرني وأنا عارية بموافقتي! لكي يحتفظ بها للذكرى؛ لأنه لم يقطع الأمل مني، كنت غائبة عن وعيي، وبعد فترة سافر، وتقدم رجل متدين، وطيب، فقبلتُ به؛ لأني ندمت على ما فعلت، فتزوجت منه، ولكن الفاجعة هو أني لم أكن بكراً، ففي البداية قلنا - أنا وزوجي - يمكن الغشاء مطاطي، والغشاء ليس دليل للعذرية، فتقبل الأمر زوجي، ولكن اتضح أنه يبحث، وأخذ إيميلي، وفتحه، كنت نسيت مسح الرسائل المرسلة مني للعاشق، فعرف أن لي علاقة غير شرعية، فجنَّ جنونه، فقرر أن يطلقني، ولكن لأنه متدين قرر ذلك بعد كم شهر؛ لكي يسترني، ولكن هو يحبني، واعترفت له بكل شيء، وأخبرته أنه لم يأتني من الأمام، وأني تبت، فبقيت معه، وأصبح لنا طفل، والآن يريد أن يطلقني، وهو حائر؛ لأن أهله يحبونني، وهو يحبني، ولكنه يخاف من عشيقي الأول، لربما يفضحني بالتصوير الذي عنده، بالرغم أن عشيقي الأول يحبني، وهو متفهم لوضعي، ويتصور أن أهلي أجبروني. وبارك لي، وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه المأساة متكررة، ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة؛ لأن هؤلاء لم يلتفتوا لشرع الله تعالى فيعظموه، ولم يأبهوا بالنواهي فيتركوها، فأبوا إلا أن يكونوا ألعوبة بيد إبليس يحركها كيف يشاء.
هذه السائلة وقعت في معاصٍ متعددة، أولها: دخول الجامعة المختلطة، ولطالما حذر العلماء الربانيون من هذه الفتنة، وبينوا ما فيها من مفاسد، وما تسببه من آثام، وقليل من يستجيب لهذا الحكم، وكثير لم يخرج منها إلا بمرض قلب، أو موت حياء، أو فاحشة يحمل همها إلى قبره، أو تلويث عرض له، ولأهله، لا يزول مع تعاقب الليل والنهار.
وثاني هذه المعاصي: العلاقة المحرمة مع ذلك الذئب البشري، ثم الخلوة المحرمة في بيتها، ونعجب كيف تصل الأمور بفتاة أن يكون عرضها أهون شيء عندها، فتكون هي الداعية لذلك الذئب ليفترسها في بيتها، فتخون دينها، وأهلها الذين ائتمنوها.
وثالث هذه المعاصي: اللواط، وهو كبيرة من كبائر الذنوب.
ورابعها: التصوير، وليت الأمر اقتصر على صورة لوجهها، بل رضيت أن تظهر عارية بالكامل! فإنا لله وإنا إليه راجعون!
وهذه الآثام والمعاصي ليست بالهينة، وأضرارها متعدية، وآلامها مبرحة، ولذا لا نعجب أن يعاقب الله تعالى هذه الفتاة؛ لتعديها على شرع الله تعالى، وإن تابت وصدقت في توبتها فإنما يكون ذلك من الابتلاء، فلعل غيرها ممن يقرأ قصتها هنا أن يرعوي، وأن يكف عن معصية ربه تعالى، وأن يجعل بينه وبين نار جهنم وقاية يقي نفسه بها، ذكوراً وإناثاً.
ونصيحتنا لهذه السائلة:
١. الاستمرار بالتوبة الصادقة، والإكثار من الأعمال الصالحة.
٢. مداومة الإحسان لزوجها، والعشرة له بالمعروف.
٣. دعاء الله بصدق وإخلاص أن يكشف عنها الغمة، وأن يهديها لما يحب ويرضى.
ونصيحتنا للزوج:
١. أن يقبل توبة زوجته، فالمعصية قديمة، والتوبة تجب ما قبلها، وما من أحد إلا وله ذنب يحب أن يُستر، ويُغفر، فليكن منه قبول لتوبتها، يستر ذنبها، ويتجاوز عنه، كما يحب أن يستر الله ذنبه، ويتجاوز عنه، وهي ليست خائنة له، ولو أنها فعلت ما فعلت أثناء الحياة الزوجية لحقَّ له أن يتشدد في أمرها، أما وقد كان ذلك أيام مراهقتها، ورضي هو بالتزوج من فتاة جامعية وهو يعلم حال الجامعات المختلطة، وأصبحت الآن تائبة، وصارت أم طفل له: فالمرجو أن يكون ذلك كله شافعاً عنده ليبقيها في ذمته، وينسى ما كان منها، ويكفيها حسرة ذنبها، وألم معصيتها، فلا يزيد عليها عذاب الطلاق والفراق.
٢. أن يقدِّر المفاسد والمصالح في ذلك الطلاق والفراق، فهو سيخسر تائبة من ذنبها، وسيفرق بينه وبين ابنه، وهو يحبها، وأهله يحبونها، ففي اعتقادنا أن المفاسد كثيرة، وسيبقى متندماً على ذلك الطلاق لو حصل منه، ولا يدري الإنسان فقد يبتلى ويُمتحن بمثل ما يعامل الناس، فليحذر.
٣. وهمسة في أذن الزوج: لم يكن لك التجسس على بريد زوجتك، ولا تقليب صفحات رسائلها، وكونك زوجاً لها لا يبيح لك ذلك، فهي خصوصيات لها، وليس لها تعلق بحياتك الزوجية، وليس من هدي الإسلام تتبع الناس في خصوصياتهم، وفضحهم، ومن هدي الإسلام الستر على أصحاب الذنوب المخفية، وعدم فضحهم والتشهير بهم، ولو أنك لم تعص الله في هذا، ما كنت علمتَ الذي علمتَ مما لا يؤثر على حياتك الزوجية.
ونرجو الله أن يكون ذلك الخبيث قد أتلف تلك الصور المشينة، وأن يهديه، ويصلح باله، ونرجو إن استمر الجمع بينكما أن لا تفكرا في موضوع الصور، ودعوا ذلك لرب العالَمين، فهو يتولى التائبين، والصالحين، وهو يكفيكم شرَّ تلك المعصية والمصيبة.
وهذه رسالة للآباء والأمهات:
اتقوا الله في أنفسكم، واتقوا الله في أولادكم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم/ ٦، فهلَاّ استجبتم لربكم ، وتركتم ما أنتم عليه من غفلة عما يجري مع أولادكم، وتركتم حثهم على الدراسة أو العمل في أماكن الفتنة، والفساد، وهلَاّ أخلصتم له النصيحة، وأحسنتم لهم التربية؟! إن تقصيراً منكم في جانب من جوانب التربية سيجعلكم تعيشون في ندم، وهم، وغم، طيلة عمركم، وإن تفريطاً منكم في تربية أولادكم سيجعلكم تعيشون خزياً، وعاراً، لا ينمحي مع الأيام والليالي.
إن القصص المؤلمة كثيرة، وإن كلامنا نابع من حبنا للناس أن يطهروا أنفسهم، وأولادهم، وقد سمعنا، وقرأنا ما تشيب له رؤوس الولدان، فنرجو أن تكون مثل هذه القصص موعظة لنا لننتبه لأولادنا، واللَّهُ (خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) يوسف/ من الآية٦٤.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14121
كيف يتصرف مع والده الذي يترك الصلاة ويشرب الخمر ويتناول المخدرات ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم هجري لأبي لأنه لا يصلي، وإذا صلى يصلي بالبيت، ويتعاطى الحبوب، والمسكر، بالرغم من نصحي له باستمرار، ولا يقدِّر أني شاب ملتزم؟ وهل عليَّ إثم في عدم إعطائه فلوساً عندما يطلبني، لأني أعلم أنه سوف يصرفها فيما يغضب الله؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله تعالى أن يهدي والدك للحق، وفعل الصواب، وأن يخلصه من المنكرات والآثام، ونسأله تعالى أن يُعظم لك الأجر على صبرك، وتحملك، وعلى غيرتك على الشرع.
واعلم – أخي السائل – أن ما تحكيه عن والدك أمر جلل، وتركه للصلاة كفر يخرج به من الملة، وليس الأمر كذلك لو أنه صلى في البيت؛ فإن ترك صلاة الجماعة في المسجد أمر يترتب عليه الإثم العظيم، ويجعل صاحبه تحت الوعيد.
ولا يشك مسلم في حرمة الخمر، وسوء أثرها على البدن، والعقل، وخطر آثارها على البيت والمجتمع، والأمر أشد – حكماً، وأثراً – إذا كان يتناول معها الحبوب المخدرة، كما ذكرت عن والدك، فقد جمع أنواع الخبائث في المسكر، هداه الله، ورده إلى طاعته.
وبسبب هذه الحال التي وصل لها والدك: فإن عليك أن تفكر مليّاً بدعوته، وهدايته، وأن تعوِّد نفسك على الصبر على ذلك، ومزيد من التحمل؛ وذلك لأسباب:
١. أنه من حق والدك عليك: أن تدعوه للاستقامة، وأن تبذل ما في وسعك لئلا يموت على تلك الحال السيئة.
٢. كما أن من حق أهلك عليك: أن تنقذهم من خطر والدك، وأن تنتشلهم من براثن معاصيه ومنكراته، ولا يمكن أن يكون – غالباً – مثل هذا في بيت فيه زوجة وأولاد: إلا وينتقل من شره وسوء تصرفاته وقبح أفعاله لهم، وقد يفتن بمنكراته تلك بعض من في البيت من أهلك، فلهذا صار من حقهم عليك أن تجعل بينهم وبين الفتنة بوالدهم حاجزاً منيعاً.
واعلم – أخي السائل – أنه ليس بالهجر تُحل مثل تلك المشكلات؛ لأن مثل ذلك الهجر الذي تذكره في سؤالك هو إراحة لك، وتخلصٌ من حملٍ ثقيل، وهمٍّ وغمٍّ عظيمين عليك، وليس في الهجر مصلحة للمهجور ليرتدع، ويرعوي عن أفعاله، ومنكراته، فكن على علم بهذا، وإياك أن تفعل ما ترتاح به ليشقى أهلك بسببه.
ولو كنَّا نرى خطراً عليك بمنكرات والدك، وأنك قد تفتن بتلك المعاصي لكان للهجر لتلك البيئة التي يعيش فيها وجه من الصواب، لكن يظهر لنا من التأمل في سؤالك أنه ليس ثمة خطر عليك من منكرات والدك وأفعاله السيئة.
نعم، يمكنك ترك الإنفاق عليه، والامتناع عن إعطائه المال؛ لئلا يستعمله في شراء المحرَّمات، بل يحرم عليك بذل شيء من المال وأنت تعلم أنه يستعمله في المحرَّمات، والله تعالى أمرنا بالتعاون على البر والتقوى، ونهانا عن التعاون على الإثم والعدوان فقال: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) المائدة/من الآية٢، ولا شك أن إعطاء والدك من المال ما يشتري به تلك المحرمات يعد من التعاون على الإثم والعدوان، وفي الوقت نفسه لا تعاقب أهلك بترك الإنفاق عليهم، بل تعاهدهم بالنفقة، كما تتعاهدهم بالنصح، والتوجيه، والإرشاد.
وابذل ما تستطيعه من وسائل شرعية مباحة في دعوة والدك وهدايته، ومن ذلك:
١. انظر من يمكنه التأثير عليه من أقربائه، أو جيرانه، أو أصدقائه، العقلاء، الأمناء، واجعلهم يسعون معك في ثنيه عن تصرفاته المنكرة، وكف نفسه عن ارتكاب الموبقات.
٢. ولك أن تفصل أهلك – والدتك وأشقاءك – عنه، فتجعلهم في بيت خاص مستقل، فلعلَّ ذلك أن يؤثر فيه، فيترك ما يغضب ربه، ويوجب له الوعيد.
٣. وعليك أن تقف موقفاً شديداً من قرناء السوء الذين يحثون والدك ويشجعونه على ارتكاب تلك المنكرات، ولو كان بالشكوى عليهم، أو تهديدهم بها، مع الغلظة بالقول والفعل.
٤. كما ننصحك بالتعاون مع الإخوة في " هيئة الأمر بالمعروف " في منطقتك؛ فإن لهم خبرات واسعة في هذا الباب، ولديهم طرق شتى في تخليص أصحاب المعاصي والمنكرات من أفعالهم ومعاصيهم.
٥. واحرص – أنت ووالدتك وأشقاؤك – على الدعاء له بالهداية، والتوفيق لما يحب ربنا ويرضى، وأن يعجل في تركه للحرام، ولا تغفلوا عن هذا السلاح العظيم؛ فإن القلوب بين يدي الله تعالى يقلبها كيف يشاء، وقد يرى الله تعالى منكم صدقاً، وإخلاصاً، في الدعاء، فيعجل بهداية والدكم، ويقر أعينكم برؤيته على أحسن حال.
والنظر إلى والدك يكون بعينين: بعين القدَر فترحمه، وتشفق عليه؛ لارتكابه للمنكرات، وبعين الشرع فتبغض أفعاله وموبقاته.
قال ابن القيم – ﵀:
وَاجْعَلْ لِقَلْبِكَ مُقْلَتينِ كِلَاهُمَا ... للحَقِّ في ذَا الخَلْقِ نَاظِرَتَانِ
فانظُرْ بِعينِ الحُكمِ وَارحَمهُم بِهَا ... إذْ لا تُرَدُّ مَشِيئةُ الدَّيَّانِ
وانظُرْ بِعَيْنِ الأمرِ واحْمِلْهُمْ عَلَى ... أحْكَامِهِ فَهُمَا إذاً نَظَرانِ
وَاجْعَلْ لِوجْهكَ مُقْلَتَينِ كِلَاهُما ... مِنْ خَشْيِةِ الرَّحمنِ بَاكيَتَانِ
لَوْ شَاءَ رَبُّك كُنْتَ أيضاً مِثْلَهُمْ ... فَالقَلْبُ بَيْنَ أصَابِعِ الرَّحْمَنِ
" الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية " (ص ١٩، ٢٠) .
وقد سبق في موقعنا الجواب عن مشكلات تشبه مشكلة والدك، وكتبنا فيها ما يمكن أن تستفيد منه، بالإضافة لما سبق من الجواب أعلاه، فانظر أجوبة الأسئلة: (٩٥٥٨٨) و (١٠٤٩٧٦) و (٢٧٢٨١) .
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14122
خلوة الطبيب مع الممرضة في غرفة الكشف
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا طبيب في غرفة الكشف ترافقني ممرضة في نفس الغرفة، وحتى يحضر مريض يحصل بيننا حديث في أمور شتى، فما هو رأي الشرع في هذا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا يجوز لك الخلوة بالمرأة، ولا يجوز أن يخلو ممرض أو طبيب بممرضة أو طبيبة، لا في غرفة الكشف، ولا في غيرها، لقول النبي ﷺ : (لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ) [رواه الترمذي (١١٧١) وصححه الألباني في صحيح الترمذي] .
، ولما يفضي إليه ذلك من الفتنة إلا من رحم الله، ويجب أن يكون الكشف على الرجال للرجال وحدهم، وعلى النساء للنساء وحدهن" انتهى.
" فتاوى الشيخ ابن باز " (٩ / ٤٣١) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14123
حقيقة المسلسلات المدبلجة وعظيم خطرها على المسلمين
[السُّؤَالُ]
ـ[مما لا شك فيه أن القنوات الفضائية وما تعرضه من عادات وتقاليد تخالف ديننا الإسلام محرمة شرعاً , ولكن فضيلة الشيخ سمعت أن مشاهدة المسلسلات المدبلجة هي أشد حرمة من غيرها، وأنها تبطل الصلاة ٤٠ يوماً , أرجو من فضيلتكم إفادتنا بما أنكم بعد الله وبعد الرسول ﵊ أعلم به منا , وجزاكم الله خيراً وجعله في موازين حسناتكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا فرق من حيث الحكم بين المسلسلات العربية، وبين تلك المدبلجة، وما يوجد من مخالفات في منكرات في الأولى: فإنه يوجد في الثانية، وبعض المسلسلات العربية تفوق تلك المدبلجة بالفساد والسوء، وإنما التنافس بينها في أيهما أكثر إفساداً للمسلمين، وارتكاباً للمعاصي والمنكرات.
ولعلَّ من ذهب إلى أن مشاهدة هذه المسلسلات أشد حرمة إنما نظر إلى ما تواطأت هذه المسلسلات على نشره، من تبرج سافر، وقصص غرامية ملتهبة، وقبلات فاضحة، وخيانة للأزواج والزوجات، ومع ما في حلقاتها من طول قد تصل في بعض الأحيان إلى (٣٠٠) حلقة!! : إلا أنك قد تجد المفتونين بها من الذكور والإناث يحرصون على متابعتها، ويعرفون أوقات عرضها وإعادتها، ولم يكتفِ أساطين الفساد في الأرض بالمسلسلات المكسيكية والإسبانية والفرنسية حتى أضافوا إليها التركية، وفتنوا بها الذكور والإناث، فالويل لهم إن لم يتوبوا ويكفوا عن نشر الفواحش والمنكرات في البلاد وبين العباد، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) النور/ ١٩.
سئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:
ما حكم مشاهدة المسلسلات التي تذاع بالتلفزيون؟ .
فأجاب:
على المسلم أن يحفظ وقته فيما يفيده وينفعه في دنياه وآخرته؛ لأنه مسؤول عن هذا الوقت الذي يقضيه بماذا استغله، قال تعالى: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ) فاطر/ ٣٧، وفي الحديث: أن المرء (يسأل عن عُمُره فيما أفناه) .
ومشاهدة المسلسلات: ضياع للوقت، فلا ينبغي للمسلم الانشغال بها، وإذا كانت المسلسلات تشتمل على منكرات: فمشاهدتها حرام، وذلك مثل النساء السافرات، والمتبرجات، ومثل الموسيقى، والأغاني، ومثل المسلسلات التي تحمل أفكاراً فاسدة، تخل بالدين والأخلاق، ومثل المسلسلات التي تشتمل على مشاهد ماجنة تفسد الأخلاق؛ فهذه الأنواع من المسلسلات لا تجوز مشاهدتها.
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (٣ / ٣٤٦، السؤال رقم ٥١٦) .
وقال – حفظه الله -:
مشاهدة المسلسلات والأفلام الأجنبية فيها خطورة شديدة على العقيدة، والأخلاق؛ لأنها لا تخضع للرقابة، والذين يقومون بإعدادها لا يتقيدون بأحكام الإسلام، ولا شك أنها إذا اشتملت على مواد فاسدة: فإنها تؤثر فيمن يشاهدها سواءً، فعليك باجتنابها، والحذر منها، ولا تُدخلها بيتك.
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (٥ / ٦١، السؤال رقم ٩٠) .
ومن يمكِّن أهله – وخاصة بناته – من مشاهدة تلك المسلسلات والأفلام فإنما هو غاش لرعيته، آثم في تصرفه، وهو يوشك أن يرى أثر تلك المشاهدات حسرة، وندامة، وخسارة، فهل هو بعينه يرى ابنه متعلقاً بتلك الممثلة الجميلة، يحتفظ بصورتها، ويعلقها، وها هو يرى ابنته متعلقة بذلك الممثل الوسيم، وتعلق صورته في غرفتها، وهل يظن الأب الغافل أن الأمر ينتهي عند التعلق القلبي والتعليق للصور؟ إن الأمر له عواقبه الخطيرة، لو كانوا يعقلون.
وهناك خطبة جمعة حول تلك المسلسلات للشيخ سلطان العويد بعنوان (المسلسلات المدبلجة) :
ثانياً:
أما الزعم بأن مشاهدة تلك المسلسلات المدبلجة يبطل الصلاة أربعين يوماً: فهو من الكذب على شرع الله، ومثل هذه الأحكام لا تصدر إلا بوحي من رب العالمين، وقد سبق في جواب السؤال رقم: (٢١٢٢٧) أن نقل بعض السائلين عن أحد الجهلة أنه أوجب كفارة صيام أربعين يوماً على متابعة تلك المسلسلات! وليس يعني هذا التهوين من شأنها، فقد تكون آثام تلك المسلسلات أعظم بكثير مما زعموه، ولكنَّ الشأن هنا هو في نسبة تلك الكفارات لشرع الله تعالى من غير دليل.
فعلى الآباء والأمهات أن يقوا أنفسهم أولاً نار الله تعالى، وأن يتقوا الله تعالى فيما جعله الله تعالى أمانة في أعناقهم، وليحذروا من تمكين الفساد في بيوتهم، سماعاً، ومشاهدة، وقد يسَّر الله تعالى بدائل كثيرة مباحة في تلك القنوات التي تبث الخير، وتنشر الفضيلة، وتقوي الإيمان، وتزرع الحياء، وتغرس العفاف، مع ما فيها من برامج ترفيهية للأطفال مباحة، وأخرى تثقيفية للكبار، وهي إن لم تكن موجودة ليس لهم حجة في تمكين تلك القنوات الفاسدة في بيوتهم، فكيف وقد وجدت؟! .
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14124
كيف يتخلص من العجب ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف يتخلص الإنسان من العجب بطريقة عملية؟ فأحياناً عندما أفعل شيئاً - سواء طاعة، أو فعل خير - أشعر بشيء من العجب، وذلك يضايقني كثيراً، فكيف أتخلص من ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله أن يرزقنا جميعا الإخلاص في السر والعلن.
اعلم أخي السائل أن العجب آفة يعاني منها الكثير من الناس، وتكمن خطورتها في الانصراف عن الثناء على الله إلى الثناء على النفس، وهي تتعارض مع واقع الانكسار والتذلل المستحب في طاعة المولى .
وقد قرر علماء السلوك والأخلاق أن سبب العجب في الحقيقة هو الجهل المحض أو الغفلة أو الذهول، فإذا صاحب ذلك إطراء الناس للشخص وكثرة ثنائهم عليه، مع ضعف مراقبة الله وقلة الورع والخشية، اجتمعت على المرء هذه الآفة الشديدة فأهلكته إلا أن يتداركه الله برحمته.
قال ابن القيم ﵀: " جهله بنفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله، وجهله بربه وحقوقه وما ينبغي أن يعامل به يتولد منهما رضاه بطاعته وإحسان ظنه بها، ويتولد من ذلك من العجب والكبر والآفات ما هو أكبر من الكبائر الظاهرة من الزنا وشرب الخمر والفرار من الزحف ونحوها " انتهى.
"مدارج السالكين" (١/١٧٥) .
وللعلماء في بيان طرق التخلص من هذه الآفة كتابات عديدة، من أوسعها وأفضلها وأدقها ما كتبه العلامة ابن حزم الأندلسي ﵀، ونحن ننقله هنا بشيء من الاختصار الذي يحقق المقصود ولا يخل به إن شاء الله تعالى:
قال ﵀:
" من امتُحن بالعجب فليفكر في عيوبه، فإن أُعجب بفضائله فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنيئة، فإن خفيت عليه عيوبه جملة حتى يظن أنه لا عيب فيه فليعلم أن مصيبته إلى الأبد، وأنه لأتم الناس نقصاً، وأعظمهم عيوباً، وأضعفهم تمييزاً.
وأول ذلك أنه ضعيف العقل، جاهل، ولا عيب أشد من هذين؛ لأن العاقل هو من ميز عيوب نفسه فغالَبَها وسعى في قمعها، والأحمق هو الذي يجهل عيوب نفسه.
واعلم يقيناً: أنه لا يسلم إنسي من نقص، حاشا الأنبياء صلوات الله عليهم، فمن خفيت عليه عيوب نفسه فقد سقط، وصار من السخف والضعة والرذالة والخسة وضعف التمييز والعقل وقلة الفهم بحيث لا يتخلف عنه متخلف من الأرذال، وبحيث ليس تحته منزلة من الدناءة، فليتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه، والاشتغال بذلك عن الإعجاب بها، وعن عيوب غيره التي لا تضره في الدنيا ولا في الآخرة.
وما أدري لسماع عيوب الناس خصلة إلا الاتعاظ بما يسمع المرء منها، فيجتنبها ويسعى في إزالة ما فيه منها بحول الله تعالى وقوته.
وأما النطق بعيوب الناس فعيب كبير لا يسوغ أصلاً، والواجب اجتنابه إلا في نصيحة من يتوقع عليه الأذى بمداخلة المعيب، أو على سبيل تبكيت المعجَب فقط في وجهه، لا خلف ظهره.
ثم تقول للمعجَب: ارجع إلى نفسك، فإذا ميزت عيوبها فقد داويت عجبك، ولا تُمَيِّل [أي: توازن وتقارن] بين نفسك وبين من هو أكثر عيوباً منها فتستسهل الرذائل وتكونَ مقلِّداً لأهل الشر، وقد ذم تقليد أهل الخير، فكيف تقليد أهل الشر! لكن ميِّلْ بين نفسك وبين من هو أفضل منك، فحينئذ يتلف عجبك، وتفيق من هذا الداء القبيح الذي يولد عليك الاستخفاف بالناس، وفيهم بلا شك من هو خير منك، فإذا استخففت بهم بغير حق، استخفوا بك بحق؛ لأن الله تعالى يقول: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) .
فإن أعجبت بعقلك: ففكر في كل فكرة سوء تحل بخاطرك، وفي أضاليل الأماني الطائفة بك، فإنك تعلم نقص عقلك حينئذ.
وإن أعجبت بآرائك: فتفكر في سقطاتك، واحفظها ولا تنسها، وفي كل رأي قَدَّرته صواباً فخرج بخلاف تقديرك وأصاب غيرك، وأخطأت أنت، فإنك إن فعلت ذلك فأقل أحوالك أن يوازن سقوط رأيك بصوابه، فتخرج لا لك ولا عليك، والأغلب أن خطأك أكثر من صوابك، وهكذا كل أحد من الناس بعد النبيين صلوات الله عليهم.
وإن أعجبت بعملك: فتفكر في معاصيك وفي تقصيرك وفي معاشك ووجوهه، فو الله لتجدن من ذلك ما يغلب على خيرك، ويُعَفِّي على حسناتك، فليطل همك حينذ، وأبدل من العجب تنقصاً لنفسك.
وإن أعجبت بعلمك: فاعلم أنه لا خصلة لك فيه، وأنه موهبة من الله مجردة، وهبك إياها ربك تعالى، فلا تقابلها بما يسخطه، فلعله ينسيك ذلك بعلة يمتحنك بها، تولد عليك نسيان ما علمت وحفظت.
ولقد أخبرني عبد الملك بن طريف، وهو من أهل العلم والذكاء واعتدال الأحوال وصحة البحث، أنه كان ذا حظ من الحفظ عظيم، لا يكاد يمر على سمعه شيء يحتاج إلى استعادته، وأنه ركب البحر فمر به فيه هول شديد أنساه أكثر ما كان يحفظ، وأخل بقوة حفظه إخلالاً شديداً، لم يعاوده ذلك الذكاء بعد.
وأنا أصابتني علة فأفقت منها وقد ذهب ما كنت أحفظ إلا ما لا قدر له، فما عاودته إلا بعد أعوام.
واعلم أن كثيراً من أهل الحرص على العلم يجِدّون في القراءة والإكباب على الدروس والطلب ثم لا يرزقون منه حظاً، فليعلم ذو العلم أنه لو كان بالإكباب وحده لكان غيره فوقه، فصح أنه موهبة من الله تعالى، فأي مكان للعجب ها هنا! ما هذا إلا موضع تواضع وشكر لله تعالى، واستزادة من نعمه، واستعاذة من سلبها.
ثم تفكر أيضاً في أن ما خفي عليك وجهلته ـ من أنواع العلم الذي تختص به، والذي أعجبت بنفاذك فيه ـ: أكثر مما تعلم من ذلك، فاجعل مكان العجب استنقاصاً لنفسك واستقصاراً لها، فهو أولى.
وتفكر فيمن كان أعلم منك، تجدهم كثيراً، فلتهن نفسك عندك حينئذ.
وتفكر في إخلالك بعلمك، وأنك لا تعمل بما علمت منه، فعلمك عليك حجة حينئذ، ولقد كان أسلم لك لو لم تكن عالماً، واعلم أن الجاهل حينئذ أعقل منك وأحسن حالاً وأعذر، فليسقط عجبك بالكلية.
ثم لعل علمك الذي تعجب بنفاذك فيه من العلوم المتأخرة التي لا كبير خصلة فيها، كالشعر وما جرى مجراه، فانظر حينئذ إلى مَن عِلمُهُ أجل من علمك في مراتب الدنيا والآخرة، فتهون نفسك عليك.
وإن أعجبت بشجاعتك فتفكر فيمن هو أشجع منك، ثم انظر في تلك النجدة التي منحك الله تعالى فيم صرفتها، فإن كنت صرفتها في معصية فأنت أحمق؛ لأنك بذلت نفسك فيما ليس ثمناً لها، وإن كنت صرفتها في طاعة، فقد أفسدتها بعجبك، ثم تفكر في زوالها عنك بالشيخوخة وأنك إن عشت فستصير من عدد العيال، وكالصبي ضعفاً.
على أني ما رأيت العجب في طائفة أقل منه في أهل الشجاعة، فاستدللت بذلك على نزاهة أنفسهم ورفعتها وعلوها.
وإن أعجبت بجاهك في دنياك: فتفكر في مخالفيك وأندادك ونظرائك، ولعلهم أخساء وضعفاء سقاط، فاعلم أنهم أمثالك فيما أنت فيه، ولعلهم ممن يُستحيا من التشبه بهم لفرط رذالتهم وخساستهم في أنفسهم وأخلاقهم ومنابتهم، فاستهن بكل منزلة شاركك فيها من ذكرت لك، وإن كنت مالك الأرض كلها، ولا مخالف عليك؟!!
واعلم أن عجبك بالمال حمق؛ لأنه أحجار لا تنتفع بها إلا أن تخرجها عن ملكك بنفقتها في وجهها فقط، والمال أيضاً غاد ورائح، وربما زال عنك، ورأيته بعينه في يد غيرك، ولعل ذلك يكون في يد عدوك، فالعجب بمثل هذا سخف، والثقة به غرور وضعف.
وإن أعجبت بحسنك ففكر فيما يولد عليك مما نستحي نحن من إثباته، وتستحي أنت منه إذا ذهب عنك بدخولك في السن، وفيما ذكرنا كفاية.
وإن أعجبت بمدح إخوانك لك: ففكر في ذم أعدائك إياك، فحينئذ ينجلي عنك العجب؛ فإن لم يكن لك عدو: فلا خير فيك، ولا منزلة أسقط من منزلة من لا عدو له، فليست إلا منزلة من ليس لله تعالى عنده نعمة يحسد عليها، عافانا الله.
فإن استحقرت عيوبك: ففكر فيها لو ظهرتْ إلى الناس، وتمثل إطلاعهم عليها، فحينئذ تخجل، وتعرف قدر نقصك إن كانت لك مُسكة من تمييز.
وإن أعجبت بنسبك: فهذه أسوأ من كل ما ذكرنا؛ لأن هذا الذي أعجبت به لا فائدة له أصلاً في دنيا ولا آخرة، وانظر هل يدفع عنك جوعة، أو يستر لك عورة، أو ينفعك في آخرتك. وإن أعجبت بقوة جسمك: فتفكر في أن البغل والحمار والثور أقوى منك وأحمل للأثقال.
وإن أعجبت بخفتك: فاعلم أن الكلب والأرنب يفوقانك في هذا الباب، فمن العجب العجيب، إعجاب ناطق بخصلة يفوقه فيها غير الناطق.
واعلم أن رياضة الأنفس أصعب من رياضة الأسد، لأن الأسد إذا سجنت في البيوت التي تتخذ لها الملوك، أمن شرها، والنفس وإن سجنت لم يؤمن شرها " انتهى باختصار.
"الأخلاق والسير وأثرها في مداواة النفوس" (ص/٢٩-٣٤) ، وانظر: "بريقة محمودية" (٢/٢٣٧)
وانظر جواب السؤال رقم: (١٢٢٠٥)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14125
عمَّتها تعتقد اعتقادات كفرية، وتعمل أعمالاً جاهلية ؟!
[السُّؤَالُ]
ـ[في البداية أود الاعتذار لأن الرسالة ستكون طويلة، ولكن ثقتي في سعة صدوركم لتقديم الفائدة كبيرة إن شاء الله، وأود أن تساعدوني بطريقتكم الدعوية لإعادة عمتي للنهج الصحيح للقرآن والسنة. عمتي في الخمسينات من عمرها، ولديها ٤ بنات، تزوجت أولاهن في الصيف الفائت، وهي تفعل العديد من الأشياء المنافية للقرآن والسنة، وما يخرج أحيانا من الملة والعياذ بالله، كما نسمع ونتعلم من علمائنا الأفاضل. ١- فعمتي تذهب للمنجمين والعرافين للاستعلام عن أي مشكلة تقع فيها بدعوى معرفة الأسباب الحقيقية وراء المشكلة. ٢- أيضا هي تعتقد بنفع وضر الأولياء الصالحين، ولديها وليٌّ نسبت نفسها وبناتها له، وتسعى لتطبيق عاداته أو طريقته كما يقولون، وتذبح له الذبائح، وتخشى منه إذا أخلت ببعض طرقه أن يعاقبها، وتفاصيل ذلك كثيرة، ولكني لا أريد الإطالة. ٣- هناك أيضا ظاهرة اجتماعية وهي عبارة عن تعويذة وتسمى هنا (الصفيحة) وهي كالآتي: تقوم الأم قبل بلوغ بناتها بجرحهم ٧ جروح خفيفة على مستوى الركبة، ثم تقوم بغمس ٧ حبات زبيب، وتقوم البنت بأكلها، ولا أدري إن كان يصاحب ذلك كلام أو لا، هذه التعويذة تجعل الفتاة منيعة من ناحية الاعتداءات الجنسية كما يزعمون، ولا تقوم الأم بنزع هذه التعويذة إلا يوم زواج البنت بنفس الطريقة في المرة الأولى ليتمكن زوجها من الدخول بها، وإذا حدث ونسيت ذلك فلن يستطيع الزوج أن يفعل شيئاً مهما حاول حتى تستدعى الأم وتقوم بفك التعويذة، والحديث منسوب لعمتي التي قامت بها لجميع بناتها، وتبرر صحة هذه العادة بالعديد من الحالات التي نسيت الأم فتح التعويذة ولم ينجح الأزواج بالدخول بزوجاتهم إلا بعد فكها، ولما سألتها هل لديها عنها أصل في القرآن والسنة فربما كانت حراماً قالت لي أكل شيء تحرمونه، هذه عادة معروفة والعديد من الناس يفعلونها ومعروفة بنجاعتها. ٤- كل هذا بالإضافة لمشاهدة الأفلام والفيديو كليب بجميع أنواعه و" ستار أكاديمي "، وما إلى ذلك من البرامج التليفزيونية، وأيضا تعلق الصور بالبيت والتحف الفخارية على شكل عرائس وحيوانات، وحضور حفلات الأعراس الممتلئة بالمعاصي، فهي أيضاً قامت بتزويج ابنتها بهذه الطريقة. المحير أنها تصلي وتذهب كل جمعة للمسجد للصلاة، وتقرأ القرآن، وتتصدق، ولكنها ترفض التسليم بتحريم ما تفعله كلما خاض بعض الأقارب الموضوع معها، وتقول: كل شيء تريدون تحريمه، ثم أنا أخاف - وتعني بذلك من الولي -. أنا أريد التحدث معها منذ مدة، ولكني أجلت ذلك لأدعم كلامي بفتاوى من العلماء مدعمة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأشهر تفاسير العلماء كي لا أدع لها مجالاً للتشكيك فيما أقول، فأرجو من فضيلتكم المساعدة لأني سأطبع إجابتكم وأقدمها لها عند حديثي معها كدليل وحجة، وأود نصيحتك في كيفية التحدث معها. وجزاكم الله كل خير، وكلل مسعانا هذا بالنجاح إن شاء الله فهو ولي ذلك والقادر عليه، وهدانا جميعا لما يحب ويرضى، فكما قال ﵊ بما معناه لأن يهدي بك الله عبداً خيراً لك من حمر النعم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نشكر لك أختنا السائلة هذه الغيرة على دين الله، ونسأل الله أن يجزيك خير الجزاء عليها، وأن يكلل مسعاكِ في دعوة عمتك بالنجاح، فيهديها الله، ويجعل أعمالها في ميزان حسناتك.
ثانياً:
ولا يخفى عليكِ أختنا الفاضلة انتشار التصوف والقبورية في أرجاء الأرض، فبعض الدول الإسلامية يوجد فيها حوالي ٣ آلاف قبر يُعظَّم! وزبائن القبور والمشاهد والأوثان في العالَم الإسلامي يعدون بمئات الملايين! وللأسف أنهم يُحسبون على المسلمين، ويُحسب فعلهم على الإسلام، ولا ندري – حقيقة – كيف لمسلم يشهد الشهادتين يفعل مثل هذا، وهو يعلم ما جاء به نبيه من تحطيم الأصنام، ونقض لعقائد الجاهلية، والتي بعضها أقل كفراً من عقائدهم التي ينسبونها للإسلام، فالجاهليون كانوا إذا أصابهم الضر في البحر دعوا الله مخلصين له في الدعاء، لعلمهم أنه لا ينجيهم من كربهم إلا الله، ومشركو زماننا من أهل القبور والأوثان وتعظيم الأولياء يدعون وليهم في السراء والضراء! .
ثالثاً:
قال الإمام البغوي – ﵀:
الكاهن: هو الذي يخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان، ويدَّعي معرفة الأسرار، ومطالعة علم الغيب، وكان في العرب كهنة يدعون معرفة الأمور، فمنهم من كان يزعم أن له رئيساً من الجن، وتابعة، تُلقي إليه الأخبار، ومنهم مَن كان يدَّعي أنه يستدرك الأمور بفهم أعطيه.
والعرَّاف: هو الذي يدَّعي معرفة الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها، كالمسروق مَن الذي سرقها، ومعرفة مكان الضالة، وتُتهم المرأة بالزنى، فيقول من صاحبها، ونحو ذلك من الأمور، ومنهم مَن يسمِّي المنجم كاهناً.
" شرح السنَّة " (١٢ / ١٨٢) .
وإتيان العرافين والكهَّان من كبائر الذنوب، وهذا في مجرد الإتيان، وأما من جاءهم مصدِّقاً لهم: فهو كفر مخرج من الملة؛ لمضادة ذلك للإيمان بالله تعالى أنه لا يعلم الغيب إلا هو، ومن باب أولى أن يكون حكم اكاهن والعرَّاف: الكفر المخرج من ملة الإسلام.
عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيٍّ ﷺ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قال: (مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) . رواه مسلم (٢٢٣٠) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ .
رواه الترمذي (١٣٥) وأبو داود (٣٩٠٤) وابن ماجه (٩٣٦) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
وينظر تفصيل ذلك في جوابي السؤالين: (٨٢٩١) و (٦٠٤٣١) .
رابعاً:
النفع والضر بيد الله، وبأمره ، وقد كان الكفار في الجاهلية يعتقدون في أصنامهم أنها تنفع مَن عَبَدها، وتضر من كفر بها، فردَّ الله عليه اعتقادهم هذا في أكثر من موضع من كتابه، وبيَّن أن هذا سفه في العقول، فهم الذين نحتوها وصنعوها، فكيف يعتقدون فيها النفع والضر، وهم الذين يلجئون إلى الله وحده لا شريك له في الشدائد، وتضل عنهم آلهتهم ومعبوداتهم في تلك الشدة، فأنَّى يكون لها النفع والضر في الدنيا فضلاً عن الآخرة؟! .
قال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) يونس/ ١٨.
قال الإمام الطبري – ﵀:
يقول تعالى ذِكره: ويَعبُد هؤلاء المشركون الذين وصفتُ لك يا محمد صفتهم، من دون الله الذي لا يضرهم شيئًا، ولا ينفعهم، في الدنيا، ولا في الآخرة، وذلك هو الآلهة، والأصنام التي كانوا يعبدونها.
(ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) ، يعني: أنهم كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله.
قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وآله: (قل) لهم (أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض) ، يقول: أتخبرون الله بما لا يكون في السموات، ولا في الأرض؟ ؛ وذلك أن الآلهة لا تشفع لهم عند الله في السموات، ولا في الأرض، وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وآله: قل لهم: أتخبرون الله أن ما لا يشفع في السموات ولا في الأرض يشفع لكم فيهما؟ وذلك باطلٌ لا تُعلم حقيقته وصحته، بل يَعلم الله أن ذلك خلاف ما تقولون، وأنها لا تشفع لأحد، ولا تنفع ولا تضر.
(سبحان الله عما يشركون) ، يقول: تنزيهاً لله وعلوًّاً عما يفعله هؤلاء المشركون، من إشراكهم في عبادته ما لا يضر ولا ينفع، وافترائهم عليه الكذب.
" تفسير الطبري " (١٥ / ص ٤٦، ٤٧) .
وقد بيَّن الله تعالى عجز الأوثان والأصنام أن تكشف الضر عن أحد، أو تمنع وقوع الخير لأحدٍ.
قال تعالى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الأنعام/ ١٧.
وقال: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) يونس/ ١٠٧.
وقال : (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فاطر/ ٢. وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: (وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) .
رواه الترمذي (٢٥١٦) ، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
ومن ينتسب للإسلام فلا نعجب إن كانت منزلة الولي عنده كمنزلة الأصنام عند الجاهليين، ولا نعجب إن رأيناهم يصرفون عباداتهم لهم، كالنذر، والذبح، والخوف، والخشية، والرجاء، وغير ذلك مما لا ينبغي للموحِّد أن يصرفه إلَاّ لربه وإلهه .
ومثل هؤلاء لا تنفعهم صلاتهم، ولا صيامهم، ولا حجهم ما داموا على ذلك؛ لأنهم نقضوا توحيد الألوهية، فصرفوا ما يجب صرفه لله تعالى وحده: صرفوه لأوليائهم، وأوثانهم، كما أنهم نقضوا توحيد الربوبية باعتقادهم في أوليائهم من الأفعال ما لا يقدر عليه إلا الله، كالنفع، والضر، والسخط، والرضا، والثواب والعقاب، كل ذلك من أفعال الله تعالى وحده، لا يشاركه فيه أحد.
وهذا الولي المزعوم ليس من الصالحين، بل هو من أولياء الشيطان الذي يخوف به الشيطان الناس، ليوقعهم في الشرك الأكبر، ولو فُرض أن هذا الولي كان من الصالحين، وأن هذا الذي غلا في شأنه، واعتقد فيه هذه العقائد الجاهلية، لم يكن بعلم الولي ولا إرادته: لم يغير ذلك من حكم التابع شيئاً، ولا ينفعه عند الله شيئاً، وإن كان المتبوع الصالح بريئاً منه ومن شركه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
فكل مَن غلا في حيٍّ، أو في رجل صالح، كمِثل عليٍّ ﵁، أو " عدي "، أو نحوه، أو فيمن يَعتقد فيه الصلاح، كالحلاج، أو الحاكم الذي كان بمصر، أو يونس القتي، ونحوهم، وجعل فيه نوعاً من الإلهية، مثل أن يقول: كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده، أو يقول إذا ذبح شاة: باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له، أو لغيره، أو يدعوه من دون الله تعالى، مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغفر لي، أو ارحمني، أو انصرني، أو ارزقني، أو أغثني، أو أجرني، أو توكلت عليك، أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك، أو نحو هذه الأقوال والأفعال التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى: فكل هذا شرك، وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل؛ فإن الله إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، لنعبد الله وحده لا شريك له، ولا نجعل مع الله إلهاً آخر.
" مجموع الفتاوى " (٣ / ٣٩٥) .
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀:
ومعلوم أن الخوف من تلك الأصنام من أشنع أنواع الكفر والإشراك بالله، وقد بيَّن جل وعلا في موضع آخر، أن الشيطان يخوِّف المؤمنين أيضاً، الذين هم أتباع الرسل، من أتباعه وأوليائه من الكفار، كما قال تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين) .
"أضواء البيان " (٦ / ٤٦٤) .
خامساً:
أما التعويذة المذكورة في السؤال: فهي من الخرافات، ولا أصل لها في شرع الله تعالى، ولا في واقع الناس، وسبع حبات من الزبيب لا تمنع المرأة من الفجور بها، ولا تمنع الزوج من جماع زوجته بمجردها، اللهم إلا أن يقترن بها شيء من السحر، الذي يفعله شياطين الإنس ليمنعوا الزوج عن زوجته، والزوجة عن زوجها، فهذا ليس من التعاويذ ولا التمائم في شيء، وإنما هو من فعل مردة الشياطين والسحرة.
سادساً:
بخصوص مشاهدة الأفلام، والوقوف على ما فيها من مفاسد وآثام: انظري أجوبة الأسئلة: (٣٦٣٣، ٣٣٢ ٤، ١١٠٧، ١٣٠٠٣، ٨٥٢٣٢) .
وبخصوص برنامج " ستار أكاديمي ": انظري جواب السؤال رقم: (٤٣٧٧٥) ففيه بيان من " اللجنة الدائمة " في التحذير منه.
وننصحك أخيراً: بمداومة نصح عمتك، وعدم السآمة من ذلك، وأن تداومي على الدعاء لها، وتحرَّي من أجل ذلك الأوقات والحالات الفاضلة، فلعل الله أن يستجيب دعاءك، وأن يهديها لما فيه صلاح حالها واعتقادها.
سابعاً:
ننبهك ـ أختنا الكريمة ـ أخيراً إلى أن ما جاء في الدعاء الكريم الذي ختمت به سؤالك، وقلت: " وكلل مسعانا هذا بالنجاح إن شاء الله "، فإن ذكر المشيئة هنا مخالف لأدب الدعاء، بل ينبغي للإنسان أن يدعو الله بما أحب من خير الدنيا والآخرة، من غير أن يقرن ذلك بالمشيئة، بل يجزم في مسألته، ويتضرع إلى ربها في جوابها.
عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ وَليَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لَا مُكْرِهُ لَهُ) . رواه البخاري (٧٤٧٧) ومسلم (٢٦٧٩) .
قال النووي ﵀:
" قَالَ الْعُلَمَاء: عَزْم الْمَسْأَلَة الشِّدَّة فِي طَلَبهَا , وَالْجَزْم مِنْ غَيْر ضَعْف فِي الطَّلَب , وَلَا تَعْلِيق عَلَى مَشِيئَة وَنَحْوهَا , وَقِيلَ: هُوَ حُسْن الظَّنّ بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي الْإِجَابَة.
وَمَعْنَى الْحَدِيث: اِسْتِحْبَاب الْجَزْم فِي الطَّلَب , وَكَرَاهَة التَّعْلِيق عَلَى الْمَشِيئَة , قَالَ الْعُلَمَاء: سَبَب كَرَاهَته أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّق اِسْتِعْمَال الْمَشِيئَة إِلَّا فِي حَقِّ مَنْ يَتَوَجَّه عَلَيْهِ الْإِكْرَاه , وَاَللَّه تَعَالَى مُنَزَّه عَنْ ذَلِكَ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْله ﷺ فِي آخِر الْحَدِيث: فَإِنَّهُ لَا مُسْتَكْرِه لَهُ , وَقِيلَ: سَبَب الْكَرَاهَة أَنَّ فِي هَذَا اللَّفْظ صُورَة الِاسْتِغناء عن الْمَطْلُوب وَالْمَطْلُوب مِنْهُ " انتهى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14126
يحرم بيع السلعة دون بيان العيب الذي فيها ولو باعها لكافر
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كنت أريد بيع سيارتي لغير مسلم، وكنت أعلم بوجود عيب بها، فهل يجب علي إخبار من يريد شراءها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من باع شيئا فيه عيب لزمه بيان العيب، سواء باعه لمسلم أو لكافر، وإلا كان غاشا آثما.
وقد روى البخاري (٢٠٧٩) ومسلم (١٥٣٢) عن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀: " قَوْله: (صَدَقَا) ، أَيْ: مِنْ جَانِبِ الْبَائِعِ فِي السَّوْمِ وَمِنْ جَانِبِ الْمُشْتَرِي فِي الْوَفَاءِ , وَقَوْله (وَبَيَّنَا) ، أَيْ: لِمَا فِي الثَّمَن وَالْمُثَمَّن مِنْ عَيْبٍ فَهُوَ مِنْ جَانِبَيْهِمَا وَكَذَا نَقْصُهُ. وَفِي الْحَدِيث حُصُول الْبَرَكَة لَهُمَا إِنْ حَصَلَ مِنْهُمَا الشَّرْط وَهُوَ الصِّدْق وَالتَّبْيِين , وَمَحْقُهَا إِنْ وُجِدَ ضِدُّهُمَا، وَهُوَ الْكَذِب وَالْكَتْم , وَهَلْ تَحْصُلُ الْبَرَكَةُ لِأَحَدِهِمَا إِذَا وُجِدَ مِنْهُ الْمَشْرُوط دُون الْآخَرِ؟ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِيهِ" انتهى من "فتح الباري".
وقال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٤/١٠٨) : " من علم بسلعته عيبا , لم يجز بيعها , حتى يبينه للمشتري، فإن لم يبينه فهو آثم عاص، نص عليه أحمد ; لما روى حكيم بن حزام , عن النبي ﷺ أنه قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا , فإن صدقا وبينا بورك لهما , وإن كذبا وكتما محق بركة بيعهما) متفق عليه، وقال ﵇: (المسلم أخو المسلم , لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا إلا بينه له) " انتهى.
وقال أيضاً: (٤/١١٣) : " معنى دلَّس العيب: أي كتمه عن المشتري , مع علمه به. أو: غطاه عنه , بما يوهم المشتري عدمه ... وسواء في هذا ما علم به فكتمه , وما ستر , فكلاهما تدليس حرام " انتهى.
وحديث: (المسلم أخو المسلم ... ) رواه ابن ماجه (٢٢٤٦) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، وتحريم الغش لا يختص بالمسلم، بل يحرم الغش مع المسلم والكافر، والتقييد بالمسلم هنا خرج مخرج الغالب.
قال السبكي ﵀ في تكملة المجموع (١١/٣٠٦) : " وإطلاق المصنف ﵀ [الرافعي] والأصحاب والشافعي حرمة التدليس ووجوب البيان يتناول ما إذا كان المشتري مسلما أو كافرا، ولفظ الأحاديث التي ذُكرت واستدل بها المصنف ﵀ إنما تدل على المسلم للمسلم , وهذا ورد في الخطبة على خطبة أخيه , والسوم على سومه، وجمهور العلماء ﵏ على أنه لا فرق في ذلك بين المسلم والكافر ... وأما التقييد في هذه الأحاديث فإنه خرج على الغالب ولا يكون له مفهوم , أو أن المقصود التهييج والتنفير عن فعل هذه الأمور مع من يشاركه في الإسلام والآخرة , ويثبت عمومه بدليل آخر. والله أعلم " انتهى.
وقال أيضاً: "والأحاديث في تحريم الغش ووجوب النصيحة كثيرة جدا وحكمها معلوم من الشريعة , وكتمان العيب غش" انتهى من المجموع (١١/٣٠٣) .
فيلزمك بيان العيب الذي تعلمه في سيارتك، سواء بعتها لمسلم أو كافر.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14127
من يوزع هذه الرسالة ٢٥ مرة سيحصل له كذا وكذا !!
[السُّؤَالُ]
ـ[أرسل إلي أحد الإخوة رسالة محتواها ما يلي: الرجل الذي رسم الكاريكاتير المسيء لرسول الله ﷺ مات بحروق وهو واقف، وحكومة الدنمارك متكتمة على الخبر، فأرجو يا جماعة الخير أن تنشروا الخبر فهنالك أخت فلسطينية رأت في المنام أن الذي ينشر الخبر يفرحه الله بعد أربع ساعات، وهناك رجل اسمه الدكتور عبد الله مصطفى قال: " شهدت بعيني محمد ﷺ في منامي وأوصاني كلاما على الناس وعلى من يقرأ هذه الرسالة أن يوزعها على الناس وينتظر أربعة أيام فسوف يفرح فرحا شديداً وإذا لم يوزعها فسوف يحزن حزنا شديدا، وهذه أمانة في ذمتنا إلى يوم القيامة أرجوك أخي وزع هذه الرسالة على ٢٥ شخص " انتهى. فما فما قولكم في تلك الرسالة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا من الكذب والدجل الرخيص السمج، الذي يقدم عليه أفاكون مختلقون لا يتقون الله تعالى ولا يخافونه، ولا يعلمون عقوبة من يكذب في رؤياه، وقد انتشر هذا الأسلوب الرديء في ترويج بعض الرسائل الفارغة التافهة، فيقال: من نشرها حصل له كذا وكذا، ومن لم ينشرها عوقب بكذا وكذا، وكأن نشرها واجب يأثم الإنسان ويعاقب عليه، وهذا الإيجاب لا مستند له في الشريعة، وليس لأحد أن يحلل أو يحرم أو يوجب على الناس شيئاً إلا بدليل صحيح، كما أن هذه الرسائل يغلب عليها الضعف والركاكة والتفاهة، ولا يبعد أن يكون واضعوها ممن لا يدينون بالإسلام أصلا، ويريدون السخرية من أهله، أو يكونوا من الجهلة الذين يستحلون الكذب بحجة أنه لنشر الخير، كما كان يكذب بعض الرواة قديما على رسول الله ﷺ ويقولون: نحن نكذب له ولا نكذب عليه!
وقد جاء في شأن الكذب في الرؤيا ما روى البخاري (٧٠٤٢) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ، وَلَنْ يَفْعَلَ) .
وروى البخاري (٣٠٥٩) عن وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْفِرَى أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ، أَوْ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ) .
فالحذر الحذر من الكذب في الرؤيا، والكذب على رسول الله ﷺ ، ومن نشر الكذب وترويجه.
وأما كون الرسام المسيء لرسول الله ﷺ مات بالحرق، فلم نقف عليه، ولا يستبعد ذلك، فإن عادة الله تعالى في المتنقص من نبيه ﷺ هي تعجيل عقوبته وأخذه في الدنيا، مع ما ينتظره من العذاب الأليم في الآخرة.
ولو صح هذا الخبر، لما كان لزاما على كل من علمه أن ينشره، لا مرة ولا خمسا وعشرين مرة، فضلا أن يقال إن من لم ينشره سيعاقب بكذا وكذا، فهذا كما قلنا كذب قبيح، ودجل رخيص، يجب الحذر والتحذير منه، حتى يكف الناس عن هذا الأسلوب في الدعاية والترويج.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14128
أعطتهن المدرسة أوراقا للاستعداد للامتحان على ألا يخبرن الإدارة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة عمري ١٣ سنة، أعاني من الوسواس في أمور الدين والعقيدة. وفي اختبارات هذا الفصل الدراسي الذي انتهى سلمتنا معلمة من المعلمات أوراقا تخص المادة وقالت: ذاكروا من هذه الأوراق ولا تذاكروا من الكتاب ولا تخبروا أحدا عنها، حتى الإدارة والطالبات اللاتي في الدفعات السابقة ولا تخبروا مركز الإشراف التربوي - الذي هو بجانب المدرسة - مشكلتي أن لدينا بنات في الفصل أشك أنهم غير مسلمات، لأني قد سمعتهم يرددون أغنية فيها كلمات شركية، وهناك فتاة أخرى أتذكر في السنة الماضية أنها قالت لي: هناك قناة أعلنت أنه في اليوم الفلاني ستحدث كارثة وكانت الفتاة خائفة ومصدقة بذلك وأنا أيضا صدقت. ولكن عندما تذكرت الآن علمت أن ذلك في علم الغيب ويجب ألا نصدق مثل هذا، وهذه الفتاة في فصلي الآن وأنا أعتبرها غير مسلمة، لذلك قلت لنفسي: لن أتستر عليهم وسأخبر الإدارة عن تلك الأوراق وفعلا أخبرت الإدارة وأخبروني أنه ليس لديهم مانع في ذلك، ثم ظللت أتذكر كلام المعلمة (لا تخبروا مركز الإشراف) فقلت: إني يجب أن أخبر مركز الإشراف، ولعدم استطاعتي قررت أني سأغيب عن هذا الاختبار وغبت وبعدها اتصلت أمي بالمدرسة وأخبرتهم عن سبب غيابي، وأنا لا أظن أنهم أخبروا مركز الإشراف عن الأوراق، والآن سأختبر في يوم السبت أي غدا اختبار هذه المادة وأرجو من الله ألا أختبرها غدا حتى يتسنى لكم أن ترسلوا لي الإجابة قبل موعد الاختبار فأنا لا أدري هل أختبر أم لا؟ وإذا لم يعلم مركز الإشراف بذلك فهل علي شيء؟ ولدي سؤال: هل علي أن أخبر عن أي فتاة رأيت عليها أنها تشرك بالله، أخبر عن أي مخالفة تخالف نظام المدرسة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نشكرك على غيرتك وحرصك، ونسأل الله تعالى لك المزيد من الصلاح والتوفيق.
ثانيا:
الواجب أن تحذري من الحكم على مسلم أو مسلمة بالكفر أو الشرك، فإن هذا أمر عظيم، ولا يصلح لكل أحد، والتكفير له شروط وضوابط لا يحسنها إلا أهل العلم، فلابد من التحقق من وقوع الكفر الأكبر المخرج من الملة، ثم التحقق من توفر شروط التكفير في حق الشخص المعين، وأنت لم تبيني الكلمات الشركية التي تضمنتها الأبيات، فربما أخطأت في حكمك عليها، كما أن الفتاة التي نقلت خبر القناة مصدقة له، قد تكون جاهلة جهلا تعذر به. ولك في نفسك عبرة، فإنك قد صدقت الخبر المنقول عن القناة أيضا، ثم تبت من ذلك لما علمت أن هذا من الغيب، وهكذا غيرك قد يكون جاهلا أو غافلا فإذا نبه تنبه ورجع.
والأصل أن من ثبت إسلامه بيقين، لم يجز إخراجه منه إلا بيقين أيضا. والواجب عليك أن تبيني لزميلاتك ما ترينه من الشرك في الأبيات، وأن تُحَذِّري من تصديق الكهان والمنجمين، فهذا هو واجبك ودورك، وأما أمر التكفير فمرجعه إلى أهل العلم.
وقد روى البخاري (٦١٠٤) ومسلم (٦٠) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا) .
وروى البخاري (٦٠٤٥) ومسلم (٦١) عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ) .
ثالثا:
لا حرج عليك في دخول الاختبار، ولا تفوتي على نفسك فرصة الامتحان، لما في ذلك من المفسدة والمضرة عليك.
رابعا:
إذا رأيت من تقع في مخالفة شرعية، فإنك تقدمين لها النصح والتوجيه، فإن لم يزل المنكر بذلك، جاز لك الاستعانة بإدارة المدرسة لإزالته.
وقد ذكرت في مطلع سؤالك أنك تعانين من الوسواس، فاحذري أن يقودك ذلك إلى تكفير أخواتك المسلمات بالشبهة والظن.
واعلمي أن علاج الوسوسة سهل، وهو بالإكثار من الصالحات، ومخالفة الوسوسة وعدم الالتفات إليها، وانظر جواب السؤال رقم (٣٩٦٨٤) .
والنصيحة لك أن تحسني معاملتك مع زميلاتك ومدرساتك، ولا يكون كل همك الإبلاغ عنهن في كل شيء تظنين أنه مخالفة، وقد يكون ذلك الظن خطأ منك، كما تبين لك بعد إخبارك إدارة المدرسة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14129
بيع كاميرات التصوير لمن يستخدمها في التصوير المحرَّم
[السُّؤَالُ]
ـ[يبيع زوجي كاميرات "الديجيتال"، (وهذا هو عمله الذي يتكسب منه) . وبعض زبائنه هم ممن يلتقطون الصور العارية. فهل يجوز له أن يبيع الكاميرات لمثل هؤلاء المصورين وهو يعلم الغرض الذي سيستخدمونها من أجله؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز بيع كل ما يستعمل على وجه محرَّم، أو يغلب على الظنّ ذلك ومنها كاميرات التصوير لمن يستخدمها في المحرمات، يراجع جواب سؤال رقم ١٠٦٦٨ في حكم التصوير، ولا شك أن بيعها لمن يلتقطون الصور العارية أشد حرمة لقول الله تعالى: (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) المائدة/٢، ولا شك أن التقاطهم الصور بها من أسباب انتشار الفاحشة والفساد في المجتمعات، ومن يبيع لهم تلك الكاميرات لا شك أنهَّ يعينهم على نشر الفاحشة. والمعاونة على الحرام حرام.
وبيع كاميرات الديجيتال (التي لا تصدر صور ثابتة) على من يصوِّر الأمور الطيبة (ذات النفع العظيم) كالمحاضرات الإسلامية والخطب أو المباحات كالأشجار والأنهار ومناظر الطبيعة فلا بأس به والواجب على كل تاجر مسلم تقوى الله والنصح لإخوانه المسلمين، فلا يبيع إلا ما فيه خير ونفع لهم، ويترك ما فيه ضرر وشرٌّ عليهم، وفي الحلال ما يغنيه عن الحرام. قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب) الطلاق/ ٢-٣. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 14130
رب البيت يسب الله ودينه! فماذا يصنع أهله وأولاده ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[رجل يكفر بالله، وعندما يكفر يخرج للحديقة، ويقول: أنا أريد أن أرى السماء عندما أكفر , يعتقد أن العرب شعوب لا تستحق الحياة، والغرب أفضل منهم , ويعتبر الحج تبذيراً للمال، والكعبة كومة أحجار، الناس يدورون حولها، وغيرها من ألفاظ الكفر التي أخاف ترديدها. إذا زجره أولاده: ازداد كفره، وإذا انتظروا هدوؤه: فإنه لا يقول استغفر الله، بل يقول: أنتم أغضبتموني، لكنه يصلي ويصوم! . أهله أناس يخافون الله، ويخافون أن يشملهم الله بعذاب من عنده بسبب ألفاظ الكفر التي يقولها أبوهم، الزوجة هل تطلق منه إن كان يكفر لكنه يصوم ويصلي؟ وأولاده كيف يتصرفون معه إن كان مصرّاً على الكفر عند حصول أي مشكلة بالبيت؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
صدق نبينا محمد ﷺ حين قال: (لَيْسَ أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا، وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ) رواه البخاري برقم (٦٠٩٩) .
ولولا حلم الله على من سبَّه وشتمه لعاجلهم بالعقوبة، كأن يمسخهم قردة وخنازير، أو يحرق ألسنتهم، أو يسلبهم عقولهم فيسيرون في الطرقات لا يدرون ما يفعلون، وكل هذه نعم من الله تعالى أنعمها على عبيده، ولو شاء لعطلها عنهم، ولكن الله تعالى يمهلهم، ويؤخرهم، فلعل أحداً منهم أن يتوب ويرجع لربه تعالى.
وليُعلم أن حكم ذلك الساب البغيض هو الخروج من الملة، وأنه بسبِّه ذاك صار مرتداً، حبطت أعماله الصالحة كلها، وفُسخ عقد زواجه، فحرمت عليه امرأته المسلمة، وأنه إن مات على تلك الحال ولم يدخل في الإسلام: فلا يُغسَّل، ولا يكفَّن، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، كما أنه لا يرث، ولا يورث، وأما كونه يصلِّي: فإن هذا ليس بشافع ولا بنافع، ولا بمانع، فلا تشفع له صلاته عند ربه تعالى، ولا في عدم ترتب أحكام الردة عليه، ولا تنفعه صلاته عند ربه؛ لأن الله تعالى سيحبطها، ويحبط أعماله الصالحة جميعها، ولن تمنعه صلاته من أن يكون مع المرتدين، ومنهم.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في "فتاوى الشيخ ابن باز" (٢٨ / ٢١٦ , ٢١٧) : " لو أن إنساناً يسبُّ الله ورسوله، أو يسبُّ دين الله، أو يستهزئ بدين الله، أو بالجنَّة، أو بالنَّار: فإنه لا ينفعه كونه يصلي، ويصوم، إذا وجد منه الناقض من نواقض الإسلام: بطلت الأعمال، حتى يتوب إلى الله من ذلك.
هذه قاعدة مهمة، قال تعالى: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام/ ٨٨، وقال سبحانه: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) الزمر/ ٦٥ , ٦٦ " انتهى.
وسئل ﵀: لقد سمعت من بعض العلماء المسلمين أن الرجل إذا سب الدين طلقت عليه امرأته، ويلزم له التوبة والاستغفار وعقد قران جديد، وكثيراً ما يحدث هذا الأمر، خاصة وقت الغضب الشديد، فما مدى صحة هذا الكلام؟ .
فأجاب: " سبَّ الدين: ردة عن الإسلام، وكذلك سبُّ القرآن، وسب الرسول: ردة عن الإسلام، وكفر بعد الإيمان، نعوذ بالله، لكن لا يكون طلاقاً للمرأة، بل يفرق بينهما من دون طلاق، فلا يكون طلاقاً، بل تحرم عليه؛ لأنها مسلمة، وهو كافر، وتحرم عليه حتى يتوب، فإن تاب وهي في العدة: رجعت إليه من دون حاجة إلى شيء، أي: إذا تاب، وأناب إلى الله: رجعت إليه، وأما إذا انتهت العدة وهو لم يتب: فإنها تنكح من شاءت، ويكون ذلك بمثابة الطلاق، لا أنه طلاق، لكن بمثابة الطلاق؛ لأن الله حرَّم المسلمة على الكافر، فإن تاب بعد العدة، وأراد أن يتزوجها: فلا بأس، ويكون بعقٍد جديدٍ أحوط؛ خروجاً من خلاف العلماء، وإلا فإنَّ بعض أهل العلم يرى أنها تحل له بدون عقدٍ جديدٍ، إذا كانت تختاره، ولم تتزوج بعد العدة بل بقيت على حالها، ولكن إذا عقد عقداً جديداً فهو أولى؛ خروجاً من خلاف جمهور أهل العلم، فإن الأكثرين يقولون: متى خرجت من العدة: بانت منه، وصارت أجنبية لا تحل إلا بعقدٍ جديدٍ، فالأولى والأحوط أن يعقد عقداً جديداً، هذا إذا كانت قد خرجت من العدة قبل أن يتوب، فأما إذا تاب وهي في العدة: فهي زوجته؛ لأن النبي ﷺ أقر الذين أسلموا بعد إسلام زوجاتهم على أنكحتهم قبل خروج زوجاتهم من العدة " انتهى. " فتاوى نور على الدرب " (١ / ١٠٦، ١٠٧) ط دار الوطن.
وحكم الاستهزاء بشيء من شعائر دين الله تعالى هو ردة أيضاً، ولا خلاف بين العلماء من أهل السنَّة في حكم سبِّ الله تعالى ورسوله ودينه، ولا في حكم الاستهزاء بشيء من شعائر دين الله تعالى.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ –:
الحكم فيمن سبَّ الدين الإسلامي: أنه يكفر؛ فإن سبَّ الدين، والاستهزاء به: ردة عن الإسلام، وكفر بالله ، وبدينه، ... .
انتهى
وانظر تتمة الفتوى في جواب السؤال رقم: (٤٢٥٠٥) .
وانظر - في حكم سب الله تعالى - أجوبة الأسئلة: (٧١١٧٤) و (٧٩٠٦٧) و (١٤٣٠٥) و (٦٥٥٥١) .
وانظر - في حكم سب النبي ﷺ جواب السؤال رقم: (٢٢٨٠٩) .
ثانياً:
هذا، وليُعلم أن زعمه أن أولاده أغضبوه: ليس بعذرٍ شرعي له، بل هو يدل على غاية الاستهانة بالله تعالى، ودليل ذلك أن الذي يغضب، ويغلق عليه بسبب الغضب: لا يتذكر إلا ربَّه تعالى ليسبه ويشتمه! فلماذا لم يتذكر أمه ليسبها؟! لم يتذكر حاكمه ليسبه؟! إنه لما كان محبَّاً، أو معظِّماً، أو خائفاً لهؤلاء: لم يخطروا بباله عند غضبه ليسبهم، وهو يدل على ما قلناه، وهو أن هؤلاء قد سبُّوا ربهم تعالى تنفيساً عما في قلوبهم من زيغ ودخن، واستهانة برب العالمين.
ويجب عليكِ هجره حتى يعود لدينه وإسلامه، ولا يحل لك تمكينه منك، فهو ليس زوجاً لك، إلا أن يعود لدينه، وعلى الأولاد معاملته معاملة المرتد، لا يُبدأ بالسلام، ولا يود، ولا يُحب، ومع ذلك فعليهم الترفق في دعوته، وإظهار الخلق الحسن له، لعله يتوب، أو يئوب إلى رشده.
وانظري جواب السؤال رقم: (٩٦٥٧٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14131
برنامج "عيش سفاري"، حقيقته، وحكمه
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز المشاركة في برنامج "عيش سفاري"؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يسعدنا جدّاً أن يكون السائل من الشباب الذي يبحث عن الحق، ويتحرى قبل الفعل، والأخ السائل لم يتجاوز الحادي عشر من عمره، وهو يسأل عن دينه، وعما يحبه ربه تعالى، وعما يبغضه، وإننا لنفرح بذلك أشد الفرح، وندعو لك بالتوفيق والسداد، وندعو لوالديك اللذين أحسنا تربيتك بكل خير، ونسأل الله أن يقر أعينهما بك.
ثانياً:
برنامج " عيش سفاري " برنامج ساقط هابط، يساهم في إفساد الأطفال.
وهو أول برنامج " واقعي " في العالم العربي، وبعد ما استنفذوا طاقاتهم في تدمير أخلاق الشباب والشابات ببرامج "التلفزيون الواقعي" مثل "ستار أكاديمي" وغيره: جاءوا الآن ليفسدوا الجيل الصاعد من الشباب، فأنشئوا لهم هذا البرنامج، وخصصوه للشباب من سن ١١ إلى ١٣! ، وينتقون مجموعة من الفتيان والفتيات من دول عربية وإسلامية، ويقومون بالذهاب بهم إلى دول كافرة، ليعتمدوا على أنفسهم، وليتم التنافس بينهم في مسابقات ذهنية وبدنية.
وقد تمَّ تصوير الموسم الأول من البرنامج في "جنوب أفريقيا"، وتم تصوير الموسم الثاني منه في "تايلاند"، وسيتم اختيار ستة عشر مشتركاً في الموسم الثالث، والذي تقرر تصويره في "أستراليا"! .
ثالثاً:
أصل فكرة البرنامج قائمة على إفساد هذا الجيل، وإذابة الحواجز بين الذكور والإناث، والدعوة للصداقة والاختلاط بين الجنسين، وهذا السن تظهر عليه علامات البلوغ، ويكون باباً للوقوع في الفتن، وخاصة إن علمنا لبس أولئك الفتيان والفتيات من اللباس الضيق والقصير، وفيه إظهار العورات وتحجيمها، من ملابس النوم، إلى ملابس الرياضة، إلى ملابس السباحة! وكل ذلك بعيداً عن رقابة الأهل، وبعيداً عن الوازع الديني والإيماني، فليس هناك وقت للصلاة، فضلا عن الحث عليها، وليس هناك توجيهات إيمانية، ليُعلم أن المقصود هو الفتنة، ونشر الرذيلة والفساد.
والواجب على المسلمين جميعاً مقاطعة هذا البرنامج التافه، وعدم تسليم أبنائهم وبناتهم لمثل هؤلاء المفسدين، وعليهم أن يحرصوا على تربية بناتهم على الحياء، والعفاف، وهذا البرنامج يعلِّم البنت أن تصاحب فتى ذكراً، وتلبس أمامه لباس الرياضة، ولباس البحر، مما يذيب الحواجز التي تمنع من إفساد دين وأخلاق المسلم.
وهذا البرنامج لم يكتف صانعوه بإفساد من خرجت القرعة بذهابه معهم إلى تلك البلدان، حتى نقل كثيراً من وقائع تلك الرحلات للأسر المسلمة، فتعلقت قلوب الفتيان والفتيات به، حتى بلغ الراغبون بالاشتراك عشرات الألوف! هذا فضلاً عن تعلق كثيرين بالفتيات اللاتي ظهرن في ذلك البرنامج، وخاصة بعد عرضهن في فراش النوم! وفي ثياب الرياضة والسباحة! ومن تأمل في زماننا هذا ورأى كثرة المهيجات للشهوة، وكثرة طرق الفساد والإفساد، ورأى قلة الداعين للخير، علم أن هذا البرنامج – وأشباهه – يشكِّل خطراً على الأسرة المسلمة.
وإننا لنعجب من أولئك الآباء الذين يرسلون أعراضهم للسفر مع فئة من الناس لا تتقي الله في أعراض المسلمين.
ونسأل الله أن يحفظ على المسلمين أعراضهم، وأن يهدي ضالهم، إنه سميع مجيب.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14132
يريد التزوج بنصرانية ويريد ما يقنعها بتحريم اقتناء الكلب في البيت
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا لا يسمح بإدخال الكلب البيت؟ أعرف أنه مذكور في الحديث، وأنا أقبله لأنني مسلم، لكن كيف أبرر لزوجتي النصرانية التي سأتزوجها؟ أريد نقاطا قوية عن السبب.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
قبل الإجابة عن هذه المسألة لا بدَّ أن تعلم أخي السائل أن نبيك محمداً ﷺ قد رغَّبك بحسن اختيار الزوجة، والزوجة الصالحة يأمنها الزوج على أولاده، وبيته، وماله.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) رواه البخاري (٤٨٠٢) ومسلم (١٤٦٦) .
وليست هذه الوصية من النبي ﷺ للاختيار بين المسلمة والكتابية، بل للاختيار بين المسلمات أنفسهن، فإذا كانت ليست كل مسلمة يوصى بنكاحها: فأولى أن لا يوصى بنكاح غير المسلمة من اليهوديات والنصرانيات، ولم يكن أمر الزواج بهن يتعدى المباح، ولا شك أن الزواج بمسلمة صالحة مما يعين المسلم على طاعة ربه تعالى، ومما يساهم في إصلاح الذرية.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
"فالديِّنة تعينه على طاعة الله، وتُصلح مَن يتربى على يدها من أولاده، وتحفظه في غيبته، وتحفظ ماله، وتحفظ بيته، بخلاف غير الديِّنة فإنها قد تضره في المستقبل، ولهذا قال النبي ﵊: (فاظفر بذات الدين) ، فإذا اجتمع مع الدِّين جمالٌ ومالٌ وحسبٌ: فذلك نور على نور، وإلا فالذي ينبغي أن يختار الديِّنة" انتهى.
" الشرح الممتع " (١٢ / ١٣) .
ثانياً:
الزواج بالكتابيات – اليهوديات والنصرانيات – جائز مباح من حيث الأصل، ولا ينبغي أن يُختلف فيه؛ إذ هو نص كتاب الله تعالى، ولكن يجب على المسلم الالتفات إلى شروط تلك الإباحة، والنظر في عواقب ذلك الزواج، ومن شروط التزوج بالكتابيات: أن تكون حقيقةً نصرانية أو يهودية؛ إذ يوجد في ديار الكفر الكثيرات ممن لا دين لها، أو من تكون على البوذية، أو غيرها من الديات الوثنية. والشرط الثاني: أن تكون عفيفة، ليست بزانية، ولا تصاحب الرجال الأجانب، كما أن من الشروط أن تكون الولاية على الأولاد للمسلم، وأن ينشأ عقده وفق كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) المائدة/٥.
ومع هذا الجواز بتلك الشروط فإن ترك التزوج بها أولى.
قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
"يجوز للمسلم أن يتزوج كتابية - يهودية أو نصرانية - إذا كانت محصنة، وهي الحرة العفيفة؛ لقوله تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ... ) .
وترك الزواج بها أولى وأحوط للمؤمن؛ لئلا تجره وذريته إلى دينها" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١٨/٣١٤, ٣١٥) .
وانظر جواب السؤال رقم: (٢٥٢٧) .
وأما عواقب الزواج من كتابيات: فكثيرة، وقد ذكرنا طرفاً منها في أجوبة الأسئلة: (١٢٢٨٣) و (٢٠٢٢٧) و (٤٤٦٩٥) .
ثالثاً:
أما بخصوص اقتناء الكلاب في البيوت وتحريم ذلك: فإنه قد وردت النصوص الصحيحة الصريحة بذلك، وأنه لا يحل اقتناؤها إلا لصيد، أو حراسة ماشية، أو زرع، والمسلم يعلم أن الشريعة لم تحرم عليه شيئاً إلا من أجل مفسدته ومضرته.
وما على المسلم إلا الاستجابة لما يأمره به ربه تعالى بفعله، أو ينهاه عنه، وهو يعلم علم اليقين أنه لا تشريع إلا بحكمة بالغة، والأحكام الشرعية منها ما هو تعبدي محض، لا نعلم حكمته، ومنها ما هو معقول المعنى، ولا مانع من تلمس الحكمة في الأحكام معقولة المعنى، لكن يبقى التعبد لله بالفعل والترك هو الذي ينبغي على المسلم أن لا يغفل عنه.
وينظر جواب السؤال رقم: (٩٦٠٣) ففيه فوائد مهمة.
ونحن نجزم أن تحريم اقتناء الكلب هو في مصلحة المسلم، وأن اقتناءه فيه مضرة وسوء وشر، ومن تلك المفاسد في اقتنائه: ما يسببه من أمراض تنتقل عن طريقه، سواء من إناء شرب منه، أو في برازه الذي يلوث بيت المقتني له، وهذا ما يمكنك إخبار تلك النصرانية به إن تزوجتها.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابٍِ) رواه مسلم (٢٧٩) .
وقوله (طهور) يدل على تنجس الإناء بولوغ الكلب فيه، وهو ما أثبته العلم الحديث، والذي لم نشك لحظة في صدقه، وليس يطهر الإناء إلا الماء والتراب دون ما عداهما من مواد التنظيف والتطهير، وهذا ما أثبته العلم الحديث أيضاً، وهو يؤكد أن هذا الدِّين ليس هو إلا وحي أوحي به للنبي ﷺ .
وانظر جواب السؤال رقم: (٢٠٩٣٩) .
وقد ثبت وجود أمراضٍ كثيرة تصيب الإنسان الذي يقتني الكلب، أو يلمسه، أو يقبِّله، وقد ذكرنا بعضها في جواب السؤال رقم: (٦٩٨٤٠) فانظره فهو مهم.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14133
تخاف الزنى فهل تستمني بالعضو الصناعي ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[سألتني جارة لي أن أسألكم عن حكم استعمال عضو ذكري صناعي في قضاء الشهوة حيث إن زوجها مريض بعيب خلقي يمنعه من الإنجاب والانتصاب مما يسبب لها الحرج في طلب المعاشرة منه، وهى تخاف أن تقع في الزنا ولا تريد الطلاق من زوجها، مما أداها إلى استعمال أولا العادة السرية ثم شراء هذا العضو الصناعي، فهي تسأل عن حكم استعمال هذه الأشياء وهى لا تريد الطلاق وفى نفس الوقت تريد قضاء غايتها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الاستمناء محرم؛ لأدلة سبق بيانها في الجواب رقم ٣٢٩.
والزوج مأمور شرعا بإعفاف زوجته، فإن عجز عن الوطء فعليه تمكينها من قضاء شهوتها، بالمداعبة ونحوها، ولها أن تستمني بيده، أو يستعمل هو قضيبا صناعيا، وبهذا تندفع حاجتها إلى الاستمناء المحرم، ولا حرج عليها أن تطالبه بذلك، فإن لها حقا في الاستمتاع وإعفاف النفس.
فإن لم تندفع شهوتها بذلك، وخشيت على نفسها الوقوع في الزنى، أبيح لها الاستمناء، سواء كان ذلك بيدها أم بعضو صناعي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " أما ما نزل من الماء بغير اختياره فلا إثم عليه فيه ; لكن عليه الغسل إذا أنزل الماء الدافق. وأما إنزاله باختياره بأن يستمني بيده: فهذا حرام عند أكثر العلماء ; وهو أحد الروايتين عن أحمد ; بل أظهرهما. وفي رواية أنه مكروه ; لكن إن اضطر إليه مثل أن يخاف الزنا إن لم يستمن أو يخاف المرض: فهذا فيه قولان مشهوران للعلماء ; وقد رخص في هذه الحال طوائف من السلف والخلف , ونهى عنه آخرون. والله أعلم " انتهى من "الفتاوى الكبرى" (٣/٤٣٩) .
وقال المرداوي في "الإنصاف" (١٠/٢٥٢) : " فائدتان: إحداهما: لا يباح الاستمناء إلا عند الضرورة ...
الثانية: حكم المرأة في ذلك حكم الرجل. فتستعمل شيئا مثل الذكر عند الخوف من الزنا. وهذا الصحيح , قدمه في الفروع. وقال ابن عقيل: ويحتمل المنع وعدم القياس" انتهى.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يجوز للزوجين أن يتحدثا عن الجنس بالهاتف ويستثيرا بعضهما حتى ينزل أحدهما أو كلاهما بدون استعمال اليد لأنه محرم؟ يحصل هذا لأن زوجي يسافر دائما ولا نرى بعضنا إلا كل ٤ أشهر.
فأجاب: لا بأس، نعم يجوز هذا.
السائل: ولو كان باستعمال اليد.
الجواب: استعمال اليد فيه نظر، ولا يجوز إلا إذا خاف على نفسه الزنا.
السائل: وبدون استعمال اليد لا مانع.
الجواب: نعم بدون استعمال اليد لا مانع، يتصور أنه معها لا بأس في ذلك " انتهى.
والحاصل أنه إذا خشي الإنسان على نفسه من الوقوع في الزنا، خشيةً حقيقية، جاز له الاستمناء، من باب ارتكاب أخف المفسدتين، وحرم عليه التساهل في ذلك واعتياده وفعله كلما أراد المتعة واللذة، بل لا يفعله إلا إذا خاف على نفسه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14134
كيف تجتنب ظن السوء بالناس ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف يمكن أن نتجنب الظن بالناس، وخاصة المسلمين، وهل يجب دائما أن نظن خيرا، فأنا أستغرب من أفعال بعض المسلمين التي تنافي عقيدتنا، فصرت أشك في أفعال الناس؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا ينبغي للمسلم أن يلتفت كثيرا إلى أفعال الناس، يراقب هذا، ويتابع ذاك، ويفتش عن أمر تلك، بل الواجب عليه أن يُقبل على نفسه فيصلحَ شأنها، ويُقوِّمَ خطأها، ويرتقي بها إلى مراتب الآداب والأخلاق العالية، فإذا شغل نفسه بذلك، لم يجد وقتا ولا فكرا يشغله في الناس وظن السوء بهم.
وقد نهى النبي ﷺ عن تتبع أمور الناس وعوراتهم، حرصا منه ﷺ على شغل المسلم نفسه بالخير، وعدم الوقوع فيما لا يغني من الله شيئا، فقال:
(يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ! لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِع اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ)
رواه أبو داود (٤٨٨٠) ، قال العراقي في "تخريج الإحياء" (٢/٢٥٠) : إسناده جيد. وصححه الألباني في "صحيح أبي داود".
والغالب أنَّ الباعث على اغتياب المسلمين وتتبع عوراتهم تزكيةُ النفس والعجب بها أولا، وسوء الظن بالناس ثانيا، إذ لولا أنه يرى لنفسه فضلا على سائر الناس، ويعتقد فيهم الذنب والفسق والمعصية لم يقع في الغيبة، ولم تشغله العورات والعثرات كي تملأ قلبه ووجدانه، وتغدو وسواسا يؤرقه في جميع البشر، حتى يظنَّ السوءَ بزوجته وأبنائه وإخوانه.
يقول الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) الحجرات/١٢.
فإذا استجاب المسلم لظن السوء، وبدا ذلك في سلوكه وتصرفاته وأقواله، أو تمادى معه حتى استقر في قلبه، ولم تكن له بينة قاطعة ودليل ظاهر على ذلك، فقد وقع في الإثم، واستحق العقوبة عند الله تعالى.
أما إذا جاهد تلك الظنون الفاسدة، وحاول درءها ودفعها بصرف الفكر عنها، فليس عليه إثم حينها.
يقول الإمام النووي ﵀:
" اعلم أن سوء الظن حرامٌ مثل القول، فكما يحرم أن تُحَدِّث غيرَك بمساوئ إنسان، يحرم أن تحدث نفسك بذلك وتسيئ الظن به، قال الله تعالى: (اجتنبوا كثيرا من الظن) ، وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث) ، والأحاديث بمعنى ما ذكرته كثيرة، والمراد بذلك عقد القلب وحكمه على غيرك بالسوء، فأما الخواطر وحديث النفس إذا لم يستقر ويستمر عليه صاحبه فمعفو عنه باتفاق العلماء؛ لأنه لا اختيار له في وقوعه، ولا طريق له إلى الانفكاك عنه، وهذا هو المراد بما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل)
قال العلماء: المراد به الخواطر التي لا تستقر. قالوا: وسواء كان ذلك الخاطر غيبة أو كفرا أو غيره، فمن خطر له الكفر مجرد خطر من غير تعمد لتحصيله، ثم صرفه في الحال، فليس بكافر، ولا شئ عليه.
وسبب العفو ما ذكرناه من تعذر اجتنابه، وإنما الممكن اجتناب الاستمرار عليه، فلهذا كان الاستمرار وعقد القلب حراما، ومهما عرض لك هذا الخاطر بالغيبة وغيرها من المعاصي، وجب عليك دفعه بالإعراض عنه، وذكر التأويلات الصارفة له عن ظاهره " انتهى.
"الأذكار" (٣٤٤-٣٤٦) باختصار.
أما إذا قامت البينات القاطعة، والأدلة الظاهرة على تلبس أحد المسلمين بسوء، وكانت هناك مصلحة تقتضي التحذير منه بعد التثبت، فلا حرج حينها، ولكن الضرورة تقدر بقدرها.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" وليس كل الظن إثما، فالظن المبني على قرائن تكاد تكون كاليقين لا بأس به، وأما الظن الذي بمجرد الوهم فإن ذلك لا يجوز، فلو فرضنا أن رجلا رأى مع رجل آخر امرأة، والرجل هذا ظاهره العدالة، فإنه لا يحل له أن يتهمه بأن هذه المرأة أجنبية منه؛ لأن هذا من الظن الذي يأثم به الإنسان. أما إذا كان لهذا الظن سببٌ شرعي فإنه لا بأس به ولا حرج على الإنسان أن يظنه، والعلماء قالوا: يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة " انتهى.
"فتاوى إسلامية" (٤/٥٣٧) .
ولكننا نحذر جميع إخواننا المسلمين من تسويل الشيطان هذه المعصية بدعوى وجود القرائن والأدلة، وينبغي إذا دخل الشيطان إلى قلب المسلم من هذا المدخل أن يدفعه ما استطاع، وليصرف قلبه عن الاسترسال معه، كما يمكن الاستعانة بالنصائح الآتية في علاج هذا الوسواس:
١. الإقبال على عيوب النفس، والاشتغال بتقويمها وإصلاحها، فإن من عرف عيوب نفسه تواضع لله وللناس، وظن النقص بنفسه وليس بالناس.
٢. استحضار الآيات والأحاديث التي سبق ذكرها، والتي تبين خطورة هذا الأمر والعقاب الشديد عليه.
٣. النظر في جوانب الخير في الناس كلهم، فالغالب أن الإنسان فيه من الخير كما فيه من السوء والشر، فلا يجوز إلغاء الحسنات التي قد تكون أكثر وأعظم من السيئات التي في ذلك الشخص، وقد أمر الله تعالى بالعدل والقسط، فمن الظلم الحكم على الشخص من غير موازنة عادلة بين حسناته وسيئاته.
يقول الإمام أبو حامد الغزالي ﵀:
" إذا وقع في قلبك ظن السوء، فهو من وسوسة الشيطان يلقيه إليك، فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق، وقد قال الله تعالى: (إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) ، فلا يجوز تصديق إبليس، فإن كان هناك قرينة تدل على فساد، واحتمل خلافه، لم تجز إساءة الظن.
ومن علامة إساءة الظن أن يتغير قلبك معه عما كان عليه، فتنفر منه، وتستثقله، وتفتر عن مراعاته وإكرامه والاغتمام بسيئته، فإن الشيطان قد يقرب إلى القلب بأدنى خيالٍ مساوئَ الناس، ويلقي إليه: أن هذا من فطنتك وذكائك وسرعة تنبهك، وإن المؤمن ينظر بنور الله، وإنما هو على التحقيق ناطق بغرور الشيطان وظلمته، وإن أخبرك عدل بذلك، فلا تصدقه ولا تكذبه لئلا تسيء الظن بأحدهما، ومهما خطر لك سوء في مسلم، فزد في مراعاته وإكرامه، فإن ذلك يغيظ الشيطان ويدفعه عنك فلا يلقي إليك مثله، خيفة من اشتغالك بالدعاء له، ومهما عرفت هفوة مسلم بحجة لا شك فيها، فانصحه في السر، ولا يخدعنك الشيطان فيدعوك إلى اغتيابه، وإذا وعظته فلا تعظه وأنت مسرور باطلاعك على نقصه فينظر إليك بعين التعظيم، وتنظر إليه بالاستصغار، ولكن اقصد تخليصه من الإثم وأنت حزين كما تحزن على نفسك إذا دخلك نقص، وينبغي أن يكون تركه لذلك النقص بغير وعظك أحب إليك من تركه بوعظك " انتهى.
نقلا عن "الأذكار" للإمام النووي (ص/٣٤٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14135
تزوجها عرفياً ثم تركها وهرب
[السُّؤَالُ]
ـ[تعرفت على شاب، وخدعني بأنه يريد الزواج مني، ولكن لا يستطيع إعلان ذلك الآن ولا التقدم لأهلي، وتزوجني عرفياً وكتبنا ورقة بذلك، ثم ذهب وتركني. فهل أنا زوجته فعلاً؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا نزال نسمع مثل هذه المآسي، فإلى متى تظل بناتنا غافلات لا يدرين ما يريده أولئك المجرمون؟
كل واحدة منهن تقول: إنني واثقة من نفسي، وواثقة من هذا الشاب، إنه ليس كغيره، ثم إذا نال منها ما يريد تركها وهرب.
عشرات القصص بل مئات بل أكثر، فيها هذه المآسي، تتكرر، ولا تزال تتكرر.
لقد كان الشرع حكيماً لما منع المرأة من التبرج وإظهار زينتها أمام الرجال الأجانب عنها.
وكان حكيماً لما منع المرأة من مخالطة الرجال الاختلاط المستهتر الذي لا يأتي إلا بالشر.
وكان حكيماً لما منع المرأة من الكلام مع رجل أجنبي عنها من غير حاجة أو داع لذلك.
وكان حكيماً لما سد الطريق أمام الغاوين والذين في قلوبهم مرض، فأَمَرَ المرأةَ بالحجاب، والتستر، والبعد عن مجامع الرجال ما أمكنها ذلك، وحَرَّم لمس المرأة للرجل الأجنبي عنها، وحرم خلوته بها، وحرم التكسر والميوعة في الكلام – وغير ذلك كثير.
كل ذلك حفاظاً عليها وعلى عفتها، وعلى المجتمع بأسره من الرذيلة والفاحشة، حتى يسود العفاف والطهر والحياء.
ولما خالفت المرأة كل ذلك، وقعت فريسة لذئاب لا يراعون لله حرمة، فلا دين ولا خُلق يمنعهم من شيء، ثم تندم المرأة ... ولكن بعد فوات الأوان، وقت لا يمكن للندم أن يعيد ما فات.
لقد كان الشرع حكيماً لما منع المرأة من تزويج نفسها، بل اشترط أن يتولى ذلك وليها، فإنه أقدر منها على اختيار الزوج المناسب لها، وحتى لا تنخدع المرأة، ويتلاعب بها المجرمون.
وزواج المرأة بلا ولي، حكم الرسول ﷺ بأنه زواج باطل، فقال ﷺ : (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ) رواه الترمذي (١١٠٢) وأبو داود (٢٠٨٣) وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (١٨٤٠) .
فإذا انضم إلى ذلك التواصي بكتمانه، فلا يتم إعلانه ولا إعلام الناس به، فهو الزنا الذي لا يرتاب أحد فيه، ولا يغني مجرد ورقة يتم كتابتها، فهذه الورقة لا قيمة لها، ولا تغير الحرام إلى حلال.
فما يسميه الناس "نكاحاً عرفياً" ويكون بدون علم الولي، ولا شهود، ولا إعلان، هو نكاح باطل، وهو زنا، وليس بنكاح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وأما " نكاح السر " الذي يتواصون بكتمانه، ولا يشهدون عليه أحداً: فهو باطل عند عامة العلماء، وهو من جنس السفاح، قال الله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) النساء/٢٤.
" مجموع الفتاوى " (٣٣ / ١٥٨) .
وقال أيضاً:
"إذا تزوجها بلا ولي، ولا شهود، وكتما النكاح: فهذا نكاح باطل باتفاق الأئمة، بل الذي عليه العلماء أنه (لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ) ، (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ) ، وكلا هذين اللفظين مأثور في السنن عن النبي ﷺ ، وقال غير واحد من السلف: لا نكاح إلا بشاهدين، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، ومالك يوجب إعلان النكاح.
و" نكاح السرِّ " هو من جنس نكاح البغايا" انتهى
" مجموع الفتاوى " (٣٢ / ١٠٢، ١٠٣) .
فعلى هذا؛ فما تم بينكما ليس بزواج شرعي، ولست زوجة لهذا الرجل.
وقد سبق بيان حكم النكاح العرفي في جواب السؤال رقم (٤٥٥١٣) و (٤٥٦٦٣) .
وفي جواب السؤال رقم (٧٩٨٩) تجدين الأدلة على بطلان النكاح بلا ولي.
وأخيراً ... ندعوك إلى التوبة إلى الله تعالى والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة إلى ذلك، والعزم على إصلاح العمل والاستقامة على شرع الله، فإن الله تعالى وعد من تاب من المعاصي، وأصلح العمل، وعده بالتوبة والمغفرة، قال الله تعالى: (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) المائدة/٣٩، وقال تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢، نسأل الله تعالى أن يوفقك للتوبة وأن يتقبل منك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14136
حكم التفكير في الحرام دون عمل
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم التفكير بفعل الأشياء المحرمة.. كأن يفكر شخص أن يسرق مثلاً أو يفكر في أن يزني وهو يعلم من حاله أنه لن يفعل ذلك لو تيسرت له السبل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"ما يقع في نفس الإنسان من الأفكار، كأن يفكر في الزنا أو السرقة أو شرب المسكر أو نحو ذلك. ولا يفعل شيئاً من ذلك فإنه يعفى عنه، ولا يلحقه بذلك ذنب، لقول النبي ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ) . وقوله ﷺ : (من هم بسيئة فلم يفعلها لم تكتب عليه) وفي لفظ: (كُتبت له حسنة، لأنه تركها من جرائي) متفق عليه من حديث ابن عباس ﵄، والمعنى: أن من ترك السيئة التي هَمَّ بها من أجل الله كتبها الله له حسنة، وإن تركها لأسباب أخرى لم تكتب عليه سيئة، ولم تكتب له حسنة، وهذا فضل من الله سبحانه ورحمة لعباده، فله الحمد والشكر، لا إله غيره، ولا رب سواه.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٥/٤٢٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14137
مريض وورَّى في معاملة التوظيف أنه معافى فهل يترك وظيفته ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[رجل يعمل الآن في وظيفة، ولم يصدق في سؤال: "هل يعاني من مرض مزمن"؟ عندما تقدم لهذا العمل، بل ورَّى بقوله " لم يعاني "؛ لأنه حقيقة لم يعاني، هو مصاب بفيروس التهاب الكبد فقط، وهو مرض مزمن، ولم يجد منه أية معاناة، فهل تنصحه بترك العمل، خاصة وأن صاحب العمل لو يعلم بمرضه ربما لا يسمح له بالبقاء في عمله؟ وهل تنفعه التورية أم أنه يعتبر غير صادق في بياناته؟ وهل يلزمه شيء في المدة السابقة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
جاءت الشريعة المطهرة بالأمر بكل خلُق قويم، وحذَّرت من كل خلق ذميم.
ومن الأخلاق القويمة التي أمر بها ربنا تعالى: الصدق، وحذرنا من ضده وهو الكذب.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) التوبة/ ١١٩.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنّ الصِدقَ يَهدي إلى البّر، وإنّ البرّ يهدي إلى الجَنّةِ، وإنّ الرجُلَ ليَصدُقُ حتّى يُكتَبَ عِندَ الله صِدّيقا، وإنّ الكَذِبَ يهدي إلى الفُجورِ، وإنّ الفُجورَ يَهدي إلى النّار، وإنّ الرَجُلَ ليَكذِبُ حتى يُكتَبَ عِندَ اللهِ كَذابا) رواه البخاري (٥٧٤٣) ومسلم (٢٦٠٧) .
ولعلَّك رأيت الكذب نافعاً لك، ورأيت الصدق مضرّاً لك، لذا فعلت ما فعلت من كتم المرض أن تدونه في معاملة التوظيف، وهو ما حذَّر منه سلف الأمة.
قال بعض الصالحين: عليك بالصدق حيث تخاف أن يضرك، فإنه ينفعك، ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك، فإنه يضرك.
فعلى المؤمن أن يزيِّن حياته بالصدق، والصادق لن تجده إلا متصفاً بصفات الكمال الأخرى.
قال ابن القيم ﵀:
"فالصدق بريد الإيمان ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحليته ولباسه، بل هو لبه وروحه، والكذب بريد الكفر والنفاق ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحليته ولباسه ولبه، فمضادة الكذب للإيمان كمضادة الشرك للتوحيد، فلا يجتمع الكذب والإيمان إلا ويطرد أحدهما صاحبه ويستقر موضعه" انتهى.
" زاد المعاد " (٣ / ٥٩٠) .
ثانياً:
التورية هي أن يُفهم المتكلمُ سامعَه شيئاً غير الذي في نفسه، ويكون الكلام محتملاً.
ولا يجوز للمسلم استعمال التورية إلا لتحقيق مصلحة شرعية، أو دفع مفسدة، أو لحاجة ماسة، ولا يحل له استعمالها في كل حين، ولا لأخذ ما ليس من حقه.
وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: ما هي التورية؟ وما الفرق بينها وبين الكذب؟ .
فأجاب:
"التورية: أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره، والكذب: صريح في أنه تكلم بخلاف الواقع. السائل: السامع ربما يفهم شيئاً آخر.
الشيخ: لا يهم، هذا هو بُعد التورية، أن يفهم السامع من خطابك خلاف ما تريد، التورية قد يحتاج الإنسان إليها.
أما الظالم: فلا تصح توريته، ولا تحل، والحكم فيها أنها على حسب ما يعتقده خصمه، ولهذا جاء في الحديث: (يمينك على ما يصدقك به صاحبك) فإذا قال الظالم بهذا التأويل، لم ينفعه، والمظلوم ينفعه.
ومَن ليس بظالم ولا مظلوم: من العلماء من قال: إن التورية جائزة، ومنهم من قال: إنها غير جائزة، والراجح: أنها غير جائزة، وأن الإنسان يجب أن يكون صريحاً؛ لأن الإنسان إذا اعتاد التورية ثم ظهر الأمر على خلاف ما ظهر من كلامه: اتهمه الناس بالكذب، وأساءوا فيه الظن، لكن إذا كان مظلوماً: فهذه حاجة، والظلم قليل بالنسبة للحوادث.
والخلاصة: التورية للمظلوم: جائزة، وللظالم: غير جائزة، ولمن ليس ظالماً ولا مظلوماً: على خلافٍ بين العلماء، والراجح: أنها حرام" انتهى.
" لقاءات الباب المفتوح " (١٦١ /السؤال رقم ٩) باختصار.
وانظر جوابي السؤالين: (٢٧٢٦١) و (٤٥٨٦٥) .
ثالثاً:
الظاهر أن صاحب العمل يسأل هذا السؤال حتى لا يكون الموظف مصاباً بمرض يُقعده عن وظيفته، أو يكثر من تأخره وغيابه، أو يؤثر في حسن أدائه للعمل.
وبما أنك تعلم أن صاحب العمل لو علم بإصابتك بهذا المرض فإنه لا يسمح لك بالبقاء فيه، فالذي ننصحك به هو مصارحة صاحب العمل بهذا المرض، ثم يقرر بعد ذلك ما يراه.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14138
تحب شخصا وتفكر فيه وتريد لبس الحجاب فهل يمكنها ذلك
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة عندي رغبة كبيرة في الحجاب وأتمنى من الله أن يوفقني في هذا، لكن عندي سؤال يحيرني هو أنني أحب شخصا بمعنى ما تحمله كلمة حب، ولا أستطيع التوقف عن التفكير فيه ولو لحظة والله حتى في الصيام أفكر فيه، تجمعنا علاقة حب ما الحكم إذا تحجبت ولا أزال أفكر فيه؟ أظنني لا أستطيع التوقف عن التفكير فيه ربما ستقول أن نتزوج، لكن نحن في تقليدنا عندي أخواتي لازم يتزوجن أولا؛ ماذا أفعل إلى حين ذلك أمانة عليك أن تعطيني جوابا أنا حائرة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الواجب على كل مؤمنة بالله واليوم الآخر أن تلبس الحجاب الذي يسترها عن نظر الأجانب، فتلك فريضة محكمة أنزلها الله في كتابه، كما قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) الأحزاب/٥٩
وقال: (قُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) النور/٣١
ولمعرفة صفة الحجاب الشرعي، ينظر سؤال رقم (٦٩٩١)
ثانيا:
لا يجوز لامرأة أن تقيم علاقة مع أجنبي عنها، ولو كانا في نيتهما الزواج في نهاية الأمر؛ لأن الله تعالى حرم الخلوة بالأجنبية، والنظر إليها، ولمسها، وحرم خضوعها بالقول، وهذه العلاقات لا تنفك عن شيء من هذه المحرمات.
وينظر: سؤال رقم (٨٤٠٨٩) .
وأما إن وقع في قلب امرأة حب رجل سمعت عنه، أو رأته، دون أن تباشر بنفسها عملا محرما نحوه من نظر أو كلام أو غيره، فإنها لا تؤاخذ على هذا الحب، وعليها أن تشغل نفسها بالتفكير فيما ينفعها في دينها ودنياها، وأن تحذر من الوقوع في المعصية، وأن تتجنب كل سبيل يؤدي إلى الفتنة.
وقولك: تجمعنا علاقة حب، يفهم منها أن بينكما علاقة قائمة، وليس مجرد شعور من جهتك، فإن كان الأمر كذلك فاتقي الله تعالى، واحذري غضبه وانتقامه، واعلمي أنك تقدمين على أسباب الهلاك والهلكة، فإن الله تعالى يمهل ولا يهمل، وإنه سريع العقاب، شديد الانتقام.
وما يصوره لك الشيطان من صعوبة التخلص من هذه العلاقة، إنما هو مجرد أوهام وظنون، فإن العلاقة يؤججها الكلام واللقاء، فلو قطعت الصلة به، وتركت الحديث معه، وتجنبت رؤيته، لأمكنك الصبر عنه وتناسيه، حتى ييسر الله لك الزواج منه أو من غيره.
ولهذا نقول: إن علاج مشكلتك ميسور بإذن الله، وذلك باتباع الخطوات التالية:
١- قطع كل صلة بهذا الشخص، لقاء أو كلاماً، ولو كان من أقرب الناس إليك، فتجنبي رؤيته، وتجنبي الحديث معه، ولتُرِيهِ من نفسك أنك مؤمنة عفيفة تخاف من الله تعالى، وتحذر العلاقات المحرمة.
٢- إن كان هذا الشاب صالحا مستقيما - ومن استقامته أن يدع العلاقات المحرمة – وأمكن أن يجد وسيلة للزواج بك، عن طريق التقدم إلى أهلك، وإقناعهم بأمر الزواج، وتدخّل من يصلح تدخله في هذا الأمر، ليتم، فهذا حسن. وإذا لم يمكن ذلك، فما عليكما إلا الصبر والعفة والبعد عما حرم الله تعالى.
٣- ارتداؤك الحجاب فريضة لازمة لك، لا علاقة لها بهذه المسألة، وتركك الحجاب معصية وإثم يلحقك كلما تركتيه، فبادري بلبس الحجاب، وبادري أيضا بقطع العلاقة المحرمة، ولا يكن تقصيرك في هذه المسألة حاملا لك على التقصير والمعصية في مسألة الحجاب، فإن العاقل لا يجمع ذنبا إلى ذنب، ولا يقرن تفريطا بتفريط، بل يبادر بفعل ما يمكن فعله من الواجبات، وترك ما يمكن تركه من المحرمات.
٤- نوصيك بترك الفراغ والبطالة، والإقبال على ما ينفعك، والانشغال بأعمال الطاعات من حفظ القرآن، وطلب العلم، وتحصيل الصحبة النافعة، فإن الشيطان مع الوحدة والفراغ والبطالة، والنفس إن لم تشغليها بالطاعة شغلتك بالمعصية، كما نوصيك بترك ما يثير الشهوة ويحرك النفس إلى الحرام، كالنظر في الأفلام والمسلسلات والصور، عافنا الله وإياك من كل سوء ومكروه.
٥- اعلمي أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ففوضي أمرك إلى الله، وأقبلي عليه، وانطرحي بين يديه، وقولي: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك، وسليه سبحانه أن يملأ قلبك إيمانا ويقينا ورضى، وأن يقيك شر نفسك ونزغات الشيطان.
نسأل الله تعالى أن يحفظك بحفظه، وأن يوفقك لطاعته، وأن يصرف عنك الفتن ما ظهر منا وما بطن.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14139
والدها بخيل، ويكره زيارتها له، ويعاقب أمها إن جاءت للزيارة
[السُّؤَالُ]
ـ[والدي حريص جدّاً على المال، إلى درجة أنه يكره الضيف، لكنه في الأيام الأخيرة صار يكره قدومنا نحن - بناته - إلى البيت، رغم أننا كنا نزوره، ونطلب من والدتنا أن لا تضيفنا شيئاً؛ لأنه بعد ذلك سيعاقبها! بمنع النفقة عليها، وعلى أختي، ورغم ذلك كنا نذهب إلى زيارته، وفي يوم من الأيام طردني أنا وأختي (نحن متزوجتان، وزوجانا يحترمانه) وهو يسبب لنا الحرج معهما.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
قد أحسنت أنت وأختك بصلة والديكما، وزيارتهما، والسعي نحو الأكمل في برِّهما، وهي وصية الله للأولاد، وهذه الوصية تشمل الوالدين اللذين بلغا من السوء والشر والفساد أن يجاهدا أولادهم حتى يتركوا دينهم، فكيف من كان أقل من ذلك سوء وشرّاً وفساداً؟! وقد أحسن من عمل بما يعلم.
قال الله ﵎: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) لقمان/ ١٤، ١٥.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀ –:
(وَإِنْ جَاهَدَاكَ) أي: اجتهد والداك، (عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا) ولا تظن أن هذا داخل في الإحسان إليهما؛ لأن حق الله مقدَّم على حق كل أحد، و " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ".
ولم يقل: " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فعقهما " بل قال: (فَلا تُطِعْهُمَا) أي: بالشرك، وأما برُّهما: فاستمر عليه، ولهذا قال: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) أي: صحبة إحسان إليهما بالمعروف، وأما اتباعهما وهما بحالة الكفر والمعاصي: فلا تتبعهما.
" تفسير السعدي " (ص ٦٤٨) .
فعلى الأولاد – ذكوراً وإناثاً – أن يعقلوا وصية الرب تعالى، وأن يعلموا أن اتصاف والديهم بالدعوة إلى الكفر ليس بمبيح لهم العقوق، والإيذاء بالقول والفعل، فأن يكون عندهما من الأخلاق والصفات دون ذلك: أولى أن تبقى صلتهم بهم، ويستمر برهم لهم.
ثانياً:
مما لا شك فيه أن البخل صفة ذميمة، وأن الحرص على جمع المال بِنَهم، وعدم إنفاقه في وجوهه الشرعية: من الصفات القبيحة التي لا يليق بمؤمن أن يتخلق بها، وقد يصيبه من الإثم ما يصيبه إن كانت تلك الوجوه من النفقة واجبة عليه، كالزكاة، والإنفاق على الزوجة، وعلى الأولاد قبل أن يصيروا مكتسبين.
وقد جاء ذم البخل وأهله في هذه الشريعة المطهرة، ومن ذلك:
١. قال : (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) النساء/ ٣٧.
٢. وقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) الليل/ ٥ – ١٠.
٣. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَاّ مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفاً) .
رواه البخاري (١٣٧٤) ومسلم (١٠١٠) .
قال الحافظ ابن حجر – ﵀:
وأما الدعاء بالتلف: فيحتمل تلف ذلك المال بعينه، أو تلف نفس صاحب المال، والمراد به: فوات أعمال البر بالتشاغل بغيرها.
قال النووي: الإنفاق الممدوح: ما كان في الطاعات، وعلى العيال، والضيفان، والتطوعات.
وقال القرطبي: وهو يعم الواجبات، والمندوبات، لكن الممسك عن المندوبات: لا يستحق هذا الدعاء، إلا أن يغلب عليه البخل المذموم، بحيث لا تطيب نفسه بإخراج الحق الذي عليه، ولو أخرجه.
" فتح الباري " (٣ / ٣٠٥) .
فاتصاف والدك بالبخل والحرص على فتات الدنيا: خلق ذميم، وكراهيته لبناته من أجل ذلك البخل والحرص: يدل على تمكن تلك الصفات القبيحة فيه، ومنعه النفقة على زوجته وابنته: من المحرَّمات، وهو أمر يبيح لوالدتك الأخذ من ماله دون علمه وإذنه؛ فقد قال النبي ﷺ لهند بنت عتبة - زوج أبي سفيان، وقد اشتكت عدم نفقته عليها -: (خُذُي مَا يَكْفِيكِ وَوَلدَكِ بِالمَعْرُوف) رواه البخاري (٥٠٤٩) ومسلم (١٧١٤) .
وأنتِ وأختكِ عليكما مراعاة صفات البخل والحرص عند والدكما، وعدم التسبب لوالدتك بالأذى والضرر، ومثل هذه الصفات عنده تقتضي منكما عدم تكليفه نفقات الضيافة، والتي تسبب لهم الحمى والقهر، والمعلوم عن هؤلاء البخلاء والحريصين محبة الأخذ وليس الإعطاء، فلو أحضرتما معكما ند الزيارة من الهدايا، والأطعمة، وما تيسر من الأغراض: لرأى في زيارتكما سعداً وفرحاً وسروراً، ولتمنى أن تكثر منكما هذه الزيارات، وفي الوقت نفسه: تعالجون ما عنده من حرص وبخل، بالكلمة الحسنة، والرفق، واللِّين، وبذلك تجمعون بين صلته، وصلة والدتكما، وعدم التسبب بالقطيعة لكما، ولا بمنع النفقة عن أمكما وأختكما، لكن بحيث لا يشق ذلك على زوجيكما، أو يسبب لكما حرجا معهما.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14140
وعد رجلاً بتزويجه ابنته ثم زوجها بآخر
[السُّؤَالُ]
ـ[رجل كان وعد رجلاً بأن يزوجه ابنته، ثم زوجها رجل آخر. فما حكم ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"أما الذي زوج ابنته على رجل، وقد وعد آخر قبله أن يزوجه إياها، وأخلف وعده، فإخلاف الوعد من أخلاق المنافقين، ولا يجوز إخلاف الوعد. والإثم على الأب، وأما الزوج فلا إثم عليه إذا كان لم يعلم" انتهى.
فضيلة الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله.
"الدرر السنية" (٧/١٦٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14141
اتهمه بعض زملائه بعِرضه فما عقوبتهم؟ وكيف يتصرف ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا مضاف في أحد القطاعات العسكرية، ولي فيه تقريبا ١٣ سنة، وفي أحد الأيام إذا أفاجأ وأندهش، وتصيبني الرعشة، ولم أستطع أن أصدِّق الذي يجري من حولي، حيث أطلق عليَّ إشاعة - والعياذ بالله العظيم منه، ومن أن أكون منهم – مفادها: (أني خنيث) !! ولا حول ولا قوة إلا بالله، مرَّت الأيام، والأشهر، وأنا لم أستطع أن أحرِّك ساكناً، والله العظيم أنني أتحسر على نفسي كل ثانية، وعلى ما وصلت إليه سمعتي التي كانت أعظم شيء في حياتي، علماً أنه كل يوم تنتشر الإشاعة، وتزيد إلى حد أني لا أستطع أن أتكلم مع الغير، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أين أجد الحل؟ وأنا كل ما كلمت أحداً يقول: تصبر، أو لا تجيب، وكيف العمل علماً أن عمري ٣٣ عاماً، ومتزوج، ولدي أولاد، ... وأقسم بالله العظيم قسماً أحاسب عليه يوم القيامة أني بريء من كل هذا، والله على ما أقول شهيد.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال بعض السلف: " ما على وجه الأرض شيء أَحوج إلى طول حَبْس من اللسان "! والحقيقة أنه محبوس في الفم، داخل بوابة الأسنان، وتطبق عليه بوابتان أخريان وهما الشفتان! ومع ذلك فإنه ينطلق رغم تلك الحراسة الشديدة فيوقع صاحبه في الإثم، وقد يوقعه في الكفر.
ومن نفائس الحكَم: " الكلام أسيرُك، فإذا خرج من فيكَ: صرتَ أنت أسيره ".
وقد جاء التحذير من إطلاق اللسان فيما حرَّم الله تعالى من الولوغ في أعراض الناس، وفي الغيبة، والنميمة، والسب، والقول على الله بغير علم، وعموم معاصي اللسان وآفاته.
قال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق/ ١٨.
وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ) .رواه البخاري (٦١٠٩) .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ) رواه البخاري (٦١١٣) .
وبخصوص الطعن في عرضكَ أخي السائل: اعلم أن الله تعالى يملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلته، وأنك تؤجر على صبرك وتحملك للأذى، وأنهم يأثمون، ويستحقون الحدَّ في الدنيا على قذفهم لك، ويستحقون العذاب في الآخرة، وهم من المفلسين الذين تؤخذ حسناتهم فتُعطى للمظلوم، ويؤخذ من سيئاته فتُلقى عليهم.
فما فعله أولئك من اتهامك بالفحشاء منكر من القول وزور، وقد ارتكبوا آثاماً عظيمة، ومن أبرزها: البهتان والقذف، والغِيبة، وكلها من كبائر الذنوب:
١. أما البهتان: فقد قال الله تعالى في التحذير منه: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) الأحزاب/ ٥٨.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ) رواه مسلم (٢٥٩٨)
وفي " الموسوعة الفقهية " (٢١ / ٢٧٠) :
البهتان في اللّغة: القذف بالباطل، وافتراء الكذب، وهو اسم مصدرٍ، فعله: بهَتَ، من باب نَفَع.
وفي الاصطلاح: أن يتكلّم خلف إنسانٍ مستورٍ بما ليس فيه.
انتهى
وفي (٣١ / ٣٣٠، ٣٣١) :
البهتان في اللّغة: القذف بالباطل وافتراء الكذب..، وفي الاصطلاح: ذكرك أخاك بما ليس فيه.
والفرق بين الغيبة والبهتان هو: أنّ الغيبة: ذِكر الإنسان في غَيبته بما يكره، والبهتان: وصفه بما ليس فيه، سواء أكان ذلك في غيبته أم في وجوده.
انتهى
٢. وأما القذف: فهو من كبائر الذنوب، وفيه الحد ثمانون جلدة، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) النور/٤-٥.
قال ابن كثير ﵀:
فأوجب على القاذف إذا لم يقم البينة على صحة ما قال ثلاثة أحكام: أحدها: أن يُجلد ثمانين جلدة، الثاني: أنه ترد شهادته أبداً، الثالث: أن يكون فاسقاً ليس بعدل لا عند الله، ولا عند الناس.
" تفسير ابن كثير " (٣ / ٢٩٢) .
وقال الحافظ ابن حجر ﵀:
وقد انعقد الإجماع على أن حكم قذف المحصن من الرجال حكم قذف المحصنة من النساء.
" فتح الباري " (١٢ / ١٨٨) .
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ. رواه مسلم (٢٥٨١) .
٣. وأما الغيبة: فتحريمها بيِّن في كتاب الله تعالى وفي سنة النبي ﷺ .
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
لي صديق كثيراً ما يتحدث في أعراض الناس , وقد نصحته ولكن دون جدوى , ويبدو أنها أصبحت عادة عنده , وأحيانا يكون كلامه في الناس عن حسن نية، فهل يجوز هجره؟ .
فأجاب:
الكلام في أعراض المسلمين بما يكرهون: منكر عظيم , ومن الغِيبة المحرمة، بل من كبائر الذنوب؛ لقول الله سبحانه: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) الحجرات / ١٢؛ ولما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أتدرون ما الغيبة؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم , فقال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: يا رسول الله إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته , وإن لم يكن فيه فقد بهَتَّه) .
وصح عنه ﷺ أنه (لما عرج به مر على قوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم , فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم) أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد جيد عن أنس ﵁ , وقال العلامة ابن مفلح: إسناده صحيح , قال: وخرَّج أبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة مرفوعا أن (من الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق) .
والواجب عليك وعلى غيرك من المسلمين عدم مجالسة من يغتاب المسلمين مع نصيحته والإنكار عليه؛ لقول النبي ﷺ : (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم في صحيحه، فإن لم يمتثل: فاترك مجالسته؛ لأن ذلك من تمام الإنكار عليه) .
" فتاوى الشيخ ابن باز " (٥ / ٤٠١، ٤٠٢) .
والذي ننصحك به: هو احتساب هذه المصيبة عند الله، والدفاع عن نفسك بتبرئتها أمام من سمعها، وبيان كذب وافتراء أولئك الأفاكين، ونظن أن ابتعادك عن مكان عملك وسكوتك عن بيان كذبهم قد يؤكد صحة كلامهم عند كثير من زملائك، وإذا رغبت بالانتقال من مكان عملك بعد تبرئة نفسك وتبيين كذبهم فلك ذلك، لكن لا تنتقل قبل ذلك، وننصحك أيضاً بتثبيت اتهامهم لك أمام القضاء الشرعي، والمطالبة بإقامة الحد عليهم.
سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – حفظه الله -:
شخصان اغتاب أحدهما الآخر، ليقع اللوم عليه، ويبرئ نفسه أمام الآخرين، لكن الشخص الثاني يخشى الله من آثام الغيبة، فمثلاً زوجان تشاجرا، واختلفا، فذهبت الزوجة لأهلها واغتابت زوجها بما حصل منه، وما فعله، وذلك أمام أهلها، ثم قام أهلها بدورهم يغتابون الرجل - زوج ابنتهم - أمام الآخرين، وهكذا إلى أن يفضحوا الرجل، سواء كان فيه هذا الشيء أو لم يكن فيه، لكن الرجل زوج المرأة لما سمع عن زوجته ما حصل منها من الغيبة والظلم منها ومن أهلها أمام الناس وسماعهم: أراد أن يدافع عن نفسه بالمثل، ويخبر الناس بما حصل منها، لكن خشي الله من آثام الغيبة والظلم، فهل يسكت ويسلم أمره إلى الله، ولا يبالي بما حصل؟ .
فأجاب:
لا شك أن الغيبة حرام، وهي ذكرك أخاك بما يكره، ولو كنت صادقاً فيما تقول، أما إن كذبت عليه بما ليس فيه: فهذا من البهتان العظيم، والظلم الكبير، وإثمه أكبر من إثم الغيبة، فعلى هذا يجوز للزوج أن يبرئ نفسه مما كذبوا عليه أمام الناس، حتى يعلم الجمهور عدم صحة ما قيل فيه، وتبرأ ساحته، ويصون عرضه عن الكذب؛ فإنه لو سكت: لصدَّق الناس ما نُسب إليه، وظنوه حقّاً، وانتشرت له سمعه سيئة، كما أن على من علم ذلك نصح الزوجة وأهلها عن مجرد الغيبة والكذب والبهتان، وعن إفشاء الأسرار بين الزوجين، وبيان أن هذا من الظن، والظن أكذب الحديث، وهكذا يجب السعي في الإصلاح بينهما، وجمع الكلمة، وإزالة ما في القلوب من الشحناء والعداوة والبغضاء، رجاء أن تصلح الحال، وتعود الصحبة كما كانت.
" اللؤلؤ المكين من فتاوى الشيخ ابن جبرين " (النكاح / السؤال ٣٥٩) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14142
النظر إلى الأطفال أو صورهم بشهوة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل مشاهدة صور الأطفال (الذكور غير البالغين) عاريين حرام؟ وهل النظر بشهوة إلى وجه وصدر الأطفال (الذكور غير البالغين) حرام؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
حرم الله الزنا وفاحشة اللواط، وحرم كل ما هو وسيلة إلى ذلك، وأمر الله تعالى المؤمنين بغض البصر عن المحرمات، وعما يُخشى أن يوقع في الحرام، فقال الله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) النور/٣٠.
ومشاهدة صور الأطفال عرايا لا بد أن تصحبه شهوة في الغالب، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اتفاق العلماء على تحريم النظر إلى وجه الصبي إذا كان على وجه الشهوة.
فقال ﵀: "الصبي الأمرد المليح بمنزلة المرأة الأجنبية في كثير من الأمور، ولا يجوز تقبيله على وجه اللذة، بل لا يقبله إلا من يؤمن عليه: كالأب والإخوة.
ولا يجوز النظر إليه على هذا الوجه [يعني بشهوة] باتفاق للناس، بل يحرم عند جمهورهم النظر إليه عند خوف ذلك" انتهى من "الفتاوى الكبرى" (٣/٢٠٢) .
فلا يجوز النظر إلى صور الأطفال وهم عرايا، ولا يجوز النظر إلى صدورهم ووجوههم إذا كان ذلك مصحوباً بشهوة.
وانظر جواب السؤال رقم (٩٤٨٣٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14143
تزعم أن زوجها ملتزم وقد اعترف لها بأنه يزني! فماذا تفعل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا سيدة متزوجة منذ ١٦ سنة، ولدي ٣ أطفال، زوجي يصلي الصلاة في أوقاتها، ويقوم لصلاة الفجر، ويقرأ القرآن، ويصوم التطوع، باختصار: تصرفاته تبين لي أنه رجل ملتزم، وأنا أثق فيه ثقة عمياء، نكوِّن بيتاً يضرب به المثل في التفاهم والتعاون، وفجأة تأتيني صاعقة، وهو أنه زاني من الدرجة الأولى! وأنه حاول عدة مرات مع الخادمة عندنا في البيت، ولكنها كانت ترفض، وحاول مع صديقات أختي عندما نذهب إلى بيت الوالدين، وكانت له علاقة مع سيدة متزوجة، وزوجها بأرض المهجر، وكل هذه الأخبار صحيحة لأنه اعترف. أنا لا أعرف كيف أتصرف، ولكني أصبحت أكرهه، ولا أتصور أنني سأقدر على العيش معه، أفكر كثيراً في الطلاق، ولكن أولادي، ماذا أفعل؟ . ملحوظة: أنا مالكة البيت، والسيارة، ولي راتب شهري لا بأس به، ملتزمة أكثر منه، لا أستمع للموسيقى، وكنت أمنعه كذلك، ومتحجبة، وأوقظ أولادي - ١٤ و ١١ سنة - لصلاة الفجر، ولله الحمد، ولا نتفرج إلا على القنوات الإسلامية، والحمد لله، ونحن بيت ملتزم على قدر المستطاع، وما فعلته هو أني طردته من المنزل، وأخذت السيارة، وأريد أن أعرف التصرف الذي يرضي الله في هذا الموقف، لقد سبق لي أن أرسلت سؤالاً، ولم أتوصل بالجواب، وهو يتعلق بمنزلي لأنني اشتريته بقرض ربوي، ولم أكن وقتها على علم بحرمته، فالمدة المتبقية لاستكمال القرض هي ٧ سنوات، هل يجب أن أبيعه وأكتفي بكراء منزل آخر، أو ماذا، خصوصا وأنا في هذه الظروف؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا بدَّ من تبيين حقيقة مهمة، وهي أن بعض من يدَّعي الالتزام لا يكون له حظ منه إلا في مظهره الخارجي فقط، بل وحتى هذا المظهر الخارجي فإنك تجد التساهل الكبير فيه، فراحوا يتوسعون بالصبغ بالسواد، والتخفيف من اللحية، وإسبال الإزار...... إلخ.
ولو فُرض أن أولئك استقاموا على الشريعة في منظرهم الخارجي فإنك تجد الخواء في الداخل والباطن، وإذا علمتَ هذا لم تتعجب من أن تجد مثل هؤلاء يأكلون أموال الناس بالباطل، أو يعاملون نساءهم بوحشية، أو تراهم يمدون أبصارهم وأسماعهم نحو الحرام من النساء والغناء، وكل هذا بسبب النقص في استقامة قلوبهم على دين الله.
ثانياً:
فتنة النساء هي أضر فتنة على الرجال، وهي أول فتنة كانت لبني إسرائيل، لذا فإن الشريعة المطهرة قد جاءت أحكامها واضحة وصريحة في تحريم الخلوة بالنساء الأجنبيات، وتحريم النظر إليهن، وتحريم مصافحتهن، والاختلاط بهنَّ، وغير ذلك من الخطوات التي تؤدي بالمسلم للوقوع في فاحشة الزنا، ومن تجرأ على شرع الله فأطلق لنفسه العنان في أن تفعل ما تشتهي وتهوى وقع على أم رأسه، وقادته الخطوة إلى أختها، حتى تصل به إلى الهاوية.
عن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ) . رواه البخاري (٤٨٠٨) ومسلم (٢٧٤٠) .
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ) رواه مسلم (٢٧٤٢) .
وعلى الزوجة التي تعلم من زوجها وقوعه فيما حرَّم الله مع النساء الأجنبيات أن تسارع إلى تذكيره بتقوى الله، وأن تخوفه من أليم عذابه، وأن تقطع الطريق على الشيطان أن يقوده إلى الرذائل والفواحش، وأن تبحث عن الأسباب التي أدَّت به إلى الوقوع في هذه المحرمات فتعالجها، فلا تبق خادمة في بيتها، ولا تمكنه من النظر إلى صاحباتها، أو الخلوة بهن، أو الحديث معهن، كما عليها أن تبحث في نفسها فقد تكون مقصرة في حقه في الفراش، ولا تشبع رغبته بسبب عملها، أو انشغالها، أو ضعف شهوتها، وهذا كله لا يعني أنه يحل له ما فعله – إن ثبت عنه – فالزنا من كبائر الذنوب، وهو متزوج، وعقوبته الرجم حتى الموت، وإنما نريد علاج واقع أمامنا، وليس هناك من يعين الأمة على حفظ أعراضها من قوانين وأنظمة وأحوال، بل كل ما في الدنيا يصب في تأجيج الشهوة، وإطلاق العنان لأهلها لتفريغها حيث شاءوا، ونظرة إلى الفضائيات، وعامة وسائل الإعلام تعرِّف الجاهل صدق قولنا.
ومن المهم أن تنظري في جواب السؤال رقم (٧٦٦٩) ففيه بيان كيف تتعامل الزوجة مع زوج يشاهد الأفلام الجنسية ولا يُعطيها حقّها.
ثالثاً:
اتخاذ خادمات في البيوت له مفاسد لم تعد تخفى على أحد، وكم تسبب وجود الخادمات في كثير من المشكلات في بيوت المسلمين، ووقع كثيرون في المعاصي الصغيرة والكبيرة بسبب ذلك.
ويرجى النظر في جواب السؤال رقم (٢٦٢٨٢) ففيه زيادة بيان حول مفاسد إحضار الخادمات، وشروط جواز ذلك.
رابعاً:
الذي ننصحك به تجاه زوجك بعد أن اعترف لك أنه وقع في الزنا:
١. أن تعظيه، وتخوفيه بالله تعالى أن يتوب ويستغفر ويندم على ما فات من فعاله القبيحة.
٢. فإن لم يستجب لهذا، ولم يكف عن ملاحقة النساء، ويترك الزنا: فاطلبي الطلاق منه، فإن لم يرض به: فارفعي أمرك للقضاء ليتم تطليقك منه، فإن لم يتم هذا الفراق إلا بالخلع: فخالعيه، وادفعي ما يطلبه للفكاك منه، وتخليص نفسك من سوئه وشرِّه.
واعلمي أن خطر الزوج الزاني لا يلتصق به وحده، بل يتعداه إلى أولاده، وإليك أنتِ! إلى أولاده بسكوته عما يفعلونه من محرمات ومنكرات، وقد يكون بإشراكهم في أفعاله القبيحة، ويتعداه إليكِ أنتِ بما يمكن أن يؤثر زناه على حالك.
فقد يتلاعب الشيطان بالمرأة ويزين لها أن تقع في الحرام هي الأخرى مغايظةً لزوجها، ومقابلة له على فعله.
فإن هي استجابت للشيطان في ذلك فقد خسرت خسراناً مبيناً.
وانظري كلاماً لشيخ الإسلام ﵀ في ذلك في "مجموع الفتاوى" (٣٢/١٢٠، ١٢١) .
وخلاصة القول: إما أن يتوب توبة صادقة، وإما أن تسعي لمفارقته، بطلاق، أو خلع.
واستعيني بالله تعالى دعاءً، وتضرعاً لهدايته أو التخلص منه، واستعيني بعقلاء أقاربك لتخليصك منه إن لم يتب من ذنبه، وإياكِ أن تجعلي أولادكِ مانعاً من فراقه، فبفراقه تحافظين عليهم، وتحمينهم من سوئه وشرِّه، وبفراقه تستطيعين تربيتهم بعيداً عن مكامن الشر ودواعي الفتنة.
خامساً:
وأما بخصوص بيتك الذي اشتريتيه بقرضٍ ربوي: فكلما تعجلت في سداد هذا القرض والتخلص منه فهو الأولى، ولكن لا يجب عليك ذلك، فلا يلزمك بيع الشقة لتعجيل سداد القرض، وتكفيك التوبة والندم على ما فات والعزم على عدم العودة إلى ذلك.
وانظري جواب السؤالين (٨٥٥٦٢) و (٢٢٩٠٥) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14144
غير مرتاح مع زوجته مع أنها قائمة بجميع واجباتها !
[السُّؤَالُ]
ـ[تزوجت - ولله الحمد - قبل ٦ أشهر، ولكن أشعر بأنني غير مرتاح مع زوجتي، ليس بسبب تقصيرها في حقي، بل هي قائمة بكل واجباتها من ناحيتي ومن ناحية البيت، وأهلي، ولكن المشكلة أنها ليست المرأة التي تمنيتها، حيث إنني أعجب جدّاً بالمرأة الفارعة الطول، وزوجتي قصيرة تقريباً طولها " ١٥٢سم "، وأنا طولي " ١٦٠ سم"، ولكن أحس أنني أنجذب إلى حد الجنون للمرأة التي تفوقني في الطول، مما يجعلني أفكر في بعض الأحيان أن أطلق زوجتي أو أن أتزوج امرأة تكون أطول مني، وهذا جعلني غير مركِّز في عملي، وشارد الذهن، وقليل الإنتاج، على عكس ما كنت عليه في الجامعة، حيث كنت من الطلبة المتفوقين. ألوم نفسي كثيراً عندما أنزل مع زوجتي السوق، وأشاهد امرأة جدّاً طويلة، أحس أنني متندم على زواجي من زوجتي ويتعكر مزاجي، وعلى قولهم " أفك خلقي في زوجتي". في بعض الأحيان أقوم بالدخول على مواقع في الإنترنت تعرض صوراً ومقاطع فيديو لنساء جدا طويلات فأعجب بهن جدّاً، بل إني في بعض الأحيان أجامع زوجتي، وأنا أتخيل صورهن في عقلي. زوجتي هذه جدّاً طيبة، وتقدر لي ظروفي الصعبة، وطباخة ماهرة، وتحسن القيام بأمور البيت وهي التي دائماً، تبدأ بالمصالحة عندما نتخالف، حتى عندما أكون المخطئ، وتحاول دائماً أن تلبس الكعب العالي لتشبع رغبتي في الطول، ولكن أحس الكعب العالي لا ينفع معها لأنها جدّاًَ قصيرة. أنا الآن محتار، فزوجتي غمرتني بطيبتها وافتخارها بي بين صاحباتها وأقاربها، لا أدري ماذا أفعل، أريد أن أركز في عملي، وأصبح متميزاً، كما كنت عليه أيام الجامعة، أريدك أن ترشدني وأن تدعو الله لي بأن يدخل حب زوجتي في قلبي، وأن أجدها أجمل امرأة في عيني.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
هذه المشكلة من أغرب المشكلات التي وصلتنا! ولا ندري ما هو الذي جعلك تقدِّم الطول على الدين، والخلق، وحسن العشرة، وحسن التدبير، وجودة الطبخ من زوجتك الفاضلة، ونخشى أن يبتليك الله تعالى فتطلق هذه المرأة الفاضلة فتتزوج بامرأة طويلة لا تتصف بأي صفة من صفات زوجتك هذه فتندم أشد الندم.
واعلم أن الله تعالى قد أوجب عليك عشرة زوجتك بالمعروف، وإمساكها بإحسان، فلا يحل لك ما تفعله بها، ولا يجوز لك اختراع مشكلات لتتحرش بها فتضايقها أو تهينها بالقول أو الفعل، فإما إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، ولعلك تبحث عن ضالتك في امرأة طويلة، وتترك هذه المرأة الفاضلة لتتزوج بمن يقدِّر دينها وخلقها وحسن تدبيرها لبيت الزوجية، فاحذر من ابتلاء الله، أو عقوبته.
ثانياً:
عليك أن تتأمل هذه الأحاديث:
١. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ) رواه مسلم (١٤٦٧) .
ولم يقل: " خير متاعها المرأة الطويلة "!
٢. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) رواه البخاري (٤٨٠٢) ومسلم (١٤٦٦) .
ولم يقل: " تنكح المرأة لطولها "! ولا قال: " فاظفر بذات الطول "!
ثالثاً:
تأمل معنا كلام أهل العلم فيمن تزوج بالمرأة الصالحة:
١. قال المناوي ﵀:
"قال القاضي: المرأة الصالحة أنفع من الذهب؛ فإن الذهب لا ينفع إلا بعد الذهاب، وهي ما دامت معك رفيقتك، تنظر إليها تسرك، وتقضي إليها عند الحاجة وطرك، وتشاورها فيما يعن لك فتحفظ سرك، وتستمد منها في حوائجك فتطع أمرك، وإذا غبتَ تحامي مالك، وترعى عيالك، ولو لم يكن إلا أنها تحفظ بَذرك، وتربي زرعك: لكفى به فضلاً" انتهى.
" فيض القدير " (١ / ٤٦٥) .
٢. وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
"فقوله ﷺ : (الدنيا متاع) يعني: شيء يُتمتع به، كما يَتمتع المسافر بزاده، ثم ينتهي.
(وخير متاعها المرأة الصالحة) إذا وفق الإنسان لامرأة صالحة في دينها، وعقلها: فهذا خيرُ متاع الدنيا؛ لأنها تحفظه في سره، وماله، وولده، وإذا كانت صالحة في العقل أيضاً: فإنها تدبر له التدبير الحسن في بيته، وفي تربية أولادها، إنْ نظر إليها: سرَّته، وإن غاب عنها: حفظته، وإن وَكل إليها أمرَه: لم تخنه، فهذه المرأة هي خير متاع الدنيا، ولهذا قال النبي ﷺ : (تنكح المرأة لأربع: لمالها، وحسبها، وجمالها، ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) يعني: عليك بها؛ فإنها خير من يتزوجه الإنسان، فذات الدين وإن كانت غير جميلة الصورة: لكن يجمِّلها خلُقها، ودِينُها.
(فاظفر بذات الدين تربت يداك) " انتهى.
" شرح رياض الصالحين " (٢ / ١٢٧، ١٢٨) طبعة ابن الهيثم.
رابعاً:
انظر كيف أثَّر مرضك هذا على نفسك ودينك، فبالإضافة إلى احتقار ما تتصف به زوجتك من أخلاق فاضلة: فإن أضفت إليه إهانتها والتحرش بها، وأضفت إليه النظر المحرَّم إلى النساء الأجنبيات، ولم تكتف بذلك حتى دخلتَ مواقع فاسدة فاجرة لتقضي نهمتك لا من النظر إلى الطويلات بل إلى ذات المنكر والفاحشة، ثم رحت تتخيل تلك الفاجرات أثناء جماعك لزوجتك العفيفة الطاهرة! .
فلا ندري – حقيقة – كيف تمكن الشيطان منك، وكيف سوَّل لك الوقوع في هذه المحرمات من أجل توهم وخيال لا قيمة له عند العقلاء، أرباب الفطر السليمة.
وفي اعتقادنا أنك لا تقبل الزواج بامرأة مفتونة بالرجال الطوال، وتفعل مثل فعلك في كل تفاصيله، فتخيل ذلك للحظة أن يقع من امرأة متزوجة، فكيف تحكم عليها؟ وهو الحكم نفسه الذي تحكم به على نفسك.
والذي يظهر لنا أن ما تشعر به هو من تلاعب الشيطان بك، يريد أن يوقع كره امرأتك في قلبك ليفرق بينكما، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا تطعه فيما يوسوس به لك.
فاحذر من عقوبة الله، واحذر من سخطه، واحذر من أن تفقد زوجتك العفيفة الطاهرة بسبب أفعالك ومعاصيك، واعلم أن الجمال جمال الدين والخلق، وأن فتنتك هذه لو عرضت على عقلاء قومك لسخروا منك، فلا تجعل نفسك ألعوبة بيد الشيطان، واقطع النظر إلى النساء في الشارع، وفي وسائل الإعلام، واقطع النظر في المواقع الفاجرة، واحذر من خاتمة السوء أن تموت عليها.
ونسأل الله أن يُطهِّر قلبك، وأن يهديك لأحسن الأخلاق والأفعال، وأن يحبب إليك الإيمان ويزينه في قلبك، وأن يكرِّه إليك الكفر والفسوق والعصيان.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14145
نذرت أن تترك سماع الأغاني ثم سمعتها
[السُّؤَالُ]
ـ[إحدى صديقاتي نذرت قبل عدة أشهر أنها إذا نجحت في امتحان من الامتحانات ستترك سماع الأغاني، والحمد لله نجحت وتركت سماع الأغاني لعدة أشهر، ولكنها في الفترة الأخيرة عادت إلى سماعها. هل عليها التكفير كلما سمعت الأغاني أم التكفير مرة واحدة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الواجب عليها ترك سماع الأغاني سواء نذرت ذلك أم لم تنذر، ويتأكد عليها تركها من أجل النذر، وعقوبة مخالفة النذر عظيمة، قال الله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) التوبة/٧٥-٧٧.
فيجب عليها التوبة إلى الله تعالى من سماع الأغاني، والتوبة من عدم الوفاء بالنذر.
وسماع الأغاني والمعازف تفسد القلب، حتى يقع في النفاق، ولهذا قال من قال من السلف: الغناء ينبت النفاق في القلب.
وصدقوا، والواقع شاهد بهذا، فإن من يسمع الأغاني يحب سماعها، ويفضلها على سماع القرآن الكريم وتلاوته، وهذا من النفاق، وكلما زاد من السماع زاد من النفاق.
وقد يعجل الله تعالى العقاب لسامعي الغناء والمعازف في الدنيا، وهو عقاب شديد.
قال النبي ﷺ : (فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَتَى ذَاكَ؟ قَالَ: إِذَا ظَهَرَتْ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ وَشُرِبَتْ الْخُمُورُ) رواه الترمذي (٢١٣٨) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
فالأمة مهددة بهذه العقوبات إذا ظهرت المعازف والقينات (المغنيات) .
وأخبرنا الرسول ﷺ عن جماعة يذهبون إلى أصل جبل، يسمعون المعازف ويشربون الخمر، فيخسف الله بهم الجبل، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة. رواه البخاري. ورواه ابن ماجه بلفظ (٤٠٢٠) : (لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، يُعْزَفُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمْ الْأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
فعلى المؤمن أن يجتنب ما يغضب الله تعالى.
وأما بالنسبة للكفارة، فيجب عليها كفارة واحدة.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →