← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 14386–14425 · переход к 14391.

стр. 14386

يخالفون الشرع ويتذرعون بوجود من يفعل ذلك من أهل الاستقامة [السُّؤَالُ] ـ[بعض أئمة المساجد وأساتذة التربية الإسلامية وغيرهم مما يعتبرون قدوة لأناس غيرهم يأخذون من لحاهم - والبعض يحلقها كلها -، ويسبلون ثيابهم، فإذا حاججت بعض ضعاف النفوس على حرمة هذه الأمور: يقول لك: فلان إمام مسجد، ومسبل ثوبه، أو فلان مدرس إسلاميات، ويحلق لحيته. نريد منكم كلمة في مثل هؤلاء الأئمة، ومن في دورهم، وخطر ما يفعلونه على أنفسهم، وعلى الناس كلهم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: تعلق بعض المخالفين للشرع بفعل بعض أئمة المساجد، أو مدرسي التربية الإسلامية: لا ينفعهم عند ربهم؛ لأن المطلوب من المسلم أن يقتدي بالنبي ﷺ ، ولا يجوز له أن يقوم هدي أحد على هدي النبي ﷺ ، قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) الأحزاب/٢١، وقال الله تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) القصص/٦٥. . فإذا اتضحت سنة النبي ﷺ فلا يجوز لمسلم أن يتركها من أجل فعل فلان من الناس أو قوله. قال الإمام الشافعي ﵀: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة النبي ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. ثانياً: ينبغي لمن صار قدوة للناس أن يكون أكثر اعتناء باتباع السنة، وعدم مخالفتها، لأن الناس يقتدون به، وينظرون إلى فعله على أنه هو الشرع. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: " ولهذا يجب على أهل العلم ما لا يجب على غيرهم، في العبادات، في الأخلاق، في المعاملات؛ لأن الناس يقتدون بهم، يقتدون بهم تماماً، حتى إن بعض الناس يجلس إلى العالم وهو يصلي - مثلاً - ويحصي عليه حركاته، وسكناته، ولما كبر ابن عمر ﵄ صار لا يجلس للصلاة مفترشاً، فقال له أحد أبنائه: (يا أبت كيف هذا الجلوس؟ فقال: إن رجليِّ لا تقلاني) ، فانظر إلى نظرة الناس إلى العالم، يحصون عليه حتى فعله، حتى تركه، لذلك يجب على طلبة العلم أن يكونوا مثالاً طيباً حسناً في كل شيء، حتى يكونوا قدوةً صالحة، وحتى يحترمهم الناس " انتهى. " اللقاء الشهري " (مقدمة اللقاء رقم ٤٩) . وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: " والعالِم يُعرف بصبره، وتقواه لله , وخشيته له , ومسارعته إلى ما أوجب الله ورسوله , وابتعاده عما حرم الله ورسوله. هكذا يكون العالم، سواءً كان مدرساً، أو قاضياً، أو داعياً إلى الله , أو في أي عمل , فواجبه أن يكون قدوة في الخير , وأن يكون أسوة في الصالحات , يعمل بعلمه، ويتق الله أين ما كان , ويرشد الناس إلى الخير , حتى يكون قدوة صالحة لطلابه , ولأهل بيته ولجيرانه ولغيرهم ممن عرفه , يتأسون به: بأقواله، وأعماله الموافقة لشرع الله . وعلى طالب العلم أن يحذر غاية الحذر من التساهل فيما أوجب الله , أو الوقوع فيما حرم الله؛ فإنه يُتأسى به في ذلك , فإذا تساهل: تساهل غيره , وهكذا في السنَّة، والمكروهات , ينبغي له أن يحرص على تحري السنن , وإن كانت غير واجبة؛ ليعتادها، وليَتأسى الناس به فيها , وأن يبتعد عن المكروهات، والمشتبهات؛ حتى لا يتأسى به الناس فيها. فطالب العلم له شأن عظيم , وأهل العلم هم الخلاصة في هذا الوجود , فعليهم من الواجبات والرعاية ما ليس على غيرهم , يقول الرسول ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " انتهى. " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٢ / ٣١٢، ٣١٣) . ٢. وقال ﵀ أيضاً -: " (وَمنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) هذه الآية العظيمة تبين لنا أن الداعي إلى الله ينبغي أن يكون ذا عمل صالح يدعو إلى الله بلسانه، ويدعو إلى الله بأفعاله أيضاً , ولهذا قال بعده: (وَعَمِلَ صَالِحًا) ، فالداعي إلى الله يكون داعية باللسان , وداعية بالعمل , ولا أحسن قولاً من هذا الصنف من الناس , هم الدعاة إلى الله بأقوالهم الطيبة، وهم يوجهون الناس بالأقوال والأعمال، فصاروا قدوة صالحة في أقوالهم، وأعمالهم، وسيرتهم. وهكذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام , دعاة إلى الله بالأقوال، والأعمال، والسيرة , وكثير من المدعوين ينتفعون بالسيرة أكثر مما ينتفعون بالأقوال، ولا سيما العامة، وأرباب العلوم القاصرة؛ فإنهم ينتفعون من السيرة، والأخلاق الفاضلة، والأعمال الصالحة ما لا ينتفعون من الأقوال التي قد لا يفهمونها , فالداعي إلى الله من أهم المهمات في حقه أن يكون ذا سيرة حسنة، وذا عمل صالح، وذا خلُق فاضل حتى يقتدى بأفعاله، وأقواله وسيرته. ... . فهذه الآية العظيمة فيها الحث، والتحريض على الدعوة إلى الله ، وبيان منزلة الدعاة، وأنهم أحسن الناس قولاً إذا صدقوا في قولهم، وعملوا الصالحات، وهم أحسن الناس قولاً، ولا أحد أحسن منهم قولاً أبداً، وعلى رأسهم: الرسل عليهم الصلاة والسلام , ثم أتباعهم على بصيرة إلى يوم القيامة " انتهى. " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٣ / ١١٠، ١١١) . ونسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يهدي الدعاة وطلبة العلم لما فيه صلاحهم وصلاح الناس. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14387

من الأسباب المعينة على تجاوز الجبن والكسل في الدعوة إلى الله [السُّؤَالُ] ـ[ما هي الأسباب المعينة على الدعوة , والتخلص من تلبيسات الشيطان أثناء الدعوة كاليأس والجبن والكسل وغيرها؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله بالتأمل في عوائق اليأس والجبن والكسل - وهي من أخطر العوائق التي تواجه الدعاة - يمكن اقتراح علاجين اثنين مهمين يعينان على مواجهة هذه التحديات: أولا: تذكر ما عند الله من أجر عظيم وفضل كبير، فمن أيقن أن الله تعالى هو الذي تكفل له بالأجر والثواب، وأنه ينظر إليه وهو يدل عليه ويرشد الناس إليه، لم يتردد يوما ولا لحظة في الاستمرار بسعيه، والاجتهاد في طريقه، وتجاوز كل ما يدعو إلى اليأس والكسل والجبن، والداعية الحكيم هو الذي لا تغيب عن خاطره الآيات التي تبشر الدعاة ومعلمي الناس الخير، كقوله : (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) التوبة/١١٢، وكقوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ. وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فصلت/٣٠-٣٣. ثانيا: قراءة سير الدعاة إلى الله تعالى، والتركيز على سيرة سيد الدعاة محمد ﷺ ، وذلك للاطلاع على شيء من علو همم هؤلاء الدعاة العظام، والاقتباس من نورهم، والاقتداء بهديهم، وكيف أنهم لم يكسلوا ولم يجبنوا ولم ييأسوا، بل كان شعار الجميع ما قاله ﷺ حين ظن ملك الجبال أنه ﷺ يئس من قومه فعرض عليه أن يهلكهم بأمر الله، فأجابه ﷺ جواب الواثق المطمئن: (بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) رواه البخاري (٣٢٣١) ومسلم (١٧٩٥) فأي يأس يبقى بعد أن يرى الداعية هذه الهمة العظيمة، وأي جبن يبقى بعد أن يقرأ ما لقيه الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان والعلماء الكرام في سبيل إيصال هذه الشريعة النقية إلينا اليوم، ألم يُقتل الآلاف من خيرة الناس في هذا السبيل، ألم يعذب مثلهم من الصالحين، ألم يُبتل بالسجن والحرمان من لا يحصيهم إلا الله، فأي فضل يرجو مَن يقعد في بيته، ويتكاسل عن نشر دين الله ونصرة الحق والعدل في الأرض، أيظن أنه يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، أم يظن أن الموازين يوم القيامة تبخس الناس أعمالهم، وقد سبقتنا قرون سابقة من الهمم العالية في هذا المضمار، فمن اطلع على سيرهم، ووقف على أخبارهم انبعثت نفسه للعمل، وقامت همته كما قامت همم الأوائل، وقد قال خالد بن الوليد ﵁: (فلا نامت أعين الجبناء) رواه ابن عساكر في " تاريخ دمشق ". يقول الدكتور سيد العفاني حفظه الله: " قال أحمد بن داود أبو سعيد الواسطي: دخلت على أحمد الحبس قبل الضرب، فقلت له في بعض كلامي: يا أبا عبد الله: عليك عيال، ولك صبيان، وأنت معذور. كأني أسهل عليه الإجابة، فقال لي أحمد بن حنبل: إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد فقد استرحت!! وما أكثر ما يقال مثل هذا للدعاة اليوم، وما أكثر من يفهم الإسلام ثم يحدث نفسه بمثل هذا، فيجبن وينزوي ولا يشارك الدعاة سيرهم، وإنما هو حديث من استراح، كما يقول الإمام أحمد، وأما من لدغ واقعُ المسلمين قلبَه فأنَّى له الراحة؟! وأنَّى يَدَعُ لصبيانه وزوجه تخذيله وتقييده عن الاندفاع للدعوة لدين الله؟ وهل الموت إلا بآجال؟ (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) آل عمران/١٤٥. إن عهد الدعوة لن يقدم أجلا، ولكنه يرفع إلى الفراديس. فإن لم يكن المسلم مع أحمد، أو مع ورثة أحمد، وقعد لعذر أو شبه عذر فإنه مطالب بالأسف وازدراء نفسه على الأقل، ألا يكون مع القوم الدعاة العاملين، كما قيل للزاهد بشر بن الحارث الحافي يوم تعذيب أحمد بن حنبل: قد ضرب أحمد بن حنبل إلى الساعة سبعة عشر سوطا، فمد بشر رجله وجعل ينظر إلى ساقيه ويقول: ما أقبح هذا الساق؛ أن لا يكون القيد فيه نصرة لهذا الرجل. إن المسلم الصادق إن عذر نفسه وأفتاها بالتخلف عن ركب الدعاة خوفا من الفتنة وبطش الطغاة، " أو لنوع ضرورة أو ضعف يدريه من نفسه، أو شبهة، عرف ما يوجبه ذلك من التواضع وترك التطاول على الدعاة، ويظل يتهم نفسه في اجتهاده، ويمنح الصابرين المقتحمين المتجردين للدعوة لسانا جميلا، يكون لهم فيه نوع سلوة وراحة، وأما أسير هواه فيجادل ويثرثر، ويقذف لسانه بكل لفظ صلب ألا يوصف بتخلف، فيجمع بجداله نقصا إلى نقص والعياذ بالله " انتهى. " صلاح الأمة في علو الهمة " (٢/١٠٠-١٠٢) وانظر فصلا مهما بعنوان: " كيف تعلو الهمم " من المجلد السابع من كتاب " صلاح الأمة في علو الهمة " (ص/٢٨٥- ٣٦٧) ، فقد ذكر فيه ثلاثة وثلاثين سببا معينا على علو الهمة وتجاوز أسباب العجز والكسل. وننصحك ـ أخانا الكريم ـ بقراءة فصل علو الهمة في الدعوة إلى الله، (٢/٥-١٤١) ، وأيضا: رسالة "الحَوْر بعد الكَوْر"، لفضيلة الشيخ محمد بن عبد الله الدويش، حفظه الله، ورسالة "عجز الثقات"، لفضيلة الشيخ الدكتور محمد موسى الشريف، حفظه الله. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14388

جواز صرف الزكاة في الدعوة إلى الله [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز صرف الزكاة في الدعوة إلى الله؟ فيصرف منها على الدعاة وعلى طلبة العلم، وتفتح مكاتب للدعوة بما فيها من أثاث وأجهزة، ونشتري كتباً وتوزع على المدعوين؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله بَيَّن الله تعالى مصارف الزكاة بقوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) التوبة/٦٠. وجمهور العلماء على أن المراد بقوله تعالى: (وفي سبيل الله) الجهاد في سبيل الله. وانظر جواب السؤال رقم (٢١٨٠٥) . وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الجهاد في سبيل الله يشمل الجهاد بالنفس والسلاح، ويشمل أيضاً: جهاد العلم، والرد على شبه المشركين، وبيان بطلان ما هم عليه من الدين، وبيان محاسن الإسلام، والدعوة إليه. وقد ورد في النصوص الشرعية إطلاق "الجهاد" على جهاد العلم والدعوة إلى الله. ١- قال الله تعالى في سورة الفرقان، وهي سورة مكية، لم يكن جهاد السلاح شرع حينئذ: (فَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) . قال ابن عباس ﵄: (وجاهدهم به) أي: بالقرآن. تفسير ابن جرير (١٩/٢٨٠) . وقال ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" (٣/٥) : "فهذه سورة مكية أمر فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان، وتبليغ القرآن" انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وإذا كان كذلك فمعلوم أن الجهاد منه ما يكون بالقتال باليد، ومنه ما يكون بالحجة والبيان والدعوة، قال الله تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) سورة الفرقان/٥١، ٥٢، فأمره الله أن يجاهد الكفار بالقرآن جهادا كبيرا، وهذه السورة مكية نزلت بمكة، قبل أن يهاجر النبي ﷺ ، وقبل أن يؤمر بالقتال، ولم يؤذن له، وإنما كان هذا الجهاد بالعلم والقلب والبيان والدعوة، لا بالقتال" انتهى. "منهاج السنة النبوية" (٨/٨٦) . ٢- وقال النبي ﷺ : (جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ) رواه أبو داود (٢٥٠٤) . وصححه الألباني في صحيح أبي داود. وقد اختار هذا القول بعض علمائنا المعاصرين، وبه صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي. قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀: "وها هنا أمر هام يصح أن يصرف فيه من الزكاة، وهو إعداد قوة مالية للدعوة إلى الله، ولكشف الشبه عن الدين، وهذا يدخل في الجهاد، هذا من أعظم سبيل الله. فإن قام ولاة الأمر بذلك فإنه متعين عليهم، وهذا من أهم مقاصد الولاية، التي من أجلها أُمر بالسمع والطاعة لحماية حوزة الدين، فإذا أخل بذلك من جهة الولاة فواجب على المسلمين أن يعملوا هذا، لاسيما في هذه السنين، فقد كان في نجد في كل سنة يبذلون جهاداً لأجل التقوِّي به، فلو كان الناس يجمعون منه الشيء الكثير للدعوة إلى الله وقمع المفسدين بالكلام والنشر فإنه يتعين" انتهى. "مجموع فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ" (٤/١٤٢) . وجاء في قرار المجمع الفقهي: "بعد تداول الرأي ومناقشة أدلة الفريقين قرر المجلس بالأكثرية ما يلي: ١- نظرا إلى أن القول الثاني قد قال به طائفة من علماء المسلمين وأن له حظا من النظر في بعض الآيات الكريمة مثل قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ، ومن الأحاديث الشريفة مثل ما جاء في سنن أبي داود أن رجلا جعل ناقة في سبيل الله فأرادت امرأته الحج فقال لها النبي ﷺ : (اركبيها فإن الحج في سبيل الله) . ٢- ونظرا إلى أن القصد من الجهاد بالسلاح هو إعلاء كلمة الله تعالى، وأن إعلاء كلمة الله تعالى كما يكون بالقتال يكون-أيضاً- بالدعوة إلى الله تعالى ونشر دينه بإعداد الدعاة ودعمهم ومساعدتهم على أداء مهمتهم، فيكون كلا الأمرين جهادا، لما روي الإمام أحمد والنسائي وصححه الحاكم عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) . ٣- ونظرا إلى أن الإسلام محارب بالغزو الفكري والعقدي من الملاحدة واليهود والنصارى وسائر أعداء الدين، وأن لهؤلاء من يدعمهم الدعم المادي والمعنوي، فإنه يتعين على المسلمين أن يقابلوهم بمثل السلاح الذي يغزون به الإسلام وبما هو أنكى منه. ٤- ونظرا إلى أن الحروب في البلاد الإسلامية أصبح لها وزارات خاصة بها، ولها بنود مالية في ميزانية كل دولة، بخلاف الجهاد بالدعوة، فإنه لا يوجد له في ميزانيات غالب الدول مساعدة ولا عون. لذلك كله فإن المجلس يقرر-بالأكثرية المطلقة- دخول الدعوة إلى الله تعالى وما يعين عليها ويدعم أعمالها في معنى (وفِي سَبِيلِ اللهِ) في الآية الكريمة."انتهى. كما صدرت بذلك فتوى الندوة الأولى لقضايا الزكاة المعاصرة جاء فيها: "إن مصرف في سبيل الله يراد به الجهاد بمعناه الواسع الذي قرره الفقهاء بما مفاده حفظ الدين وإعلاء كلمة الله ويشمل مع القتال الدعوة إلى الإسلام، والعمل على تحكيم شريعته، ودفع الشبهات التي يثيرها خصومه عليه، وصد التيارات المعادية له. وبهذا لا يقتصر الجهاد على النشاط العسكري وحده، ويدخل تحت الجهاد بهذا المعنى الشامل ما يلي: أ- تمويل الحركات العسكرية الجهادية التي ترفع راية الإسلام وتصد العدوان على المسلمين في شتى ديارهم. ب- تمويل مراكز الدعوة إلى الإسلام التي يقوم عليها رجال صادقون في البلاد غير الإسلامية بهدف نشر الإسلام بمختلف الطرق الصحيحة التي تلائم العصر، وينطبق هذا على كل مسجد يقام في بلد غير إسلامي يكون مقرا للدعوة الإسلامية. ج- تمويل الجهود التي تثبت الإسلام بين الأقليات الإسلامية في الديار التي تسلط فيها غير المسلمين على رقاب المسلمين، والتي تتعرض لخطط تذويب البقية من المسلمين في تلك الديار" انتهى. "فتاوى وتوصيات ندوات قضايا الزكاة المعاصرة" (٢٥) . وانظر: بحثا بعنوان: "مشمولات مصرف (في سبيل الله) " للدكتور عبد الله بن منصور الغفيلي. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14389

هل يقرهم على لعب البلوت (الكوتشينة) حتى لا يذهبوا إلى المراقص والملاهي ؟ [السُّؤَالُ] ـ[نحن إخوانكم نتلقى العلاج في أمريكا، ونسكن بمجمع سكني قرابة عشرين أسرة، ولا يوجد لدينا مسجد بالمجمع، وقد قام أحد المحسنين باستئجار إحدى الشقق لمدة سنة لجعلها مصلى ولاجتماع الإخوان فيها واستئناسهم وإلقاء الدروس عليهم. وبعد الفراغ من صلاة العشاء يقوم بعض الإخوة هداهم الله بلعب الورق (البلوت) في هذه الشقة وقد أنكر عليهم أحد الإخوة بأنه لا يجوز لعبها فكيف بالمصلى. فرد أحدهم وقال إن تركوا هذه اللعبة وجدوا فراغا لديهم يؤدي بهم الذهاب إلى المراقص والنوادي والملاهي الليلية الخليعة. علماً أن بعض من يلعبها يحضر صلاة الفجر. نرجو من فضيلتكم إفتاءنا عن جواز هذه اللعبة في المكان المستأجر والحال ما ذكر؟ ، وهل يجوز اللعب بمثل هذا المصلى الذي أوقفه ذلك المحسن للصلاة والاجتماع وذكر بالله؟ ، وهل يجوز الجلوس معهم وهم يلعبون هذه اللعبة أم لا بد من مفاصلتهم؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "أرى أنه لا يجوز هذا اللعب في هذا الموضع الذي أعد لأداء الصلاة والذي استأجره هذا المحسن، ولا شك أن جنس هذا اللعب مما لا فائدة منه إضاعة للوقت الثمين الذي يجب أن يستغل في تعلم العلم النافع وفى الذكر والدعاء والعبادة والكسب المباح، لكن إذا عرف بأنهم إذا لم يقوموا بهذا اللعب انصرفوا إلى ما هو شر منه كالمسارح وأماكن الرقص والأغاني ومشاهدة النساء العاريات والأفلام الخليعة والصور الفاتنة جاز لهم الانشغال بهذه اللعبة التي تشغلهم عن المعاصي والشرور، وعن أسباب الفتن، فإن بعض الشر أهون من بعض، ولكن لا ينشغلون بها في هذا المكان الذي أعد للصلاة والمذاكرة، بل يرجعون إلى مساكنهم، أو ما يصلح لمثل هذا اللعب كالنوادي والمتنزهات وما أشبهها. والله أعلم" انتهى. الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين. http://www.ibn-jebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=١٠٩٩١&parent=٣٣٤٥ [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14390

عمل مسابقة في الأسماء الحسنى بين أعضاء المنتدى [السُّؤَالُ] ـ[انتشرت في الكثير من المنتديات ما يعرف بمسابقة أسماء الله الحسنى، ويشارك فيها الأعضاء بدعوى رفع الرصيد من الحسنات , فيكتب كل عضو اسما من أسماء الله الحسنى ثم يأتي بعده عضو آخر ويكتب اسماً آخر وهكذا , وقد يختلف هذا الوضع من منتدى إلى آخر، فلا يكتفي البعض بذكر الاسم بل يضيف كل منهم معنى الاسم الذي ذكره , ما حكم مثل هذه المواضيع؟ وهل تدخل ضمن الذكر الجماعي المنهي عنه؟ علما أن دخول كل عضو إلى الموضوع والمشاركة فيه يختلف عن العضو الآخر كل بحسب الوقت الذي يدخل فيه إلى المنتدى. أفيدونا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا حرج في إقامة هذا النوع من المسابقات، لما فيه من نشر الخير، وتعميم الفائدة، وزيادة العلم، لا سيما إذا كتب المشارك معنى الاسم الذي يذكره، مع أهمية الاعتماد على الكتب الصحيحة في ذلك، والحذر من النقل عن أهل البدع والانحراف. وينصح لمن أراد الوقوف على ما ثبت من أسماء الله تعالى في القرآن والسنة، مراجعة: "القواعد المثلى" للشيخ ابن عثيمين ﵀، و "صفات الله الواردة في الكتاب والسنة" للشيخ علوي السقاف حفظه الله. وينبغي تشجيع الأعضاء على حفظ هذه الأسماء والعناية بها؛ لما روى البخاري (٢٧٣٦) ومسلم (٢٦٧٧) عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلاّ وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) . والإحصاء المذكور في الحديث يتضمّن ما يلي: ١- حفظها. ٢- معرفة معناها. ٣- العمل بمقتضاها: فإذا علم أنّه الأحد فلا يُشرك معه غيره، وإذا علم أنّه الرزّاق فلا يطلب الرّزق من غيره، وإذا علم أنّه الرحيم فلا ييأس من رحمته، وهكذا. ٤- دعاؤه بها كما قال : (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) ، وذلك كأن يقول: يا رحمن ارحمني، يا غفور اغفر لي، يا توّاب تُبْ عليّ ونحو ذلك. وهذه المسابقة لا تدخل في الذكر الجماعي المبتدع، فإن ذلك ما كان بصوت واحد، وهو منتف هنا. وينظر للفائدة جواب السؤال رقم (١١١٥٦٢) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14391

المشاركة في المنتديات الدعوية على الإنترنت [السُّؤَالُ] ـ[أنا شاب مستقيم وطالب علم وأدرس في كلية الشريعة وعندي رغبة في الدخول للإنترنت، وأود أن أشترك في منتدى، ولكن كما تعلمون فإن كثيرا من المنتديات فيها من المخالفات الشرعية الشيء الكثير. وبحكم خبرتكم واطلاعكم على الإنترنت أفضل مني أرجو منكم أن تدلوني على منتدى يعجبكم وتنصحون فيه، لكي يكون دخولي للإنترنت محددا ولا ألتفت لأشياء أخرى لأن فكرة المنتديات وقراءة المواضيع والردود تعجبني. فإن لم يتيسر ذلك فما هي الطريقة المثلى لمعرفة المنتدى المناسب؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله المشاركة في المنتديات باب من أبواب الخير، والدعوة إلى الله تعالى، وتحصيل العلم والفائدة، واكتساب الصداقة النافعة، إذا كانت المشاركة في منتديات منضبطة، يحرص القائمون عليها على منع المنكرات، من صور، وعلاقات محرمة، وجدال، وإسفاف، وغير ذلك مما يوجد في بعض المنتديات. والمنتديات المنضبطة كثيرة ولله الحمد، منها: ١- ملتقى أهل الحديث http://ahlalhdeeth.com/vb/index.php ٢- ملتقى أهل التفسير http://www.tafsir.org/vb/ ٣- الألوكة http://www.alukah.net/ ٤- الكاشف http://www.alkashf.net/ وينظر جواب السؤال رقم ٨١٨٥ لمعرفة بعض الآداب التي يلزم مراعاتها عند المشاركة في منتديات الحوار. ونسأل الله تعالى لنا ولك التوفيق والسداد والرشاد. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14392

هل يجوز للكافر دخول المسجد لسماع محاضرة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز للكافر دخول المسجد لحضور محاضرة أو درس فيه تعليم ودعوة إلى الإسلام؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "نعم، يجوز هذا – إذا أمنا من أن يعتدي هذا الكافر بتلويث المسجد، لأن هذا الدخول لمصلحته، ولا يضر المسجد شيئاً، فكما أنه يجوز للكافر أن يدخل المسجد، ويمكث فيه لإصلاح شيء في المسجد، لأن ذلك من مصلحة المسجد، يجوز كذلك أن يدخل لسماع المحاضرات التي ربما تكون سبباً لهدايته، وقد ربط النبي ﷺ ثمامة بن أثال في المسجد" انتهى. فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀. "الإجابات على أسئلة الجاليات" (١/٢١، ٢٢) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14393

هل حمل التتار الإسلام إلى آسيا ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما رأيكم فيمن يقول: إن التتار في هجومهم على المسلمين في بغداد دخلوا بعد ذلك دين الله، وحملوا الدين إلى رقاع من آسيا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: ينبه بعض المحققين من المؤرخين المعاصرين على أن الجيوش التي غزت بلاد المسلمين بقيادة " جنكيزخان " (ت ٦٢٤هـ، ١٢٢٧م) فأهلكت الحرث والنسل هي جيوش مغولية الأصل، وليست تتارية، وبين هذين الجنسين والعرقين فرق كبير، وسبب الخلط بينهما هو أن المغول بقيادة " جنكيزخان " بعد أن تغلبوا على التتار أرغموا بعضهم على الانضمام إلى جيوشهم ومشاركتهم في حروبهم قسرا، ومع قيام بعض الأسباب السياسية، وخاصة في العصور المتأخرة، اشتهر اسم " التتار " على تلك الجيوش، بل وأصبح وصف " التتار " علما على الهمجية والقسوة والوحشية، في تفاصيل معقدة من تاريخ شعوب تلك المنطقة، يمكن الاطلاع عليها في دراسة متقنة للدكتور: أبرار كريم الله، بعنوان " مَن هم التتار ". ثانيا: ديانة المغول الأولى عبادة الكواكب والسجود للشمس، وكانوا يرون أن (تَنْكَرَى) وهو الرب الذي يعلو السماء الزرقاء يبارك خطواتهم، وأنهم خلقوا ليحكموا العالم كله، ولهذا سمى زعيمهم نفسه بـ " جنكيز خان " أي: حاكم العالم. وكان يحكم بكتاب جمعه من شرائع مختلفة أسماه " الياسق " جعله القانون الذي يتحاكمون إليه. غير أن المغول تأثروا بالبلاد التي غزوها – وهي بلاد واسعة تمتد من روسيا إلى أوروبا إلى بلاد الشام، فكان بعضهم يعتنق البوذية أو النصرانية، وآخرون يعتنقون الإسلام، وبعضهم يبقى على ما هو عليه. أما اعتناقهم للإسلام فقد ذكره المؤرخون في كتبهم عن كثير من كبار قادتهم، أنهم انتسبوا للإسلام وأعلنوا انتماءهم له، غير أن كثيرا من محققي العلماء والفقهاء في عصرهم – ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية - لم يقبلوا انتسابهم الاسمي إلى دين الإسلام، وطالبوهم بتحقيقه قولا وفعلا، وأفتوا بكفر فئاتهم التي لم تعمل بالإسلام في شعائرها الظاهرة، ومن أهمها الصلاة والأذان والحكم بالشريعة واعتقاد حرمة المسلم على المسلم. ولكننا نذكر هنا ما ينقله المؤرخون، كي نعطي صورة " مجتزأة " للإسلام الذي حمله المغول. جاء في دراسة الدكتور محمود السيد " التتار والمغول " (ص/١٥٠ – ١٥٤) : " اعتنق " كورجوز " حاكم فارس من قبل " أجتاي خان " الديانة الإسلامية في أواخر عهده، بعد اعتناق بركة خان القبيلة الذهبية ٦٥٤هـ - ٦٦٦هـ للعقيدة الإسلامية في أول نصر حقيقي للإسلام، خاصة بعد أن تبعه السواد الأعظم من رعيته، حتى إن كل رجال جيوشه كانوا مسلمين وهم مغول، وتبع ذلك توثيق الروابط السياسية بين " بركة خان " و" بيبرس " سلطان مصر، وتحالف كلاهما ضد أسرة " هولاكو " في فارس. ولما انتشر المغول في بلاد الصين، واعتنق بعض ملوكهم دين الإسلام في القرن السابع الهجري، وجعلوا مدينة " كاشغر "/غرب الصين عاصمة دولتهم الجديدة، أشير على ملك الصين المغولي " بركة خان " زعيم القبيلة الذهبية بمهادنة الخليفة المستعصم العباسي ٦٤٠هـ. ولما انتشر العنصر المغولي المسلم في الجبهة الغربية والشمالية من البلاد أخذ الصينيون الأصليون يتربصون بالمسلمين الدوائر، لا سيما عندما أعلن الأمير " يعقوب خان " ٦٧٩هـ استقلاله بمملكة " كاشغر " في الشمال الغربي. ولما أراد دعم الوحدة الإسلامية بايع السلطان العثماني بالخلافة، وانضوى تحت لوائه، ليكون له سندا، وطلب من دار الخلافة خبراء في الفنون الحربية، وسائر الصناعات الهندسية. كما توطدت العلاقات بين " بركة خان " زعيم القبيلة الذهبية والظاهر " بيبرس "، بل وتحالف الفريقان ضد عدوهما المشترك الذي يمثل " هولاكو " في فارس، ولم يدخر وسعا " هولاكو "، فأسرع في البحث عن حلفاء يناصرونه على هؤلاء المسلمين، فتحالف مع زعماء الصليبيين في بلاد الشام، وقد شجعت " هولاكو " زوجته المسيحية على هذا الخط لتصرفه عن الديانة الإسلامية. وعلى الرغم من كل هذه الجهود، وأن نفوذ المسلمين بدأ يقوى على مر الزمن، دخل كثيرون من الحكام المغول في الإسلام. فعندما تولى " غازان محمود " أحد إيلخانات الحكم في فارس ٦٩٤ – ٧٠٣هـ اعتنق الدين الإسلامي، وطالب رعاياه بالدخول في الإسلام، وأعلن أن دين الإسلام هو الدين الرسمي للدولة. ومنذ ذلك الحين بدأ الإسلام ينتشر انتشارا سريعا في دولة إيلخانات المغول في فارس. واستقر المغول في البلاد الإسلامية، وتشبعوا بالروح الإسلامية تدريجيا، وأسسوا أسرة إيلخانات المغول في فارس، وتطبعوا بالطابع الإسلامي مع ارتباطهم بالشعب المغولي في شرق آسيا، مما أدى إلى سهولة تبادل المعلومات في مختلف نواحي الحياة بين شرق آسيا وغربها. قوي نفوذ المسلمين بعد اعتناق " تكودار أحمد " الديانة الإسلامية ٦٨٠هـ، وهو أحد أبناء هولاكو، عمل على جذب أتباعه إلى الإسلام، فقدم العطايا والمنح لكل من يعتنق الإسلام، ومنحهم ألقاب الشرف في دولته " انتهى باختصار. ويقول الدكتور عبد الرحمن المحمود: " مسألة تأثر التتار واعتناق بعضهم الإسلام تحتاج إلى تفصيل؛ لأن بعض التتار- من أبناء عم هولاكو- دخلوا في الإسلام قبل معركة عين جالوت ولذلك يمكن توضيح هذا الأمر كما يلي: ١- قسم جنكزخان مملكته بين أولاده، فكان من نصيب أحدهم وهو " جوشى " أكبر أبنائه؛ البلاد الواقعة بين نهر " أرتش " والسواحل الجنوبية لبحر قزوين، وكانت تلك البلاد تسمى القبشان، ويطلق عليها اسم القبيلة الذهبية - نسبة إلى خيام معسكراتها ذات اللون الذهبي - فلما مات " جوشى " خلفه أحد أولاده الذي تلقب بـ " خان " القبائل الذهبية ثم تولى بعده ولده، ثم تولى بعده " بركة خان " سنة ٦٥٤ هـ، وكان بركة هذا مسلما، لذلك عمل على نشر الإسلام بين قبيلته وأتباعه، وأظهر شعائر الإسلام واتخذ المدارس وأكرم الفقهاء وكان يميل إلى المسلمين ميلا شديدا. وقد بدا هذا في ظاهرتين: أولاهما: محاربته لابن عمه " هولاكو "، خاصة بعد استيلائه على بغداد وقتله للخليفة، وقد ظهرت بينهما خصومات ومعارك. وقد أقلق موقفه وإسلامه الطاغية " هولاكو " الذي اتجه إلى محالفة المسيحين ضد " بركة " وحلفائه. ثانيهما: دخوله ومن جاء بعده في حلف سلاطين المماليك، الظاهر " بيبرس "، والناصر " قلاوون " وغيرهما، وقد توطدت العلاقة بين هاتين الدولتين، خاصة بعد المصاهرة التي تمت بينهم، وتبادل الرسل والهدايا، ومواجهتهم لعدو مشترك هم التتار الكفار. ٢- أما دولة المغول الكبرى في إيران وما جاورها والتي منها انطلقت جحافلهم لغزو العراق والشام، فقد حدث في عام ٦٨٠ هـ أن أسلم أحد أولاد " هولاكو " وهو السلطان " تكودار بن هولاكو " الذي تسمى بعد إسلامه باسم أحمد، فصار اسمه: أحمد بن هولاكو، وقد أعلن إسلامه في منشور أصدره لما جلس على العرش ووجهه إلى أهل بغداد، كما أرسل رسالة إلى السلطان المنصور " قلاوون " يعلن اهتداءه إلى الإسلام، ويدعو إلى المصالحة ونبذ الحرب، ولم يتخل - كما هو واضح من رسالته هذه - عن افتخاره واستعلائه على سلطان المماليك، وقد رد عليه السلطان " قلاوون "، ثم تبودلت الرسائل بينهم، ولكن لم تكن العلاقات بينهم جيدة كما يظهر من صيغة الرسائل المتبادلة. ومما يجدر ذكره أن السلطان أحمد دخل لوحده في الإسلام، ولم يستطع أن يفرضه على أتباعه ولا على أمراء المغول من حوله، فصار دخوله في الإسلام فرديا، وهذا ما يفسر سرعة القضاء عليه وقتله من جانب منافسيه من أمراء المغول الذين تآمروا عليه فقتلوه سنة ٦٨٣ هـ ٣- في سنة ٦٩٣هـ تولى محمود قازان عرش المغول، ثم في سنة ٦٩٤هـ دخل في الإسلام، يقول الذهبي عن هذه السنة: " وفيها دخل ملك التتار غازان ابن أرغون في الإسلام، وتلفظ بالشهادتين بإشارة نائبه " نوروز "، ونثر الذهب واللؤلؤ على رأسه، وكان يوما مشهودا، ثم لقنه " نوروز " شيئا من القرآن، ودخل رمضان فصامه، وفشا الإسلام في التتار " وقد أعلن غازان الإسلام دينا رسميا للدولة المغولية في إيران، كما غير المغول زيهم فلبسوا العمامة، كما أمر بتدمير الكنائس المسيحية والمعابد اليهودية، والأصنام البوذية، كما أمر أهل الذمة بأن يتميزوا بلباس خاص بهم. وهكذا اختلف إسلام قازان عن إسلام السلطان أحمد بأن إسلامه لم يكن فرديا وإنما حوله إلى دين رسمي للدولة. لكن هذه الصورة التي قد تبدو جميلة سرعان ما تتغير حين يتابع المرء الأحداث التي تمت في عهد هذا السلطان، فقد هاجم وجيشه الشام مرات ودارت بينهم وبين أهل الشام – ومعه سلاطين مصر- معارك كبيرة، وانتصر المغول في أولاها وهزموا فيما تلاها، وقد عاث الجيش التتري فسادا في الأرض وفعلوا – كما قال ابن تيمية لقازان نفسه لما التقى به - ما لم يفعله أسلافه من حكام التتار الوثنيين. وقد بقيت الأمور على هذه الحال إلى ما بعد وفاة غازان سنة ٧٠٣هـ وقد كان التتار يقدسون دستورهم الذي وضعه لهم جنكيز خان، وكان يسمى " إلياسا " أو " اليساق " وكانوا يتحاكمون إليه، وبعد إسلامهم لم يتركوا التحاكم إلى هذا الدستور. ٤- بعد وفاة قازان تولى من بعده أخوه " أولجاتيو خدابنده "، وصار اسمه محمد بن أرغون، وقد تولى عرش المغول سنة ٧٠٣ هـ إلى سنة ٧١٦ هـ، وقد بدأ عهده بتحسين العلاقة مع سلطان المماليك، فأرسل إليه هدية وكتابا خاطب فيه السلطان بالأخوة " وسأله إخماد الفتن، وطلب الصلح، وقال في آخر كلامه: عفا الله عما سلف، ومن عاد فينتقم الله منه، فأجيب، وجهزت له الهدية، وأكرم رسوله ". ولكن لم يكد يمضي سنة من توليه سلطة المغول حتى حدث تحول خطير عند محمد بن أرغون هذا، فقد اعتنق مذهب الشيعة، وعمل على نشره في الجهات الغربية من دولته، حتى إنه غير الخطة، وأسقط اسم الخلفاء سوى علي ﵁، وأظهر عداءه للمماليك السنيين، وطلب من النصارى أن يساعدوه ضدهم، ثم هاجم الشام سنة ٧١٢ هـ ومما ينبغي ملاحظته أن تشيع هذا السلطان كان بتأثير من أحد كبار الرافضة - وهو ابن المطهر الحلي -، الذي صارت له منزلة كبيرة في عهده، وقد أقطعه عدة بلاد، ولعل نفوذ وشهرة هذا الرافضي- وهو صاحب كتاب منهاج الكرامة - دعا ابن تيمية ﵀ إلى إفراد الرد على كتابه هذا بكتابه العظيم: " منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية ". وقد استمر سلطان المغول على تشيعه حتى مات، ثم تولى ابنه أبو سعيد - وهو صغير - الذي لعب كثير ممن حوله به، ثم لما كبر مال إلى العدل وإقامة السنة وإعادة الخطبة بالترضي عن الشيخين ثم عثمان ثم علي وفرح الناس بذلك " انتهى باختصار يسير من "موقف ابن تيمية من الأشاعرة" (١/٩٩-١٠٢) . ثالثا: ولعل الأقرب في الجواب عن السؤال أن يقال: لا شك أن تأثير الإسلام في النفوس تأثير بالغ عظيم، حتى في قلوب الغزاة الذين يتربصون بأمة الإسلام الدوائر، فلا يستبعد أن تتأثر فئات من المغول - نتيجة اختلاطهم بالمسلمين واطلاعهم على النور الذي أنزل إليهم – بدين الإسلام العظيم، ولكن الإنصاف يقضي أيضا بخطأ اختزال العوامل الكثيرة التي ينتشر الإسلام بسببها في عامل واحد هو " المغول ". يؤكد ذلك أمران اثنان: ١- أن دين الإسلام كان قد انتشر في آسيا منذ القرون الهجرية الأولى على يد القائد المسلم قتيبة بن مسلم الباهلي سنة (٩٤هـ) ، حيث فتح " كاشغر " عاصمة الصين آنذاك، ثم توقفت الفتوحات العسكرية لتبدأ الفتوحات المعرفية بنشر الإسلام في جميع بقاع آسيا عن طريق العلم والدعوة والأخلاق الحميدة. انظر كتاب "ظاهرة انتشار الإسلام" محمد فتح الله الزيادي (ص/٢٢٢-٢٢٤) ٢- أن أكثر المغول الذين انتسبوا إلى الإسلام لم يعرفوه حق معرفته، ولم يقفوا عند حدوده وشرعه، ولم يمنعهم الدين الجديد الذي انتسبوا إليه من اقتحام بلاد المسلمين، وتكرار اعتداءاتهم عليها بعد عصر " جنكيز خان " الطاغية، ولم تختلف سيرتهم كثيرا عن سيرة أسلافهم من المجرمين، مما حدا بأهل العلم إلى الفتوى بكفرهم وعدم صحة إسلامهم، وهي فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية المشهورة، حتى إنه كان يقول: " إذا رأيتموني من ذلك الجانب – يعني الذي فيه المغول – وعلى رأسي مصحف فاقتلوني "، لما كان يجزم به من كفرهم وظلمهم وعدوانهم. انظر "البداية والنهاية" (١٤/٢٤) فكيف لهؤلاء أن يحملوا دعوة التوحيد والمعرفة والسلام إلى العالم، وكيف للشعوب في بلاد آسيا أن تتبعهم على دينهم بعد أن لقوا منهم العذاب والنكال!! (يمكن الرجوع إلى المصادر الآتية لاستكمال تفاصيل البحث: " وثائق الحروب الصليبية والغزو المغولي للعالم الإسلامي " محمد ماهر حمادة، " المغول في التاريخ من جنكيز خان إلى هولاكو خان " فؤاد الصياد، " تاريخ المغول " عباس إقبال، وغيرها) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14394

رسائل الجوال والبريد التي يقال فيها: انشرها وإلا تأثم أو يحصل لك كذا وكذا [السُّؤَالُ] ـ[كثرت في الآونة الأخيرة.. رسائل الجوال أو البريد.. التي يكون فيها مثلا دعاء أو نصيحة ويقال: أمنتك الله أن ترسلها وتنشرها.. أو أن يقول: إذا أرسلتها سوف تسمع خبراً سعيد!! هل عليّ إثم إن لم انشرها؟؟ وما حكم مثل هذه الرسائل؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الاستفادة من الوسائل الحديثة كالجوال والبريد الالكتروني في نقل النصيحة والموعظة، والتذكير والتوجيه، عمل نافع، وأمر مثمر؛ إذ يمكن إيصال ذلك لمئات من الناس بضغطة زر واحد، ومعلوم أن الدال على الخير كفاعله، وأن من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، كما روى مسلم (٢٦٧٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) . وروى مسلم (١٨٩٣) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قال: (مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ) . فإذا كتب المسلم نصيحة حول أذكار الصباح والمساء مثلا، وأرسلها إلى مائة من الناس، فعمل كثير منهم بنصيحته، كان في ذلك أجرٌ عظيم له. ولهذا ينبغي الاستفادة من هذه الوسائل، والارتقاء بالكلمة والنصيحة التي تبث من خلالها، ليكون لها أكمل الأثر، وأتم النفع. لكن مما يؤسف له أن بعض الناس خلط هذا العمل الصالح بآخر سيء، وهو الوقوع في نوع الدجل والباطل، كقوله: إذا أرسلتها سوف تسمع خبراً سعيد!! ، فهذا ضرب من الكهانة، فليس هناك دليل شرعي على أن من تلقى النصيحة وأرسلها لغيره أنه سيسمع خبرا سعيدا، بل قد يسمع خبرا سيئا، أو سعيدا، أو لا يسمع شيئا. وكذلك من يقول: حمَّلتك هذه الأمانة أن ترسلها وتنشرها، أو أنك ستأثم إن لم تفعل ذلك، أو من لم ينشرها سيحصل له كذا وكذا، فهذا كله باطل لا أصل له، فالمرسَل له لم يتحمل شيئا، وليس هناك ما يلزمه بالنشر، ولا يأثم إن تركه، ولا وجه لتأثيم أحد بغير موجِبٍ من الشرع، كما أنه لا وجه للإخبار بالغيب المستقبل الذي لا يعلمه إلا الله. وترتيب الثواب والعقاب على عمل من الأعمال إنما مردّه إلى الله تعالى، فالحلال ما أحله، والحرام ما حرمه، والثواب والعقاب من عنده، ومن قال في ذلك شيئا بغير برهان منه فقد افترى، وقد قال سبحانه: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) الأعراف/٣٣. وقد ظن هؤلاء أنهم بهذا يحملون الناس على نشر الخير، عن طريق ترغيبهم وترهيبهم، لكنهم أخطأوا وتجاوزوا، وكان عليهم أن يقتصروا على ما ورد به الشرع، وفيه الغنية ولله الحمد، كقولهم: إن من نشر هذا الخير، يرجى له مثل أجر جميع من عمل به، وكفى بذلك محفّزا ومشجعا على النشر. وهذا مما يبين أهمية العلم، فإن غالب من يقع في هذا إنما يقع فيه لجهله، كحال من كان يضع الأحاديث ويفتريها على النبي ﷺ ، بحجة نشر الخير وترغيب الناس فيه، فيقع في الكذب المتوعَّد صاحبه بالوعيد الشديد، لتحصيل الأجر والثواب فيما يظن! والمقصود: التنبيه على بطلان هذا المسلك، والتحذير منه، ولهذا نقول: ينبغي لمن وصله شيء من ذلك الباطل، أن ينصح لصاحبه، وأن يبين له وجوب الانتهاء عن مثل هذه المحفّزات الباطلة، وألا يصدّق بما جاء في الرسالة من أنه إن نشر سيحصل له كذا وإن لم ينشر سيحصل له كذا، لأنه نوع من الكذب كما سبق. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14395

حكم حضور الاجتماعات في مبنى تابع للكنيسة [السُّؤَالُ] ـ[كنا نذهب إلى المسجد لإعطاء درس أو موعظة للأخوات، ولكن من مدة انقطعنا من الجلسة لأسباب كثيرة يصعب ذكرها، من ضمنها عدم التزام الأخوات بالمواعيد والحضور إلى المسجد. في هذه الفترة سمعنا أنه يوجد لقاء أخوات مسلمات وغير مسلمات كل يوم اثنين لمبنى تابع للكنيسة، والمكان خاص للنساء فقط، فقلنا احتمال نلاقي ترحيباً أو استجابة منهم كي ندعوهم إلى الله، ولكن يوجد من يقول لا يجوز أن نذهب إلى هذا المكان، والسبب هو أنه تابع للكنيسة، فهل نكون آثمين لو ذهبنا إليهم بنية الدعوة؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: بداية نسأل الله تعالى أن يجزيكم خيراً على جهودكم الطيبة، وعلى حرصكم على إقامة حِلَق العلم في بلاد يقل فيها الخير ويكثر فيها الشر، ونسأله سبحانه أن يوفقكم ويسدد خطاكم. يبدو لنا أن هناك عدة محاذير تترتب على ذهابكم إلى اجتماعات المبنى التابع للكنيسة، ومن ذلك: ١. أن فيه إحياءً لهذه الأماكن التي يُشرك فيها بالله، ويعلَّمُ فيها الشرك من تثليث، وادعاء الولد لله، وادعاء الألوهية لغيره. ٢. كما أن فيه تغريراً بعامة الناس وجهالهم، وذلك حين يرون أهل الخير والصلاح محافظين على الذهاب لتلك الجلسات والتجمعات في الكنائس ومبانيها، فيظنون أنها يُقال فيها الحق، والخير، والهدى، وسيكون في حضورهم مطمع عظيم للمنصرين الذين سيتلقفونهم بكل ترحيب وإكرام. ٣. في اعتياد الذهاب إلى الكنيسة خطر على قلوب المرتادين – ولو كانوا من أهل الخير والعلم – فإنهم سيتأثرون – ولو بعد فترة – بحسن معاملة القائمين على هذه الأماكن، وحسن عرضهم لما يؤمنون به، وقد لا يتيسر للمسلم الوقت الكافي لبحث كل ما يطرحونه من فكر واعتقاد، فيبدأ قلبه يتشرب رويداً رويداً دين النصرانية، حتى يغدو في حيرة من أمره، وأقل ما قد يبلغ به الحال أن لا يرى تلك الديانة على بطلان ظاهر، وهذه بداية الضلال. ٤. ولا شك – أيضاً - أن الالتزام بحضور تلك الجلسات والتجمعات فيه هجر لبيوت الله وحلَق العلم التي ينبغي أن تملأ حياة المسلمين ومجتمعاتهم، وتأملي كم سيكون نجاح القائمين على الكنائس حين تهدمون منائر الحق والهدى والنور، ثم تنتقلون إلى أماكن الشرك ودعوة الباطل، فهم أسعد الناس حين يرون اختفاء حلَق العلم والقرآن، وظهور اجتماعاتهم ولقاءاتهم لتكون منابر لهم في بث أفكارهم وسمومهم. ٥. ثم ماذا سيقال في هذه الندوات؟ إنهم لن يهدوكم إلى حق، وقد ضلوا عنه. فبالنظر إلى هذه المحاذير يظهر - والله تعالى أعلم - حرمة ذهابكم إلى تلك الأماكن، ووجوب المحافظة على دروس الخير في بيوت الله تعالى مهما كانت الظروف، وبالمصابرة تنجح حلقات العلم الشرعي، وكم من دروس توقفت بسبب قلة الحضور ثم جعل الله فيها البركة بعد ذلك. وإن كانت لديك القدرة لتوجيه دعوة الحق لحملة الديانة النصرانية، فلا حرج عليك أن تذهبي إليهم لدعوتهم إلى الله، على أن يكون هذا الذهاب خاصاً بك وبمن يستطيع القيام بهذه المهمة، ولا يذهب من هو قليل العلم حتى لا يتأثر بما يراه ويسمعه في هذه الجلسات. قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: "يجوز أن نجتمع بالكافرين في مجامع عامة أسستها الدولة وقامت بتنظيمها للمناظرات والندوات العلمية وإلقاء المحاضرات في الشؤون الدينية، على أن يقوم من حضر من علماء المسلمين ببيان عقائد الإسلام وأركانه وآدابه، ويدفع ما يثيره من حضر من أهل الأديان الأخرى من شبهات حول الإسلام، ويفند مقالاتهم التي يشوهون بها الإسلام ... إلى غير ذلك مما فيه نصر للحق ودفاع عنه. أما من يُخشى عليه من الفتنة في دينه لجهله أو ضعف استعداده وتفكيره أو لقلة معلوماته عن دينه من المسلمين: فلا يجوز له الحضور في هذه المجامع وأمثالها؛ حفظًا له من الفتن، وخوفًا عليه أن تداخله الريب والشكوك" انتهى. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢ / ١٠٠) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14396

تأتيهم أوامر بأن يخطبوا عن الأعياد الوطنية فما العمل ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا إمام وخطيب بأحد المساجد، ونتلقى أحيانا أوامر من الوزارة تأمرنا فيها بالتطرق للأعياد الوطنية عندنا كعيد الفاتح، وسيوافقه في التاريخ تاريخ غزوة بدر، ونحن مأمورون بالتحدث عن المناسبة. فيقف الدعاة حيارى مع مثل هذه التعليمات، إذا خاضوا فيها وُسِمُوا بأنواع من الأوصاف عند العامة مما يؤثر سلبا على دعوتهم، مع إساءة الظن بهم. وإذا التزموا الأوامر ارتابوا مما يفعلون، علما أن الجهة المسؤولة تعاقب الإمام الذي يمتنع من التكلم عن المناسبات الوطنية. سؤالي: كيف يكون التصرف مع مثل ما ذكر آنفا، وبخاصة في المناسبتين السابقتين؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا حرج أن يتحدث الخطيب عن غزوة بدر أو أحد أو غيرها من الغزوات، مذكرا بأنها حدثت في مثل هذه الأيام في عهد النبي ﷺ ، ولا يعد هذا احتفالا أو إحداثا لعيد لم يشرع، لأن هذا إنما هو تذكير للناس بتلك الغزوة، والأهم من ذلك أخذ العبرة والدروس المستفادة منها. ثانياً: أما المناسبات الوطنية، فإن كان الناس يحتفلون بها ويتخذون أيامها عيدا، فليس للخطيب أن يشارك في ذلك، وحديثه عن هذه المناسبات قد يفهم منه السامع أنه مشارك ومؤيد لهذه البدعة. ولكن إذا كانت الوزارة تعاقب من لا يتكلم عن هذه المناسبات، بالحرمان من الخطابة أو بغير ذلك من العقوبات المؤثرة، فينبغي للخطيب أن يوازن بين المصالح والمفاسد، بين مصلحة بقائه معلما وداعيا وهاديا، وبين مفسدة الكلام الذي يقد يشوه صورته عند العامة. والذي يظهر أن الخطيب الحصيف يمكنه أن يتناول هذه المناسبات بكلام نافع يؤكد فيه على أسباب النصر، وعوامل الهزيمة، وسنن الله تعالى في قيام المجتمعات، وفي سقوطها، ومفهوم الولاء والبراء، وضرورة العودة إلى الدين، وغير ذلك من المعاني المهمة التي يحتاجها الناس. وبهذا يكون ما يترتب على كلامه من المصالح أضعاف تلك المفسدة المشار إليها، وقد جاءت الشريعة بجلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، وبارتكاب أهون الشرين، كما هو مقرر ومعروف. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14397

هل تقطع الصلاة حتى لا يعلم أهلها بإسلامها ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا مسلمة جديدة وهذه هي المرة الثانية التي أصوم فيها رمضان. عائلتي لا تزال على غير الإسلام، وأنا أصلي وأصوم دون علمهم. فأنا لا أصلي في البيت إلا صلاتي الفجر والعشاء، أما بقية الصلوات فأصليها خارج المنزل (في المدرسة مثلاً أو في المركز الإسلامي أو في منزل إحدى الصديقات) . وعندما أصلي في البيت أعمد إلى إقفال باب غرفتي حتى لا يعلم أحد بأمري، علماً بأن أختي تقيم معي في الغرفة نفسها. وذات مرة، عندما كنت أهم بأداء صلاة العشاء في المنزل، قمت بإقفال الباب قبل أن أشرع في الصلاة، ولكن لسبب أو لآخر لم يقفل الباب. صليت الركعة الأولى واستويت قائمة بعد السجود وشرعت في قراءة الفاتحة، وفجأة، فتحت أختي الباب. تملكني خوف شديد ولم أكمل الصلاة وسمحت لها بالدخول. وبعد ساعات من ذلك، صليت العشاء مرة أخرى. سؤالي هو: ما حكم قطع المرء صلاته عندما يكون قد نوى أن يصلي أربع ركعات؟ وماذا كان يتوجب علي فعله في تلك اللحظة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: نهنئك على نعمة الإسلام، ونسأل الله أن يثبتك، ويعينك، ويقويَ إيمانك، كما نسأله أن يهدي جميع أهلك وإخوانك، وأن تكوني سببا في فلاحهم وصلاحهم. ثانيا: إذا كنت تخشين من إعلان إسلامك وقوعَ الضرر عليك، أو أردت تأخير هذا الإعلان حتى تنالي حظا وافرا من معرفة الإسلام، تتمكنين به من دعوة أهلك، فلا حرج عليك في ذلك، كما أنه لا حرج عليك في قطع الصلاة، إذا خفت اطلاع أحد عليك. والأصل أن المسلم إذا شرع في صلاة فريضة وجب عليه إتمامها، وحرم عليه قطعها إلا من عذر. وقد ذكر الفقهاء أعذارا تبيح قطع الصلاة. منها: الخوف على النفس من عدو أو سبع. ومنها: الخوف على المال، كما لو كان يصلي وجاء من يريد أخذ ماله، أو خاف أن تهرب دابته. ومنها: قطع الصلاة لإنقاذ إنسان من حريق أو غرق، أو خشية أن يقع أعمى في بئر. . . ونحو ذلك. انظر: "رد المحتار" (١/٦٥٤) ، "المبسوط" (٢/٣) ، "كشاف القناع" (١/٣٨٠) . فحيث خفت على نفسك إذا اطلع أحد من أهلك على صلاتك وعلم بإسلامك، فلا شيء عليك في قطع الصلاة حينئذ، ثم تصلينها بعد زوال الخطر، كما فعلت. ثالثا: عليك بالاجتهاد في تعلم أحكام الإسلام، ومصاحبة المؤمنات الخيّرات، ليكنّ عونا لك على طاعة الله، والتفكير في الطريقة المناسبة لدعوة أهلك إلى الإسلام، والحرص على ذلك أشد الحرص، فإنهم أولى الناس بإحسانك ودعوتك. وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14398

بماذا يبدأ من أراد الدعوة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[إذا أراد الإنسان أن يدعو إنساناً آخر كيف يبدأ معه وبماذا يكلمه؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كأن السائل يريد أن يدعو إلى الله، والدعوة إلى الله لا بد أن تكون بالحكمة والموعظة الحسنة ولين الجانب وعدم التعنيف واللوم والتوبيخ. ويبدأ بالأهم فالأهم. كما كان النبي ﷺ إذا بعث رسله إلى الآفاق آمرهم أن يبدؤوا بالأهم فالأهم وقد قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: (ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإذا أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) ، فيبدأ بالأهم فالأهم ويتحين الفرص والوقت المناسب وإيجاد المكان المناسب لدعوتهم. فقد يكون من المناسب أن يدعوه إلى بيته ويتكلم معه، وقد يكون من المناسب أن يذهب هو إلى بيت الرجل ليدعوه، ثم يكون من المناسب أن يدعوه في وقت دون وقت، فعلى كل حال المسلم العاقل البصير يعرف كيف يتصرف في دعوة الناس إلى الحق. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ﵀ -

стр. 14399

هموم زوجة داعية انشغل عنها زوجها [السُّؤَالُ] ـ[تزوجت من شخص ملتزم ولله الحمد وكان شرطي أن أكمل الدراسة الشرعية وقد وافق زوجي على ذلك ولكن بعد الزواج أصبح يقول لي أن الجامعة الإسلامية في أمريكا غير معترف فيها. (فهذا لا يهمني ما دام أنها تدرّس العلم الشرعي) ولكنه لا يريد أن يصرف فلوسه إلا على جامعة معترف فيها عربيا الآن إن شاء الله سوف أنزل للبلاد بعد أربع سنوات وقد نويت في قرار نفسي أن لا أرجع معه حتّى أكمل دراستي الشرعية أو حتى أكمل إجازة القرآن الكريم إن شاء الله. فما هي نصيحتك لي ولزوجي فأنا أريد أن يقرأ هذه الرسالة مع العلم أن زوجي لا يوجد عنده الوقت الكافي للجلوس معه لقراءة كتاب شرعي فزوجي يا فضيلة الشيخ نشيط جدا للدعوة خارج البيت ولكنه داخل البيت غير ذلك فإذا جلس في البيت يدخل المكتب ويغلق عليه الباب،فهو يقول لي أن مصلحة الناس أولى من مصلحة البيت مع العلم أنني أحتاجه حتى يأخذ الأولاد عنّي ليعتني بهم فقد أصبت بمرض (ولله الحمد على كل حال) وأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيني. فقد وصلت لدرجة الكره له على تقصيره، فهو جاعل كل وقته للاجتماعات في المسجد لدرجت أنني في بداية زواجي منه قبل أربع سنوات كنت أحاول أن أحفظ القرآن ولكنّه لم يساعدني على ذلك فلم يكن يسمّع لي دائما وحتّى أننّي حاولت أن أقرأ القران قراءه معه فلم يستطع ذلك فهو مشغول بالاجتماعات وغير ذلك، فقد يتراوح جلوسه في البيت ربع إلى نصف ساعة مع العلم أنه جعل يوم واحد للجلوس في البيت بعد المناقشات الحادّة بيني وبينه.وطول الوقت جالسه لوحدي أنا والأولاد،ولا يقّدر لي ذالك حتى ضقت منه ومن المجتمع الذي أنا فيه ولجأت إلى الله ولم أشكو إلى أهلي فأنا أمدح زوجي أمامهم لعّل الله أن يصلحه ليلتفت إلى البيت، مع العلم أنني أعيش في غربة بعيدة عن أهلي وإخواني وفيه أيضا عيب آخر هو أنني إذا طلبت منه مال لأشتري حاجتي يقول أنه ليس معه مال مع العلم أنه يصرف على أهله وإخوانه فأنا لا أطلب أن لا يصرف على والديه بل من حقّه عليه أن يصرف عليهم، فهو شحيح جدا عليّ وعلى أولادي وأريد منه أن يضع لي مصروف شهري لي ولأولادي فهل هذا جائز وأرجو أن تنصحه يا شيخنا الفاضل في هذا فقد تعبت من سؤاله. وأرجو نصيحتك لنا وله يا شيخنا الفاضل.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نسأل الله العظيم أن يفرج عنك كربتك.. ويُيسر لك أمرك.. ويؤنسك في غربتك.. ويصلح لك زوجك.. ويشفيك من مرضك.. آمين. وسؤالك أيتها السائلة قد اشتمل على أمور متعددة.. ما بين مسألة فقهية ومشكلة اجتماعية.. ولعل من المناسب أن نتناول كل مشكلة على حدة للوصول إلى الحل النافع: وأول هذه المشكلات: هو أن زوجك بدأ يتراجع عن إتمام الشرط الذي اشترطته عليه عند عقد النكاح وهو إتمامك للدراسة، وهذا لا يجوز لقول النبي ﷺ : " إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج " رواه البخاري (٢٧٢١) ومسلم (١٤١٨) . أي شروط عقد النكاح التي تشترطها المرأة أو وليها، مع التنبيه على أن يكون الشرط لا يخالف كتاب الله. فالواجب على الزوج أن يفي بهذا الشرط، وألا يحول بينك وبين الدارسة. وأما مصاريف الدراسة واختيار الجامعة فهذا يرجع إلى تفاصيل الشرط فإن كنت شرطتِ عليه أن ينفق عليك أو اشترطتِ جامعة معينة فيجب عليه الوفاء بالشرط، وإن لم تشترطي عليه فلا يلزمه إلا تمكينك من الدراسة فقط. وأما قولك بأنك نويت المكوث وعدم السفر مع زوجك، فإن كان جلوسك بموضع آمن جاز لك ذلك وإلا فلا. وهذا كله في حال أن تكون الدراسة شرعية أما إذا كان فيها اختلاط بين النساء والرجال، وفيها منكرات كما في أكثر جامعات العالم: فلا يجوز لك الدراسة فيها، ولا يجوز لزوجك أن يفي بمثل هذا الشرط أصلاً. وأما المشكلة الثانية وهي: أنه لا يجد وقتاً كافياً للجلوس معك. فالجواب عليها: هو أنه سيجد ولكن بشيء من التخطيط السليم، ومراجعة الأولويات ومعرفة الحقوق والواجبات. ونذكرك بأن انشغال زوجك في الأعمال الصالحة نعمة ولعلك أن تعذريه شيئاً ما، وأن تحمدي الله أنه ليس بمنشغل بالمعاصي كما هو حال عدد من الزوجات اللاتي ابتلين بأزواجٍ مضيعين لأُسرهم، غارقين في معاصي الله. والذي يظهر أن زوجك عنده شيء من عدم الوضوح في فقه الأولويات الشرعية، وشيءٌ من عدم التوازن في القيام بالواجبات الشرعية، وربما أخذه جانب من الدين فشغله عن جانب آخر منه، فليُذكَّر بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة﴾ وحديث النبي ﷺ : " وإن لأهلك عليك حقاً ". وأن يراعي الترتيب الشرعي في الاهتمام الدعوي بنفسه ثم بزوجته وأولاده ثم سائر أقاربه، الأقرب قبل الأبعد، ومن المهم أن تُشعريه أنك لست ضد جهوده الدعوية ولست حجر عثره في طريقه في العمل لدين الله، ولكنك تريدين حقك الشرعي في الاهتمام. قولي له اجعلني إحدى المدعوين الذين تهتم بهم وتتابعهم، واجعل أولادك أحد المشروعات الدعوية التي تقم به وتتابعها، وللمزيد يُنظر السؤال رقم (٦٩١٣) . وبعد الانتهاء من حل هذه المشكلة فإننا على ثقة – إن شاء الله – بأنه ستزول المشكلة الثالثة في هذا السؤال وهي الشعور بكره الزوج الناتج عن سوء معاملته لك، لأن هذا الكره ما هو إلا نتيجةٌ عكسية عن إهماله لك، وزوالها بزوال السبب وهو الإعراض عن حقوقك عليه، ومع ذلك أكثري من سؤال الله أن يفتح قلبه لك، وقلبك له، لأن الشيطان أحرص ما يكون على التفريق بين الرجل وزوجته، وما الكره الحاصل في قلبك إلا من نزغات الشيطان، فاستعيذي بالله من شره. المشكلة الرابعة: عدم قيام الزوج بواجباته تجاه زوجته وأولاده، وفي المقابل يقوم بالنفقة على والديه. وهذا العمل من الزوج اشتمل على خطأٍ وصواب، أما الصواب فهو إنفاقه على والديه وإخوانه، وأما الخطأ فهو إعراضه عن النفقة على زوجته، وهذا خلاف الواجب بل الواجب على الرجل أن يُقدِّم زوجته في النفقة على إخوانه لما روى أبو داوود في سننه (١٦٩١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ الله عنه قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي دِينَارٌ فَقَالَ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ قَالَ عِنْدِي آخَرُ قَالَ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ قَالَ عِنْدِي آخَرُ قَالَ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ أَوْ قَالَ زَوْجِكَ قَالَ عِنْدِي آخَرُ قَالَ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ قَالَ عِنْدِي آخَرُ قَالَ أَنْتَ أَبْصَرُ " وحسنه الألباني في صحيح أبي داوود (١٤٨٣) . فإن أصر زوجكِ على عدم النفقة عليك فيما تحتاجين إليه فلكِ أن تأخذي من ماله ما يكفيك وولدك ولو بدون إذنه من غير إسراف ولا إفساد؛ لحديث عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَقَالَ خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ " رواه البخاري (٥٣٦٤) . نسأل الله أن يُؤلف بين قلبيكما، وأن ييسر أمركما، والحمد لله رب العالمين. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 14400

أخلاق الفتن [السُّؤَالُ] ـ[سمعت بأن للفتنة أخلاقاً يتحلى بها المسلم إذا أدرك زمن الفتنة.. فماهي أخلاق الفتن؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إن للفتن أخلاقا يجب التحلي بها حتى لا تؤثر تلك الفتن سلبا على الإنسان، أو يكون هو بنفسه يؤثر سلبا على جماعة المسلمين.. فمن تلك الأخلاق: أ- التأني والرفق والحلم وعدم العجلة: فالتأني والرفق والحلم عند الفتن وتغير الأحوال محمود لأنه يُمكِّن المسلم من رؤية الأشياء على حقيقتها وأن يبصر الأمور على ما هي عليه. يقول النبي ﷺ : (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه) رواه مسلم (٤٦٩٨) . وقال ﵊ لأشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة) رواه مسلم (٢٤) . فعلينا جميعاً بالرفق في الأفكار والمواقف وفي كل ما يجدّ من الحوادث وعدم العجلة فإنها ليست من منهج الأمة الإِسلامية وخاصة في زمن الفتن. ب- الصبر: نحتاج إلى الصبر كثيراً، وخصوصاً عند الفتن. يقول الله تعالى: (ولنبلوكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) . وعن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ: عن النبي ﷺ أنه قال: " إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ قَالَ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ. " أخرجه أبوداود (٤٣٤١) وابن ماجه (٤٠١٤) وصححه الألباني في الصحيحة (٤٩٤) بشواهده. فاصبر فإنك في النوازل رائد والدرب نعلم شائك وطويل فالصبر روضات لأبناء الهدى ولجنة الرحمن تلك سبيل وبالصبر يظهر الفرق بين ذوي العزائم والهمم وبين ذوي الجبن والضعف ولذلك وَعَى السلف الصالح أهمية الصبر عند وقوع الفتن والحوادث وإليك نماذج مْن سيرتهم. -لما كان الصحابة ﵃ يعذبون ويفُتنون في صدر الإسلام بمكة كان يمر بهم النبي ﷺ ويذكرهم بالصبر ومنهم آل ياسر فإذا مر بهم قال: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة. صححه الألباني في تخريج فقه السيرة ص ١٠٣. - عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنْ الْحَجَّاجِ فَقَالَ اصْبِرُوا فَإِنَّهُ لا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ . رواه البخاري (٧٠٦٨) قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ الْقُرَشِيُّ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ. " فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَبْصِرْ مَا تَقُولُ. قَالَ: أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ؛ إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالا أَرْبَعًا: إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ. أخرجه مسلم (٢٨٨٩) قال النعمان بن بشير: " إنه لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتن فأعدوا للبلاء صبراً " -عندما واجه إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل الفتنة العمياء بخلق القرآن في أيام المأمون ثم المعتصم ثم الواثق وما أصابه من الحبس الطويل والضرب الشديد فصبر وتمسك بما كان عليه من الدين القويم والصراط المستقيم حتى نصره الله وفرَّج عنه الغمة. ج- العدل والإنصاف في الأمر كله: فإن من أقوى أسباب الاختلاف بين العباد وخصوصاً زمن الفتن فقدان العدل والإنصاف، ولو جاهد المسلم نفسه لتحقيق صفة العدل مع نفسه ومع الناس فإن كثيراً من المشاكل التي تحصل بين المسلمين سواء منها الفردية أو الجماعية ستزول وتحل بإذن الله تعالى. يقول الله تعالى: (وإذا قلتم فاعدلوا) . ويقول تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) فلا بد من العدل في الأقوال والأعمال وخصوصاً زمن الفتن، بمعنى أن يأتي الإِنسان بالأمور الحسنة والأمور السيئة ثم يوازن بينهما وبعد ذلك يحكم، لأن في الموازنة عصمة للمسلم من أن ينسب للشرع ما ليس موافقاً لما أمر الله به وبالتالي يكون عدلك وإنصافك في الفتنة منجياً بإذن الله تعالى. قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ " فأوصيكم أيها الأخوة بالعدل في الأمور كلها، والموازنة بينها، والحكم للراجح فيها، والتسوية بينها في الحكم عند التساوي، وهذه قاعدة كبيرة يجب على العاقل أن يتمشى عليها في سيره إلى الله وفي سيره مع عباد الله ليكون قائماً بالقسط والله يحب المقسطين ". وإليك نموذجاُ من نهج سلفنا الصالح في حرصهم على العدل والإنصاف: روى مسلم (١٨٢٨) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ قَالَ أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ شَيْءٍ فَقَالَتْ مِمَّنْ أَنْتَ فَقُلْتُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ فَقَالَتْ كَيْفَ كَانَ صَاحِبُكُمْ لَكُمْ فِي غَزَاتِكُمْ هَذِهِ فَقَالَ مَا نَقَمْنَا مِنْهُ شَيْئًا إِنْ كَانَ لَيَمُوتُ لِلرَّجُلِ مِنَّا الْبَعِيرُ فَيُعْطِيهِ الْبَعِيرَ وَالْعَبْدُ فَيُعْطِيهِ الْعَبْدَ وَيَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ فَيُعْطِيهِ النَّفَقَةَ فَقَالَتْ أَمَا إِنَّهُ لا يَمْنَعُنِي الَّذِي فَعَلَ فِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخِي أَنْ أُخْبِرَكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي بَيْتِي هَذَا اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ. قال النووي رحمة الله معلقاً على هذا الحديث: فِيهِ: أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُر فَضْل أَهْل الْفَضْل , وَلا يَمْتَنِع مِنْهُ لِسَبَبِ عَدَاوَة وَنَحْوهَا , وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَة قَتْل مُحَمَّد هَذَا , قِيلَ: فِي الْمَعْرَكَة , وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ أَسِيرًا بَعْدهَا. . . اهـ. وهذا المسئول عنه هو معاوية بن حُديج وكان قد قتل محمد بن أبي بكر. السير (٣/٣٨) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14401

عندها إشكالات في حق المرأة في الإسلام [السُّؤَالُ] ـ[أنا في حيرة من أمري، فقد عشت سنين عمري أتعامل وأعامل على كوني إنساناً قبل أن أصنف إلى كوني أنثى [وأمة] الله قدر استطاعتي، ومن هذا المنطلق أن مَن عمل خيراً من ذكر أو أنثى فله أجره، ومن عمل إثما فعليه وزره، ولكن بعد زواجي فوجئت بأحكام تخرجني من نطاق الإنسانية لأكون مجرد متاع للرجل، فمثلا تلعنني الملائكة إن امتنعت عنه تحت أي ظرف، في حين أنه ليس عليه أي وزر إن هو امتنع عن جماع زوجته ولو من باب الإضرار بها، فهو له أجر صدقة إن جامعها وهو مستمتع بها وهي ليس لها أجر وإن لبَّت وهي كارهة، وإذا أغضبني وأهانني أمام الناس وامتهن كرامتي يجب عليَّ مصالحته واسترضاؤه وإلا لعنتني الملائكة، وأنا طبعاً لا يحق لي مخالفته في رأي ومراجعته ولا يغفر لي أي قدر من الانفعال، كما أنكم أفتيتم بأن ثواب صلاة الجماعة هو خاص بالرجال من دون النساء فهل هذا ما شرعه الله لنا؟ هل هذا هو قدر المرأة المسلمة إذا أحسنت وأدت ما عليها؟ فإن هي تجنبت الإثم فليس لها أي فضل وإن أخلت كانت من الملعونين المطرودين من رحمة الله أنا وإبليس اللعين سواء. أرجو الاهتمام بهذا السؤال لأنني أفتن في ديني، وإن كان هذا هو شرع الله فسمعا وطاعة ولا حول ولا قوة إلا بالله.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لم نزل متعجبين مما ورد في سؤال الأخت من ظنها ما ليس من دين الله منسوباً إليه، واعتقادها لأحكام لم ينزل الله بها سلطاناً، ومن ذلك قولها " ولكن بعد زواجي فوجئت بأحكام تخرجني من نطاق الإنسانية لأكون مجرد متاع للرجل "! . وسنرتب الكلام معها من خلال هذه النقاط: أولاً: أكرم الله ﵎ المرأة غاية الإكرام، فقد أكرمها بنتاً وأمّاً وزوجة، وجعل لها من الحقوق والفضل ووجوب البر ما ليس للرجل في كثير من الأحيان. ولم ينزع الإسلام عنها إنسانيتها، بل أعطاها حقها ورفع لها قدرها، وقد كانت متاعاً وسلعة قبل أن يكرم الله الناس بالإسلام، فقد كانت تورث كما يورث المتاع، وكانت تُعلَّق فلا هي بالزوجة ولا هي بالمطلقة، وكانت تمكث سنة كاملة بعد وفاة زوجها لا تمس ماء ولا تخرج من بيتها حتى إن الطير والبهيمة ليموتان من شمهما رائحتها! وكانت تُحرَم من الميراث، فضلاً عن وأدها وهي حيَّة، وغير ذلك كثير. فجاء الإسلام وحرَّم الوأد وجعله قتلاً للنفس وهو من كبائر الذنوب، وحرَّم تعليقها بيمين أو تحريمها بظهار، وأعطاها نصيبها من الميراث، وجعل عدتها من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشراً تغتسل وتلبس الثياب وترى النساء والمحارم، وأجاز لها البيع والشراء والتملك، ورغَّبها في العلم والدعوة إلى الله تعالى، وأمر بإكرامها زوجة، وببرها أمّاً بل جعل حقها في البر ثلاثة أضعاف الأب، وغير ذلك كثير، وليس هذا مجال بسط ذلك، إنما أردنا التنبيه والتذكير، ويمكن مراجعة جواب السؤال رقم (٢١٠١٠) لترى المزيد. ثانياً: قالت الأخت السائلة: " فمثلا تلعنني الملائكة إن امتنعت عنه تحت أي ظرف "! وهذا ليس بصحيح، بل لا تلعن الملائكة الزوجة الممتنعة عن فراش زوجها إلا أن تكون غير معذورة، فإن كانت معذورة بمرض أو حيض أو نفاس أو صوم واجب: فإنها لا تُلعن، بل يأثم زوجها الذي يدعوها ويصر على دعوتها أو يكرهها وهو يعلم حالها. وقد ورد في جواب السؤال (٣٣٥٩٧) في الموقع: ليس للمرأة أن تمنع نفسها من زوجها، بل يجب عليها أن تلبي طلبه كلما دعاها ما لم يضرها أو يشغلها عن واجب. وفي سؤال رقم (٩٦٠٢) ورد: قال ابن حزم: وفرض على الأمة والحرة أن لا يمنعا السيد والزوج الجماع متى دعاهما ما لم تكن المدعوة حائضا أو مريضة تتأذى بالجماع أو صائمة فرض فإن امتنعت لغير عذر فهي ملعونة. " المحلى " (١٠ / ٤٠) . وهذا اللعن مقيّد بما إذا بات غضباناً عليها، أما إذا دعاها فأبت عليه، ثم تنازل عن حقه فإنها لا يلحقها لعن. ثالثاً: وقالت الأخت السائلة: " في حين أنه ليس عليه أي وزر إن هو امتنع عن جماع زوجته ولو من باب الإضرار بها "! وهذا أيضاً ليس بصحيح، فقد حرَّم الإسلام الإضرار بالآخرين ومنه إضرار الزوج بزوجته بمنعها من إرضاع ولدها أو بمنعها من حقها في الجماع والاستمتاع. وقد ورد في جواب (١٠٦٨٠) - في سياق بيان حقوق الزوجة على زوجها -: عدم الإضرار بالزوجة: وهذا من أصول الإسلام، وإذا كان إيقاع الضرر محرما على الأجانب فلأن يكون محرما إيقاعه على الزوجة أولى وأحرى. عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قضى " أن لا ضرر ولا ضرار " رواه ابن ماجه (٢٣٤٠) . والحديث: صححه الإمام أحمد والحاكم وابن الصلاح وغيرهم. انظر: " خلاصة البدر المنير " (٢ / ٤٣٨) . وقد ورد في جواب السؤال (٥٩٧١) : لا يجوز للرجل أن يهجر امرأته إضراراً بها إلا إذا ظهر منها النشوز والعصيان، ولكن لا يأثم إذا ترك الاضطجاع معها غير مُضارٍّ بها لأن الحاجة له وترجع إلى شهوته ولا يملك إثارة الشهوة فإن هجرها فهو آثم بذلك لأنه لا ضرر ولا ضرار، والله أعلم. رابعاً: قالت الأخت السائلة: "، فهو له أجر صدقة إن جامعها وهو مستمتع بها وهي ليس لها أجر وإن لبَّت وهي كارهة "! وهذا أيضاً ليس بصحيح، بل تؤجر الزوجة على الجماع من وجهين: الأول: من كونها شقيقة الرجل في الأحكام والأجور، إلا ما استثناه النص، قال تعالى: (فاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللهِ وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) أل عمران / ١٩٥. الثاني: أنها سبب أجر الزوج، ومن كان سبباً في ثواب غيره: شاركه في الأجر دون أن ينقص من أجره شيء. وعن أبي ذر أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بُضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر. رواه مسلم (١٠٠٦) . ومعنى البُضع: الجماع فالزوجة مأجورة كما هو حال زوجها، كما أنها تأثم على شهوتها لو وضعتها في الحرام كما هو حال زوجها. قال النووي: قَوْله ﷺ : (وَفِي بُضْع أَحَدكُمْ صَدَقَة) فِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَات تَصِير طَاعَات بِالنِّيَّاتِ الصَّادِقَات , فَالْجِمَاع يَكُون عِبَادَة إِذَا نَوَى بِهِ قَضَاء حَقّ الزَّوْجَة وَمُعَاشَرَتَهَا بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِهِ , أَوْ طَلَبَ وَلَدٍ صَالِحٍ , أَوْ إِعْفَافَ نَفْسِهِ أَوْ إِعْفَاف الزَّوْجَة وَمَنْعَهُمَا جَمِيعًا مِنْ النَّظَر إِلَى حَرَام , أَوْ الْفِكْر فِيهِ , أَوْ الْهَمّ بِهِ , أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِد الصَّالِحَة اهـ. خامساً: قالت الأخت السائلة: " وإذا أغضبني وأهانني أمام الناس وامتهن كرامتي يجب عليَّ مصالحته واسترضاؤه وإلا لعنتني الملائكة "! وهذا ليس بصحيح، فأما اللعن فإنما هو في امتناع الزوجة عن فراش زوجها من غير عذر مع مبيت زوجها وهو عليها غضبان – كما سبق بيانه -. وأما إهانة الزوج لها وامتهان كرامتها: فهو آثم على فعله هذا ولا شك، وقد أجاز لها الشرع أن تستوفي حقها بالرد عليه بقدر ظلمه لها. قال تعالى: (ولمن انتصر بعض ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) أي ليس عليهم إثم. ولفظ (مَنْ) هنا عام فتدخل فيه المرأة أيضاً. أو أن تصبر على قوله وظلمه وتحتسب الأجر عند الله لتأخذ الثواب الأكمل والأفضل والأعلى. والواجب عليه: هو أن يصالحها ويسترضيها لا العكس، فالذي ظلم هو الذي يجب عليه لتمام توبته أن يُرضي المظلوم بالاعتذار والكلام الحسن. سادساً: قالت الأخت الفاضلة: " وأنا طبعاً لا يحق لي مخالفته في رأي ومراجعته ولا يغفر لي أي قدر من الانفعال "! وهذا ليس بصحيح، فيجوز للمرأة أن تراجع زوجها وأن تخالفه في الرأي، لكن ليس لها أن تمتنع عما يأمرها به – وإن كانت مخالفة له – إذا لم يأمرها بمعصية، فلا طاعة لأحد في معصية الخالق، وهذا إنما هو من منطلق القوامة الذي جعله الله تعالى للزوج في مقابل ما أوجب عليه من نفقة وحماية ورعاية، قال تعالى: (الرجال قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) النساء وقد ثبت عن الصحابة ﵃ أن نساءهم كنَّ يراجعنهم في الأمر، بل كان هذا فعل أمهات المؤمنين مع نبينا ﵊، كما قال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ " وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصخبتُ على امرأتي (أي: غضبت) فراجعتني فأنكرتُ أن تراجعني قالت: ولم تنكر أن أراجعك؟ فو الله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه ... " – رواه البخاري (٤٨٩٥) ومسلم (١٤٧٩) . قال الحافظ ابن حجر – في سياق فوائد الحديث -: وفيه: أن شدة الوطأة على النساء مذموم؛ لأن النبي ﷺ أخذ بسيرة الأنصار في نسائهم، وترك سيرة قومه. " فتح الباري " (٩ / ٢٩١) . أما ما ذكرته الأخت من أنه لا يغفر لها أي قدر من الانفعال، فهذا لا يصح على إطلاقه إذ من الانفعالات ما لا يحاسب عليه الإنسان إذا لم يتكلم به أو يعمل، لقول ﷺ : (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا) ومنها ما لا يكون بقصد الإنسان التام إما بسبب شدة غضب أو نحوه مما هو خارج عن طاقة الإنسان، وقد ورد في آخر سورة البقرة دعاء المؤمنين: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) البقرة، وثبت في السنة أن الله تعالى قد أجاب هذا الدعاء بقوله: (قد فعلت) . سابعاً: قالت الأخت السائلة: " كما أنكم أفتيتم بأن ثواب صلاة الجماعة هو خاص بالرجال من دون النساء "! وهذا أيضاً ليس بصحيح، بل الذي قلنا – بناء على أحاديث النبي ﷺ – أن أجر السبع وعشرين درجة خاص بالرجال لأنهم هم المخاطَبون بصلاة الجماعة دون النساء، وصلاة الجماعة للنساء مستحبة، ولكن لا تجزم بأنه لها أجر السبع وعشرين درجة، ويجوز للمرأة أن تشهد الصلاة في المسجد، ولا يحل للرجل أن يمنعها من الذهاب، فإن ذهبت وصلَّت معهم: شاركتهم في أجر صلاة الجماعة. ومع هذا فبناءً على الأحاديث الصحيحة فإنها لو صلَّت في بيتها: لأخذت ما هو أفضل من أجر صلاتها جماعة في المسجد. عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: " لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن ". رواه أبو داود (٥٦٧) وأحمد – واللفظ له - (٥٤٤٥) . قال عبد العظيم آبادي: " وبيوتهن خير لهن ": أي: صلاتهن في بيوتهن خير لهن من صلاتهن في المساجد لو علمن ذلك , لكنهن لم يعلمن فيسألن الخروج إلى المساجد ويعتقدن أن أجرهن في المساجد أكثر. ووجه كون صلاتهن في البيوت أفضل: الأمن من الفتنة , ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة. " عون المعبود " (٢ / ١٩٣) . ثامناً: قالت الأخت السائلة: " هل هذا هو قدر المرأة المسلمة إذا أحسنت وأدت ما عليها؟ فإن هي تجنبت الإثم فليس لها أي فضل وإن أخلت كانت من الملعونين المطرودين من رحمة الله أنا وإبليس اللعين سواء "! وهذا من سوء الظن بالله، وكلامكِ ليس بصحيح اطلاقاً. قال الله تعالى: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ النحل / ٩٧. وقال تعالى: ﴿فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب﴾ آل عمران / ١٩٥. وقال تعالى: ﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيماً﴾ الأحزاب / ٣٥. وأما ذكرته الأخت من أنها إذا أخلت كانت هي وإبليس سواء فهذا تشنيع لا محل له هنا، وتشبيه غير مقبول إذ لعنة الله لإبليس اللعنة الأبدية التي لا تقبل فيها أي توبة، لا تقارن بما يكون من اللعن في حق من كان مسلماً موحداً لله مذعناً له ووقع في بعض الكبائر. وفي هذا القدر من الآيات البينات والكلام كفاية في بيان خطأ قولكِ، ونسأل الله تعالى أن يفقهك في الدين، وأن يثبتك على الخير والهدى. كما لا يفوتنا في نهاية هذه الإجابة أن نحمد لهذه الأخت السائلة صراحتها في السؤال عما يقذفه الشيطان في قلبها من الإشكالات عن الأمور الشرعية التي لو كتمتها في نفسها لربما أفسدت عليها دينها وأورثتها من الوساوس ما يُنغص عليها عيشها، وبمثل هذا السؤال يزول الإشكال ويندفع عن النفس الشك. وإن كان ينبغي في طرح مثل هذه الأسئلة أن يكون بأسلوب أكثر ملائمة للسؤال عن حكمة الله في تشريعاته، وأن يبتعد السائل عن كل ما يُشعر بروح الاعتراض على الحكم إذا عقول البشر تقصر عن إدراك عظيم حكمة الله وواسع فضله على خلقه. ومما يحمد أيضاً للأخت السائلة رضاها وتسليمها بشرع الله، وذلك في قولها (وإن كان هذا هو شرع الله فسمعاً وطاعة) ، وهكذا يجب أن يكون المؤمن. نسأل الله تعالى أن يثبتنا على دينه، وأن يلهمنا رشدنا. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14402

والداه يريدان منه أن يترك العمل للدعوة [السُّؤَالُ] ـ[ما هو الأكثر أهمية للمسلم، طاعة والديه أم العمل للأمة؟ أسأل هذا السؤال لأن زوجي اختار أن يعلم المسلمين دينهم ووالداه لا يوافقون، والده يريده أن يرجع لبلده ويعمل في تخصصه، لا أدري ماذا أفعل لأن والد زوجي طلب مني محاولة إقناع زوجي بالعودة. أنا الوحيدة في العائلة التي تدعم زوجي ليعمل في سبيل الله، تركت حقوقي كزوجة لأعينه على متابعة عمله، تواجهنا بعض الصعوبات ولكن والحمد لله نحن بخير. كيف أتصرف؟ أنا لا أريد أن أعصي والد زوجي ولا أريد أن أتدخل في اختيار زوجي لطريقة حياته، فقد وافقنا على أن نعيش حياة بسيطة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا شك أن الله تعالى قد أوجب طاعة الوالدين فقد قال تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون﴾ الأنعام / ١٥١. وعن أبي هريرة ﵁ قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك. رواه البخاري (٥٦٢٦) ومسلم (٢٥٤٨) . وحرَّم عقوق الوالدين، فعن المغيرة بن شعبة قال: قال النبي ﷺ : " إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ". رواه البخاري (٢٢٧٧) ومسلم (٥٩٣) . والعمل للإسلام متوجب على المسلم بحسب طاقته، وقد يتعيَّن على زوجك البقاء في هذه البلاد لخدمة المسلمين وتعليمهم والقيام على شئونهم، وعليه: فلا يجب على الزوج الرجوع لبلده وترك الدعوة إلى الله والعمل للأمة. وقد سأل رجلٌ الشيخَ عبد العزيز بن باز – ﵀ – فقال: إنني أشتغل منذ عدة سنوات بتحفيظ القرآن الكريم في مكان بعيد عن المدينة التي يسكن فيها والداي ولذا فهما يطلبان مني أن أترك التدريس وأعمل مع أحد إخواني الذين يسكنون عندهما وأنا متردد في هذا الأمر؟ لأني أخشى أن أترك التدريس فيضيع الطلاب وينسوا ما حفظوه من القرآن الكريم. فما تنصحوني جزاكم الله خيرا؟ . فأجاب: ننصحك بالاستمرار في تحفيظ القرآن الكريم لقول النبي ﷺ : " خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه " أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، ولما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين، ولا تلزمك طاعة والديك في ترك ذلك لقول النبي ﷺ : " إنما الطاعة في المعروف " ويشرع لك الاعتذار إليهما بالكلام الطيب والأسلوب الحسن. وبالله التوفيق. " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٥ / ٤١٢) . ثانياً: ويمكن لزوجك أن يطيع والده ويرجع لبلده إذا كان هناك من يقوم مقامه في العمل للإسلام هناك ووجدت الحاجة للعمل للإسلام – كذلك – في البلد الذي يوجد فيه أهله، فيجمع بذلك بين الأمرين: تحقيق رغبة والده، والعمل للإسلام، وقد يكون بلده بحاجة أكثر، وقد يكون بقاؤه في البلد التي هو فيها لا يتمكن معه من إظهار شعائر الإسلام الظاهرة ولا يستطيع تربية أولاده فيه. أما إن كان زوجك سيرجع للعمل في تخصصه دون العمل للإسلام فإنك ينبغي أن تكوني بجانبه وتحثيه على البقاء للعمل للإسلام، وهذا لا شك خير لكم في دينكم، وإن كان ليس كذلك لدنياكم، وما عند الله خير وأبقى، مع التنبيه الشديد على أهمية أن لا يكون الإنسان كالشمعة يحرق نفسه ليضيء لغيره، فإن كانت البيئة التي هو فيها لا تُعينه على طاعة الله ولا تربية أبنائكم فاحرصوا على تغييرها، إلى بيئة صالحة ينشأ أولادكم فيها على الشعائر الإسلامية، وفق الله الجميع لما يُحبه ويرضاه، والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14403

التحذير من الوقوع في المشايخ وطلبة العلم وانتقادهم [السُّؤَالُ] ـ[هناك اناس يتكلمون في المشايخ وينقدونهم من باب أنهم ليسوا أنبياء ولا من الصحابة فهم ليسوا فوق مستوى النقد في رأيهم حيث أنهم بشر ويخطئون ومن حق العامة انتقادهم.. فما توجيه فضيلتكم جزاكم الله خيرا]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: لا شك أن الأصل العام هو حرمة المسلم، والحفاظ على ذلك من المهمات المؤكدة في الدين. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ: لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) . رواه مسلم (٢٥٦٤) . وفي أعظم جمع اجتمع حول النبي ﷺ ، في حجة الوداع التي حجها بأصحابه، قال ﷺ : (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا؛ لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ) متفق عليه. ثانيا: إذا تعلق الأمر بأهل العلم والكلام فيهم، فالأمر فيهم أشد، والتبعة أجل وأعظم. وما أحسن ما قال أبو القاسم ابن عساكر ﵀: " اعلم يا أخي - وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته - أن لحوم العلماء رحمة الله عليهم مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمره عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاق على من اختاره الله منهم لنشر العلم خلق ذميم، والاقتداء بما مدح الله به قول المتبعين من الاستغفار لمن سبقهم وصف كريم، إذ قال مثنيا عليهم في كتابه وهو بمكارم الأخلاق وضدها عليم: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) الحشر /١٠ والارتكاب لنهي النبي ﷺ عن الاغتياب وسب الأموات جسيم، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم " انتهى. "تبيين كذب المفتري" (ص ٢٩-٣٠) . والآية السابقة التي ذكرها أبو القاسم ابن عساكر ﵀، وإن كانت تذكر دعاء المؤمنين الخالفين، لمن سبقهم من أصحاب النبي ﷺ ، فالأدب الذي فيها عام لكل تابع في الخير، مع من سبقه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " المعنى المقتضي لذلك يعم الصحابة، وسائر طبقات الأمة، إذ كل طبقة متأخرة ينبغي أن تستعمل مع الطبقة المتقدمة معنى هذه الآية ". انتهى. "جواب الاعتراضات على الفتيا الحموية" (١٦١) . وقال الشيخ السعدي ﵀: " وهذا دعاء شامل لجميع المؤمنين السابقين، من الصحابة ومن قبلهم ومن بعدهم. وهذا من فضائل الإيمان: أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض، ويدعو بعضهم لبعض، بسبب المشاركة في الإيمان المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين، التي من فروعها أن يدعو بعضهم لبعض، وأن يحب بعضهم بعضا. ولهذا ذكر الله في الدعاء نفي الغل عن القلب، الشامل لقليل الغل وكثيره، الذي إذا انتفى ثبت ضده، وهو المحبة بين المؤمنين والموالاة والنصح، ونحو ذلك مما هو من حقوق المؤمنين". "تفسير السعدي" (٨٥١) . وقد قال ابن المبارك ﵀: " من استخف بالعلماء ذهبت آخرته ". "سير أعلام النبلاء" (٨/٤٠٨) وقال الطحاوي ﵀ في "عقيدته" (٥٧) : " وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر - لا يُذْكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير سبيل ". ثالثا: لا يعني ذلك أن أولئك العلماء معصومون من الخطأ، أو أنه لا يرد عليهم ما أخطأوا فيه؛ لكن ينبغي أن يكون الرد عليهم بأدبه؛ فلا يهدر صوابهم وخيرهم لأجل خطأ أخطأ فيه الواحد منهم، ولا يكون الدافع إلى ذلك جهل أو هوى أو عصبية؛ ثم الذي يتولى الرد عليهم، والبحث معهم: هو من تأهل لذلك من أهل العلم الثقات، الذي يحسن أن يزن الأمور بيمزان الشرع، فلا وكس ولا شطط. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فالمؤمن يجمع بين القيام بحق الله، بمعرفة دينه، والعمل به، وحقوق المؤمنين، متقدميهم ومتأخريهم، بالاستغفار وسلامة القلوب. فإن من كان له لسان صدق ـ بل ومن هو دونه ـ إذا صدر منه ما يكون منكرا في الشرع؛ فإما أن يكون مجتهدا فيه، يغفر الله له خطأه، وإما أن يكون مغمورا بحسناته، وإما أن يكون قد تاب منه. بل من هو من دون هؤلاء، إذا فعل سيئة عظيمة، فالله يغفرها له؛ إما بتوبة، وإما باستغفاره، وإما بحسناته الماحية، وإما بالدعاء له، والشفاعة فيه، والعمل الصالح المهدى إليه، وإما أن يكفر عنه بمصائب الدنيا، أو البرزخ، أو عرصات القيامة، أو برحمة الله تعالى. فلهذا ينبغي للمؤمن أن يتوقى القول السيء في أعيان المؤمنين المتقين، ويؤدي الواجب في دين الله، والقول الصدق، واتباع ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه. وكما أن هذا الواجبُ في المسائل العملية، فكذلك في هذه المسائل الخبرية، لا سيما فيما يغمض معناه، ويتشبه على عموم الناس الحق فيه بالباطل؛ فهذا المسلك يجب اتباعه؛ إذ قل عظيم في الأمة إلا وله زلة ... فلا بد من رعاية حق الله بالواجب في الإثبات والنفي، والأمر والنهي، وحق عباده المؤمنين، بما لهم من إيصال حقوقهم إليهم، من المحبة والموالاة، وتوابع ذلك، واجتناب البغي والعدوان عليم ". انتهى. "جواب الاعترضات المصرية على الفتيا الحموية" (١٦٢-١٦٣) . وقال ابن القيم ﵀: " معرفة فضل أئمة الإسلام، ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وأنَّ فضلَهم وعلمَهم ونصحهم لله ورسوله لا يوجب قبول كلِّ ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول، فقالوا بمبلغ علمهم والحقُّ في خلافها، لا يوجب اطِّراح أقوالهم جملة، وتنقصهم والوقيعة فيهم، فهذان طرفان جائران عن القصد، وقصد السبيل بينهما، فلا نؤثم ولا نعصم " إلى أن قال: " ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعاً أنَّ الرَّجلَ الجليل الذي له في الإسلام قدَم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلَّة هو فيها معذور، بل ومأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتبع فيها، ولا يجوز أن تُهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين " انتهى "إعلام الموقعين" (٣/٢٨٣) . فحذار حذار من الوقوع في أهل العلم والإسلام، والجرأة على ذلك المقام الخطر، وتقحم الإنسان فيما لا يعنيه، والسلامة السلامة، لدينك وعرضك. وننصح بمراجعة كتاب: "حرمة أهل العلم " للشيخ محمد أحمد إسماعيل، والانتفاع به. وينظر: إجابة السؤال رقم: (٢١٥٧٦) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14404

هل يتظاهر بأنه ليس سلفياً ليتمكن من الدعوة إلى الله ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا في حيرة من أمري، فأنا أتبع تعاليم القرآن والسنة وكان يشار إلي على أنني سلفي في الماضي، والمسجد الذي أصلي فيه منذ عشرين عاما صار يسيطر عليه أفراد من حركة إسلامية يتبعون المذهب الحنفي، فهم ما شاء الله شباب كثر ويصلون في المسجد، ويُطلب مني المساعدة في هذا المسجد.. لكن لدراستي في جامعة المدينة، ولنظر الآخرين لي على أن سلفي، أشعر أن الناس لا يشعرون بالارتياح تجاهي بسبب مذهبي، ولذا قمت من شهور قليلة بتهذيب لحيتي، وبدأت أتولى برنامج مسجد الشباب، وصرت الآن في موقع منفذ برنامج الشباب في المسجد وأنا الآن ألقي محاضرات في التوحيد والعقيدة، وأدل الشباب على مواقع المشايخ ومحاضراتهم على مواقع الإنترنت، وأشعر بأن لدي المرونة الكاملة للتعامل مع هؤلاء الشباب. لكن ماذا لو اكتشفت وعرفت لجنة المسجد بتوجهي، وأنني إنما أزكي وأدعو للفكر السلفي ... فلن يكون لدي المرونة ساعتها؟ فهل أنا غشاش أو كاذب بتغيير مظهري بتهذيب لحيتي وإخفائي لمنهجي؟ وهل بتعليم الشباب في المسجد وتوجيههم ونصحهم بقراءة كتب سلفية وتصفح المواقع الإلكترونية مثل موقعك، وهل أرتكب إثما بالتظاهر على أني فرد من الحركة الإسلامية، وأحمل فهمها، بينما أنا فقط أقوم بالدعوة لمنهج أهل السنة والجماعة ... ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نسأل الله أن يعيننا وإياك على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعلنا جميعا من الدعاة إلى الله تعالى، على ما يحب سبحانه من البصيرة في الدين، والمتابعة لهدى المرسلين. وبعد، فلتعلم ـ أيها الأخ الكريم ـ أمرا له أهميته، نقدمه بين يدي الجواب عن مشكلتك؛ وهذا الأمر هو أن عندنا نوعين من التصرفات، أو الأخلاق الاجتماعية، والتي يتخلق بها المرء في تعامله مع الآخرين، وهذان الأمران هما: المداراة والمداهنة. قال ابن القيم ﵀: " المداراة صفة مدح، والمداهنة صفة ذم. والفرق بينهما أن المدارى يتلطف بصاحبه حتى يستخرج منه الحق، أو يرده عن الباطل. والمداهن يتلطف به ليُقِرّه على باطله، ويتركه على هواه. فالمداراة لأهل الإيمان، والمداهنة لأهل النفاق. وقد ضُرِب لذلك مثلٌ مطابق: وهو حال رجل به قُرحة قد آلمته، فجاءه الطبيب المداوي الرفيق، فتعرف حالها ثم أخذ في تليينها، حتى إذا نضجت أخذ في بَطِّها برفق [أي: شقها] وسهولة حتى أخرج ما فيها، ثم وضع على مكانها من الدواء والمرهم ما يمنع فساده، ويقطع مادته، ثم تابع عليها بالمراهم التي تنبت اللحم، ثم يذُرُّ عليها ـ بعد نبات اللحم ـ ما ينشف رطوبتها، ثم يشد عليها الرباط، ولم يزل يتابع ذلك حتى صلحت. والمداهن قال لصاحبها: لا بأس عليك منها، وهذه لا شيء، فاسترها عن العيوب بخرقة، ثم الهُ عنها. فلا تزال مِدتها تقوى وتستحكم، حتى عظم فسادها ". انتهى. "الروح" (٢٣٢) . فإذا كان حالك مع هؤلاء القوم كحال الطبيب، الذي يتلطف بهم، ليعالج ما بهم من أمراض الشبهات والشهوات، والبدع والمعاصي والانحرافات، وترفقت بهم في ذلك: فتلك حال ممدوحة، ولست مكلفا بأن تعالج كل ما بهم من الأمراض دفعة واحدة، بل ابدأ بالأهم فالمهم، وبالمرض القاتل الفتاك أولا: الشرك وأسبابه، ثم ما يليه من البدع والمعاصي والفجور، كل هذه أمراض تحتاج إلى علاج الطبيب الرفيق الحاذق، في لطف ورفق وأناة. وإياك إياك أن تظن أن ما أنت عليه من الطب خداع للمريض، أو كذب وسوء، وإياك إياك أن تفقد الحكمة، والعلم، وتجانب الصراط في طبك للمرضى، فساعتها ستنتقل إليك العدوى، وتصبح أنت المريض!! إن الواجب عليك هو تبليغ كتاب الله وسنة رسوله، وأن تحافظ على منهجك السلفي، وتستعين بكل وسيلة لتوصيله لمن حولك من الناس، لكن في مدارة الطبيب وحلمه، وليس في المداهنة الباطلة، بأن تقرهم على بدعة أو شر ومعصية، وإن كان لك أن تسكت عن بعض الشيء، حتى تتمكن من علاجه ما هو أخطر منه، ثم علاجه هو، ما استطعت إلى ذلك سبيلا. وحذار أن تفتح على نفسك باب التأويلات الباطلة، فتقع في معصية بعد أخرى، أو بدعة وثانية، أو تتنازل عن شيء من أصول اعتقادك، لتأليف القلوب، ومصلحة الدعوة، كما يتوهم المتوهمون. وأما ما ذكرت من تقصير لحيتك، فنحن نصدقك القول: إننا نخاف عليك من مغبة ذلك، أن يكون بداية لطريق تنازل طويل، يبدأ من اللحية، وينتهي بالعقيدة السلفية، مرروا بما شئت من الهدي الظاهر، والسنن القولية والعملية؛ فحذار حذار، ولست مكلفا بهلكة نفسك لتنقذ غيرك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) المائدة/١٠٥. وأما إن كان التقصير، هو فقط، فيما زاد على القبضة، فنرجو أن يسعك ذلك، فقد قال به بعض أهل العلم، من علماء السنة، وفعله بعض السلف الصالح، وإن كنا نرى السنة في خلافه، وأن هدي النبي ﷺ ، هو ترك اللحية كما هي. على أنه يترجح جانب الجواز في حقك: إذا تحققت المصلحة الشرعية من ذلك التقصير، خاصة إذا كنت في ديار الغربة، أو بلاد ليست السنة فيها ظاهرة، وأهل السنة غير ممكنين فيها، وكانت ترك بعض السنن أعون لك على الاستمرار في الدعوة إلى الله، وتأليف القلوب، وجمع الناس إلى طريق السنة، ودلالتهم على أهلها: فيسعك، إن شاء الله، ترك بعض ما تعجز عن إظهاره من سنن الهدي الظاهر، إلى أن يأذن الله ويمكن للسنة وأهلها. غير أننا نقول لك: احذر على قلبك، وكن فقيها بأمر نفسك، وأمر دينك، ولا تجعل ما تركته، وأنت معذور، سببا وطريقا تترك به ما تقدر عليه؛ فقد قال أهل العلم: " الميسور لا يسقط بالمعسور"؛ يعني: أن ما عجزت عن القيام به من الواجبات والمستحبات: ليس عذرا لك في ترك ما قدرت على الإتيان به من ذلك. وأما ما ذكرت من اكتشافهم أمرك: فلا عليك، أنت بلغ ما علمت من دين ربك، بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا عليك بما نالك في ذلك، كما قال الله تعالى: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) لقمان/١٧. وساعتها: إن عجزت عن إتمام دعوتك في مكانك هذا، فلعل الله أن يبدلك ما هو خير منه، أو ييسر لك من سبل الدعوة ما هو أنفع من ذلك. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14405

صديقه الشيعي يدعوه إلى التشيع، ويطعن في عمر ﵁ [السُّؤَالُ] ـ[صديقي الشيعي يقول إنه حين قربت وفاة النبي محمد ﷺ كان في بيته الكثير من الناس وكان بينهم عمر بن الخطاب فقال له الرسول دعني أكتب لكم شيئا حتى لا تضلوا بعدي أبدا، فقال عمر: إن الرسول تحت تأثير الحمى، وربما أنه لا يعي ما يقول، ولدينا القرآن وهو كتاب الله يكفينا. ارتفع صوت من عند رسول الله وهم يتناقشون ثم انقسموا إلى قسمين فبعضهم قال: لنستمع إلى الرسول لعله يقول لنا ما يحفظنا من الضلال بعده، والقسم الآخر كرر ما قاله عمر بن الخطاب، وعندما زادت الفرقة بينهم وارتفع صوتهم قال لهم الرسول ﷺ : (اذهبوا بعيدا عني) . قال صديقي الشيعي: إن هذا موجود في صحيح البخاري جزء ٤ صفحة ٤. فإذا كان هذا صحيحا فلماذا فعل هذا عمر بن الخطاب؟ صديقي قال لي لاحقا إن عمر بن الخطاب كان يرى بأنه ليس مقيداً بسنة الرسول وكان يفعل ما يراه هو، ويؤكد هذا ما فعله حين أصبح خليفة فقد كانت أفعاله تناقض السنة وقد حرم ما أباح الله، وأباح ما حرم الله. فهل هذا صحيح؟ مع أن هذا مذكور في كتب أهل السنة؟ أنا سني وأريد أن أعرف الحقيقة لأن صديقي يريد أن يحولني إلى شيعي.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ليس الأمر كما فهمه هذا الشيعي المتطاول على أمير المؤمنين عمر الفاروق ﵁، وإنما قال بعضهم: (أهجر) على سبيل الإنكار على من توقف في امتثال أمره بإحضار ما يلزم للكتابة، فكأنه قال: كيف تتوقف أتظن أنه كغيره يقول الهذيان في مرضه، امتثل أمره وأحضر ما طلب، فإنه لا يقول إلا الحق. وربما كان قائل العبارة ممن أسلم حديثاً.. وإلا فإنه متقرر عند الصحابة الأجلاء وعلى رأسهم عمر الفاروق أنه ﷺ معصوم في جميع أحواله. وإن مقالة عمر: حسبنا كتاب الله، فقد قال النووي: اتفق العلماء على أن قول عمر: (حسبنا كتاب الله) من قوة فقهه، ودقيق نظره، لأنه خشي أن يكتب أموراً ربما عجزوا عنها فاستحقوا العقوبة لكونها منصوصة، وأراد أن لا يسد باب الاجتهاد على العلماء، وفي تركه ﷺ الإنكار على عمر إشارة إلى تصويب رأيه، ويحتمل أن يكون قَصَدَ التخفيف عن رسول الله ﷺ . وقوله ﷺ : (قوموا) لما وقع منهم الاختلاف ارتفعت البركة كما جرت العادة بذلك عند وقوع التنازع والتشاجر. ويراجع فتح الباري (٨/١٣٣،١٣٤) ويراجع كلام ابن تيمية في المنهاج (٦/٢٤) . وأما دعوى هذا الشيعي البغيض أن عمر يخالف السنة فهي كذبة صلعاء وفرية مكشوفة.. فقد عرف عمر ﵁ بتمام التأسي والاتباع لرسول الله ﷺ .. وكان وقافاً على كتاب الله، وقد كان فوق ذلك حيث كان محدثاً ملهماً يأتي الوحي موافقاً لرأيه في عدة مسائل. قال شيخ الإسلام: "أما عمر فقد ثبت من علمه وفضله ما لم يثبت لأحد غير الصدّيق". "المنهاج" (٦/٢٠) . قال ﷺ لعمر ﵁: (ما رآك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك) أخرجه البخاري. وقال ابن مسعود ﵁: (كان عمر أعلمنا بكتاب الله، وأفقهنا في دين الله، وأعرفنا بالله) . وننصحك بمفارقة هذا الشيعي بعد دعوته وتذكيره من قِبل طلبة العلم، وعليك أن تتخذ أصدقاء من أهل السنة والصلاح زادك الله هداية وتوفيقاً. سماحة الشيخ عبد الله بن جبرين ﵀. [الْمَصْدَرُ] سماحة الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله

стр. 14406

نصائح شرعيَّة للأخوات خريجات الجامعة [السُّؤَالُ] ـ[الرجاء من فضيلتكم توجيه نصيحة للخريجات - الفتيات اللواتي أنهين الدراسة الجامعية -، ماذا يفعلن بعد التخرج وقبل الزواج أو لحين الزواج؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فهذه نصائح نقدمها لمن أنهت دراستها، فنقول: ١. على كل أخت أنهت دراستها أن تحاسب نفسها عن تلك السنوات التي قضتها في الجامعة أو غيرها، ماذا كان فيها من معصية، أو تقصير في حق الله، وعليها التوبة الصادقة منها، فإن التوبة هي وظيفة العمر، فلا يخلو المسلم من معصية أو تقصير في حق الله، فلابد من التوبة من ذلك، قال النبي ﷺ : (كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) رواه الترمذي (٢٤٩٩) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي. وإن كانت الأخت مستقيمة في أثناء دراستها: فلتحمد الله تعالى أن نجاها مما وقع فيه غيرها في المعصية، وعليها المحافظة على استقامتها، ودينها، وأن يكون يومها – دائماً – خيراً من أمْسِها، وغدها خيراً من يومها. ٢. والنصيحة للأخوات أن لا يحرصن على تكملة الدراسة، ولا البحث عن عمل، لأنه لا يوجد ـ للأسف ـ في أكثر بلاد المسلمين عمل يليق بالمرأة ويخلو من المحرمات. وقد يُفتى في نطاق ضيِّق لبعض الأخوات، وفي بعض التخصصات بتكملة دراستهن، أو العمل، وذلك بعد أن يستشرن من يوثق بعلمه، ودينه، وذلك لظروف خاصة بهن. ٣. على الأخوات الخريجات استثمار الفترة بين التخرج والزواج بالدعوة إلى الله، فالنساء يحتجن إلى داعيات تحثهن على سلوك طريق الاستقامة، ونأسف أن نجد الحاجة ماسة لوجود داعيات، مع قلة من يقوم بهذا الأمر من الأخوات، وهناك الكثير منهن تكون قادرة على البذل والعطاء لبنات جنسها، لكننا نرى العجز والكسل عند الكثيرات. قال تعالى: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) الأعراف/ ١٦٥. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: وهكذا سنَّة الله في عباده: أن العقوبة إذا نزلت: نجا منها الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر. "تفسير السعدي" (ص ٣٠٦) . ٤. استثمار الوقت في طلب العلم، وحفظ القرآن، وذلك قبل مجيء شواغل الزواج، فبعد الزواج قد تقل فرص طلب العلم، وحفظ القرآن بسبب الأعمال البيتية، والقيام بحقوق الزوج، ورعاية الأولاد. عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ) . رواه الحاكم (٤ / ٣٤١) وصححه الألباني في " صحيح الترغيب والترهيب " (٣٣٥٥) . ٥. من رضيت لنفسها من الأخوات الخريجات باللحاق بركب العمل، والدخول في سوقه: فلتتق الله ربها فيه، ولتحرص على أن يكون عملها شرعيّاً في ذاته، وأن تكون بيئته خالية من المحرمات، كالأغاني، والاختلاط، ومن كانت وظيفتها في تدريس البنات: فلتبذل قصارى جهدها في العناية بهن، والحرص على هدايتهن، واستقامتهن؛ فقد كثرت الفتن على المسلمين والمسلمات، وقد غلبت الكثرة الشجاعة، فيحتاج المسلم من يقوي عزمه، ويقف بجانبه، ويحثه على الطاعة، وبخاصة الإناث؛ فإن حملات الفتن عليهن أكثر، وجانب الوقاية فيهن ضعيف غالباً. وقد ذكرنا أدلة تحريم الاختلاط في جواب السؤال رقم (١٢٠٠) ، وبيَّنا حكم العمل المختلط في جواب السؤال رقم (٣٩١٧٨) ، وتجدون ضوابط عمل المرأة في جواب السؤال رقم: (٢٢٣٩٧) . ٦. الحرص على الصحبة الصالحة من بنات جنسها، ومن شأن تلك الصحبة الصالحة أن تعين على طاعة الله، وتدل على النافع المفيد، وتثّبت السائر على درب الهداية. عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ، يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ، وَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ) رواه أحمد (٢٢٠٢٩) ، وحسَّنه محققو المسند. القاصية: المنفردة عن القطيع البعيدة عنه. ٧. البُعد عن مهيجات الشهوة، من كتبٍ تُقرأ، أو صور تُرى، أو أفلام تُشاهد، فهذه المرحلة للأخوات لا شك أنها خطيرة، والانسياق وراء تلك المهيجات لا تُضمن عواقبه، مع وجود الإثم أصلاً في فعله، فعلى الأخوات الفضليات الانتباه لهذا، والاستعانة بالله تعالى على الثبات على الدين، فالفتن تسلب العقول، وتحرك الصخور، ولا ملجأ للمسلم إلا ربه، ليطلب منه الثبات على الحق، والانتصار على النفس الأمَّارة بالسوء. ونسأل الله تعالى أن نكون وفقنا في نصائحنا هذه، ونسأله أن يوفق أخواتنا للعمل بها. والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14407

نصيحة لشاب في بداية طريق الاستقامة [السُّؤَالُ] ـ[ما نصيحتكم لشاب في بداية طريق الاستقامة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "نصيحتنا لهذا الشاب الذي هو في اتجاه سليم إن شاء الله: أولاً: أن يسأل الله الثبات دائماً، والصواب. ثانياً: أن يكثر من قراءة القرآن بتدبُّر؛ لأن هذا القرآن له أثر كبير على القلب، إذا قرأه الإنسان بالتدبُّر. ثالثاً: أن يحرص على ملازمة الطاعات، وألا يمل أو يكسل، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم استعاذ من العجز والكسل. رابعاً: أن يحرص على مصاحبة الأخيار، ويبتعد عن مصاحبة الأشرار. خامساً: أن ينصح نفسَه حينما تؤثر هذه النفس عليه وتقول له: إن المدى بعيد، والطريقَ طويل، فلينصح نفسه وليثبُت؛ لأن الجنة حُفَّت بالمكاره، والنار حُفَّت بالشهوات. سادساً: أن يبتعد عن قرناء السوء، حتى ولو كانوا أصحاباً له من قبل؛ لأن قرناء السوء يؤثرون عليه، ولهذا قال النبي ﵊: (مَثَلُ الجليس السوء كنافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة خبيثة) " انتهى. فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀. "لقاءات الباب المفتوح" (١/١٥٣) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14408

كيف يتصرف مع أهل زوجته الذين يفعلون المعاصي الظاهرة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ي هو أن لزوجتي أختين متبرجتين ومبتعدتين تماماً عن الدين، باستثناء الصيام - على حد معرفتي في رمضان الماضي - لكنهن كثيرات السهر، ويتصرفن برعونة تامة، ويتعارفن مع الشباب عن طريق الإنترنت، والهواتف النقالة، وعن طريق الخروج الكثير، وغير المسئول من المنزل، وأنا أكرههما، لكني أعاملهما بالمعروف، وبدأت أتقصد في معاملتي معهما بشكل رسمي وفظ مؤخراً، من خلال عدم السلام باليد؛ لأنه ينقض الوضوء، وعدم النظر إليهنَّ لأنهنَّ غير مستورات بالكامل، وهذا منافٍ لقواعد الدين وشرعه، الذي يأمر بغض البصر، وأنا الآن في حيرة، هل أقطع علاقتي بهنَّ نهائيّاً وأمنع زوجتي من مكالمتهن، علماً بأن زوجتي هي أختهم الكبيرة، وهنَّ يعشنَ مع والدتهن بالقرب منَّا، وأبوهنَّ خارج البلاد، وأخوهن الوحيد خارج البلاد أيضاً؟ وهذا سبب حيرتي لأنهن نساء يعشن وحدهن دون رجل، ويعاملنني بلطف، ويخفن من زعلي، لكن عندما أنصحهن بالخير لا يستجبن، وأمهن التي هي حماتي لا تساعد على تربيتهن، وتقول لي إنهن بحاجة للخروج ليراهن الناس ويتزوجن! ، وأنا أخاف الله من قطعهن، لكني عاجز عن التحمل؛ نظراً لأن سمعتهن ساءت كثيراً، وهذا يؤثر على زوجتي المحافظة، وعليَّ أيضاً، وأكره المجاهرة بالمعاصي، وعدم الالتزام بشرع الله، فما العمل جزاكم الله خيراً؟ وهل يجوز أن نقاطعهن ـ تأديباً ـ لفترة شهر أو شهرين؛ علماً أنني قلت لحماتي بأنني غير راضٍ فغضبت وقالت: إذا قاطعتهن سوف أقطع علاقتي بابنتي - التي هي زوجتي -، وهذا سبب آخر يمنعني، لكن - والله شاهد على ما أقول - فهم توسعوا في المعاصي، والخطأ، دون أن يصلوا لحدِّ الكبائر، وأيضاً: حماتي غير ملتزمة دينيّاً، لكنها تصوم، وتتكاسل في أغلب الأحيان عن الصلاة، وعندما ننصحها تغضب وتقول: لا أحد يتدخل بيني وبين بناتي، الله وحده يحاسبنا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: أوصى النبي ﷺ بأصهاره خيراً، وهذا من عظيم أخلاق الإسلام، ومع كون أصهار المسلم ليسوا من أرحامه، إلا أنه بسبب عقد الزوجية جُعل لأهل زوجته حق عليه بالعناية بهم ورعايتهم. عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِماً - أَوْ قَالَ: ذِمَّةً وَصِهْراً -) . رواه مسلم (٢٥٤٣) . قال النووي – ﵀: وأما الذمَّة: فهي الحرمة، والحق، وهي هنا بمعنى الذمام، وأما الرحم: فلكون هاجر أم إسماعيل منهم، وأما الصهر: فلكون مارية أم إبراهيم منهم. " شرح مسلم " (١٦ / ٩٧) . وكما نلحظ فإن الحديث ليس فيه الوصية بأهل الزوجة مباشرة، بل بأهل بلدها، بل لم تكن مارية ﵂ زوجة للنبي صلى الله عليه، بل كانت أمَته، وأم ولده إبراهيم، فالوصية بأهل الزوجة مباشرة أولى بالاهتمام والعناية. ثانياً: مع هذا فإن على المسلم أن يراعي حرمة الشرع، وأحكامه، وأنه إن كانت صلته بأهل زوجته مما يسبب له فتنة لنفسه، أو فساداً لزوجته وأولاده، أو طعناً في دينه وعرضه: فإن عليه أن يحتاط لذلك، ويجب عليه السعي نحو الحفاظ على ما أولاه الله تعالى من مسئوليات، ولو كان في ذلك قطع للعلاقة مع أهل زوجته المفسدين، أو هجر لهم بسبب خوفه على نفسه أو على زوجته وأولاده. والذي يظهر لنا من خلال سؤالك أخي السائل أن بيت أصهارك ليس مما ينبغي لك الأسف عليه إن استمر حالهم على ما وصفتَ بعد النصح والتذكير، وأن بقاء الأمر على ما هو عليه قد ينعكس أثره السلبي على بيتك وأسرتك، فالرائحة المنتنة، حين تفوح، تشمل المكان كله، وسوء السمعة الذي تحدثت عنه: لن يقتصر أثره علي الفتاتين فقط؛ بل أنت وزوجتك وأولادك في الواجهة أيضا. فاحذر أشد الحذر من التهاون في النصح، والوعظ، وإن رأيتَ ذلك غير مجدٍ، ورأيت أحوال الأختين على ما هي من السوء الذي وصفتَ: فننصحك بشدة أن تتخذ موقف الهجر من ذلك البيت، ولو أدى لقطع علاقة حماتك بابنتها، مع أننا نجزم أن كلامها فارغ، وأنها لن تصبر على ابنتها وأحفادها، بل يمكنك جعل ذلك ورقة " ضغط " عليها؛ لتصلح من حالها، وحال ابنتيها. على أننا ننصحك، قبل أمر الهجر، وقطع العلاقة بهاتين الفتاتين وحماتك: أن تقوم بإعلام والدهما وأخيهما، المسافرين إلى الخارج، بحقيقة الحال، وأن تقنع الوالد بضرورة عودته، وبقائه في وسط أسرته، ونهوضه بمسؤوليته الواجبة نحوهما. فإن أبى فلتكن المحاولة مع أخيهما، فهما المسئولان ـ حقيقة ـ عن تلك الرعاية والقوامة على البنتين. وقد يكون من الأنسب في هذه الظروف: أن تكون زوجتك هي التي تقوم بإيصال هذه الرسالة إلى والدها وأخيها. فإن لم تستطع، فمن الممكن أن يقوم بذلك ناصح أمين، ممن تعلم ـ يقينا ـ أنه على معرفة بحقيقة الحال. ثالثاً: ليس ما ننصحك به هو من الهجر المحرَّم، فنحن أولاً قلنا بوجوب النصح والوعظ، ثم قلنا إن مثل تلك المعاصي التي تفعلها شقيقات زوجتك من شأنها أن يكون لها أثر سيء عليك وعلى أهل بيتك، وهذا موجب للهجر بالإجماع. قال ابن عبد البر – ﵀: وأجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، إلا أن يكون يخاف من مكالمته، وصلته: ما يفسد عليه دِينه، أو يولِّد به على نفسه مضرة في دينه، أو دنياه، فإن كان ذلك: فقد رُخِّص له في مجانبته، وبُعده، وربَّ صرْمٍ جميلٍ خيرٌ من مخالطةٍ مؤذيةٍ. قال الشاعر: إذا ما تقضي الودُّ إلا تكاشرا ... فهجر جميل للفريقين صالح " التمهيد " (٦ / ١٢٧) . رابعاً: ننبهك إلى ما لحظناه من خلال سؤالك أن علاقتك بشقيقات زوجتك فيها مخالفات شرعية، من حيث النظر، والخلطة، والمصافحة، وما ذكرته عن المصافحة من أنك امتنعت عنها من أجل نقض الوضوء: غير صحيح، بل هي محرَّمة لذاتها، وهي لا تنقض الوضوء بمجردها، وانظر جواب السؤال رقم (٨٥٣١) . وخطأ آخر: وهو ظنك أن شقيقات زوجتك لم يفعلن شيئاً من الكبائر! ويبدو أن الكبيرة عندك هي " الزنا "! فحسب، وهذا خطأ، ووجه ذلك: أن تبرجهن، وعلاقتهن برجال أجانب من الكبائر، وتركهن الصلاة ليس من الكبائر فحسب، بل هو من الكفر المخرج من الملة. خامساً: والخلاصة: ١. انصح لأم زوجتك وأخواتها بتقوى الله والالتزام بطاعته، في الصلاة، والحجاب، وترك المحرمات، من التبرج، ومصاحبة الأجانب. ٢. خفف من زيارتك لبيت حماتك، وعلل ذلك بما هم عليه من حال لا يُرضي. ٣. إن لم يُجد ذلك، وتسبب لك علاقتك بهم وزيارتك لهم بالطعن في دينك وعرضك، أو بخوفك على زوجتك وأولادك أن يُفتنوا بهم: وجب عليهم هجرهم، حتى ينصلح حالهم. ٤. داوم أنت وزوجتك على الدعاء لأصهارك بالهداية، والتوفيق لما يحب ربنا ويرضاه. ٦. وعليك الالتزام بالضوابط الشرعية في العلاقة مع الأجنبيات، حتى لو كن من أقربائك، أو أصهارك، وانظر جواب السؤال رقم: (١١٢١) ففيه تفصيل مفيد. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14409

طبع لصديقه بحثاً فيه مخالفات للشرع لئلا ينفر منه [السُّؤَالُ] ـ[أنا أعمل في مجال كتابة الأبحاث العلمية، وقد أحضر لي صديق مسلم بحثاً مكتوباً له؛ لأقوم بكتابته على الحاسب، ثم طباعته، هذا البحث يتحدث عن أعمال أحد الأدباء النصارى، فلم يكن البحث يخلو في محتواه مما يخص عقائد النصارى، ونظرتهم إلى الله، والآلهة، وما إلى ذلك، وقد توسل لي أن أكتبه له بشدة، بسبب ضيق الوقت المقرر لتسليم البحث، فقبلتُ رغبة مني في أن أجعله يتقرب إليَّ أكثر، وأن أدعوه إلى الله، فهو شخص غير ملتزم، ولكنه ينظر إليَّ باعتباري مثالاً للشخص المسلم، فأنا أدعوه على فترات متباعدة، دون أن يشعر عن طريق ما أفعله أمامه، أو الطريقة التي أعامل بها من حولي؛ لأنه سريع النفور من الدعوة، ولو لم أكن قبلتُ بحثه: لقطع علاقته بي، فهل أنا على صواب؟ . وجزاكم الله خيراً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا كان صاحبك قد علَّق على ما في بحثه هذا مما يخالف عقائد الإسلام، وبيَّن بطلانها فلا حرج من كتابة هذا البحث ونشره، لأنك بيَّنت أن هذا باطل. وأما إذا كان البحث مجرد حكاية لما يقوله ذلك الأديب النصراني من غير بيان لما في كلامه من باطل، - وهذا هو الظاهر من سؤالك – فلا يجوز كتابة هذا البحث ولا نشره ولا مساعدته على ذلك. وكيف يليق بمسلم أن يكتب بيده كلاماً فيه سب الله تعالى وتنقصه؟! وأقل درجات إنكار المنكر: أن ينكر المسلم بقلبه، وذلك يتضمن كراهة لذلك المنكر وابتعاده عنه وعدم إقراره، وأما اعتذارك عن هذا بأنك أردت تأليف قلبه واستمرار دعوته، فهو اعتذار لا يبيح للمسلم كتابة أعظم المنكرات بيده، وهو الشرك، وقد نهى الله تعالى نبيه محمداً ﷺ عن أقل مما فعلت، وكان مقصده من ورائه ما هو أعظم مما قصدت، قال الله تعالى: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) الأنعام/ ٥٢. قال القرطبي ﵀: " قوله تعالى: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) الآية، قال المشركون: ولا نرضى بمجالسة أمثال هؤلاء - يعنون سلمان، وصهيباً، وبلالاً، وخبَّاباً - فاطردهم عنك، وطلبوا أن يكتب لهم بذلك، فهمَّ النبي ﷺ بذلك، ودعا عليّاً ليكتب؛ فقام الفقراء، وجلسوا ناحية؛ فأنزل الله الآية، ولهذا أشار سعد بقوله في الحديث الصحيح: (فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع) . وكان النبي ﷺ إنما مال إلى ذلك طمعاً في إسلامهم، وإسلام قومهم، ورأى أن ذلك لا يفوت أصحابه شيئاً، ولا ينقص لهم قدراً، فمال إليه، فأنزل الله الآية، فنهاه عما همَّ به من الطرد، لا أنه أوقع الطرد " انتهى. " تفسير القرطبي " (٦ / ٤٣١) . وقد عاتب الله تعالى نبيَّه ﷺ على فعلٍ أقلَّ من فعلك اجتهد فيه لتحصيل مصلحة عظيمة من أجل إسلام بعض رؤساء الجاهلية، فقال تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَن جَاءهُ الأَعْمَى. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى. أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى. فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى. وَمَا عَلَيْكَ أَلَاّ يَزَّكَّى. وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى. وَهُوَ يَخْشَى. فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى. كَلَاّ) عبس/ ١ – ١١. قال ابن كثير ﵀: " ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله ﷺ كان يوماً يخاطب بعض عظماء قريش، وقد طمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه، ويناجيه: إذ أقبل ابن أم مكتوم -وكان ممن أسلم قديماً - فجعل يسأل رسول الله ﷺ عن شيء، ويلح عليه، وودَّ النبي ﷺ أن لو كفَّ ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل؛ طمعاً، ورغبةً في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم، وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فأنزل الله : (عبس وتولى. أن جاءه الأعمى..) " انتهى. " تفسير ابن كثير " (٨ / ٣١٩) . والذي كان ينبغي لك فعله أن تصدق معه، فتخبره بحكم فعلك لو وافقتَه في طباعة ذلك البحث، وحكم فعله هو في كتابته أصلاً، وبذا يحصل النفع التام، لك، فتسلم أنت من الإثم، وله، فلعله يعيد النظر فيما كتب، ويحذف ما فيه مخالفة للشرع. ويكون ذلك برفق ولين حتى لا ينفر صاحبك، وتتمكن من الاستمرار من دعوته. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14410

مذيعات وداعيات في قنوات إسلامية ينمصن حواجبهن، فهل يعني هذا جواز فعلهن ؟ [السُّؤَالُ] ـ[نعلم أن نتف الحواجب حرام شرعاً، وكل العلماء أجمعوا على ذلك، غير أننا نشاهد كل يوم في القنوات الفضائية الدينية مقدمات، وداعيات للإسلام متبرجات، مع نتف الحواجب، ويدعين أن هذا ليس بالحرام، فما حكمكم أنتم في هذا؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا يجوز للمرأة أن تكشف شيئاً من بدنها أمام الرجال الأجانب عنها، ويدخل في ذلك الوجه والكفان، كما سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (١١٧٧٤) . ويزداد التحريم إذا كانت تضع مساحيق التجميل وتتزين بها ليراها الرجال على تلك الحالة. وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم: (١١١٨٣٩) . ثانياً: أما نمص الحواجب (نتفها) فقد ثبت أن النبي ﷺ لعن من فعلت ذلك، وهذا يدل على أنه كبيرة من كبائر الذنوب. وانظري جواب السؤال رقم (٢١٦٢) . وبعد وضوح الحكم من كلام النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فالواجب على المسلم اتباعه، واجتناب ما يسخط الله تعالى، ويوجب لعنته على العبد، وكل امرئ حسيب نفسه. وهؤلاء المذيعات ـ وغيرهن ـ نسأل الله تعالى لهن الهداية والتوفيق إلى الصواب، وأن يكن قدوة صالحة لغيرهن من النساء. وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم: (٢١٣٩٣) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14411

إمام مسجد لا يرى كفر اليهود والنصارى! ويرد الحديث المخالف لعقله ! [السُّؤَالُ] ـ[بينما كنت أتكلم مع إمام مسجدنا في بعض الأمور: ذكرت له أن اليهود والنصارى مخلدون في نار جهنم , فكان يخالف ذلك الأمر، ويقول: إنه أعلم بالقرآن مني، فزوجة هذا الإمام نصرانية، وأفضل صديق عنده يهوديّ، ويقول أيضاً: إن الحديث يجب أن يكون منطقيّاً حتى نتبعه، أما إذا كان مخالفاً للمنطق: فلا يؤخذ به، فما حكم هذا الرجل؟ هل هو كافر، أم منافق، أم مبتدع؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا ندري كيف يجهل مثل الأمر إن كان يقرأ الفاتحة في صلاته، وكيف يجهل أن (المغضوب عليهم) هم اليهود، وأن (الضالين) هم النصارى؟! ولا ندري كيف يكون أعلم بالقرآن منك وهو يقرأ فيه قوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) المائدة/ ١٧، وقوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) المائدة/ ٧٢، وقوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) المائدة/ ٧٣، وقوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ. اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة/ ٣٠، ٣١. فهل قرأ ذلك الإمام تلك الآيات؟ وهل فيها غموض حتى يجهل معناها؟ وهل علم هذا الإمام أن الإجماع قائم لا على كفر اليهود والنصارى فحسب، بل على كفر من شكَّ في كفرهم! ثم هب أن هذا الإمام لا يعلم ذلك، أو يظن أن اليهود والنصارى الذين يتعامل معهم، أو يصادقهم ولا يكفرهم، لا يشركون بالله، ولا يعتقدون أن المسيح ابن الله، أو غير ذلك من عقائدهم الشركية؛ فماذا يعلم عن موقفهم من نبينا محمد ﷺ ؛ هل هم مؤمنون به، مصدقون له في دينه، متبعون له في شرعه؟ أو هم كفار به، مكذبون له ولرسالته؟ قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً) النساء /١٥٠-١٥١. وفي صحيح مسلم (١٥٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار) . قال الإمام النووي ﵀: " َأَمَّا الْحَدِيثُ فَفِيهِ نَسْخُ الْمِلَلِ كُلِّهَا بِرِسَالَةِ نَبِيِّنَا ﷺ .. وَقَوْلُهُ ﷺ : (لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ) : أَيْ مِمَّنْ هُوَ مَوْجُودٌ فِي زَمَنِي وَبَعْدِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَكُلُّهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِي طَاعَتِهِ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيَّ تَنْبِيهًا عَلَى مَنْ سِوَاهُمَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَهُمْ كِتَابٌ؛ فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَهُمْ مَعَ أَنَّ لَهُمْ كِتَابًا، فَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ أَوْلَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ." انتهى. فمثل هذا لا يخفى على موحِّد، إلا أن يكون التوحيد والشرك عنده سواء، وإذا كان لا يرى كفر اليهود والنصارى: فما حكم المسلمين عنده؟! لأن المسلمين عند اليهود والنصارى كفار مخلدون في نار جهنم! فهل يرى رأيهم، ويعتقد اعتقادهم؟! . والذي نقوله أنا لا نشك في أن ما قاله ردة عن الدين، وكفر بإجماع المسلمين، فإن كان مكلَّفاً يدري ما يقول، وقد علم حكم ذلك في الإسلام، فقد خرج من ملة الإسلام، وكفر باعتقاده ذلك. ١. قال ابن حزم – ﵀: واتفقوا على تسمية اليهود والنصارى كفاراً. " مراتب الإجماع " (ص ١١٩) . ٢. وقال القاضي عياض – ﵀: ولهذا نكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهب سواه: فهو كافر بإظهار ما أظهره من خلاف ذلك. " الشفا في أحوال المصطفى " (٢ / ٦١٠) . ٣. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: قد ثبت في الكتاب، والسنَّة، والإجماع: أن من بلغته رسالته ﷺ فلم يؤمن به: فهو كافر، لا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد؛ لظهور أدلة الرسالة، وأعلام النبوة. " مجموع الفتاوى " (١٢ / ٤٩٦) . ٤. وقال – ﵀ – أيضاً -: إن اليهود والنصارى كفار كفراً معلوماً بالاضطرار من دين الإسلام. " مجموع الفتاوى " (٣٥ / ٢٠١) . ٥. وقال الحجاوي ﵀: من لم يكفر من دان بغير الإسلام، كالنصارى، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم: فهو كافر. " كشاف القناع " (٦ / ١٧٠) . ٠٧ وفي الإقناع ـ أيضا ـ للحجاوي، وشرحه، للبهوتي (٦/١٧٠) : " (وقال الشيخ [أي: شيخ الإسلام ابن تيمية] : من اعتقد أن الكنائس بيوت الله، وأن الله يُعبد فيها، وأن ما يفعل اليهود والنصارى عبادة لله وطاعة له ولرسوله، أو أنه يحب ذلك أو يرضاه) فهو كافر، لأنه يتضمن اعتقاد صحة دينهم، وذلك كفر كما تقدم (أو أعانهم على فتحها) أي الكنائس (وإقامة دينهم، و) اعتقد (أن ذلك قربة أو طاعة: فهو كافر) ؛ لتضمنه اعتقادَ صحة دينهم. (وقال) الشيخ (في موضع آخر: من اعتقد أن زيارة أهل الذمة في كنائسهم قربة إلى الله: فهو مرتد. وإن جهل أن ذلك محرم: عُرِّف ذلك؛ فإن أصر: صار مرتدا) ، لتضمنه تكذيب قوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ ". انتهى. ٦. وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀: ما حكم مَن لم يكفِّر اليهود والنصارى؟ . فأجاب: هو مثلهم، مَن لم يكفر الكفار: فهو مثلهم، الإيمان بالله هو تكفير من كفر به، ولهذا جاء في الحديث الصحيح يقول النبي ﷺ : (من وحَّد الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله) ، ويقول جل وعلا: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) . فلا بد من الإيمان بالله، وتوحيده والإخلاص له، والإيمان بإيمان المؤمنين، ولا بد من تكفير الكافرين، الذين بلغتهم الشريعة ولم يؤمنوا، كاليهود، والنصارى، والمجوس، والشيوعيين، وغيرهم، ممن يوجد اليوم، وقبل اليوم، ممن بلغتهم رسالة الله ولم يؤمنوا، فهم من أهل النار كفار، نسأل الله العافية. " فتاوى الشيخ ابن باز " (٢٨ / ٤٦، ٤٧) . ٧. وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: عمَّا زعمه أحد الوعاظ في مسجد من مساجد " أوربا " من أنه لا يجوز تكفير اليهود والنصارى؟ . فأجاب – بعد أن ساق بعض الآيات السابقة -: ... فمَّن أنكر كفر اليهود والنصارى الذين لم يؤمنوا بمحمَّدٍ ﷺ ، وكذبوه: فقد كذَّب الله ، وتكذيب الله: كفر، ومن شك في كفرهم: فلا شك في كفره هو. ويا سبحان الله! كيف يرضى هذا الرجل أن يقول: إنه لا يجوز إطلاق الكفر على هؤلاء وهم يقولون: " إن الله ثالث ثلاثة "، وقد كفرهم خالقهم ؟ وكيف لا يرضى أن يكفر هؤلاء وهم يقولون: " إن المسيح ابن الله "، ويقولون: " يد الله مغلولة "، ويقولون: " إن الله فقير ونحن أغنياء "؟! كيف لا يرضى أن يكفر هؤلاء وأن يطلق كلمة الكفر عليهم وهم يصفون ربهم بهذه الأوصاف السيئة التي كلها عيب، وشتم، وسب؟! . وإني أدعو هذا الرجل، أدعوه: أن يتوب إلى الله ، وأن يقرأ قول الله تعالى: (ودوا لو تدهن فيدهنون) وألا يداهن هؤلاء في كفرهم، وأن يبين لكل أحد أن هؤلاء كفار، وأنهم من أصحاب النار، قال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني من هذه الأمة - أي: أمة الدعوة - ثم لا يتبع ما جئت به - أو قال: لا يؤمن بما جئت به - إلا كان من أصحاب النار) . فعلى هذا القائل أن يتوب إلى ربه من هذا القول العظيم الفرية، وأن يعلن إعلاناً صريحاً بأن هؤلاء كفرة، وأنهم من أصحاب النار، وأن الواجب عليهم أن يتبعوا النبي الأمي محمَّداً ﷺ ، فإنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) ... وإني أقول: إن كل مَن زعم أن في الأرض ديناً يقبله الله سوى دين الإسلام: فإنه كافر، لا شك في كفره؛ لأن الله يقول في كتابه: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) ، ويقول : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) . وعلى هذا - وأكررها مرة ثالثة -: على هذا القائل أن يتوب إلى الله ، وأن يبين للناس جميعاً أن هؤلاء اليهود والنصارى كفار؛ لأن الحجة قد قامت عليهم، وبلغتهم الرسالة، ولكنهم كفروا عناداً ... وهذا أمر لا إشكال فيه، والله المستعان. " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٣ / جواب السؤال رقم: ٣٨٦) باختصار. وانظر جواب السؤال (٦٦٨٨) ففيه زيادات مهمة. ثانياً: وأما قوله: إن الحديث ينبغي رده إذا كان مخالفاً للمنطق: فهي دعوى فارغة، لا تستحق الالتفات لها، فمنطق من نعرض عليه الحديث؟ هؤلاء الذين تزوج منهم، وصادقهم، ومن لم يكفرهم: من منطقهم: الشذوذ، والربا، والزنا، وشرب الخمر، وعبادة الدولار، فأي حديث شريف فيه تحريم الربا، وتحريم الخمر، وحرمة البيع على البيع، وحرمة كسب الحرام، وحرمة الاختلاط، والنظر إلى المحرمات: أي شيء من ذلك سيقبلونه؟ أو من منطق من تأثر ببلاد الكفر وما يراه فيها، أو منطق أهل البدع والضلال، أو منطق من؟! وإذا كان الرجل يعجبه كلام أهل العقول، فنذكر له هنا نصا مهما، ليس لأحد أئمة أهل الحديث، بل لأحد أصحاب المنهج العقلي، وهو الفيلسوف المعروف: أبو الحسن العامري (ت: ٣٨١هـ) ، يقول: " وليس يُشَك أن أصحاب الحديث هم المعنيّون بمعرفة التواريخ العائدة بالمنافع والمضار، وهم العارفون لرجال السلف بأنسابهم وأماكنهم، ومقادير أعمارهم، ومن اختلف إليهم وأخذ العلم عنهم. بل هم المتحققون لما يصِحّ من الأحاديث الدينية وما يسْقَم، وما يقوى منها وما يضعف؛ بل هم المتجشمون للحِلّ والترحال في أقاصي البلدان وأدانيها، ليأخذوا عن الثقات سنن رسول الله ﷺ ، بل هم المجتهدون أن يصيروا نُقَّاد الآثار، وجهابذة الأخبار، فيعرفوا الموقوف منها والمرفوع، والمسند والمرسل، والمتصل والمنقطع، والنسيب والمُلْصق، والمشهور والمدلس، وأن يصونوا صناعتهم صيانة لو رام أحد أن يفتعل حديثا مُزَوَّرا، أو يغير إسنادا، أو يحرف متنا، أو يروج فيها ما روج في الأخبار الأدبية، كالفتوح والسير والأسمار والوقائع: للحقه من جماعتهم أعنف النكير. وإذا كان هذا سعيهم، وعليه مدار أمرهم: فمن الواجب أن نعتقد لهم فيما أكَّدوا من العناية أعظم الحق، وأوفر الشكر، وأتم الإحماد، وأبلغ التقريط ". انتهى. الإعلام بمناقب الإسلام، لأبي الحسن العامري (١١٣) . وينظر جواب السؤال رقم: (١١٥١٢٥) ففيه زيادة بيان. لكن إذا كان الرجل يشك في كفر اليهود والنصارى، ويجادل عنهم؛ فأي شيء تنتظر منه بعد ذلك؟! لكن، لأن هذا الرجل مقيم في بلاد الكفر، ونخشى أن يكون قد وقر في قلبه شيء من الشبهة في كفر هؤلاء، أو ألقى عليه بعض أهل الضلالة شيئا من بدعهم وضلالالتهم، لا سيما وقد وجدنا منذ سنوات من يتكلم بذلك الضلال: فبيِّن له ما ذكرناه لك، وذكر بما زعم أنه عارف به من نصوص القرآن والسنة، واعرض عليه نصوص أهل العلم على ذلك: فإن أبى وأصر على موقفه، فليس هذا بمسلم أصلا، فضلا عن أن يكون إماما. والذي ننصحك به، على كل حال: ألا تصلي خلفه مثل هذا الرجل، جمعة ولا جماعة، ولا فرضا ولا نفلا؛ وابحث لك عن مكان آخر، إمامه سالم من تلك الضلالات. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] موقع الإسلام سؤال وجواب

стр. 14412

كيف يتصرف مع أهله الذين يحتفلون بالمولد النبوي ويلمزونه لعدم مشاركته معهم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا لا أحتفل بالمولد النبوي، على خلاف بقية الأسرة الذين يحتفلون بذلك، ويقولون: إن إسلامي إسلام جديد، وإنني لا أحب النبي ﷺ ، فهل من نصيحة في ذلك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: قد أحسنت ـ أيها الأخ الكريم ـ في تركك الاحتفال بما هو بدعة من بدع العادات التي شاعت بين الناس، ولا تلتفت لمن يطعن باتباعك للنبي ﷺ ، ويلمزك باستقامتك على هدي الإسلام؛ فما من رسول أرسله الله تعالى لقومه إلا سخروا منه، وطعنوا في عقله، ودينه، كما قال تعالى: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) الذاريات/ ٥٢، فلك في أنبياء الله أسوة، فلتصبر على ما يصيبك من الأذى، ولتحتسب الأجر عند ربك. ثانياً: النصيحة لك: بأن تُعرض عن مناقشتهم، ومجادلتهم، إلا أن ترى منهم عاقلاً يسمع، ويستفيد، فيمكنك أن تنتقي أمثال هؤلاء لتوقفهم على حقيقة المولد، وحكمه، وأدلة نقضه، وتبين لهم فضل الاتباع، وشر الابتداع، وإذا رأيتَ مثل هؤلاء: فإليك ما ينفعك في الحوار معهم، والنصح لهم: ١. لنبدأ مع هؤلاء من حيث انتهوا، وهو قولهم لك إن إسلامك إسلام جديد، فنقول: أيهما أقدم ديناً وإسلاماً: من احتفل بالمولد النبوي، أم من لم يحتفل؟ والجواب بلا شك عند كل عاقل منصف: أن من لم يحتفل هو أقدم إسلاماً وديناً، فالصحابة ﵃، والتابعون، وأتباع التابعين، ومن بعدهم إلى العصر العبيدي في مصر لم يحتفلوا بهذا المولد، وإنما كان هذا بعدهم، فمن هو صاحب الإسلام الجديد؟! . ٢. لنرى من يحب النبي ﷺ أكثر، آالصحابة ﵃، أم من بعدهم من القرون المتأخرة؟ والجواب بلا شك عند عاقل ومنصف أن الصحابة أكثر، وأعظم حبّاً للنبي ﷺ ، فهل احتفلوا بميلاده أم تركوه؟! وكيف سيكون مثل هؤلاء باحتفالهم بميلاد النبي صلى الله وسلم منافسين للصحب الكرام في محبة نبيهم؟! . ٣. لنسأل: ما معنى محبة النبي صلى الله عليه وسلك؟ إنها عند كل عاقل ومنصف تعني: الاتباع لهديه، وسلوك طريقه ﷺ ، ولو أن هؤلاء المحتفلين التزموا هدي نبيهم، وسلكوا طريق الاتباع: لوسعهم ما وسع الصحابة المحبين، والمتبعين لنبيهم ﷺ ، ولعلموا أن الخير في اتباع من سلف، والشر في ابتداع من خلَف. قال القاضي عياض – ﵀: في فصل في علامة محبته ﷺ : اعلم أن مَن أحب شيئاً: آثره، وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقاً في حبِّه، وكان مدعيّاً، فالصادق في حبِّ النبي ﷺ : مَن تظهر علامة ذلك عليه، وأولها: الاقتداء به، واستعمال سنته، واتباع أقواله، وأفعاله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه، في عسره، ويسره، ومنشطه، ومكرهه، وشاهد هذا: قوله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحبكم الله) ، وإيثار ما شرعه، وحض عليه على هوى نفسه، وموافقة شهوته، قال الله تعالى: (والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) وإسخاط العباد في رضى الله تعالى ... . فمن اتصف بهذه الصفة: فهو كامل المحبة لله، ورسوله، ومن خالفها في بعض هذه الأمور: فهو ناقص المحبة، ولا يخرج عن اسمها. " الشفا بتعريف حقوق المصطفى " (٢ / ٢٤، ٢٥) . ٤. لننظر في تاريخ ميلاده ﷺ ، هل يثبت فيه شيء؟ ومن ثم لننظر في المقابل هل ثبت تاريخ وفاته ﷺ ؟ إن الجواب عند كل عاقل ومنصف: أنه لم يثبت تاريخ ميلاده، وأنه قد ثبت باليقين تاريخ وفاته ﷺ . وإذا نظرنا في كتب السيرة النبوية: سنجد أن كتَّاب السيرة يختلفون حول ميلاده ﷺ إلى أقوال هي كما يلي: ١. يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول. ٢. ثامن ربيع الأول. ٣. عاشر ربيع الأول. ٤. ثاني عشر ربيع الأول. ٥. وقال الزبير بن بكار: ولد في رمضان. ولو كان يترتب على ميلاده ﷺ شيء لسأله عنه الصحابة ﵃، أو لأخبرهم هو به ﷺ ، وكل ذلك لم يكن. وأما وفاته: فلم يُختلف في أنها في الثاني عشر من ربيع أول منة السنة الحادية عشر للهجرة. ثم لننظر بعدها متى يحتفل هؤلاء المبتدعة؟ إنهم يحتفلون في وقت وفاته لا ميلاده! وقد مشَّى عليهم العبيديون – الذين زوروا نسبهم وسموا أنفسهم " فاطميون " نسبة لفاطمة ﵂ الباطنية بدعتهم، وقبلوها بسذاجة بالغة، فقد كان أولئك القوم زنادقة، ملحدون، وقد أرادوا الفرح بوقت وفاة نبينا محمد ﷺ ، فاخترعوا تلك المناسبة، وأقاموا لها الاحتفالات، وإنما أرادوا الإعراب عن فرحهم، فأوهموا السذَّج من المسلمين أن من وافقهم في هذه الاحتفالات فهو إنما يعبِّر عن محبته ﷺ ، وهكذا نجحوا في خبثهم ومكرهم، ونجحوا مع هؤلاء في تحريف معنى " المحبة "، وجعلوه في قراءة قصائد المولد، وتوزيع الشعير! والحلويات، مع إقامة حلقات الرقص، والاختلاط بين الرجال والنساء، وما يصحف ذلك من معازف، وتبرج، وفجور، عدا عن التوسلات البدعية، والكلمات الشركية التي تقال في تلك المجالس والحلقات. وقد سبق التوسع في بيان نكارة هذه البدعة في موقعنا في أجوبة الأسئلة: (١٠٠٧٠) و (١٣٨١٠) و (٧٠٣١٧) فلتنظر. وينظر كتاب الشيخ صالح الفوزان في نقض هذه البدعة تحت هذا الرابط: http://www.islamqa.com/ar/ref/books/٩٤ ثالثاً: اصبر - أخي السائل - على اتباعك لنبيك محمد ﷺ ، ولا يغرنك كثرة المخالفين، ونوصيك بطلب العلم، والحرص على نفع الناس، ولا تجعل مثل هذه الأفعال من أهلك سبباً للفرقة بينك وبينهم، فهم يقلدون غيرهم ممن يفتي لهم بجواز هذه الاحتفالات، بل باستحبابها! فعليك التلطف معهم في الإنكار، والحرص على إظهار أحسن الأقوال، والأفعال، والأخلاق، وأرهم أثر الاتباع على سلوكك، وعبادتك، ونسأل الله لك التوفيق. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] موقع الإسلام سؤال وجواب

стр. 14413

وسائل إعلام بلده تطعن في الإسلام وأحكامه، وكلمة مهمة حول الاختلاط وعمل المرأة [السُّؤَالُ] ـ[أنا من دولة إسلامية, لذلك فإن ٩٠% من السكان مسلمون، لكن ٥% من هذه النسبة يتبعون الأحكام الإسلامية، فأصبح عندنا قراءة الجريدة، ومشاهدة التلفاز: من الأمور التي تدل على الحضارة، لكن وسائل الإعلام هنا من تلفاز، وجريدة , تحاول طمس الإسلام من المجتمع، فيحاولون إثبات خطأ الكتاب والسنَّة، وقام بعض الفتيات المكشوفات الوجه بمناقشة أمور عن الإسلام , فقلن مثل هذه الأمور: يقلن بجواز عمل المرأة مع الرجال، وأن هذا ثابت بالكتاب والسنَّة، ويقلن بجواز اختلاط الرجل بالمرأة للدراسة في نفس الصف، ويقلن إن الأصوليين متطرفون ـ فصار الناس يبصقون على الأصوليون عندنا ـ ويقلن بجواز الربا في الإسلام، فإذا تكلمتُ ودافعت عن الدِّين: فسوف أعدّ متطرفاً، مما يؤدي بي إلى السجن، فما حكم من يحاول هدم الإسلام وذلك بتفسير الكتاب والسنَّة بهذه الطريقة؟ وكيف لي أن أحمي أقاربي، وأهلي من هذا الأمر؛ فهم بعيدون من الدِّين؟ وهل يعدّون كفاراً إذا آمنوا بما يُبث تلفزيونيّاً؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: تكفَّل الله تعالى بحفظ كتابه ودينه، فقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحِجْر: ٩، وإنما أغاظ أعداءَ الدين: انتشارُ الإسلام في الآفاق، وظهور دينه تعالى على الأديان كافة، تحقيقاً لوعد الله تعالى حيث قال: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) التوبة/ ٣٣، الصف/ ٩ لذا فلا عجب أن يحاول أعداء الإسلام النيل من القرآن والسنَّة والأحكام الشرعية، فقد امتلأت قلوبهم غيظاً على حال أديانهم المحرفة، وأفكارهم البالية، وقوانينهم التافهة، وقد أظهر الله الإسلام في الأرض، وأعلى شأنه، ولا عجب بعد ذلك من معرفة أنه أكثر الأديان نموّاً، وقد دخل فيه وتشرف بالانتساب إليه: قادة، وعلماء، ومفكرون، وأدباء، وساسة، وهذا كله مع ما يصحب هذا الدين من تشويه لأحكامه، وطعن في شرائعه، من المنافقين في داخله، ومن الكفار في خارجه. ثانياً: حتى ما يحاول هؤلاء الأعداء الطعن في الإسلام من خلاله: فإنه قد ثبت بيقين عند العقلاء والحكماء أن ما جاء به الإسلام هو الحق، والعدل، والعفاف، والأمن، سواء في قضية اختلاط الرجال بالنساء، أو في عمل المرأة، وها هي المجتمعات الغربية ومقلدوهم من الشرقيين يعانون من هاتين القضيتين أيما معاناة، فالنساء في العالم كله يعانين من التحرش الجنسي بهن أقولاً وأفعالاً، والرجال يعانون من أخذ النساء وظائفهم وهم الذين يُطلب منهم الإنفاق على بيوتهم، بينما تذهب رواتب النساء إلى الصالونات، والملابس، والعطور! . قال الدكتور مازن مطبقاني – حفظه الله -: أما التعرض للمضايقات الجسدية، أو التحرش الجنسي: فحدِّث، ولا حرج، فإذا كان الاغتصاب يصعب تحديد حالاته بدقة؛ لأن نسبة كبيرة من النساء لا يبلغن عن حدوثه؛ وذلك لصعوبة إثباته، أو للمضايقات التي يتعرضن لها إذا ما أقدمن على الشكوى: فإن تعرض المرأة للمضايقات الجنسيَّة بلغ حدّاً كبيراً، ومما يلفت الانتباه أن ثلثي الشرطيات البريطانيات يتعرضن للمضايقات الجنسية من زملائهن في العمل، مما أدى إلى قيام إدارة الشرطة بتكليف عالمة نفس بدراسة الوضع واقتراح الحلول المناسبة. ولكن هل ستقدم عالِمة النفس من المقترحات ما يمنع التحرش الجنسي في إدارة الشرطة؟ أعتقد أن المجتمعات الغربية عموماً بلغت ما يسمونه " نقطة ألّا رجوع "، إلا أن يكتب الله لهم الهداية، فقد بدأ الاختلاط بالزعم أنه " يخفف التوتر الجنسي لدى الطرفين، ويسمو بالعلاقة بينهما إلى مستوى إنساني، فلا يعود أحدهما ينظر إلى الآخر من زاوية جنسيَّة فحسب، وهكذا فالمجتمعات التي تقر الاختلاط تشكو من تفاقم المشكلات الأخلاقية التي تنجم عن العلاقات بين الجنسين. وقد خصصت مجلة " النيوزويك " الأمريكية Newsweek ملفاً للحديث عن السلوك الجنسي للرجال مع النساء والنساء مع الرجال، وحرصت على تقديم تعريف للاغتصاب، ونظراً للاختلاط الذي تعرفه المجتمعات الغربية منذ مئات السنين: فمن الصعب تحديد ما هو الاغتصاب. ووصل الأمر بانتشار حالات الاغتصاب إلى أن امرأة تعمل شرطية في شرطة لندن تعرضت للاغتصاب في أحد القاطرات في لندن، في وقت متأخر، وهي في طريق عودتها إلى بيتها، وقد انزعجت الشرطة في لندن من ازدياد حوادث الاغتصاب، لذلك قامت بإصدار بعض التعليمات لمواجهة هذه الحوادث، ومن التعليمات: أ. الاحتشام في اللباس. ب. عدم وضع الأيدي في الجيوب حتى تكون المرأة مستعدة للدفاع إذا ما تعرضت للاعتداء. ج. عدم الجلوس في الحافلات في الطابق العلوي إذا كانت الحافلة خالية، والحرص على الركوب قريباً من السائق. ولكن أنَّى لهن أن يسمعن موعظة، وقد ذكرني هذا بمحامية أمريكية عجوز استضافها التلفزيون الأمريكي قبل أكثر من عشرين سنة للتحدث في مشكلة الاغتصاب، فذكرت أن النساء هنَّ سبب ما يقع لهن من حوادث اغتصاب، حيث الملابس الفاضحة، والخروج وحيدات دون حماية من رجل، وأضافت أن الرجل مهما كان مكتفياً غريزيّاً: فإن منظر عري النساء يثيره. كما أن الاختلاط الذي يعيشه الغرب يتسبب إلى حد ما فيما يعانيه الغرب، حتى إن مجلة "المختار Reader's Digest قد نشرت تحقيقاً حول الاختلاط في العمل في مجالات الحياة المختلفة، وما يتسبب فيه من إثارة الغرائز هو أحد أسباب انتشار الجرائم الجنسيَّة، ومما أوردته المجلة في تحقيقها: " أينما يعمل الرجال، والنساء معاً: فإن " الافتتان " يأتي بوحي من واقع الميدان (العمل المختلط) وليس هذا الانجذاب بسبب سيطرة إفرازات زائدة لهرمون " الأدريانين " فحسب، ولكن في أي مكان عمل (مختلط طبعاً) من المعمل إلى المكتبة العامة ". هذه الفطرة التي فطر الخالق عليها، وهي الانجذاب بين الجنسين: يريد الغرب كبتها في العمل، وهو ليس بمستطيع، وهذا ما يقوله أحد العاملين بمعهد العلاقات بين الجنسين في مدينة " سانتا باربرا " بكاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية: " لا يمكننا أن نشرع قانوناً لإبقاء الميول الغريزية خارج نطاق العمل، فهذه الميول جزء من شخصية الفرد، لا تستطيع أن تعطل أداءها بضغطة زر لأنك موجود في العمل ". ولعل من أسباب هذه الأوضاع أن الحضارة الغربية كما يرى علي عزت بيجوفتش قد " أحالت المرأة إلى موضوع إعجاب، أو استغلال، ولكنها حُرِمَت من شخصيتها، وهو الشيء الوحيد الذي يستحق التقدير، والاحترام، وهذا الموضوع مشهود بشكل مضطرد، وقد أصبح أكثر وضوحاً في مواكب الجمال، أو في بعض مهن نسائية معينة مثل " الموديلات "، وفي هذه الحالات لم تعد المرأة شخصية، ولا حتى كائناً إنسانيّاً، وإنما هي لا تكاد تكون أكثر من حيوان جميل ". " الغرب من الداخل، دراسات للظواهر الاجتماعية " (ص ٥٥ – ٥٧) . فها أنت ترى ما جرَّه الاختلاط بين الرجال والنساء على تلك المجتمعات، وماذا صار حال النساء اللاتي يعملن في بيئات مختلطة، أو يتركن بيوتهن، وأزواجهن، وأولادهن، فهدمن بيوتهن، وخانهن أزواجهن، وتشرد أولادهن، ولا عجب بعدها إن علمنا أن ستة ملايين امرأة في أمريكا وحدها تركن أعمالهن ليتفرغن لعمل البيت، ولرعاية الأولاد، والعناية بالزوج، وانظر تعليمات الشرطة البريطانية للنساء بالاحتشام، وعدم الخلوة! فها هو الإسلام يدعون له دون التصريح بتسميته، وللأسف ها هم الزنادقة والمنافقون والجهلة يشككون الناس في الإسلام، ويطعنون به تصريحاً، وتلميحاً، سرّاً، وعلانية. ثالثاً: أما وصف وسائل الإعلام الغربية، ومن يقلدها من الإمعات المسلمين المتمسكين بدينهم بالأصوليين، والمتطرفين: فهي تتمة لحلقات ذلك المسلسل السخيف، والذي كان أبطاله طغاة المشركين، وجلاوزة الملحدين، والذين اتهموا الأنبياء وأتباعهم بما ليس فيهم؛ تنفيراً للناس عنهم، وعن دعوتهم، والمسلم ينبغي أن يتوقع هذا من أعداء الدين، ولا ينبغي أن يؤثر ذلك على دعوته، وتبليغه دين الله تعالى، فيكفيه أن سلفه هم الأنبياء ﵈، ويكفيهم أن سلفهم هم أعداء الله، ورسله ﵈، قال تعالى: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) الذاريات/ ٥٢، بل اسمع ماذا قال رأس الكفر فرعون عن موسى ﵇، قال تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) غافر/ ٢٦. وانظر لمزيد بيان حول هذه المسألة: جواب السؤال رقم: (٩٤٣١) . رابعاً: وعلى المسلم أخذ كامل حيطته وحذره من أولئك الذين يتهمون المسلمين ظلماً وزوراً، وعليه واجب تكذيب أولئك بأقواله، وأفعاله، فيحتاط من شرهم، وكيدهم، ويرد عليهم قولاً وعملاً بحسب قدرته، واستطاعته، ولا يكلفه الله تعالى فوق طاقته، فبعض البلاد تستبيح حرمات الدعاة إلى الله تعالى، وتسلك معهم سبلاً كثيرة لصدهم عن دعوتهم، ولو أن أهل الخير والصلاح كانوا كثرة في بلادهم لتغير تعامل حكوماتهم معهم، فالدعوة إلى الله، وتكثير سواد أهل الدِّين مما يقوي ظهر الدعوة، ويحمي الدعاة، بإذن الله تعالى. وأما إذا كانت الظروف الأمنية في بلد الأخ السائل – وغيره – مما لا يستطيع معها إظهار دعوته: فليكتف تقوية إيمانه، وزيادة علمه الشرعي، مع دعوة الخاصة من أقربائه، وأصدقائه، دون الحاجة لإعلان ذلك على رؤوس الملأ. خامساً: لا ننصحك بالاهتمام كثيراً بحكم من يستمع لطغاة الإعلام، ويصدِّق قولهم؛ فإنه تعتري أولئك موانع كثيرة تمنع الفقيه من إلحاقهم بالزنادقة، والملحدين؛ لأنه يُلبَّس عليهم في أشياء تُعرض عليهم قد تكون حقيقية – كتفجير، أو قتل – ثم يجعلون ذلك ملصقاً بكل من تمسَّك بدينه، لذا فإننا لا نحبذ لك – ولا لغيرك – الاهتمام بالحكم الشرعي على هؤلاء الناس؛ لاختلافه باختلافهم، علماً، وفهماً، وإدراكاً. ونرى أن تنصب جهودك – أخي السائل – على دعوتهم – نقصد أهلك وأقرباءك – واستعمال الحكمة في ذلك، مع تقديم مزيد من الأدلة والبراهين على كذب وسائل الإعلام تلك في دعواها، وعلى أنكم على الإسلام الصحيح، وعلى الحق المبين، وأن تكونوا قدوة صالحة لأولئك المدعوين؛ لتكذبوا وسائل الإعلام تلك بأقوالكم، وأخلاقكم، وأفعالكم، فنحن الآن في مقام الدعوة والبيان، ولسنا في مقام القضاء والسلطان. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14414

هل يقرهم على لعب البلوت (الكوتشينة) حتى لا يذهبوا إلى المراقص والملاهي ؟ [السُّؤَالُ] ـ[نحن إخوانكم نتلقى العلاج في أمريكا، ونسكن بمجمع سكني قرابة عشرين أسرة، ولا يوجد لدينا مسجد بالمجمع، وقد قام أحد المحسنين باستئجار إحدى الشقق لمدة سنة لجعلها مصلى ولاجتماع الإخوان فيها واستئناسهم وإلقاء الدروس عليهم. وبعد الفراغ من صلاة العشاء يقوم بعض الإخوة هداهم الله بلعب الورق (البلوت) في هذه الشقة وقد أنكر عليهم أحد الإخوة بأنه لا يجوز لعبها فكيف بالمصلى. فرد أحدهم وقال إن تركوا هذه اللعبة وجدوا فراغا لديهم يؤدي بهم الذهاب إلى المراقص والنوادي والملاهي الليلية الخليعة. علماً أن بعض من يلعبها يحضر صلاة الفجر. نرجو من فضيلتكم إفتاءنا عن جواز هذه اللعبة في المكان المستأجر والحال ما ذكر؟ ، وهل يجوز اللعب بمثل هذا المصلى الذي أوقفه ذلك المحسن للصلاة والاجتماع وذكر بالله؟ ، وهل يجوز الجلوس معهم وهم يلعبون هذه اللعبة أم لا بد من مفاصلتهم؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "أرى أنه لا يجوز هذا اللعب في هذا الموضع الذي أعد لأداء الصلاة والذي استأجره هذا المحسن، ولا شك أن جنس هذا اللعب مما لا فائدة منه إضاعة للوقت الثمين الذي يجب أن يستغل في تعلم العلم النافع وفى الذكر والدعاء والعبادة والكسب المباح، لكن إذا عرف بأنهم إذا لم يقوموا بهذا اللعب انصرفوا إلى ما هو شر منه كالمسارح وأماكن الرقص والأغاني ومشاهدة النساء العاريات والأفلام الخليعة والصور الفاتنة جاز لهم الانشغال بهذه اللعبة التي تشغلهم عن المعاصي والشرور، وعن أسباب الفتن، فإن بعض الشر أهون من بعض، ولكن لا ينشغلون بها في هذا المكان الذي أعد للصلاة والمذاكرة، بل يرجعون إلى مساكنهم، أو ما يصلح لمثل هذا اللعب كالنوادي والمتنزهات وما أشبهها. والله أعلم" انتهى. الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين. http://www.ibn-jebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=١٠٩٩١&parent=٣٣٤٥ [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14415

هجر المغتاب [السُّؤَالُ] ـ[السؤل: لي صديق كثيرا ما يتحدث في أعراض الناس، وقد نصحته ولكن دون جدوى، ويبدو أنها أصبحت عادة عنده، وأحيانا يكون كلامه في الناس عن حسن نية، فهل يجوز هجره؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " الكلام في أعراض المسلمين بما يكرهون منكر عظيم، ومن الغيبة المحرمة، بل من كبائر الذنوب؛ لقول الله سبحانه: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) الحجرات/١٢. ولما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أتدرون ما الغيبة؟ فقالوا الله ورسوله أعلم، فقال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: يا رسول الله، إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته) . وصح عنه ﷺ (أنه لما عرج به مر على قوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم) أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد جيد عن أنس ﵁، وقال العلامة ابن مفلح: إسناده صحيح، قال: وخرج أبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة مرفوعا: (إن من الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق) . والواجب عليك وعلى غيرك من المسلمين عدم مجالسة من يغتاب المسلمين مع نصيحته والإنكار عليه؛ لقول النبي: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم في صحيحه. فإن لم يمتثل فاترك مجالسته؛ لأن ذلك من تمام الإنكار عليه. أصلح الله حال المسلمين ووفقهم لما فيه سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة " انتهى. "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" للشيخ ابن باز (٥/٤٠١) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14416

ما هي الوهابية ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما هي الوهابية؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "الوهابية: لفظة يطلقها خصوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ على دعوته إلى تجريد التوحيد من الشركيات، ونبذ جميع الطرق إلا طريق محمد بن عبد الله ﷺ ، ومرادهم من ذلك: تنفير الناس من دعوته وصدهم عما دعا إليه، ولكن لم يضرها ذلك، بل زادها انتشارا في الآفاق، وشوقا إليها ممن وفقهم الله إلى زيادة البحث عن ماهية الدعوة، وما ترمي إليه، وما تستند عليه من أدلة الكتاب والسنة الصحيحة، فاشتد تمسكهم بها ، وعضوا عليها، وأخذوا يدعون الناس إليها، ولله الحمد. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم" انتهى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢/٤٦٩) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14417

الاعتراض على قطع يد السارق، وجعل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل [السُّؤَالُ] ـ[ما ترى فيمن يقول: إن قطع يد السارق وجعل شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل فيه قسوة وهضم لحقوق المرأة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "من يقول: إن قطع يد السارق وجعل شهادة المرأة النصف إن في هذا قسوة وهضماً لحق المرأة! أقول: من قال هذا فإنه مرتد عن الإسلام، كافر بالله ، فعليه أن يتوب إلى الله من هذه الردة، وإلا فليمت كافراً؛ لأن هذا حكم الله ، وقد قال الله : (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة/٥٠، وقد بَيَّن الله الحكمة من قطع يد السارق في قوله: (جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) المائدة/٣٨، وبَيَّن الحكمة من جعل شهادة المرأة أو شهادة المرأتين عن رجل واحد في قوله: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) البقرة/٢٨٢، فعلى هذا القائل أن يتوب إلى الله من ردته، وإلا فسيموت كافراً" انتهى. فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀. "فتاوى علماء البلد الحرام" (ص ٤٨٣) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14418

والدها سبَّ الرب والقرآن ووالدتها متبرجة وهي تكرههم وتسأل النصيحة [السُّؤَالُ] ـ[للأسف، أمي، وأبي، عقوني أنا وإخوتي، فكلٌّ منهما لم يراع ِ اختيار الشريك المناسب، فأمي تزوجت أبي وهو لا يصلي، وهو تزوجها وهي مقصرة في حجابها، معاصيهما كثيرة، وتتضمن الكبائر والموبقات، لم يعلماني الصلاة، ولا الحجاب، ولا شيء، لكن أحمد الله أن يسر لي أخوات صالحات أرشدنني إلى الطريق، مشكلتي أنني لا أطيق أمي ولا أبي، لا أطيق أن أنظر إليهما، مشكلتي أنني أرفع صوتي عليهما، ولا أساعد أمي في تدبير المنزل، لا كسلاً، بل كرهاً لها، أريد أن أراها تتعب في هذه الدنيا؛ لأنها ستكون السبب في هلاكي، ودخولي نار جهنم (في حال لم أتعرف على أولئك الصالحات) . مشكلتي أنني أخاف من عقوق الوالدين، أحاول أن أفتح صفحة جديدة معهما، لكن لا أستطيع، هما يردانني! نعم، فمرة جاهدت نفسي لأتكلم مع أمي بالحسنى، وأعطيتها قطعة حلوى، فصرخت في وجهي، وقالت: أعطيتيني إياها لأنها سقطت على الأرض؟! حينها صرخت في وجهها، وقلت لها: أنا أكرهك، وأسأل الله أن يفرق بيني وبينك في الدنيا والآخرة! بالفعل أريد فراقهما، فحتى صلاتي لا أخشع بها، لأنني عندما أشرع في صلاتي تأتي أمي وتتكلم معي حتى إذا فرغت من الصلاة سكتت! لذلك أريد أن أسافر للدارسة، وأبتعد عنهما. كيف سأحبهما وهما يعصيان الله، ويأمرانني بذلك؟ كيف أحبهما وقد رفضا تزويجي من شخص صالح لأن معلمتي في المدرسة (معلمة التربية الإسلامية) هي من أتتني به؟! يريدان مني أن أتعرف على شريك حياتي في الجامعة كما فعلت أختي الكبرى! . سؤال آخر وهو الأهم: أبي هل يعد كافراً؟ لأنه ولـ ٣ مرات سبَّ الدين، والقرآن في حالات غضب، لا أدري إن كان قد تاب أم لا، مع أن أبي يصلي، ويصوم، ويقرأ القرآن. أفيدوني ماذا أفعل؟ وكيف أتصرف معهما؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: أما سبُّ الدِّين، أو الرب، أو القرآن، أو النبي ﷺ : فإنه كفر، وردة عن الدِّين، ولا خلاف بين أهل السنَّة في ذلك. والتذرع بالغضب في هذا الباب لا ينفع فاعله؛ لأن الغضب في أكثر أحواله لا يكون عذراً للسابّ! فإن كان غضبه غير شديد: فواضحٌ حكمه، وأما إن كان شديداً: فنقول: كيف لم يأتِ على بال هذا الغاضب المغلق غير الرب والدِّين ليسبهما؟! فهلا سبَّ أباه، أو أمَّه، أو رئيس الدولة! وعدم سبِّ أولئك الغاضبين أحداً من محبوبيهم، أو ممن لهم سلطان وقوة: يدل على أنه معه عقله، وأنه لمَّا هان عليه الرب والدِّين لم يجد غيرهما ليتناولهما بالسب والشتم! . وأما الغضب الذي يُرفع به التكليف عن صاحبه: فإنه غضب لا يدري صاحبه ما يقول، ولا يدري هو في الأرض أم في الفضاء، ولا يدري أقال ما قال في ليل أو نهار، ومثل هذا لا تجري الأحكام العملية عليه، من طلاق، أو يمين، أو نذر، وغيرها. وينظر في هذا أجوبة الأسئلة: (٤٢٥٠٥) و (٦٥٥٥١) . فالواجب على والدك اغتنام حياته قبل مماته بالمبادرة إلى التوبة، والكف عن إطلاق لسانه بالسب والشتم لله تعالى، ولكتابه، ولرسوله، وأنه إن لم يفعل هذا: لم تنفعه صلاة، ولا صيام، ولا طاعة، بل سيكون كافراً مرتدّاً. ثانياً: أما بخصوص علاقتك بوالديك: فإننا نحث دوماً على ما حثَّ عليه الله تعالى من الإحسان للوالدين، والبر بهم، ولو كانوا كفاراً، يجاهدون أولادهم لإضلالهم، ونؤكد على الحث ونزيد في مقداره من رزقه الله تعالى هداية ورشاداً، فهم أولى الناس برحمة والديهم، وهم أقدر من غيرهم على دعوتهم للحق بما يعرفونه من أخلاق الإسلام وأحكامه. لذا فإننا نرى لك الصبر على دعوة والديك للهدى، وبذل مزيد من الجهد في التحمل لما يصدر منهم من إساءة، وتأملي ما جرى لكثيرين من أهل الخير، صبروا على أهليهم، ولم يتوانوا في دعوتهم بشتى الوسائل والطرق الشرعية المباحة، فأكرمهم الله تعالى بهداية أهليهم لما هداهم إليه، فصارت الأسرة كلها على ما يحب ربنا ويرضى. وقد يرى المسلم من أهله ما لا يطيقه من أخلاق وتصرفات ومخالفات، ولو أن كل واحد من دعاة الخير كان موقفه الهجر والترك لهم: لما صلحت أحوالهم، ولكان في ذلك انقطاع حبل الدعوة والنصح لهم، بل إننا نرى أن واجب الدعوة والنصح يزداد على الولد الصالح، وبخاصة إن لم يكن في أسرته من يقوم بهذا الواجب غيره، فمزيدا من الصبر، ومزيدا من التحمل، ولا تنسي الدعوة بالحسنى، وبذل الوسع في حسن الاختيار للكلمات، والأفعال، مع مداومة الدعاء لهم بالهداية والتوفيق. واستمري مع صحبتك الصالحة، تقوين بها إيمانك، وتستفيدين معها علماً نافعاً، وتسترشدين بآراء العاقلات منهن ما ينفعك في علاقتك مع أهلك. ولعلهما إن رأيا ذلك منك، ورأيا توددك إليهما، وحرصك على الخير لهما، أو شعرا ـ على الأقل ـ أنك لا تحملين عداوة لهما، لعلهما ـ حينئذ ـ أن تلين قلوبهما لك، ويكفا عن الإساءة إليك، أو يقبلا زواجك بمن جاءك من أهل الخير. ولا ننصحك بالتعلق بالدراسة الجامعية، والسفر بعيداً عن الأهل، لترتاحي منهم؛ فأنت بذلك كالمستجير من الرمضاء بالنار، فلا بد أنك تعلمين، وأنت الحريصة على دينك، ما في التغرب عن الأهل، والدخول في الدراسة المختلطة من مفاسد كثيرة، خاصة في حال فتاة تريد أن تهرب من بيتها وأسرتها، فاحذري ـ يا أمة الله ـ لا يتلقفنك عدو الله إبليس وجنده، فلكل ساقطة لاقطة، واحذري من حبائل الشيطان. عصمك الله من كل ما يغضبه ويسخطه، وهداك إلى البر والتقوى، ونسأله ـ سبحانه ـ أن يكتب لك الأجر موفوراً، وأن يعينك على دعوة أهلك، وأن يهديهم لما فيه صلاح حالهم. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14419

ماذا يستحب للمريض أن يفعله في مرض موته ؟ [السُّؤَالُ] ـ[مريض مصاب بالسرطان ولم ينجح الأطباء في علاجه، وخرج من المستشفى ليبقى المدة الباقية من عمره عند أهله وحاله يتدرهور يوماً بعد يوم، فبماذا ينصح أن يفعل؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال النووي: ينبغي للمريض أن يحرص على تحسين خلقه، وأن يجتنب المخاصمة والمنازعة في أمور الدنيا، وأن يستحضر في ذهنه أن هذا آخر أوقاته في دار الأعمال فيختمها بخير، وأن يستحل زوجته وأولاده وسائر أهله وجيرانه وأصدقائه وكل من كانت بينه وبينه معاملة أو مصاحبة أو تعلق، ويرضيهم وأن يتعاهد نفسه بقراءة القرآن والذكر وحكايات الصالحين وأحوالهم عند الموت، وأن يحافظ على الصلوات واجتناب النجاسة وغيرهما من وظائف الدين، ولا يقبل قول من يخذله عن ذلك فإن هذا مما يبتلى به، وهذا المخذل هو الصديق الجاهل، العدو الخفي، وأن يوصي أهله بالصبر عليه وبترك النوح عليه وكذا إكثار البكاء، ويوصيهم بترك ما جرت العادة به من البدع في الجنائز، ويتعاهده بالدعاء له، وبالله التوفيق. [الْمَصْدَرُ] " المجموع " (٥ / ١٠٩)

стр. 14420

دور العم في توجيه ونصح أولاد أخيه [السُّؤَالُ] ـ[لو أن أبوين لهما أولاد يذهبون إلى المدرسة الثانوية، فهل يجوز لأحدهما أن يذهب لتأدية الحج؟ إلى أي مدى يستطيع العم أن يساعد في توجيه أولاد وبنات أخيه، مثلا تذكيرهم بالصلاة، وتوجيههم في كل نواحي الحياة الممكنة لأن الآباء لا يقومون بالالتزام بواجباتهم على أكمل وجه، وثقافتهم لدرجة كبيرة ليست إسلامية؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إذا كنتَ أنت العم: فإنه يسرنا جدّاً اهتمامك بأولاد أخيك، وحرصك على رعايتهم والعناية بهم ديناً وخلُقاً، ونرجو الله أن يتقبل منك غيرتك على الدين، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر. ثانياً: اعلم أن واجب المسلم أن يقدم النصيحة لمن يستطيع إيصال النصح له، وأن على المسلم أن يبدأ بالأقرب، فالأقرب، كما قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) الشعراء/ ٢١٤، والأمر له أمرٌ لأمَّته. قال الشوكاني – ﵀ –: " خصَّ الأقربين لأن الاهتمام بشأنهم أولى، وهدايتهم إلى الحق أقدم " انتهى. " فتح القدير " (٤ / ١٧١) . وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀: " ولما أمره بما فيه كمال نفسه: أمره بتكميل غيره، فقال: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) الذين هم أقرب الناس إليك، وأحقهم بإحسانك الديني، والدنيوي، وهذا لا ينافي أمره بإنذار جميع الناس، كما إذا أُمر الإنسان بعموم الإحسان، ثم قيل له: " أحسن إلى قرابتك "، فيكون هذا خصوصاً دالاًّ على التأكيد، وزيادة الحق، فامتثل ﷺ هذا الأمر الإلهي، فدعا سائر بطون قريش، فعمَّم وخصَّص، وذكَّرهم ووعظهم، ولم يُبْق ﷺ من مقدوره شيئاً، من نصحهم، وهدايتهم، إلا فَعَله، فاهتدى مَن اهتدى، وأعرض من أعرض " انتهى. " تفسير السعدي " (ص ٥٩٨) . ثالثاً: اعلم أنه ليس للعم ولاية مباشرة على أولاد أخيه إذا كان أبوهم حيا، ولذا فإنه لا يستطيع أمرهم كما يأمر أولاده، ولا أن يستعمل الشدة كما يستعملها مع أولاده، وهم ولا شك أولى من الأجانب أن يأخذوا من اهتمام عمهم، لكن ليسوا هم في الحقيقة مسئوليته المباشرة. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: " قال الله : (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) يخاطب النبيَّ ﵊، والعشيرة تنقسم إلى قسمين: قسم لك ولاية عليهم مباشِرة، كأولادك وأهلك؛ لقول النبي ﷺ : (الرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته) ، وقسم آخر من العشيرة منفصلاً عنه، ولست مسئولاً عنه سؤالاً مباشراً، فأما الأول: فإن مسئوليتك نحوه أبلغ من الثاني، والثاني له عليك مسئولية أبلغ من الأجانب الذين ليس بينك وبينهم قرابة، والجيران أبلغ ممن ليس بجار، فعليك أن تؤدي لكل إنسان حقه، وأن تكون دعوتك بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، وأن تستعمل العنف إذا كان أنفع، واللين إذا كان أنفع، فمن المعلوم – مثلاً - أن دعوة الإنسان لأهله الذين له الولاية المباشرة عليهم ليست كدعوته للأجانب، الأولون قد تستعمل معهم الشدة، كما قال النبي ﵊: (واضربوهم عليها لعشر) لكن الآخرين لا تستعمل الشدة، استعمل الرفق واللين، وكم من كلمة لينة جذبت من كان بعيداً عن الحق، والإنسان العاقل يستعمل ما يرى أنه أصلح، فليس هناك ضابط يستوي فيه الناس كلهم " انتهى. " لقاءات الباب المفتوح " (١٢٥ / جواب السؤال رقم ١٦) . رابعاً: لا نرى مانعاً من ذهاب أحد الأبوين لأداء مناسك الحج، بل هو ركن من أركان الإسلام، يجب أداؤه على المستطيع منهما، إلا أن الأم بحاجة لمحرَم من الرجال يرافقها في سفرها؛ فقد نهى النبي ﷺ عن سفر المرأة إلا ومعها محرَم. وعلى الأب أذا سافر للحج: أن يترك نفقة لأهله، وأن يوصيهم ويذكرهم بما فيه صلاح دينهم. وليعلم الآباء والأمهات عظَم الأمانة التي هي بين أيديهم، فيجب عليهم تربية أولادهم على طاعة الله، وعلى البعد عن المعاصي، وليعلموا أن الله تعالى سائل كل راع عن رعيته، فمن نصح وأدى الأمانة: فقد فاز، ومن لم ينصح لهم، وضيَّع الأمانة: فقد خسر، ولا ينبغي للأهل التركيز على ذريتهم بأمور الدنيا من الطعام، واللباس، والدراسة، ويغفلون عما هو أهم من ذلك كله، وهو الدِّين، وهو الذي به سعادة المرء دنيا وأخرى. ونسأل الله تعالى أن يتقبَّل حجَّهم، وأن يعينهم على تربية أولادهم، وأن يجزي عمَّ الأولاد خيراً على اهتمامه بأولاد أخيه، ومحبة الخير لهم، وليحذر من التعامل مع زوجة أخيه على أنها من محارمه، فهي أجنبية، لا يحل له رؤيتها،ولا الخلوة بها، وليكن منتبهاً لمكائد الشيطان ووساوسه. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14421

يريد أن يشاهد الأفلام البوليسية [السُّؤَالُ] ـ[أنا مسلم أتمنى متابعة الرسول ﷺ كما لو كنت أراه، إنني أخاف الله فعلا وخصوصا بعد القراءة عن النار، أنا لا أستمع إلى الأغاني مطلقا، ولا أرى الأفلام، مع هذا أريد أن أسألكم، حياتي ستكون مملة جدا إذا لم أر أفلاما فقط عن القتال والعنف ولكنها لا تحتوي على زنا ولا نساء. هل يمكنني أن أشاهد الأفلام البوليسية أو أفلاما فيها نساء محجبات؟ لا أستطيع ترك الأفلام لأنني تعودت عليها من صغري على الأفلام الكرتونية على الأقل للتسلية ولست متزوجا. فهل يمكنني مشاهدة أفلام الأكشن؟ أريد أن أقوم بالدعوة في فترة لاحقة من عمري. أعمل وأدعو، هل يمكنني ذلك؟ لست عالما لكنني أعرف الكثير.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: خوفك من الله واتعاظك عند الحديث عن النار يدل على أن فيك خيرا وإيمانا وقابلية أن تكون من المتقين , وكل ذلك من نعم الله عليك , فعليك أن لا تكفر نعمة الخالق الذي وفقك إلى ذلك , بل عليك أن تبادر بالشكر لله , وذلك بالبعد عن المعاصي، وبالتقرب إليه بفعل الطاعات , فلا أضر على النعم من المعاصي، فكم من نعم سلبت من العبد بسبب معصية فعلها غافلا عنها أمام من لا يغفل ولا ينسى , وعليك أن تعلم أن الحياة المملة هي حياة الضياع والتيه والمعصية. ثانيا: متابعة الأفلام التي تحدثت عنها لا تخلو من إضاعة للوقت والمال , هذا بالإضافة إلى ما تشتمل عليه من منكرات كالموسيقى والعري , فننصحك بتجنب مشاهدة هذه الأفلام، التي تنقص الإيمان وتشغل القلب، مع ما قد يكون فيها مما يسخط الله جل وعلا. وهذا يتعارض مع ما تريده من التوبة والاستقامة، فاعزمها توبة صادقة نصوحا لله تعالى , واترك عنك التسويف , فإنه من الشيطان , فمن يضمن لك أنك ستعيش , ثم توفق للتوبة. وأما الدعوة إلى الله فشرطها الأساس أن تعلم ما تدعو إليه , وأن تدعو وفق منهج الدعوة السليم , وهو الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، قال الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل/١٢٥. وليس من شرط الدعوة إلى الله أن يكون الداعي عالماً، بل متى عرفت شيئا من الحق فادع إليه. ومع ذلك.... فاجتهد في طلب العلم الشرعي حتى تكون دعوتك على بصيرة. قال الله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ) يوسف/١٠٨. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14422

يسأل عن موقع متخصص في السيرة والسنة النبوية والدفاع عنها [السُّؤَالُ] ـ[هناك موقع اسمه " رسول الله " فما هو رأيكم به؟ http://www.rasoulallah.net وهل أعمل على نشره؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله بالاطلاع على الموقع، وتصفح أقسامه، تبين لنا أنه موقع نافع، يهتم ببيان سيرة النبي ﷺ وشمائله ونصرته ورفع لواء سنته والرد على شبهات الطاعنين، وأحقاد الجاهلين، فلا مانع من نشره والدلالة عليه، بل هذا من الخير الذي تؤجر عليه إن شاء الله، ونسأل الله أن يجزي القائمين على الموقع خيراً. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14423

طالبة علم وترغب الدخول في باب دعوة الشباب بالمراسلة دون علم زوجها [السُّؤَالُ] ـ[أنا فتاة في أواخر العشرينات من عمري، متزوجة، حاصلة على درجة الماجستير من جامعة شرعية أعمل محاضرة في إحدى الجامعات الشرعية غير المختلطة، تربيت في أسرة محافظة، فحفظت كتاب الله ولم أتجاوز الخامسة عشرة، أحمل همّاً كبيراً للدعوة إلى الله، وخاصة لدعوة الشباب، لأني أزعم أنني أعرف شيئاً من توجهاتهم، واهتماماتهم، وأساليب الوصول إليهم، والتأثير فيهم، بحكم كوني واحدة منهم، وبحكم عملي بينهم، واطلاعي على كثير من أحوال الطالبات في الكلية، ومن المعلوم أن من أكثر ما يقبل عليه الشباب هذه الأيام هي القنوات الإلكترونية: المحادثة، وما يسمى بـ " الشات "، وغرف الدردشة التي يتبادلون فيها كل شيء مما يكون غالبا مضيعة للأوقات إن لم يكن خادشاً للحياء، ومنافياً للمبادئ والقيم الإسلامية، ودائماً ما أحدِّث نفسي باستغلال مثل هذه القنوات للوصول إلى الشباب والتأثير فيهم، ودعوتهم إلى الله، وعدم تركهم لأهوائهم، ولمن يريد إفسادهم بكل طريق، فكثير ما يترك المصلحون والصالحون مثل هذه المجالات خوفاً على أنفسهم، وعلى مبادئهم، فيخلو الجو للشيطان، وأعوانه، وكثيراً ما يحصر الدعاة والمصلحون وأصحاب المبادئ جهودهم في الدروس، والمحاضرات، والقنوات، والمنتديات الإسلامية، والجمعيات الخيرية، والمساجد، ودور التحفيظ، مما لا يكاد يحضرها إلا الشريحة المحافظة والملتزمة أصلاً من الشباب، فتزيدهم نوراً على نور، ويبقى الغافلون بلا ناصح أو مذكِّر، فهل يحق لي شرعاً التواصل مع الشباب (الجنسين) عن طريق مثل هذه الوسائل الإلكترونية (عن طريق الكتابة فقط) ومحاولة التأثير فيهم، والوصول إلى قلوبهم، ودعوتهم، وخاصة أن مثل هذه الوسيلة تحتاج إلى كثير من الصبر والتبسط في الحديث للوصول إلى المراد؟ وهل يعتبر ذلك من خيانة الزوج الذي قد لا يحتمل محادثتي لأي شاب - ولو كتابة - وفي أي مجال مهما كان - خاصة وأنه لم يتعود مني الكلام إلا مع محارمي أو مشايخي في الجامعة؟ . أرجوك، أنتظر توجيهك، وإرشادك، فحال شبابنا يؤرقني، وهمُّ الدعوة إلى الله يملأ قلبي، فهل أبدأ؟!]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نشكر لك حرصك على الدعوة إلى الله، ونسأل الله أن يكتب لك أجر ذلك، وأن يجعلك من الداعيات المخلصات. ثانياً: الدعوة إلى الله واجبة على الرجال والنساء، قال الله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران/ ١٠٤. ويمكنك الاقتصار على دعوة الفتيات دون الشباب الذكور، – ولو كتابة -؛ للأسباب التالية: ١- أن الأمر فيه فتنة للطرفين، وإذا سلم أحد الطرفين لقوة إيمانه ودينه فإنه لا يُضمن سلامة الطرف الآخر، ومن شأن تلك المحادثات أو الكتابات أن تؤدي إلى إذابة الحواجز بين المرأة والرجل، ولا يُدرى ما يكيد به الشيطان لهما إن كانا سليما النية والقصد، كما لا يُدرى ما يكيده الطرف الآخر إن كان شيطاناً من الإنس، والواجب على المسلم الحذر من كل ما يؤدي إلى فتنته، أو فتنة غيره به. والواقع يشهد بذلك، فكثير من البيوت قد انهدمت بسبب تلك المحادثات، وقد جرَّت تلك المحادثات فتيات إلى الهاوية، ولا شك أنهن لم يكن يردن ذلك، ولا خطر ببالهن يوماً أن يكون ذلك مصيرهن، ولكنه استدراج الشيطان وخداع النفس. ٢- الأمة الإسلامية فيها خير كثير، ويوجد من الدعاة من يغطي جانب دعوة الشباب، وليس الأمر محتاجاً لمن يقوم به من النساء. ٣- زوجك لا يرضى بهذا الأمر منك، وإن فعلتِ ذلك دون علمه كان خيانة له ولا شك، وهو أمرٌ لا يقبل مثلُك أن يقع فيه. ونود أن نقف معك بعد هذا وقفتين: أ. إننا نرى عالم النساء مليئاً بالمشكلات والمآسي، وهنَّ يحتجن بشدة إلى من يقف معهن من بنات جنسهن لدلالتهن على طريق الاستقامة، فهل انتهيتِ من أولئك النساء حتى فكرتِ في دعوة الشباب؟ ب. هل ترضين أن يقوم زوجك بدعوة النساء للسبب الذي تذكرينه في دعوة الرجال؟ إننا نكاد نجزم أنك – بحسب خبرتك العلمية والدعوية – ستذكرين من مفاسد دعوة الرجال للنساء بالمحادثة أو المكاتبة الشيء الكثير، كما نجزم أنه قد بلغك حوادث مؤلمة لمشكلات حصلت في بيوت إخوة وأخوات جرَّاء تلك الكتابات أو المحادثات، وهو ما يجعل المرء يجزم بأن الشريعة المطهرة لا تفتح الأبواب الموصدة أمام الفتن والشهوات، بل تبقيها محكمة الإغلاق. وهاتان فتويان لأهل العلم تجمع ما سبق بيانه: ١. قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: "للمرأة مجال للدعوة في بيتها، لأسرتها، من زوج، ومحارم، رجالاً، ونساءً، ولها مجال في الدعوة الإسلامية خارج بيتها للنساء، إذا لم يكن في ذلك سفر بلا زوج ولا محرم، ولم يُخش الفتنة، وكان ذلك بإذن زوجها إن كانت متزوجة، ودعت إلى ذلك الحاجة، ولم ينشأ عن ذلك ضياع ما هو أوجب عليها من حقوق أسرتها" انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ٢٤٩، ٢٥٠) . ٢. وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: كيف تدعو المرأة إلى الله إذا كان لديها علم وحماس، وتريد أن تدعو إلى الله، فما هي الطريقة التي تتبعها؟ وما هي المجالات التي تستطيع أن تدعو إلى الله فيها؟ فأجاب: "الطريقة التي تتبعها هي ما أمر الله به في قوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ، وأما المجالات: فهي مجامع النساء، كالمدارس، وغيرها، تحضر إليهن، وتدعوهن إلى الله ، ولكل مقام مقال، بإمكانها أن تعرف هل المقام يقتضي الترغيب أو الترهيب أو الجمع بينهما بحسب الحال، فمجالات عملها إنما هو مجامع النساء فقط، أما مجامع الرجال: فإنه للرجال" انتهى. " فتاوى نور على الدرب " (شريط ١٢٨، وجه ب) . وللنظر في فتاوى أخرى حول حكم المراسلة بين النساء والرجال: انظري أجوبة الأسئلة: (٧٨٣٧٥) و (٣٤٨٤١) و (٢٣٣٤٩) و (٢٠٩٤٩) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14424

الرد على من زعم أن تخلف المسلمين هو بسبب تمسكهم بدينهم [السُّؤَالُ] ـ[يدعي بعض الناس أن سبب تخلف المسلمين هو تمسكهم بدينهم. وشبهتهم في ذلك، أن الغرب لما تخلوا عن جميع الديانات وتحرروا منها، وصلوا إلى ما وصلوا إليه من التقدم الحضاري، فما رأي فضيلتكم؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "هذا الكلام لا يصدر إلا من ضعيف الإيمان، أو مفقود الإيمان، جاهل بالتاريخ، غير عالم بأسباب النصر، فالأمة الإسلامية لما كانت متمسكة بدينها في صدر الإسلام كان لها العزة والتمكين، والقوة، والسيطرة في جميع نواحي الحياة، بل إن بعض الناس يقول: إن الغرب لم يستفيدوا ما استفادوه من العلوم إلا ما نقلوه عن المسلمين في صدر الإسلام، ولكن الأمة الإسلامية تخلفت كثيراً عن دينها، وابتدعت في دين الله ما ليس منه، عقيدة، وقولاً، وفعلاً، وحصل بذلك التأخر الكبير، والتخلف الكبير، ونحن نعلم علم اليقين ونشهد الله أننا لو رجعنا إلى ما كان عليه أسلافنا في ديننا، لكانت لنا العزة، والكرامة، والظهور على جميع الناس. ولهذا لما حَدَّث أبو سفيان هرقل ملك الروم ـ والروم في ذلك الوقت تعتبر دولة عظمى - بما عليه الرسول ﵊ وأصحابه؛ قال: (إن كان ما تقول حقّاً فسيملك ما تحت قدمي هاتين) . ولما خرج أبو سفيان وأصحابه من عند هرقل، قال: (لقد أمِرَ أمْر ابن أبي كبشة إنه ليخافه ملك بني الأصفر) . وأما ما حصل في الدول الغربية الكافرة الملحدة من التقدم في الصناعات وغيرها، فإن ديننا لا يمنع منه، لو أننا التفتنا إليه، لكن مع الأسف ضيعنا هذا وهذا، ضيعنا ديننا، وضيعنا دنيانا، وإلا فإن الدين الإسلامي لا يعارض هذا التقدم، بل قال الله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) الأنفال/٦٠. وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) الملك/١٥. وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) ... إلى غير ذلك من الآيات التي تعلن إعلاناً ظاهراً للإنسان أن يكتسب ويعمل وينتفع، لكن لا على حساب الدين، فهذه الأمم الكافرة هي كافرة من الأصل، دينها الذي كانت تدعيه دين باطل، فهو وإلحادها على حد سواء، لا فرق. فالله يقول: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ) آل عمران/٨٥. وإن كان أهل الكتاب من اليهود والنصارى لهم بعض المزايا التي يخالفون غيرهم فيها، لكن بالنسبة للآخرة هم وغيرهم سواء، ولهذا أقسم النبي ﷺ أنه لا يسمع به من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يتبع ما جاء به، إلا كان من أصحاب النار، فهم من الأصل كافرون، سواء انتسبوا إلى اليهودية، أو النصرانية، أم لم ينتسبوا إليها. وأما ما يحصل لهم من الأمطار وغيرها فهم يصابون بهذا ابتلاء من الله تعالى وامتحاناً، وتعجل لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، كما قال النبي ﵊ لعمر بن الخطاب، وقد رآه قد أثر في جنبه حصير، فبكى عمر. فقال: يا رسول الله فارس والروم يعيشون فيما يعيشون فيه من النعيم، وأنت على هذه الحال. فقال: (يا عمر، هؤلاء قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة) . ثم إنهم يأتيهم من القحط، والبلايا، والزلازل، والعواصف المدمرة ما هو معلوم، وينشر دائماً في الإذاعات، وفي الصحف، وفي غيرها، ولكن من وقع السؤال عنه أعمى، أعمى الله بصيرته فلم يعرف الواقع، ولم يعرف حقيقة الأمر، ونصيحتي له أن يتوب إلى الله من هذه التصورات قبل أن يفاجئه الموت، وأن يرجع إلى ربه، وأن يعلم أنه لا عزة لنا، ولا كرامة، ولا ظهور، ولا سيادة إلا إذا رجعنا إلى دين الإسلام، رجوعاً حقيقياً يصدقه القول والفعل، وأن يعلم أن ما عليه هؤلاء الكفار باطل ليس بحق، وأن مأواهم النار، كما أخبر الله بذلك في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه سلم وأن هذا الإمداد الذي أمدهم الله به من النعم ما هو إلا ابتلاء وامتحان وتعجيل طيبات، حتى إذا هلكوا وفارقوا هذا النعيم إلى الجحيم ازدادت عليه الحسرة والألم والحزن، وهذا من حكمة الله بتنعيم هؤلاء، على أنهم كما قلت لم يسلموا من الكوارث التي تصيبهم من الزلازل، والقحط، والعواصف، والفيضانات وغيرها، فأسأل الله لهذا السائل الهداية والتوفيق، وأن يرده إلى الحق وأن يبصرنا جميعاً في ديننا إنه جواد كريم" انتهى. والله أعلم. "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (٣/٣٣) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14425

الطريق إلى جمع كلمة المسلمين على الحق [السُّؤَالُ] ـ[التفرق والتمزق والاختلاف يسود الأمة الإسلامية. كيف يمكن جمع كلمة المسلمين على الخير ونبذ الاختلاف والتفرق؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "الطريق إلى جمع كلمة المسلمين على الحق ونبذ الخلاف والتفرق هو التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﵊ والاستقامة على ذلك والتواصي بذلك والتعاون على البر والتقوى، ورد كل ما يتنازعون فيه إلى كتاب الله سبحانه وسنة رسول الله ﷺ وتحكيمهما في كل شيء، كما قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) النساء/٥٩، وقال : (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) الشورى/١٠. وأولو الأمر هم العلماء بدين الله المعروفون بحسن العقيدة والسيرة وأمراء المسلمين، ومتى حصل النزاع في شيء بينهم وجب رده إلى الله والرسول ﷺ ، والرد إلى الله هو الرد إلى القرآن الكريم، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه في حياته وإلى سنته الصحيحة بعد وفاته، وما حكما به أو أحدهما فهو حكم الله ، فالواجب على جميع المسلمين حكومات وشعوبا، علماء وأمراء أن يتقوا الله ، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وأن يحكموا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فيما شجر بينهم، عملا بالآيتين السابقتين، وعملا بقوله : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء/٦٥، وبقوله : (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) العصر/١-٣، وعملا بقوله : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) آل عمران/١٠٣. ونسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يصلح أحوال المسلمين جميعا في كل مكان، وأن يؤلف بين قلوبهم على الحق ويجمعهم على الهدى، وأن يعيذهم جميعا من نزغات الشيطان، ومكائد الأعداء وأن يصلح قادتهم ويولي عليهم خيارهم إنه سميع قريب" انتهى. والله أعلم. وينظر للفائدة السؤال (١٢١١٠) . "مجموع فتاوى ابن باز" (٢٧/٣٥٩) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →