← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 14421–14460 · переход к 14426.

стр. 14421

يريد أن يشاهد الأفلام البوليسية [السُّؤَالُ] ـ[أنا مسلم أتمنى متابعة الرسول ﷺ كما لو كنت أراه، إنني أخاف الله فعلا وخصوصا بعد القراءة عن النار، أنا لا أستمع إلى الأغاني مطلقا، ولا أرى الأفلام، مع هذا أريد أن أسألكم، حياتي ستكون مملة جدا إذا لم أر أفلاما فقط عن القتال والعنف ولكنها لا تحتوي على زنا ولا نساء. هل يمكنني أن أشاهد الأفلام البوليسية أو أفلاما فيها نساء محجبات؟ لا أستطيع ترك الأفلام لأنني تعودت عليها من صغري على الأفلام الكرتونية على الأقل للتسلية ولست متزوجا. فهل يمكنني مشاهدة أفلام الأكشن؟ أريد أن أقوم بالدعوة في فترة لاحقة من عمري. أعمل وأدعو، هل يمكنني ذلك؟ لست عالما لكنني أعرف الكثير.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: خوفك من الله واتعاظك عند الحديث عن النار يدل على أن فيك خيرا وإيمانا وقابلية أن تكون من المتقين , وكل ذلك من نعم الله عليك , فعليك أن لا تكفر نعمة الخالق الذي وفقك إلى ذلك , بل عليك أن تبادر بالشكر لله , وذلك بالبعد عن المعاصي، وبالتقرب إليه بفعل الطاعات , فلا أضر على النعم من المعاصي، فكم من نعم سلبت من العبد بسبب معصية فعلها غافلا عنها أمام من لا يغفل ولا ينسى , وعليك أن تعلم أن الحياة المملة هي حياة الضياع والتيه والمعصية. ثانيا: متابعة الأفلام التي تحدثت عنها لا تخلو من إضاعة للوقت والمال , هذا بالإضافة إلى ما تشتمل عليه من منكرات كالموسيقى والعري , فننصحك بتجنب مشاهدة هذه الأفلام، التي تنقص الإيمان وتشغل القلب، مع ما قد يكون فيها مما يسخط الله جل وعلا. وهذا يتعارض مع ما تريده من التوبة والاستقامة، فاعزمها توبة صادقة نصوحا لله تعالى , واترك عنك التسويف , فإنه من الشيطان , فمن يضمن لك أنك ستعيش , ثم توفق للتوبة. وأما الدعوة إلى الله فشرطها الأساس أن تعلم ما تدعو إليه , وأن تدعو وفق منهج الدعوة السليم , وهو الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، قال الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل/١٢٥. وليس من شرط الدعوة إلى الله أن يكون الداعي عالماً، بل متى عرفت شيئا من الحق فادع إليه. ومع ذلك.... فاجتهد في طلب العلم الشرعي حتى تكون دعوتك على بصيرة. قال الله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ) يوسف/١٠٨. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14422

يسأل عن موقع متخصص في السيرة والسنة النبوية والدفاع عنها [السُّؤَالُ] ـ[هناك موقع اسمه " رسول الله " فما هو رأيكم به؟ http://www.rasoulallah.net وهل أعمل على نشره؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله بالاطلاع على الموقع، وتصفح أقسامه، تبين لنا أنه موقع نافع، يهتم ببيان سيرة النبي ﷺ وشمائله ونصرته ورفع لواء سنته والرد على شبهات الطاعنين، وأحقاد الجاهلين، فلا مانع من نشره والدلالة عليه، بل هذا من الخير الذي تؤجر عليه إن شاء الله، ونسأل الله أن يجزي القائمين على الموقع خيراً. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14423

طالبة علم وترغب الدخول في باب دعوة الشباب بالمراسلة دون علم زوجها [السُّؤَالُ] ـ[أنا فتاة في أواخر العشرينات من عمري، متزوجة، حاصلة على درجة الماجستير من جامعة شرعية أعمل محاضرة في إحدى الجامعات الشرعية غير المختلطة، تربيت في أسرة محافظة، فحفظت كتاب الله ولم أتجاوز الخامسة عشرة، أحمل همّاً كبيراً للدعوة إلى الله، وخاصة لدعوة الشباب، لأني أزعم أنني أعرف شيئاً من توجهاتهم، واهتماماتهم، وأساليب الوصول إليهم، والتأثير فيهم، بحكم كوني واحدة منهم، وبحكم عملي بينهم، واطلاعي على كثير من أحوال الطالبات في الكلية، ومن المعلوم أن من أكثر ما يقبل عليه الشباب هذه الأيام هي القنوات الإلكترونية: المحادثة، وما يسمى بـ " الشات "، وغرف الدردشة التي يتبادلون فيها كل شيء مما يكون غالبا مضيعة للأوقات إن لم يكن خادشاً للحياء، ومنافياً للمبادئ والقيم الإسلامية، ودائماً ما أحدِّث نفسي باستغلال مثل هذه القنوات للوصول إلى الشباب والتأثير فيهم، ودعوتهم إلى الله، وعدم تركهم لأهوائهم، ولمن يريد إفسادهم بكل طريق، فكثير ما يترك المصلحون والصالحون مثل هذه المجالات خوفاً على أنفسهم، وعلى مبادئهم، فيخلو الجو للشيطان، وأعوانه، وكثيراً ما يحصر الدعاة والمصلحون وأصحاب المبادئ جهودهم في الدروس، والمحاضرات، والقنوات، والمنتديات الإسلامية، والجمعيات الخيرية، والمساجد، ودور التحفيظ، مما لا يكاد يحضرها إلا الشريحة المحافظة والملتزمة أصلاً من الشباب، فتزيدهم نوراً على نور، ويبقى الغافلون بلا ناصح أو مذكِّر، فهل يحق لي شرعاً التواصل مع الشباب (الجنسين) عن طريق مثل هذه الوسائل الإلكترونية (عن طريق الكتابة فقط) ومحاولة التأثير فيهم، والوصول إلى قلوبهم، ودعوتهم، وخاصة أن مثل هذه الوسيلة تحتاج إلى كثير من الصبر والتبسط في الحديث للوصول إلى المراد؟ وهل يعتبر ذلك من خيانة الزوج الذي قد لا يحتمل محادثتي لأي شاب - ولو كتابة - وفي أي مجال مهما كان - خاصة وأنه لم يتعود مني الكلام إلا مع محارمي أو مشايخي في الجامعة؟ . أرجوك، أنتظر توجيهك، وإرشادك، فحال شبابنا يؤرقني، وهمُّ الدعوة إلى الله يملأ قلبي، فهل أبدأ؟!]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نشكر لك حرصك على الدعوة إلى الله، ونسأل الله أن يكتب لك أجر ذلك، وأن يجعلك من الداعيات المخلصات. ثانياً: الدعوة إلى الله واجبة على الرجال والنساء، قال الله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران/ ١٠٤. ويمكنك الاقتصار على دعوة الفتيات دون الشباب الذكور، – ولو كتابة -؛ للأسباب التالية: ١- أن الأمر فيه فتنة للطرفين، وإذا سلم أحد الطرفين لقوة إيمانه ودينه فإنه لا يُضمن سلامة الطرف الآخر، ومن شأن تلك المحادثات أو الكتابات أن تؤدي إلى إذابة الحواجز بين المرأة والرجل، ولا يُدرى ما يكيد به الشيطان لهما إن كانا سليما النية والقصد، كما لا يُدرى ما يكيده الطرف الآخر إن كان شيطاناً من الإنس، والواجب على المسلم الحذر من كل ما يؤدي إلى فتنته، أو فتنة غيره به. والواقع يشهد بذلك، فكثير من البيوت قد انهدمت بسبب تلك المحادثات، وقد جرَّت تلك المحادثات فتيات إلى الهاوية، ولا شك أنهن لم يكن يردن ذلك، ولا خطر ببالهن يوماً أن يكون ذلك مصيرهن، ولكنه استدراج الشيطان وخداع النفس. ٢- الأمة الإسلامية فيها خير كثير، ويوجد من الدعاة من يغطي جانب دعوة الشباب، وليس الأمر محتاجاً لمن يقوم به من النساء. ٣- زوجك لا يرضى بهذا الأمر منك، وإن فعلتِ ذلك دون علمه كان خيانة له ولا شك، وهو أمرٌ لا يقبل مثلُك أن يقع فيه. ونود أن نقف معك بعد هذا وقفتين: أ. إننا نرى عالم النساء مليئاً بالمشكلات والمآسي، وهنَّ يحتجن بشدة إلى من يقف معهن من بنات جنسهن لدلالتهن على طريق الاستقامة، فهل انتهيتِ من أولئك النساء حتى فكرتِ في دعوة الشباب؟ ب. هل ترضين أن يقوم زوجك بدعوة النساء للسبب الذي تذكرينه في دعوة الرجال؟ إننا نكاد نجزم أنك – بحسب خبرتك العلمية والدعوية – ستذكرين من مفاسد دعوة الرجال للنساء بالمحادثة أو المكاتبة الشيء الكثير، كما نجزم أنه قد بلغك حوادث مؤلمة لمشكلات حصلت في بيوت إخوة وأخوات جرَّاء تلك الكتابات أو المحادثات، وهو ما يجعل المرء يجزم بأن الشريعة المطهرة لا تفتح الأبواب الموصدة أمام الفتن والشهوات، بل تبقيها محكمة الإغلاق. وهاتان فتويان لأهل العلم تجمع ما سبق بيانه: ١. قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: "للمرأة مجال للدعوة في بيتها، لأسرتها، من زوج، ومحارم، رجالاً، ونساءً، ولها مجال في الدعوة الإسلامية خارج بيتها للنساء، إذا لم يكن في ذلك سفر بلا زوج ولا محرم، ولم يُخش الفتنة، وكان ذلك بإذن زوجها إن كانت متزوجة، ودعت إلى ذلك الحاجة، ولم ينشأ عن ذلك ضياع ما هو أوجب عليها من حقوق أسرتها" انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ٢٤٩، ٢٥٠) . ٢. وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: كيف تدعو المرأة إلى الله إذا كان لديها علم وحماس، وتريد أن تدعو إلى الله، فما هي الطريقة التي تتبعها؟ وما هي المجالات التي تستطيع أن تدعو إلى الله فيها؟ فأجاب: "الطريقة التي تتبعها هي ما أمر الله به في قوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ، وأما المجالات: فهي مجامع النساء، كالمدارس، وغيرها، تحضر إليهن، وتدعوهن إلى الله ، ولكل مقام مقال، بإمكانها أن تعرف هل المقام يقتضي الترغيب أو الترهيب أو الجمع بينهما بحسب الحال، فمجالات عملها إنما هو مجامع النساء فقط، أما مجامع الرجال: فإنه للرجال" انتهى. " فتاوى نور على الدرب " (شريط ١٢٨، وجه ب) . وللنظر في فتاوى أخرى حول حكم المراسلة بين النساء والرجال: انظري أجوبة الأسئلة: (٧٨٣٧٥) و (٣٤٨٤١) و (٢٣٣٤٩) و (٢٠٩٤٩) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14424

الرد على من زعم أن تخلف المسلمين هو بسبب تمسكهم بدينهم [السُّؤَالُ] ـ[يدعي بعض الناس أن سبب تخلف المسلمين هو تمسكهم بدينهم. وشبهتهم في ذلك، أن الغرب لما تخلوا عن جميع الديانات وتحرروا منها، وصلوا إلى ما وصلوا إليه من التقدم الحضاري، فما رأي فضيلتكم؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "هذا الكلام لا يصدر إلا من ضعيف الإيمان، أو مفقود الإيمان، جاهل بالتاريخ، غير عالم بأسباب النصر، فالأمة الإسلامية لما كانت متمسكة بدينها في صدر الإسلام كان لها العزة والتمكين، والقوة، والسيطرة في جميع نواحي الحياة، بل إن بعض الناس يقول: إن الغرب لم يستفيدوا ما استفادوه من العلوم إلا ما نقلوه عن المسلمين في صدر الإسلام، ولكن الأمة الإسلامية تخلفت كثيراً عن دينها، وابتدعت في دين الله ما ليس منه، عقيدة، وقولاً، وفعلاً، وحصل بذلك التأخر الكبير، والتخلف الكبير، ونحن نعلم علم اليقين ونشهد الله أننا لو رجعنا إلى ما كان عليه أسلافنا في ديننا، لكانت لنا العزة، والكرامة، والظهور على جميع الناس. ولهذا لما حَدَّث أبو سفيان هرقل ملك الروم ـ والروم في ذلك الوقت تعتبر دولة عظمى - بما عليه الرسول ﵊ وأصحابه؛ قال: (إن كان ما تقول حقّاً فسيملك ما تحت قدمي هاتين) . ولما خرج أبو سفيان وأصحابه من عند هرقل، قال: (لقد أمِرَ أمْر ابن أبي كبشة إنه ليخافه ملك بني الأصفر) . وأما ما حصل في الدول الغربية الكافرة الملحدة من التقدم في الصناعات وغيرها، فإن ديننا لا يمنع منه، لو أننا التفتنا إليه، لكن مع الأسف ضيعنا هذا وهذا، ضيعنا ديننا، وضيعنا دنيانا، وإلا فإن الدين الإسلامي لا يعارض هذا التقدم، بل قال الله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) الأنفال/٦٠. وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) الملك/١٥. وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) ... إلى غير ذلك من الآيات التي تعلن إعلاناً ظاهراً للإنسان أن يكتسب ويعمل وينتفع، لكن لا على حساب الدين، فهذه الأمم الكافرة هي كافرة من الأصل، دينها الذي كانت تدعيه دين باطل، فهو وإلحادها على حد سواء، لا فرق. فالله يقول: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ) آل عمران/٨٥. وإن كان أهل الكتاب من اليهود والنصارى لهم بعض المزايا التي يخالفون غيرهم فيها، لكن بالنسبة للآخرة هم وغيرهم سواء، ولهذا أقسم النبي ﷺ أنه لا يسمع به من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يتبع ما جاء به، إلا كان من أصحاب النار، فهم من الأصل كافرون، سواء انتسبوا إلى اليهودية، أو النصرانية، أم لم ينتسبوا إليها. وأما ما يحصل لهم من الأمطار وغيرها فهم يصابون بهذا ابتلاء من الله تعالى وامتحاناً، وتعجل لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، كما قال النبي ﵊ لعمر بن الخطاب، وقد رآه قد أثر في جنبه حصير، فبكى عمر. فقال: يا رسول الله فارس والروم يعيشون فيما يعيشون فيه من النعيم، وأنت على هذه الحال. فقال: (يا عمر، هؤلاء قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة) . ثم إنهم يأتيهم من القحط، والبلايا، والزلازل، والعواصف المدمرة ما هو معلوم، وينشر دائماً في الإذاعات، وفي الصحف، وفي غيرها، ولكن من وقع السؤال عنه أعمى، أعمى الله بصيرته فلم يعرف الواقع، ولم يعرف حقيقة الأمر، ونصيحتي له أن يتوب إلى الله من هذه التصورات قبل أن يفاجئه الموت، وأن يرجع إلى ربه، وأن يعلم أنه لا عزة لنا، ولا كرامة، ولا ظهور، ولا سيادة إلا إذا رجعنا إلى دين الإسلام، رجوعاً حقيقياً يصدقه القول والفعل، وأن يعلم أن ما عليه هؤلاء الكفار باطل ليس بحق، وأن مأواهم النار، كما أخبر الله بذلك في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه سلم وأن هذا الإمداد الذي أمدهم الله به من النعم ما هو إلا ابتلاء وامتحان وتعجيل طيبات، حتى إذا هلكوا وفارقوا هذا النعيم إلى الجحيم ازدادت عليه الحسرة والألم والحزن، وهذا من حكمة الله بتنعيم هؤلاء، على أنهم كما قلت لم يسلموا من الكوارث التي تصيبهم من الزلازل، والقحط، والعواصف، والفيضانات وغيرها، فأسأل الله لهذا السائل الهداية والتوفيق، وأن يرده إلى الحق وأن يبصرنا جميعاً في ديننا إنه جواد كريم" انتهى. والله أعلم. "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (٣/٣٣) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14425

الطريق إلى جمع كلمة المسلمين على الحق [السُّؤَالُ] ـ[التفرق والتمزق والاختلاف يسود الأمة الإسلامية. كيف يمكن جمع كلمة المسلمين على الخير ونبذ الاختلاف والتفرق؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "الطريق إلى جمع كلمة المسلمين على الحق ونبذ الخلاف والتفرق هو التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﵊ والاستقامة على ذلك والتواصي بذلك والتعاون على البر والتقوى، ورد كل ما يتنازعون فيه إلى كتاب الله سبحانه وسنة رسول الله ﷺ وتحكيمهما في كل شيء، كما قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) النساء/٥٩، وقال : (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) الشورى/١٠. وأولو الأمر هم العلماء بدين الله المعروفون بحسن العقيدة والسيرة وأمراء المسلمين، ومتى حصل النزاع في شيء بينهم وجب رده إلى الله والرسول ﷺ ، والرد إلى الله هو الرد إلى القرآن الكريم، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه في حياته وإلى سنته الصحيحة بعد وفاته، وما حكما به أو أحدهما فهو حكم الله ، فالواجب على جميع المسلمين حكومات وشعوبا، علماء وأمراء أن يتقوا الله ، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وأن يحكموا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فيما شجر بينهم، عملا بالآيتين السابقتين، وعملا بقوله : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء/٦٥، وبقوله : (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) العصر/١-٣، وعملا بقوله : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) آل عمران/١٠٣. ونسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يصلح أحوال المسلمين جميعا في كل مكان، وأن يؤلف بين قلوبهم على الحق ويجمعهم على الهدى، وأن يعيذهم جميعا من نزغات الشيطان، ومكائد الأعداء وأن يصلح قادتهم ويولي عليهم خيارهم إنه سميع قريب" انتهى. والله أعلم. وينظر للفائدة السؤال (١٢١١٠) . "مجموع فتاوى ابن باز" (٢٧/٣٥٩) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14426

ما مدى أهمية إظهار التعاطف مع المسلمين ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما مدى أهمية إظهار التعاطف مع المسلمين؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ختم الله تعالى الرسالات بدين الإسلام، فجاءت أحكامه وتشريعاته غاية في الحكمة، ومصلحة للفرد والمجتمعات إلى قيام الساعة. ومن أبرز ما جاءت به الشريعة المطهرة: العلاقة بين المسلمين بعضهم مع بعض، فجاءت التشريعات واضحة بينة تقوي تلك العلاقة، وتحرِّم كل ما يفسدها ويدنسها، ومن تلك التشريعات الربانية في تقوية العلاقات بين المسلمين بعضهم مع بعض: وجوب التواد والتراحم والتعاطف بينهم. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀: " ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: هديه إلى أن الرابطة التي يجب أن يُعتقد أنها هي التي تربط بين أفراد المجتمع، وأن يُنادى بالارتباط بها دون غيرها: إنما هي دين الإسلام؛ لأنه هو الذي يربط بين أفراد المجتمع، حتى يصير بقوة تلك الرابطة جميع المجتمع الإسلامي كأنه جسد واحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. فربْط الإسلام لك بأخيك: كربط يدك بمعصمك، ورِجلك بساقك، كما جاء في الحديث عن النَّبي ﷺ : (إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ، ولذلك يكثر في القرآن العظيم إطلاق النفس وإرادة الأخ؛ تنبيهاً على أن رابطة الإسلام تجعل أخا المسلم كنفسه، كقوله تعالى: (وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ) البقرة/٨٤، الآية، أي: لا تخرجون إخوانكم، وقوله: (لولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً) النور/ ١٢، أي: بإخوانكم، على أصح التفسرين، وقوله: (وَلَا تلمزوا أَنفُسَكُمْ) الحجرات/١١، الآية، أي: إخوانكم، على أصح التفسرين، وقوله: (وَلَا تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ) البقرة/ ١٨٨، الآية، أي: لا يأكل أحدكم مال أخيه، إلى غير ذلك من الآيات، ولذلك ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) " انتهى. " أضواء البيان " (٣ / ١٣٠، ١٣١) . ثانياً: من الأهمية بمكان إظهار ذلك التعاطف مع المسلمين، ومشاركتهم في أفراحهم وأحزانهم، ولهذا الإظهار فوائد شتَّى، منها: ١. أن ذلك يعتبر من كمال الإيمان الواجب. عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) رواه البخاري (٤٦٧) ومسلم (٢٥٨٥) . وبوب عليه النووي بقوله: بَاب تَرَاحُمِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَعَاضُدِهِمْ. قال النووي – ﵀: " قوله ﷺ (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً) ، وفي الحديث الآخر (مَثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم) إلى آخره: هذه الأحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض، وحثهم على التراحم، والملاطفة، والتعاضد، في غير إثم، ولا مكروه، وفيه جواز التشبيه وضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأفهام. قوله ﷺ (تداعى لها سائر الجسد) أي: دعا بعضه بعضاً إلى المشاركة في ذلك، ومنه قولهم " تداعت الحيطان " أي: تساقطت، أو قربت من التساقط " انتهى. " شرح مسلم " (١٦ / ١٣٩، ١٤٠) . وعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) رواه البخاري (٥٦٦٥) ومسلم (٢٥٨٦) . قال المناوي – ﵀: " قال ابن أبي جمرة: الثلاثة وإن تفاوت معناها: بينها فرق لطيف، فالمراد بالتراحم: أن يرحم بعضهم بعضاً لحلاوة الإيمان، لا لشيء آخر، وبالتواد: التواصل الجالب للمحبة كالتهادي، وبالتعاطف: إعانة بعضهم بعضاً " انتهى. " فيض القدير " (٥ / ٦٥٦) . وفي رواية – عند مسلم -: (الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنْ اشْتَكَى رَأْسُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ) . وفي رواية: (الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنْ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ وَإِنْ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: " ولهذا كان المؤمن يُسرُّه ما يُسرُّ المؤمنين، ويسوؤه ما يسوؤهم، ومَن لم يكن كذلك: لم يكن منهم! فهذا الاتحاد الذي بين المؤمنين: ليس هو أن ذات أحدهما هي بعينها ذات الآخر، ولا حلت فيه بل، هو توافقهما، واتحادهما في الإيمان بالله ورسوله، وشُعَب ذلك: مثل محبة الله ورسوله، ومحبة ما يحبه الله ورسوله " انتهى. " مجموع الفتاوى " (٢ / ٣٧٣، ٢٧٤) . وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في " فتح الباري شرح صحيح البخاري ": " وهذا التشبيك من النبي ﷺ في هذا الحديث: كان لمصلحة، وفائدة، لم يكن عبثاً؛ فنه لما شبَّه شد المؤمنين بعضهم بعضاً بالبنيان: كان ذلك تشبيهاً بالقول، ثم أوضحه بالفعل، فشبَّك أصابعه بعضها في بعض؛ ليتأكد بذلك المثال الذي ضربه لهم بقوله، ويزداد بياناً وظهوراً. ويفهم من تشبيكه: أن تعاضد المؤمنين بينهم كتشبيك الأصابع بعضها في بعض، فكما أن أصابع اليدين متعددة: فهي ترجع إلى أصل واحد، ورجُل واحد، فكذلك المؤمنون وإن تعددت أشخاصهم: فهم يرجعون إلى أصل واحد، وتجمعهم أخوة النسب إلى آدم ونوح، وأخوة الإيمان.." انتهى. ٢. ومنها - أي: من فوائد إظهار التعاطف مع المسلمين - إزالة الحواجز التي وُجدت من رواسب الجاهلية، أو الاستعمار، من عصبية للغة، أو لون، أو جنس. قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀: " ولا ريب أيضا أن الدعوة إلى القومية تدعو إلى البغي والفخر ; لأن القومية ليست ديناً سماويّاً يمنع أهله من البغي والفخر , وإنما هي فكرة جاهلية، تحمل أهلها على الفخر بها، والتعصب لها على من نالها بشيء , وإن كانت هي الظالمة، وغيرها المظلوم , فتأمل أيها القارئ ذلك يظهر لك وجه الحق. ومن النصوص الواردة في ذلك: ما رواه الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله قد أذهب عنكم عصبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى) ، وهذا الحديث يوافق قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ، أوضح سبحانه بهذه الآية الكريمة أنه جعل الناس شعوباً وقبائل للتعارف، لا للتفاخر والتعاظم , وجعل أكرمهم عنده هو أتقاهم , وهكذا يدل الحديث المذكور على هذا المعنى، ويرشد إلى سنة الجاهلية: التكبر، والتفاخر بالأسلاف، والأحساب , والإسلام بخلاف ذلك , يدعو إلى التواضع، والتقوى، والتحاب في الله , وأن يكون المسلمون الصادقون من سائر أجناس بني آدم , جسداً واحداً , وبناءً واحداً، يشد بعضهم بعضاً , ويألم بعضهم لبعض " انتهى. " فتاوى الشيخ ابن باز " (١ / ٢٩٠، ٢٩١) . ٣. ومنها: القيام على الضعَفة والعجَزة والمساكين، رعايةً، وعنايةً. وفي " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٠ / ٣٤٨) : " ومن ذلك: تولِّي اليتامى، والمساكين، والعجزة عن الكسب، ومن لا يُعرف لهم آباء، بالقيام عليهم، وتربيتهم، والإحسان إليهم؛ حتى لا يكون في المجتمع بائس، ولا مهمل؛ خشية أن تصاب الأمة بغائلة سوء تربيته، أو تمرده، لما أحس به من قسوة المجتمع عليه، وإهماله " انتهى. ٥. ومنها: نصرة المظلوم من المسلمين في كل مكان، وإعانته بما يُستطاع، قتالاً معه ضد الظالم المغتصب، أو إعانته بالمال، ومن عجز عن ذلك، فلن يعجز عن دعاء لهم بالنصر والتثبيت والتأييد. " ولقد قرر العلماء ﵏: أنه لو أصيبت امرأة مسلمة في المغرب بضيمٍ: لوجب على أهل المشرق من المسلمين نصرتها , فكيف والقتل، والتشريد، والظلم، والعدوان، والاعتقالات بغير حق , كل ذلك يقع بالمئات الكثيرة من المسلمين فلا يتحرك لهم إخوانهم، ولا ينصرونهم، إلا ما شاء الله من ذلك! ... " انتهى. " فتاوى الشيخ ابن باز " (٢ / ١٦٣ - ١٦٥) . ٦. ومنها: قطع طمع أعدائهم بهم. فلو علم الأعداء من الكفار أن المسلمين يد واحدة، حزنهم واحد، وسرورهم واحد: لما اعتدى ظالم فاجر على مسلم، فضلاً أن يُعتدى على بلدٍ مسلم، تستباح أعراض نسائه، وتُنهب أمواله، ويشرَّد رجاله. قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀: " فهذه الأحاديث وما جاء في معناها: تدل دلالة ظاهرة على وجوب التضامن بين المسلمين , والتراحم والتعاطف , والتعاون على كل خير , وفي تشبيههم بالبناء الواحد , والجسد الواحد: ما يدل على أنهم بتضامنهم، وتعاونهم، وتراحمهم: تجتمع كلمتهم , وينتظم صفهم , ويسلمون من شر عدوهم " انتهى. فتاوى الشيخ ابن باز " (٢ / ٢٠٠، ٢٠١) . ثالثاً: قد ضرب الصحابة ﵃ أروع الأمثلة في التطبيق العملي للتعاطف والتراحم: ١. عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: (قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَآخَى النَّبيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِىِّ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ) رواه البخاري (٣٩٣٧) . ولا ندري أيهما أعجب: الكرم والإيثار من سعد بن الربيع أم عزة النفس والرغبة في الاكتساب بجهد اليد من عبد الرحمن بن عوف، ﵃. ٢. عَنْ أَنَسٍ ﵁ – أيضاً - قَالَ: قَالَ الْمُهَاجِرُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قَوْمٍ قَدِمْنَا عَلَيْهِمْ أَحْسَنَ مُوَاسَاةً فِي قَلِيلٍ وَلَا أَحْسَنَ بَذْلًا فِي كَثِيرٍ، لَقَدْ كَفَوْنَا الْمَئُونَةَ، وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنَإِ، حَتَّى لَقَدْ حَسِبْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ، قَالَ: (لَا، مَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ، وَدَعَوْتُمْ اللَّهَ لَهُمْ) رواه أحمد برقم (١٢٦٦٢) ، والترمذي برقم (٢٤٨٧) ، وصححه الشيخ الألباني ﵀ في " مشكاة المصابيح " (٢/١٨٥) . وللفائدة انظر جواب السؤال رقم (٩٨٦٦٨) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14427

هل يُعلم المسلم حديثاً الأحكام دفعة واحدة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[المسلم الحديث العهد بالإسلام هل يُعلم شرائع الإسلام وأحكامه دفعة واحدة؟ أم على مراحل؟ وهل يُبدأ معه بأصول الاعتقاد أم بأصول الأحكام الشرعية من الواجبات والمحرمات؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "ميزان هذا السؤال حال رسول الله ﷺ في بعث الدعاة إلى الإسلام، فقد كان ﵊ يبعث الدعاة إلى الإسلام ويأمرهم أن يبدؤوا أولاً بتوحيد الله، ثم الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام والحج عند حلول وقتهما، فقد بعث معاذاً إلى اليمن وأمره أن يدعوهم أولاً إلى توحيد الله ، فإن أجابوا لذلك فليدعهم إلى الصلاة، فإن أجابوا فليدعهم إلى الزكاة، ولم يذكر الصيام والحج لأنه – أي بعث معاذ ﵁ – كان في غير زمنهما، لأنه بعثه في ربيع الأول من السنة العاشرة، والحج قد بقى عليه مدة، وكذلك الصيام فكان من حكمته ﷺ أن لا يفاجئ المدعوين بشرائع الإسلام كلها، وهذا من الحكمة الداخل في قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ) النحل/١٢٥. وهل يبدأ معه مباشرة بعد إسلامه بيان الأحكام الفرعية كحكم اللحية والإسبال وغيرها؟ هذا ينبني على ما سبق من أن خير الهدي هدي محمد ﷺ فيبدأ أولاً بأصول الإسلام حتى إذا استقر الإسلام في نفسه واطمأن إليه قلبه حينئذ نخاطبه بعد ذلك بالأهم فالأهم، وهذه سنة الله تعالى الشرعية والكونية، انظر كيف يبدأ الجنين في التكوين شيئاً فشيئاً، كذلك الفصول الأربعة تكون شيئاً فشيئاً، طلوع الشمس وغروبها يكون كذلك، ولو أننا ذهبنا نأمره بجميع الشرائع أو نعلمه جميع الشرائع لطال الأمد، وربما يكون هذا سبباً في نفوره عن الدين الإسلامي" انتهى. فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀. "الإجابات على أسئلة الجاليات" (١/٢٧- ٣٠) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14428

هل للداعية أن يخلو بالمرأة ليعلمها ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل للداعية الخلوة بالمرأة للتعليم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "الداعية لا يحل له أن يخلو بالمرأة التي يدعوها أو يعلمها، لأن ذلك محرم، ولا تكون وسائل الطاعة والعبادة شيئاً محرماً" انتهى. فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀. "الإجابات على أسئلة الجاليات" (١/٢٠) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14429

تريد الإصلاح في الأرض [السُّؤَالُ] ـ[أريد أن أصلح في الأرض، ولكن لا يوجد عندي شهادة جامعية، وأنا جالسة في بيتي، ولست متزوجة لكي أصلح بيتي وأولادي، فبماذا تنصحني أعمل؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الإصلاح في الأرض وظيفة الأنبياء، ومهمة الرسل الأولى، يقوم بها من بعدهم الصالحون والمؤمنون، يبتغون في ذلك رضوان الله تعالى، الذي أمرهم بالخيرات، ونهاهم عن السيئات. فقد قال على لسان نبيه شعيب ﵇: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) هود/٨٨. ثم إن من فضل الله على عباده أن فتح للخير أبوابا لا تعد ولا تحصى، ونصب لمن أراد الإصلاح والصلاح كل سبيل، ولم يَقصُر سبيل الخير على شخص أو مكان أو زمان. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ) رواه البخاري (٩) ومسلم (٣٥) . فكل طاعة تقومين بها من صلاة وصيام وزكاة وقراءة للقرآن هي لبنة في صلاح الأرض وعمارتها بالخير، إذ هي سبب لنزول الرحمات وتتابع الخيرات ودفع النقمات، ورب حسنة كانت سببا في نجاة قوم من العذاب والهلاك، بل حتى الاستغفار والذكر باللسان سبب يفتح الله به أبواب البركات. يقول الله سبحانه: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) نوح/١٠-١٢ ومن أعظم الإصلاح في الأرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا عرف المسلم أركان الإسلام وفرائضه الظاهرة بلّغَها الناس، وذكر بها الغافلين، وعلمها الجاهلين، وإذا عرف الكبائر والمحرمات الظاهرة حذر منها المسلمين، ووعظ الوالغين فيها من سخط الله وعقابه، يبدأ بِمَن حوله من أهل بيته وجيرانه وأصحابه، وإن قدر على إيصال كلمته إلى غيرهم لم يتوان ولم يُقصِّر، وهو في ذلك يبتغي مرضات الله . فإن عجزت عن شيء من ذلك كله، فأمسكي عن الشر، فهو صدقة منك على نفسك، وإصلاح لنفسك، ولغيرك: عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ. قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا. قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تُعِينُ صَانِعًا، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟ قَالَ: تَكُفُّ شَرَّكَ عَنْ النَّاسِ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ.) رواه مسلم (٨٤) . واعلمي أيتها الأخت الفاضلة أن الله يتقبل من عباده كل إصلاح وصلاح إذا كان خالصا لوجهه الكريم، مهما كان صغيرا، خاصة إذا كان فيه إحسان إلى الناس، ومساعدة لهم، وتفريج كرباتهم وقضاء حوائجهم. عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : (لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ) رواه مسلم (٢٦٢٦) وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: (كُلُّ سُلَامَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ، يُعِينُ الرَّجُلَ فِى دَابَّتِهِ يُحَامِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ) رواه البخاري (٢٨٩١) ومسلم (١٠٠٩) . فوصيتنا لك أن تُفَتِّشي حولك عن أبواب الخير كلِّها: البر بالأقارب والأصحاب والإخوان، والإحسان إلى الجيران، ورعاية الفقراء والأيتام، وعيادة المرضى، ونحوها من الأبواب، فتسلكي منها ما ييسره الله لك، مع حرصك الدائم على مراقبة الله تعالى في نفسك في السر والعلن، والمسارعة نحو الاستزادة من الطاعات والعبادات، ليكون كل يوم يمر عليك أفضل من اليوم الذي يسبقه. كما نوصيك بالبحث عن العلم النافع، سواء كان علما شرعيا، أم علما دنيويا، ليكون لك بابا من أبواب الخير، وتتمكني به من خدمة المسلمين، وإصلاح شأنهم، واحرصي على اختيار العلم الذي يحتاجه مَن حولك مِن الناس، لتكوني أنت مَن يسد عنهم حاجتهم، فتنالين بذلك الأجر العظيم عند الله تعالى. نسأل الله سبحانه لنا ولك التوفيق والنجاح في الدنيا والآخرة. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14430

تنصحهن فيذكرن لها ماضيها السيئ [السُّؤَالُ] ـ[أنا فتاة أرتدي الحجاب والحمد لله، وأحفظ سوراً من القرآن الكريم وملتزمة بدين الله تعالى، قبل أن أرتدي الحجاب كنت أرتدي ملابساً ضيقة وأضع على شعري تسريحة وبعض الصبغة ولا أصلي، وممكن أتكلم مع شاب في الطريق، ولا أهتم لكلام الناس، وبعد أن هداني الله تغير كل شيء، وندمت علي كل ما كنت أفعله. ما أعاني منه الآن: هو أني حين أتحدث إلى فتاة بخصوص الصلاة أو الحجاب أو أعطيها كتاباً يقولون عني: هذه التي تقول هذا الكلام! هل نسيت ما كانت تفعلي؟ ويقذفنني في عرضي، ويقولن عني أسوأ الأشياء والله يعلم أني بريئة مما ينسب إليَّ، ماذا أفعل؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نحب أن نهنئكِ أيتها السائلة على التوبة والرجوع إلى الله ، فمن نعمة الله على عبده أن يوفقه للتوبة، ويدله عليها، فكم هم الذين باقون على المعاصي والذنوب، ولم يوفقوا للتوبة، فأنتِ في نعمة، فاشكري الله على تلك النعمة، واسأليه المزيد في ذلك. ثانياً: الواجب على الإنسان أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ وذلك لأنه من أسمى الوظائف الإسلامية، بل هو أشرفها وأعلاها، وهو وظيفة الأنبياء والرسل ﵈، كما قال تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) النساء/١٦٥. وقد جعل الله الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس؛ لقيامها بهذه الوظيفة العظيمة، كما قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) آل عمران/١١٠. فالواجب عليكِ هو الاستمرار في نصح ودعوة من علمت أنه على خطأ، ولا تلتفتي إلى كلام المغرضين والمثبطين لكِ، بل اصبري واحتسبي الأجر عند الله، واعلمي أن ما أنتِ عليه هو نوع من أنواع الجهاد، مطلوب فيه تحمل المشاق، والصبر على الأذى فيه، كما قال لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) لقمان/١٧. ثالثاً: ما ذكرتيه من أن بعض من تقومين بنصحه يذكركِ بماضيكِ، فهذا منه نوع من الجهل؛ وذلك لأنه كيف يلام شخص على ذنب قد تاب منه وأقلع عنه! وقد قال النبي ﷺ : (التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ) رواه ابن ماجه (٤٢٥٠) وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه. وإذا كان الله جل وعلا يتوب على من تاب من الشرك، فكيف بمن تاب مما هو دون الشرك من المعاصي والكبائر. وأيضاً: إذا قيل إنه لا يدعو ولا ينصح من كان له ذنوب ومعاصٍ في السابق، فإنه لن يدعو أحد، ولن ينصح أحد؛ لأنه ليس أحد معصوماً من الذنوب، إلا من عصمه الله، فهؤلاء الصحابة منهم من كان في جاهليته شارباً للخمر قاطعاً للرحم ... وأعظم من ذلك الشرك بالله، ولا يشك عاقل في جلالة قدرهم وعلو مكانتهم، وأنهم خير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ، فهم لم يتركوا الدعوة بحجة أنهم فعلوا كذا وكذا في الماضي، بل قاموا بالدعوة خير قيام، ﵃ ورضاهم. والعبرة بكمال النهاية، لا بنقصان البداية، فالعبرة بما انتهى إليه أمر الإنسان، ولهذا قال النبي ﷺ : (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ) البخاري (٦٦٠٧) . والذي يظهر لنا -والله أعلم- أنهم يقولون ذلك فقط من أجل الجدال، وهم يخدعون أنفسهم بأن لهم سبباً يردون من أجله الحق الذي تأمرينهم به، ولو أنصف هؤلاء لتفكروا فيما تأمرينهم به هل هو حق فيقبل؟ أو باطل فيرد؟ بقطع النظر عمن أمر به، فإن الحق يقبل لأجل كونه حقاً، لا من أجل من تكلم به. وقد يكون ماضيك سبباً لقبول كلامك، وقوة حجتك، لأنك إنما تأمرينهم بما تأمرينهم به وقد جَرَّبت الخير والشر، والحلو والمر، فأنت تأمرينهم بالحق بعد علم ويقين وتجربة، وليس من جَرّب كمن سمع فقط. وقديماً قال بعض التائبين: "من جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي"! فاستمري في أمرهم ونصحهم، واحتسبي ما تجدينه من مشقة واستهزاء، نسأل الله تعالى لك مزيداً من التوفيق والحرص على هداية الخلق. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14431

اهتدى حديثاً ويسخر منه أهله وأصدقاؤه، فكيف يتصرف ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لقد كنت من المسرفين في الذنوب والمعاصي، وكان أهون شيء عندي فعل المعصية، كنت من المتعاطين للمخدرات (الحشيش، الحبوب الكبتاجون، الخمر) كنت ممن يزنون، من الله عليَّ فتزوجت، وقبل الزواج تبت من معصية الزنا، ولله الحمد، بقي معي تعاطي المخدرات، وكان سببها الصحبة الفاسدة، وفي يوم من الأيام توفي لي ابن عم يقربني سنّاً، ولكن لم يتزوج، ففكرت في حالي وأنه أصغر مني قد توفي، وكنا في نفس المعصية تعاطي المخدرات، فمنَّ الله عليَّ بالهداية، وتركت كل شيء، حتى الدش - يا شيخ - كسرته، وتغيرت حياتي ١٨٠ درجة، أصبحت: أتصدق، أصلي، أدعو للخير، أوزع أشرطة، كتيبات، مطويات، أحضر محاضرات، آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر. المشكلة: واجهت كثيراً من الانتقادات، أولها من الأهل - الوالدة والأخوات - بأنني متشدد، متزمت، يريدون أن يسمعوا الأغاني، وينظروا إلى المسلسلات، وإذا نصحتهم وقلت لهم هذه حرام ما يجوز يردون علي: " لماذا شرع الاستغفار؟ إذا لا تريد تسمع أغاني وتتفرج على التلفزيون اطلع نحن نريد نتفرج ونسمع "، ونفس المشكلة تحصل معي في العمل، طلعت مرة، ومرتين، زوجتي تقعد معهم، وإذا خرجت أخذتها معي، ويطلبون مني أني أخليها تجلس معهم، وأنا أرفض، وزوجتي تستحي من الأهل، وتخاف يصير مشاكل، وإذا تركتها تجلس معهم تقوم تجلس بعيده عن التلفزيون تجلس لحالها وأحيانا أسمع دعوة من الوالدة تقول: " ليت الله ما هداك، آذيتنا! " أعوذ بالله مشكلتي في العمل / أنا أعمل في القطاع العسكري، أصحابي كلهم من الصحبة السيئة، الملتزمون ٣ فقط، الملتحون ٦، ممن يتغاضون عن أشياء كثيرة، وأن هذا ليس من الدين في شيء، والبقية منهم يشرب الحشيش ويستخدم المخدرات، ومن يغازل النساء، طبعاً الغالبية مدخنون. يا شيخ اتفقوا على الإساءة إليّ، فلا أدخل في مجلس إلا يذكروني بالماضي، ويستهزئون بالملتحين، ويسبونهم، وينعتونهم بـ " الكذابين " و " الإرهابيين "، وأنا تصيبني الغيرة، وأقول لهم: أنتم تسبون إخوانكم، يعني: مسلمين، ما يجوز، حرام تستهزئون باللحية لأنها سنة. يا شيخ أساؤوا لسمعتي، في أغلب المجالس يكثر الانتقادات على الملتحين، ولا يذكرونهم بخير. يا شيخ أحس أني أجرمت في حق إخواني الملتزمين، هل معنى هذا أن التزامي بالشريعة وإطلاق اللحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا الزمان: أصبح جريمة لا بد أدفع ثمنها، أو أصير منحرفا مثلهم؟ يا شيخ حتى مديري يقول: أنتم الملتحون حاطكم تحت المجهر، والله أي غلطة ما أغفرها لكم. عملت بعض الحلول: أولاً: قدمت نقل من نفس الإدارة لإدارة أخرى، ولكنها ستطول قليلاً. ثانياً: كل من أساء الأدب بقول أو فعل قطعت علاقتي معه نهائيّاً، وهذا حد من المشكلة كثيراً جدّاً، ولكنه لا يعجبني؛ فقد أصبح الناس تحذر من التعامل معي والخوف من أن يغلطوا عليَّ، فأصبحوا ينفرون منِّي، وينفِّرون الناس. أرجو من فضيلتكم أن تجدوا لي الحل المناسب؛ لأني والله تعبت نفسيّاً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: هنيئا لك هذه التوبة، يا عبد الله، وهنيئا لك رجوعك إلى ربك، وحمدا لله على سلامتك من طريق الضلال والغواية، ورجوعك إلى طريق الإنابة والهداية، زادك الله هدى، وبرا وتقى، وثبتك على صراطه المستقيم، إلى أن تلقاه على خير ما يحب ويرضى!! واعلم أخي الفاضل أن الشيطان لن يستسلم بعد توبتك بسهولة، ولن يدعك لحال سبيلك؛ لأنك كنت من جنوده، وخرجت من غير إذنه ولا رضاه! فصرت من جنود الرحمن، وكنت في عصابة أوليائه، وانتقلت إلى طائفة أعدائه، فمنَّ الله عليك بالهداية، وغظتَه وكبتَّه، فمن المنطقي أن يحاول ـ بكل الوسائل ـ أن يعود بك إلى سابق عهدك، فعليك بالمثابرة، والثبات، والصحبة الخيرة الصالحة التي تعينك على الحق. ونسأل الله أن يتقبل منك غيرتك على الدين، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وحب هداية الناس. ثانياً: اعلم أخي الفاضل أنه ينبغي النظر إلى قضيتك باعتبارين: الأول: كونك تائباً مهتدياً. والثاني: كونك داعياً إلى الله. ١. أما الاعتبار الأول: فالوصية لك فيه: الصبر على الأذى، والتحمل للسفاهة، مع جواز استعمال الشدَّة إذا لزم الأمر، وذلك إذا تعلَّق الاستهزاء بالدين، وقدرت على منعه وإيقافه. والشيطان له جنود يرسلهم للكيد والمكر وصد الناس عن الدين، وهؤلاء الجنود ليسوا من الجن كلهم، بل له جنود كذلك من الإنس، وهم الذين يقومون بمهامه في صرف الناس عن الطاعة، ودفعهم لفعل المعاصي، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) الأنعام/ ١١٢. وقد طمأنك ربك تعالى، وبشرك بالثواب الجزيل يوم القيامة إن صبرت على أذى هؤلاء السفهاء في الدنيا، وذلك بالرفعة في الدرجات يوم القيامة، وقد توعدهم ربنا تعالى بالعقوبة البالغة إن هم ماتوا على سفهاتهم واستهزائهم بالمؤمنن. قال تعالى: (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) البقرة/ ٢١٢. وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ. وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ. وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ. وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ. فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ. عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ. هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) المطففين/ ٢٩ – ٣٦. قال ابن كثير – ﵀: يُخبر تعالى عن المجرمين أنهم كانوا في الدار الدنيا يضحكون من المؤمنين، أي: يستهزئون بهم ويحتقرونهم، وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم، أي: محتقرين لهم. (وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ) أي: إذا انقلب، أي: رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم، انقلبوا إليها فاكهين، أي: مهما طلبوا وجدوا، ومع هذا ما شكروا نعمة الله عليهم، بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحتقرونهم ويحسدونهم. (وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّون) أي: لكونهم على غير دينهم. قال الله تعالى: (وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِين) أي: وما بُعث هؤلاء المجرمون حافظين على هؤلاء المؤمنين ما يصدر من أعمالهم وأقوالهم، ولا كلفوا بهم، فلم اشتغلوا بهم وجعلوهم نصب أعينهم، كما قال تعالى: (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ. إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ. فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ. إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) المؤمنون/ ١٠٨ – ١١١. ولهذا قال هاهنا: (فَالْيَوْمَ) يعني: يوم القيامة. (الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) أي: في مقابلة ما ضحك بهم أولئك. (عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ) أي: إلى الله ، في مقابلة من زعم فيهم أنهم ضالون، ليسوا بضالين، بل هم من أولياء الله المقربين، ينظرون إلى ربهم في دار كرامته. وقوله: (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) ؟ أي: هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقص أم لا؟ يعني: قد جوزوا أوفر الجزاء، وأتمه، وأكمله. " تفسير ابن كثير " (٨ / ٣٥٣، ٣٥٤) . فاصبر أخي الفاضل واحتسب الأجر على سفاهة هؤلاء، وداوم على تذكيرهم بحكم فعلهم، وأنهم إن تعرضوا للدين باستهزاء وسخرية فقد خرجوا من ملة الإسلام، ولحقوا بإخوانهم من الكفار والمجرمين، الذين سبق ذكر حالهم في الآيات السابقة. ٢. وأما الاعتبار الثاني: فالوصية فيه أن تسلك الطرق المناسبة لعلاج هؤلاء المرضى، فأنت بهذه الاعتبار لست رجلاً عرف الطريق فسلكه، بل أنت الآن داعية إلى الله، تريد أن تعبر بهؤلاء بحر الظلمات ليصلوا إلى بر الأمان والسلامة، فالوصية لك أن تزيد من العلم الشرعي، والطاعات التي تقربك لخالقك ، وأن تكون حكيماً في تبليغ رسالة رب العالمين لهؤلاء المرضى، والحكمة هي وضع الشيء في مكانه المناسب، فالأصل في التعامل معهم الرفق واللين، ولا مانع من استعمال الشدة مع بعضهم إن رأيت أن ذلك يردعه. قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) آل عمران/ ١٥٩. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀: فالأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح، والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم، والعقاب الخاص، فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول، فكيف بغيره؟! . أليس من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، الاقتداء بأخلاقه الكريمة، ومعاملة الناس بما يعاملهم به ﷺ ، من اللين، وحسن الخلق، والتأليف، امتثالاً لأمر الله، وجذباً لعباد الله، لدين الله. ثم أَمَرَه الله تعالى بأن يعفو عنهم ما صدر منهم من التقصير في حقه ﷺ ، ويستغفر لهم في التقصير في حق الله، فيجمع بين العفو والإحسان. " تفسير السعدي " (ص ١٥٤) . وانظر: " تفسير الطبري " (٧ / ٣٤١) . وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ! قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا، فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَهْلًا يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ. رواه البخاري (٥٦٧٨) ومسلم (٢١٦٥) . قال النووي – ﵀: هذا مِن عظيم خلُقه ﷺ ، وكمال حلمه، وفيه: حث على الرفق، والصبر، والحلم، وملاطفة الناس، ما لم تدع حاجة إلى المخاشنة. " شرح النووي على مسلم " (١٤ / ١٤٥) . وقال الشوكاني – ﵀: في الحديث استحباب تغافل أهل الفضل عن سفه المبطلين، إذا لم يترتب عليهم مفسدة. " نيل الأوطار " (٨ / ١٤٦) . ثالثاً: وبخصوص أهلك: عليك أن تصبر على أذاهم، وتداوم النصح والتذكير، ولا تيأس من ذلك، واحرص أشد الحرص على هدايتهم، ونوِّع في الأساليب، وتلطف معهم، ولا ترخ الحبل لزوجتك إذا كان في جلوسها مع أهلك معاصٍ أو منكرات، إلا أن تكون تستطيع تغييرها، ولا ينبغي أن يدفعها خجلها منهم إلى أن تُغضب ربها بسماع أو مشاهدة المحرَّمات، كما أن عليها مسئولية كبيرة في الوقوف مع زوجها، ونصرته، وتثبيته على الهداية والطاعة. ونأسف لقول والدتك تلك المقولة الشنيعة، ولا ندري كيف قالتها ولعلها لا تعلم ما فعله بعض أصحاب المخدرات مع أمهاتهم وأخواتهم! ولا تدري ما فعلوه في إفساد الأسر، والمجتمعات، ولا تدري كم تبذل الأسر من مال ووقت وجهد حتى يصلح الله ولداً من أولادها يتعاطى المخدرات والمسكرات؛ لما رأوه من الأذى والضرر والشر منه. وبخصوص عملك: فإن رأينا أنك أحسنت في طلبك النقل إلى مكان آخر خير منه، وخاصة أنك في أول طريق الهداية والتوبة، وتحتاج لصحبة صالحة تدلك على الخير، وتحثك على فعله، وتحذرك من الشر، وتحثك على تركه. ونعيد أن الأصل في التعامل هو الرفق واللين مع أهلك، وزملاء العمل، وغيرهم، ولا مانع من المخاشنة والشدة مع من يستحقها، إن رأيت في ذلك مصلحة لكف لسانه عن الدين والاستهزاء به. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14432

حكم الختان لمن دخل في الإسلام [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم الختان للمسلم الجديد ومتى يختتن؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "الختان للمسلم الجديد واجب، كما أنه واجب على المسلم الأصلي، ويجب عليه الاختتان من حين أن يسلم، لكن إن اقتضت المصلحة في تأخير أمره بذلك خوفاً من فراره من الإسلام، لأن الإسلام لم يستقر في قلبه بعد فلا بأس بذلك، لأن المفسدة الحاصلة بتأخير الختان أهون من مفسدة ردته عن الإسلام بعد إسلامه" انتهى. فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀. "الإجابات على أسئلة الجاليات" (١/٣، ٤) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14433

رواية الحديث بالمعنى [السُّؤَالُ] ـ[أحيانا أنصح الآخرين عندما أراهم على خطأ وأبين لهم الأدلة من أحاديث الرسول ﷺ الصحيحة، ولكن أحيانا أنسى الأحاديث وأذكرها بصيغة مقاربة للصيغة الأصلية أو ذكر جزء من الحديث أو ذكر معناه دون التعرض للمعنى الأصلي، فهل هذا جائز أو يدخل في باب الكذب على رسول الله ﷺ ؟ فأنا أحيانا أتراجع عن النصح خوفا من الوقوع في الخطأ، وأن أضل نفسي وغيري والعياذ بالله من الضلال، وبماذا تنصحوني في مثل هذه الحالة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: قيام الإنسان بالدعوة إلى الله هذا من أجل الأعمال وأسماها عنده ، كيف لا، وهي وظيفة من اصطفاهم الله من خلقه من الأنبياء والرسل، ومن ورث منهجهم من العلماء والدعاة، قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) يوسف /١٠٨. وقد امتدح الله سبحانه من سلك تلك الطريق بقوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فصلت /٣٣. لكن يشترط فيمن تصدَّر لدعوة الناس إلى شيء من أمر الدين أن يكون على بصيرة فيما يدعو إليه، ولا يشترط أن يكون عالما بالدين كله؛ لما روى البخاري (٣٤٦١) عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً) . قال الحافظ ابن حجر ﵀ في "فتح الباري": " وقال في الحديث: (ولو آية) ، أي: واحدة، ليسارع كل سامع إلى تبليغ ما وقع له من الآي، ولو قَلَّ، ليتصل بذلك نقل جميع ما جاء به ﷺ " انتهى. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " إذا كان الإنسان على بصيرة فيما يدعو إليه فلا فرق بين أن يكون عالماً كبيراً يشار إليه، أو طالب علم مُجِدٍّ في طلبه، أو عامياً لكنه علم المسألة علماً يقيناً.. فإن الرسول ﷺ يقول: (بلغوا عني ولو آية) ولا يشترط في الداعية أن يبلغ مبلغاً كبيراً في العلم، لكنه يشترط أن يكون عالماً بما يدعو إليه، أما أن يقوم عن جهل ويدعو بناء على عاطفة عنده فإن هذا لا يجوز " انتهى. "فتاوى علماء البلد الحرام" ص ٣٢٩. ثانياً: يجوز للإنسان أن يروى الحديث بمعناه عند جمهور أهل العلم، لمن كان عارفاً باللغة، ويأمن من اللحن وتغيير المعنى الذي به يتغير الحكم، وأن لا يكون ذلك التغيير في الألفاظ المتعبد بها كالأذكار والأدعية المأثورة. قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " رواية الحديث بالمعنى، معناه: نقله بلفظ غير لفظ المروي عنه. وهو يجوز بشروط ثلاثة: ١ - أن تكون مِنْ عارفٍ بمعناه: من حيث اللغة، ومن حيث مراد المروي عنه. ٢ - أن تدعو الضرورة إليها، بأن يكون الراوي ناسياً للفظ الحديث حافظاً لمعناه، فإن كان ذاكراً للفظه لم يجز تغييره، إلا أن تدعو الحاجة إلى إفهام المخاطب بلغته. ٣ - أن لا يكون اللفظ متعبداً به: كألفاظ الأذكار ونحوها " انتهى. "مجموع فتاوى ابن عثيمين". فعلى هذا؛ لا بأس أن تروي الحديث بالمعنى إذا لم تكن حافظاً لفظه، شريطة أن لا يكون في كلامك تغيير للمعنى المقصود من الحديث. وأخيراً، نشكر لك اهتمامك بنصح إخوانك المسلمين، ونبشرك إذا أخلصت النية لله تعالى بالثواب الجزيل. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14434

داعية يسأل عن كتب في موضوع التكفير والحاكمية والاستغاثة بالنبي [السُّؤَالُ] ـ[أنا أقوم بالدعوة، وترد عليَّ أسئلة متعلقة بمسألة التكفير والخروج على الحكام، وكذلك الاستشفاع بالنبي ﷺ ، وطلب منه الغوث، فهل يمكن أن تدلني على مراجع فيها الجواب عن مثل هذه الإشكالات، أو الإجابة عليها.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نسأل الله تعالى أن يوفق مسعاكَ، وأن ييسر أمرك، وأن يزيدك علماً وهدى وتوفيقاً. وبخصوص المسألة الأولى: فهذا ما ننصحك به من كتب: ١. " نواقض الإيمان القولية والعملية " الدكتور عبد العزيز عبد اللطيف. ٢. " نواقض الإيمان الاعتقادية " الدكتور محمد بن عبد الله الوهيبي. ٣. " ضوابط التكفير " الدكتور عبد الله القرني. ٤. " الحكم بغير ما أنزل الله، أحواله، وأحكامه " الدكتور عبد الرحمن المحمود. ٥. " وجوب تحكيم شرع الله " الشيخ عبد العزيز بن باز. ٦. " ظاهرة الغلو والتكفير، الأصول، والأسباب، والعلاج " الدكتور ناصر عبد الكريم العقل. ٧. " الغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرين " عبد الرحمن بن معلا اللويحق. وأما بخصوص المسألة الثانية: فإليك ما ننصحك به من كتب: ١. " الواسطة بين الحق والخلق " شيخ الإسلام ابن تيمية. ٢. " قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة " شيخ الإسلام ابن تيمية. ٣. غاية الأماني في الرد على النبهاني، للألوسي. ٠٤" التوسل أنواعه وأحكامه " الشيخ الألباني. ٠٤ " الرد على شبهات المستعينين بغير الله " أحمد بن إبراهيم بن عيسى. ٥. " فتح المجيد شرح كتاب التوحيد " عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ. ٦. " تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد " سليمان بن عبد الله آل الشيخ. ٧. " الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد " الشيخ صالح الفوزان. وكتب الفتاوى المشهورة للمشايخ الأجلاء: محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن إبراهيم، وعبد العزيز بن باز، ومحمد بن صالح العثيمين، وكذا " فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، و " فتاوى اللجنة الدائمة "، فقد احتوت هذه الكتب على الكثير من الفوائد لكل المسائل الواردة في السؤال. والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14435

تشغيل القرآن في غرفة الشات الصوتي التي بها الأغاني [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم تشغيل القرآن في الشاتات الصوتية التي فيها أغاني وفتح كاميرات؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا العمل غير مشروع، وقد يكون سبباً في النفور من القرآن وعدم احترامه، والرغبة في توقف القراءة، هذا مع الانشغال عنه، وعدم الإصغاء له، وربما صاحب ذلك فعل المنكرات أيضا. وعلى من أراد النصيحة أن يدخل ويبين الحكم الشرعي في الأغاني والصور، ولا يكتفي بقراءة القرآن أو تشغيل المسجل. قال النووي ﵀ في "التبيان في آداب حملة القرآن" ص (٩٢) : " ومما يعتنى به ويتأكد الأمر به احترام القرآن من أمور قد يتساهل فيها بعض الغافلين القارئين مجتمعين. فمن ذلك: اجتناب الضحك واللغط والحديث في خلال القراءة إلا كلاما يضطر إليه، وليمتثل قول الله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) ... ومن ذلك: العبث باليد وغيرها، فإنه يناجي ربه ، فلا يعبث بين يديه. ومن ذلك: النظر إلى ما يلهي ويبدد الذهن. وأقبح من هذا كله: النظر إلى ما لا يجوز النظر إليه كالأمرد وغيره ... وعلى الحاضرين مجلس القراءة إذا رأوا شيئا من هذه المنكرات المذكورة أو غيرها أن ينهوا عنه حسب الإمكان باليد لمن قدر، وباللسان لمن عجز عن اليد وقدر على اللسان، وإلا فلينكر بقلبه والله أعلم " انتهى. وذكر البهوتي ﵀ في "كشاف القناع" (١/٤٣٣) عن ابن عقيل ﵀ أنه قال بتحريم القراءة في الأسواق يصيح أهلها فيها بالنداء والبيع، ونقل عنه أنه قال: " قال حنبل: كثير من أقوال وأفعال يخرج مخرج الطاعات عند العامة , وهي مآثم عند العلماء , مثل القراءة في الأسواق , يصيح فيها أهل الأسواق بالنداء والبيع، ولا أهل السوق يمكنهم الاستماع، وذلك امتهان " انتهى. وقد وُجه للجنة الدائمة للإفتاء سؤال هذا نصه: " يتوفر للمستشفى التخصصي وسائل اتصالات داخلية جيدة تسمح للمخاطب بمقاطعة المكالمة القادمة والانتقال إلى مكالمة أخرى مدة تطول أو تقصر حسبما تدعو الحاجة ثم العودة إلى المكالمة الموقوفة، وخلال فترة الانقطاع المذكورة يمكن للمتكلم أن يستمع إلى مادة مسجلة مناسبة، ولقد رغبنا أن نملأ فترة الانقطاع هذه بمادة دينية، سواء مقاطع من القرآن الكريم أو من الأحاديث الشريفة. وحيث إنه قد يتخلل الانقطاعات أمور دنيوية يدخل فيها الجد والهزل حسب مكانة وظرف المتحدثين فقد رأينا الاستئناس برأي سماحتكم قبل إدخال مثل هذه المواد الدينية. فأجابت: " أولا: لا يجوز قطع المكالمة أو وقفها؛ لما في ذلك من الأذى، إلا لمقتض يدعو إلى ذلك، كإساءة المتكلم إساءة لا تزول إلا بقطعها أو طروء أمر ضروري أو أصلح يدعو إلى وقفها أو قطعها. ثانيا: القرآن الكريم: كلام الله تعالى، فيجب احترامه وصيانته عما لا يليق به من خلطه بهزل أو مزاح يسبق تلاوته أو يتبعها، ومن اتخاذه تسلية أو ملء فراغ مثل ما ذكرت، بل ينبغي القصد إلى تلاوته قصدا أوليا؛ عبادة لله وتقربا إليه، مع تدبر معانيه والاعتبار بمواعظه، لا لمجرد التسلية والتفكه وملء الفراغ، وكذلك أحاديث النبي ﷺ لا يجوز خلطها بالهزل والدعابات، بل تجب العناية بها، وصيانتها عما لا يليق، والقصد إليها لفهم أحكام الشرع منها والعمل بمقتضاها " انتهى. عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... عبد الرزاق عفيفي......عبد الله بن غديان ... عبد الله بن قعود " انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (٤/٨٤) . ولاشك أن ما يجري في الشاتات الصوتية أعظم بكثير مما ورد في سؤال اللجنة، ولهذا نقول: يجب صيانة القرآن عن هذه المواطن، فإن القرآن أعظم من أن يوضع بإزاء الأغاني، وأن يتلى على أسماع اللاهين الغافلين، فضلا عن العاكفين على شيء من المحرمات. ولا ننصح بالدخول على هذه المواقع والبرامج، إلا للداعية المتزود بالعلم والبصيرة التي تدفع الشبهات، والمتحصن بالإيمان القوي الذي يحجز عن الشهوات. ولينشغل الإنسان بما ينفعه، وليستفد من المواقع الصالحة النقية، فإن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة، وقد يدخل الداخل لغرض النصح، فما يلبث أن يصبح أحد المفتونين، نسأل الله العافية. وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14436

هل الإشراف على المنتدى أفضل أم قراءة القرآن وفعل الطاعات ؟ [السُّؤَالُ] ـ[نحن مشرفات بمنتدى نسائي ولكن يدخله الرجال بحدود ولأقسام معينة ونجلس بحكم هذا العمل الإشرافي الساعات الطوال نحذف ونعدل ونرتب المواضيع والمنتدى توجهه ولله الحمد إسلامي وهدفه سليم، ولكن هل هذا الوقت الذي نقضيه من الدعوة إلى الله؟ وهل الجلوس لقراءة القرآن أو فعل الطاعات أفضل من هذا الإشراف؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الدعوة إلى الله تعالى من أجل الأعمال الصالحة، والقربات النافعة، والطاعات المتعدّية لنفع الآخرين، ولهذا كان القائم عليها والمنشغل بها سائرا على سبيل الأنبياء والمرسلين، كما قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) يوسف/١٠٨، وقال سبحانه: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فصلت/٣٣. وقد جاء في الترغيب في القيام بأمر الدعوة نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، منها قوله ﷺ : (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) رواه مسلم (٢٦٧٤) . وقوله ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ) رواه الترمذي (٢٦٨٥) وصححه الألباني في صحيح الترمذي. والدعوة إلى الله لها وسائلها المتنوعة، وطرقها الكثيرة، كالكلام المباشر، في الخطب والمواعظ والمحاضرات، وعبر الأشرطة، والكتابة عبر الرسائل، والنشرات، وفي المنتديات. ومن ذلك: إنشاء المنتديات النافعة، والإشراف عليها، وتوجيه أهلها، والتعليق على ما مقالاتهم ومشاركاتهم، فكل ذلك من وسائل الدعوة إلى الله تعالى، وتعليم الناس الخير. بل هذه المنتديات أصبحت وسيلة رائدة في التوجيه، والإصلاح، والدعوة والاحتساب، وللقائمين عليها أجر عظيم على قدر نياتهم وأعمالهم، وبذلهم وعطائهم. وعليه؛ فينبغي أن تحتسبي الوقت الذي تقضينه في متابعة هذه المشاركات والتعليق عليها وتوجيه أصحابها، لكن مع الحذر من أن يشغلك هذا عما هو أهم وأنفع، كالقيام بمسئولية الزوج والأولاد، وتحصيل العلم الشرعي، والمحافظة على قراءة القرآن والأوراد، فإن بعض الناس ينشغل بمتابعة المنتديات عن أعمال أهم، وقربات أعظم، والفقه هو معرفة الأولويات، وتقديم الأهم على المهم. وما أجمل أن يضرب الإنسان في كل غنيمة بسهم، فيكون له حظ من هذا ومن هذا، يهتم بما ينفع نفسه وما ينفع غيره، يسعى في الارتقاء بنفسه علما وعملا، ويبذل من وقته في نفع الآخرين ودعوتهم وإصلاحهم، فلا يشغله حق عن حق، ولا يصرفه خير عن خير، وبهذا يجعل الله لكلامه تأثيرا، ولنصحه فائدة، لأنه قرن القول بالعمل، وكان شعاره: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) هود/٨٨. والنفس تحتاج إلى فقه في التعامل معها، فيغتنم الإنسان فترة إقبالها وحضورها، فتارة يكون ذلك بقراءة القرآن، والإكثار من النوافل، وتارة بحضور مجالس العلم ومطالعة كتبه، وتارة بدخول المنتدى والإشراف عليه، فأفضل العبادة ما صادف حضور النفس وإقبالها وانشراحها، ووافق وقت الحاجة إليها. ولابن القيم ﵀ كلام نافع جدا في المفاضلة بين العبادات، نورد شيئا منه، فمن ذلك قوله ﵀: " وكذلك حال القلب، فكل حال كان أقرب إلى المقصود الذي خلق له فهو أشرف مما دونه، وكذلك الأعمال، فكل عمل كان أقرب إلى تحصيل هذا المقصود كان أفضل من غيره، ولهذا كانت الصلاة والجهاد من أفضل الأعمال وأفضلها لقرب إفضائها إلى المقصود، وهكذا يجب أن يكون، فإنه كلما كان الشيء أقرب إلى الغاية كان أفضل من البعيد عنها، فالعمل المعد للقلب المهيئ له لمعرفة الله وأسمائه وصفاته ومحبته وخوفه ورجائه أفضل مما ليس كذلك. وإذا اشتركت عدة أعمال في هذا الإفضاء فأفضلها أقربها إلى هذا المفضى، ولهذا اشتركت الطاعات في هذا الإفضاء فكانت مطلوبة لله، واشتركت المعاصي في حجب القلب وقطعه عن هذه الغاية فكانت منهيا عنها، وتأثير الطاعات والمعاصي بحسب درجاتها. وها هنا أمر ينبغي التفطن له وهو أنه قد يكون العمل المعين أفضل منه في حق غيره. فالغنى الذي بلغ له مال كثير ونفسه لا تسمح ببذل شيء منه فصدقته وإيثاره أفضل له من قيام الليل وصيام النهار نافلة. والشجاع الشديد الذى يهاب العدو سطوته، وقوفه في الصف ساعة وجهاده أعداء الله أفضل من الحج والصوم والصدقة والتطوع. والعالم الذى قد عرف السنة والحلال والحرام وطرق الخير والشر، مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح " انتهى من "عدة الصابرين" ص (٩٣) . وقال أيضا: " إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن. والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا: القيام بحقه والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل. والأفضل في أوقات السحر: الاشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء والذكر والاستغفار. والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل: الإقبال على تعليمه والاشتغال به. والأفضل في أوقات الأذان: ترك ما هو فيه من ورده والاشتغال بإجابة المؤذن. والأفضل في أوقات الصلوات الخمس: الجد والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه والمبادرة إليها في أول الوقت، والخروج إلى الجامع وإن بعُد كان أفضل. والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أو البدن أو المال: الاشتغال بمساعدته وإغاثة لهفته وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك. والأفضل في وقت قراءة القرآن: جمعية القلب والهمة على تدبره وتفهمه حتى كأن الله تعالى يخاطبك به، فتجمع قلبك على فهمه وتدبره والعزم على تنفيذ أوامره أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من السلطان على ذلك. والأفضل في وقت الوقوف بعرفة: الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر دون الصوم المضعف عن ذلك. والأفضل في أيام عشر ذي الحجة: الإكثار من التعبد، لا سيما التكبير والتهليل والتحميد فهو أفضل من الجهاد غير المتعين. والأفضل في العشر الأخير من رمضان: لزوم المسجد فيه والخلوة والاعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم حتى إنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم وإقرائهم القرآن عند كثير من العلماء ... وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق، والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيد (وهم الذين غلب عليهم عبادة معينة، كقيام الليل أو قراءة القرآن أو الصيام) فمتى خرج أحدهم عن النوع الذي تعلق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنه قد نقص وترك عبادته فهو يعبد الله على وجه واحد، وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبع مرضاة الله تعالى أين كانت. فمدار تعبده عليها، فهو لا يزال متنقلا في منازل العبودية كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى، فهذا دأبه في السير حتى ينتهي سيره، فإن رأيت العلماء رأيته معهم، وإن رأيت العباد رأيته معهم، وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم، وإن رأيت المتصدقين المحسنين رأيته معهم، وإن رأيت أرباب الجمعية وعكوف القلب على الله رأيته معهم، فهذا هو العبد المطلق الذي لم تملكه الرسوم، ولم تقيده القيود، ولم يكن عمله على مراد نفسه وما فيه لذتها وراحتها من العبادات، بل هو على مراد ربه ولو كانت راحة نفسه ولذتها في سواه، فهذا هو المتحقق ب (إياك نعبد وإياك نستعين) حقا، القائم بهما صدقا " انتهى من "مدارج السالكين" (١/٨٨) . وخلاصة الجواب: أن الإشراف على هذا المنتدى هو من الدعوة إلى الله تعالى، فلا ينبغي تركه، ولكن ينبغي أن ينظّم المسلم وقته، فللدعوة إلى الله وقت، ولقراءة القرآن وقت، وللصلاة وقت، وللأهل والأسرة وقت، وهكذا، فيعطي كل ذي حق حقه نسأل الله تعالى لنا ولك التوفيق والسداد. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14437

المصلون في مسجده يفعلون بدعاً ومخالفات فكيف السبيل لنصحهم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا طالب أدرس في بلد أجنبي كافر، والمسلمون فيها أقلية، ومستضعفون , يوجد بالقرب منِّي مسجد، المصلون فيه يفتقدون الإمام , وهم يُسرُّون حينما أكون إماماً لهم , خاصة أني عربي، وأتقن اللغة العربية , وبعد كل فرض يقومون بالذكر الجماعي، ثم الدعاء الجماعي، وهذا مخالف لهدي الرسول ﷺ ، وهي بدعة , ولكن أخاف إذا نهيتهم عن ذلك أن ينفروا مني، ويغضبوا , ماذا أفعل في هذه الحالة؟ هل يجوز أن ألازمهم من أجل تأليف قلوبهم وتأملاً في إفادتهم، لقد أحسست أنهم يفتقرون للعلم الصحيح والسنَّة، وأرى أني أستطيع إفادتهم ببعض الأمور، عسى الله أن يفتح قلوبهم ويتقبلوا المنهج الصحيح في اتباع هدي النبي ﷺ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: قد أحسنتَ بسؤالك قبل أن تفعل ما يُمكن أن يؤثر سلباً على أولئك المصلين، بل ويرتد أثر ذلك عليك، في صلاتك خاصة، وعموم حياتك. ومن أعظم صفات الداعية إلى الله: العلم، والحكمة، وبهما يستطيع الداعية تحقيق ما يعجز عنه كثيرون ممن فقدوا نعمة العلم، أو سُلبت منهم الحكمة وحسن التصرف مع المخالفين. وليست الحكمة تعني التمييع، ولا التنازل عن شيء من الحق، بل هي سلوك طريق يصل بالمرضى من الجهلة والمبتدعة إلى بر العلم والسنَّة. والداعية الحكيم يعلم أن هؤلاء المصلين يرجعون في فتاواهم إلى أئمة وعلماء يثقون بدينهم وعلمهم، فكيف يريد منهم الانتقال عنهم إليه هكذا مباشرة، ودون مقدمات؟! . وليعلم الداعية إلى الله أن مفاجأة الناس بالسنَّة التي يجهلونها، والإنكار عليهم بما يفعلونه: قد يسبِّب بغضاً للسنَّة وأهلها من قبَلهم، وهو ما يصنع الحواجز بين الدعاة وبعض الناس في تعليمهم وتبيين السنَّة لهم، ولا يعني هذا ترك نصحهم، وإنما المراد التدرج في دعوتهم. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀ – في شرح كلام علي بن أبي طالب: " حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله " رواه البخاري -: قوله في أثر علي ﵁: " حدِّثوا النَّاس "، أي: كلِّموهم بالمواعظ وغير المواعظ. قوله: " بما يعرفون "، أي: بما يمكن أن يعرفوه، وتبلغه عقولهم؛ حتى لا يفتنوا، ولهذا جاء عن ابن مسعود ﵁، قال: " إنك لن تحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة " - رواه البخاري - ولهذا كان من الحكمة في الدعوة ألا تباغت الناس بما لا يمكنهم إدراكه، بل تدعوهم رويداً، رويداً، حتى تستقر عقولهم، وليس معنى " بما يعرفون "، أي: بما يعرفون من قبل؛ لأن الذي يعرفونه من قبل يكون التحديث به من تحصيل الحاصل. قوله: " أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟! " الاستفهام للإنكار، أي: أتريدون إذا حدثتم الناس بما لا يعرفون أن يكذب الله ورسوله، لأنك إذا قلت: قال الله، وقال رسوله: كذا وكذا، قالوا: هذا كذب، إذا كانت عقولهم لا تبلغه، وهم لا يكذِّبون الله ورسوله، ولكن يكذبونك، بحديث تنسبه إلى الله، ورسوله، فيكونون مكذِّبين لله ورسوله، لا مباشرة، ولكن بواسطة الناقل. فإن قيل: هل ندع الحديث بما لا تبلغه عقول الناس وإن كانوا محتاجين لذلك؟ . أجيب: لا ندعه، ولكن نحدثهم بطريقة تبلغه عقولهم، وذلك بأن ننقلهم رويداً، رويدا، حتى يتقبلوا هذا الحديث، ويطمئنوا إليه، ولا ندع ما لا تبلغه عقولهم، ونقول: هذا شيء مستنكر لا نتكلم به. ومثل ذلك: العمل بالسنَّة التي لا يعتادها الناس ويستنكرونها، فإننا نعمل بها، ولكن بعد أن نخبرهم بها، حتى تقبلها نفوسهم، ويطمئنوا إليها. ويستفاد من هذا الأثر: أهمية الحكمة في الدعوة إلى الله ، وأنه يجب على الداعية أن ينظر في عقول المدعوين، وينزِّل كلَّ إنسانٍ منزلته. " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (١٠ / ٧٧٤، ٧٧٥) . فعليك أن تسلك سبيل الحكمة في دعوة هؤلاء لترك الذِّكر الجماعي، وما يفعلونه من بدع أخرى، وما يتركونه من السنن، ونرى أن تفعل ما يلي: ١. المداومة على صلاة الجماعة بهم إماماً، وأن تتقرب لقلوبهم من خلال الإمامة، ولا تتركها لغيرك فيستولي على صلاتهم واعتقادهم. ٢. لا تشارك معهم في ذِكرهم، وبدعهم؛ مع التوكيد على ضرورة بقائك في مجلس الصلاة للإتيان بالذكر الشرعي وحدك. ٣. إعطاؤهم الدروس اليومية بجزء يسير من الوقت؛ ليكون طريقاً لقطع بدعتهم؛ وسبيلاً لدعوتهم وتعليمهم. ٤. التركيز على تعظيم السنَّة، وتعظيم اتباع الدليل، وذِكر نماذج من الصحابة والتابعين والأئمة الأعلام، وخاصة من ترى أنهم يعظمونهم ويحبونهم. ٥. ترك التعرض لبدعتهم مباشرة، وترك التعرض لأئمتهم وعلمائهم الذين يتبعون قولهم من المعاصرين. ٦. الاهتمام برؤسائهم وعقلائهم الذين لهم تأثير عليهم، وبذل الجهد معهم أكثر من غيرهم. ٧. تفقدهم بين الفينة والأخرى بالهدايا، كالكتب، والأشرطة، والمطويات، مع الاهتمام بإكرامهم بما يتيسر لك من الطعام والشراب. ٨. مشاركتهم في مناسباتهم المباحة، والتقرب إليهم بحسن الخلق. وهذا ليس لك وحدك، بل هو لكل داعية يريد النجاح في مجتمع تكثر فيه البدعة، ويقل فيه تعظيم السنَّة واتباعها. ولا تنس الاستعانة بالله تعالى في دعوتك، وأن تكون مخلصاً بها، تريد وجه الله تعالى، وأن تجعل نصب عينيك أن هؤلاء مرضى يحتاجون لدواء أنت تملكه، وهم لا يعرفون أنهم مرضى، فكيف ستوصل لهم الدواء بحكمة؟! . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14438

تدرس في مكان تنتشر فيه المنكرات بين الطالبات [السُّؤَالُ] ـ[أنا في حيرة من أمري وأريد منك المساعدة. أنا أدرس في دورة للتربية الخاصة في مركز من المراكز وعندما بدأت بالدراسة هناك رأيت العجب العجاب من البنات، اللباس ضيق وقصير وفتحات تصل إلى الأفخاذ ومن الأعلى قد ظهرت الأكتاف وقد خرجت الصدور بل حتى الظهور لم تسلم فقد خرجت هي أيضا وإذا رأيت إلى الحواجب فإنك لا تراها إلا منموصة أو مشقرة. ومديرة المركز لبست أيضا القصير ونمصت الحواجب لا أدري كيف أنكر عليهم وهم أعداد هائلة تصل إلى الأربعمائة , وعندما سألت إحدى الداعيات قالت لي: دعي المكان؟ فأنا أعرفهم وقد حاولت معهم للدعوة ولم يستجيبوا؟ حتى إنهم رفضوا أن أدعو العاملات إلى الإسلام فاتركي المكان. أنا الآن في قمة الحيرة ولا أعلم ما أفعل ولا أظن أن أهلي سيقبلون فكرة انسحابي كما أنني سأشعر بالفشل لأنني لم أدخل الكلية ولكن كان ذلك بإرادتي لأنه لا يوجد التخصص الذي أريد في منطقتنا وأظنه يحقق طموحي فأشعر أن الكل يعتقد أني فاشلة رغم أنني أحب طلب العلم كثيرا لكن لم تهيأ لي الفرص وعندما أترك هذه الدورة أشعر أن الكل سيتحقق لديه هذا المعنى.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نرى أن تستمري في دراستك، مع بذل النصيحة قدر الإمكان، والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، وذلك بالكلام مع زميلاتك، وبيان حكم النمص، ووجوب ستر العورة، وحدود ما يجوز كشفه وما لا يجوز، وقد لا يتيسر لك الكلام مع جميعهن، لكن اجتهدي قدر طاقتك، وافعلي ما بوسعك، واستعيني بالوسائل النافعة كالمطويات، أو الدلالة على موقع في الإنترنت، أو محاضرة نافعة. وينبغي أن تتعاوني مع المستقيمات من زميلاتك، لتهييء البيئة الدعوية الصالحة، والتأثير على من حولكن. وأما اليأس من التغيير، فهذا ليس من خلق الداعية، كما أنه مخالف للواقع، فكم من جامعات فيها من الاختلاط والشر ما هو أعظم مما ذكرت، وقد نجحت فيها الدعوة إلى الله تعالى، وآتت ثمارها، بفضل الله تعالى، ثم ببذل الأسباب من الدعاة الصالحين الصابرين. ونحن نرى جهود المفسدين وسعيهم لتخريب العقول والأفكار ومسخ الفطر، رغم وجودهم في مجتمع محافظ مخالف لهم، لكنهم لم ييأسوا ولم يحكموا على مشروعهم بالفشل قبل تجربته، وأهل الخير أولى منهم بالجد والاجتهاد والصبر والاحتساب، لأنهم يحملون الحق، وينشرون الخير، وهم أصحاب هدف أعلى ورسالةٍ أسمى، ثم هم ينطلقون من خلال البيئة المحافظة، التي تقف من ورائهم وتحيط بهم، فما على الداعية إلا أن يحرك النفوس، ويوقظ ما فيها من حب الله، وحب رسوله ﷺ ، ليرى أثر ذلك عاجلا غير آجل. نسأل الله لنا ولك التوفيق والعون والسداد. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14439

يغرونه بالمال ليترك الإسلام ويتنصر [السُّؤَالُ] ـ[أنا شاب مسلم أعمل في مجال الدعوة الإسلامية تم اعتقالي من قبل الحكومة عندنا بحجة أني أعمل لهم إزعاجاً، بسبب أن كل شهر يشهر إسلامه ما لا يقل عن ١٣ شاب أو فتاة، وخرجت من السجن، والآن أبي وأمي يعاملوني بمنتهى القسوة بدرجة لا يتحملها مخلوق أبدا وكل ما في الأمر أن أبي طردني من البيت، والآن أنا أسكن في مكان يعلم الله به، عرف بعض من الكهنة بذلك فأتوا بشقة لي لكي أسكن فيها لكنى رفضت، الآن يعرضون علي مبلغ من المال لكي أترك الإسلام وأعتنق المسيحية لكنى رفضت، لم يتركوني في حالي وأهلي لا يسألون فيَّ أبدا والضغوط عليَّ من كل مكان، أريد حلاً بالله عليكم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يقول الله تعالى: (ألم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت/٢-٣. ويقول تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) آل عمران/١٤٢. وعن أبي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ) رواه الترمذي (٢٤٥٠) وصححه الألباني في صحيح الترمذي. فلا بد من الابتلاء والاختبار، ولا بد من الصبر، ولا بد من بذل الثمن النفيس، لتنال أغلى سلعة (الجنة) . فعليك، بالصبر والاستعانة بالله، والتوكل عليه، واستمر في الدعوة إلى دين الحق، فهذا عمل الأنبياء ووظيفتهم، فيكفيك شرفاً أن تكون من أتباعهم (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) يوسف/١٠٨. ولو أغروك بمال الدنيا كله، فإنه لا يساوي شيئاً إذا ما قورن بالجنة (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى) النساء/٧٧. وقد أخبرنا النبي ﷺ عن أنعم أهل الأرض، وهو من أهل النار، أنه يؤتى به يوم القيامة فيغمس في النار غمسة واحدة، ثم يقال له: هل مَرَّ بك نعيم قط، فيقول: لا والله يا رب، ما أصابني نعيم قط. رواه مسلم (٢٨٠٧) . ولك أن تتصور حال أنعم أهل الأرض كيف يكون نعيمه! ومع ذلك فكل ذلك النعيم لا يعادل غمسة واحدة في النار، بل تلك الغمسة أنسته كل النعيم السابق، فكيف إذا كان عقابه الخلود في النار. نسأل الله العافية. فعليك بالصبر والثبات، وأعلنها أمام تلك الغواة (لو وضعتم الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك الإسلام أو الدعوة إلى الله ما تركته أبداً) وأكثر من سؤال الله تعالى الهداية والثبات. وعليك بإصلاح ما بينك وبين أهلك بالرفق واللين والحكمة والموعظة الحسنة. وفقك الله لكل خير وثبّتك على الحق وصرف عنك كل سوء. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14440

هل يجوز لهم التجسس على مشترك في الإنترنت لمعرفة إن كان فاسداً أم لا ؟ [السُّؤَالُ] ـ[شخص مشترك هو ومجموعة من الأشخاص في شبكة للانترنت وهو المسئول عن هذه الشبكة، وقد اتفقوا في البداية على عدم إساءة استخدام الانترنت. وقد وصل إليه من بعض المشتركين معه أن هناك شخصا يستخدم الانترنت فيما يغضب الله، والسؤال هو: هل يجوز له التجسس على جهاز هذا الشخص ليعلم مصداقية ما وصل إليه من أخبار؛ لأنه لو تبين ذلك فسينذره، فإن لم يرتدع فسيطرده من الشبكة، هل يجوز التجسس عليه مع العلم أن الاستخدام سيكون في حدود المطلوب فقط؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الأصل في المسلمين البراءة، ولا يجوز للمسلم أن يتتبع عورات الناس لكشفها وفضحها، وقد ورد الوعيد الشديد في التجسس على المسلمين، وتتبع عوراتهم. قالَ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا) الحجرات/ ١٢. وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا إِخْوَانًا) . رواه البخاري (٤٨٤٩) ومسلم (٢٥٦٣) . التجسس: البحث عن عيوب الناس وعوراتهم. التحسس: تتبع الأخبار، أو الاستماع لعورات الناس. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀ –: التجسس: طلب المعايب من الغير، أي: أن الإنسان ينظر، ويتصنت، ويتسمع، لعله يسمع شرًّا من أخيه، أو لعله ينظر سوءاً من أخيه، والذي ينبغي للإنسان أن يُعرض عن معايب الناس، وأن لا يحرص على الاطلاع عليها، ... . فلا ينبغي للإنسان أن يتجسس، بل يأخذ الناس على ظاهرهم، ما لم يكن هناك قرينة تدل على خلاف ذلك الظاهر. " تفسير سورة الحجرات " (ص ٥٠، ٥١) . فيا أخي الفاضل: لا ينبغي لك فتح باب الشك والريبة والاتهام، ولو فتحتَ الباب على غيرك: فسيصل الشر إليك، ولن تكون بمنأى عن أصحابك الذين تجسست معهم على صاحبك أن يتجسسوا عليك، ومنا أحد إلا وعنده ما يحب من الله أن يستره عليه، فلا تعرِّض نفسك للعقوبة، ولا تفتح على غيرك أبوابا من الشر فتُفتح عليك. عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ: لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ: تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ، وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ. رواه الترمذي (٢٠٣٢) . ويا أخي الفاضل: هب أنك وقعت قدراً على سوءٍ يفعله أخوك في السرِّ، أتدري ما يجب عليك؟ يجب عليك الستر عليه، وعدم فضحه. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ أَبِكَ جُنُونٌ قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ أَحْصَنْتَ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ. رواه البخاري (٦٤٣٠) ومسلم (١٦٩١) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: ويؤخذ من قضيته: أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحد كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز. وأن مَن اطلع على ذلك: يستر عليه بما ذكرنا، ولا يفضحه، ولا يرفعه إلى الإمام، كما قال ﷺ في هذه القصة (لو سترته بثوبك لكان خيراً لك) ، وبهذا جزم الشافعي ﵁، فقال: أُحبُّ لمَن أصاب ذنباً فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب، واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر. " فتح الباري " (١٢ / ١٢٤، ١٢٥) . وقد وعدك الله تعالى بالستر عليك في حال فعلت هذا. عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . رواه مسلم (٢٥٨٠) . فإن قويت القرائن حول شخص بعينه أنه يُفسد على الناس دينهم وأخلاقهم، كمن يستدرج النساء أو المردان للفاحشة، أو يُظهر للناس أنه من المستقيمين على الجادة، ويوقعهم في شر أعماله من الاحتيال على أموالهم وأعراضهم: فهنا يمكن لطائفة من أهل الخير والعلم أن تتبع هذا لتبرئه مما ينسب إليه، إن كان بريئا، أو لتستتيبه من فعله، فإن أصرَّ على سوء أفعاله: فلهم فضحه، والشكوى عليه لدى من يأخذ للناس حقهم، على أن تكون القرائن مبنية على أسس، وليست مجرد أوهام وخيالات واتهامات فارغة، ولذا اشترط العلماء أن يكون الإخبار عن ذلك من ثقة. قال الحافظ ابن حجر ﵀: ويستثنى من النهي عن التجسس: ما لو تعين طريقاً إلى إنقاذ نفس من الهلاك مثلا، كأن يخبر ثقةٌ بأنَّ فلانا خلا بشخص ليقتله ظلماً، أو بامرأة ليزني بها: فيشرع في هذه الصورة التجسس، والبحث عن ذلك، حذراً من فوات استدراكه. " فتح الباري " (١٠ / ٤٨٢) . قال الإمام النووي – ﵀: قال إمام الحرمين: ... وليس للآمر بالمعروف البحث والتنقير والتجسس واقتحام الدور بالظنون، بل إن عثَر على منكر غيَّره جهدَه. وقال أقضى القضاة الماوردي: ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يَظهر من المحرمات، فإن غلب على الظن استسرار قوم بها لأمارة وآثار ظهرت: فذلك ضربان: أحدهما: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها، مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلاً خلا برجل ليقتله أو بامرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذا الحال أن يتجسس، ويقدم على الكشف والبحث حذراً من فوات ما لا يستدرك، وكذا لو عرف ذلك غير المحتسب من المتطوعة: جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار. الضرب الثاني: ما قصر عن هذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه، ولا كشف الأستار عنه، فإن سمع أصوات الملاهي المنكرة من دار أنكرها خارج الدار: لم يهجم عليها بالدخول لأن المنكر ظاهر، وليس عليه أن يكشف عن الباطن. " شرح النووي " (٢ / ٢٦) . وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: التجسس لا يجوز، إلا إذا وُجدت قرائن تدل على وجود المنكر، قرائن قوية، ثم لا يجوز أن يتجسس كل واحد؛ لأن هؤلاء الذين على منكر لو خرج واحد منهم ووجد هذا الرجل ربما يقتله.. " انتهى مختصرا. " لقاءات الباب المفتوح " (٢٣٠ / السؤال ١٢) . ولمزيد من الفائدة: نرجو النظر في جوابي السؤالين: (١٣٣١٨) و (٢٦٩٦٤) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14441

حكم التعاون بين المسلمين، وأوجه ذلك، وكيف يتحقق ذلك التعاون [السُّؤَالُ] ـ[قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) ، فكيف يكون التعاون بين المسلمين في ظل هذه الآية؟ وكيف يمكن في غياب وجود عمل منظم لمن يرغب في العمل المنظم أن يعمل في ظل الظروف والفرص المتاحة له؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: خلق الله تعالى الإنسان ضعيفاً، وهو يحتاج ليستمر في حياته أن يتعاون مع غيره، وهذا واضح في أمور الدنيا، فالإنسان يحتاج لمن يزرع له، ولمن يحصد له، ويحتاج لمن يصنع الآلات، ولمن يسوق البضاعة، ولمن يشتري، وبالجملة: فلا تقوم حياة الناس إلا بتعاونهم فيما بينهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ التسعينية (١/٢٥١) ـ: " حياة بني آدم وعيشهم في الدنيا لا يتم إلا بمعاونة بعضهم لبعض في الأقوال، أخبارها وغير أخبارها، وفي الأعمال أيضا.. " اهـ. وأما في مسائل الدين والشرع: فالأمر كذلك، فلم يقم نبي من الأنبياء بالدعوة إلا واحتاج من يعينه على تحقيق التوحيد، ودحر الشرك، وفي الجهاد يظهر أثر ذلك جليّاً، وقل مثل ذلك في التعليم، ورعاية المساكين، والقيام على الأرامل والأيتام. قال الله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:١٤٦) وفي صحيح مسلم (٥٠) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ؛ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ... ) الحديث. والمسلمون يحتاج بعضهم بعضاً في شئونهم الدنيوية والدينية، ولذلك كان التعاون بين المسلمين أمراً جللاً، وقد أوجبه الله تعالى، وجعل به قيام دين الناس ودنياهم، وقد جاء وصف المسلمين – إن هم حققوا هذا التعاون – بأنهم بنيان مرصوص، وأنهم جسد واحد، وكل ذلك يؤكد على أن التعاون بينهم والتضامن والتكاتف أمر لا بدَّ منه، وهو يشمل جوانب كثيرة في حياة المسلمين يجمعها كلمتا " البر " و " التقوى "، كما قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) المائدة/ من الآية ٢، وهما كلمتان جامعتان لجميع خصال الخير، من الاعتقاد، والسلوك، والأحكام، وغيرها، كما قال الله تعالى – في بيان معنى " البر " -: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) البقرة/ ١٧٧. قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀: ومن المعلوم أنه لا يتم أمر العباد فيما بينهم , ولا تنتظم مصالحهم، ولا تجتمع كلمتهم , ولا يهابهم عدوهم , إلا بالتضامن الإسلامي، الذي حقيقته التعاون على البر والتقوى , والتكافل، والتعاطف، والتناصح , والتواصي بالحق , والصبر عليه , ولا شك أن هذا من أهم الواجبات الإسلامية , والفرائض اللازمة , وقد نصت الآيات القرآنية , والأحاديث النبوية , على أن التضامن الإسلامي بين المسلمين - أفراداً وجماعات , حكوماتٍ وشعوباً - من أهم المهمات , ومن الواجبات التي لا بد منها لصلاح الجميع , وإقامة دينهم وحل مشاكلهم , وتوحيد صفوفهم , وجمع كلمتهم ضد عدوهم المشترك، والنصوص الواردة في هذا الباب من الآيات والأحاديث كثيرة جدّاً , وهي وإن لم ترد بلفظ التضامن: فقد وردت بمعناه، وما يدل عليه عند أهل العلم , والأشياء بحقائقها ومعانيها، لا بألفاظها المجردة , فالتضامن معناه: التعاون والتكاتف , والتكافل، والتناصر، والتواصي , وما أدى هذا المعنى من الألفاظ , ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف , والنهي عن المنكر , والدعوة إلى الله سبحانه , وإرشاد الناس إلى أسباب السعادة والنجاة , وما فيه إصلاح أمر الدنيا والآخرة , ويدخل في ذلك تعليم الجاهل , وإغاثة الملهوف , ونصر المظلوم , ورد الظالم عن ظلمه , وإقامة الحدود , وحفظ الأمن , والأخذ على أيدي المفسدين المخربين , وحماية الطرق بين المسلمين داخلاً وخارجاً , وتوفير المواصلات البرية والبحرية والجوية , والاتصالات السلكية واللاسلكية بينهم , لتحقيق المصالح المشتركة الدينية والدنيوية , وتسهيل التعاون بين المسلمين في كل ما يحفظ الحق , ويقيم العدل , وينشر الأمن والسلام في كل مكان. ويدخل في لتضامن أيضاً: الإصلاح بن المسلمين , وحل النزاع المسلح بينهم , وقتال الطائفة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله , عملا بقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) الأنفال/ ١، وقوله سبحانه: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الحجرات/ ٩، ١٠. " فتاوى الشيخ ابن باز " (٢ / ١٩٢، ١٩٣) . وقال – ﵀: ومما ورد من الأحاديث الشريفة في التضامن الإسلامي، الذي هو التعاون على البر والتقوى: قول النبي ﷺ : (الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) أخرجه مسلم في صحيحه , وقوله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه) – متفق عليه -، وقوله ﷺ : (مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. هذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل دلالة ظاهرة على وجوب التضامن بين المسلمين , والتراحم والتعاطف , والتعاون على كل خير , وفي تشبيههم بالبناء الواحد , والجسد الواحد , ما يدل على أنهم بتضامنهم وتعاونهم وتراحمهم تجتمع كلمتهم , وينتظم صفهم , ويسلمون من شر عدوهم , وقد قال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران/ ١٠٤، وإمام الجميع في هذه الدعوة الخيرة وقدوتهم في هذا السبيل القيم , هو نبيهم وسيدهم وقائدهم الأعظم , نبينا محمد رسول الله ﷺ , فهو أول من دعا هذه الأمة إلى توحيد ربها , والاعتصام بحبله , وجمع كلمتها على الحق , والوقوف صفا واحدا في وجه عدوها المشترك , وفي تحقيق مصالحها وقضاياها العادلة , عملا بقوله تعالى خطابا له: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) النحل/ ١٢٥، وقوله : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) يوسف/ ١٠٨، وقد سار على نهجه القويم , صحابته الكرام , وأتباعهم بإحسان ﵃ وأرضاهم فنجحوا في ذلك غاية النجاح , وحقق الله لهم ما وعدهم به من عزة وكرامة ونصر. " فتاوى الشيخ ابن باز " (٢ / ٢٠٠، ٢٠١) . فتحصل من هذا كله: وجوب التعاون بين المسلمين على البر والتقوى، وعلى المسلمين أن يبذلوا من الوسائل ما يمكنهم من تحقيق هذه الأوجه من التعاون، من تأسيس جمعيات، أو هيئات، أو مراكز دعوية، أو حلقات قرآنية، وغير ذلك، مما يساهم في تجميع الجهود، وترتيبها، وعلى المسلمين أن يمدوا لهم يد العون، ويبذلوا من أوقاتهم وأموالهم ما يساهم في بناء صروح التعاون على البر والتقوى، ولا يعدم المسلم أن يجد شيئا يقدمه لإخوانه، ويعينهم على ما يحتاجونه لدينهم ودنياهم. ثانياً: يستطيع المسلم أن يخدم الإسلام، ويعمل لأجل إعلاء كلمة الله تعالى من غير أن ينتظم في حزب أو جماعة، وعلماؤنا وأئمتنا في هذا الزمن لهم خدمات جليلة للإسلام، ولا يكاد توجد بقعة في الأرض إلا ووصل لها من علمهم، ولم يكونوا في عمل منظَّم، ولا كانوا تبعاً لجماعات وأحزاب. وإذا أردت – أخي السائل – أن تخدم الإسلام وتعمل له: فقم بذلك بنفسك بما تستطيعه، من خطبة، أو درس، أو دعوة في القرى والمحافظات، أو توزيع كتب وأشرطة، أو ادعم ماليا من يقوم بتلك الأمور، ويمكنك التعاون مع الجماعات والجمعيات السنيَّة بما يخدم الإسلام. وأما الفرق والجماعات والأحزاب التي تتبنى اعتقاداً مخالفاً لاعتقاد السلف، أو منهجاً مضاداً لمنهج أهل السنة والجماعة: فلا خير فيهم، ولا ينبغي أن يتعاون معهم المسلم في شيء ينصر اعتقادهم ومنهجهم، وأما الجماعات التي تدعو إلى الإسلام، وعندها مخالفات شرعية: فهذه يتعاون معها المسلم فيما يتوافق مع الشرع. قال علماء اللجنة الدائمة: " كل فِرقة من هؤلاء فيها خطأ وصواب، فعليك بالتعاون معها فيما عندها من الصواب، واجتناب ما وقعت فيه من أخطاء، مع التناصح، والتعاون على البر والتقوى ". الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢ / ٢٣٧، ٢٣٨) . وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: هل تعتبر قيام جماعات إسلامية في البلدان الإسلامية لاحتضان الشباب وتربيتهم على الإسلام من إيجابيات هذا العصر؟ . فأجاب: وجود هذه الجماعات الإسلامية فيه خير للمسلمين، ولكن عليها أن تجتهد في إيضاح الحق مع دليله وأن لا تتنافر مع بعضها، وأن تجتهد بالتعاون فيما بينها، وأن تحب إحداهما الأخرى، وتنصح لها وتنشر محاسنها، وتحرص على ترك ما يشوش بينها وبين غيرها، ولا مانع أن تكون هناك جماعات إذا كانت تدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . " فتاوى الشيخ ابن باز " (٥ / ٢٧٢) . وأما في حال غياب العمل المنظم من أصله، أو غياب العمل الذي يغلب خيرُه شرَّه، وحيث لا يتمكن الإنسان من تعاون منظم مع غيره، فإن ذلك لا يمنع من أن يتعاون المرء مع نفر ممن حوله، يصطفيهم، ويلتقي معهم على التناصح والتذاكر في العلم النافع والعمل الصالح، ونشر الخير بين المسلمين، وهذا كله من أعظم مقاصد التعاون مع الجماعات الإسلامية، وعلى ذلك ينبغي أن يحمل الأمر بالتعاون على البر والتقوى، لا على خصوص الانضمام إلى جماعة من الجماعات، أو الانتماء إلى حزب من الأحزاب، فالأمر بالتعاون أعم من ذلك كله. فإن عدم الإنسان ذلك، ولا يكاد يعدمه ـ إن شاء الله ـ؛ فليكن بنفسه داعية إلى الخير، إماما في الهدى لمن حوله، وهكذا بدأت دعوات كثير من المصلحين والدعاة، وليلزم ذلك، ولو لم يجد من يعينه عليه؛ فمن الأنبياء من يأتي يوم القيامة، وليس معه أحد!! والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14442

هل يراعي ذوق الناس وعرفهم فيسبل المسلم ثوبه؟ وهل في البنطال إسبال ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم لبس السروال تحت الكعب في مجتمعاتنا الحاضرة من غير مخيلة؟ إذ أن رفعه فوق الكعب يفسد منظر الشخص، ويلفت انتباه الغير، أرجو ألا تروا في سؤالي مجادلة أو ازدراء، إنما هو استفسار جاد، وهذا الأمر يهمني كثيراً، خصوصا في مجال العمل.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: اعلم أخي السائل أن أحكام الشريعة المطهرة لم تأتِ لتجعل المسلم ذليلاً أو أضحوكة بين الناس، بل جاءت بما فيه الخير للناس جميعاً في دينهم ودنياهم، وتأمَّل في أحوال العالم تجد صدق هذا القول، فقد فشت مخالفات الأمم للإسلام في حياتهم الدنيوية كثيراً، وانظر – على سبيل المثال – آثار الاختلاط بين النساء والرجال على أحوال الأمم، وانظر آثار إباحة الخمور، وانظر آثار التبرج والسفور، وانظر آثار الحرية الزائفة على تلك الأمم، إنهم أكثر الأمم إصابة بالقلق، والاكتئاب، إنهم أكثر الأمم انتحاراً، إنهم أكثر الأمم ضرباً للزوجات وقتلاً لهنَّ، والأمثلة كثيرة جدّاً، وما نقوله موثق من إحصائيات أنفسهم، وليس هذا مجال تفصيل ذلك، وإنما هي إيماءة لما نريد إيصاله لك ولغيرك من القراء الذين قد يوسوس لهم الشيطان بقبح القيام ببعض الشعائر الثابتة في الإسلام، ولا نراك – إن شاء الله – من أولئك، ولكن لا يمنع هذا من التنبيه عليه، والإشارة إليه. ثانياً: واعلم أخي الفاضل أنه لا ينبغي للمسلم مراعاة الناس وأعرافهم إذا تعلَّق الأمر بواجب أمره الله تعالى به، أو بمحرَّم نهاه الله تعالى عن فعله. نعم، يمكن للمسلم مراعاة أحوال الناس وأعرافهم في باب المستحبات، والمباحات، والمكروهات، أما باب الواجبات والمحرمات: فلا يجوز له البتة التنازل عنهما من أجل الناس. ويستدل بعض الناس خطأ بحديث عائشة في ترك النبي ﷺ لهدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم ﵇، فيجعلونه دليلاً على التنازل عن الواجبات، وهو خطأ ظاهر، ولو كان هذا واجباً عليه ﷺ ما تركه من أجل تأليف قلوب الناس، بل كان جائزاً، وإليك الحديث كاملاً، وكلام أهل العلم حوله. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لهَا: يَا عَائِشَةُ لوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِليَّةٍ لأَمَرْتُ بِالبَيْتِ فَهُدِمَ فَأَدْخَلتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلزَقْتُهُ بِالأَرْضِ وَجَعَلتُ لهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ. رواه البخاري (١٥٠٩) ومسلم (١٣٣٣) . وفي لفظ عندهما: (فأخافُ أنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهم) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: ومعلوم أن الكعبة أفضل وقف على وجه الأرض، ولو كان تغييرها وإبدالها بما وصفه واجباً: لم يتركه، فعُلم أنه كان جائزاً، وأنه كان أصلح، لولا ما ذكره من حدثان عهد قريش بالإسلام، وهذا فيه تبديل بنائها ببناء آخر، فعُلم أن هذا جائز في الجملة، وتبديل التأليف بتأليف آخر هو أحد أنواع الإبدال. " مجموع الفتاوى " (٣١ / ٢٤٤) . وقال – ﵀: فترك الأفضل عنده لئلا ينفر الناس، وكذلك لو كان رجل يرى الجهر بالبسملة فأم بقوم لا يستحبونه أو بالعكس ووافقهم: كان قد أحسن. " مجموع الفتاوى " (٢٢ / ٢٦٨، ٢٦٩) . وقال – ﵀: وقد ينتقل – أي: النبي ﷺ عن الأفضل إلى المفضول؛ لما فيه من الموافقة، وائتلاف القلوب، كما قال لعائشة (لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة ولجعلت لها بابين) ، فهنا تركَ ما هو الأولى؛ لأجل الموافقة، والتأليف الذي هو الأدنى من هذا الأولى. " مجموع الفتاوى " (٢٦ / ٩١) . ثالثاً: وبخصوص إسبال الثياب عموماً، والسروال خصوصاً: ينبغي التنبيه على أمور: ١. إسبال الثياب حتى تلامس الكعبين من كبائر الذنوب، وليس تحريم الإسبال مقيَّداً بالكِبْر، بل هو محرَّم لذاته، وهو نفسه من الكِبْر، فإذا أضيف إليه كِبْر قلبي: كان الإثم أكبر. قال الحافظ ابن حجر – ﵀: قال ابن العربي ﵀: لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول " لا أجره خيلاء "؛ لأن النهي قد تناوله لفظا، ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكماً أن يقول " لا أمتثله؛ لأن تلك العلة ليست فيَّ ": فإنها دعوى غير مسلَّمة، بل إطالته ذيله دالة على تكبره ا. هـ ملخصاً. وحاصله: أن الإسبال يستلزم جرَّ الثوب، وجرُّ الثوب يستلزم الخيلاء، ولو لم يقصد اللابس الخيلاء، ويؤيده: ما أخرجه أحمد بن منيع من وجه آخر عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه: (وإياك وجر الإزار؛ فإن جر الإزار من المَخِيلة) . " فتح الباري " (١٠ / ٢٦٤) . وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (وإياك والإسبال فإنه من المَخِيلة) ، فجعل الإسبال كلَّه من المَخِيلة؛ لأنه في الغالب لا يكون إلا كذلك، ومَن لم يسبل للخيلاء: فعمله وسيلة لذلك، والوسائل لها حكم الغايات. " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٦ / ٣٨٣) . وينظر في ذل جواب السؤال رقم (٧٦٢) ففيه بيان أدلة تحريم الإسبال. ٢. لا يحل لأحدٍ أن يقسِّم الدين إلى لبٍّ وقشور، ويجعل هؤلاء المقسِّمون إسبال الإزار وحلق اللحية من القشور! وهذا خطأ وسببه الجهل بحكم الشرع، وهذا الفعلان من كبائر الذنوب، فانظر لتهوين هؤلاء المقسمين من ارتكاب الكبائر بقولهم السوء ذاك. وانظر الرد عليهم في جواب السؤال رقم (١٢٨٠٨) . ٣. الإسبال ليس فقط في الثوب، بل في الإزار والسراويل والبناطيل والعباءات، وكل ما يلبسه المسلم من ثياب. ٤. وننبه إلى أن الذي يُلبس إلى نصف الساق هو الإزار، أما الثوب والبنطال فلا يُلبسان كذلك، بل يُلبسان فوق الكعبين، ولا يحل أن يلمسا الكعبين. وقد بيَّنا هاتين المسألتين (٤ و ٥) في جواب السؤال رقم: (١٠٥٣٤) فلينظر. ٥. لا يحل لبس البنطال – وهو المقصود فيما ظهر لنا من قول السائل " السروال " إذا كان ضيقاً يصف العورة. ولينظر جواب السؤال رقم: (٦٩٧٨٩) . وأخيراً: ٧. إسبال البنطال من كبائر الذنوب، وعليه: فلا اعتبار لذوق الناس ورأيهم في تقصيره وفقاً للسنَّة النبويَّة، كما بينَّا في أول الجواب، ونعجب – حقيقة – ممن ينظر لهذا التقصير على أنه مفسد لمنظر المسلم، ولا يرى تقصير ثياب النساء إلى نصف الفخذ كذلك، ولا يرى البناطيل الضيقة المقززة التي يلبسها بعض الشباب كذلك، ولا يرى البناطيل الساحلة! التي خرج بها علينا بعض الشباب كذلك، ولا يرى قصات الشباب والشابات التي تشبهوا بها بالحيوانات كذلك – قصة الأسد، وعُرف الديك، والبطة، والفأر -. وعلى الأخ الذي يلتزم تقصير الثوب أن لا يبالغ في ذلك، فحكم إسبال الثياب محرَّم، وليس فيه مجال مراعاة للناس، أما المبالغة في التقصير فهي التي فيها المجال، وعلى الإخوة الذين يلتزمون هذا الهدي أن لا يعرِّضوا أنفسهم للسخرية، وأن لا يفتحوا مع الناس هذه المسألة على حساب غيرها، وأن لا يجعلوا بينهم وبين الناس حاجزاً بمثل هذه الأفعال التي وسَّعت فيها الشريعة، ويمكنهم مراعاة أعراف بلدانهم، ولو أطال ثيابه إلى ما قبل الكعبين بقليل من أجل منع الناس من السخرية، ومن أجل عدم وضع حواجز بينه وبين الناس: لرُجي أن يؤجر أكثر من أجر تقصير ثيابه بأكثر مما فعل. فإسبال البنطال إلى ما تحت الكعبين من المحرمات التي لا يراعى فيها ذوق الناس وعرفهم، وليس للمكلف أن يخالف في هذا من أجل الناس، أما حد التقصير: فلو راعى المكلَّف عرف بلده، ونظرة الناس له: لكان أفضل له وأسلم. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: اللباس إلى نصف الساق سنَّة، وإلى ما تحت نصف الساق سنَّة، الممنوع: أن يكون أسفل من الكعبين، فإن الصحابة رضوان الله عليهم وهم أجلُّ قدراً ممن بعدهم، وأحب للخير لمن بعدهم: كانت ألبستهم تصل إلى الكعب، أو إلى ما فوقه يسيراً، كما قال أبو بكر ﵁ للنبي ﷺ : " يا رسول الله، إن أحد شقي إزاري يسترخي عليَّ إلا أن أتعهده "، وهذا يدل على أن إزاره ينزل عن نصف ساقه؛ لأنه لو كان إلى نصف ساقه واسترخى عليه حتى يصل إلى الأرض لزم من ذلك انكشاف عورته من فوق، وهذا هو المعروف بين الصحابة. فإذا رأيت مثلاً: أن الناس يكرهون اللبس إلى نصف الساق أو أعلى، وأنك لو لبست كما يلبس الناس في غير إسراف ولا مخيلة أدعى لقبول كلامك: الحمد لله، اترك هذا الذي تريد أن تفعله؛ تأليفاً للقلوب؛ وقبولاً للكلام، ولهذا أجد الناس الآن تلين قلوبهم للناصح إذا كان لباسه على العادة، لكنه ليس محرَّماً، أكثر مما تميل إلى الذين يرفعون لباسهم إلى نصف الساق أو أكثر، والإنسان قد يدع المستحب لحصول ما هو أفضل منه، هذا وأرى أنه إذا قال له والداه: أنزل ثوبك إلى أسفل من نصف الساق: أرى أنه يطيعهما في هذا الحال؛ لأنه كله سنَّة، والحمد لله، كلٌّ عمل به الصحابة ﵃. " لقاءات الباب المفتوح " (٨٣ / السؤال رقم ١٤) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14443

يُكرهها والدها على حضور مجالس فيها بدع فكيف تتصرف معه ؟ [السُّؤَالُ] ـ[يجبرني والدي أنا (١٩) وأخي (١٥) وأختي (١١) على الذهاب إلى مكان تمارس فيه البدعة، وإذا لم أذهب فإن والدي سيعلم بذلك، ويفوت الناس أحياناً في هذا المكان أداء الصلاة، ويقومون بالغناء، وقراءة أسماء الله التسع وتسعين مع بعضهم البعض، مع التأرجح للأمام والخلف (لم أعلم أبداً أن الصحابة قاموا بذلك!) مع إضافة بعض الإضافات فى نهاية سورة الفاتحة. أسلمتُ حديثا ولا أريد أن أضل كما يحدث للبعض، فأنا أريد أن أتمسك بسنَّة النبي ﷺ ، ومع ذلك فأنا أخشى إذا لم أذهب لهذا المكان أن أُطرد من المنزل لعصيانى والدي، وليس لدي مكان آخر أذهب إليه، ولكن أخبرني أحدهم أيضاً بالحديث القائل بأننا يجب أن نترك المكان الذي توجد به البدعة، ولا أعرف ماذا أفعل، فأنا أفضِّل أن أخبر والدي بأنني لن أذهب، وأطرد من المنزل؛ لأنني أخشى الله، ولكن ذلك سيكون قطعاً للرحم وهو من الكبائر! وإذا تركت المنزل فماذا عن أخي وأختي؟ وكيف أنقذهم من هذه البدعة؟ وأين أذهب؟ هل يجوز لى أن أترك المنزل وأعيش مع إحدى الأخوات أم أحتاج لمحرم؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: قراءة هذه الرسالة وإن كان المرء ليحزن لما فيها: إلا أنه يفرح لما يقرؤه من فطنة وذكاء وحسن اتباع من هذه الأخت الفاضلة، فهي مستاءة من وجود هذه البدعة، وتخاف أن تقع في معصية مخالفة والدها الذي يأمرها بالذهاب لمكان تلك البدعة، وهي – أيضاً – تفكِّر في الخروج من البيت إلا أنه يقلقها حال أخيها وأختها، وتخشى أن تكون مخالفة للشرع إن لم يكن معها محرَم، وهذا كله وهي مسلمة حديثاً، فنسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته أن يثبتها على الحق وإخوتها، وأن يهدي أهلها لاتباع السنَّة. ثانياً: نقول للأخت السائلة الفاضلة: ١. لا شك أن حضور تلك المجالس بما فيها من بدع ومعاصٍ يعدُّ أمراً مخالفاً للشرع، فلم يكتفِ أولئك المبتدعة ببدعهم من ذكر أسماء الله بالغناء والرقص، حتى أضافوا إليها معاصي بيِّنة وهي تفويت الصلاة عن وقتها، وهذا يدل على كذب زعمهم أنهم يتعبدون الله ويتقربون له، ولو كانوا صادقين لحرصوا على التقرب له بما شرع، ولما ضيعوا الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام العملية، وقد جاءت النصوص في القرآن والسنة تتوعد من أداها في غير وقتها، وتتوعد من ضيعها. ٢. من المعلوم شرعاً أن الذهاب لتلك المجالس البدعية فيه إثم كبير، ويترتب عليه مفاسد كثيرة، لكن قد يكون من المصلحة تأخير الامتناع من الذهاب؛ لما يترتب على هذا التأخير من جلب مصالح ودفع مفاسد كثيرة. ٣. ومن مصالح ذهابك الآن: الحفاظ على أختك وأخيك من أن لا يكون معهما من يوجههما ويبين لهما خطأ هذه الأفعال، ومن المصالح كذلك: أن لا يكون عدم الذهاب سبباً لطرد والدك لك من البيت، وهو الأمر الذي يترتب عليه مفاسد وشرور، لا يعلم مداها إلا الله، لا سيما في البلاد التي تعيشين فيها، بل والله وفي غيرها من البلاد، ومن (الذي يأمن على شاة لا راعي لها) في وسط الذئاب: ومن رعى غنماً في أرض مسبعة، ونام عنها تولى رَعْيَها الأسدُ. ٤. فنرى لك أن تبقي على الذهاب مع التقلل منه بقدر طاقتك واختراع الأسباب المقبولة – عند والدك – للتأخر عن الذهاب مع بذل الوسع والطاقة في إدخال أطراف من الناس العقلاء من أهل السنَّة لتوضيح الحق لوالدك، وتبيين الحق له. ٥. ومثلك لا نخشى عليه – إن شاء الله - من الاغترار بما يفعله أولئك المبتدعة الجهلة، ومع ذلك فإننا نوصيك بتقوية إيمانك بالطاعات، وبتقوية علمك بالقراءة والاطلاع على كتب أهل السنَّة؛ وهذا نافع لك، وسؤال أهل السنة الثقات عن كل ما يُشكِل عليك أمره، مع التنبيه على وجوب متابعة إخوتك بالنصح والتوجيه والإرشاد، وكذا انتقاء بعض من يحضر تلك المجالس من بنات جنسك لدعوتهم للحق والصواب. ٦. ونوصيك إن ذهبت هناك بالابتعاد عن تلك المجالس قدر الاستطاعة، وذلك بالجلوس مع النساء في غرف مستقلة بعيدة عن تلك البدع والانحرافات، وكوني – كلما قدرت – آخر الداخلين وأول الخارجين. ٧. ونوصيك بالجلوس مع والدك، والتفاهم معه على ما يأمرك به، وعلى قناعاته بأولئك المبتدعة، فأنتِ في سنٍّ يمكنك فعل ذلك معه، وعندك من الفهم ما يؤهلك لتكوني مقنعة له إن شاء الله. ٨. داومي على الدعاء لوالدك، وداومي على النصح له، وأكثري من حسن المعاملة له؛ فإن (الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه) كما قال النبي ﷺ . ونسأل الله أن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن يثبتك على الحق، وأن يهدي والدك للحق. والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14444

نصيحة بعد رمضان [السُّؤَالُ] ـ[ما هي النصيحة بعد رمضان؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يا ترى هل يبقى الصائم بعد رمضان على ما كان عليه في رمضان أم أنه يكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً؟ ويا ترى هل يبقى هذا الذي كان في رمضان صائماً وللقرآن تالياً وقارئاً وللصدقة معطياً وباذلاً ولليل قائماً وفيه داعياً هل يبقى على هذا بعد رمضان أم أنه يسلك الطريق الآخر أعني طريق الشيطان فيرتكب المعاصي والآثام وكل ما يغضب الرحيم الرحمن؟ إن بقاء المسلم ومصابرته على العمل الصالح بعد رمضان علامة قبول له عند ربه الكريم المنان، وإن تركه للعمل الصالح بعد رمضان وسلوكه مسالك الشيطان دليل على الذلة والهوان والخسّة والدناءة والخذلان وكما قال الحسن البصري: (هانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم) . وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد قال تعالى: (ومن يهن الله فما له من مكرم) الحج/١٨. إن ما يثير العجب أن تجد بعض الناس في رمضان من الصائمين القائمين والمنفقين والمستغفرين والمطيعين لرب العالمين، ثم ما أن ينتهي الشهر إلا وقد انتكست فطرته وساء خلقه مع ربه فتجده للصلاة تاركاً ولأعمال الخير قالياً ومجانباً وللمعاصي مرتكباً وفاعلاً، فيعصي الله جل وعلا بأنواع شتى من المعاصي والآثام مبتعداً عن طاعة الملك القدوس السلام. فبئس والله القوم الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان. ينبغي على المسلم أن يجعل رمضان صفحة جديدة للتوبة والإنابة والمداومة على الطاعة ومراقبة الله في كل وقت وساعة، إذاً فينبغي على المسلم بعد رمضان أن يداوم على الطاعات ويجتنب المعاصي والسيئات امتداداً لما كان عليه في رمضان من أمور تقربه إلى رب البريات. قال جل وعلا: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) هود/١١٤. ويقول النبي ﷺ : (وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن) ولا ريب أن الوظيفة التي من أجلها خلق الله الخلق لعبادته وحده لا شريك له هي الوظيفة الأسمى والغاية العظمى وهي أن نحقق عبودية الله وقد تحققت في رمضان بشكل جميل فرأينا الناس يسيرون إلى بيوت الله تعالى زرافات ووحداناً ورأيناهم يحرصون على أداء الفرائض في أوقاتها ويحرصون على الصدقات يتسابقون في الخيرات ويسارعون فيها وفي ذلك فلينتافس المتنافسون وهم مأجورون إن شاء الله تعالى ولكن تبقى قضية من يثبته الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فمن يثبته الله على الأعمال الصالحة بعد رمضان، فإن الله جل وعلا يقول: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور) فاطر/١٠، فلا ريب أن العمل الصالح من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى الله في كل زمان ثم إن رب رمضان هو رب جمادى وشعبان وذي الحجة وحرم وصفر وسائر الشهور وذلك لأن العبادة التي شرعها الله جل وعلا لنا متمثلة في أركان خمسة منها الصيام وهو مؤقت محدد وقد انتهى فتبقى أركان أخرى من حج وصلاة وزكاة نحن مسؤولون أمام الله جل وعلا عنها ولا بد أن نؤديها على الوجه الذي يرضي الله وأن نسعى لذلك لنحقق ما خلقنا من أجله قال الله جل وعلا: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الذاريات/٥٦، والنبي ﷺ أرشد أصحابه إلى التسابق في الخيرات والمسارعة فقال: (رب درهم سبق ديناراً وأفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى) وبيّن ﵊ أن المتصدق وهو شحيح صحيح يخشى الفقر ويخاف الفقر فإنه حينئذ تكون صدقته عند الله في ثقل الموازين وفي الأعمال الصالحة أما من يسوّف وإذا جاءه المرض قال قد كان لفلان وقد كان لفلان ولفلان كذا وكذا فإن هذا والعياذ بالله يخشى من أن يرد عليه عمله فيحبط قال الله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً) النساء/١٧-١٨. فعلى المؤمن التقي النقي أن يخشى الله ويحرص على طاعة الله تعالى ويلازم تقواه ويسعى دائماً وأبداً للخير والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمؤمن في هذه الحياة أيامه ولياليه خزائن فلينظر ماذا يودع فيها فإن أودع فيها خيراً شهد له يوم القيامة عند ربه وإن غير ذلك كانت وبالاً عليه نسأل الله أن ينجيني وإياكم من الخسران. ثم إن العلماء ﵏ قالوا: من علامات القبول أن الله يتبع الحسنة بعدها بالحسنة فالحسنة تقول أختي أختي، والسيئة تقول أختي أختي والعياذ بالله فإذا قبل الله من العبد رمضان واستفاد من هذه المدرسة واستقام على طاعة الله فإنه يكون في ركاب الذي استقاموا واستجابوا لله، يقول الله جل وعلا: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون) فصلت/٣٠-٣١، ويقول: (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) المائدة/٥٦، ويقول: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) الأحقاف/١٣، إذاً ركاب الاستقامة مستمر من شهر رمضان إلى شهر رمضان لأن النبي ﷺ يقول: (الصلاة إلى الصلاة ورمضان إلى رمضان والحج إلى الحج مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) ، ويقول الله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً) النساء/٣١. فالمؤمن ينبغي أن يكون في مركب الاستقامة وفي سفينة النجاة من أول ما يعقل حياته إلى أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، فيكون في ظلال لا إله إلا الله يسير ويتفيأ من نعم الله ، فإن هذا الدين هو الحق والذي منّ علينا بالاستقامة عليه في شهر رمضان هو الذي يكرمنا بفيض عطائه وفضل إنعامه وجزيل إكرامه حتى نستمر على القيام وعلى العبادة بعد شهر رمضان فلا تنس يا أخي وقد منّ الله عليك بالاعتكاف ومنّ الله عليك بالصدقة ومنّ الله عليك بالصيام ومنّ الله عليك بالدعاء وقبوله لا تنس يا أخي أن هذه الحسنات وأن هذا التوفيق أن ترعاها حق رعايتها فلا تمحها بالسيئات والأعمال الباطلة فاحرص على أن تزرع في طريقك الخير والسعادة وأن تسير في ركاب الاستقامة تريد الله ورسوله والدار الآخرة وحينئذ يقال لك أبشر بجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين وتكون قد أجبت منادي الله: يا باغي الخير أقبل فلله عتقاء من النار ويا باغي الشر أقصر وتكون استجبت أيضاً لقول النبي ﷺ : (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) . أسأل الله الذي منّ علينا وعليكم بالصيام والاعتكاف والعمرة والصدقات أن يمنّ علينا بالهدى والتقى وقبول العمل والاستمرار على الأعمال الصالحة والاستقامة فيها فإن الاستمرار على الأعمال الصالحة من أعظم القربات ولذلك جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أوصني قال: (قل آمنت بالله ثم استقم) ، متفق عليه. وفي رواية لأحمد قال: (قل آمنت بالله ثم استقم قال يارسول الله كل الناس يقول ذلك قال قد قالها قوم من قبلكم ثم لم يستقيموا) ، فينبغي على المؤمنين أن يستمروا على الاستقامة في طاعة الله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) إبراهيم/٢٧. فإن الذي يستقيم على طاعة الله هو الذي استجاب لدعائه الذي يردده في اليوم أكثر من خمس وعشرين مرة (اهدنا الصراط المستقيم) تلك التي نقولها في الفاتحة لماذا نقولها قولاً ونعتقد اعتقاداً جازماً أننا إذا استقمنا غفر الله لنا ولكننا نتكاسل عن تطبيق ذلك عملياً فينبغي أن نتقي الله وأن نطبق هذا عملاً واعتقاداً وقولاً وأن نسعى في ركاب اهدنا الصراط المستقيم وأن نكون في مدارج السالكين بين إياك نعبد وإياك نستعين في ظلال اهدنا الصراط المستقيم إلى جنات عرضها السموات والأرض مفتاحها لا إله إلا الله أسأل الله أن يختم لنا ولكم بخير. إن الناس بعد انقضاء شهر رمضان ينقسمون إلى أقسام أبرزها صنفان الأول: صنف تراه في رمضان مجتهداً في الطاعة فلا تقع عيناك عليه إلا ساجداً او قائماً أو تالياً للقرآن أو باكياً حتى ليكاد يذكرك ببعض عبّاد السلف، حتى إنك لتشفق عليه من شدة اجتهاده ونشاطه، وما أن ينقضي الشهر الفضيل حتى يعود إلى التفريط والمعاصي كأنه كان سجيناً بالطاعات فينكب على الشهوات والغفلات والهفوات يظن أنها تبدد همومه وغمومه متناسياً هذا المسكين أن المعاصي سبب الهلاك لأن الذنوب جراحات ورب جرح وقع في مقتل، فكم من معصية حرمت عبداً من كلمة لا إله إلا الله في سكرات الموت. فبعد أن عاش هذا شهراً كاملاً مع الإيمان والقرآن وسائر القربات يعود إلى الوراء منتكساً ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهؤلاء هم عبّاد المواسم لا يعرفون الله تعالى إلا في المواسم أو النقمة أو الضائقة ذهبت الطاعة مولية ألا فبئس هذا ديدنهم: صلى المصلي لأمر كان يطلبه فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صاما فيا ترى ما الفائدة إذن من عبادة شهر كامل إن أتبعتها بعودة إلى السلوك الشائن؟ الصنف القاني: قوم يتألمون على فراق رمضان لأنهم ذاقوا حلاوة العافية فهانت عليهم مرارة الصبر، لأنهم عرفوا حقيقة ذواتهم وضعفها وفقرها إلى مولاها وطاعته، لأنهم صاموا حقاً وقاموا شوقاً، فلوداع رمضان دموعهم تتدفق، وقلوبهم تشفق، فأسير الأوزار منهم يرجو أن يطلق ومن النار يعتق، وبركب المقبولين يلحق واسأل نفسك أخي من أي الصنفين أنت؟ وبالله هل يستويان الحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون، قال المفسرون في تفسير قوله تعالى: (قل كل يعمل على شاكلته) الإسراء/٨٤، كل إنسان يعمل على ما يشاكل (يماثل) أخلاقه التي ألفها، وهذا ذم للكافر ومدح للمؤمن. واعلم أخي أن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل، يقول الرسول ﷺ : (أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل وكان آل محمد ﷺ إذا عملوا عملاً ثبتوه) أي داوموا عليه، رواه مسلم. ولما سئل النبي ﷺ أن الأعمال أحب إلى الله، قال: (أدومه وإن قل) . وسئلت عائشة ﵂ كيف كان عمل رسول الله ﷺ هل كان يخص شيئاً من الأيام قالت: (لا، كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله ﷺ يستطيع، فالعبادات مشروعيتها شرائطها مثل ذكر الله تعالى، والحج والعمرة ونوافلهما، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلب العلم والجهاد وغير ذلك من الأعمال فاحرص على مداومة العبادة حسب وسعك. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم [الْمَصْدَرُ] مجلة الدعوة العدد ١٧٧٤، صفحة ١٢.

стр. 14445

هل يهجر أخته أو يضربها لعدم ارتدائها الحجاب ! [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز للأخ أن يقاطع أخته إن رفضت التقيد بالحجاب الشرعي؟ حتى ولو كان ذلك من باب الإجبار على ذلك. وهل يمكنه أن يلجأ للضرب في حال تعذر جميع الوسائل الإقناعية؟ مع العلم بموافقة الوالدين لها. ما أود توضيحه لكم أنها تغطي رأسها وترتدي بنطلونات واسعة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: ينبغي للأخ أن يكون عونا لأخته على طاعة الله تعالى، ومن ذلك نصحها وتوجيهها للبس الحجاب الذي أمر الله تعالى به، وأن يسلك في ذلك سبيل الحكمة، والموعظة والدعوة بالتي هي أحسن، وأن يدع الغلظة والشدة، فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحو/١٢٥، وقال سبحانه: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) آل عمران/١٥٩. وقال : (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) الإسراء/٥٣. وقال ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ) رواه مسلم (٢٥٩٣) . وقال ﷺ : (مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ) رواه مسلم (٢٥٩٢) . وهذا الرفق يتأكد في حق الداعية إذا كان خطابه موجها لأهله وأقاربه، لما لهم من الحق في الصلة والإحسان والبر. ثانيا: هجر أهل البدع والمعاصي مشروع، إذا غلب على الظن نفعه وتأثيره، كما هجر النبي ﷺ الثلاثة الذي خلفوا عنه في غزوة تبوك، حتى تاب الله عليهم. وقد يكون الهجر سببا في زيادة التمرد والعناد، وحائلا دون استمرار النصح والدعوة، فيمنع حينئذ. فالهجر بمنزلة الدواء، يستعمل عند الحاجة، إذا غلب على الظن نفعه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم؛ فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته: كان مشروعا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف، بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته: لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر. والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قوماً ويهجر آخرين " انتهى من "مجموع الفتاوى" (٢٨ / ٢٠٦) . وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: بعض الشباب -هدانا الله وإياهم- يتهاونون في الصلاة تهاوناً عظيماً, لدرجة تصل إلى تركها بالكلية, وهؤلاء الشباب قد يكونون أقارب لنا مثل: الإخوان وغير ذلك, وبعضهم أصدقاء, فكيف التعامل معهم في نظركم: هل نقاطعهم مقاطعة شرعية أم ماذا؟ فأجاب: "لا شك أن التهاون بالصلاة سبب الشقاء والبلاء؛ لأن الصلاة إذا صلحت صلحَت الأعمال, وإذا فسدت فسدت الأعمال, فهي للأعمال بمنزلة القلب, ولهذا عند الحساب يوم القيامة أول ما ينظر في الصلاة, إن كان قد أضاعها هو لما سواها أضيع, وإن كان قد حافظ عليها ينظر في بقية أعماله, والصلاة عمود الدين إذا سقطت سقط البناء, ولقد قال الله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) مريم/٥٩-٦٠. هؤلاء الذين يتهاونون في الصلاة من الآباء والأبناء والإخوان، والأعمام والعمات والخالات وغيرهم من الأقارب, أو من الأصحاب أو من الجيران, يجب علينا أن ننصحهم ونحذرهم ونبين لهم ما في الصلاة من الخير والأجر العظيم, والآثار الحميدة, وما في تركها وإضاعتها من الشر والبلاء, فإن اهتدوا فهذا المطلوب, وإن لم يهتدوا نظرنا: هل في هجرهم والبعد عنهم فائدة بحيث يخجلون فيستعتبون, أو هذا لا يزيد الأمر إلا شدة ونفوراً؟ إن كان الثاني فإننا لا نهجرهم, وإن كان الأول فإننا نهجرهم, أي: إذا هجرناهم خجلوا واستقاموا, فهنا نهجرهم حتى يستقيموا, وإن كان الهجر لا يفيد شيئاً بل لا يزيد الأمر إلا شدة وبعداً ونفوراً منا فلا نهجرهم, لأن الهجر دواء, والدواء متى يستعمل؟ يستعمل عند الحاجة وعند ظن النفع, إذا لم تظن النفع في الدواء فلا تستعمله " انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (٢٠٩/٥) . ثانيا: ليس لك اللجوء إلى ضرب أختك في حال إصرارها على ترك الحجاب، إذ لا سلطان لك عليها في ذلك، وحسبك النصح والبيان، والاستعانة بالوالدين، وتذكيرهم بما أوجب الله عليهم من المسئولية، والقيام على شئون الرعية، ما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم/٦. وقال النبي ﷺ : (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا) رواه البخاري (٨٩٣) ومسلم (١٨٢٩) . نسأل الله لأختك الهداية والتوفيق والسداد. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14446

نصيحة لداعية يريد هجر أهله الذين وقعوا في المعاصي [السُّؤَالُ] ـ[أخي قد بلغ من عمره ٢١ سنة، وقد بدأ يكرهنا، وخاصة أخاه الكبير؛ لمشاهدته التلفاز، ومخالفته لبعض أحكام الشريعة، عالما بحرمة بعضه دون بعض، ولعله سيهجرنا جميعاً، وقد يئس منا، بأننا لم نكن على الصراط السوي الذي يدعو إليه، ونبهته إلى ما قال الله ربنا جلَّ وعلا في محكم كلامه: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) وأمثاله، فإنه في كثير من كلامه يحدثنا بأنه يجب علينا أن نلتزم ونعتصم بحبله في كل مكان وزمان، ويقول إنه يريد أن يعيش العيشة التي عاشها النبي ﷺ وأصحابه. أفتوني، فإن أخي يريد أن ينعزل عنا جميعا، ليس أبد الآباد كما هو ظاهر كلامي، ولكنه عزم على أنه سيقوم بكل ما شرع الله بجد وقدر استطاعته.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا بدَّ من توجيه رسالة لكم أولاً، فنقول: إنه يجب عليكم أن تتقوا الله ربكم، وأن تتركوا ما تفعلونه مما يغضب الرب تعالى، من المعاصي والآثام، كما يجب عليكم الالتزام بكل ما أمركم الله تعالى به، ولا يسعكم غير هذا إن أردتم النجاة من العقوبة، وتحقيق الفوز برضا الرحمن . ووجود أخٍ لكم ينكر عليكم معاصيكم، ويطلب منكم الالتزام بشرع الله تعالى هو رحمة من الله بكم، فكم يوجد من أهل المعاصي والفجور ولا يجدون ناصحاً يدلهم على الحق، ولا واعظاً يأمرهم وينهاهم، فالواجب عليكم ترك المحرمات، وفعل الطاعات، وإكرام أخيكم الذي جعله الله رحمة لكم وبكم. ثانياً: ورسالتنا لأخيكم نرسلها له في نقاط: ١. اعلم أن الدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم، وهي على أهل العلم أوجب، وأول ما أوجب الله تعالى الدعوة على نبيه إنما أوجبها في حق أهله، فقال تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) الشعراء/٢١٤، فلذا يجب وضع هذا في اهتمامك، وجعله غاية عندك. ٢. واعلم أن الدعوة إلى الله تحتاج للصبر، والصبر هنا هو صبر على طاعة الله تعالى، وليس طريق الدعوة مليئاً بالورود والرياحين، بل يعاني الداعية مشقة وتعباً في توجيه الناس نحو طريق الخير، وفي سعيه لهدايتهم، وتأمل وصية لقمان لابنه حين قال: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) لقمان/١٧، فقد جاء بالأمر بالصبر بعد الأمر بالدعوة، حتى يهيئه لهذا الطريق، فلا ينبغي لك الضجر من دعوة أهلك، ولا الضجر من الاستمرار بها. ٣. ومما ينبغي لك معرفته: أن الدعوة إلى الله بحاجة لأسلوب يصل به الداعية لقلوب المدعوين، وليس العنف والهجر من الأساليب الناجعة في هذا، بل الرفق واللين هما المطلوبان في الدعوة عموماً، وبخاصة في دعوة الأهل، قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) آل عمران/١٥٩، فتأمل هذه الآية جيِّداً لتعلم أن انفضاض الناس عن الداعية إنما هو بسبب شدته وعنفه، وتأمل قول النبي ﷺ : (إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ) رواه مسلم (٢٥٩٤) . ٤. وعليك أن تكون حكيماً في دعوة أهلك، وتنوع طرق الوصول لقلوبهم، بالهدية، والخدمة، والتلطف في القول، كما عليك أن تنوع طرق النصيحة كتشغيل شريط، أو إحضار فيلم مؤثر، أو محاضرة منتقاة، أو استضافة بعض الدعاة الذين يحسنون مخاطبة الناس ودعوتهم، أو جعل غيرك ينصحهم ويوجههم، وهكذا يمكن أن يُكتب النجاح لدعوتك. ٥. وجود المعاصي من الأهل بل الكفر بل الدعوة للكفر لا يمنع من أن يحسن المسلم معاملتهم، ويبرهم، ويستمر معهم في الدعوة، قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) العنكبوت/٨، وهذا نبينا محمد ﷺ ظلَّ يدعو عمه أبا طالب مع بقائه على الشرك والكفر حتى الرمق الأخير، فأين المتبعون لسنته منه ﷺ في حرصه وهمه على المخالفين للشرع، حتى قال له ربه تعالى: (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) فاطر/٨، وقال له: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) الكهف/٦. ٦. لا ينبغي لك هجر أهلك، وتركهم فريسة للشيطان، بل عليك الصبر والتحمل. نعم، لك أن تهجر مكان المعصية فلا تجلس حيث يُشغَّل التلفاز بالمحرمات، لكن لا داعي لهجرهم أثناء الطعام أو الحديث أو زيارة الناس لكم، وإنما يُشرع الهجر حيث يمكن للداعية أن يتأثر ببيئة فاسدة تؤثر على دينه، أما هجر أهله لأنهم لم يستجيبوا له: فليس بمشروع، إلا أن ترى أن خروجك يمكن أن يكون مؤثراً عليهم بحيث يتركون سماع ومشاهدة المحرمات، لكن الأكمل هو بقاؤك وتلطفك معهم في الدعوة؛ حتى يكون تركهم للمحرمات وفعلهم للواجبات عن قناعة والتزام بشرع الله. ٧. ولا تنس أن تستعين بالدعاء لربك تعالى أن يهدي قلوب أهلك، ويوفقهم لاتباع الحق، وهكذا كان نبينا محمد ﷺ يفعل، فقد دعا لقبيلة " دوس "، ودعا لثقيف، بل أخبرنا عن بعض الأنبياء أنه كان يدعو لقومه وهم يؤذونه ويضربونه! . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن مَسْعُود ﵁: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. رواه البخاري (٣٢٩٠) ومسلم (١٧٩٢) . ونسأل الله تعالى أن يكتب لك الأجر، وأن يهديك لما يحب ويرضى، وأن يهدي أهلك لطريق الاستقامة، وأن يجمعكم في الدنيا على خير وهدى، وفي الآخرة في الفردوس الأعلى. والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14447

هل يهجر زميله في العمل الذي يفعل المحرمات ؟ [السُّؤَالُ] ـ[شيخنا الفاضل لدي زميل بالعمل (أجنبي الجنسية) تأذيت كثيراً من كلماته، وشتمه للغير، وحتى رقصات أنغام جواله التي طالما آذاني بها، وعندما حدثته بذلك قال: هذا ليس من شأنك، وأنا الآن قطعت العلاقة معه بسبب موقف بيننا، وإذا دخلت مكتبي أسلم بصوت عال، ولا يرد، وإذا دخل هو لا يسلم، فهل أنا ملزم بأن أمد يدي لمصافحته، علماً بأنني رأيت بعيني أنه لا يهتم، وسبق أن صافحه أحدهم وهو جالس ولم يكلف نفسه حتى بالوقوف بسبب زعل منه على ذاك الرجل، فهل الإسلام يجبرني على أن أصافحه وهو بهذه الأخلاق التي ذكرت؟ علماً أنه لا يتكلم مع أشخاص آخرين في العمل، وأنا لست أول من يفعل هذا معه. أرجو الإجابة لأني أحس بتأنيب ضمير، وأخاف من حديث " لا يرفع العمل بسبب الخصومة "، أو كما قال ﷺ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الهجر الذي يكون بين متخاصمين من المسلمين نوعان: الأول: هجر لحظِّ النفس، أو على أمرٍ دنيوي. والثاني: هجر لحقِّ الله، بأن يكون من أجل وقوع المهجور في بدعة أو معصية. وحكم الهجر الأول: أنه غير مشروع، بل هو منهي عنه. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لا تَبَاغَضُوا وَلا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ) . رواه البخاري (٥٧٢٦) ومسلم (٢٥٥٩) – واللفظ له -. وهذا الهجر لا يجوز أكثر من ثلاث ليال كما سبق في الحديث. وأما حكم الهجر الثاني: فهو هجر مشروع، وله أدلته من السنَّة، وقد فعله الصحابة، ومن بعدهم من أئمة الدين، وله شروط وضوابط في كلام أهل العلم. فقد هجر النبي صلى الله ﷺ الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك من غير عذر، وقد جاء حديثهم الطويل في الصحيحين من حديث كعب بن مالك – ﵁ – وهو أحد الثلاثة. قال الحافظ ابن حجر – ﵀ – في سياق ذِكر فوائد الحديث: وفيها: ترك السلام على من أذنب، وجواز هجره أكثر من ثلاث، وأما النهي عن الهجر فوق الثلاث: فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعيّاً ... . وفيها: سقوط رد السلام على المهجور عمَّن سلَّم عليه؛ إذ لو كان واجباً: لم يقل " كعب " هل حرَّك شفتيه – أي: النبي ﷺ برد السلام. " فتح الباري " (٨ / ١٢٤) . فيتبين لنا من سياق الحديث – ولم نسقه لطوله – أن من أحكام الهجر الشرعي: جواز ترك إلقاء السلام وترك ردِّه على صاحب المعصية – وصاحب البدعة أولى -، وأن هجره غير محدد بوقت، بل يكون ذلك إلى أن يتوب، أو حيث يرى الهاجر المصلحة في ذلك – كما سيأتي -، وبه تعلم أن ترك مصافحتك لذلك العاصي، بل ترك للسلام عليه بلسانك أنه ليس فيها محذور شرعي عليك، وإليك ما يزيد الأمر توكيداً: قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: ومَن عُرف منه التظاهر بترك الواجبات، أو فعل المحرمات: فانه يستحق أن يُهجر، ولا يسلَّم عليه تعزيراً له على ذلك حتى يتوب. " مجموع الفتاوى " (٢٣ / ٢٥٢) . لكن لا بدَّ من التنبيه على أن الهجر للعاصي والمبتدع إنا شرِع لحكمٍ عظيمة، ومنها أن هجره هو لتأديبه حتى يترك معصيته وبدعته، وكذا شُرع تنبيهاً لغيره أن يقع في المعصية أو البدعة، وحيث كان الهجر غير مجدٍ مع هذا العاصي، أو أنه سيزيده طغياناً: فلا ينبغي الهجر؛ لما يترتب عليه من آثار سيئة على المهجور، أو أنه لن يتحقق ما شُرع الهجر من أجله، وهنا يكون التأليف لقلب هذا العاصي أنفع من الهجر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم، وضعفهم، وقلتهم، وكثرتهم؛ فإن المقصود به: زجر المهجور، وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله. فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته: كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته: لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر. والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قوماً ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خلِّفوا كانوا خيراً من أكثر المؤلفة قلوبهم؛ لما كان أولئك كانوا سادة مُطاعون في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عزُّ الدين، وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح. " مجموع الفتاوى " (٢٨ / ٢٠٦) . وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: ما ضابط هجر العاصي الذي لم تظهر معصيته علانية للناس إذا كان في هجره مصلحة؟ . فأجاب: الضابط: أن هجر العاصي إن كان فيه مصلحة بحيث يرجع العاصي عن معصيته: فليهجر، وأما إذا لم يكن فيه مصلحة: فهجره حرام؛ لأن العاصي مسلم، ولو فعل ما فعل من الكبائر، إلا الكفر إذا كَفَر، هذا معلوم، وقد قال النبي ﷺ : (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان، ويعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) ، فلا تهجره؛ ولأن بعض العصاة إذا هجرته: زاد في معصيته، وكرِهك أيضاً، ولم يقبل منك أي نصيحة، أما لو كان هجره ينفع، كما لو كان أحد الأبناء، أو أحد الإخوة وهو يقدِّرك، وإذا هجرته ارتدع: فهنا اهجره حتى يرتدع، فإن أخلف الظن - بمعنى: أنك هجرته ولكنه لم يرتدع -: فعُد، وسلِّم عليه، ولا تنس النصيحة. " لقاءات الباب المفتوح " (٢٣١ / السؤال رقم ٩) . فأنت أخي السائل إن رأيتَ أن تركك للسلام عليه سيؤثر فيه، وسيرتدع عن معاصيه بسببه: فاستمر على هجرك له، واترك إلقاء السلام، وردِّه إن سلَّم، وإن رأيتَ أن ذلك غير نافعه: فاعلم أن تأليفك لقلبه بالهدية، والتبسم في وجهه، والتلطف في مخاطبته أنفع من هجره، فاعمل على ذلك، فإن أبى منك ذلك، ولم يتجاوب معك: فليس عليك شيء، ولست ملوماً في ذلك. وفي مسند الإمام أحمد (١٥٨٢٣) عن هِشَامَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ مُسْلِمًا فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ فَإِنْ كَانَ تَصَارَمَا فَوْقَ ثَلاثٍ فَإِنَّهُمَا نَاكِبَانِ عَنْ الْحَقِّ مَا دَامَا عَلَى صُرَامِهِمَا وَأَوَّلُهُمَا فَيْئًا فَسَبْقُهُ بِالْفَيْءِ كَفَّارَتُهُ فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ سَلَامَهُ رَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ وَرَدَّ عَلَى الآخَرِ الشَّيْطَانُ فَإِنْ مَاتَا عَلَى صُرَامِهِمَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي الْجَنَّةِ أَبَدًا!!) صححه الألباني في الصحيحة ١٢٤٦ نسأل الله تعالى أن يكتب لنا ولك الأجر، وأن يهدينا وإياكم لما يحب ويرضى. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14448

امرأة تخجل من القيام بالدعوة [السُّؤَالُ] ـ[كنت أشعر بالخجل من المنافقين أو الكفار يغتابونني أو يتحدثون بكلام سيئ عني أو النظر إلي، اختفيت عنهم عندما بدأت الحجاب، ثم اقتنعت بأنه كان من المفيد عدم لقائهم، لم أكن أريد أن أكون خجلة منهم وأعانني الله على ذلك بأن جعلني أعلم بأنني يجب أن لا أخشى ولا أُرضي إلا الله. أشعر بالخجل أحياناً عندما أقول الحقيقة للناس، أشعر بالخجل من القول للناس عما يطلبه منا القرآن، مثلاً أشعر بالخجل من أن أقول للرجال بأنهم يجب أن يغضوا أبصارهم عن النظر للنساء، أشعر بأنهم لن يستمعوا لنصيحتي أو أنني لا أريد أن ألفت انتباههم بالكلام معهم بهذه الطريقة. كما أشعر بالخجل من الحديث مع المسلمين عندما يفعلوا شيئا غير صحيح. غالباً لا أصحح أخطاء الناس مع أنني أريدهم أن يقلعوا عن خطئهم ولكنني أخجل.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله شكر الله لك أيتها السائلة غيرتك على دينك ورغبتك في دعوة غيرك ولكن ينبغي عليك العلم بأنه لا يجب على المرأة دعوة الرجال مباشرة من غير المحارم، لما في ذلك من الفتنة. وننصحكِ أيتها السائلة – وغيرك من النساء - بتربية النفس على طاعة الله، والقيام بحقوق الله تعالى، وحقوق الزوج والأهل والأولاد، والقيام بالدعوة إلى الله في مجتمع النساء بقدر الاستطاعة، إما بإلقاء كلمة أو قراءة كتاب أو إهداء شريط أو كتاب نافع. أو عقد حلقة شرعية إن كان لديك علم كافً وكذلك الإنكار على صاحبات المنكر، وتقديم النصيحة والموعظة لأخواتك النساء والمساهمة في حل مشكلاتهم الاجتماعية ونحو ذلك. وأما إحجامك عن الدعوة بسبب الخجل فهذا غير مسوغ لترك الدعوة - وهو من الخجل المذموم - ولكن اعلمي بأن كل عمل يعمله الإنسان فإنه يكون صعباً في البداية ومخجلاً أحياناً، ولكن إذا ما استمر فيه الإنسان فإنه يكون سجيةً له، وأمراً طبيعياً بالنسبة له، بل قد يصل إلى درجةٍ لا يستغني فيها عن هذا العمل، فعليك بالمجاهدة والصبر؛ لأن الدعوة إلى الله – ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – تحتاج إلى صبر لقوله تعالى: (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) فالصبر على الدعوة من أخلاق المؤمنين بل هو من أسباب النجاة من الخسران المبين والذي لا ينجو منه إلا من استثناهم الله في هذه السورة، وهم مَنْ جَمَعَ أربعة أوصاف: ١- الإيمان، والذي لا يحصل إلا بالعلم بالله وبرسوله وبدين الإسلام. ٢- العمل بهذا العلم. ٣- الدعوة إلى هذا العلم. ٤- الصبر على الأذى في سبيل العلم والعمل به والدعوة إليه. وأما الدعوة عن طريق الإنترنت فهي أمر مطلوب، ولكن النصيحة لكِ ولكل فتاة بالبعد عنه لما فيه من المزالق التي قلما ينجو منها إلا من عصمه الله، وهناك من الناس من تفرغوا للقيام بهذه المهمة العظيمة، والتي تحتاج إلى علم راسخ تُردُ به الشبهات، وإيمان صادق تُرد به الشهوات، وأما إن دخله مَن فقد هذين السلاحين أو أحدهما فقلما ينجو من الفخ. فإذا توفر لديك هذان الشرطان فإن بإمكانك الدخول في هذا المجال. ثم إنك قد أحسنتِ صنعاً أيتها السائلة عندما قمت بارتداء الحجاب، الذي هو واجب على المسلمة لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الأحزاب/٥٩. فقد ذكر الله في هذه الآية الحكمة من الحجاب وهو صيانة المرأة به عن أذى الفساق. وعليك بالبعد عن مجتمع السوء وأصحاب السوء، والإعراض عن الجاهلين. والحمد لله رب العالمين. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 14449

من مآسي المسلمين في الدول الغربية [السُّؤَالُ] ـ[لا يخفى على فضيلتكم انتشار الصحوة الإسلامية المباركة وبالأخص في صفوف الفتيات المسلمات، وحيثُ إننا نعيش في بلد غير إسلامي (أوروبي) لذلك نجد صعوبة في تطبيق أحكام الإسلام، فمِن حينٍ لآخر نجد بعض الصعوبات، فمرة بالاستهزاء بالقرآن، ومرة بإلصاق الإعلانات في الأماكن العامة وقد صوروا عليها فتاة مسلمة وكتبوا تحتها عبارة (هل تريدين غطاء الرأس؟ نحن نظن أنك لا تريدين) ، وآخرها: القرار الصادر من الحكومة بمنع ارتداء النقاب كليّاً، ودفع مبلغ ١٥٠ يورو لمن ترتديه، وفي الآونة الأخيرة أصبح في الأمر صعوبة كبيرة على الأخوات؛ لأن الأمر قد تعدى العقوبة المالية إلى ممارسة بعض التصرفات العنصرية من قبل رجال الشرطة، وذلك مثل الاستهزاء والسخرية، وأحياناً يتم إجبارهن على رفع النقاب أمام الرجال، ولا ننسى الموقف المُشين والصورة الغير لائقة للفتاة المُتنقبة أمام أعين الناس ورجال الشرطة يلتفون من حولها وكأنها ارتكبت جريمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أما بالنسبة لموقف الأخوات من هذا القرار فبعضهن انهمكت في الاتصال بالمشايخ لعلها تظفر بفتوى تُبيح لها كشف وجهها، وبالفعل وجدن من أفتى لهن بأن في الأمر خلافاً بين العلماء وأنتن في ضرورة ولا بأس بنزعه، والبعض الآخر لازلن محاصرات في بيوتهن ينتظرن رحمة رب العالمين. فضيلة الشيخ وحيثُ إنني ولدتُ وقضيتُ كل عمري في هذا البلد لذلك معذرة دعني أصارحك القول أن الإقامة في بلد الكفر تحمل في طياتها أسراراً لا يعلمها إلا من عاشها واقعيّاً. فضيلة الشيخ والله الذي لا إله غيره إن المسلمين في بلاد الكفر يعيشون في ذُل ومهانة وضياع لا يعلمه إلا الله وحده، فكم من البيوت انهارت، وكم من الأبناء لا يعرفون من الدين إلا اسمه، بل وصل الأمر إلى بيع بناتنا المسلمات إلى تجار الرقيق وإرسالهن إلى بعض دول أوروبا الشرقية، وذلك ليتم استعمالهن في ممارسة البغاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولقد استمعتُ يوماً من الأيام إلى رئيس قسم الأمراض المعدية - وهو عربي الجنسية - حيثُ صرح بأنه يوجد عدد ٤٠٠٠ أربعة آلاف من الفتيات المسلمات وبأعمار مختلفة يشتغلن في ممارسة الزنا وبأوراق رسمية، وهذا الإحصاء في مدينة واحده فقط!! وللأسف الشديد حتى ممن يوصفون بالتدين وجدوا أنفسهم بين فكي الأسد، فالأموال اختلطت بالربا، والأبناء لا يتكلمون اللغة العربية، وصلاة الجمعة تصلى ظهراً في المصانع الخ! ، ولا أقول هذا عن طريق سماع الأخبار، بل ما نراه بأعيننا، وهذا قليل من كثير، والله إن القلب ليتفطر من شدة ما نسمع ونرى وما وصلنا إلى هذا المستوى الذي نراه اليوم إلا عندما خالفنا شرع ربنا ورضينا بالعيش معهم من أجل دراهم معدودة إلا من رحم الله من الذين لهم العذر في البقاء، وفي المقابل هناك عدد من العائلات اجتهدوا في الهجرة إلى بلاد الإسلام وهم الآن يعيشون في رغد من العيش والله خير الرازقين. فضيلة الشيخ جزاك الله خيراً يوم علمتنا أن نكون مُتفائلين لا متشائمين، ولكن هذه هي الحقيقة المرة التي لا مفر منها، وحتى نكون منصفين فالحمد لله الإقبال على الإسلام كثير وبالأخص في صفوف المسلمين الجدد، فالحمد لله على نعمته وفضله. فضيلة الشيخ ما نريده من فضيلتكم ولكم الأجر من الله : ١. تقديم النصيحة للفتيات المسلمات بالتمسك بحجابهن، وعدم تعلقهن بالفتاوى الواهية التي تفتح لهن أبواب الشر. ٢. تشجيع الشباب على الهجرة وعدم الركون إلى الدنيا؛ لأن كثيراً منهم - أو أغلبهم - كان سبباً في بقاء زوجته وأبنائه وتعرضهما إلى هذه المصائب، علماً بأن كثيراً من الإخوة لم يهاجروا بعد وذلك بحجة جمع المال الكافي الذي يمكنهم من القيام بمشروع تجاري في البلد الذي سيهاجرون إليه، فكم المبلغ المطلوب جمعه؟ ومتى سيُجمع؟ . ٣. تقديم النصيحة للأخوات اللواتي يُكثرن الخروج من البيت لغير ضرورة، وبالأخص في مثل هذه الظروف الحرجة. ٤. تقديم النصيحة للإخوة الذين يطلبون من زوجاتهم كشف الوجه بالقوة أمام بعض الإدارات بحجة أن الأمر فيه ضرورة، فما هو الحكم الشرعي في طاعة الزوج في هذا الأمر؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا شك أن مآسي المسلمين والمسلمات في كثير من دول الكفر كثيرة، وحالهم في تلك الدول يُفطِّر القلب، ويُدمع العين. وكلنا نسمع ونقرأ ما يتعرضون له من مضايقات، وبخاصة النساء، وقد بان زيف هذه الدول التي تدَّعي الحضارة والحرية، فراحوا يضيقون على المسلمين في وظائفهم وبيوتهم، وعلى النساء في حجابهن وعملهن، فأطلقوا الحريات في زواج المثليين، والشذوذ الجنسي، وحرية الإساءة للإسلام وأهله، وضيَّقوا على المسلمين في شعائرهم وشرائعهم. والواجب على كل من قدر على الخروج من تلك الديار أن لا يقصِّر في ذلك، قبل أن يأتي يوم يندم فيه على تفويت الفرصة، ولا يملك حتى نفسه ليخرج بها، وذلك بعد أن يضِيع أولاده في خضم تلك الحضارة الزائفة الخارجة عن كل خلق وفضيلة، فيعيش سنين حياته يعمل ويكد ويجتهد، ثم يسلِّم أولاده للشارع والكنيسة، خسر الدنيا والآخرة. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: الإقامة في بلاد الكفار خطر عظيم على دين المسلم، وأخلاقه، وسلوكه، وآدابه، وقد شاهدنا وغيرنا انحراف كثير ممن أقاموا هناك فرجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا فُسّاقًا، وبعضهم رجع مرتدًا عن دينه وكافرًا به وبسائر الأديان - والعياذ بالله - حتى صاروا إلى الجحود المطلق والاستهزاء بالدين وأهله السابقين منهم واللاحقين، ولهذا كان ينبغي بل يتعين التحفظ من ذلك ووضع الشروط التي تمنع من الهويّ في تلك المهالك ... . وكيف تطيب نفس مؤمن أن يسكن في بلاد كفار تعلن فيها شعائر الكفر ويكون الحكم فيها لغير الله ورسوله، وهو يشاهد ذلك بعينه ويسمعه بأذنيه ويرضى به، بل ينتسب إلى تلك البلاد ويسكن فيها بأهله وأولاده ويطمئن إليها كما يطمئن إلى بلاد المسلمين مع ما في ذلك من الخطر العظيم عليه وعلى أهله وأولاده في دينهم وأخلاقهم؟! انتهى. وانظر تتمة هذا الكلام للشيخ – ﵀ – في جواب السؤال رقم (٢٧٢١١) ففيه تفصيل مسألة الإقامة في دول الكفر. ثانياً: لا يجوز للمرأة المسلمة التنازل عن عفافها وحجابها أمام تلك المغريات الفاسدة الزائلة، ولا يزال شياطين الإنس والجن يزينون للمرأة الانخراط في سلك الغاوين، فمن تبعهم زينوا الدنيا في ناظريه، وأبعدوه عن التفكير في القبر والآخرة ولقاء الله تعالى. وللأسف أن يساهم بعض مفتي الفضائيات في نزع المرأة حجابها بحجة الدراسة أو العمل، ولا خير في دراسة وعمل يسبب غضب الرب ﵎ وسخطه، وأي متاع دنيوي ستحوزه المرأة بشهادتها أو راتبها، وهي تعلم أنه على حساب ثواب الآخرة ورضا الله تعالى، فلا يرضى بهذا إلا مَنْ زُيِّن له سوء عمله فرآه حسناً. ولا يجوز للمسلمة أن تكشف عن وجهها فضلاً أن تكشف عن شعرها، ولو بحجة الدراسة أو العمل، وما عند الله خيرٌ وأبقى، ويجب على كل مسلم أن يسارع في الخروج من تلك الظلمات، وعلى العلماء أن يعينوا الأسر المسلمة على دينها وطاعة ربها بدلاً من إعانتهم على تكوين ثرواتهم وعبادة الدرهم والدولار! قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀: لا يجوز لكِ ولا لغيركِ من النساء السفور في بلاد الكفار، كما لا يجوز ذلك في بلاد المسلمين، بل يجب الحجاب عن الرجال الأجانب سواء كانوا مسلمين أو كفاراً، بل وجوبه عن الكفار أشد؛ لأنه لا إيمان لهم يحجزهم عما حرم الله. ولا يجوز لكِ ولا لغيركِ طاعة الوالدين ولا غيرهما في فعل ما حرم الله ورسوله، والله سبحانه يقول في كتابه المبين: (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) الأحزاب/٥٣. فبيَّن في هذه الآية الكريمة أن تحجَّب النساء عن الرجال غير المحارم أطهر لقلوب الجميع، وقال سبحانه: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) إلى أن قال سبحانه: ( ... ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ... ) النور/٣١. " فتاوى علماء البلد الحرام " (ص ٥٢٩) . ثالثاً: ينبغي للأزواج أن يكونوا عوناً لزوجاتهم على العفاف والستر والحياء، ولا يحل لهم أن يأمروهن بخلع حجابهن من أجل الدنيا كدراسة أو عمل، فإن تحتم عليهم ذلك ولم يتيسر لهم إبقاء حجاب نسائهم فيجوز كشف الوجه لتلك الضرورة، كالمطارات والجوازات، على أن يحرصوا أن يكون الناظر لها امرأة. وأما الذين يريدون من نسائهم خلع حجابهن بالكلية، أو من غير ضرورة: فلا يحل لهم هذا، والواجب عليهم أن يفخروا بانتسابهم لهذا الدين، وأن يفخروا بستر نسائهم وبناتهم، خاصة وأنهم يرون لباس الكافرات من حيث العري والشذوذ في الألوان والتفصيل! ولا يحل للمرأة طاعة زوجها إذا كان يأمرها بخلاف الستر والحجاب، وقد قال النبي ﷺ : (لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف) . رواه البخاري (٤٠٨٥) ومسلم - واللفظ له - (١٨٤٠) . وسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: رجل متزوج وله أبناء، زوجته تريد أن ترتدي الزي الشرعي وهو يعارض ذلك، فبماذا تنصحونه بارك الله فيكم؟ . فأجاب: إننا ننصحه أن يتقي الله في أهله، وأن يحمد الله الذي يسَّر له مثل هذه الزوجة التي تريد أن تنفذ ما أمر الله به من اللباس الشرعي الكفيل بسلامتها من الفتن، وإذا كان الله قد أمر عباده المؤمنين أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم/٦، وإذا كان النبي ﷺ قد حمَّل الرجل المسؤولية في أهله فقال: (الرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته) ، فكيف يليق بهذا الرجل أن يحاول إجبار زوجته على أن تدع الزي الشرعي في اللباس إلى زي محرم، يكون سبباً للفتنة بها ومنها، فليتق الله تعالى في نفسه، وليتق الله في أهله، وليحمد الله على نعمته أن يسَّر له مثل هذه المرأة الصالحة. وأما بالنسبة لزوجته: فإنه لا يحل لها أن تطيعه في معصية الله أبداً؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. " فتاوى المرأة المسلمة " (١ / ٤٤٢، ٤٤٣) . ولينظر جواب السؤال رقم: (٤٥٦٧٢) ففيه تفصيل لحكم إجبار الدول للمسلمات على نزع الحجاب. رابعاً: وأما خروج المرأة من بيتها: فلتعلم أخواتنا أن الأصل في المرأة أنها مكرَّمة، ومن تكريمها أن سخر لها زوجها وأولادها لخدمتها، وأوجب على الزوج النفقة عليها، وبقاؤها في بيتها ليس إلا لأنها تقوم بعمل جليل لا يمكن لمجموعة من الرجال أن يقوموا به، وهو تربية أولادها، وخدمة زوجها وبيتها، وهي أعمال جليلة عظيمة، ولذا فإنها لا تخرج إلا من ضرورة أو حاجة ماسة، وخاصة إن كانت في بلاد كافرة أو غير آمنة. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: لا شك أن بقاء المرأة في بيتها أفضل وأبعد عن الفتنة والشر, ولا يخفى علينا جميعاً ما يحصل من خروج النساء إلى الأسواق من الفتنة لهن وبهن , فإذا أمكن ألا تخرج: فهذا هو المطلوب , وإذا اضطرت للخروج: فلتخرج كما قال النبي ﵊: (وليخرجن تفِلات) أي: غير متبرجات بزينة ولا متطيبات , ولكن لا تخرج إلا لحاجة , ... فالذي أرى في هذه المسألة أن تلزم المرأة بيتها بكل حال، ولا تخرج إلا للضرورة , وإذا خرجت للضرورة فلتكن غير متطيبة ولا متبرجة بزينة. أما اصطحاب محرَم لها: فلا شك أنه أفضل وأولى , لكنه ليس بلازم ما دام أن المسألة لا تحتاج إلى سفر، ولكن من المؤسف أنك تجد بعض الناس يأتي إلى الخياط أو إلى التاجر ومعه أهله ثم يبقى في السيارة والمرأة هي التي تذهب وتخاطب الرجال وربما يحصل فتنة بأهله , فعلى الإنسان أن يكون رجلاً حازماً غيوراً على أهله , فلا يفعل هذا الفعل , إذا كان ولا بد فلينزل معها وليكن واقفاً عندها وهي تكلم الرجل أو يكلمها ثم هو يكلم الرجل. " لقاءات الباب المفتوح " (١١٧ / السؤال ٢) . وانظري جوابي السؤالين: (٦٧٤٢) و (٩٩٣٧) . خامساً: ولمن يريد النصح الصادق، والتوجيه الشرعي إذا أبى إلا البقاء في دول الكفر: فلينظر جوابي السؤالين: (٧٠٢٥٦) و (٤٢٣٧) ففيهما خير كثير إن شاء الله من التوجيه والنصح. والله الموفق. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14450

حكم الانتماء إلى الجماعات الإسلامية [السُّؤَالُ] ـ[احترت بشأن الجماعات الإسلامية الموجودة حالياً. هل يجب على الشخص أن يتبع أو ينضم لمجموعة ما؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يجب على المسلم أن يتبع أحداً بحيث يأخذ كل ما يقول ويعمل به إلا رسول الله ﷺ ، وكل من عدا رسول الله ﷺ فإنه يؤخذ من قوله ويترك، كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر. وأشار إلى قبر النبي ﷺ . وأما الانضمام لمجموعة ما، فلا شك أن الله تعالى ورسوله ﷺ قد أمرا بالجماعة وحثا عليها، قال ﷺ : (يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ) رواه الترمذي (٢١٦٧) وصححه الألباني. وقال: (َعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ) رواه النسائي (٨٤٧) وحسنه الألباني في صحيح النسائي. وقال: (الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد) رواه الترمذي (٢١٦٥) وصححه الألباني في صحيح الترمذي. والأحاديث في هذا كثيرة. ولا شك أن تعاون المسلم مع مجموعة من إخوانه على طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وطلب العلم، والتواصي فيما بينهم بالحق والصبر. . . إلخ لا شك أن هذا عمل مشروع، وبذلك يعصم الإنسان نفسه من الشيطان كما دل على ذلك الأحاديث المتقدمة، وهو مما يدخل في قول الله تعالى: (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) سورة العصر. أما إن كان قصد السائل بالانضمام لجماعة ما أن يتعصب لها، فيرى أن هذه الجماعة هي الجماعة الوحيدة التي على الحق، وكل من عداها على الباطل، ويوالي من معه في هذه الجماعة، ويعادي من سواهم (كما هو واقع كثير من أفراد هذه الجماعات اليوم) فإن هذا من الجَوْر الذي يأباه الله ورسوله والمؤمنون، ولا يزيد الأمة إلا تفرقاً وضعفا، بل المؤمن يوالي جميع المؤمنين، كما قال الله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) المائدة/٥٥. وقال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) الحجرات/١٠. وقال ﷺ : (المسلم أخو المسلم) . وكلٌّ من هذه الجماعات (المتفقة على أصول أهل السنة والجماعة) على ثغر من ثغور الإسلام، فليس الحق حكراً على أحد دون أحد، والدعوة إلى الله تحتاج إلى جهود هؤلاء جميعاً وأضعافهم معهم. فالمؤمن يوالي جميع المؤمنين ويتعاون معهم على طاعة الله تعالى، ولو كانوا بعيدين عنه. ويكف عن معاونتهم على معصية الله، ولو كانوا أقرب الناس إليه. وسئل الشيخ ابن باز ﵀ عن حكم الانتماء للجماعات الإسلامية، والالتزام بمنهج جماعة معينة دون سواها؟ فأجاب: " الواجب على كل إنسان أن يلتزم بالحق، قال الله ، وقال رسوله ﷺ ، وألا يلتزم بمنهج أي جماعة لا إخوان مسلمين ولا أنصار سنة ولا غيرهم، ولكن يلتزم بالحق، وإذا انتسب إلى أنصار السنة وساعدهم في الحق، أو إلى الإخوان المسلمين ووافقهم على الحق من دون غلو ولا تفريط فلا بأس، أما أن يلزم قولهم ولا يحيد عنه فهذا لا يجوز، وعليه أن يدور مع الحق حيث دار، إن كان الحق مع الإخوان المسلمين أخذ به، وإن كان مع أنصار السنة أخذ به، وإن كان مع غيرهم أخذ به، يدور مع الحق، يعين الجماعات الأخرى في الحق، ولكن لا يلتزم بمذهب معين لا يحيد عنه ولو كان باطلاً ولو كان غلطاً، فهذا منكر، وهذا لا يجوز، ولكن مع الجماعة في كل حق، وليس معهم فيما أخطأوا فيه " اهـ. "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ (٨/٢٣٧) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14451

يسأل: هل جميع الشيوخ الأتقياء هم من السلفيين ؟ [السُّؤَالُ] ـ[احترت بشأن الجماعات الإسلامية الموجودة حالياً، أعتقد أن السلفيين وأهل الحديث هم الأقرب للسنة. هل جميع الشيوخ الأتقياء هم من السلفيين؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نعم، أقرب الجماعات الموجودة الآن إلى السنة هم السلفيون، وجِماع أصولهم ردّ مسائل الدين العلمية والعملية إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما أجمع عليه سلف الأمة، وسار عليه أهل القرون الثلاثة المفضلة: قرن النبي ﷺ ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، مع تعظيم سنة النبي ﷺ ، وسنة خلفائه الراشدين ومحبة أهلها، ومجانبة البدع والمحدثات العلمية والعملية في دين الله وذمّ أهلها، ثم العمل على تنقية علوم الناس وأعمالهم من هذه البدع، والعودة بهم إلى استئناف حياتهم على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه من الهدى ودين الحق. ولكن. . لا يعني ذلك أن جميع الشيوخ الأتقياء يكونون من السلفيين، أو أن السلفيين كلهم تقاة ومن عداهم فليس تقياً. لا، ليس الأمر كذلك. فالتقوى هي فعل ما أمر الله ورسوله ﷺ به، وترك ما نهى الله ورسوله ﷺ عنه. فكل من أطاع الله تعالى واجتنب معصيته على نور من الله، فهو المتقي، وكل من عصى الله تعالى نقص من تقواه بقدر معصيته. وإذا كانت هذه حقيقة التقوى، فإنها لا تحصل لعبد بمجرد التسمي باسم السلفيين أو غيرهم أو الانتساب إلى طائفة من الطوائف بل كل من كان أعظم تحصيلاً لأسباب التقوى من العلم بالله وشرعه، والعمل بذلك كان أعظم حظاً من التقوى، وأعلى مقاماً في الدين. لأجل ذلك ينبغي أن نفرق بين المنهج السلفي الذي هو معصومٌ بعصمة الأصول الشرعية: الكتاب والسنة والإجماع، وبين الأفراد المنتسبين إلى هذا المنهج، فهؤلاء ليسوا بمعصومين من الخطأ في العلم أو العمل، وسواء كان هذا الخطأ معصية أو حتى بدعة، فإنما يتحمله الشخص الذي فعله نفسه، ولا يجوز أن يحمل المنهج هذا الخطأ، ويكون ذلك ذريعة للقدح في المنهج السلفي بحجة أن فلاناً (السلفي) أخطأ وفعل كذا. وإليك مثالاً يوضح ذلك: فالإسلام لا شك أنه دين الله الذي لا يقبل من أحد سواه قال الله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) آل عمران/٨٥. وقال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) آل عمران/١٩. ولا يعني ذلك عصمة المسلمين، وأن جميع ما يفعله المسلمون صواب، بل كثير من المسلمين – وللأسف الشديد – قد خالفوا الإسلام، وعصوا الملك العلام. فكما يجب التفريق بين الإسلام وبين ما يفعله المسلمون، كذلك يجب التفريق بين المنهج السلفي وبين السلفيين. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14452

حكم العادات والتقاليد إذا خالفت الشرع أو سببت الحرج [السُّؤَالُ] ـ[هناك عادة عند فئة من الناس في الجنازة والتعزية لأهل فقيد بين قريتين، بينهما مسافة ساعة واحدة بالسيارة، جميع أهالي القريتين مسلمون، وهناك ترابط وثيق بين أهالي القريتين من قرابة بصلة رحم، زواج، مودة، جنسية واحدة، وكلهم أو أغلبهم في المذهب الحنفي. العادة: بعد ما يحضرون الجنازة، أو زيارة أهل الفقيد للتعزية من قرية إلى أخرى ... فورا مسرعين يرجعون إلى قريتهم ولا يقبلون أن يتأخروا قليلا للضيافة عند أقاربهم (دون أهل الفقيد) ، حتى عند أرحامهم، بحجة أنه لا يليق أو لا يجوز التأخر للضيافة أو الزيارة في هذه المناسبة. السؤال: هل هذه العادة لها أصل في الدين؟ أرجو جوابا شافيا ومفصلا لأن العادة قد تؤدي إلى إحراج، توتر، وسلبيات أخرى من الناحية الاجتماعية.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لِلَّه ليس في الشرع الحنيف شيء يدل على العادات التي ذكرتها في السؤال، ويبدو أنها مما اعتاد الناس عندكم عليها في حياتهم ولا ينسبونها إلى الدين، ويبدو أيضا أنها ترجع إلى أمورهم النفسية والاجتماعية. وعلى كل حال، فبما أن هذه العادة لم ترد في الشريعة المطهرة، لا سيما وقد ذكرت في سؤالك أن الضيافة المسئول عنها لا تكون عند أهل الفقيد، وهذا هو الذي يُنهى عنه؛ فلا ينبغي أن يتخذها الناس شرعا مقدَّسًا لا يغيرونه ولا يبدلونه، وذلك لأن في هذه العادة تقصيرا – ولو بقدر ما – في صلة الأرحام، وزيارة الأهل والإخوان، وليس ثمة سبب وجيه للتقصير في هذه الصلة، خاصةً وأن العتب من قبل الأرحام قائم على أقاربهم الذين يصلون قريتهم دون أن يأتوا لزيارتهم، وقد يكون ذلك سببا لإيغار الصدور وظنون السوء. والعادات والتقاليد التي تخالف الشرع مخالفة ظاهرة، أو تخالف مقاصد الشريعة العامة، أو تؤدي إلى المخالفة والتقصير، يجب نبذها والسعي إلى تغييرها، ويحتاج الأمر إلى شيء من الحكمة والرفق. يقول الشيخ السعدي ﵀ "رسالة في أصول الفقه" (٧) : (الأصل في العادات الإباحة إلا ما ورد عن الشارع تحريمه) ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ "مجموع الفتاوى" (٦/٥١٠) : " الواجب على كل مسلم أن لا يعتمد على العادات، بل يجب عرضها على الشرع المطهر، فما أقره منها جاز فعله، وما لا فلا، وليس اعتياد الناس للشيء دليلا على حله، فجميع العادات التي اعتادها الناس في بلادهم أو في قبائلهم يجب عرضها على كتاب الله وسنة رسوله ﵊، فما أباح الله ورسوله فهو مباح، وما نهى الله عنه وجب تركه وإن كان عادة للناس " انتهى. ويقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ "تفسير سورة البقرة ٢" (٢٩٩) : " العادات لا تجعل غير المشروع مشروعاً؛ لقوله تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا) مع أنهم اعتادوه واعتقدوه من البر؛ فمن اعتاد شيئاً يعتقده براً عُرِض على شريعة الله " انتهى. وقد عد أهل العلم التمسك بالعادات والتقاليد التي تشق على الناس، وتؤدي إلى بعض المفاسد، أو تؤدي إلى بعض الشقاق والنزاع، أو توقع في الحرج، عد ذلك أهل العلم من الغلو المذموم، ومن التكلف والتنطع الذي جاء النهي عنه في شريعتنا. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ : (هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ. قالها ثلاثا) رواه مسلم (٢٦٧٠) قال النووي ﵀ "شرح مسلم" (١٦/٢٢٠) : " أي: المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم " انتهى. ويقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في حديثه عن أقسام الغلو "مجموع الفتاوى" (٧/٧) : " القسم الرابع: الغلو في العادات: وهو التشدد في التمسك بالعادات القديمة وعدم التحول إلى ما هو خير منها. أما إن كانت العادات متساوية في المصالح فإن كون الإنسان يبقى على ما هو عليه خير من تلقي العادات الوافدة " انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14453

أثر شيخ الإسلام ابن تيمية في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب [السُّؤَالُ] ـ[هل الشيخ ابن تيميه ﵀ شيخ الإسلام هل كانت له علاقة بالحركة الوهابية؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لِلَّه أولا: لا بد من التنبيه بداية على أن إطلاق اسم "الوهابية" على دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب إنما بدأه أعداء هذه الدعوة بقصد التنفير عنها وتحذير الناس منها، يحاولون إظهارها مظهر الدعوة المنفردة بآرائها الشاذة، المتحيزة إلى أفكار إمامها، المخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة. جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢/٢٥٥) : " الوهابية: لفظة يطلقها خصوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ على دعوته إلى تجريد التوحيد من الشركيات ونبذ جميع الطرق إلا طريق محمد بن عبد الله ﷺ ، ومرادهم من ذلك: تنفير الناس من دعوته، وصدهم عما دعا إليه، ولكن لم يضرها ذلك، بل زادها انتشارًا في الآفاق وشوقًا إليها ممن وفقهم الله إلى زيادة البحث عن ماهية الدعوة وما ترمي إليه وما تستند عليه من أدلة الكتاب والسنة الصحيحة، فاشتد تمسكهم بها، وعضوا عليها، وأخذوا يدعون الناس إليها ولله الحمد " انتهى. ويقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله "البيان لأخطاء بعض الكتاب" (٧٠) : " فهذه التسمية خطأ من ناحية اللفظ، ومن ناحية المعنى: أما الخطأ من ناحية اللفظ، فلأن الدعوة لم تنسب في هذا اللقب إلى من قام بها - وهو الشيخ محمد -، وإنما نسبت إلى عبد الوهاب - الذي ليس له أي مجهود فيها -، فهي نسبة على غير القياس العربي، إذ النسبة الصحيحة أن يقال: (الدعوة المحمدية) . لكن الخصوم أدركوا أن هذه النسبة نسبة حسنة لا تنفر عنها، فاستبدلوها بتلك النسبة المزيفة. وأما الخطأ من ناحية المعنى، فلأن هذه الدعوة لم تخرج عن منهج مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم، فكان الواجب أن يقال: الدعوة السلفية؛ لأن القائم بها لم يبتدع فيها ما نسب إليه كما ابتدع دعاة النحل الضالة من الإسماعيلية والقرمطية، إذ هذه النحل الضالة لو سميت سلفية لأبى الناس والتاريخ هذه التسمية؛ لأنها خارجة عن مذهب السلف، ابتدعتها من قام بها. فالنسبة الصحيحة لفظًا ومعنى لدعوة الشيخ محمد عبد الوهاب أن يقال " الدعوة المحمدية "، أو " الدعوة السلفية ". لكن لما كانت هذه النسبة تغيظ الأعداء حرفوها، ولذلك لم تكن الوهابية معروفة عند أتباع الشيخ، وإنما ينبزهم بها خصومهم، بل ينبزون بها كل من دان بمذهب السلف، حتى ولو كان في الهند أو مصر وإفريقية وغيرها، والخصوم يريدون بهذا اللقب عزل الدعوة عن المنهج السليم , فقد أخرجوها من المذاهب الأربعة , وعدُّوها مذهبًا خامسًا (حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) " انتهى. ثانيا: كانت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر امتدادا لدعوة شيخ الإسلام ابن تيمية التي ظهرت في القرنين السابع والثامن. وقد تأثر بها الإمام لموافقتها أصول الإسلام في العقائد والأحكام، ومن هذه الأصول: ١- اعتماد القرآن الكريم والسنة الصحيحة مصادر التشريع الأولى. ٢- الحرص على التمسك بمنهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم. ٣- الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك. ٤- إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي ما نفاه عن نفسه في باب الأسماء والصفات. ٥- نبذ التعصب للأئمة المتبوعين والدعوة إلى اتباع الحق بالدليل. ٦- الدعوة إلى السنة ومحاربة البدعة. وقد كان الكتاب هو حلقة الوصل بين الإمامين، فقد اعتنى الإمام محمد بن عبد الوهاب بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم اعتناء بالغا. يقول عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ "مشاهير علماء نجد وغيرهم" (١٨) : " وقد كتب بخط يده كثيرا من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، لا يزال بعضها موجودا بالمتحف البريطاني بلندن " انتهى. ولقد أبرز الكتاب المسلمون وغيرهم من المستشرقين في كتاباتهم صلةَ الإمام ابن عبد الوهاب بدعوة شيخ الإسلام بأهمية بالغة. ذكر العلامة الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي في كتابه "الشيخ محمد بن عبد الوهاب" تصريحات كثير منهم: قال عبد المتعال الصعيدي في كتابه "المجددون في الإسلام": "..أخذ يدعو مثل ما دعا إليه ابن تيمية قبله، من التوحيد بالعبادة لله وحده " وقال الأمير شكيب أرسلان في الجزء الرابع من "حاضر العالم الإسلامي" تحت عنوان: "تاريخ نجد الحديث": " وتَشَرَّبَ مبادئ الحافظ حجة الإسلام ابن تيمية.. وأخذ يفكر في إعادة الإسلام لنقاوته الأولى.. ولا أظنه أورد ثمة شيئا غير ما أورده ابن تيمية " انتهى. وقال حافظ وهبة في كتابه "جزيرة العرب": " وتكاد تكون تعاليمهم مطابقة تمام المطابقة لما كتبه ابن تيمية وتلاميذه في كتبهم، وإن كانوا يخالفونهم في مسائل معدودة في فروع الدين " انتهى. وقال منهج هارون في الرد على الكاتب الإنجليلزي (كونت ويلز) : "..كل ما قاله الشيخ ابن عبد الوهاب قال به غيره ممن سبقه من الأئمة والأعلام ومن الصحابة الكرام، ولم يخرج في شيء عما قاله الإمام أحمد وابن تيمية رحمهما الله " انتهى. وقال محمد ضياء الدين الريس: "..وابن تيمية هو الأستاذ المباشر لابن عبد الوهاب، وإن فصل بينهما أربعة قرون، فقد قرأ كتبه، وتأثر كل التأثر بتعاليمه " انتهى. وقال بروكلمان في "تاريخ الشعوب الإسلامية": " وفي بغداد درس محمد فقه أحمد بن حنبل..ثم إنه درس مؤلفات أحمد ابن تيمية الذي كان قد أحيا في القرن الرابع عشر [يقصد الميلادي] تعاليم ابن حنبل، والواقع أن دراسته لآراء هذين الإمامين انتهت به إلى الإيقان من أن الإسلام في شكله السائد في عصره، وبخاصة بين الأتراك، شُرِّبَ بالمساوئ التي لا تمت إلى الدين الصحيح بنسب " انتهى. وقال أحمد أمين: " ... اقتفى في دعوته وتعاليمه عالما كبيرا ظهر في القرن السابع الهجري في عهد السلطان الناصر، هو ابن تيمية ... وهو كان يقول بالاجتهاد، وكان حر التفكير في حدود الكتاب والسنة..فيظهر أن محمد بن عبد الوهاب عرف ابن تيمية..فكان إمامه، ومرشده، وباعث تفكيره، والموحي إليه بالاجتهاد، والدعوة إلى الإصلاح " انتهى. انظر "أثر دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية في الحركات الإسلامية المعاصرة" (١/١٣٦-١٣٨) لصلاح الدين مقبول، ومنه استفدت هذه النقول. ثالثا: ولكن، ومع هذه الصلة القوية بين فكر الإمامين، إلا أن الإمام محمد بن عبد الوهاب كان متبعا للدليل ولم يكن مقلدا للأشخاص، فقد كان يدرك أن شيخ الإسلام ابن تيمية أحد أئمة الإسلام العظام، إلا أن الخطأ جائز على جميع البشر، ويدرك أن ابن تيمية ﵀ لم يكن مستحدثا لدعوة مبتدعة غريبة عن الإسلام، إنما كان متبعا نهج السلف الصالحين، والاتِّبَاعُ يجب أن يكون للدليل وما أجمعت عليه الأئمة، ولا ينبغي أن يقدس الإمام مهما بلغت رتبته في العلم، بل كلٌّ يُؤخَذُ من قوله ويرد إلا النبي ﷺ . يقول الشيخ الفوزان حفظه الله في "البيان بالدليل" (١٥٠) في الرد على دعوى أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يكن إلا نسخة مكررة من ابن تيمية: " هكذا قال عن مرتبة الشيخ محمد بن عبد الوهاب العلمية: أنه لم يدرس إلا مؤلفات ابن تيمية! وكأنه لم يقرأ ترجمة الشيخ وسيرته، ولم يعرف شيئا عن تحصيله العلمي، أو أنه عرف ذلك وكتمه بقصد التقليل من شأنه، والتغرير بمن لم يعرف شيئا عن الشيخ. ولكن هذا لا يستر الحقيقة، ولا يحجب الشمس في رابعة النهار، فقد كتب المنصفون عن الشيخ ﵀ مؤلفات كثيرة انتشرت في الأقطار، وعرفها الخاص والعام، وأنه ﵀ تعمق في دراسة الفقه والحديث والأصول وكتب العقيدة التي من جملتها مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وقد تخرج على أيدي علماء أفذاذ وأئمة كبار في مختلف الفنون في بلاد نجد والحجاز والإحساء والبصرة، وقد أجازوه في مروياتهم وعلومهم، وقد ناظر ودرس وأفتى وألف في الفقه والحديث والعقيدة حتى نال إعجاب من اجتمع به أو استمع إلى دروسه ومناظراته، أو قرأ شيئا من مؤلفاته، ومؤلفاته تدل على سعة أفقه وإدراكه في علوم الشريعة، وسعة اطلاعه وفهمه، ولم يقتصر فيما ذكر في تلك المؤلفات على كتب ابن تيمية - كما يظن الجاهل أو المتجاهل - بل كان ينقل آراء الأئمة الكبار في الفقه والتفسير والحديث؛ مما يدل على تبحره في العلوم، وعمق فهمه، ونافذ بصيرته، وها هي كتبه المطبوعه المتداولة شاهد بذلك والحمد لله، ولم يكن ﵀ يأخذ من آراء شيخ الإسلام ابن تيمية ولا من آراء غيره إلا ما ترجح لديه بالدليل، بل لقد خالف شيخ الإسلام في بعض الآراء الفقهية " انتهى. وللفائدة يرجى مراجعة جواب السؤال رقم: (٣٦٦١٦) ، (١٠٨٦٧) ، (١٢٢٠٣) [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14454

نصيحة إلى المسلمين في الغرب [السُّؤَالُ] ـ[بماذا تنصح المسلين في الغرب في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها الأمة الإسلامية؟ وكيف نقوم بواجبنا الشرعي الذي يرضي الله تعالى؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ١. النصيحة لإخواننا المسلمين الذين يعيشون في الغرب – أولاً – بما أوصى الله به الأولين والآخرين، وهو أن تتقوا الله تعالى، فتقوموا بما أمركم به ورسولُه ﷺ ، وتنتهوا عما نهاكم عنه ورسولُه. ٢. عدم البقاء في تلك الديار إلا من كان منكم مضطراً أو محتاجاً للبقاء، لعدم وجود أحدٍ يؤويه، أو مريض يُعالَج، أو داعية يدعو إلى الإسلام، أو من كان من أهل تلك البلاد ويستطيع إظهار شعائر دينه، وأنتم أقرب منا إلى واقعكم وقد رأيتم بأنفسكم كيف أظهر لكم الغرب صورته الحقيقية من حيث الحرية الدينية المزعومة، وحرية التعبير عن الرأي، فصار ذلك جائزاً لكل الأديان إلا للإسلام، ولكل الناس إلا للمسلمين، حتى تجرأ بعض رؤساء تلك الدول على إصدار قرارات بمنع حجاب المرأة المسلمة في المدارس الحكومية. ٣. وإذا كان لا بدَّ من إقامتكم في تلك البلاد فاحرصوا أن لا يتربى أبناؤكم هناك، واعملوا على إرسالهم لبلاد المسلمين عند أهليكم أو في مراكز شرعية تقوم على رعايتهم وتربيتهم، ومهما بلغ الفساد في بلاد المسلمين فلا يقارن بما في بلاد الغرب من كفر وإباحية – باستثناءٍ قليلٍ جدّاً -. ٤. عليكم بتقديم الصورة الحقيقية للإسلام من حيث التزامكم بشعائر الدين، وأخلاقه، وسلوكه، فقد فُتحت دول كثيرة من قِبل تجار مسلمين أحسنوا في تعاملهم فقدموا صورة ناصعة للإسلام، فأسلم على أيديهم دول يعدُّ سكانها بعشرات الملايين. ٥. ولا يجوز لكم تمييع الأحكام الشرعية، وتقديم التنازلات إرضاءً للغرب وأهله، بل افتخروا بدينكم وتمسكوا بهدي نبيكم ﷺ ، ولو خالفكم من خالفكم، وأنتم ترون أصحاب الأفكار المنحرفة والسلوك الشاذ كيف يفتخرون بمبادئهم وأفكارهم ويعلنونها للملأ بلا خجل، فأصحاب الحق أولى بذلك. ٦. كونوا يداً واحدة بالحق وعلى الحق، ولا تتفرقوا فتذهب قوتكم، ويطمع بكم عدوكم، ولا تظهروا خلافاتكم بين الكفار، وليكن التناصح بينكم دون إظهاره في العلن. ٧. لا تتوانوا عن المشاركة في الصحف والمجلات والإذاعات وعامة وسائل الإعلام –بالضوابط الشرعية – ولتكن مشاركاتكم هادفة، تقدمون فيها الوجه الحقيقي للإسلام، وتذبون فيها عن عرض نبيكم ﷺ ، إذ كثير من الكفار عندهم قابلية لأن يؤثر فيهم القول الحسن، وتسحرهم الأدلة القوية المقنعة. ٨. وعليكم بتكثيف علاقاتكم مع العلماء والمشايخ الثقات في العالم، وبكافة الطرق المتاحة، وارفعوا عن أنفسكم الجهل بدينكم لترفعوه عن غيركم، وتقدموه خالصا نقيّاً من الشوائب لعامة الناس. ٩. وقوموا بتكثيف زياراتكم لبلد الله الحرام – مكة المكرمة – للحج والعمرة، لتقوية إيمانكم، ولتوكيد اتصالكم بالعلماء والمشايخ، فكثيراً ما نرى المسلمين من كافة أنحاء الدنيا، وقليلاً ما يكونون من بلاد الغرب، فاحرصوا على هذا ونظموه وتعاونوا عليه تروا خيراً عظيماً بإذن الله. ١٠. وأخيراً: احرصوا على الطاعة والعبادة، وتعاهدوا أبناءكم وبناتكم بالرعاية والعناية، واحرصوا على تكاتف أفراد الأسرة واتصالها بعضها ببعض. نسأل الله أن يوفقكم لمرضاته، وأن يعينكم على طاعته وحسن عبادته. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14455

يسأل عن جماعة التبليغ [السُّؤَالُ] ـ[بدأت الالتزام قريباً، والحمد لله، وتوجد في منطقتنا جماعة التبليغ الذين يخرجون ثلاثة أيام أو أكثر من ذلك، وقد اختلف كلام الناس فيهم؛ فبعضهم يقول: لا تمش معهم، لأن خروجهم بدعة، ولأن عندهم أخطاء، وبعضهم نصحني بالخروج معهم، فما الصواب في ذلك؟ وهل أخرج معهم أو لا؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قد سبق لنا بعض الحديث حول هذه الجماعة، وأشرنا إلى بعض ما لها، وما عليها انظر السؤال رقم (٤٧٤٣١) . وقد سئل الشيخ ابن عثيمين، رحمه الله تعالى عن ذلك، فقال: الغالب أن كل المسائل يكون الناس فيها طرفين ووسطاً؛ من الناس من يثني على هؤلاء كثيراً وينصح بالخروج معهم، ومنهم من يذمهم ذماً كثيراً ويحذر منهم، ما يحذر من الأسد! ومنهم متوسط. وأنا أرى الجماعة فيهم خير، وفيهم دعوة، ولهم تأثير واضح لم ينله أحد من الدعاة؛ فكم من كافر آمن على أيديهم؟ وكم من فاسق هداه الله؟ ثم في طبائعهم من التواضع، وفي خُلُقهم من الإيثار، ما لا يوجد في الكثيرين. ومن الناس من يقول: إنهم ليس عندهم علم بالحديث، أو ما أشبه ذلك. وهم أهل خير ولا شك، لكنى أرى أن الذين يوجدون في المملكة لا يذهبون إلى باكستان وغيرها من البلاد الأخرى، لأننا لا ندري عن عقائد أولئك، ولا ندري عن مناهجهم، لكن المنهج الذي عليه أصحابنا هنا في المملكة منهج لا غبار عليه، وليس فيه شيء. وأما تقييد الدعوة بثلاثة أيام أو أربعة، أو شهرين أو أربعة أشهر أو ستة، أو سنتين، فهذا لا وجه له، ولكنهم يرون أن هذا من باب التنظيم، وأنه إذا خرج ثلاثة أيام، وعرف أنه مقيد بهذه الأيام الثلاثة، استقام وعزف عن الدنيا، فهذه مسألة تنظيمية، وليست عبادة ولا شرعا. فأرى، بارك الله فيك، إن كان لك اتجاه لطلب العلم أن طلب العلم أفضل لك، لأن طلب العلم فيه خير، والناس الآن محتاجون لعلماءَ أهلِ سنةٍ، راسخين في العلم، وإن لم يكن عندك قدرة على طلب العلم، وخرجت معهم لأجل أن تصفي نفسك، فهذا لا بأس به، وفيه أناس كثيرون هداهم الله على أيديهم. [الباب المفتوح، اللقاء العاشر، ص ٣٠٤ بتصرف يسير] . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14456

ينكرون عليه تطبيق السنَّة ويدَّعون أنها تفرق المسلمين ! [السُّؤَالُ] ـ[قال إمام مسجدنا في خطبة الجمعة بأنه لا ينبغي التشدد بالسنة النبوية؛ لأن السنَّة تفرق بين المسلمين , ونحن يجب علينا أن نتحد، واستدل بأَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا أَبَدًا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا. هل هذا صحيح - مع العلم بأننا متبعون للسنَّة، وهو يسمي المتبع للسنَّة متشدداً؟ . أفيدونا بارك الله فيكم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لقد قال إمامكم منكراً من القول وزوراً، وكان الواجب عليه أن يتقي الله ربَّه، وأن يحفظ لسانه عن الكلام فيما يغمسه في الإثم. والسنَّة النبوية هي هدي النبي ﷺ وأقواله وأفعاله، فكيف تكون السنَّة مفرِّقة بين المسلمين؟! وما الذي يوحدهم إن كانت السنَّة تفرقهم؟! ولو صدق ذلك الإمام لقال: إن السنة هي التي تجمع الناس، وتلم شتاتهم. قال الإمام أبو المظفر السمعاني ﵀: " وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل، فأورثهم الاتفاق والائتلاف، وأهل البدعة أخذوا الدين من طريق المعقولات، فأورثهم الافتراق والاختلاف.. " الانتصار لأهل الحديث ص (٤٧) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " سبب الاجتماع والألفة جمع الدين والعمل به كله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له كما أمر به، باطنا وظاهرا، وسبب الفرقة ترك حظ مما أمر العبد به، والبغى بينهم!! ونتيجة الجماعة رحمة الله ورضوانه وصلواته وسعادة الدنيا والآخرة وبياض الوجوه، ونتيجة الفرقة عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه وبراءة الرسول منهم. " مجموع الفتاوى (١/١٧) . وقال ﵀ أيضا: " ما كان مأثورا حصلت له الألفة وما كان معروفا حصلت به المعرفة كما يرى عن مالك ﵀ أنه قال: إذا قل العلم ظهر الجفاء وإذا قلت الآثار كثرت الأهواء " درء التعارض (١/١٤٩) . وكيف يسمَّى المتبع للسنَّة متشدِّداً والمسلم مأمورٌ باتباعها والاقتداء بهدي صاحبها وهو النبي ﷺ ؟! وماذا يقول هذا الإمام عن أفعال الصحابة ﵃ عندما اتبعوا سنة نبيهم صلى الله عليه خير اتباع؟! وماذا سيكون حكمه على هذه الواقعة: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ جِبْرِيلَ ﷺ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا - أَوْ قَالَ: أَذًى - وَقَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا. رواه أبو داود (٦٥٠) ، وصححه الألباني. فهؤلاء أصحاب النبي ﷺ قد ألقوا نعالهم في الصلاة لمجرد رؤيتهم لنبيهم ﷺ يخلع نعله، فكيف لو كان الأمر سنَّةً عنه صلى الله وسلم، أو كان هدياً له؟! . ثانياً: إن لمز متبعي سنَّة النبي ﷺ واتهامهم بالتشدد أو التطرف هو من الإيذاء والبهتان، وقد توعد الله تعالى من يفعل ذلك، فضلاً أنه يكون متشبهاً بالمشركين الذين سبقوه إلى هذا الفعل. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) الأحزاب/٥٨. وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ. وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ. وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ) المطففين/٢٩ – ٣٢. قال الشيخ العثيمين – ﵀: " (وَإِذَا رَأَوْهُمْ) أي: رأى المجرمون المؤمنين قَالُوا: (إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ) ضالون عن الصواب، متأخرون، متزمتون، متشددون، إلى غير ذلك من الألقاب، ولقد كان لهؤلاء السلف خلفٌ في زماننا اليوم، وما قبله، وما بعده، فمن الناس من يقول عن أهل الخير: إنهم رجعيون، إنهم متخلفون، ويقولون عن الملتزم: إنه متشدد، متزمّت، وفوق هذا كله من قالوا للرسل: إنهم سحرة أو مجانين، قال الله تعالى: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) الذاريات/٥٢، فورثة الرسل من أهل العلم والدين سينالهم من أعداء الرسل ما نال الرسل؛ من ألقاب السوء والسخرية، وما أشبه ذلك، ومن هذا تلقيب أهل البدع والتعطيل لأهل الإثبات من السلف بأنهم حَشوَّية، مُجسِّمة، مُشبِّهة، وما أشبه ذلك من ألقاب السوء التي ينفرون بها الناس عن الطريق السوي. " لقاءات الباب المفتوح " (اللقاء رقم ٣٠) . ثالثاً: التشدد المذموم في الدِّين هو جعل المستحب واجباً، أو جعل المكروه محرَّماً، وقد حذَّر النبي صلى الله عليه من الغلو في الدين، كما أنه حذَّر من التشدد فيه، وليس معنى الغلو والتشدد تطبيق السنة، بل تغيير أحكامها، والتشدد في إيجاب الأمر أو تحريمه وليس هو كذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – في شرح حديث (لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ) -: " ففيه نهي النبي ﷺ عن التشدد في الدين بالزيادة عن المشروع، والتشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات، وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه في الطيبات، وعلل ذلك بأن الذين شددوا على أنفسهم من النصارى شدد الله عليهم لذلك، حتى آل الأمر إلى ما هم عليه من الرهبانية المبتدعة. وفي هذا تنبيه على كراهة النبي ﷺ لمثل ما عليه النصارى من الرهبانية المبتدعة، وإن كان كثير من عبادنا قد وقعوا في بعض ذلك متأولين معذورين، أو غير متأولين ولا معذورين. وفيه أيضا تنبيه على أن التشديد على النفس ابتداء يكون سببا لتشديد آخر يفعله الله إما بالشرع وإما بالقدر، فأما بالشرع: فمثل ما كان النبي ﷺ يخافه في زمانه من زيادة إيجاب أو تحريم كنحو ما خافه لما اجتمعوا لصلاة التراويح معه، ولما كانوا يسألون عن أشياء لم تحرم، ومثل أن من نذر شيئا من الطاعات وجب عليه فعله وهو منهي عن نفس عقد النذر، وكذلك الكفارات الواجبة بأسباب. وأما القدر: فكثيراً ما قد رأينا وسمعنا من كان يتنطع في أشياء فيبتلى أيضا بأسباب تشدد الأمور عليه في الإيجاب والتحريم؛ مثل كثير من الموسوسين في الطهارات: إذا زادوا على المشروع، ابتلوا بأسباب توجب حقيقة عليهم أشياء فيها عظيم مشقة ومضرة." " اقتضاء الصراط المستقيم " (١٠٣، ١٠٤) . وقال الشيخ العثيمين – ﵀ في شرح حديث الرسول الله ﷺ : (إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ) رواه النسائي (٣٠٥٩) وابن ماجه (٣٠٢٩) وصححه الألباني في " صحيح النسائي " -: وفي هذا الحديث يحذر الرسول ﷺ أمته من الغلو، ويبرهن على أن الغلو سبب للهلاك؛ لأنه مخالف للشرع؛ ولإهلاكه للأمم السابقة؛ فيستفاد منه تحريم الغلو من وجهين: الوجه الأول: تحذيره ﷺ ، والتحذير نهي وزيادة. الوجه الثاني: أنه سبب لإهلاك الأمم كما أهلك من قبلنا، وما كان سببا للهلاك كان محرما. .. والناس في العبادة طرفان ووسط؛ فمنهم المفرط، ومنهم المفرط، ومنهم المتوسط. فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وكون الإنسان معتدلا لا يميل إلى هذا ولا إلى هذا: هذا هو الواجب؛ فلا يجوز التشدد في الدين والمبالغة، ولا التهاون وعدم المبالاة، بل كن وسطا بين هذا وهذا. " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٩ / ٣٦٧، ٣٦٨) . رابعاً: الحديث الذي استدل به إمامكم: فهذا الحديث رواه البخاري (١٣٣٣) ومسلم (١٤) وليس في صحته إشكال، لكنه أُتي من سوء فهمه له، ولو وقف على رواياته وكلام أهل العلم لما استدل به على ما فهمه منه، فقد جاء في رواية عند البخاري (وعَلَّمَهُ شَرَائِعَ الإسْلام) وهذه اللفظة تشمل باقي الفرائض، وتشمل المندوبات. قال الحافظ ابن حجر – ﵀: قوله: (فَإِذَا هُوَ يَسْأَل عَن الإِسْلام) أي: عن شرائع الإسلام , ويحتمل أنه سأل عن حقيقة الإسلام , وإنما لم يذكر له الشهادة لأنه علم أنه يعلمها، أو علم أنه إنما يسأل عن الشرائع الفعلية , أو ذكرها ولم ينقلها الراوي لشهرتها , وإنما لم يذكر الحج إما لأنه لم يكن فرض بعد أو الراوي اختصره , ويؤيد هذا الثاني ما أخرجه المصنِّف – أي: البخاري - في الصيام من طريق إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل في هذا الحديث قال: " فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام " , فدخل فيه باقي المفروضات بل والمندوبات ... . قوله: (وَذَكَرَ رَسُولُ الله ﷺ الزَّكَاةَ) في رواية إسماعيل بن جعفر قال: " أخبرني بما فرض الله عليَّ من الزكاة , قال فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام " , فتضمنت هذه الرواية أن في القصة أشياء أجملت , منها بيان نصب الزكاة؛ فإنها لم تفسر في الروايتين , وكذا أسماء الصلوات , وكأن السبب فيه شهرة ذلك عندهم , أو القصد من القصة بيان أن المتمسك بالفرائض ناج وإن لم يفعل النوافل ... . فإن قيل: أما فلاحه بأنه لا ينقص فواضح , وأما بأن لا يزيد فكيف يصح؟ أجاب النووي بأنه أثبت له الفلاح لأنه أتى بما عليه، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مفلحا , لأنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى. " فتح الباري " (١ / ١٠٨) . ونرجو من الإمام أن يتأمل لفظة " وعلمه شرائع الإسلام "، كما نرجو أن يتأمل نهاية ما نقلناه عن الحافظ ابن حجر، والذي أقرَّ فيه كلام الإمام النووي، بأن الفلَاح يكون أولى لمن جاء بالواجبات وأضاف إليها المندوبات. خامساً: نوصيكم بالمحافظة على أوامر الله تعالى ورسوله ﷺ ، كما نوصيكم بالمحافظة على تطبيق السنن والمستحبات، دون غلو وتشدد، وتعليم ذلك للناس بحكمة وحسن أسلوب، ولا يجوز لكم تنفير الناس بالتشدد فيما فيه سعة، أو بجعل المستحبات واجبات، أو بالتشدد في النكير على الناس، وخاصة خاصتهم كإمام المسجد أو المفتي أو من له منزلة عند الناس، واستمعوا لهذه النصيحة الجامعة من عالم فاضل. قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -: يجب عليك الالتزام بسنة رسول الله ﷺ والمحافظة عليها، وألا تلتف إلى عذل من يعذلك، أو يلومك في هذا، أما أن الوالدين يلومانك في تمسكك بالسنة ويريدان منك التساهل في ذلك: فلا تطعهما في هذا الأمر، خصوصاً إذا كانت هذه السنن من الواجبات التي يجب التمسك بها، لا في المستحبات، وإذا لم يصل الأمر إلى التشدد، أما إذا كان الأمر بلغ بك إلى حد التشدد: فلا ينبغي لك، ولكن ينبغي الاعتدال والتوسط في تطبيق السنن، والعمل بها، من غير غلو وتشدد، ومن غير تساهل ولا تفريط، هذا هو الذي ينبغي عليك، وعلى كل حال أنت مثاب - إن شاء الله - وعليك بالتمسك بسنة رسول الله ﷺ وإقناع من يلومك في هذا، خصوصًا الوالدين، عليك أن تتبعهما وأن ترغبهما في السنن وتبين لهما ما في ذلك من الثواب والخير، فلعله أن يزول عنهما هذا الاعتراض أو هذا الاستغراب، ولعله أيضاً أن يكون هذا العمل سبباً في التزامهما أيضاً بالسنن والاقتداء، وتكون أنت داعية إلى الله ، ولا شك أن الإنسان الذي يدعو إلى الله يجب أول ما يدعو أقاربه وأقرب الناس إليه، والوالدان من أقرب الناس إليك. فعلى كل حال إذا كان تمسكك بالسنن لا ينتهي إلى حد الإفراط والغلو: فهو أمر محمود، وعليك أن تستمر عليه، وأن تدعو إليه والديك وغيرهما، والله أعلم. " المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (٢ / ٣٠١، ٣٠٢) . وأخيرا: كما أن من التشدد المذموم أن ننزل المستحب منزلة الأمر الواجب، أو المكروه منزلة المحرم، أو نلزم أنفسنا بما لم يلزمنا الله تعالى به؛ فكذلك من الجهل بأصول الشريعة أن نهدر الأصل العام العظيم، وهو وجوب الألفة والمحبة بين المسلمين، والاجتماع على حبله المتين، وصيانة عرض المسلم من السلب والعيب، فضلا عن العدوان والأذى والضرب، من الجهل أن نهدر ذلك كله لأجل أن هذا تمسك بأمر مستحب، وغيره لا يراه مستحبا، أو لا يلتزم به، وبالمقابل العدوان على عرض المسلم أو حقه لأجل أنه أخل بأمر يستمسك به غيره، وبمثل ذلك ينال العدو اللعين مراده من المؤمنين؛ فكيف لو كان ذلك في بلاد المهجر والغربة، حيث يرانا غيرنا صورة لديننا. روى الإمام مسلم في صحيحه (٢٨١٢) عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فأما صفة الصلاة: ومن شعائرها مسألة البسملة؛ فإن الناس اضطربوا فيها نفيا وإثباتا: في كونها آية من القرآن، وفي قراءتها، وصنفت من الطرفين مصنفات يظهر في بعض كلامها نوع جهل وظلم مع أن الخطب فيها يسير. وأما التعصب لهذه المسائل ونحوها فمن شعائر الفرقة والاختلاف الذي نهينا عنها ; إذ الداعي لذلك هو ترجيح الشعائر المفترقة بين الأمة وإلا فهذه المسائل من أخف مسائل الخلاف جدا لولا ما يدعو إليه الشيطان من إظهار شعار الفرقة ... " ثم قال: " ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات، لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا، كما ترك النبي ﷺ تغيير بناء البيت، لما في إبقائه من تأليف القلوب، وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر، ثم صلى خلفه متما، وقال: الخلاف شر. " مجموع الفتاوى (٢٢/٤٠٥-٤٠٧٩) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14457

تختلط مع قريبها وتكشف وجهها أمامه وتكلمه في الهاتف [السُّؤَالُ] ـ[أنا معلمة حلقة ولدي طالبة في العشرين من عمرها، بنَتْ علاقة مع أحد أقربائها من غير المحارم (قيل إنه مستقيم) فإذا حصل اجتماع للعائلتين تكشف له عن وجهها من غير خلوة بحيث يكون معهم أطفال صغار، وعندما نُصحت قالت: مادام أنه قريب: فلا حرج من ذلك، وهي تحدثه في الهاتف، هي لا تعلم أنني أعرف شيئا من ذلك، فماذا أفعل؟ وكيف أواجهها - مع العلم أنني أخاف من عنادها، وابتعادها عن الحلقة، وهي بأشد الحاجة إليها -؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا شك أن هذه الأخت بحاجة لنصيحة وتوجيه، ومن يُزعم بأنه مستقيم من أقربائها يحتاج للأمر نفسه؛ وليس من شك في أنهما يفتحان عليهما بتلك العلاقة التي بدآ فيها بابا من الفتنة، وطريقا إلى الإثم والعدوان، ثم لا يؤمن ما يكون من عاقبة ذلك، ولا يدري أحد أين ينتهي بهما المطاف. عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا وَلَا تتعوجوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ جَوْفِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ؛ لَا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ!! وَالصِّرَاطُ الْإِسْلَامُ وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ وَالدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ) رواه الإمام أحمد (١٧١٨٢) وصححه الألباني في ظلال الجنة (١٩) . وقوله: (ويحك) زجر له من تلك الهمة، وهي كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها. (لا تفتحه فإنك إن فتحته تلجه) أي تدخل الباب وتقع في محارم الله، قال الطيبي: هذا يدل على أن قول أبواب مفتحة أنها مردودة غير مغلقة. " فيض القدير" (٤/٣٣٤) . قال ابن رجب ﵀: " ومن كان في الدنيا قد خرج عن الاستقامة على الصراط ففتح أبواب المحارم التي في ستور الصراط يمنة ويسرة، ودخل إليها، سواء كانت المحارم من الشهوات أو من الشبهات، أخذته الكلاليب التي على ذلك الصراط، يمنة ويسرة، بحسب ما فتح في الدنيا من أبواب المحارم؛ فمنهم المكدوس في النار، ومنهم من تخدشه الكلاليب وينجو. " " شرح حديث مثل الإسلام " ص (٤٤) . إن القرابة التي أشار إليها السؤال داعية إلى أمرين: الأمر الأول: أن يكون حرص القريب على قريبه، وصيانته له أكثر من حرص غيره، فلا يساعده على فتح باب الحرام , ولا الولوج في الشهوات أو الشبهات، بل يكون حرصه على قريبه لحق الإسلام أولا،ثم لحق القرابة التي بينهما ينبغي أن يتأكد ذلك الحرص الأمر الثاني: لما كان كثير من الناس يتساهلون في الخلطة بين الأقرباء، وقل منهم من يصون الحرمة، ويردع نفسه من مواطن الفتن، شدد الشرع في سد باب الفتنة بالقريب، الذي لا يتحفظ الناس منه، أكثر غيره، حتى لقد شبهه بالموت!! عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) رواه البخاري (٤٩٣٤) ومسلم (٢١٧٢) . وانظري شرح الإمام النووي لهذا الحديث في جواب السؤال (١٢٨٣٧) . وفي الجواب المحال عليه فتوى للشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀ – في جواز جلوس المرأة مع أقاربها بشرطين: الأول: أن تكون بحجابها الكامل، بما فيه وجهها ويداها. والثاني: عدم وجود ريبة. وكلا الشرْطين مفقودان هنا، فهي تجلس مع قريبها كاشفةً لوجهها، ولا شك أن مجلسهما فيه ريبة، ومن آثار تلك المجالس: المحادثات التي تمت بينهما، وهي محرَّمة - أيضاً -، وقد بيَّنا فتاوى أهل العلم في هذه المسألة في جواب السؤالين: (٢٦٨٩٠) و (١٠٢٢١) . ثانياً: يجب عليكِ التلطف في دعوتها ونصحها وتذكيرها، وعليكِ استعمال الحكمة والموعظة الحسنة، والرفق في النصح مظنة الاستجابة، والموعظة المؤثرة مظنة تأثر القلب. قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل/١٢٥. وقال تعالى لموسى وهارون: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) طه/٤٣، ٤٤. وانظري جواب السؤالين (٦٠٢٤٤) و (١٣٢٦١) ففيهما فوائد مهمة. وإذا خشيت نفرتها من المواجهة، أو عنادها، فيمكنك أن تلمحي لها بما تريدين، وتورِّي لها بمقصودك، كأن تذكري أمامها بعض الأحاديث التي تحذر من الفتنة بالرجل الأجنبي، وخاصة القريب، وأن تعطيها بعض الأشرطة أو الرسائل والمطويات التي تتكلم عن ذلك، وخطورة التساهل في ذلك الأمر على دين المرأة وعفتها. وأظهري لها الكلام بصفة العموم، كأنك لا تعرفين شيئا عن حالها. ثم حمليها أمانة الدعوة إلى الله، ونشر ذلك الأدب بين المسلمات، وأنه لا يكفي الفتاة أن تصون نفسها من الفاحشة، أو مقدماتها من الاختلاط المحرم، والعلاقات المرفوضة شرعا، بل يجب عليها أيضا أن تدعو غيرها إلى الله تعالى، وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، بحسب طاقتها. ثالثاً: إذا لم تجد هذه التورية، ولم ينفع التلميح، فيمكنك أن تتلطفي في مواجهتها بما تفعل، فهي كبيرة في السن وتفهم الكلام، وهي – كذلك – طالبة في حلقة قرآنية، وتصرفاتها لا تُحسب عليها فقط بل على مكان تعلمها وتربيتها، وأعلميها أن ذلك هو من باب محبتها ومحبة الخير لها، والخوف عليها، وليس من باب الرقابة والسلطان على تصرفات الغير؛ فكثير من الناس ينفر من الحق، لا لشيء إلا لأنه يعتبر أن من ينصحه نصب نفسه رقيبا عليه. ويمكنك أن تركزي على مجموعة من الأمور في نصحها: ١. أن تبيِّني لها منزلة الحياء في الشرع، وكيف كانت نساء النبي ﷺ ، ونساء الصحابة على قدر عظيم من هذا الخُلُق. ٢. تنبيهها على وقوعها في محاذير شرعية، مثل كشف وجهها أمام ذلك الأجنبي، وتلك المجالس المختلطة، والحديث معه في الهاتف، وسبقت الإحالة على فتاوى كثيرة لأهل العلم في هذه المواضيع. وقد بيَّنا في جواب السؤالين (١١٧٧٤) و (٢١٥٣٦) حكم تغطية الوجه والكفين فلينظرا. ٣. تذكيرها بقصص واقعية لضحايا الاختلاط والمحادثات والمراسلات مع الأجانب، وهي أكثر من أن تُحصى. وانظري جواب السؤال رقم (٢٠٧٨٤) . وقد سبق في جواب السؤال رقم (١٢٠٠) تفصيل الحكم في الاختلاط، وذِكر آثاره السيئة. ٤. الاتصال بوالدتها أو زيارتها لنصحها وتذكيرها بخطأ ما يفعلونه في بيتهم، وأثر ذلك على عليهم، وعلى ابنتهم خاصة. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14458

كيف يدعو صاحبه إلى السنة والجماعة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[كيف لي أن أدعوَ أخًا لي مسلما، ولكنه صوفي، أَحسنَ إليَّ كثيرًا، يداوم على حضور دروس العلماء، ومع عدم وجود ناصر من العلماء ممن قد يساندوني في ذلك، مع علمكم بصعوبة الإقناع للصوفيين، وخصوصًا في الوسط ذاته، ومع العلم أنه يتهم السلفيين بأنهم تكفيريون، وغير ذلك؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نسأل الله أن يجزيك خير الجزاء على حرصك ومتابعتك لأخيك في أمور الدين، ولا شك أن من أكبر نعم الله على العبد أن يجعل قلبه حيًا نابضًا بالدعوة إليه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والداعية إلى الله يحتاج في دعوته إلى العلم والبصيرة. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " تأمل أيها الشاب المسلم الواعي الداعي إلى الله قوله تعالى (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) يوسف/١٠٨. أي: على بصيرة فيما تدعو إليه، وعلى بصيرة بحال المدعو، وعلى بصيرة في كيفية الدعوة، إذًا هناك شروط يجب مراعاتها، منها: أولاً: أن يكون على بصيرة فيما يدعو إليه، بأن يكون عالمًا بالحكم الشرعي فيما يدعو إليه؛ لأنه قد يدعو إلى شيء يظن أنه واجب وهو في الشرع غير واجب، فيلزم عباد الله بما لم يلزمهم به الله، وقد يدعو إلى ترك شيء يظن أنه محرم، وهو في دين الله غير محرم، فيحرم على عباد الله ما أحله الله لهم. ثانيًا: أن يكون على بصيرة بحال المدعو: لا بد أن تعلم حال المدعو، ما مستواه العلمي؟ وما مستواه الجدلي؟ حتى تتأهب له فتناقشه وتجادله؛ لأنك إذا دخلت مع مثل هذا في جدال، وكان الأمر عليك لقوة جدله، صار في هذا نكبة عظيمة على الحق وأنت سببها، ولا تظن أن صاحب الباطل يخفق في كل حال. ثالثًا: أن يكون على بصيرة في كيفية الدعوة، فأحث إخواني الدعاة على استعمال الحكمة والتأني، وهم يعلمون أن الله تعالى يقول: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَاّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ) البقرة/٢٦٩ " انتهى. "فتاوى الحرم المكي" (ص/١٠٦٣- ١٠٦٦ بتصرف) . وانظر سؤال رقم (٢٠٢٣) . وينبغي هنا أن تتنبه إلى بعض الأمور: أولاً: لا تستعمل أسلوب التعميم، كأن تحكم على التصوف في أصل فكرته بالبدعة والضلال، أو تحكم على جميع المتصوفة بالضلال، بل عليك بالاحتراز في الكلام، كأن تقول له مثلاً: من فعل كذا أو قال كذا من الصوفية أو غيرهم فقد وقع في البدعة، أو نحو ذلك من العبارات. ولم يحكم العلماء على التصوف جميعه بالضلال، بل قسموا التصوف إلى أقسام، ثم بينوا ما يوافق السنة منها وما يخالفها. قال الشيخ محمد بن إبراهيم: " المتصوفة على قسمين: متصوفة سُنِّيِّين، ومتصوفة بدعِيِّين، ومقتصدوهم ليس فيهم إلا القليل من البدعة، وبعضهم عنده الشيء الكثير، وجعلوا التصوف نافذة إلى وحدة الوجود " انتهى. "مجموع فتاوى ابن إبراهيم" (١/ رقم ١٩٢) . وإن كان الغالب على الصوفية الآن الوقوع في البدع والضلالات. وقد سبق بيان ذلك في سؤال رقم (٤٩٨٣) (٤٧٤٣١) (٢٠٣٧٥) . فيمكنك أن تدخل له من هذا المدخل، ثم تحاكم التصوف الذي يلتزمه صاحبك إلى الكتاب والسنة، فإن كان حقا فالحمد لله، وإن كان باطلاً رجع عنه إن شاء الله. ثانيًا: وأما اتهامه للسلفيين بأنهم تكفيريون، فهي تهمة سمعناها كثيراً، وتكفير من قام الدليل على تكفيره ليس عيباً ولا خطأً، بل العيب والخطأ هو عدم تكفير من دل الدليل على تكفيره، ونحن لا ننكر أن بعض من ينتسب إلى السلفيين قد تساهل في إطلاق لفظ الكفر، ولكن ليس هذا هو منهج أهل السنة والجماعة، فأهل السنة لا يكفرون أحدا بمجرد معصية فعلها، ولو كانت كبيرة، بل لابد من قيام الدليل الشرعي على أن هذا الفعل كفر، ثم توفر الشروط وانتفاء الموانع حتى يحكم على الشخص بأنه كافر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أهل القبلة بمجرد الذنوب، ولا بمجرد التأويل، بل الشخص الواحد إذا كانت له حسنات وسيئات فأمره إلى الله " انتهى. "مجموع الفتاوى" (٢٧/٤٧٨) . وقال ﵀: " وليس لأحد أن يُكفِّر أحداً من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة " انتهى. "مجموع الفتاوى" (١٢/٤٦٦) . وبيّن ﵀ أن أهل السنة لا يكفرون المخالف لهم، وإن كان مخالفهم يكفرهم - أحيانًا - قال ﵀: " وأئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعدلون على من خرج منها، ولو ظلمهم، كا قال تعالى (كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) المائدة/٨. ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون لهم الشر ... ، فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم؛ لأن الكفر حكم شرعي " انتهى. "الرد على البكري" (ص/٢٥٦ – ٢٥٨) . ثالثًا: إن لم يكن عندك من العلم ما يكفي لإقناعه، والإجابة عن الشبهات التي يحملها، فيمكنك إيصال الحق له عن طريق الكتاب النافع، والشريط المقنع، أو عن طريق زيارة أهل العلم في بلدكم أو في غيرها من البلاد، للسماع منهم وسؤالهم، وقد باتت وسائل الخير متيسرة لجميع الناس هذه الأيام – والحمد لله -، ولا تحتقرن شيئًا من ذلك، فلعل شريطًا تهديه إليه يكون سببًا في هدايته. رابعًا: لا تيأس من دعوته وهدايته، ولو طال الزمن، فكم من الناس تاب ورجع إلى الحق بعد سنوات من دعوته وتذكيره. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14459

تحدثت مع رجال عبر الإنترنت ثم تابت من ذلك [السُّؤَالُ] ـ[أرجو المساعدة فالأمر في غاية الأهمية! أسلمت منذ ٤ سنوات وتزوجت من ٣ سنوات تقريباً، وأنا لا أعيش مع زوجي لأننا تزوجنا سرّاً، وأهله لا يعرفون عني شيئاً حتى الآن، وأن لا تتاح لي فرصة رؤية زوجي بالعدد الذي أرغبه، ولذلك فقد أصبحت أشعر بالوحدة، ونتيجة لغبائي وأنانيتي وتعجلي فقد بدأت أتحدث إلى رجال من غير المحارم عبر شبكة الإنترنت!!! (وأسأل الله أن يغفر لي) ، لقد تحدثت مع عدد منهم، وأخبرتهم أني لست متزوجة، وأخبرت بعضهم أني مطلقة أو سأحصل على الطلاق في وقت قريب، كما أني أعطيت أحدهم صورة قديمة أظهر فيها بدون حجاب، حيث يظهر شعر رأسي ورقبتي ويداي!!!! حدث كل هذا قبل أشهر معدودة، وقد تبت الآن من جرائمي، كما أني بكيت خوفا من القبر ويوم الحساب، أنا أخاف الله كثيراً، وقد قطعت جميع العلاقات مع هؤلاء الأشخاص، أنا لا أتحدث الآن إلى أي رجل عبر الإنترنت لأني أعلم أن الشيطان يغري الإنسان، أنا أشعر بالخجل فعلا عما فعلت، وأشعر بالكثير من الذنب لذلك، أنا أحب زوجي وهو يحاول أن يخبر أهله بخصوصي إن شاء الله، أنا لا أريد أن أخسره، هل يجب عليَّ إخباره بما فعلت؟ وماذا عن الصورة؟ أنا أكره ما فعلت لكن ماذا لو أن الشاب لا يزال يحتفظ بها؟ هل سأذهب للنار؟ وفيما يتعلق بإخباري للناس أني كنت مطلقة، أو أني سأطلق، هل يؤثر ذلك على صحة زواجي؟ أعلم أني أفسدت وحطمت حياتي، لكني أرجو المساعدة، فالله يعلم وحده مقاصدي، أنا لا أريد أن أجرح أي شخص، أو أن أرتكب الخطأ في حق الله، أريد أن أعمل الأفضل لجميع الأشخاص، وأريد أن أستر على نفسي، فهل يمكنني ذلك؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الحمد لله الذي هداكِ للإسلام، وقد اختاركِ الله تعالى لتكوني من أتباع هذه الرسالة العظيمة، وهذا أعظم أسباب الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، فعليكِ المداومة على تذكر هذه النعمة الجليلة التي حُرمها الكثير، والقيام بشكر الله تعالى عليها بالقلب واللسان والجوارح. ثانياً: والحمد لله تعالى أن يسَّر لكِ الزواج من مسلم، وإن كنَّا نودُّ أن يكون زواجاً ليس فيه بعدٌ من زوجك عنكِ، وأن يعلم أهله عنه، وبما أن لإخفاء زوجك هذا الأمر عن أهله وابتعاده عنك دوراً كبيراً فيما حصل معكِ فإن عليك المسارعة في إصلاح هذا الأمر، وذلك بالطلب منه أن يجعل زواجكم علنيّاً، وأن يسارع في إخبار أهله، وأن يبقى إلى جانبك لإعانتك على طاعة الله تعالى، وعليه أن يتقي الله تعالى فيكِ وأن لا يعرضكِ للفتن، وليتنبه لهذه المسئولية الملقاة على عاتقه. ثالثاً: والحمد لله تعالى أن وفقكِ للتوبة والرجوع إليه قبل الانغماس في المعصية أو ارتكاب ما هو أشد منها، والمعصية يزينها الشيطان في نفس فاعلها، فإنْ تذكَّر عقوبة فِعلها وتذكَّر ما عند الله من الثواب على تركها، وعلم ما أعدَّه الله في الآخرة للطائعين: علِم أن ما عند الله خير وأبقى، وأن المعاصي مهما بلغ صاحبها في النشوة واللذة فهي إلى غمٍّ وهمٍّ ونكدٍ في الدنيا، وإلى عقوبة في الدار الآخرة، فاستمري على التوبة، وعلى ندمك على ما فعلتِ، واعزمي عزماً مؤكداً على عدم الرجوع إليها، وافعلي الطاعات تعويضاً عما فات وتقرباً إلى الله لزيادة الثواب. رابعاً: لا بدَّ أن تغلقي أبواب الفتن التي جاءتك المعاصي من خلالها، ونعني بذلك " تلك المحادثات " فعليك أن تبتعدي بالكلية عن تلك المحادثات الآثمة التي كانت مع الرجال، فلا يحل لك دخول الغرف الصوتية لهم ولا مراسلتهم والحديث معهم، وإن كانوا معك على " الماسنجر " فسارعي بشطب أسمائهم. وإن خشيت أن يكون دخولك على الإنترنت سيجرك إلى محادثة هؤلاء فامتنعي كليةً عن الدخول على الإنترنت، واكتفي بالأشرطة الصوتية النافعة، وقراءة الكتب النافعة، والبحث عن صحبة صالحة من بنات جنسكِ يدلونك على الخير، ويمنعونك من السوء والشر. ومن مقتضيات التوبة الصادقة التي يكون معها الندم والعزم على عدم الرجوع إليها أن تبتعدي عن مواضع الفتن الأخرى من مواقع محرمة، أو منتديات اللغو والفحش. ولو أنك فرَّغتِ نفسكِ لسماع الأشرطة وقراءة الكتب النافعة، وقراءة الأجوبة والمقالات من المواقع الإسلامية المعروفة بصحة الاعتقاد، وسلامة المنهج لما كفتكِ حياتك كلها لو طالت، فكيف تضيِّعين العمر فيما لا ينفع وبين يديك كنوز الخير من الكتب والمقالات والأشرطة؟! وهي حجة عليك يوم القيامة إن فرطتِ فيها، وليس لك أن تقولي إنني وحيدة ولا أعرف كيف أقضي وقتي، وأنتِ بين بساتين الخير فيها الورود والأزهار ذوات الروائح الزكية، فتنقلي بين تلك البساتين واحرصي على الخير لنفسك، واعلمي أن العمر قصير، ولو قضاه الإنسان كلَّه في طاعة الله للقي الله تعالى مقصِّراً فكيف له أن يضيعه في اللغو والمعصية؟! خامساً: من عادة كثير من الرجال في مخاطبتهم للنساء أن يحرصوا على الاستمرار معهن حتى إذا قضوا حاجتهم منهن انتقلوا إلى غيرهن، وهذا ما أنقذك الله منه، وهي نعمة لا تقدَّر بمال الدنيا، وتحتاج منكِ إلى المداوة على شكره تعالى، وكذلك يتركونهن إلى غيرهن إذا أيسوا منهن أو انقطعت بينهم الاتصالات، وقد يخطر ببال كثير منهم أن ما حصل من محادثات لم يكن مع امرأة، وأن الصورة ليست لواحدة بعينها، بل قد تكون من أي محل تصوير أو من مجلة أو من جريدة، فإذا قطعتِ الاتصال بهم نهائيّاً – وهذا ما وفقك الله لفعله - فإن الأمر سيكون على تلك الاحتمالات، ولا داعي للاهتمام بالصورة والحرص على تحصيلها، فقد تستخدم وسيلة ابتزاز كما حدث مع كثيرات، فانسي الأمر تماماً وفوِّضي أمرك إلى الله تعالى، فهو " ستِّير يحب الستر " كما قال النبي ﷺ ، وهو الذي وفقك للإسلام والتوبة، وهو الذي أنقذك، فلم تقعي في براثن تلك الذئاب، وهو الذي سيستر عليك، وييسر لك أمرك، بمشيئته ، وصور النساء اللاتي تُظهر أكثر مما في صورتك تملأ الشبكة – عياذاً بالله – فلن يبقى أحدٌ منهم حريصا على صورةٍ مثل تلك، وبين يديه الآلاف غيرها. سادساً: وإياكِ أن تخبري زوجكِ بما حصل، بل عليك أن تستتري بستر الله تعالى، وقد يتسبب إخبارك له بعواقب وخيمة، فدعي الأمر بينك وبين الله، توبي إليه ، واطلبي منه العفو والمغفرة، وأكثري من فعل الطاعات، واحرصي على أن يعلن زوجك زواجك لأهله، واطلبي منه أن يبقى إلى جانبك ليعينك على طاعة الله، ولا تفتحي على نفسكِ أبواباً مغلقة بإخباره عما حصل منكِ، فليس هناك فائدة في إخباره، بل قد يترتب عليه آثار ليست في مصلحتك ولا مصلحة بيتكِ. سابعاً: ليس في إخبارك لأحدٍ أنك " مطلَّقة " أو " أنك ستطلَّقين " أي أثر على صحة عقد زواجك، فاطمئني ولا تقلقي، ومثل هذه الكلمات قد يترتب عليها أمور أخرى لو قالها الزوج، أما الزوجة فلا أثر لنطقها بتلك الكلمات على عقد الزواج، فلا داعي للقلق من هذه الناحية، وليس هناك حكم يترتب على قولك سوى أن عليك التوبة والاستغفار لأنه إخبار بغير الحقيقة. ثامناً: أنتِ لم تفسدي حياتك بل أصلحتيها بإسلامك أولاً، وبتوبتك من تلك المعاصي ثانياً، واعلمي أن الله تعالى غفور رحيم، وأنه يقبل التوبة من عباده، وأنه يبدل سيئات الصادقين في توبتهم حسنات، وأنه تعالى قد يوفقك لصدقك في التوبة لأن تكوني أفضل حالاً وأقوى استقامة بعد ذلك الرجوع الصادق إليه ، فلا يتطرق اليأس والقنوط إلى قلبك، فقد قال نبينا محمد ﷺ : (كل بني آدم خطَّاء، وخير الخطائين التوَّابون) وأنتِ من بنات آدم، وقد أخطأتِ، فكوني من خير الخطائين وهم التوابون، ونرجو من الله تعالى أن يكون قد وفقك للتوبة النصوح، وأن يتقبل منك. واعلمي أن الله تعالى سيبدل سيئاتك حسنات لو أنك فعلتِ هذا، واسمعي ماذا يقول ربنا في هذا، قال تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) الفرقان/٦٨– ٧٠. والخلاصة: استمري على توبتك، وأغلقي أبواب الفتنة عليك، واحرصي على الطاعة والصحبة الصالحة، ولا تخبري زوجك بما حصل معك، وثقي بالله تعالى أنه سيستر عليك لو أنك صدقتِ في توبتك. ونرجو أن نكون قد أجبنا على تساؤلاتك، وستجدين هذا الموقع نصيراً لك، ودالاًّ لك على الخير، إن شاء الله تعالى، ونرجو أن نسمع عن تغير حالك إلى ما هو أحسن، وأن نرى زوجك أعلن زواجك أمام أهله، ونسأل الله تعالى أن يرزقك علماً نافعاً وعملاً صالحاً وذرية طيبة. والله الموفق. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14460

هل يدخل إلى المواقع باسم مستعار ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا ممن يدخل برنامج البالتوك للدعوة إلى الله، وسؤالي ما الحكم في دخول هذا البرنامج باسم مستعار من أجل الاستفادة والإفادة؟ لأننا سمعنا من يقول: إن هذا لا يجوز، وإنه يجب على الناس وخاصة الذي يدعو إلى الله أن يدخل باسمه الحقيقي، ويشوه صورة الدعاة وأهل الخير في البالتوك بحجة أن أسماءهم مستعارة.. علما يا شيخ أن أغلب من يدخلون الغرف وخاصة الإسلامية يدخلونها بأسماء مستعارة تجنبا للمشاكل وخوفا من الرياء ونحو ذلك.. فهل كلام هذا الرجل صحيح؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الذي يظهر أن هذا الفعل جائز، ولا حرج فيه، وذلك لما يلي: ١- أن عامة رواد هذه المواقع، يعلمون أن هذا الاسم ليس حقيقيا، وإنما هو رمز أو إشارة إلى الكاتب. ٢- أن هذا لا يعد من الكذب، لأن أصحاب هذه المواقع لا يشترطون أن يكون الدخول إليها بالاسم الحقيقي. ٣- أنه لا مانع من أن يلقب الإنسان نفسه بلقب، أو يكني نفسه بكنية، فيقوم هذا اللقب أو الكنية مقام الاسم، ولا يعد ذلك من الكذب. ٤- قد يجلب الدخول بالاسم الحقيقي ضررا لبعض الأشخاص، فيختار الدخول باسم مستعار أو بكنية ونحو ذلك. ٥- قد يكون في إخفاء الاسم الحقيقي مصلحة كما لو كان لداعية معروف، بحيث لو عُرف اسمه لأحجم أهل البدع عن مناظرته والكلام معه، لما يعلمون من قوة حجته، أو قد يتم حجبه من المسئولين عن الموقع ـ ونحو ذلك. فلهذا لا حرج في الدخول إلى المواقع والمنتديات بأسماء مستعارة. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →