Полный текст (16 344 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
حديث توسل آدم بالنبي وتفسير: (وابتغوا إليه الوسيلة)
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) المائدة/٣٥، وذلك ردّاً على الصوفية في التوسل، حيث إن بعضهم فسرها بجواز التوسل بالأنبياء والأولياء، أما بالنسبة لحديث آدم لما اقترف الخطيئة فيقولون: إن البيهقي صحح الحديث، وإن الذهبي أثنى على هذا الكتاب.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
حديث اقتراف آدم للخطيئة وتوسله بالنبي ﷺ حديث موضوع مكذوب على النبي ﷺ وعلى آدم ﵇.
وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٣٤٧١٥) ونقلنا عن أهل العلم تبيينهم لكذبه، ومن هؤلاء العلماء الإمام الذهبي ﵀.
والبيهقي ﵀ لم يرو الحديث في سننه، بل رواه في "دلائل النبوة" (٥/٤٨٩) وضعَّفه، فقد قال بعد سياقه للحديث: " تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف ".
ومما يرجح نكارة المتن وبطلانه: أن الدعاء الذي قبِل الله به توبة آدم هو ما قاله الله في سورة الأعراف: (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) الأعراف/٢٣، فهذا هو الدعاء الذي دعا به آدم وحواء، وفيه دعاء الله تعالى وحده، والتوسل بأسمائه وصفاته، والتوسل بذكر حالهم، وهي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه ثم قالها فتاب الله تعالى عليه، كما قال تعالى: (فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) البقرة/٣٧.
ثانياً:
أما تفسير لفظ " الوسيلة " في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) المائدة/٣٥: فهي الطريق الموصلة إلى الله تعالى، ولا طريق موصلة إليه إلا الطريق التي يحبها الله ويرضى عنها، وتكون بطاعته وترك معصيته.
قال ابن كثير ﵀:
" يقول تعال آمراً عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بطاعته كان المراد بها الانكفاف من المحارم وترك المنهيات، وقد قال بعدها: (وابتغوا إليه الوسيلة) قال سفيان الثوري عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس: أي: القربة، وكذا قال مجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد، وقال قتادة: أي: تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، وقرأ ابن زيد: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة) ، وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه.
والوسائل والوسيلة: هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود " انتهى.
"تفسير ابن كثير" (٢/٥٣، ٥٤) .
وقال الشنقيطي ﵀:
" اعلم أن جمهور العلماء على أن المراد بالوسيلة هنا هو القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه على وفق ما جاء به محمد ﷺ بإخلاص في ذلك لله تعالى؛ لأن هذا وحده هو الطريق الموصلة إلى رضى الله تعالى، ونيل ما عنده من خير الدنيا والآخرة.
وأصل الوسيلة: الطريق التي تقرب إلى الشيء، وتوصل إليه وهي العمل الصالح بإجماع العلماء؛ لأنه لا وسيلة إلى الله تعالى إلا باتباع رسوله ﷺ ، وعلى هذا فالآيات المبينة للمراد من الوسيلة كثيرة جدّاً كقوله تعالى: (وَمَآءَاتَـ?كُمُ ?لرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـ?كُمْ عَنْهُ فَ?نتَهُواْ) ، وكقوله: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ?للَّهَ فَ?تَّبِعُونِى) ، وقوله: (قُلْ أَطِيعُواْ ?للَّهَ وَأَطِيعُواْ ?لرَّسُولَ) ، إلى غير ذلك من الآيات.
وروي عن ابن عباس ﵄ أن المراد بالوسيلة الحاجة. . .
وعلى هذا القول الذي روي عن ابن عباس فالمعنى: (وَ?بْتَغُواْ إِلَيهِ ?لْوَسِيلَةَ) : واطلبوا حاجتكم من الله؛ لأنه وحده هو الذي يقدر على إعطائها، ومما يبين معنى هذا الوجه قوله تعالى: (إِنَّ ?لَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ?للَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَ?بْتَغُواْ عِندَ ?للَّهِ ?لرِّزْقَ وَ?عْبُدُوهُ) ، وقوله: (وَ?سْأَلُواْ ?للَّهَ مِن فَضْلِهِ) ، وفي الحديث: (إذا سألتَ فاسأل الله) .
ثم قال الشنقيطي ﵀: التحقيق في معنى الوسيلة هو ما ذهب إليه عامة العلماء من أنها التقرب إلى الله تعالى بالإخلاص له في العبادة، على وفق ما جاء به الرسول ﷺ ، وتفسير ابن عباس داخل في هذا؛ لأن دعاء الله والابتهال إليه في طلب الحوائج من أعظم أنواع عبادته التي هي الوسيلة إلى نيل رضاه ورحمته.
وبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهَّال المدعين للتصوُّف من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه: أنه تخبط في الجهل والعمى وضلال مبين، وتلاعب بكتاب الله تعالى، واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار، كما صرح به تعالى في قوله عنهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ?للَّهِ زُلْفَى?) وقوله: (وَيَقُولُونَ هَـ?ؤُلا?ءِ شُفَعَـ?ؤُنَا عِندَ ?للَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ?للَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ?لسَّمَوَتِ وَلَا في ?لأرْضِ ? عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رِضى الله وجنته ورحمته هي اتباع رسوله ﷺ ، ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل، (لَّيْسَ بِأَمَـ?نِيِّكُمْ وَلا? أَمَانِىِّ أَهْلِ ?لْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُو?ءًا يُجْزَ بِهِ) .
وهذا الذي فسرنا به الوسيلة هنا هو معناها أيضاً في قوله تعالى: (أُولَـ?ئِكَ ?لَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى? رَبِّهِمُ ?لْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) ، وليس المراد بالوسيلة أيضاً المنزلة التي في الجنة التي أمرنا ﷺ أن نسأل له الله أن يعطيه إياها، نرجو الله أن يعطيه إياها؛ لأنها لا تنبغي إلا لعبد، وهو يرجو أن يكون هو " انتهى باختصار.
"أضواء البيان" (٢/٨٦– ٨٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1472
يسأل عن الصابئة: من هم؟ وما حقيقة مذهبهم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ورد ذكر الصابئة في عدة آيات من القرآن، فمن هم؟ وما الدين الذي يدينون به؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذكرت هذه الطائفة من الناس في ثلاثة مواضع من القرآن؛ فأولها في قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة/٦٢، والثاني في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) الحج/١٧، والثالث قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) المائدة/٦٩.
والصابئة جمع صابئ، اسم فاعل من صَبَأ يصبَأ، إذا خرج من دين إلى آخر.
قال الطبري: (والصابئون، جمع صابئ، وهو المستحدث سوى دينه دينا، كالمرتد من أهل الإسلام عن دينه، وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره، تسميه العرب: صابئا ... يقال صبأت النجوم: إذا طلعت..) انظر تفسير الطبري ٢/١٤٥، لسان العرب صبأ
وأما مذهبهم، فقال ابن القيم، ﵀: (وقد اختلف الناس فيهم اختلافا كثيرا، وأشكل أمرهم على الأئمة لعدم الإحاطة بمذهبهم ودينهم؛ فقال الشافعي رحمه الله تعالى: هم صنف من النصارى، وقال في موضع: ينظر في أمرهم؛ فإن كانوا يوافقون النصارى في أصل الدين، ولكنهم يخالفونهم في الفروع، فتؤخذ منهم الجزية، وإن كانوا يخالفونهم في أصل الدين لم يقروا على دينهم ببذل الجزية....
وأما أقوال السلف فيهم فذكر سفيان عن ليث عن مجاهد قال: هم قوم بين اليهود والمجوس ليس لهم دين، وفي تفسير شيبان عن قتادة قال: الصابئة قوم يعبدون الملائكة ... )
قال ابن القيم: (قلت: الصابئة أمة كبيرة، فيهم السعيد والشقي، وهي إحدى الأمم المنقسمة إلى مؤمن وكافر، فإن الأمم قبل مبعث النبي، ﷺ ، نوعان: نوع كفار أشقياء كلهم، ليس فيهم سعيد، كعبدة الأوثان والمجوس، ونوع منقسمون إلى سعيد وشقي، وهم اليهود والنصارى والصابئة، وقد ذكر الله سبحانه النوعين في كتابه، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون) البقرة/٦٢، وكذلك قال في المائدة، وقال في سورة الحج (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) فلم يقل هاهنا: من آمن منهم بالله واليوم الآخر، لأنه ذكر معهم المجوس والذين أشركوا؛ فذكر ست أمم، منهم اثنتان شقيتان، وأربع منهم منقسمة إلى شقي وسعيد، وحيث وعد أهل الإيمان والعمل الصالح منهم بالأجر ذكرهم أربع أمم ليس إلا، ففي آية الفصل بين الأمم أدخل معهم الأمتين، وفي آية الوعد بالجزاء لم يدخلها معهم، فعلم أن الصابئين فيهم المؤمن والكافر، والشقي والسعيد.
وهذه أمة قديمة قبل اليهود والنصارى، وهم أنواع: صابئة حنفاء، وصابئة مشركون. وكانت حران دار مملكة هؤلاء قبل المسيح، ولهم كتب وتآليف وعلوم، وكان في بغداد منهم طائفة كبيرة، منهم إبراهيم بن هلال الصابئ صاحب الرسائل، وكان على دينهم ويصوم رمضان مع المسلمين، وأكثرهم فلاسفة ولهم مقالات مشهورة ذكرها أصحاب المقالات.
وجملة أمرهم أنهم لا يكذبون الأنبياء ولا يوجبون اتباعهم، وعندهم أن من اتبعهم [يعني اتبع الأنبياء] فهو سعيد ناج وأن من أدرك بعقله ما دعوا إليه، فوافقهم فيه وعمل بوصاياهم، فهو سعيد، وإن لم يتقيد بهم، فعندهم دعوة الأنبياء حق، ولا تتعين طريقا للنجاة، وهم يقرون أن للعالم صانعا مدبرا حكيما منزها عن مماثلة المصنوعات، ولكن كثيرا منهم، أو أكثرهم، قالوا: نحن عاجزون عن الوصول إلى جلاله بدون الوسائط؛ والواجب التقرب إليه بتوسط الروحانيين المقدسين المطهرين عن المواد الجسمانية، المبرئين عن القوى الجسدية، المنزهين عن الحركات المكانية والتغييرات الزمانية، بل قد جبلوا على الطهارة، وفطروا على التقديس.
ثم ذكر أنهم يعبدون هذه الوسائط ويتقربون إليها، ويقولون: (هم آلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب، وإله الآلهة)
ثم قال، ﵀: (فهذا بعض ما نقله أرباب المقالات عن دين الصابئة وهو بحسب ما وصل إليهم، وإلا فهذه الأمة فيهم المؤمن بالله وأسمائه وصفاته وملائكته ورسله واليوم الآخر وفيهم الكافر، وفيهم الآخذ من دي الرسل بما وافق عقولهم واستحسنوه، فدانوا به ورضوه لأنفسهم.
وعقد أمرهم أنهم يأخذون بمحاسن ما عند أهل الشرائع بزعمهم، ولا يوالون أهل ملة ويعادون أخرى، ولا يتعصبون لملة على ملة. والملل عندهم نواميس لمصالح العالم، فلا معنى لمحاربة بعضها بعضا بل يؤخذ بمحاسنها وما تكمل به النفوس، وتتهذب به الأخلاق، ولذلك سموا صابئين كأنهم، صبؤوا عن التعبد بكل ملة من الملل، والانتساب إليها، ولهذا قال غير واحد من السلف: ليسوا يهودا ولا نصارى ولا مجوسا.
وهم نوعان صابئة حنفاء وصابئة مشركون؛ فالحنفاء هم الناجون منهم وبينهم مناظرات ورد من بعضهم على بعض، وهم قوم إبراهيم كما أن اليهود قوم موسى،والحنفاء منهم أتباعه) أحكام أهل الذمة ١/٩٢-٩٨
وما ذكره من انقسام الصابئة إلى موحدين ومشركين قرره شيخ الإسلام أيضا في غير موضع. انظر الرد على المنطقيين [٢٨٧-٢٩٠،٤٥٤-٤٥٨] ، منهاج السنة، تعليق المحقق [١/٥] . وانظر أيضا بحث الشيخ ابن عاشور للمسألة عند تفسيره لآية البقرة.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1473
تفسير قوله تعالى: (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ)
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ؟ وعلى من تعود الخشية؟ ونحن جميعاً نعلم أن الله لا يخشى أحدا، وإنما يخشاه العباد؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) فاطر/٢٨.
فالفاعل هنا: (العلماءُ) فهم أهل الخشية والخوف من الله.
واسم الجلالة (الله) : مفعول مقدم.
وفائدة تقديم المفعول هنا: حصر الفاعلية، أي أن الله تعالى لا يخشاه إلا العلماءُ، ولو قُدم الفاعل لاختلف المعنى ولصار: لا يخشى العلماءُ إلا اللهَ، وهذا غير صحيح فقد وُجد من العلماء من يخشون غير الله.
ولهذا قال شيخ الإسلام عن الآية:
" وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ خَشِيَ اللَّهَ فَهُوَ عَالِمٌ. وَهُوَ حَقٌّ، وَلا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ عَالِمٍ يَخْشَاهُ " انتهى من "مجموع الفتاوى" (٧/٥٣٩) .
وانظر: "تفسير البيضاوي" (٤/٤١٨) ، و "فتح القدير" (٤/٤٩٤) .
وأفادت الآية الكريمة أن العلماء هم أهل الخشية، وأن من لم يخف من ربه فليس بعالم.
قال ابن كثير ﵀:
" إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير أتم والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير ... وقال سعيد بن جبير: الخشية هي التي تحول بينك وبين معصية الله . وقال الحسن البصري: العالم من خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سخط الله فيه، ثم تلا الحسن: (إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور) .
وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية. . .
وقال سفيان الثوري عن أبي حيان التيمي عن رجل قال: كان يقال العلماء ثلاثة: عالم بالله عالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله. فالعالم بالله وبأمر الله: الذي يخشى الله تعالى ويعلم الحدود والفرائض، والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله: الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض. والعالم بأمر الله ليس العالم بالله: الذي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى الله " انتهى من تفسير ابن كثير (٤/٧٢٩) باختصار.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١٧/٢١) :
" قوله تعالى: (إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لا يَخْشَاهُ إلا عَالِمٌ ; فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ خَشِيَ اللَّهَ فَهُوَ عَالِمٌ كَمَا قَالَ فِي الآيَةِ الأُخْرَى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) الزمر/٩ " انتهى.
وقال السعدي ﵀:
" فكل مَنْ كان بالله أعلم، كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية الله الانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء مَنْ يخشاه، وهذا دليل على فضل العلم، فإنه داعٍ إلى خشية الله، وأهل خشيته هم أهل كرامته، كما قال تعالى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) البينة/٨ " انتهى.
والحاصل: أن الفاعل في الآية هم العلماء.
ومعنى الآية: أن الله تعالى لا يخشاه أحدٌ إلا العلماءُ، وهم الذين يعرفون قدرته وسلطانه.
وليس معنى الآية أن الله تعالى هو الذي يخشى العلماء، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1474
معنى الخيط الأبيض والخيط الأسود المذكورين في آية الصيام
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى قول الله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) البقرة/١٨٧.
ومعنى ذلك أن الله تعالى أباح للصائم الأكل والشرب ليلاً حتى يتبين له (أي يتيقن) طلوع الفجر.
والمراد من الخيط الأبيض النهار، والخيط الأسود الليل.
قال الحافظ: وَمَعْنَى الآيَةِ حَتَّى يَظْهَرَ بَيَاضُ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ , وَهَذَا الْبَيَانُ يَحْصُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ.
وَقَوْلُهُ: (مِنْ الْفَجْرِ) بَيَانٌ لِلْخَيْطِ الأَبْيَضِ , وَاكْتَفَى بِهِ عَنْ بَيَانِ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ لأَنَّ بَيَانَ أَحَدِهِمَا بَيَانٌ لِلآخَرِ اهـ.
وقد فهم بعض الصحابة ﵃ الآية على خلاف معناها، ففهموا أن المراد منها الخيط الحقيقي، فكان أحدهم يجعل تحت وسادته أو يربط في رجله خيطين أحدهما أبيض والآخر أسود ويظل يأكل حتى يتبين له أحدهما من الآخر، وسبب هذا الخطأ في فهم معنى الآية أن الله تعالى أنزل الآية أولاً بدون قوله:) مِنَ الْفَجْرِ) ، ففهمها بعض الصحابة على المعنى المتبادر إلى الذهن من كلمة "الخيط" ثم أنزل الله تعالى بعد مدة (قال بعض العلماء إنها سنة) أنزل قوله: (مِنَ الْفَجْرِ) فعلموا أن المراد بالخيط الأبيض ضوء الفجر (النهار) وبالخيط الأسود الليل.
روى البخاري (١٩١٧) ومسلم (١٠٩١) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ) وَلَمْ يَنْزِلْ (مِنْ الْفَجْرِ) فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الْخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ: (مِنْ الْفَجْرِ) فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.
فهؤلاء الصحابة حَمَلُوا الْخَيْطَ عَلَى ظَاهِرِهِ , فَلَمَّا نَزَلَ (مِنْ الْفَجْرِ) عَلِمُوا الْمُرَادَ.
وقد فهم عدي بن حاتم ﵁ الآية كما فهمها هؤلاء حتى صحح له النبي ﷺ هذا الفهم وبين له المعنى المراد من الآية.
روى البخاري (١٩١٦) عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلا يَسْتَبِينُ لِي فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ. وفي رواية للبخاري (٤٥١٠) : (إِنَّكَ لَعَرِيضُ) . وفي رواية أخرى له أيضاً (٤٥٠٩) : (إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ أَنْ كَانَ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِكَ) . وفي أخرى (٤٥١٠) : (إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا) .
وقصة عدي ﵁ وقعت بعد نزول قوله تعالى: (مِنَ الْفَجْرِ) أي بعد حديث سهل السابق.
وقد اعتذر بعض العلماء عن خطأ عدي في هذا الفهم مع نزول قوله تعالى (مِنَ الْفَجْرِ) بأن عديا لم يبلغه حديث سهل، أو لم يكن من لغة قومه استعمال الخيط الأبيض والخيط الأسود للدلالة على الليل والنهار.
ولذلك ترجم ابن حبان لحديث عدي بقوله: "ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْعَرَبَ تَتَفَاوَتُ لُغَاتُهَا" وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ عَدِيًّا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ فِي لُغَتِهِ أَنَّ سَوَادَ اللَّيْلِ وَبَيَاضَ النَّهَارِ يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِالْخَيْطِ الأَسْوَدِ وَالْخَيْطِ الأَبْيَضِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: حَدِيث عَدِيٍّ مُتَأَخِّرٌ عَنْ حَدِيثِ سَهْلٍ , فَكَأَنَّ عَدِيًّا لَمْ يَبْلُغْهُ مَا جَرَى فِي حَدِيثِ سَهْلٍ، وَإِنَّمَا سَمِعَ الآيَةَ مُجَرَّدَةً فَفَهِمَهَا عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ اهـ.
وقال الحافظ: وَأَمَّا عَدِيٌّ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي لُغَةِ قَوْمِهِ اِسْتِعَارَةُ الْخَيْطِ لِلصُّبْحِ , أَوْ نَسِيَ قَوْلَهُ: (مِنْ الْفَجْرِ) حَتَّى ذَكَّرَهُ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ اهـ.
وقَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا للقاضي عِيَاضٍ: وَإِنَّمَا حَمَلَ الْخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالأَسْوَدَ عَلَى ظَاهِرِهِمَا بَعْضُ مَنْ لا فِقْهَ عِنْدَهُ مِنْ الأَعْرَابِ كَالرِّجَالِ الَّذِينَ حُكِيَ عَنْهُمْ سَهْلٌ وَبَعْضُ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي لُغَتِهِ اِسْتِعْمَالُ الْخَيْطِ فِي الصُّبْحِ كَعَدِيٍّ اهـ.
وأما قوله ﷺ : (إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا)
فقد زعم بعضهم أن النبي ﷺ أراد بذلك أنه فِيهِ غَبَاوَةٌ وَغَفْلَةٌ.
وادعى هؤلاء أن عُرْضَ الْقَفَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الغباوة, وَأَنْشَدَوا فِي ذَلِكَ شِعْرًا.
وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ كَثِيرٌ من العلماء مِنْهُمْ الْقُرْطُبِيُّ والقاضي عياض والنووي.
قال القرطبي:
"حَمَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى الذَّمِّ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْفَهْمِ وَكَأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى الْجَهْلِ وَالْجَفَاءِ وَعَدَمِ الْفِقْهِ , وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوهُ. . وَإِنَّمَا عَنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ وِسَادَك إِنْ كَانَ يُغَطِّي الْخَيْطَيْنِ اللَّذَيْنِ أَرَادَ اللَّهُ فَهُوَ إِذًا عَرِيضٌ وَاسِعٌ , وَلِهَذَا قَالَ فِي أَثَرِ ذَلِكَ: إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ , فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَكَيْفَ يَدْخُلَانِ تَحْتَ وِسَادَتِك؟ وَقَوْلُهُ " إِنَّك لَعَرِيضُ الْقَفَا " أَيْ إِنَّ الْوِسَادَ الَّذِي يُغَطِّي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَرْقُدُ عَلَيْهِ إِلا قَفًا عَرِيضٌ لِلْمُنَاسَبَةِ اهـ باختصار.
وقَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ إِنْ جَعَلْت تَحْت وِسَادك الْخَيْطَيْنِ الَّذِينَ أَرَادَهُمَا اللَّه تَعَالَى وَهُمَا اللَّيْل وَالنَّهَار فَوِسَادُك يَعْلُوهُمَا وَيُغَطِّيهِمَا , وَحِينَئِذٍ يَكُون عَرِيضًا , وَهُوَ مَعْنَى الرِّوَايَة الأُخْرَى فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ (إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا) وَهُوَ مَعْنَى الرِّوَايَة الأُخْرَى: (إِنَّك لَضَخْمٌ) اهـ.
انظر: فتح الباري شرح حديث رقم (١٩١٧) ، (١٩١٦) .، شرح مسلم للنووي حديث رقم (١٠٩٠) ، (١٠٩١) .
ومن الأحكام المستنبطة من الآية الكريمة أن من شك في طلوع الفجر فله أن بأكل ويشرب حتى يتيقن طلوعه لأن الله تعالى قال: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ) .
رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَحَلَّ اللَّهُ لَك الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مَا شَكَكْت. قال الحافظ: إِسْنَاده صَحِيحٍ.
وَرَوَى اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ عن أَبِي الضُّحَى قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ اِبْنَ عَبَّاسٍ عَنْ السُّحُورِ , فَقَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ: كُلْ مَا شَكَكْت حَتَّى لا تَشُكَّ. قَالَ اِبْنُ الْمُنْذِرِ: وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ صَارَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ.
قال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع (٦/٢٤٧) .
"من أتى مفطرا، وهو شاك في طلوع الفجر فصومه صحيح، لأن الله قال: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) البقرة/١٨٧. وضد التبين الشك والظن، فما دمنا لم يتبين لنا فلنا أن نأكل ونشرب، وهذه المسألة لها خمسة أقسام:
١- أن يتيقن أن الفجر لم يطلع، مثل: أن يكون طلوع الفجر في الساعة الخامسة، ويكون أكله وشربه في الساعة الرابعة والنصف فصومه صحيح.
٢- أن يتيقن أن الفجر طلع، كأن يأكل الساعة الخامسة والنصف فهذا صومه فاسد.
٣- أن يأكل وهو شاك هل طلع الفجر أو لا، ويغلب على ظنه أنه لم يطلع؟ فصومه صحيح.
٤- أن يأكل ويشرب، ويغلب على ظنه أن الفجر طالع فصومه صحيح.
٥- أن يأكل ويشرب مع التردد الذي ليس فيه رجحان فصومه صحيح" اهـ.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1475
يسأل عن إعراب كلمة (الصابئون) وكيف نردّ على من يقول إنها خطأ نحوي في القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد إعراب كلمة "الصابئون" في سورة المائدة، ولماذا جاءت بالواو، مع أنها في آية أخرى جاءت بالياء، وتشابه الكلام في الآيتين كبير. وقد كان ذلك سببا في خلاف كبير بيني وبين شخص نصراني يقول: إن القرآن فيه أخطاء نحوية، فقلت له: سأترك الإسلام إن كان هناك خطأ نحوي واحد في القرآن. وقولي هذا عن قوه إيمان، وعن ثقة بأن القرآن، كلام الله ، منزه عن قول المفترين.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
وردت كلمة " الصابئين " بياء النصب في سورتي البقرة والحج؛ في قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة/٦٢، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) الحج/١٧
ووردت نفس الكلمة بواو الرفع في سورة المائدة؛ في قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) المائدة/٦٩ أما الآيتان الأوليان فلا إشكال في إعرابهما؛ لأن الكلمة فيهما وقعت معطوفة بالواو على كلمة محلها النصب، وهي " الذين "؛ اسم إن، فنصبت، وعلامة نصبها الياء، لأنها جمع مذكر سالم.
وإنما محل الإشكال هو الآية الثالثة، آية سورة المائدة؛ فقد وقعت في نفس موقعها في الآيتين الأوليين، ومع ذلك جاءت مرفوعة.
وقد ذكر النحاة والمفسرون في توضيح ذلك الإشكال عدة وجوه، وذكروا نظائرها المعروفة في لغة العرب، ونكتفي هنا بثلاثة منها، هي من أشهر ما قيل في ذلك:
الأول: أن الآية فيها تقديم وتأخير، وعلى ذلك يكون سياق المعنى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى، من آمن بالله ... فلا خوف عليهم، ولاهم يحزنون، والصابئون كذلك، فتعرب مبتدأً مرفوعا،وعلامة رفعه الواو، لأنه جمع مذكر سالم. ونظير ذلك من لغة العرب قول الشاعر:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وَقَيَّار ٌبها لغريب
وموطن الشاهد قوله "قيار"، وهو اسم لفرسه، أو جمله؛ فقد جاءت هذه الكلمة مرفوعة على أنها مبتدأ، ولم تجئ منصوبة على أنها معطوفة على اسم إن المنصوب وهو ياء المتكلم في قوله (فإني)
الثاني: أن " الصابئون " مبتدأ، والنصارى معطوف عليه، وجملة من آمن بالله ... خبر "الصابئون"، وأما خبر "إن" فهو محذوف دل عليه خبر المبتدأ "الصابئون"، ونظير ذلك من لغة العرب قول الشاعر:
نحن بما عندنا، وأنت بما عندك راضٍ، والأمر مختلف
والشاهد فيه أن المبتدأ "نحن" لم يذكر خبره، اكتفاء بخبر المعطوف "أنت"؛ فخبره "راض" يدل على خبر المبتدأ الأول، وتقدير الكلام: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض.
الثالث: أن " الصابئون " معطوف على محل اسم " إن "؛ فالحروف الناسخة، إن وأخواتها، تدخل على الجملة الاسمية المكونة من مبتدأ وخبر، واسم إن محله الأصلي، قبل دخول إن عليه الرفع لأنه مبتدأ، ومن هنا رفعت "الصابئون" باعتبار أنها معطوفة على محل اسم إن. [انظر: أوضح المسالك، لابن هشام، مع شرح محيي الدين، ١/٣٥٢-٣٦٦ , تفسير الشوكاني والألوسي، عند هذه الآية] .
وما ذكرته، من قوة يقينك , وثقتك بكلام الله سبحانه، هو الواجب على كل مسلم، قال الله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) النساء/٨٢ قال الشيخ ابن عاشور، ﵀ في تفسيره:
(وبعد فمما يجب أن يوقَن به أن هذا اللفظ كذلك نزل، وكذلك نطق به النبي ﷺ ، وكذلك تلقاه المسلمون منه وقرؤوه، وكتب في المصاحف، وهم عرب خُلَّص، فكان لنا أصلا نتعرف منه أسلوبا من أساليب استعمال العرب في العطف، وإن كان استعمالا غير شائع، لكنه من الفصاحة والإيجاز بمكان ... ) اهـ
وتلمس ابن عاشور الفائدة البلاغية من الإتيان بلفظ " الصابئون " موفوعاً، فقال ما معناه:
إن الرفع في هذا السياق غريب، فيستوقف القارئ عنده: لماذا رفع هذا الاسم بالذات، مع أن المألوف في مثل هذا أن ينصب؟
فيقال: إن هذه الغرابة في رفع الصابئون تناسب غرابة دخول الصابئين في الوعد بالمغفرة، لأنهم يعبدون الكواكب، فهم أبعد عن الهدى من اليهود والنصارى، حتى إنهم يكادون ييأسون من الوعد بالمغفرة والنجاة فنبه بذلك على أن عفو الله عظيم. يشمل كل من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً وإن كان من الصابئين. [انظر تفسير آية المائدة من تفسير ابن عاشور]
ولمعرفة من هم الصابئة؟ انظر الإجابة على السؤال رقم (٤٩٠٤٨)
لكن يبقى لنا عِبَرٌ لا ينبغي تفويتها في هذا السياق:
أولا: ينبغي علينا الاهتمام بالعلم الشرعي؛ فلا يكفي فقط أن يعتصم الإنسان بما عنده من يقين سابق، وإن كان ذلك أعظم ملجأ ومعاذ، بل إذا ضم إلى ذلك العلم الشرعي كان، إن شاء الله، في مأمن من أن تهز إيمانه هذه الشبهات وأمثالها، مما يثيره أعداء دينه.
ثانيا: ينبهنا مثل هذا الموقف إلى قدر من التفريط في واجب من أعظم واجباتنا نحو كتاب الله تعالى، ألا وهو واجب التدبر والمدارسة، وليس مجرد التلاوة، قال تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ) ص/٢٩، قال الشيخ ابن سعدي، ﵀: " أي هذه الحكمة من إنزاله، ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمها، ويتأملوا أسرارها وحكمها، فإنه بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة، تدرك بركته وخيره، وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود "؛ والدليل من هذا الموقف على ما ذكر هو أننا لو كنا نقوم بهذا الواجب حينا بعد حين لأوشكت مثل هذه الآيات أن تستوقفنا، لنسأل عنها، أو نبحثها، قبل أن نواجه بالإشكال من أعدائنا.
ثالثا: إذا قمنا بالواجبين السابقين كنا مؤهلين لأخذ زمام المبادرة، لندعو نحن غيرنا، ونخبرهم بالحق الذي عندنا، ونكشف لهم، بالتي هي أحسن، الباطل الذي عندهم، بدلا من أن نقف موقف الدفاع، شأن الضعفة والمنهزمين.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1476
هل اختلف التفسير الحديث عن التفسير القديم للقرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك فروق في تفسير القرآن وما يتعلق بذلك في عهد الأمويين والآن؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن كان المراد بالسؤال تفسير القرآن في عهد الأمويين في عصر السلف الصالح من التابعين وتابعيهم وأصاغر الصحابة، فالتدوين في ذلك العصر قليل بالنسبة لما جاء بعده من العصور، ويقتصر فيه غالباً على الرواية: ويُعرف بالتفسير الأثري، ثم توسع العلماء في تفسير القرآن الكريم وسلكوا عدة اتجاهات منها المحمود المقبول ومنها المردود، ثم في العصر الأخير زاد التوسع والتوغل في الرأي والاستنباط، وأُقحم في التفسير ما ليس منه من نظريات ومتغيرات حتى قيل في بعض التفاسير إن فيها كلّ شيءٍ غير التفسير، يمثِّل ذلك في تفاسير العصور الوسطى: تفسير الرازي، وفي العصر الحديث تفسير الجواهر.
[الْمَصْدَرُ]
كتبه: الشيخ عبد الكريم الخضير
стр. 1477
ما معنى يخادعون الله في آية سورة البقرة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو تفسير الآية التي في بداية سورة البقرة والتي فيها "يخادعون الله والذين آمنوا"؟ كيف يمكن لشخص أن يحاول مخادعة الله، المجيد، العلي؟
وأيضا، هل عندكم من نصيحة تقدمونها لأمريكي يرغب في تعلم الإسلام في بلدان ما وراء البحار؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: (يخادعون الله والذين آمنوا) ، أي: بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، ويعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما يروج على بعض المؤمنين، كما قال تعالى: (يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون) ، ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: (وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) أي: وما يُغرّون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون بذلك من أنفسهم، كما قال تعالى: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) ، ومن القرّاء من قرأ: (وما يخدعون إلا أنفسهم) ، وكلا القراءتين ترجع إلى معنى واحد.
وننصح الأمريكي الذي يرغب في تعلم الإسلام أن يكون منصفا متجردا من الأهواء، وأن يحذر من تشويه أعداء الإسلام للإسلام، وأن يحرص على تعلّم الإسلام من منابعه الصافية، فلا يأخذه عن الفرق التي تشين الإسلام ببدعها ومحدثاتها، كالقاديانية، والشيعة، والصوفية وغيرهم، فهؤلاء شوّهوا دعوة الإسلام ببدعهم فلا يُنظر لأفعالهم وأقوالهم على أنها الإسلام، ونسأل الله له الهداية.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ سعد الحميد.
стр. 1478
من هو روح القدس
[السُّؤَالُ]
ـ[ورد في سورة البقرة آية ٨٧ النص التالي: (ولقد آتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس) ، ما هو الروح القدس؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
روح القدس هو جبريل ﵇، قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى: (وأيدناه بروح القُدس) هو جبريل على الأصح، ويدل لذلك قوله تعالى: (نزل به الروح الأمين) الشعراء/١٩٣ وقوله (فأرسلنا إليها روحنا) مريم/١٧
أخرج ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان.... حدثنا أبو الزعراء قال: قال عبد الله: روح القدس جبريل، ثم قال: وروي عن محمد بن كعب القرظي وقتادة وعطية العوفي والسدي والربيع بن أنس نحو ذلك.
ويؤيد هذا القول ما تقدم وما رواه الشيخان بسنديهما عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة: أنشدك الله هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يا حسَّان أجب عن رسول الله، اللهم أيِّده بروح القدس " قال أبو هريرة: نعم.
التفسير المسبور للدكتور حكمت بشير ١/١٩٢- ١٩٣
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قال جماهير العلماء إنه جبريل ﵇ فإن الله سماه الروح الأمين وسماه روح القدس وسماه جبريل. دقائق التفسير ج: ١ ص: ٣١٠
وعقد فصلاً في ذلك فقال:
فصل في معنى روح القدس قال تعالى: (يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس) ... فإن الله أيد المسيح ﵇ بروح القدس كما ذكر ذلك في هذه الآية وقال تعالى في البقرة: (وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس) وقال تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس) وهذا ليس مختصا بالمسيح بل قد أيَّد غيره بذلك وقد ذكروا هم أنه قال لداود روحك القدس لا تنزع مني، وقد قال نبينا ﷺ لحسان بن ثابت: " اللهم أيده بروح القدس وفي لفظ روح القدس معك ما دمت تنافح عن نبيه " وكلا اللفظين في الصحيح
وعند النصارى أن الحواريين حلت فيهم روح القدس وكذلك عندهم روح القدس حدث في جميع الأنبياء وقد قال تعالى سورة النحل: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) وقد قال تعالى في موضع آخر: (نزل به الروح الأمين على قلبك) وقال: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله) فقد تبين أن روح القدس هنا جبريل. .. قال: ولم يقل أحد أن المراد بذلك حياة الله ولا اللفظ يدل على ذلك ولا استعمل فيه.
دقائق التفسير ج: ٢ ص: ٩٢
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1479
حكم تفسير القرآن الكريم بالنظريات الحديثة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز تفسير القرآن الكريم بالنظريات العلمية الحديثة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله تعالى ـ السؤال السابق فأجاب بقوله: تفسير القرآن بالنظريات العلمية له خطورته , وذلك إننا إذا فسرنا القرآن بتك النظريات ثم جاءت نظريات أخرى بخلافها فمقتضى ذلك أن القرآن صار غير صحيح في نظر أعداء الإسلام؛ أما في نظر المسلمين فإنهم يقولون إن الخطأ من تصور هذا الذي فسر القرآن بذلك، لكن أعداء الإسلام يتربصون به الدوائر، ولهذا احذر غاية التحذير من التسرع في تفسير القرآن بهذه الأمور العلمية ولندع هذا الأمر للواقع , إذا ثبت في الواقع فلا حاجة إلى أن نقول القرآن قد أثبته , فالقرآن نزل للعبادة والأخلاق والتدبر , يقول الله : (كتاب أنزلناه إليك مباركٌ ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب) سورة ص آية ٢٩ , وليس لمثل هذه الأمور التي تدرك بالتجارب ويدركها الناس بعلومهم , ثم إنه قد يكون خطراً عظيماً فادحاً في تنزيل القرآن عليها , أضرب لهذا مثلاً قوله تعالى: (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان) الرحمن/٣٣, لما حصل صعود الناس إلى القمر ذهب بعض الناس ليفسر هذه الآية ونزلها على ما حدث وقال: إن المراد بالسلطان العلم , وأنهم بعلمهم , نفذوا من أقطار الأرض وتعدوا الجاذبية وهذا خطأ ولا يجوز أن يفسر القرآن بمعنى ذلك فمقتضى ذلك أنك شهدت بأن الله أراده وهذه شهادة عظيمة ستُسأل عنها.
ومن تدبر الآية وجد أن هذا التفسير باطل لأن الآية ذُكرت بعد قوله تعالى: (كل من عليها فان - ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام - فبأي آلاء ربكما تكذبان) الرحمن/٢٦, ٢٨ , فلنسأل هل هؤلاء القوم نفذوا من أقطار السماوات؟
الجواب: لا , والله يقول: (إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض) .
ثانياً: هل أرسل عليهم شواظ من نار ونحاس؟
والجواب: لا. إذن فالآية لا يصح أن تفسر بما فسر به هؤلاء , ونقول: إن وصول إليه هو من المعلوم التجريبية التي أدركوها بتجاربهم , أما أن نُحرَّف القرآن لنخضعه للدلالة على هذا فهذا ليس بصحيح ولا يجوز.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين , كتاب العلم , الصفحة (١٥٠. ١٥٢) .
стр. 1480
ما هي معاني كلمة " محصنات " في القرآن ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي معاني كلمة " محصنات " في القرآن؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشنقيطي:
لفظ " المحصنات " أُطلق في القرآن ثلاثة إطلاقات:
الأول: المحصنات: العفائف، ومنه قوله تعالى ﴿محصنات غير مسافحات﴾ ، أي: عفائف غير زانيات.
الثاني: المحصنات: الحرائر، ومنه قوله تعالى ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ ، أي: على الإماء نصف ما على المحصنات من الجلد.
الثالث: أن يراد بالإحصان: التزوج، ومنه - على التحقيق - قوله تعالى ﴿فإذا أحصنَّ فإن أتين بفاحشة﴾ الآية، أي: فإذا تزوجن، وقول من قال من العلماء إن المراد بالإحصان في قوله ﴿فإذا أحصنَّ﴾ الإسلام: خلاف الظاهر من سياق الآية؛ لأن سياق الآية في الفتيات المؤمنات حيث قال: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً﴾ الآية.
قال ابن كثير في تفسير الآية ما نصه:
والأظهر والله أعلم أن المراد بالإحصان ههنا: التزويج؛ لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول ﴿ومن لن يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ والله أعلم.
والآية الكريمة سياقها في الفتيات المؤمنات فتعين أن المراد بقوله ﴿فإذا أحصنَّ﴾ أي تزوجن كما فسره ابن عباس وغيره.
[الْمَصْدَرُ]
" أضواء البيان " (١ / ٢٧٩، ٢٨٠) .
стр. 1481
مشاركة الشيطان للإنسان في أولاده
[السُّؤَالُ]
ـ[هل صحيح أنه إذا لم تقل بسم الله قبل الجماع فإن الشيطان يشارك فيه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أما مشاركة الشيطان عند عدم التسمية فقد قال تعالى: ﴿وشاركهم في الأموال والأولاد﴾
قال القرطبي: أي اجعل لنفسك شركة في ذلك ...
﴿والأولاد﴾ قيل: هم أولاد الزنى قاله مجاهد والضحاك وعبد الله بن عباس، وعنه أيضاً: هو ما قتلوا من أولادهم وأتوا فيهم من الجرائم، وعنه أيضاً: هو تسميتهم عبد الحارث وعبد العزَّى وعبد اللَاّت وعبد الشمس ونحوه، وقيل: هو صبغة أولادهم في الكفر حتى هوَّدوهم ونصَّروهم كصنع النصارى بأولادهم بالغمس في الماء الذي لهم، قاله قتادة.
وقول خامس روي عن مجاهد قال: إذا جامع الرجل ولم يسمِّ انطوى الجان على إحليله فجامع معه فذلك قوله تعالى: ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ ...
" تفسير القرطبي " (١٠ / ٢٨٩) .
قال ابن كثير:
وقوله تعالى ﴿وشاركهم في الأموال والأولاد﴾
وقوله ﴿والأولاد﴾ قال العوفي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك: يعني أولاد الزنا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو ما كانوا قتلوه من أولادهم سفهاً بغير علمٍ، وقال قتادة عن الحسن البصري: قد والله شاركهم في الأموال والأولاد مجَّسوا وهوَّدوا ونصَّروا وصبغوا غير صبغة الإسلام وجزءوا من أموالهم جزءاً للشيطان، وكذا قال قتادة سواء، وقال أبو صالح عن ابن عباس: هو تسميتهم أولادهم عبد الحارث وعبد شمس وعبد فلان.
قال ابن جرير: وأولى الأقوال بالصواب أن يقال: كل مولود ولدته أنثى عصى الله فيه بتسميته بما يكرهه الله أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله أو بالزنا بأمه أو بقتله أو وأده أو غير ذلك من الأمور التي يُعصي الله بفعله أو فيه: فقد دخل في مشاركة إبليس فيه من ولد ذلك الولد له أو منه؛ لأن الله لم يخصص بقوله ﴿وشاركهم في الأموال والأولاد﴾ معنى الشركة فيه بمعنى دون معنى، فكل ما عصى الله فيه أو به أو أطيع الشيطان فيه أو به فهو مشاركة.
وهذا الذي قاله متجه، وكلٌّ من السلف ﵏ فسَّر بعض المشاركة، فقد ثبت في صحيح مسلم - (٢٨٦٥) - عن عياض بن حمار أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله " إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم "، وفي الصحيحين - البخاري (٣٢٧١) ومسلم (١٤٣٤) - أن رسول الله ﷺ قال: " لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله جنِّبنا الشيطان وجنِّب الشيطان ما رزقتنا؛ فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضرَّه الشيطان أبداً ".
" تفسير ابن كثير " (٣ / ٥٠، ٥١) .
قال الطبري:
... وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: كلُّ ولدٍ ولدته أنثى عصى الله بتسميته ما يكرهه الله أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله أو بالزنا بأمه أو قتله ووأده أو غير ذلك من الأمور التي يعصى الله بها بفعله به أو فيه فقد دخل في مشاركة إبليس فيه من ولد ذلك المولود له أو منه؛ لأن الله لم يخصص بقوله ﴿وشاركهم في الأموال والأولاد﴾ معنى الشركة فيه بمعنى دون معنى، فكلُّ ما عصى الله فيه أو به وأطيع به الشيطان أو فيه فهو مشاركة من عصى الله فيه أو به إبليس فيه.
" تفسير الطبري " (١٥ / ١٢٠، ١٢١) .
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي:
﴿وشاركهم في الأموال والأولاد﴾ وذلك شامل لكل معصية تعلَّقت بأموالهم وأولادهم، من منع الزكاة والكفارات والحقوق الواجبة، وعدم تأديب الأولاد وتربيتهم على الخير وترك الشر، وأخذ الأموال بغير حقِّها، أو وضعها بغير حقِّها، أو استعمال المكاسب الرديَّة.
بل ذكر كثير من المفسرين أنه يدخل في مشاركة الشيطان في الأموال والأولاد: ترك التسمية عند الطعام والشراب والجماع، وأنه إذا لم يسمِّ الله في ذلك شارك فيه الشيطان كما ورد في الحديث.
" تيسير الكريم الرحمن " (ص ٤١٤) .
قلت: أما مشاركة الشيطان في الجماع لمن ترك التسمية فقد سبق ذكر الحديث عند ابن كثير ﵀، وسبق كلام مجاهد ﵀.
والخلاصة:
أن القول الصحيح في معنى الآية أن تحمل على الوجوه السابقة في تفسيرها، إذ لا منافاة بين معانيها، وقد ذكر كل واحد من السلف فرداً من أفراد معانيها، ولا مضادة بينها، والقاعدة في مثل هذه الحال: حمل الآية على معانيها جميعها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان:
أحدهما: أن يعبر كلُّ واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى، بمنزلة الأسماء المتكافئة التي بين المترادفة والمتباينة كما قيل في اسم السيف: الصارم، والمهند، وذلك مثل أسماء الله الحسنى، وأسماء رسوله، وأسماء القرآن؛ فإن أسماء الله كلها تدل على مسمى واحد، فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضادّاً لدعائه باسم آخر، بل الأمر كما قال تعالى ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّاً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ ، وكل اسمٍ من أسمائه يدل على الذات المسماة وعلى الصفة التي تضمنها الاسم، كالعليم يدل على الذات والعلم، والقدير يدل على الذات والقدرة، والرحيم يدل على الذات والرحمة ...
الصنف الثاني: أن يذكر كلٌّ منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثل سائل أعجمي سأل عن مسمَّى لفظ الخبز فأُرِي رغيفاً وقيل له: هذا، فالإشارة إلى نوع هذا لا إلى هذا الرغيف وحده.
" مجموع الفتاوى " (١٣ / ٣٣٣ - ٣٣٧) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1482
مشاركة الشيطان للناس في أموالهم
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي مشاركة الشيطان للناس في أموالهم المذكورة في قوله تعالى: (وشاركهم في الأموال والأولاد) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
شِركته في الأموال: إنفاقها في معصية الله، قاله الحسن، وقيل: هي التي أصابوها من غير حلها، قاله مجاهد.
قال ابن عباس: ما كانوا يحرِّمونه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وقاله قتادة.
وقال الضحاك: ما كانوا يذبحونه لآلهتهم.
وعن ابن عباس ومجاهد: هو ما أمرهم به من إنفاق الأموال في معاصي الله تعالى، وقال عطاء: هو الربا، وقال الحسن: هو جمعها من خبيث وإنفاقها في حرام، وكذا قال قتادة، وقال العوفي عن ابن عباس ﵄: أما مشاركته إياهم في أموالهم: فهو ما حرَّموه من أنعامهم، يعني: من البحائر والسوائب ونحوها، وكذا قال الضحاك وقتادة.
قال الطبري:
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: عنى بذلك كلَّ مالٍ عصى الله فيه بإنفاقٍ في حرام أو اكتسابٍ من حرام أو ذبحٍ للآلهة أو تسييبٍ أو بحرٍ للشيطان وغير ذلك مما كان معصيا به أو فيه، وذلك أن الله قال ﴿وشاركهم في الأموال﴾ فكلُّ ما أطيع الشيطان فيه من مالٍ وعصى الله فيه فقد شارك فاعل ذلك فيه إبليس فلا وجه لخصوص بعض ذلك دون بعض.انتهى
أما مشاركة الشيطان في الطعام والشراب - ويضاف إليه المشاركة في المبيت في البيوت وهي من الأموال - لمن ترك التسمية فقد جاء ذلك في حديث جابر بن عبد الله أنه سمع النبي ﷺ يقول: " إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء ".
رواه مسلم (٢٠١٨) .
وعن حذيفة قال: كنَّا إذا حضرنا مع النبي ﷺ طعاماً لم نضع أيديَنا حتى يبدأ رسول الله ﷺ فيضع يده، وإنَّا حضرنا معه مرة طعاماً فجاءت جارية كأنها تدفع فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها، ثم جاء أعرابي كأنما يدفع، فأخذ بيده فقال رسول الله ﷺ : " إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذتُ بيدها، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذتُ بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يدها. رواه مسلم (٢٠١٧) .
قال النووي:
ثم الصواب الذي عليه جماهير العلماء من السلف والخلف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين أن هذا الحديث وشبهه من الأحاديث الواردة في أكل الشيطان محمولة على ظواهرها، وأن الشيطان يأكل حقيقة؛ إذ العقل لا يحيله والشرع لم ينكره بل أثبته، فوجب قبوله واعتقاده، والله أعلم. " شرح مسلم " (١٣ / ١٩٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1483
أقسام الناس يوم القيامة
[السُّؤَالُ]
ـ[من فضلك اشرح الآيات التالية:
قال تعالى: (وكنتم أزواجاً ثلاثة، فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة) الواقعة/٧-٩.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال ابن كثير: أي ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف.
قال الطبري: " وهكذا قسمهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وقت احتضارهم.
ثم فصل الله أحوال الأزواج، فقال: وأصحاب الميمنة تعظيم لشأنهم وتفخيم لأحوالهم.
وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة: أي الشمال، وذلك تهويل لحالهم.
السابقون السابقون: أي السابقون في الدنيا إلى الخيرات هم السابقون في الآخرة لدخول الجنات أولئك الذين هذا وصفهم، المقرّبون عند الله في جنات النعيم، في أعلى علّيين في المنازل العاليات التي لا منزلة فوقها.
نسأل الله أن يجعلنا من السابقين. والله أعلم
انظر تفسير ابن سعدي ص/٨٣٢.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1484
ما هي " اللمم "؟ وما حكم تكرر وقوعها من المسلم العاصي ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[قال الله تعالى: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) .
عرفت أن اللمم هو صغائر الذنوب، مثل النظرة والقبلة واللمسة، وهذه الذنوب يغفرها الله ما اجتنبت الكبائر.
وسؤالي هو: هل معنى ذلك أنه لا يعاقَب العبد على فعل هذه الذنوب حتى في الدنيا إذا تاب منها ثم رجع لها مرة أخرى وهكذا يتوب ويرجع لا يجد العبد أي عقاب من الله على فعل هذه الذنوب؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سبق في جواب السؤال (٢٢٤٢٢) بيان اختلاف العلماء في معنى اللمم في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) النجم/٣٢، وأن جمهور العلماء على أن (اللمم) هو صغائر الذنوب.
وليس معنى ذلك أن يتساهل الإنسان في ارتكاب الصغائر، بل الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، فتخرج بذلك عن كونها من اللمم.
قال النووي رحمه لله "في شرح مسلم":
قَالَ الْعُلَمَاء ﵏: وَالإِصْرَار عَلَى الصَّغِيرَة يَجْعَلهَا كَبِيرَة. وَرُوِيَ عَنْ عُمَر وَابْن عَبَّاس وَغَيْرهمَا ﵃: لا كَبِيرَة مَعَ اِسْتِغْفَارٍ، وَلا صَغِيرَة مَعَ إِصْرَار.
مَعْنَاهُ: أَنَّ الْكَبِيرَة تُمْحَى بِالاسْتِغْفَارِ , وَالصَّغِيرَة تَصِير كَبِيرَة بِالإِصْرَارِ اهـ.
وقال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (١٥/٢٩٣) :
" فَإِنَّ الزِّنَا مِنْ الْكَبَائِرِ، وَأَمَّا النَّظَرُ وَالْمُبَاشَرَةُ فَاللَّمَمُ مِنْهَا مَغْفُورٌ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى النَّظَرِ أَوْ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ صَارَ كَبِيرَةً، وَقَدْ يَكُونُ الإِصْرَارُ عَلَى ذَلِكَ أَعْظَمَ مِنْ قَلِيلِ الْفَوَاحِشِ، فَإِنَّ دَوَامَ النَّظَرِ بِالشَّهْوَةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الْعِشْقِ وَالْمُعَاشَرَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ قَدْ يَكُونُ أَعْظَمَ بِكَثِيرِ مِنْ فَسَادِ زِنَا لا إصْرَارَ عَلَيْهِ ; وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ فِي الشَّاهِدِ الْعَدْلِ: أَنْ لا يَأْتِيَ كَبِيرَةً وَلا يُصِرَّ عَلَى صَغِيرَةٍ. . . بَلْ قَدْ يَنْتَهِي النَّظَرُ وَالْمُبَاشَرَةُ بِالرَّجُلِ إلَى الشِّرْكِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّه ِ) البقرة/١٦٥. . . وَالْعَاشِقُ الْمُتَيَّمُ يَصِيرُ عَبْدًا لِمَعْشُوقِهِ مُنْقَادًا لَهُ أَسِيرَ الْقَلْبِ لَهُ اهـ باختصار.
وقد حذرنا الرسول ﷺ من التهاون في صغائر الذنوب، فقال:
(إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْه) . رواه أحمد (٢٢٣٠٢) من حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁. وقال الحافظ: إسناده حسن اهـ.
(وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ) هي الصغائر.
وروى أحمد (٣٨٠٣) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلا: كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلاةٍ، فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ، وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ، حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا، فَأَجَّجُوا نَارًا، وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا) . حسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٦٨٧) .
وروى ابن ماجه (٤٢٤٣) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَا عَائِشَةُ، إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الأَعْمَالِ، فَإِنَّ لَهَا مِنْ اللَّهِ طَالِبًا) . صححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
قال الغزالي:
تواتر الصغائر عظيم التأثير في سواد القلب، وهو كتواتر قطرات الماء على الحجر، فإنه يحدث فيه حفرة لا محالة، مع لين الماء وصلابة الحجر اهـ.
ولقد أحسن من قال:
لا تحقرنَّ صغيرةً إنَّ الجبالَ من الحصى.
ثانياً:
إذا تاب العبد من ذنوبه، فإنها تغفر له، ولا يعاقب عليها، لا في الدنيا ولا في الآخرة. ولهذا قال النبي ﷺ : (التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ) رواه ابن ماجه (٤٢٥٠) . قال الحافظ: سنده حسن. وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه.
قال النووي:
أَجْمَع الْعُلَمَاء ﵃ عَلَى قَبُول التَّوْبَة مَا لَمْ يُغَرْغِر , كَمَا جَاَ فِي الْحَدِيث. وَلِلتَّوْبَةِ ثَلاثَة أَرْكَان: أَنْ يُقْلِع عَنْ الْمَعْصِيَة، وَيَنْدَم عَلَى فِعْلهَا، وَيَعْزِم أَنْ لا يَعُود إِلَيْهَا.
فَإِنْ تَابَ مِنْ ذَنْب ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ لَمْ تَبْطُل تَوْبَته، وَإِنْ تَابَ مِنْ ذَنْب وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِآخَر صَحَّتْ تَوْبَته. هَذَا مَذْهَب أَهْل الْحَقّ اهـ.
وقال أيضاً:
لَوْ تَكَرَّرَ الذَّنْب مِائَة مَرَّة أَوْ أَلْف مَرَّة أَوْ أَكْثَر , وَتَابَ فِي كُلّ مَرَّة , قُبِلَتْ تَوْبَته , وَسَقَطَتْ ذُنُوبه , وَلَوْ تَابَ عَنْ الْجَمِيع تَوْبَة وَاحِدَة بَعْد جَمِيعهَا صَحَّتْ تَوْبَته اهـ.
وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ قَالَ: أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ ﵎: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ.
وفي رواية: (قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ) .
قال النووي ﵀:
قَوْله لِلَّذِي تَكَرَّرَ ذَنْبه: (اِعْمَلْ مَا شِئْت فَقَدْ غَفَرْت لَك) مَعْنَاهُ: مَا دُمْت تُذْنِب ثُمَّ تَتُوب غَفَرْت لَك اهـ.
وعلى كل حال: فرحمة الله واسعة وفضله عظيم، ومن تاب: تاب الله عليه، ولا ينبغي للمسلم أن يتجرأ على المعصية فقد لا يوفق للتوبة، وما ذُكر في الحديث فهو لبيان سعة رحمة الله تعالى وعظيم فضله على عباده لا ليتجرأ الناس على ارتكاب المعاصي.
وانظر – للفائدة – جواب السؤال رقم: (٩٢٣١) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1485
ما معنى قوله تعالى: كتب عليكم إذا حضر أحدَكم الموتُ
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى قوله تعالى: (كُتب عليكم إذا حضر أحدَكم الموتُ) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال أبو بكر بن العربي:
قوله تعالى: ﴿إذا حضر أحدكم الموت﴾ :
قال علماؤنا: ليس يريد حضور الموت حقيقة؛ لأن ذلك الوقت لا تُقبل له توبة، ولا له في الدنيا حصة، ولا يمكن أن ننظم من كلامها لفظة، ولو كان الأمر محمولاً عليه لكان تكليف محال لا يتصور؛ ولكن يرجع ذلك إلى معنيين:
أحدهما: إذا قرب حضور الموت، وأمارة ذلك: كبره في السن؛ أو سفر؛ فإنه غرر، أو توقع أمر طارئ غير ذلك؛ أو تحقق النفس له بأنها سبيل هو آتيها لا محالة [إذ الموت ربما طرأ عليه اتفاقاً] .
الثاني: أن معناه إذا مرض؛ فإن المرض سبب الموت، ومتى حضر السبب كنَّت به العرب عن المسبب قال شاعرهم:
وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا قولا يبرئكم إني أنا الموت
[الْمَصْدَرُ]
" أحكام القرآن " (١ / ١٠٢) .
стр. 1486
ما هو العهد في قوله تعالى: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو العهد في قوله تعالى: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال أبو بكر بن العربي:
العهد على قسمين: أحدهما: فيه الكفارة، والآخر لا كفارة فيه، فأما الذي فيه الكفارة فهو الذي يقصد به اليمين على الامتناع عن الشيء أو الإقدام عليه.
وأما العهد الثاني: فهو العقد الذي يرتبط به المتعاقدان على وجه يجوز في الشريعة، ويلزم في الحكم، إما على الخصوص بينهما، وإما على العموم على الخلق، فهذا لا يجوز حله، ولا يحل نقضه، ولا تدخله كفارة، وهو الذي يحشر ناكثه غادرا، ينصب له لواء بقدر غدرته، يقال: هذه غدرة فلان. وأما مالك فيقول: العهد باليمين، لم يجز حله؛لأجل العقد، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا﴾ وهذا ما لا اختلاف فيه.
[الْمَصْدَرُ]
" أحكام القرآن " (١ / ٢٧، ٢٨) .
стр. 1487
المراد بالحروف المقطعة في القرآن الكريم
[السُّؤَالُ]
ـ[ما المراد بالآية: (ألم) ، وما شابهها من الآيات الأخرى الواردة في القرآن؟ وماذا قال العلماء عن تلك الآيات؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" قد توقف في تفسير هذه الآية وغيرها من الحروف المقطعة جمع من العلماء كالخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم وغيرهم من الصحابة والتابعين وأتباعهم، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه فسرها فيستحسن أن نقول: الله أعلم بالمراد منها. ولكن ثبت عن بعض المفسرين من الصحابة والتابعين وأتباعهم أنهم بينوا تفسيرها واختلفوا فيه ... أهـ الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور للدكتور/ حكمت بشير، ج/١ ص/٩٤
والتمس بعض العلماء الحكمة من هذه الحروف فقالوا: " أنها ذكرت هذه الحروف والله أعلم في أول السور التي ذكرت فيها بياناً لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وهذا هو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وارتضاه أبو الحجاج المزّي ﵀. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم." فتاوى اللجنة الدائمة ج/ ٤ ص/١٤٤.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1488
معاني كلمة " أمَّة " في القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[مرَّ علي في قراءتي للقرآن كلمة " أمة " عدة مرات وأحسست أن لها معاني متعددة، وليس معنى واحداً، فهل هذا صحيح؟ وكيف نفهم هذه الكلمة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀:
استعمل لفظ " الأمَّة " في القرآن أربعة استعمالات:
الأول: استعمال " الأمَّة " في: البرهة من الزمن - كما: في قوله تعالى ﴿ولئن أخَّرنا عنهم العذابَ إلى أمَّةٍ معدودةٍ﴾ الآية، ونظيره قوله تعالى ﴿وقال الذي نجا منهما وادَّكر بعد أمَّة﴾ -.
الثاني: استعمالها في: الجماعة من النَّاس، وهو الاستعمال الغالب، كقوله ﴿ووجد عليه أمَّة من الناس يسقون﴾ الآية، وقوله ﴿ولكلِّ أمَّة رسول﴾ الآية، وقوله ﴿كان النَّاس أمَّةً واحدةً﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
الثالث: استعمال " الأمَّة " في: الرجل المُقْتدى به، كقوله ﴿إن إبراهيم كان أمَّة﴾ الآية.
الرابع: استعمال " الأمَّة " في: الشريعة والطريقة، كقوله ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمَّة﴾ الآية، وقوله ﴿إن هذه أمَّتكم أمَّة واحدة﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
[الْمَصْدَرُ]
" أضواء البيان " (٣ / ١٣) .
стр. 1489
ما الفائدة من ذكر الكلب في قصة أهل الكهف ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الفائدة من ذكر الكلب في قصة أهل الكهف؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ الشنقيطي - رحمة الله تعالى عليه -:
واعلم أن ذكره جل وعلا في كتابه هذا الكلب، وكونه باسطا ذراعيه بوصيد كهفهم في معرض التنويه بشأنهم، يدل على أن صحبة الأخيار عظيمة الفائدة، قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: " وشملت كلبهم بركتهم فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة الأخيار فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن. ا. هـ.
ويدل على هذا المعنى قوله ﵌ لمن قال إني أحب الله ورسوله: " أنت مع من أحببت " متفق عليه من حديث أنس.
ويفهم من ذلك أن صحبة الأشرار فيها ضرر عظيم، كما بيَّنه الله تعالى في سورة الصافات في قوله: (قال قائل منهم إني كان لي قرين) الصافات/٥١ - إلى قوله -: (تالله إن كدت لتردين. ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين) الصافات/٥٦- ٥٧.
[الْمَصْدَرُ]
" أضواء البيان " (٤ / ٤٧، ٤٨) .
стр. 1490
فائدة الأمثال في القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[نرى أن القرآن الكريم كثيرا ما يضرب الأمثال، فما هي فائدة الأمثال؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ الشنقيطي - رحمة الله تعالى عليه - في تفسير قوله تعالى: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شئ جدلا) الكهف/٥٤:
... وفي هذه الأمثال وأشابهها في القرآن عبر ومواعظ وزواجر عظيمةٌ جدّاً، لا لبس في الحق معها، إلا أنها لا يَعقل معانيها إلا أهلُ العلم كما قال تعالى: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) العنكبوت/٤٣، ومِن حِكَم ضرب المثل: أن يتذكر الناس، كما قال تعالى: (وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتذكرون) الحشر/٢١.
وقد بين في مواضع أخر أن الأمثال مع إيضاحها للحق يهدي بها الله قوماً، ويضل بها قوماً آخرين، كما في قوله تعالى: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين) البقرة/٢٦، ... ولا شك أن الذين استجابوا لربهم هم العقلاء الذين عقلوا معنى الأمثال، وانتفعوا بما تضمنت من بيان الحق، وأن الذين لم يستجيبوا له هم الذين لم يعقلوها، ولم يعرفوا ما أوضحه من الحقائق.
فالفريق الأول: هم الذين قال الله فيهم: (ويهدي به كثيراً) البقرة/٢٦.
والفريق الثاني: هم الذين قال فيهم: ﴿يضل به كثيراً﴾ ، وقال فيهم: (وما يضل به إلا الفاسقين) .
[الْمَصْدَرُ]
" أضواء البيان " (٤ / ١٤٣، ١٤٤) .
стр. 1491
ما هي الباقيات الصالحات
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي الباقيات الصالحات المقصودة في قوله تعالى ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ الكهف/٤٦؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشنقيطي – رحمة الله تعالى عليه -:
وأقوال العلماء في الباقيات الصالحات كلها راجعة إلى شيءٍ واحدٍ وهو الأعمال التي ترضي الله سواء قلنا إنها " الصلوات الخمس " كما هو مروي عن جماعة من السلف منهم: ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو ميسرة وعمر بن شرحبيل، أو أنها: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم "، وعلى هذا القول جمهور العلماء، وجاءت دالة عليه أحاديث مرفوعة عن أبي سعيد الخدري وأبي الدرداء وأبي هريرة والنعمان بن بشير وعائشة – ﵃.
قال مقيده – عفا الله عنه – والتحقيق: أن الباقيات الصالحات: لفظ عام يشمل الصلوات الخمس والكلمات الخمس المذكورة وغير ذلك من الأعمال التي ترضي الله تعالى؛ لأنها باقية لصاحبها غير زائلة ولا فانية كزينة الحياة الدنيا؛ ولأنها – أيضاً – صالحة لوقوعها على الوجه الذي يرضي الله تعالى .... .
[الْمَصْدَرُ]
" أضواء البيان " (٤ / ١١٩، ١٢٠) .
стр. 1492
تفسير قول الله : (وترى الشمس إذا طلعت تزاور.... الآية)
[السُّؤَالُ]
ـ[من فضلك فسر الآية التالية: (وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً) الكهف/١٧.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ ابن سعدي ﵀:
حفظهم الله من الشمس فيسّر لهم غاراً إذا طلعت الشمس تميل عنه يميناً وعند غروبها تميل عنه شمالاً فلا ينالهم حرّها فتفسد أبدانهم بها.
(وهم في فجوة منه)
أي من الكهف أي مكان متسع، وذلك ليطرقهم الهواء والنسيم، ويزول عنهم الوخم والتأذي بالمكان الضيّق، خصوصاً مع طول المكث، وذلك من آيات الله الدالة على قدرته ورحمته بهم، وإجابة دعائهم وهدايتهم حتى في هذه الأمور، ولهذا قال: (من يهد الله فهو المهتد) أي لا سبيل إلى نيل الهداية إلا من الله فهو الهادي المرشد لمصالح الدارين.
(ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً)
أي لا تجد من يتولاه ويدبّره على ما فيه صلاحه ولا يرشده إلى الخير ولفلاح لأن الله قد حكم عليه الضلال ولا راد لحكمه
انظر تفسير الكريم الرحمن ص/٤٧٢.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1493
تفسير (فأينما تولوا فثم وجه الله)
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو أن تشرح لي معنى الآية الواردة أدناه. إذا كان الله فوق الجنة , فكيف يكون وجه الله أينما تولي وجهك؟ أطرح هذا السؤال لأني كنت أشرح لأحد الأشخاص أن الله فوق الجنة , لكنه استشهد بالآية أدناه؛ ولم أتمكن من الرد عليه.
قال تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم) البقرة / ١١٥.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يجب علينا الإيمان بأن الله تعالى فوق العرش مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله لا كاستواء البشر.
وأن نؤمن بأن لله وجها لا كوجه المخلوق.
وبهذا يجب ألا نضل عند تفسير الآيات وتأويلها وأن نتَّبع بذلك قول السلف الصالح.
أما تفسير الآية، فقد قال الشيخ ابن عثيمين:
فإن قلت: هل كل ما جاء من كلمة الوجه مضافاً إلى الله يراد به وجه الله الذي هو صفته. الجواب: هذا هو الأصل كما في قوله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ الأنعام / ٥٢، ﴿وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى﴾ الليل / ١٩ – ٢١، وما أشبهها من الآيات.
فالأصل: أن المراد بالوجه وجه الله الذي هو صفة من صفاته، لكن هناك آية اختلف المفسرون فيها وهي قوله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ البقرة / ١١٥..... فمنهم من قال: إن الوجه بمعنى الجهة لقوله تعالى: ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾ البقرة / ١٤٨.
فالمراد بالوجه: الجهة، أي: فثمَّ جهة الله أي فثم الجهة التي يقبل الله صلاتكم إليها.
قالوا: لأنها في حال السفر إذا صلى الإنسان النافلة فإنه يصلي حيث كان وجهه.
ولكن الصحيح أن المراد بالوجه هنا: وجه الله الحقيقي، إلى أي جهة تتجهون فثم وجه الله ؛ لأن الله محيط بكل شيء، ولأنه ثبت عن النبي ﷺ أن المصلي إذا قام يصلي فإن الله قبل وجهه، ولهذا نهى أن يبصق أمام وجهه؛ لأن الله قِبَل وجهه فإذا صليت في مكان لا تدري أين القبلة واجتهدت وتحريت وصليت وصارت القبلة في الواقع خلفك فالله يكون قبل وجهه حتى في هذه الحالة.
وهذا معنى صحيح موافق لظاهر الآية والمعنى الأول لا يخالفه في الواقع.
وحينئذ يكون المعنيان لا يتنافيان.
واعلم أن هذا الوجه العظيم الموصوف بالجلال والإكرام وجه لا يمكن الإحاطة به وصفاً، ولا يمكن الإحاطة به تصوراً، بل كل شيء تُقَدره فإن الله تعالى فوق ذلك وأعظم. ﴿ولا يحيطون به علماً﴾ طه /١١٠.
وأما قوله تعالى: ﴿كل شيءٍ هالكٌ إلا وجهه﴾ القصص / ٨٨، فالمعنى: " كل شيء هالك إلا ذاته المتصفة بالوجه " شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (١ / ٢٤٣ – ٢٤٥)
ونحن يجب علينا ألا نقيس الخالق بالمخلوق فنصفه بصفة المخلوق، فإن الله تعالى كما قال عن نفسه: (ليس كمثله شيء) الشورى / ١١.
فالله تعالى مستوٍ على عرشه، وهو قِبل وجه المصلي ولا منافاة بينهما في حق الله تعالى.
وقد أشكل مثل هذا على بعض الناس في مسألة نزول الله تعالى في النصف الآخر من الليل إلى السماء الدنيا، فقالوا: إن الليل غير متحد على الأرض فكيف ينزل الله في ليل ونهار معا.
قال الشيخ ابن عثيمين:
جاء المتأخرون الذين عرفوا أن الأرض كروية وأن الشمس تدور على الأرض.
قالوا: كيف ينزل في ثلث الليل، وثلث الليل إذا انتقل عن المملكة العربية السعودية ذهب إلى أوروبا وما قاربها؟ فنقول: أنتم الآن قستم صفات الله بصفات المخلوقين، أنت أو من أول بأن الله ينزل في وقت معين وإذا آمنت ليس عليك شيء وراء ذلك، لا تقل كيف وكيف؟ .
فقل: إذا كان ثلث الليل في السعودية فإن الله نازل وإذا كان في أمريكا ثلث الليل يكون نزول الله أيضاً.
إذاً موقفنا أن نقول أنا نؤمن بما وصل إلينا عن طريق محمد ﷺ . بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الآخر من الليل ويقول من يدعوني، فأستجيب له ومن يسألني؟ فأعطيه من يستغفرني فأغفر له.
" شرح الواسطية " (٢ / ٤٣٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1494
معنى استخدام الضمير "نحن" في القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا يستخدم القرآن لفظ نحن في الآيات؟ كثير من غير المؤمنين يقولون إن هذا إشارة إلى عيسى.]ـ
[الْجَوَابُ]
من أساليب اللغة العربية أن الشخص يعبر عن نفسه بضمير " نحن " للتعظيم ويذكر نفسه بضمير المتكلم الدال على المفرد كقوله " أنا " وبضمير الغيبة نحو " هو " وهذه الأساليب الثلاثة جاءت في القرآن والله يخاطب العرب بلسانهم. فتاوى اللجنة الدائمة م٤/١٤٣.
" فالله يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد مظهراً أو مضمراً، وتارة بصيغة الجمع كقوله: " إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً " وأمثال ذلك. ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط، لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه، وربما تدل على معاني أسمائه، وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور، وهو مقدس عن ذلك " أ. هـ العقيدة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ٧٥.
ولفظ (إنا) و (نحن) وغيرهما من صيغ الجمع قد يتكلم بها الشخص عن جماعته وقد يتكلّم بها الواحد العظيم، كما يفعل بعض الملوك إذا أصدر مرسوما أو قرارا يقول نحن وقررنا ونحو ذلك وليس هو إلا شخص واحد وإنّما عبّر بها للتعظيم، والأحقّ بالتعظيم من كلّ أحد هو الله فإذا قال الله في كتابه إنا ونحن فإنّها للتعظيم وليست للتعدّد، ولو أنّ آية من هذا القبيل أشكلت على شخص واشتبهت عليه فيجب أن يردّ تفسيرها إلى الآيات المحكمة، فإذا تمسك النصراني مثلا بقوله: (إنا نحن نزلنا الذكر) ونحوه على تعدد الآلهة، رددنا عليه بالمحكم كقوله تعالى: (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) ، وقوله: (قل هو الله أحد) ، ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحداً، وعند ذلك يزول اللبس عمن أراد الحقّ، وكلّ صيغ الجمع التي ذكر الله بها نفسه مبنية على ما يستحقه من العظمة ولكثرة أسمائه وصفاته وكثرة جنوده وملائكته. يُراجع كتاب العقيدة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ١٠٩. والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1495
تأخير قول إن شاء الله
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للرجل إذا نسي أن يقول: " إن شاء الله " أن يقولها بعد وقت طويل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشنقيطي – رحمة الله تعالى عليه -:
قوله تعالى: (واذكر ربك إذا نسيت) الكهف/٢٤ في هذه الآية الكريمة قولان معروفان لعلماء التفسير:
الأول: أن هذه الآية الكريمة متعلقة بما قبلها والمعنى أنك إن قلت: سأفعل غداً كذا ونسيت أن تقول إن شاء الله ثم تذكرت بعد ذلك فقل: إن شاء الله، أي: اذكر ربَّك معلقاً على مشيئته ما تقول إنك ستفعله غداً إذا تذكرت بعد النسيان، وهذا القول هو الظاهر؛ لأنه يدل على قول الله تعالى قبله: (ولا تقولن لشيءٍ إني فاعلٌ ذلك غداً إلا أن يشاء الله) ، وهو قول الجمهور، وممن قال به ابن عباس والحسن البصري وأبو العالية وغيرهم ...
[الْمَصْدَرُ]
" أضواء البيان " (٤ / ٨٥) .
стр. 1496
تفسير قول الله تعالى (وما كان الله ليضل قوماً)
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو أن تبين لنا معنى قول الله تعالى: (وما كان الله ليضل قوماَ بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم) سورة التوبة / ١١٥؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يقول الله تعالى عن نفسه الكريمة وحكمه العادل: إنه لا يضل قوماً إلا بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة كما قال تعالى: (فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) .
وفي قول آخر في تفسير الآية: قال مجاهد في قوله تعالى: (وما كان الله ليضل قوماً بعد إذا هداهم) بيان الله للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه لهم معصيته وطاعته عامة، فافعلوا أو ذروا.
وقال ابن جرير: يقول الله تعالى: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال، بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوا، فأمّا قبل أن يبين لكم كراهة ذلك بالنهي عنه، ثم تتعدوا نهيه إلى ما نهاكم عنه، فإنه لا يحل عليكم بالضلال، لأن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي، وأما من لم يؤمر ولم ينه، فغير كائن مطيعاً أو عاصياً فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه.
[الْمَصْدَرُ]
تفسير ابن كثير.
стр. 1497
ما هي الأشياء التي علمها الله لآدم
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن أن توضح الآية التالية " وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة" (البقرة ٣١) ما هو المقصود بكلها وماذا كان الله يقصد بالضمير؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره (١/٢٥٦ ت. أبو إسحاق الحويني) عند قوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها) :
والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها وذواتها وصفاتها وأفعالها حتى الفسوة والفُسية يعني أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية في كتاب التفسير من صحيحه فذكر ابن كثير إسناد البخاري عن أنس عن النبي ﷺ قال: " يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء ... الحديث " ... فدل هذا على أنه علمه أسماء جميع المخلوقات ولهذا قال: " ثم عرضهم على الملائكة " يعني المسميات.ا. هـ.
وقد سرد الأقوال في هذه المسألة الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/١٠) فقال: واختلف في المراد بالأسماء: فقيل أسماء ذريته وقيل أسماء الملائكة وقيل أسماء الأجناس دون أنواعها وقيل أسماء كل ما في الأرض وقيل أسماء كل شيء حتى القصعة.
وقال الإمام الشوكاني في فتح القدير (١/٦٤) : والأسماء هي العبارات والمراد أسماء المسميات قال بذلك أكثر العلماء وهو المعنى الحقيقي للاسم والتأكيد بقوله كلها يفيد أنه علمه جميع الأسماء ولم يخرج عن هذا شيء منها كائنا ما كان. أهـ، والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1498
معنى كلمة الفتنة في القرآن الكريم
[السُّؤَالُ]
ـ[رأيت كلمة الفتنة تتكرر في القرآن الكريم في عدد من السور والآيات، فهل هناك اختلاف في تفسير هذه الكلمة، وما هي معانيها المحتملة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تعريف الفتنة:
أولاً: الفتنة في اللغة:-
قال الأزهري: جماع معنى الفتنة في كلام العرب: الابتلاء، والامتحان وأصلها مأخوذ من قولك: فتنتُ الفضة والذهب، أذبتهما بالنار ليتميز الردي من الجيد، ومن هذا قول الله : " يومهم على النار يفتنون " أي يحرقون بالنار. (تهذيب اللغة ١٤ / ٢٩٦) .
قال ابن فارس:" الفاء والتاء والنون أصل صحيح يدل على الابتلاء والاختبار " (مقاييس اللغة ٤ / ٤٧٢) . فهذا هو الأصل في معنى الفتنة في اللغة.
قال ابن الأثير: الفتنة: الامتحان والاختبار ... وقد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار من المكروه، ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم والكفر والقتال والإحراق والإزالة والصرف عن الشيء. (النهاية ٣ / ٤١٠) .وبنحو من هذا قال ابن حجر في الفتح (١٣ /٣) .
وقد لخص ابن الأعرابي معاني الفتنة بقوله: " الفتنة الاختبار، والفتنة: المحنة، والفتنة: المال، والفتنة: الأولاد، والفتنة الكفر، والفتنة اختلاف الناس بالآراء والفتنة الإحراق بالنار". (لسان العرب لابن منظور) .
ثانيا: معاني الفتنة في الكتاب والسنة:
١- الابتلاء والاختبار: كما في قوله تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) العنكبوت/٢ أي وهم لا يبتلون كما في ابن جرير
٢- الصد عن السبيل والرد: كما في قوله تعالى (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْك) المائدة/ من الآية٤٩ قال القرطبي: معناه: يصدوك ويردوك.
٣- العذاب: كما في قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل:١١٠) فتنوا: أي عذبوا.
٤- الشرك،والكفر: كما في قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) البقرة/١٩٣ قال ابن كثير: أي شرك.
٥- الوقوع في المعاصي والنفاق: كما في قوله تعالى في حق المنافقين (وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِي) الحديد/ من الآية١٤ قال البغوي:أي أوقعتموها في النفاق وأهلكتموها باستعمال المعاصي والشهوات.
٦- اشتباه الحق بالباطل: كما في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) لأنفال/٧٣ فالمعنى: " إلا يوالى المؤمن من دون الكافر، وإن كان ذا رحم به (تكن فتنة في الأرض) أي شبهة في الحق والباطل." كذا في جامع البيان لابن جرير.
٧- الإضلال: كما في قوله تعالى: (ومن يرد الله فتنته) المائدة / ٤١، فإن معنى الفتنة هنا الإضلال.البحر المحيط لأبي حيان (٤ / ٢٦٢)
٨- القتل والأسر: ومنه قوله تعالى: (وإن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) النساء / ١٠١. والمراد: حمل الكفار على المؤمنين وهم في صلاتهم ساجدون حتى يقتلوهم أو يأسروهم. كما عند ابن جرير.
٩- اختلاف الناس وعدم اجتماع قلوبهم: كما في قوله تعالى: (ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة) أي يوقعوا الخلاف بينكم كما في الكشاف (٢ / ٢٧٧) .
١٠ - الجنون: كما في قوله تعالى (بأيِّكم المفتون) .فالمفتون بمعنى المجنون.
١١- الإحراق بالنار: لقوله تعالى: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات) .
(البروج:١٠)
قال ابن حجر: ويعرف المراد حيثما ورد بالسياق والقرائن. الفتح (١١ / ١٧٦)
تنبيه:
قال ابن القيم ﵀: " وأما الفتنة التي يضيفها الله سبحانه إلى نفسه أو يضيفها رسوله إليه كقوله: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض) وقول موسى: (إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء) فتلك بمعنى آخر وهي بمعنى الامتحان والاختبار والابتلاء من الله لعباده بالخير والشر بالنعم والمصائب فهذه لون وفتنة المشركين لون، وفتنة المؤمن في ماله وولده وجاره لون آخر، والفتنة التي يوقعها بين أهل الإسلام كالفتنة التي أوقعها بين أصحاب علي ومعاوية وبين أهل الجمل، وبين المسلمين حتى يتقاتلوا ويتهاجروا لون آخر. زاد المعاد ج: ٣ ص: ١٧٠.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1499
تفسير الآية ٣٣ من سورة الرحمن
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو أن تساعدني في تفسير آية رقم ٣٣ من سورة الرحمن لأني لا أتكلم العربية.
وجزاك الله خيرا]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال تعالى:
يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطَانٍ (٣٣) سورة الرحمن
وهذا التحدّي من الله للعباد يكون في أرض المحشر حينما يجمع الخلائق كلهم جنّهم وإنسهم وتنشق السماوات وتهبط الملائكة من كلّ سماء فتحيط بأهل المحشر فيتحدّاهم الله بالهروب فلا يستطيعون، وكيف سيستطيعون وهم لا حول لهم ولا قوّة والملائكة تحاصرهم وتحيط بهم من كلّ جانب.
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية:
أي لا تستطيعون هربا من أمر الله وقدره بل هو محيط بكم لا تقدرون على التخلص من حكمه ولا النفوذ عن حكمه فيكم أينما ذهبتم أحيط بكم وهذا في مقام الحشر الملائكة محدقة بالخلائق سبع صفوف من كل جانب فلا يقدر أحد على الذهاب "إلا بسلطان" أي إلا بأمر الله "يقول الإنسان يومئذ أين المفر. كلا لا وزر. إلى ربك يومئذ المستقر"
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1500
تفسير البسملة، وحكم افتتاح القراءة بها
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى البسملة؟
وهل تقرأ البسملة من منتصف السورة؟ ولماذا؟
وما معنى اقرأ بسم ربك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قول القائل: " بسم الله " قبل الشروع في العمل معناه:
أَبتدأُ هذا الفعل مصاحبا أو مستعينا بـ (اسم الله) ملتمسا البركة منه، والله هو المألوه المحبوب المعبود الذي تتوجه إليه القلوب بالمحبة والتعظيم والطاعة (العبادة) وهو (الرحمن) المتصف بالرحمة الواسعة، (الرحيم) الذي يوصل رحمته إلى خلقه.
وقيل المعنى: أبدأ هذا الفعل بتسمية الله وذكره. قال الإمام ابن جرير ﵀: " إن الله تعالى ذكره وتقدست أسماؤه, أدب نبيه محمدا ﷺ بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله, وأمره أن يصفه بها قبل جميع مهماته, وجعل ما أدبه به من ذلك وعلمه إياه منه لجميع خلقه سنة يستنون بها, وسبيلا يتبعونه عليها, في افتتاح أوائل منطقهم وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم; حتى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل ﴿بسم الله﴾ على ما بطن من مراده الذي هو محذوف.إ.هـ بتصرف يسير.
ويوجد محذوف في عبارة باسم الله قبل البدء بالعمل، وهذا المحذوف تقديره: أبتدئ عملي باسم الله، مثل باسم الله أقرأ، باسم الله أكتب، باسم الله أركب، ونحو ذلك. أو ابتدائي باسم الله، ركوبي باسم الله، قراءتي باسم الله وهكذا، ويمكن أن يكون التقدير أيضا: باسم الله أكتب، باسم الله أقرأ , فيقدر الفعل مؤخرا، وهذا حسن ليحصل التبرك بتقديم اسم الله، وليفيد الحصر أي أبدأ باسم الله لا باسم غيره.
ولفظ الجلالة (الله) : هو الاسم الأعظم وهو أعرف المعارف الغني عن التعريف، وهو علم على الباري ﷻ مختص به دون سواه والصحيح أنه مشتق من أله يأله، ألوهة وإلهة
فهو إله بمعنى مألوه أي معبود فهو: ذو الألوهية.
و (الرحمن) : اسم من أسماء الله الخاصة به، ومعناه ذو الرحمة الواسعة لأن وزن فعلان: يدل على الامتلاء والكثرة وهو أخص أسماء الله بعد لفظ الجلالة، كما أن صفة الرحمة هي أخص صفاته ولذا غالبا يأتي ترتيبها بعد لفظ الجلالة كما في قوله تعالى (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن.. الآية)
و (الرحيم) : اسم من أسماء الله: معناه الموصل رحمته إلى من يشاء من عباده.
قال ابن القيم ﵀: "الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم، فكان الأول للوصف والثاني للفعل فالأول دال على أن الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وإذ اأردت فهم هذا فتأمل قوله "وكان بالمؤمنين رحيما " وقوله " إنه بهم رءوف رحيم "ولم يجئ قط (رحمن بهم) فعلم أن رحمن هو الموصوف بالرحمة، ورحيم هو الراحم برحمته "إ. هـ بدائع الفوائد (١/ ٢٤) .
ثانياً:
وأما عن حكم قراءة البسملة قبل قراءة القرآن فلها أربعة أحوال:
الحالة الأولى: أن تكون في أول السورة ـ غير سورة براءة ـ فقد نص أكثر الأئمة على أنه: " َتُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وينبغي أن يحافظ عليها حتى أن بعض العلماء اعتبر ختمة القرآن ناقصة إذا لم يأت بالبسملة في أول كل سورة غير براءة "ِ ولما سئل الإمام أحمد ﵀ عن قراءتها في أول كل سورة قال: " لا يَدَعَهَا ".
الحالة الثانية: أن تكون في أثناء السورة ـ وهو محل السؤال ـ فالجمهور من العلماء والقراء على أنه لا مانع من الابتداء بها، قِيلَ للإمام أحمد في البسملة ـ بعد قوله: لا يدعها في أول السورة ـ: فَإِنْ قَرَأَ مِنْ بَعْضِ سُورَةٍ يَقْرَؤُهَا؟ قَالَ: " لَا بَأْسَ."، ونقل العبادي عن الشافعي ﵀ استحبابها في أثناء السورة.
قَالَ الْقُرَّاءُ: وَيَتَأَكَّدُ الابتداء بالبسملة إذا كان في الآية التي سيقرأها بعد البسملة ضميرٌ يعود على الله سبحانه نَحْوِ قوله: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ , وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ﴾ لمَا فِي ذِكْرِ هذه الآيات بعد الاستعاذة ِنْ الْبَشَاعَةِ وَإِيهَامِ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلَى الشَّيْطَانِ.
الحال الثالثة: قراءتها في ابتداء سورة براءة، فلا يكاد يختلف العلماء والقراء في كراهة ذلك.
َقَالَ صَالِحُ فِي مَسَائِلِهِ عَنْ أَبِيهِ أحمد ﵀: وَسَأَلْتُهُ عَنْ سُورَةِ الْأَنْفَالِ وَسُورَةِ التَّوْبَةِ هَلْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ أَبِي: يَنْتَهِي فِي الْقُرْآنِ إلَى مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا يُزَادُ فِيهِ وَلا يَنْقُصُ.
الحال الرابعة: قراءتها في أثناء سورة براءة: فقد اختلف القراء في ذلك كما نقل ذلك ابن حجر الهيثمي في الفتاوى الفقهية (١ / ٥٢) فَقَال: " قال السَّخَاوِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ: لا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُسَنُّ الْبُدَاءَةَ أَثْنَاءَهَا بِالتَّسْمِيَةِ وَفَرَّقَ بَيْنَ أَثْنَائِهَا وَأَوَّلِهَا لَكِنْ بِمَا لا يُجْدِي وَرَدَّ عَلَيْهِ الْجَعْبَرِيُّ مِنْهُمْ (أي من القراء) وَهُوَ الْأَوْجَهُ (أي أن القول بالكراهة هو الأقرب للصواب) إذْ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِتَرْكِ الْبَسْمَلَةِ أَوَّلَهَا , مِنْ كَوْنِهَا نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ , وَفِيهَا مِنْ التَّسْجِيلِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ بِفَضَائِحِهِمْ الْقَبِيحَةِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهَا مَوْجُودٌ فِي أَثْنَائِهَا , فَمِنْ ثَمَّ لَمْ تُشْرَعْ التَّسْمِيَةُ فِي أَثْنَائِهَا كَمَا فِي أَوَّلِهَا لِمَا تَقَرَّرَ. "
انظر (الآداب الشرعية لابن مفلح ٢ /٣٢٥) و (الموسوعة الفقهية ١٣ / ٢٥٣) و (الفتاوى الفقهية الكبرى ١ /٥٢) .
ثالثاً:
وأما معنى قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك)
فقد قال الإمام ابن جرير ﵀: " القول في تأويل قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق)
يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ محمدا ﷺ يقول: اقرأ يا محمد بذكر ربك ﴿الذي خلق﴾ ". والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1501
كيف همّ يوسف بامرأة العزيز مع أنه عفيف
[السُّؤَالُ]
ـ[ما تفسير الآية: (ولقد همّت به وهمّ بها) في سورة يوسف، مع أن يوسف ﵇ " عفيف " وقد رفض الانصياع لنزوة امرأة العزيز، فكيف يهمّ بها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ) يوسف/٢٤
كان همها للمعصية، أما يوسف ﵇ فإنه لو لم ير برهان ربه لَهَمَّ بها - لطبع البشر - ولكنه لم يهم؛ لوجود البرهان.
إذًا في الكلام تقديم وتأخير، أي: لولا أن رأى برهان ربه لَهَمَّ بها.
قال أبو حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة، فلما أتيت على قوله: (ولقد همت به وهم بها) قال أبو عبيد: هذا على التقديم والتأخير؛ كأنه أراد: ولقد همت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها.
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ٩/١٦٥.
وقال الشنقيطي في أضواء البيان [٣/٥٨] .
" الجواب عنه من وجهين:
الأول: أن المراد بِهَمِّ يوسف خاطر قلبي صرفه عنه وازع التقوى، وقال بعضهم: هو الميل الطبيعي والشهوة الغريزية المزمومة بالتقوى، وهذا لا معصية فيه؛ لأنه أمر جبلي لا يتعلق به التكليف، كما في الحديث: أنه ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك) يعني ميل القلب. أبو داود، السنن، رقم الحديث ٢١٣٤.
ومثل هذا ميل الصائم إلى الماء البارد والطعام مع أن تقواه تمنعه من الشرب والأكل وهو صائم.
وقال ﷺ : (من هم بسيئة فلم يفعلها كتبت له حسنة كاملة) أخرجه البخاري في صحيحه برقم ٦٤٩١، ومسلم برقم ٢٠٧.
الجواب الثاني: أن يوسف ﵇ لم يقع منه الهم أصلاً، بل هو منفي عنه لوجود البرهان.
إلى أن قال: هذا الوجه الذي اختاره أبو حسان وغيره هو أجرى على قواعد اللغة العربية " اهـ.
ثم بدأ يستطرد الأدلة على ما رجحه، وبناء على ما تقدم فإن معنى الآية والله أعلم أن يوسف ﵇ لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، ولكنه لما رأى برهان ربه لم يهم بها، ولم يحصل منه أصلاً.
وكذلك فإن مجرد الهم بالشيء دون فعله لا يعد خطيئة.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبيه الكريم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1502
معنى قوله تعالى: (وما أُهلّ به لغير الله)
[السُّؤَالُ]
ـ[بالرجوع للآية ١٧٣ من سورة البقرة ما هو معنى قوله تعالى ﴿وما أهل به لغير الله﴾ في هذه المسألة؟ هل هذه الآية تمنعني من قبول أو أكل أي طعام (ليس من الضروري الطعام المذبوح على غير اسم الله) من الطعام الذي يقدم هنا في الهند بعد قراءة الفاتحة باسم بعض الصالحين مثل عبد القادر الجيلاني؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في الآية المذكورة في السؤال من سورة البقرة:
ما أهل به لغير الله وهو ما ذبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام ونحو ذلك مما كانت الجاهلية ينحرون له.
وفي تفسير الآية ٣ من سورة المائدة قال رحمه الله تعالى:
وقوله " وما أهل به لغير الله " أي ما ذبح فذكر عليه اسم غير الله فهو حرام لأن الله تعالى أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم فمتى عدل بها عن ذلك وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر المخلوقات فإنها حرام بالإجماع..
وقوله " وما ذبح على النصب " قال مجاهد وابن جريج: كانت النصب حجارة حول الكعبة قال ابن جريج: وهي ثلثمائة وستون نصبا كانت العرب في جاهليتها يذبحون عندها.. ويشرّحون اللحم ويضعونه على النُّصُب.. فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح عند النصب من الشرك الذي حرمه الله ورسوله وينبغي أن يحمل هذا على هذا لأنه قد تقدم تحريم ما أهل به لغير الله. انتهى
فأيّ ذبيحة ذُكر عليها اسم غير الله من نبي أو وليّ أو صنم أو شيطان أو أيّ معبود كالصّليب وغيره فلا يجوز أكلها، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1503
معنى قوله تعالى (وله المثل الأعلى)
[السُّؤَالُ]
ـ[قوله سبحانه: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض ِ) هل المثل يعني الشبيه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فمعنى (المثل الأعلى) : أي الوصف الأعلى من كل الوجوه، فهو سبحانه الموصوف بالكمال المطلق من كل الوجوه، كما قال سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: ١١) وقال سبحانه: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّه الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) (الإخلاص) والله ولي التوفيق.
[الْمَصْدَرُ]
مجموع فتاوى ومقالات سماحة الشيخ ابن باز ﵀ (٦ / ٢٢١) .
стр. 1504
التكرار، والتقديم والتأخير في القرآن وتفسير قوله تعالى: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا.. الآية)
[السُّؤَالُ]
ـ[وردت في سورة البقرة الآيات ٤٧-٤٨ ثم وردت مره أخرى في الآيات ١٢٢-١٢٣ ونجد الاختلاف في كلمتي الشفاعة والعدل رغم أن الآيتين تتحدثان عن بني إسرائيل.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الجواب على هذا السؤال يتضمن عدة أمور:
الأول: تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ البقرة / ٤٨، والآية الأخرى الشبيهة بها هي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ البقرة / ١٢٣.
قال ابن كثير ﵀ (١ / ٢٥٦) : ?
لما ذكَّرهم تعالى بنعمه أولاً - يعني: قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ البقرة / ٤٠ - عطَف على ذلك التحذير من حلول نقمه يوم القيامة فقال: ﴿واتقوا يوماً﴾ " يعني: واحذروا يوم القيامة، ﴿لا تجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئاً﴾ أي: لا يغني أحد عن أحد كما قال ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وقال: ﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ وقال: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والدٌ عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا﴾ فهذا أبلغ المقامات أن كلاًّ من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئاً.
وقوله تعالى: ﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾ يعني: من الكافرين كما قال ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ أي: لا يقبل منها فداء كما قال تعالى: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به﴾ ، وقال: ﴿إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تُقبل منهم ولهم عذاب أليم﴾ ، وقال: ﴿فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم﴾ الآية، فأخبر تعالى أنهم إن لم يؤمنوا برسوله ويتابعوه على ما بعثه به ووافوا الله يوم القيامة على ما هم عليه فإنه لا ينفعهم قرابة قريب ولا شفاعة ذي جاه ولا يقبل منهم فداء ولو بملء الأرض ذهباً.
وقوله تعالى ﴿ولا هم ينصرون﴾ أي: ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله كما تقدم أنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة ولا ينقذ أحدا من عذابه منقذ ولا يخلص منه أحد ولا يجير منه أحد كما قال تعالى ﴿وهو يجير ولا يجار عليه﴾ وقال ﴿فيومئذٍ لا يُعذِّب عذابه أحدٌ ولا يوثِق وثاقه أحد﴾ .
قال ابن جرير الطبري:
وتأويل قوله ﴿ولا هم ينصرون﴾ يعني: أنهم يومئذٍ لا ينصرهم ناصرٌ كما لا يشفع لهم شافعٌ ولا يقبل منهم عدل ولا فدية، بطلت هنالك المحاباة واضمحلت الرشى والشفاعات وارتفع من القوم التناصر والتعاون وصار الحكم إلى الجبار العدل الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها وذلك نظير قوله تعالى ﴿وقفوهم إنهم مسئولون. ما لكم لا تناصرون. بل هم اليوم مستسلمون﴾ أ. هـ.
وبهذا يعلم أن الشفاعة المنفية هنا هي شفاعة الكافرين أو الشفاعة في الكافرين.
الثاني: أن التكرار في القرآن الكريم يحصل كثيراً وذلك لحكمٍ كثيرةٍ عظيمةٍ قد نعرف بعضها، ويخفى علينا كثيرٌ منها: -
١- أن كل جملةٍ مكررةٍ يختلف مدلولها ومعناها عن الجملة الأخرى لأنها تتعلق بما ذكر قبلها من كلام الله تعالى، وبهذا لا يعد ذلك من التكرار في شيءٍ.
فمثلا: قوله تعالى في سورة المرسلات: ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ تكررت عشر مرات، وذلك أن الله تعالى أورد قصصاً مختلفة، وأتبع كل قصة بهذا القول فكأنه عقب على كل قصة: " ويل يومئذ للمكذب بهذه القصة "، وكل قصة مغايرة للقصة الأخرى فأثبت الوعيد لمن كذب بها.
٢- كما أن الله تعالى لا يخالف بين الألفاظ إلا لاختلاف المعاني، وأن هذا لا يكون إلا لحكمة يعلمها سبحانه، وقد يطلع عليها بعض خلقه بما يفتح عليهم من الفهم في كتابه، وقد يحجبها عنهم، وهو الحكيم العليم.
٣- أن تكرار الكلام يضفي على المعنى الذي تضمنه أهمية ومكانة توجب له عناية خاصة، ومنها تأكيد المعنى وبقدر ما يحصل التأكيد بقدر ما يدل على الاهتمام بالأمر والعناية به.
(للاستزادة يراجع قواعد التفسير ٢ / ٧٠٢) .
الثالث: هل تقديم شيء وتأخيره في القرآن له حِكَم معروفة أو قاعدة مطردة؟
فيقال ـ والعلم عند الله تعالى ـ: إن التقديم والتأخير في القرآن، بل وفي لغة العرب لا يجري على قاعدة مطردة، فتارة يكون المقدم هو المتقدم في الوقوع، وتارة يكون المقدم هو الأشرف، وتارة يصعب التعليل، وعليه: فينبغي الحذر عند الكلام في هذا الباب، فيبين ما ظهر له وجه تعليله من غير تكلف، وما لم يظهر وجهه يوكل علمه إلى عالمه، والتقول على الله بلا علم من أعظم المحرمات كما لا يخفى، فلا يجوز أن يُحَمّل كلام الله ما لا يحتمل.
على أنه يقال: إن العرب إذا ذكرت أشياء مشتركة في الحكم وعطفت بعضها على بعض بالواو المقتضية عدم الترتيب فإنهم لا يقدمون في الغالب إلا ما يعتنون به سواء كان بسب التشريف أو التعظيم، أو لأهميته أو قصد الحث عليه، أو نحو ذلك.
" قواعد التفسير " د. خالد السبت (١ / ٣٨٠) .
الرابع: في الحكمة من تكرار هذه الآية، والحكمة من التقديم والتأخير فيها على وجه الخصوص:
إن التكرار هنا لتذكير بني إسرائيل، وإعادةً لتحذيرهم للمبالغة في النصح.
وأيضاً: في الموضع الأول ذكَّرهم بالقيام بحقوق نعمه السابقة عليهم وهي التي ذكره قبل الآيات وبعدها، وفي الموضع الثاني ذكَّرهم بنعمة تفضيلهم على العالَمين لإيمانهم بنبي زمانهم، ليحصلوا هذه الفضيلة بإيمانهم بنبي الإسلام الخاتم محمَّدٍ ﷺ فيكونوا من الفاضلين، ويتقوا بإيمانهم به من أهوال القيامة وخوفها؛ كما اتقى من تابع موسى ﵇ وآمن به من تلك الأهوال ".
" روح المعاني " للآلوسي (١ / ٣٧٣) .
وأما سبب تقديم العدل على الشفاعة في الموضع الثاني وتأخيره عنها في الموضع الأول: فقد التمس بعض العلماء الحكمة فذكروا حكمتين:
١- أنه من باب التفنن في الكلام لتنتفي به سآمة الإعادة مع حصول المقصود من التكرير.
٢- ومع هذا التفنن فهناك فائدة لطيفة وهي: " أنه في الآية الأولى نفى قبول الشفاعة، وفي الآية الثانية نفى قبول الفداء حتى يتم نفي القبول في كل منهما، ثم لما كان نفي قبول الشفعة لا يقتضي نفي أخذ الفداء ذكره في الآية الأولى بعد الشفاعة حتى لا يتوهم متوهم أنه إذا لم تقبل الشفاعة فقد يؤخذ الفداء، ولما نفى في الآية الثانية قبول الفداء، وكان هذا النفي لا يتضمن نفي انتفاع الكافرين بالشفاعة أعقبه بنفي نفع الشفاعة حتى لا يتوهم متوهم أنه إذا لم يقبل الفداء قد تنفع الشفاعة، فتحصَّل من الآيتين نفي القبول عن الشفاعة وعن الفداء لأن أحوال الناس في طلب الفكاك والنجاة مما يخافونه تختلف، فمرة يقدمون الفداء فإذا لم يقبل قدموا الشفاعة، ومرة يبدؤون بالشفاعة فإذا لم تقبل عرضوا الفداء." أ. هـ.
بتصرف يسير من " التحرير والتنوير " لابن عاشور (١ / ٦٩٨) .
وبعد:
فهذه اللطائف التي ذكرت هي مجرد استنتاج واستنباط ناتج عن اجتهاد بعض العلماء في هذه الآيات فقد يكون ما ذكروه من الحِكم، وقد لا يكون، وما جاء في السياق القرآني فهو الأفصح والأليق، سواءً صحَّ هذا الاستنباط أو لم يصح، والمقصود الأعظم هو أخذ العبرة والعظة من هذه الآية: وهي أن الإنسان في يوم القيامة لن ينفعه أحدٌ قريباً كان أو بعيداً، وسينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قّدَّم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قّدَّم، وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار، فعليه أن يتقي النار بالعمل الصالح ولو كان ذلك العمل صدقة بشقِّ تمرة؛ كما ورد معنى هذا في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم ﵁ كما رواه البخاري برقم (٦٠٥٨) ومسلم (١٦٨٨) .
وأن الشفاعة لا تنفع أحداً من الخلق إلا بإذن الله، ولن يأذن الله لأحد من الكافرين أن يَشفع أو يُشفع له في الخروج من النار.
فليتعلق العبد بربه دون سواه وليطلب منه أن يرزقه شفاعة نبيه ﷺ .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1505
لا تعارض بين الآيتين
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف نجمع بين هاتين الآيتين: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) وقوله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) وهل بينهما تعارض؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله ليس بينهما تعارض، فالآية الأولى في حق من مات على الشرك ولم يتب منه فإنه لا يغفر له ومأواه النار كما قال الله سبحانه: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (المائدة:٧٢) وقال : (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام: ٨٨) والآيات في هذا المعنى كثيرة. أما الآية الثانية وهي قوله سبحانه: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (طه:٨٢) فهي في حق التائبين، وهكذا قوله سبحانه: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر:٥٣) أجمع العلماء على أن هذه الآية في التائبين. والله ولي التوفيق.
[الْمَصْدَرُ]
مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ ابن باز ﵀ (٤/ ٤١٩)
стр. 1506
معنى قوله تعالى " أثرن به نقعاً "
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو معنى الآية " فأثرن به نقعاً "؟ وهل الكلمات (ارتفع، غبار، في، سُحُب) موجودة في هذه الآية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١. الكلمات " ارتفع " و " غبار " موجودتان بالمعنى في الآية، و " في " غير موجودة إلا أن المعنى دلَّ عليها لأنه الغبار لا يرتفع إلا " في " الهواء، و " سحب " غير موجودة لا لفظاً ولا معنى.
٢. " ارتفع " جاء لها مرادفات كثيرة في القرآن، ومنها:
أ. النشء، ومنه قوله تعالى ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ الرعد/١٢، وقوله ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ المزمل/٦.
أ.الحدب، ومنه قوله تعالى ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُون﴾ الأنبياء/٩٦، قال الفرَّاء: من كل أكَمة، ومن كل موضعٍ مرتفعٍ.
ب. العروج، ومنه قوله تعالى ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ المعارج/٤، ومعناه: الصعود والارتفاع.
ت. الموج، ومنه ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ هود/٤٢، والموج: هو ارتفاع الماء فوق الماء.
ث. الربوة، ومنه قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ المؤمنون/٥٠، والربوة: المكان المرتفع.
ج. النشز، ومنه قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ المجادلة/١١، النشوز: الارتفاع.
ح. وأما لفظ " غبار ": فقد جاء لفظ آخر هو في القرآن بمعناه وهو " هباء "، ومنه قوله تعالى ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ الفرقان/٢٣.
وأما لفظ " سحاب " فجاءت له ألفاظ مرادفة في القرآن ومنها:
أ. المعصرات، ومنه قوله تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً﴾ النبأ/١٤.
ب. المزن، ومنه قوله تعالى ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ الواقعة/٦٩.
٣. إن من أفضل التفاسير بشكل عام من ناحية الشمولية في أنواع التفسير من ناحية وسلامة المعتقد من ناحية أخرى هما: تفسير الطبري من المتقدمين وتفسير ابن كثير من المتأخرين.
وقال الطبري في تفسير آية ﴿فأثرن به نقعاً﴾ :
وَقَوْله ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ يَقُول تَعَالَى ذِكْره: فَرَفَعْنَ بِالْوَادِي غُبَارًا؛ وَالنَّقْع: الْغُبَار، وَيُقَال: إِنَّهُ التُّرَاب.
وَالْهَاء فِي قَوْله ﴿بِهِ﴾ كِنَايَة اِسْم الْمَوْضِع، وَكَنَّى عَنْهُ، وَلَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر، لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَنَّ الْغُبَار لا يُثَار إِلا مِنْ مَوْضِع، فَاسْتَغْنَى بِفَهْمِ السَّامِعِينَ بِمَعْنَاهُ مِنْ ذِكْره.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل.
" تفسير الطبري " (٣٠ / ٢٧٥، ٢٧٦) .
وأما ابن كثير فقال في تفسير آية ﴿فأثرن به نقعاً﴾ :
يَعْنِي غُبَارًا فِي مَكَان مُعْتَرَك الْخُيُول.
" تفسير ابن كثير " (٤ / ٥٤٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1507
آخر سورة نزلت في القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[كل مسلم رضي بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً يعلم أن أول سورة نزلت على نبينا محمد ﷺ سورة: (اقرأ....) فما آخر سورة نزلت على رسولنا الأمين؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
آخر سورة نزلت من القرآن هي سورة النصر (إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) ، وهذا قول ابن عباس ﵁. روى مسلم (٣٠٢٤) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ تَعْلَمُ آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنْ الْقُرْآنِ نَزَلَتْ جَمِيعًا قُلْتُ نَعَمْ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قَالَ صَدَقْتَ ".
ويؤيد هذا ما صح عن عمر وابن عباس ﵄ أن هذه السورة أشارت إلى أجل النبي ﷺ ونعت إليه نفسه.
فقد روى البخاري (٤٩٧٠) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ فَقَالَ عُمَرُ إِنَّهُ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ فَدَعَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ فَمَا رُئِيتُ أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلا لِيُرِيَهُمْ قَالَ مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَقَالَ لِي أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لا قَالَ فَمَا تَقُولُ قُلْتُ هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ لَهُ قَالَ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَذَلِكَ عَلامَةُ أَجَلِكَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا فَقَالَ عُمَرُ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلا مَا تَقُولُ".
وقال البراء بن عازب ﵁: آخر سورة نزلت هي براءة (التوبة) .
روى البخاري (٤٣٢٩) ومسلم (١٦١٨) عن البراء بن عازب قال: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) .
وقالت عائشة ﵂: آخر سورة أنزلت هي المائدة.
روى أحمد (٢٥٥٨٨) عن جبير بن نفير قال: دخلت على عائشة فقالت: هل تقرأ سورة المائدة؟ قال: قلت: نعم، قالت: فإنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه وسألتها عن خُلُقِ رسول الله ﷺ فقالت القرآن". والحديث صححه شعيب الأرناؤوط في تحقيق المسند.
ولم يثبت عن النبي ﷺ حديث في بيان آخر سورة نزلت من القرآن، ولهذا اختلف الصحابة، فقال كل بما أداه إليه اجتهاده.
قال البيهقي ﵀: يجمع بين هذه الاختلافات بأن كل واحد أجاب بما عنده. نقله عنه المباركفوري في تحفة الأحوذي.
والله اعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1508
أيهما أصح " تفسير ابن كثير " أو " تفسير الطبري "؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أيهما أصح " تفسير ابن كثير " أو " تفسير الطبري "؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
كل واحد من هذين التفسيرين لعالم جليل من علماء أهل السنة، ولا يزال العلماء ينصحون باقتنائهما، ولكل واحدٍ منهما ميزات تجعل طالب العلم لا يستطيع تفضيل واحدٍ منهما على الآخر، وهذه بعض اللمحات عن التفسيرين:
١. " تفسير الطبري "
- ولد الإمام محمد بن جرير الطبري عام ٢٢٤ هـ وتوفي عام ٣١٠ هـ عن ستة وثمانين عاماً في إقليم طبرستان.
- سمى تفسيره " جامع البيان في تأويل آي القرآن ".
- قال أبو حامد الإسفرايني: لو سافر مسافر إلى الصين من أجل تحصيله ما كان ذلك كثيراً في حقه.
" طبقات المفسرين " للداودي (٢ / ١٠٦) .
وقال ابن خزيمة: نظرت فيه من أوله إلى آخره، وما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير.
" سير أعلام النبلاء " (١٤ / ٢٧٣) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما التفاسير التي في أيدي الناس: فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبري؛ فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين، كمقاتل بن بكير والكلبي.
" مجموع الفتاوى " (١٣ / ٣٥٨) .
وقال أيضاً في "مقدمة في أصول التفسير" (ص ٣٩) عن تفسير ابن جرير:
من أجل التفاسير وأعظمها قدراً. انتهى.
- اعتمدَ أقوال ثلاث طبقات من طبقات مفسري السلف، وهم الصحابة، والتابعون، وأتباع التابعين، ويذكر أقوالهم بأسانيده إليهم، وهذه ميزة عظيمة في كتابه، لا توجد في كثير من كتب التفسير الموجودة بين أيدينا، غير أن هذه الميزة لا تتناسب مع عامة المسلمين الذين ليس لديهم القدرة على البحث في الأسانيد ومعرفة الصحيح من الضعيف، وإنما يريدون الوقوف على صحة السند أو ضعفه بكلام واضح بَيِّن مختصر.
- فإذا انتهى من عرضِ أقوالِهم: رجَّحَ ما يراه صوابًا، ثمَّ يذكر مستندَه في الترجيحِ.
٢. " تفسير ابن كثير "
- هو أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، توفي في عام ٧٧٤ هـ.
- سمى تفسيره " تفسير القرآن العظيم ".
- قال السيوطي ﵀ في حق هذا التفسير: لم يؤلَّف على نمطه مثله.
" تذكرة الحفاظ " (ص ٥٣٤) .
- وتفسيره من التفسير بالمأثور – الآية والحديث -، وشهرته تعقب شهرة الطبري عند المتأخرين.
- سهل العبارة، جيد الصياغة، ليس بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل.
- يفسِّر الآية بالآية، ويسوق الآيات المتناسبة مع ما يفسره من الآيات، ثم يسرد الأحاديث الواردة في موضوع الآية، ويسوق بعض أسانيدها وبخاصة ما يرويه الإمام أحمد في مسنده، وهو من حفظة المسند، ويتكلم على الأحاديث تصحيحاً وتضعيفاً– غالباً – وهي ميزة عظيمة في تفسيره، ثم يذكر أقوال السلف من الصحابة والتابعين، ويوفق بين الأقوال، ويستبعد الخلاف الشاذ.
قال عنه محمد بن جعفر الكتاني: إنه مشحون بالأحاديث والآثار بأسانيد مخرجيها مع الكلام عليها صحةً وضعفاً.
" الرسالة المستطرفة " (ص ١٩٥) .
- نبَّه على الموقف الشرعي من الروايات الإسرائيلية، ونبَّه على بعضها خلال تفسيره لبعض الآيات.
والخلاصة:
أنه لا غنى لطالب العلم عن الكتابين، وأنه عند المفاضلة بينهما: فإن تفسير ابن جرير لم يؤلَّف بعده مثله، وهو زاد للعلماء وطلبة العلم، لكنه لا يصلح لعامة الناس لعدم صلاحيتهم هم له، وتفسير ابن كثير أقرب لأن يوصى به عوام الناس، وفيه من الفوائد للعلماء وطلبة العلم الشيء الكثير.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1509
من هم الولدان المخلدون ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الولدان المخلدون هم أطفال المسلمين الذين ماتوا صغارا؟؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الله تعالى في شأن أهل الجنة: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ) الواقعة /١٧ وقال تعالى: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً) الإنسان/١٩
قال ابن كثير ﵀: أي: يطوف على أهل الجنة للخدمة ولدان من ولدان الجنة، مخلدون: أي: على حالة واحدة، مخلدون عليها لا يتغيرون عنها؛ لا تزيد أعمارهم عن تلك السن. قال ابن عباس ﵄: غلمان لا يموتون.
قال ابن القيم ﵀: قال أبو عبيدة والفراء: مخلدون: لا يهرمون ولا يتغيرون؛ قال: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط: إنه لمخلد، وإذا لم تذهب أسنانه من الكبر قيل: هو مخلد.
وقوله تعالى في وصفهم، في سورة الإنسان: (إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا) أي: إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة، وكثرتهم وصباحة وجوههم وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، حسبتهم لؤلؤا منثورا، ولا يكون التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن.
قال ابن القيم ﵀: وشبههم سبحانه باللؤلؤ المنثور لما فيه من البياض وحسن الخلقة. وفي كونه منثورا فائدتان:
إحداهما: الدلالة على أنهم غير معطلين، بل مبثوثون في خدمتهم وحوائجهم.
الثانية: أن اللؤلؤ إذا كان منثورا، ولاسيما على بساط من ذهب أو حرير، كان أحسن لمنظره وأبهى، من كونه مجموعا في مكان واحد.
وقد اختلف العلماء فيمن يكون هؤلاء الولدان:
فروي عن علي بن أبي طالب ﵁، والحسن البصري أن المراد بالولدان هنا ولدان المسلمين الذين يموتون صغارا ولا حسنة لهم ولا سيئة.
وروي عن سلمان ﵁ أنه قال: أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة.
قال الحسن: لم يكن لهم حسنات يجزون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا في هذا الموضع.
قال شيخ الإسلام ﵀: قال شيخ الإسلام ﵀: ولا أصل لهذا القول. " مجموع الفتاوى " (٤/٢٧٩) .
وقال ابن القيم ﵀: وقد روى في ذلك حديث لا يثبت.
وقيل: إن هؤلاء الولدان أنشأهم الله لأهل الجنة، يطوفون عليهم كما شاء، من غير ولادة.
وهذا القول الأخير هو الذي ارتضاه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فقد سئل ﵀: عن الولدان: هل هم ولدان أهل الجنة؟
فأجاب: الولدان الذين يطوفون على أهل الجنة خلق من خلق الجنة ; ليسوا بأبناء أهل الدنيا بل أبناء أهل الدنيا إذا دخلوا الجنة يكمل خلقهم كأهل الجنة؛ على صورة آدم أبناء ثلاث وثلاثين سنة، في طول ستين ذراعا. وقد روي أيضا أن العرض سبعة أذرع.
انظر: مجموع الفتاوى: ٤/٣١٢
واستظهر ابن القيم ﵀ هذا القول أيضا. قال: والأشبه أن هؤلاء الولدان مخلوقون من الجنة، كالحور العين، خدما لهم وغلمانا ... ، وهؤلاء غير أولادهم؛ فإن من تمام كرامة الله تعالى لهم أن يجعل أولادهم مخدومين معهم، ولا يجعلهم غلمانا لهم.
راجع أيضا: السؤال رقم [٦٤٩٦] .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1510
لماذا خلق الله السموات والأرض في ستة أيام مع قدرته على خلقها في أقل من هذه المدة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا أراد الله أمراً فإنه يقول له كن فيكون، فلماذا استغرق ٦ أيام حتى يخلق السماوات والأرض؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من المقرر عند أهل الإيمان الراسخ والتوحيد الكامل أن المولى جل وعلا قادر على كل شيء، وقدرته سبحانه ليس لها حدود، فله سبحانه مطلق القدرة وكمال الإرادة، ومنتهى الأمر والقضاء، وإذا أراد شيئاً كان كما أراد وفي الوقت الذي يريد، وبالكيفية التي أرادها .
وقد تواترت النصوص القطعية من كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ على تقرير هذا الأمر وبيانه بياناً واضحاً لا لبس فيه ولا غموض، ونكتفي هنا بذكر بعض الآيات الدالة على ذلك، فمن ذلك قوله تعالى: (بديع السموات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) البقرة / ١١٧.
قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة (١/١٧٥) : (يبين بذلك تعالى كمال قدرته، وعظيم سلطانه، وأنه إذا قدر أمراً وأراد كونه فإنما يقول له كن _ أي: مرة واحدة _ فيكون، أي فيوجد على وفق ما أراد كما قال تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) يس / ٨٢) أ. هـ.
وقال تعالى: ( ... قال كذلك الله يخلق ما يشاء، إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) آل عمران / ٢٤٧.
وقال تعالى: (هو الذي يحي ويميت فإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) غافر / ٦٨.
وقال تعالى: (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) القمر/٥٠.
قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - في تفسيره هذه الآية (٤/٢٦١) : (وهذا إخبار عن نفوذ مشيئته في خلقه، كما أخبر بنفوذ قدره فيهم فقال: (وما أمرنا إلا واحدة) أي إنما نأمر بالشيء مرة واحدة لا نحتاج إلى توكيد بثانية، فيكون ذلك الذي نأمر به حاصلاً موجوداً كلمح البصر، لا يتأخر طرفة عين، وما أحسن ما قال بعض الشعراء:
إذا ما أراد الله أمراً فإنما يقول له كن قولة فيكون) أ. هـ.
وهناك آيات أخرى تقرر هذا الأمر وتوضحه.
فإذا تقرر ذلك فلماذا خلق الله ﷻ السموات والأرض في ستة أيام؟ .
أولاً:
قد ورد في أكثر من آية في كتاب ربنا أن الله جل وعلا خلق السموات والأرض في ستة أيام فمن ذلك قوله تعالى: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ... ) الأعراف / ٥٤.
ثانياً:
ما من أمر يفعله الله إلا وله فيه حكمة بالغة وهذا من معاني اسم الله تعالى " الحكيم "، وهذه الحكمة قد يطلعنا الله تعالى عليها وقد لا يطلعنا، وقد يعلمها ويستنبطها الراسخون في العلم دون غيرهم.
غير أن جهلنا بهذه الحكمة لا يحملنا على نفيها أو الاعتراض على أحكام الله ومحاولة التكلف والتساؤل عن هذه الحكمة التي أخفاها الله عنا، قال الله تعالى: (لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون) الأنبياء / ٢٣.
وقد حاول بعض العلماء استباط الحكمة من خلق السموات والأرض في ستة أيام:
١- قال الإمام القرطبي ﵀ في تفسيره " الجامع لأحكام القرآن " لآية الأعراف (٥٤) (٤/٧/١٤٠) :
( ... وذكر هذه المدة - أي ستة أيام - ولو أراد خلقها في لحظة لفعل؛ إذ هو القادر على أن يقول لها كوني فتكون، ولكنه أراد:
- أن يعلم العباد الرفق والتثبت في الأمور.
- ولتظهر قدرته للملائكة شيئاً بعد شيء....
- وحكمة أخرى: خلقها في ستة أيام؛ لأن لكل شيء عنده أجلا، وبيّن بهذا ترك معالجة العصاة بالعقاب؛ لأن لكل شيء عنده أجلاً ... ) ا. هـ.
٢- وقال ابن الجوزي في تفسيره المسمى بـ " زاد المسير " (٣/١٦٢) في تفسير آية الأعراف:
( ... فإن قيل: فهلا خلقها في لحظة، فإنه قادر؟ فعنه خمسة أجوبة:
أحدها: أنه أراد أن يوقع في كل يوم أمراً تستعظمه الملائكة ومن يشاهده، ذكره ابن الأنباري.
والثاني: أنه التثبت في تمهيد ما خُلق لآدم وذريته قبل وجوده، أبلغ في تعظيمه عند الملائكة.
والثالث: أن التعجيل أبلغ في القدرة، والتثبيت أبلغ في الحكمة، فأراد إظهار حكمته في ذلك، كما يظهر قدرته في قوله (كن فيكون) .
والرابع: أنه علّم عباده التثبت، فإذا تثبت مَنْ لا يَزِلُّ، كان ذو الزلل أولى بالتثبت.
والخامس: أن ذلك الإمهال في خلق شيء بعد شيء، أبعد من أن يظن أن ذلك وقع بالطبع أو بالاتفاق.) ا. هـ.
٣- وقال القاضي أبو السعود في تفسيره عند آية الأعراف: (٣/٢٣٢) : ( ... وفي خلق الأشياء مدرجاً مع القدرة على إبداعها دفعة دليل على الاختيار، واعتبار للنظار، وحث على التأني في الأمور) ا. هـ.
وقال عن تفسير الآية (٥٩) من سورة الفرقان (٦/٢٢٦) :
( ... فإن من أنشأ هذه الأجرام العظام على هذا النمط الفائق والنسق الرائق بتدبير متين وترتيب رصين، في أوقات معينة، مع كمال قدرته على إبداعها دفعة لحكم جليلة، وغايات جميلة، لا تقف على تفصيلها العقول ... ) أ. هـ.
وبناء على ما سبق اتضح أن الله جلت قدرته وعَظُم سلطانه له مطلق القدرة، ومنتهى الإرادة، وكمال التصرف والتدبير، وله في كل خلق من خلقه حِكم بليغة لا يعلمها إلا هو سبحانه، وكذلك اتضح لك بعض الحِكم والأسرار في خلق المولى السموات والأرض في ستة أيام، مع أنه قادر سبحانه أن يخلقها بكلمة " كن ".
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →