← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 14491–14530 · переход к 14496.

стр. 14491

أخوها له جرأة كبيرة على المعاصي فماذا تفعل معه ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لي أخ أصغر مني يبلغ ٢٠ عاما أعلم أنه يفعل كل المعاصي التي حرمها الله، وأبي وأمي صالحان لكنهما لم يتمكنا من إصلاح حاله، وأنا أخاف عليه وكلما حاولت مكالمته يصدمني بأنه ليس له هدف في الحياة ويتمنى أن يموت ويسأل دائما ولماذا ينصلح حالي ولمن؟ ماذا افعل لأخي الوحيد؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أسأل الله أن يمن على أخيك بالهداية والصلاح وأن يرده إليه رداً جميلاً، وأن يعينك على دعوته وتوجيهه للخير وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتك.. ثم اعلمي أيتها الأخت ـ وفقك الله ـ أن أمامك عددا من الوسائل التي يمكنك القيام بها لدعوة أخيك واستصلاحه ومن ذلك: أولاً: الدعاء لأخيك بالهداية والصلاح بقلب صادق، ويقين من الله بالإجابة؛ مع الإلحاح والمداومة على ذلك، واعلمي أن الله لا يخيب ظن من رجاه، ولا يرد سائلاً دعاه بصدق وإخلاص. ثانياً: توجيه النصيحة إليه واسلكي في ذلك أسلوب الحوار والإقناع العقلي ممزوجاً بأسلوب الترغيب بما أعد الله للمحسنين من الكرامة والجزاء الحسن الجميل، والترهيب بما أوعد الله به المذنبين من العقوبة والنكال والعذاب الشديد؛ وذلك بتذكيره بحقيقة هذه الحياة، وأن الله تعالى ما خلق هذا الكون بأرضه وسمائه وبحاره وأنهاره، وجباله وسهوله ووهاده وصحاراه؛ إلا من أجلك أنت أيها الإنسان، وماذا عسى أن تكون أيها المخلوق الضعيف في جنب هذه المخلوقات العظيمة الهائلة؛ التي سخرها الله لك، لتستقر حياتك، وتتيسر سبل عيشك، كما قال سبحانه: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) البقرة/٢٩، وقال جل شأنه: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) الملك/١٥ وقال سبحانه: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) لقمان/٢٠، بل وفضلك على سائر هذه المخلوقات الأرضية جميعا ً كما قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) الإسراء/٧٠ فإذا علمت ذلك أيها المخلوق الضعيف، وأن الله خلق كل هذه العوالم العظيمة وسخرها لراحتك في هذه الحياة، فيتبادر إلى الذهن سؤال منطقي يسأله كل عاقل: فلماذا إذاً خلقني الله تعالى؟ فيأتيك الجواب صريحاً واضحاً من خالقك ومولاك: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) الذريات/٥٦. إذاً فالوظيفة التي من أجلها خلقت أيها الإنسان إنما هي: تحقيق العبودية لله الواحد الأحد، وهذا جواب قولك لمن أنصلح؟ فأنت تنصلح لله الذي خلقك فسواك فعدلك، ووهب لك الحياة والقوة والصحة وما بك من نعمة فهي منه وحده ولو شاء لسلبها عنك في طرفة عين، أفلا يستحق منك أن تشكره على هذه النعم التي لا تحصى، وذلك بامتثال أمره واجتناب نهيه الذي هو حقيقة العبادة التي خلقت من أجلها. وأما قولك لماذا أنصلح؟ فقد بين الله سبحانه الحكمة من خلق الموت والحياة في هذه الدنيا، حتى تعرف أيها الإنسان الحقيقة الكبرى التي من علمها لم يقر له قرار ولم يهدأ له بال حتى ينال مرضاة الله فيسعد في الجنة بلقياه فقال سبحانه: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) الملك/٢، فإذا علمت ذلك وأن خالقك سبحانه يختبرك الآن في هذه الدار لينظر إلى عملك فيجازيك به يوم تلقاه إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وأن العبد بعد موته لن يترك سدى بل سيجازى بعمله كما قال تعالى: (أَيَحْسَبُ الإنسان أَنْ يُتْرَكَ سُدىً) القيامة/٣٦، ولذا فأنت تجد أن الله سبحانه يكثر في كتابه من وصف ما أعده لعباده المحسنين في هذه الدار، بأن لهم عنده في الآخرة جنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ كما يكثر سبحانه من ذكر ما أعده للمسيء المفرط في حقه، بأن له نارا تلظى، لا يموت فيها ولا يحيى، وأنه جعل فيها من أنواع النكال والعذاب ما يشيبُ الوليد سماعُه فضلا عن رؤيته ومعاينته نسأل الله لنا ولك السلامة منها ... أفيليق بك بعد كل هذا أن تتجرأ على مخالفة أمره، أو تعيش لغير الهدف الذي خلقت له، وصدق والله القائل: فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ونُسأل بعده عن كل شيء ولا شك أن ما تشعر به من ضيق ونكد يدعوك إلى تمني الموت؛ إنما هو بسبب فقدك للشعور بهذا الهدف السامي والغاية النبيلة، فإن أعظم وألذ شيء في هذا الوجود أن تكون عبداً لله على الحقيقة، فإياك أن تعرض عن ربك، وتبتعد عنه؛ فإنك راجع إليه، ولو طالت بك الحياة وامتد بك العمر كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) الانشقاق/٦ فاحذر أن تلقاه وأنت ممن أعرض عنه فيصدق فيك قوله جل شأنه: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) طه/١٢٤ـ١٢٧ فالبدار البدار بالعودة الصادقة والتوبة النصوح؛ لتجد رباً كريما يفرح بعبده إذا تاب، ويرضى عنه إذا أناب، بل ويفيض عليه من محبته ورحمته ما لا يخطر له على بال، فماذا تنتظر؟! والله يقول: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) الذريات/٥٠. فإذا عرفت هذا فاعلم ـ وفقك الله لرضاه ـ أن الفوز بهذا النعيم العظيم، والنجاة من ذلك العذاب الأليم، والنجاح في هذا الامتحان الخطير، لا يكون إلا على جسر من التعب والمشقة التي تحتاج إلى صبر وتحمل ومعاناة. لكنها مشقة سرعان ما تنقضي، ومعاناة عن قريب تنتهي؛ ليعقبها راحة أبدية ونعيم سرمدي فما عسى أن تساوي مشقة ساعة، ولحظة ألم؛ إذا ما قورنت بنعيم الدهر ولذة الأبد.. نسأل الله تعالى أن يمن علينا جميعاً بفضله وجنته ... وفي ختام هذه الكلمات أحب أن أتركك مع هذه الآيات العظيمة من كتاب الله تعالى والتي أنزلها على عبده محمد ﷺ لتكون شفاء لقلوب المؤمنين، ودواء لأمراضها؛ فاقرأها قراءة تدبر وتأمل لعل الله أن يجعلها بلسماً وشفاءً لما تعانيه من ضيق وعناء: قال ربنا جل وعلا: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) فصلت/٣٠-٣٢ وقال : (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأحقاف/١٣ـ١٤ وقال جل شأنه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) الحشر/١٨-٢٠، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تبين هذه الحقيقة العظيمة وتوضحها أعظم توضيح، فعليك بالإقبال على كتاب الله لتجد فيه كل خير، وتبتعد عن كل سوء وشر. وأسأل الله أن يشرح صدرك للخير وأن يثبتك عليه حتى تلقاه، وأن يصرف عنك السوء والشر إنه سميع قريب. والله تعالى أعلى وأعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14492

المسلمون ونظرة الناس لهم [السُّؤَالُ] ـ[ما هي المشاكل التي يعاني منها المسلمون بسبب نظرة الآخرين إليهم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قد يعاني المسلمون من اضطهاد وإيذاء بسبب نظرة الآخرين لهم، وبسبب تمسكهم بدينهم، ولكن مهما بلغ بهم الإيذاء والاضطهاد فإنهم لا يمكن أن يذلوا داخل أنفسهم، ولا أن يكرهوا الإسلام، بل يصبرون ويتحملون لله وفي سبيل الله، ويحتسبون الأجر في ذلك، قال ربهم ﵎: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ . وأما ما يفعله بعض الكفار بالمسلمين فإنه لواحد من ثلاثة أسباب: إما أن يكون هذا الكافر جاهلاً بالإسلام وعظمته، وأنه الدين الحق، فيؤذي المسلمين بناءً على جهله به. أو أن يعلم أن الدين الإسلامي هو الدين الحق ولكنه يؤذي المسلمين عناداً وتجبراً. أو أن يكون عالماً بفضل الإسلام والمسلمين، ولكنه يفعل هذا الإيذاء حسداً للإسلام وأهله. ومع ذلك فالمسلمون يؤمنون بأن الإسلام هو دين العزة والكرامة، وهو دين الرفعة في الدنيا والآخرة، من تمسك به رفعه الله، ومن تخاذل عنه فلن يضر إلا نفسه. لقد علمنا الإسلام - فيما علمنا - أن نكون أعزةً أقوياء فهذا نبينا محمد ﷺ يقول: " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير " رواه مسلم (٤٨١٦) . لقد أمرنا الإسلام: بأن يرحم الكبير منا الصغير، فقال رسول الله ﷺ : " ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا " رواه الترمذي (١٨٤٢) وصححه الألباني في صحيح الترمذي (١٥٦٥) . لقد أمرنا الإسلام أن نكون متراحمين فيما بيننا، وفي المقابل أن نكون أعزة على الكافرين أشداء عليهم فقال سبحانه في وصف أصحاب نبينا محمد ﷺ : ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم..﴾ الفتح. وسمح لنا ديننا أن نتزوج من نساء اليهود والنصارى، ولكن لا يجوز لنا أن نزوجهم بناتنا لأن اليهود والنصارى أقل منزلةً منا ونساؤنا أعلى درجةً منهم، ولا يعلو السافل على العالي. والإسلام يعلو ولا يُعلى عليه. ونحن نؤمن بأنبياءهم، وهم لم يؤمنوا بنبينا. وقد أمرنا ديننا أن نُخرجهم من جزيرة العرب وأن لا نبقيهم فيها، لأن جزيرة العرب أرض الرسالة، فلا يجوز أن نلوثها بالكفار الأنجاس. فقال رسول الله ﷺ : " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " رواه البخاري (٢٩٣٢) ومسلم (٣٠٨٩) . وقد نهانا ديننا من الأكل من آنية اليهود والنصارى إلا إن لم نجد غيرها فيجوز لنا الأكل فيها بشرط أن نغسلها غسلاً جيداً. فقال ﷺ لما سئل عن الأكل من آنية أهل الكتاب: " إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا " رواه البخاري (٥٠٥٦) ومسلم (٣٥٦٧) واللفظ لمسلم. وقد نهانا ديننا الحنيف أن نتشبه في لباسنا بالكفار، أو أن نقلدهم في طريقة الأكل أو العادات، لأننا نحن الأعلون والكفار هم الأدنون، والعالي لا يتشبه بالداني، بل توعد نبينا من تشبه بالكفار بأنه سوف يلقى مصيرهم في جهنم وبئس المصير، فقد قال رسول الله ﷺ : " من تشبه بقوم فهو منهم " رواه أبو داوود (٣٥١٢) - وقال الألباني عن الحديث: حسن صحيح. انظر صحيح أبي داوود (٣٤٠١) . وقد أمرنا نبينا أن نقاتل الكفار عند القدرة والاستطاعة وأن نغزوهم في ديارهم وأن نعطيهم ثلاث خيارات قبل أن ندخل أرضهم: إما أن يسلموا ويكونوا مثلنا لهم ما لنا , وعليهم ما علينا، أو يُعطوا الجزية وهم أذلة صاغرون، أو القتال فنستحل أموالهم ونسائهم وأولادهم وديارهم ويكونوا غنيمةً للمسلمين. إن الإسلام دين سماوي، يربط بين العبد وربه بلا واسطة، فيعبد العبد ربه متى شاء، ويدعوه إذا شاء، فهو مرتبط بربه برابطة العبادة، والإقبال عليه، والتضرع بين يديه، لا يحتاج إلى واسطة الرهبان!! ولا إلى كرامة الأحبار!! بل يتوجه مباشرة إلى الله الواحد القهار. إلا أن ما تراه اليوم من هوان المسلمين وتسلط اليهود والنصارى عليهم فسببه تهاون المسلمين عن التمسك بدينهم، وتركهم الإعداد للجهاد في سبيل الله، وحب الدنيا الذي أمات في قلوبهم حب الله والدار الآخرة. لهذا ترى اليوم دماء المسلين تُراق رخيصةً بلا ثمن، وديارهم تُهدم بلا ثمن، وأرواحهم تُزهق على وهن. وصدق الله إذ يقول: ﴿وما آصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ . إن الذلة والهوان هو بما كسبناه نحن معاشر المسلمين، وليس بسبب الإسلام، ولكن إذا ما رجعنا إلى ديننا فسيعود لنا مجدنا وعزتنا. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 14493

إنقاذ أبناء المسلمين من موالاة الغرب في كتاباتهم الصحفية [السُّؤَالُ] ـ[شيخنا الفاضل: هذا مشروع فكرت فيه منذ زمن، وهو يختص بمراسلة كتُّاب الصحف، حيث أنني قمت بتصنيف الكتُّاب إلى ثلاثة أصناف: صنف متشرب ومنظر للأفكار المنحرفة، وصنف مجرد رجع صدى ولا يفقه شيئاً، وصنف عادي غير متأثر بأي فكرة في الأصل. والغرض من ذلك احتواء الكتُّاب الذين ضلت بهم السبل، وتوجيه المنحرفين منهم، ولقد قمت بمراسلة عدد منهم، فجاءت النتائج طيبة ومبشرة بحمد الله، خاصة من قبل النساء وهذا من فضل الله. أحتاج إلى توجيه فضيلتكم وجزاكم الله خيراً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله جزاك الله خيراً على ما تقوم به من نصرة دين الله وإنقاذ هؤلاء من أوحال الكفر والفسوق والعصيان ومن المقترحات ما يلي: - التذكير بأصولهم الإسلامية والحنين إلى الدين. - التذكير بالله واليوم الآخر، قال تعالى: (ستكتب شهادتهم ويسألون) . - التذكير بخطورة الردة وأن المرتد لا يستحق الحياة في ميزان الشريعة، قال ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) . - التذكير بسخف التقليد الأعمى للغرب، وذكر بعض مساوئ الغرب من الإحصاءات وغيرها. - التذكير بنعمة الأسلوب الجيد ووجوب تسخيرها في طاعة الله والمنافحة عن دينه، كما فعل حسان بن ثابت وغيره. - التذكير بخطورة المولاة لأعداء الله وما ورد في ذلك من الوعيد الشديد وأن تبني أفكار الغرب ومبادئه المخالفة للإسلام هو من المولاة لأعداء الله التي تخرج عن الملة الإسلامية وتوقع في الردة. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 14494

لها صديقات يجاهرن بالمعاصي فهل تستمر في صحبتهن [السُّؤَالُ] ـ[ماذا على المسلمة أن تفعل إذا كانت مع مسلمات يذنبن جهارا، وقد سبق أن نصحتهن مرات عديدة؟ هل تستمر في مصاحبتهن؟ مثل ذلك، النساء اللاتي لا يرتدين الحجاب الصحيح، أو اللاتي يخرجن مكتحلات بارك الله فيكم]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إن من نعمة الله علينا طرح مثل هذه التساؤلات، التي تنم عن مدى غيرة السائلة على دينها واهتمامها بالحفاظ على أسباب ثباته، والتي من أعظمها تجنب صحبة أهل المعاصي، فنسأل الله لنا ولها الثبات على دينه. والجواب على هذا السؤال سيكون في النقاط التالية: أولاً: المجاهرة بالمعاصي من أسباب حرمان العبد من معافاة الله فقد حذر منها النبي ﷺ فقال: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) رواه البخاري برقم (٦٠٦٩) فهي ذنب عظيم نسأل الله أن يسلمنا منه. ومن جالس أهل المعاصي فلا يخلو أمره من حالين: الحال الأولى: أن يجالسه حال اقترافه المعصية ... ففي هذه الحال لا يحل له أن يجالسه مادام في المعصية إلا إذا استطاع أن يزيل ذلك بالنصيحة أو غيرها، فإن زال المنكر جاز له أن يجالسه، قال الله تعالى: (وقد نّزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويستهزُأ بها فلا تجلسوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم) النساء/١٤٠. وإذا لم يقلع عن معصيته فالواجب عليه أن يفارق المجلس لكن الأفضل أن يبين له سبب خروجه منه إذا كان ذلك يؤثر فيه ويدعوه إلى ترك المنكر. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في تفسير هذه الآية: وذلك أن الواجب على كل مكلف في آيات الله الإيمان بها وتعظيمها وإجلالها، وتفخيمها.......... ويدخل في ذلك مجادلة الكفار والمنافقين لإبطال آيات الله ونصر كفرهم.....بل وكذلك يدخل فيه، حضور مجالس المعاصي والفسوق، التي يستهان فيها بأوامر الله ونواهيه، وتقتحم حدوده التي حدها لعباده. ا. هـ (٢/١٩٨) الحال الثانية: ألا يكون متلبِّسا بالمعصية فهذا تجوز مجالسته ولا حرج فيها. ثانياً: قولك: هل أترك مصاحبتهن أم لا؟ فالجواب إذا كانت الأخت تأمن على نفسها من الانحراف بسببهن وترى أن في مصاحبتها لهن فائدة بحيث تستمر في نصحهن وتوجيههن إلى ما فيه صلاحهن فإن استمرارها في ذلك أفضل ونسأل الله لها التوفيق والسداد. وأما إذا رأت أنهن ربما أثَّرن عليها بكثرة المجالسة واعتياد ما هنّ عليه فعليها ألا تجالسهنّ وأن تترك صحبتهنّ حفاظًا على دينها لاسيما إذا كانت قد نصحتهنّ مراراً ولم يستجبن. ثم إن رأت أن تبحث عن غيرها ممن يقوم بنصحهن فإنها تكون مأجورة على ذلك. هذا والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 14495

يشرب الخمر بحجة أنه حر في تصرفاته [السُّؤَالُ] ـ[أسلمت حديثاً، طلب أخو زوجي منه عدة مرات أن يذهب معه ومع أصدقائه لشرب الخمر، لم أواجهه في المرة الأولى لكي لا يغضب مني، ويوماً ما سألته لماذا تشرب البيرة والويسكي؟ وكان جوابه التالي: ١- أنا رجل البيت وسأشرب متى أشاء. ٢- لا أستطيع أن أقول لا لأخي. ٣- أريد أن أسهر معه لأغراض العمل (لأن المجموعة لهم مناصب عليا في مكان عملهم) . ٤- مادمت أشرب ولا أفعل شيئاً خطأ وأستطيع التحكم بنفسي فلا بأس بهذا. أنا لا أستطيع أن أتخيل رجلاً مسلماً يعطي جواباً كهذا، أرجو أن تعطيني رأيك وشكراً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الذي وفقك للهداية إلى الإسلام، ونسأله سبحانه أن يثيبك عليه ويتم نعمته عليك. مما لا شك فيه أن الخمر حرام وشربها من الكبائر، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ المائدة / ٩٠، ٩١. وعن أنس بن مالك قال: " لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له ". رواه الترمذي: (١٢٥٩) وابن ماجه (٣٣٨١) . والحديث: صححه الشيخ الألباني في " صحيح الترمذي " رقم (١٠٤١) . ولا يحل لزوجك مثل هذا الكلام وهذه ليست بأجوبة مسلم يجب عليه أن يحرم ما حرَّمه الله عليه، ولا يحل له أن يقدِّم طاعة أخيه على طاعة الله تعالى، ولا يحل له أن يُغضب الله ليُرضي أخاه، وإذا كان مع الله كفاه الله تعالى أخاه، فإن أسخط الله تعالى مقدِّماً رضا أخيه: وكله الله لأخيه، فعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: " مَن أرضى الله بسخط الناس كفاه الله، ومَن أسخط الله برضا الناس وكله الله إلى الناس " رواه ابن حبان في " صحيحه " (١ / ١١٥) ، وصححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢٣١١) . ويستطيع أن يقول لكل الناس – وليس فقط لأخيه -: لا، إذا كان الفعل حراماً. والسهر بغرض العمل ليس بمبرر له ليشرب الخمر، وقوله إنه لا يفعل خطأً: غريب وعجيب فماذا يُسمِّي شربه للخمر؟ وهل نتوقع منه أن تكون سهرته مع أخيه وأصحابه لا يوجد فيها إلا الخمر؟ وقد عُرف مِن عادة مثل هؤلاء أن يكون معهم نساء ويستمعون للمعازف ويتركون الصلوات، وكل هذه من الكبائر. وعليك أن تواظبي نصحه وأن تكرري ولا تملي، وابحثي عمن يؤثر عليه في النصيحة. وأكثري من الدعاء له بالهداية، نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعاً لما يحب ويرضى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14496

تغيير المنكر مما يعني المسلم وليس مما لا يعنيه [السُّؤَالُ] ـ[هناك حديث يقول (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ...الخ) وهناك حديث آخر يأمرك بأن تدع ما لا شأن لك به. فماذا ننكر وماذا لا ننكر؟ إذا رأيت سوء أخلاق في دولة إسلامية مثلاً كلقاء الفتيات وما إلى ذلك: هل أنهاهم عن ذلك رغم أنني أعرف أنهم لن يستمعوا إلي؟ أم أذهب وأبلغ السلطات؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا تعارض بين ما ثبت في الشرع سواء بين الآيات بعضها مع بعض، أو الأحاديث مع الأحاديث، أو الآيات مع الأحاديث، إذْ كله وحي من عند الله، قال الله ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ النساء/٨٢. ولو حدث تعارض فهو في عقولنا نحن وفي أفهامنا وليس في ذات النصوص، ولذلك اعتنى العلماء ببيان النصوص المشكلة، وإزالة التعارض الذي يقع في بعض الأذهان في بعض النصوص وأما بالنسبة للسؤال فإنه لا تعارض بحمد الله بين قوله ﷺ " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " – رواه مسلم (٤٩) – وبين قوله ﷺ " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " – رواه الترمذي (٢٣١٧) وابن ماجه (٣٩٧٦) وصححه ابن القيم في " الجواب الكافي " (ص ١١٢) وغيره -. فلا يمكن بحال أن يوجب الشرع على من رأى منكراً أن يغيره وأن يقول له في الوقت نفسه إن الأحسن والأفضل ترك إنكاره. فيكون للحديث الأول حال تختلف عن حال الحديث الثاني. وقريب من هذا ما فهمه بعض الناس من قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ ، فأرشدهم أبو بكر الصدِّيق ﵁ إلى الفهم الصحيح، وبيَّن ذلك العلماء ﵏. عن أبي بكر الصديق أنه قال: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم مَن ضل إذا اهتديتم﴾ وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه. رواه الترمذي (٢١٦٨) وأبو داود (٤٣٣٨) وابن ماجه (٤٠٠٥) . والحديث: صححه الترمذي وابن حبان (١ / ٥٤٠) . قال شيخ الإسلام - في فوائد آية ﴿عليكم أنفسكم ...﴾ -: الخامس: أن يقوم بالأمر والنهي على الوجه المشروع من العلم والرفق والصبر وحسن القصد وسلوك السبيل القصد؛ فإن ذلك داخل في قوله ﴿عليكم أنفسكم﴾ وفي قوله ﴿إذا اهتديتم﴾ . فهذه خمسة أوجه تستفاد من الآية لمن هو مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفيها المعنى الآخر وهو إقبال المرء على مصلحة نفسه علما وعملا وإعراضه عما لا يعنيه كما قال صاحب الشريعة " مِن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه "، ولا سيما كثرة الفضول فيما ليس بالمرء إليه حاجة من أمر دين غيره ودنياه لا سيما إن كان التكلم لحسد أو رئاسة. " مجموع الفتاوى " (١٤ / ٤٨٢) . وقال ﵀: إذ المؤمن عليه أن يتقى الله في عباده وليس عليه هداهم، وهذا معنى قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ ، والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات: لم يضره ضلال الضلال، وذلك يكون تارة بالقلب، وتارة باللسان، وتارة باليد، فأما القلب: فيجب بكل حال إذ لا ضرر في فعله، ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن كما قال النبي: " وذلك أدنى - أو أضعف – الإيمان ". " مجموع الفتاوى " (٢٨ / ١٢٦ – ١٢٨) . فعلم أن إنكار المنكر مما يعني المسلم فيجب عليه إنكاره قدر الوسع والطاقة ووفق المصلحة الشرعية، وأن الذي لا يعنيه لا يمكن أن يكون من الواجبات أو المستحبات. وهذه أقوال العلماء في شرح حديث " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ": أ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (المسلم) مأمور إما بقول الخير، وإما بالصمت، فإذا عدل عما أُمر به من الصمت إلى فضول القول الذي ليس بخير: كان هذا عليه، فانه يكون مكروهاً والمكروه ينقصه، ولهذا قال النبي " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه "، فإذا خاض فيما لا يعنيه نقص مِن حُسن إسلامه. " مجموع الفتاوى " (٧ / ٤٩، ٥٠) . ب. وقال ابن القيم ﵀: وقد جمع النبيُّ الورعَ كله في كلمة واحدة فقال " مِن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه "، فهذا يعم الترك لما لا يعني من الكلام والنظر والاستماع والبطش والمشي والفكر وسائر الحركات الظاهرة والباطنة فهذه الكلمة كافية شافية في الورع. قال إبراهيم بن أدهم: الورع ترك كل شبهة، وترك ما لا يعنيك: هو ترك الفضلات. وفى الترمذي مرفوعاً إلى النبي ﷺ : يا أبا هريرة " كن ورعاً تكن أعبد الناس ". " مدارج السالكين " (٢ / ٢١) . د. وقال ابن رجب الحنبلي: هو " ترك المحرمات.. والمشتبهات والمكروهات وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها، فإن هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامه وبلغ درجة الإحسان ... وأكثر ما يراد بترك ما لا يعني: حفظ اللسان من لغو الكلام. " جامع العلوم والحِكَم " (١ / ٣٠٩ – ٣١١) . هـ. وقال الزرقاني: قال بعضهم: ومما لا يعني: تعلم ما لا يهم من العلوم وترك الأهم منه، كمن ترك تعلُّم العلم الذي فيه صلاح نفسه واشتغل بتعلم ما يصلح به غيره كعلم الجدل، ويقول في اعتذاره: نيتي نفع الناس، ولو كان صادقاً لبدأ باشتغاله بما يصلح به نفسه وقلبه من إخراج الصفات المذمومة من نحو حسد ورياء وكبر وعجب وترؤس على الأقران وتطاول عليهم ونحوها من المهلكات. قال ابن عبد البر: هذا الحديث من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة الجليلة في الألفاظ القليلة وهو مما لم يقله أحد قبله. " شرح الزرقاني " (٤ / ٣١٧) . و. وقال المباركفوري: قال القاري - في معنى تركه ما لا يعنيه -: أي: ما لا يهمه ولا يليق به قولاً وفعلاً ونظراً وفكراً، وقال: وحقيقة ما لا يعنيه: مالا يحتاج إليه في ضرورة دينه ودنياه، ولا ينفعه في مرضاة مولاه، بأن يكون عيشه بدونه ممكناً، وهو في استقامة حاله بغيره متمكناً، وذلك يشمل الأفعال الزائدة والأقوال الفاضلة. " تحفة الأحوذي " (٦ / ٥٠٠) . ثانياً: وأما ما الذي تنكره: فإنه كل منكر جاء الشرع ببيان قبحه وسوء عاقبة فاعله، كالزنا والربا والنظر المحرم والسماع المحرم وحلق اللحية وإسبال الثوب وقطيعة الرحم والإحداث في الدين وما شابه ذلك. ولا يشترط أن تكون والياً حتى تغير باليد، ولا أن تكون عالماً حتى تغير باللسان، بل يكفي أن تكون قادراً على التغيير ولا يترتب على التغيير مفسدة أو منكر أعظم من الذي أنكرته، ويكفي أن تكون عالماً أن هذا منكر في الشرع فتنكره بلسانك. وأما التغيير بالقلب فهو أن تبغض هذا المنكر بقلبك وتفارق المكان الذي فيه. ثالثاً: وأما ما سألت عنه من أنك ترى بعض المنكرات فتسأل هل أنكر على أصحابها أم أبلِّغ السلطات؟ فالجواب: أن هذا بحسب المنكر وفاعله، فإذا رأيت منكراً من فاعلٍ لا يمكنك إمهاله حتى تبلغ عنه فالواجب أن تنكر عليه تداركاً للوقت خشية ذهاب صاحبه. وإن كان المنكَر كبيراً وعظيماً ولا يمكنك إنكاره وتغييره وحدك: فعليك أن تبلغ السلطات. والمقصود: هو أن يزول المنكر سواء بيدك أو بيد غيرك، فإن لم تستطع فبلسانك ولا يهمك أن يسمعوا منك أو يعرضوا عنك، فإنما عليك البلاغ، وقد يقذف الله في قلب أحدهم الهداية بكلمة منك، وقد يزين لك الشيطان ترك الإنكار عليهم بحجة أنهم لن يستمعوا إليك فاحذر من هذا. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 14497

تتمسك بالسنة وتتهم بالتعنت، وتريد النصيحة [السُّؤَالُ] ـ[وُلدت مسلمة، وكنت أجهل كل شيء باستثناء الصلاة، وبفضل الله فقد استيقظت الآن وأخذت أتصرف وفقا للقرآن والسنة ما أمكنني ذلك، لكني فقدت جميع صديقاتي الآن، وهن مسلمات أيضا؛ فهن غير متمسكات كثيراً بالدين، ولا يكترثن به كثيرا، وأنا وزوجي أصبحنا غريبين في بلادنا، صديقاتي امتنعن عن الاتصال بي وبوالدي، زوجي وأخواته يناديننا وهابيون، وكذلك بنت خالي، وأمي قالت إنها لا تملك الكثير من الوقت وهي لا تأبه طالما أن جميع أبنائها في خير ويصلون، أغلب الناس يسخرون من حجابي، والأمر محزن وصعب، أعني: أني أعيش في جزيرة صغيرة بالمحيط الهندي والجميع مسلمون ودولتي هي " جمهورية المالديف "، أنا أشعر بالوحدة الشديدة والحزن هنا، هل تخبرني كيف أتصرف - فأنا أشعر بالوحدة الشديدة وأني بمفردي والوضع مؤلم جدّاً أن يفقد المرء كل أصدقائه السابقين -؟ . أرجو أن تقدم لي نصيحة جيدة تتعلق بالكيفية التي أتصرف بها في هذا الوضع، لقد حاولت كثيراً أن أخبر أهلي أيضا عن السنَّة لكن جميع الأجوبة التي حصلت عليها كانت: لقد فقدت دينك، أنت وهابية، إنها الطريقة الوهابية. وأسأل الله أن يثيبكم جميع على العمل الذي تقومون به.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نسأل الله تعالى أن يفرِّج كربك وييسر أمرك، وأن يعينك على طاعته وحسن عبادته، واعلمي أن الغربة التي تعيشينها علامة خير لك، فقد قال النبي ﷺ " بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء " رواه مسلم (١٤٥) ، ولـ " طوبى " معاني كثيرة ومنها: الخير والكرامة، وشجرة عظيمة في الجنة، والفرح والسرور، وغيرها كثير، وكلها أقوال محتملة في تفسيرها. قال السندي – ﵀: " غريباً " أي: لقلة أهله، وأصل " الغريب ": البعيد من الوطن. " وسيعود غريباً ": قلة من يقوم به، ويعين عليه، وإن كان أهله كثيراً. " للغرباء " القائمين بأمره. و" طوبي " فُعلى من " الطيب " وتفسر بالجنة، وبشجرة عظيمة فيها. وفيه تنبيه على أن نصرة الإسلام والقيام بأمره يصير محتاجاً إلى التغرب عن الأوطان، والصبر على مشاق الغربة كما كان في أول الأمر. " شرح سنن ابن ماجه " (شرح حديث ٣٩٨٦) . ثانياً: لكِ في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، فقد جاء قومه بالنور فأبوا إلا البقاء في ظلمات الكفر والجهل، واتهموه بأنه ساحر وكاهن ومجنون، وصبر على دعوتهم، ولم يملَّ من تكرارها، ونوَّع بين الدعوة الفردية والجماعية، والدعوة السرية والعلنية، حتى نجح نجاحاً مبهراً، وهكذا الدعاة بعده دعوا إلى الكفار إلى الإسلام، ودعوا العصاة إلى الطاعة، ودعوا المبتدعة إلى السنة، فلاقى كثيرون ضنكاً وهمّاً وصعوبة، فلم يكن ليمنعهم هذا من الاستمرار على الدعوة، ولولا ذلك ما وصل الإسلام إلى بلدكم " جزر المالديف "! . فاعتبري بهؤلاء القدوات، وافعلي فعلهم، واصبري صبرهم؛ لتنالي رضا الله تعالى، وما تسمعينه من لمزٍ ونسبة إلى " الوهابية " قد قاله من كان قبلهم، ولا يزال السفهاء يرددونه مع دعاة السنَّة، وليس ذلك بضارِّهم ولا بمُوقِفهم عن تبليغ دين الله تعالى. ثالثاً: ومع الصبر على هذه الدعوة ننصحك بانتقاء العقلاء من النساء، ومن أقاربك لتبليغهم دين الله تعالى، وتذكيرهم بحقيقة الشرائع الإسلامية، فإن الناس الذين رضوا بالانتساب إلى الدين لا يمنعهم سلوك طريق السنَّة، لكن عندهم موانع تحول دون وصولهم إلى طريق الحق؛ من علماء الضلالة ودعاة البدعة، وفتن الشبهات والشهوات، وغير ذلك. وعندنا ـ نحن ـ تقصير في تبليغهم حقيقة الدين، أو ليس عندنا طرق حكيمة في هذا التبليغ. فعليكِ بالرفق والتؤدة والصبر، وانتقي عقلاء القوم، وتلطفي في توجيههم وتبليغهم، ونوِّعي بين الشريط المسموع، والمحاضرة المرئية، والكتاب المقروء، ولعلك أن تجدي من النتائج ما تسرين به. ثالثاً: احرصي على أن يكون منطلق هذه الدعوة بيتكم، فابدئي مع زوجك وأبنائك لتنطلقي من هذا البيت المبارك إلى الناس جميعاً، وتذكري أن أمَّنا " خديجة بنت خويلد " هي أول من أسلم من هذه الأمة مطلقاً، وهي أول من نصر النبي ﷺ في تبليغ الرسالة، ودعت بناتها إلى الإسلام، فكان بيتها أول البيوت إسلاماً، ومنه انطلقت دعوة الخير لتعم أرجاء الأرض، فكوني مثلها، واقتدي بفعلها. وفي جواب رقم (٩٣٨٠) تجدين المزيد من الوصايا والنصائح فنرجو الاطلاع عليك، وهو مغنٍ عن التكرار ها هنا. والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14498

ترك النساء الصلاة بحجة العذر كذباً [السُّؤَالُ] ـ[في بعض المدارس يلزمون الفتيات بالصلاة جماعة ويسمحون للفتيات اللاتي عليهن الدورة الشهرية بالجلوس في مكان خاص، فبعض الفتيات هداهن الله يكذبن على المشرفات ويدعين أن عليهم الدورة وبذلك يتركن الصلاة مدة الدورة، فإذا جاءت الدورة قمن بالصلاة معهن خوفاً من الفضيحة فما الحكم في حقهن آمل بيان ذلك.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الفعل منهن لا يجوز لما فيه أولاً: من الكذب الصريح بادعائهن العذر، وثانياً: بتركهن الصلاة إما تركاً كلياً وإما تأخيراً لها عن وقتها أو عن جماعة النساء، وثالثاً: صلاتهن بعد ذلك وقت الدورة الحقيقة، فعليكن النصح لهن، وتذكيرهن ووعظهن وبيان إثم الكذب وعقوبة تأخير الصلاة عن وقتها لقوله تعالى: (الذين هم عن صلاتهم ساهون) سورة الماعون/٥، ومن عُثر عليها تؤخر الصلاة وتصلي وهي حائض فلابد من عقوبتها بما يحصل له الانزجار وترك هذه الأفعال التي ينكرها الإسلام، والله اعلم [الْمَصْدَرُ] قاله وأملاه الشيخ عبد الله بن جبرين في سلسة الفتاوى الشرعية ج/١ ص٩٩

стр. 14499

مصاعب متحجبة [السُّؤَالُ] ـ[مشكلتي هي أنني ارتديت الحجاب منذ زمن قريب. وفي المدينة التي أسكن فيها هناك قلة قليلة من النساء اللاتي يرتدين الحجاب لأنها مدينة صغيرة جداً. اعتنقت الإسلام حديثا. أنا أمريكية من أصل أفريقي وزوجي باكستاني ولقد مضى على زواجنا أربع سنوات. زوجي لا يريدني أن ارتدي الحجاب ولا يرغب في مرافقتي إذا خرجت من البيت مرتدية الحجاب. لا أعرف ما عليّ فعله. إن ارتداءه أمر صعب بالنسبة لي لكن هذا أمر اعرف انه لزام عليّ لأنه من السبل المؤدية إلى الجنة. هل أفكر بالطلاق؟ الدين الإسلامي يعني الكثير بالنسبة لي. يؤدي زوجي صلاة الجماعة فقط في أيام الجمعة. وأنا حديثة عهد بالإسلام هذه المشكلة تجعلني أبكي مراراً وتكراراً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله في البداية نُهَنِؤُك بأن وفقك الله لاعتناق الإسلام دين الحق وخاتمة الأديان، وأسأل الله أن يثبتنا وإياك عليه حتى الممات. وأبشرك بقول النبي ﷺ للصحابة (إن من ورائكم أيام الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم قالوا يا نبي الله أو منهم؟ قال: بل منكم) رواه ابن نصر وصححه الألباني في السلسة الصحيحة (٤٩٤) وقبل التفكير بالطلاق حاولي أن تقومي بدور الداعية لزوجك ومن حولك، فهذا فيه نفع لغيرك وتثبيت لك. وقدوتك في ذلك المؤمنات الصالحات كأم المؤمنين خديجة ﵂ التي قامت بدور كبير في تثبيت قلب النبي ﷺ عند بعثته حتى إنه ﷺ كان إذا ذكرها بعد موتها أثنى عليها فأحسن الثناء كما تروي ذلك عائشة ﵄ قَالَتْ: (ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا خَدِيجَةَ فَأَطْنَبَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهَا) مسند الإمام أحمد (٢٤٦٨٤) وحسنه الهيثمي في المجمع. وكأم سُليم ﵂: خطبها أبو طلحة فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يرد ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة لا يحل لي أن أتزوجك فإن تُسلم فذلك مهري فأسلم فكان ذلك مهرها " رواه النسائي (٣٣٤١) وصححه الألباني في صحيح النسائي/٣١٣٣. فابدئي – وفقك الله – بدعوة زوجك وإقناعه بشتى الوسائل بالتمسك بالإسلام وفرائضه كالصلاة والقناعة بالحجاب وغير ذلك، لاسيما أنه معتنق للإسلام من قبل، ودعوة زوجك من الطرق المؤدية إلى الجنة. وإني لأرجو أن يهدي الله زوجك بسبب نصحك، أكثري من الدعاء له، فإذا مضى على هذا مدة ولم تري منه أي تحسن وغلب على ظنك أن تجدي من يتزوجك وهو خير من زوجك هذا ففكري هنا في الطلاق وإلا فلا. هذا إن كان متساهلا في الصلاة أي يؤديها تارة ويتركها تارة. أما إن كان تاركا لها بالكلية ولا يصلي حتى منفردا فهذا لا يجوز بقاؤك معه لأن ترك الصلاة كفر بالله. قال النبي ﷺ (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) رواه الترمذي (٢٦٢١) والنسائي (٤٦٣) وغيرهما، وهو صحيح (المشكاة /٥٧٤) . وقال ﵊ (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) رواه مسلم (٨٢) . أما أنت فاصبري على الحجاب وإن كان صعباً، فكم عانى قدواتنا من الصحابة أو الصحابيات وأُوذوا في سبيل الله بما لم نُعَانِ إلا شيئاً يسيراً منه، وهذا هو سبيل الجنة، فإن النار حُفت بالشهوات والجنة حفت بالمكاره. وتأكدي أن صعوبة الحجاب لكونه جديداً عليك ومع الصبر والإيمان ستتحول هذه الصعوبة والضيق ـ إن شاء الله ـ إلى راحة وطمأنينة، ومع انتظار الأجر تهون الصعاب. وتمسُكك بالحجاب مع صعوبته عليك دليل على قوة إيمانك. أسأل الله لنا ولك الثبات على الدين. آمين. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14500

هل يبيع أشرطة لبعض الدعاة الذين يخالفون السنة أحياناً ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم فتح مكتبة إسلامية لبيع الكتب والأشرطة الإسلامية والمصاحف؟ وفى حالة بيع أشرطة لبعض الشيوخ الذين يخطأ بعضهم في كثير من الأفعال والأقوال مثل عدم اللحية وطلب من العامة عدم إعفاء اللحية. فما حكم بيع مثل هذه الأشرطة مع العلم أنها ساعدت الكثير في الالتزام؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إن من محاسن أهل السنة والجماعة أن يعلمون الحق ويرحمون الخلق، فهم يحبون الكلام بعلم وعدل، ويكرهونه بظلم وجهل، لأنهم اتبعوا كتاب الله سبحانه حينما أمرهم بالقيام على الناس بالقسط والشهادة عليهم بالعلم والحق. قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) النساء/١٣٥، وقال سبحانه: (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ) النساء/٥٨، وقال سبحانه: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ) الأنعام/١٥٢ والنفس البشرية لا تصل إلى هذا الحد إلا حين تقوم لله متجردة من كل حظ، مستشعرة نظرة الله سبحانه إلى خفايا الضمير وذات الصدور. وفي الحديث: (وإن المقسطين على منابر من نور) رواه مسلم (٢٨٢٧) وكان من دعائه ﷺ : (أسألك كلمة الحق في الغضب والرضا) رواه النسائي (١٣٠٥) وصححه الألباني في صحيح النسائي. وإنك أخي السائل إذا تأملت المنهج الرباني الذي يرفع الله به الناس إلى قمة ضبط النفس والسماحة القول بالحق على النفس والوالدين والأقربين تدرك أن كثيراً من الدعاة الموجودين في ساحة الدعوة الإسلامية المعاصرة ممن لهم محاسن كثيرة وتأثير كبير في أوساط عامة الناس هم على خير فيما أحسنوا فيه، وهم فيما قصروا فيه إما مجتهدون في إصابة الحق دائرون بين الأجر والأجرين، أو مقصرون في بعض الجوانب، يُرجى – إن شاء الله – أن تطغى محاسنهم على سيئاتهم، خاصة من تأثر به الناس، واستقاموا على أيديهم، فحرمان الناس من دعوة هؤلاء مع عدم وجود البديل المؤثر منهج لا يقره الإسلام، فإن من أعظم قواعد الشريعة تقليل المفاسد وتكثير المصالح. والمصالح التي حصلت على أيدي هؤلاء من اهتداء الشباب وتحجب الفتيات والمحافظة على الصلوات مصالح عظيمة مقصودة وكثيرة والمفاسد التي تذكر من كون بعض الدعاة مقصِّراً في بعض الجوانب، فهذه لا يجوز أن تطغى على المصالح المذكورة، خاصة وأنها مفاسد جزئية محصورة في الشخص، وأما المصالح فهي عظيمة وكثيرة ولأمة من الناس. ولهذا فإن بيع أشرطة هؤلاء الدعاة لا مانع منها ما دامت على منهج أهل السنة والجماعة. ثم مَنْ أخطأ منهم في شيء فمنهج أهل السنة والجماعة هو نصحهم والاتصال بهم أو الكتابة إليهم. ومن تأمل في الدعاة الذين يخطبون ويحاضرون ويُلقون الأحاديث المتلفزة والإذاعية وغيرها يجدهم أقساماً: فمنهم من هو على طريقة السلف في المنهج والاعتدال والعمل، فهؤلاء يُستمع إليهم ويُحث الناس على الاستماع إليهم. ومنهم من هو مصيب في أقواله في الجملة مع تقصير في شيء من العمل، فهذا يُستمع إليه كذلك لأن تقصيره على نفسه في الغالب. ومنهم من يخالط صوابه أخطاء لكنه في الجملة على السنة لم يتبنّ بدعة، ولم يدعو إليها، فهذا لا ينفّر منه الناس بالكلية، ولكنه تصوَّب أقواله ويُتكلّم فيما أخطأ فيه بالعدل والإنصاف ويُثنى عليه حسناته. ومنهم من هو صاحب بدعة أو شرك ينشرها ويدعو إليها، فهذا لا يُستمع إليه ويحذَّر منه ولا يُثنى على حسناته، لأن في ذلك تزكية له، وهو قد أتى من الكبائر بما هدم هذه الحسنات. هذا من جهة الدعاة. ومن جهة أخرى فإن هناك أناساً يتكلمون في الدعاة بحق. ومنهم من يتكلم بباطل. وفي هؤلاء ظلمة مجحفون، يبدِّعون من ليس بمبتدع، وينفَّرون منه ويحذِّرون، وهم بالتحذير أولى؛ لأنهم جائرون وأهل بغي لا يُلتفت إلى تحذيراتهم لظلمهم. ولذلك لا بد من العلم للتفريق بين المعصية والبدعة والخطأ والخلاف في أصول العقيدة. ولنضرب بعض الأمثلة: فلو وجد داعية يدعو إلى منهج السلف، لكن فيه شدة خاطئة وغلظة، فإنه يثنى على منهجه وينصح في شدته. ولو وجد واعظ يستعمل الحديث الضعيف والمنكر، ولكن في كلامه كثير من الحق والصواب، يثنى على موعظته، ويبيّن خطأ استدلاله واستشهاده بالمنكرات والموضوعات. ولو وجد من يذكِّر الناس ويعلمهم الأخلاق والآداب والفضائل، لكنه يحلق لحيته مثلاً، ويجلس في مجالس الاختلاط فإنه يثنى على حسناته ويبيّن حكم مخالفته للسنة، ولو دعا إلى ترك بعض السنة الواجبة أو المستحبة فيردّ عليه في ذلك أيضاً. ولو وجد من يعلِّم الناس البدعة ويحثّهم على الشرك، كالاستغاثة بالنبي ﷺ والأولياء الأموات والمقبورين، ويحث على سؤالهم ودعائهم، فهذا يحذَّر منه ويبيّن فساد عقيدته وشركه، ولا يقال للناس أن يستمعوا لشيء من حديثه لخطره وضرره. ولو وجد من خلط حقاً وباطلاً وسنة وبدعة، فلا يحثّ الناس على لاستماع له، لكن يبيّن خطؤه، وينشر ما خالف فيه الحق، إذا نشر الخطأ ويناصح ليتراجع على الملأ، فإن لم يفعل أُعلن خطؤه على الملأ الذي أعلن فيه الخطأ. وبالله التوفيق. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14501

إهداء الرجل أشرطة إسلامية لامرأة أجنبية [السُّؤَالُ] ـ[لي جارة زوجها مسافر، وهي تصلي وتحافظ على أوامر الله، وفي بعض الأحيان تظهر أمامي وتكلمني في أمور الدين وتطلب مني شراء أشرطة دينية لها، وأن أقوم بإهدائها بعض الأشرطة الدينية، فما رأيكم بذلك؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا حرج في إهدائك لهذه المرأة الأجنبية بعض الأشرطة الإسلامية النافعة الخالية من المحذورات الشرعية، وعليك أن تجتهد في إيصالها لها عن طريق بعض محارمك من النساء، وذلك أحوط لدينك، وأبعد عن مواطن الشبهة والريبة والافتتان. وبالله التوفيق اللجنة الدائمة ١٤/٧١ ولا يجوز لها أن تظهر أمامك دون حجاب كامل، ولا يجوز أن تكون معك في خلوة. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14502

نصيحة لمن يقدح في إخوانه المسلمين ويتهمهم بلا بيّنة [السُّؤَالُ] ـ[شيخنا إني أحبكم في الله، رجائي أن تجيبني كي ألجم أفواه الطاعنين في أهل العلم، فهناك من يتهمكم بالتكفير والقطبية ـ كما يسمونها ـ ?.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أحبك الله الذي أحببتنا فيه، وجمعنا الله في مستقر رحمته، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وبخصوص ما ورد في سؤالك، فننصحك بالابتعاد عن كل من يتكلم في إخوانك المسلمين أو يقدح فيهم أو يتهمهم ويطعن في نياتهم، وقد قال النبي ﷺ : (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته) رواه أبو داود برقم ٤٨٨٠، وصححه الألباني ثم إن عليك واجب النصيحة لهؤلاء أن يتقوا الله ، وأن يكفوا عن مثل تلك الألقاب التي تفرق المسلمين، وما كان من واجب النصيحة لبعض الأخطاء فإنها لا تكون بالتشهير والطعن في النيات ونحو ذلك. أما مسألة التكفير ففيها تفصيل. فتكفير من كفره الله تعالى أو كفره رسوله ﷺ واجب حتمي، والله قد كفر طوائف في كتابه، كما قال تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) ، وقال تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) ، وتكفير من لم يكفره الله تعالى أو يكفره رسوله ﷺ محرم. وقد قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " وكما لا يجوز أن نطلق الكفر على شخص معين حتى يتبين شروط التكفير في حقه، يجب أن لا نجبن عن تكفير من كفره الله ورسوله، ولكن يجب أن نفرق بين المعين وغير المعين " شرح كتاب التوحيد ٢/٢٧١ وانظر سؤال (٢١٥٧٦) ، والله أعلم ثم إن كل من اتهم شخصاً بتهمة فعليه الدليل (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) والمشكلة المنتشرة بين بعض المنتسبين إلى الدين هداهم الله أنهم يرمون الناس بتهم لا تعتبر أصلاً في الشرع من الأمور القادحة والمخلّة بالدين. ثم لا يأتون على ذلك بدليل ويتابعون هوى أنفسهم، فالنفس تحب أن تنصب نفسها حكماً على العباد تجرح وتعدل وترفع وتخفض وتنبز. والواجب مخالفة هوى النفس في هذا وميزان الناس بميزان الشرع وتذكر حسناتهم والمناصحة لأخطائهم. والله الموفق. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14503

أخلاق الفتن [السُّؤَالُ] ـ[سمعت بأن للفتنة أخلاقاً يتحلى بها المسلم إذا أدرك زمن الفتنة.. فماهي أخلاق الفتن؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إن للفتن أخلاقا يجب التحلي بها حتى لا تؤثر تلك الفتن سلبا على الإنسان، أو يكون هو بنفسه يؤثر سلبا على جماعة المسلمين.. فمن تلك الأخلاق: أ- التأني والرفق والحلم وعدم العجلة: فالتأني والرفق والحلم عند الفتن وتغير الأحوال محمود لأنه يُمكِّن المسلم من رؤية الأشياء على حقيقتها وأن يبصر الأمور على ما هي عليه. يقول النبي ﷺ : (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه) رواه مسلم (٤٦٩٨) . وقال ﵊ لأشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة) رواه مسلم (٢٤) . فعلينا جميعاً بالرفق في الأفكار والمواقف وفي كل ما يجدّ من الحوادث وعدم العجلة فإنها ليست من منهج الأمة الإِسلامية وخاصة في زمن الفتن. ب- الصبر: نحتاج إلى الصبر كثيراً، وخصوصاً عند الفتن. يقول الله تعالى: (ولنبلوكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) . وعن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ: عن النبي ﷺ أنه قال: " إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ قَالَ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ. " أخرجه أبوداود (٤٣٤١) وابن ماجه (٤٠١٤) وصححه الألباني في الصحيحة (٤٩٤) بشواهده. فاصبر فإنك في النوازل رائد والدرب نعلم شائك وطويل فالصبر روضات لأبناء الهدى ولجنة الرحمن تلك سبيل وبالصبر يظهر الفرق بين ذوي العزائم والهمم وبين ذوي الجبن والضعف ولذلك وَعَى السلف الصالح أهمية الصبر عند وقوع الفتن والحوادث وإليك نماذج مْن سيرتهم. -لما كان الصحابة ﵃ يعذبون ويفُتنون في صدر الإسلام بمكة كان يمر بهم النبي ﷺ ويذكرهم بالصبر ومنهم آل ياسر فإذا مر بهم قال: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة. صححه الألباني في تخريج فقه السيرة ص ١٠٣. - عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنْ الْحَجَّاجِ فَقَالَ اصْبِرُوا فَإِنَّهُ لا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ . رواه البخاري (٧٠٦٨) قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ الْقُرَشِيُّ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ. " فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَبْصِرْ مَا تَقُولُ. قَالَ: أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ؛ إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالا أَرْبَعًا: إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ. أخرجه مسلم (٢٨٨٩) قال النعمان بن بشير: " إنه لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتن فأعدوا للبلاء صبراً " -عندما واجه إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل الفتنة العمياء بخلق القرآن في أيام المأمون ثم المعتصم ثم الواثق وما أصابه من الحبس الطويل والضرب الشديد فصبر وتمسك بما كان عليه من الدين القويم والصراط المستقيم حتى نصره الله وفرَّج عنه الغمة. ج- العدل والإنصاف في الأمر كله: فإن من أقوى أسباب الاختلاف بين العباد وخصوصاً زمن الفتن فقدان العدل والإنصاف، ولو جاهد المسلم نفسه لتحقيق صفة العدل مع نفسه ومع الناس فإن كثيراً من المشاكل التي تحصل بين المسلمين سواء منها الفردية أو الجماعية ستزول وتحل بإذن الله تعالى. يقول الله تعالى: (وإذا قلتم فاعدلوا) . ويقول تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) فلا بد من العدل في الأقوال والأعمال وخصوصاً زمن الفتن، بمعنى أن يأتي الإِنسان بالأمور الحسنة والأمور السيئة ثم يوازن بينهما وبعد ذلك يحكم، لأن في الموازنة عصمة للمسلم من أن ينسب للشرع ما ليس موافقاً لما أمر الله به وبالتالي يكون عدلك وإنصافك في الفتنة منجياً بإذن الله تعالى. قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ " فأوصيكم أيها الأخوة بالعدل في الأمور كلها، والموازنة بينها، والحكم للراجح فيها، والتسوية بينها في الحكم عند التساوي، وهذه قاعدة كبيرة يجب على العاقل أن يتمشى عليها في سيره إلى الله وفي سيره مع عباد الله ليكون قائماً بالقسط والله يحب المقسطين ". وإليك نموذجاُ من نهج سلفنا الصالح في حرصهم على العدل والإنصاف: روى مسلم (١٨٢٨) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ قَالَ أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ شَيْءٍ فَقَالَتْ مِمَّنْ أَنْتَ فَقُلْتُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ فَقَالَتْ كَيْفَ كَانَ صَاحِبُكُمْ لَكُمْ فِي غَزَاتِكُمْ هَذِهِ فَقَالَ مَا نَقَمْنَا مِنْهُ شَيْئًا إِنْ كَانَ لَيَمُوتُ لِلرَّجُلِ مِنَّا الْبَعِيرُ فَيُعْطِيهِ الْبَعِيرَ وَالْعَبْدُ فَيُعْطِيهِ الْعَبْدَ وَيَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ فَيُعْطِيهِ النَّفَقَةَ فَقَالَتْ أَمَا إِنَّهُ لا يَمْنَعُنِي الَّذِي فَعَلَ فِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخِي أَنْ أُخْبِرَكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي بَيْتِي هَذَا اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ. قال النووي رحمة الله معلقاً على هذا الحديث: فِيهِ: أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُر فَضْل أَهْل الْفَضْل , وَلا يَمْتَنِع مِنْهُ لِسَبَبِ عَدَاوَة وَنَحْوهَا , وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَة قَتْل مُحَمَّد هَذَا , قِيلَ: فِي الْمَعْرَكَة , وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ أَسِيرًا بَعْدهَا. . . اهـ. وهذا المسئول عنه هو معاوية بن حُديج وكان قد قتل محمد بن أبي بكر. السير (٣/٣٨) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14504

الخروج للدعوة [السُّؤَالُ] ـ[عندي بعض الأسئلة، وأتمنى منكم الإجابة الشافية الكافية. ١. أقوم أنا وبعض زملائي بزيارة الناس في بيوتهم وفي البحر وفي الشارع وتذكيرهم بالله ودعوتهم بالحسنى فهل هذا العمل غير صحيح وهل تعتبر الزيارة في الله مع أننا ننويها كذلك. ٢.أذهب بعض الأحيان وبعض إخوتي في الله إلى إفريقيا وإلى بلدان كثيرة وندعو الناس إلى الإسلام فيقبلون بشكل عجيب على الإسلام. حتى من المظهر يتأثرون فما بالك بالكلام. فما صحة هذا العمل مع أن بعض الناس يقولون هذا بدعة ولا بد أن تكونوا على علم كبير مع أن الناس هناك لا يعرفون عن الإسلام شيئا فبمجرد دعوتهم وبيان الدين يسلمون. ٣. ما حكم الخروج للدعوة في سبيل الله وتفريغ الأوقات لذلك مع أن بعض الناس قال لي لا تخرج مع أهل الدعوة فإنهم مبتدعة مع أني لم ألاحظ شيئا من ذلك بل ما شاهدته بعيني هو إحياء سنن النبي ﷺ وحلقات الذكر والتعليم لسنن النبي من رياض الصالحين والحث على قيام الليل وما إلى ذلك فأفيدونا جزاكم الله خيرا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله سؤالك فيه عدة جوانب: فأما الجانب الأول: فإنّ هذا العمل الذي تقوم به أنت وزملاؤك هو من الدعوة إلى الله تعالى، ونشكرك على هذا العمل في زمانٍ قلّ فيه من يقوم بمثل هذا، ونبشركم بقول النبي ﷺ : (مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ) . رواه مسلم (١٣٣) . وهذا العمل إن نويت به الزيارة في الله تعالى، فإنه يكون كذلك إن شاء الله تعالى. وأما الجانب الثاني: فلا يصدّك عن هذا العمل الدعوي ولا يثنيك عنه لوم لائم، ما دمت أنت وإخوانك تدعو بعلمٍ وبصيرة كما يظهر من كلامك. وأما الأمر الثالث: فإذا كان المذكورون معروفين بالعقيدة الصحيحة والعلم وحسن السيرة، فلا بأس بالتعاون معهم في الدعوة والخروج معهم، سواء كانت المدة قليلة أو كثيرة، لقوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) المائدة /٢، وقوله تعالى: (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين) فصلت /٣٣، وقوله سبحانه: (ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) النحل /١٢٥، وقول النبي ﷺ لعلي ﵁ لما بعثه إلى خيبر لدعوة اليهود إلى الإسلام: (فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم) رواه البخاري (٣٧٠١) ومسلم (٢٤٠٦) . والنبي ﷺ قد بعث الدعاة إلى الله سبحانه إلى اليمن وإلى كثير من قبائل العرب. وهذه الجماعة التي تخرج معها يوجد كثير من أفرادها ينقصهم العلم الشرعي، وقد يعتقدون بعض الاعتقادات الباطلة وهذا لا يمنعك من الخروج معهم والدعوة إلى الله، بل اخرج معهم وبَيِّن لهم الحق، وعَلِّمهم ما جهلوه من السنة، وانصحهم بترك ما يفعلونه من بدع ومخالفات لعل الله تعالى ينفعهم بك. والله تعالى أعلم. وللأهمية انظر السؤال (٨٦٧٤) ، (٣٩٣٤٩) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14505

عندها إشكالات في حق المرأة في الإسلام [السُّؤَالُ] ـ[أنا في حيرة من أمري، فقد عشت سنين عمري أتعامل وأعامل على كوني إنساناً قبل أن أصنف إلى كوني أنثى [وأمة] الله قدر استطاعتي، ومن هذا المنطلق أن مَن عمل خيراً من ذكر أو أنثى فله أجره، ومن عمل إثما فعليه وزره، ولكن بعد زواجي فوجئت بأحكام تخرجني من نطاق الإنسانية لأكون مجرد متاع للرجل، فمثلا تلعنني الملائكة إن امتنعت عنه تحت أي ظرف، في حين أنه ليس عليه أي وزر إن هو امتنع عن جماع زوجته ولو من باب الإضرار بها، فهو له أجر صدقة إن جامعها وهو مستمتع بها وهي ليس لها أجر وإن لبَّت وهي كارهة، وإذا أغضبني وأهانني أمام الناس وامتهن كرامتي يجب عليَّ مصالحته واسترضاؤه وإلا لعنتني الملائكة، وأنا طبعاً لا يحق لي مخالفته في رأي ومراجعته ولا يغفر لي أي قدر من الانفعال، كما أنكم أفتيتم بأن ثواب صلاة الجماعة هو خاص بالرجال من دون النساء فهل هذا ما شرعه الله لنا؟ هل هذا هو قدر المرأة المسلمة إذا أحسنت وأدت ما عليها؟ فإن هي تجنبت الإثم فليس لها أي فضل وإن أخلت كانت من الملعونين المطرودين من رحمة الله أنا وإبليس اللعين سواء. أرجو الاهتمام بهذا السؤال لأنني أفتن في ديني، وإن كان هذا هو شرع الله فسمعا وطاعة ولا حول ولا قوة إلا بالله.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لم نزل متعجبين مما ورد في سؤال الأخت من ظنها ما ليس من دين الله منسوباً إليه، واعتقادها لأحكام لم ينزل الله بها سلطاناً، ومن ذلك قولها " ولكن بعد زواجي فوجئت بأحكام تخرجني من نطاق الإنسانية لأكون مجرد متاع للرجل "! . وسنرتب الكلام معها من خلال هذه النقاط: أولاً: أكرم الله ﵎ المرأة غاية الإكرام، فقد أكرمها بنتاً وأمّاً وزوجة، وجعل لها من الحقوق والفضل ووجوب البر ما ليس للرجل في كثير من الأحيان. ولم ينزع الإسلام عنها إنسانيتها، بل أعطاها حقها ورفع لها قدرها، وقد كانت متاعاً وسلعة قبل أن يكرم الله الناس بالإسلام، فقد كانت تورث كما يورث المتاع، وكانت تُعلَّق فلا هي بالزوجة ولا هي بالمطلقة، وكانت تمكث سنة كاملة بعد وفاة زوجها لا تمس ماء ولا تخرج من بيتها حتى إن الطير والبهيمة ليموتان من شمهما رائحتها! وكانت تُحرَم من الميراث، فضلاً عن وأدها وهي حيَّة، وغير ذلك كثير. فجاء الإسلام وحرَّم الوأد وجعله قتلاً للنفس وهو من كبائر الذنوب، وحرَّم تعليقها بيمين أو تحريمها بظهار، وأعطاها نصيبها من الميراث، وجعل عدتها من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشراً تغتسل وتلبس الثياب وترى النساء والمحارم، وأجاز لها البيع والشراء والتملك، ورغَّبها في العلم والدعوة إلى الله تعالى، وأمر بإكرامها زوجة، وببرها أمّاً بل جعل حقها في البر ثلاثة أضعاف الأب، وغير ذلك كثير، وليس هذا مجال بسط ذلك، إنما أردنا التنبيه والتذكير، ويمكن مراجعة جواب السؤال رقم (٢١٠١٠) لترى المزيد. ثانياً: قالت الأخت السائلة: " فمثلا تلعنني الملائكة إن امتنعت عنه تحت أي ظرف "! وهذا ليس بصحيح، بل لا تلعن الملائكة الزوجة الممتنعة عن فراش زوجها إلا أن تكون غير معذورة، فإن كانت معذورة بمرض أو حيض أو نفاس أو صوم واجب: فإنها لا تُلعن، بل يأثم زوجها الذي يدعوها ويصر على دعوتها أو يكرهها وهو يعلم حالها. وقد ورد في جواب السؤال (٣٣٥٩٧) في الموقع: ليس للمرأة أن تمنع نفسها من زوجها، بل يجب عليها أن تلبي طلبه كلما دعاها ما لم يضرها أو يشغلها عن واجب. وفي سؤال رقم (٩٦٠٢) ورد: قال ابن حزم: وفرض على الأمة والحرة أن لا يمنعا السيد والزوج الجماع متى دعاهما ما لم تكن المدعوة حائضا أو مريضة تتأذى بالجماع أو صائمة فرض فإن امتنعت لغير عذر فهي ملعونة. " المحلى " (١٠ / ٤٠) . وهذا اللعن مقيّد بما إذا بات غضباناً عليها، أما إذا دعاها فأبت عليه، ثم تنازل عن حقه فإنها لا يلحقها لعن. ثالثاً: وقالت الأخت السائلة: " في حين أنه ليس عليه أي وزر إن هو امتنع عن جماع زوجته ولو من باب الإضرار بها "! وهذا أيضاً ليس بصحيح، فقد حرَّم الإسلام الإضرار بالآخرين ومنه إضرار الزوج بزوجته بمنعها من إرضاع ولدها أو بمنعها من حقها في الجماع والاستمتاع. وقد ورد في جواب (١٠٦٨٠) - في سياق بيان حقوق الزوجة على زوجها -: عدم الإضرار بالزوجة: وهذا من أصول الإسلام، وإذا كان إيقاع الضرر محرما على الأجانب فلأن يكون محرما إيقاعه على الزوجة أولى وأحرى. عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قضى " أن لا ضرر ولا ضرار " رواه ابن ماجه (٢٣٤٠) . والحديث: صححه الإمام أحمد والحاكم وابن الصلاح وغيرهم. انظر: " خلاصة البدر المنير " (٢ / ٤٣٨) . وقد ورد في جواب السؤال (٥٩٧١) : لا يجوز للرجل أن يهجر امرأته إضراراً بها إلا إذا ظهر منها النشوز والعصيان، ولكن لا يأثم إذا ترك الاضطجاع معها غير مُضارٍّ بها لأن الحاجة له وترجع إلى شهوته ولا يملك إثارة الشهوة فإن هجرها فهو آثم بذلك لأنه لا ضرر ولا ضرار، والله أعلم. رابعاً: قالت الأخت السائلة: "، فهو له أجر صدقة إن جامعها وهو مستمتع بها وهي ليس لها أجر وإن لبَّت وهي كارهة "! وهذا أيضاً ليس بصحيح، بل تؤجر الزوجة على الجماع من وجهين: الأول: من كونها شقيقة الرجل في الأحكام والأجور، إلا ما استثناه النص، قال تعالى: (فاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللهِ وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) أل عمران / ١٩٥. الثاني: أنها سبب أجر الزوج، ومن كان سبباً في ثواب غيره: شاركه في الأجر دون أن ينقص من أجره شيء. وعن أبي ذر أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بُضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر. رواه مسلم (١٠٠٦) . ومعنى البُضع: الجماع فالزوجة مأجورة كما هو حال زوجها، كما أنها تأثم على شهوتها لو وضعتها في الحرام كما هو حال زوجها. قال النووي: قَوْله ﷺ : (وَفِي بُضْع أَحَدكُمْ صَدَقَة) فِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَات تَصِير طَاعَات بِالنِّيَّاتِ الصَّادِقَات , فَالْجِمَاع يَكُون عِبَادَة إِذَا نَوَى بِهِ قَضَاء حَقّ الزَّوْجَة وَمُعَاشَرَتَهَا بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِهِ , أَوْ طَلَبَ وَلَدٍ صَالِحٍ , أَوْ إِعْفَافَ نَفْسِهِ أَوْ إِعْفَاف الزَّوْجَة وَمَنْعَهُمَا جَمِيعًا مِنْ النَّظَر إِلَى حَرَام , أَوْ الْفِكْر فِيهِ , أَوْ الْهَمّ بِهِ , أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِد الصَّالِحَة اهـ. خامساً: قالت الأخت السائلة: " وإذا أغضبني وأهانني أمام الناس وامتهن كرامتي يجب عليَّ مصالحته واسترضاؤه وإلا لعنتني الملائكة "! وهذا ليس بصحيح، فأما اللعن فإنما هو في امتناع الزوجة عن فراش زوجها من غير عذر مع مبيت زوجها وهو عليها غضبان – كما سبق بيانه -. وأما إهانة الزوج لها وامتهان كرامتها: فهو آثم على فعله هذا ولا شك، وقد أجاز لها الشرع أن تستوفي حقها بالرد عليه بقدر ظلمه لها. قال تعالى: (ولمن انتصر بعض ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) أي ليس عليهم إثم. ولفظ (مَنْ) هنا عام فتدخل فيه المرأة أيضاً. أو أن تصبر على قوله وظلمه وتحتسب الأجر عند الله لتأخذ الثواب الأكمل والأفضل والأعلى. والواجب عليه: هو أن يصالحها ويسترضيها لا العكس، فالذي ظلم هو الذي يجب عليه لتمام توبته أن يُرضي المظلوم بالاعتذار والكلام الحسن. سادساً: قالت الأخت الفاضلة: " وأنا طبعاً لا يحق لي مخالفته في رأي ومراجعته ولا يغفر لي أي قدر من الانفعال "! وهذا ليس بصحيح، فيجوز للمرأة أن تراجع زوجها وأن تخالفه في الرأي، لكن ليس لها أن تمتنع عما يأمرها به – وإن كانت مخالفة له – إذا لم يأمرها بمعصية، فلا طاعة لأحد في معصية الخالق، وهذا إنما هو من منطلق القوامة الذي جعله الله تعالى للزوج في مقابل ما أوجب عليه من نفقة وحماية ورعاية، قال تعالى: (الرجال قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) النساء وقد ثبت عن الصحابة ﵃ أن نساءهم كنَّ يراجعنهم في الأمر، بل كان هذا فعل أمهات المؤمنين مع نبينا ﵊، كما قال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ " وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصخبتُ على امرأتي (أي: غضبت) فراجعتني فأنكرتُ أن تراجعني قالت: ولم تنكر أن أراجعك؟ فو الله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه ... " – رواه البخاري (٤٨٩٥) ومسلم (١٤٧٩) . قال الحافظ ابن حجر – في سياق فوائد الحديث -: وفيه: أن شدة الوطأة على النساء مذموم؛ لأن النبي ﷺ أخذ بسيرة الأنصار في نسائهم، وترك سيرة قومه. " فتح الباري " (٩ / ٢٩١) . أما ما ذكرته الأخت من أنه لا يغفر لها أي قدر من الانفعال، فهذا لا يصح على إطلاقه إذ من الانفعالات ما لا يحاسب عليه الإنسان إذا لم يتكلم به أو يعمل، لقول ﷺ : (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا) ومنها ما لا يكون بقصد الإنسان التام إما بسبب شدة غضب أو نحوه مما هو خارج عن طاقة الإنسان، وقد ورد في آخر سورة البقرة دعاء المؤمنين: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) البقرة، وثبت في السنة أن الله تعالى قد أجاب هذا الدعاء بقوله: (قد فعلت) . سابعاً: قالت الأخت السائلة: " كما أنكم أفتيتم بأن ثواب صلاة الجماعة هو خاص بالرجال من دون النساء "! وهذا أيضاً ليس بصحيح، بل الذي قلنا – بناء على أحاديث النبي ﷺ – أن أجر السبع وعشرين درجة خاص بالرجال لأنهم هم المخاطَبون بصلاة الجماعة دون النساء، وصلاة الجماعة للنساء مستحبة، ولكن لا تجزم بأنه لها أجر السبع وعشرين درجة، ويجوز للمرأة أن تشهد الصلاة في المسجد، ولا يحل للرجل أن يمنعها من الذهاب، فإن ذهبت وصلَّت معهم: شاركتهم في أجر صلاة الجماعة. ومع هذا فبناءً على الأحاديث الصحيحة فإنها لو صلَّت في بيتها: لأخذت ما هو أفضل من أجر صلاتها جماعة في المسجد. عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: " لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن ". رواه أبو داود (٥٦٧) وأحمد – واللفظ له - (٥٤٤٥) . قال عبد العظيم آبادي: " وبيوتهن خير لهن ": أي: صلاتهن في بيوتهن خير لهن من صلاتهن في المساجد لو علمن ذلك , لكنهن لم يعلمن فيسألن الخروج إلى المساجد ويعتقدن أن أجرهن في المساجد أكثر. ووجه كون صلاتهن في البيوت أفضل: الأمن من الفتنة , ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة. " عون المعبود " (٢ / ١٩٣) . ثامناً: قالت الأخت السائلة: " هل هذا هو قدر المرأة المسلمة إذا أحسنت وأدت ما عليها؟ فإن هي تجنبت الإثم فليس لها أي فضل وإن أخلت كانت من الملعونين المطرودين من رحمة الله أنا وإبليس اللعين سواء "! وهذا من سوء الظن بالله، وكلامكِ ليس بصحيح اطلاقاً. قال الله تعالى: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ النحل / ٩٧. وقال تعالى: ﴿فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب﴾ آل عمران / ١٩٥. وقال تعالى: ﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيماً﴾ الأحزاب / ٣٥. وأما ذكرته الأخت من أنها إذا أخلت كانت هي وإبليس سواء فهذا تشنيع لا محل له هنا، وتشبيه غير مقبول إذ لعنة الله لإبليس اللعنة الأبدية التي لا تقبل فيها أي توبة، لا تقارن بما يكون من اللعن في حق من كان مسلماً موحداً لله مذعناً له ووقع في بعض الكبائر. وفي هذا القدر من الآيات البينات والكلام كفاية في بيان خطأ قولكِ، ونسأل الله تعالى أن يفقهك في الدين، وأن يثبتك على الخير والهدى. كما لا يفوتنا في نهاية هذه الإجابة أن نحمد لهذه الأخت السائلة صراحتها في السؤال عما يقذفه الشيطان في قلبها من الإشكالات عن الأمور الشرعية التي لو كتمتها في نفسها لربما أفسدت عليها دينها وأورثتها من الوساوس ما يُنغص عليها عيشها، وبمثل هذا السؤال يزول الإشكال ويندفع عن النفس الشك. وإن كان ينبغي في طرح مثل هذه الأسئلة أن يكون بأسلوب أكثر ملائمة للسؤال عن حكمة الله في تشريعاته، وأن يبتعد السائل عن كل ما يُشعر بروح الاعتراض على الحكم إذا عقول البشر تقصر عن إدراك عظيم حكمة الله وواسع فضله على خلقه. ومما يحمد أيضاً للأخت السائلة رضاها وتسليمها بشرع الله، وذلك في قولها (وإن كان هذا هو شرع الله فسمعاً وطاعة) ، وهكذا يجب أن يكون المؤمن. نسأل الله تعالى أن يثبتنا على دينه، وأن يلهمنا رشدنا. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14506

حكم المشاركة الدعوية في القنوات الفضائية [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم المشاركة الدعوية في القنوات الفضائية؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الدعوة إلى الخير إحدى ركائز دين الإسلام؛ لأنها الوسيلة الأساس في نشر الإسلام، وتحقيق العدل. سواء كان ذلك بالأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، أو القدوة الحسنة، قال : " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ". آل عمران / ١٠٤. قال ابن كثير: (المقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن وإن كان ذلك واجباً على كل فرد، كل بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان) ا. هـ. وفضل القيام بهذه الدعوة لا يكاد يَعْدِلُه فضل، قال سبحانه: " ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين ". فصلت / ٣٣. وغني عن البيان أن كل شأن يقوم به الإنسان لابد له من أسلوب ووسيلة، كي يحقق المطلوب. والوسائل تتبع المقاصد في أحكامها، فوسيلة المحرم محرمة، ووسيلة الواجب واجبة وكذلك بقية الأحكام. (ينظر الفروق للقرافي ١٤٤) ولا بد كذلك أن تكون الوسيلة إلى المشروع مشروعة، والدعوة تحتاج إلى الوسائل من أجل تبليغها للمكلفين ومن ذلك القدوة الصالحة، والكلمة الطيبة من خلال المنبر، أو الجدال، أو الكتابة، أو ما إليها. (وكل وسيلة تساعد على أهداف الدعوة يمكن اتخاذها لذلك ما لم تكن محرمة) الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٠/ ٣٣٢. وقد ظهرت وسائل إعلامية واتصالية كثيرة في العصر الحديث بدأت بالجرائد والمجلات، ثم الإذاعة ثم التلفاز والهاتف والبرق والتلكس والفاكس، ثم أخيراً شبكة الاتصال العالمية (الإنترنت) وأصبح بالإمكان متابعة الحدث أو الحديث في الحال بل التحادث والمخاطبة من أقصى الدنيا إلى أقصاها. وقد أخذ العالم المتحضر (مادياً) في سباق محموم في هذه الوسائل من أجل كسب الرهان في عولمة الشعوب والدول، وفرض حضارته (الفكرية والمادية) . وأصيب العالم الإسلامي بحالة من الذهول والوجوم، جعلت أبناء الإسلام في مفترق طرق، فمنهم من أخذ بالركض وراء تلك المدنية إعجاباً وانبهاراً. ومنهم من اختار التجاهل أو الرفض لها اعتقاداً منهم بأن ذلك هو الموقف المناسب. ومنهم من وقف موقف المتأمل المتيقظ، والمتفاعل بحذر، وأنت ـ أخي ـ خبير بأن الموقفين الأول والثاني غير موفقين ولا راشدين. وأن الموقف السليم هو الثالث. وكما يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: إن الموقف من الحضارة الغربية ينحصر في أربعة أقسام لا خامس لها:- الأول: ترك الحضارة نافعها وضارها. الثاني: أخذها كلها ضارها ونافعها. الثالث: أخذ ضارها دون نافعها. الرابع: أخذ نافعها وترك ضارها. فنجد الثلاثة الأولى باطلة بلا شك، وواحداً فيها صحيحاً بلا شك وهو الأخير. (أضواء البيان ٤/ ٣٨٢) وبعد هذه التوطئة، وفي ضوئها ندلف إلى الحديث عن الفضائيات الإعلامية وما يتبعها من إذاعات مسموعة سواء كانت عربية أو غير عربية وبأي لغة كانت. وسواء كانت ذات طابع اختياري، أو ثقافي أو رياضي، أو دعائي (إعلاني) أو فني ... الخ، أو كانت عامة غير متخصصة. فالسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، ويتردد في أوساط الغيورين من علماء ومتعلمين ومثقفين وعامة، ما مدى شرعية التفاعل الإيجابي مع تلك الوسائل (القنوات والإذاعات) ، وذلك بالمشاركة بالرأي والحوارات والفتاوى وما إليها؟ هل ذلك مشروع، أو غير مشروع؟ وما الحجة في ذلك؟ وقبل أن ندخل في عرض الآراء يجدر التنبيه إلى أمر مهم، هو أننا نتجاوز الخلاف القديم حول الإذاعة والتلفاز، ولا نناقش الرأي الرافض لهما بإطلاق، والذي يعتبرها من اللهو الباطل، أو لوجود التصوير في التلفاز. أقول: نتجاوز ذلك إلى الرأي القائل بأنها وسائل عادية يمكن الاستفادة منها بدون تعد إلى المحظور. حكم المشاركة في الفضائيات العربية وأشباهها: يبدو أن المسألة لا تخرج عن رأيين. الأول: عدم جواز المشاركة فيها. الثاني: جواز المشاركة فيها. وإن كان بعض أهل العلم يرى بعض التفصيل مما سنشير إليه. وأحاول أن أعرض الآراء مجتهداًَ في سبر أدلتهم وتتبعها ما أمكن، ثم أناقشها. أولاً: القول بعدم المشاركة: لعل أبرز الأدلة على ذلك:- ١) أنها وسائل مؤسسة على باطل، فهي لم يقصد منها في الأصل بث الفضيلة وإعلاء كلمة الله، بل أسست لأهداف غير نبيلة، ومهما تنوعت الأهداف فإنها تكاد أن تصب في حوض واحد هو (اللهو الباطل) . وتكاد أن تتفق هذه القنوات على أن المرأة بمفاتنها وزينتها وكلامها هي الوسيلة الأقرب لجذب المشاهد والمتلقي. كما أن الموسيقى ـ شرقيها وغربيها، وما يصاحبها من غناء ـ هي الوسيلة الأخرى للجذب. ناهيك عن المضامين الساقطة للمادة الإلامية، سواء كانت حواراً، أو غناءً بل خبراً، هذا إذا سلمت من موبقات الكفر. وإذا كانت كذلك، فهذا أشبه ببؤرة فساد: أ - وقد قال الحق : " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين " سورة الأنعام / ٦٨. قال الشوكاني: والمعنى إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب والرد والاستهزاء فدعهم ولا تقعد معهم لسماع مثل هذا المنكر العظيم حتى يخوضوا في حديث مغاير له. ب - وقال في صفات عباد الرحمن: " والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً " الفرقان / ٧٢. قال الطبري في هذه الآية بعد أن ذكر أقوال المفسرين في المراد بالزور: وأولى الأقوال بالصواب أن يقال: والذين لا يشهدون شيئاً من الباطل لا شركاً ولا غناء ولا كذبا ولا غيره، وكل ما لزمه اسم الزور، لأن الله عم في وصفه إياهم أنهم لا يشهدون الزور. ثم ذكر قريباً من هذا المعنى في تفسير اللغو. ج - وهذه البؤرة أشبه بالمجلس الذي تنتهك فيه المحرمات، وقد روى النسائي بسند جيد أن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس إلى مائدة يدار عليها الخمر) . (ينظر فتح الباري ٩/ ٢٥٠) . ووجه الاستشهاد بتلك النصوص أن الفضائيات وأشباهها تتخذ من كلمة الحق ومن دعاة الحق مثار سخرية واستهزاء، وتلاعب، حيث تحشر الحق القليل بين ركام الباطل الكثيف وقد قال : " وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا ". الأنعام / ٧٠. ٢/ ثم إن دخول أهل الفضل ومشاركتهم فيها يضفي عليها صبغة شرعية، يحتج بها أصحابها وممولوها، والمتلقون من المشاهدين والمستمعين، مموهين بذلك على السذج من الناس. ثانياً: القول بالمشاركة: يستند القائلون بالجواز إلى مجموعة من الأدلة. (١) يرى هؤلاء أنه ينبغي التفريق بين المحرم لذاته كالخمر والموسيقى وقول الزور والوسيلة إليه، فإنه ليست كل وسيلة إلى الحرام تكون حراماً بالضرورة. قال القرافي في الفروق (الفرق ٥٨) تنبيه: قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة كدفع مال لرجل يأكله حراماً حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن دفعه عنها إلا بذلك) . وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (٢/ ١٣٧) : (وما حرم سداً للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيحت العرايا من ربا الفضل ... وكما أبيح النظر ـ أي إلى المرأة ـ للخاطب والشاهد والطبيب) . ومن هنا فإن وسائل الإعلام والاتصال هي من هذا الباب، بل هي مباحة في أصلها، بدليل أنه لو ملكها أهل الحق واستعملوها في نشر الحق لم يكن في جوازها شبهة. وتكون كالمنابر أو المنتديات التي تتخذ وسيلة للحوار والتبليغ. وإذا كانت تتخذ وسيلة لإثارة الشبهات والشهوات فلا يمنع ذوي الفضل أن يزاحموا أهلها ويلجئوهم إلى نشر الحق كله أو بعضه بحسب الإمكان. وهب أن ناديا ثقافيا أو منتدى يقصده جمهور الناس، وقد شرعت أبواب منصته لكل متقدم سباق، وكان أكثر السباقين من أهل الباطل، فهلا تكون مشاركة ذوي الفضل والدعوة مطلوبة عندئذ؟ بلى، والظاهر أن تلك الوسائل لا يوجد بينها وبين هذه المنتديات كبير فرق. ولعل مما يشهد لأصل هذا القياس ما هو مشهور في سيرة النبي ﷺ من حضوره مواسم أهل الجاهلية وأسواقهم بهدف الدعوة. فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة، وفي المواسم بمنى يقول: (من يؤيدني؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي؟ وله الجنة) رواه أحمد في المسند ٣/ ٣٢٢ وعن ربيعة الديلي قال: رأيت النبي ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: (يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) سنده حسن. ومعروف أن عكاظ ومجنة وذا المجاز كانت أسواقاً في الجاهلية يجتمع فيها العرب فيتناشدون ويتفاخرون وقد يتنافرون ويتدابرون. (٢) ومعروف من سيرة النبي ﷺ أنه كان يخالط المشركين واليهود والنصارى بغرض الدعوة، وكان ربما جلس إليه بعض المشركين أو اليهود وتحاورا معه، وقرأ عليهم القرآن. والأدلة على ذلك متواترة. ومنها ما رواه أسامة بن زيد ﵁ أنه ارتدف مع النبي ﷺ على حمار ذاهبين لعيادة سعد بن عبادة وكان مريضاً فمر النبي ﷺ بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول، وفي المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود، فسلم عليهم النبي ﷺ ، ثم وقف ونزل من دابته، فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن (وذلك في قصة مطولة، أخرجها البخاري في صحيحه في تفسير سورة آل عمران الباب ١٤) . وإذا كانت مخالطة المشركين جائزة مع ما يصاحبها أحياناً من رد للحق وسخرية منه فإن تقصُّدَ تلك الوسائل (الإعلامية) لاتخاذها منبراً للجهر بالحق، لا يختلف كثيراً عن مخالطة الكافر ومجادلته، من حيث وجود المخالف، والرأي المغاير في كل. (٣) عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف لومة لائم. متفق عليه. فقوله: " حيثما " ظرف مكان، أي: في أي مكان كنا، ورواية مسلم: أينما كنا. وهما بمعنى. قال النووي: قوله: وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف لومة لائم. معناه نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر في كل زمان ومكان، الكبار والصغار، لا نداهن فيه أحداً ولا نخافه. شرح النووي ١٢/ ٢٣٠ فإذا كان مطلوباً من المسلم أن يقول كلمة الحق أينما كان فإن من جملة ظرف المكان وسائل الإعلام والاتصال أينما كانت. (٤) وإذا احتكمنا إلى قاعدة المصالح والمفاسد، فإن الإسهام والمشاركة في هذه الوسائل تفوق مصالحه على مفاسده بدرجة واضحة، وذلك من وجوه: أ- أن جمهور هذه الوسائل المتلقين لها لا يكاد يحصى سواء من المسلمين أو غيرهم، من ذكور وإناث، ومن مختلف المستويات الثقافية، ولقد يسمع بعضهم كلمة حق فيصغي لها، ويتأثر بها فهي إذن فرصة سانحة للتبليغ. ب - وليس كل هذا الجمهور سيئاً، أو عزوفاً عن سماع الحق، بل لأن هذه الوسائل قد دخلت معظم البيوت، وفرضت نفسها على الناس، ووجد فيها أكثر الناس كل أسباب الدعاية والترويج، فانساقوا معها، ولو وجدت وسائل إصلاح نشطة وقوية لفعلت الفعل نفسه. ج - وإذا كان يوجد شيء من وسائل الإصلاح في بعض بلاد المسلمين فإنه لم تجتمع فيه مقومات الجاذبية والتأثير، ولذلك يبقى أصحابها بها محدودي العدد. أما الأكثرية الساحقة فهي مشدودة مع الفضائيات، حتى ربما استوحش بعضهم من تلك الوسائل الإصلاحية باعتبارها تخاطب المتدينين، وهو لا يعد نفسه منهم. والظاهر أن مسؤولية التبليغ المناطة بأهل العلم والفكر تقتضي سلوك كل طريق ممكن ومتاح؛ لتبليغ الدعوة لأولئك الأجناس من البشر للخروج من التبعة. (ينظر الموسوعة الفقهية ٢٠/ ٣٣٢) . موازنة: من خلال هذا العرض تبرز الوجهتان في كفتين متقاربتين. وإن كانت الوجهة الثانية تبدو راجحة في ضوء الاعتبارات المذكورة، والتي يصعب إلغاؤها، أو التقليل من شأنها. وأما أدلة المنع فهي محل نظر. *= فقوله تعالى: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ". يمكن أن يقال: إن بإمكان داعي الحق أن يقوم بعمله دون أن يصاحب ذلك شيء من المحظورات كالاستهزاء أو الغناء أو الموسيقى، أو الإعلانات التجارية غير المشروعة. وإذا تحقق ذلك لم يكن خوض ثَمَّ، فلا محذور إذن، وبمثل هذا يجاب أيضاً عن حديث (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس ... الخ) . *= وأما قوله تعالى: " والذين لا يشهدون الزور ". فإن تلك الوسائل في ذاتها ليست من الزور؛ لأنها وسائل خير وشر، ويمكن أن يخصص جزء من الوقت للإصلاح لا يصاحبه زور. *= وأما القول بأن مشاركة أهل العلم والفضل تصفي الشرعية على الفضائيات فهو محل تأمل. وربما اختلف ذلك بحسب الأشخاص والأحوال. وإذا انتهينا إلى ترجيح القول الثاني للاعتبارات المذكورة فإنه لا بد من بعض القيود والشروط هنا. ومن أهمها في نظري: (١) أن يكون ظرف الزمان والمكان والحال مناسباً لدعوة الحق، بحيث يخلو من المحظورات الشرعية البين حظرها كالمعازف، ووجود النساء المتبرجات، والدعايات التجارية الماجنة، والترويج للدين الباطل ... وما أشبه ذلك. (٢) أن يغلب على ظن الداعي أو العالم رجحان جدوى المشاركة، وذلك بحسب القرائن والملابسات، كأن يلمس من القائمين على القنوات الرغبة في نشر الفضيلة، أو يرى منهم عدم قناعة في برامجهم وأنهم يسعون إلى التجديد، أو يرى في مشاركته تطويراً في الأداء الإعلامي الهابط وتحسين صورته لدى المتلقي ... وهكذا. (٣) أن يكون المشارك ذا أهلية ومقدرة، سواء في شخصيته، أو علميته. أما الضعيف فلا ينبغي له أن ينبري للمشاركة، وبخاصة إذا كانت المشاركة حواراً مع خصوم الإسلام؛ لأن ضعفه يضعف الحق الذي يدعو إليه، فينسب ذلك إلى الإسلام. وعلى هذا فليس الأمر جائزاً بإطلاق، كما أنه ليس ممنوعاً بإطلاق. ولكني أناشد كل مسلم غيور ألا يبالغ في تضخيم المعوقات في طريق فعل الخير، وأذكره بكلام للإمام ابن تيمية، ذكره في كتاب الحسبة في مقام أقسام الناس تجاه فعل الخير يقول: " وأقوام ينكلون عن الأمر (بالمعروف) والنهي (عن المنكر) والقتال الذي يكون به الدين لله، وتكون كلمة الله هي العليا لئلا يفتنوا وهم سقطوا في الفتنة ... وهذه حال كثير من المتدينين يتركون ما يجب عليهم من أمر ونهي وجهاد يكون به الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا؛ لئلا يفتنوا بجنس الشهوات، وهم قد وقعوا في الفتنة التي هي أعظم مما زعموا أنهم فروا منه، وإنما الواجب عليهم القيام بالواجب وترك المحظور وهما متلازمان ". هذا مبلغ علمي، وفوق كل ذي علم عليم، وإذا كان ثم نقص أو خطأ فأملي في القراء أن يسددوا الخطأ، ويسدوا النقص. والله ولي التوفيق. [الْمَصْدَرُ] أ. د عبد الله بن إبراهيم الطريقي الأستاذ بكلية الشريعة بالرياض.

стр. 14507

فاتقوا اللهَ ما استطعتم [السُّؤَالُ] ـ[كنا مجموعة من الأصدقاء نجتمع للنقاش والحوار حول أمور الدين والدنيا، وإذا بأحد الحضور يلقي سؤالا يقول فيه: هل يستطيع المرء المسلم أن يعيش حياته مسلما بنسبة ١٠٠% مع استمرار تعايشه وتعامله مع مجتمعه بما في ذلك من إيجابيات وسلبيات ومؤثرات، أي بمعنى إن أراد البعد عن كل ما حرم الله والتمتع بكل ما أحله في كتابه الكريم وكذلك العمل بسنة نبيه المصطفى ﵊ بما تبيحه والبعد عما تنهى عنه؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله المسلم غير معصوم، وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون كما جاء بذلك الحديث الشريف، لكن في الإمكان أن يعيش المسلم في مجتمع إسلامي محافظا على دينه حسب طاقته عملا بقول الله : (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ولا يخدش في دينه ما قد يقع منه من الأخطاء التي لم يتعمدها أو ظنها جائزة باجتهاده وما لديه من معلومات، أو بسؤاله بعض أهل العلم فأفتاه في ذلك ولم تكن فتواه مطابقة للشرع المطهر، والخلاصة أن الواجب على المسلم أن يتقي الله ما استطاع وأن يحرم ما حرم الله عليه وأن يجتهد فيما فرض الله عليه، وإذا وقعت منه زلة وجب عليه المبادرة بالتوبة النصوح. [الْمَصْدَرُ] كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز يرحمه الله، م/٤، ص/٤١٧

стр. 14508

هل يذهب بأمه إلى السوق وهي ترتدي عباءة مخصَّرة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[إذا كانت عباءة الأم مخصّرة، هل يجوز تلبية طلبها في الذهاب بها إلى السوق؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: عليك أن تنصح والدتك برفق ولين بأن لا تلبس مثل هذه العباءة التي تحدد جسمها وأن تلتزم بشروط الحجاب الشرعي والتي منها أن يكون واسعاً فضفاضاً. ولمعرفة شروط الحجاب الشرعي راجع السؤال رقم (٢١٤) و (٦٩٩١) . ثانياً: إذا كانت والدتك ستذهب إلى السوق على كل حال سواء ذهبت بها أم لم تذهب وإذا امتنعت من الخروج معها ستذهب منفردة فعليك في هذه الحال أن تذهب بها إلى السوق حفاظاً عليها، وتقليلاً للمنكر بقدر الإمكان والاستطاعة. والله تعالى المسؤول أن يصلح أحوال المسلمين. [الْمَصْدَرُ] قاله الشيخ عبد الرحمن البراك بمعناه.

стр. 14509

أسلمت وتسأل كيف تخبر والديها [السُّؤَالُ] ـ[أسلمت أخت من أصل هندوسي، لم تخبر والديها بعد ولكنها ستخبرهما قريباً، لا تدري كيف تخبرهما لأنها متأكدة بأنهما سيتبرآن منها، أرجو أن تساعدها بطريقة تخبر فيها والديها، لا تريد أن تخبر والديها بأن شخصاً ما سوف يتزوجها وينفق عليها (حتى لو وجدت أحداً) لأن والداها سيظنان بأنها أسلمت من أجل ذلك الرجل (وهذا غير صحيح) . فأرجو النصيحة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نحمد الله تعالى أن وفق هذه الأخت وهداها لاعتناق الإسلام، ونسأله سبحانه أن يثبت قلبها، وأن يزيدها إيمانا ويقينا. ونصحها بإخبار والديها، أو بعدم إخبارهما يتوقف على معرفة ما يترتب على ذلك، وهل سيقف الأمر على التبرؤ منها دون طردها أو إيذائها، وهل يملكان قوة قهرها لإرجاعها إلى دينهم أم لا؟ وبكل حال فإن كان يترتب على إخبارها مضرة لها، فإننا ننصحها بتأجيل ذلك، حتى يقوى إيمانها، ويزداد علمها، على أن يسعى المسلمون المطلعون على إسلامها في إيجاد الزوج الصالح لها، والبيئة المهيأة لاستقبالها في حال انفصالها عن والديها. وكون والديها يظنان أنها أسلمت لأجل الزواج من شخص معين، لا يضرها، ولا حرج عليها في هذا الزواج إذا ترتب عليه حفظها وإعانتها على التمسك بدينها. وينبغي أن تشاوروا أهل العلم والخبرة في بلدكم ممن يعرفون حال هذه الأخت، وحال أهلها، والظروف المحيطة بهم. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14510

والداه يريدان منه أن يترك العمل للدعوة [السُّؤَالُ] ـ[ما هو الأكثر أهمية للمسلم، طاعة والديه أم العمل للأمة؟ أسأل هذا السؤال لأن زوجي اختار أن يعلم المسلمين دينهم ووالداه لا يوافقون، والده يريده أن يرجع لبلده ويعمل في تخصصه، لا أدري ماذا أفعل لأن والد زوجي طلب مني محاولة إقناع زوجي بالعودة. أنا الوحيدة في العائلة التي تدعم زوجي ليعمل في سبيل الله، تركت حقوقي كزوجة لأعينه على متابعة عمله، تواجهنا بعض الصعوبات ولكن والحمد لله نحن بخير. كيف أتصرف؟ أنا لا أريد أن أعصي والد زوجي ولا أريد أن أتدخل في اختيار زوجي لطريقة حياته، فقد وافقنا على أن نعيش حياة بسيطة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا شك أن الله تعالى قد أوجب طاعة الوالدين فقد قال تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون﴾ الأنعام / ١٥١. وعن أبي هريرة ﵁ قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك. رواه البخاري (٥٦٢٦) ومسلم (٢٥٤٨) . وحرَّم عقوق الوالدين، فعن المغيرة بن شعبة قال: قال النبي ﷺ : " إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ". رواه البخاري (٢٢٧٧) ومسلم (٥٩٣) . والعمل للإسلام متوجب على المسلم بحسب طاقته، وقد يتعيَّن على زوجك البقاء في هذه البلاد لخدمة المسلمين وتعليمهم والقيام على شئونهم، وعليه: فلا يجب على الزوج الرجوع لبلده وترك الدعوة إلى الله والعمل للأمة. وقد سأل رجلٌ الشيخَ عبد العزيز بن باز – ﵀ – فقال: إنني أشتغل منذ عدة سنوات بتحفيظ القرآن الكريم في مكان بعيد عن المدينة التي يسكن فيها والداي ولذا فهما يطلبان مني أن أترك التدريس وأعمل مع أحد إخواني الذين يسكنون عندهما وأنا متردد في هذا الأمر؟ لأني أخشى أن أترك التدريس فيضيع الطلاب وينسوا ما حفظوه من القرآن الكريم. فما تنصحوني جزاكم الله خيرا؟ . فأجاب: ننصحك بالاستمرار في تحفيظ القرآن الكريم لقول النبي ﷺ : " خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه " أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، ولما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين، ولا تلزمك طاعة والديك في ترك ذلك لقول النبي ﷺ : " إنما الطاعة في المعروف " ويشرع لك الاعتذار إليهما بالكلام الطيب والأسلوب الحسن. وبالله التوفيق. " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٥ / ٤١٢) . ثانياً: ويمكن لزوجك أن يطيع والده ويرجع لبلده إذا كان هناك من يقوم مقامه في العمل للإسلام هناك ووجدت الحاجة للعمل للإسلام – كذلك – في البلد الذي يوجد فيه أهله، فيجمع بذلك بين الأمرين: تحقيق رغبة والده، والعمل للإسلام، وقد يكون بلده بحاجة أكثر، وقد يكون بقاؤه في البلد التي هو فيها لا يتمكن معه من إظهار شعائر الإسلام الظاهرة ولا يستطيع تربية أولاده فيه. أما إن كان زوجك سيرجع للعمل في تخصصه دون العمل للإسلام فإنك ينبغي أن تكوني بجانبه وتحثيه على البقاء للعمل للإسلام، وهذا لا شك خير لكم في دينكم، وإن كان ليس كذلك لدنياكم، وما عند الله خير وأبقى، مع التنبيه الشديد على أهمية أن لا يكون الإنسان كالشمعة يحرق نفسه ليضيء لغيره، فإن كانت البيئة التي هو فيها لا تُعينه على طاعة الله ولا تربية أبنائكم فاحرصوا على تغييرها، إلى بيئة صالحة ينشأ أولادكم فيها على الشعائر الإسلامية، وفق الله الجميع لما يُحبه ويرضاه، والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14511

كيف يتصرَّف مع " منصِّر " طرق بابه ليعرِض عليه نسخة من الإنجيل ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ماذا تفعل لو طرق بابك مبشِّر؟ فما هو أفضل طريقة للتعامل معه؟ وماذا تفعل معه إن حاول أن يهديك نسخة من " الكتاب المقدس "؟ وبماذا تنصح في أن نستبدل الأدوار فأدعوه للإسلام، وأهديه في نهاية الأمر نسخة من القرآن؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ثمة تنبيهان على مصطلحين استعملا في السؤال: أ. لفظ " مبشِّر ". فالواجب استعمال كلمة " التنصير " بدلاً من كلمة " التبشير " , والمنصِّر بدلاً من " المبشِّر "، فالبشارة في استعمالها عندهم هي البشارة بالهداية، والجنَّة! , فهم على ذلك من دعاة الهدى، وهذا بخلاف الواقع، وإلا فهم من دعاة جهنم – والعياذ بالله -. قال علماء اللجنة الدائمة: وكان من أبرز أعداء هذا الدين: " النصارى الحاقدون "، الذين كانوا - ولا يزالون - يبذلون قصارى جهدهم، وغاية وسعهم، لمقاومة المد الإسلامي في أصقاع الدنيا، بل ومهاجمة الإسلام والمسلمين في عقر ديارهم، لا سيما في حالات الضعف التي تنتاب العالم الإسلامي، كحالته الراهنة اليوم، ومن المعلوم بداهة: أن الهدف من هذا الهجوم هو زعزعة عقيدة المسلمين، وتشكيكهم في دينهم؛ تمهيداً لإخراجهم من الإسلام، وإغرائهم باعتناق النصرانية، عبر ما يعرف خطأ بـ " التبشير "، وما هو إلا دعوة إلى الوثنية في النصرانية المحرَّفة، التي ما أنزل الله بها من سلطان، ونبي الله عيسى ﵇ منها براء. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. " فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ٣٠٦) . ب. لفظة " الكتاب المقدَّس ". فلا يجوز إطلاق " الكتاب المقدس " على الكتب التي بأيدي اليهود، والنصارى، الآن؛ لأن هذه الكتب - في الواقع - محرَّفة، كما لا يخفى عليكم , والقداسة، والتعظيم إنما هما لكلام الله تعالى، وكتبه المحفوظة، الخالية من التحريف، وهو ما لا ينطبق إلا على القرآن. نسأل الله أن يجزيك خيراً، أن يبارك فيك، ويوفقك لهداية الناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور. ثانياً: من المفيد أن يقابِل المسلمُ الدعوةَ إلى الكفر بالدعوة إلى الإسلام , والكلمة الباطلة بالكلمة الحق , بشرط أن يكون هذا المسلمُ متمكناً من الأمر الذي يدعو إليه , وعنده علم برد الشبَه التي يتوقع أن يثيرها الطرف المقابل , وفي سنَّة النبي ﷺ ما يدل على ذلك. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ " ضِمَاداً " قَدِمَ مَكَّةَ وَكَانَ مِنْ " أَزْدِ شَنُوءَةَ " وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ إِنَّ مُحَمَّداً مَجْنُونٌ، فَقَالَ: لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللَّهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدَيَّ، قَالَ: فَلَقِيَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَرْقِى مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ وَإِنَّ اللَّهَ يَشْفِي عَلَى يَدِي مَنْ شَاءَ فَهَلْ لَكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَمَّا بَعْدُ) قَالَ: فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ وَقَوْلَ السَّحَرَةِ وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ، قَالَ: فَقَالَ هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الإِسْلَامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَعَلَى قَوْمِكَ) قَالَ: وَعَلَى قَوْمِي، قَالَ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فَمَرُّوا بِقَوْمِهِ فَقَالَ صَاحِبُ السَّرِيَّةِ لِلْجَيْشِ هَلْ أَصَبْتُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْئًا فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ أَصَبْتُ مِنْهُمْ مِطْهَرَةً، فَقَالَ: (رُدُّوهَا فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمُ ضِمَادٍ) . رواه مسلم (٨٦٨) . وأما إدارة الحوار، وكيف يكون أسلوب تعاملك معه، بالشدة أو باللين، فهذا يرجع إلى المصلحة، وإلى طبيعة الموقف، ومن المهم، بل من المؤكد في حقك ألا تقف موقف الدفاع، ولا تدع له الفرصة لأخذ زمام المبادرة، بل تكون أنت مالك الزمام، وتستطيع التخلص من الموقف برمته متى أحببت ذلك، ومن المهم أن يكون عندك مجموعة من الكتب التي تنتقد أصول دينه، ولا بأس أن تهديه بعضها. ثالثاً: لا يجوز إعطاء الكافر نسخة من القرآن العربي إذا غلب على الظن امتهانه له، فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ) . رواه البخاري (٢٨٢٨) ومسلم (١٨٦٩) . قال النووي – ﵀: وفي الرواية الأخرى (مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ العَدُو) , وفى الرواية الأخرى: (فَإِنِّي لَا آمَنُ أََنْ يَنَالَهُ العدو) , فيه: النهي عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار للعلة المذكورة في الحديث، وهى خوف أن ينالوه فينتهكوا حرمته، فإن أُمنت هذه العلة بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهرين عليهم: فلا كراهة , ولا منع منه حينئذ؛ لعدم العلة، هذا هو الصحيح , وبه قال أبو حنيفة، والبخاري، وآخرون. " شرح مسلم " (١٣ / ١٣) . وأما إعطاؤهم نسخة من ترجمة القرآن: فلا بأس؛ لأن الترجمة لا تعتبر قرآناً , وانظر جواب السؤال رقم: (١٠٦٩٤) . ويمكن الاستعاضة عن المصحف ببعض الكتب، والمنشورات، التي ترغب في الإسلام , وتبين حقيقته، وشرائعه. وعلى ذلك: فلو قمتَ بنصحه، وطلبت منه القراءة عن الإسلام الصحيح، والتجرد عن الهوى والتعصب , ولو رافق ذلك إهداء لكتاب عن الإسلام، أو نسخة لترجمة معاني القرآن، أو لزيارة مركز إسلامي، أو غير ذلك: فهذا خير وبركة، إن شاء الله. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14512

مسلمة عمرها ١٢ عاماً والدها ملحد وأمها نصرانية يسبَّان ربها ونبيَّها فماذا تصنع ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أبلغ من العمر اثني عشر عاماً، وأعيش مع أب ملحد، وأم مسيحية، وقد اعتنقتُ الإسلام مؤخراً، إن والداي لم يرحبا باعتناقي الإسلام، والأسوأ من ذلك: أنهما منعاني من قراءة القرآن، ودخول المواقع الإسلامية، وإخبار الناس بإسلامي، ومقابلة المسلمين - سواء على النت، أو في الواقع -، ومنعوني ارتداء ثياب متواضعة، وأشياء أخرى كثيرة، والسبب: " فوبيا الإسلام " الغبية، وغير العقلانية، لقد حاولت أن أريهم كيف هو الإسلام في الحقيقة، ولكن ما من شيء أقوله، أو أفعله يغيِّر من رأيهم. في الواقع: إنهما يحاولان الآن أن يرياني كيف يحتقران الإسلام في كل كلمة، وكل فعل، من إلقاء النكات الغبية عن الإرهاب، وحتى سب الله والرسول ﷺ بأقذع الألفاظ. إن المشكلة تزداد سوءاً؛ لأنه نظراً لأنني ما زلت صغيرة: فأنا لا استطيع القيام بأي شيء دون مساعدة والديَّ، فعلى سبيل المثال: لا تباع هنا الملابس الإسلامية؛ نظراً لوجود قلة من المسلمين، ومن ثم أضطر إلى شراء الحجاب من الإنترنت، وأحتاج إلى بطاقات الائتمان الخاصة بهما من أجل إتمام عملية الشراء، كما أنني أدرس في مدرسة مسيحية! وأحتاج إليهما لتغييرها، حيث إنني لا أستطيع القيام بذلك بنفسي، كما أنهما لا يتركاني أغادر البيت بمفردي، لذا فأنا أحتاج إليهما لكي يقوما بتوصيلي إلى المسجد، وهكذا، لذا فإن عدم موافقتهما تعني أيضاً عدم قدرتي على إتباع الدين بالكامل. كما أنهما يجبرانني على القيام بأشياء تخالف الإسلام، مثل: الذهاب إلى الكنيسة، والرقص، وارتداء ملابس تجعل ذراعي، وساقي، وشعري: عاريا جزئيّاً، أو تماماً. إنني قلقة بهذا الشأن، فالقرآن يأمرنا بطاعة الوالدين، واحترامهما، والإحسان إليهما، ولكنه لا يبدي أي تهاون عندما يتعلق الأمر بمن يكرهون الإسلام، وأنا لا أعلم ماذا أفعل، فإذا أطعت والديَّ: فسأقوم بالكثير من الأشياء التي تخالف الإسلام، وإذا قمت باحترامهما: فإنني بذلك أحترم من لا يحترمونني كمسلمة، وسأدعهما يقولان تلك الأشياء الرهيبة عن الإسلام، ولكني إذا لم أطعهما وأحترمهما فإنني بذلك أسلك مسلكا رهيباً من وجهة نظر الإسلام، وأنا أعتقد أن كِلا الفعلين خطأ، فما الذي يجب عليَّ فعله؟ . وبارك الله فيكم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ١. نحن في غاية الفرح أن وصلتنا رسالتك، وفيها البشارة بدخولك في الإسلام، ونعتقد أن فرحتك بالانتساب لهذا الإسلام هي فرحة العمر؛ فإن أجل نعم الله على عبد من عبيده: أن يهديه ويشرح صدره للإسلام، فنسأل الله أن يتم عليك نعمة الإيمان والعافية، وأن يثبتك على ذلك إلى يوم لقاء رب العالمين. ٢. وأفرحنا جدّاً حبُّكِ للإسلام، ورغبتك بالتمسك بشرائعه، ونرى أن هذا من فضل الله تعالى عليكِ، حيث إننا نشعر أنك قد تذوقت حلاوة الإيمان، في الوقت الذي حرم منها كثيرون ممن ينتسب إلى الإسلام في الاسم والصورة. ٣. وآلمنا جدّاً ما عليه والداك من الكفر بالله تعالى، وآلمنا أكثر: سبُّهم لله تعالى، ولرسوله محمد ﷺ ، مع أن الرب تعالى هو ربُّهم، وخالقهم، ورازقهم، والنبي محمد ﷺ هو خاتم النبيين، الذي أخذ الله ميثاقه على كل نبي ـ وعلى أتباعه من باب أولى ـ أن يكون تابعا لنبيه محمد ﷺ ، إذا بعث محمد وهو حي. قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) سورة آل عمران/٨١-٨٣. وأخبر ﷺ أن من سمع به، ولم يتبعه، ولم يؤمن به: فقد حرم الله عليه الجنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ: إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) . رواه مسلم (١٥٣) . قال الإمام النووي ﵀: " وَقَوْلُهُ ﷺ : (لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ) : أَيْ مِمَّنْ هُوَ مَوْجُودٌ فِي زَمَنِي وَبَعْدِي، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَكُلُّهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِي طَاعَتِهِ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيَّ تَنْبِيهًا عَلَى مَنْ سِوَاهُمَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَهُمْ كِتَابٌ فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَهُمْ مَعَ أَنَّ لَهُمْ كِتَابًا، فَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ أَوْلَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ " انتهى. "شرح مسلم". ٤. إننا نقدر جدا صعوبة الظرف الذي أنت فيه، ونسأل الله ﷻ ، أن ييسر لك أمرك، وأن يجعل لك فرجا ومخرجا مما أنت فيه؛ لكن الأمر ـ رغم صعوبته ـ ليس لغزا محيرا؛ فأنت ـ أولا، وقبل كل شيء ـ مأمورة بطاعة الله ﷻ فيما فرض عليك؛ فتفعلي ما أمرك به من العبادات، وتتركي ما نهاك عنه من المحرمات، وهذا فقط هو سبيل الهداية، قال الله تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) سورة النور/٥٤. وإذا كنت مأمورة بالإحسان إلى والديك وحسن صحبتهما، وإن كانا كافرين، فليس معنى ذلك أن تعصي ربك إرضاء لهما، أو أن تقدمي طاعتهما على طاعة الله تعالى، بل طاعة الله وطاعة رسوله مقدمة على كل شيء، وعلى طاعة كل أحد. قال الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) العنكبوت /٨. قال ابن كثير ﵀: " يقول تعالى آمرا عباده بالإحسان إلى الوالدين، بعد الحث على التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان ... ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما في مقابلة إحسانهما المتقدم، قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ أي: وإن حَرَصا عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، لا تطعهما في ذلك، فإن مرجعكم إليَّ يوم القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما، وصبرك على دينك، وأحشرك مع الصالحين، لا في زمرة والديك، وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا؛ فإن المرء إنما يحشر يوم القيامة مع مَنْ أحب، أي: حبا دينيا؛ ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ " انتهى. "تفسير ابن كثير" (٦/٢٦٤-٢٦٥) . وقد قال رسول الله ﷺ : (لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ) رواه البخاري (٧٢٥٧) ومسلم (١٨٤٠) . وقال ﷺ : (لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ رواه أحمد (١٠٨٩) وصححه الألباني. وبناء على ذلك: فحين يتعارض أمر والديك لك بأي شيء، مع أمر الله ورسوله لك: فلا تطيعي أبويك، بل قدمي طاعة الله ورسوله، وليس ها هنا شيء من الخطأ. لكن ذلك لا يعني سقوط كل حق لوالديك عليك، بل أمر الله تعالى بالإحسان إليهما، ومعاملتهما معاملة طيبة، رغم ذلك، قال الله تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) لقمان/١٥. ونعتقد أن ما قدمناه لك من بيان الموقف الشرعي من هذه المشكلة، هو حل كاف لها، من الناحية النظرية على الأقل. ٥. لكن تبقى بعد ذلك الناحية العملية، وهي الجانب الأصعب في مشكلتك، نظرا لظروفك المحيطة بك، وصغر سنك الذي لا يمكنك من الاستقلال بنفسك، وتطبيق ما ترينه صحيحا؛ فاعلمي – أختنا – أن الله تعالى لا يكلفك فوق ما تستطيعين وتقدرين، قال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) البقرة/ من الآية ٢٨٦، وقال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا) الطلاق/ من الآية ٧، وقال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن/ من الآية ١٦، وقال النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) . رواه البخاري (٦٨٥٨) ومسلم (١٣٣٧) ، وقال النبي ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) رواه ابن ماجه (٢٠٤٥) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه. ٦. وحينئذ؛ فالواجب عليك أن تجتهدي في عمل كل ما تسطيعينه من الواجبات الشرعية، وترك كل ما تقدرين على تركه من المحرمات، وأن تبادري إلى ذلك بقدر إمكانك؛ فإن منعوك من الصلاة أمامهم: فصلي من ورائهم، وإن منعوك من ارتداء الحجاب الكامل، أو لم تتمكني من الحصول على الملابس الإسلامية: فاجعلي ملابسك أقرب ما يمكنك إلى الملابس الإسلامي، ولو أن تتعلمي أنت أن تصنعي لنفسك شيئا من ذلك، أو قريبا منه. وإذا طلبوا منك أن تذهبي للكنيسة: فتعللي بأي شيء، وتهربي من ذلك قدر الإمكان، واخترعي الأعذار التي تعفيك من ذلك، وليس كل النصارى في الغرب، ولا في الشرق، يذهبون إلى الكنيسة، بل الأقل منهم من يفعلون ذلك. وهكذا: حاولي أن تتهربي من حفلات الرقص والغناء، وما يأمرانك به مما فيه معصية، بأي عذر تخترعينه لذلك، فإن أجبرت على حضور الحفل، فاهربي من ممارسة الرقص، خاصة إذا كان مع الرجال، أو في حضورهم، وأظهري المرض، أو نحو ذلك مما يعفيك منه. وما يجبرانك عليه من محرمات فافعلي منها الحد الأدنى، فاجعلي اللباس أستر ما يكون، ولا تسهري في مناسبتهم الحفلة كاملة، وهكذا في سائر المحرمات. وبصفة عامة: اجتهدي في أن تفعلي ما تستطيعينه من شعائر الإسلام، وأن تتركي ما تقدرين على تركه، فإن أكرهوك على شيء من ذلك، فاجعلي تصرفاتك من الخارج فقط، واجعلي قلبك دائم الصلة بالله، والذكر له، إلى أن ييسر الله لك فرجا مما أنت فيه، وأبشري فإن الفرج قريب، وإن مع العسر يسرا: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) سورة الطلاق/٢-٣. ٧. وننصحك بالتواصل مع الأخوات المسلمات، سواء بالمواجهة، أو عن طريق الإنترنت، وكما ننصحك بالتواصل مع المواقع الإسلامية النافعة لك في دينك، والتي تستفيدين منها لتقوية إيمانك، وتزدادين بها علماً، وإذا أمكنك التواصل مع أحد المراكز الإسلامية القريبة منك: فسوف يكون في ذلك خير كثير، إن شاء الله، ولعلهم ـ بحكم خبرتهم بالمكان، وتعرضهم لكثير من هذه المشكلات ـ أن يكون عندهم من الحلول والمساعدات العملية أكثر مما اقترحناه عليك. ٨. واعلمي – أختنا – أن من سبقك بالإسلام قد عاش طائفة منهم في ظروف قاسية، حيث تعذيب الأبوين، وضربهم، ومنعهم من حقوقهم الإنسانية، وقد صبروا على ما أوذوا، واحتملوا ما أصابهم في سبيل الله، حتى جاءهم نصر الله، فنجاهم الله مما كانوا فيه، وانقلبوا بنعمة من الله وفضل، وكانوا من الفائزين، فلا تيأسي مما أصابك، ولا تحزني على حالك، فأنت في رعاية الله، وتحت سمعه وبصره، واثبتي على ما أنتِ عليه من الهدى والحق، كما صبر من قبلك، واعلمي أن هذا اختبار من الله تعالى ليرى صدق إيمانك، فيجازيك عليه خير الجزاء، في الدنيا، والآخرة، وعسى الله أن يجعل نصره وتأييده لك عاجلاً غير آجل. ٩. والداك بحاجة لك لإنقاذهما من نار جهنم، ومن سخط الله، فنوصيك بإظهار خير صورة للمسلمة المستقيمة، بحسن التصرف معهما، وبرهما، والتلطف في مخاطبتهما، والعناية بطعامهما وشرابهما، والقيام على خدمتهما، فلعلهما أن يراجعا نفسيهما، ويخففا عنك الضغط، أو يتركانه، كما نوصيك بصدق الدعاء والطلب من الله أن يهديهما للإسلام، وأن يميتهما على الإيمان، وما ذلك على الله بعزيز، واسمعي لهذه القصة: روى مسلم (٢٤٩١) عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ، فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ) فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا جِئْتُ فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ، فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ، قَالَ: فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، فَفَتَحَتْ الْبَابَ ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْشِرْ، قَدْ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ خَيْراً. ١٠. ولا ننصحك بالهرب من البيت، والخروج منه؛ فإن مفاسد ذلك أكثر من بقائك فيه، وإن من قد يؤويك فإنه يعرِّض نفسك لأقسى العقوبات في قوانين بلادكم الجائرة، فليس أمامنا من نصح لك إلا الصبر، وقطع التفكير في الهروب من البيت. ونسأل الله العلي القدير أن يثبتك على الهدى والرشاد، وأن يعافيك في دينك وبدنك، وأن يهدي أبويك للإسلام، وأن يقر عينيك بهما مؤمنين صالحين، في الدنيا، والآخرة. ونرجو منك أن تبقي على تواصل معنا، ونحن أهلك، وإخوانك، ولعل الله أن يرزقك من دعوات إخوانك الذي يطالعون قصتك: ما ينفعك الله به، ويفرج عنك كربك ببركته. والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14513

هل يجوز لهم السماح للكفار بالاحتفال بأعيادهم في ساحة المسجد ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم دخول غير المسلمين لساحة المسجد، حيث إن بالمسجد ساحة خارجة عن المسجد المعد للصلاة , وهذه الساحة تابعة للمسجد، إذ إن هناك باباً موحداً بينهما , وهذه الساحة مجهزة بكراسي، وطاولات، يتم استغلالها عند الحاجة. ودخول غير المسلمين لها يكون موسميّاً، عندما يكون لهم تجمعات بسبب أحد أعيادهم، فيتم استغلال هذا التواجد لهم , ويتم تجهيز أطباق للغداء , ويتم تقديمها في هذه الساحة , ومدخول هذا اليوم يذهب لخزانة المسجد، لتجهيزه، وما شابه. وما حكم هذا العمل؟ وهل يعتبر بمثابة مشاركتهم في عيدهم؟ مع أن نيتنا تكون مخالفة بحيث يكون هدفنا هو جمع مبالغ من المال لصالح المسجد ونيتنا - إن شاء الله - هذا العام ستكون أسمى بحيث نود استغلال تواجدهم، وتعريفهم بالإسلام. وهل في دخولهم لهذه الساحة حرج مع العلم أن إقامتي في أحد البلدان الغربية؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إذا كانت هذه الساحة عند إنشائها قد نويتم أنها ليست جزءاً من المسجد، بل هي للاحتفالات أو الاجتماعات والندوات، فلا تأخذ حكم المسجد، فيجوز للكافر دخولها. أما إذا كانت هذه الساحة أعدت على أنها جزء من المسجد، يستفاد منها في هذه الاحتفالات، والصلاة عند الحاجة إليها، فهي جزء من المسجد، فلها حكم المسجد. وكذلك يكون لها حكم المسجد إذا لم تنوا عند إنشائها شيئاً معيناً، وكانت داخلة في بناء المسجد، أو كان هناك سور يحيط بها وبالمسجد. قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: "ما كان داخل سور المسجد: فهو من المسجد، وله حكم المسجد، فرحبة المسجد: من المسجد، ومكتبة المسجد: من المسجد، إذا كان كلٌّ منهما داخل سور المسجد" انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. " فتاوى اللجنة الدائمة " المجموعة الثانية (٥ / ٢٣٤) . وانظر لمزيد الفائدة جواب السؤال رقم (١٠٣١٣٦) . ودخول الكافر إلى المسجد لا يجوز إلا إذا كان هناك حاجة أو مصلحة من دخوله، كما لو دخل لسماع محاضرة، أو شرب الماء ونحو ذلك، كما سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٢١٩٢) و (٩٤٤٤) . وإذا كان الكافر سيدخل المسجد مرتكباً بعض المنكرات كالاختلاط المستهتر بين الرجال والنساء، أو دخول النساء المتبرجات فلا ينبغي التوقف في تحريم هذا. فإذا كانت هذه الساحة لها حكم المسجد فلا يجوز دخول الكفار إليها للاحتفال بعيدهم، لأنه ليس في ذلك مصلحة شرعية. ولا يجوز تأجيرها لهم، أو لغيرهم، لأن المسجد لا يُبنى لذلك، وإنما يبنى لذكر الله وإقامة الصلاة. وهذا سبب ثانٍ لمنع تأجير المكان لهؤلاء. وقد سئل ابن القاسم ﵀: أرأيت إن بنى رجل مسجداً، فأكراه (يعني: أجَّره) ممن يصلي فيه؟ قال: لا يصلح هذا في رأيي، لأن المساجد لا تبنى للكراء. المدونة (٣/٤٣٤) . ثانياً: هناك سبب ثالث يقتضي منع هؤلاء من الدخول إلى هذه الساحة ـ سواء كانت من المسجد أم لا ـ وهو أن دخولهم إنما هو للاحتفال بعيدهم، وأعياد المشركين أعياد باطلة، لا يجوز للمسلم أن يشاركهم فيها، ولا أن يعينهم عليها، لقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة/٢. وروى البيهقي (١٩٣٣٤) عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (اجتنبوا أعداء الله في عيدهم) . وقد فَسَّر بعض السلف قوله تعالى في صفات عباد الرحمن: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) الفرقان/٧٢، قالوا: هي أعياد المشركين. وانظر تفسير ابن كثير (٣/٤٣٥) . ولا شك أن أعياد المشركين من الزور والباطل الذي أمرنا بعدم حضوره، فالآية عامة في عدم شهود الزور الذي يشمل كل قول أو فعل محرم، ومنه: أعياد المشركين. "تفسير السعدي" ص ٦٨٦. وانظر لمزيد الفائدة جواب السؤال رقم (١١٤٢٧) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14514

كاثوليكية تكره زوجها وتريد طلاقه والزواج من مسلم [السُّؤَالُ] ـ[إخواني الأعزاء أنا امرأة كاثوليكية متزوجة منذ سنوات عديدة ولدى فتاتان يافعتان ولم أعد أحب زوجي منذ ٥ سنوات لكني لم أفكر مطلقاً في الطلاق لأن ديني لا يجيزه. وفي العام الماضي فقدت السيطرة على نفسي وأنشأت علاقة حرام مع فتى مسلم صغير وقد جعلني أوقع على ورقة زواج عرفي لكي يقوم فقط باستئجار شقة لنا ثم أتلفها عندما علمت أسرته بأمرنا وقد استمرت علاقتنا لأسبوع واحد وقد تبت مما حدث، وهو أيضا، وهو الآن قام بخطبة فتاة مسلمة. وقد التقيت الشهر الماضي برجل مسلم فاضل وهو متزوج ولديه طفلان ونحن نعمل أحياناً معاً وعلى علاقة صداقة طيبة ومقربين بشدة من بعضنا لكننا لم نقترف أية محرمات, ولدى بعض الأسئلة: ١- هل ما يزال زواجي العرفي الأول سارياً؟ وقد عقدناه بشاهدين ومحامي، لكنى لم أكن أعرف أنه زواج حقيقي وكنت ما زلت متزوجة. ٢- أريد الآن أن أتطلق من زوجي فأنا لم أعد أحبه ولم أعد أستطيع الاستمرار في الكذب عليه وعلى بناتي. ٣- إذا تم طلاقي فهل يجوز لي أن أتزوج صديقي المسلم الفاضل زواجاً إسلامياً وأكون زوجته الثانية؟ وكم هي مدة العدة؟ ٤- وقد أخبرني أنه لا يستطيع أن يتزوجني لأن زوجته الأولى توعدته بالطلاق وبأن تأخذ أطفاله بعيداً عنه إذا تزوج ثانية، فهل يجوز لها القيام بذلك؟ وأنا لا أريد أن أتسبب في إيذاء أحد فهو يعيش الآن بعيداً عن أسرته ولا يذهب لزيارتهم إلا لبعض الوقت وأنا لا أريد منه مالاً ولا أريده أن يخسر أسرته، ولن أسيء في حق زوجته الأولى، ولا أغار منها وسأعيش ببلده كزوجة ثانية وآتي أحيانا إلى بلدي لرؤية بناتي. وسأكون شاكرة للغاية إذا ساعدتموني في إيجاد حل لهذا الموقف المعقد، وبارك الله فيكم، وفى جميع أصحاب النوايا الحسنة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نشكر لك ثقتك بالإسلام والاستفتاء عن أحكامه , ونتمنى أن تتوج هذه الثقة باختيارك للإسلام ديناً تعبدين الله وفق ما فيه , وقد لمسنا في كلامك أنك على جانب كبير من حسن الخلق، ونرجو أن تتوجي ذلك أيضاً بإحسان الخلق مع الله، وذلك بعبادته وحده لا شريك له، بالدين الذي ارتضاه، وأكمله، وحفظه من الزيادة والنقصان والتغيير والتبديل. ثانياً: الزواج العرفي الذي ربطك بهذا الشاب زواج باطل، لأنك متزوجة , والمتزوجة لا يصح نكاحها. وقد ذكر الله تعالى المحرمات من النساء فقال: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ... وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ) يعني: المتزوجات. ونعجب من هذا المسلم الجاهل بدينه إلى هذا الحد، فهذا الزواج لا قيمة له، ووجوده كعدمه، وهو باطل من يوم ما عقد. وعلى هذا، فلست زوجة لهذا الشاب. ثالثاً: يجوز للمرأة في ديننا أن تطلب الطلاق من زوجها الذي تكرهه، ولا يمكنها الاستمرار في الحياة معه، وسيؤدي استمرارها معه إلى تقصيرها في أداء حقه، وكثرة المنازعات والخصومات. فإن لم يطلق فلها مخرج آخر وهو ما يسمى في ديننا بـ "الخلع"، فترد إليه المهر الذي كان دفعه لها ثم يؤمر بطلاقها، وذلك دفعاً للضرر الواقع عليها بسبب الحياة مع من تكره. وهذا الحكم هو من محاسن شريعتنا، وكثيراً ما تعرضت شريعتنا للطعن فيها بسبب مشروعية الطلاق، مع أن العقل والواقع يثبتان أن ذلك من محاسنها. ففي بعض الأحيان يكون الطلاق هو الحل الأمثل لقطع خصومات وعداوات لم تفلح معها محاولات الصلح المتكررة. وكما جعل شرعنا للرجل المخرج من ذلك وهو "الطلاق" جعل للمرأة مخرجاً أيضاً، وهو "الخلع". فنأمل أن تتأملي في محاسن ذلك، وتأملي في وضعك أنت الآن وأنت مجبرة على العيش مع من تكرهين، أي الحكمين أقرب إلى الحكمة وإلى العقل؟ ونأمل أن يقودك ذلك إلى مزيد من البحث عن الإسلام، حتى تقفي على مزاياه، وعلى أنه هو الدين الحق، فينشرح صدرك للدخول فيه. رابعاً: إذا تم طلاقك من زوجك فلا مانع من أن تتزوجي ذلك المسلم أو غيره، ولكن بشرط أن يكون ذلك بعد انقضاء العدة. وعدتك هي ثلاث حيضات من أول وقوع الطلاق، إن كنت تحيضين، أو وضع الحمل إن كنت حاملاً. وننبه إلى أن الزواج في فترة العدة زواج باطل في شرعنا، ولا يصح. خامساً: لا يجوز للزوجة أن تمنع زوجها من الزواج بثانية أو ثالثة أو رابعة، فقد أباح الله تعالى للرجل أن يتزوج بأربعة نساء، وقد (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَشْتَرِطَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا) رواه البخاري (٢٧٢٧) ومسلم (١٤١٣) . أي: إذا أراد الزواج بثانية، فلا يجوز لهذه الثانية أن تشترط عليه أن يطلق الأولى، لما في ذلك من الاعتداء على أختها. وكذلك أيضاً لا يجوز للزوجة الأولى أن تطلب طلاق الثانية، أو تمنع زواجها من الأصل. هذا هو حكم شرعنا في هذه المسألة، غير أن كثيراً من الناس لجهلهم، أو لقلة تعظيمهم لأحكام دينهم يخالفون هذا الحكم، نسأل الله لهم الهداية. ونسأل الله تعالى أن يفرج عنك همك، وأن يهديك ويوفقك إلى ما يحب ويرضى. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14515

الواجب على المسلم تجاه غير المسلم [السُّؤَالُ] ـ[ما هو الواجب على المسلم تجاه غير المسلم، سواء كان ذمياً في بلاد المسلمين، أو كان في بلاده، والمسلم يسكن في بلاد ذلك الشخص غير المسلم، والواجب الذي أريد توضيحه هو المعاملات بكل أنواعها، ابتداء من إلقاء السلام، وانتهاءً بالاحتفال مع غير المسلم في أعياده؟ وهل يجوز اتخاذه صديق عمل فقط؟ أفيدونا أفادكم الله.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " إن واجب المسلم بالنسبة إلى غير المسلم أمور متعددة: أولاً: الدعوة إلى الله ، أن يدعوه إلى الله، ويبين له حقيقة الإسلام حيث أمكنه ذلك، وحيث كانت لديه البصيرة، لأن هذا أعظم إحسان وأكبر إحسان يهديه إلى مواطنه وإلى من اجتمع به من اليهود والنصارى أو غيرهم من المشركين، لقول النبي ﷺ : (مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ) ، وقوله ﵊ لعلي ﵁ لما بعثه إلى خيبر وأمره أن يدعو اليهود إلى الإسلام قال: (وَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ) ، وقال ﷺ : (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) . فدعوته إلى الله وتبليغه الإسلام ونصيحته في ذلك، هذا من أهم المهمات ومن أفضل القربات. ثانياً: لا يظلمه، لا في نفس، ولا في مال، ولا في عرض، إذا كان ذمياً أو مستأمناً أو معاهداً فإنه يؤدي إليه حقه، فلا يظلمه في ماله لا بالسرقة ولا بالخيانة ولا بالغش، ولا يظلمه في بدنه بالضرب ولا بالقتل، لأن كونه معاهداً أو ذمياً في البلد أو مستأمناً هذا كله يعصمه. ثالثاً: لا مانع من معاملته في البيع والشراء والتأجير ونحو ذلك، فقد صح عن رسول الله ﵊ أنه اشترى من الكفار عباد الأوثان، واشترى من اليهود وهذه معاملة، وتوفي ﵊ ودرعه مرهونة عند يهودي في طعام لأهله ﵊. رابعاً: في السلام لا يبدؤه بالسلام، ولكن يرد، لقوله ﷺ : (لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ) ، وقال ﷺ : (إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ) ، فالمسلم لا يبدأ الكافر، ولكن متى بدأ فسلم عليك اليهودي أو النصراني أو غيرهما تقول: وعليكم، كما قاله النبي ﵊. هذا من الحقوق المتعلقة بين المسلم والكافر. ومن ذلك أيضاً: حسن الجوار، إذا كان جاراً تحسن إليه ولا تؤذيه في جواره، وتتصدق عليه إذا كان فقيراً، وتهدي إليه، وتنصح له فيما ينفعه، لأن هذا مما يسبب رغبته في الإسلام، ودخوله في الإسلام. ولأن الجار له حق؛ قال الرسول ﷺ : (مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ) متفق على صحته، وإذا كان الجار كافراً كان له حق الجوار، وإذا كان قريباً وهو كافر له حقان: حق الجوار، حق القرابة. ومن حق الجار أن يتصدق عليه إن كان فقيراً من غير الزكاة، لقوله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة/٨، وفي الحديث الصحيح عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أن أمها دخلت عليها وهي مشركة في الصلح الذي كان بين النبي ﷺ وبين أهل مكة تريد المساعدة، فاستأذنت أسماءُ النبي ﷺ في ذلك هل تصلها؟ فقال النبي ﷺ : (صليها) . أما بالنسبة لاحتفالاتهم بأعيادهم فالمسلم لا يشاركهم في احتفالاتهم بأعيادهم، لكن لا بأس أن يعزيهم في ميتهم ويقول لهم: جبر الله مصيبتكم، أو أحسن لك الخلف في خير، أو ما أشبه ذلك من الكلام الطيب، ولا يقول: غفر الله له، ولا ﵀ إذا كان الميت كافراً، فلا يدعو للميت إذا كان كافراً، ولكن للحي بالهداية والعوض الصالح ونحو ذلك " انتهى. سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ "فتاوى نور على الدرب" (١/٢٨٩ – ٢٩١) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14516

اعتراض من ملحد على مسائل العَوْل في المواريث [السُّؤَالُ] ـ[عُرض علي هذا السؤال من أحد الملاحدة وقال فيه إن هناك أخطاء حسابية في القرآن -تعالى الله سبحانه- إذا مات أحدهم وكان الورثة ٣ بنات ووالديه وزوجته، نصيب الـ ٣ بنات = ثلثا التركة استناداً لقوله: (فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك) .. ونصيب والديه= السدس + السدس = ثلث التركة (ولأبويه كل واحد منهما السدس مما ترك) .. نصيب زوجته= ثمن التركة (فلهن الثمن مما تركتم) .. مجموع الحصص = الثلثين للبنات + الثلث للوالدين + الثمن للزوجة = ١.١٢٥ ... أي لو ترك المتوفي ١٠٠٠ دينار لاحتاج القاضي لـ ١١٢٥ دينار ليوزعها عليهم حسب القرآن.. هذا ما قاله لي ذلك الملحد نقلته نصاً لكم، أرجو الإجابة عن ذلك.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الإشكال الذي أثاره ذلك الملحد ليس بمشكل في الواقع، وقد أجاب عليه العلماء. وليس هذا الإشكال خاصاً بالمسألة التي ذكرها، بل له أمثله كثيرة، ويسمي العلماء هذا النوع من المسائل بـ "العَوْل" ومعناه عند علماء المواريث: زيادة فروض الورثة عن التركة. وطريقة حل هذا النوع من المسائل: أن ينقص نصيب كل واحد من الورثة بمقدار ما حصل به العول في المسألة، وذلك هو العدل، حتى لا ينقص واحد من الورثة دون الباقي. ولم تقع مسألة فيها عَوْل في عهد النبي ﷺ ، ولا أبي بكر ﵁، وإنما وقعت في زمن عمر بن الخطاب ﵁، فهو أول من حكم به حين رفعت إليه مسألة: زوج وأختين (شقيقتين أو لأب) ، فقال: فرض الله للزوج النصف، وللأختين الثلثين، فإن بدأت بالزوج لم يبق للأختين حقهما، وإن بدأت بالأختين لم يبق للزوج حقه، فاستشار الصحابة في ذلك، فأشاروا عليه بالعَوْل، وقاسوا ذلك على الديون إذا كانت أكثر من التركة، فإن التركة تقسم عليها بالحصص، ويدخل النقص على الجميع. وانقضى زمن عمر ﵁ على ذلك، ثم أظهر عبد الله بن عباس خلافاً في المسألة، فكان لا يقول بالعول ... ثم انقرض هذا الخلاف، ورجع جميع العلماء إلى ما قضى به عمر وجمهور الصحابة. قال ابن قدامة ﵀ في "المغني": "ولا نعلم اليوم قائلاً بمذهب ابن عباس ﵄، ولا نعلم خلافاً بين فقهاء العصر في القول بالعول، بحمد الله" انتهى. انظر: "التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية" للشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله ص ١٦١ – ١٦٦. وعلى هذا، فطريقة حل المسألة التي ذكرها ذلك الملحد: الزوجة لها الثمن، والبنات لهن الثلثان، والأب له السدس، والأم لها السدس. وحتى يتم توزيع التركة على الورثة تقسم التركة إلى ٢٤ جزءاً متساوية وهو ما يسميه العلماء بـ "أصل المسألة" وهو أقل عدد تخرج منه فروض المسألة بلا كسر، وهو شبيه بعملية "توحيد المقامات" عند جمع الكسور الاعتيادية مختلفة المقامات، مثل: نصف وثلث. وإذا أخرجنا سهام كل وارث في المسألة، فللزوجة الثمن: ٣، ولكل من الأب والأم السدس: ٤، وللبنات الثلثان ١٦، ومجموع هذه السهام ٢٧ أكثر من أصلها وهو ٢٤ وهذا هو "العَوْل"، وهو الاعتراض الذي اعترض به ذلك الملحد. فلا يمكن أن يعطى كل وارث سهمه كاملاً لأن التركة لن تكفي، وحينئذ، فالعدل: أن ينقص نصيب كل وارث بمقدار ما حصل في المسألة من العول، فبدلاً من تقسيم التركة إلى ٢٤ جزءاً متساوية، يتم تقسيمها إلى ٢٧ جزءاً متساوياً، وهو مجموع سهام الورثة. فيكون التقسيم النهائي للمسألة: للزوجة: ٣ أسهم من ٢٧، بدلاً من ٢٤، فصار الثُمْن الذي تستحقه تُسْعاً بسبب العول. ولكل واحد من الأبوين ٤ أسهم من ٢٧، بدلا من ٢٤. وللبنات ١٦ سهماً من ٢٧، بدلا من ٢٤. فنجد أن النقص دخل على سهام جميع الورثة، وبهذا يتحقق العدل، وينتهي الإشكال الذي ذكره ذلك الملحد. وننا لننتهز الفرصة وندعو ذلك الشخص إلى مراجعة نفسه، والتأمل فيما هو عليه من دين، ومقارنته بالإسلام، فلن يجد أعدل ولا أحسن من الإسلام، فهو دين الله المحفوظ من التحريف والتبديل، وليعد النظر في تشريعات الإسلام، ومنها هذا النوع من مسائل المواريث: "العَوْل"، فلن يجد في الأديان المنسوبة إلى السماء، أو المذاهب الأرضية أعدل وأحسن من ذلك. وليبادر إلى الدخول في هذا الدين، ليكون من الناجين من عذاب الله وسخطه، وليفوز فوزاً لا خسارة بعده. نسأل الله له الهداية والتوفيق والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14517

ما هي الأوصاف التي يُنادى بها على الكافر؟ وهل يجوز قول "أخي" و "سيدي "؟ [السُّؤَالُ] ـ[نحن طلاب ندرس في جامعة في أمريكا , ونعمل برامج دعوية لغير المسلمين للدعوة إلى الله، بعض الأحيان نستعمل بعض الطرق التي لا ندري عن صحتها مثل: "البرامج المختلطة بين الرجال والنساء " بحكم العادات، والتقاليد هنا في أمريكا، وبعض الأحيان نستعمل ألفاظ مثل "سيدي"، أو "صديقي"، أو "أخي"، وكلمة "أخي" تعتبر دارجة بين أوساط الشباب. أفتونا - مأجورين - في حكمها، ونرجو أن ترشدونا في كيفية التعامل مع غير المسلمين.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الدراسة المختلطة بين الرجال والنساء فيها مفاسد كثيرة، ولها آثار سيئة على كلا الجنسين، فإذا كانت هذه الدراسة المختلطة في بلد غربي: ازداد الأمر سوءً، وعظمت المفاسد. وفي حكم الدراسة المختلطة: ينظر جواب السؤال رقم: (١١٠٢٦٧) . وفي حكم الإقامة في البلاد غير المسلمة وبيان شروط ذلك ينظر جواب السؤال رقم: (٢٧٢١١) . وفي الوقت الذي ننكر الدراسات المختلطة، لا سيما في مثل تلك الدول غير المسلمة: نشجع الطلبة على الالتزام ببرامج إيمانية فيها تزكية لنفوسهم؛ تعويضاً عما ينقص بالمشاهدات المحرَّمة، التي تضعف الإيمان، ونشجع على الالتزام ببرامج دعوية؛ استثماراً لوجودهم في هذه البلاد، لدعوة أهلها إلى الإسلام، وهي فرصة قد لا تتكرر. فنرجو الله أن يوفقكم في مسعاكم، ونسأله أن يعظم لكم الأجور، ومن الجيد أن يكون لكم اتصال مع أهل العلم، ومواقع الفتوى، للسؤال عما يشكل عليكم. ونحن يفرحنا وجود ترتيب لجهودكم في الدعوة إلى الله، وتنظيم لعملكم ذاك، ونرى أن الدعوة إلى الله في مثل تلك البلاد تحتاج لعقلاء، وحكماء، ومبدعين، لإيصال رسالة الإسلام لأكبر قدر ممكن من المدرسين، والطلبة، مع التنبيه أن يحاط ذلك كله بالالتزام بأحكام الشرع. ثانياً وجواباً على أسئلتكم تحديداُ نقول: ١- لا يجوز عمل برامج دعوية فيها اختلاط نساء برجال، ونرى أن التزامكم بالشرع في هذا الباب واجب عليكم؛ استجابة لأوامر الشرع في تحريم الاختلاط، ودفعاً للفتن المترتبة على ذلك. وهذا إذا كنتم أنتم من يقيم ذلك المعرض، أو البرنامج. وأما أن يكون قائماً من قبَل الجامعة، ويكون منكم استثمار له، بوجود زاوية أو فقرة تعرضون فيها مواد سمعية، ومرئية، ونصية، عن الإسلام: فلا نرى في ذلك بأساً، بشرط لا تشاركوا القائمين على هذا العمل في شيء من الأعمال المحرمة. ٢- لا يجوز لكم استعمال الألفاظ الشرعية الخاصة بالمسلمين، كلفظ " أخي "، ولا الألفاظ التي فيها إظهار المودة المنهي عن وجودها عند المسلم تجاه غير المسلم، كلفظ " صديقي "، ولا الألفاظ التي نهينا عن مخاطبة الكفار بها، كلفظ " سيِّد ". وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: عن حكم قول: " أخي " لغير المسلم؟ وكذلك قول: " صديق " و " رفيق "؟ وحكم الضحك إلى الكفار لطلب المودة؟ . فأجاب: أما قول: " يا أخي " لغير المسلم: فهذا حرام، ولا يجوز، إلا أن يكون أخاً له من النسب، أو الرضاع؛ وذلك لأنه إذا انتفت أخوة النسب والرضاع: لم يبق إلا أخوَّة الدين، والكافر ليس أخاً للمؤمن في دينه، وتذكر قول نبي الله تعالى نوح: (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) . وأما قول: "صديق "، " رفيق "، ونحوهما: فإذا كانت كلمة عابرة يقصد بها نداء من جهل اسمه منهم: فهذا لا بأس به، وإن قصد بها معناها تودداً وتقربّاً منهم: فقد قال الله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) ، فكل كلمات التلطف التي يقصد بها الموادة: لا يجوز للمؤمن أن يخاطب بها أحداً من الكفار. وكذلك الضحك إليهم لطلب الموادة بيننا وبينهم: لا يجوز، كما علمت من الآية الكريمة" انتهى. "مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٣ / ٤٢، ٤٣) . وانظر جواب السؤال رقم: (١١٨٣٤٣) تجد فتاوى أخرى في الموضوع. وفي جواز معاملة الكفار بالرفق، واللين؛ طمعاً في إسلامهم: انظر جوابي السؤالين: (٥٩٨٧٩) و (٤١٦٣١) . ٣- وأما النهي عن قول "سيد"، أو "سيدي" لأحدٍ من الكفار: فقد جاء ذلك في نص صحيح. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ، فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ . رواه أبو داود (٤٩٧٧) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". وإذا كان هذا الحكم في المنافق فالكافر مثله، وقد جعل النووي ﵀ هذا الحكم شاملاً للفاسق، والظالم، والمبتدع، فقد بوَّب في كتابه "رياض الصالحين"، فقال: "باب النهي عن مخاطبة الفاسق والمبتدع ونحوهما بـ "سيِّد"، ونحوه ". وقال ابن القيم ﵀ تحت فصل "خطاب الكتابي بسيدي ومولاي": "وأما أن يُخاطب بـ "سيدنا"، و "مولانا"، ونحو ذلك: فحرام قطعاً، وفي الحديث المرفوع: (لا تقولوا للمنافق: سيدنا، فإن يكن سيدكم فقد أغضبتم ربكم) " انتهى. " أحكام أهل الذمة " (٣ / ١٣٢٢) . وقال الشيخ حمود التويجري ﵀: "ولا يجوز وصف أعداء الله تعالى بصفات الإجلال والتعظيم كالسيد، والعبقري، والسامي ونحو ذلك، لما رواه أبو داود والنسائي والبخاري في الأدب المفرد عن بريدة ﵁ ... . وقد قلَّت المبالاة بشأن هذا الحديث الشريف، حتى صار إطلاق اسم " السيد " ونحوه على كبراء الكفار، والمنافقين، مألوفاً عند كثير من المسلمين في هذه الأزمان، ومثل السيد " المستر " باللغة الإفرنجية، وأشد الناس مخالفة لهذا الحديث: أهل الإذاعات؛ لأنهم يجعلون كل مَن يستمع إلى إذاعاتهم من أصناف الكفار، والمنافقين، سادة، وسواء عندهم في ذلك الكبير، والصغير، والشريف، والوضيع، والذكر، والأنثى، بل الإناث هن المقدمات عندهم في المخاطبة بالسيادة، وفي الكثير من الأمور خلافاً لما شرعه الله من تأخيرهن. وبعض أهل الأمصار يسمُّون جميع نسائهم: " سيدات "، وسواء عندهم في ذلك المسلمة، والكافرة، والمنافقة، والصالحة، والطالحة. ويلي أهل الإذاعات في شدة المخالفة لحديث بريدة ﵁: أهل الجرائد، والمجلات، وما شابهها من الكتب العصرية؛ لأنهم لا يرون بموالاة أعداء الله، وموادتهم، وتعظيمهم بأساً، ولا يرون للحب في الله، والبغض في الله، والموالاة فيه، والمعاداة فيه: قدراً، وشأناً. " تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران " (ص ٢٠، ٢١) ترقيم الشاملة. ولا حرج من مناداة الكفار بأسمائهم أو "القرابة" – كما في قوله ﷺ لعمِّه أبي طالب "يَا عَمُّ" -، أو "المسمَّى الوظيفي" – كـ "رئيس الجامعة"، أو "عميد الكلية"، كما وصف النبي ﷺ هرقل ب " عظيم الروم " -، وغيرها من الأوصاف المباح مناداته بها. ثم ينبغي التنبيه إلى أن هذه الأحكام التي قررناها هي الأصل الذي يطالب به المسلم، ولكن قد يختلف الأمر باختلاف المصلحة المترتبة على مناداة الكافر بما قد يفهم منه تعظيمه، أو المفسدة المترتبة على عدم ذلك، فقد يكون الشخص قريباً جداً من الإسلام فمثل هذا لا بأس بتأليفه على الإسلام ويتسامح في حقه ما لا يتسامح في حق من عرف بالغلظة والشدة على المسلمين. وفي هذا يقول ابن القيم ﵀: "ومدار هذا الباب وغيره مما تقدم على المصلحة الراجحة، فإن كان في كنيته وتمكينه من اللباس وترك الغيار [يعني: عدم تغير أسمائهم ولباسهم إذا تسموا بأسماء المسلمين ولبسوا لباسهم] والسلام عليه أيضاً ونحو ذلك تأليفاً له ورجاء إسلامه وإسلام غيره كان فعله أولى، كما يعطيه من مال الله لتألفه على الإسلام، فتألفه بذلك أولى. وقد ذكر وكيع عن ابن عباس أنه كتب إلى رجل من أهل الكتاب: سلام عليك. ومَن تأمَّل سيرة النبي ﷺ وأصحابه في تأليفهم الناس على الإسلام بكل طريق: تبيَّن له حقيقة الأمر، وعلِم أن كثيراً مِن هذه الأحكام التي ذكرناها - من الغيار، وغيره - تختلف باختلاف الزمان، والمكان، والعجز، والقدرة، والمصلحة، والمفسدة. ولهذا لم يغيرهم النبي ﷺ ولا أبو بكر ﵁، وغيرهم عمر ﵁. والنبي ﷺ قال لأسقف نجران: أسلم أبا الحارث، تأليفاً له واستدعاء لإسلامه، ولا تعظيماً له وتوقيراً" انتهى. "أحكام أهل الذمة" (٢/٥٢٤) . والمناداة بالكنية، مثل: (أبا الحارث) فيها نوع توقير عند العرب، ففعله النبي ﷺ مع هذا النصراني تأليفا له على الإسلام. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14518

هل له أن يشجع علاقة بين مسلم وكافرة حفظاً لها من الشر ودعوةً لها للخير ؟! [السُّؤَالُ] ـ[هناك امرأة غير مسلمة، لها صديق مسلم، وأود أن تعتنق الإسلام، وعلى الرغم من أن مسألة الصداقة بين الرجل والمرأة مرفوضة إلا أني أشجعهما على البقاء مع بعض لسببين: الأول: أن هناك شابّاً آخر غير مسلم، وهو شاذ، يريد أن ينصب لها فخّاً، ويوقعها في شباكه، وأنا لا أحب أن تقع في شرَكه، والسبب الثاني: أن هذا الشاب المسلم قد يستطيع مع مرور الأيام أن يؤثر عليها فتُسلم، فما العمل لكي تبتعد عن ذلك الشاب غير المسلم؟ وما هي الطريقة الأنسب لدعوتها إلى الإسلام؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نحن وإن كنا نقدر لك حرصك على الخير، وقصدك لما فيه نفع تلك المرأة: لكننا نرى أنك لم توفق للصواب في تشجيعك الصداقة بينها وبين ذلك المسلم؛ وكم من مريد للخير لا يصيبه، والواجب أن يكون الحكم الشرعي هو منطلقنا في أفعالنا، ولا أن نحكم عواطفنا المخالفة لشرع شرع الله. فأنت تعلم أن العلاقة المحرمة بين الرجل والمرأة يعتريها كثير من المخالفات، وقد تؤدي إلى الوقوع في كبائر الذنوب، فكيف يمكن لمثل هذه العلاقة أن تكون سبباً في حصول الخير لأصحابها؟ فالعلاقة بين النساء والرجال خارج نطاق الزواج الشرعي حكمها التحريم. وأيضاً: خوفك على هذه المرأة يعارضه تعريض أخيك المسلم للفتنة، فتكون هذه المرأة سبباً لفتنة أخيك، فتجره إلى الموبقات والفواحش. فأنت الآن ترتكب أمراً محرماً لمجرد توقع حصول مصلحة، قد تحصل وقد لا تحصل، ومثل هذا لا يجوز في الشرع. ثانياً: يمكنك أخي السائل أن تؤدي رسالتك العظيمة في حفظ تلك المرأة من الشر، وفي دعوتها للإسلام، عن طريق امرأة - مثلها - مسلمة، وتكون قريبة منها، تدعوها للخير، وتحذرها من الشر. وعن الطرق التي تسلكها الأخت المسلمة في دعوة تلك المرأة: انظر: جواب السؤال رقم (٦٩٨٧٦) . والخلاصة: لا يجوز لك تشجيع تلك العلاقة المحرَّمة، بل الواجب عليك نصحهما بأن هذه العلاقة محرمة في الإسلام، ولا أحد يعلم الغيب إلا الله، فقد يكون ذلك سبباً في إسلامها لما ترى من تعظيم الإسلام للمرأة، وحفاظه عليها. ونسأل الله تعالى لك التوفيق، ولها الهداية. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14519

هل ينظر الإسلام لغير المسلمين بعين الرحمة والعطف ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما نظرة الإسلام إلى البشرية؟ هل يحث على حب وتقدير الآخرين ككائنات بشرية، بغض النظر عن أديانهم، أو أعراقهم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إن نظرة الإسلام إلى البشرية ملؤها الرحمة، والعطف، ولا يمكن أن يكون غير هذا؛ لأن الدين الإسلامي آخر الأديان التي شرعها الله تعالى، وأمر الناس كافة بالدخول فيه، كما أنه تعالى أوحى بهذا الدين، وأنزله على قلب أرحم الخلق محمد ﷺ ، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى قوله : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء/١٠٧. ونستطيع أن ندلل من القرآن، والسنَّة، وسيرة النبي ﷺ ، ما يؤكد هذا المعنى، ويتجلى ذلك في صور كثيرة، منها: ١. الدعوة إلى الإسلام، وإنقاذ الناس من الشرك والكفر. وفي ذلك جاءت الأوامر في القرآن والسنَّة للمسلمين بدعوة الناس إلى توحيد الله، وبذل الأموال، والأوقات، والأنفس في سبيل ذلك؛ وما ذلك إلا رحمة بالعالَمين؛ لإنقاذهم من عبادة العبَاد إلى عبادة رب العبَاد، ولإخراجهم من ضيق الدنيا، إلى سعة الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران/١٠٤. ٢. برُّ الوالدين، والإحسان إليهما، وإن كانا كافرَين. بل وإن كانا يجاهدان في سبيل صد أولادهم عن الإسلام، وأمرهم بالشرك والكفر! ، وفي هذا يقول الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) لقمان/ ١٤، ١٥. ٣. الوصية بالجيران، ولو كانوا من غير المسلمين. ولعلك لا ترى دِيناً، ولا منهجاً، ولا قانوناً، يدعو الناس إلى العناية بالجار، والاهتمام به، والوصية بحفظه، ورعاية حقه، وحرمته، مثل الإسلام، قال الله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) النساء/ ٣٦. قال القرطبي ﵀: "قال نوف الشامي: (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى) المسلم، (وَالْجَارِ الْجُنُبِ) اليهودي، والنصراني. قلت: وعلى هذا: فالوصية بالجار مأمور بها، مندوب إليها، مسلماً كان، أو كافراً، وهو الصحيح، والإحسان قد يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة، وكف الأذى والمحاماة دونه، روى البخاري عن عائشة عن النبي ﷺ قال: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) ، وروي عن أبي شريح أن النبي ﷺ قال: (والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن) قيل: يا رسول الله ومن؟ قال: (الذي لا يأمن جارُه بوائقَه) ، وهذا عام في كل جار، وقد أكَّد ﵇ ترك إذايته بقسمه ثلاث مرات، وأنه لا يؤمن الإيمان الكامل من آذَى جارَه، فينبغي للمؤمن أن يحذر أذى جاره، وينتهي عما نهى الله ورسوله عنه، ويرغب فيما رضياه، وحضَّا الباد عليه. "تفسير القرطبي" (٥/١٨٣، ١٨٤) . ٤. العدل والإحسان في التعامل مع الكافر غير الحربي. وفي ذلك يقول تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة/ ٨. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: أي: لا ينهاكم الله عن البرِّ، والصلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط، للمشركين، من أقاربكم، وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدِّين، والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تَصِلُوهم؛ فإن صلتهم في هذه الحالة: لا محذور فيها، ولا مفسدة. " تفسير السعدي " (ص ٨٥٦) . ٥. تحريم قتل المعاهَد من الكفار، والوعيد الشديد في ذلك. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضى الله عنهما عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَداً لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَاماً) رواه البخاري (٢٩٩٥) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: والمراد به: مَن له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان من مسلم. " فتح الباري " (١٢ / ٢٥٩) . ٦. تحريم ظلم المعاهَد، وتكليفه فوق طاقته. وقد جاء في ذلك الحديث عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه أبو داود (٣٠٥٢) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: فمن قدم إلى بلادنا من الكفار لعملٍ، أو تجارة، وسُمح له بذلك فهو: إما معاهَد، أو مستأمن: فلا يجوز الاعتداء عليه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (أن من قتل معاهَداً لم يرح رائحة الجنة) ، فنحن مسلمون، مستسلمون لأمر الله ، محترِمون لما اقتضى الإسلام احترامه من أهل العهد، والأمان، فمَن أخلَّ بذلك: فقد أساء للإسلام، وأظهره للناس بمظهر الإرهاب، والغدر، والخيانة، ومَن التزم أحكام الإسلام واحترم العهود والمواثيق: فهذا هو الذي يُرجى خيرُه، وفلاحه. " فتاوى الشيخ العثيمين " (٢٥ / ٤٩٣) . ٧. تحريم الاعتداء، ووجوب العدل. وفي ذلك يقول تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ) ، وقال تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) . قال الشيخ الشنقيطي ﵀: فانظر ما في هذه الآيات من مكارم الأخلاق، والأمر بأن تُعامل مَن عَصى الله فيك: بأن تُطيعه فيه. " أضواء البيان " (٣ / ٥٠) . وانظر جواب السؤال رقم: (١٣٢٤١) ففيه بيان أحكام معاملة الأسير الكافر، وانظر جواب السؤال رقم: (١٠٥٩٠) ففيه بيان سماحة الإسلام في تشريعاته. ونكتفي بهذا القدر، ولو شئنا التفصيل فيما سبق، والزيادة عليه: لطال بنا المقام. ثانياً: مع ما سبق بيانه فإنه ينبغي التوكيد على حقائق مهمة: ١. ما يُرى في العالَم مما يخالف ما سبق ذِكره إنما هو من جرَّاء أفعال أصحابه، ولا ينبغي نسبته للإسلام، وفي كل دين يوجد من يخالف تعاليمه، ولا يلتزم بأحكامه. ٢. أن ما رأته الأرض وأهلها من " الكفار " لا يقارن البتة بما فعله المسلمون، فالحربان العالميتان اللتان راح ضحيتهما ٧٠ مليون شخص كانت " نصرانية ". وعشرات الملايين من المسلمين قتلوا على أيدي: النصارى في الحملات الصليبية وغيرها، والشيوعيين، واليهود، والهندوس، والسيخ، والتفصيل في ذلك يطول، وليس هناك من ينكر هذا إلا من عطَّل عقله. ثم احتلال بلاد المسلمين، وسلب خيراتها كان ولا يزال على أيدي " الكفار " من جميع الملل، فليكن هذا على البال أثناء الحديث عن نظرة الإسلام للبشرية، وعن الحب، والعطف، وليقارن المنصفون من أهل التاريخ بين فتوحات المسلمين للبلاد الأخرى، وبين الحملات الصليبية – مثالاً – كيف كان حال كلٍّ منهما، ليرى الفرق واضحاً جليّاً، بين الرحمة والقسوة، بين الحب والبغض، بين الحياة والموت. ٣. ما ذكرناه سابقاً عن الإسلام ونظرته للكفار وما جاء فيه من أحكام غاية في الحب، والعطف، والرحمة: لا يعني التبرؤ مما فيه من أحكام قد يطمسها بعض المميعين لديننا، ومن ذلك: أ. في الإسلام تحرم المودة القلبية، والموالاة، للكفار، ومن يعقل يستطيع التمييز بين البِرِّ، والقِسط، والعطف، والرحمة، التي أمرنا بها تجاه الكافر غير الحربي، وبين المنع من المودة القلبية، والتي منعنا منها تجاه أولئك الكفار بسبب كفرهم بالله رب العالمين، وعدم إسلامهم. ب. لا يحل لنا تزويج بناتنا وأخواتنا ونسائنا لأحدٍ من الكفار كائنا ما كان دينه، بينما يجوز لنا التزوج – فقط – من الكتابيات العفيفات من اليهود والنصارى؛ ولا شك أن للعقيدة والتوحيد دورها الرئيس في هذا الحكم، فإسلام المرأة الكتابية المتزوجة من واحد من المسلمين قريب، وممكن، وفتنة المسلمة عن دينها بتزويجها من غير مسلم ممكن وقريب، وهذا الحكم موافق جدّاً للرحمة التي جاءت بها أحكام هذا الدين العظيم، الرحمة بالكتابية لعلها تسلم، وبالمسلمة أن لا تترك دينها. ج. ليس في الإسلام إجبار للكافر أن يدخل في الإسلام؛ لأن الإخلاص، والصدق، من شروط قبول الإسلام، والله تعالى يقول: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) . د. وفي الإسلام رجم للزاني المحصَن، وقطع ليد السارق، وجلد للقاذف للعرض الغافل، ولسنا نخجل من هذه التشريعات، بل نعتقد جازمين أن الأرض كلها بحاجة لأن تطبقها، ومن فعلوا ذلك عاشوا آمنين على أعراضهم، وأموالهم، ونفوسهم، من التعرض لها بما يسوؤها، ومن تأمل من العقلاء هذه الأحكام علم أن تشريعها هو للمنع – ابتداء – من أن يتجرأ أحد على فعلها، ومن تأمل حال الغرب الكافر، ورأى انتشار الاغتصاب، وكثرة السرقات، وتفشي القتل: علم أن الحاجة ماسَّة لإيقاف هذا، وها هم جربوا غير أحكام الإسلام فماذا نفعهم هذا غير زيادة شقائهم أكثر فأكثر؟! . فهذا نزر يسير مما ينبغي التنبيه عليه، والتذكير به، ولعلَّ السائل يحتاج لزيادة المعرفة في بعض ما ذكرناه سابقاً، ونحن على استعداد لتلقي ذلك منه، وطبيعة الموقع أنه سؤال وجواب يقتضي منا الإيجاز، والاختصار، ومن احتاج الزيادة زدناه، راجين من غير المسلمين الذين سيطلعون على هذا الجواب أن يعيدوا النظر فيما هم فيه من حال، وأن يعلموا أن الله تعالى قد أمرهم بالدخول في الإسلام، وأن النبي محمَّداً ﷺ هو رسولٌ لأهل الأرض جميعاً، وليس للعرب وحدهم، فليحرص كل من يقرأ هذا على النجاة بنفسه قبل فوات الأوان، وليعلن توحيده لرب العالَمين، والشهادة للنبي محمد ﷺ بالرسالة، وسيرى تغيُّراً في حياته عند أول نطقه بالشهادتين، ليدخل عالَم السعادة الدنيوية والأخروية، وليفوز برضا ربه تعالى، ويتجنب سخطه وعذابه. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14520

حوار اليهود والنصارى في عقيدتهم ودينهم [السُّؤَالُ] ـ[نتيجة لدراستنا في أمريكا تطرح علينا مواضيع عن الدين المسيحي والدين اليهودي فهل يجوز لنا الحديث عنهما؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "نعم؛ يجوز لكم الكلام في ذلك بحسب علمكم، ولا يجوز الكلام فيها ولا في غيرها بغير علم، ومعلوم أن شريعة التوراة والإنجيل من جملة الشرائع التي أنزلها الله على رسله على حسب ما يليق بأهلها في زمانهم وظروفهم، والله سبحانه هو الحكيم العليم في كل ما يشرعه ويقدره، كما قال سبحانه: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) المائدة/٤٨، وذلك بعدما ذكر إنزاله التوراة والإنجيل والقرآن في سورة المائدة، وقال سبحانه: (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) الأنعام/ ٨٣، ثم إن اليهود والنصارى حرفوا وبدلوا وأدخلوا في شرائعهم ما ليس منها، ثم بعث الله نبيه محمداً ﷺ برسالة عامة لجميع أهل الأرض من جن وإنس، وشرع له شريعة عامة، وبذلك نسخ بها شريعة التوراة والإنجيل، وأوجب على جميع أهل الأرض أن يتحاكموا إلى الشريعة التي بعث اللهُ بها محمداً ﷺ ، وأن يأخذوا بها دون كل ما سواها، كما قال يخاطب نبيه ﷺ في سورة المائدة: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ... ) المائدة/٤٨. وقال سبحانه: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء/٦٥، وقال سبحانه: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة/٥٠. والآيات في هذا كثيرة، ومن تدبر القرآن الكريم وأكثر من تلاوته لقصد الاستفادة والعمل هداه الله إلى سبيل الحق، كما قال الله سبحانه: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) الإسراء/٥ " انتهى. "مجموع فتاوى ابن باز" (٢٤/٤٧-٤٩) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14521

الفرق بين خمر الدنيا والآخرة [السُّؤَالُ] ـ[كلنا نعلم تحريم الخمر في الدنيا وأنه يسكر، وأنه يخامر العقل، ولهذا فهو رجس من عمل الشيطان، وأنه أم الخبائث كما قال النبي ﷺ ، والسؤال: لماذا الخمر في الدنيا حرام وفي الآخرة حلال؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله وصف الله تعالى خمر الآخرة بما يخالف خمر الدنيا، فقال: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ) الصافات/٤٥-٤٧. فوصف الله تعالى خمر الآخرة بأنها: ١- بيضاء. ٢- لذة للشاربين، بخلاف خمر الدنيا، فإنها كريهة عند الشرب. ٣- (لا فيها غول) وهو ما يصيب شاربها في الدنيا، من صداع، أو ألم في بطنه، أو ذهاب للعقل، وفي سورة الواقعة: (لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا) أي: لا يصيبهم منها صداع. ٤- (وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ) بخلاف خمر الدنيا التي تذهب عقولهم. انظر: "تفسير سورة الصافات" للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٧-١٠٩) . وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "خمر الآخرة طيب، ليس فيه إسكار ولا مضرة ولا أذى، أما خمر الدنيا ففيه المضرة والإسكار والأذى، أي: إن خمر الآخرة ليس فيه غَوْل ولا ينزف صاحبه، وليس فيه ما يغتال العقول، ولا ما يضر الأبدان، أما خمر الدنيا فيضر العقول والأبدان جميعا، فكل الأضرار التي في خمر الدنيا منتفية عن خمر الآخرة. وبالله التوفيق" انتهى. "مجموع فتاوى ابن باز" (٢٣/٦٢) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14522

يعتقد أن عيسى خير من محمد ويطعن في نبينا [السُّؤَالُ] ـ[لماذا تقولون إن محمداً هو خير خلق الله - والذي لا أظن ذلك -؛ لأن خير خلق الله يجب أن لا يكون له ذنوب، وهذا يخالف محمَّداً؛ لأنه كثير الذنوب. خير خلق الله هو الذي ليس للشيطان عليه سلطان، وهو المسيح، وأنتم تعرفون والقرآن يقر بذلك. وكذلك خير خلق الله لا يلقي الشيطان على لسانه آيات دون أن يعلم , وكذلك خير خلق الله لا يخالف أمراً من الله، وخير خلق الله لا يمكن أن يجري عليه سحرٌ، وكيف يكون أَبَوَا خير خلق الله مشركين، وماتا مشركين؟ وأيضاً فإن خير خلق الله لا ينشر دينه بالسيف، أو بالمال يبيعه. إنكم تبالغون كثيراً، إن أردتم أورد لكم الآيات التي تثبت صحة كلامي.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: قد قرأنا ما كتبت بحروفه كلها، وأعدنا القراءة مرة وأخرى، فمن حقنا عليك أن تقرأ لنا ما ندافع به عن ديننا، وعن نبينا محمد - صلى الله عليه وعلى أخيه عيسى وسلم -، ومن حقنا عليك أن تتأمل كلامنا كما تأملْنا كلامك، أليس كذلك؟ . ثانياً: من الجيد أن تكون خاتمة رسالتك فيها إقرار بأن " عيسى " ﵇ خير خلق الله تعالى، والإقرار بأنه مخلوق ينفي عنه الألوهية، وأنه إله رب؛ لأنك أقررتَ أنه مخلوق مربوب، ولن يجتمع في ذات أنها خالق ومخلوق، ورب ومربوب، أو " لاهوت وناسوت "، ولعلك باعتقادك هذا تعتقد أيضاً بطلان العقيدة التي تثبت لهذا المخلوق أنه إله، أليس كذلك؟ . إن المسيح الذي تتكلم عنه في سؤالك، ليس هو المسيح الذي تؤمنون به معشر النصارى، فعن أيهما تريد أن تتحدث، وأن يدور حوارنا: عبد الله عيسى ابن مريم، المخلوق؛ أو الابن الذي اتخذتموه إلها؟! انظر إجابة السؤال رقم (٨٢٣٦١) ثالثاً: لسنا في صدد المقارنة بين عيسى ومحمد ﵉، فنحن في شرعنا قد نهينا عن المفاضلة بين الأنبياء، وبخاصة تلك المفاضلة التي فيها إنقاص لقدر الطرف الآخر، وهو ما فعلته أنتَ، فلم تستطع إثبات خيرية عيسى ﵇ على خلق الله تعالى إلا بالطعن بنبينا محمد ﷺ ، وهذا أمرٌ مرفوض في شرعنا لو كان الطرف الآخر أقل منزلة، وأما مع الطعن بأحد الأنبياء فإن من يفعل ذلك يكفر ويخرج من ملة الإسلام، فديننا المطهَّر يحفظ كرامة الأنبياء والرسل، ويُعلي شأنهم، والإيمان بهم جميعاً ركن من أركان الإيمان، ولا يكون مسلماً من لم يؤمن ولو بنبي واحد، وليس في شرعنا المطهَّر إلا ذِكر الأنبياء والرسل بخير، فقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم " القرآن " عبادتهم، وأثنى عليها، وذكر دعاءهم، وخشيتهم، ودعوتهم لأقوامهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة النبي ﷺ ما يسيء لأحدٍ منهم، بل فيهما وجوب تعظيم قدرهم، وإعلاء شأنهم. رابعاً: بحث المفاضلة بين عيسى ومحمد ﵉ ليس هو مقصوداً عندنا في الدين، ولا ينبغي أن يكون عندك كذلك، والسبب: أننا أُمرنا باتباعه ﷺ ، وقبل ذلك بالشهادة أنه رسول الله، وهذا لا علاقة له بكونه خير خلق الله أو لا، وليس هذا في ديننا فحسب، بل كل قوم أرسل لهم رسول من قبَل ربهم تعالى فإنهم مأمورون بالإيمان به وباتباعه ولو لم يكن خير خلق الله، وهل من شرط النبي أن يكون خير خلق الله؟! فماذا إذن يكون حال الأمم السابقة التي اجتمع في عصر واحدٍ مجموعة عظيمة من الأنبياء والرسل؟! نحن لم نشهد لنبينا محمد ﷺ بالرسالة لأنه خير خلق الله، ولا قال هو اتبعوني لأنني خير خلق الله، بل نحن عرفنا ذلك من رفع الله تعالى لمقامه، ومن إعلائه لشأنه، وسنذكر ما يؤيد هذا بآية، وحادثة، وحديث: ١. أما الآية: فهي قول الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) آل عمران/ ٨١. فهذا عهد وميثاق أخذه الله ﵎ عَلَى الأنبياء جميعاً أن يؤمنوا بمُحَمَّد ﷺ ، وأن ينصروه في دعوته. ٢. وأما الحادثة: فهي صلاة نبينا ﷺ بالأنبياء جميعاً إماماً، وذلك في رحلته المسماة " الإسراء والمعراج "، فقد صلَّى بهم جميعاً ﵈ في بيت المقدس. وإن لم يدل هذا على فضله وخيريته فلا ندري أي شيء يمكن أن يدل على ذلك. ٣. وأما الحديث: فهو ما صحَّ عنه ﷺ مما يجري يَوْمَ القِيَامَةِ حين يتراجع الأَنْبِيَاء صلوات الله وسلامه عليهم كلهم عن الشفاعة للناس في الفصل بينهم، فيعتذرون، وكلهم يقول: نفسي، نفسي، فيتقدم ﷺ للشفاعة العظمى ويقول: أنا لها، أنا لها، ثُمَّ يكرمه ربه تعالى، ويقبل شفاعته في أهل المحشر، وذلك هو المقام المحمود الذي لم يجعله الله ﵎ لبشرٍ غيره ﷺ . فهذه بعض أدلة من ديننا على أفضلية النبي ﷺ على إخوانه الأنبياء ﵈، وليسوا ينكرون هم ذلك، فها هو موسى ﵇ يعترف بذلك في حديث صحيح عندنا، وها هو عيسى ﵇ يرفض أن يؤم بالمسلمين، بل يرضى أن يكون مأموماً؛ لأنه سيعمل بالعهد والميثاق الذي أخذهما الله تعالى عليه، فعندما ينزل في آخر الزمان فإنه سيقتل الخنزير، وسيكسر الصليب، وسيصلي مأموماً وراء إمامٍ من أئمة المسلمين. وقد ثبت في أصح الكتب عندنا – البخاري ومسلم – بيان هذه الأمور مجتمعة، مع تعظيم قدر عيسى ﵇، ومدى ارتباطه به ﷺ ، فقف على هذا الحديث: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ) رواه البخاري ومسلم. ومعنى (أولى الناس بعيسى) : أي: أخصهم به، وأقربهم إليه. ومعنى (إخوة لِعَلَاّت) : أي: إخوة لأب من أمهات شتى. معنى الحديث: أن أصل إيمان الأنبياء واحد، وشرائعهم مختلفة. فأنت بكلامك الوارد في سؤالك تظن أنه ثمة فجوة بين الأنبياء والمرسلين وبين نبينا محمد ﷺ ، وليس هذا هو واقعهم ﵈، بل هم جميعاً إخوة، جاءوا برسالة عقائدية واحدة، وهي الدعوة لعبادة الله تعالى وحده، وترك الإشراك به. خامساً: وأما قولك عن نبينا محمد ﷺ أنه " كثير الذنوب ": فهو قول يمكن أن يزعمه أي أحد في أي شخص، ولو كنت تسلك الجادة العلمية لما قلتَ هذا القول، ونحن ننزه الأنبياء والمرسلين الذين أرسلوا لغيرنا من الأمم أن يكونوا من أصحاب المعاصي والذنوب: فكيف يكون حال أفضلهم وخيرهم؟ وانظر للفرق العظيم بيننا وبينك، ففي الوقت الذي تطعن فيه بنبينا محمد ﷺ دون بيِّنة: فإننا ننكر هذا أن يكون من أخلاق أحد من الأنبياء والرسل لغيرنا، وهكذا علَّمنا ديننا: أن نحترم الأنبياء والمرسلين، وأن نجلَّهم، ونقدِّرهم. ونحن لا نعجب منكم إذا طعنتم بنبينا وأسأتم له؛ لأن شتم الأنبياء ديدنكم، والطعن فيهم منهجكم، وقد لبَّس عليكم اليهود دينَكم، وحرَّفوه فتبعتموهم على عماية وضلالة، وكل ما في التوراة من طعن في الأنبياء والمرسلين فأنتم تصدقونه، وأضفتم إليه ما في كتبكم المحرَّفة من طعن في صفوة الناس: ١. جاء في إنجيل " متَّى " أن عيسى من نسل سليمان بن داود، وأن جدهم فارض الذي هو من نسل الزنى من يهوذا بن يعقوب. إصحاح متى الأول، عدد (١٠) . ٢. وفي إنجيل " يوحنَّا " إصحاح (٢) عدد (٤) : أن يسوع أهان أمَّه في وسط جمع من الناس! . ٣. وفي إنجيل " يوحنا "، إصحاح (١٠) عدد (٨) : أن يسوع شهد بأن جميع الأنبياء الذين قاموا في بني إسرائيل هم سرَّاق ولصوص! . وجاء في التلمود - وهو مؤلَّف ضخم، يعد مصدراً أساسيّاً من مصادر التشريع اليهودي، ويعد في وقتنا الحالي المرجع الديني لليهود الأصوليين، والمتشددين في إسرائيل، والعالم أجمع، وهو يتبوأ مكانة أسمى من مكانة التوراة -: ١. " إن تعاليم يسوع كفر , وتلميذه يعقوب كافر , وإن الأناجيل كتُب الكافرين ". ٢. وجاء فيه - والعياذ بالله -: " إن يسوع الناصري موجود في لجات الجحيم بين القار والنار، وإن أمَّه مريم أتت به من العسكري " بانديرا " عن طريق الخطيئة، وإن الكنائس النصرانية هي مقام القاذورات والواعظون فيها أشبه بالكلاب النابحة ". ٣. وقال الحاخام " اباربانيل ": " المسيحيون كافرون؛ لأنهم يعتقدون أن الله له لحم ودم ". ٤. وجاء في التلمود: " كل الشعوب ماعدا اليهود: وثنيون , وتعاليم الحاخامات مطابقة لذلك ". ٥. وجاء في موضع آخر من التلمود: " إن المسيح كان ساحراً ووثنيّاً، فينتج أن المسيحيين وثنيون أيضاً مثله ". ٦. وجاء في التلمود - أيضاً -: " النعيم مأوى أرواح اليهود، ولا يدخل الجنة إلا اليهود، أما الجحيم: فمأوى الكفار من المسيحيين، والمسلمين، ولا نصيب لهم فيها سوى البكاء؛ لما فيها من الظلام والعفونة ". فأين هذا الذي تدعيه كتبكم على أنبياء الله الكرام، مما تدعيه على نبينا محمد ﷺ من كثرة الذنوب. وانظر جواب السؤال رقم (٤٢٢١٦) . سابعاً: وأما قولك " وكذلك خير خلق الله لا يلقي الشيطان على لسانه آيات دون أن يعلم ": فأنت تريد به " قصة الغرانيق " وملخصها: أن الرسول ﵊ وهو يقرأ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى) النجم/ ١٩، ٢٠ ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى! وأن النبي ﷺ وأصحابه والمشركون سجدوا بعد ذلك! وهذه القصة قد ضعَّفها كثير من أهل العلم والتحقيق. قال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل. انظر " تفسير الفخر الرازي " (٢٣ / ٤٤) . وقال ابن حزم: وأما الحديث الذي فيه: " وأنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتها لترتجى " فكذب بحت موضوع؛ لأنه لم يصح قط من طريق النقل، ولا معنى للاشتغال به، إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد. " الفِصَل في الملل والنحل " (٢ / ٣١١) . وقال القاضي عياض: هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل....، ومن حُكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية. " الشفا في أحوال المصطفى " (٢ / ٧٩) . وقال الحافظ ابن كثير: قد ذكر كثير من المفسرين قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظنّاً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم. " تفسير ابن كثير " (٣ / ٢٣٩) . وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: ليس في إلقاء هذه الألفاظ في قراءته ﷺ حديث صحيح يعتمد عليه فيما أعلم، ولكنها رويت عن النبي ﷺ في أحاديث مرسلة، كما نبه على ذلك الحافظ ابن كثير في تفسير آية الحج، ولكن إلقاء الشيطان في قراءته ﷺ في آيات النجم وهي قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج / ٥٢] فقوله سبحانه: ﴿إِلا إِذَا تَمَنَّى﴾ أي: تلا، وقوله سبحانه: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: في تلاوته، ثم إن الله سبحانه ينسخ ذلك الذي ألقاه الشيطان ويوضح بطلانه في آيات أخرى، ويحكم آياته؛ ابتلاء وامتحانا، كما قال سبحانه بعد هذا: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ الآيات [الحج / ٥٣] . فالواجب على كل مسلم أن يحذر ما يلقيه الشيطان من الشبه على ألسنة أهل الحق وغيرهم، وأن يلزم الحق الواضح الأدلة، وأن يفسر المشتبه بالمحكم حتى لا تبقى عليه شبهة، كما قال الله سبحانه في أول سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران / ٧] وصح عن النبي ﷺ من حديث عائشة ﵂ أنه قال: " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " متفق على صحته. والله ولي التوفيق. " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٨ / ٣٠١، ٣٠٢) . وقد تكلَّم على القصة سنداً ومتناً وبيَّن ضعف سندها ونكارة متنها: الشيخ الألباني ﵀ في رسالته النافعة " نصب المجانيق في بطلان قصة الغرانيق ". ومن صحح القصة من العلماء فإنه لم يقل بما توهمه في ظاهرها من التغيير والتبديل في كلام الله تعالى ومن الخطأ من النبي ﷺ ، بل بيَّنوا لها أوجهاً تلتقي مع اعتقاد المسلمين جميعاً بعدم تحريف القرآن وبعصمة النبي صلى الله عليه فيما يبلغ عن ربه تعالى. ومن وجوه التأويل ما ذكره بعض العلماء من كون الشيطان ألقى تلك الكلمات في أسماع المشركين لا أنه ألقاها على لسان النبي ﷺ ، وهو ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " (٢ / ٢٨٢) . أما عن سبب سجود المشركين في نهاية تلاوة السورة: فإليك ما قاله العلماء فيه. قال الشيخ الألباني ﵀ في آخر كتابه السابق الذكر -: رب سائل يقول: إذا ثبت بطلان إلقاء الشيطان على لسانه ﵊ جملة " تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى " فَلِمَ إذن سجد المشركين معه ﷺ وليس ذلك من عادتهم؟ . والجواب ما قاله المحقق الآلوسي بعد سطور من كلامه الذي نقلته آنفاً: " وليس لأحد أن يقول: إن سجود المشركين يدل على أنه كان في السورة ما ظاهره مدح آلهتهم، وإلا لما سجدوا؛ لأننا نقول: يجوز أن يكونوا سجدوا لدهشة أصابتهم وخوف اعتراهم عند سماع السورة لما فيها من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى. وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى. وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى. وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى. فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ إلى آخر الآيات [النجم / ٥٠ - ٥٤] ، فاستشعروا نزول مثل ذلك بهم، ولعلهم لم يسمعوا قبل ذلك مثلها منه ﷺ ، وهو قائم بين يديْ ربه سبحانه في مقام خطير وجمع كثير، وقد ظنّوا من ترتيب الأمر بالسجود على ما تقدم أن سجودهم ولو لم يكن عن إيمان كافٍ في دفع ما توهَّموه، ولا تستبعد خوفهم من سماع مثل ذلك منه ﷺ ، فقد نزلت سورة (حم السجدة) بعد ذلك كما جاء مصرّحا به في حديث عن ابن عباس، ذكره السيوطي في أول " الإتقان " فلما سمع عُتبة بن ربيعة قوله تعالى فيها: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ " [فصّلت / ١٣] ! أمسك على فم رسول الله ﷺ ، وناشده الرحم واعتذر لقومه حين ظنوا به أنه صبأ وقال: " كيف وقد علمتم أن محمَّداً إذا قال شيئاً لم يكذب؟ فخفت أن ينزل بكم عذاب " وقد أخرج ذلك البيهقي في " الدلائل " وابن عساكر في حديث طويل عن جابر بن عبد الله ﵁. ثامناً: وأما قولك: " وكذلك خير خلق الله لا يخالف أمراً من الله ": لا نعرف ما الأمر الذي أمر الله تعالى نبيَّه ولم يفعله! وقد وصفه ربه تعالى بالعبودية، وأثنى عليه، وهو أعلم الناس بربه، وأتقاهم وأخشاهم له، فأي أمرٍ يمكن أن يخالفه؟! إن هذا إلا اختلاق. تاسعاً: وقولك: " وخير خلق الله لا يمكن أن يجري عليه سحرٌ ": قول باطل، فالسحر الذي جرى له ﷺ لم تعلمه أنت حتى أعلمك به النبي ﷺ ! ولم يخبر به النبي ﷺ حتى أذن الله تعالى له بالإخبار به! فهو من جملة العوارض التي تصيب الإنسان، وهو يدل على أنه ﷺ بشر، وقد ردَّ بعض أهل البدع من المنتسبين للإسلام هذا الحديث، وظنوه مخالفاً لكونه معصوماً ﷺ ، ومحطاًّ لقدر النبوة، وقد كفانا العلماء الأثبات مئونة الرد على أولئك قديماً، وعليكم حديثاً. قال النووي – ﵀ –: قال الإمام المازري: وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث بسببٍ آخر، فزعم أنه يحط منصب النبوة، ويشكك فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع! وهذا الذي ادَّعاه هؤلاء المبتدعة: باطل؛ لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه، وصحته، وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ، والمعجزة شاهدة بذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه: باطل، فأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها، ولا كان مفضَّلا من أجلها، وهو مما يعرض للبشر: فغير بعيد أن يخيَّل إليه من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، وقد قيل: إنه إنما كان يتخيل إليه أنه وطىء زوجاته وليس بواطئ، وقد يتخيل الإنسان مثل هذا في المنام، فلا يبعد تخيله في اليقظة ولا حقيقة له، وقيل: إنه يخيل إليه أنه فعله وما فعله ولكن لا يعتقد صحة ما يتخيله فتكون اعتقاداته على السداد. قال القاضي عياض: وقد جاءت روايات هذا الحديث مبيِّنة أن السحر إنما تسلَّط على جسده وظواهر جوارحه، لا على عقله، وقلبه، واعتقاده، ويكون معنى قوله في الحديث " حتى يظن أنه يأتي أهله ولا يأتيهن "، ويروى: " يُخيل إليه " أي: يظهر له من نشاطه، ومتقدم عادته القدرة عليهن فإذا دنى منهن أخذته أخذة السحر فلم يأتهن، ولم يتمكن من ذلك كما يعتري المسحور، وكل ما جاء في الروايات من أنه يخيل إليه فعل شيء لم يفعله، ونحوه: فمحمول على التخيل بالبصر لا لخلل تطرق إلى العقل، وليس في ذلك ما يدخل لبساً على الرسالة، ولا طعناً لأهل الضلالة. " شرح مسلم " (١٤ / ١٧٤، ١٧٥) . وقال الإمام ابن قيم الجوزية – ﵀: قد أنكر هذا طائفة من الناس، وقالوا: لا يجوز هذا عليه، وظنُّوه نقصاً وعيباً، وليس الأمر كما زعموا، بل هو من جنس ما كان يعتريه ﷺ من الأسقام والأوجاع، وهو مرض من الأمراض، وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق بينهما، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: سحر رسول الله ﷺ حتى إن كان ليخيل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتهن، وذلك أشد ما يكون من السحر. " زاد المعاد " (٤ / ١١٣) . ثم نسألك، إن كنت جاداً في الحوار: أيهما أشد على صاحبه، وأدل على نزول قدره، جريان هذا السحر، الذي هو مرض من الأمراض، تسبب فيه هذا اليهودي، أو تسلّط اليهود على عيسى ابن مريم النبيّ عندنا، والإله أو ابن الإله عندكم، حتى صلبوه وقتلوه وسط شماتة الأعداء وإهانتهم: (وكان المارة يهزون رؤوسهم ويشتمونه، ويقولون: ... إن كنت ابن الله، فخلص نفسك، وانزل عن الصليب. وكان رؤساء الكهنة، ومعلمو الشريعة والشيوخ يستهزئون به، فيقولون: خلَّصَ غيره، ولا يقدر أن يخلص نفسه؟! هو ملك إسرائيل، فلينزل الآن عن الصليب لنؤمن به؛ توكَلَ على الله وقال: أنا ابن الله، فلينقذه الله إن كان راضيا عنه. وعيره اللصان المصلوبان معه أيضا، فقالا مثل هذا الكلام.) (وعند الظهر خيم على الأرض كلها ظلام حتى الساعة الثالثة , ونحو الساعة الثالثة صرخ يسوع بصوت عظيم: إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟!!) [متى: ٢٧/٣٨-٤٧] وأيضا: [مرقس: ١٥/٢٩-٣٥] راجع جواب السؤال رقم (١٢٦١٥) ونحن نقول: حاشا لأنبياء الله الكرام، محمد وأخيه عيسى وإخوانهم جميعاً ﵈ من هذا الإفك والبهتان ومن كل ذلة وهوان " عاشراً: وأما قولك: " وكيف يكون أبوا خير الله مشركين، وماتا مشركين؟ ": فهذا من العجائب، وما دخل كونه أفضل الخلق بكون والديه مشركين؟! وهل الرب تعالى اصطفاه هو أم اصطفاه واصطفى أهله وأقرباءه؟! وها هو إبراهيم ﵇ قد توفي والده على الشرك، فلم يُنقص ذلك من رتبته ومنزلته، وهو أبو الأنبياء، ﷺ ، وها هو نوح ﵇ تموت زوجته وابنه على الكفر، وها هو لوط ﵇ تُهلك زوجته وهي على الكفر، فكان ماذا؟ . ثم انظروا، ما تقوله كتبكم المقدسة عندكم، وعند اليهود عن مريم البتول ﵍، بل وعن أنبياء الله أنفسهم، لتعلم أيها السائل أي الفريقين أصدق قيلاً، وأهدى سبيلاً؟! حادي عشر: وأما قولك: "؟ وأيضاً فإن خير خلق الله لا ينشر دينه بالسيف، أو بالمال يبيعه " فقد سبق أن ناقشنا ذلك في موقعنا، فنرجو مراجعة جواب السؤالين (٤٣٠٨٧) و (١٠٠٥٢١) فإذا انتهيت من مراجعة هذين الجوابين، فمن الحسن أن تتأمل هذه النصوص من كتبكم، لعلك أن يكون لك رأي آخر: ١. قال المسيح ﵇: " لا تظنوا أني جئتُ لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً، وإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أمها، والكنة ضد حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته. من أحب أبا أو أماً أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابناً أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني، ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني، من وجد حياته يضيعها، ومن أضاع حياته من أجلي يجدها ". " إنجيل متى، الإصحاح العاشر، فقرة ٣٥ وما بعدها. ٢. قال المسيح ﵇: " من له سيف: فليأخذه، ومن ليس له: فليبع ثوبه، ويشتري سيفاً ". " لوقا " (٢٢ / ٣٦، ٣٧) . ٣. ويقول المسيح ﵇: " أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم: فأتوا بهم إلى هنا، واذبحوهم قدامي ". " لوقا " (١١) . ج. واسمع لعقلاء من غير المسلمين من الكتَّاب والأدباء والتاريخيين ماذا يقولون: ١. قال توماس كارليل في كتابه " الأبطال وعبادة البطولة ": " إن اتهامه - أي: محمد ﷺ بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته: سخفٌ غير مفهوم؛ إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يُشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس، أو يستجيبوا له، فإذا آمن به مَن يقدرون على حرب خصومهم: فقد آمنوا به طائعين مصدقين، وتعرضوا للحرب من غيرهم قبل أن يقدروا عليها ". انظر: " حقائق الإسلام وأباطيل خصومه " لعباس لعقاد (ص ٢٢٧) . ٢. ويقول المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه " حضارة العرب " وهو يتحدث عن سر انتشار الإسلام في عهده ﷺ وفي عصور الفتوحات من بعده -: " قد أثبت التاريخ أن الأديان لا تُفرض بالقوة، ولم ينتشر الإسلام إذن بالسيف، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخراً كالترك والمغول، وبلغ القرآن من الانتشار في الهند - التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل - ما زاد عدد المسلمين إلى خمسين مليون نفس فيها، ولم يكن الإسلام أقل انتشاراً في الصين التي لم يفتح العرب أي جزء منها قط، وسترى في فصل آخر سرعة الدعوة فيها، ويزيد عدد مسلميها على عشرين مليوناً في الوقت الحاضر ". فهل تبين لك مدى بُعد التهمة عن الإسلام؟! هل تبين لك مدى تضليل الأحبار والرهبان ووسائل الإعلام لك؟ . د. وكأني بك تريد تنزيه دينك عن انتشاره بالسيف! وكأني بك تريد إقناع الناس بما يحمله أهل دينك من الرحمة والرأفة! وكل ذلك غير صحيح، وإليكَ أمثلة من واقعكم: ١. الملِك " أولاف " ذبَح كلَّ مَن رفض اعتناق النصرانية في " النرويج "، قطع أيديهم، وأرجلهم، ونفاهم، وشرَّدهم، حتى انفردت النصرانية بالبلاد. ٢. وفي الجبل الأسود بالبلقان قاد الأسقف الحاكم " دانيال بيتر وفتش " عملية ذبح غير المسيحيين ليلة عيد الميلاد. ٣. وفي الحبشة قضى الملك سيف أرعد (١٣٤٢ – ١٣٧٠ م) بإعدام كل من أبى الدخول في النصرانية، أو نفيهم من البلاد. ٤. ثم نجد أن النصرانية - وليس الإسلام - هي التي أبادت الهنود الحمر في أمريكا. ٥. ثم نجد النصرانية هي التي اقتلعت الشعب الفلسطيني من أرضه لتسليمها إلى أعداء المسيح ومحمد ﵉ على السواء. ٦. من الذي أشعل الحروب العالمية؟ لقد قُتل في الحرب العالمية الأولى عشرة ملايين، وفي الثانية حوالي ٧٠ مليوناً! . ٧. وكم قُتل من البشر بالقنابل الذرية التي ألقيت على مدينتي " نجازاكي " و " هيروشيما " في اليابان؟ . ٨. وترى النصرانية في حربها الصليبية عندما حاصرت بيت المقدس وشددت الحصار ورأى أهلها أنهم مغلوبين فطلبوا من قائد الحملة " طنكرد " الأمان على أنفسهم وأموالهم، فأعطاهم الأمان على أن يلجأوا إلى المسجد الأقصى رافعين راية الأمان، فامتلاء المسجد الأقصى بالشيوخ والأطفال والنساء، وذُبحوا كالنعاج، وسالت دماؤهم في المعبد حتى ارتفعت الدماء إلى ركبة الفارس، وعجَّت شوارعنا بالجماجم المحطمة، والأذرع، والأرجل المقطعة، والأجسام المشوهة، ويذكر المؤرخون أن الذين قُتلوا في داخل المسجد الأقصى فقط سبعين ألفاً، ولا ينكر مؤرخو الفرنج هذه الفضائح. ٩. وعصرنا اليوم خير شاهد على ذلك، لقد قصفوا أفغانستان، ثم تحولوا إلى العراق ليدمروها، فقصفوا، وقتلوا، وعاثوا في الأرض فساداً، وقد قال كبيرهم: إن الله أمره بدخول العراق!! فأين وصايا المسيح التي يدعونها ويتشدقون بها؟! . ١٠. ألم يقف " اللورد اللنبي " ممثل الحلفاء: إنجلترا، وفرنسا، وإيطاليا، ورومانيا، وأميركا في بيت المقدس في سنة ١٩١٨ حين استولى عليه في أخريات الحرب الكبرى الأولى قائلاً: " اليوم انتهت الحروب الصليبية "؟! . ١١. ألم يقف الفرنسي " غورو " ممثل الحلفاء أيضاً - وقد دخل دمشق - أمام قبر البطل المسلم " صلاح الدين الأيوبي " قائلاً: " لقد عدنا يا صلاح الدين "؟! . ١٢. وهل هدمت الديار، وسفكت الدماء، واغتصبت الأعراض في البوسنة والهرسك إلا باسم الصليب؟ . ١٣. بل أين هؤلاء مما حدث في الشيشان - ومازال يحدث -؟ وفي إفريقيا؟ وإندونيسيا؟ وغيرها؟ وهل يستطيع هؤلاء إنكار أن ما حدث في كوسوفا كان حربا صليبية؟ ألم يقل بوش في حربه الأخيرة " ستكون حربا صليبية "؟! . ومثل هذه الفظائع لم يقع في جهاد المسلمين لأعدائهم، فما كانوا يقتلون النساء، ولا الأطفال، ولا الدهماء من الناس، ويجدر أن نذكر بوصية أبي بكر الصدِّيق حيث قال لأسامة بن زيد وجنده: " لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا طفلاً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة، ولا تعزقوا نخلاً، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة، ولا بقرة، ولا بعيراً إلا للأكل، وإذا مررتم بقوم فرَّغوا أنفسهم في الصوامع: فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له ". ينظر: " موسوعة شبهات النصارى حول الإسلام "، " السيرة النبوية " للشيخ محمد أبو شهبة. وأما كلامك عن المال: فإن هذا يجب أن يُستحيى من ذِكره، فالعالم كله يعرف من الذي يذهب إلى الدول الفقيرة وبيده اليمنى خبزة، وبالأخرى نسخة من الإنجيل! وكل العالم يعرف من يحمل بيده حبة الدواء وحفنة الدولارات، وبيده الأخرى نسخة من الإنجيل! . وأخيراً: لعلنا أن نكون قد أظهرنا لك خطأ ما ذكرتَه عن نبينا محمد ﷺ ، ولعلك علمت أنك ضحية إعلام مزوَّر، جعلك تسيء إلى من لا يستحق الإساءة، وتسكت عمن يستحق البيان والفضح، واعلم أن الإسلام دين الأدلة والبراهين، وليس دين الادعاءات والتزوير، فأدرك نفسك، والتحق بركب الأنبياء والصالحين، واحرص على أن لا تموت إلا على الدين الذي كان يعتقده الأنبياء والمرسلون، وهو التوحيد، واحرص على أن تكون ضمن قافلة أتباع خير الأديان وخاتمتها. نسأل الله تعالى أن يهديك، ويشرح صدرك للإسلام، ونسأله أن يريك الحق حقا ويرزقك اتباعه، ويريك الباطل باطلا ويرزقك اجتنابه. والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14523

لها صديقة بوذية أحبت الإسلام ولم تدخله ثم ماتت فهل تدعو لها [السُّؤَالُ] ـ[كان لي صديقة يابانية بوذية الديانة، دعوتها إلى الإسلام والتوحيد مراراً وتكراراً، ولكنها كانت تستمع لي تارة وترفض الاستماع تارة أخرى، وكانت دائماً مشغولة فهي تعمل مدرسة في مدرسة ابنتي، وكانت دائماً تزورنا وتأكل عندنا الطعام، وعند حديثي عن الإسلام ورغبتي في دخولها الإسلام كانت تقول لي: أنا أحترم الإسلام جداً، وتقول: إنه أحسن دين وأنه أحسن من البوذية. وعندما أطلب منها ألا تخلط ابنتي بالبنين في الدرج أو الصف ومسك الأيدي بين الأطفال كانت تحترم هذا كثيراً ولا تأخذه بسخرية أو استهزاء، حتى أني طلبت منها أن تصلي ابنتي بزي الصلاة الظهر في المدرسة فلم ترفض، وخصصت لها غرفة لصلاة ابنتي قبل موعد الغداء. وهكذا كنت أحس منها أنها تحترم الإسلام ولكنها يصعب عليها الدخول فيه، لأنها ستحس بالغربة في وسط عائلتها والمجتمع الياباني، وهذا حال اليابانين كلهم. ولكن الآن يا شيخي هي ماتت وأنا حزنت كثيراً، وأحسست بذنب عظيم في أنها ماتت على غير دين الإسلام، وأنني قصرت في دعوتها، لكن الله يعلم أني دعوتها كثيراً وشرحت لها كل شيء عن الإسلام والتوحيد لله . وسؤالي الآن: هل علي من ذنب تجاهها؟ ، وما مصيرها الآن يا شيخنا؟ صبرني زوجي وقال: احتمال يكون قلبها اتجه للإسلام قبل الوفاة، فهل هذا صحيح؟ ، وما حكم حضوري جنازتها؟ مع العلم أن فيها من الطقوس البوذية الكافرة؟ ،وما حكم دعوتي لها بالمغفرة والرحمة من الله حيث أنها نفس خلقها الله ؟ ، وآخر سؤال لي: ما حكم كشف وجهي في بيتي أمام اليابانيات الكافرات؟ مع العلم أنني منتقبة أو كشف شعري أو أي لبس مزين؟ وجزاكم الله خيراً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: هذه المرأة إذا لم تتلفظ بالشهادتين، ولم تدخل في الإسلام، فإنها باقية على دينها، ولا ينفعها أن يكون قلبها اتجه إلى الإسلام، فكم من كافر يعرف صحة دين الإسلام، ويحبه ويرغب في الدخول فيه، لكن يمنعه من ذلك خوف على مكانته أو منصبه أو فقدان عشيرته، وهذا إن مات مات كافراً مخلداً في النار، كحال أبي طالب عم النبي ﷺ ، فإنه كان موقناً بالإسلام، ولم يمنعه من الدخول فيه عند الموت إلا خوف أن يعيّر بأنه رغب عن ملة عبد المطلب جزعاً من الموت، وقد نهى الله تعالى نبيه ﷺ أن يستغفر له؛ لأنه مات كافراً. قال تعالى: (ما كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) التوبة/١١٣. قال القرطبي ﵀ في تفسيره (٨/١٧٣) : " هذه الآية تضمنت قطع موالاة الكفار، حيهم وميتهم، فإن الله لم يجعل للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين، فطلب الغفران للمشرك مما لا يجوز ". وقال الشوكاني ﵀ في "فتح القدير" (٢/٤١٠) : " وهذه الآية متضمنة لقطع الموالاة للكفار، وتحريم الاستغفار لهم". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر ظاهراً وباطناً عند سلف الأمة وأئمتها وجماهير علمائها " انتهى من "مجموع الفتاوى" (٧/٦٠٩) . وقد روى مسلم في صحيحه (٩٧٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي) . وذلك لأن أم النبي ﷺ ماتت كافرة، فلم يأذن الله له أن يستغفر لها. وبهذا تعلمين أن الدعاء لهذه المرأة بالمغفرة والرحمة لا يجوز. وما ذكرت من دعوتك لها للإسلام، وترغيبها في الإيمان، يرفع عنك إثم التقصير والحمد لله، بل يرجى لك بذلك الأجر والثواب من الله تعالى. ثانياً: لا جوز حضور جنازة الكافر مع وجود الطقوس الكفرية، لما في ذلك من حضور المنكر والسكوت عليه. ثالثاً: يجوز للمسلمة أن تكشف عن وجهها وشعرها وما يظهر غالبا، أمام المرأة الكافرة، على الراجح، إلا إن خشيت أن تصفها للرجال، وينظر جواب السؤال رقم (٦٥٩٦) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14524

معاناة داعية في بيت أهلها في دعوة والدها وأشقائها [السُّؤَالُ] ـ[كيف أتصرف مع أخي الصغير عمره ١٤ سنة، عندما ينام عن الصلاة؟ إذا أيقظناه يرد علينا بأسلوب سيء، يعمل مثل تصرفات أخيه الكبير، ويقلده في الرد الوقح عليَّ، وعلى أمي، وعندما أوقظه يقول لي أبي: " اتركيه ينام، وإذا استيقظ يصليها "، المشكلة: إذا كان أبي لا يأمره بالصلاة، ويقلد أخي في نومه عن الصلاة، ويسمع الأغاني، وحياته عبارة عن لعب في لعب، الألعاب الإليكترونية، كيف أغرس فيه القيم الفاضلة وهذا أبي وأخي يشكلون له القدوة؟ ومرة من المرات اكتشفت أنه يشاهد مشاهد وصور إباحية، ولم أعرف كيف أتصرف سوى أننا منعناه من دخول الإنترنت، وقد سألني في بعض المرات عن: ما هو الزنا؟ كيف أشرح له الإنجاب وهو في هذه السن الصغيرة؟ وأنا لا أريد أن يبحث عن الإجابة من مصادر أخرى، والشيء الثاني: كيف أتعامل مع أبي؟ أبي شخص لا يحب المشايخ، وكان يخاصم أمي لأنها تحث أخي الصغير على حفظ القرآن، ولا يذهب للمسجد، ويشكك في صحة أحاديث " البخاري "، ويقول: إننا يجب أن نعرض الأحاديث على العقل أولا، والنقاش معه لا يأتي بفائدة؛ لأنه مقتنع برأيه، وهو دائماً على صح، علماً بأنه الآن في الستين من عمره، ويتهمني بالتشدد إذا قلت له الأغاني حرام. أرجو أن ترشدوني إلى التعامل معهم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نسأل الله أن يصلح شأنك، وأن يجعل عاقبتك إلى هدى وصلاح، وأن يجزيك خير الجزاء على حرصك على أهلك، وشفقتك عليهم من الوقوع فيما لا يرضي ربهم، وهكذا نريد الأخوات المستقيمات على طاعة الله تعالى، أن لا تكتفي الواحدة منهن بالهداية لنفسها، بل تحرص على إيصالها إلى من استطاعت، وإن أولى الناس بدعوتها، وجهدها، هم أهلها، فاستمري ـ بارك الله فيك ـ في دعوتهم، ونصحهم، وتذكيرهم، فأنتِ على خير إن شاء الله. ثانياً: المشكلة عندكم ليست في أخيك الذي يرفض الاستيقاظ للفجر، ويتصرف كأخيه الأكبر، إنما المشكلة في رب البيت، ومسئوله الأول، وهو والدك، فلو أنه كان على هدى واستقامة لأثمر ذلك نتائج طيبة – إن شاء الله – على البيت وأهله، وليته كان في موقف محايد من دعوتك لإخوتك للخير، بل رأيناه من الصادِّين لك عن دعوتهم، ونصحهم، لكن لا ينبغي لهذه العقبة أن تقف في طريقك وتردك للخلف، نعم، يمكنها أن تضيق عليك الطريق، وأن تجعل سلوكه صعباً، لكن إياك واليأس والقنوط، واحذري من التراجع، فليس هذا من صفات الدعاة إلى الله، الحريصين على إيصال الخير للناس، ولك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، فقد بذل من جهده ووقته ما بذل في سبيل إصلاح الناس، وابتدأ بأهله الأقربين، وقد أثمرت دعوته لهم خيراً عظيماً، ولم يكن ذلك إلا من صدقه، وإخلاصه، وصبره، واحتسابه، وهكذا هو عمل الأنبياء، وكذا هو عمل من يقوم بعملهم من الدعاة أمثالك، حتى وصل الأمر أن قال له ربه تعالى: (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) فاطر/ من الآية ٨، وقال: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) الكهف/ ٦. قال ابن كثير – ﵀: يقول تعالى مسليّاً رسوله ﷺ في حزنه على المشركين، لتركهم الإيمان وبُعدهم عنه، كما قال تعالى: (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) فاطر/ ٨، وقال: (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) النحل/ ١٢٧، وقال: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) الشعراء/ ٣. باخع: أي: مهلك نفسك بحزنك عليهم؛ ولهذا قال: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ) يعني: القرآن، (أَسَفًا) يقول: لا تهلك نفسك أسفًا. قال قتادة: قَاتِل نَفْسَكَ غضبًا، وحزنًا عليهم، وقال مجاهد: جزعًا، والمعنى متقارب، أي: لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. " تفسير ابن كثير " (٥ / ١٣٧) . ثالثاً: نحن وإن قلنا بأن علاج رأس البيت ضرورة لإصلاح من بعده، إلا أن هذا لا يعني التوقف عن إصلاح الآخرين، ونصحهم، سواء استجاب الأب، أو امتنع عن الاستجابة، وعدم استجابة الأب لا يمنع أن يستجيب أحد أبنائه، أو بناته، وها هو الدليل أمامنا، وهو أنتِ! فوالدك حاله ما ذكرتِ، وأنت حالك من الحرص على الخير ومحبته ظاهر من رسالتك، ويمكن أن يزيد العدد، فتصبحون اثنين، وثلاثة، وأكثر، فمع دعوة والدك للخير: لا تقصري البتة في دعوة أشقائك، وشقيقاتك، وما عليك إلا بذل الجهد، والله يتولاكِ، وييسر أمرك، واسأليه الإعانة، واحرصي على الدعاء لهم بالهداية، وكل ذلك من الدعوة، والدعاء: هو من هدي الأنبياء والمرسلين. رابعاً: لدعوة إخوتك: احرصي على التلطف في الأسلوب عند النصح والتوجيه، ووثقي علاقتك بهم، وانظري ماذا يحبون من الأشياء المباحة فقدميه لهم هدية؛ فإن هذا مما يحببهم لشخصك، وانظري البرامج النافعة في القنوات الإسلامية ليشاهها، فبعض تلك البرامج مؤثر للغاية، ومن المهم تجنب القسوة والعنف في التعامل؛ فسنُّهم لا يجعل مثل هذا مجدياً، وإذا جعلوك قدوة لهم تكونين نجحتِ في دعوتك؛ لأنهم يفتقدون القدوة الصالحة، وكم سمعنا وقرأنا عن عظيم تأثير بعض الأخوات الفاضلات على بيوت أهاليهن، حتى أصبحن هن الموجهات لدفة قيادته، وصرن مرجعاً لأهل البيت، ومحط ثقة الجميع، فاحرصي على هذا، فلعلَّ الله أن يهدي أفراد الأسرة جميعها على يديك، وتنالين الأجر الوافر من رب العالمين. وبخصوص ما ترينه على إخوتك من فعل منكرات: فلا تعنفي عليهم، وتلطفي في الإنكار عليهم، وحاولي تقوية إيمانه ودينه؛ فإن من شأن ذلك أن يتخلص هو بنفسه من أفعال السوء والمنكر. وأما بخصوص التعامل مع والدك: ففي جواب السؤال رقم: (٩٥٥٨٨) ما ينفعك، فنرجو الاطلاع عليه. ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن يهدي أهلك جميعاً للبر والتقوى. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14525

هل ثمة تعارض بين خلق الجان من نار وبين قوله تعالى (وجعلنا من الماء كل شيء حي) ؟ [السُّؤَالُ] ـ[في سؤال يثيره بعض المسيحيين في المنتديات، وهو الآية القرآنية (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) الأنبياء/٣٠، والآية الأخرى (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ) الرحمن/١٥، فهل هذا تناقض؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لِلَّه أولا: أخبرنا الله في كتابه الكريم عن أصل خلق الجن، فقال تعالى: (وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ) الحجر/٢٧، وقال تعالى: (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ) الرحمن/١٥ وفي الحديث عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ) رواه مسلم (٢٩٩٦) انظر جواب السؤال رقم (٢٣٤٠) ، (٦٤٨٥) ، (١٣٣٧٨) ثانيا: يقول : (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) الأنبياء/٣٠. ولفهم معنى الآية الكريمة فهما صحيحا، وللوقوف على ما تقتضيه اللغة العربية في ذلك، لا بد من بيان بعض الأمور: ١- التأمل في سياق الآيات من ضرورات الفهم الصحيح، ويبدو للقارئ أن سياق هذه الآية في معرض إفحام المشركين بالحجج والبراهين، والرد على بعض ما يعتقدونه من الباطل. يقول ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (٣/٢٣٨) : " يقول تعالى منبها على قدرته التامة وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء وقهره لجميع المخلوقات فقال: (أولم ير الذين كفروا) أي: الجاحدون لإلهيته، العابدون معه غيره، ألم يعلموا أن الله هو المستقل بالخلق، المستبد بالتدبير، فكيف يليق أن يعبد معه غيره، أو يشرك به ما سواه، ألم يروا (أن السموات والأرض كانتا رتقا) أي: كان الجميع متصلا بعضه ببعض، متلاصق متراكم بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه من هذه، فجعل السموات سبعا، والأرض سبعا، وفصل بين السماء الدنيا والأرض بالهواء، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض، ولهذا قال: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤمِنُُونَ) أي: وهم يشاهدون المخلوقات تحدث شيئا فشيئا عيانا، وذلك كله دليل على وجود الصانع الفاعل المختار القادر على ما يشاء " انتهى. إذا فمناسبة سياق المحاججة تقتضي الاستشهاد بآيات ظاهرة يشاهدها المخاطبون ويعايشونها، فكان قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) منطلقا من واقعهم الذي يرونه: من حاجتهم وحاجة جميع الحيوانات إلى الماء، أو من تخلقهم وتخلق الحيوانات من ماء التناسل. وليس في هذا السياق تعرض ـ أصلا ـ لعالم الغيب من الملائكة أو الجن أو غيرهم من خلق الله؛ لأن المحاججة إنما تكون بعالم الشهادة، حتى تكون الحجة أقوى وأبين، وأما عالم الغيب فقد لا يؤمن به المخاطب، فضلا عن أن يعرف كيفية خلقه وما هي مكوناته، وعلى هذا يكون الجن والملائكة لم يدخلوا في سياق العموم ابتداء. ٢- صيغ العموم في اللغة العربية ليست دائما على إطلاق عمومها، فقد تكون مخصوصة، بل قال أهل العلم: إن أكثر عمومات القرآن مخصوصة. وقد جاءت صيغة العموم (كل) في بعض الآيات، ولم تدل على العموم المطلق، وذلك في قوله تعالى عن الريح التي أرسلها لإهلاك قوم عاد: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) الأحقاف/٢٥، وقوله تعالى عن ملكة سبأ: (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ) النمل/٢٣، ومن المعلوم أن الريح لم تدمر السماء ولا حتى المساكن، وأن ملكة سبأ لم تؤت ما أوتيه النبي سليمان ﵇. وعلى هذا ينبغي فهم صيغ العموم في القرآن، لأنه نزل بلسان عربي مبين، والعرب تطلق صيغ العموم كثيرا، وهي تعلم أن ثمة بعض المخصوصات. فكذلك قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) ينبغي تخصيصه بالملائكة، فإنها قد خلقت من نور، ولا تحتاج إلى الماء، ويبقى الجن أيضا في دائرة احتمال التخصيص. وبهذا يظهر التوافق وعدم التناقض بين الآيات. يقول الألوسي في "روح المعاني" (٧/٣٦) : " ولا بد من تخصيص العام، لأن الملائكة ﵈ وكذا الجن أحياء، وليسوا مخلوقين من الماء " انتهى. وانظر "البحر المحيط" لأبي حيان (٨/٣٢٧) . ويقول الرازي في تفسيره (١١/١٣) : " لقائل أن يقول: كيف قال: وخلقنا من الماء كل حيوان، وقد قال: (والجآن خلقناه مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم) الحجر/٢٧، وجاء في الأخبار أن الله تعالى خلق الملائكة من النور، وقال تعالى في حق عيسى ﵇: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِى) المائدة/١١٠، وقال في حق آدم: (خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ) آل عمران/٥٩. والجواب: اللفظ وإن كان عاماً إلا أن القرينة المخصِّصَة قائمة، فإن الدليل لا بد وأن يكون مشاهداً محسوساً ليكون أقرب إلى المقصود، وبهذا الطريق تخرج عنه الملائكة والجن وآدم وقصة عيسى ﵈؛ لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك " انتهى. ونقله الشنقيطي في "أضواء البيان" (٤/٢١٥) . ٣- وخلق الجن من النار هو في أصل خلق الله لهم، ثم كان تكاثرهم عن طريق التناسل، تماما كما أن الله خلق الإنسان بداية من الطين، ثم بدأ بالتناسل والتكاثر، ولما لم نكن نعرف شيئا عن كيفية تناسل الجن، يبقى احتمال تناسلهم بماء التناسل قائما، ومن ينفي الاحتمال يحتاج إلى دليل حسي أو عقلي أو شرعي، وقد لا يوجد، وقد فسر بعض أهل العلم: ومنهم أبو العالية من السلف، الماءَ الوارد في قوله سبحانه: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) بماء النطفة التي جعلها الله طريق التناسل في جميع الحيوانات، فقد يكون الجن يتناسلون بالنطف أيضا. يقول الشنقيطي في "أضواء البيان" (٤/٢١٦-٢١٧) : " قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) الظاهر أن (جَعل) هنا بمعنى خَلَق؛ لأنها متعدية لمفعول واحد؛ ويدل لذلك قوله تعالى في سورة النور: (والله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ) النور/٤٥ واختلف العلماء في معنى: " خلق كل شيء من الماء ": قال بعض العلماء: الماء الذي خلق منه كل شيء هو النطفة؛ لأن الله خلق جميع الحيوانات التي تولد عن طريق التناسل من النطف، وعلى هذا فهو من العام المخصوص. وقال بعض العلماء: هو الماء المعروف؛ لأن الحيوانات إما مخلوقة منه مباشرة، كبعض الحيوانات التي تتخلق من الماء، وإما غير مباشرة؛ لأن النطف من الأغذية، والأغذية كلَّها ناشئة عن الماء، وذلك في الحبوب والثمار ونحوها ظاهر، وكذلك هو في اللحوم والألبان والأسماك ونحوها: لأنه كله ناشئ بسبب الماء. وقال بعض أهل العلم: معنى خَلْقه كل حيوان من ماء: أنه كأنما خلقه من الماء لفرط احتياجه إليه، وقلة صبره عنه، كقوله: (خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ) " انتهى. وانظر "زاد المسير" (٥/٣٤٨) ، "تفسير القرطبي" (١١/٢٤٨) ، "الدر المنثور" (٥/٦٢٦) . ثالثا: يظهر جليا لمن يهتم بالجواب عن الشبه التي يطلقها بعض النصارى أنَّ هؤلاء المنشغلين باستخراج هذه الشبه بعيدون كل البعد عن فهم اللغة العربية، بل قد يكونون من الأعاجم الذين لم يدرسوا العربية، وإنما يريدون العبث ومحاولة الطعن في هذا القرآن العظيم. وكل عاقل يدرك أن لا محل لأي تناقض في كتاب الله تعالى، ليس ذلك فقط لأن الله قال فيه: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً) النساء/٨٢، بل لأن العرب أصحاب اللسان العربي العالي، البالغ في الفصاحة والبلاغة القمة العالية، والذي تحداهم القرآن في آيات عديدة أن يجاروا أسلوب القرآن الرفيع، فلم يستطيعوا إليه سبيلا، لم يَدُر في خلدهم مثل هذه الدعاوى المتنطَّعة في تناقض القرآن، ولم يخطر لهم مثل هذه الشبه مع شدة تحريهم عن كل مطعن في القرآن. ويدلك ذلك على الجهل الذي يخيم في أذهان أصحاب الشبه هؤلاء، وهم لا يشعرون أنهم بشبهاتهم هذه إنما يكشفون عن جهلهم وقلة معرفتهم. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14526

لماذا اختص عيسى ﵇ بالرفع إلى السماء ؟ [السُّؤَالُ] ـ[بما أن محمدا ﷺ أفضل الأنبياء فلم لم يرفع إلى السماء بدلا من عيسى؟ ولماذا اختص الله عيسى بالرفع دون سائر الأنبياء؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " إن الله تعالى وسع كل شيء رحمة وعلما، وأحاط بكل شيء قوة وقهرا، سبحانه له الحكمة البالغة، والإرادة النافذة، والقدرة الشاملة، اصطفى من شاء من الناس أنبياء ورسلا مبشرين ومنذرين، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، وخص كلا منهم بما شاء من المزايا، فضلا منه ورحمة، فخص بالخلة خليله إبراهيم ومحمداً عليهما الصلاة والسلام، وخص كل نبي بما أراد من الآيات والمعجزات التي تتناسب مع زمنه، وبها تقوم الحجة على قومه، حكمةً منه وعدلاً، لا معقب لحكمه، وهو العزيز الحكيم اللطيف الخبير، وليس كل مزية بمفردها بموجبة للأفضلية، فاختصاص عيسى برفعه إلى السماء حيا جارٍ على مقتضى إرادة الله وحكمته، وليس ذلك لكونه أفضل من إخوانه المرسلين، كإبراهيم ومحمد وموسى ونوح عليهم الصلاة والسلام، فإنهم أعطوا من المزايا والآيات ما يقتضي تفضيلهم عليه. وبالجملة، فمرجع الأمر في ذلك إلى الله، يدبره كما يشاء، لا يُسأل عما يفعل، لكمال علمه وحكمته، ثم إنه لا يترتب على السؤال عن ذلك عمل أو تثبيت عقيدة، بل ربما أصيب بالحيرة من حام حول ذلك، واستولت عليه الريب والشكوك، وعلى المؤمن التسليم فيما هو من شؤون الله، وليجتهد فيما هو من شؤون العباد عقيدة وعملا، وهذا هو منهج الأنبياء والمرسلين، وطريق الخلفاء الراشدين، وسلف الأمة المهديين. والله أعلم. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٣/٤٧٦) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ]

стр. 14527

حفظ الدين يكون بتعلمه وتعليمه ونشره والدفاع عنه [السُّؤَالُ] ـ[يثير البعض قضية أن الله قد تكفل بحفظ هذا الدين، ومن ثم فإن العمل الذي يؤديه الدعاة في سبيل خدمة الإسلام عبث لا داعي له، فكيف الرد على هؤلاء؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "الرد على هؤلاء بسيط: أن نزعتهم نزعة من ينكر الأسباب، ولا ريب أن إنكار الأسباب من الضلال في الدين، والسفه في العقل. إن الله تكفل بحفظ هذا الدين لكن بأسباب، وذلك بما يقوم به الدعاة إلى هذا الدين من نشره، وبيانه للناس، والدعوة إليه، وما هذا القول إلا بمنزلة من يقول: لا تتزوج، فإن قُدِّر لك ولد فسيأتيك. أو: لا تَسْعَ في طلب الرزق، فإن قُدِّر لك رزق فسيأتيك!! فنحن نعلم أن الله إذا كان يقول: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر/٩، فإنما يقول ذلك لعلمه بأنه حكيم لا تكون الأشياء إلا بأسباب، فيُقَدِّر الله تعالى لحفظ هذا الدين من الأسباب ما يكون به الحفظ. ولهذا نجد علماء السلف حينما حفظ الله دينه من البدع العقدية والعلمية صاروا يتكلمون ويكتبون ويبينون للناس، فلابد أن نقوم بما أوجبه الله علينا من الدفاع عن الدين، وحمايته، ونشره بين العباد ... وبذلك يتحقق الحفظ المطلوب" انتهى. فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀. كتاب الدعوة (٥) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14528

أمه كافرة وتكره لحيته ونقاب زوجته وتريد مطلق التصرف بابنه ! [السُّؤَالُ] ـ[أم زوجي كافرة وتعيش في بلد كفار، وأنا منتقبة وزوجي ملتحي، ولدينا ولد عمره سنة ونصف، ولا توافق على هذا الالتزام وتريدني أن أترك النقاب وأنا لا أوافق طبعاً، وهي تريد أن نسمح لها بأن تأخذ له صوراً، وتسمعه الموسيقى عن طريق اللعب، ولكننا نعارضها كثيراً. وأيضا تريد أن تذهب بالولد لكي يراه أصدقاؤها بدوني؛ لأنها ترفض أن تنزل معي أمام الناس، قلت لها أن تأتي بأصدقائها إلى بيتي، ولكنها تريد جدّاً أن تخرج معه وحدها، وأنا لا أوافق لما يمكن أن يحدث من أضرار، ولأنني لا أعلم ـ أيضاً ـ لماذا إصرارها على الخروج معه وحدها. هي الآن لا تريد أن تراني أنا وزوجي وابني، فماذا أفعل؟ ، غير أني في أوقات كثيرة أتكلم معها بطريقة ليست جيدة، وأنا أعلم أن هذا ليس من الدين، وأريد أن أعرف كيف أتصرف معها في هذه المواقف؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لتعلمي أن الإسلام يأمر بحسن الخلق، والمعاملة الحسنة، حتى مع الكفار غير المحاربين، لكن هذا لا يعني – أبداً – التنازل عن الدِّين، والتفريط في الواجبات الشرعية التي أوجب الله تعالى علينا فعلها، أو فعل المحرمات التي نهانا الله تعالى عن إتيانها، من أجل كائن من كان من الأقارب، فضلاً عن الأباعد. فتحسين خلقك مع أم زوجك، وتغيير معاملتك معها للأحسن: هما أمران محبوبان للشرع، وأنتِ تؤجرين عليهما، وخاصة إن احتسبتِ ذلك من أجل دخولها في الإسلام. وفي الوقت نفسه: عليك الاهتمام بابنك، وتربيته التربية الإسلامية الصحيحة، وعدم التفريط في ذلك، فإن رغبت أم زوجك بشيء لا يتعارض مع هذا – كالخروج به للتفسح واللعب المباح -: فلا بأس من تمكينها منه، مع الانتباه والمتابعة لسلوكها معه، وإن أرادت فعل شيء يتعارض مع اهتمامك به، وتربيتك له – كإسماعه الموسيقى المحرَّمة -: فلا تمكنيها منه، وليس ذلك لأنها كافرة، بل يكون هذا الحكم سارياً حتى لو كانت مسلمة، ونرى – بسبب صغر سنِّه – عدم التشدد منكم في أمركم هذا؛ فإن السن التي هو فيها ـ سنة ونصف ـ مبكر جداً بالنسبة لما يمكن أن يكتسبه منها من العادات أو الأخلاق، أو أمور الدين؛ لا سيما وهي لن تمكن من الانفراد به لفترات طويلة، وإنما مجرد خروج معها، أو جلوس وقت معين، وهذا كله ـ فيما يبدو لنا ـ ليس كافياً لأن تؤثر فيه تأثيراً سلبياً، في هذه السن الصغيرة، إن كان من مقصودها شيء من ذلك. ولعلَّ تعلقها به أن يكون طريقها للهداية، وسبباً في ترك ما هي فيه من غواية، فالحرص منكما مطلوب، لكن من غير وسوسة، ولا تشدد، وإن رأيتم تعلقها به قويّاً فلعل أن يكون اهتمامها بصحته وسلامته مثل - أو أكثر من - اهتمامك أنتِ ووالده. ثانياً: أما بخصوص بغضها لنقابك، ولحية زوجك: فهذا غير مستغرب من الكفار، وإذا كنا نرى ذلك في بعض المنتسبين للإسلام: فليس بغريب أن يبدو ذلك من كافر، فاستمرا على ما أنتما عليه من التزام واستقامة، ولا تلتفتا لرضاها على حساب معصية الله تعالى، وفي الوقت نفسه: ابذلي ـ أنت وأبوه ـ جهودكما في دعوتها، عن طريق التحبب لها بالهدايا، وخدمتها، والنفقة عليها، واستثمار حبها لابنكما حتى تصلا إلى بغيتكما في أن تعلن إسلامها، وليس ذلك على الله بعزيز. ثالثاً: ما يجب على زوجك من بر أمه، والإحسان إليها: لا يجب عليك مثله بالنسبة إليها؛ للفرق بينكما، فهي والدته، ولها عليه حق الإحسان إليها، ومصاحبتها بالمعروف، حتى لو كانت كافرة، وحتى لو دعته لمعصية، بل للكفر! فلا يستجيب لها فيما تأمره به مما يخالف شرع الله تعالى، ولا يغلظ لها القول، ولا يخشن لها المعاملة. قال علماء اللجنة الدائمة: على تقدير الإساءة من الوالد لولده: فإنه لا يجوز للولد المقابلة بالسيئة، بل يقابلها بالحسنة؛ عملا بقول الله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فصلت/ ٣٤، والوالدان أولى بالإحسان من غيرهما؛ ولقول الله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) الإسراء/ ٢٣. - طاعة الوالدين في المعروف واجبة على ولديهما، ما لم يأمرا بمعصية، فإذا أمرا بمعصية: (فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ؛ لقول الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا) العنكبوت/ ٨؛ وقوله سبحانه: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) لقمان/ ١٥، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) رواه الإمام أحمد.. فإذا أمر الوالدان ولدهما بفعل معصية، من شرك بالله ، أو شرب خمر، أو سفور، أو تشبه بالكفار من اليهود والنصارى وغيرهم، ونحو ذلك من المعاصي، أو أمر الوالدان ولدهما بترك فرض من الصلوات الخمس المفروضة، أو عدم أدائها من البنين في المساجد، ونحو ذلك مما أوجبه اله على عباده: فإنه لا يجوز للولد طاعتهما في شيء من ذلك، ويبقى للوالدين على الولد حق الصحبة بالمعروف والبر، من غير طاعة في معصية أو في ترك واجب. الشيخ عبد العزيز بن باز , الشيخ عبد العزيز آل الشيخ , الشيخ عبد الله بن غديان , الشيخ صالح الفوزان , الشيخ بكر أبو زيد. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٥ / ١٣١ - ١٣٥) باختصار. ولمزيد فائدة في الموضوع: نرجو منكما النظر في أجوبة الأسئلة: (١٠٣٩٧٧) و (٢٧١٠٥) و (٥٠٥٣) و (٦٤٠١) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14529

حكم إهداء شريط فيديو من مناظرات أحمد ديدات تظهر فيه امرأة متبرجة [السُّؤَالُ] ـ[قمت بحمد الله بإحضار تسجيل مرئي لمناظرات للشيخ الجليل (أحمد ديدات) ﵀ مع القساوسة، ولاحظت في إحدى المناظرات وجود امرأة متبرجة غير مسلمة ظهرت في مشاهد مختلفة من المناظرة (مثلاً: وهي تتكلم في المقدمة وأيضاً وهي تجلس على مائدة خلف القسيس وهو يتكلم) ، فهل يجوز إعطاء نسخة من هذه المناظرة لأي شخص سواء كان مسلماً أو غير مسلم؟ . وهل يجوز إعطاء هذه المناظرة أو غيرها من مناظرات الشيخ ديدات لشخصين أحدهما مسلم والأخر غير مسلم ليشاهداها مع بعضهما؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: إذا كانت المناظرة ذات أثر واضح في إقناع النصاري ودلالتهم على الحق، فلا حرج في إعطاء نسخة منها لنصراني أو مسلم مهتم بدعوة النصاري والحوار معهم. وظهور امرأة متبرجة في الشريط أمر منكر، وعلى من شاهد المناظرة أن يغض بصره عنها، وإنما جاز بيع هذا الشريط وإهداؤه لأن المنكر فيه جاء على سبيل التبع، وذلك كالمجلات العلمية التي تحوي بعض الصور، فإنه لا حرج في اقتنائها مع وجود الصور فيها، ومعلوم أنه يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا. وإن أمكن التصرف في مادة الشريط وطمس صورة المرأة فهذا أكمل وأنفع، وعلى الشركات المنتجة أن تراعي ذلك، إنكارا للمنكر، ودرءا للمفسدة. وينظر للفائدة جواب السؤال رقم (٤٤٠٢٩) . ثانيا: لا فرق بين تمكين المسلم من الصور المحرمة وتمكين الكافر، لأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة على الراجح، فلا يجوز إعطاؤهم ما يعتقد المسلم تحريمه. وينظر جواب السؤال رقم (٤٩٦٩٤) و (٦٩٥٥٨) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14530

حكمة تشريع الطهارة في الإسلام [السُّؤَالُ] ـ[ما هو معنى الطهارة للرد على أهل الكتاب في ذلك؟ ولماذا نتطهر في الصلاة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: من يعلم ما جاءت به شريعة الإسلام الخالدة لا يستشكل ما أمرت به، ولا ما نهت عنه؛ لأن علمه بها يمنعه من أن يقف حائراً يتلمس الحكمة، وينظر في العلة، ولم نر مثل هذه الاستشكالات إلا ممن يجهل هذا الدين العظيم. ولو أن شخصاً ما يثق بطبيب بشري ثقة مطلقة، ثم جاء ذلك الطبيب ببرامج صحية، ووقائية: لرأيت ذلك الواثق بالطبيب يسلم له، وينفذ أوامره، وكله ثقة بأنه ما قال هذا إلا عن خبرة وتجربة، ولا تجده يقف ويتأمل حتى يعرف لم قال هذا هنا، ولم منع ذاك هناك. ولله المثل الأعلى، فإن ثقتنا بربنا تعالى لا يمكن مقارنتها بثقة ذلك الشخص بذلك الطبيب، وكيف يكون هذا وليس ثمة مجال للمقارنة بين إله وبشر، بين خالق ومخلوق. ومما يصدِّق هذا ما قاله الإمام ابن القيم ﵀ في نهاية بحثه في حكَم تشريع الطهارة، قال: لو أن " أبقراط " وذويه أوصوا بمثل هذا: لخضع أتباعهم لهم فيه، وعظَّموهم عليه غاية التعظيم، وأبدوا له من الحكَم، والفوائد ما قدروا عليه. " شفاء العليل " (ص ٢٣٠) . ثانياً: أما بخصوص الحكَم من تشريع الطهارة: فهي كثيرة، ونعني بالطهارة: إزالة القذر، والنجاسات، والوضوء، والغسل، ومن هذه الحِكم: ١. أن الطهارة موافقة للفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها، ومما لا شك فيه أن الإسلام هو دين الفطرة، وأنه جاء بالحث على " سنن الفطرة " لتوكيد فعل ما يُفعل منها، والبُعد عن ما يُترك منها، فغسل الوجه، وتنظيف الأنف، والفم، واليدين، وكذا الاغتسال، والاستنجاء، كل ذلك لا يحتاج لشرع ليشرعه، بل يكفي الإنسان أن يكون سليم الفطرة لينظف تلك الأعضاء والجوارح، وليحرص على بعدها عن القذر والنجاسة. ٢. الإسلام دين النظافة، والجمال، ويحرص على أن يكون أتباعه شامة بين الناس، ينظفون أبدانهم، ويسرحون شعورهم، ويلبسون أطهر الثياب، وتفوح منهم رائحة الطيب، ومثل هؤلاء لا شك ولا ريب أنهم سيكونون محط إعجاب الناس بهم، وهو ما يؤدي إلى نجاح دعوتهم لهذا الدين العظيم، وكما أن الناس تميل قلوبهم إلى النظيف الطاهر في بدنه وثيابه: فإنها تنفر من الوسخ القذر في ثيابه وبدنه، وليس هذا من الإسلام في شيء. ٣. أثبت الدراسات العلمية الحديثة المؤصلة أن النظافة والطهارة تحصِّن صاحبها من أمراض كثيرة، وأن القذارة سبب في حصول كثير من الأمراض، فكيف لهذا الدين العظيم أن لا يكون في تشريعاته ما يساهم في الوقاية من الأمراض، ويمنع من حدوثها وانتشارها؟! . ٤. للمسلم مع ربه تعالى لقاءات للمناجاة، ومن يقف بين يدي رئيس أو ملك أو عظيم: فإنه يحرص – كما هو مشاهد – على نظافة بدنه، وثيابه، وطيب رائحته، وحرص الناس على هذا مع البشر ليس في الإسلام ما يمنع منه، بل كان هذا هو هدي نبينا محمد ﷺ ، حيث كان يتجمل للوفود، ونزيد على ذلك أن أعظم من يُتجمل له، وأعظم من نحرص على طهارة أبداننا وثيابه ونحن بين يديه: هو الله تعالى، ولذلك لا نعجب عندما نفعل هذا بين يديه تعالى، وها هم الناس يحرصون على مثله أو أعظم منه بين يدي مخلوق مثلهم؛ فكيف ينبغي أن يكون حاله أمام الله؛ فالله أحق أن يتجمل له الناس، كما قال ابن عمر ﵄. [انظر: صحيح ابن خزيمة (٧٦٦) ] . ٥. ومن تأمل أحكام الشرع، ورزقه الله تعالى الفهم: استطاع أن يفرِّق بين طرق الطهارة في الإسلام، وأنه ثمة حكم في كون الغسل من الجنابة، لا من البول – مثلاً -، وأنه ثمة فرق بين الوضوء والغسل. قال ابن القيم – ﵀: إيجاب الشارع ﷺ الغسل من المنيّ دون البول: فهذا من أعظم محاسن الشريعة، وما اشتملت عليه من الرحمة، والحكمة، والمصلحة؛ فإن المنيّ يخرج من جميع البدن، ولهذا سمَّاه الله (سُلالة) ؛ لأنه يسيل من جميع البدن، وأما البول: فإنما هو فضلة الطعام، والشراب، المستحيلة في المعدة، والمثانة، فتأثر البدن بخروج المني أعظم من تأثره بخروج البول. وأيضاً: فإن الاغتسال من خروج المني من أنفع شيء للبدن، والقلب، والروح، بل جميع الأرواح القائمة بالبدن فإنها تقوى بالاغتسال، والغسل يُخلف عليه ما تحلل منه بخروج المني، وهذا أمر يُعرف بالحسِّ. وأيضاً: فإن الجنابة توجب ثقلاً وكسلاً، والغسل يُحدث له نشاطاً، وخفةً، ولهذا قال أبو ذر لمَّا اغتسل من الجنابة: " كأنما ألقيتُ عنِّي حِمْلاً ". وبالجملة: فهذا أمر يدركه كلُّ ذي حسٍّ سليم، وفطرة صحيحة، ويعلم أن الاغتسال من الجنابة يجري مجرى المصالح التي تلحق بالضروريات للبدن والقلب، مع ما تحدثه الجنابة من بُعد القلب والروح عن الأرواح الطيبة، فإذا اغتسل: زال ذلك البُعد، ولهذا قال غير واحد من الصحابة: " إن العبد إذا نام عرجت روحه، فإن كان طاهراً أذن لها بالسجود، وإن كان جنباً لم يؤذن لها "، ولهذا أمر النبي ﷺ الجنُب إذا نام أن يتوضأ. وقد صرح أفاضل الأطباء بأن لاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته، ويخلف عليه ما تحلل منه، وإنه من أنفع شيء للبدن والروح، وتركه مُضرٌّ، ويكفي شهادة العقل والفطرة بحُسنه، وبالله التوفيق. على أن الشارع لو شرع الاغتسال من البول: لكان في ذلك أعظم حرج ومشقة على الأمة تمنعه حكمة الله، ورحمته، وإحسانه إلى خلقه. " إعلام الموقعين " (٢ / ٧٧، ٧٨) ، وانظر أيضا: " التحرير والتنوير " للطاهر ابن عاشور (٥ / ٦٥) . ٦. وفي الإسلام علاقة بين الظاهر والباطن، فمن حرص على تطهير بدنه وثيابه من الأقذار والنجاسات: فإنه ينبغي أن يكون أحرص على تطهير نفسه وباطنه من أخلاق السوء، ومن جمَّل بدنه وثوبه فهو علامة على جمال باطنه، ولا يحرص الإسلام على جمال الظاهر ويغض الطرف عن جمال الباطن، بل كلاهما مطلوب، وإن كان الإنسان يُعذر بعدم توفر ما يجمِّل ظاهره فإنه ليس معذوراً بترك تجميل باطنه، وكلا الطهارتين سبب لتحصيل محبة الله تعالى، قال تعالى: (إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين) البقرة /٢٢٢. ٧. ونختم بكلام جامع للإمام ابن القيم ﵀، حيث يقول: تأمَّل أبواب الشريعة ووسائلها وغاياتها كيف تجدها مشحونة بالحكَم المقصودة، والغايات الحميدة التي شرعت لأجلها، التي لولاها لكان الناس كالبهائم، بل أسوأ حالاً، فكم في الطهارة من حِكمة، ومنفعة، للقلب، والبدن، وتفريح للقلب، وتنشيط للجوارح، وتخفيف من أحمال ما أوجبته الطبيعة، وألقاه عز النفس من درن المخالفات، فهي منظفة للقلب والروح والبدن، وفي غسل الجنابة من زيادة النعومة والإخلاف على البدن نظير ما تحلل منه بالجنابة ما هو من أنفع الأمور. وتأملْ كون الوضوء في الأطراف التي هي محل الكسب والعمل، فجعل في الوجه الذي فيه السمع والبصر والكلام والشم والذوق، وهذه الأبواب هي أبواب المعاصي والذنوب كلها، منها يدخل إليها، ثم جعل في اليدين وهما طرفاه وجناحاه اللذان بهما يبطش ويأخذ ويعطي، ثم في الرِّجلين اللتين بهما يمشي ويسعى. ولمَّا كان غسل الرأس مما فيه أعظم حرج ومشقة: جعل مكانه المسح، وجعل ذلك مخرجاً للخطايا من هذه المواضع حتى يخرج مع قطر الماء من شعره وبشره، كما ثبت عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة قال: (إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ - أَوِ الْمُؤْمِنُ - فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ - فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ - فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ - حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ) رواه مسلم، وفي صحيح مسلم أيضاً عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ) فهذا من أجلِّ حكَم الوضوء، وفوائده. وقال نفاة الحكمة: إنه تكليف ومشقة وعناء محض لا مصلحة فيه، ولا حكمة شرع لأجلها! ولو لم يكن في مصلحته وحكمته إلا أنه سيماء هذه الأمة وعلامتهم في وجوههم وأطرافهم يوم القيامة بين الأمم ليست لأحد غيرهم، ولو لم يكن فيه من المصلحة والحكمة إلا أن المتوضئ يطهر يديه بالماء وقلبه بالتوبة ليستعد للدخول على ربه ومناجاته والوقوف بين يديه طاهر البدن، والثوب، والقلب، فأي حكمة ورحمة ومصلحة فوق هذا؟! . ولمَّا كانت الشهوة تجري في جميع البدن حتى إن تحت كل شعرة شهوة: سرى غسل الجنابة إلى حيث سرت الشهوة، كما قال النبي ﷺ (إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً) [رواه أهل السنن، وفيه ضعف] ؛ فأمر أن يوصل الماء إلى أصل كل شعرة، فيبرد حرارة الشهوة، فتسكن النفس، وتطمئن إلى ذكر الله، وتلاوة كلامه، والوقوف بين يديه. " شفاء العليل " (ص ٢٢٩، ٢٣٠) . وبكل حال: فإنه من تأمل أحكام الشريعة بانت له حكَمها، ومن طمس الله بصيرته: فلن ينتفع بما يراه، ولا بما يسمعه، وليُعلم أن الطهارة من محاسن الأخلاق لم تختلف فيها الشرائع السابقة للإسلام، ولا يُتصور رسول يأتي قومه برسالة إلا وفيها الدعوة – أولاً – لتطهير القلب من رجس الأوثان، ثم تدعو الناس إلى الجميل من الأقوال، والأفعال، والأخلاق، وتطهير الثوب، والبدن، والغسل، والتطهر، وإزالة القذر والنجاسة مما لا تختلف الشرائع السماوية كلها في تشريعها، ومن جادل في ذلك فإنما يجادل بالباطل. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →