Полный текст (16 344 стр.). Показаны 14561–14600 · переход к 14566.
стр. 14561
الوصايا العشر
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يوجد في القرآن شيء شبيه بالوصايا العشرة الموجودة في الإنجيل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
شكرا لك على توجيه هذا السؤال الذي يظهر منه الاهتمام بالقرآن الكريم ونقدّم لك جواب سؤالك بكلّ سرور:
في القرآن الكريم آيات أطلق عليها بعض العلماء آيات الوصايا العشر نظرا لاشتمالها على عشر وصايا عظيمة من الله للبشرية، وهذه الآيات في موضعين من القرآن الكريم:
الأول في سورة الأنعام في قول الله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) سورة الأنعام
والموضع الثاني في سورة الإسراء ويكاد أن يكون شرحا للموضع الأول، قال الله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا (٢٨) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٣٥) وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (٣٦) وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) .
ولعلك أيها السّائل بعد تمعّنك في هذه الآيات يكون لك موقف من القرآن أجود بكثير من ذي قبل، وأن يكون ذلك فاتحة لتغيّر جذري في حياتك، وسبيلاً كريماً لاعتناق دين الإسلام ونتمنى لك التوفيق دائما، والسلام على من اتّبع الهدى.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 14562
مسلم جديد يريد أن يتعلم الدين
[السُّؤَالُ]
ـ[ي يتضمن أشياء كثيرة. دخلت الإسلام حديثاً جداً منذ فترة قصيرة جداً وفي البداية كنت أحافظ على كل الصلوات قدر استطاعتي (أنا لا أعلم اللغة العربية) وقال لي شخص إنني يجب فقط أن أتكلم باللغة العربية ... فتوقفت عن الصلاة في نهاية الأمر .... وأنا أفكر في ربي عدة مرات كل يوم .... وأتبع تعاليم الإسلام ... ولكنني لا أستطيع أن أتوقف عن بعض الأشياء التي أعلم أنها خاطئة .... ومنذ أن هداني الله فقد بدلت حياتي للأفضل كثيراً وأنا الآن أسعد حالاً مما كنت لسنوات طوال. فقد كنت أشرب الخمر حتى الثمالة كل يوم وأنا الآن تقريبا لا أشرب مطلقا وكنت أقامر بأموالي كلها والآن توقفت عن ذلك تقريبا بالكلية وعندما أفعل هذه الأشياء الخاطئة أشعر بأنها خطأ وأنني لا أريد أن أعود لسابق عهدي وأشعر أن الله يهديني بطرق لا أعرفها.. أنا لا أشعر بالذنب ولكنني أشعر لماذا أفعل هذا.. وقد سألت عدة مسلمين أعمل معهم وحتى شخص قابلته على شبكة الإنترنت سألتهم أن يعلموني الصلاة بالكيفية الصحيحة ويساعدوني في أمور أخرى.. ولكن ولأنني استرالي فهم لا يشعرون أنني جاد في إسلامي ... لذا كانوا مترددين. أنا لست شخصاً جيداً على ما أعتقد.. ولكنني أفضل حالاً بكثير مما كنت عليه من قبل وبعون الله وهدايته أعلم أنني أستطيع أن أنجح ... ما زال أمامي الكثير لأتعلمه ... من فضلك انصحني.. هل يجب علي أن أحاول بمفردي أم أظل أطلب المساعدة من المسلمين رغم أنهم لا يبدو أنهم يريدون مساعدتي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحمد لله أولاً وأخراً.. والشكر له دائماً وأبداً.. يمنُّ على من يشاء بالهداية.. وينعم على من شاء بالسعادة.. ويُنجي عبده من الضلالة.. وينصر أولياءه إلى قيام الساعة.
أيها الأخ المسلم.. هنيئاً لك على نعمة الهداية.. ونسأل الله لك الثبات حتى الممات.
لقد كان إنجازاً عظيماً حين قررت أن تعتنق دين الإسلام، وأن تترك الضلال الذي نشأت عليه، وتجتنب الشرك الذي نُهيت عنه، فأهلاً بك أخاً جديداً للمسلمين، ومرحباً بك زائراً كريماً في هذا الموقع.
في البداية.. نذكرك بأن الإنسان في هذه الدنيا يمرُّ بامتحان عظيم، وبلاءٍ جسيم، يحتاج معه إلى الصبر والثبات، والعزم حتى الممات، (يا أيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحاً فملاقيه) .
ومن جملة ما ابتلى الله به عباده ما افترض عليهم من الفرائض والواجبات كالصلوات والصوم والزكاة والحج وسائر العبادات، وما نهاهم عنه من الكذب والغش والزنا واللواط وسائر المحرمات، ليرى المؤمن الصادق الذي ينفذ أمر الله فيدخله الجنة، ويرى الكاذب المنافق الذي يترك طاعة الله فيدخله الله النار.
فاحرص - وفقك الله – على بذل الجهد في تعلم أمر الله لتفعله، وتعلم ما حرم الله لتجتنبه.
والأوامر كثيرة، والنواهي مثلها , وتعدادها أو شرحها في مكان واحد متعذر، ولكنَّا نُحيلُك على ما ورد في موقعنا هذا من الأسئلة التي اشتملت على تعاليم الدين الحنيف، فلعلك أن تتصفحها، وتقرأ ما ورد فيها لعل الله أن ينفعك بها.
وأما ما ذكرته في سؤالك من أنه يجب عليك أن تتعلم اللغة العربية، فهذا صحيح ولكن ليس كل اللغة، بل الواجب تعلم ما تحتاج إليه في أُمور دينك انظر السؤال (٦٥٢٤) ، وعدم معرفتك للغة العربية ليس مسوغاً لترك الصلاة لأنك تستطيع أن تتعلم ما تحتاجه في صلاتك في وقت يسير، وإلى أن تتعلمه فعليك أن تحافظ على الصلاة في وقتها، وتصلي حسب استطاعتك، و (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) .
وأما كيفية الصلاة فستجد الجواب في الموقع برقم (١٣٣٤٠) ، وانظر للفائدة (٨٥٨٠) و (٢٤٢٧) و (١١٠٤٠) .
وختاماً ننصحك أيها الأخ بالبحث عن مركز إسلامي في بلدك، ومصاحبة المسلمين المتمسكين بدينهم، ولا تنسَ متابعة المواقع الموثوقة، والحرص على الاستفادة منها بقدر الإمكان، كما نفيدك بأننا نَسْعَدُ بخدمتك وخدمة أمثالك ممن يحرصون على ما ينفعهم، وسنقدم لكم ما نستطيع من التوجيه والإرشاد، فكن معنا على اتصال، والله يحفظك ويرعاك، والسلام.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14563
اتهام النبي ﷺ بالأمراض النفسية
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت مقالاً أن النبي ﷺ كان يعاني من مشاكل نفسية وأنه لم يكن سوياً في عقله. فهل هذا صحيح؟ أعلم أنه غير صحيح لكن هناك الكثيرون الذين يعتقدون ذلك. فكيف ندافع عن النبي ﷺ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يجب أن يعلم المسلم أن هناك فرقاً بين أن ندافع عن الإسلام أمام المسلمين فذلك يكون بالكتاب والسنة وغيرها من المصادر المعتبرة، وبين أن ندافع عن الإسلام أمام غير المسلمين الذين لا يقرون ولا يؤمنون بالمصادر الشرعية فنناظرهم بالعقل والحس والفطرة.
وللجواب عن هذا السؤال لا بد أن نعلم أن مثل هذا الكلام لا يصدر عن مسلم يؤمن بشريعة الإسلام، وأنه لا شك أن مثل هذا الكلام كفر وزندقة، وعليه: فمن الواضح أن أصحاب تلك الدعوى غير مسلمين ولا مقرِّين بالشرع، بل هم كفار بالله وبدين الإسلام، فيحسن أن يناقَشوا بالعقل، وبالتالي نرد عليهم كالآتي:
أن هذه الدعوى لا تخرج إلا من حاقد وحاسد لدين الإسلام، والحسد أو الحقد لا يقع فيه الإنسان إلا عندما يرى نعمة ظاهرة فتفرز غلا وحسدا في قلبه، فأصحاب هذه الدعوى عندما رأوا المسلمين وما هم فيه من نِعَمٍ ظاهرة من راحة البال واطمئنان القلب وقلة المنكرات عند المسلمين من زنا وشرب للخمر وقلة المصابين بالأمراض النفسية والجسدية المنتشرة عندهم كالإيدز وغيرها من الأمراض، وعندما رأوا التاريخ المشرق للمسلمين وكيف كانوا سادة الدنيا لما تمسكوا بالإسلام إلى غير ذلك من النعم الظاهرة التي شهد بها القاصي والداني، ورأوا كثرة من يسلم في كل يوم في شتى بقاع الأرض: ساءهم ذلك، وخافوا من انتشار الإسلام، ولم يستطيعوا أن يواجهوه إلا بحيلة الضعيف وهي استخدام الطعن والسب والشتم.
وإن العقلاء اتفقوا على أن أي إنسان يقيم دعوى لابد أن يأتي بالبينات والشواهد على صحة قوله وإلا رد قوله في وجهه فأين الدليل على دعواهم المغرضة تلك؟
والدعاوى ما لم تقيموا عليها بينات أصحابها أدعياء
فلو قيل لعاقل إن شخصا ما استطاع أن يقنع أناسا كثيرين تجاوز عددهم مليارات بفكرة معينة وأن يتبعوه على هذه الفكرة أو أن رجلا بمفرده استطاع أن ينجح في الانتخابات - مثلا - وأن يقنع الناس بالتصويت له لشهد هذا العاقل بعبقرية ذلك الرجل وذكائه ورجحان عقله، فكيف بنبينا محمد ﷺ – بأبي هو وأمي - الذي دانت له العرب والعجم وانتشر الإسلام الذي جاء به في كل مكان، وبقيت رسالته التي أرسله الله بها إلى هذا الزمان شاخصة براقة يشهد لها القاصي والداني حتى أولئك الأدعياء في قرارة أنفسهم، ولكن عماهم الحسد والبغض والحقد.
إن كثيراً من أعداء الإسلام كالمستشرقين الذين درسوا الإسلام: شهدوا للإسلام بفضله وقرروا فضل ومكانة نبينا محمد ﷺ ، وشهدوا برزانة عقله وكماله والفضل ما شهدت به الأعداء.
والواجب على المسلم أن لا يلتفت إلى هؤلاء المغرضين الذين يتربصون بالإسلام وأهله ويحاولون النيل منه وهيهات ذلك والإسلام لا تؤثر فيه شائعات هؤلاء، ولا يرفعه مدحهم له.
والله الهادي.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14564
الحكمة من وقوع التحريف في الإنجيل
[السُّؤَالُ]
ـ[لم سمح الله بتحريف الإنجيل، مع أنه سبحانه قادر على حفظه؟ وما هي التعاليم التي اتبعها المسلمون قبل مجيء النبي محمد ﷺ ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
أولا:
قد وكَّل الله تعالى حفظ التوراة والإنجيل إلى علمائهم ورهبانهم، بدليل قوله: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء) المائدة/٤٤.
ولم يتكفل بحفظه كما تكفل بحفظ القرآن، وفي ذلك بعض الحِكَم:
١. أراد أن يبقى القرآن الكريم هو الكتاب الخالد، والشريعة الباقية إلى يوم القيامة، قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) المائدة/٤٨، فلم تكن ثمة حاجة لحفظ الكتب السابقة وتخليدها، وخاصة أن عهد القرآن قريب من عهد الإنجيل، فليس بينهما سوى ستمائة عام.
٢. وليكون ذلك فتنة واختباراً للذين أوتوا الكتاب هل يقومون بدورهم في حفظ الكتاب؟ وهل يؤمنون بما جاء فيه؟ وهل يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، أم يصروا على عنادهم، فيقوموا بالتحريف والكتمان والتزوير؟!
٣. وفي ذلك بلاء أيضا لكل أتباع الديانة النصرانية إلى يوم القيامة، وهم يرون كتابهم الذي يؤمنون به لم يسلم من يد التحريف أو التشكيك أو الضياع، ويرون كتاب خاتم الرسل محمد ﷺ محفوظا متواتراً لا يشك أحد في صحته، فيكون ذلك داعيا لهم إلى الإيمان بالكتاب المبين - القرآن الكريم -.
ثانيا:
كان الناس في الجاهلية قبل مبعث النبي ﷺ على الشرك والوثنية، ولم يكن لأغلبهم دين متبع، ولا شريعة محترمة، اللهم إلا بعض من اتبعوا شريعة المسيح ﵇، مثل ورقة بن نوفل، وبعض من كان حنيفا على دين إبراهيم، يجتنب الشرك والأوثان والخمر والفواحش ويسجد لله الواحد رب العالمين، مثل زيد بن عمرو بن نفيل الذي صح في البخاري (٣٦١٤) أنه قال: (إِنِّي لَا آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ وَلَا آكُلُ إِلَّا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وكان يقول أيضا: (يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ! وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي. وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ: لَا تَقْتُلْهَا، أَنَا أَكْفِيكَهَا مَئُونَتَهَا، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لِأَبِيهَا: إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ، وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَئُونَتَهَا) رواه البخاري (٣٦١٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14565
لا يجوز أن يكون الختان عائقا بين الشخص وبين الدخول في الدين
[السُّؤَالُ]
ـ[محامي من الأرجنتين يسأل عن حكم الاختتان للكافر والكافرة إذا أرادا الدخول في الدين.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أيها السائل العزيز
شكرا لك على توجيه هذا السؤال لأن مسألة الختان هي فعلا من المسائل التي تكون في عدد من الحالات عقبة في طريق بعض الذين يريدون الدخول في دين الإسلام.
والمسألة أسهل مما يظنّه الكثيرون، فأما الختان فإنه من شعائر الإسلام ومن الفطرة ومن ملة إبراهيم ﵇ وقد قال الله تعالى: (ثمّ أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) وقال النبي ﷺ : (اختتن إبراهيم النبي ﷺ وهو ابن ثمانين سنة..) رواه البخاري ٦/٣٨٨ ط. السلفية، فالختان على الرجل المسلم واجب إذا قدر عليه، فأما إذا لم يقدر عليه كأن خاف على نفسه التلف لو اختتن أو أخبره الطبيب الثقة أنه يحصل له نزيف قد يودي بحياته فيسقط عنه الختان حينئذ ولا يأثم بتركه.
ولا يجوز بأيّ حال من الأحوال أن تُجعل مسألة الختان عائقا بين الشخص وبين دخوله في الدّين بل إنّ صحة الإسلام لا تتوقف على الختان فيصحّ دخول الشخص في دين الإسلام حتى ولو لم يختتن.
أما مسألة حكم ختان الأنثى فستجد جوابها في السؤال رقم (٤٢٧) .
أسأل الله أن يوفقك لكلّ خير ويحفظك من كلّ شر وصلى وسلم على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 14566
مكانة الأسرة في الإسلام
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف ينظر الإسلام إلى العائلة , وأدوار الرجال والنساء والأطفال؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قبل أن نعرف دور الإسلام في بناء وتنظيم الأسرة وحمايتها لابد أن نعلم ماذا كانت الأسرة قبل الإسلام وعند الغرب في هذا الزمان.
كانت الأسرة قبل الإسلام تقوم على التعسف والظلم، فكان الشأن كله للرجال فقط أو بمعنى أصح الذكور، وكانت المرأة أو البنت مظلومة ومهانة ومن أمثلة ذلك أنه لو مات الرجل وخلف زوجة كان يحق لولده من غيرها أن يتزوجها وأن يتحكم بها، أو أن يمنعها من الزواج، وكان الذكور الرجال فقط هم الذين يرثون وأما النساء أو الصغار فلا نصيب لهم، وكانت النظرة إلى المرأة أماً كانت أو بنتاً أو أختاً نظرة عار وخزي لأنها كانت يمكن أن تسبى فتجلب لأهلها الخزي والعار فلذلك كان الرجل يئد ابنته وهي طفلة رضيعة كما قال تعالى: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون) النحل / ٥٨.
وكانت الأسرة بمفهومها الأكبر – القبيلة – تقوم على أساس النصرة لبعضها البعض ولو في الظلم إلى غير ذلك فلما جاء الإسلام محا هذا كله وأرسى العدل وأعطى كل ذي حق حقه حتى الطفل الرضيع، وحتى السقط من احترامه وتقديره والصلاة عليه.
والناظر إلى الأسرة في الغرب اليوم يجد أُسراً مفككة ومهلهلة فالوالدان لا يستطيعان أن يحكما على أولادهما لا فكريا ولا خلقيا؛ فالابن يحق له أن يذهب أين شاء أو أن يفعل ما يشاء وكذلك البنت يحق لها أن تجلس مع من تشاء وأن تنام مع من تشاء باسم الحرية وإعطاء الحقوق وبالتالي ما النتيجة؟ أسرٌ مفككة، أطفالٌ ولدوا من غير زواج , وآباء وأمهات لا راعي لهم ولا حسيب وكما قال بعض العقلاء إذا أردت أن تعرف حقيقة هؤلاء القوم فاذهب إلى السجون وإلى المستشفيات وإلى دور المسنين والعجزة، فالأبناء لا يعرفون آباءهم إلا في الأعياد والمناسبات.
والشاهد أن الأسرة محطمة عند غير المسلمين فلما جاء الإسلام حرص أشد الحرص على إرساء وتثبيت الأسرة والمحافظة عليها مما يؤذيها، والمحافظة على تماسكها مع إعطاء كل فرد من الأسرة دوراً مهماً في حياته:
فالإسلام أكرم المرأة أما وبنتا وأختا، أكرمها أماً: فعن عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك ".
رواه البخاري (٥٦٢٦) ، ومسلم (٢٥٤٨) .
وأكرمها بنتا: فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: " من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو ابنتان أو أختان فأحسن صحبتهن واتقى الله فيهن دخل الجنة".
رواه ابن حبان في صحيحه (٢ / ١٩٠) .
وأكرمها زوجة: فعن عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ". رواه الترمذي (٣٨٩٥) وحسَّنه.
وأعطى الإسلام المرأة حقها من الميراث وغيره، وجعل لها حقا كالرجل في شؤون كثيرة قال ﵊:" النساء شقائق الرجال " رواه أبو داود في سننه (٢٣٦) من حديث عائشة وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٢١٦.
وأوصى الإسلام بالزوجة، وأعطى المرأة حرية اختيار الزوج وجعل عليها جزء كبير من المسؤولية في تربية الأبناء.
وجعل الإسلام على الأب والأم مسؤولية عظيمة في تربية أبنائهم: فعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " كلكم راع ومسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته " قال: فسمعت هؤلاء من رسول الله ﷺ . رواه البخاري (٨٥٣) ، ومسلم (١٨٢٩) .
- حرص الإسلام على غرس مبدأ التقدير والاحترام للآباء والأمهات والقيام برعايتهم وطاعة أمرهم إلى الممات:
قال الله : (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما او كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما) الإسراء / ٢٣.
وحمى الإسلام الأسرة في عرضها وعفتها وطهارتها ونسبها فشجع على الزواج ومنع من الاختلاط بين الرجال والنساء.
وجعل لكل فرد من أفراد الأسرة دورا مهما فالآباء والأمهات الرعاية والتربية الإسلامية والأبناء السمع والطاعة وحفظ حقوق الآباء والأمهات على أساس المحبة والتعظيم، وأكبر شاهد على هذا التماسك الأسري الذي شهد به حتى الأعداء.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14567
يرد على شبهات النصارى ويطلب النصح يستمر أم لا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك موقع نصراني يبث شبهات كثيرة حول الإسلام وشرائع الإسلام، وأقوم - بفضل الله - برد هذه الشبهات من خلال المواقع الإسلامية، ومواقع الرد على الشبهات، ويقومون في هذا المنتدى بسب الرسول ﷺ ، فهل أكمل في هذا المنتدى في رد شبهاتهم بفضل الله؟ أم إذا بقيت في المنتدى ينطبق عليَّ قول الله تعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) سورة النساء (١٤٠) ، (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) سورة الأنعام (٦٨) ؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نشكر لك أخي الفاضل غيْرتك على دين الله، ونثمِّن موقفك في الدفاع عنه ضد أعدائه من المشككين، ولكن لا يمنعنا هذا من نصحك وتوجيهك لما فيه الخير لك ولدين الله تعالى الذي تغار عليه.
وهذه النصيحة تتلخص في عدم الدخول في معترك الشبهات والردود عليها إلا بعد أن تتقوى معرفتك بأحكام الإسلام وشرائعه، ويتقوى إيمانك ويقينك، وليس هذا من باب الاستحباب بل هو واجب في حقك، وفي حق كل من يدخل في معترك الشبهات والردود على أهل البدع والضلال والأديان المحرَّفة، وفي هذا الأمر عدة فوائد مهمة:
١. الحفاظ على دين الله وشريعته من المتحمسين الذين ليس عندهم زاد علمي، فترى الشبهة التي يطرحهما أعداء الدين غير التي يردون عليها، وترى – أحياناً أخرى – الرد ضعيفاً يقوِّي الباطل ويُضعف الحق.
٢. الحفاظ على المسلمين المتحمسين لتلك الردود من الانجراف وراء الشبهة وأهلها، فكثير من الداخلين في هذا المعترك يدخلون بزاد قليل، فتخطف الشبهةُ قلوبَهم، ولا يجد لها جواباً عنده، فيحار، ويتشكك، كما أن كثرة النظر في الشبهات تُضعف القلب.
قال ابن القيم ﵀:
وقال لي شيخ الإسلام ﵁ وقد جعلت أورد عليه إيراداً بعد إيرادٍ -:
" لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة، فيتشربها، فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها، ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقرا للشبهات " أو كما قال.
فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك.
" مفتاح دار السعادة " (١ / ١٤٠) .
ونقل الإمام الذهبي ﵀ عن سفيان الثوري ﵀ قولَه:
" من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يلقها في قلوبهم ".
فعلَّق عليه بقوله:
قلت: أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يروْن أن القلوب ضعيفة، والشُّبَه خطَّافة.
" سير أعلام النبلاء " (٧ / ٢٦١) .
٣. الحفاظ على الوقت وعدم إهداره مع المعاندين والجاحدين، وعدم إهدار الوقت في باب واحد من العلم يجب أن يسبقه أبواب، فلا يصلح الرد على أولئك الطاعنين في الدين إلا بعد الإلمام بالقرآن، وصحيح السنَّة، وهذا يستغرق من الطالب وقتاً طويلاً، فبعض الشبهات الرد عليها من باب اللغة، وبعضها من باب التفسير، وأخرى من باب الحديث، وأخرى من باب المنطق، فأين المبتدئ المتحمس من هذا كله؟! .
٤. اختيار الطريقة المناسبة للدعوة، فالدعوة إلى الله تحتاج لعلمٍ من الداعي، وتحتاج لحكمة حتى يضع الأمور في مكانها المناسب، فمن المدعوين من يكون هيناً ليِّناً قريباً للحق، ومنهم من يكون معانداً، فيحتاج الداعي لسلوك الطريق المناسبة مع كل واحدٍ من هؤلاء، بالغلظة مع قوم، وباللين والرقة مع آخرين.
قال الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) النحل/١٢٥، وقال سبحانه (: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) العنكبوت/٤٦.
فكيف سيعرف المبتدئ الطريقة المناسبة للتعامل مع هؤلاء؟ وكيف سيسلكها؟ ومتى سيتوقف عنها؟ كل ذلك يحتاج لأن يكون الداعي على قدر من العلم والحكمة، وهذا ما لا يوجد في غالب المتحمسين المبتدئين.
ومنه يُعرف جواب سؤال الأخ الفاضل: هل يبقى في المنتدى مع رؤيته لسب الله تعالى ورسوله ودينه أم يخرج؟ وهل ينطبق عليه ما ذكره من الآيات القرآنية في صلب السؤال؟ .
ليس على ذلك جواب محدَّد، إلا أن نعرف حال المنتدى، وحال الداعي، وحال الشبهات، وهل يُسمح له بالرد والتعقب، أم يقرأ فقط ولا يشارك؟ إن معرفة هذه الأحوال تكوِّن فكرة عن الجواب اللائق المناسب.
وقد رأينا بعض إخواننا المتحمسين للدعوة يدخل غرف الزنادقة في " البال توك " الذين يسبون الصحابة ويكفرونهم، ويؤذون المسلمين بفحش كلامهم وهم مع هذا يمنعون الأخ المسلم الداعية من أن يعلِّق بلسانه، بل ولا يكتب ببنانه! فأي وجه في بقائه بتلك الغرف الفاسدة؟ إنه هنا ينطبق عليه ما ذُكر من الآيات في السؤال، وهذا بخلاف من استمع ليجمع أقوالهم ويوثقها، أو من استمع ليُفسَح له المجال في الرد عليها، فمثل هذا لا ينطبق عليه ما ذُكر من الآيات القرآنية في السؤال.
وهذه وصية جامعة، نسأل الله أن ينفع بها:
قال الشيخ العثيمين:
لا يجوز للإنسان أن يقرأ كتاباً مضلاً من كتب اليهود، أو النصارى، أو المشركين، أو أهل البدع؛ إلا إذا كان عنده رصيد قوي يمكن أن يتحصن به، وأما إذا كان مبتدئاً في القراءة: فلا يجوز له أن يبدأ بقراءة هذه الكتب الباطلة؛ لأنه ربما تأثر بما فيها من الباطل، فهؤلاء ننصحهم بأن يتركوا هذه الكتب، حتى يحصنوا أنفسهم بالعلوم الشرعية الصحيحة قبل أن يدخلوا في هذه الكتب المضلة، فالإنسان إذا أراد أن يتحصن من السيل: أخذ في بناء السدود والمصارف قبل مجيء السيل، لا يفعل ذلك بعد مجيئه، فنقول: أولاً: حصنوا أنفسكم بمعرفة الشريعة، واغرسوها في قلوبكم، حتى إذا تمكنتم: فلا بأس أن تقرءوا، لتردوا على شبهات القوم وأباطيلهم.
" لقاءات الباب المفتوح " (٤٧ / السؤال رقم ٧) .
ونرجو النظر في السؤال رقم (٢٢٠٢٩) و (٨٣٦٢١) ففيه بيان حكم النظر في كتب أهل الكتاب، ومحاورتهم عبر الإنترنت.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14568
شبهات من نصراني حائر
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت في الصحيفة أن ١٥% من القرآن يتحدث عن المسيح؛ وكذلك فقد قرأت في النسخة الإنجليزية (لمعاني) القرآن أن محمدا كان يؤمن بالمسيح وإبراهيم وبجميع الأنبياء وبكتبهم التي سبقت القرآن. إذا كان الأمر كذلك, فلماذا يقبل القرآن ببعض التعاليم الواردة في الكتاب المقدس , مثل معجزات المسيح , وعدم وقوعه في المعصية, وأنه نبي, ... إلى غير ذلك , ويتناقض مع العديد من التعاليم الواردة فيه مثل إلهية المسيح كما ورد في "إيسا" ٩:٦ و"جان" ١:١, و٣:١٦, وتألم المسيح وموته تكفيرا عن خطايا البشر كما ورد في العهدين القديم والجديد؟
إذا كان القرآن خاليا من الخطأ, فلماذا توجد كل هذه الطوائف في الإسلام مثل "شوهيت (؟) " و"الشيعة" على التوالي؟
لماذا يسمح القرآن بتعدد الزوجات, بينما يمنع الكتاب المقدس من ذلك كما ورد في "جن." ٢:٢٤ و"مات." ١٩:٥؟
إن روحي تبحث عن الحقيقة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إن الله ﵎ قد أكثر من ذكر المسيح عيسى ابن مريم ﵇ في كتابه لأسباب عديدة منها:
١. أنه نبيٌّ من أنبيائه، بل ومن أولي العزم من رسله إلى خلقه وعباده، والإيمان به واجب كباقي الأنبياء كما أمر الله سبحانه بقوله ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون﴾ البقرة/١٣٦.
٢. إن أولى الناس بالعناية الدعوية هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ وذلك أنهم أقرب الأمم ممن جاءتهم الرسل من آخر الأمم التي بعث فيها آخر الرسل، وقد علم كلٌّ من اليهود والنصارى مبعث النبي ﷺ ، وأوصافه مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل، والواجب أن لا ينكروها وأن يسارعوا إلى الإيمان به؛ لأنهم يؤمنون من قبل بالرسل خلافاً لغيرهم من عبدة الأوثان، فلما لم يكن منهم ما أُمروا به من الإيمان بآخر الرسل ﵊: كان لابد من الرد عليهم وتبين ما آلو إليه من تحريف التوحيد والأحكام فكثر ذكرهم في الآيات لذلك.
٣. وهو أصل الأصول، وعليه قوام الدين والدنيا، وبه تكون النجاة من النار، والدخول إلى الجنان، وهو تقرير التوحيد لله الواحد الأحد، وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا في عيسى ﵇ فقالت اليهود: هو دجَّال أفاك كذاب مفتر على الله وجب قتله! والنصارى كان خلافهم أشد فمنهم من قال: إنه الله! ومنهم من قال: إنه ابن الله متحد مع الله في الأقانيم، في الظاهر ابن الله وفي الحقيقة الله! ومنهم من قال: هو ثالث الأقانيم التي هي مرجع أصل التوحيد ومدار التثليث! وآخرون قالوا: بل هو رسول من عند الله وبشر كسائر الخلق لكن الله خصه بمعجزات ليقيم الحجة على العباد، والآخِرون هم المصيبون فكان لابد من تفصيل الحال وبيان حقيقة الأمر وإظهار عيسى بما يليق به ولا يُنقصه كسائر الأنبياء والمرسلين أنه بشر مخلوق من طين اختاره الله عن سائر البشر ليكون من غير أب إظهاراً لقدرة الله على إيجاد الخلق مع زوال الأسباب، وإن مثل عيسى عند الله كمثل آدم كما قال الحق سبحانه: (إن مَثَل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) آل عمران/٥٩ فهذا الفيصل في خلق نبي الله عيسى مع إعجازه أمام أعين البشر وآدم ﵇ أكثر إعجازاً منه.
فإن كان عيسى ﵇ وُلد من غير أب: فإن آدم خلقه الله من غير أب وأم وهذا أدعى لإظهار قدرة الله في الخلق والإبداع وأعظم إعجازا من خلق عيسى ﵇ فلكل ذلك وغيره كان لابد من التفصيل في أمر عيسى ﵇ ووضع الأمور في نصابها وبيانها على حقيقتها.
والخلاصة: أن المعجزات التي وهبها الله ﵎ لعيسى ﵇ إنما هي كسائر معجزات الأنبياء للتدليل على صدقه وأنه رسول الله حقّاً فخلط المحرِّفون هذه المعجزات على بسطاء الناس، وجعلوا من معجزاته وسلية للقول بأنه ابن الله أو أنه الله، وهذا كله تحريف لتعاليم المسيح ورسالة المسيح ﵇.
ومن ثم لو أن كل من اتبع نبيّاً جعل من معجزاته التي وهبه الله إياها أنَّه إلهٌ لكان كل الأنبياء آلهة فما من نبي إلا وتميز عن غيره بمعجزاته فالجبال سبَّحت مع داود ﵇ وما سبحت مع عيسى، والبحر شُق لموسى وكلَّم ربَّه وكلمه ربُّه فكان كليم الله وما كان هذا لعيسى ﵉، ونوح أغرق الله الأرض بدعائه وما كان هذا لعيسى ومحمد صلى الله خصه الله بكلامه وحفظ له معجزته من الزوال والتحريف وبعث للناس كافة وكان له من المعجزات ما لم يكن لعيسى فهل يجوز أن يكونوا آلهة؟ ! .
ثانياً:
أما القول أنه إذا لم يكن القرآن محرَّفاً فلمَ توجد هذه الفرق الكثيرة من شيعة وغيرها من الفرق؟
والجواب على هذا السؤال: أنه لا دخل للقرآن بصواب النَّاس وخطئهم؛ لأن القرآن الكريم هو سبيل الهداية للنَّاس وهذه الفرق قد حذَّر الله ﵎ منها، ونهى أن نتشبه بالأمم التي فرَّقت دينها كما قال الله ﵎: ﴿ولا تكونوا من المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون﴾ الروم/٣١-٣٢، وقال الله تعالى ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم﴾ آل عمران/١٠٥، وأمرهم الله سبحانه بالاعتصام بكتابه واتباع سنَّة نبيِّه ﷺ فقال: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون﴾ آل عمران/١٠٣، وقال سبحانه ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع بصير﴾ الحجرات/١١ أي: لا تقولوا قولاً ولا تفعلوا فعلاً خلاف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
فالمراد: بيان أن الله ﵎ نهى الناس عن الفرقة وأمرهم بالاجتماع فاتَّبعوا أهواءهم وتترسوا خلف شهواتهم وشبهاتهم ونبذوا كتاب الله خلف ظهورهم وإن حملوا آية من كتاب الله لم يرجعوا في فهمها إلى سنة رسول الله ﷺ بل يكون الرأي عندهم هو الحكم وعقلوهم الفاسدة هي المرجع وكل ذلك ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ .
ثالثاً:
أما السؤال عن تعدد الزوجات في الإسلام ومنعها في العهد الجديد: فاعلم أن الله ﵎ جعل لكل رسول شرعةً ومنهاجاً فما مِن نبيٍّ أرسله الله إلا وأمره بالتوحيد، وأما الشرائع فكانت مختلفة ناسخة لبعضها البعض، فما كان جائزاً في زمن آدم ﵇ من الأحكام والشرائع نُسخ بعضُه في زمن نوح ﵇.
وما كان في زمن موسى نسخ بعضه في زمن عيسى ﵇ وهذا كما قال الحق : ﴿لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً﴾ ، فإذا فهمت هذا فاعلم أن تعدد الزوجات لم يكن في شريعة محمد ﷺ وحسب بل كان التعدد في شرائع الأنبياء السابقين ومثاله أن يعقوب ﵇ قد تزوج من امرأتين وجمع بين أختين على ما ذكر في العهد القديم من سفر التكوين في الباب التاسع والعشرين (١٥ – ٣٥) .
وأبو الأنبياء إبراهيم ﵇ كان قد تزوج من امرأتين وهما هاجر وسارة وذكر العهد القديم أن نبي الله داود تزوج من سبعين امرأة أو تسع وتسعين على حد قول العهد القديم، وسليمان قد تزوج من مائة امرأة، وغير ذلك مما يبين لك أن كلَّ نبيٍّ من الأنبياء يطبق ما شرع الله له من الأحكام، وأن تعدد الزوجات ليس خاصّاً بهذه الأمة، وأما منع النصارى من هذا التعدد فيمكن أن يكون لسببين:
الأول: أنه من شرع الله، وهذا واجب التطبيق قبل مبعث محمد ﷺ . والثاني: أنَّهم ابتدعوه من عند أنفسهم تشديداً عليها كما فعلوا في الرهبانية التي ابتدعوها ولم تكن قد كتبت عليهم لكن أرادوا منها أن يرضوا الله بها.
والله اسأل لك الهداية والتوفيق لبلوغ دين الحق وهو الإسلام وعلى سنة نبي الرحمة ﵊ بفهم أصحابه الغر الميامين الكرام.
والله الهادي
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14569
متزوجة من مسلم والحجاب يعيقها عن الإسلام
[السُّؤَالُ]
ـ[زوجي مسلم ويخاطبني كثيراً لكي أتحول للإسلام، ولكن هناك شيء مهم بالنسبة لي وهو الحجاب، لماذا يجب على النساء أن يتحجبن ويظهر منهن فقط ما يظهر بالعادة؟ أنا أمريكية ونحن نكشف في العادة أغلب الجسد هنا. أريد أن أفهم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ما من شك أن الله تعالى لا يأمر إلا بما فيه الحكمة، وفي بعض الأحيان تخفى حكمة بعض هذه الأحكام على العبيد وفي بعضها تكون ظاهرة معلومة، كتحريم الله تعالى للخمر التي تُذهب العقل وتصد عن ذكر وعن الصلاة.
وحكمة تشريع الحجاب من أظهر ما يكون، فإنها ستر للمرأة وعفاف لها، وهي بذلك تمنع السفهاء من التعرض لها والنيل منها، فكم من امرأة متحجبة منع حجابها من تعرض شياطين الإنس لها، وكم من امرأة متبرجة عرضت زينتها وأظهرت مفاتنها للناس فتسببت في مضايقتها والتعرض لها من السفهاء، وفي هذا يقول الله ﵎: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما﴾ الأحزاب / ٥٩، وهذه الآية فيها الجواب الكامل على السؤال حيث ذكر الله تعالى فيها الأمر لرسوله ﷺ أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين بالحجاب، وفيها كذلك ذِكر الحكمة وهو حفظهن وعدم تعرضهن للإيذاء.
وخروج المرأة مبدية لأغلب جسدها – كما تقول السائلة – هو من أكثر أسباب الجرائم، وفساد أخلاق الرجال، وشيوع الفواحش، كما أنه إساءةٌ للمرأة، وإهدارٌ لكرامتها، حيث أصبحت المرأة سلعة رخيصة لأصحاب الشركات والدعايات، والتي تُظهر المرأة منزوعة اللباس والحياء لجلب الزبائن وتسويق المنتجات التجارية.
إن جسد المرأة لها وليس مشتركاً بين الناس، فإن تزوجت فهو لزوجها ولا ينبغي لها أن تشرك معه غيره، وماذا تريد المرأة التي تعرض جسدها وتبرز مفاتنها للناظرين؟ هل تريد منهم فقط أن ينظروا ويتأملوا؟ حسناً فما هو أثر ذلك على المغتصبين والسفهاء؟ وكيف ستمنعينهم من تحقيق رغبتهم بافتراسك والانقضاض عليك؟ وقد أظهرت للجائعين لحماً ثم تريدين منعهم من أكله؟ .
ففي دراسة حديثة وجد أن:
٦٥ % من العاملات يتعرضن للتحرش الجنسي في أماكن عملهن في بعض الدول الأوربية.
١٨% من النساء في أمريكا اغتصبن أو تعرضن لمحاولة اغتصاب في مرحلة من مراحل عمرهن.
أكثر من نصف الضحايا تحت سن الـ ١٧ سنة.
"كتاب إحصاءات، دراسات، أرقام " (ص ١٤٠) .
إن الشريعة الإسلامية جاءت بما هو خير للمرأة والرجل والأسرة والمجتمعات، ولم تقيد المرأة كما يزعم أعداء الدين، فقد أباح الإسلام للمرأة العمل وطلب العلم والتجارة والشهادة وصلة الرحم وعيادة المريض وغير ذلك، لكنه وضع لخروجها ضوابط تحفظها وتمنع تعرض السفهاء لها.
ونقول للسائلة:
إن كثيرات من نساء الغرب عندما تأملن وعرفن حقيقة شرع الله تعالى وخاصة فيما يتعلق بالمرأة لم يترددن في إعلان إسلامهن والدخول في ركب الأنبياء والصالحين.
فالمرأة في الإسلام محفوظة ومكفولة، وليس ذلك مقابل بقائها في البيت فقط بل لأنها تؤدي دوراً عظيماً وهو رعاية الزوج والقيام على شئونه، وتربية الأبناء والعناية بهم، وهو دور عظيم إذ يعرف صلاح المجتمعات وفسادها بمدى نجاح الأم في التربية والتوجيه.
وفي دراسة نشرتها إحدى أكبر شركات التأمين البريطانية على مليون امرأة ووقع الاختيار على " أم بيت متفرغة " فجاءت النتائج المثيرة: إن المرأة المتفرغة للبيت تعمل ١٩ساعة في أعمال البيت، وهي المربية، والممرضة، والمسؤول الأول عن إدارة الشؤون المالية للبيت..
إضافة لذلك – فحسب دراسة بالتقييم المادي البعيد عن العواطف - كانت المرأة المتفرغة للمنزل هي أثمن شيء تمتلكه الأسرة.
" المرجع السابق " (ص ١١٨، ١١٩) .
وقد تبين لكثير من العاقلات خطر ما هنَّ عليه من حرية زائفة، وانتبهن أخيراً إلى أين يذهب بهن هذا الطريق، ففي دراسة أخرى تبين أن:
٨٠ % من الأمريكيات يعتقدن أن الحرية التي حصلت عليها المرأة خلال الثلاثين عاما الأخيرة هي سبب الانحلال والعنف في الوقت الراهن.
٧٥% يشعرن بالقلق لانهيار القيم والتفسخ العائلي.
٨٠% يجدن صعوبة بالغة في التوفيق بين مسؤولياتهن تجاه العمل ومسؤولياتهن تجاه الزوج والأولاد.
٨٧% قلن لو عادت عجلة التاريخ للوراء لاعتبرنا المطالبة بالمساواة مؤامرة اجتماعية ضد الولايات المتحدة وقاومنا اللواتي يرفعن شعاراتها.
" المرجع السابق " (ص ١٤٧) .
فقط يحتاج الأمر منكِ إلى تفكير يسير، ومراجعة للواقع الذي ترينه، لتعرفي بعدها أن نزع الحجاب عن المرأة يعني الشر والضرر والجريمة، وقد أغلق الإسلام طرق ذلك كله بما وضع من تشريعات، ومنها وجوب الحجاب على البالغات.
وفي ختام هذا الجواب نهنئك على أن وفقك الله للاقتران بزوج مسلم ترين منه أو من أقاربه المسلمين من شعائر الإسلام ما يرغبك في الإسلام وما يكسر حاجز خوفك من الدخول في هذا الدين الحنيف العظيم، ثم اعلمي أن الدخول في هذا الدين الخاتم الذي ارتضاه الله لجميع الخلق، شرف عظيم لك قد تحرمين منه إذا تأخرت عنه ودهمك الموت فبادري إليه مذعنة راغبة فرحة بفضل الله.
واعلمي أن وقوعك في شيء من التقصير في شعيرة الحجاب بسبب ضعفك عن الالتزام به أو خجلك من بني قومك، يعد معصية من المعاصي ينبغي ألا تصدك عن الحسنة الكبرى التي يبنى عليها دخول الجنة والنجاة من النار وهي اعتناق الإسلام، وأعلمي أن الشيطان عدو بني آدم كلهم هو الذي يجعل لك هذه الشبهة ليصدّك عن الدخول في هذا الدين ليكثر إتباعه إلى النار، فكوني قوية حازمة جريئة في اتخاذ قرار السعادة الأبدية بإذن الله، سائلين الله لك العون وقوة النفس على الدخول في الإسلام أختا لنا في الله، ومشاركة لما في هذه النعمة، ونشكر لك على حسن ثقتك بنا.
والله الهادي.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14570
هل يجلس مع زملائه في العمل وهم يشربون الخمر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا المسلم الوحيد في الشركة التي اعمل فيها، ويتطلب عملي أن أكون في رحلات عمل أو مناسبات مع زملاء في العمل وأحياناً يشربون الخمر وأنا موجود، هل أكون مذنباً بالبقاء معهم حتى وأنا لا أشرب ولا أفعل أي شيء يتعارض مع ديني؟ إذا لم أشارك في هذه المناسبات فربما يؤثر هذا على بقائي في العمل.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فضَّل الله تعالى هذه الأمة على غيرها لأمور وعلى رأسها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) آل عمران / ١١٠.
والواجب عليك – وأنت المسلم الوحيد في الشركة كما تقول – أن تعتز بشعائر دينك، وأن تحرص على تطبيقها، وأن لا ترتكب ما نُهيتَ عنه، وهذا مما يزيدك رفعة وشرفاً ويعظم من أجرك، فالبقاء معهم ولو لم تباشر شرب الخمر هو بحد ذاته معصية، والله تعالى أمرنا بعدم الجلوس في أماكن المنكرات، وإلا كان علينا مثل ما على من باشر المنكرات بنفسه.
قال الله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) النساء / ١٤٠.
وقال: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) الأنعام / ٦٨.
وقال النبي ﷺ : " مَن رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " رواه مسلم (٧٠) .
وإنكار القلب هو ما يصيبه من هم وغم وحزن على وجود المنكر، وهذا فرض عين على جميع الناس في جميع الظروف والأحوال لا يعذرون بتركه؛ لأن القلب لا سلطان لأحدٍ عليه، والبقاء في مجلس المنكر يتنافى مع هذا الإنكار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
إذ المؤمن عليه أن يتقى الله في عباده وليس عليه هداهم، وهذا معنى قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ ، والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات: لم يضره ضلال الضلال، وذلك يكون تارة بالقلب، وتارة باللسان، وتارة باليد، فأما القلب: فيجب بكل حال إذ لا ضرر في فعله، ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن كما قال النبي: " وذلك أدنى - أو أضعف – الإيمان ".
" مجموع الفتاوى " (٢٨ / ١٢٧) .
هذا، وقد نهى النبي ﷺ المسلمَ عن الجلوس على مائدة يُشرب فيها الخمر.
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر: فلا يقعد على مائدة يشرب عليها الخمر ".
رواه أحمد (١٢٦) ، وقد صححه العلامة الألباني في " إرواء الغليل " (٧ / ٦) .
وانظر جواب السؤال (٨٩٥٧) و (٦٩٩٢) .
وأخيراً نذكرك بقول الله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً. ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً﴾ الطلاق / ٢، ٣.
فاترك هذه المنكرات، وتلك الرحلات والجلسات، واحتسب ذلك عند ربك ﵎ فإن أدى هذا إلى فصلك من عملك فأجرك عند الله عظيم وستجد الخير والفرج والرزق بإذنه تعالى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14571
صديقها أسلم وخيَّرها بين الإسلام أو الفراق
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا امرأة نصرانية وعشيقي أسلم الآن، تواعدنا أن نبقى سويّاً حتى لو لم أسلم أنا، أتعلم أكثر وأكثر عن الإسلام، ولكن مع عملي وعقيدتي فلن أستطيع أن أرتدي الحجاب مطلقاً، أنا دائماً ألبس ملابس العمل وقميصاً بكم طويل، هل أستطيع أن ألبس ملابس العمل إذا أسلمت؟ .
أنا لست خائفة مما يقوله الناس ولكنني لا أؤمن بهذا الشيء، في الأسبوع الماضي قال لي صديقي بأنه لن يختار أحداً غيري سواء أسلمت أم لم أسلم، وبالأمس قال لي إنني يجب أن أختار بين الإسلام أو أن نفترق؛ لأن الإمام قال له بأنه يجب أن يكون مع امرأة مسلمة.
كل ما أريده هو بعض الوقت لكي أقرر ما هو الأفضل بالنسبة لي وأنا أتعلم المزيد عن القرآن.
وضعني في موقف حرج ويريد أن يجبرني على الاختيار.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن الله ييسر لمن أراد له السعادة أسباب الوصول إليها والدخول فيها، ولعل الله تعالى يريدها لك عن طريق هذا الذي دعاكِ للإسلام، وعن طريق مراسلتنا لندلك على ما فيه خير الدنيا والآخرة لكِ.
والإسلام يرفض أن تكون بين الرجل والمرأة علاقة محرَّمة، وقد جعل الله تعالى الزواج وسيلة شرعية لقضاء الشهوة، وبه يكوِّن الرجل والمرأة أسرة قائمة على شرع الله، ويكون أبناؤهم شرعيين.
ولا نقول لك إن الحجاب ليس بواجب، ولا نقول لك إن الشرع استثناكِ من لبسه، بل نقول لكِ: لا ينبغي لك أن تجعلي لبس الحجاب مانعاً وعائقاً لكِ من دخول الإسلام، فالواجب عليك ابتداءً النجاة مما أنت فيه، والدخول فيما يحبه الله تعالى ويرضاه منكِ وهو توحيده ، والشهادة لرسوله محمد ﷺ بالرسالة، وبعد الدخول في الإسلام واستقرار الإيمان في قلبك وتوفر الفرصة المناسبة لكِ ستبحثين أنتِ بنفسك عن كل ما يحبه الله لتفعليه، وعن كل ما يبغضه الله لتتركيه أو تحذري منه.
وإننا لننصحك من صميم قلبنا أن تختاري الأفضل لنفسك لا لأجل الزواج من رجل مسلم، بل لأجل نفسك وسعادتك ونجاتك من عذاب الله وسخطه، وهذا الذي ستختارينه ليس إلا دين الأنبياء من قبل، فهو دين آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، فكل الأنبياء كانوا يشهدون لله تعالى بالوحدانية، وكانوا ينفون عنه الشريك والزوجة والولد.
وقد أخذ الله تعالى الميثاق على الأنبياء جميعاً أن يؤمنوا بنبينا محمد ﷺ وأن ينصروه إذا بعث في حياتهم، وأمرهم أن يأمروا أممهم بذلك، وقد جعل الله تعالى رسالته للناس كافة وإلى قيام الساعة، بينما كان الأنبياء قبله يُرسل كل واحد منهم لقومه خاصة.
فلا تتردي، وسارعي قبل فوات الوقت ومجيء الموت، واختاري طريق السعادة الدنيوي والأخروي، ولعل الله تعالى أن يجعل منكِ امرأة مسلمة وزوجة صالحة تقيمين بيتاً على التوحيد والطاعة.
ونسأل الله لكِ الهداية والتوفيق.
ونرجو منك النظر في جواب السؤال رقم (٣٠٢٣) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14572
كم عدد المرات التي ينبغي أن يدعى فيها غير المسلم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كم هي عدد المرات التي يمكننا أن نلقي فيها محاضرات على أشخاص من غير المسلمين، والذين يظهر عليهم عدم الاهتمام بالرسالة التي نحاول إيصالها لهم؟ نحن مجموعة من المتطوعين للقيام بالدعوة، ونحن نقوم بزيارة الورش والمصانع والمستشفيات. وفي أغلب الأوقات فنحن نقوم بإعادة الزيارة للموقع الواحد ٤ أو ٥ مرات. لكننا وجدنا أنه لا يوجد من يستمع إلينا. أما بعض الذين يجلسون فيكونون ممن أمرهم (أجبرهم) صاحب المؤسسة على الحضور.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله أن يجزيكم خيرا، وأن يبارك في عملكم وسعيكم.
ليس هناك عدد معين لما ينبغي إلقاؤه من المحاضرات على من ذكرت، بل ذلك يرجع إلى عدد المواقع، التي تزورونها والوقت المتاح لديكم، ومدى إقبال الناس عليكم، فالحكمة مطلوبة من الداعية في دعوته، وقد كان النبي ﷺ يتخول أصحابه الموعظة حتى لا يسأموا وهكذا فكونوا، احرصوا على الدعوة بالتي هي أحسن، واختاروا الزمان والمكان المناسب للدعوة.
والداعية لا ييأس من تكرار دعوته مرات ومرات، فإن أمر القلوب بيد الله تعالى، وما على الداعية إلا البلاغ، والكلمة التي قد يستهين بها الداعية ربما ظل أثرها في قلب المدعو سنين ثم تكون سببا في هدايته.
وهذه الكلمة – حتى تؤتي ثمارها - ينبغي أن يصحبها الابتسامة، والرحمة، والرغبة الصادقة في إنقاذ هؤلاء المساكين، وانتشالهم من ظلمات الكفر والإلحاد، وإن استطاع الداعية أن يضيف إلى كلمته مالا أو مساعدة، فليفعل فإن ذلك يعطي مصداقية لما يعرض من القيم والمثل، ويهيئ القلوب لاستقبال ما يرد عليها من الخير، ويزيل ما فيها من البغض والصد والإعراض.
وكذلك السعي في حل ما يعرض لهؤلاء المدعوين من مشكلات مع أصحاب الأعمال التي يعملون عندهم، له أثر كبير في جذب قلوبهم إلى الداعية، وقديما قيل:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان
وخير من ذلك قول الحق سبحانه:) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فصلت / ٣٤.
وينبغي أن تتركوا بيد هؤلاء المدعوين ما ينظرون فيه حال فراغهم، وعند غيابكم، من نشرات ومطويات وكتيبات، فإن تفكر الإنسان في الحق حال انفراده بنفسه أدعى لقبوله والإذعان له.
وليكن من دعوتكم التوجه إلى أصحاب الأعمال أنفسهم بالنصيحة بأن يحسنوا إلى هؤلاء العمال ويظهروا لهم حسن أخلاق الإسلام، فكثيراً ما كان ذلك سبباً لإسلام العمال، كما أن سوء معاملة صحاب العمل وظلمه للعمال قد يكون سبباً لصدهم عن الدخول في الإسلام.
وفقكم الله تعالى وجعلكم هداة مهتدين
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14573
أقارب زوجته المسلمة كفار يؤذونها
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا وزوجتي في ورطة بسبب أقاربنا. أنا وهي المسلمان الوحيدان في عائلتينا.
أنا من عائلة مترابطة، حيث الجميع سيكونون بجواري متى احتجت للمساعدة. إنهم يساعدونني ويساندونني كثيرا. أما عائلة زوجتي فإنها ليست قريبة من زوجتي أبدا، وأفرادها ليسوا قريبين من أطفالنا. إخوتها يتحدثون معها وكأنه لا قيمة لها، إنهم يخدعونها ويأخذون مالها بالكذب والغش. رجال عائلتها يشربون ويزنون، أما أخواتها فإنهن يهددنها كثيرا، فهن يطلقن عليها ألفاظاً سيئة إنهن يلمزنها بالكذب في كل شيء، وهن لا يحترمن أي شيء تقوله، وإذا اجتمعن فإنهن لا يقدمن لها دعوة للحضور، كما أن جميع أفراد عائلتها يكرهون الإسلام ويتحدثون بشكل سلبي عنه. فأين يمكننا أن نضع الخط ونقول بأنه يكفي هذا. أعلم بأن الإسلام يعلمنا بأن نحسن إلى أفراد عائلاتنا، لكن كيف للمسلم أن يتعامل مع أفراد عائلته الذين لا يحترمونه وينتقدونه دائما؟ زوجتي تغضب علي عندما أتكلم معها عن عائلتها، مع أنها تعلم حالهم. والأمر الذي يجعلني أغضب بشدة هو أن إخوتها يقولون لها أشياء وهي تجد لهم الأعذار حول الأسباب التي تجعلهم يعاملونها بتلك الطريقة، ولو أني قلت عنها قولا يشابه قولهم عنها، لأقامت علي الدنيا وأقعدتها. أما إن أنا سألتهم لماذا يتخاطبون معها بتلك الطريقة، فإنها تتهمني بإشعال الفتنة. كيف لي أن أتعامل مع هذا الموضوع، أو كيف لزوجتي أن تتعامل مع هذا الموضوع؟ أرجو منكم النصح.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
احمد الله أنك من عائلة مترابطة لا تعاني منها ما تعاني زوجتك من عائلتها وتقدير هذه النعمة حق قدرها سيجعلك تشكر ربك وتشفق على زوجتك من حالها مع عائلتها وهذا ما سيدفعك إلى مواساتها والوقوف بجانبها لدفع الظلم عنها وتقوية نفسيتها وهي تتعرَّض لهذا الهجوم، ونصيحتنا لزوجتك أن تصبر على أذى أهلها وتسعى لدعوة أفراد عائلتها الأقلّ شراً والأقرب إلى قبول الحق ثم إذا كانت عائلتها الكافرة تؤذيها فلتقلل من الاختلاط بهم وتجعل زياراتها لهم قصيرة وهادفة وليس المسلم مكلّفاً بأن يخالط أقاربه الكفار الذي لا يتحمل إيذاءهم ولكن يجاهد نفسه في الصبر على أذاهم ودعوتهم إلى الإسلام.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 14574
نصرانية مهتمة بالإسلام ولكنها تعترض على تطويق المرأة بالأحكام الشرعية
[السُّؤَالُ]
ـ[منذ سنوات قليلة وأنا مهتمة بالإسلام ولكن لست أدري كيف أتوسع في الإطلاع والقراءة، عمري تقريباً ٥٠ سنة وقد نفرت من الإسلام قليلاً بسبب تطويق ومحاصرة المرأة (كما يبدو لي) . كيف أدخل في الإسلام لأدرسه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن معرفة ما تحتاجه المرأة متفاوت في العقول البشرية، والمرأة عادة تخضع لتعاليم وأنظمة وعادات مجتمعها بحُلوِها ومرِّها، وكثير من أنظمة المجتمعات غير الإسلامية وعاداتها وأنماط حياتها فيها جناية على المرأة؛ والمتأمل فيها يجد أنّ القصد منها جعل المرأة مجالا لاستمتاع الرجل تحت شعار الحرية وهذا أمر مناف للدين الصحيح ومضادّ لما يقتضيه العقل والحكمة.
فهل من الحكمة أو الإنصاف أن يشارك في درة ثمينة شركاء عدة مع إمكان استحواذ واحد عليها يحفظها؟ وهل مِن الحكمة كشف العورات لمجرد متعة زائلة؟
وهل مِن الحكمة فتح أبواب الإثارة والاختلاط وكشف المرأة زينتها ليقع معها من يقع في الفاحشة التي تؤدي إلى شيوع الأمراض وكثرة أولاد الحرام واختلاط الأنساب؟ وهل من الحكمة تكليف المرأة بالعمل خارج البيت مما يترتب عليه إهمال البيت ومزاحمة الرجال وتضييع الأولاد ثم هي لا تُطيق ذلك لا نفسيا ولا جسميا.
وانظري إلى هذه المقارنة البسيطة بين حال المرأة في الإسلام وحالها في غيره من الأنظمة والأديان:
أولاً: الإسلام حرر المرأة من عبودية الخلق والهوى، وغير الإسلام عبَّدها للشيطان والهوى.
ثانياً: الإسلام حفظ لها عرضها وكرامتها، وغير الإسلام بذل عرضها وكرامتها.
ثالثاً: الإسلام جعل الإنفاق على المرأة واجباً لسترها، وغير الإسلام جعلها سلعة يُتاجر بها وكلّفها شططا بالإنفاق على نفسها والخروج للعمل.
رابعاً: الإسلام حفظ المرأة صغيرة، وكرَّمها كبيرة، وغير الإسلام جعل ذلك عبئاً على المجتمع.
خامساً: الإسلام حفظ للمرأة مالها، ونسلها، وحياتها، ونظمها لها، وغير الإسلام أضاع كل ذلك.
فعليك أولاً: بقراءة كتاب الله والنظر في تفسيره كتفسير ابن كثير، ثم القراءة في صحيحي البخاري ومسلم، وسماع الأشرطة الإسلامية وخصوصاً التي من مشايخ أهل السنَّة.
وثانياً: عليك بالذهاب إلى أقرب المراكز الإسلامية لأهل السنّة لتتعرفي عندهم على برامج تعليم المرأة.
وثالثاً: يمكنك الاستفادة من المواقع الإسلامية الكثيرة على الإنترنت، والتي تقدم لك الإسلام الصافي، وتجيبك على تساؤلاتك، ويمكنك مراسلة بعض المؤسسات الإسلامية المعتمدة عند أهل السنة لتزويدك بالكتب والمجلات النافعة لك، مثل مؤسسة الحرمين، والندوة العالمية للشباب المسلم – ويوجد قسم خاص بالنساء -.
ورابعاً: تعرفي على أخوات مسلمات يمكنهن تقديم المعونة لك، وإرشادك على ما يصلح قلبك وحالك، حيث إن المرأة أقرب إلى فهم بنات جنسها من الرجال.
وخامساً: احذري الاغترار ببعض من ينتسب إلى الإسلام، وهو بريء منه، مثل القاديانية، والشيعة، والبهائية، والصوفية.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14575
تزوج بثانية وأسلما فماذا يفعل بزوجته الأولى ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[من صديق أسلم حديثاً:
رجل تزوج امرأة وله منها ولدان، سافر للعمل في السعودية وترك أولاده وزوجته في بلده، تعرف على امرأة في السعودية وتزوجها دون علم زوجته الأولى وأنجب منها ولدا، الزوجان اللذان يعملان في السعودية اعتنقا الإسلام، وبما أنهما جديدان في الدين الإسلامي فهما يخشيان أنهما قد اقترفا ذنباً فهل يمكن أن تعطينا نصيحتك؟
١- ما حكم العلاقة المذكورة؟
٢- ما هي الواجبات المترتبة على الرجل تجاه ولديه وزوجته الأولى؟
٣- ما هي الذنوب التي اقترفاها وماذا يفعلا ليتجنبا الوقوع فيها؟
أرجو أن تسدي النصيحة لمثل هذه الحالة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نحمد الله تعالى أن هداكما للإسلام، ووفقكما لذلك، ونسأل الله لكما الثبات حتى الممات لتفوزا بجنة الله ورضوانه. ونبشركما بأن الإسلام يهدم ما قبله من الذنوب، فمهما اقترف الإنسان من الذنوب ثم أنعم الله عليه وهداه للإسلام فإنه ينقى من ذنوبه كلها كيوم ولدته أمه، قال تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) الأنفال / ٣٨. (إن ينتهوا) يعني عن كفرهم وذلك بالإسلام لله وحده لا شريك له. تفسير السعدي.
وقال النبي ﷺ : (الإسلام يهدم ما كان قبله) رواه مسلم (١٢١) يعني من الذنوب.
ثانياً:
ليس للرجل أن يقيم علاقة مع امرأة أجنبية عنه، فإن كان قد حدث شيء من ذلك قبل زواجكما، فهو ذنب أو ذنوب قد كتبت عليكما. فإن كان ذلك قبل إسلامكما فقد غفر الله تعالى لكما ذلك بالإسلام.
وإن كان ذلك بعد الإسلام، فالواجب عليكما التوبة من ذلك، وقد وعد الله بقبول توبة من أناب إليه فقال: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) الشورى/٢٥. وقال: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
ولمعرفة المزيد عن التوبة وشروطها يراجع السؤال رقم (١٣٩٩٠) .
ثالثاً:
وليس في زواج الرجل بامرأة ثانية ذنب أو إثم، فقد أباح الله له أن يجمع بين أربع نسوة، إذا استطاع أن يعدل بينهن ويؤدي حقوقهن. ولا يجب عليه أن يُعلم زوجته الأولى برغبته أو شروعه في الزواج من ثانية.
رابعاً:
وأما واجب الرجل تجاه ولديه وزوجته الأولى، فيجب عليه أن ينفق عليهم بقدر حاجتهم، والأهم من ذلك أن يسعى في هدايتهم وإنقاذهم من النار، كما قال سبحانه:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم /٦.
وعليه أن يبذل كل وسيلة ممكنة لدعوة زوجته ونصحها، وترغيبها في الإسلام. فإذا رفضت الإسلام فإن له أن يبقيها معه ولا يفارقها إذا كانت كتابية (يهودية أو نصرانية) أما الوثنية فلا يجوز أن تبقى زوجة لمسلم وعليه أن يفارقها.
وليراجع إجابة السؤال رقم (٩٩٤٩) .
وليعلم أنه إذا أسلم أحد الأبوين فإن أولاده الصغار (وهم من دون البلوغ) يحكم بإسلامهم تبعاً لإسلامه، أما الكبار البالغون فلا يتبعونه. انظر "المغني" (١٣/١١٥) ، "أحكام أهل الذمة" لابن القيم (٢/٥٠٧) .
فعليه أن يعلم أولاده الصغار أن الله تعالى أنعم عليه وعليهم بالهداية إلى الدين الحق، وعليه أن يعلمهم الطهارة والصلاة وغير ذلك من الأحكام حتى ينشئوا عليها ويعتادوا فعلها امتثالاً لأمر النبي ﷺ : (مروا أولادكم الصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) . رواه أبو داود (٤٩٥) . وصححه الشيخ الألباني في "صحيح الجامع" (٥٨٦٨) .
وليراجع السؤال رقم (١٠٠١٦) .
ولا ينبغي أن يبقى هنا للعمل ويترك أولاده الصغار عرضة للضياع والانحراف، وعليه أن يسعى في إحضارهم ليكونوا معه، حتى يستطيع القيام بما أوجب الله عليه من حسن تربيتهم، فإن لم يستطع إحضارهم فليداوم الاتصال بهم ومراسلتهم وتوجيههم. . . ولا يجوز له أن يهملهم ويتركهم للضياع، فإنه مسئول عنهم يوم القيامة.
كما نحث أخانا الجديد وزوجته أن يتعلما أحكام الإسلام من خلال القراءة وسؤال أهل العلم والمواقع الإسلامية المفيدة على الإنترنت، وأن يقوم بتطبيق ما يتعلمه على الوجه المطلوب.
ونسأل الله لهما الثبات والتوفيق لما يحب ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14576
إذا أسلم الكافر فما حكم أولاده من الزنا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[سائل يسأل عن مشكلة كبيرة تعترض معظم الذين يدخلون في الإسلام، وهي أنهم قبل إسلامهم كانوا يزنون، ونتج عن ذلك أولاد كثيرون، فهل هؤلاء الأولاد الذين أتوا بهذه الطريقة لهم نفقة واجبة على آبائهم، علماً أنه لم يكن هناك عقد بينهم وبين الأمهات؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هؤلاء الذين حصل منهم جماع في حال الكفر، إن كانوا يعتقدون أن هذا الجماع حصل عن عقد يرونه صحيحاً - وإن كان باطلاً شرعاً - فالأولاد للرجل. مثال ذلك: إنسان وهو كافر اتفق مع امرأة على أن يكون زوجها فوافقت، وكانوا يرون هذا عقداً، ثم أسلم الرجل والمرأة فهنا نقول: هما على نكاحهما، ولا يحتاج إلى تجديد العقد، وما حصل بينهما من أولاد فهم لهما، إلا إذا كانت الزوجة في حال الإسلام لا تحل للزوج، كأن يكون مجوسياً وتزوج أخته - والمجوس يجوزون نكاح المحارم - فإن تزوج أخته في حال الكفر ثم أسلم، وأسلمت هي الأخرى وجب التفريق بينهما، لأن المرأة لا تحل للرجل، فهؤلاء الجماعة الذين ذكرت نقول لهم: إذا كنتم تعتقدون أن ما حصل منكم من مواقعة هؤلاء النساء نكاح وعقد فليس هذا زنا، والأولاد لكم، وإن كنتم تعتقدون أنه زنا، فإن استلحقتم هؤلاء الأولاد في حال الكفر فهم أيضاً أولادكم في حال الإسلام، ما دام ليس لهم منازع، وإن لم يستلحقوهم، فإنهم لا يكونون أولاداً لهم.
وأما النفقة فتنبني على أننا إن حكمنا بأنهم أولاد لهم وجب عليهم الإنفاق عليهم، وإن لم نحكم بذلك فليس عليهم نفقتهم.
فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀
"لقاءات الباب المفتوح" (٣/٣٨٥-٣٨٦) .
ومعنى الاستلحاق: أنه يجعله ابنا له وينسبه إليه.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14577
حوار مع نصراني: توحيد الله هو رسالة عيسى والأنبياء جميعا، ﵈
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا تبتعدون عن الحقيقة، وتنظرون إلى عيسى على أنه رسول بدلا من النظر إليه كابن للرب، عيسى هو ابن الرب الوحيد، هذه هي الحقيقة!!.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
شكرا لك أيها السائل أن أتحت لنا فرصة التواصل معا، لنتحاور حول الحقيقة التي نحتاج أن نعرفها جميعا، ثم نتبعها مهما خالفت آراءنا السابقة، واعتقاداتنا القديمة، فبهذا فقط، أعني معرفة الحق واتباعه، نتحرر من خطايانا وذنوبنا، كما في كتابكم المقدس: ﴿وتعرفون الحق، والحق يحرركم﴾ [يوحنا ٨/٣٢] ، فهلم إلى وقفة قصيرة، مع هذه الحقيقة، كما يعرضها كتابكم المقدس، رغم كل ما ناله من تحريف وتغيير!!
إن الدعوة التي جاء بها المسيح ﵇ هي عبادة الله الواحد، رب المسيح ورب العالمين:
﴿هذه هي الحياة الأبدية؛ لابد أن يعرفوك: أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته﴾ [يوحنا ١٧/٣]
﴿سأله رئيس قائلا: أيها المعلم الصالح، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ فقال له يسوع: لماذا تدعوني صالحا؛ ليس أحد صالحا إلا واحد؛ هو الله!!﴾ [لوقا ١٨/١٨-١٩] .
﴿وأصعده إبليس إلى جبل مرتفع، وأراه في لحظة من الزمن جميع ممالك العالم، وقال له: أعطيك هذا السلطان كله، ومجد هذه الممالك، لأنه من نصيبي، وأنا أعطيه لمن أشاء!! فإن سجدت لي يكون كله لك. فأجابه يسوع: ابتعد عني يا شيطان، يقول الكتاب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد.﴾ [لوقا ٤/٥-٨] .
إن توحيد الله الذي لا إله إلا غيره، أعظم وصية جاء بها المسيح، وهو أعظم وصايا الأنبياء جميعا:
﴿وكان أحد معلمي الشريعة هناك، فسمعهم يتجادلون، ورأى أن يسوع أحسن الرد على الصدوقيين، فدنا منه وسأله: ما هي أول الوصايا كلها؟
فأجاب يسوع: الوصية الأولى هي: اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا هو الرب الأحد؛ فأحب الرب إلهك بكل قلبك، وكل نفسك، وكل فكرك، وكل قدرتك.
والوصية الثانية مثلها؛ أحب قريبك مثلما تحب نفسك.
وما من وصية أعظم من هاتين الوصيتين.
فقال له معلم الشريعة: أحسنت يا معلم؛ فأنت على حق في قولك: إن الله واحد، ولا إله إلا هو، وأن يحبه الإنسان بكل قدرته، وأن يحب قريبه بكل قلبه وكل فكره وكل قدرته، وأن يحب قريبه مثلما يحب نفسه، أحسن من كل الذبائح والقرابين.
ورأى يسوع أن الرجل أجاب بحكمة، فقال له: ما أنت بعيد عن ملكوت الله.
وما تجرأ أحد بعد ذلك أن يسأله عن شيء.﴾ [مرقس ١٢/٢٨-٣٤] .
ولا تظن أن هاتين الوصيتين لإسرائيل، أو لشعبه فقط، بل هي أصل الشريعة وتعاليم جميع الأنبياء، فالوصيتان نفسهما في إنجيل متى، وبعبارة قريبة، ثم قال بعدهما: ﴿على هاتين الوصيتين تقوم الشريعة كلها، وتعاليم الأنبياء﴾ [متى ٢٢/٣٩] .
فهذا التوحيد حقا هو رسالة كل الأنبياء؛ قال الله تعالى:
) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ) الأنبياء/٢٥
وهو الأصل الذي دعا إليه المسيح، وحذر من مخالفته؛ قال الله تعالى:
(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) المائدة/٧٢
وهذا هو الأصل الذي ينبغي أن نلتقي عليه جميعا؛ قال الله تعالى:) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) آل عمران/٦٤
إنها غريبة على النصرانية الحقة تلك المحاولة اليائسة للجمع بين التوحيد الذي جاءت به الأنبياء، وصرح به الكتاب المقدس لديكم، وقررته التوراة خصوصا، وبين ما تؤمنون به من التثليث.
جاء في دائرة المعارف الأمريكية:
(لقد بدأت عقيدة التوحيد – كحركة لاهوتية – بداية مبكرة جدا في التاريخ، وفي حقيقة الأمر فإنها تسبق عقيدة التثليث بالكثير من عشرات السنين. لقد اشتُقَّت المسيحية من اليهودية، واليهودية صارمة في عقيدة التوحيد.
إن الطريق الذي سار من أورشليم [مجمع تلاميذ المسيح الأول] إلى نيقية [حيث تقرر مساواة المسيح بالله في الجوهر والأزلية عام ٣٢٥م] كان من النادر القول بأنه كان طريقا مستقيما.
إن عقيدة التثليث التي أقرت في القرن الرابع الميلادي لم تعكس بدقة التعليم المسيحي الأول فيما يختص بطبيعة الله؛ لقد كانت على العكس من ذلك انحرافا عن هذا التعليم، ولهذا فإنها تطورت ضد التوحيد الخالص، أو على الأقل يمكن القول بأنها كانت معارضة لما هو ضد التثليث، كما أن انتصارها لم يكن كاملا.) [٢٧/٢٩٤]
ويمكنك الرجوع إلى بعض آراء من لا يزالون يذهبون إلى التوحي من المسيحيين، في المصدر السابق نفسه، دائرة المعارف [٢٧/٣٠٠-٣٠١] .
إنها معضلة للعقول، مستحيلة في الفطر والأذهان، فلا عجب أنكم لم تفهموها مجرد فهم، لكن العجب هو الإيمان بما يستحيل فهمه، إلا أن نغرر أنفسنا بأن ذلك الفهم سيأتي في اليوم الآخر:
(قد فهمنا ذلك على قدر عقولنا، ونرجو أن نفهمه فهما أكثر جلاء في المستقبل، حين ينكشف لنا الحجاب عن كل ما في السموات وما في الأرض، وأما في الوقت الحاضر ففي القدر الذي فهمناه كفاية) !!
نعم سوفي يتجلى لكم الحق عيانا في المستقبل، كما تجلى لنا اليوم، والحمد لله؛ يوم يجمع الله الرسل فيشهدهم على أممهم؛ قال الله تعالى:
(وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوب ِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إ ِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠) سورة المائدة
والله اعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14578
هل الإنجيل المكتوب بالآرامية موجود اليوم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الإنجيل الأصلي الذي باللغة الآرامية موجود هذا الزمان وأين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
اختلف الباحثون والمتخصصون في علوم الديانات والتاريخ القديم في اللغة التي كان يتحدث بها الرسول الكريم عيسى بن مريم ﵇.
" ويجمع الباحثون أن فلسطين زمن بعثة عيسى كانت بمثابة لوحة فسيفسائية، وأن سكانها كانوا خليطا من كل أمة ولسان، وكانوا يتكلمون بدرجات متفاوتة: العبرانية، والآرامية بلهجاتها، والإغريقية، واللاتينية.
ولكن الاختلاف يقوم بينهم حين يسعون إلى تلمس الحدود الجغرافية لكل واحدة من تلك اللغات، وحين يريدون حصر الخصائص المميزة لتلك اللغات، وتحديد نسبة تأثر بعضها ببعض،
ونحن حين نقرأ سيرة عيسى في الأناجيل الأربعة نجده يخاطب فئات مختلفة من الناس:
فقد خاطب عامة الناس من مختلف المدائن والبوادي، وخاطب أعضاء المجلس الأعلى، ومعلمي الشريعة، والقائمين على تسيير الهيكل وإدارة الشؤون الدينية اليهودية، كما خاطب الحاكم الروماني لفلسطين وكانت لغته اللاتينية.
وفي كلمات المسيح المنسوبة إليه في الإنجيل كلمات آرامية:
" إيلي إيلي لما شبقتني؟! أي إلهي إلهي لماذا تركتني؟! (إنجيل متى ٢٧ / ٤٦) .
" وأمسك بيد الصبية وقال لها: " طليثا، قومي! " الذي تفسيره: يا صبية، لك أقول: قومي! (إنجيل مرقص ٥ / ٤١) .
وفيه كلمات عبرية:
" قال لها يسوع: " يا مريم " فالتفتت تلك وقالت له: " رَبُّونِي "، الذي تفسيره: يا معلم " (إنجيل يوحنا ٢٠ / ١٧) .
" وكان يخاطب ويباحث اليونانيين " (أعمال الرسل ٩ / ٢٩) وظاهره أن المباحثة كانت بلغتهم، ولاختلاف هذه الشواهد كان الخلاف شديدا بين العلماء والباحثين في تحديد لغة المسيح ﵇.
وذهب ابن تيمية وابن القيم إلى أنه لم يتكلم بغير العبرانية، فقال ابن تيمية في " الجواب الصحيح " (٣ / ٧٥) :
" والمسيح كان عبرانيا لم يتكلم بغير العبرانية " انتهى.
وقال في (١ / ٩٠) : " ومن قال إن لسان المسيح كان سريانيّاً (أي آراميّاً) أو روميّاً: فقد غلط " انتهى.
وذهب بعضهم إلى أن " هذه المعطيات جميعها تبين أن أغلب حديث عيسى ﵇ كان باللغة الآرامية، وهي اللغة الشعبية التي كانت شائعة أكثر من غيرها، ثم يتلوه حديثه باللغة العبرانية لغة العهد القديم، كما يبدو أنه كان مثقفا باللاتينية والإغريقية ".
انظر " لغة المسيح عيسى بن مريم " بحث د. عبد العزيز شهبر (ص ١١٢، ١١٣) ، منشور في كتاب " لغات الرسل ".
ثانيا:
يجب على المسلمين جميعا الإيمان بالإنجيل الذي أوحاه الله إلى نبيه عيسى المسيح ﵇، ومن أنكره كفر باتفاق أهل العلم.
يقول : (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) المائدة/٤٦.
وإيماننا بالإنجيل يقتضي منا الإيمان بوجوده وتمام وحيه، وكذلك الإيمان بكل ما جاء فيه أنه حق ومن عند الله.
ولكن لم يأت في شريعتنا شيء في بيان هل كان هذا الإنجيل مكتوبا ومجموعا جميعه في عهد عيسى ﵇، ومن الذي كتبه، ومن الذي حفظه ونشره، أم كان المسيح يعلمه الناس مشافهة، ثم يتناقله الحواريون ومن آمن به؟ أم كتب بعضه وترك بعض آخر؟ فهذه أسئلة قد لا نستطيع أن نجزم فيها بجواب اليوم، بل إن بعض الباحثين ينفي أن يكون الإنجيل الحقيقي مدونا على هيئة كتاب، وإنما كان أقوالا متناقلة.
يقول العلامة الطاهر ابن عاشور في " التحرير والتنوير " (٣ / ٢٦) في مطلع تفسير آل عمران:
" وأما الإنجيل: فاسم للوحي الذي أوحي به إلى عيسى ﵇ فجمعه أصحابه " انتهى.
يقول الشيخ أحمد ديدات – ﵀:
فنحن نؤمن بإخلاص بأن كل ما كان يقوله عيسى ﵇ كان وحياً من الله، وبأنه هو الإنجيل والبشارة إلى بني إسرائيل، وخلال حياته لم يكتب عيسى كلمة واحدة، كما أنه لم يأمر أحداً بالكتابة.
" هل الكتاب المقدس كلمة الله " (ص ١٤) .
وإن كان الظاهر أن المسيح ﵇ يعرف الكتابة والقراءة، ويفهم ذلك من قوله تعالى:
(وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) آل عمران/٤٨
قال ابن كثير – ﵀:
الظاهر أن المراد بالكتاب ههنا الكتابة.
" تفسير القرآن العظيم " (١ / ٤٨٥) .
إلا أننا لا نملك دليلا على كتابة الوحي زمن عيسى ﵇، وليس في تسمية الإنجيل " كتابا " في القرآن الكريم دليل على كتابته في الصحف زمن الوحي، فإن التسمية بـ " الكتاب " إنما هي باعتبار ما عند الله في اللوح المحفوظ، أو باعتبار تهيئه للكتابة والتدوين، واعتبر ذلك بالقرآن الكريم، فقد سماه الله " كتابا "، وإنما كان يتناقل شفاها مع كتابة متفرقة له في الجلود والصحف، وفي الحقيقة لم يكن كتابا مجموعا حتى كان زمن أبي بكر الصديق ﵁، بل قال سبحانه وتالى: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَاّ سِحْرٌ مُّبِينٌ) الأنعام/٧.
يقول الطاهر ابن عاشور في تفسير سورة مريم الآية/٣٠:
والكتاب: الشريعة التي من شأنها أن تكتب لئلا يقع فيها تغيير. فإطلاق الكتاب على شريعة عيسى كإطلاق الكتاب على القرآن.
" التحرير والتنوير " (٨ / ٤٧٠) .
والنصارى كذلك لا يؤمنون أن ثمة كتابا كتبه المسيح أو أحد تلامذته في عهده، ثم فُقِدَ بعد ذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وأما الإنجيل الذي بأيديهم فهم معترفون بأنه لم يكتبه المسيح ﵇، ولا أملاه على من كتبه، وإنما أملوه بعد رفع المسيح.
" الجواب الصحيح " (١ / ٤٩١) .
وهذا فرق ظاهر بين الوحي الذي أنزل على موسى والوحي الذي أنزل على عيسى، فقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على كتابة الأول في قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) الأعراف/١٤٥.
وإن كان يبدو من كلام بعض علماء المسلمين أن الإنجيل الحقيقي كان مدونا ومكتوبا في عهد المسيح ﵇، تجد ذلك في كلام ابن حزم في " الفِصَل "، وابن تيمية في " الجواب الصحيح ".
وكذلك جاء في " الإنجيل " إطلاق هذا اللفظ على ما أوحاه الله إلى المسيح، حيث جاء في (إنجيل مرقص ٨/٣٥) : " ومن أهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلصها ".
أما الأناجيل الموجودة اليوم، فليست هي الإنجيل الحقيقي، ولكن لا ينكر احتواؤها على كثير من الإنجيل الذي أوحاه الله سبحانه إلى المسيح.
قال ابن تيمية ﵀
هذه المقالات الأربعة التي يسمونها الإنجيل، وقد يسمون كل واحد منهم إنجيلا إنما كتبها هؤلاء بعد أن رفع المسيح، فلم يذكروا فيها أنها كلام الله، ولا أن المسيح بلغها عن الله، بل نقلوا فيها أشياء من كلام المسيح، وأشياء من أفعاله ومعجزاته، وذكروا أنهم لم ينقلوا كل ما سمعوه منه ورأوه، فكانت من جنس ما يرويه أهل الحديث والسير والمغازي عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله التي ليست قرآنا، فالأناجيل التي بأيديهم شبه كتاب السيرة وكتب الحديث أو مثل هذه الكتب، وإن كان غالبها صحيحاً.
" الجواب الصحيح " (٢ / ١٤) .
وانظر جواب السؤال رقم (٤٧٥١٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14579
هدي النبي ﷺ في معاملة اليهود
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف كان هدي النبي ﷺ مع اليهود؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فإن أحسن الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، فهو أكمل الخلق وسيد الرسل، وقد أمرنا بالتمسك بهديه، فقال: (عَلَيكُم بِسُنَّتِي) رواه أبو داود (٤٦٠٧) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وقد جاء هديه وسنته بأحسن الأحوال وأقوم الأخلاق، خاصة في تعامله ﷺ مع أهل الديانات الأخرى، ونستطيع أن نجمل هديه ﷺ في التعامل مع اليهود في المسائل التالية:
١. اتخاذ الموقع الصحيح من اليهودية وجميع الأديان، وهذا الموقع يتمثل باعتقاد أحقية دين الإسلام والتوحيد، وكفر وفساد كل ديانة أخرى، وتقرير أن الله تعالى لا يقبل يوم القيامة إلا أن يكون العبد مسلما حنيفا لله تعالى، كما قال سبحانه: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران/٨٥.
وقد كان هذا التقرير هو المحور الذي تدور عليه ﷺ دعوته ﷺ ، ويتخذ المواقف تبعا له؛ لأنه من ضرورات عقيدة المسلم التي تعرضت في العصور الأخيرة للتحريف والتشويه من دعاة " توحيد الأديان "!
انظر جواب السؤال رقم (٢١٥٣٤) .
٢. ولذلك كان ﷺ يحرص على دعوتهم للإسلام، ولا يفوت فرصة يمكن أن يبلغهم فيها دين الله تعالى إلا وفعل، حتى إنه ﷺ لم يبدأ حربا معهم – بسبب غدرهم وخيانتهم – إلا ويسبقها بدعوتهم وتذكيرهم، كما قال لعلي بن أبي طالب ﵁ يوم فتح خيبر: (انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ) رواه البخاري (٢٩٤٢) ومسلم (٢٤٠٦) .
٣. التأكيد على أن عقد الموالاة إنما هو بين المؤمنين، وأن البراء واجب من كل كفر مبين، وجعل ﷺ مناط الأخوة الإسلام، فلا يجوز لمسلم أن يوالي أهل أي ملة بالمحبة والمودة، لذلك تجده ﷺ يسارع في أول قدومه المدينة في تقرير المفارقة بين الإسلام واليهودية، فكان في نص الوثيقة " الدستور " التي أمر النبي صلى الله عليه سلم بكتابته لتنظيم العلاقات بين سكان المدينة: " المؤمنون أمة واحدة دون الناس " رواه القاسم بن سلام في " الأموال " (٥١٧) من مراسيل الزهري.
يقول الدكتور أكرم العمري:
" الروابط تقتصر على المسلمين ولا تشمل غيرهم من اليهود والحلفاء، ولا شك أن تمييز الجماعة الدينية كان أمرا مقصودا يستهدف زيادة تماسكها واعتزازها بذاتها " انتهى.
انظر " السيرة النبوية الصحيحة " للدكتور أكرم العمري (١ / ٢٧٢ – ٢٩١) فقد توسع في الحكم على الوثيقة وتحليلها.
٤. ولكنه ﷺ كان يعترف بحقوق اليهود والنصارى، ويخطئ من يتوهم أن التبرأ من ديانة اليهود المحرفة يلزم منه ظلمهم ومصادرة حقوقهم، فقد قبل النبي ﷺ وجود اليهود في المدينة، وكتب في دستور المدينة: " وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين "، وتكفل لهم بجميع أنواع الحقوق:
أ. حق الحياة: فلم يقتل يهوديا إلا من خان وغدر.
ب. وحق اختيار الدين: حيث أقرهم على ديانتهم ولم يكره أحداً على الإسلام، عملا بقوله : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) البقرة/٢٥٦، وكتب في ميثاق المدينة: " لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم ".
ج. حق التملك: فلم يصادر أملاك أحد منهم، بل أقر النبي ﷺ المسلمين على تجارتهم معهم.
د. حق الحماية والدفاع: فقد جاء في ميثاق المدينة: " وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة "
هـ. حق العدل في المعاملة ورفع الظلم: وذلك مقرر في صحيفة المدينة حيث جاء فيها: " وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم "، وقد عدل النبي ﷺ في الحكم ولو كان ذلك على حساب المسلمين، فلما قتل أهلُ خيبر عبدَ الله بن سهل ﵁ لم يقض النبي ﷺ عليهم بالدية، ولم يعاقبهم على جريمتهم، لعدم وجود البينة الظاهرة ضدهم، حتى دفع النبي ﷺ ديته من أموال المسلمين، والقصة في البخاري (٦٧٦٩) ومسلم (١٦٦٩) ، ولما اختصم الأشعث بن قيس ورجل من اليهود إلى النبي ﷺ في أرض باليمن ولم يكن لعبد الله بيِّنة قضى فيها لليهودي بيمينه، كما في البخاري (٢٥٢٥) ومسلم (١٣٨) .
و. بل منحهم النبي ﷺ حق التحاكم فيما بينهم إلى قوانين دينهم، ولم يلزمهم بقوانين المسلمين ما دام طرفا القضية من أتباعهم، إلا إذا ترافعوا إليه ﷺ ، وطلبوا منه الحكم بينهم، فكان حينئذ يحاكمهم بشريعة الله ودين المسلمين، يقول الله : (فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) المائدة/٤٢.
٥. وقد كان النبي ﷺ يحسن معاملة جميع الناس، ومنهم اليهود، فقد أمر الله سبحانه بالقسط والبر وحسن الخلق وأداء الأمانة مع اليهود وغيرهم، حيث قال سبحانه: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة/٨.
ومن بره ﷺ في معاملة اليهود:
أ. أنه كان يعود مريضهم: روى البخاري (١٣٥٦) عن أنس بن مالك ﵁: (أَنَّ غُلَامًا مِنَ اليَهُودِ كَانَ يَخدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِندَ رَأسِهِ، فَقَالَ: أََسلِم. فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِندَ رَأسِهِ، فَقَالَ لَه: أَطِع أَبَا القَاسِمِ ﷺ . فَأَسلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: الحَمدُ لِلَّهِ الذِي أَنقَذَهُ مِنَ النَّارِ) .
ب. وكان ﷺ يقبل هداياهم: فقد روى البخاري (٢٦١٧) ومسلم (٢١٩٠) عن أنس بن مالك ﵁: (أَنَّ امرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مَسمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنهَا) .
ج. كما كان ﷺ يعفو عن مسيئهم: إذ لم ينه عن قتل تلك المرأة التي وضعت السم في الشاة، ففي تكملة الحديث السابق: (فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ، قَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ - قَالَ: أَوْ قَالَ: عَلَيَّ - قَالَ: قَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا) ، بل وفي حديث أبي هريرة في صحيح البخاري (٣١٦٩) أن ذلك كان بعلم من اليهود وأنهم اعترفوا بمحاولة القتل بالسم، ومع ذلك لم يأمر ﷺ بالانتقام لنفسه، لكنه قتلها بعد ذلك لموت الصحابي الذي كان معه ﷺ وكان أكل من الشاة المسمومة , وهو بشر بن البراء ﵁.
وكذلك لما سحره اليهودي لبيد بن الأعصم، وعافاه الله من السحر، لم ينتقم منه ولا أمر بقتله، بل جاء في " سنن النسائي " (٤٠٨٠) وصححه الألباني عن زيد بن أرقم قال: (فَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِذَلِكَ اليَهُودِيِّ وَلَا رَآهُ فِي وَجهِهِ قَط) .
د. وكان ﷺ يعامل اليهود بالمال، ويفي لهم معاملتهم: عن ابن عمر ﵄ قال: (أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ الْيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) رواه البخاري (٢١٦٥) ومسلم (١٥٥١) .
وعن عائشة ﵂ قالت: (اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ) رواه البخاري (١٩٩٠) ومسلم (١٦٠٣) .
هـ. وفي أول قدومه ﷺ المدينة كان يحب موافقة اليهود في أعمالهم وعاداتهم ليتألف قلوبهم على الإسلام، ولكنه لما رأى عنادهم وجحودهم ومكابرتهم أمر بمخالفتهم، ونهى عن التشبه بهم.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْدِلُ شَعَرَهُ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ فَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ رُءُوسَهُمْ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ ثُمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ) رواه البخاري (٣٧٢٨) ومسلم (٢٣٣٦) .
و. ولم يكن ﷺ يترفع عن محاورتهم، بل كان يتواضع لهم، ويجيب على أسئلتهم وإن كان مرادهم منها العنت والمجادلة بالباطل.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: (بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرْثٍ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ إِذْ مَرَّ بِنَفَرٍ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ فَقَالُوا مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ فَقَالُوا سَلُوهُ فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَسَأَلَهُ عَنْ الرُّوحِ قَالَ فَأَسْكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ قَالَ فَقُمْتُ مَكَانِي فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ قَالَ: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) رواه البخاري (٤٤٤٤) ومسلم (٢٧٩٤) .
ز. وكان يدعو لهم بالهداية وصلاح البال: فعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: (كَانَ الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ فَيَقُولُ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) رواه الترمذي (٢٧٣٩) وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
٦. وفي المقابل: لم يكن ﷺ يرضى أن ينتهك اليهود حرمات المسلمين، ويتمادوا في ذلك، فكان يعاقب كل من يعتدي على المسلمين ويظلمهم ويتجاوز حدوده في ذلك، فلما اعتدى بعض يهود بني قينقاع على امرأة مسلمة في السوق واحتالوا لكشف عورتها، وتوعدوا النبي ﷺ بالقتال، وقالوا: (يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس) نقله ابن حجر في " فتح الباري " وحسَّنه (٧ / ٣٣٢) فقام النبي ﷺ إليهم وأجلاهم من المدينة، وكان ذلك في شوال من السنة الثانية للهجرة.
ثم لما عَظُمَ أذى كعب بن الأشرف اليهودي للمسلمين، وبدأ يخوض في أعراضهم، ويشبب بنسائهم في شعره، وارتحل إلى مكة يحرض زعماء قريش على المسلمين أمر النبي ﷺ بقتله في قصة طويلة حدثت في ربيع الأول من السنة الثالثة للهجرة، رواها البخاري (٢٣٧٥) ومسلم (١٨٠١) .
وكذلك لما تكررت محاولات بني النضير لقتل النبي ﷺ في قصص مشهورة يذكرها أهل المغازي والسير، ودسوا إلى قريش يحضونهم على غزو المدينة، ويدلونهم على العورة، أمر النبي ﷺ بإجلائهم من المدينة في السنة الرابعة من الهجرة. انظر " المغازي " للواقدي (١ / ٣٦٣ – ٣٧٠) و " سيرة ابن هشام " (٣ / ٦٨٢) .
وأما يهود بني قريظة فقد قتل النبي ﷺ مقاتلتهم لما غدروا به يوم الأحزاب، وتحالفوا مع قريش والعرب ضد المسلمين، وخانوا العهود معهم، وكان ذلك في العام الهجري الخامس.
انظر " سيرة ابن هشام " (٣ / ٧٠٦) .
وقد وردت أخبار كثيرة في أن النبي ﷺ كان يعفو عن كل من أظهر الوفاء بالعهد من اليهود، ولا يعاقب إلا من شارك في الغدر أو أقر ورضي.
انظر " السيرة النبوية الصحيحة " أكرم العمري (١ / ٣١٦) ، وقد جاء في ميثاق المدينة: " لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم نفسه وأثم، فإنه لا يوتِغ – أي: يُهلِك - إلا نفسه وأهل بيته ".
وأخيرا لما رأى النبي ﷺ غدر اليهود وخيانتهم، أوحى الله إليه أن يُخلِصَ جزيرة العرب لديانة التوحيد، فلا يبقى فيها غير الدين الذي ارتضاه الله لنفسه.
عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أوصاهم في مرض موته فقال: (أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) رواه البخاري (٢٨٨٨) ومسلم (١٦٣٧) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14580
تريد نصائح وتوجيهات لتناظر النصارى
[السُّؤَالُ]
ـ[يوجد في الجامعة التي أدرس فيها هناك نسبة نصارى ليست باليسيرة في جامعتي , وقد وصل بهم الحد إلى أن صار بعضهم من دعاة التبشير والتنصير، وهم في بلاد الإسلام، وبين أظهر المسلمين!!
حتى إن إحداهن كانت تحضر معها الإنجيل، وكتابا آخر عن (الإيمان) ، وعليه صورة مريم العذراء ﵍، وكانت ترغِّب البنات في قراءته وتشوقهم إليه!
ثم تبين لي ـ فيما بعد ـ من كلامي معها أنها نشيطة في الكنيسة، وأنها تدرس الأطفال فيها!
والآن أنا حائرة في كيفية التعامل معها، ومع مثيلاتها؛ فهل أقطعها وأحذر زميلاتي منها، أو أحاول أن أناظرها وأناقشها في معتقداتها؟
علما بأنني حاولت ـ مرة ـ أن أستخرج بعض ما عندها، لأعرف كيف أناقشها، فوجدتها على وعي تام بمسائل النقاش، وكأنها قد تلقنت ماذا يجب أن تقول، وتتسلح به فيما معاملتها ومناقشتها للمسلمين!! ولم يكن عندي من العلم ما أرد به عليها، أو يمكنني من الاسترسال معها في النقاش.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نشكر لكِ ـ أيتها الأخت الكريمة ـ غيرتِك على دين الله تعالى، وعلى الاهتمام بالدعوة إلى الله، ونسأل الله لنا ولك التوفيق والثبات.
ثانياً:
لا ننصحك بمحاورة زميلاتك من النصارى، أو مجادلة أحد منهم، لأنكِ ذكرتِ أن عندهم من الشُّبَه ما تعجزين عن رده، وذكرتِ أنك في أول طريق طلب العلم، وهذا يجعلنا نؤكد على هذه النصيحة في حقك وحق من كان مثلك؛ فالجدال إنما (يقصر جوازه على المواطن التي تكون المصلحة في فعله أكثر من المفسدة أو على المواطن التي المجادلة فيها بالمحاسنة لا بالمخاشنة) [فتح القدير، للشوكاني ١/٥٢٧] .
وهذه المصلحة التي ترجى من مجادلة أهل الكتاب، أو غيرهم من أصناف أهل الشرك بالله، أو أهل الأهواء والبدع، لا تتم إلا بأن يقوم بهذه المناظرة من هو أهلها ممن كان عنده من العلم بدينه ودين المخالف ما يمكنه من مناظرته، ثم يتزين بأدب الشرع لنا في ذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" ولما كان أتباع الأنبياء هم أهل العلم والعدل، كان كلام أهل الإسلام والسنة مع الكفار وأهل البدع، بالعلم والعدل، لا بالظن وما تهوى الأنفس. ولهذا قال النبي ﷺ :
(القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة؛ رجل علم الحق وقضى به، فهو في الجنة، ورجل علم الحق وقضى بخلافه، فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار) رواه أبو داود وغيره، [صححه الألباني في صحيح الجامع] ؛ فإذا كان من يقضي بين الناس في الأموال والدماء والأعراض، إذا لم يكن عالما عادلا، كان في النار، فكيف بمن يحكم في الملل والأديان، وأصول الإيمان والمعارف الإلهية والمعالم الكلية، بلا علم ولا عدل كحال أهل البدع والأهواء.. " [الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ١/١٠٧-١٠٨] .
ولأجل ما ذكره شيخ الإسلام هنا من أدب الجدل، قال الله تعالى: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) العنكبوت/٤٦ قال الشيخ ابن سعدي ﵀ في تفسيره: " ينهى تعالى عن مجادلة أهل الكتاب، إذا كانت عن غير بصيرة من المجادل، أو بغير قاعدة مرضية، وأن لا يجادلوا، إلا بالتي هي أحسن، بحسن خلق ولطف ولين كلام، ودعوة إلى الحق وتحسينه، ورد الباطل وتهجينه، بأقرب طريق موصل لذلك. وأن لا يكون القصد منها، مجرد المجادلة والمغالبة، وحب العلو، بل يكون القصد بيان الحق، وهداية الخلق. " اهـ. [تفسير السعدي ٧٤٣]
ثم عليكِ ـ أيتها الأخت الكريمة ـ أن تلتفتي لنفسك وطلب العلم، وقبل أن يعرف المسلم ما عند غيره، يجب أن يعرف ما في دينه من أحكام، فابحثي عن أخوات من طالبات العلم وابدئي معهن في تعلم دينك، ويمكنك أن تستعيني ـ أيضا ـ بأشرطة علماء أهل السنة الداعين إلى منهج السلف الصالح، لاسيما إذا لم يتيسر لك من يعلمك.
ولتكن عنايتك الأولى بمعرفة ما يصحح لك عقيدتك، وعبادتك، واهتمي بالوقوف على معاني كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
هذه هي الطريقة السليمة التي ينبغي أن تبدئي بها، ودعي نقاش النصارى وغيرهم من أهل الانحراف والضلال للمتخصصين، فهم أقدر على مواجهتهم وتبيين زيفهم، ولا يزال في الأمة الإسلامية – ولله الحمد – من يقوم بهذا الواجب.
وإذا رأيتِ من يمكن أن يتأثر بدعوات التنصير من أخواتك المسلمات: فيجب عليك تحذيرهن من مصاحبة أولئك الكافرات والسماع لهن، ويمكنك تزويدهن بكتب وأشرطة تبين الإسلام الصحيح، وتحذِّر من المذاهب والأديان الباطلة.
ونسأل الله أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن ييسر لك العلم النافع والعمل الصالح.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14581
رأي المسلمين في المسيحيين، وهل الجهاد الذي كان يتحدثون عنه في الماضي لا زال موجودا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو رأي المسلمين في المسيحيين؟ ولماذا يوجد كل هذه البلبلة؟ أبسبب الحملات الصليبية؟ وهل الجهاد الذي كانوا يتحدثون عنه في الماضي لا زال موجودا؟ ألا يمكن للثقافتين القبول بأن الرب والله هما نفس الخالق؟ حيث إن كليهما يوصفان بطريقة مشابهة كثيرا، وأنا أتساءل: إن قبلت الثقافتين بأن الرب والله يعودان للخالق نفسه ألا يساهم ذلك في حل العديد من المشاكل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
المسلمون يرون المسيحيين على طائفتين:
الأولى: من كان مؤمنا بعيسى ﵇ في زمن عيسى، أو بعده، قبل بعثة محمد ﷺ ، فهؤلاء مؤمنون صالحون موحدون، يؤمنون بأن عيسى رسول عظيم مرسل من الله تعالى، ويؤمنون بغيره من الرسل كإبراهيم وموسى.
وأما من كان مؤمنا بعيسى ﵇، ثم آمن بمحمد ﷺ ، فهذا شأنه أعظم، وله أجران كما أخبر نبينا ﷺ .
والطائفة الثانية: من انحرف عن التوحيد واعتقد في عيسى أنه الله أو ابن الله أو قدم له شيئا من العبادة كالصلاة والدعاء، فهذا مخالف لعيسى ولغيره من الرسل، متبع للتحريفات التي أدخلها القساوسة والرهبان على الدين الحق الذي أتى به عيسى ﵇ من عند الله تعالى.
وكذلك من سمع برسالة محمد ﷺ ، لكنه لم يؤمن به ولم يتبعه، فهذا مخالف للمسلمين، ولعيسى ﵇ الذي بشر بأخيه محمد ﷺ .
وهذا الموقف العقدي موقف ثابت، ليس ناتجا عن الحروب الصليبية أو ظلم المستعمرين وطمعهم في بلاد الإسلام. فلو أن أحداً أنكر رسالة عيسى ﵇ أو رسالة موسى ﵇ أو رسالة محمد ﷺ كان كافرا. ولو أن أحداً أنكر إنزال هذا القرآن من عند الله، أو سخر منه لكان كافرا، لأن القرآن منزل من عند الله تعالى.
وأما الجهاد فإنه باق إلى يوم القيامة، وهدفه: إيصال دعوة الحق إلى جميع الناس , وتحرير الإنسان من القوى الظالمة التي تحجب عنه النور، وتمنعه من التفكير في الحق، وتخضعه لأحكام مخالفة لأحكام الله تعالى. وليس هدف الجهاد أن يكره أحدا على الدخول في الإسلام، فإن الله تعالى يقول: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) البقرة/٢٥٦.
ثانياً:
ما ذكرته عن الرب والله والخالق، دليل على استقامة فطرتك، وصحة عقلك، وهذا ما يعتقده المسلمون، فالرب هو الله وهو الخالق الذي لا خالق غيره، ولا رب سواه. ولا يستحق أن يُعبد غيره. فالخالق الرازق المدبر، هو الله، الذي لا إله غيره، ولا يجوز أن نعبد سواه. وهذا الإله لا يمكن أن يكون مثل البشر له ولد أو زوجة، تعالى الله عن ذلك.
وأيضا هذا الإله لا يمكن أن يحل في بشر، فيأكل ويشرب ويجوع ويعطش، ويضرب ويصلب.
فعقيدة الإسلام عقيدة سهلة موافقة للعقل والمنطق: هناك خالق ومخلوق. الخالق هو الله تعالى، والمخلوق كل ما سواه، من سماوات وأرض وشمس وقمر وإنس وجن. والله تعالى من رحمته أن أرسل رسلا إلى الناس، يدعونهم إلى الله، ويدلونهم على الخير، ومن هؤلاء الرسل: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله وسلم عليهم جميعا. وقد أيد الله هؤلاء الرسل بالآيات، وهي أمور خارقة لا يستطيع الناس أن يأتوا بمثلها، وتكون مناسبة للعصر والبيئة التي بعث فيها الرسول: فمنهم من ألقي في النار فلم تؤذه كإبراهيم، ومنهم من كان يحيي الموتى ويشفي المرضى بإذن الله كعيسى، ومنهم من أوتي القرآن، وتحدى جميع العرب الفصحاء أن يأتوا بسورة من مثله فلم يستطيعوا، وهو محمد ﷺ ، وأنطق الله له الجماد والحيوان، فسبح الحصى في كفه، وشكى إليه الجمل ما يلاقيه من كثرة العمل، إلى غير ذلك من المعجزات الكثيرة.
ولو تأمل العاقل: ما الذي يمنع المسيحيين من الاعتقاد بأن عيسى ﵇ رسول من عند الله، شأنه شأن إبراهيم وزكريا ويحيى ﵈؟
وبهذا تنتهي المشكلة، ويتفق العقل مع الفطرة والوحي. وأن عيسى ﵇ دعا إلى الله، وبشر بمحمد ﷺ ، وأن أعداءه حاولوا قتله، فنجاه الله تعالى، فما صلب ولا قتل، بل وقع الشبه على أحد أصحابه، كما قال القرآن: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) النساء/١٥٧.
وبهذا يؤمن الجميع بالله الرب الخالق، المعبود وحده، ويؤمنون برسله الكرام كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم جميعا، ثم يتبعون شريعة آخرهم وخاتمهم، محمد ﷺ .
وليس هذا مجال المقارنة بين سهولة هذه العقيدة وموافقتها للفطرة، في مقابل الاضطراب والتناقض الموجود في العقيدة النصرانية، لكن لنضرب مثالا واحدا، وهو موضوع الصلب والفداء:
فإن النصارى يكررون دائما بأن الله أرسل ابنه الوحيد ليرفع الخطيئة عن البشر، ويرون ذلك مثالا للرحمة والعدل، ونحن نسأل: أي عدل وأي رحمة في أن يعذب الله ابنه الوحيد - بزعمهم - على خطيئة لم يقترفها؟!
وأي عدل في أن تنتقل خطيئة آدم إلى بنيه، ثم يحتاجون إلى تكفيرها؟!
وأي عدل ورحمة في أن يتأخر تكفير هذه الخطيئة آلاف السنين، ما بين آدم إلى زمن عيسى ﵇؟!
وأي عدل ورحمة في أن يتوقف تكفير الخطايا على صلبٍ وألم ومحنة، وقد كان يتم تكفيرها - لدى اليهود بالتوبة والقربان؟!
لكن النصارى لما آمنوا بالصلب، أرادوا أن يرفعوا عن المسيح تلك السبّة الشنيعة التي تلحقه بالصلب وهي اللعن، فادعوا أن الصلب هو الشرف الحقيقي والهدف الأسمى من رسالة المسيح!
انظر: سفر التثنية (٢١/٢٢) وفيه: (لأن المعلق - المصلوب - ملعون من الله) .
ولا شك أن الإيمان بعقيدة النصارى في الصلب والفداء تلزم منه لوازم باطلة منها:
١- أن يكون الأنبياء السابقون وعباد الله الصالحون كلهم هالكين؛ إذ لم تكفر عنهم تلك الخطيئة قبل موتهم.
٢- أن يكون اليهود هم أعظم الناس منة وفضلا على النصارى والعالم، لأنهم هم الذين تحقق على أيديهم هذا الهدف الأسمى وهو صلب المسيح!
٣- أن يرتع الناس في الشر والإثم، آمنين من عقاب الله، لأن الخطيئة الكبرى قد كفرت عنهم، ولأن الله سيغفر لهم كل خطيئة كما يدعون.
٤- ولو كان المسيح مصلوبا باختياره كما يقولون، لما صرخ بعد الصلب وقال: (إيلي إيلي لم شبقتني؟ أي إلهي إلهي لماذا تركتني؟!) "مرقس" (١٥/٣٤) .
وأخيرا.. نسأل الله تعالى أن يوفقك في بحثك عن الإسلام، وأن يهديك ويشرح صدرك لمعرفة الحق واتباعه أينما كان. ونرجو أن يكون ما ذكرناه فيه إجابة على أسئلتك، وإن كانت المواضيع التي أثرتها تحتاج إلى تفصيل أكثر من هذا، لكن نحن نسعد بالتواصل معك والإجابة على استفساراتك دائما.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14582
لا تترك دعوة غير المسلم خشيةَ شتمه الدين
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أقوم بالدعوة إلى الإسلام عن طريق غرف الدردشة والبالتوك والماسنجر، أدعو المسلمين وغير المسلمين، سؤالي هو: أحيانا أريد أن أدعو شخصا غير مسلم، فأخاف إذا دعوته أن يسب الدين، فهل أترك دعوته؟ وإذا وجب عليّ ذلك، إذًا علي أن لا أدعو أحدا من غير المسلمين؛ لأنني أخاف من معظمهم، حيث إني لا أعرفهم، بماذا تنصحونني؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نسأل الله تعالى أن يُعلِيَ همَّتَك، ويسدِّدَ خطاك، ويجزيَك خير الجزاء على اهتمامك بالدعوة إلى دين الله وشرعه، فلا أحد أحسن قولا ولا مسلكا ممن يدل الناس على الحق والنور.
يقول تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فصلت/٣٣
ولكني أحذرك أخي السائل، فإن باب المحادثات والغرف الخاصة باب فتنة ومنبع شرور، بسبب من يدخل فيها من النساء وأصحاب الأهواء، فيبدأ الداعية بالخوض مع الجميع، والشيطان ينصب له حبائل الشهوات والشبهات، حتى إذا علقت في قلبه فتنة من شبه أهل الباطل، أو تمكن في قلبه التعلق بالشهوات المحرمة، أمكن منه القياد، ولعب به كما يلعب الصبيان بالكرة. قال الله تعالى: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال:٤٨)
وقد سبق في موقعنا نصيحة من يمارس الدعوة عبر الشبكة، كي لا يوقع الشيطان به من حيث لا يدري، وبيان أن الدعوة العامة، أو تنظيم العمل الدعوي في هذا المجال عن طريق هيئة، أو منظمة جماعية، تقوم على ذلك لا بد وأن تكون أنفع وأسلم من العمل الفردي، فإن الشيطان من الفرد أقرب.
انظر سؤال رقم (٣٢٦٩٣)
ثانيا:
ينبغي أن يتسلح من يتصدى للدعوة إلى الله تعالى بالعلم الشرعي الذي يريد توصيله للناس، وأن يكون عنده الخبرة الكافية التي تمكنه من حسن محاورة الآخرين، ومعرفة ما عندهم من أمراض الشبهات والشهوات، وكيف يتأتى له علاجها؛ وأما أن يكون كل ما عند المرء عاطفة صادقة، ومعلومات متناثرة من هنا وهناك؛ فإن ذلك لا يجدي شيئا، ولا ينفع المدعو في شيء!! وأخشى ما نخشاه على من يتصدى لذلك الأمر قبل أوانه، وقبل أن تكون عنده الأهلية الكافية، أن يكون حاله كحال من أخذته الشفقة بأناس أصيبوا بعدوى قاتلة، فأسرع إلى علاجهم من غير خبرة له بالطب، فلا هو نفع المريض ولا هو حمى نفسه، ومن كلام الناس: (راح يصطاد اصطادوه) !! فاحذر يا عبد الله، وليكن همك الأول أن تنجو بنفسك:
(بَلِ الإنسان عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) (القيامة:١٤-١٥) .
ثالثا:
من كانت عنده الأهلية للدعوة إلى الله تعالى، أيا كان المجال الذي ينشغل فيه بهذه الدعوة؛ فإنه لا يجوز له ترك الدعوة بحجة الخوف من رفض المدعو وشتمه لدعوته أو دينه، وإلا لتعطلت الدعوة وترك البيان للناس، وذلك ما لا يرضاه رب العالمين، ولكنه سبحانه أمرنا بالتزام الحكمة والموعظة الحسنة، فقال سبحانه:
(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل/١٢٥
وحثنا رسول الله ﷺ على الرفق واللين والتبشير والتيسير، وذلك حرصا على تقبل المدعو للحق الذي يعرض عليه.
قال ﷺ لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى أهل الكتاب في اليمن:
(يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا) رواه البخاري (٣٠٣٨) ومسلم (١٧٣٣)
فمن التزم بهذا المنهج الشرعي في الدعوة لا يضره ما كان بعد ذلك من المدعو: من شتم أو رفض أو استكبار وإباء.
وقد كان سيد الدعاة، النبي ﷺ ، مستمرا في الدعوة والنصح الحكيم، مع أن كثيرا من المشركين واجهوه بالشتم والضرب والاستهزاء.
عن ابن عباس ﵄ قال:
(لَمَّا نَزَلَت هَذِه الآيَةُ (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) الشعراء/٢١٤ وَرَهطَكَ مِنهُمُ المُخلَصِينَ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: يَا صَبَاحَاهُ، فَقَالُوا: مَن هَذَا الذِي يَهتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ، فَاجتَمَعُوا إِلَيهِ، فَقَالَ: يَا بَنِي فُلَان يَا بَنِي فُلَان يَا بَنِي فُلَان يَا بَنِي عَبدِ مَنَاف يَا بَنِي عَبدِ المُطَّلِب، فَاجتَمَعُوا إِلَيهِ، فَقَالَ: أَرَأَيتَكُم لَو أَخبَرتُكُم أَنَّ خَيلًا تَخرُجُ بِسَفحِ هَذَا الجَبَلِ أَكُنتُم مُصَدِّقِي؟
قَالُوا: مَا جَرَّبنَا عَلَيكَ كَذِبًا.
قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُم بَينَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ.
فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تبًّا لَكَ، أَمَا جَمَعتَنَا إِلَّا لِهَذَا، ثُمَّ قَامَ.
فَنَزَلَت هَذِهِ السُّورَةُ (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) المسد/١
رواه البخاري (١٣٩٤) ومسلم (٢٠٨)
والمحظورُ في ذلك هو بَداءةُ المشركين والكفار بالشتم والتسفيه، خوفا من تَعَدِّيهم ومقابلتهم بالسب والتنقيص، فذلك هو الذي نهى عنه الله تعالى في القرآن.
قال تعالى: (وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ) الأنعام/١٠٨
فلا تتحرج أخي الكريم من الحق، ولا تترك تبيلغ هذا الدين بالعلم والبصيرة، واحرص على اختيار الكلمة المناسبة، والمدخل الحسن الطيب، وتجنب الشتم والاستهزاء، بل عامة الظلم والعدوان؛ ثم لا يضرك بعد ذلك ما صدر عن المدعو، فوزره عليه، يحمله يوم القيامة، وأنت ترجع بالأجر العظيم إن شاء الله.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14583
يريد الدخول في الإسلام ويتزوج بمسلمة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب هندوسي وأحب فتاة مسلمة. لقد كنا صديقين حميمين دائما، وقد درسنا في كلية واحدة. لقد تحولت مشاعر كل واحد منا تجاه الآخر للحب لكننا لا نريد أن تنتهي المسألة بفرارها عن أهلها للزواج بي.
أنا أريد أن أتزوج بها لأنها إنسانة رائعة، ولطيفة، ومحبة، وذكية، وتقية. أنا أحبها كثيرا لدرجة أني مستعد أن أدخل الإسلام، وهو الدين الذي كنت دائما مولعا به. كيف أفعل (للدخول في الإسلام) ؟ سأقبل بجميع المعتقدات الإسلامية وسأبقى وفيا لله ولزوجة المستقبل.
أرجو أن ترشدني، فأنا أعلم أن الإسلام يرحب بدخول الآخرين إليه. سأنتظر ردك بفارغ الصبر وبعده سأذهب لأتحدث مع والد المذكورة حول الموضوع.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحمد لله الذي جعل فيك الرغبة للدخول في دين الإسلام ونشكرك على السؤال عن كيفية الدخول في دين الله الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من اتبعه، قال الله تعالى في كتابه القرآن الكريم: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران/٨٥ , الدخول في الإسلام عملية سهلة جدا وليس فيها أي تعقيد وكلّ ما عليك أن تفعله هو النطق بالشهادتين وهما مفتاح الدين وملخصّه وأساسه فتقول: أشهد أن لا إله إلا الله , وأشهد أنّ محمدا رسول الله , ثمّ تغتسل وتنوي الطهارة للصلاة وتمارس شعائر دين الإسلام وأعظمها الصلاة التي تربط العبد بربه.
ونريد أن نبيّن هنا بعض الأمور:
١- أما قولك (أنا أحبها كثيرا لدرجة أني مستعد أن أدخل الإسلام)
أنّه بالرغم من أنّ دخولك في الإسلام قد يكون الباعث عليه رغبتك في الزواج من امرأة مسلمة في هذه المرحلة إلا أنك إذا أسلمت وتعلّمت المزيد عن هذا الدّين ومارسته واقعا في حياتك فسيحسن إسلامك وتصفو النيّة وتصبح إخلاصا لله واقتناعا تاما بصحّة هذا الدّين وأنّه لا يزكّي النفس ويُطّهرها إلا هو.
٢- قولك (كنا صديقين حميمين دائما، وقد درسنا في كلية واحدة) .
اعلم وفقك الله للخير أن من مقاصد الشريعة الإسلامية الأساسية حفظ الأعراض , وقد فرضت شريعتنا الغراء تدابير كثيرة لتحقيق هذا المقصد السامي , ومن ذلك المنع من اختلاط الرجال بالنساء حتى في أشرف المواضع وعند طلب أسمى المقاصد , فمن هدي الإسلام: فصل الرجال عن النساء في المساجد , روى مسلم في "صحيحه" (٤٤٠) من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها , وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) .
قال النووي في شرح صحيح مسلم (٤/١٥٩) : " والمراد بشر الصفوف في الرجال والنساء أقلها ثوابا وفضلا وأبعدها من مطلوب الشرع , وخيرها بعكسه , وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن من مخالطة الرجال ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك , وذم أول صفوفهن لعكس ذلك , والله أعلم " انتهى.
قال الشيخ محمد الصالح العثيمين ﵀:
التواصل بين المتحابين على غير وجهٍ شرعي هذا هو البلاء، وهو قطع الأعناق والظهور، فلا يحل في هذه الحال أن يتصل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل، ويقول إنه يرغب في زواجها، بل يخبر وليها أنه يريد زواجها، أو تخبر هي وليها أنها تريد الزواج منه، كما فعل عمر ﵁ حينما عرض ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان ﵄.
وأما أن تقوم المرأة مباشرة بالاتصال بالرجل فهذا محل فتنة.
" أسئلة الباب المفتوح " (السؤال رقم ٨٦٨) .
٣- أما قولك (لكننا لا نريد أن تنتهي المسألة بفرارها عن أهلها للزواج بي)
نحن نشكر لك هذا العمل الرائع الذي ينبئ عن حسن خلقك وعلى رجحان عقلك.
٤- أما قولك (أنا أريد أن أتزوج بها لأنها إنسانة رائعة، ولطيفة، ومحبة، وذكية، وتقية)
وهذا منك يدل على حرصك على الزوجة التي تصلح أن تكون قدوة لأبنائك وتسعى على إراحتك، والأخلاق السامية التي ذكرت بعضا منها فإن الشرع قد جعل بعض الصفات من دواعي النكاح وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) .
ففي هذا الحديث دليل على أنه ينبغي أن يكون أولى الأغراض بالعناية والاهتمام: الدين والخلق.
٥- أما قولك (فأنا أعلم أن الإسلام يرحب بدخول الآخرين إليه)
هذا منك من باب الإنصاف لهذا الدين العظيم الذي جاء رحمة للعالمين.
ومن فضل الله ورحمته أن جعل الإسلام هادماً لما كان قبله من الذنوب والمعاصي، فإذا أسلم الكافر غفر الله له كل ما فعله أيام كفره، وصار نقياً من الذنوب قال تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) الأنفال/٣٨.
وروى مسلم (١٢١) عن عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ﵁ قال: لَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الإِسْلامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأُبَايِعْكَ. فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي. قَالَ: مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟ قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ. قَالَ: تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟ قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي. قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ.
(الإِسْلام يَهْدِم مَا كَانَ قَبْله) أَيْ: يُسْقِطهُ وَيَمْحُو أَثَره. قاله النووي في "شرح مسلم".
أخيرا: وإننا نتفاءل كثيرا بمستقبل سعيد لك لأنّ بداياتك التي تحدّثت عنها في سؤالك جيدة وتبعث على التفاؤل وخصوصا عندما نتدبّر جميعا قول الله تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ) الأنعام/١٢٥، فنسأل الله أن يشرح صدرك لهذا الدين ويرزقك الدخول فيه ولا شكّ أنّ ذلك سيكون خبرا سعيداً للمرأة المسلمة التي ستتزوجها لأنها تعلم أنه لا يمكنها الزواج منك إلا بعد إسلامك كما هي شريعة رب العالمين، ونرحب بك في هذا الموقع سائلا وقارئا ومتعاونا معنا على الخير وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14584
حوار مع بوذي عن الجهاد في الإسلام
[السُّؤَالُ]
ـ[دخلت في حوار مع أحد الأشخاص، وادعى ذلك الشخص أن المسلمين الذين يتبعون التعاليم التي جاء بها محمد ﷺ يقولون بأن أي شخص غير مسلم فهو عرضة للسيف والقتل.أنا لا أصدق ادعاءه هذا، ولكنني لست مسلماً، وأعرف القليل عن الإسلام، وليست لدي الاستطاعة لأرد بها ادعاء هذا الشخص، فما هي تعاليم الإسلام في هذا الأمر؟ وكيف أجيبه؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سؤالك لنا أيها الباحث عن الحقيقة يدل إن شاء الله على رغبة صادقة في معرفة الحقيقة، لكن ألم تسأل نفسك قبل ذلك: لماذا أكتفي بهذا " القليل " الذي أعرفه عن الإسلام؟ لماذا لا أتعرف صورة ذلك الدين كاملة من أهله، وإن استلزم الأمر مني أن أسافر إليهم كما أسافر، ويسافر الناس كثيرا لجمع المال أو للسياحة، أو غير ذلك من الأغراض المادية، وربما التافهة؟!
إن القضية مصيرية؛ أليس من الجائز أن تكون الحقيقة التي تهز قلبك، وتقنع عقلك، هي في هذا القدر الذي تجهله من هذا الدين، أو في الصورة الكاملة الناصعة التي لم ترها؟
والأمر بعد ذلك، أيها الباحث عن الحقيقة، جد خطير: إنها جنة أبدا، أو نار أبدا!!
لكنك تحتاج مع تلك الرغبة الصادقة في معرفة الحقيقة إلى إرادة أصدق في اتباعها، وقوة في نفسك على التزامها، وإن خالفت ما كنت تعتاده من قبل.
ثم إنك حينما تسأل ذلك السؤال تبدو كالمريض الذي ينظر إلى مبضع الطبيب وحِدَّته، وينسى الداء الذي يقتله، ويلعن الكوّاء على حَرْقَته، وينسى الجذام الذي يأكله، وليس هذا شأن العاقلين!!
أفلا تعرفت أولا أهم بواعث الجهاد في الإسلام، قبل أن تسأل عمن يستحق القتل؟!
تلك البواعث التي اختصرها ربعي بن عامر وغيره من أصحاب النبي ﷺ ، ونقلوها لرستم قائد جيش الفرس في معركة القادسية، وهو يسألهم واحدا بعد واحد، في ثلاثة أيام متوالية، قبل المعركة: ما الذي جاء بكم؟ فيكون الجواب: " الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. . فأرسل رسوله بدينه إلى خلقه، فمن قبله منا قبلنا منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه، ومن أبى قاتلناه حتى نفضي [يعني: ننتهي] إلى الجنة أو الظفر [أي: النصر] ".
والواقع الإنساني، أمس واليوم وغدا، يواجه هذا الدين ... بعقبات العقائد المنحرفة والأفكار الباطلة،. . وعقبات سياسية وعسكرية واجتماعية واقتصادية وعنصرية، ... وتختلط هذه بتلك، وتتفاعل معها بصورة معقدة شديدة التعقيد، لينتج عنها في آخر الأمر موقف صارفٌ عن الإسلام جملة، صاد للناس عن سبيله!!
وإذا كان " البيان القولي"، والحوار الجدلي، بالتي هي أحسن، إنما يواجهان العقائد والأفكار المنحرفة، فإن " الحركة الجهادية " تواجه العقبات المادية الأخرى - وفي مقدمتها السلطان السياسي القائم على تلك العوامل المعقدة المتشابكة، وتوجه ضرباتها للقوى السياسية والعسكرية التي تُعَبِّدُ الناسَ لغير الله. . - أي تحكمهم بغير شريعة الله وسلطانه - والتي تحول بينهم وبين الاستماع إلى هذا " البيان" واعتناق تلك " العقيدة "، بحرية لا يتعرض لها السلطان. وهما معا - البيان والحركة الجهادية - يواجهان الواقع البشري " بجملته. بوسائل مكافئة لكل مكوناته. " [انظر: معالم في الطريق، ص ٥٩ وما بعدها]
فتبين بذلك أن (أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده أن يكون الدين لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة، كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمِن ونحوهم، فلا يقتل عند جمهور العلماء، إلا أن يقاتل بقوله أو فعله ... لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله، كما قال الله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) البقرة/١٩٠
وقد ثبت عن نبينا ﷺ أنه مَرَّ على امرأة مقتولة في بعض مغازيه، قد وقف عليها الناس، فقال: (ما كانت هذه لتقاتل) ، وبعث رجلاً إلى خالد بن الوليد – وكان أميراً على مقدمة الجيش – فقال له: قل له: لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا) (وهو الأجير) ولعل المراد إذا لم يكن معه سلاح. [رواه أبو داود ٢٦٦٩ وقال الألباني: حسن صحيح ـ صحيح أبي داود ٢٣٢٤] ...
وذلك أن الله تعالى أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق، كما قال تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ) البقرة/٢١٧، أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد، ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر من منه، فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه ... ) اهـ. بتصرف يسير. [السياسة الشرعية، لابن تيمية ١٦٥-١٦٧] .
وهاهنا أمر جدير بأن ينتبه إليه، وهو أن المحاربة والتعادي والتظالم نزعات قديمة في بني الإنسان ما دام للنفوس مطامع وأهواء، وما دام في بني الإنسان خير وشر. يقول ابن خلدون:
(إن الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة منذ أن بدأ الله الخليقة، وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض ... وهي أمر طبيعي في البشر لا تخلو منه أمة ولا جيل..)
وأين كان المسلمون من الحروب المفظعة التي وقعت بين مختلف الطوائف المسيحية قديما، ثم ما لاقاه البروتستانت على أيدي الكاثوليك؟!
ثم أين كان المسلمون من الحربين العالميتين؟! وأين كانوا من هيروشيما وناجازاكي؟!
لقد يحق لنا أن نقول مع الكونت هنري دي كاستري: (الأقرب إلى الصواب أن يقال: إن مسالمة المسلمين ولين جانبهم كان السبب في سقوط دولتهم) .
وصدق الله العظيم: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحج/٤٠ ولعلك حين تتدبر ذلك، ثم تسمع قول النبي ﷺ : (عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلاسِلِ) صحيح البخاري ٣٠١٠، وقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قَالَ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإِسْلامِ) البخاري ٤٥٥٧، يعني أنهم بحربهم لغيرهم ربما أسروا بعضهم، أو خضع لسلطانهم آخرون، ثم يتعرفون على الإسلام، ويدخلون فيه، وقد كانوا كارهين له أول الأمر ...
لعلك حين تفعل ذلك أن تُقَبِّل يد الطبيب، وإن بقي على جلدك أثر مبضعه ...
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14585
أسلم وأمه تريد منه الرجوع إلى النصرانية
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا طالب من اليونان وأبلغ من العمر ١٨ عاما. وقد أسلمت منذ أسبوعين. وأنا أصلي بشكل عادي خمس مرات في اليوم، وأذهب للمسجد وأدرس القرآن. لكني واجهت بعض المشاكل منذ ذاك. صديقتي قبلت بذلك ونحن نخطط على الزواج في المستقبل. وكذلك فقد قبلت أختي بالأمر. لكن أمي هي المشكلة. فقد دب الفتور في علاقتها معي. فهي تريدني أن أعود للنصرانية مرة أخرى وهي لا تقبل بالإسلام على الإطلاق. لقد قالت لي إن النصارى سينظرون إليّ على أني خائن وسيقول المسلمون إني تابع لهم، لأني ولدت نصرانيا. أنا لم أخبر أبي بأي شيء حتى الآن (فوالداي مطلقان) ، وذلك لأنه لن يقبل بذلك (فهو نصراني أيضا) ولأنه سيتشاجر مع والدتي. أفضل صديق عندي هو مسلم وقد ساعدني كثيرا، لكن والدتي تظن أنه أجبرني على الإسلام، وهذا غير صحيح. لقد درست الإسلام وأدركت أنه الدين الصحيح، وذلك الذي دفعني لاعتناقه. ما هي نصيحتك للتعامل مع أهلي؟ أنا لا أريد أن أخيب أملهما، خصوصا والدتي، لأنها عانت كثيرا بسبب الطلاق. وأشكرك على اهتمامك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نهنئك ونبارك لك، على هذه النعمة التي مَنَّ الله بها عليك، فإنها والله أعظم النعم، وإنه التوفيق الذي نسأل الله أن يدخلك به الجنة، ويجمعك به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فهنيئا لك , ثم هنيئا لك، أقبلت على الله في هذه السن التي أقبل في مثلها الأخيار من أصحاب النبي ﷺ ، كمصعب بن عمير، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وسعد بن معاذ. نهنئك لأن صحيفتك صارت بيضاء نقية، لم تندس بالذنوب، فقد محى الإسلام ما كان قبله، وأنت الآن تستقبل عمرا جديدا، وحياة سعيدة بإذن الله، ونسأل الله أن يحفظك، ويثبت قلبك، ويهدي والديك وإخوانك وأحبابك.
ثانيا:
نحمد الله أنك بدأت طريق الهداية بالذهاب إلى المسجد، ودراسة القرآن، فإن هذا عنوان الخير، كما قال نبينا ﷺ : (مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) رواه البخاري (٧١) ومسلم (١٠٣٧) . وعليك أن تبذل الجهد في حفظ القرآن وترتيله وقيام الليل به، وتعلم أحكامه، والعمل بما فيه، فإن الجنة درجات، وإن صاحب القرآن يقال له في الجنة: اقرأ وارتق، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها.
ثالثا:
إن الموقف الذي بدر من أمك تجاهك، لا يُستغرب، فإن معركتك الحقيقية مع الشيطان، وهو لا يرضى بإسلامك، ولا يحب لك الخير، فلا شك أنه سيستعين بأقاربك، ويوسوس لأهلك، حتى يستخدمهم سلاحا ضدك، ويمنعهم من اللحاق بك في موكب الإيمان الحق، فلا تحزن، ولا تيأس، واستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ليصرف كيده عنك، وكن رفيقا رحيما بأمك، فإنها لو ذاقت طعم الهداية ما وقفت في طريقك، واستعن بالله تعالى في دعوتها، ونصحها، وأكثر من الدعاء لها بالهداية والرحمة، فلعلك توافق ساعة إجابة، فتقر عينك بإسلامهم وصلاحهم.
واعلم أنك لست وحدك في هذا الميدان، فهناك آلاف الناس ممن وفقهم الله لمعرفة الحق، واختيار الإسلام عن رضا وقناعة، وكثير منهم لاقى معارضة وصدودا من أهله، ثم شاء الله بالفتح، وجاء بالفرج، فأسلم البيت كله، بل العائلة كلها، وكان ذلك في ميزان حسنات الابن الموفق، نسأل الله أن يجعلك من هؤلاء وأن يسعدك بإسلام أهلك جميعا.
واعلم أن وجود المعارضة من البيت هو اختبار وابتلاء للمسلم، حتى يظهر صدق إسلامه، وقوة إيمانه، كما قال الله تعالى: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت/١- ٣.
ومن نماذج المؤمنين الصادقين الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص ﵁، كان برّاً بأمه، فلما أسلم امتنعت أمه عن الطعام والشراب، حتى يرجع عن دينه، فأبى ﵁، وثبت على إسلامه، ولم تجد أمه فائدة من إضرابها فعادت لطعامها وشرابها، ومما ورد في ذلك قوله ﵁: (يا أمّه , تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفسا ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي، وإن شئت لا تأكلي. فأكلت) .
انظر: "تفسير ابن كثير" (٣/٤٢٩) .
رابعا:
لقد عالج القرآن هذه المشكلة، لأنها كثيرة الوقوع، لا سيما في الجيل الأول الذي فارق الكفر، واعتنق الإسلام، ولاقى حربا شديدة من قبل الأهل والعشيرة وأقرب الناس، قال الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) لقمان/١٤- ١٥
فلا مجال لطاعة الوالدين في الكفر، بل لا جال لطاعتهما في المعصية، ولكن هذا لا يمنع من الإحسان إليهما، والقيام على شئونهما، وبذل الغالي والنفيس في سبيل هدايتهما، وهذا دليل على عظمة الإسلام، وأنه دين الرحمة والمحبة، لهذا يدعو أتباعه إلى هداية الناس وإدخالهم في النعمة التي دخلوا فيها.
خامسا:
من اختار طريق الهداية، فلا يلتفت إلى كلام الآخرين، ولا يتعجب من صدوره، فإنه أمر متوقع، وإلا فماذا سيقول عنك النصارى؟ هل سيقولون: إنك اهتديت، وعرفت الحق، وآثرته على الأهل والأقارب؟! الجواب: لا، لن يقولوا ذلك، فلا تلتفت لقولهم: خائن أو غير ذلك، وانظر إليهم بعين الشفقة والحرص على هدايتهم، وابذل الجهد حتى تتعلم وتصبح داعية تنتشلهم مما هم فيه من الضلال والانحراف.
وأما ظنُّ أمك أن المسلمين سيقولون: إنك تابع؛ لأنك ولدت نصرانيا، فهذا ليس صحيحا، بل سنقول: إنك أخ لنا , اخترت الهداية، ورجعت للفطرة التي ولدت عليها، فلقد ولدت على الإسلام والتوحيد، وعلماء النصارى يعلمون أن المولود يولد على الفطرة، ولهذا يسارعون إلى تعميد الطفل، ويعتقدون أنه إذا لم يعمّد سيكون مسلما! وهذا دليل على أن الأصل هو الإسلام، وأن الطفل لو ترك على أصله لكان مسلما.
وليس في الإسلام تبعية لأحد إلا لمحمد ﷺ , لأنه النبي الرسول الذي أمرنا باتباعه، وما عدا ذلك فالإسلام يربي أتباعه على الحرية والانعتاق من تسلط الكهنوت والأحبار والرهبان، ولا يحوج العبد إلى واسطة بينه وبين الله تعالى.
وأخيراً.. لقد قلت في سؤالك: إن صديقتك قبلت بإسلامك , وإنكما تخططان للزواج في المستقبل.
وهنا , لابد أن تعلم أن مِنْ حرص الإسلام على عفة أتباعه وطهارة قلوبهم أنه حرم على الرجال اتخاذ الصديقات , ولا يقر الإسلام علاقة بين رجل وامرأة من هذا القبيل إلا إذا كانت في نطاق الزوجية , فإن كانت صديقتك نصرانية , فعليك بدعوتها إلى الإسلام والحرص على هدايتها ففي ذلك خير كثير لكما إن شاء الله تعالى , فإن أبت فأخبرها أن الإسلام قد حرم هذه العلاقة التي بينكما , وأنك لن تقدم رضا أحد كائناً من كان على رضى الرحمن , فإما أن تتزوجا (ويجوز للمسلم أن يتزوج نصرانية) وإما أن تفترقا , إيثاراً لرضى الله .
وأهم ما نوصيك به هو الإحسان إلى أمك وأبيك وإخوانك وأقاربك، والرفق بهم، وتفهم ما يدور بمشاعرهم، وسؤال الله الهداية لهم، واختيار الوسائل الحكيمة لدعوتهم، ومن ذلك: الكلمة الطيبة، والهدية، والزيارة، ودعوتهم لزيارة المسجد، وإعطاؤهم الكتيب والشريط النافع.
نسأل الله أن يحفظك ويرعاك، ويوفقك لكل خير.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14586
شبهة حول ما أخبر به القرآن في شأن عيسى ﵇ !!
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف تطلبون من غير المسلمين أن يصدقوا ما في كتابكم بشأن عيسى، ورفض صلبه، وبنوته لله، مع أن الكتاب المقدس قد أخبر بذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لعله من القول المعاد هنا أن ننبه على أن الأناجيل، أو الكتاب المقدس الذي نتكلم عنه، والذي يوجد في أيدي الناس اليوم، هو شيء آخر غير الذي نزل من عند الله على عبده ورسوله عيسى بن مريم، ﵇؛ فذاك الذي نزل من عند الله لا يصح لأحد إيمانه إذا كفر به، أو بشيء منه، وقد سبق التنبيه على ذلك في السؤال رقم [٤٧٥١٦] .
غير أنه، ولحكمة بالغة، لم يزل تحريف الأيدي، وليّ الألسن يعبث بذلك الكتاب، ولم تزل تعدو عليه صروف الدهر، وحوادث الأيام من قديم، حتى ضاع أصله الإلهي، وانقطع من أيدي الناس، ولم يعد بين أيديهم إلا خليط مختلف من ظلمات الشرك والتثليث، مع بصيص من نور التوحيد، وأخلاط من الكذب والتحريف المتتابع، زمانا بعد زمان، مع أثارة من الصدق وعلم النبيين.
ولقد صار من المتعذر، بل من المستحيل، مع بعد العهد، وتتابع العبث، أن يقطع أحد بصدق شيء من ذلك الكتاب أو كذبه، إلا إذا عرض على الحق المهيمن على ما قبله، والمصدق لما بين يديه، الذي لم يشب نوره الإلهي بظلمة من الجهل أو الهوى، ولا صدقه الخالص بكذبة، أو حتى غلطه، وليس ذلك إلا القرآن الكريم الذي تكفل الله بحفظه، كما قال الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر/٩.
ومع أن واحدا من كبار الدارسين عند القوم، والمدافعين عن الكتاب المقدس، وهو نورتن، حاول أن يدافع عن الكتاب المقدس أمام طعن إكهارن الجرمني، فقد اضطر إلى أن يعترف بأن تمييز الصدق من الكذب في هذا الزمان عسير!!
ومن هنا نصل إلى موضوع السؤال، لنقول: إن من لم يؤمن بالقرآن، لن يصح له كتاب يؤمن به، ومن طعن في صدق النبي، ﷺ ، وصحة دين الإسلام، لم يمكنه أن يقيم دليلا على صحة دينه الذي يتمسك به.
ووجه ذلك أن من طعن في صدق النبي ﷺ ، فيما أخبر به من نبوته، والوحي المنزل عليه من السماء، مع أن ظهرت على يديه المعجزات الدالة على صدقه في ما قال، وبقي حياته يتحدى أعداءه بالكتاب الذي ينسبه إلى وحي ربه أن يأتوا بمثله، أو بشيء منه، بل أن تحدى الإنس والجن جميعا أن يجتمعوا ويتظاهروا، ويتساعدوا، من أجل أن يأتوا بمثل هذا القرآن: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرا ً) الإسراء/٨٨
ولم يحدث أنهم فعلوا وأتوا بمثله، على ما مر من التاريخ بعده، وعلى كثرة ما عارضه من الأعداء، وودوا لو أثبتوا كذبه، وهيهات!!
ثم بقي ذلك النبي بعد ذلك منصورا على أعدائه، لم يبطلوا له حجة، ولا وقفوا له على كذبة في خبر، ولو كان من حديث الناس الذي يألفونه، فضلا عن أن يكذب على ربه الذي أرسله.
وليت شعري، إذا طعنوا في ذلك كله، فأنى لهم أن يقيموا دليلا على صحة "الإلهام" الذي اعتمدوا عليه في تصديق كتبهم، مع أنهم لا يدعون أن هذه الأناجيل أنزلت على عيسى، أو أنه كتبها، أو أملاها، أو حتى كتبت في حياته!!
هذا مع أنه لا يوجد دليل محقق على شخصية الأربعة الذين كتبوا هذه الأناجيل، ومن يكونون، وكيف كانت سيرتهم وحياتهم، وهل كان ما كتبوه كان من من الوحي الإلهي، أو الإلهام، على حد تعبيرهم، أو كان من بنات أفكارهم، ووحي شياطينهم. يقول هورن، أحد كبار مفسري الكتاب المقدس: (إذا قيل إن الكتب المقدسة أوحيت من جانب الله، فلا يراد أن كل لفظ، والعبارة كلها من إلهام الله، بل يُعلم من اختلاف محاورة المصنفين، واختلاف بيانهم أنهم كانوا مُجَازين (؟!) [يعني: كانوا مسموحا لهم] أن يكتبوا على حسب طبائعهم وعاداتهم وفهومهم، ولا يُتخيل أنهم كانوا ملهمين في كل أمر يبينونه، أو في كل حكم كانوا يحكمونه) .
وقد أشارت دائرة المعارف البريطانية إلى خلاف علماء النصارى وباحثيهم في شأن هذا الإلهام: هل كل قول مندرج في الكتب المقدسة إلهامي أو لا؟ ثم علقت في موضع منها (١٩/٢٠) على ذلك: (إن الذين قالوا إن كل قول مندرج فيها إلهامي، لا يقدرون أن يثبتوا دعواهم بسهولة) .
ونقول: ولا بصعوبة!!
وإزاء عشرات المواضع المتضاربة فيما بين هذه الأناجيل، بعضها وبعض، وعشرات الأغلاط التاريخية، والنبوءات الكاذبة التي لم تتحقق، قرر فريدريك جرانت أن (العهد الجديد كتاب غير متجانس، ذلك أنه شتات مجمع، فهو لا يمثل وجهة نظر واحدة تسوده من أوله إلى آخره، لكنه في الواقع يمثل وجهات نظر مختلفة) .
وأما دائرة المعارف الأمريكية فتذكر (أن هناك مشكلة هامة وصعبة تنجم عن التناقض الذي يظهر في نواح كثيرة بين الإنجيل الرابع، والثلاثة المتشابهة؛ إن الاختلاف بينهم عظيم، لدرجة أنه لو قبلت الأناجيل المتشابهة، باعتبارها صحيحة وموثوقا فيها، فإن ما يترتب على ذلك هو عدم صحة إنجيل يوحنا) .
هذا مع اعتبار أن إنجيل يوحنا هو أشد هذه الأناجيل تقريرا لعقيدتهم في التثليث، بل إنهم ليعترفون أنه ألف من أجل تقرير هذه العقيدة التي أخلت بها الأناجيل الأخرى، وقطع اختلاف الناس في شأنها!!
إن الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تتمسك بشدة بعقيدة الإلهام، كأصل للكتاب المقدس، وأكدت على ذلك في مجمع الفاتيكان عام (١٨٦٩-١٨٧٠) ، عادت أمام هذه الحقائق لتعترف، بعد نحو قرن، في المجمع المسكوني الثاني للفاتيكان (١٩٦٢-١٩٦٥) بأن هذه الكتب تحتوي على شوائب، وشيء من البطلان، على ما نقله الباحث الفرنسي الكاثوليكي [الذي أسلم فيما بعد] د موريس بوكاي.
ثم إن من كذب بشيء من معجزات النبي ﷺ ، وأحواله وسيرته الدالة على صدقه، كيف له أن يثبت معجزات هؤلاء الرسل المزعومين الذي كتبوا الأناجيل، أو يدلل على صدقهم في دعوى الإلهام؟!
إن دعوى الإلهام صادقة في زعمهم بدليل شهادة الكتاب المقدس، وما فيه من ذكر معجزاتهم، والكتاب المقدس وما فيه صادق لأنه إلهام!!
وهكذا ينتهي استدلالهم إلى الدور الباطل، كما نقله ريس في دائرة معارفه عن بعض المحققين: فالكتاب المقدس صحيح لأنه إلهام، وإلهامهم صادق لأن الكتاب المقدس شهد به!!
ومن كذب بالقرآن المنقول بالتواتر، الفاشي في مشارق أرض الإسلام ومغاربها، جيلا بعد جيل، حفظا وكتابة، لا تختلف نسخه، ولا تضطرب ولا تتعارض، أنى له أن يثبت صحة الأناجيل التي يعتمد عليها، والتي لم توجد مجرد إشارة لها، فضلا عن أن توجد أعيانها، قبل مضي نحو قرنين من وفاة المسيح، على ما نقله نورتن عن إكهارن الجرمني، ثم ما وقع في مطلع القرن الرابع بالنصارى من البلاء، والهدم لكنائسهم، وتحريق كتبهم، ما يفقد الثقة بكتبهم التي وجدت بعد ذلك: فمتى وجدت، وعند من كانت في فترة الاضطهاد والاستخفاء، وكيف وصلت إلينا، وكيف، وكيف ... ، أسئلة كثيرة تدور حول هذه المعضلة، فيما عبرت عنه دائرة المعارف البريطانية بقولها:
(ليس لدينا أية معرفة مؤكدة بالنسبة للكيفية التي تشكلت بموجبها قانونية الأناجيل الأربعة، ولا بالمكان الذي تقرر فيه ذلك) .
وأما الجهل بالمترجم الذي نقلها عن اللغة الأصلية التي كتبت بها، وما مدى الثقة بعلمه ودينه وكفايته لهذه المهمة، وكيف لنا أن نتأكد من أنه نقلها على وجهها، فذلك لون آخر!!
[يمكن مراجعة تفصيل ما أجملناه في هذا الجواب في: إظهار الحق، للشيخ رحمة الله الهندي، ومناظرة بين الإسلام والنصرانية، للشيخ محمد جميل غازي وآخرين]
والله يهدينا وإياكم إلى صراطه المستقيم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14587
نصراني يريد الإسلام ويسأل عن الصلاة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لم أقرأ عن الصلاة في أي مكان بعد، كيف تُؤدى وماذا نقول فيها وهل هناك شيء مخصص.
كيف يستطيع الشخص أن يسلم إذا لم يكن يعرف العربية؟ أليست العربية هي اللغة الوحيدة التي يجب قراءة القرآن بها وترتيله؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، والمفروض منها خمس صلوات في اليوم والليلة، وهي صلة بين العبد وربه، يجد فيها الإنسان راحته وسعادته وطمأنينته. يقف بين يدي ربه، يخاطبه بكلامه، يدعوه، يناجيه، يسجد بين يديه، يبث إليه همومه وأحزانه، يفزع إليه في ملماته.
ومهما قيل لك عن الصلاة، فلن يفي ذلك بحقها، فلا يعرف طعمها إلا من ذاقها وأحيا بها ليله، وعمر بها نهاره، فهي قرة عيون الموحدين، ولذة قلوب المؤمنين.
وقد شرع الله لها طهارة تسبقها، تنظف الجسد، وتذهب الدرن، وتنفي الذنوب، فلا يغسل المسلم عضوا من أعضائه، إلا تقاطرت الذنوب منه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، كما أخبر بذلك النبي ﷺ .
وأما صفتها فإنها القيام والتكبير والقراءة والركوع والسجود، وما عليك إلا أن تتوجه إلى أحد المراكز الإسلامية في بلدك لترى صلاة المسلمين، وتقف على حقيقتها.
وعدم معرفة الإنسان باللغة العربية لا يؤثر على إسلامه، ولا يحرمه من شرف الانتساب إليه، فكم من رجل يشرح الله صدره للإسلام كل يوم، ممن لا يعرف من العربية حرفا.
وهناك آلاف من المسلمين في الهند وباكستان والفلبين وغيرها يحفظون القرآن عن ظهر قلب، وقد لا يحسن أحدهم أن يتكلم بالعربية دقائق معدودة، وذلك من تيسير الله تعالى للقرآن، وتسهيل حفظه على الناس، كما قال: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) القمر / ١٧.
ويجب على المسلم في الصلاة أن يقرأ سورة الفاتحة باللغة العربية، ويجب عليه أن يتعلمها، فإن عجز عن ذلك، وعرف منها آية واحدة كررها سبع مرات، عدد آيات الفاتحة فإن عجز عن ذلك قال: سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، انظر السؤال رقم ٥٤١٠
والأمر يسير والحمد لله، فكم من إنسان يجيد لغة غير لغته، بل ولغتين وثلاثا، فهل يعجز عن حفظ ثلاثين أو أربعين كلمة يحتاجها في صلاته؟!
ولو كانت اللغة عائقا لما وجد ملايين المسلمين من غير العرب، وهم يؤدون عباداتهم بيسر والحمد لله.
فبادر إلى الإسلام، وسارع إلى الدخول فيه، فإن الإنسان لا يدري متى يحين أجله، ولعل الله أن ينقذك وينجيك ويسلمك من سخطه وعذابه.
وما عليك إلا أن تقول: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، لتدخل في هذا الدين العظيم، وستجد من إخوانك وأحبابك المسلمين، من يقفون معك، ويمدون يد العون إليك لتتعلم الصلاة وغيرها من أمور الإسلام.
وللأهمية راجع الأسئلة التالية: (٢١٩) (١٢٣٧٦) (٦٣٨٩) (٦٧٠٦) (٣٧٨) (٢٥٨٥) (٢٠٢٣٩) (١٠٥٩٠) (٤٣١٩)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14588
حوار مع نصراني حول صلب المسيح
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا يصعب على المسلمين أن يؤمنوا بأن المسيح قد صلب لمحو ذنوبنا، ويرفضون فكرة الصلب من أصلها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أما رفض المسلمين لهذه الفكرة فليس فيه عجب ولا غرابة، إذ كان القرآن الذي يؤمنون به، ويصدقون بخبره قد نفى ذلك الأمر نفيا قاطعا، كما قال الله تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً) النساء/١٥٧
لكن الشأن إنما هو في النصارى الذين صارت عقيدة الصلب والفداء عندهم من الأهمية بمكانٍ، بحيث صار الصليب شعارا لدينهم!!
والعجيب أنهم يختلفون في شكل هذا الصليب اختلافا يُلمح إلى تخبطهم في أصل هذه الفرية!!
إن كل ما يتعلق بقصة الصلب هو محل اختلاف بين أناجيلهم ومؤرخيهم:
فقد اختلفوا في وقت العشاء الأخير بزعمهم، الذي كان مقدمة من مقدمات الصلب، واختلفوا في التلميذ الخائن الذي دل على السيد المسيح:
هل كان قبل العشاء الأخير بيوم على الأقل، كما يروي لوقا، أو أثناءه، بعد أن أعطاه المسيح اللقمة، كما يروي يوحنا؟!
وهل المسيح هو الذي حمل صليبه كما يروي يوحنا، على ما كان معتادا فيمن يصلب، على حد قول نيتنهام، أو هو سمعان القيرواني، كما يروي الثلاثة الآخرون؟!
وإذا كانوا قد ذكروا أن اثنين من اللصوص صلبا كما صلب المسيح، أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فما كان موقف هذين المصلوبين من المسيح المصلوب، بزعمهم:
هل عيره اللصان بصلبه، وأن ربه أسلمه إلى أعدائه، أو عيره أحدهما فقط، والثاني انتهر هذا المُعَيِّر؟!
ثم في أي ساعة كان هذا الصلب: الثالثة كما يروي مرقس، أو السادسة كما يروي يوحنا؟!
وماذا حدث بعد الصلب الذي زعموه:
إن مرقس يروي أن حجاب الهيكل قد انشق من فوق إلى أسفل، ويزيد متى أن الأرض تزلزلت، والصخور تشققت، وقام كثير من القديسين من قبورهم، ودخلوا المدينة المقدسة، وظهروا لكثيرين، بينما لوقا يروي أن الشمس أظلمت، وانشق حجاب الهيكل من وسطه، فلما رأى قائد المائة ما كان، مجد الله قائلا: بالحقيقة كان هذا الإنسان بارا.
وأما يوحنا فلا يعلم عن ذلك شيئا!!
وليس هذا فقط هو كل ما تحويه قصة الصلب، كما توردها الأناجيل، من عناصر الضعف، ودلائل البطلان، وإنما يمكن للناظر في تفاصيل الروايات التي توردها الأناجيل لهذه القصة أن يلمس بأدنى نظر ما بينها من اختلاف شديد في تفاصيل تلك القصة، وما دار حولها، بحيث يتعذر الإيمان بذلك كله، أو التصديق بأي ذلك كان!!
وكم هي شاقة تلك المحاولة اليائسة لسد تلك الثغرات، وستر عورات الكتب المحرفة، وصدق الله العظيم إذ يقول في كتابه المحفوظ: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختِْلافاً كَثِيراً) النساء/٨٢ إنها محاولة قروي ساذج لإقناع العلماء أن قنابل الذَّرَّة مصنوعة من كيزان الذٌّرَة، على حد تعبير بعض الدعاة!!
وبعيدا عن سقوط الثقة بأخبار الأناجيل المحرفة، والتي اعترف أهلها أنفسهم بأنها لم تنزل على المسيح هكذا، بل ولا كتبت في حياته، فإن شهود الإثبات جميعاً لم يحضروا الواقعة التي يشهدون فيها، كما قال مرقس: ﴿فتركه الجميع وهربوا﴾ (مرقس ١٤/٥٠)
وإزاء ذلك الموقف الذي لم يشهده أحد ممن حكاه، فلتذهب الظنون كل مذهب، والخيال مثل الشِّعر: أعذبه أكذبه!!
ولنكمل صورة الحديث عن أسطورة صلب المسيح ﵇، بما ذكرته الأناجيل من تنبؤات المسيح بنجاته من القتل:
ذات مرة أرسل الفريسيون ورؤساء الكهنة الحرس ليمسكوا به، فقال لهم:
﴿سأبقى معكم وقتا قليلا، ثم أمضي إلى الذي أرسلني، ستطلبوني فلا تجدوني، وحيث أكون أنا لا تقدرون أن تجيئوا﴾ [يوحنا: ٧/٣٢-٣٤﴾
وفي موقف آخر يقول:
﴿أنا ذاهب، وستطلبوني، وفي خطيئتكم تموتون، وحيث أنا ذاهب لا تقدرون أنتم أن تجيئوا.
فقال اليهود: لعله سيقتل نفسه، لأنه قال: حيث أنا ذاهب لا تقدرون أن تجيئوا.
وقال لهم: أنتم من أسفل، أما أنا فمن فوق، أنتم من هذا العالم، وما أنا من هذا العالم.....
متى رفعتم ابن الإنسان، عرفتم أني أنا هو، وأني لا أعمل شيئا من عندي، ولا أقول إلا ما علمني الآب، والآب الذي أرسلني هو معي، وما تركني وحدي، لأني في كل حين أعمل ما يرضيه﴾ . [يوحنا: ٨/٢١-٢٩]
ثم يعود ليقول لهم آخر الأمر:
﴿لن تروني إلا يوم تهتفون: تبارك الآتي باسم الرب. وخرج يسوع من الهيكل ... ﴾ [متى: ٣٢/٣٩، ٢٤/١] وأيضا: [لوقا ١٣/٣٥] .
لقد كان المسيح، كما تصوره هذه النصوص وغيرها أيضا، على ثقة من أن الله ـ تعالى ـ لن يسلمه إلى أعدائه، ولن يتخلى عنه:
﴿تجيء ساعة، بل جاءت الآن، تتفرقون فيها، كل واحد في سبيله، وتتركوني وحدي؛ ولكن لا أكون وحدي، لأن الآب معي ... ستعانون الشدة في هذا العالم، فتشجعوا؛ أنا غلبت العالم!!﴾ [يوحنا: ١٦/٣٢-٣٣] .
ولأجل هذا كان المارة، بل كل من حضر التمثيلية المزعومة لصلبه (!!) يسخرون من المسيح، حاشاه من ذلك ﷺ ، كما يقول كاتب هذا الإنجيل:
﴿وكان المارة يهزون رؤوسهم ويشتمونه، ويقولون: ... إن كنت ابن الله، فخلص نفسك، وانزل عن الصليب. وكان رؤساء الكهنة، ومعلمو الشريعة والشيوخ يستهزئون به، فيقولون: خلَّصَ غيره، ولا يقدر أن يخلص نفسه؟! هو ملك إسرائيل، فلينزل الآن عن الصليب لنؤمن به؛ توكَلَ على الله وقال: أنا ابن الله، فلينقذه الله إن كان راضيا عنه. وعيره اللصان المصلوبان معه أيضا، فقالا مثل هذا الكلام.﴾
لكن يبدو أن يقين عسى بمعية الله له قد بدأ يتزعزع، على ما تصوره أناجيلهم المحرفة، حاشاه ﵇ من ذلك:
﴿جاء معهم يسوع إلى موضع اسمه جَتْسِماني، فقال لهم: اجلسوا ههنا حتى أذهب وأصلّي هناك، ثم أخذ معه بطرس وابني زبدي، وبدأ يشعر بالحزن والكآبة، فقال لهم: نفسي حزينة حتى الموت، امكثوا ههنا واسهروا معي. وابتعد عنهم قليلاً وارتمى على وجهه، وصلّى فقال: إن أمكن يا أبي فلتعبر عني هذه الكأس، ولكن ليس كما أريد أنا، بل كما أنت تريد. ثم جاء إلى التلاميذ فوجدهم نياماً.. وابتعد ثانية، وصلّى فقال: يا أبي إذا كان لا يمكن أن تعبر عني هذه الكأس، إلا إن أشربها، فلتكن مشيئتك، ثم جاء فوجدهم أيضاً نياماً ... وعاد إلى الصلاة مرة ثالثة، فردد الكلام نفسه. ثم رجع إلى التلاميذ، وقال لهم: أنيام بعدُ ومستريحون؟! جاءت الساعة التي فيها يُسْلَم ابن الإنسان إلى أيدي الخاطئين﴾ [متى ٢٦/٣٦ -٤٠] .
ويصف لوقا المشهد، فيقول: ﴿ ... ووقع في ضيق، فأجهد نفسه في الصلاة، وكان عرقه مثل قطرات دم تتساقط على الأرض، وقام عن الصلاة، ورجع إلى التلاميذ فوجدهم نياما من الحزن، فقال لهم ما بالكم نائمين، قوموا وصلوا لئلا تقعوا في التجربة﴾ [لوقا ٢٢/٤٤] .
ولأجل هذا الاستهزاء بدعوى المسيح، في زعمهم، ولأجل ما كان يظنه المسيح من أن الله معه ولن يخذله، كان منطقيا أن ينهي الكاتب الذي افترى هذا المشهد الدرامي، بلقطة بائسة تمثل حسرة المسيح، وخيبة ظنه في معية الله له، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، يقول الكاتب المفتري:
﴿وعند الظهر خيم على الأرض كلها ظلام حتى الساعة الثالثة , ونحو الساعة الثالثة صرخ يسوع بصوت عظيم: إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟!!﴾ [متى: ٢٧/٣٨-٤٧] وأيضا:
[مرقس: ١٥/٢٩-٣٥] .
وإذ قد عرفنا قيمة تلك القصة في ميزان النقد، فإن ما بني عليها من عقيدة الفداء والتضحية تبع لها.
وانظر أيضا حول عقيدة الفداء عند النصارى: السؤال رقم [٦]
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، لا رب سواه.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14589
ما حكم العيش مع والدة كافرة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم العيش مع والدة كافرة ونقل الزوجة لنفس البيت للعيش معها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا مانع من أن يعيش الولد مع والدته الكافرة، أو أن تعيش هي معه، وقد يكون هذا سبباً في هدايتها إذا أحسن الولد لها في المعاملة، وأحسن في عرض الإسلام عليها، والبعد عنها قد يكون سبباً في تأخير هدايتها.
والمسلم مأمورٌ بالإحسان إلى والديه وبرهما حتى لو كانوا كفَّاراً، ولا يحل للمسلم أن يعقهما أو يسيء إليهما في القول أو الفعل، على أن ذلك لا يعني أن يطيعها في المعصية أو يداهنها في الكفر الذي تعتنقه.
أ. قال تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون﴾ العنكبوت / ٨.
ب. وقال تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون﴾ لقمان / ١٥.
ت. وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيتُ رسول الله ﷺ ، فقلت: إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال: " نعم، صِلي أمك ".
رواه البخاري (٢٤٧٧) ومسلم (١٠٠٣) .
ث. عن سعد بن أبي وقاص: أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفتْ أم سعد أن لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمتَ أن الله وصاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا، قال: مكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابنٌ لها يقال له " عمارة " فسقاها فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله في القرآن هذه الآية ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك على أن تشرك بي﴾ وفيها: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾ ... .
رواه مسلم (١٧٤٨) .
هـ. وهذه فتوى للشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في حكم طاعة الوالدين في حلق اللحية:
السؤال: عن حكم طاعتك لوالدك في حلق اللحية.
فأجاب الشيخ ﵀:
بأنه لا يجوز لك طاعة والدك في حلق اللحية، بل يجب توفيرها وإعفاؤها؛ لقول النبي ﷺ : " أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين "، ولقوله ﷺ : " إنما الطاعة في المعروف "، وإعفاء اللحية واجب وليس بسنَّة حسب الاصطلاح الفقهي؛ لأن الرسول ﷺ أمر بذلك، والأصل في الأمر الوجوب، وليس هناك صارف عنه.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٨ / ٣٧٧ – ٣٧٨) .
وانظر جواب السؤالين (٥٠٥٣) و (٦٤٠١) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14590
تسأل عن حقوق المرأة في الإسلام
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي حقوق المرأة في الإسلام؟ وكيف تغيرت منذ العصر الذهبي للإسلام (من القرن الثامن إلى الثاني عشر) إن طرأ عليها تغييرات؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لقد كرم الإسلام المرأة تكريما عظيما، كرمها باعتبارها (أُمّاً) يجب برها وطاعتها والإحسان إليها، وجعل رضاها من رضا الله تعالى، وأخبر أن الجنة عند قدميها، أي أن أقرب طريق إلى الجنة يكون عن طريقها، وحرم عقوقها وإغضابها ولو بمجرد التأفف، وجعل حقها أعظم من حق الوالد، وأكد العناية بها في حال كبرها وضعفها، وكل ذلك في نصوص عديدة من القرآن والسنة.
ومن ذلك: قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) الأحقاف/١٥، وقوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء/٢٣، ٢٤.
وروى ابن ماجه (٢٧٨١) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ السُّلَمِيِّ ﵁ قَال َ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الآخِرَةَ: قَالَ: وَيْحَكَ أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ارْجِعْ فَبَرَّهَا. ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنْ الْجَانِبِ الآخَرِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، قَالَ: وَيْحَكَ! أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَارْجِعْ إِلَيْهَا فَبَرَّهَا. ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنْ أَمَامِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، قَالَ: وَيْحَكَ! أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَيْحَكَ الْزَمْ رِجْلَهَا فَثَمَّ الْجَنَّةُ) صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة. وهو عند النسائي (٣١٠٤) بلفظ: (فَالْزَمْهَا فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْهَا) .
وروى البخاري (٥٩٧١) ومسلم (٢٥٤٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ.قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ) .
إلى غير ذلك من النصوص التي لا يتسع المقام لذكرها.
وقد جعل الإسلام من حق الأم على ولدها أن ينفق عليها إذا احتاجت إلى النفقة، ما دام قادرا مستطيعا، ولهذا لم يعرف عن أهل الإسلام طيلة قرون عديدة أن المرأة تُترك في دور العجزة، أو يخرجها ابنها من البيت، أو يمتنع أبناؤها من النفقة عليها، أو تحتاج مع وجودهم إلى العمل لتأكل وتشرب.
وكرم الإسلام المرأة زوجةً، فأوصى بها الأزواج خيرا، وأمر بالإحسان في عشرتها، وأخبر أن لها من الحق مثل ما للزوج إلا أنه يزيد عليها درجة، لمسئوليته في الإنفاق والقيام على شئون الأسرة، وبين أن خير المسلمين أفضلُهم تعاملا مع زوجته، وحرم أخذ مالها بغير رضاها، ومن ذلك قوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) النساء/١٩، وقوله: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) البقرة/٢٢٨.
وقوله ﷺ : (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا) رواه البخاري (٣٣٣١) ومسلم (١٤٦٨) .
وقوله ﷺ : (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي) رواه الترمذي (٣٨٩٥) وابن ماجه (١٩٧٧) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وكرمها بنتا، فحث على تربيتها وتعليمها، وجعل لتربية البنات أجرا عظيماً، ومن ذلك: قوله ﷺ : (مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ) رواه مسلم (٢٦٣١) .
وروى ابن ماجه (٣٦٦٩) عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ كَانَ لَهُ ثَلاثُ بَنَاتٍ، فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ، وَأَطْعَمَهُنَّ وَسَقَاهُنَّ وَكَسَاهُنَّ مِنْ جِدَتِهِ كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
وقوله: (من جِدَته) أي من غناه.
وكرم الإسلام المرأة أختا وعمة وخالة، فأمر بصلة الرحم، وحث على ذلك، وحرم قطيعتها في نصوص كثيرة، منها: قوله ﷺ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ) رواه ابن ماجه (٣٢٥١) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
وروى البخاري (٥٩٨٨) عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: قال اللَّهُ تعالى – عن الرحم-: (مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ) .
وقد تجتمع هذه الأوجه في المرأة الواحدة، فتكون زوجة وبنتا وأما وأختا وعمة وخالة، فينالها التكريم من هذه الأوجه مجتمعة.
وبالجملة؛ فالإسلام رفع من شأن المرأة، وسوى بينها وبين الرجل في أكثر الأحكام، فهي مأمورة مثله بالإيمان والطاعة، ومساوية له في جزاء الآخرة، ولها حق التعبير، تنصح وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتدعو إلى الله، ولها حق التملك، تبيع وتشتري، وترث، وتتصدق وتهب، ولا يجوز لأحد أن يأخذ مالها بغير رضاها، ولها حق الحياة الكريمة، لا يُعتدى عليها، ولا تُظلم. ولها حق التعليم، بل يجب أن تتعلم ما تحتاجه في دينها.
ومن قارن بين حقوق المرأة في الإسلام وما كانت عليه في الجاهلية أو في الحضارات الأخرى علم حقيقة ما قلناه، بل نجزم بأن المرأة لم تكرم تكريما أعظم مما كرمت به في الإسلام.
ولا داعي لأن نذكر حال المرأة في مجمتع الإغريق أو الفرس أو اليهود، لكن حتى المجتمعات النصرانية كان لها موقف سيء مع المرأة، فقد اجتمع اللاهوتيون في "مجمع ماكون" ليبحثوا: هل المرأة جسد بحت أم جسد ذو روح؟! وغلب على آرائهم أنها خِلْو من الروح الناجية، ولا يستثنى من ذلك إلا مريم ﵍.
وعقد الفرنسيون مؤتمرا سنة ٥٨٦م للبحث في شأن المرأة: هل لها روح أم لا؟ وإذا كانت لها روح هي روح حيوانية أم روح إنسانية؟ وأخيرا قرروا أنها إنسان! ولكنها خلقت لخدمة الرجل فحسب.
وأصدر البرلمان الإنجليزي قرارا في عصر هنري الثامن يحظر على المرأة أن تقرأ "العهد الجديد" لأنها تعتبر نجسة.
والقانون الإنجليزي حتى عام ١٨٠٥ م كان يبيح للرجل أن يبيع زوجته، وقد حدد ثمن الزوجة بستة بنسات.
وفي العصر الحديث أصبحت المرأة تطرد من المنزل بعد سن الثامنة عشرة لكي تبدأ في العمل لنيل لقمة العيش، وإذا ما رغبت في البقاء في المنزل فإنها تدفع لوالديها إيجار غرفتها وثمن طعامها وغسيل ملابسها!
ينظر: "عودة الحجاب" (٢/٤٧- ٥٦) .
فكيف يقارن هذا بالإسلام الذي أمر ببرها والإحسان إليها وإكرامها، والإنفاق عليها؟!
ثانياً:
وأما تغير هذه الحقوق عبر العصور، فلا تغير فيها من حيث المبدأ والتأصيل النظري، وأما من حيث التطبيق فالذي لا شك فيه أن العصر الذهبي للإسلام كان المسلمون فيه أكثر تطبيقا لشريعة ربهم، ومن أحكام هذه الشريعة: بر الأم والإحسان إلى الزوجة والبنت والأخت والنساء بصفة عامة. وكلما ضعف التدين كلما حدث الخلل في أداء هذه الحقوق، لكن لا تزال طائفة إلى يوم القيامة تتمسك يدينها، وتطبق شريعة ربها، وهؤلاء هم أولى الناس بتكريم المرأة وإيصال حقوقها إليها.
ورغم ضعف التدين عند كثير من المسلمين اليوم إلا أن المرأة تبقى لها مكانتها ومنزلتها، أمّاً وبنتا وزوجة وأختا، مع التسليم بوجود التقصير أو الظلم أو التهاون في حقوق المرأة عند بعض الناس، وكل مسئول عن نفسه.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14591
هل يسمح لخالته النصرانية بالبقاء معه في السكن حتى يدعوها للإسلام ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أعمل وأعيش حاليا في أمريكا، وأسأل ما إذا كان يحرم علي أن أسمح لخالتي غير المسلمة أن تعيش معي. المذكورة نصرانية وأنا أدعوها للإسلام لكن بعض كبار السن يكونون عنيدين. فما هو الدليل من الكتاب والسنة حول العيش هنا معهم؟ وإذا كان علماء الأمة تناولوا هذه المسألة، فما هو قولهم فيما نواجهه في أمريكا وبريطانيا تحديدا أو غيرهما من البلدان غير الإسلامية ونحن نشكل أقلية في أماكن إقامتنا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
يجوز لك السماح لخالتك، بأن تبقى معك؛ لأجل دعوتها إلى الإسلام وترغيبها فيه بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن رؤيتها لكم، ومعاينتها لأخلاقكم وحسن تعاملكم، قد تكون سببا لانشراح صدرها، واطمئنان نفسها لهذا الدين العظيم، وكثيرا ما تكون الأخلاق والمعاملة أبلغ بكثير من الأقوال والمواعظ. فاجتهد في ذلك، فلأن يهديها الله على يديك خير لك من الدنيا وما فيها.
وينبغي أن تتحلى بالصبر والحلم، وأن تقابل السيئة بالحسنة، والخطأ بالعفو والصفح، كما قال تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فصلت/٣٤
ومما يدل على جواز إبقاء الكافر بين المسلمين، ليرى أخلاقهم ويتعرف على دينهم، ما جاء في قصة ثُمامة بن أُثال، وربطه في المسجد ثلاثة أيام، بعد أن أسره المسلمون، ثم عفى عنه النبي ﷺ فأسلم. وقصته في صحيح البخاري (٤٣٧٢) ومسلم (١٧٦٤) .
والخالة لها حق في صلة الرحم لقرابتها، ولو كانت كافرة، فقد قال النبي ﷺ : (الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ) رواه البخاري (٢٧٠٠)
وروى الترمذي (٣٩٧٥) عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا فَهَلْ لِي تَوْبَةٌ قَالَ هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ قَالَ لا قَالَ هَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَبِرَّهَا) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وقال ﷺ لأسماء: (صِلِي أُمَّكِ) رواه البخاري (٢٦٢٠) ومسلم (١٠٠٣) ، وكانت أمها كافرة
ثانيا:
إقامة الإنسان في البلدان غير الإسلامية لا بد فيها من شرطين أساسين، بينهما أهل العلم. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" الأول: أمن المقيم على دينه، بحيث يكون عنده من العلم والإيمان وقوة العزيمة ما يطمئنه على الثبات على دينه والحذر من الانحراف والزيغ، وأن يكون مضمرا لعداوة الكافرين وبغضهم، مبتعدا عن موالاتهم ومحبتهم، فإن موالاتهم ومحبتهم مما ينافي الإيمان، قال الله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) المجادلة/٢٢. وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) المائدة/ ٥١، ٥٢، وثبت في الصحيح عن النبي، ﷺ : (الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ) رواه البخاري (٦١٦٨) ومسلم (٢٦٤١)
ومحبة أعداء الله من أعظم ما يكون خطرا على المسلم، لأن محبتهم تستلزم موافقتهم واتباعهم، أو على الأقل عدم الإنكار عليهم،.."
الشرط الثاني: أن يتمكن من إظهار دينه، بحيث يقوم بشعائر الإسلام بدون ممانع، فلا يمنع من إقامة الصلاة والجمعة والجماعات إن كان معه من يصلي جماعة ومن يقيم الجمعة، ولا يمنع من الزكاة والصيام والحج وغيرها من شعائر الدين، فإن كان لا يتمكن من ذلك لم تجز الإقامة لوجوب الهجرة حينئذ " انتهى من "شرح الأصول الثلاثة" للشيخ ابن عثيمين ﵀، ضمن مجموع الفتاوى له (٦/١٣٢) .
ومن لم يتوفر فيه هذان الشرطان وجبت عليه الهجرة إلى ديار الإسلام، إن كان قادرا على ذلك، فإن عجز عن الهجرة، فهو معذور؛ لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا * فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) النساء/٩٧- ٩٩، وانظر "المغني" لابن قدامة (٨/٤٥٧) .
وانظر للأهمية سؤال رقم (٢٢٣٠٩)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14592
تريد أن تسلم هي وصديقها المتزوج فهل لهما أن يتزوجا بعد الإسلام ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أحب صديقي حبا شديدا لكني وجدت أنه متزوج، ونحن نريد حقا أن نكون مع بعضنا، لكنه يحب أبناءه، وزوجته لا تريد الطلاق. لقد قررنا أن نغير ديننا – الكاثوليكية - ونسلم. فهل يمكننا ذلك؟ وإذا أسلم، فهل يمكنه أن يتزوجني حتى إن كان متزوجا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم، يمكنكما الدخول في الإسلام، وسيكون هذا أعظم قرار تتخذانه في هذه الحياة، لما يترتب عليه من السعادة الأبدية، إن شاء الله. ويسرنا أن نتلقّى منكما هذا الخبر السار في أقرب وقت.
وإذا أسلم صديقك فلا مانع من زواجه منك، ولو كان متزوجا بأخرى، إذا كان لديه القدرة المالية والبدنية، وكان يرى من نفسه أنه يستطيع العدل بينكما في المبيت والنفقة والسكنى، وكل ما يمكن فيه العدل، فإن خاف عدم العدل، اقتصر على واحدة؛ لقول الله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) النساء/٣.
وينظر السؤال (١٢٥٢٣) ، (٤٩٠٤٤)
نسأل الله أن يوفقكما لما فيه الخير والهدى والفلاح.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14593
هل تقطع علاقتها مع بعض الكافرات أم تستغلها في الدعوة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا امرأة لي مراسلات مع أوربيات وأمريكيات عن طريق الإنترنت نقوم بتبادل الهدايا وأمور الخياطة وذلك منذ سنتين. حاولت مناقشتهن في الإسلام لكن توقفت خوفا من عدم تمكني من الدعوة وبالتالي الوقوع في الخطأ. ماذا تنصحني هل أقطع علاقتي بهن نهائيا أم أستمر بقصد دعوتهن للإسلام رغم الصعوبات وكيف أبدأ؟ وهل تعتبر هذه العلاقة صداقة وما حكمها شرعا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا يجوز للمسلم أو المسلمة اتخاذ صديق أو صديقة من غير المسلمين؛ لنهي الله تعالى عن مودة الكافرين وموالاتهم واتخاذهم بطانة، كما في قوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) المجادلة/٢٢، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) المائدة/٥١، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) آل عمران/١١٨.
ثانيا:
يجوز للمسلم مراسلة هؤلاء، وتقديم الهدايا لهم، بغرض دعوتهم للإسلام، وترغيبهم فيه، بشرط أن يكون متحصنا بالعلم والإيمان، متمكنا من الدعوة، مطلعا على شبهات القوم وأساليبهم. أما غير المتمكن فليس له أن يزج بنفسه في هذا المجال؛ لما قد يعترضه من الفتن، أو يأتيه من الشبهات التي لا يقدر على ردها، فيكون هذا سبب انحرافه وهلاكه، عياذا بالله من ذلك.
ثالثا:
إذا كانت مراسلة هؤلاء تقتصر على تبادل أمور الخياطة، والاستفادة منهم في ذلك من غير أن يصل الأمر إلى محبتهم ومودتهم وتهنئتهم بأعيادهم – مثلاً – فلا حرج في ذلك إن شاء الله تعالى، فقد كان النبي ﷺ يتعامل مع اليهود بيعاً وشراء.
بل لا حرج من تقديم بعض الهدايا لهم بشرط أن يكونوا غير محاربين للإسلام والمسلمين، فإن الله تعالى قال: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة/٨.
قال السعدي ﵀ (ص ١٠١٦) :
" أي لا ينهاكم الله عن البر والصلة والمكافأة بالمعروف والقسط للمشركين من أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم في هذه الحالة لا محذور فيها " انتهى.
رابعاً:
وسائل الدعوة كثيرة ومتنوعة، منها:
١- الحوار المباشر، وينبغي أن يرتكز على بيان محاسن الإسلام، وحقيقة التوحيد، وأهمية الإيمان، وصدق رسالة محمد ﷺ ، ثم بيان بطلان ما سواه من الأديان الأخرى، وما أصابها من التحريف والتغيير والتبديل.
٢- إهداء الكتب والنشرات التي تتحدث عن الإسلام وترغب في الدخول فيه.
٣- دلالة الآخرين على المواقع المختصة بتوضيح الإسلام، والدعوة إليه، والإجابة على شبهات المخالفين، ومجادلتهم بالتي هي أحسن.
ولا بد أن يكون الداعي إلى الإسلام متحصنا بالعلم الشرعي والإيمان القوي الذي يقف في وجه الشبهات والشهوات، وإلا فليدع المجال لغيره، وليتق الله في نفسه ولا يوردها المهالك، وليحذر المسلم أن يتسرب إلى قلبه شيء من مودة الكافر ومحبته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14594
عدم صحة العمل قبل التلفظ بالشهادتين
[السُّؤَالُ]
ـ[منذ سنتين وأنا أقرأ القرآن، وقد انتهيتُ تقريباً من قراءته كاملاً، ومع قراءتي للقرآن فقد تعاظم اقتناعي بحقيقة القرآن، كما أني بدأت هذا العام - ولأول مرة - في الصيام مع صديقاتي.
وقد حدثَ أن بدأت الدورة الشهريَّة في صيام اليوم الثاني من أيام رمضان، وسألت صديقتين عن ذلك، فحصلتُ على إجابتين متناقضتين، فقد قالت الأولى بأن أستمر في الصيام، بينما قالت الأخرى أن أتوقف، ثم سألت صديقاً فنصحني بالتوقف عن الصيام.
وقد قرأتُ أمس مقالاً يتعلق برمضان، حيث ورَد فيه أنَّ الشخص إذا لم يقل الكلمة (ربما تقصد الشهادتين) ، فإنَّ صيامه لن يقبل، ولن أكرر قصَّتي مرة أخرى، لكني بعثتُ بالكلمة إلى صديق / صديقة على صورة رسالة قصيرة ترسل عبر الهاتف (SMS) وجميعُهم يعلمون أنِّي آمنتُ حقّاً.
وضعي لا يسمح لي (بإعلان الإسلام) والعيش كما يعيش المسلمون، وقد سألتُ الله أن يساعدني، وأنا أؤمن أنه يعلم حقيقة حالي.
فهل يجوز لي أن أكمل صيامي، أم أتوقف عن ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله أن يشرح صدركِ للإسلام، وأن يساعدكِ على التمسك بشعائره الظاهرة والباطنة، ولا شك أن حرصكِ على قراءة القرآن، وحرصك على الصيام يدل على أنك تملكين رصيداً كبيراً من الخير، وحب العمل الصالح، نسأل الله أن يوفقك ويساعدك، لكن يجب أن تعلمي أن هذا الدين العظيم، إنَّما هو من عند الله الحكيم العليم، فما أمر الله به، وما أمر به الرسول ﷺ فهو الدين، ولا يمكن أن نعرف الدِّين إلا مِن طريقِ الرسول ﷺ فهو المبلِّغ عن الله تعالى.
وقد أخبرَنا الرسول ﷺ في أكثر مِن حديثٍ أن الله لا يقبل شيئاً مِن الأعمال الصالحة إلا بعد أن يتلفظ صاحبُها بالشهادتين، بل كان يأمر أصحابَه ألا يأمروا أحداً بشيءٍ من شعائر الدين حتى يأتي بالشهادتين، ففي صحيح البخاري (٧٣٧٢) وصحيح مسلم (١٩) أن النَّبي ﵊ لما أرسل معاذاً إلى اليمن ليدعوَ أهل الكتاب للإسلام قال له: " إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ َلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ ... الحديث " وفي رواية في صحيح مسلم أنه قال " فليكن أول ما تدعوهم إليه ... "
وبهذا يتبين لكِ - وفقكِ الله للخير - أن التلفظ بالشهادتين أول واجبٍ يفعله المسلم إذا أراد أن يُسلم، ولا يشترط أن تعلني ذلك لأهلك إن كنتِ غير مستطيعة وتخشين على نفسك ودينك، بل يكفي أن تقوليها بلسانك بينك وبين نفسك حتى إذا استطعت إعلانها وجب عليك ذلك.
وأما بالنسبة للصيام فإن الرسول ﷺ أمر الحائض أن تمسك عن الصلاة والصيام في حال الحيض (العادة الشهرية) ، فإذا انتهت العادة وجب عليها أن تقضي صيام الأيام التي فاتتها، وأما الصلاة فلا يجب عليها قضاؤها، والدليل على ذلك ما يلي:
أنَّ امرأة سألت عائشة ﵄ الله عنها ما بال الحائض تقضي الصوم ولاتقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قالت لا: ولكني أسال. فقالت عائشة ﵂: كان يصيبنا ذلك على عهد النبي ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة " البخاري (٣٢١) ومسلم (٣٣٥) ، فهذه المرأة استشكلت أنها إذا جاءتها الحيضة تترك الصوم والصلاة، لكن الله أمر المرأة أن تقضي الصوم ولاتقضي الصلاة؛ فأجابتها عائشة ﵄ بأن هذا هو أمر الله ورسوله ﷺ ونحن يجب أن نستجيب لله ورسوله دون أن نعترض بعقولنا لأن عقولنا الضعيفة المخلوقة لايمكن أن تستوعب إلا شيئاً يسيراً من حِكمة الحكيم الخبير، وهو ما علَّمنا الله إياه منها.
وهذا الحُكم الذي ذكرناه قد اتفق عليه جميع علماء المسلمين، قال الإمام ابن عبد البر ﵀ في كتابه " التمهيد " (١٦ / ٦٧) : " الحائض لا تصلي، وهذا إجماع "، وقال - أيضاً - في (٢٢ / ١٠٧) : ".. وهذا إجماع أن الحائض لا تصوم في أيام حيضتها، وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، لا خلاف في شيءٍ من ذلك ".
وأما ما يتعلق ببقية شرائع الدين، فالواجب عليكِ أن تأتي بما تستطيعين منها، وما تعجزين عنه بسبب خوفٍ متحققٍ على نفسك أو دينك: فإنه يسقط عنك، كما نص على ذلك العلماء؛ لأنك تكونين في حكم المكرهة، والله سبحانه قد خفَّف عن المكره على الكفر شريطة أن يكون قلبُه منشرحاً بالإيمان ومبغضاً للكفر قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ النحل / ١٠٦.
يراجع لذلك " الموسوعة الفقهية " (١٣ / ١٩٦) .
لكن يتوجب عليكِ أن تقومي بما تستطيعينه من شعائر الدين ثم تجتهدي في الوصول إلى مكانٍ تتمكنِّين فيه من إقامة شرائع الدِّين بقدر ما تستطيعين، وهذا الفعل يسميه علماء الإسلام (الهجرة) ، وهي واجبة على كل مسلمٍ ومسلمةٍ إذا كانا لا يتمكنان من إقامة شعائر الدين في بلدهما وكانا قادريْن على الهجرة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرا.ًإِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ النساء / ٩٧، ٩٨، فدلَّ على أن الهجرة إنما تسقط عن المستضعفين فقط.
قال في " مغني المحتاج " (٦ / ٥٤) : " وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إظْهَارُ دِينِهِ أَوْ خَافَ فِتْنَةً فِيهِ (وَجَبَتْ) عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً وَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا (إنْ أَطَاقَهَا) لقوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ , وَلِخَبَرِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ " أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ " - حديث صحيح (الإرواء ٥ / ٣٠) -.
وقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَقَدْ وَجَبَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ بِبَلَدِ الْكُفْرِ أَنْ يَهْجُرَهُ , وَيَلْحَقَ بِدَارِ الْمُسْلِمِينَ , وَلا يَسْكُنَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ , وَيُقِيمُ بَيْنَ أَظْهَرْهُمْ , وَذَلِكَ إذَا كَانَ لا يَتَمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ شَعَائِرِ دِينِهِ , أَوْ يُجْبَرُ عَلَى أَحْكَامِ الْكُفْر " أ. هـ. بواسطة " الموسوعة الفقهية " (٤ / ٢٦٤) .
ورغم ما في الهجرة من مفارقة للأهل والأوطان إلا أن الله يجعل في قلب صاحبها من السعادة ما يكون سبباُ لفرحه بها وحرصه عليها.
وبهذا يتبين لكِ أن ما تعجزين عنه فإن الله برحمته يعذرك فيه، وما تستطيعينه من شعائر الدين يتوجب عليك الإتيان به ولو تخفياً، ولو تحملتِ في سبيل ذلك بعض ما تستطيعين من مضايقات فإن الله يجزي من يصبر على الأذى في سبيله وفي سبيل دينه الأجر العظيم، وكتاب الله مليء بالقصص التي تدل على هذا المعنى، ومع أن تلفظك بالشهادتين له هذه الأهمية البالغة فإن الله ييسره غاية التيسير، فنوصيك أن تتلفظي بها ولو بينك وبين نفسك؛ لأن صحة إسلامكِ متوقفة على ذلك كما اتضح لكِ، حتى ييسر الله لكِ الفرصة لتعلنيها بإذن الله، والله يوفقك للخير،،،.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14595
زوجته لا تريد الإسلام وتريد أن تنجب منه
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا مسلم منذ الولادة، ولم أكن أقوم بأي شيء من العبادات غير صوم رمضان حتى قبل ٣ سنوات، تزوجت أمريكية غير مسلمة وهي غير متمسكة بدينها قبل ٥ سنوات ولكنني أعرفها قبل زواجي بها بخمس سنوات، كنت أتمنى أن تهتدي وتسلم ولكن هذا لم يحصل، تحدثنا عن هذا الأمر ولكنها قالت بأن إسلامها لا يمكن أن يحصل.
هي امرأة طيبة وأهلها طيبون وقد ساعدتني كثيراً حين انتقلت للعيش في أمريكا، تريد أن تنجب أطفالا بسرعة وأنا كذلك أريد هذا ولكن كلما فكرت بأن أطفالي سينشئون على غير دين الإسلام، أشعر بالعذاب، مع أنها وافقت بأن ينشأ الأطفال مسلمين، وقالت بأنها ستعلمهم الإسلام ولن تشوش عليهم بتعليمهم ديناً آخر، هي لا تعرف الكثير عن الإسلام وقالت بأنها ستبدأ التعلم عن الإسلام إذا أصبحت حاملا، أنا خائف كثيراً ومهموم من هذا الأمر، حاولت أن أنهي هذا الزواج ٣ مرات ولكن في كل مرة تبكي ويرق لها قلبي وأقرر أن أعطيها فرصة أخرى، الوقت يمضي بسرعة ولا أظن بأنني سأنجب أطفالا منها، ستغضب جداً إذا لم أنجب منها أطفالا وسنتفرق سواء الآن أو في المستقبل. أرجو أن تنصحني، ماذا أفعل؟ ما هي حقوقها علي إذا طلقتها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نوصيك بالتمسك بالإسلام، والمحافظة على شعائره، من الصلاة والزكاة والصيام، وأن تكون قدوة لهذه الزوجة، لعل الله أن يهديها على يديك فتنال بذلك خيرا عظيما.
ثانياً:
قلقك بسبب الخوف من نشوء أطفالك على غير الإسلام ـ في حال إنجابهم من هذه المرأة ـ يعكس حرصاً جميلاً منك على دينك ودين ذريتك، ولا شك أن هذه الروح الطيبة منك أمر جميل فتحتاج لتحقيق هذا الاطمئنان إلى الإكثار من دعاء الله تعالى أن يحفظ عليك دينك ودين ذريتك، وعليك بالاستخارة الشرعية، وسؤال الله أن يشرح صدرك ويوفقك للأسلم لدينك في أمر بقائها معك وإنجابك منها، أو مفارقتها والزواج بمسلمة متمسكة بدينها تأمن معها ـ بإذن الله على ذريتك ونسلك، واعلم يقيناً أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، كما ثبت بذلك الحديث عن النبي ﷺ ، وعليك أن تستفيد من شدة تعلّق زوجتك بك في أن توضِّح لها أنه إذا حصل تنازع عندك بين محبتها وبين سلامة دينك فإنك ستقدِّم سلامة دينك، لعل هذا يكون حافزاً لها للدخول في دين الله الحق (الإسلام)
علماً بأنه ليس لك أن ترغمها على الدخول في الإسلام من غير قناعة به إذ لا ينفعها الدخول في دين الله مكرهة مقسورة، كما ذكر ذلك ابن كثير (١/٣١١)
وانظر آثار الزواج من الكتابيات سؤال برقم (٢٠٢٢٧)
ثالثاً: إن كانت ظروفك مهيأة لتربية أبنائك على الإسلام، وحمايتهم من الانحراف الديني والخلقي، مع الأمن من تأثير أمهم وعائلتها عليهم في ذلك، فلا حرج من السعي في إنجاب هؤلاء الأولاد من زوجتك هذه ولو ظلت على دينها، إذ الإنجاب حق للزوجة أيضاً، وقد يكون في ذلك إعانة لها على تعلم الإسلام والنظر فيه كما وعدَت.
رابعاً:
ينبغي أن تحرص على الهجرة إلى بلد إسلامي تتمكن فيه من تربية أبنائك تربية صحيحة، سواء بقيت مع هذه الزوجة أو تزوجت غيرها، إذ الإقامة في بلاد الكفار لا تجوز إلا عند الضرورة أو المصلحة والحاجة، كالإقامة للدعوة إلى الله تعالى، أو لدراسة علم يحتاجه المسلمون غير متوفر في بلادهم، مع التمكن من إظهار الدين وبيانه؛ لقول النبي ﷺ : " أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين". رواه أبو داود (٢٦٤٥) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
وراجع في تفصيل هذه المسالة لسؤال رقم (١٣٣٦٣)
خامساً:
في حال حصول الطلاق، فإن الزوجة تستحق ما لها من المهر المؤجل إن كان. وأما سكنها والنفقة عليها أثناء العدة، فيختلف باختلاف نوع الطلاق:
فمن طلق زوجته طلقة واحدة رجعة، فإن لها السكنى والنفقة أثناء العدة، كما أنها ترثه ويرثها في هذه المدة، لبقاء الزوجية. والدليل على أن للرجعية السكنى قوله تعالى:) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً) الطلاق/١ فإن لم يراجعها حتى انتهت عدتها، فلا ترجع إليه إلا بعقد جيد.
ومن طلق زوجته طلاقا بائنا، فليس لها النفقة ولا السكنى زمن العدة، إلا أن تكون حاملا.
والبينونة نوعان: بينونة صغرى، وتكون بالطلاق قبل الدخول، وبالطلاق على عوض.
وبينونة كبرى: وتكون بتمام ثلاث طلقات.
والدليل على أن المطلقة طلاقا بائنا لا نفقة لها ولا سكنى: ما رواه مسلم (١٤٨٠) عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَسَأَلْتُهَا عَنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا فَقَالَتْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْبَتَّةَ فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ قَالَتْ فَلَمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنَى وَلا نَفَقَةً وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ".
وفي رواية لمسلم أيضا: قَالَتْ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ "لا نَفَقَةَ لَكِ وَلا سُكْنَى".
وفي رواية لأبي داود: " لا نَفَقَةَ لَكِ إِلا أَنْ تَكُونِي حَامِلا ".
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14596
هل المسلم الذي لا ينفذ تعاليم الإسلام أسوأ من الملحد ؟!
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن يكون المسلم "غير ممارس تعاليم الدين"؟
أطرح سؤالي هذا لأن لي صديقة تزوجت من مسلم "لا يمارس تعاليم الدين". ومع أنه يشرب الخمر والمشروبات الروحية، وتزوج بكافرة، لكنه لا يأكل لحم الخنزير. انطباعي هو أن النصراني "غير الممارس لدينه" يعتبر مرتدا أو أسوأ من الملحد.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجب على المسلم أن يتمسك بتعاليم دينه، فيفعل الواجبات، من الصلاة والصيام وبر الوالدين وصلة الأرحام، وصدق الحديث وغير ذلك مما أوجبه الله تعالى عليه.
وعليه أن يترك المحرمات، من الزنا والربا وشرب الخمر وعقوق الوالدين، والكذب، والخيانة، وأكل أموال الناس بالباطل، وغير ذلك من المحرمات.
هذا هو الواجب على كل مسلم، ومن امتثل لذلك كان قريبا محبوبا من الله تعالى، موعودا بدخول جنته، ونيل كرامته.
وأما من ترك الواجبات أو اقترف المحرمات، فهذا على قسمين:
الأول: أن تصل به معصيته إلى حد الكفر والشرك بالله، كالاستهزاء بالدين أو سب الله أو سب رسوله أو جحد شيء من أمور الدين المعلومة، أو استحلال شيء مما حرم الله، كأن يستحل الخمر أو الزنا أو أكل لحم الخنزير، فمن فعل ذلك كان مرتداً عن الإسلام، لكن إن كان ذلك عن جهل وغفلة فإنه يُعلّم وينصح ويذكّر، ليتوب إلى الله تعالى، فإن أصر على ذلك بعد تعليمه، كان مرتدا خارجا عن الإسلام.
الثاني: أن يرتكب بعض الذنوب التي لا تعد كفرا وشركا، كالزنا وشرب الخمر من غير استحلال لها، فهذا إن تاب تاب الله عليه وبدّل سيئاته حسنات، وإن استمر في عصيانه فإن الله تعالى توعده بعذاب أليم يوم القيامة، وبعقوبات في الدنيا، كالفقر والمرض والذل والهزيمة، مع إقامة الحد عليه، عند ارتكابه بعض الجرائم كشرب الخمر والزنى، إذا ثبتت عليه الجريمة، بشروط لا مجال لذكرها هنا.
والواجب على المسلمين تجاه أصحاب المعاصي هو نصحهم ودعوتهم للتوبة، وتذكيرهم بخطر المعصية وسوء عاقبتها، مع بغضهم وكراهيتهم لأجل معاصيهم.
فالمطيع والعاصي لا يستويان عند الله تعالى، ولا عند عباده المؤمنين، كما قال سبحانه: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) ص/٢٨.
ولكن لما كان العاصي يجمع بين الخير والشر، والطاعة والمعصية - ورأسُ الخير إيمانُه بالله تعالى - كان من عدل الشريعة ورحمتها أن لا تُهدر حسناته، ولا تضيع طاعاته، ولا يُسوى بينه وبين من كفر بالله وألحد وتمرد.
وأما زواج المسلم بالكافرة، فإنه محرم، إلا أن تكون الكافرة يهودية أو نصرانية، فإن الله أباح الزواج منها، لما في ذلك من احتمال هدايتها وإسلامها، واتفاقها مع المسلم في مبدأ الإيمان بالله وبالنبوة والرسالة واليوم الآخر، فزواجها من المسلم، يدعوها إلى البحث عن الحق، ويرغبها في ترك ما هي عليه من الكفر بمحمد ﷺ وبرسالته.
وخلاصة الجواب:
أن المسلم الذي خرج عن دينه بالكلية مساوٍ للملحد، أو أسوأ منه.
أما المسلم الذي معه أصل التوحيد والإسلام، ولكنه يفعل كبائر الذنوب، وقبائح الأعمال فإنه خير بلا شك من الكافر الملحد ـ مع ما فيه من تقصير ونقص ـ وذلك لأن حسنة التوحيد هي أعظم الحسنات على الإطلاق، وقد أتى بها، وما يعمله من الذنوب والمعاصي فهو متوعد عليها بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة إن لم يتداركه الله تعالى برحمته ويعفو عنه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14597
أسلمت وأهلها لا يدرون ويريدون تزويجها لغير مسلم
[السُّؤَالُ]
ـ[أسلمت من سنتين أو ثلاث، والحمد لله، فقد تأثرت بأحد الشباب في الجامعة حيث كنا ندرس سويّاً، ثم بدأ كل واحد منا يعجب بالآخر، ونحن نرغب الآن في الزواج، وبما أن عائلتي كافرة فهي تعارض تماماً هذه العلاقة، وكذلك الحال مع والدَي الشاب.
والداي لا يعلمان بأمر إسلامي، فأنا أمارسه في السر، وأفيدكم أني راغبة في الزواج من المذكور وأن أعيش حياة إسلامية بعد ذلك، أنا لا أريد أن أتزوج شخصاً كافراً، ووالداي يريدان مني أن أرجع لبلدي لأتزوج من شخص يدين بدينهما، فهل من الضروري أن يوافق والدانا - أنا وهو - على الزواج؟ وهل يمكننا الزواج بدون علمهم، أو تأجيل استئذانهم؟ أخشى أن يموت والداي إن هما سمعا أني أسلمت أيضاً، فهما يكرهان المسلمين، وأنا لا أعرف كيف أقنعهما، هل يجب علي إقناعهما بزواجي، أم يجوز أن أخالف رغبتهما؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
قبل الإجابة يسرنا أن نهنئك على الدخول في الإسلام، وهو الدين الخاتم للأديان، وقد رضيه الله تعالى للخليقة كلها، وأرسل النبي ﷺ ليكون للعالَمين بشيراً ونذيراً، وقد سبقكِ كثير ممن هدى الله تعالى قلوبهم لهذا الدين العظيم، وقد حُرمه كثيرون بسبب عنادهم ومكابرتهم، فيجب عليكِ أن تديمي الشكر لربكِ تعالى أن أخرجك من ظلمات الكفر والجهل إلى نور التوحيد والعلم، ويجب عليكِ أن تتعلمي أحكام الدين لتزدادي طمأنينة بحسن اختيارك وليثبت الله به قلبكِ.
ثانياً:
ولا يمنعنا إسلامكِ الجديد من أن نخبركِ بأن هذا الدين جاء بأحكامٍ عظيمة، يحفظ بها للمسلم دينه وعقله وماله وعِرضه ونسبه، لذا ففيه ما هو حرام ممنوع من أجل المحافظة على ذلك، وفيه ما هو ما واجب لأجل الأمر نفسه، ومما يتعلق بسؤالكِ هنا أمران:
فمن باب الحفاظ على العِرض والنسب حرَّم الإسلامُ الاختلاط بين الجنسين، وخلوة الرجل بالمرأة، ولمسها بيده، فضلاً عما هو أكبر من ذلك من فاحشة الزنا، لذا فإننا نرى أن المرأة جوهرة لا يصح أن تكون سلعة رخيصة – كما هو الحال في دول الكفر ومن تبعهم من سفهاء المسلمين – في الدعايات والصحف والمجلات، وإن لها دوراً عظيماً ينتظرها بصفتها زوجة وأمّاً.
والأمر الثاني: حفاظاً على دين المرأة فإن الله تعالى قد حرَّم زواج المسلمة بالكافر، وهو أمر ثابت بالقرآن والسنة والإجماع.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" والكافر لا تحل له المرأة المسلمة بالنص والإجماع قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّار لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) . . .
المسلمة لا تحل للكافر بالنص والإجماع - كما سبق - ولو كان الكافر أصليّاً غير مرتد، ولهذا لو تزوج كافرٌ مسلمةً: فالنكاح باطل، ويجب التفريق بينهما، فلو أسلم وأراد أن يتزوجها لم يكن له ذلك إلا بعقدٍ جديدٍ " انتهى باختصار.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (١٢ / ١٣٨ - ١٤٠) .
ثالثاً:
ويشترط في عقد الزواج حتى يكون صحيحاً وجود وليٍّ للمرأة، ولا يجوز أن يكون الكافرُ وليّاً للمسلمة بلا خلافٍ بين العلماء.
قال ابن قدامة:
أما الكافر: فلا ولاية له على مسلمةٍ بحال , بإجماع أهل العلم , منهم: مالك , والشافعي , وأبو عبيد , وأصحاب الرأي، وقال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
" المغني " (٧ / ٢١) .
وحتى في مثل حالكِ فإنه لا بدَّ من وليٍّ في الزواج، فإن لم يكن أحد أوليائك مسلماً: فيزوجكِ من يقوم مقام السلطان وهو القاضي الشرعي أو المفتي أو شيخ المركز الإسلامي، أو إمام المسجد.
ولا يجب عليك استئذان والدك في زواجك لأنه لا ولاية له عليك، وإذا تمَّ هذا الزواج فإنه يجوز أن يبقى خبره بعيداً عن والديك، ولا يجب عليكِ إخبارهما به.
رابعاً:
ولو كان الوليُّ مسلماً فإنه لا يجوز له إجبار ابنته على الزواج بمن لا ترغب، وقد جعلت الشريعة الإسلامية المطهرة رضاها أحد أركان العقد، ولا يكون العقد صحيحاً إذا كانت مكرهة عليه، وإن ثبت إكراهها على الزواج: فإن القاضي المسلم يخيرها بين إمضاء العقد أو فسخه.
كما لا يجوز للوالدين أو أحدهما أن يجبر ابنه على نكاح من لا يرغب، ولم يجعل الله تعالى رضا الوالدين أو أحدهما شرطاً من شروط صحة نكاح الابن، لكن ينبغي للابن أن يترفق بوالديه عندما يرفض الاستجابة لرغبتهما، وعليه أن يبذل وسعه لكسب رضاهما عنه وعن زواجه بمن يرغب.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" لا يجوز أن يجبر الوالد ابنه على أن يتزوج امرأة لا يرضاها سواء كان لعيب فيها ديني أو خلقي، وما أكثر الذين ندموا حين أجبروا أولادهم أن يتزوجوا بنساء لا يريدونهن، يقول: تزوجها لأنها بنت أخي، أو لأنها من قبيلتك، وغير ذلك، فلا يلزم الابن أن يقبل، ولا يجوز لوالده أن يجبره عليها. وكذلك لو أراد أن يتزوج بامرأة صالحة، ولكن الأب منعه، فلا يلزم الابن طاعته، فإذا رضى الابن زوجة صالحة، وقال أبوه: لا تتزوج بها، فله أن يتزوج بها ولو منعه أبوه، لأن الابن لا يلزمه طاعة أبيه في شي لا ضرر علي أبيه فيه، وللولد فيه منفعة، ولو قلنا: إنه يلزم الابن أن يطيع والده في كل شي حتى في ما فيه منفعة للولد ولا مضرة فيه على الأب لحصل في هذا مفاسد، ولكن في مثل هذه الحال ينبغي للابن أن يكون لَبِقاً مع أبيه، وأن يداريه ما استطاع وأن يقنعه ما استطاع " انتهى.
" فتاوى المرأة المسلمة " (٢ / ٦٤٠، ٦٤١) .
خامساً:
عليك بذل ما تستطيعين من أجل إنقاذ والديكِ وإدخالهما في الإسلام، حتى تتم لكِ ولهما السعادة الدنيوية والأخروية، ويمكنك أن تسلكي طرقاً كثيرة متعددة لدعوتهم إلى الإسلام، ومنها: أن تراسليهم بالبريد الإلكتروني – مثلاً – دون أن يعلموا أن الرسائل منكِ، ويمكنك تزويد عنوانهم لبعض المختصين بالعلوم الشرعية والدعوة ليقوموا بالمهمة عنكِ، كما يمكنك الاستعانة بالمركز الإسلامي القريب منهم ليقوم بعض الدعاة بزيارتهم ودعوتهم، ويمكنك مراسلتهم بالبريد العادي وتزويدهم بأشرطة وكتيبات تعرِّف بدين الإسلام.
وأنتِ أعلم بحالهم من غيرك، وقد يكون إخبارهم بإسلامك فتح باب أمامهم للدخول في الإسلام، فإن كان هذا واقعاً فأخبريهم، وإن رأيتِ أن لا نفع من هذا، وأنه يؤثر فيهم سلباً أو قد يتسبب في التضييق عليك فلا تخبريهم، ويمكن تأجيل ذلك فترة حتى يفتح الله عليهم، واستعيني بالله تعالى وتضرعي إليه بالدعاء الصادق أن يهديهم.
نسأل الله تعالى لك الثبات على هذا الدين، ونسأله تعالى أن يهدي والديك للإسلام.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14598
تشرب الخمر أمامه ويخشى إن طلقها أن تأخذ الأولاد وهي كافرة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا متزوج من امرأة نصرانية ولي منها ولدان. حدث ذات مرة في شهر رمضان وأنا أتناول طعام الإفطار أن قامت بشرب الخمر أثناء تناولها الطعام، ولا أستطيع أن أمنعها من ذلك، لأني إن حاولت فربما تطلب الطلاق وتحصل على حق حضانة الولدين فيصبح بعد ذلك من الصعب أن أجعلهما يدينان بدين الإسلام. هل يحرم علي الجلوس معها ومع عائلتها وهم يشربون الخمر في رمضان مع أني لا أشرب الخمر.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الزواج بالكتابية – يهودية أو نصرانية- وإن كان جائزا، إلا أنه محفوف بعدة مخاطر، أعظمها: الخطر على دين الأولاد والذرية، فإنها قد تسعى لإفساد دينهم، لا سيما إذا كانت تقيم في غير بلاد المسلمين.
وكيف تستطيع أن تقنع أولادك بأن شرب الخمر حرام , وهم يرون أمهم تشربها!
وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن المسلم إذا تزوج كتابية فله منعها من شرب الخمر , وأكل لحم الخنزير , وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة، وهو قول جماعة من الحنفية.
قال في "البحر الرائق" –حنفي- (٣/١١١) ناقلا عن بعض الحنفية: " إن المسلم له أن يمنع زوجته الذمية من شرب الخمر كالمسلمة لو أكلت الثوم والبصل وكان زوجها يكره ذلك، له أن يمنعها. وهذا هو الحق كما لا يخفى " انتهى.
وقال في "مغني المحتاج" –شافعي- (٤/٣١٤) : " الكتابية المنكوحة كمسلمة في نفقة وقسم وطلاقٍ، وتجبر على غسل حيض ونفاس وجنابة، وترك أكل خنزير في الأظهر، وتجبر هي ومسلمة على غسل ما نجس من أعضائها " انتهى.
وقال في "الإنصاف" –حنبلي- (٨/٣٥٢) : " تمنع الذمية من شربها مسكرا إلى أن تسكر. وليس له منعها من شربها منه ما لم يسكرها على الصحيح من المذهب. نص عليه [أي الإمام أحمد] . وعنه: تمنع منه مطلقا. وقال في "الترغيب": ومثله: أكل لحم خنزير " انتهى.
وذهب المالكية إلى أنه ليس له منعها من شرب الخمر وأكل الخنزير كما في "التاج والإكليل" (٥/١٣٤) .
وإذا لم يكن بإمكانك منعها، لما ذكرت من أنها قد تطلب الطلاق وتأخذ الأولاد، فإنه ينبغي أن تبين لزوجتك أنه من حسن العشرة وطيب المعاملة بين الزوجين ألا تجهر أمامك بشرب الخمر، فإن أبت، فينبغي أن تعتزل مجلسهم حال مقارفتهم هذا المنكر العظيم. وهذا من إنكار المنكر، كما قال تعالى: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا) النساء/١٤٠.
فهذه قاعدة عامة فيمن عجز عن إنكار المنكر بيده أنه يلزمه مفارقة مكان المنكر، إن قدر على ذلك، وإلا كان شريكا لصاحبه في الإثم.
وينبغي أن تتحلى بالصبر، وتبذل كل سبيل ممكن لدعوة هذه الزوجة، وتحبيبها في الإسلام بأخلاقك وأعمالك. ونوصيك بالدعاء فإنه أعظم سلاح، فلعل الله أن يهديها وأهلها على يديك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14599
نصراني يصلي ويصوم مع المسلمين على سبيل التجربة
[السُّؤَالُ]
ـ[دعوت أحد النصارى إلى الإسلام، فبدأ يصلي ويصوم على سبيل التجربة، فهل هناك ما أقوم به، أم أتركه يجرب؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا مانع من تركه يجرب ذلك مع تذكيره بسهولة هذه العبادة وأثرها العظيم على النفس إذا فعلها صادقاً مع الله، وأنها لم تشرع إلا لِحِكَم بالغة لا لعَنَتِ الإنسان ومشقته، وها هو العلم الحديث يقف على بعض تلك الحِكَم.
ثم يُذكّر أيضاً بأن القضية ليست راجعة إلى التجربة والذوق، وأن الإنسان أمام قضية عظيمة تتعلق بالفوز بالجنة والنجاة من النار.
وبالله التوفيق.
[الْمَصْدَرُ]
فضيلة الشيخ الدكتور عبد الله الغنيمان.
стр. 14600
هل إعطاء الزكاة للمؤلفة قلوبهم رشوة
[السُّؤَالُ]
ـ[يتهم بعض الناس الإسلام في قضية المؤلف قلوبهم بأنه رشوة وإغراء بالمال للدخول في الإسلام. فهل هذا صحيح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أن إعطاء المال لتأليف القلوب ليس رشوة؛ لأن الرشوة هي: المال الذي يدفعه الراشي لمن يعينه على إبطال حق أو إحقاق باطل، أما إعطاء المال من أجل تأليف قلوب الناس للإسلام فهو لإعانتهم على الحق وترغيبهم فيه، وهو الدخول في الإسلام فهو من قبيل الجهاد بالمال.
وقد جعل الله تعالى للمؤلفة قلوبهم سهمًا في الزكاة، قال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) التوبة /٦٠
وهذا السهم يأخذه الحاكم ويصانع به من يرى أنه قريب من الإسلام، وقد أعطى ﷺ المؤلفة قلوبهم أموالاً من غنائم غزوة حنين، وقد أدى ذلك إلى إسلام قبائل بأكملها لهذا الأمر، وهو أمر مستمر، ورافد من روافد الدعوة ينبغي إحياؤه؛ لأن الإنسان مجبول على حب من أحسن إليه:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ٨/١٨١، وابن الأثير، النهاية في غريب الحديث ص ٣٥٩، والبوطي، فقه السيرة ص ٤٣٠
والموقف الصحيح للمسلم أنه إذا رأى نصًا ظاهرًا وصريحًا وصحيحًا في مسألة معينة، سواء أكان ذلك يتماشى مع ثقافة العصر - الثقافة الغربية - أو لا يتماشى معها، قال به دون وجل أو خوف سواء علم الحكمة من هذا التشريع أم لم يعلمها.
وصلى الله وسلم على نبيه الكريم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →