Полный текст (16 344 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ما هي طبيعة سلطة القرآن على المسلمين
[السُّؤَالُ]
ـ[أدرس دورة في ديانات العالم، وأجد مشكلة في إيجاد حل للسؤال التالي:
ما هي طبيعة سلطة القرآن تبعاً للعرف الإسلامي؟ وما هو دور القرآن في التشريع الإسلامي طبقاً للتراث الإسلامي الحنيف؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
القرآن أنزله الله شريعة ومرجعا في الحلال والحرام والأمر والنهي لزاما على الناس، فما فيه من الأمر امتثلوه وما فيه من نهي اجتنبوه وما فيه من حلال أحلوه وما فيه من حرام حرموه، وفيه خبر ما قبلنا ونبأ ما بعدنا وحكم ما بيننا، قال الله : " ما فرطنا في الكتاب من شئ "، وبعد أن تم نزوله قال الله : " اليوم أكملت لكم دينكم "، وجاءت السنة مبينة ومكملة للقرآن قال ﷺ : " ألا إنني أوتيت القرآن ومثله معه " ومعنى قوله ومثله أي السنّة، حديث صحيح، وأمر الله بالرجوع إلى هذين الدستورين، قال الله : (وما اختلفتم فيه من شئ فردوه إلى الله والرسول) ، فالرد إلى الله يعني إلى القرآن والرد إلى الرسول يعني إلى السنة، فالقرآن هو المصدر الأول للتشريع ثم تأتي السنة والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 177
أشياء أخبر عن وقوعها القرآن ووقعت
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك أي من الأشياء التي أخبر القرآن أنها ستقع ثم وقعت بالفعل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم، هناك بعض الأشياء التي ذكر الله تعالى في القرآن أنها ستقع، وقد وقعت بالفعل، ومنها:
أ. هزيمة الفرس على أيدي الروم في بضع سنين:
قال تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الروم / ٢ – ٤.
قال الشوكاني:
قال أهل التفسير: غَلبت فارسُ الرومَ، ففرح بذلك كفارُ مكة وقالوا: الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم كتاب، وافتخروا على المسلمين، وقالوا: نحن أيضاً نغلبكم كما غَلبت فارسُ الرومَ، وكان المسلمون يحبُّون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب ... ﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ أي: والروم من بعد غَلب فارس إياهم سيغلبون أهلَ فارس ...
قال الزجاج: وهذه الآية من الآيات التي تدل على أن القرآن من عند الله؛ لأنه إنباء بما سيكون، وهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه.
" فتح القدير " (٤ / ٢١٤) .
ب. العداوة بين فِرق النصارى إلى يوم القيامة.
قال تعالى ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ المائدة / ١٤.
قال ابن كثير:
﴿فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ أي: فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضاً، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، ولذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يكفر بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً، فكل فرقةٍ تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها، فالملكية تكفر باليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية والآريوسية، كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد.
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٣٤) .
ت. ما وعد الله نبيه ﵇ أنه سيظهر دينه على الأديان.
قال الله تعالى: ﴿هوَ الذي أرْسَل رَسُولَه بِالهُدَى ودِينِ الحقِّ ليظهره على الدين كله﴾ الآية سورة التوبة / ٣٣ وسورة الفتح / ٢٨، وسورة الصف / ٩.
قال القرطبي:
ففعل ذلك، وكان أبو بكر ﵁ إذا أغزى جيوشه عرَّفهم ما وعدهم الله في إظهار دينه ليثقوا بالنصر وليستيقنوا بالنجاح، وكان عمر يفعل ذلك، فلم يزل الفتح يتوالى شرقاً وغرباً برّاً وبحراً.
" تفسير القرطبي " (١ / ٧٥) .
ث. فتح مكة
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ الفتح / ٢٧.
قال الطبري:
يقول تعالى ذكره: لقد صدق الله رسولَه محمَّداً رؤياه التي أراها إياه أنه يدخل هو وأصحابه بيتَ الله الحرام آمنين لا يخافون أهل الشرك مقصِّراً بعضهم رأسَه ومحلِّقاً بعضهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
" تفسير الطبري " (٢٦ / ١٠٧) .
ج. وقوع غزوة بدر
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ الأنفال / ٧.
قال ابن الجوزي:
والمعنى: اذكروا إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين، والطائفتان: أبو سفيان وما معه من المال، وأبو جهل ومن معه من قريش، فلما سبق أبو سفيان بما معه كتب إلى قريش إن كنتم خرجتم لتحرزوا ركائبكم فقد أحرزتها لكم، فقال أبو جهل: والله لا نرجع، وسار رسول الله ﷺ يريد القوم فكره أصحابه ذلك، وودوا أن لو نالوا الطائفة التي فيها الغنيمة دون القتال، فذلك قوله ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة﴾ أي: ذات السلاح.
" زاد المسير " (٣ / ٣٢٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 178
حكم اقتناء الإنجيل والتوراة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يصح لي أن أقتني نسخة من الإنجيل لأعرف كلام الله لسيدنا عيسى وهل الإنجيل الموجود الآن صحيح؟ حيث إنني سمعت أن الإنجيل الصحيح غرق في الفرات؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز اقتناء شيء من الكتب السابقة على القرآن من إنجيل أو توراة أو غيرهما لسببين:
- أن كل ما كان نافعاً فيها فقد بينه الله في القرآن.
- أن في القرآن ما يغني عن كل هذه الكتب لقوله تعالى: (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه) .
فكل ما في الكتب السابقة من خير موجود في القرآن، أما قول السائل أنه يريد أن يعرف كلام الله لعبده ورسوله عيسى ﵇، فإن النافع منه لنا موجود في القرآن فلا حاجة للبحث عنه من غيره.
وأيضاً فالإنجيل الموجود الآن محرف، والدليل على ذلك أنه أربعة أناجيل يخالف بعضها بعضاً وليس إنجيلاً واحداً، إذن فلا يعتمد عليها، أما طالب العلم الذي لديه علم يتمكن به من معرفة الحق من الباطل فلا مانع من دراسته لها لرد ما فيها من الباطل وإقامة الحجة على معتنقيها.
الشيخ ابن عثيمين ﵀.
[الْمَصْدَرُ]
مجلة الدعوة العدد/١٧٨٩ ص/٤٣.
стр. 179
إذا كان اليهودي والنصراني يوحّد الله ولكن لا يُحكّم القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كان هناك شخص يهودي أو نصراني يؤمن بالله وأنه لا شريك له، ويؤمن بالرسل المرسلين من الله ﵈ ولكنه لا يحكم بالقرآن مع أنه يؤمن بأنه من عند الله ولكنه يفترض أنه يجوز أن يحكم التوراة الأصلية. فهل هذا يعتبر مسلما؟]ـ
[الْجَوَابُ]
أرسلنا بهذا السؤال إلى شيخنا الشيخ عبد الرحمن البراك فأجاب بما يلي:
الحمد لله وبعد
فإن من أصول الإيمان: الإيمان بجميع الكتب المنزلة من عند الله والإيمان بجميع الرسل ويدخل في هذين الأصلين الإيمان بأشرف الكتب وهو القرآن وأفضل الرسل وهو محمد ﷺ خاتم المرسلين ورسول الله إلى الناس أجمعين منذ بعثه الله إلى أن تقوم الساعة فيجب على كل إنسان من جميع الأمم الإيمان به واتباعه وتحكيم شريعته فمن ادعى الإيمان به وبالقرآن ولم يحكّمه ولم يلتزم اتباعه في كل ما جاء به ولم يصدّقه في جميع أخباره فليس بمسلم ولا مؤمن، وإن مات على ذلك فهو من أصحاب الجحيم ولو ادعى أنه يؤمن بالله وحده لا شريك له ويؤمن بجميع الرسل فإن الإيمان بالرسول وبالقرآن ليس هو مجرد التصديق من غير انقياد ولا اتباع ولا تحكيم فإن كثيراً من المشركين كانوا مصدقين للرسول ﷺ بقلوبهم بل منهم من هو مصدق بقلبه وبلسانه مثل عمه أبي طالب، ولم ينفعهم هذا التصديق لمّا أصروا على عدم اتباعه، وهكذا اليهود والنصارى كانوا يعرفونه كما يعرفون آباءهم ومنهم من يُظهر تصديقه للرسول ﷺ ، فلم تنفعهم هذه المعرفة وهذا التصديق لما أبَوا اتباعه كانوا كفاراً وأحلّ الله له دماءهم وأموالهم فقاتلهم الرسول ﷺ فأظهره الله عليهم وأظهر دينه عل كل الأديان، قال تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون) . أهـ
فالواجب على كل يهودي أو نصراني أن يدخل في دين الإسلام الذي أنزله الله على نبيه محمد ﷺ ، لأنّ الرسالة المحمدية هي الخاتمة والناسخة للديانات السابقة، قال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه) ، وفي الحديث الصحيح: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ.) رواه مسلم ٢١٨، وعلى هذا فلا يصح من يهودي ولا نصراني دين حتى يؤمن بشريعة الإسلام ويلتزم بحكم القرآن الكريم، فالقرآن مهيمن وناسخ للكتب السابقة، والتوراة والإنجيل منسوخة واعتراها التحريف والتبديل. والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الرحمن البراك
стр. 180
حكم اقتناء الكتب السابقة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمسلم أن يقتني الإنجيل ليعرف كلام الله لعبده ورسوله عيسى ﵊؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز اقتناء شيء من الكتب السابقة على القرآن من إنجيل أو توراة أو غيرهما لسببين:
السبب الأول: أن كل ما كان نافعاً فيها فقد بينه الله في القرآن الكريم.
السبب الثاني: أن في القرآن ما يغني عن كل هذه الكتب لقوله تعالى: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْه ِ) آل عمران/٣. وقوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ) المائدة/٤٨. فإن ما في الكتب السابقة من خير موجود في القرآن.
أما قول السائل إنه يريد أن يعرف كلام الله لعبده ورسوله عيسى , فإن النافع منه لنا قد قصه الله في القرآن فلا حاجة للبحث في غيره , وأيضاً فالإنجيل الموجود الآن محرَّف , والدليل على ذلك أنها أربعة أناجيل يخالف بعضها بعضاً وليست إنجيلاً واحداً إذن فلا يعتمد عليه.
أما طالب العلم الذي لديه علم يتمكن به من معرفة الحق من الباطل فلا مانع من معرفته لها لرد ما فيها من الباطل وإقامة الحجة على معتنقيها.
[الْمَصْدَرُ]
مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ج/١ ص/٣٣-٣٢.
стр. 181
البشارة بالنبي ﷺ في الكتب المتقدّمة
[السُّؤَالُ]
ـ[أخبرني بعض المسلمين أنّ محمدا وعيسى نبيين عظيمين وأخبروني أنّ السبب وراء عدم ذكر محمد في الإنجيل أنّه قد وُلد بعد كتابة الإنجيل. حسنا لقد ولد عيسى بعد كتابة التوراة (العهد القديم) ومع ذلك هناك أكثر من ٦٠٠ إشارة ونبأ فيه لذكر عيسى تحققّت كلها بينما لا يوجد إشارة لمحمد في كلّ الكتاب المقدّس فكيف يستوي عيسى ومحمد إذن؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نحن بين أمرين إمّا أنّ الذي قال لك ذلك جاهل لا يُعتدّ بقوله وإمّا أنّ الادّعاء كذب وافتراء، فنحن المسلمين نعلم جيدا الآية الكريمة التي يقول الله تعالى فيها: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) سورة الأعراف
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية:
"الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل" وهذه صفة محمد ﵌ في كتب الأنبياء بشروا أممهم ببعثته وأمروهم بمتابعته ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم. كما روى الإمام أحمد حدثنا إسماعيل عن الجريري عن أبي صخر العقيلي حدثني رجل من الأعراب قال جلبت حلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله ﷺ فلما فرغت من بيعي قلت لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه قال فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأجمل الفتيان وأحسنها فقال رسول الله ﷺ "أنشدك بالذي أنزل التوراة هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي؟ " فقال برأسه هكذا أي لا فقال ابنه إي والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله فقال "أقيموا اليهودي عن أخيكم" ثم تولى كفنه والصلاة عليه هذا حديث جيد قوي
وعن عطاء بن يسار قال لقيت عبد الله بن عمرو فقلت أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة قال أجل والله إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا" وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي اسمك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ويفتح به قلوبا غلفا وآذانا صما وأعينا عميا. قال عطاء ثم لقيت كعبا (وهو مسلم من أهل الكتاب) فسألته عن ذلك فما اختلف حرفا.. وقد رواه البخاري في صحيحه عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ لَقِيتُ عبد الله بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِي اللَّهم عنهما قُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ قَالَ أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ وَلا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا " البخاري. فتح رقم ٢١٢٥
ولم يُرسِل الله نبيا من الأنبياء إلا وقد أخذ عليه العهد والميثاق لأن خرج النبي محمد صلى الله عليه وسام في عهده أن يتابع محمدا ﷺ :
قال الله تعالى في سورة آل عمران (التي لا يدرسها نصراني بقلب مفتوح إلا أسلم) : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ (٨١)
قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية:
قيل: أخذ الله تعالى ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضا ويأمر بعضهم بالإيمان بعضا; فذلك معنى النصرة بالتصديق.. قال طاووس: أخذ الله ميثاق الأول من الأنبياء أن يؤمن بما جاء به الآخر..
[و] الرسول هنا محمد ﷺ في قول علي وابن عباس ﵄.
فأخذ الله ميثاق النبيين أجمعين أن يؤمنوا بمحمد ﵇ وينصروه إن أدركوه, وأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاق على أممهم.
وإذا أردت أن تعرف شيئا من الإشارات إلى بعثة النبي ﷺ في الإنجيل بعد تحريفه! فنُحيلك إلى كتاب " محمد ﷺ في الكتب المقدّسة " أو " ماذا قال الإنجيل عن محمد ﷺ " لأحمد ديدات
ونسأل الله لك الهداية.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 182
يسأل عن إعراب كلمة (الصابئون) وكيف نردّ على من يقول إنها خطأ نحوي في القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد إعراب كلمة "الصابئون" في سورة المائدة، ولماذا جاءت بالواو، مع أنها في آية أخرى جاءت بالياء، وتشابه الكلام في الآيتين كبير. وقد كان ذلك سببا في خلاف كبير بيني وبين شخص نصراني يقول: إن القرآن فيه أخطاء نحوية، فقلت له: سأترك الإسلام إن كان هناك خطأ نحوي واحد في القرآن. وقولي هذا عن قوه إيمان، وعن ثقة بأن القرآن، كلام الله ، منزه عن قول المفترين.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
وردت كلمة " الصابئين " بياء النصب في سورتي البقرة والحج؛ في قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة/٦٢، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) الحج/١٧
ووردت نفس الكلمة بواو الرفع في سورة المائدة؛ في قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) المائدة/٦٩ أما الآيتان الأوليان فلا إشكال في إعرابهما؛ لأن الكلمة فيهما وقعت معطوفة بالواو على كلمة محلها النصب، وهي " الذين "؛ اسم إن، فنصبت، وعلامة نصبها الياء، لأنها جمع مذكر سالم.
وإنما محل الإشكال هو الآية الثالثة، آية سورة المائدة؛ فقد وقعت في نفس موقعها في الآيتين الأوليين، ومع ذلك جاءت مرفوعة.
وقد ذكر النحاة والمفسرون في توضيح ذلك الإشكال عدة وجوه، وذكروا نظائرها المعروفة في لغة العرب، ونكتفي هنا بثلاثة منها، هي من أشهر ما قيل في ذلك:
الأول: أن الآية فيها تقديم وتأخير، وعلى ذلك يكون سياق المعنى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى، من آمن بالله ... فلا خوف عليهم، ولاهم يحزنون، والصابئون كذلك، فتعرب مبتدأً مرفوعا،وعلامة رفعه الواو، لأنه جمع مذكر سالم. ونظير ذلك من لغة العرب قول الشاعر:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وَقَيَّار ٌبها لغريب
وموطن الشاهد قوله "قيار"، وهو اسم لفرسه، أو جمله؛ فقد جاءت هذه الكلمة مرفوعة على أنها مبتدأ، ولم تجئ منصوبة على أنها معطوفة على اسم إن المنصوب وهو ياء المتكلم في قوله (فإني)
الثاني: أن " الصابئون " مبتدأ، والنصارى معطوف عليه، وجملة من آمن بالله ... خبر "الصابئون"، وأما خبر "إن" فهو محذوف دل عليه خبر المبتدأ "الصابئون"، ونظير ذلك من لغة العرب قول الشاعر:
نحن بما عندنا، وأنت بما عندك راضٍ، والأمر مختلف
والشاهد فيه أن المبتدأ "نحن" لم يذكر خبره، اكتفاء بخبر المعطوف "أنت"؛ فخبره "راض" يدل على خبر المبتدأ الأول، وتقدير الكلام: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض.
الثالث: أن " الصابئون " معطوف على محل اسم " إن "؛ فالحروف الناسخة، إن وأخواتها، تدخل على الجملة الاسمية المكونة من مبتدأ وخبر، واسم إن محله الأصلي، قبل دخول إن عليه الرفع لأنه مبتدأ، ومن هنا رفعت "الصابئون" باعتبار أنها معطوفة على محل اسم إن. [انظر: أوضح المسالك، لابن هشام، مع شرح محيي الدين، ١/٣٥٢-٣٦٦ , تفسير الشوكاني والألوسي، عند هذه الآية] .
وما ذكرته، من قوة يقينك , وثقتك بكلام الله سبحانه، هو الواجب على كل مسلم، قال الله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) النساء/٨٢ قال الشيخ ابن عاشور، ﵀ في تفسيره:
(وبعد فمما يجب أن يوقَن به أن هذا اللفظ كذلك نزل، وكذلك نطق به النبي ﷺ ، وكذلك تلقاه المسلمون منه وقرؤوه، وكتب في المصاحف، وهم عرب خُلَّص، فكان لنا أصلا نتعرف منه أسلوبا من أساليب استعمال العرب في العطف، وإن كان استعمالا غير شائع، لكنه من الفصاحة والإيجاز بمكان ... ) اهـ
وتلمس ابن عاشور الفائدة البلاغية من الإتيان بلفظ " الصابئون " موفوعاً، فقال ما معناه:
إن الرفع في هذا السياق غريب، فيستوقف القارئ عنده: لماذا رفع هذا الاسم بالذات، مع أن المألوف في مثل هذا أن ينصب؟
فيقال: إن هذه الغرابة في رفع الصابئون تناسب غرابة دخول الصابئين في الوعد بالمغفرة، لأنهم يعبدون الكواكب، فهم أبعد عن الهدى من اليهود والنصارى، حتى إنهم يكادون ييأسون من الوعد بالمغفرة والنجاة فنبه بذلك على أن عفو الله عظيم. يشمل كل من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً وإن كان من الصابئين. [انظر تفسير آية المائدة من تفسير ابن عاشور]
ولمعرفة من هم الصابئة؟ انظر الإجابة على السؤال رقم (٤٩٠٤٨)
لكن يبقى لنا عِبَرٌ لا ينبغي تفويتها في هذا السياق:
أولا: ينبغي علينا الاهتمام بالعلم الشرعي؛ فلا يكفي فقط أن يعتصم الإنسان بما عنده من يقين سابق، وإن كان ذلك أعظم ملجأ ومعاذ، بل إذا ضم إلى ذلك العلم الشرعي كان، إن شاء الله، في مأمن من أن تهز إيمانه هذه الشبهات وأمثالها، مما يثيره أعداء دينه.
ثانيا: ينبهنا مثل هذا الموقف إلى قدر من التفريط في واجب من أعظم واجباتنا نحو كتاب الله تعالى، ألا وهو واجب التدبر والمدارسة، وليس مجرد التلاوة، قال تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ) ص/٢٩، قال الشيخ ابن سعدي، ﵀: " أي هذه الحكمة من إنزاله، ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمها، ويتأملوا أسرارها وحكمها، فإنه بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة، تدرك بركته وخيره، وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود "؛ والدليل من هذا الموقف على ما ذكر هو أننا لو كنا نقوم بهذا الواجب حينا بعد حين لأوشكت مثل هذه الآيات أن تستوقفنا، لنسأل عنها، أو نبحثها، قبل أن نواجه بالإشكال من أعدائنا.
ثالثا: إذا قمنا بالواجبين السابقين كنا مؤهلين لأخذ زمام المبادرة، لندعو نحن غيرنا، ونخبرهم بالحق الذي عندنا، ونكشف لهم، بالتي هي أحسن، الباطل الذي عندهم، بدلا من أن نقف موقف الدفاع، شأن الضعفة والمنهزمين.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 183
الأناجيل الموجودة اليوم كتبت بعد عيسى ﵇ وقع فيها تحريف كثير
[السُّؤَالُ]
ـ[من المعروف لدينا نحن المسلمين أن الله تعالى أنزل الإنجيل على نبيه عيسى ﵇، ولكن حينما درست بعض الأشياء عن المسيحية، أخبروني أن الإنجيل لم يأت به المسيح وإنما كتب على يد تلاميذ المسيح بعد صلبه (أو بعد أن رفعه الله إليه كما في القرآن) . فكيف يمكننا الجمع بين القولين؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس بين القولين اختلاف أو تناقض، بحمد الله، حتى نحتاج إلى السؤال عن الجمع بينهما، وإنما سبب الإشكال على السائل أنه خلط بين أمرين يجب الإيمان بهما، وكلاهما حق، بحمد الله:
أما الأمر الأول فهو الإنجيل المنزل من رب العالمين، على نبي الله عيسى، ﵇؛ والإيمان بأن الله تعالى أنزل على نبيه عيسى كتابا، وأن اسم هذا الكتاب الإنجيل، هو من أصول الإيمان وأركانه التي يجب الإيمان بها؛ قال تعالى:
(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) البقرة/٢٨٥، وقال ﷺ ، لجبريل لما سأله عن الإيمان، في حديثه المعروف: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه وسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره) متفق عليه
كما أن الكفر بذلك أو الشك فيه، ضلال وكفر بالله تعالى، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَد ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً) النساء/١٣٦
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً) النساء/١٥٠-١٥١ وأما الأمر الثاني فهو الإنجيل، أو بتعبير أدق الأناجيل التي توجد في أيدي النصارى اليوم؛ فمع أن من أصول إيماننا الإيمان بالإنجيل الذي أنزل على عيسى، فإننا نؤمن كذلك بأنه لم يعد بين أيدي الناس كتاب كما أنزله الله، لا الإنجيل، ولا غيره، إلا القرآن. بل إن النصارى أنفسهم لا يدعون أن الكتب التي بين أيديهم منزلة هكذا من عند الله، بل ولا يدعون أن المسيح ﵇ هو الذي كتبها، أو أنها، على الأقل كتبت في زمانه. يقول الإمام ابن حزم، ﵀ في الفِصَل في الملل (٢/٢) :
(ولسنا نحتاج إلى تكلف برهان في أن الأناجيل وسائر كتب النصارى ليست من عند الله ولا من عند المسيح ﵇، كما احتجنا إلى ذلك في التوراة والكتب المنسوبة إلى الأنبياء ﵈ التي عند اليهود، لأن جمهور اليهود يزعمون أن التوراة التي بأيديهم منزلة من عند الله ، على موسى ﵇، فاحتجنا إلى إقامة البرهان على بطلان دعواهم في ذلك، وأما النصارى فقد كفونا هذه المؤونة كلها، لأنهم لا يدعون أن الأناجيل منزلة من عند الله على المسيح، ولا أن المسيح أتاهم بها، بل كلهم أولهم عن آخرهم، أريسيهم وملكيهم ونسطوريهم ويعقوبيهم ومارونيهم وبولقانيهم، لا يختلفون في أنها أربعة تواريخ ألفها أربعة رجال معروفون في أزمان مختلفة: فأولها تاريخ ألفه متى اللاواني تلميذ المسيح بعد تسع سنين من رفع المسيح ﵇، وكتبه بالعبرانية في بلد يهوذا بالشام يكون نحو ثمان وعشرين ورقة بخط متوسط والآخر تاريخ ألفه مارقش (مرقس) تلميذ شمعون بن يونا، المسمى باطرة، بعد اثنين وعشرين عاما من رفع المسيح ﵇، وكتبه باليونانية في بلد إنطاكية من بلاد الروم، ويقولون إن شمعون المذكور هو الذي ألفه ثم محا اسمه من أوله ونسبه إلى تلميذه مارقش، يكون أربعا وعشرين ورقة بخط متوسط وشمعون المذكور تلميذ المسيح والثالث تاريخ ألفه لوقا الطبيب الأنطاكي تلميذ شمعون باطرة أيضا، كتبه باليونانية بعد تأليف مارقش المذكور، يكون من قدر إنجيل متى والرابع تاريخ ألفه يوحنا ابن سيذاي تلميذ المسيح بعد رفع المسيح ببضع وستين سنة وكتبه باليونانية يكون أربعا وعشرين ورقة بخط متوسط.)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الجواب الصحيح (٣/٢١) :
(وأما الأناجيل التي بأيدي النصارى فهي أربعة أناجيل: إنجيل متى ولوقا ومرقس ويوحنا، وهم متفقون على أن لوقا ومرقس لم يريا المسيح، وإنما رآه متى ويوحنا وأن هذه المقالات الأربعة التي يسمونها الإنجيل، وقد يسمون كل واحد منها إنجيلا، إنما كتبها هؤلاء بعد أن رفع المسيح؛ فلم يذكروا فيها أنها كلام الله ولا أن المسيح بلغها عن الله بل نقلوا فيها أشياء من كلام المسيح وأشياء من أفعاله ومعجزاته)
ثم إن هذه الكتب التي كتبت بعد المسيح لم تبق على صورتها هذه التي كتبت عليها أول مرة؛ حيث اختفت النسخ الأولى، وفقدت من أيدي الناس مدة طويلة من الزمان. يقول ابن حزم:
(وأما النصارى فلا خلاف بين أحد منهم ولا من غيرهم في أنه لم يؤمن بالمسيح في حياته إلا مائة وعشرون رجلا فقط....، وأن كل من آمن به فإنهم كانوا مستترين مخافين في حياته وبعده، يدعون إلى دينه سرا ولا يكشف أحد منهم وجهه إلى الدعاء إلى ملته، ولا يظهر دينه، وكل من ظفر به منهم قتل....
فبقوا على هذه الحالة لا يظهرون البتة، ولا لهم مكان يأمنون فيه مدة ثلاثمائة سنة بعد رفع المسيح ﵇.
وفي خلال ذلك ذهب الإنجيل المنزل من عند الله إلا فصولا يسيرة أبقاها الله تعالى حجة عليهم وخزيا لهم فكانوا كما ذكرنا إلى أن تنصر قسطنطين الملك فمن حينئذ ظهر النصارى وكشفوا دينهم واجتمعوا وآمنوا.
وكل دين كان هكذا فمحال أن يصح فيه نقل متصل لكثرة الدواخل الواقعة فيما لا يؤخذ إلا سرا تحت السيف لا يقدر أهله على حمايته ولا على المنع من تبديله) الفصل ٢/٤-٥
وبالإضافة إلى هذا الانقطاع الهائل في إسناد كتبهم، والذي يتجاوز القرنين من الزمان، في أعلى أسانيدهم، فإن هذه الكتب لم تبق بلغتها التي كتبها بها أهلها أول مرة، وإنما ترجمت عن تلك اللغات، ثم ترجمت غير مرة، على أيدي أناس مجهولين في علمهم، وأمانتهم، واختلاف هذه الكتب وتناقضها فيما بينها من أقوى الأدلة على تحريفها وأنها ليست هي الإنجيل الذي أنزله الله على عبده ورسوله عيسى ﷺ ، وصدق الله العظيم إذ يقول: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) النساء/٨٢.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 184
هل النبي محمد ﷺ ذُكِر في الإنجيل
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو أن تخبرني أين ذُكر النبي ﷺ في الإنجيل؟ وهل تم ذكر اسمه أم رمز له؟ وما هي المراجع التي يمكن أن أستعملها لأثبت هذه المسألة، وهل الكُتاب والمترجمون النصارى قد حرفوا ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الله تعالى في كتابه: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) الصف /٦
وقال تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) الأعراف/١٥٧
فهاتان الآيتان تدلان على أن النبي ﷺ مذكور في التوراة والإنجيل، مهما أدعى اليهود والنصارى عدم ذلك، فإن كلام الله تعالى أحسن حديثا، وأصدق قيلا.
ومما وورد في الكتاب السابقة ما يلي:
أولا: جاء في التوراة في سفر التثنية الإصحاح الثامن عشر الفقرات ١٨و١٩: " يا موسى أني سأقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم مثلك أجعل كلامي فيه ويقول لهم ما أمره به والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه "، وهذا النص موجود عندهم الآن، فقوله:" من إخوانهم "، لو كان منهم من بني إسرائيل لقال سأقيم لهم نبياً منهم قال من إخوتهم أي أبناء إسماعيل.
ثانيا: جاء في إنجيل يوحنا الإصحاح السادس عشر الفقرات ١٦-١٧: " إن خيراً لكم أن أنطلق لأني إن لم أذهب لم يأتكم الفارقليط فإذا انطلقت أرسلته إليكم فإذا جاء فهو يوبخ العالم على الخطيئة، وان لي كلاماً كثيراً أريد قوله ولكنكم لا تستطيعون حمله لكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بكل ما يأتي "، وهذا لا ينطبق إلا على النبي ﷺ .
ثالثا: قال ابن القيم ﵀: " قال في التوراة في السفر الخامس: -: " أقبل الله من سيناء، وتجلى من ساعير، وظهر من جبال فاران، ومعه ربوات الإظهار عن يمينه " وهذه متضمنة للنبوات الثلاثة: نبوة موسى، ونبوة عيسى، ونبوة محمد ﷺ ، فمجيئه من " سينا ": وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى، ونبأه عليه إخبار عن نبوته، وتجليه من ساعير هو مظهر المسيح من بيت المقدس، و " ساعير ": قرية معروفة هناك إلى اليوم، وهذه بشارة بنبوة المسيح.
"وفاران ": هي مكة، وشبه سبحانه نبوة موسى بمجيء الصبح، ونبوة المسيح بعدها بإشراقه وضيائه ونبوة خاتم الأنبياء باستعلاء الشمس، وظهور ضوءها في الآفاق، ووقع الأمر كما أخبر به سواء. فإن الله سبحانه صدع بنبوة موسى ليل الكفر فأضاء فجره بنبوته، وزاد الضياء والإشراق بنبوة المسيح، وكمل الضياء واستعلن وطبق الأرض بنبوة محمد صلوات الله وسلامه عليهم، وذكر هذه النبوات الثلاثة التي اشتملت عليها هذه البشارة نظير ذكرها في أول سورة (والتين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين " ا. هـ[انظر هداية الحيارى ص ١١٠، وما ذكره ابن القيم هو في العهد القديم سفر التثنية الإصحاح ٣٣ فقرة ١]
رابعا: ذكر الشيخ عبد المجيد الزنداني في كتابه: (البشارات بمحمد ﷺ في الكتب السماوية السابقة) أن إنجيل برنابا في الباب ٢٢ جاء فيه: " وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله "، وجاء في سفر أشعيا: إني جعلت اسمك محمدا يا محمد، يا قدوس الرب: اسمك موجود من الأبد، وجاء في سفر أشعيا: " وما أعطيته لا أعطيه لغيره، أحمد يحمد الله حمدا حديثا يأتي من أفضل الأرض، فتفرح به البرية، ويوحدون على كل شرف، ويعظمونه على كل رابية " انتهى.
وقد ذكر العلماء العديد من المواضع التي ذكر فيها اسم النبي ﷺ ، مرة بذكر اسمه الصريح، ومرة بذكر وصف لا ينطبق إلا عليه ﷺ .
ويمكنك مراجعة العديد من النصوص في الوصلة التالية:
http://arabic.islamicweb.com/christianity/
واعلم أنه قد طرأ تغيير على الكتب الموجودة الآن من التوراة والإنجيل وحدث تغيير فيها، وقد ذكر المؤرخون من غير المسلمين هذا الأمر، لكن مع ذلك كله لازلنا نجد في التوراة والإنجيل التبشير بمقدم رسول الله ﷺ ، وقد ذكر الشيخ رحمة الله الهندي أن النصارى كلما استطاعوا تحريف موضع حرفوه، ولذلك تجد بعض العلماء القدامى يذكرون مواضع في التوراة والإنجيل ليست موجودة الآن، لكن هناك مواضع أخرى لا زالت تبشر بنبوة النبي ﷺ وقدومه.
واعلم أنه لا بد من تسلح الإنسان بالعلم الصحيح الوافي عند مناقشة النصارى، وهم وإن لم يكن لديهم حجج، إلا إنه يسعون لبث الشبه في نفوس الناس، ليستسلموا ها، وليغيب الحق، والله متم نوره ولو كره الكافرون.
ومن الكتب المفيدة في هذا السياق كتاب إظهار الحق للشيخ رحمة الله الهندي، وكتاب هداية الحيارى لابن القيم، ومن قبله الجواب الصحيح لابن تيمية.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 185
هل هناك أنبياء أرسلوا إلى أهل إفريقيا وأوربا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا ظهر الأنبياء جميعهم في منطقة واحدة من العالم، ولم يظهر نبي في مناطق أخرى، مثل أوروبا؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
من المقرر في شريعتنا: أن الله تعالى أقام الحجة على العباد، بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، ولم يكن هذا الإرسال لأمة دون أخرى، ولا لقارة دون غيرها، بل كان إرسالاً للأمم كافةً، على اختلاف مكانها، وزمانها، كما قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) فاطر /٢٤، وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) النحل/ ٣٦.
ولذا كان من عدل الله تعالى أنه قضى أنه لا يعذِّب أحداً لم تبلغه دعوة الأنبياء والرسل، كما قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) الإسراء/ ١٥، وقال تعالى: (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) الأنعام/ ١٣١.
إلا أن الله تعالى لم يقص علينا خبر جميع الرسل، بل قص علينا خبر بعضهم، وأكثرهم لم يقص علينا خبره، كما قال الله تعالى: (وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) .
وعليه؛ فالقول بأن الأنبياء لم يكونوا إلا في منطقة واحدة من العالَم: قول غير صحيح، بل أرسل الله الرسل إلى جميع أمم الأرض.
وانظر جواب السؤال (٩٥٧٤٧) ففيه تفصيل مهم في الأحاديث الواردة في عدد الأنبياء والمرسلين، وذِكر أقوال العلماء في المسألة.
ثانياً:
من المعلوم أن أغلب الحضارات التي قامت على مر التاريخ: سكنت هذه البلاد، وهي ما يسمى بـ "منطقة حوض البحر المتوسط" وما قاربها، وهي: الشام، ومصر، والعراق، وجزيرة العرب، وبالتالي كانت الكثافة السكانية ـ في الأغلب ـ في تلك البلاد، وهذا مناسب جداً لكون أكثر الرسل أرسلوا إلى أهل هذه البلاد.
وأما الحكمة من أن الله تعالى قص علينا قصص أنبياء ورسل هذه المناطق دون غيرها:
١. فلأن أهل تلك البلاد هم أكمل الناس عقولاً، وأخلاقاً، وقد أثنى الله تعالى على بني إسرائيل في زمانهم أنهم خير الأمم، قال تعالى: (يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) البقرة/ ٤٧، كما أثنى الله تعالى على أمة محمد صلى الله بأنها خير الأمم إلى قيام الساعة، قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) آل عمران/ ١١٠.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن دعوة الإسلام، وسبب انتشارها في تلك البلاد في بداية الأمر -:
"وانتشرت دعوته (يعني: النبي ﷺ في وسط الأرض، لأنهم أكمل عقولاً، وأخلاقاً، وأعدل أمزجة، بخلاف طرفي الجنوب، والشمال؛ فإن هؤلاء نقصت عقولهم، وأخلاقهم، وانحرفت أمزجتهم.
أما طرف الجنوب: فإنه لقوة الحرارة احترقت أخلاطهم، فاسودت ألوانهم، وتجعدت شعورهم.
وأما أهل طرق الشمال فلقوة البرد لم تنضج أخلاطهم، بل صارت فجة، فأفرطوا في سبوطة الشعر والبياض البارد الذي لا يستحسن.
ولهذا لما ظهر الإسلام غلب أهله على وسط المعمورة وهم أعدل بني آدم، وأكملهم، والنصارى الذين تربوا تحت ذمة المسلمين أكمل من غيرهم من النصارى عقولاً، وأخلاقا.
وأما النصارى المحاربون للمسلمين، الخارجون عن ذمتهم من أهل الجنوب والشمال: فهم أنقص عقولاً، وأخلاقاً , ولما فيهم من نقص العقول، والأخلاق: ظهرت فيهم النصرانية، دون الإسلام" انتهى.
"الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح" (١/١٦٤، ١٦٥) .
٢. أن العبر والعظات في قصص أولئك الأنبياء والرسل الكرام أعظم من غيرها.
قال الطاهر بن عاشور ﵀:
"وإنَّما ترك الله أن يقصّ على النّبي ﷺ أسماء كثير من الرسل للاكتفاء بمن قصّهم عليه: لأنّ المذكورين هم أعظم الرسل، والأنبياء، قصصاً ذات عبر" انتهى.
"التحرير والتنوير" (٦/٣٥) .
٣. أن هؤلاء الرسل بحكم وجودهم في منطقة العرب وما حولها كانت أخبارهم معروفة عند العرب، وعند أهل الكتاب المتواجدين في هذه المنطقة، وهذا يكون أقوى في إقامة الحجة على هؤلاء، وتأثير الموعظة والعبرة بما وقع لهؤلاء.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 186
الإيمان بالأنبياء والرسل من أركان الإيمان وليس الإيمان بالرسل فقط
[السُّؤَالُ]
ـ[جاء في حديث جبريل الطويل عندما سأل النبي ﷺ عن الإيمان فذكر ﷺ أركان الإيمان، والتي من ضمنها الإيمان بالرسل، وكما هو معلوم أنه ليس كل نبي رسول، فهل معنى هذا أنه لا يلزم الإيمان بمن كان نبياً ولم يكن رسولاً؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الإيمان الواجب هو الإيمان بالرسل والأنبياء جميعا، وليس بالرسل فقط، وهذا من مسلمات الدين، وأركان العقيدة المبينة في القرآن الكريم:
يقول الله تعالى:
(قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) البقرة/١٣٦.
ويقول سبحانه:
(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) البقرة/١٧٧.
فتأمل كيف افترض الله على المؤمنين به الإيمان بجميع الرسل والأنبياء، وسمى منهم إسماعيل وإسحاق والأسباط، وأخبر أن المؤمنين لا يفرقون بين أحد من الأنبياء والرسل، بل يعتقدون بكفر من أنكر نبوة من أثبت الله نبوته، لأن الكفر برسول أو نبي واحد كفر بجميع المرسلين.
قال القاضي عياض ﵀:
" حكم من سب سائر أنبياء الله تعالى ... واستخف بهم، أو كذبهم فيما أتوا به، وأنكرهم، وجحدهم، حكمُ نبيِّنَا ﷺ " انتهى.
" الشفا " (٢/١٠٩٧)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" والمسلمون آمنوا بالأنبياء كلهم، ولم يفرقوا بين أحد منهم، فإن الإيمان بجميع النبيين فرض واجب، ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم كلهم، ومن سب نبياً من الأنبياء فهو كافر يجب قتله باتفاق العلماء " انتهى.
" الصفدية " (٢/٣١١)
وقال العلامة السعدي ﵀ – في تفسير الآية السابقة من سورة البقرة -:
" فيه الإيمان بجميع الكتب المنزلة على جميع الأنبياء، والإيمان بالأنبياء عموما وخصوصا، ما نص عليه في الآية لشرفهم، ولإتيانهم بالشرائع الكبار، فالواجب في الإيمان بالأنبياء والكتب أن يؤمن بهم على وجه العموم والشمول، ثم ما عرف منهم بالتفصيل وجب الإيمان به مفصلا " انتهى.
" تيسير الكريم الرحمن " (ص/٦٧)
وأما حديث جبريل المشهور من رواية الإمام مسلم (رقم/٨) عن عمر بن الخطاب ﵁، ومما جاء فيه: (قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)
فليس المقصود به الاقتصار على الإيمان بالرسل دون الأنبياء، بل كلمة " الرسل " هنا تشمل الأنبياء أيضا، وإنما أطلقت هنا تغليبا لجانب الرسل الذين هم أشهر وأظهر، بدليل الآيات السابقة التي دلت على وجوب الإيمان بجميع الأنبياء.
والتفريق بين الأنبياء والرسل ليس مضطردا في كل سياق، بل متى جاء ورد ذكر أحد الاسمين في النص: فالمراد به الأنبياء والرسل جميعا، وإنما يفرق بينهما إذا اجتمعا في نص واحد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 187
هل إعادة الحياة بعد موت بعض الناس ما يناقض أن الموتة واحدة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[بصفتي أدرس الدين المقارن: بماذا أجيب من يسألني سؤالاً حول الآية في الإنجيل التي تقول "إنه قد كتب على ابن آدم أن يموت مرة واحدة، ثم يأتي الحساب"، مما يعنى أن كل إنسان سيموت مرة واحدة، فماذا أقول إذا سألني أحدهم: لماذا يقول الإنجيل بأن عيسى قد أعاد الحياة إلى " لزروس "، وبذلك فإنه عند وفاته فإنها ستكون ميتته الثانية؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اختص الله تعالى الأنبياءَ بآيات بيّنات، وكانت آية كل نبي من جنس ما اشتهر به قومه، حتى تكون أدل على أنها من عند الله، وكانت آية عيسى ﵇ إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، بإذن الله تعالى، كما قال: (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) آل عمران/٤٩.
قال ابن كثير ﵀:
قال كثير من العلماء: بعثَ الله كل نبيّ من الأنبياء بما يناسب أهل زمانه؛ فكان الغالب على زمان موسى ﵇ السحر، وتعظيم السحرة، فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار، وحيَّرت كلَّ سحَّار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار: انقادوا للإسلام، وصاروا من عباد الله الأبرار، وأما عيسى ﵇: فبُعث في زمن الأطباء، وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيدا من الذي شرع الشريعة، فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه، والأبرص، وبعث مَن هو في قبره رهين إلى يوم التناد؟! وكذلك محمد ﷺ بُعث في زمان الفصحاء، والبلغاء، ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعَشر سور من مثله، أو بسورة من مثله: لم يستطيعوا أبداً.
"تفسير ابن كثير" (١/٤٨٥) .
وآيات الأنبياء هي خروج عن المألوف، وخرق للعادة؛ تثبيتاً للنبي، وأتباعه، وعلامة على رسالته، وصدقه فيما يدعو إليه.
وكان من آيات عيسى ﵇: إحياء الموتى، وهذه الآية اختصه الله بها دون غيره من الأنبياء.
ونحن لا نعتمد على ما نقلتَه عن الإنجيل؛ لاعتقادنا تحريفه، ولكن نعتمد على ما جاء به شرعنا، لأن ما نقلته من الإنجيل موافق لما عندنا، من أن الخلق يموتون موتة واحدة، لا يرجعون بعدها إلى الدنيا؛ قال تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) الأنبياء/٩٥، ولكن هذا العموم مخصوص ببعض النصوص والوقائع التي وقع فيها إحياء لبعض الموتى في الدنيا، آية على قدرة الله سبحانه على إحياء الناس جميعاً بعد موتهم، أو آيةً لنبي - كما خصّ به عيسى ﵇، ومن أمثلة ذلك:
١. ما جاء في قصة القتيل زمن موسى ﵇، وما حصل من إحياء الله تعالى له ليدل على من قتله، قال تعالى: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) البقرة/ ٧٣.
٢. وما حصل من إحياء الله تعالى للرجل الذي أماته – وحماره – مائة عام، ثم أحياه، قال الله تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) البقرة/ ٢٥٩.
٣. وما حصل من إحياء الله تعالى لقوم كثُر، قال تعالى: (أَلَمْ ترَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) البقرة/ ٢٤٣.
٤. وما حصل من إحياء الله تعالى لمن أماتهم من قوم موسى ﵇ الذين طلبوا منه رؤية الله تعالى، فأخذتهم الصاعقة، فماتوا، ثم بعثهم الرب تعالى، قال تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) البقرة/ ٥٦.
وهذا كله يضاف إلى ما أخبر الله تعالى به من إحياء عيسى ﵇ لبعض الموتى بإذن الله تعالى، وكل هذا استثناء من العموم.
ومثال ذلك لو قال قائل: إنه لا إنجاب إلا من ذكر وأنثى: لكان صادقاً، بل هو مؤيد بالقرآن والسنَّة، كمثل قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) الحجرات/١٣، وقد خُصَّ من هذا العموم آدم ﵇ الذي خُلق من غير ذكر ولا أنثى، وخُصّت حواء ﵍، حيث خُلقت من ذكر بلا أنثى، وخُصَّ عيسى ﵇، حيث خُلق من أنثى بلا ذَكر.
وعلى هذا، فالعودة إلى الحياة بعد الموت في الدنيا حصل قطعاً في صور متعددة، ولذلك حكم جليلة منها:
١. إثبات قدرة الله على بعث الخلائق يوم القيامة.
٢. جعلها آية على صدق النبي، وأنه مرسل من عند الله تعالى، كما في إحياء عيسى ﵇ للموتى بإذن الله، وكما في إحياء قتيل قوم موسى.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ بعد أن عدَّد ما في سورة البقرة من مواضع أحيا الله فيها بعض الموتى:
"ولا ينافي هذا ما ذَكر الله في قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) المؤمنون/ ١٥، ١٦؛ لأن هذه القصص الخمس، وغيرها - كإخراج عيسى الموتى من قبورهم - تعتبر أمراً عارضاً، يُؤتى به لآية من آيات الله ، أما البعث العام: فإنه لا يكون إلا يوم القيامة، ولهذا نقول في شبهة الذين أنكروا البعث من المشركين، ويقولون: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) الأنبياء/ ٣٨، ويقولون: (فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) الدخان/ ٣٦، نقول: إن هؤلاء مموِّهون، فالرسل لم تقل لهم: إنكم تبعثون الآن، بل يوم القيامة، ولينتظروا، فسيكون هذا بلا ريب" انتهى.
" تفسير سورة البقرة " (١/١٩٣) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 188
الحكمة في عدم حصر الوحي لنبينا بالتكليم، والحكمة من إرسال جبريل دون غيره
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا لم ينزل الله وحيَه على نبيِّه محمد (ص) مباشرة دون اللجوء إلى واسطة - وهو جبريل ﵇؟ وما الحكمة مِن أن جبريل كان مَن يُنزل الوحي ﵊؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا ينبغي اختصار الصلاة والسلام على النبي ﷺ بحرف الصاد، ولا بكلمة " صلعم "، ومن كتب مثل هذا السؤال لا يعجزه كتابة الصلاة والسلام عليه كاملة.
وقد سبق بيان حكم كتابة هذين الاختصارين في جواب السؤال رقم (٤٧٩٧٦) ، فلينظر.
ثانياً:
ذكر الله تعالى في كتابه الكريم طرق تبليغ رسله برسالاته وكلامه تعالى، فكان منها: الوحي – وله أشكال متعددة – يقظة ومناماً، والتكليم المباشر من وراء حجاب، وعن طريق جبريل ﵇، وقد سمَّى الله تعالى الطرق الثلاثة بـ " التكليم "، فقال: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ) الزخرف/ ٥١، وهذا هو التكليم بمعناه العام، وليس هو التكليم الخاص الذي خصَّ به بعض رسله، قال تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) البقرة/ من الآية ٢٥٣.
وكل صور الوحي وأشكاله قد حصلت للنبي ﷺ ، فجاءه الوحي يقظة ومناماً، وكلمه الله في السماء في المعراج، وأرسل إليه جبريل ﵇، فحصل للنبي ﷺ بذلك ما لم يحصل لغيره من إخوانه الأنبياء، بل إنه حتى التكليم الذي اشترك به مع أخيه موسى ﵇ كان لنبينا المقام الرفيع فيه؛ حيث حصل تكليم رب العالمين له في السماء، فكان ما اختاره الله تعالى لنبيه ﵇ أكمل وأفضل وأجل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
وقد ذكر الله تعالى أنواعَ جنسِ تكليمه لعباده في قوله تعالى (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ) ، فجعل ذلك ثلاثة أنواع:
الوحي الذي منه ما هو إلهام للأنبياء، يَقَظَةً ومناماً، فإنّ رؤيا الأنبياءِ وحي.
والتكليم من وراءِ حجاب، كما كلَّمَ موسَى بن عمرانَ حيثُ نادا وقَرَّبَه نَجِيّاً.
والتكليم بإرسال رسول يُوحي بإذنِه ما يشاءُ هو تكليمُه بواسطةِ إرسال الملَكِ، كما قال تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ) ١٧، ١٨، أي: علينا أن نجمعَه في قلبك، ثمَّ علينا أن نقرأه بلسانك، وهذا على أظهر القولين، وهو أن " قَرَأ " بالهمزة من الظهور والبيان، وقولهم: مَا قَرَأَتِ الناقةُ بسَلَا جَزُوْرٍ قَطُّ، أي: ما أَظهرتْه، بخلاف " قَرَى يَقْرِيْ " فإنه من الجَمع، ومنه سُمِّيتِ القريةُ قريةً، والمَقْرَاةُ مُجتمع الماء.
فقوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ) أي: قرأناه بواسطةِ جبريل (فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ) ، وهذا كقوله تعالى: (نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ) ، وإنما ذلك بتوسُّط قراءةِ جبريلَ وتلاوته، كقوله: (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ) ، فإنّ هذا قد جعله سبحانَه أحدَ أنواع الجنس العامّ المقسوم، وهو تكليمُ الله لعبادِه، ولهذا قال عُبادةُ بن الصامت: رؤيا المؤمنِ كلامٌ يُكلِّم به الربُّ عبدَه في منامِه.
" جامع المسائل " (٥ / ٢٨٤، ٢٨٥) .
وقال – ﵀:
وأحاديث المعراج وصعوده إلى ما فوق السموات وفرض الرب عليه الصلوات الخمس حينئذ ورؤيته لما رآه من الآيات والجنة والنار والملائكة والأنبياء في السموات والبيت المعمور وسدرة المنتهى وغير ذلك: معروف متواتر في الأحاديث، وهذا النوع لم يكن لغيره من الأنبياء مثله، يظهر به تحقيق قوله تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس) فالدرجات التي رُفعها محمَّد ليلة المعراج، وسيُرفعها في الآخرة في المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون: ليس لغيره مثله.
" الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح " (٦ / ١٦٨، ١٦٩) .
ثالثاً:
أما الحكمة من الاصطفاء والاختيار – ومنه اصطفاء جبريل ﵇ لإرساله بالوحي -: فإن ذلك من أفعال الله تعالى الدالة على علمه وعدله وحكمته.
والله يختار ما يشاء من الأشياء المختلفة ليميزها على غيرها، قال تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) القصص/ ٦٨.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
هذه الآيات – أي: الآية السابقة وما بعدها - فيها عموم خلقه لسائر المخلوقات، ونفوذ مشيئته بجميع البريات، وانفراده باختيار من يختاره ويختصه، من الأشخاص، والأوامر، والأزمان، والأماكن، وأن أحداً ليس له من الأمر والاختيار شيء.
" تفسير السعدي " (ص ٦٢٢) .
والله يصطفي ما يشاء من الأشياء المتشابهة ليميزها على غيرها، قال تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) الحج/ ٧٥.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
جبريل رسولٌ ملَك، ومحمَّدٌ رسولٌ بشر، والله يصطفي من الملائكة رسلاً، ومن الناس، فاصطفى لكلامه الرسول الملكي، فنزل به على الرسول البشري الذي اصطفاه، وقد أضافه إلى كلٍّ من الرسوليْن لأنه بلغه وأداه؛ لا لأنه أنشأه وابتداه، قال تعالى: (إنه لقول رسول كريم. ذي قوة عند ذي العرش مكين) التكوير/ ١٩، ٢٠.
" مجموع الفتاوى " (١٧ / ٨٢) .
وقال ابن القيم – ﵀:
وإذا تأملت أحوالَ هذا الخلقِ: رأيتَ هذا الاختيار والتخصيص فيه دالاًّ على ربوبيته تعالى ووحدانيته وكمالِ حكمته وعلمه وقدرته، وأنه اللهُ الذي لا إله إلا هو، فلا شريك له يخلُق كخلقه، ويختار كاختياره، ويدبِّر كتدبيره، فهذا الاختيارُ والتدبير والتخصيص المشهود: أثرُه في هذا العالم مِنْ أعظم آيات ربوبيته، وأكبرِ شواهد وحدانيته، وصفات كماله، وصدقِ رسله.
" زاد المعاد في هدي خير العباد " (١ / ٤٢) .
فاصطفى الله تعالى من الملائكة جبريل ﵇ دون غيره لما فيه من صفات القوة، والأمانة، وغيرهما، وقد علم الرب تعالى ذلك أزلاً، فاصطفاه من أجل ذلك.
قال ابن القيم – ﵀:
ذواتُ ما اختاره واصطفاه من الأعيان والأماكن والأشخاص وغيرها: مشتَمِلَة على صفات وأمور قائمة بها ليست لغيرها، ولأجلها اصطفاها اللهُ، وهو سبحانه الذي فضلها بتلك الصفاتِ، وخصها بالاختيار، فهذا خلقُه، وهذا اختياره، (وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) القصص/ ٦٧.
" زاد المعاد في هدي خير العباد " (١ / ٥٣) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 189
هل يصلي خلف من لا يصدق أن محمداً ﷺ خاتم النبيين ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد شاركت بعض المسلمين في عدة مناقشات هنا في أمريكا عن "خاتم النبيين"، الرجاء إيضاح التالي: - معنى خاتم في اللغة العربية (آخر) أم (خاتم) ؟ - الأدلة من القرآن والسنة. - هل نزول عيسى ﵇ ينهي "خاتم النبيين" أم لا؟ - ما حكم من لا يؤمن بأن محمداً ﷺ هو خاتم النبيين ولا نبي بعده، هل هو كافر أم لا؟ وهل يجوز الصلاة خلفه لو لم يكن هناك مسجد في منطقتنا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
النبي محمد ﵊ هو آخر الأنبياء، قال ﵊: (فضّلت على الأنبياء بخمس: أعطيت الشفاعة وختم بي النبيون ... الحديث) فأخبر ﵊ أنه آخرهم، وقال تعالى: (ولكن رسول الله وخاتَم النبيين) – بفتح التاء - وفي قراءة أخرى (وخاتِم النبيين) – بكسر التاء - والمعنى: أنه آخرهم، وقد قال ﵊: (أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي) أي أنه خُتم به أنبياء الله، فلا نبي بعده ولا رسول.
ولا شك أن عيسى ﵊ عندما ينزل يكون بشريعة محمد ﵊، فيحكم بها، فلا يعتبر نبياً بعد رسول الله إنما هو واحدٌ من أمته، يحكم بشريعته.
ومن ادعى انه سوف يأتي نبي جديد فهو كافر، أو يجوز إتيان نبي بعد محمد ﵊، فيعتبر أن هذه الشريعة ليست آخر الشرائع، مثل هذا كافر ولا يصلى خلفه إن عُلِمَ هذا من عقيدته، وإن ثبت فعليك إعادة الصلاة ولو منفرداً.
[الْمَصْدَرُ]
سماحة الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله
стр. 190
ما ورد في تخيير الرسل والأنبياء قبل الموت
[السُّؤَالُ]
ـ[بالنسبة لمسألة تخيير الرسل والأنبياء قبل الموت (أي هل يموتون الآن أم بعد مدة) كما حصل معه عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم، كيف نقول بالنسبة لمن قتل منهم أي الأنبياء والرسل، هل خُيروا أم لم يُخيروا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
صح عن النبي ﷺ أن كل نبي يخير عند موته بين الدنيا والآخرة، جاء ذلك في روايات عدة عن عائشة ﵂ أنها قالت:
(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ صَحِيحٌ يَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُحَيَّا أَوْ يُخَيَّرَ. فَلَمَّا اشْتَكَى وَحَضَرَهُ الْقَبْضُ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِ عَائِشَةَ غُشِي عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ شَخَصَ بَصَرُهُ نَحْوَ سَقْفِ الْبَيْتِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى. فَقُلْتُ: إِذًا لَا يُجَاوِرُنَا. فَعَرَفْتُ أَنَّهُ حَدِيثُهُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا وَهْوَ صَحِيحٌ)
رواه البخاري (٤٤٣٧) ومسلم (٢٤٤٤)
وعنها رضى الله عنها قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
(مَا مِنْ نَبيٍّ يَمْرَضُ إِلَاّ خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) فَعَلِمْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ) رواه البخاري (٤٥٨٦)
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
" قوله: (كنت أسمع أنه لا يموت نبي حتى يُخَيَّر) ولم تصرح عائشة بذكر من سمعت ذلك منه في هذه الرواية، وصرحت بذلك في الرواية التي تليها من طريق الزهري عن عروة عنها قالت: كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: (إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يحيى أو يخير) وهو شك من الراوي، هل قال يُحَيَّى، أو يُخَيَّر.
وعند أحمد من طريق المطلب بن عبد الله عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقول: (ما من نبي يقبض إلا يرى الثواب ثم يخير)
ولأحمد أيضا من حديث أبي مويهبة قال: قال لي رسول الله ﷺ : (إني أوتيت مفاتيح خزائن الأرض والخلد ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة فاخترت لقاء ربي والجنة)
وعند عبد الرزاق من مرسل طاوس رفعه: (خيرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتي وبين التعجيل فاخترت التعجيل) " انتهى من " فتح الباري " (٨/١٣٧)
وقال أيضا:
" هذه الحالة من خصائص الأنبياء أنه لا يقبض نبي حتى يخير بين البقاء في الدنيا وبين الموت " انتهى من " فتح الباري " (١٠/١٣١)
ومن ذلك قصة استئذان ملك الموت على نبي الله موسى ﵇ فلطمه موسى ففقأ عينه وهي مروية في الصحيحين أيضا.
يقول الدكتور عمر الأشقر حفظه الله:
" مما تفرد به الأنبياء أنّهم يخيَّرون بين الدنيا والآخرة " انتهى من " الرسل والرسالات " (ص/٦٣)
ثانيا:
لما كان تخيير الرسل والأنبياء قبل الموت من عالم الغيب الذي لم نطلع عليه إلا بواسطة الوحي الصحيح، لم يجز لنا أن نتكلم في تفاصيله بغير علم ولا هدى، بل يجب الوقوف عند حدود النصوص الواردة في هذا الموضوع، وهي نصوص عامة لم تستثن أحدا من الأنبياء، بل جاءت بصيغة تؤكد العموم، ففي الرواية الأولى بلفظ: (لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ) ، وفي الرواية الثانية بلفظ: (مَا مِنْ نَبيٍّ يَمْرَضُ) ، فيظهر أنها تعم كل نبي، سواء مات ميتة طبيعية على فراشه، أو قتل شهيدا باعتداء المعتدين.
هذا ما يمكننا قوله، ولا نستطيع تجاوز ذلك.
ثالثا:
لا يفوتنا التنبيه هنا على كثرة الكذب في هذا الموضوع، فقد رويت أحاديث كثيرة ضعيفة تذكر قصة استئذان ملك الموت على النبي ﷺ ليقبض روحه، وما دار من حوار طويل بينهما، سبق التنبيه عليه في جواب السؤال رقم: (٧١٤٠٠)
يقول الشيخ محمد رشيد رضا ﵀:
" وأما الجواب عن - استئذان ملك الموت على النبي ﷺ فهو أنّ الحديث في ذلك لا يَصِحُّ، ولا عبرة بسكوت بعض أهل السِّيَرِ عليه , ولا بذكره في بعض الخُطَب التي قَلَّمَا تحرى أصحابها الصحاح من السنن والآثار , بل أولع أكثرهم بالواهيات والموضوعات " انتهى من " مجلة المنار " (١١/٣٥٢)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 191
لماذا اختص عيسى ﵇ بالرفع إلى السماء ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[بما أن محمدا ﷺ أفضل الأنبياء فلم لم يرفع إلى السماء بدلا من عيسى؟ ولماذا اختص الله عيسى بالرفع دون سائر الأنبياء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" إن الله تعالى وسع كل شيء رحمة وعلما، وأحاط بكل شيء قوة وقهرا، سبحانه له الحكمة البالغة، والإرادة النافذة، والقدرة الشاملة، اصطفى من شاء من الناس أنبياء ورسلا مبشرين ومنذرين، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، وخص كلا منهم بما شاء من المزايا، فضلا منه ورحمة، فخص بالخلة خليله إبراهيم ومحمداً عليهما الصلاة والسلام، وخص كل نبي بما أراد من الآيات والمعجزات التي تتناسب مع زمنه، وبها تقوم الحجة على قومه، حكمةً منه وعدلاً، لا معقب لحكمه، وهو العزيز الحكيم اللطيف الخبير، وليس كل مزية بمفردها بموجبة للأفضلية، فاختصاص عيسى برفعه إلى السماء حيا جارٍ على مقتضى إرادة الله وحكمته، وليس ذلك لكونه أفضل من إخوانه المرسلين، كإبراهيم ومحمد وموسى ونوح عليهم الصلاة والسلام، فإنهم أعطوا من المزايا والآيات ما يقتضي تفضيلهم عليه.
وبالجملة، فمرجع الأمر في ذلك إلى الله، يدبره كما يشاء، لا يُسأل عما يفعل، لكمال علمه وحكمته، ثم إنه لا يترتب على السؤال عن ذلك عمل أو تثبيت عقيدة، بل ربما أصيب بالحيرة من حام حول ذلك، واستولت عليه الريب والشكوك، وعلى المؤمن التسليم فيما هو من شؤون الله، وليجتهد فيما هو من شؤون العباد عقيدة وعملا، وهذا هو منهج الأنبياء والمرسلين، وطريق الخلفاء الراشدين، وسلف الأمة المهديين. والله أعلم.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٣/٤٧٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
стр. 192
حكم من يقول: الإسلام والإيمان ليسا محصورين برسالة نبينا محمد ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض الناس يقول: إن الإسلام والإيمان ليسا محصورين برسالة سيدنا محمد ﵊ فقط، بل إن الإسلام والإيمان يخصان كل إنسان يعبد الله بأي صورة كانت قبل وبعد البعثة المحمدية المباركة، فما تعليقكم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"أما قبل بعثة النبي محمد ﷺ ؛ فكل من آمن بالرسل الماضين فهو من أهل الجنة.. من آمن بموسى.. بعيسى.. بهود.. بصالح.. بجميع الرسل، فهو من أهل الجنة إذا مات على ذلك، أما بعد بعثة محمد ﷺ ؛ فليس من أهل الجنة إلا من تابع محمداً ﷺ ، فجميع أهل الأرض بعد مبعث محمد ﷺ ليس لهم نجاة إلا باتباعه محمد ﵊، قال النبي ﷺ : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) . فأتباع النبي محمد ﷺ هم الذين يدخلون الجنة دون غيرهم، ويقول ﷺ : (والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار) ، فلا يكون من أهل الجنة بعد بعثة محمد ﷺ إلا من اتبعه. أما من بلغه خبره وكَفَرَ به، ولم يؤمن به، فهو من أهل النار، وأما من لم يبلغه خبر النبي ﷺ من أهل الفترات الذين لم يسمعوا بالرسول ولا بالقرآن، فهؤلاء يقال لهم: أهل الفترة، وهؤلاء أمرهم إلى الله يوم القيامة، يمتحنهم جل وعلا، فمن نجح في الامتحان دخل الجنة، ومن لم ينجح دخل النار، نسأل الله السلامة، وأما من بلغه رسالة النبي ﷺ وبلغه القرآن ولم يؤمن؛ به فهو من أهل النار. ومن لم يُكَفِّر الكفارَ فهو مثلهم، فيجب تكفير من لم يؤمن بالله، وتكفير من كفر به، ولهذا ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (من وحد الله وكفر بما عبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله) ، ويقول الله جل وعلا: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) البقرة/٢٥٦. فلابد من الإيمان بالله، وتوحيده، وإخلاصه، والإيمان بإيمان المؤمنين، ولابد من تكفير الكافرين الذين بلغتهم الشريعة ولم يؤمنوا، كاليهود، والنصارى، والمجوس، والشيوعيين، وغيرهم ممن يوجد اليوم وقبل اليوم، فمن بلغته رسالة الله ولم يؤمن فهو من أهل النار، نسأل الله العافية" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٨/٤٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 193
هل تزوج المسيح عيسى ﵇ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[قد كتب دان براون في كتابه: " سر داوينجي " أن المسيح عيسي بن مريم قد تزوج امرأة زانية اسمها مريم المجدلية، وكان لهما ابنة اسمها سارة. هل هذا صحيح حسب الروايات الإسلامية؟ وإن لم يكن صحيحًا فلماذا لم يتزوج عيسي بن مريم ﵉؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم يرد في صريح الكتاب والسنة الصحيحة نص يدل على إثبات أو نفي زواج السيد المسيح عيسى ابن مريم ﵉، وإن كان في القرآن الكريم ما يدل على أن الزواج عموماً من هدي المرسلين، فقد قال : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) الرعد/٣٨، فذلك لا يمنع أن يكون بعضهم مستثنى من ذلك، وهذا الاستثناء كان كمالاً في حقه وفي شريعته، كما أن زواج الأنبياء ـ عموماً ـ وما أوتوا من الأزواج والذرية، كان كمالاً لهم.
وقد الله تعالى في بشارته لنبيه زكريا ﵇ بولده الذي يولد له، يحي ﵇:
(فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ) آل عمران/٣٩.
قال القاضي عياض ﵀:
" فإن قيل: كيف يكون النكاح وكثرته من الفضائل، وهذا يحيى بن زكريا ﵇ قد أثنى الله تعالى عليه أنه كان حصوراً؛ فكيف يثنى الله عليه بالعجز عما تعده فضيلة؟! وهذا عيسى ابن مريم ﵇ تبتل من النساء، ولو كان كما قررته لنكح؟
فاعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى ـ بأنه حصور ـ ليس كما قال بعضهم: إنه كان هيوباً، أو لا ذكر له؛ بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين ونقاد العلماء، وقالوا هذه نقيصة وعيب ولا يليق بالأنبياء ﵈، وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب، أي: لا يأتيها، كأنه حصر عنها.
وقيل: مانعا نفسه من الشهوات، وقيل: ليست له شهوة في النساء.
فقد بان لك من هذا: أن عدم القدرة على النكاح نقص؛ وإنما الفضل في كونها موجودة ثم قمعها، إما بمجاهدة كعيسى ﵇، أو بكفاية من الله تعالى كيحيى ﵇، فضيلة زائدة؛ لكونها مشغلة في كثير من الأوقات، حاطّة إلى الدنيا، ثم هي في حق من أقدر عليها وملكها وقام بالواجب فيها ولم يشغله عن ربه: درجة علياء، وهى درجة نبينا ﷺ ، الذي لم تشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة لتحصينهن وقيامه بحقوقهن واكتسابه لهن وهدايته إياهن. " انتهى.
الشفا بحقوق المصطفى، للقاضي عياض (١٨٨-٨٩) ، وانظر: تفسير ابن كثير (٢/٣٨) ، وأيضا: "التحرير والتنوير"، لابن عاشور (١٣/١٦٢-١٦٣) .
وقال الشيخ الطاهر ابن عاشور ﵀:
" وأما ترك المسيح التزوج فلعله لعارض آخر أمره الله به لأجله، وليس ترك التزوج من شؤون النبوءة فقد كان لجميع الأنبياء أزواج قال تعالى: (وجعلنا لهم أزواجاً وذرية) الرعد/٣٨ " انتهى.
"التحرير والتنوير" (٢٧/٤٢٥)
وأما ما جاء في رواية " شيفرة دافنشي " لكاتبها " دان براون "، فليس فيها إلا إثارة لمواضيع حساسة لدى الكنائس الغربية لقصد الإثارة وتحقيق الأرباح فقط، وليس بغرض البحث العلمي، ولا التحقيق التاريخي، وقد أثارت هذه الرواية جدلاً واسعاً في الأوساط النصرانية، وكتب الكثيرون منهم ردوداً على ما جاء فيها من تفصيلات تعارضها الكنيسة.
وأما نحن المسلمين فنقول: المسيح عيسى ابن مريم ﵉ من أولي العزم من الرسل، وهو كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه، وأما أنه تزوج أو لم يتزوج، فأي الأمرين وقع له، فهو فضل وكمال في حقه، ولا ينقص من قدره عند الله شيئاً، صلى الله عليه وعلى إخوانه من الأنبياء والرسل.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 194
هل كان عيسى ﵇ يهوديا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يعتقد المسلمون أن عيسى كان يهوديا؟ حيث ذكر في الإنجيل أن عيسى كان يهوديا]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عيسى ابن مريم ﵇، أحد أنبياء الله الكرام، وأولي العزم من ورسله، أرسله الله إلى بني إسرائيل، وعلمه التوراة والإنجيل، وأخبر أنه جاء مصدقا لما في التوراة، أي مقررا لها ومؤمنا بها، إلا أنه نسخ بعض أحكامها، وأباح لأتباعه بعض ما حرم فيها.
قال تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ. وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) آل عمران/٤٨- ٥٠، وقال سبحانه: (وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) المائدة/٤٦.
قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره" (٢/٤٤) :
" وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ " فالتوراة: هو الكتاب الذي أنزله الله على موسى بن عمران، والإنجيل: هو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى ﵉، وقد كان [عيسى] ﵇، يحفظ هذا وهذا " انتهى.
وقال أيضاً ﵀:
" وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ " أي: متبعًا لها، غير مخالف لما فيها، إلا في القليل مما بيّن لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه، كما قال تعالى إخبارًا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: (وَلأحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) ؛ ولهذا كان المشهور من قولي العلماء أن الإنجيل نسخ بَعْضَ أحكام التوراة " انتهى.
"تفسير ابن كثير" (٣/١٢٦) .
وعُلم بهذا أن عيسى ﵇ كان مؤمنا بالتوراة التي أنزلت على موسى ﵇، متبعا لها، لم يخالفها إلا في أشياء قليلة.
وموسى وعيسى وجميع الأنبياء كان دينهم الإسلام العام، وهو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، كما قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) آل عمران/١٩، وقال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران/٨٥، وقال عن نوح ﵇: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) يونس/٧٢، وقال عن إبراهيم ﵇: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) آل عمران/٦٧، وقال عن موسى ﵇: (يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) يونس/٨٤، وقال عن يوسف ﵇: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) يوسف/١٠١.
فلا يقال عن موسى ﵇ إن دينه اليهودية، بل دينه الإسلام، وأتباعه سُموا باليهود إما لقولهم: هدنا إليك، أي: تبنا ورجعنا، أو نسبة ليهوذا أكبر أولاد يعقوب ﵇، وكذلك عيسى ﵇ دينه الإسلام وليس النصرانية، والنصارى هم أتباعه الذين نصروره وآزروه.
لكنه ﵇ كان متبعا للتوراة حافظا لها مقرا بها؛ لأنه من جملة بني إسرائيل الذين أرسل فيهم موسى ﵇، ثم أنزل الله عليه الإنجيل وفيه تصديق لما في التوراة، كما سبق.
وهذا الذي ذكرناه إنما نعني به الدين الذي كان جاء به عسى ﵇، إن كان السائل يريد البحث في دينه والسؤال عنه.
وأما إن كان السائل يسأل عن نسب المسيح ﵇، وقومه الذين ولد فيهم، وبعث إليهم، فنبي الله عيسى ﵇ من بني إسرائيل من غير خلاف، وبنو إسرائيل هم الذين عرفوا بعد ذلك بأنهم اليهود، كما أشرنا.
على أن الذي يستعمله أهل العلم هنا أن ينسب إلى نسبه وقومه، فيقال: هو من بني إسرائيل، وأما كلمة اليهود فهي تحمل معنى دينيا خاصا، فلذلك ينبغي اجتنابه في حق عيسى ﵇، وإن كنا نعلم أنه قومه بنو إسرائيل كانوا على شريعة التوراة قبله، وهو قد جاء مصدقا لما فيها، وغير شيئا قليلا من أحكامها.
قال ابن الأثير ﵀:
" كان عمران بن ماثان [يعني: جد عيسى ﵇، والد مريم] من ولد سليمان بن داود، وكان آل ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم.. " انتهى.
"الكامل في التاريخ" (١/٢٥١) .
وقال ابن كثير ﵀:
" ولا خلاف أنها [يعني: مريم ﵍] من سلالة داود ﵇، وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه " انتهى.
"البداية والنهاية" (٢/٥٢) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" لا ريب أن قوم موسى ﵇ هم بنو إسرائيل، وبلسانهم نزلت التوراة، وكذلك بنو إسرائيل هم قوم المسيح ﵇، وبلسانهم كان المسيح يتكلم، فلم يخاطب أحد من الرسولين أحدا إلا باللسان العبراني، لم يتكلم أحد منهما لا برومية ولا سريانية ولا يونانية ولا قبطية " انتهى.
"الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" (٢/٩٤) .
وقال أيضا: " فمعلوم باتفاق النصارى أن المسيح لم يكن يتكلم إلا بالعبرية، كسائر أنبياء بني إسرائيل، وأنه كان مختونا، ختن بعد السابع كما يختن بنو إسرائيل، وأنه كان يصلي إلى قبلتهم، لم يكن يصلي إلى الشرق ولا أمر بالصلاة إلى الشرق " انتهى.
"المرجع السابق" (٣/٣٢) .
وينظر للفائدة: سؤال رقم (١٠٢٧٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 195
لم يثبت أن المسيح سيدفن في آخر الزمان في الحجرة النبوية
[السُّؤَالُ]
ـ[يروى أن هناك مساحة فارغة بجانب قبر النبي محمد ﷺ ، لكي يستخدمها نبي الله عيسى ﷺ بعد موته، فهل هذا صحيح؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم يَرِد في السنة النبوية ما يدلُّ على مكان دفن المسيح عيسى ﵇ في آخر الزمان، وأما الحديث الذي يُروى في ذلك فضعيف جدا لا يثبت، وهذا بيانه:
عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ينزل عيسى ابن مريم إلى الأرض، فيتزوج، ويولد له، ويمكث خمسا وأربعين سنة، ثم يموت فيدفن معي في قبري، فأقوم أنا وعيسى ابن مريم من قبر واحد بين أبي بكر وعمر) .
رواه ابن أبي الدنيا – كما عزاه إليه الذهبي في "ميزان الاعتدال" (٢/٥٦٢) - وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/٩١٥) وفي "المنتظم" (١/١٢٦) ، وفي "الوفا" (٢/٧١٤) أيضا: من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي.
قال ابن الجوزي: " هذا حديث لا يصح، والإفريقي ضعيف بمرة " انتهى.
وأورده الذهبي في "ميزان الاعتدال" في سياق المناكير التي رواها هذا الراوي، وقال: " فهذه مناكير غير محتملة " انتهى.
وقال الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" برقم (٦٥٦٢) : " منكر " انتهى.
ووردت بعض الآثار في هذا الشأن عن علماء الصحابة ممن قرؤوا التوراة وعرفوا ما فيها:
١- قال عبد الله بن سلام ﵁: (مكتوب في التوراة صفة محمد، وصفة عيسى بن مريم، يدفن معه) رواه البخاري في "التاريخ الكبير" (٦/٢٢٩) ، والترمذي في "السنن" (رقم/٣٦١٧) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (القطعة المفقودة ص/١١١) ، والآجري في كتاب "الشريعة" (٣/١٣٢٤) بألفاظ متقاربة، ولكني اخترت اللفظ الذي عند الترمذي لتصريحه بنقل الكلام عن التوراة.
كلهم رووه من طريق عثمان بن الضحاك عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده.
وهذا إسناد ضعيف، فيه عثمان بن الضحاك: قال أبو داود: ضعيف. انظر "تهذيب التهذيب" (٧/١٢٤) . وفيه: محمد بن يوسف لم يوثقه أحد، وإنما ذكره ابن حبان في "الثقات" انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٩/٥٣٤) لذلك قال البخاري ﵀ بعد إخراجه الحديث في التاريخ الكبير في ترجمته: " هذا لا يصح عندي، ولا يتابع عليه " انتهى.
وقال الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" برقم (٦٩٦٢) : " موقوف ضعيف " انتهى.
٢- عن سعيد بن المسيب قال: (إن قبور الثلاثة في صُفَّة بيت عائشة، وهناك موضع قبر يدفن فيه عيسى ﵇ .
قال الحافظ ابن حجر ﵀: " من وجه ضعيف " انتهى.
"فتح الباري" (٧/٦٦) .
كما ذكر ذلك بعض العلماء والمؤرخين:
قال الإمام القرطبي ﵀: " ثم يقبض الله روح عيسى ﵇ ويذوق الموت، ويدفن إلى جانب النبي ﷺ في الحجرة ... ، وقد قيل إنه يدفن بالأرض المقدسة مدفن الأنبياء " انتهى.
"التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة" (ص/١٣٠١) وذكر نحوه ابن عساكر وغيره.
والذي يتحصل مما سبق أنه لم يثبت في حوادث آخر الزمان دفن عيسى ﵇ في الحجرة النبوية، وما ورد في ذلك إنما هي آثار ضعيفة السند، ومأخوذة عن غير الكتاب والسنة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
стр. 196
إشكال حول قول يوسف ﵇: اذكرني عند ربك ؟!
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الله يعاقب الأنبياء؟ في قصة يوسف ﷺ ، هل ترك في السجن لعدد من السنين، كعقوبة من الله بسبب أنه سأل أحد زملائه في السجن أن يذكره عند ربه، بينما أن الله هو الوحيد الذي يدعى بالرب؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
سبق أن تكلمنا عن عصمة الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، من الكبائر، ومن سفاسف الأخلاق، وما يخل بالمروءات من فعل أهل الدناءات.
انظر جواب السؤال رقم: (٧٢٠٨) ، (٤٢٢١٦) .
ثانيا:
أما قصة يوسف ﵇، فأظهر القولين في تفسيرها أن الذي نسي ذكر ربه في هذه الآية، ليس هو يوسف ﵇، وإنما هو السجين الآخر، الذي طلب منه يوسف أن يذكره عند ربه، قال تعالى: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ، فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) سورة يوسف/٤٢.
وإذا كان الأظهر في تفسير الآية أن الناسي هو حامل الرسالة من يوسف إلى عزيز مصر، فليس في إرسال هذه الرسالة: أن يذكر العزيز بأمر يوسف، شيء مما يخل بمنصب الرسالة، بل ولا منصب التوكل على الله وإنزال الحوائج به.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " قال تعالى: (فأنساه الشيطان ذكر ربه) ، قيل: أنسي يوسف ذكر ربه لما قال: (اذكرني عند ربك) .
وقيل: بل الشيطان أنسى الذي نجا منهما ذكر ربه، وهذا هو الصواب، فإنه مطابق لقوله: (اذكرني عند ربك) ، قال تعالى: (فأنساه الشيطان ذكر ربه) ، والضمير يعود إلى القريب إذا لم يكن هناك دليل على خلاف ذلك؛ ولأن يوسف لم ينس ذكر ربه؛ بل كان ذاكرا لربه. وقد دعاهما قبل تعبير الرؤيا إلى الإيمان بربه، وقال لهما: (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار. ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ، وقال لهما قبل ذلك: (لا يأتيكما طعام ترزقانه) ، أي: في الرؤيا (إلانبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما) ، يعني التأويل، (ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون. واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون) ، فبذا يذكر ربه فإن هذا مما علمه ربه؛ لأنه ترك ملة قوم مشركين لا يؤمنون بالله وإن كانوا مقرين بالصانع، ولا يؤمنون بالآخرة، واتبع ملة آبائه أئمة المؤمنين - الذين جعلهم الله أئمة يدعون بأمره - إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ فذكر ربه ثم دعاهما إلى الإيمان بربه، ثم بعد هذا عبر الرؤيا، فقال: (يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا) الآية، ثم لما قضى تأويل الرؤيا: (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك) ، فكيف يكون قد أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه؟
وإنما أنسى الشيطان الناجي ذكر ربه، أي الذكر المضاف إلى ربه والمنسوب إليه، وهو أن يذكر عنده يوسف.
والذين قالوا ذلك القول، قالوا: كان الأَولى أن يتوكل على الله ولا يقول اذكرني عند ربك. فلما نسي أن يتوكل على ربه جوزي بلبثه في السجن بضع سنين.
فيقال: ليس في قوله: (اذكرني عند ربك) ما يناقض التوكل؛ بل قد قال يوسف: (إن الحكم إلا لله) كما أن قول أبيه: (لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة) لم يناقض توكله، بل قال: (وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون) .
وأيضا: فيوسف قد شهد الله له أنه من عباده المخلَصين، والمخلص لا يكون مخلصا مع توكله على غير الله، فإن ذلك شرك، ويوسف لم يكن مشركا، لا في عبادته ولا توكله، بل قد توكل على ربه في فعل نفسه بقوله: (وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) ، فكيف لا يتوكل عليه في أفعال عباده.
وقوله: (اذكرني عند ربك) مثل قوله لربه: (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) ، فلما سأل الولاية للمصلحة الدينية لم يكن هذا مناقضا للتوكل، ولا هو من سؤال الإمارة المنهي عنه، فكيف يكون قوله للفتى: (اذكرني عند ربك) مناقضا للتوكل، وليس فيه إلا مجرد إخبار الملك به؛ ليعلم حاله، ليتبين الحق، ويوسف كان من أثبت الناس.
ولهذا بعد أن طلب: (وقال الملك ائتوني به) ، قال: (ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم) ، فيوسف يذكر ربه في هذه الحال كما ذكره في تلك.
ويقول: (ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة) ، فلم يكن في قوله له: (اذكرني عند ربك) ترك لواجب ولا فعل لمحرم حتى يعاقبه الله على ذلك بلبثه في السجن بضع سنين ...
والمقصود أن يوسف لم يفعل ذنبا ذكره الله عنه، وهو سبحانه لا يذكر عن أحد من الأنبياء ذنبا إلا ذكر استغفاره منه، ولم يذكر عن يوسف استغفارا من هذه الكلمة " انتهى باختصار.
"مجموع الفتاوى" (١٥/١١٢-١١٨) .
ثالثاً:
أما قول يوسف ﵇ لصاحبه في السجن: (اذكرني عند ربك) ، فليس هذا من ربوبية العبادة، بل هو من ربوبية الملك والتصرف.
قال الفيروزآبادي: " رب كل شيء: مالكه ومستحقه وصاحبه ... ولا يقال الرب مطلقا إلا لله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات، وبالإضافة يقال لله تعالى ولغيره، نحو: رب العالمين، ورب الدار " انتهى.
"بصائر ذوي التمييز" (٣/٢٩) .
وقال الراغب الأصفهاني: " ويقال: رب الدار، ورب الفرس: لصاحبهما، وعلى ذلك قول الله تعالى: (اذكرني عند ربك) انتهى.
المفردات في غريب القرآن (١٨٦) .
ومراد الراغب ﵀: أن إطلاق الرب في الآية جائز؛ لأنه الرب هنا مضاف إلى صاحبه، وليس ربا على جهة الإطلاق، فهذا لا يجوز إلا لله تعالى.
لكن يشكل عليه أنه نهي عن مثل ذلك، كما في حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي، مَوْلَايَ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي، أَمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي) رواه البخاري (٢٥٥٢) ، ومسلم (٢٢٤٩) .
قال النووي ﵀: " قال العلماء: لا يطلق الرب بالألف واللام، إلا على الله تعالى خاصة، فأما مع الإضافة فيقال: رب المال، ورب الدار، وغير ذلك، ومنه قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح في ضالة الإبل: (دعها حتى يلقاها ربها) والحديث الصحيح، (حتى يهم رب المال من يقبل صدقته) ، وقول عمر ﵁ في الصحيح: (رب الصريمة والغنيمة) ، ونظائره في الحديث كثيرة مشهورة.
وأما استعمال حملة الشرع ذلك، فأمر مشهور معروف.
قال العلماء: وإنما كره للمملوك أن يقول لمالكه: ربي؛ لأن في لفظه مشاركة لله تعالى في الربوبية.
وأما حديث: (حتى يلقاها ربها) ، و (رب الصريمة) وما في معناهما، فإنما استعمل لأنها غير مكلفة، فهي كالدار والمال، ولا شك أنه لا كراهة في قول: رب الدار، ورب المال.
وأما قول يوسف ﵇: (اذكرني عند ربك) ، فعنه جوابان:
أحدهما: أنه خاطبه بما يعرفه، وجاز هذا الاستعمال؛ للضرورة، كما قال موسى ﵇ للسامري: (وانظر إلى إلهك) طه / ٩٧، أي: الذي اتخذته إلها.
الجواب الثاني: أن هذا شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا لا يكون شرعا لنا إذا ورد شرعنا بخلافه، وهذا لا خلاف فيه.
وإنما اختلف أصحاب الأصول في شرع من قبلنا إذا لم يرد شرعنا بموافقته ولا مخالفته، هل يكون شرعا لنا، أم لا؟ " انتهى.
"الأذكار للنووي" (١/٣٦٣) .
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: " وَالسَّبَب فِي النَّهْيِ أَنَّ حَقِيقَة الرُّبُوبِيَّة لِلَّهِ تَعَالَى , لِأَنَّ الرَّبّ هُوَ الْمَالِك، وَالْقَائِم بِالشَّيْءِ فَلا تُوجَدُ حَقِيقَةُ ذَلِكَ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: سَبَب الْمَنْع أَنَّ الْإِنْسَان مَرْبُوبٌ مُتَعَبِّدٌ بِإِخْلَاصِ التَّوْحِيد لِلَّهِ وَتَرْك الْإِشْرَاك مَعَهُ , فَكَرِهَ لَهُ الْمُضَاهَاة فِي الِاسْم لِئَلَّا يَدْخُل فِي مَعْنَى الشِّرْك , وَلَا فَرْق فِي ذَلِكَ بَيْن الْحُرّ وَالْعَبْد , فَأَمَّا مَا لَا تَعَبُّد عَلَيْهِ مِنْ سَائِر الْحَيَوَانَات وَالْجَمَادَات فَلَا يُكْرَهُ إِطْلَاق ذَلِكَ عَلَيْهِ عِنْد الْإِضَافَة كَقَوْلِهِ رَبّ الدَّار وَرَبّ الثَّوْب.
وَقَالَ اِبْن بَطَّال: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال لِأَحَدٍ غَيْر اللَّه رَبّ , كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال لَهُ إِلَهُ اهـ. وَالَّذِي يَخْتَصُّ بِاللَّهِ تَعَالَى إِطْلَاق الرَّبّ بِلَا إِضَافَةٍ , أَمَّا مَعَ الْإِضَافَة فَيَجُوزُ إِطْلَاقُهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَنْ يُوسُف ﵇ (اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) ، وَقَوْله: (اِرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ) ، وَقَوْله ﵊ فِي أَشْرَاط السَّاعَة: (أَنْ تَلِدَ الْأَمَة رَبَّهَا) ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْي فِي ذَلِكَ مَحْمُول عَلَى الْإِطْلَاق , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ , وَمَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فَلِبَيَانِ الْجَوَاز. وَقِيلَ هُوَ مَخْصُوص بِغَيْرِ النَّبِيّ ﷺ وَلَا يَرُدّ مَا فِي الْقُرْآن , أَوْ الْمُرَاد النَّهْي عَنْ الْإِكْثَار مِنْ ذَلِكَ وَاِتِّخَاذ اِسْتِعْمَال هَذِهِ اللَّفْظَة عَادَة , وَلَيْسَ الْمُرَاد النَّهْي عَنْ ذِكْرهَا فِي الْجُمْلَة " انتهى.
"فتح الباري" (٥/١٧٩) .
والحاصل:
أن اسم "الرب" الذي يختص به الله هو ما يطلق من غير قيد، وأما إن قيد برب شيء معين، خاصة إذا كان هذا الشيء لا يعقل، ولا يكلف بعبادة: فهو جائز؛ ومنه هذه الآية.
وقد قيل في تأويلها أيضا: إنه خاطبهم بلغتهم التي يعرفونها، أو أن ذلك كان جائزا عندهم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 197
محمد ﷺ هو خاتم الأنبياء والرسل
[السُّؤَالُ]
ـ[برجاء توضيح أدلة أن محمداً ﵊ خاتم الرسل والنبيين معاً. فإن جميع الأدلة تدل على ختم النبوة فقط، ولا تشير من قريب أو بعيد إلى ختم الرسالة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اختلف العلماء ﵏ في الفرق بين النبي والرسول، وجمهور العلماء على أن النبي هو من أوحي إليه من الله ولم يؤمر بالتبليغ، والرسول هو من أوحي إليه وأُمر بالتبليغ.
ولكن.. مع هذا الاختلاف فإنهم اتفقوا على أن الرسول أفضل من النبي، وأن الرسول قد حاز شرف النبوة وزيادة، ولذلك قالوا: كل رسول فهو نبي، وليس كل نبي رسولا.
وبهذا يتضح أن كل ما ورد في أن النبي محمداً ﷺ هو خاتم النبيين وأنه لا نبي بعده، أنه يدل على أنه لا رسول بعده أيضاً، لأنه لن يكون هناك رسول إلا وهو نبي.
ولو جاء النص على أن الرسول محمداً ﷺ هو خاتم الرسل، لم يكن هذا النص نافيا لوجود نبي بعده، لأنه يحتمل أن يوجد نبي وليس برسول.
لكن.. قد جاء النص بأن الرسول صلى الله عليه ومسلم هو خاتم النبيين وأنه لا نبي بعده، فهذا ينفي وجود نبي بعده، وكذلك ينفي وجود رسول بعده.
قال ابن كثير ﵀:
" (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) ... فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بالطريق الأولى والأحرى، لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي ولا ينعكس".
"تفسير ابن كثير" (٣/٦٤٥) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "وإذا كان خاتم النبيين فهو خاتم الرسل قطعاً، إذ لا رسالة إلا بنبوة، ولهذا يقال: كل رسول نبي، وليس كل نبي رسول" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١/٢٥٠) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 198
الفيلم الهولندي المسيء للإسلام تعليق، ونقد، وتوجيه
[السُّؤَالُ]
ـ[خرج في هذه الأيام فيلم هولندي فيه إساءة للإسلام وأهله، واصفاً لهم بالإرهاب، فما هو توجيهكم للمسلمين حيال هذا الموضوع؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إن الصراع بين الحق والباطل قديم، وما يزال جنود الباطل يقفون في وجه الحق في كل عصر ومصر، فيخذلهم الله تعالى بقوة الحق، ويقذف الله تعالى بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
ومنذ أن خُذل إبليس وترك استجابة أمر الله تعالى بالسجود لآدم ﵇ بدأ الكيد للحق وأهله، وطلب إبليس من ربِّه الإنظار، لا ليتوب، بل ليكيد، وليُكثر من أتباعه، فيدخل وإياهم نار الله تعالى، وهناك سيقف خطيباً فيهم ويقول: (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) إبراهيم/ ٢٢.
ثانياً:
قد تعرَّض الإسلام لمكائد كثيرة وكبيرة، ولكنَّ الله تعالى تكفَّل بحفظ دينه؛ لأنه جعله خير الأديان وخاتمتها.
ثالثاً:
نقف هنا مع حدَث حديث، لن يكون الأخير؛ لوجود شياطين الإنس والجن، ومحاولاتهم اليائسة البائسة للنيل من هذا الدين، وكتابه المقدس والنبي العظيم ﷺ .
وهذا الحدَث هو ما صنعته يد الإثم والبهتان المسمَّى " غيرت فيلدرز "، زعيم حزب " الحرية "، وهو يميني هولندي متعصِّب، أراد أن يطعن في هذا الدين العظيم؛ ليُعرف، وليحصِّل مكاسب سياسية، لكنَّ الله تعالى خذله، وسيُخذل أكثر وأكثر، إن شاء الله، فأنتج ذلك الحاقد " فيلماً " قصيراً لا يتجاوز ١٧ دقيقة عن الإسلام والقرآن ملأه بالأكاذيب والافتراءات، وقد سمَّاه " فِتنة "! ، ولو عُرض ما قاله وقاءه على معهد أو جامعة " أكاديمية ": لكان حقه التوبيخ والإهانة؛ لعدم موضوعيته؛ ولتحريفه وتزويره للحقائق.
وقد بدأ فيلمه وأنهاه بوضع صورة مشينة للنبي ﷺ مما رسمته اليد الآثمة المجرمة، يد الرسام الدنماركي، وهي تمثل في أول الفيلم قنبلة على عمامة صورة للنبي ﷺ – في زعمه – وهي في أول اشتعالها، وفي آخر الفيلم تصل الشعلة لنهايتها، وتنفجر! وهو يريد بذلك إيصال رسالة خسيسة بأن الإسلام جاء للدمار والخراب، وأن السكوت عنه سيؤدي إلى زوال الحضارات والأمم غير المسلمة! .
رابعاً:
يمكننا تقسيم وقفاتنا مع ذلك الفيلم السيئ إلى عدة أقسام:
١. آيات مقتطعة عن سياقاتها، ومحرَّفةٌ معانيها.
ومن أمثلة ذلك:
أ. أول الآيات في فيلمه قراءة هي قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ) الأنفال/ ٦٠.
وقد أوصل القراءة إلى هذا الحدِّ، ولم يُكملها، وأراد إثبات لفظ (تُرهِبون) للدلالة على أن الإسلام هو الإرهاب، وهو ما يسعى كثيرون من الحاقدين والجهلة للصقه بالإسلام.
ولسنا نخجل مما في كتاب ربنا تعالى، ولسنا ننكر هذه الآية، بل نتعبد الله بقراءتها، ونسأله التوفيق للعمل بها، ونرد على استدلاله بهذا المقطع بوجهين اثنين – خشية الإكثار وخروج الرد عن منهج الموقع -:
الأول: أن هذا الذي أنكره على الإسلام هو ما تفعله الدول الكبرى والعظمى، فهي تنتج الأسلحة الفتاكة، والقنابل النووية والذرية، والطائرات، والغواصات، وغيرها؛ حماية لنفسها؛ وإرهاباً لأعدائها خشية أن يتعدى أحد عليها! وهو المراد بهذه الآية، ولم يطمع الكفار المحتلون ببلاد المسلمين إلا عندما عطَّلوا العمل بهذه الآية، ومن آخر أمثلة ذلك: العراق، حيث ضغطوا على حكومته لتدمير أسلحته، وصواريخه، فلمّا تمَّ ذلك، وتأكدوا منه: غزوا البلد، واحتلوه، وساموا أهله سوء العذاب.
الثاني: أن تكملة سياق الآية بعدها يفسِد عليه ما أراده من إلصاق الإرهاب – بمفهومه هو وعصابته – بالإسلام، والآية التي بعدها مباشرة: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الأنفال/ ٦١.
ب. وثاني آية مسموعة في ذلك الفيلم: قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً) النساء/ ٥٦.
ومن تدليس هذا المخرج أنه جاء بهذه الآية ليبين للمشاهدين أن الإسلام يأمر بحرق المخالفين له حتى تنضج جلودهم! وأن هذا من تشريع الله لهم.
والرد عليه من جهتين:
الأولى: أن فعله تدليس أخرق؛ لأن الله تعالى يذكر فيها عقوبة الكفار يوم القيامة! وليس هي في الدنيا، وقد جاء بعدها ذِكر جزاء الممنين الموحدين، فقال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً) النساء/ ٥٧.
والثانية: أن أدنى تأمل في الآية يبين به كذب وافتراء وتدليس هذا المخرج، ففي الآية قول الله تعالى (بدَّلْنَاهم جُلُوداً غَيْرَهَا) وهل يملك المسلمون تبديل جلود من احترقت جلودهم في الدنيا؟! .
٢. صورٌ مفبركة، أو غير دالة على مراده، أو هي منكرة في الإسلام أصلاً.
ومن أمثلتها:
أ. صور لمجموعة من الرافضة – الشيعة – تجرح نفسها وأبناءها بالآلات الحادة، فتُدمى رؤوسهم، في منظر بشع سيء، وهذا ليس من ديننا، وإنما يفعله بعض المنتسبين إلى الإسلام جهلاً منهم وضلالاً.
والصورة التي فيها سيوف مرفوعة عليها دماء: أيضاً هي من صور الرافضة في مناسبات عندهم، وقد أفهم المخرجُ الكذابُ النّاسَ أنها لمسلمين! وأنهم للتو قد انتهوا من حفلة تقطيع رؤوس للكفار! .
ب. ومن الصور المضحكة الواضحة الكذب: صور لنساء مسلمات منتقبات يرفعن لوحات كُتب عليها " بارك الله في هتلر "! .
ونقول: وهذا واضح أنه كذب وتدليس، فإن ديننا يمنعنا من الدعاء لمن مات كافراً، قال الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) التوبة /١١٣، فكيف تدعو نساء منتقبات ملتزمات بأحكام الإسلام لهتلر بالبركة.
٣. مقاطع مرئية، بعضها يحتوي حقّاً لا ريب فيه، وبعضها تزوير للحقائق، وتدليس على المشاهدين.
ومن أمثلة ذلك:
أ. لقاء مفبرك مع طفلة صغيرة، وواضح أنهم لم يحسنوا تمثيلها، ولا فبركتها، وذلك من وجهين:
الأول: أنها محجبة، وهم يسألونها عن دينها! فلم التلبيس والتدليس وكأنه أمر طبيعي غير مفبرك؟! .
والثاني: أن الطفلة الممثلة! سئلت عن رأيها في اليهود والنصارى، فقالت: قردة وخنازير.
وهذا ليس من ديننا، فليس فيه أن اليهود والنصارى قردة وخنازير، وإنما فيه أن طائفة من اليهود السابقين احتالوا على شرع ربهم، فعاقبهم الله تعالى فمسخهم قردة، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) البقرة/ ٦٥، وقال تعالى: (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) الأعراف/ ١٦٦.
ب. ومن المقاطع المرئية المقطوعة عن سياقاتها: مقطع ذلك الخطيب الذي يُخرج السيف، ويتوعد الكفار! .
وهذا الشيخ معروف، وهو عراقي، رفع السيف في خطبته تهييجاً للناس على الجهاد ضد الكفار المحتلين لبلده - وقد قتله الرافضة عليهم من الله ما يستحقون -، وماذا يراد من المسلمين إذا احتلت بلادهم؟ التسليم لأموالهم وأعراضهم، وانتظار القتل، أو الرضا والعفو عن المحتل المجرم؟! بل الإسلام دين العزة، والكرامة، والمسلمون يأبوْن الذل، ولا بدَّ من قتال المحتل، وهذا مؤيد من أديان الأرض وشرائعه جميعاً، بل رأس الاحتلال نفسه قال: لو احتلت بلدي لقاتلت المحتل، وعلى فرض تصديقه أنه يقاتل ولا يفر: فهو لم يقل إلا الحقيقة والواقع، أي: أن المحتل يقاتَل.
فما هو المنكر في جهاد المسلمين لمن احتل أرضهم؟
خامساً:
انصبت الأفكار الرئيسية جميعاً على الطعن في الإسلام، من خلال: السخرية والاستهزاء بالنبي ﷺ ، ومن خلال الطعن في القرآن، وأنه كتاب " فاشي "! كما قال في الفيلم، ومن خلال التنبيه على خطر المساجد، وكل ذلك حاوله المخرج في فيلمه القصير عن طريق المقاطع المرئية، والصور المؤثرة، ومن خلال الموسيقى المصاحبة لهما، لكنه فشل فشلاً ذريعاً؛ لاستعماله الكذب، والتزوير، والتدليس، وهو ما لن يقبله منه المشاهد، حتى لو كان كافراً.
وقد أرجع الله تعالى مكر المخرج على نفسه، فقد انكبَّ الناس في " هولندا " على الكتب الإسلامية، وعلى المصاحف، لشرائها، والنظر فيها، وسيرون فيها ما يبين كذب وتزوير ذلك المخرج الفاشل، وقد حصل بالفعل، فقد أسلم ثلاثة أشخاص من تلك البلاد بعد عرض الفيلم، وقد هددت شركات هولندية برفع قضايا على النائب المخرج إذا قاطعت الدول الإسلامية منتوجاتها، وسيبوء ذلك النائب المخرج بالخزي والعار، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله.
سادساً:
قد نصر الله تعالى دينه نصراً مبيناً، فمنذ الإعلان عن قرب عرض الفيلم والمؤسسات والحكومات والأفراد من غير المسلمين ينكرون على النائب فعله، ويبينون عدم ربط الإسلام بالعنف والإرهاب، وأن المسلمين هم ضحايا للإرهاب مثل غيرهم، ومن هؤلاء المنكرين الرافضين لفعل ذلك النائب المخرج: رئيس وزراء هولندا، وله كلام قوي في إنكاره ورفضه، وسكرتير هيئة الأمم المتحدة، والاتحاد الأوربي، وجمع من الساسة، والقادة، والدول، وقد رفضت المحطات الفضائية العامة والخاصة عرض هذا الفيلم، ولم يجد إلا موقعاً في " الإنترنت " لينشره.
وجاء في " مفكرة الإسلام " (السبت ٢٢ ربيع الأول ١٤٢٩هـ، ٢٩ – ٣ - ٢٠٠٨م) :
" ففي بروكسل: أدان البرلمان الأوروبي هذا الفيلم المسيء؛ حيث هاجم رئيس البرلمان " هانز غيرت بوتيرنغ " بشدة النائب الهولندي " فيلدرز " قائلاً في بيان له: إن محتوى الفيلم " يبدو مصمماً لاستفزاز الحساسية الدينية للمسلمين في هولندا وأوروبا والعالم ".
وأضاف قائلاً: " نيابة عن البرلمان الأوروبي أرفض بشدة تأويل الفيلم بأن الإسلام ديانة عنيفة "، مشيراً إلى أنه يصادق تماماً على بيان الحكومة الهولندية الرافض لفيلم (فتنة) ".
وكذلك أصدر الاتحاد الأوروبي بيانًا اعتبر فيه الفيلم الذي تبلغ مدته ١٥ دقيقة " معادياً للإسلام " و " مهيناً " و " ينشر الكراهية " انتهى.
وأما المسلمون فقد تحركوا في الإنكار، والشجب، وإخراج البيانات والتحذيرات من الاستمرار في الإساءة لشعائر ديننا ورموزه، وقد هددت بعض الدول بقطع علاقاتها مع هولندا، وطالب نواب في بعض الدول بطرد السفير الهولندي، ومقاطعة البضائع الهولندية، وعلى الضعف والتفرق الذي يعيشه المسلمون يعتبر هذا نصراً عظيماً للإسلام، حيث يوجد من يدافع عن ديننا من الكفار والمسلمين، وقد بعث رئيس وزراء هولندا نفسه رسالة لشيخ الأزهر يبين له فيها رفض حكومته لإنتاج هذا الفيلم وعرضه، وأن هناك قضية مرفوعة في المحاكم الهولندية.
فكيف سيكون الأمر والحال لو أن المسلمين كانوا على قلب رجل واحد، وكان لهم من القوة ما يهابهم الحاقدون الأفاكون بسببها؟! .
سابعاً:
الذي تبين لنا أن ذلك النائب الكاذب أراد تحقيق أهداف من خلال فيلمه ذاك، ومنها:
١. كسب شخصي، للشهرة، والفوز بالانتخابات.
٢. إرضاء اليهود، وقد وضح ذلك في فيلمه في عدة مقاطع يُظهر فيه الشفقة عليهم! وهم محتلون مجرمون، وفي الوقت الذي تكلَّم فيه عن القتل عند المسلمين: نسي أو تناسى أمرين:
الأول: أن الذي حرق الملايين من اليهود: نصراني! وهو هتلر! وقد ذكر في كتابه " كفاحي " أن هذا كان بأمر الله! .
والثاني: أن اليهود قتلوا وشردوا من المسلمين أعداداً كبيرة، ولم يخجلوا من أنفسهم في معركتهم الأخيرة على " غزة " أن يسموا فعلهم " محرقة "! .
٣. تنبيه الغرب على ارتفاع نسبة المسلمين في بلادهم، وأن كثرة أعداد المسلمين تشكل خطراً على أوربا! .
٤. تنبيه أوربا عموما، وهولندا على وجه الخصوص من انتشار المساجد فيها، وقد بان ذلك من خلال نشره لصور مساجد في هولندا؛ ليحذر من وجودها.
٥. محاولة منع المصحف من التداول في أوربا، ومقارنة القرآن الكريم بكتاب هتلر " كفاحي "! ومن هنا فقد وصف القرآن بـ " الفاشي "! وهو مصطلح يشير إلى العنف والقسوة.
وقد خذل الله هذا النائب المخرج بذلك العمل الهزيل، المليء بالكذب، والافتراء، وسيرى الناس الفرق بين الكذب والحقيقة عندما يطلعون على القرآن الكريم، وعلى ما كتب عنه وعن الإسلام من عقلاء أقوامهم، وسيكون هذا الفيلم دافعاً لهم لتلك القراءة، وذلك الاطلاع، إن شاء الله، ولعله يكون سبباً لإنقاذ كثيرين من الضلالة.
ثامناً:
وصفُ الإسلام بالإرهاب والعنف: هو الرسالة الأصلية لهذا الفيلم، وهذا: ليس إلا إفكاً مفترىً، فالإسلام دين الرحمة، والعدل، والإنسانية، وهو الذي أنقذ أهل الأديان من جور حكامهم، ومخالفيهم، كما كان الحال في " الأندلس "، وفي " مصر " وغيرهما من البلدان التي كان يسام فيها أهل المخالفة سوء العذاب، حتى اليهود منهم! .
قال " إسرائيل ولفنسون ":
" إن الخسارة القليلة التي لحقت بيهود بلاد الحجاز ضئيلة بالقياس إلى الفائدة التي اكتسبها اليهود من ظهور الإسلام، لقد أنقذ الفاتحون المسلمون آلافاً من اليهود كانوا منتشرين في أقاليم الدولة الرومية، وكانوا يقاسون ألواناً من العذاب ".
" اليهود والتحالف مع الأقوياء " الدكتور نعمان عبد الرزاق السامرائي، بواسطة مقال الأستاذ خالد جودة " الفارق الإنساني بين حضارة الإسلام وثقافة الغرب ".
وليس الإسلام دين ذل وهوان، فالجهاد في سبيل الله من شعائره، ومن أعظم الأعمال فيه، وهو مشروع لحماية المسلمين من عدوهم، ولتبليغ دين الله تعالى، ونشر كلمة التوحيد في آفاق الأرض، وليس في الإسلام أنه يُكره الناس على دخوله؛ لأن من شرط الإسلام الصدق والإخلاص، فإذا لم يتصف بهما فسيكون منافقاً بين صفوف المسلمين، ولا يحرص الإسلام على وجود هذا الصنف الدنيء بين أفراده، بينما نجد القساوسة والرهبان قد ساهموا في إجبار الناس على اعتناق النصرانية في أوربا وغيرها، حتى بلغ القتلى من أجل ذلك الهدف أعداداً مهولة، قال المؤرخ " بريفولت " إنها من ٧ – ١٥ مليوناً! .
ومن الظلم البيِّن الالتفات إلى أخطاء بعض المسلمين مما ينكره علماؤه وأئمته من قتل الأبرياء، ونسبة ذلك للإسلام – كما جاء في بعض مقاطع في الفيلم نحو تفجير قطارات لندن ومدريد وأمثال ذلك، فهذا كله أنكره أهل العلم مع أنه لم يكن ابتداء من أحد، وإنما كان ردة فعل من الظلم والقهر - وفي الوقت ذاته يغفل هؤلاء عن قتلى الحرب العالمية الأولى والثانية والتي مات فيهما عشرات الملايين – قتلى الحرب الأولى: ١٤ مليوناً! وقتلى الثانية: ٥٥ مليوناً! - ولم تكن بين المسلمين والنصارى، بل كانت بينهم أنفسهم، وعن قتلى اليابان من القنبلة الذرية الأميركية، وقتلى الهنود الحمر من الأمريكان، وقتلى الشعوب الآسيوية من الأمريكان أيضاً، وقتلى المستعمرين المحتلين.
ويغفلون عن الدمار والإرهاب الذي جاءت به الحملات الصليبية على بلاد المسلمين، ويغفلون عما تفعله أمريكا وحلفاؤها اليوم في أفغانستان، والعراق، وما فعله الصرب بمباركة القساوسة في المسلمين في " البوسنة "، وغير ذلك الكثير والكثير، وإن نسي التاريخ أشياء: فإنه لا ينسى " محاكم التفتيش "، وخاصة تلك التي كانت في " إسبانيا ".
قال " غوستاف لوبون " في كتابه " حضارة العرب ":
" وعاهد " فرديناند " العربَ على منحهم حرية التدين، واللغة، ولكنه في سنة ١٤٩٩م: لم تكد تحل: حتى حلَّ بالعرب دور الاضطهاد، والتعذيب الذي دام قروناً! والذي لم ينته إلا بطرد العرب من " أسبانية "، وكان تعميد العرب كرهاً فاتحة ذلك الدور، ثم صارت " محاكم التفتيش " تأمر بإحراق كثير من المعمَّدين على أنهم من النصارى، ولم تتم عملية التطهر بالنار إلا بالتدريج، لتعذر إحراق الملايين من العرب دفعة واحدة! .
ونصح كردينال طليطلة التقي! الذي كان رئيساً لمحاكم التفتيش بقطع رؤوس جميع من لم يتنصر من العرب، رجالاً، ونساءً، وشيوخاً، وولداناً، ولم ير الراهب الدومينيكي " بليدا " الكفاية في ذلك، فأشار بضرب رقاب من تنصر من العرب، ومَن بقي على دينه منهم، وحجته في ذلك: أن من المستحيل معرفة صدق إيمان من تنصر من العرب، فمن المستحب إذن قتل جميع العرب بحد السيف؛ لكي يحكم الرب بينهم في الحياة الأخرى، ويُدخِل النار من لم يكن صادق النصرانية منهم! ....
ولا يسعنا سوى الاعتراف بأننا لم نجد بين وحوش الفاتحين من يؤاخذ على اقترافه مظالم قتل كتلك التي اقترفت ضد المسلمين.
" حضارة العرب " (ص ٢٧٠ – ٢٧٢) باختصار.
ومن يتأمل الآن يجد أن أهل الإرهاب هم أهل الأديان الأخرى من النصارى، واليهود، والهندوس، والسيخ، ويجد أن المسلمين هم ضحايا هذا الإرهاب، فمتى يستيقظ النيام من نومهم؟! ومتى يصحو الغافلون من غفلتهم؟! .
ونقول لهذا النائب الكاذب الذي يدعونا لتمزيق آيات إرهابية من القرآن الكريم – على حد زعمه -: تعال لنر كتابك المقدَّس ماذا فيه من الإرهاب - بنفس زعمك -:
إن كنت يهوديّاً تؤمن بالعهد القديم: فهاك ما فيه مما ينسب إلى الرب تعالى مما قاله لموسى:
في " سفر التثنية " (٢٠، ١٠ – ١٧) : " إذا دَنوتَ منَ القرية لتقاتِلهم ادعُهم أوّلاً إلى الصّلح ... فأمّا القرى التي تعطَى أنت إيّاها فلا تستحيِ منها نفسًا ألبتّة، ولكن أهلِكهم إهلاكًا كلَّهم بحدِّ السيف الحَيثِيّ والأموري والكنعاني والفرزي، كما أوصاك الربّ إلَهُك ".
وإن كنت نصرانيّاً وأردت شيئاً من العهد الجديد: فهاك بعض ما فيه:
في " متَّى " (١٠ / ٣٤ – ٣٦) : يروى فيه عن عيسى ﵇ قال: " لا تظنّوا أني جِئت لأحمِلَ السلام إلى العالم، ما جِئتُ لأحمل سلاماً بل سَيفاً، جئتُ لأفرّق بين الابن وأبيه، والبنتِ وأمّها، والكَنَّة وحماتها، ويكون أعداء الإنسان أهل بيته ".
وللاستزادة: ينظر كتاب " السيف بين القرآن والكتاب المقدس " للدكتور حبيب عبد الملك:
http://www.elforkan.com/٧ewar/showthread.php?t=٧٥٩٧
تاسعاً:
الواجب على المسلمين الآن:
١. عدم إحداث مشكلات في بلادهم، من مظاهرات تُحطم فيها الممتلكات، أو تراق فيها الدماء.
٢. إرجاع الأمر إلى العلماء والحكماء لمعالجة الأمر، هذا أو غيره مما يشبهه.
٣. السعي نحو التمسك بالإسلام قولاً وعملاً، فهذا من جهة يساهم في انتشار الإسلام، ومن جهة أخرى يغيظ الكفار الحاقدين على الإسلام وأهله.
٤. الدعوة إلى الله بحكمة وعلم، وتوزيع المصاحف المترجمة، والكتب الإسلامية الميسرة على غير المسلمين، والاستعانة في ذلك بالمؤسسات الإسلامية الموثوقة، والعلماء الثقات.
والله الهادي
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 199
عدد الرسل والأنبياء
[السُّؤَالُ]
ـ[فضلا أخبرني عن عدد الرسل المذكورين في تاريخ الإسلام بالتفصيل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة من أهم مصادر التاريخ التي يجزم بها المسلمون، ويمكننا الوقوف في شأن عدد الرسل والأنبياء على آيات واضحة في القرآن الكريم تذكر أسماء الرسل والأنبياء الذين بعثهم الله إلى الناس في زمانهم.
يقول : (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ) الأنعام/٨٣-٨٦
وهنا يذكر الله أسماء ثمانية عشر رسولا، ولكن ذلك ليس على سبيل الحصر والتعداد، فقد ذكرت أسماء رسل آخرين في آيات أخرى لم تذكر في هذا السياق.
وقد جمع الحافظ ابن كثير أسماء من نص القرآن على أسمائهم، فبلغت (٢٥) خمسة وعشرين اسما، فقال ﵀:
" هذه تسمية الأنبياء الذين نُصَّ على أسمائهم في القرآن، وهم:
آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، والْيَسَع، وزكريا، ويحيى، وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين، وسيدهم محمد صلى الله وعليه وسلم " انتهى.
"تفسير ابن كثير" (٢/٤٦٩)
وأما معرفة عدد جميع الرسل والأنبياء ممن لم يسمهم القرآن الكريم، فلا يبدو أن ذلك ممكنا لسببين اثنين:
١- لقوله : (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا. وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) النساء/١٦٣-١٦٤
ففي هذه الآية تصريح بيِّنُ أن الله طوى قصص كثير من الرسل عن النبي ﷺ ، ولم يعلمه بهم، ويبدو أن ذلك يشمل تحديد أعدادهم أيضا.
يقول الشيخ العلامة محمد الحسن الددو في تعليقه على هذه الآية:
" هذا يقتضي أنه لم يبين أعدادهم ولم يذكر أسماءهم للنبي ﷺ " انتهى.
نقلا من محاضرة للشيخ بعنوان: "الإيمان بالرسل" على هذا الرابط:
http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=١٥١٤٣٧
٢- اضطراب واختلاف روايات الأحاديث الواردة في هذا الشأن، وهي وإن كان حسنها بعض أهل العلم من المتأخرين – كالشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم/٢٦٦٨) – إلا أن الصواب ضعفها، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٧/٤٠٩) عن الإمام أحمد ومحمد بن نصر أن حديث أبي ذر – وهو أشهر حديث في ذكر عدد الرسل وأنهم (٣١٥) رسولا – لم يثبت عندهم.
وقد سبق التوسع في بيان ضعف هذه الروايات في جواب السؤال رقم (٩٥٧٤٧) ، كما فيه النقل عن جماعة من أهل العلم في نفي الجزم بعدد معين للرسل والأنبياء، يرجى مراجعته والإفادة منه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 200
هل توفي عيسى ﵇؟ أين هو الآن؟ وتعليق على نقل من إنجيل " متى "
[السُّؤَالُ]
ـ[أرغب في معرفة الدليل على عدم وفاة نبي الله عيسى ﵇، وهل صح قوله ﵇ في إنجيل متى " لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام، وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال "؟ ، وهل هذا دليل من الإنجيل على عدم وفاة نبي الله عيسى؟ وهل ظل نبي الله عيسى على الأرض للمدة نفسها التي قضاها يونس في بطن الحوت؟ وفقًا لمعلوماتي أن عيسى قضي يومين وليلتين فقط (ليلة السبت ويوم السبت، وليلة الأحد ويوم الأحد، ثم لم يجدوه في قبره، وفقًا لكلامهم) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا تستطيع أمة من الأمم ـ سوى أمة الإسلام ـ أن تثبت إسناد قصصها وتاريخها إلى نبيها؛ ذلك أن الله تعالى لم يتكفل بحفظ كتب الأديان التي قبل القرآن، وليس يوجد أمة من الأمم عنيت بالأسانيد قبل أمة الإسلام، لذا فإن كل ما ينقلونه من حوادث وأخبار عن نبيهم وتاريخهم السالف فهو مما لا يمكن إثباته، ولذا فإن دياناتهم اعتراها التحريف، والتقول، والكذب.
وأما أمَّة الإسلام فإن الله تعالى قد أطلعها على شيء من أخبار من سلفها من الأمم، وعن بعض أحوال الأنبياء والرسل السابقين، وهي أخبار صدق، ليس ثمة ما يضادها إلا الافتراء والكذب.
ومن الأخبار الغيبية التي عندنا خبرها الموثَّق، والتي اختلفت فيها الأقوال عند غيرنا: هو ما حصل مع نبي الله عيسى ﵇، حيث أخبرنا الله تعالى أنه لم يُقتل، ولم يُصلب، وأنه تعالى قد ألقى شبهه على غيره، وأن هذا الآخر هو الذي قتلوه، وصلبوه، وليس عيسى ﵇، وقد أخبرنا ربنا تعالى أنه رفعه إليه، وأنه سينزل في آخر الزمان، يقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويحكم بالإسلام، وأما غيرنا ممن يدعي أنه من أتباعه فقد اختلفوا فيه اختلافاً عظيماً، فمنهم من قال عنه إنه هو الله! ومنهم من زعم أنه ابن الله! وطائفة قليلة هم الذين شهدوا رفع عيسى ﵇ وإلقاء الشبه على غيره، وهم الذين لم يعتقدوا فيه أكثر من النبوة والرسالة.
قال ابن كثير ﵀ في " تفسير ابن كثير " (٢ / ٤٧) : " فإن المسيح ﵇ لمَّا رفعه الله إلى السماء: تَفَرَّقت أصحابه شيَعًا بعده، فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله، ورسوله، وابن أمَته، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله، وآخرون قالوا: هو الله، وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة، وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن، ورَدَّ على كل فريق ... " انتهى.
ثانياً:
عدم صلب المسيح عيسى ﵇، وعدم قتله: عقيدة عند أهل السنَّة والجماعة، ومصدر هذا الاعتقاد نصوص القرآن الواضحة البيِّنة، ولم يخالف في هذا أحد من أهل الإسلام، ومن خالف فيه كان مرتدّاً.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
هل عيسى بن مريم حي أو ميت؟ وما الدليل من الكتاب أو السنَّة؟ إذا كان حيّاً أو ميتا: فأين هو الآن؟ وما الدليل من الكتاب والسنَّة؟ .
فأجابوا: " عيسى بن مريم ﵊ حيٌّ، لم يمت حتى الآن، ولم يقتله اليهود، ولم يصلبوه، ولكن شبِّه لهم، بل رفعه الله إلى السماء ببدنه وروحه، وهو إلى الآن في السماء، والدليل على ذلك: قول الله تعالى في فرية اليهود والرد عليها: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) النساء/ ١٥٧، ١٥٨.
فأنكر سبحانه على اليهود قولهم إنهم قتلوه وصلبوه، وأخبر أنه رفعه إليه، وقد كان ذلك منه تعالى رحمةً به، وتكريماً له، وليكون آية من آياته التي يؤتيها من يشاء من رسله، وما أكثر آيات الله في عيسى ابن مريم ﵇ أولاً وآخراً، ومقتضى الإضراب في قوله تعالى: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) : أن يكون سبحانه قد رفع عيسى ﵊ بدناً وروحاً حتى يتحقق به الرد على زعم اليهود أنهم صلبوه وقتلوه؛ لأن القتل والصلب إنما يكون للبدن أصالة؛ ولأن رفع الروح وحدها لا ينافي دعواهم القتل والصلب، فلا يكون رفع الروح وحدها ردّاً عليهم؛ ولأن اسم عيسى ﵇ حقيقة في الروح والبدن جميعاً، فلا ينصرف إلى أحدهما عند الإطلاق إلا بقرينة، ولا قرينة هنا؛ ولأن رفع روحه وبدنه جميعاً مقتضى كمال عزة الله، وحكمته، وتكريمه، ونصره مَن شاء مِن رسله، حسبما قضى به قوله تعالى في ختام الآية (وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) .
الشيخ عبد العزيز بن باز , الشيخ عبد الرزاق عفيفي , الشيخ عبد الله بن غديان , الشيخ عبد الله بن قعود.
" انتهى "فتاوى اللجنة الدائمة" (٣ / ٣٠٥ , ٣٠٦) .
وانظر تفصيلاً أوفى في المرجع نفسه: (٣ / ٢٩٩ – ٣٠٥) .
وانظر اعتقاد المسلمين في المسيح ﵇ في جواب السؤال رقم: (٤٣١٤٨) .
وفي جواب السؤال رقم: (١٠٢٧٧) تجد نبذة عن نبي الله عيسى ﵇.
وفي جواب السؤال رقم: (١٢٦١٥) تجد حواراً مع نصراني حول صلب المسيح.
وفي جواب السؤال رقم: (٤٣٥٠٦) تجد إجابة عن إشكالات في آيات حياة المسيح ﵇ وموته.
ثالثاً:
أما فيما يتعلق بقبر المسيح وخروجه منه، وتشبيه تلك الآية بآية يونس ﵇: فقد تولَّى نقد هذه المسائل، وبيان ضلالها، وتنقضها: علماؤنا المختصون فبيَّنوا ما فيها من جهل، وتناقض.
قال الهندي – ﵀ – معلِّقاً على الفقرة الواردة في السؤال -:
فطلب الكتبة والفريسيون معجزة، فما أظهرها عيسى ﵇ في هذا الوقت، وما أحالهم إلى معجزة صدرت عنه فيما قبل هذا السؤال، بل سبَّهم، وأطلق عليهم لفظ " الفاسق " و " الشرير "، ووعد بالمعجزة التي لم تصدر عنه، لأن قوله " كما كان يونان في بطن الحوت الخ ": غلط، بلا شبهة - كما علمت في الفصل الثالث من الباب الأول -.
وإن قطعنا النظر عن كونه غلطاً: فمطلق قيامه لم يره الكتبة، والفريسيون بأعينهم، ولو قام عيسى ﵇ من الأموات: كان عليه أن يُظهر نفسه على هؤلاء المنكرين الطالبين آية ليصير حجة عليهم، ووفاء بالوعد، وهو ما أظهر نفسه عليهم، ولا على اليهود الآخرين، ولو مرة واحدة، ولذلك لا يعتقدون هذا القيام، بل هم يقولون من ذاك العهد إلى هذا الحين: أن تلاميذه سرقوا جثته من القبر ليلاً.
" إظهار الحق " (٤ / ١٣١٢) .
وللشيخ أحمد ديدات ﵀ ثلاثة كتب في الباب نفسه، وهي: " ماذا كانت آية يونان؟ " و " قيامة أم إنعاش؟ " و " من دحرج الحجر؟ "، فانظرها.
وليس ثمة قيمة – أصلاً – لنقولاتهم، فقد دخلها التحريف والتبديل، وقد احتوت على الافتراءات والأباطيل، ومع ذلك فقد أبان علماؤنا عن عوارها.
وأخيراً:
ننصح الأخ السائل – وغيره ممن يقرأ هذه الكلمات – أن ينشغل بتعلم دينه، ويتقوى في طاعة ربه تعالى، وأن يصرِف نفسه عن تتبع ضلالات الفرَق والأديان، فتلك معركة لها فرسانها، ولا مانع أن يكون منهم، لكن يحتاج هذا لخبرة علمية، وطول نفس في طلب العلم، ومعرفة الحق بدليله، ونسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين لما فيه خير دينهم ودنياهم.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 201
كم سنة عاش نوح ﵇ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل عاش نوح ﵇ (٩٥٠) سنة، ولماذا ذكر قي القرآن أنه عاش ألف سنة إلا خمسين عاما، حيث ميز بين السنة والعام؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
في عمر نوح ﵇ العظة والعبرة البالغة:
فهي قرون طويلة قضاها في قومه يدعوهم إلى الله تعالى، يشفق عليهم من عذابه، ويرجو لهم رحمته، ولم يصبه اليأس ولا أخذه القنوط، بل رجا أن يهديهم الله على يديه وإن طال الزمان، فكانت سنوات عمره دروسا للدعاة والمعلمين والمربين في الصبر والعزيمة والإيمان.
كما أن فيها من العظة والعبرة لكل إنسان، ليدرك أن الموت آت وإن طال الزمان، وأن العمر إنما هو أيام تتقضى مع غروب شمس كل يوم، لتسدل الستار على قصة روحه التي منحت فرصة نيل السعادة الأبدية في الجنة، فيا فوزها إن كان سعيها في تحصيل هذه السعادة، ويا خسارها إن قصرت وفرطت.
روى ابن أبي الدنيا في "الزهد" (رقم/٣٥٨) بسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال:
جاء ملك الموت إلى نوح ﵇، فقال: يا أطول النبيين عمرا! كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال: " كرجل دخل بيتا له بابان، فقام في وسط البيت هنيهة – القليل من الزمان -، ثم خرج من الباب الآخر " انتهى.
والمسلم الحصيف هو الذي يلتفت إلى هذه المعاني والعبر، فتبعث في نفسه العزيمة وتحثها على العمل، ولا ينبغي أن يشغل باله كثيرا بتفاصيل التاريخ التي لم يلتفت إليها الوحي في بيانه، ولم يثبت فيها شيء من أدلة الشريعة المعتمدة.
ومن ذلك السؤال عن تحديد عمر نوح ﵇، فقد ورد فيه عدة أقوال لعلماء للسلف من الصحابة والتابعين، ولم يثبت فيه شيء من الكتاب والسنة الصريحة كي يجزم بأحد هذه الأقوال، ولكننا نسرد هذه الأقوال هنا من باب زيادة العلم بما تنقله كتب السلف:
القول الأول: (٩٥٠) سنة: وهو قول قتادة.
جاء في "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير (٦/٢٦٨) :
" وقال قتادة: يقال إن عمره كله كان ألف سنة إلا خمسين عاما، لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلثمائة سنة، ودعاهم ثلثمائة، ولبث بعد الطوفان ثلثمائة وخمسين سنة " انتهى.
روى نحوه ابن أبي حاتم في "التفسير" (رقم/١٨٠٤١)
القول الثاني: (١٠٥٠) سنة: قاله ابن عباس.
عن ابن عباس ﵄ قال:
" بعث الله نوحا وهو ابن أربعين سنة، ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله، وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا " انتهى.
عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٥٥) لكل من ابن أبي شيبة (٧/١٨) ، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم (٩/٢٥١) ، وصححه وابن مردويه.
القول الثالث: (١٠٢٠) سنة: قول كعب الأحبار.
روى ابن أبي حاتم في "التفسير" (رقم/١٨٠٤٣) حدثنا أبو زرعة، ثنا صفوان، ثنا الوليد، ثنا أبو رافع إسماعيل بن رافع، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن كعب الأحبار، في قول الله: " فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما "، قال:"عاش بعد ذلك سبعين عاما".
القول الرابع: (١٤٠٠) سنة: يحكى عن ابن عباس، وهو قول وهب بن منبه:
انظر "تفسير القرطبي" (١٣/٣٣٢)
القول الخامس: (١٦٥٠) سنة: قول عون بن أبي شداد.
عن عون بن أبي شداد، قال:
" إن الله ﵎ أرسل نوحا إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاث مائة سنة، فدعاهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاث مائة سنة "
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير" (رقم/١٨٠٤٤) والطبري في "جامع البيان" (٢٠/١٧)
القول السادس: (١٧٠٠) سنة، قول عكرمة.
عن عكرمة ﵁ قال:
" كان عمر نوح ﵇ قبل أن يبعث إلى قومه وبعدما بعث ألفا وسبعمائة سنة " انتهى.
عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٥٦) لعبد بن حميد
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (٦/٢٦٨) بعد أن استغرب الأقوال السابقة:
" وقول ابن عباس أقرب " انتهى.
ثانيا:
اختلف المفسرون أيضا في الحكمة من استعمال لفظي " السنة " و " العام "، على قولين:
القول الأول: ذهب بعض المفسرين إلى أنها حكمة لفظية فحسب، لأن تكرار اللفظ نفسه فيه ثقل على اللسان، فجاء بلفظ مرادف مغاير، وهو " عاما " لتحقيق الخفة المطلوبة.
يقول الزمخشري في "الكشاف":
" فإن قلت: فلم جاء المميز أوّلاً بالسنة وثانياً بالعام؟ قلت: لأنّ تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد حقيق بالاجتناب في البلاغة، إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض ينتحيه المتكلم من تفخيم أو تهويل أو تنويه أو نحو ذلك " انتهى.
وبنحوه في "التحرير والتنوير" (٢٠/١٤٦)
القول الثاني: أن استعمال لفظ " السنة " جاء للدلالة على صعوبة السنوات التي قضاها نوح ﵇ في دعوة قومه، فهي سنوات عجاف من حيث الخير والمطر والبركة، ومن حيث مشقتها أيضا على نوح ﵇ في أمر الدعوة، حيث واجهه قومه بالإعراض والأذى، ثم عاش بعد الطوفان وهلاك الكفر من الأرض أعواما من الخصب والنعيم والرخاء، والعرب تطلق لفظ " السنة " على أيام الجدب والقحط، ولفظ " العام " على أيام الرخاء والنعيم.
يقول الراب الأصفهاني في "مفردات ألفاظ القرآن" (٢/١٤٠) :
" العام كالسنة، لكن كثيرا ما تستعمل السنة في الحول الذي يكون فيه الشدة أو الجدب؛ ولهذا يعبر عن الجدب بالسنة، والعام بما فيه الرخاء والخصب، قال: (عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون) يوسف/٤٩، وقوله: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) العنكبوت/١٤، ففي كون المستثنى منه بالسنة والمستثنى بالعام لطيفة.
وقال برهان الدين البقاعي "نظم الدرر" (١٤/٤٠٤) :
" وعبر بفلظ " سنة " ذما لأيام الكفر ... وقال: " عاما " إشارة إلى أن زمان حياته ﵊ بعد إغراقهم كان رغدا واسعا حسنا بإيمان المؤمنين، وخصب الأرض " انتهى.
ونحوه توجيه الإمام الزركشي في "البرهان في علوم القرآن" (٣/٣٨٦)
وجمع بعض أهل العلم بين هذين القولين، إذ لا مانع من اعتبار الحكمتين من هذه المغايرة: اللفظية والمعنوية، وأقوال المفسرين - إن لم تتعارض - فالأخذ بها جميعها أولى من اطراح بعضها:
يقول ابن عادل في "اللباب" (١٢/٤٢٩) :
" وقد روعيت هنا نكتة لطيفة، وهو أن غَايَرَ بين تَمْيِيزي العَدَد فقال في الأول " سنة " وفي الثاني " عاماً "، لئلا يثقل اللفظ، ثم إنه خص لفظ العام بالخمسين إيذاناً بأن نبي الله ﷺ لما استراح منهم بقي في زمن حسن، فالعرب تعبر عن الخَصْب بالعام، وعن الجَدْب بالسنة " انتهى.
وانظر جواب السؤال رقم (١٠٤٧٠) ، (١٠٥٥١)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 202
من هو الذي ألقي عليه شبه عيسى ﵇ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[عندي بعض الأسئلة عن الشخص الذي صلب بدلا من عيسى ﵇، فقد قرأت أنه الشخص الذي خان عيسى (ص) وكان شبهه وأنه صلب بدلا منه، وفي مكان آخر قرأت أنه من أصحاب عيسى ضحى بنفسه وصلب بدلا من عيسى. فما هي الحقيقة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
ورد القرآن ببيان أن عيسى ﵇ لم يصلب ولم يقتل وأنه رفع إلى السماء، ولم يرد نص من الوحي يبين لنا تفاصيل ما جرى يوم شُبِّه على اليهود ما شُبِّه عليهم، لكن صح عن ابن عباس ﵄ أن المسيح ﵇ قال لمن كان معه من أصحابه في البيت: (أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنا، فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام ذلك الشاب، فقال: اجلس. ثم أعاد عليهم، فقام ذلك الشاب فقال: أنا , فقال: أنت هو ذاك. فألقي عليه شبه عيسى ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء) .
قال ابن كثير ﵀ في تفسيره (٤/٣٣٧) معلقا على هذا الأثر: "وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، وكذا ذكر غير واحد من السلف أنه قال لهم: أيكم يلقى إليه شبهي فيقتل مكاني وهو رفيقي في الجنة" انتهى.
ثم قال ﵀ (٤/٣٤١) : "واختار ابن جرير أن شبه عيسى ألقي على جميع أصحابه" انتهى.
وهذا وارد في أثر عن وهب بن منبه رواه ابن جرير ﵀ وذكره ابن كثير (٤/٣٣٧) وفيه أنهم لما أحاطوا بعيسى وأصحابه ودخلوا عليهم: (صورهم الله كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا ليبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعا) حتى خرج إليهم واحد منهم بعدما وعده عيسى ﵇ بالجنة فأخذوه وصلبوه.
لكن قال ابن كثير بعده: "وهذا سياق غريب جدا" انتهى.
وقال أيضا ﵀ (٤/٣٤١) : "وبعض النصارى يزعم أن يودس زكريا يوطا ـ وهو الذي دل اليهود على عيسى ـ هو الذي شبه لهم فصلبوه، وهو يقول: إني لست بصاحبكم أنا الذي دللتكم عليه. فالله أعلم أي ذلك كان" انتهى.
هكذا ختم ابن كثير ﵀ هذا البحث بقوله: "فالله أعلم أي ذلك كان".
والعلم بهذا ليس من ورائه كبير فائدة، ولو كانت لنا إليه حاجة لبينه لنا نبينا صلى الله عليه سلم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 203
من معجزات الرسول ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكنكم ذكر قائمة بكل أو معظم معجزات النبي صوات الله وبركاته عليه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
معجزات النبي ﷺ كثيرة متعددة، وقد جاوزت الألف، كما صرح بذلك العلامة ابن القيم ﵀ في "إغاثة اللهفان" (٢/٦٩١) ، وهذه المعجزات منها ما حصل وانتهى، ومنها ما هو باق إلى أن يشاء الله تعالى، وهو المعجزة العظمى، والآية الكبرى على نبوة النبي ﷺ ، وهي القرآن العظيم، الآية الباقية الدائمة التي لا يطرأ عليها التغيير والتبديل، وهو معجز من وجوه عديدة: من جهة لفظه، فقد تحدى الله فصحاء العرب أن يأتوا بمثل سورة منه فعجزوا.
ومعجز بما فيه من أخبار مستقبلة وقعت كما أخبر عنها، كقوله تعالى: (الم * غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ) الروم/١-٣.
ومعجز بما فيه من تشريعات محكمة ما كانت البشرية كلها تهتدي لمثلها.
ومعجز بما فيه من علوم وأخبار عن أسرار هذا الكون، والذي لا يزال العلم الحديث يكتشف يوماً بعد يوم شيئاً فشيئا من هذه الأسرار.
وأما المعجزات التي حصلت وانتهت فهي كثيرة كما قلنا ومن أشهرها:
١- معجزة الإسراء والمعراج، وقد جاء القرآن بذكر الإسراء صراحة والإشارة إلى المعراج، وجاءت الأحاديث من السنة الصحيحة المستفيضة ببيان المعراج وما كان فيه.
٢- معجزة انشقاق القمر، وقد ورد القرآن بذكرها، وتواترت بها السنة، كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى، وأجمع على ذلك المسلمون.
٣- تكثير القليل من الطعام بين يديه ﷺ حتى كان يأكل منه من معه من الجيش، وتبقى منه بقية، والأحاديث في ذلك في الصحيحين وغيرهما.
٤- نبع الماء من بين أصابعه ﷺ وتكثير الماء حتى يشرب منه جميع الجيش ويتوضؤون والأحاديث في ذلك أيضاً في الصحيحين.
٥- إخباره ﷺ بالأمور الغيبية المستقبلة ثم تقع كما أخبر، وقد حدث مما أخبر به شيء كثير، ولا نزال نرى أشياء تحدث مما أخبر به ﷺ .
٦- حنين الجذع إليه لما فارقه إلى المنبر. والحديث في صحيح البخاري.
٧- تسليم الحجر عليه وهو في مكة. والحديث رواه مسلم.
٨- إبراء المرضى، والأحاديث في ذلك كثيرة في الصحيحين وغيرها.
والمعجزات كما قلنا كثيرة وهذا طرف منها، وقد أَلَّف العلماء في جمع معجزات النبي ﷺ مؤلفات عديدة كدلائل النبوة للبيهقي، وأعلام النبوة للماوردي، وكتب العقيدة مملوءة بذكرها في مبحث الإيمان بالرسل.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 204
أيهما أفضل الكعبة أم قبر النبي ﷺ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الكعبة أفضل أم قبر النبي ﷺ ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
سبق في جواب السؤال (٩٧٣٨٤) إطلاق كثير من العلماء على النبي ﷺ أنه أفضل الخلق، فيدخل في عموم كلامهم أنه أفضل من الكعبة.
وهذا التفضيل إنما هو للنبي ﷺ نفسه، وليس للقبر الذي دفن فيه.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن رجلين تجادلا، فقال أحدهما: إن تربة محمد ﷺ أفضل من السماوات والأرض. وقال الآخر: الكعبة أفضل، فمع من الصواب؟
فأجاب: "الحمد لله، أما نفس محمد ﷺ فما خلق الله خلقا أكرم عليه منه، وأما نفس التراب فليس هو أفضل من الكعبة البيت الحرام، بل الكعبة أفضل منه، ولا يعرف أحد من العلماء فضل تراب القبر على الكعبة إلا القاضي عياض، ولم يسبقه أحد إليه، ولا وافقه أحد عليه، والله أعلم" انتهى.
"الفتاوى الكبرى" (٤/٤١١) و "مجموع الفتاوى" (٢٧/٣٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 205
قصة الغرانيق
[السُّؤَالُ]
ـ[قصة الغرانيق المذكورة في تفسير سورة الحج هل ثبت منها شيء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
أصل هذه القصة حادثة وقعت للنبي ﷺ في مكة في بداية الدعوة، أنه حين أوحيت إليه سورة النجم قرأها على جمعٍ من المسلمين والمشركين، فلما بلغ آخرَها حيث يقول الله تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ. وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ. وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ. فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) النجم/٥٩-٦٢ سجد النبي ﷺ ، وسجد معه جميعُ مَن حضر من المسلمين والمشركين، إلا رجلين اثنين: أمية بن خلف، والمطلب بن وداعة.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ) رواه البخاري (١٠٧١)
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: (أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَةٌ (وَالنَّجْمِ) قَالَ: فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ، إِلَاّ رَجُلاً رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ فَسَجَدَ عَلَيْهِ، فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا، وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَف) رواه البخاري (٣٩٧٢) وأيضا برقم (٤٨٦٣) ورواه مسلم (٥٧٦)
ثانيا:
جاءت بعض الروايات تفسِّرُ سبب سجود المشركين مع النبي ﷺ ، وسببَ استجابتهم لأمر الله تعالى، حاصلُها أن الشيطان ألقى في أثناء قراءته كلماتٍ على لسان النبي ﷺ فيها الثناء على آلهتهم، وإثبات الشفاعة لها عند الله، وهذه الكلمات هي: " تلك الغرانيق العُلى، وإن شفاعتهن لَتُرتَجَى " وأن المشركين لما سمعوا ذلك فرحوا واطمأنوا وسجدوا مع النبي ﷺ .
والغرانيق: جمع غرنوق: وهو طير أبيض طويل العنق. قال ابن الأنباري: " الغرانيق: الذكور من الطير، واحدها غِرْنَوْق وغِرْنَيْق، سمي به لبياضه، وقيل هو الكُرْكيّ، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقرّبهم من الله ، وتشفع لهم إليه، فشبهت بالطيور التي تعلو وترتفع في السماء " انتهى. لسان العرب (١٠/٢٨٦)
قالوا: فكانت هذه القصة سبب نزول قوله : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) الحج/٥٢
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا القول في "منهاج السنة النبوية" (٢/٢٤٣) :
" على المشهور عند السلف والخلف مِن أن ذلك جرى على لسانه ثم نسخه الله وأبطله " انتهى
وبعد تتبع الآثار الواردة في هذه القصة، تبين أن مجموع السلف الذين يُحكى عنهم هذا القول يبلغ نحو ثلاثة عشر، وتبين أنه لم يثبت بالسند الصحيح إلا عن خمسةٍ منهم، وهم: سعيد بن جبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وأبو العالية، وقتادة، والزهري.
أما الباقون فلا تصح نسبته إليهم، لما في الأسانيد إليهم من ضعف ونكارة، وهم: ابن عباس، وعروة بن الزبير، ومحمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس، وأبو صالح، والضحاك، ومحمد بن فضالة، والمطلب بن حنطب.
انظر تخريج هذه الآثار والحكم عليها في رسالة الشيخ الألباني "نصب المجانيق" (١٠-٣٤)
ثانيا:
إلا أن طائفة كبيرة من المحققين من أهل العلم، نفوا وقوع هذه القصة، ولم يأخذوا بإثبات مَن ذكرها من السلف، واستدلوا على ذلك بأن قالوا: مَن ذكرها مِن السلف لم يدركوا النبي ﷺ ، ولم يذكروا مصادرهم للحادثة، فدخل الشك فيها، وساعد عليه ما في ظاهرها من طعن في النبوة، إذ كيف يُدخل الشيطان في الوحي كلماتِه الباطلة، مع أن الله تعالى حفظ وحيَه من التحريف والتبديل والزيادة، وعَصَمَه من الخطأ والزلل.
يقول القاضي عياض في "الشفا" (٢/١٢٦) :
" فأما من جهة المعنى: فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته ﷺ ، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، إمَّا مِن تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر، أو أن يتسوَّرَ عليه الشيطان ويشبِّهَ عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبي ﷺ أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل ﵇، وذلك كله ممتنع في حقه ﷺ .
أو يقول ذلك النبي ﷺ من قبل نفسه عمدا - وذلك كفر -، أو سهوا وهو معصوم من هذا كله، وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته ﷺ من جريان
الكفر على قلبه أو لسانه لا عمدا ولا سهوا، أو أن يتشبه عليه ما يلقيه الملك مما يلقى الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله لا عمدا ولا سهوا ما لم ينزل عليه، وقد قال الله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل) الآية، وقال تعالى (إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) الآية " انتهى باختصار.
وقد عد الشيخ الألباني في رسالته "نصب المجانيق" (٤٦-٤٨) أسماء عشرة من العلماء المتقدمين والمتأخرين في نفي صحة هذه الحادثة، أكثرها يؤكد نفي وجود السند المتصل المرفوع بها، ومنافاتها لعصمة النبي ﷺ .
ثالثا:
والمسألة فيها نوع اشتباه، يصعب الجزم فيها بأمر، ولكن يمكننا القول بأن الجزم بنفي هذه الحادثة فيه نظر، وأن اعتبارها منافية لأصول العقيدة ومهمات الدين فيه نظر، أيضا، فقد صحت القصة من طريق جماعة من السلف مِن قولهم، وهي وإن كانت مرسلة، فكثرتها تبعث على الاطمئنان بوقوعها، ولو كان فيها شيء مناقض لعصمة الوحي لَما نطق بها كبار أئمة التابعين كسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم.
يقول الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٨/٤٣٩) في تخريجه لهذه القصة:
" كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا ... - ثم نقل تضعيف ابن العربي والقاضي عياض القصة ثم قال -: وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يَحتجُّ بمثلها مَن يحتجُّ بالمرسل، وكذا من لا يحتج به، لاعتضاد بعضها ببعض " انتهى.
وليس في القصة أي طعن في عصمة التبليغ والرسالة، لأن النسخ والتصحيح جاء بوحي من الله، وسواء كان الخطأ من النبي ﷺ أو بإيهام الشيطان على أسماع المشركين، فإن المآل واحد، هو وقوع الحق وزهوق الباطل، والإخلال بمقتضى الرسالة لا يكون إلا باستمرار الباطل واختلاطه بكلام الله تعالى، وذلك ما لم يكن ولن يكون.
يقول شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (١٠/٢٩٠) :
" وهذه العصمة الثابته للأنبياء هي التي يحصل بها مقصود النبوة والرسالة ... فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين.
ولكن هل يصدر ما يستدركه الله فينسخ ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته؟ هذا فيه قولان: والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك.
والذين منعوا ذلك من المتأخرين طعنوا فيما ينقل من الزيادة في سورة النجم بقوله: " تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى " وقالوا: إن هذا لم يثبت.
ومن علم أنه ثبت قال: هذا ألقاه الشيطان في مسامعهم ولم يلفظ به الرسول.
ولكن السؤال وارد على هذا التقدير أيضا، وقالوا في قوله: (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) هو حديث النفس.
وأما الذين قرروا ما نقل عن السلف فقالوا: هذا منقول نقلا ثابتا لا يمكن القدح فيه، والقرآن يدل عليه بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) الحج/٥٢-٥٤
فقالوا: الآثار في تفسير هذه الآية معروفة ثابتة في كتب التفسير والحديث، والقرآن يوافق ذلك، فإن نسخ الله لما يُلقي الشيطان، وإحكامه آياته، إنما يكون لرفع ما وقع في آياته، وتمييز الحق من الباطل حتى لا تختلط آياته بغيرها، وجعل ما ألقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، إنما يكون إذا كان ذلك ظاهرا يسمعه الناس لا باطنا في النفس، والفتنة التي تحصل بهذا النوع من النسخ، من جنس الفتنة التي تحصل بالنوع الآخر من النسخ، وهذا النوع أدل على صدق الرسول وبعده عن الهوى من ذلك النوع، فإنه إذا كان يأمر بأمر ثم يأمر بخلافه - وكلاهما من عند الله وهو مصدق في ذلك - فإذا قال عن نفسه إن الثاني هو الذي من عند الله وهو الناسخ، وإن ذلك المرفوع الذي نسخه الله ليس كذلك، كان أدل على اعتماده للصدق، وقوله الحق، وهذا كما قالت عائشة ﵂: (لو كان محمد كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) .
ألا ترى أن الذي يُعَظِّمُ نفسَه بالباطل يريد أن ينصر كل ما قاله ولو كان خطأ، فبيان الرسول أن الله أحكم آياته ونسخ ما ألقاه الشيطان، هو أدل على تحريه للصدق وبراءته من الكذب، وهذا هو المقصود بالرسالة، فإنه الصادق المصدوق ﷺ ، ولهذا كان تكذيبه كفرا محضا بلا ريب " انتهى.
والخلاصة أن إثبات أصل القصة قول متجه، وهو أقرب إلى التحقيق العلمي إن شاء الله.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 206
التأدب في وصف النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يقال للنبي ﷺ إنه " بدوي "؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نبينا محمد ﷺ أكرم الخلق، وسيد البشر، وأحب خلق الله إلى الله، له المقام المحمود، والحوض المورود، اصطفاه الله من بين ولد آدم كلهم، واختاره من خير العرب أعراقا وأنسابا وأحسابا، مولدُه في أعظم حاضرةٍ من حواضر العرب يومها، في مكة المكرمة، خير بقاع الأرض، وأحب أرض الله إلى الله، سماها القرآن الكريم " أم القرى " لعظيم مكانتها في جزيرة العرب، بل في الأرض كلها، "
قال الله : (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) الأنعام/٩٢
وقد أورثت هذه المكانة الجليلة للنبي محمد ﷺ في نفوس أصحابه من الإكبار والإجلال والتقدير ما يبلغ الغاية والكمال، فهذا أبو بكر الصديق ﵁ يرجع عن موقف الإمامة في الصلاة ليتقدم النبيُّ ﷺ ، ويقول: (مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ البخاري (٦٨٤) ومسلم (٤٢١) .
ويرفض أبو أيوب الأنصاري ﵁ أن يعلو سقيفة تحتها رسول الله ﷺ . رواه مسلم (٢٠٥٣) .
وكان عمرو بن العاص ﵁ يقول: (وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ، لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ) رواه مسلم (١٢١) .
ولمَّا قام البراء بن عازب يَعُدُّ كما عد النبي ﷺ ما لا يجوز في الأضاحي قال: (وَأَصَابِعِي أَقْصَرُ مِنْ أَصَابِعِهِ، وَأَنَامِلِي أَقْصَرُ مِنْ أَنَامِلِهِ ﷺ رواه أبو داود (٢٨٠٢) وصححه ابن دقيق العيد في "الاقتراح" (ص/١٢١) والشيخ الألباني في "صحيح أبي داود".
إلى غير ذلك من صُورِ الأدب العظيمة التي ضربها الصحابة رضوان الله عليهم للبشرية كلها في تكريمِ وإجلالِ أفضلِ الرسل وسيد البشر صلوات الله وسلامه عليه.
أما وَصفُهُ ﷺ بما لا يليق به، أو لَمْزُهُ بسيء الألفاظ والمعاني، أو حكايةُ ما فيه تنقيصٌ لقدره فهو من الكذب الفج القبيح، والكفر الصريح، لِما فيه من تزويرٍ للحقائق وتَعَدٍّ على خير الخلائق، ولا يقع في ذلك إلا مَن لا يَعرف الأدبَ ولا الخلقَ ولا الإيمان.
قال الله : (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ) التوبة/٦٥-٦٦.
قال القاضي عياض ﵀ في "الشفا" (٢/٢١٤) :
" اعلم - وفقنا الله وإياك - أن جميع من سب النبي ﷺ ، أو عابه، أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرَّض به، أو شبَّهَه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه والعيب له، فهو سابٌّ له، والحكم فيه حكم الساب، يُقتل ... وكذلك مَن نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عَبَثَ في جهته العزيزة بسخفٍ من الكلام، وهُجر ومنكر من القول وزور، أو عَيَّره بشيءٍ مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غَمَصَهُ ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه.
وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هَلُمَّ جرًّا " انتهى.
ولا شك أن إطلاق لفظ " البداوة " أو وصفه ﷺ بـ " البدوي " هو من التنقص الصريح والعيب الواضح، فإن البداوة وصفُ ذمٍّ وتنقيص، يُقصَد به الوسمُ بالجهل والرعونة والجفاء، وهو ﷺ مُعَلَّمٌ من رب الأرض والسماء، جاء وصفه في التوراة بأنه (ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق) ، كما وصفه الله بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم/٤، فكيف يجرؤ كذاب أن يصفه ﷺ بخلاف ذلك؟! لا جرم أن في هذا مِن الجرأة والوقاحة ما يستحق عليها متعمدها العذاب والنكال في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) التوبة/٦١.
قال النووي في "شرح مسلم" (١/١٦٩) :
" أهل البادية هم الأعراب، ويغلب فيهم الجهل والجفاء، ولهذا جاء فى الحديث: (من بدا جفا) والبادية والبدو بمعنًى: وهو ما عدا الحاضرة والعمران. والنسبة اليها بدوي " انتهى.
وقد أفتى العلماء بكفر كلِّ وَصفٍ فيه إشعارٌ بتنقُّصِ قدرِ الرسول ﷺ ولو لم يكن صريحا في ذلك، حتى روى ابن وهب عن الإمام مالك ﵀:
" مَن قال: إن رداء النبي ﷺ وَسِخ - وأراد به عَيْبه - قُتل.
وقال أحمد بن أبى سليمان (من علماء المالكية، توفي عام ٢٩١هـ) : من قال إن النبي ﷺ كان أسود، يُقتل.
وأفتى فقهاء الأندلس بقتل " ابن حاتم " المُتَفَقِّه الطُّلَيطلي وصلبه، بما شُهد عليه به من استخفافه بحق النبي ﷺ ، وتسميته إياه أثناء مناظرته بـ " اليتيم " و " ختن حيدرة "، وزعمه أن زهده لم يكن قصدا، ولو قدر على الطيبات أَكَلَهَا. إلى أشباهٍ لهذا " انتهى.
نقل جميع ما سبق القاضي عياض في "الشفا" (٢/٢١٧-٢١٩) ، ثم قال:
" وكذلك أقول حكم من غَمَصَه، أو عَيَّره برعاية الغنم، أو السهو، أو النسيان، أو السحر، أو ما أصابه من جُرحٍ أو هزيمة لبعض جيوشه، أو أذى من عدوه، أو شدة من زمنه، أو بالميل إلى نسائه، فحُكمُ هذا كلِّه - لِمن قصد به نقصَه - القتل " انتهى.
ونسبته ﷺ إلى " البداوة " من الكذب الصريح، لأنه عاش في مكة، ثم هاجر منها إلى المدينة، وهما أفضل مدينتين في الأرض كلها، فكيف يكون بدوياً؟!
ولم يعرف ﷺ البادية إلا في صغره حين استرضع في بادية بني سعد عند مرضعته حليمة السعدية. انظر "السيرة النبوية الصحيحة" د. أكرم العمري (١/١٠٣) .
يقول الدكتور جواد علي في "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" (٤/٢٧١) :
" المجتمع العربي: بدو وحضر. أهل وبر وأهل مدر، فأما أهل المدر، فهم الحواضر وسكان القرى، وكانوا يعيشون من الزرع والنخل والماشية والضرب في الأرض للتجارة. وأما أهل الوبر، فهم قطان الصحارى، يعيشون من ألبان الإبل ولحومها، منتجعين منابت الكلأ، مرتادين لمواقع القطَر، فيخيمون هنالك ما ساعدهم الخصب وأمكنهم الرعي، ثم يتوجهون لطلب العشب وابتغاء المياه، فلا يزالون في حلّ وترحال.
ويعرف الحضر، وهم العرب المستقرون بـ " أهل المدر "، عرفوا بذلك لأن أبنية الحضر إنما هي بالمدر. والمدر: قطع الطين اليابس.
وورد أن أهل البادية إنما قيل لهم " أهل الوبر "، لأن لهم أخبية الوبر. تمييزاً لهم عن أهل الحضر الذين لهم مبان من المدر.
وتطلق لفظة " عرب " على أهل المدر خاصة، أي على الحضر و " الحاضر " و " الحاضرة " من العرب، أما أهل البادية فعرفوا بـ " أعراب ". " انتهى.
وسئل الشيخ محمد الحسن الددو حفظه الله:
لماذا ذكر الله أنه ما أرسل رسولاً إلا من أهل القرى؟
فأجاب:
" أما كون الأنبياء جميعاً من سكان القرى كما أخبر الله بذلك في كتابه، فإن ذلك مقتض منهم لحصول الرفعة، وأهل البوادي دائماً أشد عنجهية وأسوأ أخلاقاً، وأقل نظافةً ممن سواهم؛ ولذلك قال الله تعالى في كتابه: (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) التوبة/٩٧، وليس التحضر نسباً، حتى يقال: فلان بدوي، معناه: أن أباه كان كذلك، بل المقصود هو في نفسه، فلو سكن شخص من أهل البادية في الحاضرة، فإنه ليس من الأعراب، ولا يدخل في ذلك؛ بل المقصود به من يتصف بهذه الصفة بنفسه لا بنسبه.
الرسل عليهم الصلاة والسلام يراد بهم أن يسوسوا البشرية وأن يقودوها، فلا بد أن يعرفوا طرق تدبير المعاش، وهذه لا يعرفها أهل البوادي، ولا يعتنون بها، فأهل البوادي إنما يعيشون من الصيد – مثلاً - أو اتباع البهائم، ويعيشون مع الأحلام والأوهام كثيراً، وقد أخرج أحمد في المسند أن النبي ﷺ قال: (من طلب الصيد غفل، ومن بدا جفا) ومعناه: من سكن البادية غلظ طبعه، (ومن طلب الصيد غفل) أي: نقص عقله بقدر ذلك؛ فلهذا اختير الرسل من أهل القرى " انتهى. "سلسلة دروس منشورة" (الدرس الثالث/ص/٩) .
وقال العلامة عبد الله بن جبرين حفظه الله:
" وكذلك أيضا من سخر بشيء من آيات الله تعالى، أو بالنبي ﷺ ، ذُكر عن بعض الكتاب أنه كتب مرة يطعن في النبي ﷺ ويقول: إنه بدوي، إنه كان يرعى الغنم، وإنه عاش في عهد ليس فيه تقدم، وليس فيه كذا وكذا، ولا شك أن هذا طعن في الدين؛ لأن هذا الدين جاءنا من قبل هذا النبي الكريم؛ فمن طعن فيه بأنه جاهل، أو بأنه بدوي لا يعرف شيئا، أو بأن هذا الذي جاء به من محادثة فكره، أو أنه مما خيل إليه، أو أنه يريد بذلك أن يكون له شهرة وأتباع ونحو ذلك؛ يعتبر قد كذب على الله، وكذب النبي ﷺ الذي جاء بهذا الدين الشرعي، وكذَّب القرآن، وكذَّب الشرع كله، لا شك أن هذا أيضا قادح في الدين، قادح في العقيدة، وهو ما ذكر في هذه الآية: (قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) يعني بالاستهزاء بالله تعالى الاستهزاء بأسمائه وصفاته، وكذلك الاستهزاء بكلامه والتنقص له؛ داخل أيضا في القوادح في الدين.
وكذلك أيضا الاستهزاء بالقرآن، كما ذكر الله تعالى عن الكفار الذين قالوا: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا) الفرقان/٤ وهؤلاء بلا شك أتوا بما يقدح في عقيدتهم وفي دينهم؛ فلأجل ذلك جعل الله مقالتهم مقالة كفرية، وكذلك أيضا هؤلاء الذين قدحوا في النبي ﷺ وقالوا: إنه جاهل، أو إنه بدوي، أو ما أشبه ذلك " انتهى. نقلا عن موقع الشيخ تحت هذا الرابط:
http://www.ibn-jebreen.com/print.php?page=٦٣٧٧
وقال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله في "معجم المناهي اللفظية" (٤٩٦) :
" ووصْفُ النبي ﷺ بأنه بدوي مُناقضةٌ للقرآن الكريم، فهو ﷺ من حاضرة العرب لا من باديتها، قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) يوسف/١٠٩
وما يزال انعدام التوفيق يغْشى مَن في قلوبهم دخن، ففي العقد التاسع بعد الثلاثمائة والألف نشر أحد الكاتبين من البادية الدارسين مقالاً، صرَّح فيه بأن النبي ﷺ من البادية. وقد ردَّ عليه الشيخ حمود بن عبد الله التويجري النجدي برسالة سمَّاها: " منشور الصواب في الرد من زعم أن النبي ﷺ من الأعراب " والله أعلم " انتهى.
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله في "سلسلة دروس شرح زاد المستقنع" (درس رقم ٣٩٥، ص/٧) :
" إذا سب النبي ﷺ سباً مباشراً باللعن - والعياذ بالله -، أو انتقصه كأن يصف النبي ﷺ وصفاً ينتقصه به، كأن يقول: إنه بدوي يرعى الغنم، وقصد به التحقير له صلوات الله وسلامه عليه، ونحو ذلك من العبارات؛ فإنه يحكم بكفره " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 207
حقيقة الإيمان بالرسل
[السُّؤَالُ]
ـ[ما المقصود بالإيمان بالرسل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
وبعد: فالإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور:
الأول: التصديق الجازم بأن الله تعالى بعث في كل أمة رسولا منهم يدعوهم إلى عبادة الله وحده والكفر بما يعبد من دونه، وأنهم جميعا صادقون مصدقون بارون راشدون أتقياء أمناء، وأنهم بلغوا جميع ما أرسلهم الله به، لم يكتموا ولم يغيروا، ولم يزيدوا فيه من عند أنفسهم حرفا ولم ينقصوه (فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) (النحل: ٣٥) .
- وأن دعوتهم اتفقت من أولهم إلى آخرهم على أصل العبادة وأساسها، وهو التوحيد بأن يُفرد الله تعالى بجميع أنواع العبادة، اعتقادا وقولا وعملا، ويُكفر بكل ما يعبد من دونه، والدليل على ذلك قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ) الأنبياء/٢٥) وقوله تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) الزخرف/٤٥ وغيرها من الآيات وهي كثيرة جدا.
وأما الفروض المتعبد بها وفروع التشريع فقد يُفرض على هؤلاء من الصلاة والصوم ونحوها ما لا يُفرض على الآخرين، ويُحرم على هؤلاء ما يحل للآخرين امتحانا من الله (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) الملك/٢ والدليل على ذلك قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً) المائدة/٤٨ قال ابن عباس ﵄: سبيلا وسنة ومثله قال مجاهد وعكرمة وجماعات من المفسرين.
وفي صحيح البخاري (٣٤٤٣) ومسلم (٢٣٦٥ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " َالأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ " أي أن الأنبياء متحدون في الأصل وهو التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله، وضمنه كل كتاب أنزله،وشرائعهم مختلفة في الأوامر والنواهي والحلال والحرام لأن الأخوة لعلات أبوهم واحد وأمهاتهم متفرقات.
- ومن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر بالجميع كما قال تعالى: (كذبت قوم نوح المرسلين) الشعراء/١٠٥ فجعلهم الله مكذبين لجميع الرسل مع أنه لم يكن رسول غيره حين كذبوه.
الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه مثل محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح عليهم الصلاة والسلام، ومن ذُكر منهم إجمالا ولم نعلم اسمه وجب علينا الإيمان بهم إجمالا كما قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) البقرة/٢٨٥
وقال: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) غافر/٧٨
ونؤمن بأن خاتمهم هو نبينا محمد ﷺ فلا نبي بعده كما قال تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) الأحزاب/٤٠. وفي البخاري (٤٤١٦) ومسلم (٢٤٠٤) عن سعد بن أبى وقاص ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى تَبُوكَ وَاسْتَخْلَفَ عَلِيًّا فَقَالَ أَتُخَلِّفُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ قَالَ: " أَلا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي "
وأن الله فضله واختصه عن غيره من الأنبياء بخصائص عظيمة منها:
١- أن الله بعثه إلى جميع الثقلين الإنس والجن وكان النبي قبله يبعث في قومه خاصة.
٢- أن الله نصره على أعدائه بالرعب مسيرة شهر.
٣- وأن الأرض جُعلت له مسجدا وطهورا.
٤- وأحلت له الغنائم ولم تحل لأحد قبله.
٥- الشفاعة العظمى. وغيرها كثير من خصائصه ﵊.
الثالث: التصديق بما صح عنهم من أخبارهم.
الرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم وهو خاتمهم محمد ﷺ المرسل إلى جميع الناس. قال الله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) النساء/٦٥.
وليعلم أن للإيمان بالرسل ثمرات جليلة منها:
١- العلم برحمة الله تعالى وعنايته بعباده حيث أرسل إليهم الرسل ليهدوهم إلى صراط الله تعالى، ويبينوا لهم كيف يعبدون الله لأن العقل البشري لا يستقل بمعرفة ذلك.
٢- شكره تعالى على هذه النعمة الكبرى.
٣- محبة الرسل عليهم الصلاة والسلام وتعظيمهم ِِِ، والثناء عليهم بما يليق بهم لأنهم رسل الله تعالى، ولأنهم قاموا بعبادته وتبليغ رسالته، والنصح لعباده. والله أعلم.
يراجع (أعلام السنة المنشورة ٩٧- ١٠٢) و (شرح الأصول الثلاثة للشيخ ابن عثيمين ٩٥، ٩٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 208
حاجة الناس إلى الرسل
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي حاجة الناس للأنبياء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأنبياء هم رسل الله تعالى إلى عباده يبلغونهم أوامره , ويبشرونهم بما أعد الله لهم من النعيم إن هم أطاعوا أوامره , ويحذرونهم من العذاب المقيم إن هم خالفوا نهيه , ويقصون عليهم أخبار الأمم الماضية وما حل بها من العذاب والنكال في الدنيا بسبب مخالفتها أمر ربها.
وهذه الأوامر والنواهي الإلهية لا يمكن أن تستقل العقول بمعرفتها؛ ولذلك شرع الله الشرائع وفرض الأوامر والنواهي؛ تكريماً لبني الإنسان وتشريفاً لهم وحفظاً لمصالحهم؛ لأن الناس قد ينساقون وراء شهواتهم فينتهكون المحرمات ويتطاولون على الناس فيسلبونهم حقوقهم , فكان من الحكمة البالغة أن يبعث الله فيهم بين آونة وأخرى رسلاً يذكَّرونهم أوامر الله , ويحذرونهم من الوقوع في معصيته , ويتلون عليهم المواعظ ويذكرون لهم أخبار السابقين , فإن الأخبار العجيبة إذا طرقت الأسماع , والمعاني الغريبة إذا أيقظت الأذهان , استمدتها العقول فزاد علمها , وصح فهمها , وأكثر الناس سماعاً أكثرهم خواطر , وأكثرهم خواطر أكثرهم تفكراً , وأكثرهم تفكراً أكثرهم علماً , وأكثرهم علماً أكثرهم عملاً , فلم يوجد عن بعثة الرسل معدل ولا منهم في انتظام الحق بدل.- أعلام النبوة , تأليف علي بن محمد الماوردي , ص: ٣٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: - أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الشهير بابن تيمية , ولد عام واحد وستين وتوفي عام ثمان وعشرين وسبع مائة من الهجرة , وهو من كبار علماء الإسلام له مصنفات كثيرة نفيسة. _ والرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده , فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة , فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة , فالإنسان مضطر إلى الشرع لأنه بين حركتين حركة يجلب بها ما ينفعه وما يضره , فهو نور الله في أرضه , وعدله بين عباده , وحصنه الذي من دخله كان آمناً.
وليس المراد بالشرع التمييز بين النافع والضار بالحس , فإن ذلك يحصل للحيوانات فإن الحمار والجمل يفرق ويميز بين الشعير والتراب , بل التمييز بين الأفعال التي تضر فاعلها في معاشه ومعاده , والأفعال التي تنفعه في معاشه ومعاده كنفع الإيمان , والتوحيد , والعدل , والبر , والإحسان , والأمانة , والعفة , والشجاعة , والعلم , والصبر , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وصلة الأرحام , وبر الوالدين , والإحسان إلى الجيران , وأداء الحقوق , وإخلاص العمل لله , والتوكل عليه , والاستعانة به , والرضا بمواقع أقداره , والتسليم لحكمه , وتصديقه وتصديق رسله في كل ما أخبروا به وغير ذلك مما هو نفع وصلاح للعبد في دنياه وآخرته , وفي ضد ذلك شقاوته ومضرته في دنياه وآخرته.
ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل المنافع والمضار في المعاش , فمن أعظم نعم الله على عباده , وأشرف مننه عليهم , أن أرسل إليهم رسله , وأنزل عليهم كتبه , وبين لهم الصراط المستقيم , ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام وأشر حالاً منها , فمن قَبِلَ رسالة الله واستقام عليها فهو من خير البرية , ومن ردها وخرج عنها فهو من شر البرية , وأسوأ حالاً من الكلب والخنزير وأحقر من كل حقير , ولا بقاء لأهل الأرض إلا بآثار الرسالة الموجودة فيهم , فإذا درست آثار الرسل من الأرض , وانمحت معالم هداهم؛ أخرب الله العالم العلوي والسفلي وأقام القيامة.
وليست حاجة أهل الأرض إلى الرسول كحاجتهم إلى الشمس والقمر والرياح والمطر , ولا كحاجة الإنسان إلى حياته , ولا كحاجة العين لضوئها , والجسم إلى الطعام والشراب بل أعظم من ذلك وأشد حاجة من كل ما يقدر ويخطر بالبال , فالرسل عليهم الصلاة والسلام وسائط بين الله تعالى وبين خلقه في أمره ونهيه , وهم السفراء بينه وبين عباده , وكان خاتمهم وسيدهم وأكرمهم على ربه محمداً ﷺ وعليهم أجمعين فبعثه الله رحمة للعالمين , وحجة للسالكين , وحجة على الخلائق أجمعين , وافترض على العباد طاعته ومحبته وتوقيره وتعزيره والقيام بأداء حقوقه , وأخذ العهود والمواثيق بالإيمان به واتّبَاعهِ على جميع الأنبياء والمرسلين , وأمرهم أن يأخذوها على من اتبعهم من المؤمنين , أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً , وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً , فختم به الرسالة , وهدى به من الضلالة , وعلّم به من الجهالة , وفتح برسالته أعيناً عمياً , وآذاناً صماً , وقلوباً غلفاً , فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها , وتآلفت به القلوب بعد شتاتها , فأقام به الملة العوجاء وأوضح به المحجة البيضاء وشرح له صدره ووضع عنه وزره , ورفع له ذكره وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره , أرسله ﷺ حين فترة من الرسل ودروس من الكتب , حين حُرِف الكلم , وبدلت الشرائع , واستند كل قوم إلى ظلم آرائهم وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم , فهدى الله به الخلائق , وأوضح به الطرائق وأخرج الناس به من الظلمات إلى النور , وميز به أهل الفلاح وأهل الفجور , فمن اهتدى بهديه اهتدى , ومن مال عن سبيله فقد ضل واعتدى , فصلى الله عليه وسلم وعلى سائر الرسل والأنبياء. – قاعدة في وجوب الاعتصام بالرسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ , جـ ١٩ , ص: ٩٩ – ١٠٢ , من مجموع الفتاوى , وتنظر لوامع الأنوار البهية وجـ ٢ ص: ٢١٦ , ٢٣٦.
ونستطيع أن نلخص احتياج الإنسان إلى الرسالة فيما يلي:
١- أنه إنسان مخلوق مربوب , ولا بد أن يتعرف على خالقه , ويعرف ماذا يريد منه , ولماذا خلقه , ولا يستقل الإنسان بمعرفة ذلك , ولا سبيل إليه إلا من خلال معرفة الأنبياء والمرسلين , ومعرفة ما جاءوا به من الهدى والنور.
٢- أن الإنسان مكون من جسد وروح وغذاء الجسد ما تيسر من مأكل ومشرب , وغذاء الروح قرره لها الذي خلقها , وهو الدين الصحيح والعمل الصالح , والأنبياء والمرسلون جاءوا بالدين الصحيح وأرشدوا إلى العمل الصالح.
٣- أن الإنسان متدين بفطرته , ولا بد له من دين يدين به , وهذا الدين لا بد أن يكون صحيحاً , ولا سبيل إلى الدين الصحيح إلا من خلال الإيمان بالأنبياء والمرسلين والإيمان بما جاءوا به.
٤- أنه محتاج إلى الطريق الذي يوصله إلى رضى الله في الدنيا وإلى جنته ونعيمه في الدار الآخرة وهذه طرق لا يرشد إليها , ويدل عليها إلا الأنبياء والمرسلون.
٥- أن الإنسان ضعيف بنفسه ومتربص به أعداء كثر , من شيطان يريد إغواءه , ورفقة سوء تزين له القبيح , ونفس أمارة بالسوء , ولذا فهو محتاج إلى ما يحفظ به نفسه من كيد أعدائه، والأنبياء والمرسلون أرشدوا إلى ذلك وبينوه غاية البيان.
٦- أن الإنسان مدني بطبعه واجتماعهم بالخلق ومعاشرته لهم لا بد لها من شرع ليقوم الناس بالقسط والعدل – وإلا كانت حياتهم أشبه بحياة الغابة ـ وهذا الشرع لا بد أن يحفظ لكل ذي حق حقه دون تفريط ولا إفراط , ولا يأتي بالشرع الكامل إلا الأنبياء والمرسلون.
٧- أنه محتاج إلى ما يحقق به الطمأنينة والأمن النفسي , ويرشده إلى أسباب السعادة الحقيقية وهذا هو ما يرشد إليه الأنبياء والمرسلون.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب الإسلام أصوله ومبادؤه تأليف د. محمد بن عبد الله بن صالح السحيم.
стр. 209
حياة الأنبياء
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الرسل أحياء أم أموات؟
عندما عرج بالنبي ﷺ ، صلى جميع الرسل خلفه في المسجد الأقصى ثم ذهب النبي ﷺ إلى كل سماء وتقابل مع بعض الرسل المعروفين والذين بالتأكيد صلوا خلفه.
كيف كان الرسل في المسجد الأقصى ثم في السماوات بعد ذلك؟ أم أن الرسل لا زالوا أحياء ولكن بطريقة مختلفة عنا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أموات بالنسبة لأهل الدنيا قال الله تعالى مخاطباً خاتمهم وأفضلهم: (إنك ميت وإنهم ميتون) الزمر / ٣٠، أما عند الله فهم أحياء لأنه إذا كان الشهيد حياً عند الله فالأنبياء أرفع رتبة من الشهداء بلا شك. انظر فتح الباري ٦ / ٤٤٤
وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون) رواه البزار وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٧٩٠) وهذه الصلاة مما يتمتعون بها كما يتنعم أهل الجنة بالتسبيح.
وهم في قبورهم صلوات الله وسلامه عليهم إلا عيسى ﵇، فإن الله رفعه إلى السماء؛ كما قال تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً - بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) النساء / ١٥٧-١٥٨) .
وأما صلاة الأنبياء خلف النبي ﷺ ليلة الإسراء، فهم صلوا وراءه بأرواحهم، وأبدانهم في قبورهم، وكذلك
﴿رؤيته الأنبياءَ ليلة المعراج في السماء لما رأى آدم في السماء الدنيا، ورأى يحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة، أو بالعكس، فإنه رأى أرواحهم مصورة في صور أبدانهم.
وقد قال بعض الناس: لعله رأى نفس الأجساد المدفونة في القبور ; وهذا ليس بشيء.
لكن " عيسى " صعد إلى السماء بروحه وجسده وكذلك قد قيل في " إدريس ".
وأما " إبراهيم " " وموسى " وغيرهما فهم مدفونون في الأرض.
والمسيح ﷺ وعلى سائر النبيين - لا بد أن ينزل إلى الأرض على المنارة البيضاء شرقي دمشق فيقتل الدجال ويكسر الصليب ويقتل الخنزير كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة ; ولهذا كان في السماء الثانية مع أنه أفضل من يوسف وإدريس وهارون ; لأنه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة بخلاف غيره. وآدم كان في سماء الدنيا لأن نسم بنيه تعرض عليه: أرواح السعداء - والأشقياء لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط - فلا بد إذا عرضوا عليه أن يكون قريبا منهم ... وكونهم صلوا خلف النبي ﷺ ثم لقي بعضهم بعدما عُرج به إلى السماء لا منافاة بينهما، فإن أمر الأرواح من جنس أمر الملائكة، في اللحظة الواحدة تصعد وتهبط، وليست في ذلك كالبدن﴾ ".
مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٤/٣٢٨- ٣٢٩) بتصرف يسير.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 210
هل النبي ﷺ أفضل الخلق ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل ورد دليل أن نبينا محمداً ﷺ أفضل الخلق؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
وردت في فضائل النبي ﷺ وخصائصه أدلة كثيرة جدا، ولم يرد – فيما نعلم - دليل صريح فيه النص صراحةً على أن النبي ﷺ أفضل الخلق، والذي ورد النص عليه: أنه ﷺ أفضل البشر وسيد ولد آدم.
روى مسلم (٤٢٢٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ) .
وقد فهم العلماء من هذا النص وغيره من النصوص الواردة في فضائل نبينا ﷺ أنه أفضل الخلق.
قال النووي ﵀ في "شرح صحيح مسلم":
وهذا الحديث دليل لتفضيله ﷺ على الخلق كلهم، لأن مذهب أهل السنة أن الآدميين أفضل من الملائكة، وهو ﷺ أفضل الآدميين وغيرهم" انتهى.
وقد تتابع العلماء على وصف النبي ﷺ بأنه أفضل الخلق، ونكتفي بالإشارة إلى بعض مواضع كلامهم خشية الإطالة:
الإمام الشافعي في "الأم" (٤/١٦٧) .
الإمام عبد الرازق الصنعاني في مصنفه (٢/٤١٩) .
شيخ الإسلام ابن تيمة في "مجموع الفتاوى" (١/٣١٣) و (٥/١٢٧، ٤٦٨) .
ابن القيم في تهذيب السنن حديث رقم (١٧٨٧) من عون المعبود.
ابن حجر في "فتح الباري" شرح حديث رقم (٦٢٢٩) .
المرداوي في " الإنصاف" (١١/٤٢٢) .
الألوسي في"روح المعاني" (٤/٢٨٤) .
الطاهر بن عاشور في تفسيره (٢/٤٢٠) .
السعدي في تفسيره (٥١، ١٨٥، ٦٩٩) .
محمد الأمين الشنقيطي في "أضواء البيان" (٩/٢١٥) .
الشيخ عبد العزيز بن باز في "مجموع الفتاوى" (٢/٧٦، ٣٨٣) .
علماء اللجنة الدائمة للإفتاء، وقد سئلوا: هل نقول بأن النبي ﷺ خير البشر أو خير الخلق؟ وهل هناك دليل على أنه خير الخلق، كما يقول كثير من الناس؟
فأجابوا:
"جاء في نصوص كثيرة من الكتاب والسنة بيان عظم قدر نبينا محمد ﷺ ورفعة مكانته عند ربه تعالى من خلال الفضائل الجليلة والخصائص الكريمة التي خصه الله بها، مما يدل على أنه أفضل الخلق وأكرمهم على الله وأعظمهم جاها عنده سبحانه، قال الله سبحانه: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) النساء/١١٣، وأجناس الفضل التي فضله الله بها يصعب استقصاؤها؛ فمن ذلك: أن الله اتخذه خليلا، وجعله خاتم رسله، وأنزل عليه أفضل كتبه، وجعل رسالته عامة للثقلين إلى يوم القيامة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأجرى على يديه من الآيات ما فاق به جميع الأنبياء قبله، وهو سيد ولد آدم، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع، وبيده لواء الحمد يوم القيامة، وأول من يجوز الصراط، وأول من يقرع باب الجنة، وأول من يدخلها. . . إلى غير ذلك من الخصائص والكرامات الواردة في الكتاب والسنة، مما جعل العلماء يتفقون على أن النبي ﷺ هو أعظم الخلق جاها عند الله تعالى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وقد اتفق المسلمون على أنه ﷺ أعظم الخلق جاها عند الله، لا جاه لمخلوق أعظم من جاهه، ولا شفاعة أعظم من شفاعته".
فمما ذُكر وغيره يتبين أن نبينا محمدا ﷺ هو أفضل الأنبياء، بل وأفضل الخلق، وأعظمهم منزلة عند الله تعالى، ولكن مع هذه الفضائل والخصائص العظيمة فإنه ﷺ لا يرقى عن درجة البشرية، فلا يجوز دعاؤه والاستغاثة به من دون الله ، كما قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) الكهف/١١٠، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٦/٣٥) .
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
وقد توقف في ذلك الشيخ ابن عثيمين ﵀، نظراً لأنه لم يرد بذلك نص صريح فقال:
"المشهور عند كثير من العلماء إطلاق أن محمداً ﷺ أفضل الخلق، كما قال الناظم:
وأفضل الخلق على الإطلاق ... نبينا فمل عن الشقاق
لكن الأحوط والأسلم أن نقول: محمد ﷺ سيد ولد آدم، وأفضل البشر، وأفضل الأنبياء، أو ما أشبه ذلك اتباعا لما جاء به النص، ولم أعلم إلى ساعتي هذه أنه جاء أن النبي ﷺ أفضل الخلق مطلقاً في كل شيء. . . فالأسلم أن الإنسان في هذه الأمور يتحرى ما جاء به النص. مثلاً لو قال قائل: هل فضل الله بني آدم عموماً على جميع المخلوقات؟ قلنا: لا؛ لأن الله تعالى قال: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي لْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) الإسراء/٧٠، لم يقل: على كل من خلقنا، فمثل هذه الإطلاقات ينبغي على الإنسان أن يتقيد فيها بما جاء به النص فقط ولا يتعدى. والحمد لله، نحن نعلم أن محمداً ﷺ خاتم النبيين، وأشرف الرسل وأفضلهم وأكرمهم عند الله ، وأدلة ذلك من القرآن والسنة الصحيحة معروفة مشهورة، وأما ما لم يرد به دليل صحيح فإن الاحتياط أن نتورع عنه، لكنه مشهور عند كثير من العلماء، تجدهم يقولون: إن محمداً أشرف الخلق" انتهى "لقاءات الباب المفتوح" (٥٣/١١) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 211
هل صح في عدد الأنبياء والرسل شيء ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يوجد حديث صحيح يوضح عدد الأنبياء والرسل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أرسل الله تعالى رسلاً إلى كل أمةٍ من الأمم، وقد ذكر الله تعالى أنهم متتابعون، الرسول يتبعه الرسول، قال : (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) المؤمنون/٤٤، وقال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) فاطر/٢٤.
وقد سمَّى الله تعالى مِن أولئك الرسل مَن سمَّى، وأخبر بقصص بعضهم، دون الكثير منهم، قال تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا. وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) النساء/١٦٣-١٦٤.
قال ابن كثير – ﵀:
وهذه تسمية الأنبياء الذين نُصَّ على أسمائهم في القرآن، وهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، والْيَسَع، وزكريا، ويحيى، وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين، وسيدهم محمد صلى الله وعليه وسلم.
وقوله: (وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) أي: خلقاً آخرين لم يذكروا في القرآن.
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٤٦٩) .
ثانياً:
قد اختلف أهل العلم في عدد الأنبياء والمرسلين، وذلك بحسب ما ثبت عندهم من الأحاديث الوارد فيها ذِكر عددهم، فمن حسَّنها أو صححها فقد قال بمقتضاها، ومن ضعَّفها فقد قال بأن العدد لا يُعرف إلا بالوحي فيُتوقف في إثبات العدد.
الأحاديث الواردة في ذِكر العدد:
١. عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: (مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًاً) ، قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال: (ثلاثمائة وثلاثة عشر جَمّ غَفِير) ، قلت: يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: (آدم) ... .
رواه ابن حبان (٣٦١) .
والحديث ضعيف جدّاً، فيه إبراهيم بن هشام الغسَّاني، قال الذهبي عنه: متروك، بل قال أبو حاتم: كذّاب، ومن هنا فقد حكم ابن الجوزي على الحديث بأنه موضوع مكذوب.
قال ابن كثير – ﵀:
قد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم ابن حبان البستي في كتابه: " الأنواع والتقاسيم "، وقد وَسَمَه بالصحة، وخالفه أبو الفرج بن الجوزي، فذكر هذا الحديث في كتابه " الموضوعات "، واتهم به إبراهيم بن هشام هذا، ولا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث.
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٤٧٠) .
وقال شعيب الأرناؤط: إسناده ضعيف جدّاً – وذكر كلام العلماء في إبراهيم بن هشام -.
" تحقيق صحيح ابن حبان " (٢ / ٧٩) .
٢. وروي الحديث بذلك العدد – مائة وأربعة وعشرون ألفاً – من وجه آخر:
عن أبي أُمَامة قال: قلت: يا نبي الله، كم الأنبياء؟ قال: (مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمّاً غَفِيراً) .
رواه ابن حاتم في " تفسيره " (٩٦٣) .
قال ابن كثير – ﵀:
مُعَان بن رفاعة السَّلامي: ضعيف، وعلي بن يزيد: ضعيف، والقاسم أبو عبد الرحمن: ضعيفٌ أيضاً.
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٤٧٠) .
٣. وروي حديث أبي ذر ﵁ من وجه آخر، وليس فيه ذكر عدد الأنبياء، وإنما ذُكر عدد المرسلين:
قال: قلت: يا رسول الله كم المرسلون؟ قال: (ثلاث مئة وبضعة عشر جمّاً غفيراً) .
رواه أحمد (٣٥ / ٤٣١) .
وفي رواية أخرى (٣٥ / ٤٣٨) : (ثلاثمئة وخمسة عشر جمّاً غفيراً) .
قال شعيب الأرناؤط:
إسناده ضعيف جدّاً؛ لجهالة عبيد بن الخشخاش؛ ولضعف أبي عمر الدمشقي، وقال الدارقطني: المسعودي عن أبي عمر الدمشقي: متروك.
المسعودي: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة.
" تحقيق مسند أحمد " (٣٥ / ٤٣٢) .
٤. عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (بعث الله ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف إلى بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس) .
رواه أبو يعلى في " مسنده " (٧ / ١٦٠) .
والحديث: ضعيف جدّاً.
قال الهيثمي – ﵀:
رواه أبو يعلي وفيه: موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف جدّاً.
" مجمع الزوائد " (٨ / ٢١٠) .
وقال ابن كثير – ﵀:
وهذا أيضاً إسناد ضعيف؛ فيه الربذي: ضعيف، وشيخه الرَّقَاشي: أضعف منه أيضاً.
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٤٧٠) .
٥. عَنْ أَبِى الْوَدَّاكِ، قَالَ: قَالَ لِى أَبُو سَعِيدٍ: هَلْ يُقِرُّ الْخَوَارِجُ بِالدَّجَّالِ؟ فَقُلْتُ: لَا. فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنِّى خَاتَمُ أَلْفِ نَبِيٍ، أَوْ أَكْثَرُ، مَا بُعِثَ نَبِىٌّ يُتَّبَعُ، إِلَاّ قَدْ حَذَّرَ أُمَّتَهُ الدَّجَّالَ ... ) .
رواه أحمد (١٨ / ٢٧٥) .
والحديث ضعيف؛ لضعف مجالد بن سعيد.
قال الهيثمي – ﵀:
رواه أحمد، وفيه مجالد بن سعيد، وثقه النسائي في رواية، وقال في أخرى: ليس بالقوى، وضعفه جماعة.
" مجمع الزوائد " (٧ / ٣٤٦) .
وضعَّفه الأرناؤط في " تحقيق المسند " (١٨ / ٢٧٦) .
٦. وروي هذا الحديث من رواية جابر بن عبد الله ﵁:
رواه البزار في " مسنده " (٣٣٨٠) " كشف الأستار ".
وفيه مجالد بن سعيد، وسبق أنه ضعيف.
قال الهيثمي – ﵀:
رواه البزار، وفيه مجالد بن سعيد، وقد ضعفه الجمهور، فيه ثوثيق.
" مجمع الزوائد " (٧ / ٣٤٧) .
وبما سبق من الأحاديث – ويوجد غيرها تركناها خشية التطويل وكلها ضعيفة – يتبين أنه قد اختلفت الروايات بذكر عدد الأنبياء والمرسلين، فقال كل قوم بمقتضى ما صحَّ عنده، والأشهر فيما سبق هو حديث أبي ذر ﵁، وأن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، والرسل منهم: ثلاثمائة وخمسة عشر، حتى قال بعض العلماء: إن عدد الأنبياء كعدد أصحاب النبي ﷺ ، وعدد الرسل كعدد أصحاب بدر.
لكن بالنظر في أسانيد تلك الروايات: لا يتبين لنا صحة تلك الأحاديث لا بمفردها، ولا بمجموع طرقها.
ثالثاً:
وهذه أقوال بعض الأئمة الذين يقولون بعدم صحة تلك الأحاديث وما تحويها من عدد:
١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
وهذا الذي ذكره أحمد، وذكره محمد بن نصر، وغيرهما، يبين أنهم لم يعلموا عدد الكتب والرسل، وأن حديث أبي ذر في ذلك لم يثبت عندهم.
" مجموع الفتاوى " (٧ / ٤٠٩) .
ففي هذا النقل عن الإمامين أحمد بن حنبل، ومحمد بن نصر المروزي: بيان تضعيف الأحاديث الواردة في ذكر العدد، والظاهر أن شيخ الإسلام ﵀ يؤيدهم في ذلك، وقد أشار إلى حديث أبي ذر بصيغة التضعيف فقال: " وقد روي في حديث أبي ذر أن عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر "، ولم يستدل به، بل استدل بالآيات الدالة على كثرتهم.
٢. وقال ابن عطية – ﵀ – في تفسير آية النساء -:
وقوله تعالى: (ورسلاً لم نقصصهم عليك) النساء/١٦٤: يقتضي كثرة الأنبياء، دون تحديد بعدد، وقد قال تعالى (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) فاطر/٢٤، وقال تعالى: (وقروناً بين ذلك كثيراً) الفرقان/٣٨، وما يُذكر من عدد الأنبياء فغير صحيح، الله أعلم بعدتهم، صلى الله عليهم. انتهى
٣. وسئل علماء اللجنة الدائمة:
كم عدد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؟ .
فأجابوا:
لا يعلم عددهم إلا الله؛ لقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) غافر/٧٨، والمعروف منهم من ذكروا في القرآن أو صحت بخبره السنَّة.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٣ / ٢٥٦) .
٤. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
وجاء في حديث أبي ذر عند أبي حاتم بن حبان وغيره أنه سأل النبي ﷺ عن الرسل وعن الأنبياء فقال النبي ﷺ : الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفا والرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر، وفي رواية أبي أمامة: ثلاثمائة وخمسة عشر، ولكنهما حديثان ضعيفان عند أهل العلم، ولهما شواهد ولكنها ضعيفة أيضا، كما ذكرنا آنفا، وفي بعضها أنه قال ﵊ ألف نبي فأكثر، وفي بعضها أن الأنبياء ثلاثة آلاف وجميع الأحاديث في هذا الباب ضعيفة، بل عد ابن الجوزي حديث أبي ذر من الموضوعات. والمقصود أنه ليس في عدد الأنبياء والرسل خبر يعتمد عليه، فلا يعلم عددهم إلا الله ، لكنهم جم غفير، قص الله علينا أخبار بعضهم ولم يقص علينا أخبار البعض الآخر، لحكمته البالغة جل وعلا.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٢ / ٦٦، ٦٧) .
٥.وسئل الشيخ عبد الله بن جبرين – حفظه الله -:
كم عدد الأنبياء والمرسلين؟ وهل عدم الإيمان ببعضهم (لجهلنا بهم) يعتبر كفراً؟ وكم عدد الكتب السماوية المنزلة؟ وهل هناك تفاوت في عدد الكتب بين نبي وآخر؟ ولماذ؟.
فأجاب:
ورد في عدة أحاديث أن عدد الأنبياء: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وأن عدد الرسل منهم: ثلاثمائة وثلاثة عشر، كما ورد أيضاً أن عددهم ثمانية آلاف نبي، والأحاديث في ذلك مذكورة في كتاب ابن كثير " تفسير القرآن العظيم "، في آخر سورة النساء على قوله تعالى: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ) ، ولكن الأحاديث في الباب لا تخلو من ضعف على كثرتها والأوْلى في ذلك التوقف، والواجب على المسلم الإيمان بمن سمَّى الله ورسوله منهم بالتفصيل، والإيمان بالبقية إجمالاً؛ فقد ذم الله اليهود على التفريق بينهم بقوله تعالى: (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) فنحن نؤمن بكل نبي وكل رسول أرسله الله في زمن من الأزمان، ولكن شريعته لأهل زمانه وكتابه لأمته وقومه.
فأما عدد الكتب: فورد في الحديث الطويل عن أبي ذر أن عدد الكتب مائة كتاب وأربعة كتب، كما ذكره ابن كثير في التفسير عند الآية المذكورة، ولكن الله أعلم بصحة ذلك، وقد ذكر الله التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، فنؤمن بذلك ونؤمن بأن لله كتباً كثيرة لا نحيط بها علماً، ويكفي أن نصدق بها إجمالاً.
" فتاوى إسلامية " (١ / ٤١) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 212
كيف نزيد محبة النبي ﷺ في قلوبنا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف يستطيع المسلم أن ينمّي داخله محبة النبي ﷺ أكثر من أي شيء آخر في الدنيا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
محبة الرسول ﷺ تكون قوتها تبعاً لإيمان المسلم فإن زاد إيمانه زادت محبته له، فحبه ﷺ طاعة وقربة، وقد جعل الشرع محبة النبي ﷺ من الواجبات.
عن أنس قال: قال النبي ﷺ : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ". رواه البخاري (١٥) ومسلم (٤٤) .
ويمكن أن تتأتى محبة الرسول ﷺ بمعرفة ما يلي:
أولاً: أنه مرسل من ربه اختاره واصطفاه على العالمين ليبلغ دين الله للناس وأن الله اختاره لحبه له ورضاه عنه، ولولا أن الله رضي عنه لما اختاره ولا اصطفاه، وعلينا أن نحب من أحب الله وأن نرضى بمن ﵁، وأن نعلم أنه خليل الله والخلة مرتبةٌ عُليا وهي أعلى درجات المحبة.
عن جندب قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: " إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ". رواه مسلم (٥٣٢) .
ثانياًُ: أن نعلم منزلته التي اجتباه الله بها، وأنه أفضل البشر ﷺ .
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع ". رواه مسلم (٢٢٧٨) .
ثالثاً: أن نعلم أنه لقي المحن والمشقة من أجل أن يصلنا الدين وقد كان ذلك ـ والحمد لله ـ ويجب أن نعلم أن الرسول ﷺ أوذي وضرب وشتم وسُبّ وتبرأ منه أقرب الناس إليه ورموه بالجنون والكذب والسحر وأنه قاتل الناس ليحمي الدين من أجل أن يصل إلينا فقاتلوه وأخرجوه من أهله وماله ودياره وحشدوا له الجيوش.
رابعاً: الاقتداء والتأسي بأصحابه في شدة محبتهم له، فقد كانوا يحبونه أكثر من المال والولد بل وأكثر من أنفسهم وإليك بعض النماذج:
عن أنس قال: " لقد رأيت رسول الله ﷺ والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل ". رواه مسلم (٢٣٢٥) .
وعن أنس ﵁ قال: " لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ وأبو طلحة بين يدي النبي ﷺ مُجَوّب به عليه بحَجَفَة له وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد القِد يكسر يومئذ قوسين أو ثلاثا وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول انشرها لأبي طلحة فأشرف النبي ﷺ ينظر إلى القوم فيقول أبو طلحة يا نبي الله بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك. . .
رواه البخاري (٣٦٠٠) ومسلم (١٨١١) .
(الحجفة) هي الدرع، ويقال لها: جوبة، والمعنى أن أبا طلحة معه درع يحمي بها النبي ﷺ .
(شديد القد) القد هو وتر القوس، والمعنى أنه شديد الرمي
خامساً: أن تُتبع سنته من قول أو عمل وأن تكون سنته منهجاً لك تتبعه في حياتك كلها وأن تقدم قوله على كل قول وتقدم أمره على كل أمر ثم تتبع عقيدة أصحابه الكرام ثم عقيدة من تبعهم من التابعين ثم عقيدة من تبع نهجهم إلى يومنا هذا من أهل السنة والجماعة غير متبع بدعة ولاسيما الروافض فإن قلوبهم غليظة على رسول الله ﷺ وإنهم يقدمون أئمتهم عليه ويحبونهم أكثر مما يحبونه.
نسأل الله أن يرزقنا محبة رسوله ﷺ وأن يجعله أحب إلينا من أولادنا وآبائنا وأهلينا ونفوسنا.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 213
مراتب الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي رتبة أنبياء الله الكرام: (شعيب ويوسف وأيوب ويونس وموسى وإلياس واليسع وذو الكفل وداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام..) في القرآن الكريم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد للَّه
أخبرنا الحق ﵎ أنه فضل بعض النبيين على بعض، قال جل وعلا:
(وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً) الإسراء/٥٥
وقد أجمعت الأمة على أن الرسل أفضل من الأنبياء، والرسل بعد ذلك متفاضلون فيما بينهم كما قال تعالى:
(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) البقرة/٢٥٣
انظر في الفرق بين الرسول والنبي جواب السؤال رقم (٥٤٥٥) ، (١١٧٢٥)
ثم أفضل الرسل والأنبياء خمسة:
محمد ﷺ ، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم الصلاة والسلام جميعا.
وهؤلاء هم أولو العزم من الرسل، قال تعالى:
(فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ) الأحقاف/٣٥
وجاءت تسميتهم في موضعين من القرآن الكريم.
قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً) الأحزاب/٧
وقال تعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) الشورى/١٣
وقد خص الله تعالى مَن فَضَّلَه منهم ببعض الأعطيات التي أوجبت تفضيلهم.
يقول القرطبي في تفسيره (٣/٢٤٩) :
" والقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما مُنح من الفضائل، وأُعطي من الوسائل " انتهى.
فَفَضَّلَ نوحا بأنه أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماه عبدا شكورا.
وفَضَّلَ إبراهيم باتخاذه خليلا: (واتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) النساء/١٢٥، وجعله إماما للناس (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) البقرة/١٢٤
وفَضَّل موسى بكلامه سبحانه له: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ) الأعراف/١٤٤، واصطنعه لنفسه سبحانه كما قال: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) طه/٤١، وصنعه على عينه: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) طه/٣٩
وفضَّل عيسى بأنه رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، يكلم الناس في المهد.
ويتفاضل الأنبياء من جهة أخرى:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٣٥/٣٤) :
" والتحقيق أن من النبوة ما يكون مُلكا: فإن النبي له ثلاثة أحوال:
إما أن يُكَذَّب ولا يُتبع ولا يطاع: فهو نبي لم يؤت ملكا.
وإما أن يطاع فنفس كونه مطاعا هو مُلك، لكن إن كان لا يأمر إلا بما أُمِر به، فهو عبد رسول ليس له ملك.
وإن كان يأمر بما يريده مباحا له، ذلك بمنزلة الملك كما قيل لسليمان: (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) فهذا نبي ملك.
فالملك هنا قسيم العبد الرسول، كما قيل للنبى ﷺ : (اختر إما عبدا رسولا وإما نبيا ملكا) وحال نبينا ﷺ أنه كان عبدا رسولا مؤيدا مطاعا متبوعا، فأعطي فائدة كونه مطاعا متبوعا ليكون له مثل أجر من اتبعه، ولينتفع به الخلق، ويُرحموا به، ويرحم بهم، ولم يختر أن يكون ملكا لئلا ينقص - لما فى ذلك من الاستمتاع بالرياسة والمال - عن نصيبه فى الآخرة، فإن العبد الرسول أفضل عند الله من النبي الملك، ولهذا كان أمر نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم أفضل من داود وسليمان ويوسف " انتهى.
هكذا يمكن أن نصف مراتب الأنبياء عند الله ، فأكرمهم عنده مرتبة أولو العزم من الرسل، وأكرم أولي العزم نبينا محمد ﷺ .
عن أَبُي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ) رواه مسلم (٤٢٢٣) .
وأما ما سوى ذلك من الترتيب والتفضيل على ذكر الأسماء فلا دليل عليه في كتاب الله وسنة رسوله، ولا حاجة بالمسلم إلى تكلف طلبه والبحث عنه، ولأجل ذلك لم يذكره أحد من أهل العلم في مصنفاتهم في العقيدة وأصول السنة.
ولمزيد فائدة انظر جواب السؤال رقم (٧٤٥٩) ، (١٠٦٦٩)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 214
الرد على من زعم أن الإسراء والمعراج خرافة
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد تجرأ أحد المتعالمين منا في ليبيا على حادثة الإسراء والمعراج، فقال في مقالة نشرتها إحدى الصحف: إن حادثة المعراج هي محض خرافات، ولا يمكن أن تحدث لبشر، واستدل بذلك بالآية الكريمة في سورة الإسراء التي يقول الله عزل وجل فيها: (أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً) الإسراء/٩٣؛ فقال إن القرآن ينفي إمكانية رقي الرسول صلى الله عليه سلم للسماء، وقال: إن ذلك يخالف القران بنص الآية، وأن المعراج مجرد رؤية مناميه واستدل بالآية: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) الإسراء/٦٠. وفي النهاية أقول لفضيلتكم: إن هذا الموضوع أدخل علي شبهة، ولكني مؤمن بأنها معجزة؛ أرجو الإجابة والتوضيح، بحيث ينتفي التعارض بين الآية التي تنفي رقي البشر، وبين معجزة الرسول ﷺ ؛ علما بأنني مؤمن بأنه لا تعارض في القرءان. أفيدونا جزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا ريب أن الإسراء والمعراج من آيات الله العظيمة الدالة على صدق رسوله محمد ﷺ ، وعلى عظم منزلته عند الله ، كما أنها من الدلائل على قدرة الله الباهرة، وعلى علوه على جميع خلقه، قال الله : (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الإسراء/١.
وتواتر عن رسول الله ﷺ أنه عرج به إلى السماوات، وفتحت له أبوابها حتى جاوز السماء السابعة، فكلمه ربه سبحانه بما أراد، وفرض عليه الصلوات الخمس، وكان الله سبحانه فرضها أولا خمسين صلاة، فلم يزل نبينا محمد ﷺ يراجعه ويسأله التخفيف، حتى جعلها خمسا، فهي خمس في الفرض، وخمسون في الأجر , لأن الحسنة بعشر أمثالها، فلله الحمد والشكر على جميع نعمه.
وقد اختلف الناس في الإسراء والمعراج، فمنهم من قال: إنه كان مناما، والصحيح أنه أسري وعرج به يقظة؛ لأدلة كثيرة يأتي ذكرها.
قال الطحاوي ﵀ في عقيدته المشهورة: " والمعراج حق، وقد أسري بالنبي وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه الله بما شاء وأوحى إليه ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى؛ فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى " انتهى.
وقال ابن أبي العز الحنفي في "شرح الطحاوية" ﵀: " اختلف الناس في الإسراء:
فقيل: كان الإسراء بروحه ولم يُفْقد جسدُه، نقله ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية ﵄، ونقل عن الحسن البصري نحوه. لكن ينبغي أن يعرف الفرق بين أن يقال كان الإسراء مناما وبين أن يقال كان بروحه دون جسده، وبينهما فرق عظيم، فعائشة ومعاوية ﵄ لم يقولا كان مناما، وإنما قالا: أسري بروحه ولم يفقد جسده، وفرق ما بين الأمرين أن ما يراه النائم قد يكون أمثالا مضروبة للمعلوم في الصورة المحسوسة، فيرى كأنه قد عرج إلى السماء وذهب به إلى مكة، وروحه لم تصعد ولم تذهب؛ وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال، فما أرادا أن الإسراء كان مناما، وإنما أرادا أن الروح ذاتها أسري بها؛ ففارقت الجسد ثم عادت إليه، ويجعلان هذا من خصائصه فإن غيره لا تنال ذات روحه الصعود الكامل إلى السماء إلا بعد الموت.
وقيل: كان الإسراء مرتين: مرة يقظة، ومرة مناما ... ، وكذلك منهم من قال: بل كان مرتين: مرة قبل الوحي ومرة بعده، ومنهم من قال: بل ثلاث مرات: مرة قبل الوحي ومرتين بعده؛ وكلما اشتبه عليهم لفظ زادوا مرة للتوفيق، وهذا يفعله ضعفاء أهل الحديث، وإلا فالذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة قبل الهجرة بسنة، وقيل بسنة وشهرين، ذكره ابن عبد البر ...
وكان من حديث الإسراء أنه أسري بجسده في اليقظة على الصحيح، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، راكبا على البراق صحبة جبرائيل ﵇، فنزل هناك وصلى بالأنبياء إماما، وربط البراق بحلقه باب المسجد، وقد قيل: إنه نزل بيت لحم وصلى فيه، ولا يصح عنه ذلك ألبتة.
ثم عرج به من بيت المقدس تلك الليلة إلى السماء الدنيا، فاستفتح له جبرائيل ففتح لهما، فرأى هناك آدم أبا البشر، فسلم عليه فرحب به ورد ﵇ وأقر بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الثانية ... "
إلى أن قال ﵀: " ومما يدل على أن الإسراء بجسده في اليقظة قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) الإسراء /١؛ والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح، كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح؛ هذا هو المعروف عند الإطلاق، وهو الصحيح؛ فيكون الإسراء بهذا المجموع، ولا يمتنع ذلك عقلا، ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة؛ وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهو كفر " انتهى من "شرح الطحاوية" (١/٢٤٥) .
وقال ابن كثير ﵀ في تفسيره (٣/٣٣) : " ثم اختلف الناس: هل كان الإسراء ببدنه ﵇ وروحه، أو بروحه فقط؟ على قولين، فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا مناماً، ولا ينكرون أن يكون رسول الله ﷺ رأى قبل ذلك مناماً، ثم رآه بعد يقظة، لأنه كان ﵇ لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، والدليل على هذا قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) الاسراء/ ١، فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان مناماً لم يكن فيه كبير شيء، ولم يكن مستعظماً، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذبيه، ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم، وأيضاً فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وقال تعالى: (أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً) وقال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) الاسراء /٦٠، قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به، والشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم، رواه البخاري [٢٨٨٨] ، وقال تعالى:
(مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) النجم/١٧، والبصر من آلات الذات لا الروح.
وأيضاً فإنه حمل على البراق، وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان، وإنما يكون هذا للبدن، لا للروح لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه، والله أعلم " انتهى.
وقال الشيخ حافظ الحكمي في "معارج القبول" (٣/١٠٦٧) : " ولو كان الإسراء والمعراج بروحه في المنام لم تكن معجزة، ولا كان لتكذيب قريش بها وقولهم: كنا نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس، شهرا ذهابا وشهرا إيابا، ومحمد يزعم أنه أسرى به اللية وأصبح فينا إلى آخر تكذيبهم واستهزاءهم به ﷺ لو كان ذلك رؤيا مناما لم يستبعدوه ولم يكن لردهم عليه معنى؛ لأن الإنسان قد يرى في منامه ما هو أبعد من بيت المقدس ولا يكذبه أحد استبعاد لرؤياه، وإنما قص عليهم رسول الله ﷺ مسرى حقيقة يقظة لا مناما فكذبوه واستهزؤوا به استبعاد لذالك واستعظاما له مع نوع مكابرة لقلة علمهم بقدرة الله وأن الله يفعل ما يريد ولهذا لما قالوا للصديق وأخبروه الخبر قال: إن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا وتصدقه بذلك؟ قال: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك في خبر السماء يأتيه بكرة وعشيا أو كما قال " انتهى.
وقال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه (التنوير في مولد السراج المنير) : " وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وأبي ذر ومالك بن صعصعة وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس، وشداد بن أوس وأبي بن كعب وعبد الرحمن بن قرط وأبي حبة وأبي ليلى الأنصاريين، وعبد الله بن عمرو وجابر وحذيفة وبريدة، وأبي أيوب وأبي أمامة وسمرة بن جندب وأبي الحمراء، وصهيب الرومي وأم هانىء، وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق ﵃ أجمعين، منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد، وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة، فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون " انتهى نقلا عن "تفسير ابن كثير" (٣/٣٦) .
ثانيا:
لا ينقضي العجب من هذا المسلك الذي سلكه الكاتب المذكور في الاستدلال، فإنه اقتصر على ذكر مطلب واحد من مطالب الكفار، فأوهم أن الجواب القرآني: (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا) منصب على هذا المطلب، وهو الرقي في السماء، وأن هذا يدل على عدم إمكانه. والحق أن هذا الجواب وارد على مجموع ما طلبه المشركون تعنتا وتفننا في الجحود والإنكار، وإليك هذه المطالب كما بينها القرآن: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً) الاسراء/٩٠- ٩٣ فتأمل في هذه المطالب التي لا يحسن في جوابها إلا الجواب القرآني: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً) .
فهل بإمكان من هو بشر أن يفجر الأرض، والأنهار، ويسقط السماء، ويأتي بالله! وبالملائكة! ويرقى في السماء فيأتي منها بكتاب موجه إلى كل كافر! كما جاء في التفسير عن مجاهد وغيره، وهو موافق لقوله تعالى: (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً) المدثر /٥٢. لا شك أن ذلك ليس من خصائص البشر، ولا هو في إمكانهم، فهذا الاستبعاد منصب على مجموع هذه المطالب، لا على آحاد كل منها، وإلا ففيها مطالب مما هو ممكن عادة، فقد ثبت أن الماء نبع من بين أصبعيه الشريفتين ﷺ ، كما في صحيح البخاري (٣٥٧٦) ، وغيره، فكيف بتفجير نبع من الأرض، ولا استحالة ـ أيضا ـ في أن يكون له جنة من نخيل..، على نحو ما طلبوا، إلا أن هؤلاء لم يكن له غرض في حصول هذه الأشياء حقيقة، إنما هي من باب المبالغة في العناد، والتعنت مع الرسول، من أجل التمادي في طغيانهم.
قال الطاهر ابن عاشور ﵀: " ولما كان اقتراحهم اقتراح مُلاجّة [المبالغة في الخصومة] وعناد، أمره الله بأن يجيبهم بما يدل على التعجب من كلامهم بكلمة (سبحان ربي) التي تستعمل في التعجب.. ثم بالاستفهام الإنكاري، وصيغة الحصر المقتضية قصر نفسه على البشرية والرسالة قصرا إضافيا، أي لست ربا متصرفا أخلق ما يطلب مني، فكيف آتي بالله والملائكة، وكيف أخلق في الأرض ما لم يخلق فيها ". انتهى.
"التحرير والتنوير" (١٥/٢١٠-٢١١) .
ثالثا:
احرص على قلبك يا عبد الله، وكن على دينك أحرص منك على الدرهم والدينار؛ فلا تدع لشياطين الإنس والجن سبيلا أن يسترقوا اليقين من قلبك، أو يزعزعوا الإيمان فيه؛ وما دمت لم تحصل من العلم الشرعي، ما يحصنك ضد شبهات المشككين، ففر من هؤلاء، ومجالسهم، ومنتدياتهم، ولا تسمع لزخارف قولهم، فإنك لا تدري إذا نزلت الشبهة في قلبك متى تخرج منه، وإذا عرضت الفتنة، هل أنت ناج منها أم من المفتونين.
نسأل الله تعالى لنا ولجميع عباده الموحدين الهداية والتوفيق والسداد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 215
الأدلة على تفضيل النبي ﷺ على سائر الأنبياء
[السُّؤَالُ]
ـ[هل توجد آية في القرآن الكريم تفضل الرسول على باقي الأنبياء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ننبه الأخ السائل وعموم من يقرأ كلامنا هذا أنه لا يٌشترط أن يرد كل حكم في القرآن الكريم؛ فالشرع المطهَّر أدلته الكتاب والسنَّة، وليس الكتاب وحده، فقد ترد أحكام الله تعالى في السنَّة النبوية ولا ترد في القرآن، وقد ترد في القرآن دون السنة، وقد تأتي الأحكام في القرآن الكريم مطلقة عامة مجملة، وتأتي السنة بالتقييد والتخصيص والتبيين.
وليس في كتاب الله تعالى آية واحدة تدعو للأخذ بما فيه دون ما يأتي في السنَّة، فعلى من يزعم أنه يأخذ بالقرآن وحده دون السنة أن يستدل على قوله بآية ليصلح منهجه وفهمه، وأنَّى له ذلك، بل في كتاب الله تعالى الأمر بأخذ ما جاء به النبي ﷺ ، والانتهاء عما نهى عنه، فقال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) الحشر / ٧، وقال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) المائدة/٩٢، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ) الأنفال/٢٠.
والسنَّة هي " الحكمة " الواردة في كتاب الله تعالى في آيات كثيرة، منها قوله تعالى (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) البقرة/١٥١، وقوله تعالى: (وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) البقرة/٢٣١.
والقرآن والسنة يصدران من مشكاة واحدة، وكلاهما وحي الله تعالى، قال الله : (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) النجم/٣-٥.
ثانياً:
تفضيل الأنبياء ﵈ بعضهم على بعض: أمر منصوص عليه، ذكره الله تعالى في كتابه، والنبي ﷺ في سنَّته.
قال تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) البقرة/٢٥٣.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: وقوله تعالى: (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)
أشار في مواضع أخر إلى أن منهم محمداً ﷺ كقوله: (عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً) الإسراء/٧٩، وقوله: (وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ) سبأ/٢٨، الآية، وقوله (إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) الأعراف/١٥٨، وقوله (تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) الفرقان/١.
وأشار في مواضع أخر إلى أن منهم إبراهيم كقوله: (واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) النساء/١٢٥، وقوله: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) البقرة/١٢٤، إلى غير ذلك من الآيات.
وأشار في موضع آخر إلى أن منهم داود وهو قوله: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً) الإسراء/٥٥.
وأشار في موضع آخر إلى أن منهم إدريس وهو قوله: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً) مريم/٥٧.
وأشار هنا إلى أن منهم عيسى بقوله: (وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات) البقرة/٨٧] الآية.
" أضواء البيان " (١ / ١٨٤، ١٨٥) .
وأما ما ورد في السنة من النهي عن تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض، أو من النهي عن تفضيل نبينا ﷺ – مثل حديث الصحيحين " لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ "، وحديث الصحيحين " لَا تُخَيِّرُوني عَلَى مُوسَى " -: فقد جاء في كلام أهل العلم ما يحل هذا الإشكال، وقد اختلف العلماء في ذلك على وجوه.
َقَالَ الْخَطَّابِيُّ: (مَعْنَى هَذَا تَرْك التَّخْيِير بَيْنهمْ عَلَى وَجْه الإِزْرَاء بِبَعْضِهِمْ فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى فَسَاد الاعْتِقَاد فِيهِمْ وَالإِخْلال بِالْوَاجِبِ مِنْ حُقُوقهمْ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُعْتَقَد التَّسْوِيَة بَيْنهمْ فِي دَرَجَاتهمْ فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ: (تِلْكَ الرُّسُل فَضَّلْنَا بَعْضهمْ عَلَى بَعْض) الآيَة اِنْتَهَى
وقال في "عون المعبود": (يَعْنِي: لا تُفَضِّلُوا بَعْضهمْ عَلَى بَعْض مِنْ عِنْد أَنْفُسكُمْ..)
وذكر القرطبي أقوالا أخرى في معنى ذلك، ثم قال:
(وأحسن من ذل قول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها، ولذلك منهم رسل، وأولو عزم، ومنهم من اتُخذ خليلاً، ومنهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً) الإسراء/٥٥
ثم قال: (وهذا قول حسن؛ فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ)
تفسير القرطبي (٣/٢٤٩)
ثالثاً:
لا خلاف بين العلماء في تفضيل نبينا محمد ﷺ على سائر إخوانه الأنبياء ﵈، وقد جاء ذلك موضَّحاً في الأدلة الشرعية من الكتاب والسنَّة، ومن ذلك:
١- له ﷺ المقام المحمود يوم القيامة
قال الله تعالى: (وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) الإسراء/٧٩.
وهو الشفاعة يوم القيامة للفصل بين الخلائق، وذلك بعد أن تطول مدة الحشر، ويصيب الناس ما يصيبهم، فيذهب الناس للأنبياء، وكلٌّ يعتذر عن الشفاعة لهم، حتى تصل لنبينا محمد ﷺ ، فيذهب إلى ربه فيخر ساجداً، ويطلب الشفاعة للناس فيعطاها، وسمي بـ " المقام المحمود " لأنّ جميع الخلائق يحمدون محمَّداً ﷺ على ذلك المقام؛ لأنّ شفاعته كانت سبباً في رفع معاناتهم من طول المحشر.
عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: (إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُثًا، كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا يَقُولُونَ: يَا فُلانُ اشْفَعْ، يَا فُلانُ اشْفَعْ، حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ) رواه البخاري (٤٤٤١) .
٢ - جوامع الكلم، والنصر بالرعب، وحل الغنائم، وجعل الأرض مسجداً وطهوراً، وختم النبيين به، والشفاعة.
قال الله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) الأحزاب/٤٠.
وقال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) الفرقان/١.
عَنْ جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ) رواه البخاري (٤٢٧) ومسلم (٤٢١) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ) . رواه مسلم (٥٢٣) .
٣- أنه ﷺ أول من يجوز الصراط من الرسل.
روى البخاري (٧٧٣) من حديث أبي هريرة الطويل، وفيه قوله ﷺ :
( ... فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِن الرُّسل بِأُمَّتِهِ) .
٤- أنه أول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفَّع
عَن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ) . رواه مسلم (٢٢٧٨) .
٥- غفر الله تعالى له ﷺ ذنبه كلَّه ما تقدَّم منه وما تأخر
قال الله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) الفتح/١،٢.
٦- النداء بالنبوة والرسالة
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) الأحزاب/٤٥.
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) المائدة/٦٧.
وأما إخوانه الأنبياء ﵈ فنودوا بأسمائهم المجردة.
٧- أمر الله تعالى نبيه ﷺ بالاقتداء بهدي الأنبياء ﵈.
قال الله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) الأنعام/٩٠.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
أي: امش أيها الرسول الكريم خلف هؤلاء الأنبياء الأخيار، واتبع ملتهم، وقد امتثل ﷺ ، فاهتدى بهدي الرسل قبله، وجمع كل كمال فيهم، فاجتمعت لديه فضائل وخصائص، فاق بها جميع العالمين، وكان سيد المرسلين، وإمام المتقين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
وبهذا الملحظ استدل بهذه من استدل من الصحابة أن رسول الله ﷺ أفضل الرسل كلهم. " تفسير السعدي " (ص ٢٦٣) .
وانظر أجوبة الأسئلة (٢٠٣٦) و (٧٤٥٩) و (١٠٦٦٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →