Полный текст (16 344 стр.). Показаны 14876–14915 · переход к 14881.
стр. 14876
حكم مواصلة الفتاة الدراسة في مجتمع فاسد
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا مسلم عمري ١٩ سنة وأريد أن أتزوج بفتاة، سألتها فوافقت، المشكلة أنها إذا تزوجنا فهي تريد أن تواصل الدراسة الجامعية، وحيث أنني أدرس في الجامعة الآن فأنا أعلم أن الجو الجامعي غير إسلامي مطلقاً، حيث أن الذكور والإناث يختلطون ببعض بكل حرية، الناس يتجولون أنصاف عراة ويشربون الخمر ويسبون ويشتمون والأدب معدوم تقريباً.
تريد أن تواصل الجامعة لكي لا تخذل أمها، حيث أن أمها قالت لابنة عمها بأن ابنتها سوف تحصل على الشهادة الجامعية وإذا لم يتم هذا فسوف تلومني أمها وتقول بأنني كنت العائق في طريق دراستها.
ماذا يجب أن تفعل؟ هل تذهب للجامعة بهذا المجتمع والجو الفاسد لترضي أمها أم لا تذهب؟
بالإضافة لذلك فبعد أن أنهي دراستي الجامعية وأحصل على خبرة لمدة سنتين فسوف أغادر هذه البلاد الفاسدة إلى بلد إسلامي. وضعت أفغانستان على رأس قائمة البلاد التي أريد السفر إليها، فما رأيك في هذه الفكرة؟ إذا لم توافق فلأي البلاد أسافر؟
شكراً لك على أي عون تقدمه لي والسلام]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كان وضع الجامعة كما ذكرت فلا يجوز لها أن تدرس في هذا المكان ولا أن تدخله، ومن القواعد الشرعية المقررة أنه: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلا تطيع أمها في هذا الأمر، وعليها أن تحاول إقناع أمها بحرمة ذلك بالرفق والأدب كما قال الله : " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا " فإن لم تقبل الأم فلا يحل للبنت طاعتها ولا إثم عليها في ذلك - إن شاء الله -.
ولكن هناك ملحوظة /
وهي أنه لا يجوز لك أن تكلم هذه الفتاة قبل العقد عليها ولا تجالسها فهذا مما حرمه الله ، قال النبي ﷺ : " إياكم والدخول على النساء " وقال ﷺ : " ما خلا رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان " فاحذر من ذلك.
وأما من جهة سفرك للإقامة: فانظر أرضا تقيم فيها شعائر الله علنا وتامن فيها على دينك ونفسك وتعينك على طاعة ربك وتقل فيها الفتن. والله الموفق وهو الهادي لا إله إلا هو.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 14877
يقلّدون المذاهب ويرفضون التعلّم
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا نقول للمسلمين الذين يتبعون المذهب بشكل متواصل؟
ومن هو الذي قال: " أننا أضعف من أن نتبع الدليل, فالعلماء وحدهم هم الذين يستطيعون اتباع الأدلة, حيث أنهم يعرفون الأدلة معرفة جيدة" ... كيف نرد على من يتعلم الدين من خلال المذاهب؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
العامي الذي لا يستطيع الوصول إلى الأدلة، ولا يتمكن من فهمها على الطريقة المتبعة عند أهل العلم، فرضه التقليد، وسؤال أهل العلم، قال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) . أمَّا من يستطيع الوصول إلى القول الراجح في المسائل بأدلتها فلا يجوز له التقليد إلَاّ إذا ضاق عليه وقت بحث مسألةٍ بعينها فهو في حكم العامي في هذه المسألة. انتهى
الشيخ عبد الكريم الخضير.
ولا بأس بتعلّم الفقه على مذهب من المذاهب الأربعة بشرط أن يتّبع الدليل إذا تبيّن له أنّ المذهب مخالف للدليل في مسألة ما من المسائل لأن طاعة الله ورسوله مقدّمة على طاعة كلّ احد وكذلك أن يتأدّب مع المدارس الفقهية الأخرى ولا يحمله التعصّب لمذهبه على مخاصمتهم بل يجعل الحقّ رائده ويحترم أقوال العلماء واجتهاداتهم وتكون طريقته المباحثة بالأدب للوصول إلى الحقّ والمناصحة بالحسنى للمخالفين إذا تبيّن له أنهم على خطأ.
ومن الخطأ أن يرفض القادر على التعلّم أن يتعلّم بحجّة أنّ العلماء وحدهم هم القادرون على فهم الأدلّة، ونحن لا نقول لمن لا يستطيع الاجتهاد أن يستنبط من النصوص ويجتهد وليس عنده مَلَكَة ولا آلة الاجتهاد وإلا عمّت الفوضى، ولكن نقول له إذا كنت ذا فهم فاعرف على الأقلّ ما هي حجّة إمامك وما دليله كي ترتبط بالقرآن والسنّة وتكون متّبعا على بصيرة لا مقلّدا إمّعة. والله الموفّق والهادي إلى سواء السبيل.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 14878
حفظ الكتاب والسنة
[السُّؤَالُ]
ـ[أحفظ شيئاً من القرآن، وأمنيتي أن أتم حفظه، ثم أنتقل إلى حفظ أحاديث الرسول ﷺ التي في الصحيحين بتوفيق الله ، فهل هذه الطريقة أحسن، أم أقوم بهما الاثنين في نفس الوقت، مع حفظ كل مرة شيئاً من القرآن وشيئاً من الحديث؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
كلا الطريقتين صحيح فاختر منهما ما يسهل عليك وتدعو إليه حاجتك وحاجة من حولك، نسأل الله تعالى لنا ولك التوفيق والسداد.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى اللجنة الدائمة ١٢/١١٠.
стр. 14879
حضور حفلات التخرُّج
[السُّؤَالُ]
ـ[هل حضور حفلات التخرج الجامعية من المحرمات؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا اشتمل حفل التخرّج على منكر فلا يجوز حضوره ولا شهوده، ومن منكرات حفلات التخرّج الموسيقى ومسير طابور المتخرِّجين على أنغامها، وحضور النساء المتبرّجات أو الاختلاط أو لبس الخرِّجين الذي فيه تشبُّه بالكفار (كاللباس الكَنَسِي) . والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 14880
مشكلة الذي يحفظ القرآن ويفسر منه
[السُّؤَالُ]
ـ[أي كتب تفسير القرآن تنصح بقراءتها؟ وإذا حفظ الإنسان جزءاً من القرآن ونسيه فهل هناك وعيد في ذلك؟ وكيف يحافظ الإنسان على ما حفظ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سُئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى السؤال السابق فأجاب بقوله: القرآن وعلومه متنوعة , وكل مفسرٍّ يُفسرُُّ القرآن يتناول طرفاً من هذه العلوم ولا يمكن أن يكون تفسيراً واحداً يتناول القرآن من جميع الجوانب.
فمن العلماء من ركز على التفسير النظري كالزمخشري وغيره ولكن أنا أرى أن يفسر الآية هو بنفسه أولاً ـ أي يكرر في نفسه أن هذا هو معنى الآية ـ ثم بعد ذلك يراجع ما كتبه العلماء فيها؛ لأن هذا يفيده أن يكون قوياً في التفسير غير عالة على غيره , وكلام الله منذ بُعث الرسول ﷺ إلى اليوم (بلسان عربي مبين) .
وإن كان يجب الرجوع إلى تفسير الصحابة؛ لأنهم أدرى الناس بمعانيه , ثم إلى كتب المفسرين التابعين , لكن مع ذلك لا أحد يستوعب كلام الله .
فالذي أرى أن الطريق المثلى أن يكرر الإنسان تفسير الآية في نفسه , ثم بعد ذلك يراجع كلام المفسرين فإذا وجده مطابقاً فهذا مما يُمكنّهُ من تفسير القرآن وييسره له، وإن وجده مخالفاً رجع إلى الصواب.
وأما حفظ القرآن فطريقة حفظه تختلف من شخص إلى آخر بعض الناس يحفظ القرآن آية آية بمعنى أنه يحفظ آية يقرأها أولاً ثم يرددها ثانياً وثالثاً حتى يحفظها ثم يحفظ التي بعدها ثم يكمل ثمن أو ربع الجزء أو ما أشبه ذلك , وبعض الناس يقرأ إلى الثمن جميعاً ويردده حتى يحفظه ومثل هذا لا يمكن أن نحكم عليه بقاعدة عامة، فنقول للإنسان استعمل ما تراه مناسباً لك في حفظ القرآن.
لكن المهم أن يكون عندك علم لما حفظت متى أردت الرجوع إليه , وأحسن ما رأيت في العلم أن الإنسان إذا حفظ شيئاً اليوم يقرأه مبكراً الصباح التالي فإن هذا يعين كثيراً على حفظ ما حفظه في اليوم الأول هذا شيء فعلته أنا فإن هذا يعين كثيراً على الحفظ الجيد.
أما الوعيد على من ينسى , قال الإمام أحمد: (ما أشد ما ورد فيه) أي حفظ آية ونسيها والمراد بذلك من أعرض عنها حتى تركها , وأما من نسيها لسبب طبيعي أو لأسباب كانت واجبة أشغلته فإن هذا لا يلحق به إثم (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) البقرة / ٢٨٦.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى بأصحابه فنسي آية فذكره أحد الصحابة بها بعد الصلاة فقال: (هلا ذكرتني بها) فالإنسان الذي ينساه تهاوناً به أو أعراضاً عنه لا شك أنه خاسر وأنه مستحق الإثم , وأما الذي ينساه لشيء واجب عليه أوجبه الله عليه أو نسياناً طبيعياً فهذا لا يلحقه شيء.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين , كتاب العلم , الصفحة (١٣٦) .
стр. 14881
آداب طالب العلم
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد من الله عليَّ بطلب العلم، فما هي الآداب التي تنصحونني بالتحلي بها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن لطلب العلم جملةً من الآداب ينبغي على من طلب العلم أن يتحلى بها فإليك هذه الوصايا والآداب في طريق الطلب لعل الله أن ينفعك بها:
أولاً: الصبر:
أيها الأخ الكريم.. إن طلب العلم من معالي الأمور، والعُلَى لا تُنال إلا على جسر من التعب. قال أبو تمام مخاطباً نفسه:
ذريني أنالُ ما لا يُنال من العُلى فصَعْبُ العلى في الصعب والسَّهْلُ في السَّهل
تريدين إدراك المعالي رخيصة ولا بد دون الشهد من إبَر النحل (الشَّهد هو العسل)
وقال آخر:
دببت للمجد والساعون قد بلغوا جُهد النفوس وألقوا دونه الأُزرا
وكابدوا المجد حتى ملَّ أكثرُهُم وعانق المجد من أوفى ومن صبرا
لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تَلْعَقَ الصَبِرَا (الصَبِردواءٌ مُرٌّ)
فاصبر وصابر، فلئن كان الجهاد ساعةً من صبر، فصبر طالب العلم إلى نهاية العمر. قال الله تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) ﴾ سورة آل عمران.
ثانياً: إخلاص العمل:
الزم الإخلاص في عملك، وليكن قصدك وجه الله والدار الآخرة، وإياك والرياء، وحب الظهور والاستعلاء على الأقران فقد قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ " رواه النسائي (٢٦٥٤) وحسنه الألباني في صحيح النسائي.
وبالجملة: عليك بطهارة الظاهر والباطن من كل كبيرة وصغيرة.
ثالثاً: العمل بالعلم:
اعلم بأن العمل بالعلم هو ثمرة العلم، فمن علم ولم يعمل فقد أشبه اليهود الذين مثلهم الله بأقبح مثلٍ في كتابه فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) ﴾ سورة الجمعة.
ومن عمل بلا علم فقد أشبه النصارى، وهم الضالون المذكورون في سورة الفاتحة.
وبالنسبة للكتب التي تدرسها فقد ذُكِرَت في السؤال رقم (٢٠١٩١) فليُراجع للأهمية.
رابعاً: دوام المراقبة:
عليك بالتحلي بدوام المراقبة لله تعالى في السر والعلن، سائراً إلى ربك بين الخوف والرجاء، فإنهما للمسلم كالجناحين للطائر، فأقبل على الله بكليتك، وليمتلئ قلبك بمحبته، ولسانك بذكره، والاستبشار والفرح والسرور بأحكامه وحِكَمِه سبحانه.
وأكثر من دعاء الله في كل سجود، أن يفتح عليك، وأن يرزقك علماً نافعاً، فإنك إن صدقت مع الله، وفقك وأعانك، وبلغك مبلغ العلماء الربانين.
خامساً: اغتنام الأوقات:
أيها اللبيب ... " بادر شبابك، وأوقات عمرك بالتحصيل، ولا تغتر بخدع التسويف والتأميل، فإن كل ساعة تمضي من عمرك لا بدل لها ولا عوض عنها، واقطع ما تقدر عليه من العلائق الشاغلة، والعوائق المانعة عن تمام الطلب وابذل الاجتهاد وقوة الجد في التحصيل؛ فإنها كقواطع الطريق، ولذلك استحب السلف التغرب عن الأهل، والبعد عن الوطن؛ لأن الفكرة إذا توزعت قصرت عن درك الحقائق وغموض الدقائق، وما جعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه، وكذلك يُقال العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كُلَّك.
سادساً: تحذير.
إياك أن تشتغل في بداية الطلب بالاختلاف بين العلماء، أو بين الناس مطلقاً، فإنه يحير الذهن، ويدهش العقل، وكذلك الحذر من المصنفات؛ فإنه يضيع زمانك ويفرق ذهنك، بل أعطِ الكتاب الذي تقرؤه أو الفن الذي تأخذه كليتك حتى تُتقنه، واحذر من التنقل من كتاب إلى كتاب من غير موجب؛ فإنه علامة الضجر وعدم الفلاح. وعليك أن تعتني من كل علم بالأهم فالأهم.
سابعاً: الضبط والإتقان:
احرص على تحيح ما تريد حفظه تصحيحاً متقناً؛ إما على شيخ أو على غيره مما يعينك، ثم احفظه حفظاً محكماً ثم أكثر من تكراره وتعاهده في أوقات معينه يومياً، لئلا تنسى ما حفظته.
ثامناً: مطالعة الكتب:
بعد أن تحفظ المختصرات وتتقنها مع شرحها وتضبط ما فيها من الإشكالات والفوائد المهمات، انتقل إلى بحث المبسوطات، مع المطالعة الدائمة، وتعليق ما يمر بك من الفوائد النفيسة، والمسائل الدقيقة، والفروع الغريبة، وحل المشكلات، والفروق بين أحكام المتشابهات، من جميع أنواع العلوم، ولا تستقل بفائدة تسمعها، أو قاعدة تضبطها، بل بادر إلى تعليقها وحفظها.
ولتكن همتك في طلب العلم عالية؛ فلا تكتفِ بقليل العلم مع إمكان كثيره، ولا تقنع من إرث الأنبياء صلوات الله عليهم بيسيره، ولا تؤخر تحصيل فائدة تمكنت منها ولا يشغلك الأمل والتسويف عنها؛ فإن للتأخير آفات، ولأنك إذا حصلتها في الزمن الحاضر؛ حصل في الزمن الثاني غيرها.
واغتنم وقت فراغك ونشاطك، وزمن عافيتك، وشرخ شبابك، ونباهة خاطرك، وقلة شواغلك، قبل عوارض البطالة أو موانع الرياسة.
وينبغي لك أن تعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها ما أمكنك؛ لأنها آلة التحصيل، ولا تجعل تحصيلها وكثرتها (بدون فائدة) حظك من العلم، وجمعها نصيبك من الفهم، بل عليك أن تستفيد منها بقدر استطاعتك.
تاسعاً: اختيار الصاحب:
احرص على اتخاذ صاحب صالح في حاله، كثير الاشتغال بالعلم، جيد الطبع، يعينك على تحصيل مقاصدك، ويساعدك على تكميل فوائدك، وينشطك على زيادة الطلب،ويخفف عنك الضجر والنصب، موثوقاً بدينه وأمانته ومكارم أخلاقه، ويكون ناصحاً لله غير لاعبٍ ولا لاه." انظر تذكرة السامع لابن جماعة.
" وإياك وقرين السوء؛ فإن العرق دساس، والطبيعة نقالة، والطباع سراقة، والناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض، فاحذر معاشرة من كان كذلك فإنه المرض، والدفع أسهل من الرفع.
عاشراً وأخيراً: التأدب مع الشيخ:
بما أن العلم لا يؤخذ ابتداءً من الكتب، بل لابد من شيخ تتقن عليه مفاتيح الطلب، لتأمن من الزلل، فعليك إذاً بالأدب معه، فإن ذلك عنوان الفلاح والنجاح، والتحصيل والتوفيق. فليكن شيخك محل إجلال منك وإكرام وتقدير وتلطف، فخذ بمجامع الأدب مع شيخك في جلوسك معه، والتحدث إليه، وحسن السؤال، والاستماع، وحسن الأدب في تصفح الكتاب أمامه، وترك التطاول والمماراة أمامه، وعدم التقدم عليه بكلام أو مسير أو إكثار الكلام عنده، أو مداخلته في حديثه ودرسه بكلام منك، أو الإلحاح عليه في جواب، متجنباً الإكثار من السؤال لا سيما مع شهود الملأ؛ فإن هذا يوجب لك الغرور وله الملل، ولا تناديه باسمه مجرداً، أو مع لقبه بل قل: " يا شيخي، أو يا شيخنا ".
وإذا بدا لك خطأ من الشيخ، أو وهم فلا يسقطه ذلك من عينك، فإنه سبب لحرمانك من علمه، ومن ذا الذي ينجو من الخطأ سالماً.". انظر حلية طالب العلم للشيخ بكر أبو زيد.
نسأل الله لنا ولك التوفيق والثبات، وأن يُرينا اليوم الذي تكون فيه عالماً من علماء المسلمين، مرجعاً في دين الله، إماماً من أئمة المتقين، آمين.. آمين.. وإلى لقاء قريب، والسلام.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 14882
هل من البدع اجتماع الدعاة وطلبة العلم يوم الجمعة للتعارف والتدارس
[السُّؤَالُ]
ـ[اتفق الدعاة في المنطقة على أن يجتمعوا في كل أسبوع ليلة، للمحاضرة والتعارف والندوات والتدريس والدعوة، واختاروا ليلة الجمعة لهذا الاجتماع، البعيدون منهم والقريبون، وأن يأتي كل واحد منهم بما يكفيه من الطعام في هذه الليلة، هل هذا بدعة يرجع إلى تخصيص ليلة الجمعة بعبادة كما قال هذا العالم أم لا؟ مع أنهم لم يريدوا ليلة الجمعة إلا توقيتاً للاجتماع فقط لا للعبادة، أما أنا فهي الآن فيما يبدو لي أدافع عن الدعاة، وأرى أن الاجتماع والتعارف فيما بينهم أمر هام يكون سبباً لتسوية صفوف الدعاة والتقدم للدعوة، ماهي الحقيقة في هذه المسألة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
لا حرج في اجتماع الدعاة ليلة الجمعة من كل أسبوع للمحاضرات والتعارف والتدريس وليس ذلك من تخصيص ليلة الجمعة بعبادة.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى اللجنة الدائمة ١٣/٢٥٨.
стр. 14883
حكم المراهنة في مسائل العلم الشرعي
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض الطلاب في مذاكرة العلم الشرعي يجعلون من يخطئ في مسألة مطالباً بشراء كتاب مثلاً لمن أصاب فيها فهل هذا حلال؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه مسابقة، ويرى شيخ الإسلام أنه لا بأس بالمسابقة الشرعية، وقد علل ذلك ﵀ موضحاً أن الجهاد يكون إما بالعلم، وإما بالسلاح، واستدل كذلك بما ذكر عن أبي بكر ﵁ لما نزل قوله تعالى (الم، غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين) فالفرس هم الذين غلبوا الروم، والروم نصارى من أهل الكتاب والفرس مجوس ليس لهم كتاب، قال الله تعالى: (ويومئذ يفرح المؤمنون، بنصر الله) لأن المؤمنين يحبون انتصار النصارى على الفرس، لأن النصارى أهل كتاب فهم أقرب إلى الإسلام من المجوس، وقريش تحب أن ينتصر المجوس على الروم، فقالت قريش: لا يمكن للروم أن تغلب الفرس، لأن الفرس أقوى منهم، وهم لا يؤمنون بالقرآن، فراهنهم أبو بكر على شيء من الإبل مدة سبع سنين، فمضت السنون السبع ولم يحدث شيء، فذهب أبو بكر ﵁ إلى رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﵊: (زد في الأجل سنتين وزد في الرهان) أخرجه ابن جرير في تفسيره ١٠/١٦٥،١٦٦ رقم ٢٧٨٧٦، لأن كلمة في بضع سنين من ثلاث إلى تسع، فأمره أن يحتاط فيزيد في الأجل ويزيد في العوض، ففعل أبو بكر، فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، ومن هذه المسألة استدل شيخ الإسلام على جواز الرهان في مسائل العلم الشرعي.
[الْمَصْدَرُ]
لقاء الباب المفتوح لابن عثيمين /٢٢٥
стр. 14884
الانتقال لمسجد آخر بعد الفجر لحلق العلم
[السُّؤَالُ]
ـ[نصلي الفجر في مسجد قريب منا، ثم نقوم نحن الشباب بالانتقال إلى مسجد آخر فيه حلقة تحفيظ القرآن، وهذا المسجد ليس ببعيد، بل المسافة بين المسجدين تستغرق خمس دقائق على الأقدام، فهل هذا الانتقال يُضيع علينا أجر حجة أو عمرة تامة مع الرسول ﷺ ، وفي الحديث يقول: (من صلى الفجر ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس فله..) فهل المقصود شروقها وطلوعها، أم المقصود ارتفاعها قيد رمح؟ بمعنى هل نصلي الركعتين عند الشروق أو يلزم الانتظار حتى ترتفع قيد رمح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا بأس بالانتقال من مسجد إلى مسجد آخر بعد الصلاة لأجل حضور درس من دروس العلم، وهو أفضل من الجلوس في المسجد الأول حتى ترتفع الشمس لأنه لأجل طلب العلم والاستفادة أما صلاة الركعتين فتكون بعد ارتفاع الشمس قدر رمح.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى اللجنة الدائمة ١٢/١١٥.
стр. 14885
لديه الرغبة في دراسة الشريعة، ومتخوف من مستقبلها الوظيفي
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا الآن على مشارف اختبارات الثانوية العامة، وحقيقة: أني محتار جدّاً في تخصص دراستي الجامعية، أنا لديَّ الرغبة جدّاً في دراسة العلوم الشرعية، وأحبها، وأستمتع بها، وأطمح أن أكون عالماً، مفتياً، خطيباً، حصولي على شهادة الدكتوراة، لكني أواجه ردود أفعال كثيرة، منهم: من يقول إذا تخرجت أين تعمل؟ مدرس مثلاً؟ مرتبها قليل، اذهب إلى كلية الإدارة، أو الهندسة للحصول على مقعد ممتاز في العمل، ومِن ثمَّ خذ شهادة الشريعة انتساباً، مثل عدة مشايخ ... وإلخ من هذا الكلام، وبعضهم يقول: اذهب إلى الشريعة، الأمة محتاجة إلى علماء، ومفتين، علماً أن أبي مهندس، وأمي مدرِّسة رياضيات، واثنين من إخواني مهندسين، واثنين من أخواني - أيضاً - من كلية الإدارة الصناعية، ووضعنا المادي ممتاز - ولله الحمد -، لكن أخاف مستقبلاً إذا تخرجت من الشريعة أكون أقلَّ منهم ماديّاً، فلذلك أود أن تنصحني؛ لأنني بين أمرين مهمين في حياتي، وشكراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله تعالى أن يكتب لك النجاح والتوفيق في دراستك، واختباراتك وأمورك كلها.
أولاً:
لاشك أن أعظم ما صرفت فيه الأوقات , وبذلت فيه الأموال: طلب العلم الشرعي؛ فإن الله ﵎ لم يثن في شيء من كتابه كما أثنى على العلم، وأهله، قال تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ) الزمر/ ٩، وقال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) فاطر/ ٢٨.
قال ابن كثير ﵀:
أي: إنما يخشاه حق خشيته: العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم، القدير، العليم، الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء الحسنى , كلما كانت المعرفة به أتمّ، والعلم به أكمل: كانت الخشية له أعظم، وأكثر.
" تفسير ابن كثير " (٦ / ٥٤٤) .
وعن معاوية ﵁ قال: سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقُولُ: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ) رواه البخاري (٧١) ومسلم (١٠٣٧) .
وعَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ أَتَيْتُكَ مِنَ الْمَدِينَةِ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُ بِهِ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: فَمَا جَاءَ بِكَ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَلَا جَاءَ بِكَ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) رواه الترمذي (٢٦٨٢) وأبو داود (٣٦٤١) وابن ماجه (٢٢٣) ، وحسَّنه الألباني في " صحيح الترغيب " (١/١٧) .
قال ابن القيم ﵀ في وصف العلم الشرعي -:
وهو الحاكم، المفرق بين الشك واليقين , والغي والرشاد , والهدى والضلال , وبه يُعرف الله، ويُعبد، ويُذكر، ويُوحد، ويُحمد، ويُمجد , وبه اهتدى إليه السالكون , ومن طريقه وصل إليه الواصلون , ومن بابه دخل عليه القاصدون، به تُعرف الشرائع والأحكام، ويتميز الحلال من الحرام , وبه توصل الأرحام , وبه تعرف مراضي الحبيب، وبمعرفتها ومتابعتها يوصل إليه من قريب , وهو إمام، والعمل مأموم , وهو قائد، والعمل تابع , وهو الصاحب في الغربة والمحدث في الخلوة، والأنيس في الوحشة , والكاشف عن الشبهة , والغني الذي لا فقر على من ظفر بكنزه , والكنف الذي لا ضيعة على من آوى إلى حرزه؛ مذاكرته تسبيح , والبحث عنه جهاد , وطلبه قُربة , وبذله صدة , ومدارسته تعدل بالصيام والقيام , والحاجة إليه أعظم منها إلى الشراب والطعام، قال الإمام أحمد ﵁: " الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين , وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه " , وروِّينا عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: " طلب العلم أفضل من صلاة النافلة ".
" مدارج السالكين " (٢ / ٤٦٩، ٤٧٠) .
فلا ريب أن العلم الشرعي هو أفضل العلوم وأوْلاها , وبه يتحصل الإنسان خير الدنيا والآخرة , وهو مقدَّم على سائر العلوم، لا سيما إذا خلصت فيه نية الإنسان , وكان له رغبة وهمَّة في تحصيله وطلبه.
وانظر جواب السؤال رقم: (١٠٤٧١) .
ثانياً:
حثَّ الإسلام على طلب الكفاية في العلوم الدنيوية , وجعل طلبها واجباً كفائيّاً , وخصوصاً إذا احتاجت الأمة لتلك العلوم , كالعلوم العصرية المتقدمة.
فمَن تعلم العلوم الدنيوية ونيته أن يُصلح للمسلمين أمورَهم في معاشهم , ورفع مكانتهم، والاكتفاء عن الأمم الكافرة: فلا شك أن أجره عظيم، ويثاب على هذا العلم الذي يتعلمه , مع بيان أن الجمع بين العلوم الدينية والدنيوية أمر مقدور عليه , ولا يتنافيان , وقد كان كثير من العلماء السابقين يجمعون بين تخصصات مختلفة، فابن قيم الجوزية ﵀ كان مبرزاً في العلوم الشرعية، ولا تخفى مكانته فيه , وكذلك كان مبرزاً في علوم الطب , ولا أدل على ذلك من كتابه " الطب النبوي " – وهو الجزء الرابع من كتابه " زاد المعاد " -، وهكذا الحال مع علماء آخرين.
وانظر جواب السؤال رقم: (٢٩٩٩) .
ثالثاً:
يجب أن يُعلم أنه لا بد للمسلم من أن يجرد نيته عن الحظوظ الدنيوية في طلبه للعلم الشرعي , وأن يكون هدفه الأجر والثواب من الله , فهذا أدعى لبقاء العلم، وانتفاع صاحبه به , وقبول الناس له، ولعلمه , فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوا الْعِلْمَ وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ لَسَادُوا بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ , وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لأَهْلِ الدُّنْيَا لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ، فَهَانُوا عَلَيْهِمْ، سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ) رواه ابن ماجه (٢٥٧) ، وحسَّنه الألباني في " صحيح ابن ماجه ".
وعن أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَاّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه أبو داود (٣٦٦٤) وابن ماجه (٢٥٢) ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
عَرفها: يَعْنِي: رِيحَهَا.
وطلب العلم الشرعي لا يتوقف على الدراسة النظامية في الكليات الشرعية، غير أن الحصول على تلك الشهادة صار مهماً حتى يتمكن طالب العلم من التدريس والإمامة والخطابة ... ونفع الناس.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ في بيان آداب طلب العلم -:
"الأمر الأول: إخلاص النية لله : بأن يكون قصده بطلب العلم وجه الله، والدار الآخرة ...
وإذا نوى الإنسان بطلب العلم الشرعي أن ينال شهادة ليتوصل بها إلى مرتبة، أو رتبة: فقد قال رسول الله ﷺ : (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عَرَضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) - يعني: ريحها -، وهذا وعيد شديد.
لكن لو قال طالب العلم: أنا أريد أن أنال الشهادة لا من أجل حظ من الدنيا، ولكن لأن النظُم أصبح مقياس العالم فيها شهادته، فنقول: إذا كانت نية الإنسان نيل الشهادة من أجل نفع الخلق تعليماً، أو إدارة، أو نحوها: فهذه نية سليمة، لا تضره شيئاً؛ لأنها نية حق" انتهى باختصار.
" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٢٦ / ٦٥، ٦٦) ، و " كتاب العلم " (ص ٢١) .
رابعاً:
من المقرر في كتاب الله تعالى , وفي سنَّة النبي ﷺ : أن من اتقى الله تعالى: كفاه الله ما أهمه، وأشغله , قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب) الطلاق/ ٢، ٣.
وقد تكفل الله تعالى برزق البلاد التي يتقي أهلها ربهم تعالى، فكيف بآحادهم، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ) الأعراف/ ٩٦، وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) المائدة/ ٦٦.
فالشاهد: أن أهل الخير والتقوى والصلاح: يكفيهم الله أمر دنياهم، فلا تخش - أخي السائل - من المستقبل , وتأكد أن الله سيكفيك أمر دنياك، وآخرتك، إن كانت نيتك في طلب العلم لله.
ولو ابتلي المؤمن بنقص في ماله، أو دنياه: فهو يحتسب ذلك لجنَّة عرضها السموات والأرض، أعدها الله للمتقين , ولتعلم أن المقياس في السعادة، والطمأنينة، والراحة، ليس في كثرة الأموال، أو الجاه، وإنما في طاعة الله تعالى , فخير الأعمال التي يندب الاشتغال لها: تعليم الناس الخير , فمعلِّم الناس الخير يستغفر له مَن في السموات، ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء , وهم أهل الخشية والتقوى , ولهم المنزلة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة.
فالنصيحة لك ما دامت همتك، ومحبتك، ورغبتك أن تطلب العلم الشرعي: أن تسعى في تحصيل ذلك , ولا بأس أن تطلب الشهادة مع ذلك , ولكن مع تجريد النية والإخلاص لله تعالى في طلب العلم نفسه , وأن تكون هذه الشهادة عندك وسيلة لنيل العلم، وتعليم الناس، والدعوة إلى الله تعالى , ووسيلة للعمل الذي تفرضه كثير من القوانين لكثير من الوظائف، ولا تخف من المستقبل من قلة مال، أو دنيا، أو عدم إيجاد وظيفة؛ فالله سبحانه سيكفيك هموم ذلك كله , فمن صدق الله صدق الله معه.
وبما أن أهلك من المثقفين، والعقلاء: فيمكنك إقناعهم بدراسة الشريعة بسهولة، وذلك بإخبارهم
أن هذه رغبتك، وهم يعلمون أن دراسة ما لا رغبة فيه: فاشلة، ولا تؤتي ثمارها، وأن دراسة ما فيه رغبة: فيها النجاح، والإبداع، والراحة.
ونسأل الله أن يعطيك ما تتمنى، وأن يجعلك من أهل العلم، وطلبته.
وانظر – للأهمية – جواب السؤال رقم: (١١٠٤١٩) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14886
كذب ادعاء معرفة الغيب باستعمال " البنْدول " وأنه مصدر طاقة !
[السُّؤَالُ]
ـ[إنني شاب مسلم، وأعمل مهندساً، وأعيش في " الهند "، وكما تعرفون فإنَّ في " الهند " الكثير من الجماعات , وإنني أحمد الله فعقيدتي متفقة مع أهل السنَّة والجماعة، وأهل السلف , ولديَّ صديق من جماعة " التبليغ " يقول بأن هناك عالماً علَّمَنا فنّاً من الفنون، وهو معرفة الإجابات باستخدام " البندول " , وهذا الفن كالتالي: يقوم الشخص بإمساك " البندول " , ويقوم بالسؤال , ومن المفترض أنه يرسل موجات راديو إلى عقول أشخاص آخرين، ثم بعد ذلك يحصل على الإجابة منهم، ويقوم " البندول " بكشف هذا التردد، ويظهر الإجابة , وقد اعتقدت أنه كاذب، وكنت أحتاج إلى ما يثبت ذلك , وقلت له: لا أدري إن كان الإسلام يحل هذا أم يحرمه، ولكنني أرى أنها جاءت بمحض الحظ، وهو ما يجعلها حراماً، فقال لي: إن هذا ليس تنجيماً , ولكنه استخدام للحس بأعلى درجاته، كما أننا لا نقول معلومات بخصوص المستقبل , وإنما نجيب عن بعض الأسئلة التي هي في العقول، وقد فعل هذا أمامي لعدد من الأشخاص حتى أنني قلت إنه يسخر الجن، أو شيء ما، ومهما كان ما يقوم به فإنني أوقفت التفكير به، وبدأت في البحث حول هذا الأمر - " البحث بالبندول " -، ثم بدأت البحث على شبكة الإنترنت، ووجدت شيئاً غير عادي، أنه موجود على " الجوجل " , وأن هناك الكثير من الناس متورطون فيه، ويقولون بأنه يأتي بنتيجة، ثم ذهبت إلى تاريخ هذا الفن، فوجدت أنه موجود منذ أيام الفراعنة، وتم تطويره، وأن هناك بعض البندولات التي استخدموها لمعرفة قوى الحياة. ورؤيتي لهذا الأمر أنه حرام , ولا أدري لم أحسه تنجيماً، وأنه يبدو خرافة كبيرة، وكلٌّ من التنجيم والخرافات: جريمة، وإنني أريدكم أن تنيروا لي طريقي في هذا الأمر، وأريد أن أنأى بصديقي هذا عن مثل هذه الأعمال إذا كانت من المحرمات، إنني فقط أريد دليلاً من القرآن الكريم، والحديث الشريف، وطريق السلف الصالح. جزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جزاك الله خيراً، وبارك فيك، فإن تنبهك لهذا الأمر الذي هو أقرب إلى الشعوذة والسحر: إن دل فهو يدل على فقهك، وفهمك للتوحيد، ثبتك الله، ونفع بك.
وما سألت عنه من أمر البندول يتلخص جوابه في أمور:
أولاً:
نهى النبي ﷺ عن إتيان العرافين والمشعوذين والسحرة والكهنة، وحذَّر من تصديقهم , وعدَّ ذلك من الكفر، ومعلوم أن " العرَّاف " هو الذي يدَّعي معرفة الأمور الماضية، وقد يشمل لفظ العرَّاف أيضاً: الكهانة، وهو ادعاء معرفة الأمور المستقبلية.
وانظر جواب السؤال رقم (٨٥٥٤١) للوقوف على تعريفه، وحكم الذهاب إليه، وإلى السحرة.
ثانياً:
من المقرر في شريعتنا أنه لا يعلم الغيب إلا الله، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) لقمان/ ٣٤، ولو شاء الله أن يُطلع أحداً على شيء من الغيب فإن ذلك لا يكون إلا لرسول من رسله، قال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) الجن/ ٢٦، ٢٧.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
(عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا) من الخلق، بل انفرد بعلم الضمائر، والأسرار، والغيب.
(إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) أي: فإنه يخبره بما اقتضت حكمته أن يخبره به؛ وذلك لأن الرسل ليسوا كغيرهم، فإن الله أيدهم بتأييد ما أيده أحداً من الخلق، وحفظ ما أوحاه إليهم حتى يبلغوه على حقيقته، من غير أن تتخبطهم الشياطين، ولا يزيدوا فيه، أو ينقصوا.
" تفسير السعدي " (ص ٨٩١، ٨٩٢) .
ومن الغيب الذي استأثر الله بعلمه: معرفة ما في القلوب، والضمائر، والأنفس، فمن زعم من البشر – غير الرسل – معرفته: فهو عرَّاف، كاذب. قال الله تعالى في ثنائه على نفسه بما هو أهله: (يَعْلَمُ خَاِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) غافر/١٩.
قال ابن كثير ﵀:
" يخبر تعالى عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها؛ ليحذر الناس علمه فيهم، فيستحيوا من الله حَقّ الحياء، ويَتَّقُوهُ حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه، فإنه تعالى يعلم العين الخائنة وإن أبدت أمانة، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر" انتهى.
"تفسير ابن كثير" (٧/١٣٧) .
وقد بيَّن النبي ﷺ كيف يدَّعي العرَّافون والكهنة علمَ بعض الأمور الغيبية عن بعض الناس , ومن ذلك: استراق السمع من السماء , كما جاء في الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ، قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: الْحَقَّ وَهْوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ هَكَذَا وَاحِدٌ فَوْقَ آخَرَ - وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ، وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى، نَصَبَهَا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ - فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ الْمُسْتَمِعَ، قَبْلَ أَنْ يَرْمِىَ بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ، فَيُحْرِقَهُ وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى يَرْمِىَ بِهَا إِلَى الَّذِي يَلِيهِ إِلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الأَرْضِ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الأَرْضِ - فَتُلْقَى عَلَى فَمِ السَّاحِرِ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ فَيَصْدُقُ، فَيَقُولُونَ أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا، فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ) .
رواه البخاري (٤٤٢٤) .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَاّ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ) ، قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (وإياي إِلَاّ أَنَّ اللَّهَ أعانني عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَاّ بِخَيْرٍ) .
رواه مسلم (٢٨١٤) .
وهذا القرين ملازم للإنسان يعرف بعض شؤونه الخاصة , فربما خدم هذا القرينُ شياطينَ الساحر، والعرَّاف؛ لإغواء الناس، وإيقاعهم في الشرك، والتعلق بغير الله تعالى , فيعطي للعراف وللساحر بعض المعلومات الخاصة التي تغيب عن الناس , فيظن أن هذا الساحر، أو العراف، يعلم الغيب، أو أنه صاحب كرامات , وقد يستخدم بعض الطرق للتلبيس على الناس , كاستخدام استفتاح المصحف , أو حركة البندول، أو غير ذلك.
والدليل على كذب وتدليس مستخدم البندول: أن استخداماته في أمور كثيرة، كتحديد جنس المولود , والكشف عن الأمراض، وتحديد أماكنها، وغير ذلك: مما يدل على كذب صاحب ذلك الادعاء؛ لأنه ليس المقصود هو " البندول " بحد ذاته، بل هو ادعاء صاحبه معرفة أشياء كثيرة غيبية، وما استخدام البندول إلا حيلة حتى يصير التركيز عليه باعتباره وسيلة! ولا يختلف هذا الفعل عن فعل إخوانه الكهان مما يدعون معرفة الغيب بالنظر في كف اليد، أو فنجان القهوة! .
وادعاء علاقة بين البندول والطاقة: ليس له أصل في الشرع، ولا في العلم الحديث، وإنما أُخذ هذا من الفراعنة، وأتباعهم.
قالت الدكتورة فوز كردي – حفظها الله -:
وهذه الطاقة غير قابلة للقياس بأجهزة قياس الطاقة المعروفة، وإنما يُدّعى قياسها بواسطة أجهزة خاصة مثل " البندول "، فبحسب اتجاه دورانه تُعرف الطاقة السلبية من الطاقة الإيجابية.
انتهى
http://www.alfowz.com/index.php?option=com_content&task=view&id=٤٤&Itemid=٢
والمسلم في حكمه على الشيء ينطلق من ثوابت ومسلمات الشريعة , فالغيب استأثر الله بعلمه , والعراف من ادعى علم المستقبل , وتصديقهم من كبائر الذنوب , بل من الكفر.
ولا شك أن الشعوذة، والسحر، والكهانة، تتطور على حسب تطور العصر، فلما كان هذا العصر هو عصر التطورات والاكتشافات والتكنولوجيا: فلا بد أن يلبَس السحرُ والشعوذة لبوس العلم، والتجربة , وتحت مسميات " الطاقة الخفية "، أو " الذبذبات العقلية " ... الخ.
ومثل هذه تنتشر في البلاد غير الإسلامية ممن يكثر بين أهلها انتشار الجهل والبدعة والخرافة، كالهند، وجنوب شرق آسيا، وغيرها من البلاد، ولا ينبغي أن ننسى دور " البوذيين " و " الهندوس " في نشر الخرافة في تلك البلاد، حتى وصل تأثير ذلك إلى عوام المسلمين.
ثالثا:
يمكن تسمية ما يدعيه ذلك المشعوذ كهانة أو عرافة أو تنجيما، فكلها ألفاظ تنطبق معانيها على ذلك الادعاء، وهي في نفسها متداخلة في صورها، ومتفقة في أحكامها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطَّابي، وغيره من العلماء، وحكى ذلك عن العرب، وعند آخرين هو من جنس الكاهن، وأسوأ حالا منه، فلحق به من جهة المعنى.
" مجموع الفتاوى " (٣٥ / ١٩٣، ١٩٤) .
وقال القرطبي – ﵀:
والعرَّاف: هو الحازر، والمنجم: الذي يدَّعي علم الغيب، وهي من العرافة، وصاحبها عرَّاف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب، ومقدمات يدَّعي معرفتها، وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر، والطرْق، والنجوم، وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن هو العيافة " بالياء "، وكلها يُطلق عليها اسم الكهانة.
قاله القاضي عياض.
" تفسير القرطبي " (٧ / ٣) .
وقد هدى الله هذه الأمة لسلوك طريق الحق، وكفاها عن مثل هذه الطرق , بثوابت في كتابه تعالى، وسنَّة نبيِّه ﷺ , ومثل هذه الحيل والطرق المبتكرة لا تنطلي إلا على من لم يهتد بنبراس الهداية، أو على إنسان قلَّ علمه، وتفقهه بشريعة الإسلام، وغلب عليه الجهل بالتوحيد.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14887
التخصصات في العلوم والفنون، حاجة الأمة لها، وضوابط وفوائد فيها
[السُّؤَالُ]
ـ[في ظل ما نعيشه في هذا الزمان المتسارع، وما تمر به الأمة من فتن وبلايا، وما يتمناه كل مسلم من رفع الغمة عن الأمة، ويحاول أن يقدِّم لها ما يرفع من مستواها، وإيماننا بالتخصص، وأهميته، وكيف يكون بسبب تلك الأدوار الرقي بالأمة في شتى مجالاتها، سؤالي: ما هي أهم التخصصات سواءً العامة أو الدقيقة التي تحتاجها الأمة خلال المرحلة القادمة، أو كنظرة إستراتيجية خلال ٢٠ سنة؟ وما هي الكتب أو المواقع التي تكلمت في هذا الموضوع واستشرفت المستقبل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ينتظم الكلام عن التخصص في الدراسات التي تحتاجها الأمة الإسلامية في مسائل وأحكام، منها:
١. لا شك أن الأمة الإسلامية تحتاج من أبنائها أن يكونوا قادة العالَم في العلوم النظرية والعملية، وأن لا يكونوا عالَة على غيرهم من الأمم، والإسلام دين العلم، بدأ الله تعالى وحيه لنبيه ﷺ بكلمة (اقرأ) ، وحثَّ على العلم، ورفع من شأنه، وأوجب تعلم العلوم التي تحتاجها أمة الإسلام وجوباً كفائيّاً.
٢. ونوصي أن يكون أصحاب الاختصاص ممن لهم ميل لهذا العلم، وذاك التخصص، فمن المعلوم أن المسلمين يتفاوتون فيما بينهم في الميل نحو علوم دون أخرى، ومن الأفضل أن نحث كل واحدٍ منهم نحو ما يميل له من العلوم، لا أن نجبره على تعلم شيء لا يرغبه، فضلاً عن المنع من إجباره نحو ما يكره.
وهذه المسألة عالجها أئمة الإسلام قديماً وحديثاً، بل إنهم أوصوا بها أن تنمَّى مع الطفل في صغره، دون الحاجة للانتظار لأن يكبر حتى يوجه لهذا العلم.
قال ابن القيم ﵀:
ومما ينبغي أن يعتمد: حال الصبي وما هو مستعد له من الأعمال ومهيأ له منها، فيعلم أنه مخلوق له: فلا يحمله على غيره، ما كان مأذوناً فيه شرعاً؛ فإنه إن حمله على غير ما هو مستعد له: لم يفلح فيه، وفاته ما هو مهيأ له، فإذا رآه حسن الفهم، صحيح الإدراك، جيِّد الحفظ، واعياً: فهذه من علامات قبوله، وتهيؤه للعلم لينقشه في لوح قلبه ما دام خالياً؛ فإنه يتمكن فيه، ويستقر، ويزكو معه.
وإن رآه بخلاف ذلك من كل وجه، وهو مستعد للفروسية وأسبابها من الركوب، والرمي، واللعب بالرمح، وأنه لا نفاذ له في العلم، ولم يُخلق له: مكَّنه من أسباب الفروسية، والتمرن عليها؛ فإنه أنفع له، وللمسلمين.
وإن رآه بخلاف ذلك، وأنه لم يُخلق لذلك، ورأى عينه مفتوحة إلى صنعة من الصنائع، مستعداً لها، قابلاً لها، وهي صناعة مباحة نافعة للناس: فليمكِّنه منها.
هذا كله بعد تعليمه له ما يحتاج إليه في دينه؛ فإن ذلك ميسر على كل أحد لتقوم حجة الله على العبد، فإن له على عباده الحجة البالغة، كما له عليهم النعمة السابغة.
" تحفة المودود في أحكام المولود " (ص ٢٤٣، ٢٤٤) .
ومن تأمل في حال الصحابة، ورأى تربية النبي ﷺ لهم: علم مدى مطابقة ما قلناه لواقعهم ﵃، فقد كان منهم العالِم الفقيه، ومنهم القارئ، ومنهم المجاهد، ومنهم الشاعر، وكلٌّ يؤدي ما يتقنه، ويساهم في بناء الدولة، وكما يكون الدفاع عن الإسلام بالمناظرة والحجة: فإنه يكون بالسيف والرمح، ولكل واحدٍ من هذه الفنون أهلها وأربابها، وقد اشتركوا جميعاً في معرفة الإسلام، ولم ينافِ ذلك أن يكون متخصصاً في فن، أو صنعة.
٣. يجب التفريق بين الرجال والنساء في التوجه نحو الاختصاص في العلوم والفنون، فما يصلح للرجال ليس بالضرورة أن يصلح كله للنساء، فالعلوم الصناعية الثقيلة، والسياسية، والعسكرية لا تليق بالمرأة، ومما يليق بها وتشترك فيه مع الرجال: العلوم التربوية، والصناعية الخفيفة، والعلوم الطبية – وتختص عن الرجل بتوجيهها نحو طب النساء -.
٤. ولا يجوز للرجال ولا للنساء مخالفة شرع الله تعالى في دراسة التخصصات، وتعلمها، فعليهم تجنب الاختلاط، والسفر لدول الكفر، وسفر المرأة وحدها دون محرمها، ومن المخالفات الشرعية في ذلك: الذهاب لبلاد الكفر للدراسة مع وجود هذا العلم والتخصص في بلاد المسلمين.
وإذا احتاجت الأمة الإسلامية لعلم ضروري فينبغي أن يُحسن اختيار من يقوم به، لا أن يفتح الباب على مصراعيه للجميع، فيذهب للبلاد الكافرة الشاب المراهق الأعزب، والضعيف في علمه الشرعي؛ لأن هذا أدعى لوقوعه في الفتنة، ونكون خسرناه وخسرنا ما ذهب من أجله، ولم نستفد شيئاً.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
" إذا اقتضت الضرورة ابتعاث بعض الطلاب إلى الخارج؛ لعدم وجود بعض المعاهد الفنية المتخصصة لا سيما في مجال التصنيع وأشباهه: فأرى أن يكوَّن لذلك لجنة علمية أمينة لاختيار الشباب الصالح في دينه وأخلاقه، المتشبع بالثقافة والروح الإسلامية , واختيار مشرف على هذه البعثة، معروف بعلمه، وصلاحه، ونشاطه في الدعوة ليرافق البعثة المذكورة , ويقوم بالدعوة إلى الله هناك , وفي الوقت نفسه يشرف على البعثة , ويتفقد أحوالها، وتصرفات أفرادها , ويقوم بإرشادهم وتوجيههم , وإجابتهم عما قد يعرض لهم من شبه، وتشكيك، وغير ذلك.
وينبغي أن يُعقد لهم دورة قبل ابتعاثهم، ولو قصيرة، يدرَّسون فيها جميع المشاكل، والشبهات، التي قد تواجههم في البلاد التي يُبتعثون إليها , ويُبين لهم موقف الشريعة الإسلامية منها , والحكمة فيها، حسب ما دل عليه كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ , وكلام أهل العلم، مثل أحكام الرق , وتعدد الزوجات بصفة عامة , وتعدد أزواج النبي ﷺ بصفة خاصة , وحكم الطلاق , وحكمة الجهاد ابتداءً ودفاعاً، وغير ذلك من الأمور التي يورد ها أعداء الله على شباب المسلمين حتى يكونوا على استعداد تام للرد على ما يعرض لهم من الشبه.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (١ / ٣٨٦ - ٣٨٨) .
وقال علماء اللجنة الدائمة:
إذا كان الواقع كما ذكر من أن التخصص الذي تدرسه موجود في بلدك الإسلامي، وأن الدراسة في الخارج مشتملة على مفاسد كثيرة في الدين والأخلاق وعلى الزوجة والأولاد - فإنه لا يجوز لك السفر لهذه الدراسة؛ لأنها ليست من الضرورات، مع وجودها في بلدك الإسلامي، وقد ثبت عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في التحذير من الإقامة في بلاد الكفار من غير مسوغ شرعي؛ كقوله ﷺ : " أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين " وغيره من الأحاديث، وما وقع فيه بعض المسلمين من السفر إلى بلاد الكفار من غير ضرورة هو من التساهل الذي لا يجوز في دين الله، وهو من إيثار الدنيا على الآخرة، وقد قال الله جل وعلا: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) سورة الأعلى، الآيتان (١٦، ١٧) ، وقال سبحانه: (قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً) سورة النساء، الآية: (٧٧) .
وقال النبي ﷺ : " من كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه فرق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له.
الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله الغديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٦ / ٩٣ - ٩٦) .
٥. وأخيراً: فإن العلوم كثيرة، وفي كل علم وفن تخصصات، فالطب تخصصاته كثيرة، والعضو الواحد من الجسد يكون فيه تخصصات، والأمة الإسلامية تحتاج لكل العلوم والفنون المباحة، من الطب، والهندسة، والفيزياء، والكيمياء، وعلوم الذرة، والنووي، والعلوم العسكرية، والصناعات الثقيلة، وغير ذلك من العلوم والفنون، على أن يكون ذلك بحسن اختيار، ولمقصد شرعي أو مباح، مع الالتزام بالشرع أثناء تحصيله، ومع تحصيل قدرٍ كافٍ من العلوم الشرعية.
ولا نعلم – الآن – كتاباً معيَّناً نحيلك عليه.
ونسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين لما يحب ويرضى، وأن يكتب لهم العز والتمكين.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14888
هل ثبت في النصوص أن مكة المكرمة هي مركز الأرض ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[سَمعتُ بأنّ مكة المكرمة مركزُ الأرضِ. هَلْ ذلك حق؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
دراسة هذه المسألة تتفرع إلى جانبين اثنين: الجانب الشرعي، وذلك للبحث عن الأدلة من القرآن والأحاديث والآثار الواردة في هذا الموضوع.
والجانب العلمي: للنظر في الأبحاث العلمية والبراهين الحسية التي تبين القضية.
أولا:
أما الجانب الشرعي فقد قال بعض أهل العلم: إن في القرآن الكريم إشارات إلى هذه النظرية، وفي السنة النبوية وآثار السلف تصريحٌ بها.
أما إشارات القرآن ففي قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً) البقرة/١٤٣، لأن الآية في معرض الأمر باتخاذ الكعبة قبلة، فكأن معنى الآية: كما كانت الكعبة وسط الأرض، كذلك جعلناكم أنتم أمةً وسطا بين الأمم.
يقول القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (٢/١٥٣) :
" المعنى: وكما أن الكعبة وسط الأرض، كذلك جعلناكم أمة وسطا " انتهى.
ولكن هذا واحدٌ من وجوه ستة يذكرها المفسرون في طرفي التشبيه في قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم) ، لعل أظهرها ما ذكره ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٣/١٤١) :
" كما هديناكم - أيّها المؤمنون - بمحمد ﵊، وبما جاءكم به من عند الله، فخصصناكم بالتوفيق لقِبلة إبراهيم وملته، وفضلناكم بذلك على مَن سِواكم مِن أهل الملل، كذلك خصصناكم ففضَّلناكم على غيركم مِن أهل الأديان، بأن جعلناكم أمة وسطًا " انتهى.
وانظر: "تفسير القرآن العظيم" (١/٤٥٤) ، "مفاتيح الغيب" (٢/٣٨٧) ، "الدر المصون" (٢/١٣٤) .
وأيضا هناك إشارة في قوله : (وَهََذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مّصَدّقُ الّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمّ الْقُرَىَ وَمَنْ حَوْلَهَا) الأنعام/٩٢ فقال بعض العلماء: إنما سميت مكة " أم القرى " لأنها أصل قرى الأرض كلها، ومنها دحيت الأرض، فهي لذلك وسط الأرض.
بل قال بعض أهل العلم: إن في تسميتها " مكة " إشارة إلى أنها مركز الأرض ووسطها:
يقول الراغب الأصفهاني في "مفردات القرآن" (١/٤٧٠ – ٤٧١) :
" مكك: اشتقاق مكة من تمكَّكْتُ العظم: أخرجت مخه، وامتكَّ الفصيلُ ما في ضِرع أمه، وعبَّر عن الاستقصاء بالتمكُّكِ.
وتسميتها بذلك لأنها كانت تَمُكُّ مَن ظلم بها: أي تدقُّه وتهلكه.
قال الخليل: سميت بذلك لأنها وسط الأرض، كالمخ الذى هو أصل ما في العظم " انتهى.
وانظر "مفاتيح الغيب" (٤/٣١٠) حيث ذكر في اشتقاق مكة وجوها أخرى كثيرة.
فالحاصل أن القرآن الكريم لا يتضمن نصًّا ولا دلالةً أو إشارةً ظاهرة بأن مكة المكرمة أو الكعبة المشرفة تقع في مركز الأرض ووسطها، وما ورد في ذلك لا يعدو كونه إشارات محتملة وإيماءات بوجه مشتبه.
ثانيا:
أما الأحاديث النبوية المرفوعة، فقد حاولنا جمعها بالاستقصاء من كتب السنة، كي نقف على جميع طرقها ورواياتها، فلم نجد إلا حديثا واحدا مرفوعا في هذا الباب، وهو ما جاء:
عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال:
(أول بقعة وضعت في الأرض موضع البيت، ثم مدت منها الأرض، وإن أول جبل وضعه الله على وجه الأرض " أبو قبيس "، ثم مدت منه الجبال) .
قال المناوي في "فيض القدير" (٣/١٠٨) :
" (ثم مُدَّت) بالبناء للمجهول أي: بسطت. (منها الأرض) : من سائر جوانبها، فهي وسط الأرض وقطبها " انتهى.
لكن الحديث: رواه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (٢/٣٤١) ، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣/٤٣١) ، والديلمي في "مسند الفردوس" (١/١/١١) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٠/٣١) وعزاه السيوطي في "الجامع" (٩٦٠٣) إلى الحاكم في تاريخه.
كلهم من طريق: سليمان بن عبد الرحمن: نا عبد الرحمن بن علي بن عجلان القرشي نا عبد الملك بن جريج عن عطاء عن ابن عباس مرفوعاً.
وهذا الحديث معل بجهالة عبد الرحمن بن علي، وبوقف الرواية على عطاء أو مجاهد من قولهم.
وعبد الرحمن بن علي بن عجلان الدمشقي هذا: روى عن ابن جريج وعن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وروى عنه سليمان بن عبد الرحمن وعمرو بن عثمان الحمصي وابن بنته شيبة بن الوليد.
لم يرد توثيقه إلا عن سليمان بن عبد الرحمن الراوي عنه، نقله عنه ابن عساكر في ترجمته في "تاريخ دمشق" (٣٥/١٣٣) ، غير أن سليمان هذا – وهو أبو أيوب الدمشقي – متكلم فيه، أخذوا عليه كثرة روايته عن المجهولين. قال فيه ابن معين: ثقة إذا روى عن المعروفين. وقال ابن حبان: يعتبر حديثه إذا روى عن الثقات المشاهير، فأما إذا روى عن المجاهيل ففيها مناكير. انظر ترجمته في "تهذيب الكمال" (١٢/٢٦) ، لذلك لم يعتبر أهل العلم توثيق سليمان بن عبد الرحمن لبعض من يروي هو عنهم، فذكر العقيلي عبد الرحمن بن علي بالجهالة، وأعل حديثه بالوقف على عطاء أو مجاهد، وروى ذلك بالأسانيد إليهم، فقال في ترجمته في "الضعفاء" (٢/٣٤١) : " مجهول بنقل الحديث، حديثه غير محفوظ إلا عن عطاء من قوله، مجهول بالنقل ...
حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا الحارث بن زياد الجعفي قال سمعت عطاء بن أبى رباح قال: أول جبل وضع على الأرض أبو قبيس.
وحدثنا أبو يحيى بن أبى مسرة قال حدثني أبى قال حدثنا سعيد بن سالم المقداح عن ابن جريج عن مجاهد قال: أول لمعة من الأرض موضع البيت مدت الأرض منها.
قال أبو جعفر: هذه الرواية أولى " انتهى باختصار.
كما أنه ورد نحو هذا الحديث من قول ابن عباس ﵁ كما سيأتي، وهو ما يبين وهم من رفع الحديث.
وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة" (رقم/٥٨٨١)
ثالثا:
قد ورد في آثار الصحابة والتابعين روايات كثيرة تدل على أنهم كانوا يرون وسط الأرض في مكة المكرمة:
١- جاء من قول عبد الله بن عمرو بن العاص:
" خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان إذ كان عرشه على الماء زبدةً بيضاء، وكانت الأرض تحته كأنها حشفة، فدحيت الأرض من تحته "
رواه الطبري في "تفسيره" (٦/٢٠) بسند رواته ثقات. وعزاه في الدر المنثور" (٢/٢٦٥) لابن المنذر والطبراني والبيهقي في "الشعب".
٢- وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
" وضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت ".
رواه الطبري في تفسيره (٣/٦١) بسند لا بأس به.
٣- وورد من كلام أبي هريرة ﵁ أنه قال:
" خُلقت الكعبة قبل الأرض بألفي سنة. قالوا: كيف خلقت قبل وهي من الأرض؟ قال: كانت حشفة – يعني: جزيرة - على الماء، عليها ملكان يسبحان الليل والنهار ألفي سنة، فلما أراد الله أن يخلق الأرض دحاها منها، فجعلها في وسط الأرض "
عزاه في "الدر المنثور" (١/١١٥) إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم. وقد وقفت على سنده في "مجلس إملاء في رؤية الله ﵎" لأبي عبد الله الدقاق (ص/٢٨٧) وفي "أمالي ابن بشران" (٢/٢٠٤) وفيه أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني ترجمته في "تهذيب التهذيب" (١٠/٤٢٢) وأكثر كلمة المحدثين على تضعيفه.
أما عن التابعين: فقد جاء عن مجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وغيرهم نحو هذا الكلام، كما عند ابن أبي حاتم والطبري في تفسيريهما، وكذا في مصنف عبد الرزاق (٥/٩٠) ، ومن الكتب التي توسعت في نقل هذه الأخبار: "أخبار مكة" للأزرقي، و "أخبار مكة" للفاكهي.
وهذه الآثار مما تحتمل أن يكون لها حكم الرفع، وتحتمل أيضا أن تكون منقولة عن أهل الكتاب، فإن كتبهم مليئة بأخبار خلق السماوات والأرض وبدء الخليقة. يؤيد ذلك ورود الأثر السابق عن كعب الأحبار، كما يرويه عنه عبد الرزاق في "المصنف" (٥/٩٥) أنه قال: " كان البيت غثاء على الماء قبل أن يخلق الله تعالى الأرض بأربعين عاما، ومنه دحيت الأرض " انتهى.
كما ورد عن قتادة ﵀ – في "فضائل الصحابة" للإمام أحمد (٢/٩٠١) – أن صخرة بيت المقدس هي وسط الأرض.
وذلك ما قد يشعر بأن الأمر مأخوذ عن أخبار متضاربة عن أهل الكتاب.
رابعا:
فالحاصل مما سبق أنك لا تجد دليلا ظاهرا يقوى للدلالة على أن مكة المكرمة هي مركز الأرض، ولكن الإشارات التي ذكرناها في بعض النصوص، على ما فهمه منها بعض أهل العلم، وما جاء في الآثار السابقة، تشعر بأن لهذه الكلام أصلا، وهي قرائن ترجح قول من قال ذلك، ما لم يظهر خلافها بالأدلة العلمية الصحيحة.
خامسا:
أما من الناحية العلمية، فنحن لسنا من أهل التخصص في علوم الأرض و " الجغرافيا "، فلزم أن نقف في البحث عند هذا الحد، ولكن نحيلك على بعض المتخصصين من أهل العلم الذين بحثوا في هذا الأمر، وتوصلوا إلى أن مكة المكرمة هي مركز الأرض ووسطها، فلعل في أبحاثهم العلمية ما يقوي هذا الجانب، مع إبقاء الأمر تحت دائرة البحث والنظر، وهو في غايته أمر اجتهادي قابل للصواب والخطأ.
انظر: بحث: " إسقاط الكرة الأرضية بالنسبة لمكة المكرمة " د. حسين كمال الدين أحمد: " مجلة البحوث الإسلامية " – الرياض – (٢/٢٩٢)
وبحث " الإسقاط المكي للعالم " د. حسين كمال الدين أحمد: "مجلة البحوث الإسلامية" – الرياض – (٦/٢٢٥)
وانظر الروابط الآتية:
http://www.elnaggarzr.com/index.php?l=ar&id=١١&cat=٣٩
http://www.elnaggarzr.com/index.php?l=ar&id=٤٧٦&p=٢&cat=٥٧٥
http://www.elnaggarzr.com/index.php?l=ar&id=٤٨٨&p=٢&cat=٥٩٥
http://www.islamtoday.net/questions/show_question_content.cfm?id=١١٤٥٨٣
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14889
حكم دراسة علم النفس والقانون
[السُّؤَالُ]
ـ[أدرس حاليا علم النفس والقانون، وأفكر في أن أحصل على شهادتي العلمية في مجال علم النفس. فهل تجوز دراسة علم النفس والقانون والحصول على شهادة علمية فيهما، وفى حال جواز ذلك أرجو أن تمدوني بدليل وأن تقرنوه بإجابتكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
هذان العلمان (علم النفس والقانون) تدرس فيهما المسائل على خلاف الشريعة الإسلامية؛ وهذا أمر مفهوم ومنطقي باعتبار أن القانون عند غير المسلمين يقابل الشريعة الإسلامية، وأن علم النفس عندهم يقابل الأخلاق والزهد والرقاق والتزكية والسلوك والتربية، وبما أن القوم لا يدينون بدين الإسلام، أيا كانت ملتهم مذهبهم؛ فمنطقي ـ كذلك ـ أن يصدروا في قانونهم وأخلاقهم عن غير شرع الله تعالى الذي ارتضاه لعباده، وإنما يصدرون في ذلك عن تجاربهم أو عقولهم أو أذواقهم أو أعرافهم؛ أو غير ذلك مما يجعلونه لهم، ونظاما يتبعونه.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن دراسة هذين العلمين وأشباههما - كالفلسفة والاقتصاد غير الإسلامي – لا تجوز للمسلم على سبيل الإفادة ـ المطلقة ـ منها واعتقاد ما فيها من ضلال والعمل به، واتخاذه دينا وشرعا متبعا؛ فإن الخير كل الخير في اتباع ما جاء به النبي من الهدى والنور، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) (النساء:١٧٤) ، وقال تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ) (المائدة: من الآية١٥) ، وقال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (يونس:١٠٨) .
وقد نهى النبي ﷺ المسلمين عن النظر في كتب أهل الكتاب وغيرهم، وغضب ﷺ عندما رأى في يد عمر ﵁ كتابا من كتب اليهود كما جاء في مسند أحمد (١٤٦٢٣) (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُبِ فَقَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَغَضِبَ فَقَالَ أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى ﷺ كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي) [حسنه الألباني في الإرواء: ٦/٣٤] .
ويتأكد النهي عن تعلم ودراسة هذه العلوم إذا كان المسلم غير مؤهل لمعرفة ما فيها من شر، والتمييز بينه وبين ما فيها من خير؛ فإنه لابد إذا كان حاله كذلك أن يصيبه شيء من شرها؛ كما هو مشاهد من كثير ممن درس هذه العلوم من المسلمين في القرنين الماضيين، ممن سموا برواد التنوير في العالم العربي، ففتنوا وكانوا طليعة لتنحية الشريعة عن الحكم في بلاد المسلمين، وأحلوا مكانها القانون الروماني والفرنسي، وحاولوا وجدوا في صبغ المجتمعات الإسلامية بالصبغة الغربية في جميع مجالات الحياة، ووسموا القابضين على دينهم من المسلمين بالرجعية والتخلف والجمود والأصولية والظلامية، وأمثال هذه الألفاظ النابتة في البيئة الأوروبية.
أما إذا كان المسلم من الكفاية العقدية والعقلية؛ بحيث لا يُخاف على مثله من الشبه والزيغ الموجود في هذه العلوم؛ فيجوز له دراستها، بل قد يجب على أفراد بأعيانهم متابعةُ الجديد عند غير المسلمين من نظريات وأفكار وفلسفات، للرد عليها وتبيين ما فيها من زيغ إذا تسربت إلى بلاد المسلمين، مستترة في أزياء الأدب والفن والثقافة ومناهج التعليم والاقتصاد والاجتماع ونظم الحكم والإدارة.
ويتأكد الأمر إذا كان بتكليف من ولي الأمر المسلم الناصح لأمته، كما أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت بتعلم لغة اليهود.
وقد بوب بذلك البخاري ﵀ في صحيحه - (٦/٢٦٣١) فقال: بَاب تَرْجَمَةِ الْحُكَّامِ وَهَلْ يَجُوزُ تَرْجُمَانٌ وَاحِدٌ وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ الْيَهُودِ حَتَّى كَتَبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ كُتُبَهُ وَأَقْرَأْتُهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ. (رواه الترمذي وصححه برقم ٢٦٣٩) ، وصححه الألباني: المشكاة (٤٦٥٩) .
وقد ورد إلى اللجنة الدائمة للإفتاء سؤال في هذا المعنى فأجابت بالآتي:
" لا يجوز تعلم القوانين الوضعية لتطبيقها، ما دامت مخالفة لشرع الله، وتجوز دراستها وتعلمها لبيان ما فيها من دخل وانحراف عن الحق، ولبيان ما في الإسلام من العدل والاستقامة، والصلاح، وما فيه من غنى وكفاية لمصالح العباد. ولا يجوز لمسلم أن يدرس الفلسفة والقوانين الوضعية ونحوهما، إذا كان لا يقوى على تمييز حقها من باطلها خشية الفتنة والانحراف عن الصراط المستقيم، ويجوز لمن يهضمها ويقوى على فهمها بعد دراسة الكتاب والسنة؛ ليميز خبيثها من طيبها، وليحق الحق ويبطل الباطل، ما لم يشغله ذلك عما هو أوجب منه شرعا، وبهذا يُعلم أنه لا يجوز تعميم تعليم ذلك في دور العلم ومعاهده، بل يكون لمن تأهل له من الخواص؛ ليقوموا بواجبهم الإسلامي من نصرة الحق ودحض الباطل.
فتاوى اللجنة الدائمة (١٤ / ٢٣٢- ٢٣٣) .
فالنصيحة للأخ الكريم أن ينظر في حاله: هل تتوفر فيه الشروط المشار إليها؛ من العلم بالعقيدة الصحيحة والثبات عليها والتمتع بالعقل الراجح المميز بين الحق والباطل، والقدرة على دحض الشبه والزيغ بالأدلة الصحيحة والنصح للإسلام، فإن آنس من نفسه ذلك فليقدم على دراسة هذين العلمين، بعد استخارة الله تعالى، وإلا فالأولى في حقه ترك هذه الدراسة إلى شيء من العلوم المادية البحتة.
وليعلم أن من ترك شيئا لله أبدله الله خيرا منه.
نسأل الله لك التوفيق والهداية لما ينفعك في دينك ودنياك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14890
توضيح قوله تعالى (إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان)
[السُّؤَالُ]
ـ[ورد في قصة سليمان وملكة سبأ في سورة النمل الآية التالية: (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
أنا أفهم أن المعنى: أنها ظلمت نفسها بالكفر، وأنها أسلمت بعد أن تبين لها الحق، ولكن لفظ الآية، وعدم وجود علامة وقف بعد كلمة (نفسي) ، توحي بعكس هذا المعنى، وهو أنها ظلمت نفسها بالإسلام - ومعاذ الله -، فهل من توضيح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يقول تعالى في سورة النمل: (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا، قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ، قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) . النمل/٤٤
يحكي في هذه الآية المفاجأة الكبيرة التي كان أعدها سليمان ﵇ لملكة سبأ، وكانت قصرا من البلور، أقيمت أرضيته فوق الماء، فوقفت الملكة مدهوشة أمام هذه العجائب التي يعجز عن مثلها البشر، فرجعت إلى الله، وناجته معترفة بظلمها لنفسها فيما سلف من عبادة غيره، معلنة إسلامها مع سليمان لله رب العالمين.
هذا هو فهم سياق القصة، وهو أيضا ما تقتضيه قواعد اللغة العربية.
فإن قولها (ظَلَمْتُ نَفْسِي) جملة فعلية في محل رفع خبر (إِنِّي)
ثم جاء حرف العطف (الواو) ليعطف جملة على جملة، فقالت (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ)
انظر "إعراب القرآن وبيانه" محيي الدين درويش (٧/٢١٦) ، "الجدول في إعراب القرآن" لمحمود صافي (٩/٤١٥)
والتقدير: وإني أسلمت مع سليمان لله رب العالمين.
وهذا هو التقدير الصحيح؛ لأن النحاة يقولون: إن حرف العطف إنما جيء به لاختصار التكرار في الجملة.
يقول ابن عقيل في "شرح ألفية ابن مالك" (٢/٢٠٨) :
" العطف على نية تكرار العامل " انتهى.
فبدل أن تقول: جاء زيد وجاء عمرو، تختصر فتقول: جاء زيد وعمرو.
وكذلك الحال في عطف الجمل التي لها محل من الإعراب:
فبدل أن تقول: إن الله يعلم ما أنتم عليه، وإن الله سيحاسبكم عليه.
تختصر فتقول: إن الله يعلم ما أنتم عليه وسيحاسبكم عليه.
فالواجب فهم الآية الكريمة على هذه القاعدة، فيكون تقدير الآية:
(إني ظلمت نفسي، وإني أسلمت مع سليمان لله رب العالمين)
ولا يلزم لغة - إذا كان العطف بين الجمل - أن تشترك في المعنى، بل قد يكون المعنى متضادا.
يقول الأستاذ عباس حسن في "النحو الوافي" (٣/٥٥٧) :
" والعطف بالواو إذا كان المعطوف غير مفرد، قد يفيد مطلق التشريك، نحو: نبت الورد ونبت القصب، أو لا يفيد، نحو: حضرت الطيارة ولم تحضر السيارة " انتهى.
فحين يعطف الله تعالى قول ملكة سبأ (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ) لا يجوز أن تفهم على أنها توضيح للمعطوف عليه أو بيان له، من حيث أصل اللغة، فكيف حين يكون بين المعنيين تضاد ظاهر.
والسياق يبين أن الملكة اعترفت بظلمها نفسها حين كانت تعبد الشمس من دون الله، فتابت من ذلك الشرك، وأسلمت وجهها، ووحدت عبادتها لله رب العالمين.
وبهذا يكون المعنى سليما، وينتفي التوهم الذي يظنه السائل في الآية.
قد يكون لإشكال السائل وجه – من حيث قواعد النحو - إذا كان سياق الكلام:
(إني ظلمت نفسي: أسلمت مع سليمان) بحذف حرف العطف، على أن الجملة الثانية بدل من الجملة الأولى، كقوله تعالى:
(وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً: يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً) الفرقان/٦٨-٦٩
فإن مضاعفة العذاب هي بيان وتوضيح للإثم الذي يلقاه مرتكب الكبائر.
كما قد يكون لهذا الإشكال وجه – من حيث قواعد اللغة – لو كان حرف العطف هو الفاء، فكان الكلام: إني ظلمت نفسي فأسلمت مع سليمان.
فإن الفاء تفيد – كثيرا – مع الترتيب (التسبب) ، أي الدلالة على السببية في عطف الجمل، نحو: رمى الصياد الطائر فقتله. انظر "النحو الوافي" (٣/٥٧٤)
أَمَا وقد جاء السياق القرآني على الوجه البَيِّنِ الجَلِيِّ:
(قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
فليس لإشكال السائل أي محل من الفهم الصحيح للسياق، وقواعد النحو العربي.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14891
بطلان ما يزعمون عن الكوكب العاشر
[السُّؤَالُ]
ـ[ما رأيكم فيما يسمي الكوكب العاشر أو كوكب العذاب كما يسمي وأنه متوقع اقترابه يوم ١٥/٥/٢٠٠٣ وأنه سيسبب دمار الأخضر واليابس. هناك من يؤكد صحة هذا الأمر وأنه ما ورد ذكره في القرآن الكريم في سورة الطارق.
أفيدونا يرحمكم الله حيث أن من يؤيد ذلك يدعون الناس لترك منازلهم والهجرة لأماكن أخرى إن أرادوا النجاة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سئل الشيخ حامد العلي في موقعه على الإنترنت عن هذا الموضوع فقال: " يجب على المسلم أن يتقين ثلاثة أمور عندما يسمع مثل هذه الأخبار:
الأمر الأول: هو أن نهاية الحياة في الأرض لن تكون بحال من الأحوال إلا وفق ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وذلك أن نهاية التاريخ لن تحصل قبل ظهور علامات الساعة الصغرى والكبرى كلها، ومن ذلك أن يتصارع أهل الحق وهم أهل الإسلام مع أهل الشر والباطل، وهم كل الذين يعادون دين الحق دين الإسلام، ويسعون لإطفاء نوره وأن ثمة محطتين بارزتين في هذا الصراع ستقع قبل نهاية الحياة، الأولي صراع أهل الإسلام مع أهل الصليب كما صح في الأحاديث التي ذكرت ملاحم آخر الزمان.
والمحطة الثانية هي صراع أهل الإسلام في وقت نزول عيسى ﵇ مع الدجال وأتباعه من اليهود، ثم يخرج يأجوج ومأجوج، ويموتون موتة رجل واحد.
ثم يحكم أهل الإسلام الأرض، ثم يموت كل من في قلبه مثقال ذرة من إيمان بريح باردة تقبض أرواح المؤمنين، ثم لا تلبث الساعة بعد ذلك أن تقوم وشيكا على شرار الخلق متفرقين على كوكب الأرض، لأن الكون لا يخرب وعلى الأرض مؤمن، فإن انعدم الإيمان خربت، إذ الإيمان بالله سبب بقاء الحياة.
والحاصل أنه لا يجوز أن يعتقد المسلم أن نهاية الحياة ستكون بخلاف ما ذكر في النصوص الثابتة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
الأمر الثاني: هو أنه لا يجوز للمسلم أن يعتقد أن الكواكب تهب النفع، أو تدفع الضر، أو يحصل بها الرزق أو هي التي تهب السعادة، وتأتي بالشقاء، وتوجه حياة البشر ونحو ذلك، فهذه عقيدة شركية كان يعتقدها أهل الجاهلية وصح في الأحاديث أن من اعتقدها كفر، وبهذا يعلم أن ما يزعمه كهان الأبراج كله كذب وكفر وشرك بالله تعالى.
فالكواكب ليست سوى أجرام مسخرة تسير بقدرة الله تعالى، وتؤدي دورها في الكون، وهذا لا يمنع أن يكون سيرها وفق نواميس أقام الله تعالى الكون عليها، ويحصل بها تأثر فيما بينها، ويترتب علي هذا التأثر، حصول الكوارث والمصائب والزلازل، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيميه أنه بسبب كون الكسوف يؤثر على الأرض قال ﷺ (آية يخوف الله بها عباده) ا. هـ بمعنى أنها تدل على قرب حدوث أمر مقدر من الله تعالى فيه تخويف وتذكير من الله تعالى، تذكير بقدرته البالغة، وتذكير بنهاية الحياة، وتذكير للإنسان أن لا يطغى وأن يتذكر دائما أنه على أرض الله التي لو شاء لزلزلها من تحت رجليه، فلا يستطيع صرفا ولا نصرا.
ولهذا عادة ما تحدث الزلازل بعد الكسوفات، وكذلك الأعصاير المدمرة، نعوذ بالله من غضبه، كما ذكر ﵀ أن النبي ﷺ استعاذ من القمر لأن له تأثيرا وإلا لما استعاذ منه، وإنما تأثيره من جنس تأثير المؤثرات الحسية التي خلقها الله وخلق تأثيراتها.
ومادام المسلم يعتقد أن ذلك يحصل كله بتقدير الله تعالى، وأنها آيات يخوف الله بها عباده، فلا ضير، لكن يجب أن تكون معرفة علاقة سير الكواكب، والشمس، بحركة سير الأرض، وطبقات الأرض، وحركة الرياح فيها، مبينا على أسس علمية، كما تكتشف علاقات قوانين الطبيعة مع بعضها، والإسلام لم يحرم بل أمر باكتشاف قوانين الكون التي خلقها الله تعالى لتسييره.
الأمر الثالث: هو أنه لا يجوز للمسلم أن ينزل الأحاديث التي ذكر فيها النبي ﷺ ما سيحدث فيما سيأتي من الزمان، على كلام علماء الطبيعة والفلك، الذين قد يكون كلامهم تخريصا أو تخمينا أو توقعات لا تلبث حتى يعلم خطؤها، فلا يصح أن يجزم أحد من الناس بقوله: إن زوال أمريكا، أو خروج المهدي، أو تغيير النظام العالمي، أو موازين القوى في العالم، سيحدث بمرور كوكب يحدث تأثيرات كارثية على الأرض، في هذا العام، أو غيره.
ومن جزم بهذا فهو متخرص، قائل بغير علم، متهجم على الغيب بغير حق، فأما إن كان الكلام في دائرة ذكر الإمكان، وما يمكن أن يقع، فما هو ممكن الوقوع كثير، ولكن لا يعلم ما سيقع، ومتى يقع إلا الله تعالى وحده.
هذا وقد أمرنا أن نجاهد أعداءها بما أوتينا من قوة، وأن نسعى أن نتفوق عليهم، أو أن نساويهم، أو نقاربهم، فيما يملكون من أسباب القوة المادية والمعنوية، ولا نتكل على حصول الكوارث على أعداءنا.
وقد علمنا من سيرة نبينا ﷺ ، أن نواجه الأعداء بتوكلنا على الله أولا، ثم بما آتانا الله من إيمان عميق بعقيدتنا، وعزيمة أكيدة على حقنا، وصبر هائل على طريقنا، وإصرار بغير حدود على رسالتنا، وجهاد دؤوب يستمر عبر الأجيال حتى نصل إلى أهدافنا، وهدفنا الأعلى وهو قيادة البشرية إلى الهدى والنور، لتستمتع الشرية برسالة الرحمة التي بعث بها نبينا ﷺ ، وذلك كما فعل ﷺ في حياته، ولنا فيه الأسوة الحسنة.
وبعد هذا نقول إن كل ما ذكره هذا المتكلم عن كوكب (نيبيرو) لا قيمة له حتى يثبت بأسس علمية صحيحة، إن هذا الكوكب سيحصل بمروره قرب الأرض تأثيرات كارثية، ثم إذا ثبت ذلك، فالواجب علينا أن نتمسك بالثوابت الثلاثة التي ذكرتها قبل قليل، ثم اللجوء إلى الله تعالى، والتوجه إليه بالدعاء أن يجنبنا البلاء، وإذا وقع أن يرفعه عنا، ويجعل عاقبته خيرا لنا ولأهل الإسلام
مع أن غالب الظن أن هذا الكلام على الكوكب المذكور، كله تخرص، لا أساس له من الصحة، أو هو مبالغ فيه، والاهتمام به، ليس من الحكمة في شيء.
والله أعلم " ا. هـ
وقد مر التاريخ الذي ذكره السائل في سؤاله، ولم يحدث شيء، مما يؤكد أن هذا الكلام من باب الخرص والقول بلا علم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14892
شيوعي ملحد يدعي أن الصيام مضرّ !!
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أعيش في روسيا وأدرس هناك، ولدينا أكثر الأساتذة شيوعيون لا يؤمنون بوجود الخالق ، أحدهم قال لنا كيف الله الذي عندكم يأمركم بترك الطعام والشراب في النهار وهذا مضر بالصحة فما تنصحنا بالرد على هذا الشيوعي أذله الله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الصيام مع كونه - في الأساس - عبادة شرعية، وفريضة إلهية، فإنه مع ذلك من أنفع الأدوية، وأنجع الوسائل لتقوية الصحة والبدن معا، وهذا بشهادة الأطباء الكفرة، فضلا عن المسلمين.
فالصوم يساهم مساهمة فعالة في علاج الاضطرابات النفسية، وتقوية إرادة الصائم، ورقة مشاعره، وحبّه للخير، والابتعاد عن الجدل والمشاكسة والميول العدوانية، وإحساسه بسمّو روحه وأفكاره. وبالتالي تقوية وتدعيم شخصيته، وزيادة تحمّلها للمشاكل والاعباء، ومما لا شك فيه أنّ ذلك ينعكس بصورة تلقائية على صحّة الإنسان.
هذا من جانب، ومن جانب آخر فالصوم يساهم في علاج الكثير من أمراض الجسم، كأمراض الجهاز الهضمي، مثل التهاب المعدة الحاد، وتهيج القولون، وأمراض الكبد، وسوء الهضم، وكذلك في علاج البدانة وتصلّب الشرايين، وارتفاع ضغط الدّم، وخناق الصدر، والربو القصبي، وغيرها.
وقد كتب الطّبيب السويسري بارسيلوس: (إن فائدة الجوع في العلاج قد تفوق بمرّات استخدام الأدوية) ، أمّا الدكتور هيلب، فكان يمنع مرضاه من الطّعام لبضعة أيام، ثمّ يقدّم لهم بعدها وجبات غذائية خفيفة. وبشكل عام فإنّ الصوم يساهم في هدم الأنسجة المتداعية وقت الجوع. ثمّ إعادة ترميمها من جديد عند تناول الطّعام، وهذا هو السبب الذي دعا بعض العلماء ومنهم باشوتين، أن يعتبروا أنّ للصوم تأثيراً معيداً للشباب.
ويقول " توم برنز" من مدرسة كولومبيا للصحافة:" إنني أعتبر الصوم تجربة روحية عميقة أكثر منها جسدية، فعلى الرغم من أنني بدأت الصوم بهدف تخليص جسدي من الوزن الزائد إلا أنني أدركت أن الصوم نافع جدا لتوقد الذهن، فهو يساعد على الرؤية بوضوح أكبر، وكذلك على استنباط الأفكار الجديدة وتركيز المشاعر، فلم تكد تمضي عدة أيام من صيامي في منتجع "بولنج" الصحي حتى شعرت أني أمر بتجربة سمو روحي هائلة "
وطبيعي أن يسبب الصوم ضرراً ومشقة زائدة لبعض الناس في حالات معينة، وقد أعفاهم الله تعالى من الصيام كالمريض والمسافر.
كما أنّ فوائد الصوم المثلى تكون بالالتزام بآدابه، ومنها تأخير السحور، وتعجيل الفطور، وعدم الإسراف في الطّعام كمّاً وكيفاً، وتجنّب الإسراف في تنويع الأطعمة.
وتقول دائرة المعارف البريطانية: " إن أكثر الأديان قد فرضت الصيام وأوجبته، فهو يلازم النفوس حتى في غير أوقات الشعائر الدينية، يقوم به بعض الأفراد استجابة للطبيعة البشرية "
وفي القرن العشرين ظهر عدد من الكتب الطبية في أمريكا وأوروبا تتحدث عن فوائد الصوم الطبي، فكان هناك " التداوي بالصوم " لشلتون. وكتاب " الصوم الطبي: النظام الغذائي الأمثل " لآلان كوت، و " الصوم أكسير الحياة " لهنرك تانر، و " العودة إلى الحياة السليمة بالصوم الطبي " للوتزنر.
وفي الصيام فائدة عظيمة لكثير من مرضى القلب، وذلك لأن ١٠ % من كمية الدم التي يدفع بها القلب إلى الجسم تذهب إلى الجهاز الهضمي أثناء عملية الهضم، وتنخفض هذه الكمية أثناء الصوم حيث لا توجد عملية هضم أثناء النهار، وهذا يعني جهدا أقل وراحة أكبر لعضلة القلب.
كما أن الصيام يفيد في علاج الأمراض الجلدية، والسبب في ذلك أنه يقلل نسبة الماء في الدم فتقل نسبته بالتالي في الجلد، مما يعمل على:
- زيادة مناعة الجلد ومقاومة الميكروبات والأمراض المعدية الجرثومية.
- التقليل من حدة الأمراض الجلدية التي تنتشر في مساحات كبيرة في الجسم مثل مرض الصدفية.
- تخفيف أمراض الحساسية والحد من مشاكل البشرة الدهنية.
- مع الصيام تقل إفرازات الأمعاء للسموم وتتناقص نسبة التخمر الذي يسبب دمامل وبثورا مستمرة.
هذه بعض فوائد الصوم الصحية، وبه تعلم أن ما يقول ذلك الشيوعي الملحد لا أساس له من الصحة.
مع أننا نصوم امتثالاً لأمر الله تعالى لنا بالصيام في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة/١٨٣
ولو أمرنا الله تعالى بقتل أنفسنا لفعلنا ذلك إرضاء لربنا جل وعلا، ولكننا نؤمن إيماناً جازماً أنه سبحانه لن يأمرنا إلا بما فيه مصلحتنا في الدنيا والآخرة
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14893
كتاب درة الناصحين
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت في كتاب درة الناصحين في الوعظ والإرشاد ولعالم من علماء القرن التاسع الهجري اسمه: عثمان بن حسن بن أحمد الخوبري قرأت ما نصه: عن جعفر ابن محمد عن أبيه عن جده أنه قال: إن الله تعالى نظر إلى جوهرة فصارت حمراء، لم نظر إليها ثانية فذابت وارتعدت من هيبة ربها، ثم نظر إليها ثالثة فصارت ماء، ثم نظر إليها رابعة فجمد نصفها فخلق من النصف العرش ومن النصف الماء، ثم تركه على حاله ومن ثم يرتعد إلى يوم القيامة.
وعن علي ﵁ أن الذين يحملون العرش أربعة ملائكة لكل ملك أربعة وجوه أقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة مسيرة خمسمائة عام. أرجو الإفادة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الكتاب لا يعتمد عليه، وهو يشتمل على أحاديث موضوعة وأحاديث ضعيفة لا يعتمد عليها ومنها هذان الحديثان فإنهما لا أصل لهما، بل هما حديثان موضوعان مكذوبان على النبي ﷺ فلا ينبغي أن يعتمد على هذا الكتاب وما أشبهه من الكتب التي تجمع الغث والسمين والموضوع والضعيف، فإن أحاديث الرسول ﵊ قد خدمها العلماء من أئمة السنة وبينوا صحيحها من سقيمها، فينبغي للمؤمن أن يقتني الكتب الجيدة المفيدة مثل الصحيحين، وكتب السنن الأربع، ومنتقى الأخبار لابن تيمية، ورياض الصالحين للنووي، وبلوغ المرام للحافظ ابن حجر، وعمدة الحديث للحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، وأمثالها من الكتب المفيدة المعتمدة عند أهل العلم.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز ٦ / ٤٠٦
стр. 14894
موقف الإسلام من استكشاف الفضاء
[السُّؤَالُ]
ـ[مع كل ما يقال عن استكشاف الفضاء و"ما إذا كانت توجد حياة" خارج كوكبنا الجميل، ما رأي القرآن في المخلوقات الفضائية؟ وبالإضافة إلى ذلك، هل ينبغي أن نبحث عن وجود حياة على كوكب آخر، وكيف ينبغي أن يكون موقفنا تجاه هذا الاكتشاف الجديد؟
وقد يبدو هذا السؤال غريباً، ولكن الفكرة في رأيي تثير الاهتمام، الأمر الذي يطرح التساؤل حول العلم الذي لا يتمشى دائماً مع أي دين.
والسلام.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الإسلام لا يحول بين الإنسان وبين محاولة اكتشاف الكون وما فيه من العجائب وأن ينظر في ملكوت الله وما خلق الله في السماوات والأرض كما أمر الله في كتابه.
ويحسن الانتباه هنا إلى أمرين:
أولا: الموازنة بين حجم الجهود والأوقات والأموال المبذولة من جهة، ومقدار الفائدة المرجوّة من جهة أخرى.
وثانيا: أن يتعلّم الإنسان كيف يمشي على الأرض قبل أن يذهب بعيدا في أنحاء الفضاء.
وصلى الله على نبينا محمد
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 14895
حكم تعلم العلوم الدنيوية والصناعات العسكرية
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم تعلم العلوم الدنيوية والصناعات العسكرية، وهل هي فرض على المسلمين، وهل يؤجر عليها المسلم الذي يتعلمها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
العلوم (غير العلوم الشرعية) أي من استخراج المعادن وشؤون الزراعة والفلاحة وسائر العلوم النافعة، قد يجب منها ما يحتاجه المسلمون، ويكون فرض كفاية، ولولي الأمر فيها أن يأمر بما يحتاجه المسلمون، ويساعد أهلها في ذلك، أي بما يعينهم على نفع المسلمين، والإعداد لعدوهم، وعلى حسب نية العبد تكون أعماله: عبادة لله متى صلحت النية، وخلصت لله، وإذا فعلها بدون نية تكون من المباحات: أعني أنواع الصناعات المباحة، واستخراج المعادن والزراعة والفلاحة، وغير ذلك.
وكلها أمور مطلوبة ومع صلاح النية تكون عبادة، ومع خلوها من ذلك تكون أموراً مباحة، وقد تكون فرض كفاية في بعض الأحيان إذا دعت الحاجة إليها، ووجب على ولي الأمر أن يلزم بذلك من هو أهل لها، فهي أمور لها شأنها، ولها أحوالها الدّاعية إليها، وتختلف بحسب النية، وبحسب الحاجة.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب العلم وأخلاق أهله ص ١٥ للشيخ عبد العزيز بن باز يرحمه الله.
стр. 14896
المكتشفات العلمية للمسلمين
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي الإنجازات العلمية في الإسلام؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أهمّ إنجاز للإسلام في حياة البشر أنّه أخرج النّاس من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد وليس القرآن الكريم كتاب اختراعات ومكتشفات حتى نسأل عن المكتشفات العلمية الدنيوية فيه، وإنما هو كتاب نزل نورا وهداية من الضلالة، وشفاء لما في الصّدور وفيه فتح المجال للبشر لعمارة الأرض والاستفادة مما فيها والنظر في آيات الله في خلقه، ولذلك اتجّه المسلمون إلى دراسة الكون وقدّموا إنجازات عظيمة للبشرية في الطبّ والفلك والرياضيات وعلوم الطبيعة وغيرها، وليس هذا المجال مناسبا لسرد دور العلماء المسلمين في المكتشفات والمخترعات والنظريات العلمية، فلذلك كتب خاصة مؤلفة في هذا المجال، ويمكنك أن تسأل المنصفين من الكفّار عمّا قدمه الخوارزمي في الرياضيات وابن الهيثم في الطبيعة وابن النفيس في الدورة الدموية والإدريسي في الجغرافيا وهكذا.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 14897
ما حكم تعلم العربي للغة الإنكليزية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم تعلم اللغة الإنجليزية في الوقت الحاضر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تعلمها وسيلة , فإذا كنت محتاجاً إليها كوسيلة في الدعوة إلى الله فقد يكون تعلمها واجباً , وإن لم تكن محتاجاً إليها فلا تشغل وقتك بها واشتغل بما هو أهم وأنفع , والناس يختلفون في حاجاتهم إلى تعلم اللغة الإنجليزية , وقد أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود (قال زيد بن ثابت: أمرني رسول الله ﷺ فتعلمت له كتاب اليهود , وقال: (إني والله ما آمن يهودي على كتابي) فتعلمته , فلم يمر بي إلا نصف شهر إلا حذقته , فكنت أكتب له إذا كتب وأقرأ له إذا كتب إليه) . أخرجه أبو داود , كتاب العلم , باب: رواية حديث أهل الكتاب , والإمام أحمد جـ ٥ ص١٨٦, والحاكم في (المستدرك) جـ ١ ص٧٥ , وقال (حديث صحيح) ووافقه الذهبي.)
فتعلم اللغة الإنجليزية وسيلة من الوسائل إن احتجت إليها تعلمتها وإن لم تحتج إليها فلا تضيّع وقتك فيها.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين , كتاب العلم الصفحة (١٢٠) .
стр. 14898
فائدة الإنترنت في نشر العلم
[السُّؤَالُ]
ـ[هل تعتقد أن الإنترنت مفيدة للمجتمع المسلم في نشر المعلومات؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الجواب ما ترين لا ما تسمعين
ولا أظنّ القضية تحتاج إلى سؤال، لكن السؤال ينبغي أن يكون عن السلبيات والمحرّمات وليس الإيجابيات لأنّها واضحة وملموسة ولكنّ كثرة المواقع المحتوية على شرّ عظيم هو الذي يدفع إلى التفكير بالوسائل اللازمة لتلافي شرورها وهذا واجب أهل الاختصاص من المسلمين في حقل شبكة الإنترنت.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 14899
حكم دراسة النظريات الغربية المنافية للشريعة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا طالب في الجامعة وكل دراستي نظريات غربية تنافي تعاليم الشرع فما رأيكم إذا علمت أنني أنوي نقد مثل هذه النظريات ونفع الأمة الإسلامية في دراستي الحالية وبعد تخرجي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله تعالى ـ السؤال السابق فأجاب بقوله: أقول هذا لا شك أنه من الجهاد في سبيل الله , أن يدرس الإنسان هذه النظريات المخالفة للإسلام حتى يرد عليها عن علم.
ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ وقد أرسله إلى اليمن: (أنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب) أخرجه البخاري , كتاب الزكاة (١٣٩٥) , ومسلم , كتاب الإيمان (٢٩) . فأخبره بحالهم كي يستعد لهم , وكذلك العلماء الذي درسوا هذه الأمور كشيخ الإسلام ابن تيمية درس من العلوم والنظريات الفلسفية وغيرها ما يستطيع أن يرد به على أصحابها.
فإذا كنت تتعلم هذه الأمور للرد , وأنت واثق أن لديك المقدرة على الرد بحيث لا تتأثر بها , بأن يكون لديك عبادة وتقوى فأرجو إن شاء الله تعالى أن يكون هذا خيراً لك ونفعاً للمسلمين , وأما إذا كنت ترد عليها بشيء غير معقول أو ليس لديك دليل , فلا تنتهج هذا الطريق وكذلك تعرف نفسك أنك لست على يقين كامل وثبات راسخ فأنا أشير عليك أن تدع الأمور لأنها خطيرة , ولا ينبغي للإنسان أن يعترض للبلاء مع الخوف منه.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين , كتاب العلم , الصفحة (١٣٢) .
стр. 14900
تعلم اللغة الإنجليزية للدعوة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما رأي فضيلتكم في تعلم طالب العلم اللغة الإنجليزية لا سيما في سبيل استخدامها في الدعوة إلى الله؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله تعالى ـ السؤال السابق فأجاب فضيلته بقوله:
رأينا في تعلم اللغة الإنجليزية أنها وسيلة لا شك , وتكون رديئة إذا كانت لأهداف رديئة , لكن الشيء الوحيد الذي يجب اجتنابه أن تُتخذ بديلاً عن اللغة العربية , فإن هذا لا يجوز , وقد سمعنا بعض السفهاء يتكلم بها بدلاً من اللغة العربية , حتى إن بعض السفهاء المغرمين الذين اعتبرهم أذناباً لغيرهم كانوا يعلمون أولادهم تحية غير المسلمين يعلمونهم أن يقولوا باي باي عند الوداع وما أشبه ذلك.
لأن إبدال اللغة العربية التي هي لغة القرآن وأشرف اللغات بهذه اللغة محرم وقد صح عن السلف النهي عن رطانة الأعاجم وهم من سوى العرب.
أما استعمالها وسيلة للدعوة فلا شك أنها واجب أحياناً , وأنا لم أتعلمها وأتمنى لو أني كنت تعلمتها ووجدت في بعض الأحيان أني أضطر إليها حتى المترجم لا يمكنه أن يعبر عما في قلبي تماماً.
وأذكر لكم قصة حدثت في مسجد المطار بجدة مع رجال التوعية الإسلامية نتحدث بعد صلاة الفجر عن مذهب التيجاني وأنه مذهب باطل وكفر بالإسلام وجعلت أتكلم بما أعلم عنه فجاءني رجل فقال: أريد أن تأذن أي أن أترجم بلغة الهوسا , فقلت لا مانع فترجم فدخل رجل مسرع فقال: هذا الرجل الذي يترجم عنك يمدح مذهب التيجانية فدهشت وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون , فلو كنت أعلم مثل هذه اللغة ما كنت أحتاج إلى مثل هؤلاء الذين يخدعون , فالحاصل أن معرفة لغة من تخاطب لا شك أنها مهمة في إيصال المعلومات قال الله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) إبراهيم / ٤.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين , كتاب العلم , الصفحة (١٤٣) .
стр. 14901
هل تترك السنة البعدية للمغرب من أجل الدرس ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[قد شاع بين طلبة العلم أن المدرس حين يدرس بعد المغرب يترك المدرس والطلبة صلاة سنة المغرب، محتجين بأن طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، فهل هذا المسلك صحيح أم خطأ؟ أفيدونا بارك الله فيكم، ونفع بكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المسلك الصحيح لطالب العلم هو ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، ثم العلماء من بعدهم إلى يومنا هذا: هديهم الدائم، وصفتهم التي لا يتحولون عنها: الحرص على النوافل، والتمسك بالفضائل، والالتزام بسنة خير المرسلين محمد ﷺ ، بل هم أولى من قام بذلك، وأوجب من أمر بذلك، لما هم فيه من انشغال بتعلم سنة النبي ﷺ ، وتعلم فضائل الشريعة، فالجدير بطالب العلم أن يعمل بما علم، وأن يكون مقدم الناس إلى الطاعات والعبادات.
ولو رحنا نسوق شيئا من حرص العلماء على العبادات، وعلو همتهم في الالتزام بها لطال بنا المقام كثيرا.
وإذا كان الإمام أحمد ﵀ قد أنكر على أحد طلبة العلم الذين باتوا عنده ولم يصل قيام الليل، فقال له: ما سمعت بصاحب حديث لا يقوم بالليل. " الآداب الشرعية " (٢/١٦٩) فكيف إذن نسمع اليوم بطالب حديث لا يحافظ على الرواتب.
ولو جرى طالب العلم وراء فهمه الخاطئ لقول العلماء إن طلب العلم خير من نوافل العبادات، لما حافظ على عبادة، بل لَتَرَك الصيام المؤكد، وجف لسانه من ذكر الله، ولما سافر لعمرة ولا تعبد بمعروف للناس: كل ذلك بدعوى انشغاله بالحفظ والدرس والطلب.
فليحذر من كان هذا حاله من خطوات الشيطان، فهو – أعاذنا الله منه – حريص على إفساد قلب طالب العلم، وإشغاله بالمسائل، من غير عمل بها، ولا دعوة إليها.
قال الخطيب البغدادي ﵀:
" ثم إني موصيك - يا طالب العلم - بإخلاص النية بطلبه، وإجهاد النفس على العمل بموجبه، فإن العلم شجرة، والعمل ثمرة، وليس يُعد عالماً من لم يكن بعلمه عاملاً، فلا تأنس بالعمل ما دمت مستوحشاً من العلم، ولا تأنس بالعلم ما كنت مقصراً في العمل، ولكن اجمع بينهما، وإن قل نصيبك منهما " انتهى باختصار.
" اقتضاء العلم العمل " (ص/١٤)
بل كان بعض السلف لا يحب لطالب العلم أن يشتغل في طلبه إلا بالعلم الذي يحتاجه ليعمل به في يومه وليلته، وأما فضول العلم مما لا عمل فيه فكانوا ينهون عنه.
عن ابن وهب قال: قيل لمالك: ما تقول في طلب العلم؟
قال: حسن جميل، لكن انظر الذي يلزمك من حين تصبح إلى أن تمسي، فالزمه.
" سير أعلام النبلاء " (٨/٩٧)
وقد كان علماؤنا يدركون أن طلب العلم خير من نوافل العبادات، ولكنهم يقررون أيضا أنه لا تعارض بينهما، وأن طالب العلم إن لم يكن له نصيب وافر من نوافل العبادات، وخاصة السنن الرواتب، فذلك دليل على عدم إخلاصه، وعلى سوء فهمه، وتلبيس الشيطان عليه.
يقول الإمام الذهبي ﵀:
" هذه مسألة مختلف فيها: هل طلب العلم أفضل، أو صلاة النافلة والتلاوة والذكر؟
فأما من كان مخلصا لله في طلب العلم، وذهنه جيد، فالعلم أولى، ولكن مع حظ من صلاة وتعبد، فإن رأيته مجدا في طلب العلم، لا حظ له في القربات، فهذا كسلان مهين، وليس هو بصادق في حسن نيته.
وأما من كان طلبه الحديث والفقه غية ومحبة نفسانية، فالعبادة في حقه أفضل، بل ما بينهما أفعل تفضيل، وهذا تقسيم في الجملة، فقلَّ - والله - من رأيته مخلصا في طلب العلم.
دعنا من هذ كله فليس طلب الحديث اليوم على الوضع المتعارف من حيز طلب العلم، بل اصطلاح وطلب أسانيد عالية، وأخذ عن شيخ لا يعي، وتسميع لطفل يلعب ولا يفهم، أو لرضيع يبكي، أو لفقيه يتحدث مع حدث، أو آخر ينسخ.
وفاضلهم مشغول عن الحديث بكتابة الأسماء أو بالنعاس، والقار إن كان له مشاركة فليس عنده من الفضيلة أكثر من قراءة ما في الجزء، سواء تصحف عليه الاسم، أو اختبط المتن، أو كان من الموضوعات.
فالعلم عن هؤلاء بمعزل، والعمل لا أكاد أراه، بل أرى أمورا سيئة. نسأل الله العفو " انتهى.
" سير أعلام النبلاء " (٧/١٦٧)
ونحن نخشى والله أن يكون حال كثير من طلبة العلم في هذا الزمان، كحال أولئك الذين نعى عليهم الإمام الذهبي ﵀ انشغالهم بصورة طلب العلم عن العمل بالمضمون.
ثم ننقل لك ههنا نصيحة مطولة لابن الحاج المالكي، يوصي فيها طالب العلم بالمحافظة على أوراد من العبادات، وينهاه عن تركها والانشغال بالعلم عنها، فهي حظه ونصيبه من علمه كله.
يقول ﵀:
" ينبغي له – أي لطالب العلم - أن لا يخلي نفسه من العبادات , وأن يكون له ورد من كل شيء منها، إذ إنها سبب الإعانة على ما أخذ بسبيله، لقوله ﵊:
(واستعينوا بالغدوة والروحة , وشيء من الدلجة) – رواه البخاري (٣٩) ، وانظر شرحه في جواب رقم: (٧٠٣١٤) - وما يستعان به لا يترك.
وقد كان بنو إسرائيل إذا أراد أحدهم أن يتعلم العلم انقطع للعبادة أربعين سنة حتى يصفو بها قلبه , وينشرح صدره , فحينئذ يأخذ في تعلم العلم , وذلك لطول أعمارهم , وأما هذه الأمة فقد قال مالك ﵀: أدركت الناس , وهم يتعلمون العلم إلى أن يصل أحدهم أربعين سنة فينقطع للعبادة , ويطوي الفراش انتهى.
ومعنى طي الفراش مثل ما كان ﵊ يفعل في العشر الأواخر من شهر رمضان , وكان النبي ﷺ يطوي فراشه , ويشد مئزره , ويوقظ أهله , ويقوم الليل كله.
وإذا كان ذلك كذلك فيحتاج في أول طلبه العلم أن يمزجه بالتعبد , إذ إنه ليس ثم عمر طويل في الغالب في هذا الزمان حتى يترك له برهة منه، فيخشى عليه أن يموت وهو في السبب قبل وصوله للمقصود.
وقد قال عبد الله بن مسعود ﵁: تعلموا ما شئتم أن تتعلموا، فلن يأجركم الله عليه حتى تعملوا.
ولأن العلم كالشجرة , والتعبد كالثمرة , فإذا كانت الشجرة لا ثمر لها فليس لها فائدة كلية , وإن كانت حسنة المنظر ناعمة , وقد ينتفع بها للظل وغيره , ولكن الذي عليه المعول قد عدم منها.
وليحذر أن يتكلف من العمل ما عليه فيه مشقة , أو يخل باشتغاله بالعلم , إذ أن اشتغاله بالعلم أفضل كما تقدم , وهذا باب كثيرا ما يدخل منه الشيطان على المشتغلين بالعلم؛ إذا عجز عن تركهم له، فيأمرهم بكثرة الأوراد حتى ينقص اشتغالهم ; لأن العلم هو العدة التي يُتقَّى بها , ويُحذر منه بها، فإذا عجز عن الترك رجع إلى باب النقص , وهو باب قد يغمض على كثير من طلبة العلم ; لأنه باب خير , وعادة الشيطان لا يأمر بخير، فيلتبس الأمر على الطالب فيخل بحاله ...
وإذا كان ذلك كذلك فينبغي له أن يشد يده على مداومته على فعل السنن والرواتب وما كان منها تبعا للفرض قبله أو بعده.
وهذا كله بعد تحصيل الفرائض , وكذلك قضاء الفوائت إن كانت عليه ; لأنه لا يفعل السنن وعليه شيء من ذلك.
وكذلك لا يخلي نفسه من ركوع الضحى، لقول عائشة ﵂: لو نشر لي أبواي ما تركتها , ومعناه لو أحييا لي وقاما من قبريهما ما اشتغلت بهما عنها.
وكذلك يحافظ على قيام الليل , ولا يخلي نفسه منه , وهو خمس تسليمات غير الوتر , ويقرأ فيها بما خف من القرآن يكون له في تلك الركعات حزب معلوم، من جزئين إلى ثلاثة ; لأن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل كما جاء في الحديث، وفي قيام الليل من الفوائد جملة , فلا ينبغي لطالب العلم أن يفوته منها شيء
ولعلك تقول: إن طالب العلم إن فعل ما ذكرتموه تعطلت عليه وظائفه من الدرس والمطالعة والبحث؟
فالجواب: أن نفحة من هذه النفحات تعود على طالب العلم بالبركات , والأنوار , والتحف ما قد يعجز الواصف عن وصفه , وببركة ذلك يحصل له أضعاف ذلك فيما بعد , مع أن هذا أمر عزيز قل أن يقع إلا للمعتني به , والعلم والعمل إنما هما وسيلتان لمثل هذه النفحات.
وينبغي له أن يحافظ على ورد الصوم , ولا ينبغي له أن يتعلل بأنه مشغو عنه بطلب العلم , إذ صيام ثلاثة أيام في الشهر ليس فيها كبير مشقة في الغالب، سيما على ما كان يصومها مالك ﵀ , فإنه كان يفطر تسعة أيام , ويصوم عاشرها , وهذا كما تقدم في صلاة الليل فإن وجد النشاط والقوة على أكثر من ذلك بادر إليه مع عدم وقوع الخلل فيما هو بسبيله.
فإن ادعى أنه يعجز عن صوم ثلاثة أيام في الشهر مع طلب العلم فينبغي لهذا أن يترك طلب العلم في تلك الثلاثة , ويصومها , لئلا تفوته هذه الفضيلة العظمى.
ثم كذلك يكون حاله في جميع الأعمال لا يخلي نفسه من شيء منها كما تقدم، ويكون الغالب عليه اشتغاله بالدرس , والمطالعة , والتفهم , والبحث مع الإخوان الذين يرتجى النفع بهم , ولقاء مشايخ العلم الذين جعلهم الله سببا للفتح والخير , ويواظب على ذلك " انتهى باختصار.
" المدخل " (٢/١٣٢-١٣٩)
وهذا كلام غاية في النفاسة، ما أشد حاجتنا للعمل به.
وبناء عليه: فالنصيحة لهؤلاء أن يبدؤوا أولا بصلاة سنة المغرب، قبل اشتغالهم بالدرس، ثم ينتقل الجميع إلى الدرس، فيجمعوا بين الخيرين، ولا يفوتهم، إن شاء الله، شيء مما هم بسبيله من طلب العلم، ويكون أرفق بمن بعد منزله، أو صلى في مسجد آخر، أن يدرك درس العلم من أوله.
والله المستعان.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14902
كيف لطالب علم أن يقوم بعمل جدول لتنظيم وقته ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكنكم أن تنصحوني، كيف لطالب علم أن يقوم بعمل جدول لتنظيم وقته؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
طلب العلم الشرعي منزلته عظيمة في الإسلام؛ فإن الله ﵎ أثنى على العلم وأهله، فقال تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ) الزمر/ ٩، وقال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) فاطر/ ٢٨.
وعن حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قال: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيباً يَقُولُ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ) .
رواه البخاري (٧١) ومسلم (١٠٣٧) .
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِى السَّمَاءِ وَالأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانِ فِى الْمَاءِ وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) .
رواه الترمذي (٢٦٨٢) وأبو داود (٣٦٤١) وابن ماجه (٢٢٣) ، وحسَّنه الألباني في " صحيح الترغيب " (١ / ١٧) .
فالعلم الشرعي يحصل به الإنسان خيري الدنيا، والآخرة , وهو مقدَّم على سائر العلوم، لا سيما إذا خلصت فيه النية.
وانظر جواب السؤال رقم: (١٠٤٧١) .
ثانياً:
إنَّ أولى ما صُرفت فيه الأوقات في بداية الطلب: حفظ كتاب الله ؛ فهو أولى ما تنافس به المتنافسون؛ واجتهد فيه المجتهدون , وسعى إليه طلبة العلم.
وانظر جواب السؤال رقم (١٤٠٣٥) للوقوف على مزايا حفظ كتاب الله.
وانظر جوابي السؤالين: (٧٩٦٦) و (١١٥٦١) للوقوف على قواعد حفظ كتاب الله.
ثالثاً:
من الأمور التي تقرب الطريق لطالب العلم: أن يكثر من المشايخ والعلماء، الذين يتلقى عليهم، فأقصر طريق لطلب العلم، وأحسنه لنيل المبتغى: أن ييسر الله له شيخاً، أو عالماً من علماء السنَّة يطلب على يده العلم , وانظر جواب السؤال رقم: (٢٢٠٣٧) .
رابعاً:
أما تنظيم الوقت فهو كالآتي:
أ. تحديد مواعيد الأشياء الثابتة في كل يوم، فمثلاً: تحديد موعد النوم، وموعد الوجبات، موعد الزيارات، موعد الجلسات، موعد المذاكرة.
ب. ومن الأمور التي تساعد على استغلال الوقت والمحافظة عليه: قتل مضيعات الأوقات في مهدها، ككثرة النوم , وكثرة الطعام والشراب , والاجتماعات على غير فائدة شرعية، وهي ما يسمَّى بفضول الكلام , وتجنب مضيعات الوقت من وسائل اللهو، من البرامج، والمسلسلات، والجرائد، والمجلات، والألعاب، والمباريات، والمسابقات.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
ينبغي لطالب العلم أن يحفظ وقته عن الضياع، وضياع الوقت يكون على وجوه:
الوجه الأول: أن يدَع المذاكرة ومراجعة ما قرأ.
الوجه الثاني: أن يجلس إلى أصدقائه، ويتحدث بحديث لغو ليس فيه فائدة.
الوجه الثالث: وهو أضرُّها على طالب العلم: ألا يكون له همٌّ إلا تتبع أقوال الناس، وما قيل، وما قال، وما حصل، وما يحصل، في أمر ليس معنيًّا به، وهذا لا شك أنه من ضعف الإسلام؛ لأن النبي ﵌ قال: (مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ) - رواه الترمذي (٢٣١٨) وصححه الألباني -.
والاشتغال بالقيل والقال، وكثرة السؤال: مضيعة للوقت، وهو في الحقيقة مرض، إذا دبَّ في الإنسان - نسأل الله العافية -: صار أكبر همِّه، وربما يعادي من لا يستحق العداء، أو يوالي من لا يستحق الولاء، من أجل اهتمامه بهذه الأمور التي تشغله عن طلب العلم، بحجة أن هذا من باب الانتصار للحق، وليس كذلك، بل هذا من إشغال النفس بما لا يعني الإنسان، أما إذا جاءك الخبر بدون أن تلقفه، وبدون أن تطلبه: فكل إنسان يتلقى الأخبار، لكن لا ينشغل بها، ولا تكون أكبر همه؛ لأن هذا يشغل طالب العلم، ويفسد عليه أمره، ويفتح في الأمة باب الحزبية، فتتفرق الأمَّة.
" كتاب العلم " (ص ١٤٣، ١٤٤) .
ت. ومن الأمور الضارة بمسألة تنظيم الوقت واستغلاله: قضية التسويف، والتسويف داء كبير يحرم من خيرات كثيرة، دنيوية، وأخروية.
ث. أعظم الربح في الدنيا: أن تشغل نفسك في كل وقت بما هو أولى بها، وأنفع لها في معادها، كما قال ابن القيم ﵀: إن أفضل العبادة: العمل على مرضاة الرب في كل وقت، بما هو مقتضى ذلك الوقت، ووظيفته.
" مدارج السالكين " (١ / ٨٨) .
ج. استثمار الوقت ما استطاع الإنسان لذلك سبيلاً , وعدم تضييع لحظة في غير طاعة، أو قربة , ولقد ضرب سلفنا رحمهم الله تعالى أمثلة عجيبة في الاستفادة من أوقاتهم، فهذا أبو نعيم الأصفهاني المتوفى سنة ٤٣٠هـ كان حفاظ الدنيا قد اجتمعوا عنده، وكل يوم نوبة واحد منهم، يقرأ ما يريده إلى قبيل الظهر على الشيخ، فإذا قام إلى داره ربما يُقرأ عليه في الطريق جزءٌ، وهو لا يضجر.
وكان سليم الرازي شافعيّاً، فنزل يوماً إلى داره ورجع، فقال: لقد قرأت جزءاً في طريقي.
وقال الحافظ الذهبي ﵀ في ترجمة الخطيب البغدادي: كان الخطيب يمشي وفي يده جزء يطالعه.
وكان ابن عساكر ﵀ كما يقول عنه ابنه -: لم يشتغل منذ أربعين سنة إلا بالجمع، والتسمية، حتى في نزهته وخلواته، يصطحب معه كتب العلم، والمصحف يقرأ، ويحفظ.
وكانوا يحرصون على استغلال الوقت في عمل أكثرِ مِن شيءٍ في الوقت نفسه، فقد كان بعضهم إذا حفي عليه القلم واحتاج إلى بريه يحرك شفتيه بذكر الله وهو يصلح القلم، أو يردد مسائل يحفظها لئلا يمضي عليه الزمان وهو فارغ.
وكان أبو الوفاء علي بن عقيل ﵀ يقول: إنني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن المذاكرة، وتعطل بصري عن المطالعة: أعملت فكري في حال راحتي وأنا منصرف، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره.
ويقول ابن القيم ﵀: وأعرف من أصابه مرض من صداع، وحمَّى، وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة: قرأ فيها، فإذا غلب: وضعه.
ح. وأما الجدول، وتنظيم الوقت: فهو كالآتي:
١. يبتدئ برنامج طالب العلم من الفجر؛ وهو وقت الحفظ – حفظ القرآن , الأحاديث , المتون -؛ فأفضل وقت للحفظ - لا سيما القرآن -: وقت السَّحَر، وما بعد الفجر، فالذهن يكون صافياً، وأقرب إلى سهولة الحفظ , فيصلي طالب العلم في المسجد، ويبقى إلى الشروق، أو ما بعد ذلك، ويحفظ، ويراجع محفوظه، فإن انتهى من ذلك: ابتدأ بحفظ المتون العلمية - متون الأحاديث، والفقه، والأصول، واللغة -.
٢. فإن كان لديه عمل، أو دراسة: انطلق لها، وإلا تابع في الصباح الحفظ، والمراجعة , إلى الظهر، ثم القيلولة، وراحة الجسد.
٣. وأما العصر فيجعله للمطالعة، والقراءة، أو المدارسة، أو حضور دروس العلم، أو مراجعة المحفوظ.
٤. وبعد المغرب يُجعل لحضور مجالس العلم , وبعد العشاء: لمراجعة ما تم تقييده من العلم، أو يجعله للمطالعة.
وليعلم أن ما ذكرناه هنا هو من باب الترتيب الإجمالي للوقت، وإلا فإن مرجع الترتيب في الوقت يرجع للطالب بحسب ظروفه، فالطالب غير العامل، والمتزوج غير الأعزب، والمتفرغ غير المشغول، وهكذا، والمهم في ترتيب الوقت أن تكون ثمة ساعات في اليوم والليلة يلزم فيها نفسه بالحفظ، والقراءة، فالنفس تطلب الراحة، وتحب الكسل، فينبغي له أن يربيها على الجد، والنشاط، وأن يعودها على التنظيم، والترتيب، والإلزام في الطاعات، وإلا ضاع يومه، ثم ضاع عمره.
ولكيفية طلب العلم: انظر جواب السؤال رقم: (٢٠١٩١) .
وللوقوف على آداب طالب العلم: انظر جواب السؤال رقم: (١٠٣٢٤) .
وانظر لمحاضرة " كيف ينظم المسلم وقته " مكتوبة هنا:
http://knol.google.com/k/-/-/٢٣٤٤rncejpadn/٤٧#
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14903
لديه الرغبة في دراسة الشريعة، ومتخوف من مستقبلها الوظيفي
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا الآن على مشارف اختبارات الثانوية العامة، وحقيقة: أني محتار جدّاً في تخصص دراستي الجامعية، أنا لديَّ الرغبة جدّاً في دراسة العلوم الشرعية، وأحبها، وأستمتع بها، وأطمح أن أكون عالماً، مفتياً، خطيباً، حصولي على شهادة الدكتوراة، لكني أواجه ردود أفعال كثيرة، منهم: من يقول إذا تخرجت أين تعمل؟ مدرس مثلاً؟ مرتبها قليل، اذهب إلى كلية الإدارة، أو الهندسة للحصول على مقعد ممتاز في العمل، ومِن ثمَّ خذ شهادة الشريعة انتساباً، مثل عدة مشايخ ... وإلخ من هذا الكلام، وبعضهم يقول: اذهب إلى الشريعة، الأمة محتاجة إلى علماء، ومفتين، علماً أن أبي مهندس، وأمي مدرِّسة رياضيات، واثنين من إخواني مهندسين، واثنين من أخواني - أيضاً - من كلية الإدارة الصناعية، ووضعنا المادي ممتاز - ولله الحمد -، لكن أخاف مستقبلاً إذا تخرجت من الشريعة أكون أقلَّ منهم ماديّاً، فلذلك أود أن تنصحني؛ لأنني بين أمرين مهمين في حياتي، وشكراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله تعالى أن يكتب لك النجاح والتوفيق في دراستك، واختباراتك وأمورك كلها.
أولاً:
لاشك أن أعظم ما صرفت فيه الأوقات , وبذلت فيه الأموال: طلب العلم الشرعي؛ فإن الله ﵎ لم يثن في شيء من كتابه كما أثنى على العلم، وأهله، قال تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ) الزمر/ ٩، وقال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) فاطر/ ٢٨.
قال ابن كثير ﵀:
أي: إنما يخشاه حق خشيته: العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم، القدير، العليم، الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء الحسنى , كلما كانت المعرفة به أتمّ، والعلم به أكمل: كانت الخشية له أعظم، وأكثر.
" تفسير ابن كثير " (٦ / ٥٤٤) .
وعن معاوية ﵁ قال: سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقُولُ: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ) رواه البخاري (٧١) ومسلم (١٠٣٧) .
وعَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ أَتَيْتُكَ مِنَ الْمَدِينَةِ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُ بِهِ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: فَمَا جَاءَ بِكَ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَلَا جَاءَ بِكَ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) رواه الترمذي (٢٦٨٢) وأبو داود (٣٦٤١) وابن ماجه (٢٢٣) ، وحسَّنه الألباني في " صحيح الترغيب " (١/١٧) .
قال ابن القيم ﵀ في وصف العلم الشرعي -:
وهو الحاكم، المفرق بين الشك واليقين , والغي والرشاد , والهدى والضلال , وبه يُعرف الله، ويُعبد، ويُذكر، ويُوحد، ويُحمد، ويُمجد , وبه اهتدى إليه السالكون , ومن طريقه وصل إليه الواصلون , ومن بابه دخل عليه القاصدون، به تُعرف الشرائع والأحكام، ويتميز الحلال من الحرام , وبه توصل الأرحام , وبه تعرف مراضي الحبيب، وبمعرفتها ومتابعتها يوصل إليه من قريب , وهو إمام، والعمل مأموم , وهو قائد، والعمل تابع , وهو الصاحب في الغربة والمحدث في الخلوة، والأنيس في الوحشة , والكاشف عن الشبهة , والغني الذي لا فقر على من ظفر بكنزه , والكنف الذي لا ضيعة على من آوى إلى حرزه؛ مذاكرته تسبيح , والبحث عنه جهاد , وطلبه قُربة , وبذله صدة , ومدارسته تعدل بالصيام والقيام , والحاجة إليه أعظم منها إلى الشراب والطعام، قال الإمام أحمد ﵁: " الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين , وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه " , وروِّينا عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: " طلب العلم أفضل من صلاة النافلة ".
" مدارج السالكين " (٢ / ٤٦٩، ٤٧٠) .
فلا ريب أن العلم الشرعي هو أفضل العلوم وأوْلاها , وبه يتحصل الإنسان خير الدنيا والآخرة , وهو مقدَّم على سائر العلوم، لا سيما إذا خلصت فيه نية الإنسان , وكان له رغبة وهمَّة في تحصيله وطلبه.
وانظر جواب السؤال رقم: (١٠٤٧١) .
ثانياً:
حثَّ الإسلام على طلب الكفاية في العلوم الدنيوية , وجعل طلبها واجباً كفائيّاً , وخصوصاً إذا احتاجت الأمة لتلك العلوم , كالعلوم العصرية المتقدمة.
فمَن تعلم العلوم الدنيوية ونيته أن يُصلح للمسلمين أمورَهم في معاشهم , ورفع مكانتهم، والاكتفاء عن الأمم الكافرة: فلا شك أن أجره عظيم، ويثاب على هذا العلم الذي يتعلمه , مع بيان أن الجمع بين العلوم الدينية والدنيوية أمر مقدور عليه , ولا يتنافيان , وقد كان كثير من العلماء السابقين يجمعون بين تخصصات مختلفة، فابن قيم الجوزية ﵀ كان مبرزاً في العلوم الشرعية، ولا تخفى مكانته فيه , وكذلك كان مبرزاً في علوم الطب , ولا أدل على ذلك من كتابه " الطب النبوي " – وهو الجزء الرابع من كتابه " زاد المعاد " -، وهكذا الحال مع علماء آخرين.
وانظر جواب السؤال رقم: (٢٩٩٩) .
ثالثاً:
يجب أن يُعلم أنه لا بد للمسلم من أن يجرد نيته عن الحظوظ الدنيوية في طلبه للعلم الشرعي , وأن يكون هدفه الأجر والثواب من الله , فهذا أدعى لبقاء العلم، وانتفاع صاحبه به , وقبول الناس له، ولعلمه , فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوا الْعِلْمَ وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ لَسَادُوا بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ , وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لأَهْلِ الدُّنْيَا لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ، فَهَانُوا عَلَيْهِمْ، سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ) رواه ابن ماجه (٢٥٧) ، وحسَّنه الألباني في " صحيح ابن ماجه ".
وعن أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَاّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه أبو داود (٣٦٦٤) وابن ماجه (٢٥٢) ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
عَرفها: يَعْنِي: رِيحَهَا.
وطلب العلم الشرعي لا يتوقف على الدراسة النظامية في الكليات الشرعية، غير أن الحصول على تلك الشهادة صار مهماً حتى يتمكن طالب العلم من التدريس والإمامة والخطابة ... ونفع الناس.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ في بيان آداب طلب العلم -:
"الأمر الأول: إخلاص النية لله : بأن يكون قصده بطلب العلم وجه الله، والدار الآخرة ...
وإذا نوى الإنسان بطلب العلم الشرعي أن ينال شهادة ليتوصل بها إلى مرتبة، أو رتبة: فقد قال رسول الله ﷺ : (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عَرَضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) - يعني: ريحها -، وهذا وعيد شديد.
لكن لو قال طالب العلم: أنا أريد أن أنال الشهادة لا من أجل حظ من الدنيا، ولكن لأن النظُم أصبح مقياس العالم فيها شهادته، فنقول: إذا كانت نية الإنسان نيل الشهادة من أجل نفع الخلق تعليماً، أو إدارة، أو نحوها: فهذه نية سليمة، لا تضره شيئاً؛ لأنها نية حق" انتهى باختصار.
" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٢٦ / ٦٥، ٦٦) ، و " كتاب العلم " (ص ٢١) .
رابعاً:
من المقرر في كتاب الله تعالى , وفي سنَّة النبي ﷺ : أن من اتقى الله تعالى: كفاه الله ما أهمه، وأشغله , قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب) الطلاق/ ٢، ٣.
وقد تكفل الله تعالى برزق البلاد التي يتقي أهلها ربهم تعالى، فكيف بآحادهم، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ) الأعراف/ ٩٦، وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) المائدة/ ٦٦.
فالشاهد: أن أهل الخير والتقوى والصلاح: يكفيهم الله أمر دنياهم، فلا تخش - أخي السائل - من المستقبل , وتأكد أن الله سيكفيك أمر دنياك، وآخرتك، إن كانت نيتك في طلب العلم لله.
ولو ابتلي المؤمن بنقص في ماله، أو دنياه: فهو يحتسب ذلك لجنَّة عرضها السموات والأرض، أعدها الله للمتقين , ولتعلم أن المقياس في السعادة، والطمأنينة، والراحة، ليس في كثرة الأموال، أو الجاه، وإنما في طاعة الله تعالى , فخير الأعمال التي يندب الاشتغال لها: تعليم الناس الخير , فمعلِّم الناس الخير يستغفر له مَن في السموات، ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء , وهم أهل الخشية والتقوى , ولهم المنزلة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة.
فالنصيحة لك ما دامت همتك، ومحبتك، ورغبتك أن تطلب العلم الشرعي: أن تسعى في تحصيل ذلك , ولا بأس أن تطلب الشهادة مع ذلك , ولكن مع تجريد النية والإخلاص لله تعالى في طلب العلم نفسه , وأن تكون هذه الشهادة عندك وسيلة لنيل العلم، وتعليم الناس، والدعوة إلى الله تعالى , ووسيلة للعمل الذي تفرضه كثير من القوانين لكثير من الوظائف، ولا تخف من المستقبل من قلة مال، أو دنيا، أو عدم إيجاد وظيفة؛ فالله سبحانه سيكفيك هموم ذلك كله , فمن صدق الله صدق الله معه.
وبما أن أهلك من المثقفين، والعقلاء: فيمكنك إقناعهم بدراسة الشريعة بسهولة، وذلك بإخبارهم
أن هذه رغبتك، وهم يعلمون أن دراسة ما لا رغبة فيه: فاشلة، ولا تؤتي ثمارها، وأن دراسة ما فيه رغبة: فيها النجاح، والإبداع، والراحة.
ونسأل الله أن يعطيك ما تتمنى، وأن يجعلك من أهل العلم، وطلبته.
وانظر – للأهمية – جواب السؤال رقم: (١١٠٤١٩) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14904
ما هو العمر المناسب الذي يتم فيه تعليم الأولاد الثقافة الجنسية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو العمر المناسب الذي يتم فيه تزويد الأبناء بالثقافة الجنسية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا بد أن تعلم أخي السائل أن الأولاد مسئولية في عنق الوالدين، كما جاء في الحديث عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا) .
رواه البخاري (٨٥٣) - واللفظ له - ومسلم (١٨٢٩) .
ومن تلك المسئولية الملقاة على عاتق الأهل تجاه أولادهم: منعهم من كل يسبب إفسادهم، أو يؤثر في أخلاقهم سلباً.
ثانياً:
من المعلوم أن تدريس ما يسمَّى بـ " الثقافة الجنسية " عند الغرب أصبح هوساً وجنوناً، وصار شغلا شاغلا لهم، فخصصت له الحصص في المدارس؛ والبرامج في التلفاز , وعقدت له الندوات، والمؤتمرات؛ وللأسف أنه تأثر بهذه الثقافة الكثير من أبناء المسلمين , وخصوصاً من اغتر بثقافتهم وحضارتهم.
ولا شك أن تدريس مسائل الجنس، وما يتعلق بها، للأبناء في مراحل مبكرة من عمرهم: فيه مفاسد كثيرة.
وقد تقدم الحديث عن ذلك , فانظر جواب السؤال رقم: (١١٣٩٧٠) .
ثالثاً:
ليُعلم أن تعليم الأولاد – ذكوراً وإناثاً - الآداب الإسلامية المتعلقة بستر العورة , والنظر، والاستئذان: أنه يبتدئ ذلك معهم من الصغر، وعند التمييز، قبل البلوغ بمرحلة، وقد جاءت الأدلة من الوحي المطهر صريحة بهذا، ومنه:
١. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) النور/ ٥٨.
قال ابن كثير ﵀:
فأمر الله تعالى المؤمنينَ أن يستأذنَهم خَدَمُهم مما ملكَت أيمانهم، وأطفالهم الذين لم يبلغوا الحُلُم منهم في ثلاثة أحوال: الأول: من قبْل صلاة الغداة؛ لأن الناس إذ ذاك يكونون نياماً في فرُشهم.
(وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ) أي: في وقت القيلولة؛ لأن الإنسان قد يضع ثيابه في تلك الحال مع أهله.
(وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ) ؛ لأنه وقت النوم.
فيُؤمَرُ الخدمُ، والأطفال: ألا يهجمُوا على أهل البيت في هذه الأحوال؛ لمَا يُخشى من أن يكون الرجل على أهله، ونحو ذلك من الأعمال.
" تفسير ابن كثير " (٦ / ٨٢) .
وأما عند بلوغ الأطفال: فإن الاستئذان يكون في كل الأوقات، كما قال تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) النور/ ٥٩.
٢. وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ) .
رواه أبو داود (٤٩٥) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
قال الشيخ محمد شمس الحق العظيم آبادي – ﵀:
قال المناوي في " فتح القدير شرح الجامع الصغير ": أي: فرِّقوا بين أولادكم في مضاجعهم التي ينامون فيها إذا بلغوا عشراً؛ حذراً من غوائل الشهوة، وإن كن أخوات.
وقال الطيبي: جمع بين الأمر بالصلاة، والفرق بينهم في المضاجع في الطفولية؛ تأديباً لهم، ومحافظة لأمر الله كله , وتعليماً لهم , والمعاشرة بين الخلق , وأن لا يقفوا مواقف التهم، فيجتنبوا المحارم.
" عون المعبود " (٢ / ١١٥) .
فهذه وصايا وإرشادات من الوحي المطهر فيما يتعلق بالعورات، وإثارة الشهوات، وهو – كما رأينا – يبدأ في سن العاشرة، وهو سن التمييز عند أكثر الأطفال.
وعند قرب البلوغ يعلَّم الأولاد علامات البلوغ، والصفات التي تفرِّق بين الرجال والنساء، وأنواع السوائل التي تَخرج من القبُل لدى الجنسين، ومثله أحكام الوضوء، والغسل، على أن تراعى الألفاظ المستعملة في التعليم، وعلى أن يكون ذلك حسب الحاجة لذلك.
وانظر - في بيان علامات البلوغ - جوابي السؤالين: (٧٠٤٢٥) و (٢٠٤٧٥) .
وثمة أمران مهمان غاية، يبدآن في سن مبكرة جدّاً – حوالي السنة الثالثة -، ولهما تعلق أصيل بالثقافة الجنسية، وهما:
١. ضرورة أن يفرِّق الطفل والطفلة بين الذكورة والأنوثة، والخلط بينهما في تلك السن المبكرة من شأنه أن يحدث خللاً وفساداً في التصور، والصفات، والأفعال، لدى الجنسين، لذا كان من الضروري إفهام الطفل أنه لا يلبس ملابس أخته، ولا يضع الحلق في أذنه، ولا يطوق معصمه بسوار؛ لأن هذا للإناث، لا للذكور، وهكذا يقال للبنت بالنسبة لأفعال، وصفات أخيها الذكَر.
٢. تعليم الأطفال خصوصية العورة، وأنها مما ينبغي أن لا تُكشف أمام أحد، فتعليمهم هذا، وتربيتهم عليه: من شأنه يربي فيهم خلق العفاف، والحياء، وأن يمنع المعتدين الشاذين من الاعتداء عليهم.
رابعاً:
أما مسألة الثقافة الجنسية المتعلقة بالجماع، أو بعموم ما يكون بين الزوجين: فهذه تكون عند الحاجة إليها، كقرب زواجه – مثلاً -، أو نضجه بحيث يعقل مسائل العلم، كأحكام الزنا، وما يشبهه، مما له تعلق بالجماع، والعورات.
وليعلم أن ما يحتاج إليه من ذلك هو ـ في أصله ـ أمر فطري؛ وما يحتاج إلى التنبيه عليه ينبغي أن يصل إلى مسامع الأولاد تدريجيّاً، مع مراحل نموهم، وذلك من خلال دروس الفقه , ومجالس العلم؛ وحصص المدرسة؛ مع لزوم التحفظ في العبارة، ومراعاة السن المناسبة لطرح الموضوع , والتحذير من مظاهر الانحلال الخلقي عند الكفار , ومقابلة ذلك بذِكر محاسن الإسلام من حثه على الستر، والحياء، وحفظ الفروج عن الحرام.
وننصح بالاطلاع على كتاب: " يا بني لقد أصبحت رجلاً " للشيخ محمد بن عبد الله الدويش، ففيه بيان طرق المعالجة الشرعية للشهوة عند الأولاد.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14905
القراءة على الشيوخ
[السُّؤَالُ]
ـ[يقول بعض الناس: إن قراءة الكتب وحدها لا تنفع، ولابد أن تقرأ على شيخ، فهل هذا صحيح أم لا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"نعم. إذا كان الشخص عامياً، وليس عنده أدوات العلم، ولم يتعلم ما يؤهله لمطالعة الكتب فلن يستفيد الفائدة المطلوبة، قد يستفيد إذا كان يفهم العربية، وإذا كان بلغته قد يستفيد إذا كان يفهم، كما يستفيد من كلام الله إذا قرأ القرآن، يستفيد باللغة التي يفهمها، لكنه لا يستفيد الفائدة الكاملة العظيمة إلا إذا تعلم على أهل العلم المعروفين بالخير، والعقيدة الصالحة، والطريقة السلفية التي يتبعون فيها السلف الصالح، وهم أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان.
هذا العالِم يُبصِّرك ويرشدك إلى ما يخفى عليك من كتاب الله ومن سنة رسوله ﵊، ويعينك على الفهم الصواب، أما وحدك فقد تخطئ كثيراً، ولا سيما إذا كنت لم تتعلم الأصول التي تهتدي بها إلى فهم النصوص، ولم تجالس أهل العلم، أما من جالس العلماء وحضر حلقات العلم واستفاد فإنه يمكنه أن يطالع ويستفيد، فنوصيك أن تجمع بين هذا وهذا، تطالع الكتب التي تفهمها، وتتدبر القرآن، وتعتني بقراءة القرآن بالتدبر والتعقل، وتسأل أهل العلم عما أشكل عليك، ولا تثق بنفسك، بل عليك أن تسأل أهل العلم المعروفين بالاستقامة والفضل والديانة والعبادة وصحة المعتقد، هذا هو الذي ينبغي لك" انتهى.
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
"فتاوى نور على الدرب" (١/٤٩٥) .
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
فتاوى نور على الدرب
стр. 14906
التزام ابن أخيه بحفظ القرآن أثَّر سلباً على تحصيله الدراسي فكيف يصنع أهله ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ي يختص بحفظ القرآن، حيث يبلغ ابن أخي من العمر ١٢ عاماً , وبدأ في الحفظ منذ حوالي ٤ أشهر، وهو يذهب للمدرسة، ثم يذهب للمسجد لمدة ساعتين ونصف من يوم الاثنين إلى الجمعة، والمشكلة التي نواجهها الآن أن مستواه بدأ يتأثر في المدرسة نتيجة لمقدار العمل، والضغط الذي يتعرض له , وهو يحاول أن يقوم بأداء الفروض المدرسية، وحفظ القرآن , وقد تدنت درجاته , وهو الآن تحت المستوى المطلوب الأمر الذي يقلقنا؛ لأن أمامه اختبارات هامة في السنة المقبلة ستؤثر على تحديد الكلية التي سيلتحق بها، فماذا نفعل في هذا الموقف؟ وقد قيل لنا إنه من الخطأ أن نقوم بإيقاف حفظه للقرآن، وعلى الجانب الآخر فإن تعليمه هام بالنسبة له حتى يحصل على درجات عالية ويلتحق بجامعة جيدة , ونحن نريد أن نتخذ أفضل القرارات، لكننا في حيرة من أمرنا، فهل بوسعكم - رجاء - تقديم النصح في هذا الشأن، وتوضيح حكم الإسلام في هذه المواقف؟ . وشكراً، ونتطلع لتلقى رد منكم، والله الحافظ.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
تربية الأبناء منذ صغرهم على الدِّين، وتحفيظهم كتاب الله، وتعليمهم سنَّة النبي ﷺ : من الواجبات التي افترضها الله على الوالدين، وهو من محاسن أفعال الأهل مع أولادهم، ومما ينتفعون بها دنيا، وأخرى، إن شاء الله.
فنشكر أبوي هذا الطفل، ومن يشجعه على حفظ كتاب الله، وتعلمه، ونسأل الله أن يكتب لهم الأجر يوم القيامة، فما أعظم أن يلقى الإنسان ربَّه وفي صحيفته أعمال خير دلَّ عليها، أو ساهم في وجودها.
ومما لا شك فيه: أن مقياس التفاضل عند الله هو بما يكتسبه المسلم من تقوى، وإيمان، وأعمال صالحة، وقد اختصَّ الله تعالى حافظ القرآن بخصائص عظيمة، وميزات رفيعة، في الدنيا، والآخرة، وللوقوف على بعضٍ من تلك الميزات: يُنظر جواب السؤال رقم: (١٤٠٣) .
ثانياً:
المطلوب من المسلم أن يوازن بين أمر الدنيا، وأمر الآخرة، قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) القصص/٧٧.
قال الحسن وقتادة: معناه: لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال، وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك.
انظر "تفسير القرطبي" (١٣/٣١٤) .
وقال ابن كثير ﵀:
(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ) أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل، والنعمة الطائلة، في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القرُبات، التي يحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة.
(وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) أي: مما أباح الله فيها من المآكل، والمشارب، والملابس، والمساكن، والمناكح، فإن لربك عليك حقّاً، ولنفسك عليك حقّاً، ولأهلك عليك حقّاً، ولزَوْرك عليك حقّاً، فآتِ كل ذي حقٍّ حقَّه.
"تفسير ابن كثير" (٦/٢٥٣، ٢٥٤) .
فالمسلم يعمل لدنياه، كما يعمل لآخرته , وإن كان العمل للآخرة مقدَّماً عند التعارض؛ لأن الحياة الأبدية، والخلود، ليس في الدنيا، بل في الآخرة، إما في جنة، وإما في نار.
ثالثاً:
جَمْعُ المسلمِ بين حفظ كتاب الله، وبين مراجعة الدروس المدرسية: أمرٌ ليس صعب المنال، ولكن يحتاج إلى ترتيب الوقت، وتنظيمه؛ فيجعل وقتاً للحفظ، ومراجعة القرآن , ووقتاً لمراجعة الدروس المدرسية , ووقتاً للراحة , ووقتاً للترويح عن النفس، ويكون ذلك بعمل جدول للوقت، وتنظيمٍ لساعات يومه، مع مراعاة عدم الضغط، وعدم التشديد عليه.
كما ينبغي مراعاة مستوى الحفظ، والذكاء، لدى الطفل، والشاب، فلا يُحمَّل أحدٌ فوق طاقته، وأكثر من وُسعه؛ ولعل هذا يكون السبب في تقصير ذلك الشاب في جانب، دون الآخر؛ فإذا كان في مقدوره حفظ صفحة من القرآن يوميّاً: فلا يحمَّل حفظ وجهين، وهكذا؛ حتى يتسنَّى له وقت للواجبات المدرسية , وكذلك الأمر بالنسبة للواجبات المدرسة، فتحميله فوق طاقته يعرِّضه للضغط، والتشويش.
والذي نراه أن هذا الطالب يقلل القدر الذي يحفظه من القرآن الكريم يومياً، ويقلل المدة التي يبقاها في المسجد بسبب ذلك، حتى يحصل الجمع بين حفظ القرآن الكريم ومراجعته، وبين مذاكرة الدروس المدرسية.
ولا يمكننا نصحكم بإلغاء حفظ القرآن الكريم من أجل الدروس المدرسية.
فالنصيحة لوالدي الطفل:
أن يَعملوا على تنظيم وقت هذا الغلام الشاب؛ وعليهم الجمع، والموازنة، بين حفظ القرآن وتحسين أدائه المدرسي، من غير إخلال بواحدٍ منهما.
والله هو الموفق، والمعين , ومنه يستمد الحول، والقوة.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14907
دراسة اللغة الإنجليزية وفيها قصص الإلحاد والجنس
[السُّؤَالُ]
ـ[أدرس اللغة الإنجليزية، مستوى متقدم لأتأهل لتدريسها عندما أنتقل إلى أي بلد إسلامي. أنا وزوجتي مسلمون جدد ونريد أن ننتقل إلى مكة لدراسة العربية. في الكتب التي أدرسها للتحضير لامتحان اللغة الإنجليزية هناك بعض القصص والروايات والكتب التي تحتوي على الشرك والإلحاد والوصف الجنسي البذيء وأنا بقراءتي لهذه الكتب أحس أني أضيع وقتي ولكن كما قلت فأنا أريد أن أتأهل لتدريس اللغة الإنجليزية فقط وأتحصل على فرص عمل أفضل فما رأيكم؟ هل أترك هذه الدراسة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا حرج في دراسة اللغة الإنجليزية للتأهل لتدريسها في بلاد المسلمين.
وإذا اشتملت مواد الدراسة على قصص وروايات تتضمن الإلحاد أو الوصف الجنسي فلا يضرك قراءتها مع كراهة قلبك لما فيها، ولا يضرك حكاية مضمونها في الامتحان؛ لأن ناقل الكفر ليس بكافر، بشرط ألا يتضمن كلامك إقرارا أو ثناء على ما فيها، وإنما تحكي الأمر عن غيرك.
ويشترط لذلك أيضاً: أن لا تتأثر بما تقرأه، فإن وجدت أنك تميل معه فالواجب عليك الكف عن هذا فوراً، و (مَنْ تَرَكَ شَيْئًا لله عَوَّضَهُ اللَّه خَيْرًا مِنْه) كما قال النبي ﷺ .
ونسأل الله تعالى لكم التوفيق والسداد
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14908
هل تؤخر الزواج لتتم حفظ القرآن وتسعى في طلب العلم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز لي رفض أي أحد يتقدم لخطبتي حتى ييسر الله لي الانتهاء من حفظ القرآن الكريم وطلب العلم الواجب فقط. فأنا لا أضمن أن من يتقدم لي يكون تقيا نقيا يعلمني ما أجهله من أمر ديني وإن كان كذلك فربما لا يتسع وقته لتعليمي. فبالإضافة إلى أن الزواج يشغل كثيرا من الوقت أنا أخشى على نفسي أن أضيع ولا تقوم لي في التزامي قائمة إذا تزوجت على هذه الحال من الجهل.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المبادرة بالزواج أمر مطلوب شرعاً لمن استطاع، ويتأكد هذا الأمر في حق الشباب، لقول النبي ﷺ : (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) رواه البخاري (١٩٠٥) ومسلم (١٤٠٠) .
قال النووي:
"وَفِي هَذَا الْحَدِيث: الْأَمْر بِالنِّكَاحِ لِمَنْ اِسْتَطَاعَهُ وَتَاقَتْ إِلَيْهِ نَفْسه , وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ"
انتهى.
وقال الشيخ ابن باز:
" نصيحتي لجميع الشباب والفتيات البدار بالزواج والمسارعة إليه إذا تيسرت أسبابه، لقوله النبي ﷺ : (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ... الحديث) متفق على صحته. وقوله ﷺ : (إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ) . أخرجه الترمذي بسند حسن. وقوله ﵊: (تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ) . خرجه الإمام أحمد وصححه ابن حبان، ولما في ذلك من المصالح الكثيرة التي نبه عليها النبي ﷺ ، من غض البصر وحفظ الفرج وتكثير الأمة والسلامة من فساد كبير وعواقب وخيمة " انتهى.
"فتاوى إسلامية" (٣ / ١٤١) .
والواقع أن الزواج قد يشغل عن طلب العلم، ولكن ذلك ليس بلازم، فقد يكون الأمر بالعكس، فهناك من حفظت القرآن بعد الزواج، وتعلمت وتفقهت بعد الزواج.
والمطلوب منك أن تحسني الاختيار، فتختاري صاحب الدين والخلق، الحريص على التفقه في الدين، حتى يعين كل منكما الآخر على طاعة الله تعالى.
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
إني متزوج والزواج سنة، وطلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، هل أستطيع أن أطلق زوجتي لأذهب إلى طلب العلم؟
فأجابوا: "الزواج من سنة النبي ﷺ ، وبه يكمل المرء دينه، حيث يغض بصره ويحفظ فرجه، فلا ينبغي لك أن تطلق زوجتك، والزواج لا يمنعك من طلب العلم إذا وجد منك قوة العزيمة" انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٠ / ٥) .
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀:
هناك طالب علم شرعي يريد أن يتزوج ولكنه يخشى إن تزوج أن يتعطل وينشغل عن طلب العلم، فما نصيحتكم له؟ وماذا تشيرون عليه إذا أراد ترك الدراسة للجهاد؟
فأجاب ﵀:
"الزواج لا يعوق عن طلب العلم، بل ربما يعين على طلب العلم؛ قد يوفق الإنسان لامرأة تقرأ وتكتب وتساعده، فإن لم تكن فأقل ما يكون أن يذهب عنه الوساوس والتفكير في الزواج، فالزواج يعين على طلب العلم" انتهى.
"لقاء الباب المفتوح" (٤٨ / ١٨) .
ثم ينبغي أن تعلمي أن القدر الواجب تحصيله من العلم، لا يحتاج إلى تأخير الزواج، لأن هذا القدر لا يحتاج إلى سنوات لتحصيله، بل يستطيع المسلم تحصيله في مدة يسيرة جداً، وستجدين بعد الزواج إن شاء الله من الوقت ما تستطيعين تحصيل العلم الشرعي فيه.
فالنصيحة لك: إذا تقدم لك من هو مرضي الدين والخلق أن تقبليه.
ونسأل الله تعالى أن ييسر لك أمرك ويوفقك للعلم النافع والعمل الصالح.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14909
هل جعل ستارة بين الرجال والنساء في محاضرة إسلامية يعد إهانة للمرأة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجب أن يكون هناك ستار بين النساء والرجال عند حضورهم مؤتمرا (محاضرة) إسلامية؟ وهل يختلف الحكم ما إذا كان جزء من الحضور هم من غير المسلمين، وبعضهم يظن أن في إبقاء النساء في الخلف وراء ستار كبير إجراء متطرفا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ورد تأخير النساء في الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) وذلك لأنها في الصفوف الأولى تكون قريبة من الرجال فهي مأمورة بأن تبتعد عن الرجال مع أنهن كنّ يتسترن غاية التستر، قالت عائشة: كان يشهد صلاة الفجر مع النبي نساء متلففات بمروطهن لا يعرفهن أحد من الغَلس. أي أنهن متسترات ويكنّ في آخر الصفوف ليسمعن القرآن. فإذا كان هناك ندوات أو محاضرات أو كما في خطبة العيد حيث كانت النساء بعيدات عن الرجال وكان هناك مساحة بينهم حتى إن النبي ﵊ ظن أنهن لم يسمعن الخطبة فأتى إليهن ووعظهن، أو أن يكون حاجز فاصل بينهم، وهذا ليس إهانة للنساء، إنما هو إكرام للمرأة بحفظها عن الابتذال لكل من أرادها ولا يختلف الحكم في حال وجود غير المسلمين.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
سماحة الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله
стр. 14910
الذين يؤخذ عنهم العلم من لدن نبينا ﷺ إلى يومنا هذا
[السُّؤَالُ]
ـ[أدرس عن الإسلام دراسة ذاتية ولا أجد من يعينني على فهم بعض الأشياء مما يجعلني أشعر بعدم الثقة والصحة في كل ما أقرأه فهل من الممكن أن تزودوني بمعلومات عمن يؤخذ منهم العلم من أهل العلم منذ عهد النبي ﷺ إلى وقتنا الحالي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نشكر لك حرصك على طلب العلم الشرعي، وتحرّيك الحق.
وقد أحسنت بالسؤال عمن يؤخذ منهم العلم، فليس كل من أوتي حسن منطق وبيان، وحفظ المسائل وأدلتها هو العالم الذي يؤخذ منه العلم، ولهذا قال محمد بن سيرين ﵀: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
فلا يؤخذ العلم إلا عمن عُرف بالاستقامة والتقوى، وحسن الاعتقاد، وسلامة المنهج، فالفاسق والمبتدع والداعي إلى غير السنة لا يؤخذ عنهم العلم، عقوبةً لهم، وزجراً للناس عنهم، ولأنهم قد يدسون السم في العسل، فيلقنون طلابهم بدعهم من حيث لا يشعرون.
وأئمة أهل السنة والجماعة الذين يؤخذ عنهم العلم كثيرون جداً، بحيث لا يمكن حصرهم، ولكننا سنذكر بعضهم.
فعلى رأسهم: أصحاب رسول الله ﷺ ، لا سيما الخلفاء الراشدون الأربعة (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي) ، ثم كبار علماء الصحابة كابن مسعود ومعاذ بن جبل وابن عباس وأبي موسى الأشعري، وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء، وأبي هريرة وابن عمر وابن عمرو وابن الزبير وأبي سعيد وأنس بن مالك ﵃ أجمعين.
ثم يتلوهم كبار التابعين كأبي العالية وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد بن جبر وابن سيرين ونافع مولى ابن عمر والحسن البصري.
ثم تلامذتهم كإبراهيم النخعي والزهري والشعبي والأعمش وأبي الزناد ومكحول والأوزاعي وابن المبارك والثوري وابن عيينة.
ثم الفقهاء الأربعة الأعلام، أئمة المذاهب المتبعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وأمثالهم من أقرانهم كأبي ثور والليث بن سعد وابن وهب وإسحاق بن إبراهيم.
ثم أئمة المحدثين كالبخاري ومسلم وأهل السنن (أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) ، ثم أصحاب المصنفات في الحديث كابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والطحاوي والبيهقي.
ثم محررو المذاهب من متأخري الفقهاء كابن المنذر والنووي والعراقي وابن الصلاح والقرطبي وابن العربي وابن عبد البر وابن قدامة وابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن كثير والعز بن عبد السلام وابن جماعة وابن الملقن وابن حجر وابن رجب.
ثم أتباعهم ومن أخذ عنهم وسار على نهجهم كابن أبي العز والسيوطي والشوكاني والصنعاني.
ثم مشايخ أهل السنة من المتأخرين كمحمد بن عبد الوهاب وأحمد شاكر ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ وعبد الرحمن السعدي وابن باز وابن عثيمين والألباني ومحمد الأمين الشنقيطي وعطية سالم وعبد الرزاق عفيفي وأبو بكر الجزائري وعبد الله بن حميد وصالح اللحيدان وصالح الفوزان وعبد الله بن جبرين وعبد الرحمن البراك.... وغيرهم كثير من علماء أهل السنة والجماعة.
ويحسن بنا في هذا المقام أن نذكّر أيضا ببعض الكتب والمصنفات في بعض فروع العلم، والتي لا غنى لطالب العلم عنها، فمن ذلك:
أولاً: العقيدة:
كتاب التوحيد وكشف الشبهات والأصول الثلاثة لابن عبد الوهاب.
والواسطية والحموية والتدمرية لابن تيمية.
العقيدة الطحاوية لأبي جعفر الطحاوي، وشرحها لابن أبي العز الحنفي.
ثانياً: الحديث وشروحه:
- الكتب الستة (صحيح البخاري , ومسلم , والنسائي , وأبو داود , وابن ماجه , والترمذي)
- فتح الباري وشرح مسلم للنووي وعون المعبود وتحفة الأحوذي.
- رياض الصالحين والأذكار للنووي وشرحهما لابن علام، وشرح رياض الصالحين لابن عثيمين.
- بلوغ المرام وشرحه سبل السلام وشرح آخر له للشيخ ابن عثيمين.
- المنتقى وشرحه "نيل الأوطار" للشوكاني.
ثالثاً: كتب الفقه:
- زاد المستقنع وشرحه الروض المربع وعمدة الفقه والشرح الممتع والمغني والمجموع.
رابعاً: التفسير:
تفسير الطبري والقرطبي وابن كثير وفتح القدير للشوكاني والتحرير والتنوير والسعدي وأضواء البيان وتفسير ابن عثيمين.
خامساً الفتاوى:
مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية وفتاوى ابن الصلاح والفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر ثم فتاوى الشيخ ابن باز وابن عثيمين وابن جبرين والفوزان واللجنة الدائمة للإفتاء.
ونسأل الله تعالى لك التوفيق والسداد.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14911
هل يشترط الاقتراب من الشيخ في الدرس حتى تحصل فضيلة حضور مجالس العلم والذكر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[في مسجدنا تلقى بعض الدروس بين المغرب والعشاء وفي بعض الأحيان بعد العشاء ويقوم أحد الإخوة قبل الدرس بحثّ من في المسجد على الاقتراب من الشيخ على الرغم من أن الدرس يُلقى عبر مكبر الصوت ويمكن سماعه من أي مكان في المسجد فهل يشترط الاقتراب من المتحدث حتى يدخل الشخص في الوصف الذي جاء في الحديث: (.... حفتهم الملائكة وذكرهم الله في من عنده..) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الاجتماع على طاعة الله كحضور مجلس علم، أو اجتماع على تلاوة كتاب الله، ونحو ذلك، من أعظم أنواع البر.
فقد روى مسلم (٢٦٩٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) .
قال السندي:
" (حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ) أَيْ طَافُوا بِهِمْ وَأَدَارُوا حَوْلهمْ تَعْظِيمًا لِصَنِيعِهِمْ" انتهى.
وينبغي عند اجتماع المسلمين أن يحرصوا على التقارب وعدم التباعد، إلا إذا وجد سبب يقتضي خلاف هذا.
وهكذا كانت مجالس الصحابة، وهم حول رسول الله ﷺ ، كانوا متقاربين، وإذا جاء أحدهم فوجد فرجة سدها وجلس فيها؛ فعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ. قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ : أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ) متفق عليه.
قال النووي:
" فِيهِ اِسْتِحْبَاب جُلُوس الْعَالِم لِأَصْحَابِهِ وَغَيْرهمْ فِي مَوْضِع بَارِز ظَاهِر لِلنَّاسِ , وَالْمَسْجِد أَفْضَل , فَيُذَاكِرهُمْ الْعِلْم وَالْخَيْر. وَفِيهِ جَوَاز حِلَق الْعِلْم وَالذِّكْر فِي الْمَسْجِد , وَاسْتِحْبَاب دُخُولهَا , وَمُجَالَسَة أَهْلهَا , وَكَرَاهَة الِانْصِرَاف عَنْهَا مِنْ غَيْر عُذْر , وَاسْتِحْبَاب الْقُرْب مِنْ كَبِير الْحَلْقَة لِيَسْمَع كَلَامه سَمَاعًا بَيِّنًا , وَيَتَأَدَّب بِأَدَبِهِ. وَأَنَّ قَاصِد الْحَلْقَة إِنْ رَأَى فُرْجَة دَخَلَ فِيهَا , وَإِلَّا جَلَسَ وَرَاءَهُمْ " انتهى.
وروى أبو داود (٢٦٢٨) عن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْزِلًا تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنْ الشَّيْطَانِ) فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلًا إِلَّا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يُقَالَ لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ. صححه الألباني في "صحيح أبي داود".
وروى مسلم (٤٣٠) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَآنَا حَلَقًا فَقَالَ: (مَالِي أَرَاكُمْ عِزِينَ) ؟
قال النووي:
قَوْله ﷺ : (مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ) أَيْ: مُتَفَرِّقِينَ جَمَاعَة جَمَاعَة , مَعْنَاهُ النَّهْي عَنْ التَّفَرُّق وَالْأَمْر بِالِاجْتِمَاعِ " انتهى.
قال الألباني ﵀:
"أي: تجمعوا ولا تتفرقوا بأبدانكم، لا تتفرقوا بظواهركم؛ فإن الظاهر عنوان الباطن، والظاهر يؤثر في الباطن صلاحا أو فسادا" انتهى.
http://www.alathar.net/esound/index.php?page=tadevi&id=١٦١&coid=٢٣٦٦ - ٣٥k –
وروى أحمد في الزهد (ص١٨١) وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١ / ٢٣٩) أن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه لما حضره الموت قال: "اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر".
قال ابن عبد البر:
" معنى التزاحم بالركب في مجلس العالم الانضمام والالتصاق ينضم القوم بعضهم إلى بعض على مراتبهم " انتهى.
"التمهيد" (١ / ٣١٦) .
قال الشيخ الألباني رحمة الله:
"فمن أدب مجالس العلم التقارب بالأبدان، حتى يكون ذلك تفاؤلا حسنا وسببا شرعيا لتقارب القلوب، التي قد يكون بينها شيء من التنافر والاختلاف، وذلك مما ينهى الشارع الحكيم عنه" انتهى.
-
وقال الشيخ أيضا:
" وجلوس الناس اليوم في حلق العلم متفرقين في المسجد غير متحلقين أيضا من الشيطان، فينبغي على طلبة العلم التحلق في مجالس العلم " انتهى.
فهذه الأحاديث تدل على أن التقارب في مجالس العلم والذكر من السنة؛ لتأثير ذلك إيجابا على تقارب القلوب وعدم تنافرها، ولأن التقارب يجعل الشخص أكثر تأدباً بآداب المجلس، وتركيزاً فيما يقال، فلا يشغل نفسه بشيء آخر، بخلاف التباعد الذي قد يفضي إلى الانشغال عن متابعة الدرس، أو إمكانية الانصراف بسهولة فيحرم نفسه من الفائدة والخير.
ولكن ذلك ليس شرطا في حصول الفضيلة، من غشيان الرحمة وتنزل السكينة وحضور الملائكة، مادام في المجلس لم يخرج منه، ولم ينشغل بغيره، إلا أن التقارب أقرب للسنة، وأتم في حصول الفضيلة، وكل بحسب همته ونشاطه للمجلس، وقد تقدم الحديث في الرجل الذي دخل إلى الفرجة التي في المجلس وجلس فيها فقال عنه النبي ﷺ : (فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ) وفي الآخر الذي جلس خلف الحلقة، قال عنه النبي ﷺ : (وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ) . فأثنى النبي ﷺ على الرجلين، غير أن الأول منهما أفضل.
فإن احتاج بعض الناس إلى التأخر للركون إلى سارية المسجد أو الجدار لضعف أو مرض ونحو ذلك فلا بأس، مادام منصتا مصغيا.
وفق الله الجميع إلى ما يحب ويرضى.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14912
طلب العلم مقدم على الجهاد في سبيل الله
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الأفضل في هذا الوقت: الجهاد في سبيل الله أم طلب العلم ونفع الناس وإزالة الجهل؟ وما حكم الجهاد لمن لم يستأذن والديه في الجهاد وخرج للجهاد؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"طلب العلم من الجهاد، وهو واجب للتفقه في الدين وطلب العلم، وإذا وَجد جهادا في سبيل الله، الجهاد الشرعي شارك فيه إذا وَجد ذلك وهو من أفضل الأعمال، ولكن عليه أن يتعلم ويتفقه في الدين، وهو أفضل ومقدم على الجهاد؛ لأنه واجب عليه أن يتفقه في دينه، والجهاد مستحب فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، لكن تعلم الإنسان العلم أمر مفروض عليه ليتفقه في دينه، وإذا يسر الله له جهادا إسلاميا فلا بأس، يشرع له المشاركة إذا قدر ولكن بإذن والديه.
أما الجهاد الواجب الذي يهجم العدو على البلد، فيجب على الجميع الجهاد إذا هجم العدو على بلاد المسلمين وجب عليهم كلهم أن يجاهدوا، وأن يدفعوا شر العدو كلهم، حتى النساء يجب عليهن أن يدفعن شر العدو بما استطعن، أما جهاد الطلب فكونه يذهب إلى العدو في بلاده ويجاهد في بلاده فهذا فرض كفاية على الرجال" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٤/٧٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14913
طالب علم تطلب منه أمه الاهتمام بدراسته الجامعية فكيف يوفق بين الأمرين ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد طلب العلم الشرعي , وأنا - والحمد لله - أركز على طلب العلم , إلا أن أمي تقول لي إن عليك أن تركز على دروسك، وواجباتك الجامعية , فكيف لي أن أوفق بين هذين الأمرين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إن مما يَحزن القلب أننا نجد بعض الشباب ممن يحبون العلم الشرعي، ويسعوْن في تحصيله: أنهم يقصِّرون في واجباتهم المنزلية، ويقصرون في دراستهم النظامية، وهذا – ولا شك – له أسوأ الأثر على الأهل، وهو مما يدعوهم إلى منع أولادهم من حضور حلَق العلم، ومن سماع الأشرطة العلمية النافعة، ومن قراءة الكتب الشرعية، وما جعلهم يفعلون ذلك هو ما يرونه من تقصير أولادهم فيما ذكرنا، ولو أنهم رأوا من يجمع بين الأمور كلها، ولا يغلِّب جانباً على آخر: لما أزعجهم سماع لشريط، ولا حضور لحلقة علم، ولا قراءة لكتاب في العلم الشرعي.
فلينتبه الشباب لهذا، وليعلموا أن كثيراً من الأهالي وأولياء الأمور يشْكُون تقصير الأبناء في المواد الدراسية، مما يتسبب عنه رسوب أولئك الشباب في امتحاناتهم أحياناً، وتحميل أهلهم أعباء إضافية من جهد، ومال.
نعم، هناك كثيرون يبالغون في الاهتمام بالدراسة، والامتحانات، حتى إن بعضهم لا يكاد يذكِّر أولاده بصلاة، ولا ذكر، فضلاً عن تشجيعه لأداء صلاة الجماعة في المسجد، وهؤلاء قد عظموا المدارس ومناهجها، وجعلوا منها سعادة وشقاء الأولاد، فجعلوا من معه شهادة هو من سيعيش ويأكل ويتزوج، ومن لم يحصل عليها فسيشقى، ولن تكون حياته سعيدة، مع أننا نرى عكساً لهذا في واقع الحياة، وبكل حال: فإننا نود من أهالي الشباب المستقيمين على طاعة الله، والراغبين في طلب العلم أن يخففوا من غلوهم في الاهتمام بالمدارس ومناهجها، ونود من إخواننا الشباب أن يحسنوا الموازنة بين الأمرين، وأن يوفروا أوقاتهم التي يضيعونها سدى فيما لا ينفع، ويوظفوا هذه الأوقات في الموازنة المطلوبة بين الأمرين.
ثانياً:
حتى تجمع أيها الأخ الشاب الراغب بالعلم، بين طلب العلم تحقيقاً للأمر النبوي بطلبه، وبين طاعة أمك التي لا تأمرك بما هو محرَّم: فحاول أن تنتصح بما نقوله لك، وما ندلك عليه، عسى الله أن ينفعك به، ومن ذلك:
١. أن تحرص على الصحبة الصالحة، وتبتعد عن جليس السوء، فالصحبة الصالحة تحفظ لك وقتك، وتذكرك بما هو واجب عليك، وحتى لو كنتم تتعاونون في طلب العلم الشرعي فإنهم سينصحونك بتخصيص شيء من وقتك للدراسة المنهجية، وستجد منهم خير معين لك، بخلاف الصحبة السيئة، وجليس السوء؛ فإنه لا يدلك على خير، ولا يرشدك إلى هدى.
٢. أن تحفظ عليك وقتك بساعاته ودقائقه، وأن لا يكون منك تفريط في شيء منه، فالمحافظة على الوقت من شأنها أن تجعل في يومك فسحة للقراءة، وطلب العلم، مع اهتمامك بدروسك المنهجية.
قال ابن القيِّم:
وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمرّ أسرع من مرّ السحاب، فما كان من وقته لله، وبالله: فهو حياته، وعمره، وغير ذلك: ليس محسوباً في حياته، وإن عاش فيه: عاش عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة، والشهوة، والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة: فموت هذا خير له من حياته.
" الجواب الكافي " (ص ١٠٩) .
قال الحسن البصري: " أدركت أقواماً كان أحدهم أشحّ على عمره منه على دراهمه، ودنانيره ".
٣. ترتيب وقتك، وتنظيم ساعاته، ومن شأن هذا الأمر أن تعطي كل شيء حقَّه، فتجعل لنومك ساعات محددة، ولطلبك العلم أوقاتاً معينة، ولدروسك الجامعية أزمنة مقيَّدة، لا تزيد في كل ذلك، ولا تُنقص مه.
فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يتناوب هو وأنصاري على حضور حلق العلم عند النبي ﷺ ، فلم يجعلوا طلب الرزق معارضاً للعلم، فجمعوا بينهما من غير تفريط في أحدهما.
عَنْ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنْ الْأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهِيَ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَنْزِلُ يَوْمًا، وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ.
رواه البخاري (٨٩) وبوَّب عليه بقوله: باب التناوب في العلم، ومسلم (١٤٧٩) نحوه.
٤. اعلم أن طريق الدراسة الجامعية قصير محدود، وأن طريق طلب العلم طويل لا ينتهي إلا بموت صاحبه، فعجِّل قطع الطريق القصير على خير، وبأسرع وقت؛ لتتفرغ لسلوك ذلك الطريق الطويل من دون عوائق.
٥. ترجم ما تعلمته من شرع الله على واقعك العملي، وليظهر أثر العلم على عملك، وعليه: فمن المتوقع منك أن يزداد برُّك بوالدتك، وأن تكون ذلك الابن النشيط، العاقل، الودود، طاهر القلب والبدن. ومن شأن تطبيق ما تعلمته على واقعك العملي أن تقدم لأسرتك، وللمجمتع من حولك رسالة مفادها: أن الإسلام يدعو إلى الأخلاق، وأنه لا يتعارض مع العلم، وأن طالب العلم هو القدوة الحسنة للشباب في سلوكه، وتصرفاته.
واستعن بالله تعالى على كل ما ذكرناه لك، ونصحناك به، واسأل ربك دوماً السداد، والتوفيق.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 14914
الموقف من الفتاوى الشاذة، من مفتيها، والآخذ بها
[السُّؤَالُ]
ـ[ما موقف عامة الناس من الفتاوى الشاذة التي كثرت مؤخراً، مثل من أفتى بفك السحر بالسحر وغيرها من الفتاوى؟ وهل ننكر على من عمل بهذه الفتاوى؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الواجب قبل الكلام عن المستفتي أن نبدأ بالمفتي نفسه، فنقول: يجب على كل مسلم أن يحفظ عليه لسانه في الكلام على شرع الله تعالى بما لا يعلم، وليعلم كل مسلم أن القول على الله تعالى بغير علم من كبائر الذنوب، بل قد قرنه الله تعالى بالشرك، فقال: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) الأعراف/٣٣.
قال ابن القيم ﵀:
"فرتَّب المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها، وهو الفواحش، ثم ثنَّى بما هو أشدُّ تحريماً منه، وهو الإثم والظلم، ثم ثلَّث بما هو أعظم تحريماً منهما، وهو الشرك به سبحانه، ثم ربَّع بما هو أشدُّ تحريماً من ذلك كله، وهو: القول عليه بلا علم، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وفي دينه، وشرعه" انتهى.
" إعلام الموقعين " (١ / ٣٨) .
وقد رأينا في زماننا هذا عجباً، رأينا السياسي يفتي، والممثل يفتي، والإعلامي يفتي، بل حتى الراقصة تفتي! وأصبحت الفتوى حقاً لكل من هبَّ ودبَّ، وصار أهل الباطل من أصحاب القنوات الفضائية، والصحف اليومية والأسبوعية يلمعون هؤلاء، ويقدمونهم للناس على أنهم أصحاب علم، وأهل هدى، وعلى مثل هذا بكى ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ الإمام مالك ﵀، ففي " إعلام الموقعين " لابن القيم (٤ / ٢٠٧، ٢٠٨) قال: رأى رجلٌ ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: استُفتي مَن لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم، قال: ولَبعضُ مَن يفتي ههنا أحق بالسجن من السرَّاق.
ثم قال ابن القيم:
"قال بعض العلماء: فكيف لو رأى ربيعة زماننا، وإقدام مَن لا علم عنده على الفتيا، وتوثبه عليها، ومد باع التكلف إليها، وتسلقه بالجهل والجرأة عليها، مع قلة الخبرة، وسوء السيرة، وشؤم السريرة، وهو من بين أهل العلم منكر، أو غريب فليس له في معرفة الكتاب والسنَّة، وآثار السلف، نصيب" انتهى.
وليعلم المفتي أنه يوقِّع عن ربه تعالى بما ينسبه للشرع من أحكام، وقد كان السلف الصالح يتدافعون الفتيا، وكلٌّ يحول السائل إلى غيره، حتى تعود للأول منهم، والجرأة والعجلة في الفتوى ليستا محمودتين من صاحبهما، بل الواجب التأني، والتمهل، قبل إصدار الفتوى.
قال أبو شهاب الحناط: سمعت أبا حصين – وهو عثمان بن عاصم – يقول: إن أحدهم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر: لجَمَع لها أهل بدر.
" سير أعلام النبلاء " (٥ / ٤١٦) .
وليكن قول " لا أدري " شعاراً له في حياته فيما لا يعرفه من أحكام الشرع، وهذه ملائكة الرحمن تقول ذلك فيما لا تدريه، قال تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) البقرة/٣١،٣٢. وليتجنب الغرائب من الأقوال، والشذوذات من الفتوى، وليتجنب ما لا يحسن الناس فهمه، أو ما يسبب رقة دين، أو فحش سلوك، كما يفعله من يوزع الفتاوى في طول الأرض وعرضها بإباحة المعازف، والتمثيل للنساء والرجال، وغير ذلك، وكما فعله من نشر فتوى جواز فك السحر بسحر مثله؛ فإن هذا يعني جواز فتح مكاتب للسحرة! وإيقاف الإنكار عليهم واستتابتهم، ويعني التواصي بين الناس على أفضل ساحر! وأوثق ساحر! وأرخص ساحر! ، ولذا لا يتصور صدور مثل تلك الفتاوى المفسدة لدين الناس وخلقهم من مفتٍ يعلم ما وصلت إليه أحوال الناس من البُعد عن الشرع.
ثانياً:
يجب الإنكار على كل من اتبع هواه في الأخذ بفتاوى المتساهلين من المفتين، أو بمن عرف بتبني الفتاوى الشاذة، القائمة على حب المخالفة.
ونحن نعلم أن من واجب الجاهل أن يسأل في دينه، وأن يقلد من يستفتيه، ولكن هذا الأمر ليس على إطلاقه، وبخاصة إذا علمنا أن ذاك العامي الجاهل يتقصد الأخذ بمن عرف عنه قلة العلم، أو قلة الدين، وإذا كنا ننكر على ذلك المفتي نفسه، فإننا ننكر أيضاً على العامي الذي يعلم أنه متساهل في الفتوى ثم يذهب يستفتيه ويأخذ بفتواه.
وقد كان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ يعلم ما تُحدثه الفتاوى المختلفة بين الناس، وكان موقفه منها صارماً، وأصرم منه موقفه فيمن يأتي بالشاذ من الأقوال.
روى ابن أبي شيبة في " مصنفه " (١ / ٣١٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: اخْتَلَفَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ فِي الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، فَقَالَ أُبَيٌّ: ثَوْبٌ، وَقَالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ: ثَوْبَانِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا عُمَرُ فَلَامَهُمَا، وَقَالَ: إِنَّهُ لَيَسُوؤُنِي أَنْ يَخْتَلِفَ اثْنَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ، فَعَنْ أَيِّ فُتْيَاكُمَا يَصْدُر النَّاسُ؟ أَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَلَمْ يَأْلُ، وَالْقَوْلُ مَا قَالَ أُبَيٌّ.
وروى مالك في " الموطأ " (٣ / ٥١٢) عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَّهُ مَرَّ بِهِ قَوْمٌ مُحْرِمُونَ بِالرَّبَذَةِ، فَاسْتَفْتَوْهُ فِي لَحْمِ صَيْدٍ وَجَدُوا نَاسًا أَحِلَّةً يَأْكُلُونَهُ، فَأَفْتَاهُمْ بِأَكْلِهِ، قَالَ: ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: بِمَ أَفْتَيْتَهُمْ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: أَفْتَيْتُهُمْ بِأَكْلِهِ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ أَفْتَيْتَهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَأَوْجَعْتُكَ.
فكم يا تُرى من يستحق أن يوجع بسبب فتوى شاذة نسبها لشرع الله تعالى المطهَّر، كمن أفتى الموظفة أن تُرضع زميلها في العمل لترتفع الخلوة! وكمن أفتى بإباحة تقبيل الرجل للمرأة الأجنبية لقتل الشهوة! وكمَن أفتى بجواز تزوج المشرك من مسلمة! وكمن أفتى بجواز الفوائد الربوية! وهكذا في سلسلة ليس لها آخر، ينفخ الشيطان في نفس مصدرها وقائلها أنه أهلٌ للفتوى، وأنه ليس عليه أن يبالي بمن يخالفه.
ونحن لا ننكر وجود خلاف بين العلماء في مسائل الفقه، لكنا ننكر على المفتي تتبع الأقوال الشاذة والمهجورة منها، وننكر جعل ذلك الخلاف سبيلاً لاختراع أقوال باطلة ينسبها لدين الله تعالى، وهي ليست منه؛ ليرضي بها قاعدته! أو ساسته.
قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀:
"ولم يفلح مَن جعل مِن هذا الخلاف سبيلاً إلى تتبع رخص المذاهب، ونادر الخلاف، وندرة المخالف، والتقاط الشواذ، وتبني الآراء المهجورة، والغلط على الأئمة، ونصبها للناس دينًا وشرعاً ... .
ومنها: إصدار الفتاوى الشاذة الفاسدة، مثل الفتوى بجواز الفوائد الربوية، وشهادات الاستثمار، وسندات الخزينة، وفتوى إباحة التأمين، وفتوى إباحة السفور، وفتوى إباحة الاختلاط، وكلها فتاوى شاذة فاسدة، تمالئ الرغبات، وبعض التوجهات" انتهى.
" المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل " (١ / ١٠٧، ١٠٨) .
والواجب على العامي أن يسأل أهل العلم الذين يثق بدينهم وعلمهم، أما من عرف بالتساهل وتتبع الرخص، وعدم الحرص على اتباع السنة، فلا يجوز لأحد أن يستفتيه، ولا أن يعمل بما يفتيه به. وينظر جواب السؤال رقم (١١٢١٢٣) .
والله المستعان
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14915
إذا كان الجاهل معذورا فهل يترك على جهله ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت السؤال رقم ١١١٣٦٢ الذي يوضح قول الشيخ ابن عثيمين في العذر بالجهل، وعليه، فهل إقامة الحجة بالعلم على الناس غير جائز بحيث يتركون لجهلهم أفضل حتى لا تقوم عليهم الحجة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
العذر بالجهل من المسائل الاجتهادية التي حصل فيها نزاع بين العلماء، فمنهم من يطلق القول بعذر الجاهل، ومنهم من يقيد ذلك ببعض المسائل، وتفصيل ذلك لا يتسع له الجواب.
ثانيا:
ليس هناك أحد من أهل العلم القائلين بعذر الجاهل، يرى أن يترك الجاهل دون دعوة أو تعليم، وذلك لتظاهر الأدلة على وجوب نشر الدين، وتعليم الجاهلين، وإقامة الحجة على المكلفين، قال تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) الأنعام/١٩، وقال سبحانه: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) التوبة/١٢٢، وقال: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل/١٢٥.
وقال ﷺ : (بَلِّغُوا عَنِّى وَلَوْ آيَةً) رواه البخاري (٣٤٦١) .
وأرسل النبي صلى الله عليه أصحابه معلمين ومبشرين ومنذرين، ولو كان ترك الناس لجهلهم سائغا، لما بعثت الرسل، ولا أنزلت الكتب، ولا كلف الدعاة.
فليس لأحد أن يتوهم أن ترك الجهال على جهلهم جائز، فإن هذا لا يقوله عاقل فضلا عن عالم، وكون الله تعالى قد يعذر الجاهل الذي لم يفرط، لا يعني أن يترك العالم ما أُمر به من التبليغ والبيان.
قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) آل عمران/١٨٧.
وينبغي أن يعلم أن الجاهل إذا وجد من يعلمه، فقصر وفرط، كان آثما لتركه تعلم ما يجب عليه، ولم يكن معذوراًً، سواء كان ذلك في أمر العقيدة، أو العبادة، أو المعاملة، ولهذا ذم الله تعالى أهل الغفلة الذين يعلمون أمر دنياهم، ويجهلون أمر دينهم، فقال: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) الروم/٧، وذم المقلدين الذين يتركون ما جاءهم من العلم والهدى، ويقولون إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →