Полный текст (16 344 стр.). Показаны 14911–14950 · переход к 14916.
стр. 14911
هل يشترط الاقتراب من الشيخ في الدرس حتى تحصل فضيلة حضور مجالس العلم والذكر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[في مسجدنا تلقى بعض الدروس بين المغرب والعشاء وفي بعض الأحيان بعد العشاء ويقوم أحد الإخوة قبل الدرس بحثّ من في المسجد على الاقتراب من الشيخ على الرغم من أن الدرس يُلقى عبر مكبر الصوت ويمكن سماعه من أي مكان في المسجد فهل يشترط الاقتراب من المتحدث حتى يدخل الشخص في الوصف الذي جاء في الحديث: (.... حفتهم الملائكة وذكرهم الله في من عنده..) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الاجتماع على طاعة الله كحضور مجلس علم، أو اجتماع على تلاوة كتاب الله، ونحو ذلك، من أعظم أنواع البر.
فقد روى مسلم (٢٦٩٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) .
قال السندي:
" (حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ) أَيْ طَافُوا بِهِمْ وَأَدَارُوا حَوْلهمْ تَعْظِيمًا لِصَنِيعِهِمْ" انتهى.
وينبغي عند اجتماع المسلمين أن يحرصوا على التقارب وعدم التباعد، إلا إذا وجد سبب يقتضي خلاف هذا.
وهكذا كانت مجالس الصحابة، وهم حول رسول الله ﷺ ، كانوا متقاربين، وإذا جاء أحدهم فوجد فرجة سدها وجلس فيها؛ فعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ. قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ : أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ) متفق عليه.
قال النووي:
" فِيهِ اِسْتِحْبَاب جُلُوس الْعَالِم لِأَصْحَابِهِ وَغَيْرهمْ فِي مَوْضِع بَارِز ظَاهِر لِلنَّاسِ , وَالْمَسْجِد أَفْضَل , فَيُذَاكِرهُمْ الْعِلْم وَالْخَيْر. وَفِيهِ جَوَاز حِلَق الْعِلْم وَالذِّكْر فِي الْمَسْجِد , وَاسْتِحْبَاب دُخُولهَا , وَمُجَالَسَة أَهْلهَا , وَكَرَاهَة الِانْصِرَاف عَنْهَا مِنْ غَيْر عُذْر , وَاسْتِحْبَاب الْقُرْب مِنْ كَبِير الْحَلْقَة لِيَسْمَع كَلَامه سَمَاعًا بَيِّنًا , وَيَتَأَدَّب بِأَدَبِهِ. وَأَنَّ قَاصِد الْحَلْقَة إِنْ رَأَى فُرْجَة دَخَلَ فِيهَا , وَإِلَّا جَلَسَ وَرَاءَهُمْ " انتهى.
وروى أبو داود (٢٦٢٨) عن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْزِلًا تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنْ الشَّيْطَانِ) فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلًا إِلَّا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يُقَالَ لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ. صححه الألباني في "صحيح أبي داود".
وروى مسلم (٤٣٠) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَآنَا حَلَقًا فَقَالَ: (مَالِي أَرَاكُمْ عِزِينَ) ؟
قال النووي:
قَوْله ﷺ : (مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ) أَيْ: مُتَفَرِّقِينَ جَمَاعَة جَمَاعَة , مَعْنَاهُ النَّهْي عَنْ التَّفَرُّق وَالْأَمْر بِالِاجْتِمَاعِ " انتهى.
قال الألباني ﵀:
"أي: تجمعوا ولا تتفرقوا بأبدانكم، لا تتفرقوا بظواهركم؛ فإن الظاهر عنوان الباطن، والظاهر يؤثر في الباطن صلاحا أو فسادا" انتهى.
http://www.alathar.net/esound/index.php?page=tadevi&id=١٦١&coid=٢٣٦٦ - ٣٥k –
وروى أحمد في الزهد (ص١٨١) وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١ / ٢٣٩) أن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه لما حضره الموت قال: "اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر".
قال ابن عبد البر:
" معنى التزاحم بالركب في مجلس العالم الانضمام والالتصاق ينضم القوم بعضهم إلى بعض على مراتبهم " انتهى.
"التمهيد" (١ / ٣١٦) .
قال الشيخ الألباني رحمة الله:
"فمن أدب مجالس العلم التقارب بالأبدان، حتى يكون ذلك تفاؤلا حسنا وسببا شرعيا لتقارب القلوب، التي قد يكون بينها شيء من التنافر والاختلاف، وذلك مما ينهى الشارع الحكيم عنه" انتهى.
-
وقال الشيخ أيضا:
" وجلوس الناس اليوم في حلق العلم متفرقين في المسجد غير متحلقين أيضا من الشيطان، فينبغي على طلبة العلم التحلق في مجالس العلم " انتهى.
فهذه الأحاديث تدل على أن التقارب في مجالس العلم والذكر من السنة؛ لتأثير ذلك إيجابا على تقارب القلوب وعدم تنافرها، ولأن التقارب يجعل الشخص أكثر تأدباً بآداب المجلس، وتركيزاً فيما يقال، فلا يشغل نفسه بشيء آخر، بخلاف التباعد الذي قد يفضي إلى الانشغال عن متابعة الدرس، أو إمكانية الانصراف بسهولة فيحرم نفسه من الفائدة والخير.
ولكن ذلك ليس شرطا في حصول الفضيلة، من غشيان الرحمة وتنزل السكينة وحضور الملائكة، مادام في المجلس لم يخرج منه، ولم ينشغل بغيره، إلا أن التقارب أقرب للسنة، وأتم في حصول الفضيلة، وكل بحسب همته ونشاطه للمجلس، وقد تقدم الحديث في الرجل الذي دخل إلى الفرجة التي في المجلس وجلس فيها فقال عنه النبي ﷺ : (فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ) وفي الآخر الذي جلس خلف الحلقة، قال عنه النبي ﷺ : (وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ) . فأثنى النبي ﷺ على الرجلين، غير أن الأول منهما أفضل.
فإن احتاج بعض الناس إلى التأخر للركون إلى سارية المسجد أو الجدار لضعف أو مرض ونحو ذلك فلا بأس، مادام منصتا مصغيا.
وفق الله الجميع إلى ما يحب ويرضى.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14912
طلب العلم مقدم على الجهاد في سبيل الله
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الأفضل في هذا الوقت: الجهاد في سبيل الله أم طلب العلم ونفع الناس وإزالة الجهل؟ وما حكم الجهاد لمن لم يستأذن والديه في الجهاد وخرج للجهاد؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"طلب العلم من الجهاد، وهو واجب للتفقه في الدين وطلب العلم، وإذا وَجد جهادا في سبيل الله، الجهاد الشرعي شارك فيه إذا وَجد ذلك وهو من أفضل الأعمال، ولكن عليه أن يتعلم ويتفقه في الدين، وهو أفضل ومقدم على الجهاد؛ لأنه واجب عليه أن يتفقه في دينه، والجهاد مستحب فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، لكن تعلم الإنسان العلم أمر مفروض عليه ليتفقه في دينه، وإذا يسر الله له جهادا إسلاميا فلا بأس، يشرع له المشاركة إذا قدر ولكن بإذن والديه.
أما الجهاد الواجب الذي يهجم العدو على البلد، فيجب على الجميع الجهاد إذا هجم العدو على بلاد المسلمين وجب عليهم كلهم أن يجاهدوا، وأن يدفعوا شر العدو كلهم، حتى النساء يجب عليهن أن يدفعن شر العدو بما استطعن، أما جهاد الطلب فكونه يذهب إلى العدو في بلاده ويجاهد في بلاده فهذا فرض كفاية على الرجال" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٤/٧٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14913
طالب علم تطلب منه أمه الاهتمام بدراسته الجامعية فكيف يوفق بين الأمرين ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد طلب العلم الشرعي , وأنا - والحمد لله - أركز على طلب العلم , إلا أن أمي تقول لي إن عليك أن تركز على دروسك، وواجباتك الجامعية , فكيف لي أن أوفق بين هذين الأمرين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إن مما يَحزن القلب أننا نجد بعض الشباب ممن يحبون العلم الشرعي، ويسعوْن في تحصيله: أنهم يقصِّرون في واجباتهم المنزلية، ويقصرون في دراستهم النظامية، وهذا – ولا شك – له أسوأ الأثر على الأهل، وهو مما يدعوهم إلى منع أولادهم من حضور حلَق العلم، ومن سماع الأشرطة العلمية النافعة، ومن قراءة الكتب الشرعية، وما جعلهم يفعلون ذلك هو ما يرونه من تقصير أولادهم فيما ذكرنا، ولو أنهم رأوا من يجمع بين الأمور كلها، ولا يغلِّب جانباً على آخر: لما أزعجهم سماع لشريط، ولا حضور لحلقة علم، ولا قراءة لكتاب في العلم الشرعي.
فلينتبه الشباب لهذا، وليعلموا أن كثيراً من الأهالي وأولياء الأمور يشْكُون تقصير الأبناء في المواد الدراسية، مما يتسبب عنه رسوب أولئك الشباب في امتحاناتهم أحياناً، وتحميل أهلهم أعباء إضافية من جهد، ومال.
نعم، هناك كثيرون يبالغون في الاهتمام بالدراسة، والامتحانات، حتى إن بعضهم لا يكاد يذكِّر أولاده بصلاة، ولا ذكر، فضلاً عن تشجيعه لأداء صلاة الجماعة في المسجد، وهؤلاء قد عظموا المدارس ومناهجها، وجعلوا منها سعادة وشقاء الأولاد، فجعلوا من معه شهادة هو من سيعيش ويأكل ويتزوج، ومن لم يحصل عليها فسيشقى، ولن تكون حياته سعيدة، مع أننا نرى عكساً لهذا في واقع الحياة، وبكل حال: فإننا نود من أهالي الشباب المستقيمين على طاعة الله، والراغبين في طلب العلم أن يخففوا من غلوهم في الاهتمام بالمدارس ومناهجها، ونود من إخواننا الشباب أن يحسنوا الموازنة بين الأمرين، وأن يوفروا أوقاتهم التي يضيعونها سدى فيما لا ينفع، ويوظفوا هذه الأوقات في الموازنة المطلوبة بين الأمرين.
ثانياً:
حتى تجمع أيها الأخ الشاب الراغب بالعلم، بين طلب العلم تحقيقاً للأمر النبوي بطلبه، وبين طاعة أمك التي لا تأمرك بما هو محرَّم: فحاول أن تنتصح بما نقوله لك، وما ندلك عليه، عسى الله أن ينفعك به، ومن ذلك:
١. أن تحرص على الصحبة الصالحة، وتبتعد عن جليس السوء، فالصحبة الصالحة تحفظ لك وقتك، وتذكرك بما هو واجب عليك، وحتى لو كنتم تتعاونون في طلب العلم الشرعي فإنهم سينصحونك بتخصيص شيء من وقتك للدراسة المنهجية، وستجد منهم خير معين لك، بخلاف الصحبة السيئة، وجليس السوء؛ فإنه لا يدلك على خير، ولا يرشدك إلى هدى.
٢. أن تحفظ عليك وقتك بساعاته ودقائقه، وأن لا يكون منك تفريط في شيء منه، فالمحافظة على الوقت من شأنها أن تجعل في يومك فسحة للقراءة، وطلب العلم، مع اهتمامك بدروسك المنهجية.
قال ابن القيِّم:
وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمرّ أسرع من مرّ السحاب، فما كان من وقته لله، وبالله: فهو حياته، وعمره، وغير ذلك: ليس محسوباً في حياته، وإن عاش فيه: عاش عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة، والشهوة، والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة: فموت هذا خير له من حياته.
" الجواب الكافي " (ص ١٠٩) .
قال الحسن البصري: " أدركت أقواماً كان أحدهم أشحّ على عمره منه على دراهمه، ودنانيره ".
٣. ترتيب وقتك، وتنظيم ساعاته، ومن شأن هذا الأمر أن تعطي كل شيء حقَّه، فتجعل لنومك ساعات محددة، ولطلبك العلم أوقاتاً معينة، ولدروسك الجامعية أزمنة مقيَّدة، لا تزيد في كل ذلك، ولا تُنقص مه.
فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يتناوب هو وأنصاري على حضور حلق العلم عند النبي ﷺ ، فلم يجعلوا طلب الرزق معارضاً للعلم، فجمعوا بينهما من غير تفريط في أحدهما.
عَنْ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنْ الْأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهِيَ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَنْزِلُ يَوْمًا، وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ.
رواه البخاري (٨٩) وبوَّب عليه بقوله: باب التناوب في العلم، ومسلم (١٤٧٩) نحوه.
٤. اعلم أن طريق الدراسة الجامعية قصير محدود، وأن طريق طلب العلم طويل لا ينتهي إلا بموت صاحبه، فعجِّل قطع الطريق القصير على خير، وبأسرع وقت؛ لتتفرغ لسلوك ذلك الطريق الطويل من دون عوائق.
٥. ترجم ما تعلمته من شرع الله على واقعك العملي، وليظهر أثر العلم على عملك، وعليه: فمن المتوقع منك أن يزداد برُّك بوالدتك، وأن تكون ذلك الابن النشيط، العاقل، الودود، طاهر القلب والبدن. ومن شأن تطبيق ما تعلمته على واقعك العملي أن تقدم لأسرتك، وللمجمتع من حولك رسالة مفادها: أن الإسلام يدعو إلى الأخلاق، وأنه لا يتعارض مع العلم، وأن طالب العلم هو القدوة الحسنة للشباب في سلوكه، وتصرفاته.
واستعن بالله تعالى على كل ما ذكرناه لك، ونصحناك به، واسأل ربك دوماً السداد، والتوفيق.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 14914
الموقف من الفتاوى الشاذة، من مفتيها، والآخذ بها
[السُّؤَالُ]
ـ[ما موقف عامة الناس من الفتاوى الشاذة التي كثرت مؤخراً، مثل من أفتى بفك السحر بالسحر وغيرها من الفتاوى؟ وهل ننكر على من عمل بهذه الفتاوى؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الواجب قبل الكلام عن المستفتي أن نبدأ بالمفتي نفسه، فنقول: يجب على كل مسلم أن يحفظ عليه لسانه في الكلام على شرع الله تعالى بما لا يعلم، وليعلم كل مسلم أن القول على الله تعالى بغير علم من كبائر الذنوب، بل قد قرنه الله تعالى بالشرك، فقال: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) الأعراف/٣٣.
قال ابن القيم ﵀:
"فرتَّب المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها، وهو الفواحش، ثم ثنَّى بما هو أشدُّ تحريماً منه، وهو الإثم والظلم، ثم ثلَّث بما هو أعظم تحريماً منهما، وهو الشرك به سبحانه، ثم ربَّع بما هو أشدُّ تحريماً من ذلك كله، وهو: القول عليه بلا علم، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وفي دينه، وشرعه" انتهى.
" إعلام الموقعين " (١ / ٣٨) .
وقد رأينا في زماننا هذا عجباً، رأينا السياسي يفتي، والممثل يفتي، والإعلامي يفتي، بل حتى الراقصة تفتي! وأصبحت الفتوى حقاً لكل من هبَّ ودبَّ، وصار أهل الباطل من أصحاب القنوات الفضائية، والصحف اليومية والأسبوعية يلمعون هؤلاء، ويقدمونهم للناس على أنهم أصحاب علم، وأهل هدى، وعلى مثل هذا بكى ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ الإمام مالك ﵀، ففي " إعلام الموقعين " لابن القيم (٤ / ٢٠٧، ٢٠٨) قال: رأى رجلٌ ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: استُفتي مَن لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم، قال: ولَبعضُ مَن يفتي ههنا أحق بالسجن من السرَّاق.
ثم قال ابن القيم:
"قال بعض العلماء: فكيف لو رأى ربيعة زماننا، وإقدام مَن لا علم عنده على الفتيا، وتوثبه عليها، ومد باع التكلف إليها، وتسلقه بالجهل والجرأة عليها، مع قلة الخبرة، وسوء السيرة، وشؤم السريرة، وهو من بين أهل العلم منكر، أو غريب فليس له في معرفة الكتاب والسنَّة، وآثار السلف، نصيب" انتهى.
وليعلم المفتي أنه يوقِّع عن ربه تعالى بما ينسبه للشرع من أحكام، وقد كان السلف الصالح يتدافعون الفتيا، وكلٌّ يحول السائل إلى غيره، حتى تعود للأول منهم، والجرأة والعجلة في الفتوى ليستا محمودتين من صاحبهما، بل الواجب التأني، والتمهل، قبل إصدار الفتوى.
قال أبو شهاب الحناط: سمعت أبا حصين – وهو عثمان بن عاصم – يقول: إن أحدهم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر: لجَمَع لها أهل بدر.
" سير أعلام النبلاء " (٥ / ٤١٦) .
وليكن قول " لا أدري " شعاراً له في حياته فيما لا يعرفه من أحكام الشرع، وهذه ملائكة الرحمن تقول ذلك فيما لا تدريه، قال تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) البقرة/٣١،٣٢. وليتجنب الغرائب من الأقوال، والشذوذات من الفتوى، وليتجنب ما لا يحسن الناس فهمه، أو ما يسبب رقة دين، أو فحش سلوك، كما يفعله من يوزع الفتاوى في طول الأرض وعرضها بإباحة المعازف، والتمثيل للنساء والرجال، وغير ذلك، وكما فعله من نشر فتوى جواز فك السحر بسحر مثله؛ فإن هذا يعني جواز فتح مكاتب للسحرة! وإيقاف الإنكار عليهم واستتابتهم، ويعني التواصي بين الناس على أفضل ساحر! وأوثق ساحر! وأرخص ساحر! ، ولذا لا يتصور صدور مثل تلك الفتاوى المفسدة لدين الناس وخلقهم من مفتٍ يعلم ما وصلت إليه أحوال الناس من البُعد عن الشرع.
ثانياً:
يجب الإنكار على كل من اتبع هواه في الأخذ بفتاوى المتساهلين من المفتين، أو بمن عرف بتبني الفتاوى الشاذة، القائمة على حب المخالفة.
ونحن نعلم أن من واجب الجاهل أن يسأل في دينه، وأن يقلد من يستفتيه، ولكن هذا الأمر ليس على إطلاقه، وبخاصة إذا علمنا أن ذاك العامي الجاهل يتقصد الأخذ بمن عرف عنه قلة العلم، أو قلة الدين، وإذا كنا ننكر على ذلك المفتي نفسه، فإننا ننكر أيضاً على العامي الذي يعلم أنه متساهل في الفتوى ثم يذهب يستفتيه ويأخذ بفتواه.
وقد كان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ يعلم ما تُحدثه الفتاوى المختلفة بين الناس، وكان موقفه منها صارماً، وأصرم منه موقفه فيمن يأتي بالشاذ من الأقوال.
روى ابن أبي شيبة في " مصنفه " (١ / ٣١٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: اخْتَلَفَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ فِي الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، فَقَالَ أُبَيٌّ: ثَوْبٌ، وَقَالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ: ثَوْبَانِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا عُمَرُ فَلَامَهُمَا، وَقَالَ: إِنَّهُ لَيَسُوؤُنِي أَنْ يَخْتَلِفَ اثْنَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ، فَعَنْ أَيِّ فُتْيَاكُمَا يَصْدُر النَّاسُ؟ أَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَلَمْ يَأْلُ، وَالْقَوْلُ مَا قَالَ أُبَيٌّ.
وروى مالك في " الموطأ " (٣ / ٥١٢) عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَّهُ مَرَّ بِهِ قَوْمٌ مُحْرِمُونَ بِالرَّبَذَةِ، فَاسْتَفْتَوْهُ فِي لَحْمِ صَيْدٍ وَجَدُوا نَاسًا أَحِلَّةً يَأْكُلُونَهُ، فَأَفْتَاهُمْ بِأَكْلِهِ، قَالَ: ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: بِمَ أَفْتَيْتَهُمْ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: أَفْتَيْتُهُمْ بِأَكْلِهِ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ أَفْتَيْتَهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَأَوْجَعْتُكَ.
فكم يا تُرى من يستحق أن يوجع بسبب فتوى شاذة نسبها لشرع الله تعالى المطهَّر، كمن أفتى الموظفة أن تُرضع زميلها في العمل لترتفع الخلوة! وكمن أفتى بإباحة تقبيل الرجل للمرأة الأجنبية لقتل الشهوة! وكمَن أفتى بجواز تزوج المشرك من مسلمة! وكمن أفتى بجواز الفوائد الربوية! وهكذا في سلسلة ليس لها آخر، ينفخ الشيطان في نفس مصدرها وقائلها أنه أهلٌ للفتوى، وأنه ليس عليه أن يبالي بمن يخالفه.
ونحن لا ننكر وجود خلاف بين العلماء في مسائل الفقه، لكنا ننكر على المفتي تتبع الأقوال الشاذة والمهجورة منها، وننكر جعل ذلك الخلاف سبيلاً لاختراع أقوال باطلة ينسبها لدين الله تعالى، وهي ليست منه؛ ليرضي بها قاعدته! أو ساسته.
قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀:
"ولم يفلح مَن جعل مِن هذا الخلاف سبيلاً إلى تتبع رخص المذاهب، ونادر الخلاف، وندرة المخالف، والتقاط الشواذ، وتبني الآراء المهجورة، والغلط على الأئمة، ونصبها للناس دينًا وشرعاً ... .
ومنها: إصدار الفتاوى الشاذة الفاسدة، مثل الفتوى بجواز الفوائد الربوية، وشهادات الاستثمار، وسندات الخزينة، وفتوى إباحة التأمين، وفتوى إباحة السفور، وفتوى إباحة الاختلاط، وكلها فتاوى شاذة فاسدة، تمالئ الرغبات، وبعض التوجهات" انتهى.
" المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل " (١ / ١٠٧، ١٠٨) .
والواجب على العامي أن يسأل أهل العلم الذين يثق بدينهم وعلمهم، أما من عرف بالتساهل وتتبع الرخص، وعدم الحرص على اتباع السنة، فلا يجوز لأحد أن يستفتيه، ولا أن يعمل بما يفتيه به. وينظر جواب السؤال رقم (١١٢١٢٣) .
والله المستعان
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14915
إذا كان الجاهل معذورا فهل يترك على جهله ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت السؤال رقم ١١١٣٦٢ الذي يوضح قول الشيخ ابن عثيمين في العذر بالجهل، وعليه، فهل إقامة الحجة بالعلم على الناس غير جائز بحيث يتركون لجهلهم أفضل حتى لا تقوم عليهم الحجة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
العذر بالجهل من المسائل الاجتهادية التي حصل فيها نزاع بين العلماء، فمنهم من يطلق القول بعذر الجاهل، ومنهم من يقيد ذلك ببعض المسائل، وتفصيل ذلك لا يتسع له الجواب.
ثانيا:
ليس هناك أحد من أهل العلم القائلين بعذر الجاهل، يرى أن يترك الجاهل دون دعوة أو تعليم، وذلك لتظاهر الأدلة على وجوب نشر الدين، وتعليم الجاهلين، وإقامة الحجة على المكلفين، قال تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) الأنعام/١٩، وقال سبحانه: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) التوبة/١٢٢، وقال: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل/١٢٥.
وقال ﷺ : (بَلِّغُوا عَنِّى وَلَوْ آيَةً) رواه البخاري (٣٤٦١) .
وأرسل النبي صلى الله عليه أصحابه معلمين ومبشرين ومنذرين، ولو كان ترك الناس لجهلهم سائغا، لما بعثت الرسل، ولا أنزلت الكتب، ولا كلف الدعاة.
فليس لأحد أن يتوهم أن ترك الجهال على جهلهم جائز، فإن هذا لا يقوله عاقل فضلا عن عالم، وكون الله تعالى قد يعذر الجاهل الذي لم يفرط، لا يعني أن يترك العالم ما أُمر به من التبليغ والبيان.
قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) آل عمران/١٨٧.
وينبغي أن يعلم أن الجاهل إذا وجد من يعلمه، فقصر وفرط، كان آثما لتركه تعلم ما يجب عليه، ولم يكن معذوراًً، سواء كان ذلك في أمر العقيدة، أو العبادة، أو المعاملة، ولهذا ذم الله تعالى أهل الغفلة الذين يعلمون أمر دنياهم، ويجهلون أمر دينهم، فقال: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) الروم/٧، وذم المقلدين الذين يتركون ما جاءهم من العلم والهدى، ويقولون إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14916
يحب العلم فكيف يصل إليه
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب عمري ٢١ سنة محافظ على الواجبات ولله الحمد وأحفظ القرآن الكريم كاملا ولدي مقدرة جيدة على الحفظ وأحب الكتب جدا وأريد أن أطلب العلم، التحقت بحلقات ودروس علمية في الفقه والعقيدة الحديث، لكنني أيقن تماما أن هذا لا يكفي أبدا فالمعول على الطالب نفسه أريد أن أحفظ وأقرأ وأبحث ولا أدري كيف وبم ومن أين أبدأ، لي فترة وأنا أتخبط من كتاب إلى آخر بدون منهج وكل ما أخافه هو أن يضيع علي العمر النفيس في أمور يمكن اختصارها، طموحي أن أخلف الشيخ ابن عثيمين ﵀ وأنال من الأجر مثله وأكثر بإذن الله طال العمر أم قصر، هذا هو ما أصبو إليه وسأناله بمشيئة الله مهما كلف الأمر وسأدفع ثمنا لذلك شبابي وراحتي وسعادتي ولذيذ النوم والكسل.
ليس هذا مجرد كلام في وقت غلبني فيه الحماس بل هو ما يشغل تفكيري الليل والنهار فأنا جاد وأرجو منكم أن ترعوني اهتمامكم ولو بالإجابة على هذه الرسالة.، أريد أن أعرف هل يمكنني تحقيق ذلك -أي ما ذكرته أعلاه -أم أن الركب قد فاتني، وكيف السبيل إليه.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحمد لله الذي رفع الهمة، وأسبغ النعمة، وهدى إلى طريق الحق بأوضح حجة.
والصلاة والسلام على نبي الأمة، ومُبَيِنِ الحُجَّة، ومرشد الخلق إلى طريق الجنة.
وبعد ...
أيها الأخ الكريم.. هنيئاً لك ثم هنيئاً لك ثم هنيئاً لك.
أي نعمة أنعم الله بها عليك؟ ... وأي فضل آتاك إياه؟ ... فقد وفقك إلى حفظ القرآن فلله الحمد أولاً وأخراً ... ثم حبب إليك العلم، وهذه من أعظم النعم " ومن يرد الله به خيراً يفقه في الدين "، ومن " أخذ بالعلم فقد أخذ بحظ وافر " لأن الله قال: (يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) المجادلة.
ثم وهبك مزيد إنعام، فأعطاك همة عالية ونفساً وثابة، فنسأل الله لك الحسنى وزيادة.
إن علو الهمة من معالي الأمور , وشرف النفوس. فعليك بشكر الله والقيام بما أعطاك حق القيام.
وأما بالنسبة للكتب التي تدرسها فقد تقدمت الإشارة إليها في السؤال رقم (٢٠١٩١) . فارجع إليه للأهمية.
وبعد أن تحفظ المختصرات وتتقنها مع شرحها وتضبط ما فيها من الإشكالات والفوائد المهمات، انتقل إلى بحث المبسوطات، مع المطالعة الدائمة، وتعليق ما يمر بك من الفوائد النفيسة، والمسائل الدقيقة، والفروع الغريبة، وحل المشكلات، والفروق بين أحكام المتشابهات، من جميع أنواع العلوم، ولا تستقل بفائدة تسمعها، أو قاعدة تضبطها، بل بادر إلى تعليقها وحفظها.
ولتكن همتك في طلب العلم عالية؛ فلا تكتفِ بقليل العلم مع إمكان كثيره، ولا تقنع من إرث الأنبياء صلوات الله عليهم بيسيره، ولا تؤخر تحصيل فائدة تمكنت منها ولا يشغلك الأمل والتسويف عنها؛ فإن للتأخير آفات، ولأنك إذا حصلتها في الزمن الحاضر؛ حصل في الزمن الثاني غيرها.
واغتنم وقت فراغك ونشاطك، وزمن عافيتك، وشرخ شبابك، ونباهة خاطرك، وقلة شواغلك، قبل عوارض البطالة أو موانع الرياسة.
وينبغي لك أن تعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها ما أمكنك؛ لأنها آلة التحصيل، ولا تجعل تحصيلها وكثرتها (بدون فائدة) حظك من العلم، وجمعها نصيبك من الفهم، بل عليك أن تستفيد منها بقدر استطاعتك. نسأل الله لك التوفيق.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 14917
حكم لبس الذهب المحلق للنساء
[السُّؤَالُ]
ـ[إن بعض النسوة عندنا تشككن وارتبن من فتوى العلامة: محمد ناصر الدين الألباني محدث الديار الشامية في كتابه: (آداب الزفاف) نحو تحريم لبس الذهب المحلق عموما، هناك نسوة امتنعن بالفعل عن لبسه، فوصفن النساء اللابسات له بالضلال والإضلال. فما قول سماحتكم في حكم لبس الذهب المحلق خصوصا وذلك لحاجتنا الماسة إلى دليلكم وفتواكم بعد ما استفحل الأمر وزاد، وغفر الله لكم وزادكم بسطة في العلم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يحل لبس النساء للذهب محلقا وغير محلق، لعموم قوله تعالى: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) الزخرف/١٨حيث ذكر سبحانه أن الحلية من صفات النساء وهي عامة في الذهب وغيره. ولما رواه أحمد وأبو داود والنسائي بسند جيد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ (إن هذين حرام على ذكور أمتي زاد ابن ماجة في روايته وحل لإناثهم) .
ولما رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه وأخرجه أبو داود والحاكم وصححه وأخرجه الطبراني وصححه ابن حزم عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم على ذكورها) وقد أعل بالانقطاع بين سعيد بن أبي هند وأبي موسى، ولا دليل على ذلك يطمئن إليه، وقد ذكرنا آنفا من صححه، وعلى فرض صحة العلة المذكورة فهو منجبر بالأحاديث الأخرى الصحيحة كما هي القاعدة المعروفة عند أئمة الحديث.
وعلى هذا درج علماء السلف، ونقل غير واحد الإجماع على جواز لبس المرأة الذهب، فنذكر أقوال بعضهم زيادة في الإيضاح: -
قال الجصاص في تفسيره (ج/٣، ص/٣٨٨) في كلامه عن الذهب: (والأخبار الواردة في إباحته للنساء عن النبي ﷺ والصحابة أظهر وأشهر من أخبار الحظر، ودلالة الآية [يقصد بذلك الآية التي ذكرناها آنفا] أيضا ظاهرة في إباحته للنساء.
وقد استفاض لبس الحلي للنساء منذ قرن النبي ﷺ والصحابة إلى يومنا هذا من غير نكير من أحد عليهن، ومثل ذلك لا يعترض عليه بأخبار الآحاد) ا. هـ. وقال إلكيا الهراسي في تفسير القرآن (ج/٤، ص/٣٩١) عند تفسيره لقوله تعالى: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ) (فيه دليل على إباحة الحلي للنساء: والإجماع منعقد عليه، والأخبار في ذلك لا تحصى) .
وقال البيهقي في السنن الكبرى (ج/٤، ص/١٤٢) لما ذكر بعض الأحاديث الدالة على حل الذهب والحرير للنساء من غير تفصيل ما نصه: (فهذه الأخبار وما في معناها تدل على إباحة التحلي بالذهب للنساء، واستدللنا بحصول الإجماع على إباحته لهن على نسخ الأخبار الدالة على تحريمه فيهن خاصة) ا. هـ.
وقال النووي في المجموع (ج/٤، ص/٤٤٢) : (ويجوز للنساء لبس الحرير والتحلي بالفضة وبالذهب بالإجماع للأحاديث الصحيحة) ا. هـ.
وقال أيضا (ج/٦، ص/٤٠) : (أجمع المسلمون على أنه يجوز للنساء لبس أنواع الحلي من الفضة والذهب جميعا كالطوق والعقد والخاتم والسوار والخلخال والدمالج والقلائد والمخانق وكل ما يتخذ في العنق وغيره وكل ما يعتدن لبسه، ولا خلاف في شيء من هذا) ا. هـ.
وقال في شرح صحيح مسلم في باب تحريم خاتم الذهب على الرجال ونسخ ما كان من إباحته في أول الإسلام: (أجمع المسلمون على إباحة خاتم الذهب للنساء) ا. هـ. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح حديث البراء: " ونهانا النبي ﷺ عن سبع، نهى عن خاتم الذهب. . . " الحديث قال (ج/١٠، ص/٣١٧) : (نهى النبي ﷺ عن خاتم الذهب أو التختم به مختص بالرجال دون النساء، فقد نقل الإجماع على إباحته للنساء) ا. هـ.
ويدل أيضا على حل الذهب للنساء مطلقا محلقا وغير محلق مع الحديثين السابقين ومع ما ذكره الأئمة المذكورون آنفا من إجماع أهل العلم على ذلك الأحاديث الآتية:
١ - ما رواه أبو داود والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت النبي ﷺ ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب فقال لها: (أتعطين زكاة هذا؟) قالت: لا قال: (أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟) فخلعتهما فألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت هما لله ولرسوله فأوضح لها النبي ﷺ وجوب الزكاة في المسكتين المذكورتين، ولم ينكر عليها لبس ابنتها لهما، فدل على حل ذلك وهما محلقتان، والحديث صحيح وإسناده جيد، كما نبه عليه الحافظ في البلوغ.
٢ - ما جاء في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عائشة ﵂ قالت: " قدمت على النبي ﷺ حلية من عند النجاشي أهداها له فيها خاتم من ذهب به فص حبشي قالت: فأخذه رسول الله ﷺ بعود معرضا عنه أو ببعض أصابعه ثم دعا أمامة ابنة أبي العاص ابنة ابنته زينب فقال: (تحلي بذه يا بنية) "، فقد أعطى ﷺ أمامة خاتما، وهو حلقة من الذهب، وقال: (تحلي بها) ، فدل على حل الذهب المحلق نصا.
٣ - ما رواه أبو داود والدارقطني وصححه الحاكم كما في بلوغ المرام عن أم سلمة ﵂ أنها كانت تلبس أوضاحا من ذهب فقالت: يا رسول الله أكنز هو؟ قال: (إذا أديت زكاته فليس بكنز) ا. هـ.
وأما الأحاديث التي ظاهرها النهي عن لبس الذهب للنساء فهي شاذة، مخالفة لما هو أصح منها وأثبت، وقد قرر أئمة الحديث أن ما جاء من الأحاديث بأسانيد جيدة لكنها مخالفة لأحاديث أصح منها ولم يمكن الجمع ولم يعرف التاريخ فإنها تعتبر شاذة لا يعول عليها ولا يعمل بها. قال الحافظ العراقي ﵀ في الألفية: " وذو الشذوذ ما يخالف الثقة فيه الملا فالشافعي حققه وقال الحافظ ابن حجر في النخبة ما نصه: فإن خولف بأرجح فالراجح المحفوظ ومقابله الشاذ " ا. هـ. كما ذكروا من شرط الحديث الصحيح الذي يعمل به ألا يكون شاذا، ولا شك أن الأحاديث المروية في تحريم الذهب على النساء على تسليم سلامة أسانيدها من العلل لا يمكن الجمع بينها وبين الأحاديث الصحيحة الدالة على حل الذهب للإناث، ولم يعرف التاريخ، فوجب الحكم عليها بالشذوذ وعدم الصحة عملا بهذه القاعدة الشرعية المعتبرة عند أهل العلم. وما ذكره أخونا في الله العلامة الشيخ: محمد ناصر الدين الألباني في كتابه: (آداب الزفاف) من الجمع بينها وبين أحاديث الحل بحمل أحاديث التحريم على المحلق وأحاديث الحل على غيره غير صحيح وغير مطابق لما جاءت به الأحاديث الصحيحة الدالة على الحل؛ لأن فيها حل الخاتم وهو محلق وحل الأسورة وهي محلقة، فاتضح بذلك ما ذكرنا؛ ولأن الأحاديث الدالة على الحل مطلقة غير مقيدة، فوجب الأخذ بها لإطلاقها وصحة أسانيدها، وقد تأيدت بما حكاه جماعة من أهل العلم من الإجماع على نسخ الأحاديث الدالة على التحريم كما نقلنا أقوالهم آنفا، وهذا هو الحق بلا ريب. وبذلك تزول الشبهة ويتضح الحكم الشرعي الذي لا ريب فيه بحل الذهب لإناث الأمة، وتحريمه على الذكور. والله ولي التوفيق والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
стр. 14918
محتار بين حفظ بلوغ المرام أو الجمع بين الصحيحين
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا محتار ومتردد بين حفظ: " بلوغ المرام "، وبين حفظ: " الجمع بين الصحيحين " في العطلة القادمة في الصيف، وأخشى أن أدخل دورة الصحيحين ثم لا أستطيع أن أواصل في الحفظ، حيث إن المقرر حفظ (٢٠) وجها يوميا. فما مشورة إخواني طلاب العلم في الموقع؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نصيحتنا لك ألا تتردد في دخول دورة حفظ الصحيحين، وأن تقدمها على كل مشروع علمي تشتغل به الآن، فقد لمسنا فيها الخير الكبير، والفائدة العظيمة، والحق يقال: إنها من نعم الله تعالى على طلبة العلم في هذه الأيام، أن يجد الطالب – في مقتبل الطلب - فرصةَ التفرغ لحفظ أهم مصدر من مصادر الشريعة بعد كتاب الله تعالى، ويقضي أيامه وأوقاته بين يدي كلام رسول الله ﷺ ، يحفظ عباراته، ويستظهر أقواله وأفعاله وسيرته ﷺ ، وقد يكون ذلك في المسجد الحرام، أو في مسجد النبي ﷺ .
فأي نعمة أعظم من هذه النعمة!
وأي فرصة ينتظر طالب العلم كي يحقق إنجازا عظيما كحفظ الصحيحين؟!
والله لا يخيب رجاء طالبٍ صادقٍ لجأ إليه سبحانه أن يعينه على الحفظ والفهم، وتوكل عليه سبحانه أن يسهل عليه كل عسير، ثم جلس في الروضة الشريفة يرجو أن يفتح الله عليه كما فتح على الإمام البخاري الذي كتب السنة والتراجم على ضوء القمر في هذا المكان المبارك.
هل ترى أخي الكريم أن الطالب الذي امتلأ قلبه بحب النبي ﷺ ، وتمنى أن لو رآه بنفسه وماله وولده، واحتسب أن ييسر الله له بطلبه العلم سبيل الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، هل ترى مثل هذا الطالب يخيب سعيه، ولا يرجع بالعلم والأجر والفضل، أم تراه وقع فيما سيندم عليه، ويراه – في مستقبل الأيام – مشغلة ومضيعة؟!
وقد سمعنا عن بعض أهل العلم المعاصرين من كاد قلبه يتفطر ألما أن فرصة مثل هذه فاتته في بداية طلبه، فلا تُفَوِّت أنت الفرصة، وبادر إلى الخير، واستعن بالله .
أما حيرتك بين حفظ " الجمع بين الصحيحين "، وحفظ " بلوغ المرام ": فنحن نميل إلى أن حفظ الأول أولى وأفضل من نواحٍ عديدة:
أولا: حفظ واستظهار أحاديث الصحيحين يعني استيعاب – ولو بقدر ما – المصدر الثاني من مصادر التشريع، وهي السنة التي عليها مدار الدين والشريعة، وذلك يخلق في نفس الطالب قوة علمية تأصيلية متينة.
ثانيا: في حفظ " الجمع بين الصحيحين " أولا تدرج منهجي في حفظ السنة النبوية، فالبداية في الأحاديث المتفق عليها، ثم مفردات البخاري، ثم مفردات مسلم، ثم يستكمل الطالب زوائد السنن والمسانيد على الصحيحين، وهكذا حتى يستكمل حفظ مجمل السنة النبوية، ولا شك أن التدرج في الحفظ ينظم عقلية الطالب، ويرفع همته وهو يستشعر إنجاز مراحل الحفظ مرحلة بعد أخرى.
ثالثا: البداية بحفظ " الجمع بين الصحيحين " تسهل على الطالب معرفة مخرج الحديث ومصدره، أما البداية بكتب أحاديث الأحكام المنتقاة من كتب السنة كثيرا ما تؤدي إلى اختلاط مصادر الأحاديث في ذهن الطالب، فلا يكاد يستحضر من أخرج الحديث من أصحاب الكتب الستة.
رابعا: استحضار أحاديث الصحيحين يخلق في نفس الطالب دافعا قويا لاستكمال حفظ كتب السنة، فقد لمس فعليا إمكانية استظهار أحاديث أعظم كتابين من كتب السنة، فلا يرى حائلا يحول دون استكمال زوائد السنن إلا الوقت، وهذا حافز مهم جدا في النجاح والإبداع.
خامسا: مَن حفظ " الجمع بين الصحيحين " فهو أقدر على استكمال واستظهار أحاديث الأحكام من كتبها: كـ " المنتقى "، و " المحرر "، و " بلوغ المرام "، فإن هذه الكتب اقتصرت فقط على أحاديث الأحكام، أما الصحيحان فهما يشملان الأحاديث في أبواب الدين جميعها.
أما خشيتك من الضعف أو العجز عن اجتياز الدورة وإتمام النصاب المطلوب من الحفظ، فيمكننا أن نقدم لك فيه نصيحتين لعل فيهما إزالة هذه الخشية:
أما النصيحة الأولى: فهي أن تتذكر أن العقل البشري بحاجة إلى تدريب وتدرج في الحفظ، تماما كما يتدرب الرياضي بعضلات جسمه لتعتاد على بذل المجهود البدني الكبير، ولذلك قد تجد صعوبة على الحفظ في بداية أسابيع الدورة، ولكنك ستجد نفسك شيئا فشيئا أقدر على الحفظ والتسميع.
يقول الإمام ابن القيم ﵀:
" أي عضو كثرت رياضته قوي، وخصوصا على نوع تلك الرياضة، بل كل قوة فهذا شأنها، فإن من استكثر من الحفظ قويت حافظته، ومن استكثر من الفكر قويت قوته المفكرة، ولكل عضو رياضة تخصه " انتهى.
"زاد المعاد" (٤/٢٢٥)
وهذا أمر مجرب مشاهد، فلا تستجب لتثبيط الشيطان لك، فليس جميع من يشترك في دورات الحفظ هم من النوابغ العباقرة، ولست أقل شأنا من أي مشترك، وقد شاهدنا وسمعنا وقرأنا عن صغار لم يبلغوا الحلم أتموا الحفظ المتقن لهذه الكتب المباركة، كما شاهدنا من الكبار الذي تجاوزوا الخمسين من استطاع أن يحفظها أيضا، كل ذلك بفضل الله أولا، ثم بفضل العزيمة والتوكل على الله .
أما النصيحة الثانية: فهي أن تحافظ على برنامج يومي لمراجعة ومذارة المحفوظ أثناء الدورة وبعدها، وتيقن أن برنامج المراجعة أهم وأولى وأعظم شأنا بكثير من برنامج الحفظ، لأن الحفظ لا يثبت إلا بالمذاكرة والمراجعة والتكرار، وهذا يحتاج إلى أيام طويلة، فاحتفظ بقدر – ولو يسير – بالمراجعة، وإلا فلا تدخل طريق الحفظ، فهو طريق لا يفلح فيه إلا من حافظ على نصاب يومي في المراجعة.
يقول الإمام الزهري ﵀:
" إنما يُذهِبُ العلمَ النسيانُ وتركُ المذاكرة " انتهى.
"الفقيه والمتفقه" للخطيب البغدادي (٣/٦٣)
ولعل من أفضل الطرق التي نرشدك إليها في هذا الصدد، ما ذكره الزرنوجي - في رسالته " تعليم المتعلم طريق التعلم " (ص/٤١- ٤٢) - وجربه كثير من طلبة العلم ونفعهم الله بها، وهي طريقة تجمع بين النفع والسهولة، حيث يقول ﵀:
" وينبغي لطالب العلم أن يكرر سَبْق - يعني: المقدار الذي يحفظه - الأمس خمس مرات، وسبق اليوم الذي قبل الأمس أربع مرات، والسبق الذي قبله ثلاث مرات، والذي قبله اثنين، والذي قبله مرة واحدة، فهذا أدعى إلى الحفظ " انتهى.
وأخيرا، فالحفظ كله خير إن شاء الله تعالى، والأهم منه المذاكرة المستمرة، والفهم الصحيح، والعمل بما علم، وتقوى الله تعالى سبب التوفيق والنجاح.
إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى فأوَّلُ ما يجني عليه اجتهادُه.
يقول ابن عباس ﵄:
" إنما يحفظُ الرجلُ على قدر نيته " انتهى.
"الجامع لأخلاق الراوي" (٢/٢٥٧)
وانظر نصائح مهمة ذكرها الخطيب البغدادي في العون على الحفظ، في " الجامع لأخلاق الراوي" (٢/٢٤٩-٢٧٩)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14919
منزلة الفقيه أعلى من منزلة راوي الحديث وفي كل خير
[السُّؤَالُ]
ـ[هل منزلة الفقيه أعلى من منزلة راوي الحديث؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الفقيه هو المجتهد الذي يستنبط الأحكام الشرعية، ويوضح مقررات الشريعة، ويشرح للناس أحكام دينهم، فدائرة حديثه مقاصد الدين، ومحكمات القرآن المبين، وتحقيق الفهم الصحيح لما يريده الله من العباد.
وهذا عمل لا يقوم به إلا أفراد الناس والقلائل منهم، لما يقتضيه من اطلاع واسع على النصوص، وممارسة طويلة لكلام أهل العلم، وذكاء في دراسة الواقع وتنزيل الأحكام الشرعية عليه.
أما راوي الحديث: فهو ناقل لما سمع من السنة النبوية، يؤدي ما تحمله بكل صدق وأمانة، ويعتني بتبليغ الحديث كما بلغ إليه بأي طريقة كانت، ولا يتكلف عناء شرح الحديث أو استنباط الأحكام الشرعية منه، ومعرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد، وإنما يقتصر دوره على الأداء والرواية.
وهذا عمل يتطلب الدقة والعناية النقلية، ولا يقتضي نظرا فقهيا ولا عناية أصولية.
وقد وصف الإمام الأعمش ﵀ عملَ كلٍّ مِن الفقيه وراوي الحديث بوصف دقيق فقال:
" يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة " انتهى.
"نصيحة أهل الحديث للخطيب البغدادي" (١/٤٥) .
ولا يخفى أن عمل كُلٍّ من الطبيب والصيدلي عمل متكامل، لا يستغني أحدهما عن الآخر، فكان لكل منهما من الفضل والتأثير القدر البالغ من الأهمية، وبذلك جاءت الشريعة أيضا تقر لكل من الفقيه والراوي بالفضل والأجر عند الله تعالى، مع مزيد فضل للفقيه (الطبيب) الذي يعتني بالفهم والاستنباط.
وقد استنبط بعض أهل العلم هذا التقرير من قوله ﷺ : (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ) رواه أبو داود (٣٦٦٠)
قال الرامهرمزي (ت ٣٦٠هـ) ﵀: " ففرَّق النبي ﷺ بين ناقل السنة وواعيها، ودل على فضل الواعي بقوله: (فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه غير فقيه) وبوجوب الفضل لأحدهما يثبت الفضل للآخر، مثال ذلك أن تمثل بين مالك بن أنس وعبيد الله العمري، وبين الشافعي وعبد الرحمن بن مهدي، وبين أبي ثور وابن أبي شيبة، فإن الحق يقودك إلى أن تقضي لكل واحد منهم بالفضل، وهذا طريق الإنصاف لمن سلكه، وعلم الحق لمن أمه ولم يتعده " انتهى.
"المحدث الفاصل" (١/١٦٩-١٧٠) .
وأما من جمع بين الحسنيين، فوعى مقالة النبي ﷺ ، وحفظ ما جاء به من العلم، وتفقه في معانيه، فانتفع به في نفسه، ونفع به الناس، فهؤلاء خير أصناف الناس قاطبة.
عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ، لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً.
فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ) رواه البخاري (٧٩) ، ومسلم (٢٢٨٢) .
الغيث: المطر. الأجادب: الأرض التي لا تنبت كلأ. القيعان: جمع القاع وهو الأرض التي لا نبات فيها.
يقول الإمام النووي ﵀:
" أما معاني الحديث ومقصوده فهو تمثيل الهدى الذي جاء به ﷺ بالغيث، ومعناه أن الأرض ثلاثة أنواع، وكذلك الناس:
فالنوع الأول من الأرض ينتفع بالمطر، فيحيى بعد أن كان ميتا، وينبت الكلأ فتنتفع بها الناس والدواب والزرع وغيرها، وكذا النوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحيا قلبه ويعمل به ويعلمه غيره فينتفع وينفع.
والنوع الثاني من الأرض ما لا تقبل الانتفاع في نفسها، لكن فيها فائدة، وهي إمساك الماء لغيرها، فينتفع بها الناس والدواب، وكذا النوع الثاني من الناس، لهم قلوب حافظة لكن ليست لهم أفهام ثاقبة، ولا رسوخ لهم في العقل يستنبطون به المعاني والأحكام، وليس عندهم اجتهاد في الطاعة والعمل به، فهم يحفظونه حتى يأتي طالب محتاج متعطش لما عندهم من العلم أهل للنفع والانتفاع فيأخذه منهم فينتفع به، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم.
والنوع الثالث من الأرض السباخ التي لا تنبت، ونحوها، فهي لا تنتفع بالماء، ولا تمسكه لينتفع بها غيرها، وكذا النوع الثالث من الناس، ليست لهم قلوب حافظة، ولا أفهام واعية، فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ولا يحفظونه لنفع غيرهم " انتهى.
"شرح مسلم" (١٥/٤٧-٤٨) .
وقال ابن القيم ﵀:
" شبه ﷺ العلم والهدى الذي جاء به بالغيث، لما يحصل بكل واحد منهما من الحياة والنافع والأغذية والأدوية وسائر مصالح العباد، فإنها بالعلم والمطر.
وشبه القلوب بالأراضي التي وقع عليها المطر، لأنها المحل الذي يمسك الماء، فينبت سائر أنواع النبات النافع، كما أن القلوب تعي العلم فيثمر فيها ويزكو وتظهر بركته وثمرته.
ثم قسم الناس إلى ثلاثة أقسام، بحسب قبولهم واستعدادهم لحفظه وفهم معانيه واستنباط أحكامه واستخراج حكمه وفوائده:
أحدها: أهل الحفظ والفهم الذين حفظوه وعقلوه وفهموا معانيه، واستنبطوا وجوه الأحكام والحكم والفوائد منه؛ فهؤلاء بمنزلة الأرض التي قبلت الماء، وهذا بمنزلة الحفظ، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وهذا هو الفهم فيه والمعرفة والاستنباط ... فهذا مثل الحفاظ الفقهاء، أهل الرواية والدراية.
القسم الثاني: أهل الحفظ الذين رُزِقوا حفظه ونقله وضبطه، ولم يرزقوا تفقها في معانيه ولا استنباطا ولا استخراجا لوجوه الحكم والفوائد منه، فهم بمنزلة من يقرأ القرآن ويحفظه، ويراعي حروفه وإعرابه، ولم يرزق فيه فهما خاصا عن الله، كما قال على بن أبي طالب ﵁: (إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه) . والناس متفاوتون في الفهم عن الله ورسوله أعظم تفاوت، فرب شخص يفهم من النص حكما أو حكمين، ويفهم منه الآخر مائة أو مائتين، فهؤلاء بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس فانتفعوا به، هذا يشرب منه وهذا يسقى وهذا يزرع.
فهؤلاء القسمان هم السعداء، والأولون أرفع درجة وأعلى قدرا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
القسم الثالث: الذين لا نصيب لهم منه، لا حفظا ولا فهما، ولا رواية ولا دراية؛ بل هم بمنزلة الأرض التي هي قيعان، لا تنبت ولا تمسك الماء.
وهؤلاء هم الأشقياء، والقسمان الأولان اشتركا في العلم والتعليم، كل بحسب ما قبله ووصل إليه، فهذا يعلم ألفاظ القرآن ويحفظها، وهذا يعلم معانيه وأحكامه وعلومه، والقسم الثالث لا علم ولا تعليم، فهم الذين لم يرفعوا بهدى الله رأسا ولم يقبلوه، وهؤلاء شر من الأنعام، وهم وقود النار.
فقد اشتمل هذا الحديث الشريف العظيم على التنبيه على شرف العلم والتعليم وعظم موقعه، وشقاء من ليس من أهله، وذكر أقسام بني آدم بالنسبة فيه إلى شقيهم وسعيدهم، وتقسم سعيدهم إلى سابق مقرب وصاحب يمين مقتصد.
وفيه دلالة على أن حاجة العباد إلى العلم كحاجتهم إلى المطر، بل أعظم، وأنهم إذا فقدوا العلم فهم بمنزلة الأرض التي فقدت الغيث.
قال الإمام أحمد: الناس محتاجون إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين، والعلم يحتاج إليه بعدد الأنفاس " انتهى.
"مفتاح دار السعادة" (١/٦٥-٦٦) .
فيا أيها الأخ الكريم، أين أنت من ذلك كله، ومن أي أنواع الأرض ـ يا ترى ـ طينتك، أمن التي انتفعت في نفسها، ونفعت الناس، فحفظت وتفقهت، وعملت وعلّمت؟ أمن التي حفظت لغيرها حتى انتفع، والدال على الخير كفاعله؟
إننا نعيذك بالله، ونكرمك عن أن تكون طينتك من الأرض السباخ، فلا أمسكت ولا أنبتت، ولا حفظت ولا تفقهت، ثم هي تقيم نفسها مقام الحكم بين الفريقين!!
انظر في همتك ـ يا عبد الله ـ ووطنها على معالي الأمور، واطلب لها الحفظ والفقه، فإن عجزت عن بعض ذلك، فليس أقل من أن تكون دالا على الخير، حافظا لما أمرت به.
قد رشَّحوك لأمرٍ إنْ فطِنتَ لهُ فاربأْ بنفسكَ أن ترعى مع الهَمَلِ
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
стр. 14920
سؤال العامي المفتي المعروف بالتساهل وتتبع الرخص
[السُّؤَالُ]
ـ[هنا في بلدنا يقول المفتي بجواز التعامل مع البنوك، وأنها ليست ربا. ويقول للمرأة المنتقبة أن تتقي الله ولا تنصح أختها التي ترتدي البنطال. فهل على عامة الناس شيء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أمر الله تعالى الجاهل أن يسأل أهل العلم والذكر، فقال: (فاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) النحل/٤٣، فهذه فريضة الله على الجاهل، أن يسأل أهل العلم فيما سيقدم عليه من عبادة أو معاملة، فإن قصر في ذلك كان عاصيا آثما.
ولاشك أن مفتي البلد ينبغي أن يكون أحق من يسأل ويستفتى، ولكن لا يجوز حصر الفتوى على المفتي الرسمي للدولة فقط، فإن منصب المفتي الرسمي للدولة لم يعرفه المسلمون إلا من نحو مائتي سنة، وعاش المسلمون نحواً من ألف ومائتي سنة، يسألون كل من يثقون بدينه وعلمه، ولم تكن الفتوى محصورة في شخص معين، وبعد استحداث هذا المنصب، يجب على الحاكم أن يختار له أوثق الموجودين في دينه وعلمه، فإن لم يفعل ذلك، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، وضيع الأمانة الموضوعة في عنقه، والتي سيسأل عنها يوم القيامة.
وإذا عرف عن الشخص ـ مفتياً رسمياً أو غيره ـ اتباع الهوى، وتحليل الحرام، والتساهل في الأحكام الشرعية، لم يجز الرجوع إليه، وكان على السائل أن يلجأ إلى من يثق في دينه وتقواه وعلمه.
والفوائد البنكية ربا محرم لا شك فيه، وليس مع من يبيحها مستند صحيح، ولهذا اتفقت كلمة العلماء المعتبرين على تحريمها، وصدر بذلك قرارات عدة من المجامع الفقهية المعتبرة، كمجمع البحوث الإسلامية، ومجمع الفقه الإسلامي، وينظر جواب السؤال رقم (٤٥٦٩١) .
وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم (٢٢٦٥٢) موقف المسلم من اختلاف العلماء والمفتين، وأنه إن كان طالب علم لزمه العمل بالدليل والأخذ بالراجح، وإن كان عاميا فعليه الأخذ بقول الأوثق علما ودينا.
والعامي لا يخفى عليه – غالبا- حال المتلاعب بالدين، المتتبع للرخص، الذي يفتي حسب ما ُيملى عليه وُيطلب منه، وبعض أصحاب المناصب الدينية الرسمية قد سقطوا من أعين الناس، ولم تعد لأقوالهم قيمة، بل كثير ما يتخذها الناس وسيلة للاستهزاء والسخرية في مجالسهم، فإن كان الأمر كذلك، فلا عذر له في تقليد من كان هذا حاله. وأما إن فرض أنه يجهل حاله، ووثق في منصبه وعلمه فأخذ بقوله، فهذا معذور قد امتثل ما أُمر به من سؤال أهل العلم.
والحاصل أن العامي مطالب بسؤال أهل العلم، ومطالب بتقوى الله تعالى في هذا السؤال، فلا يسأل من لا يثق في دينه وأمانته، ولا يسأل من يتتبع الرخص، ولا يسأل هو ليتتبع الرخص.
قال ابن عبد البر ﵀: " لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعا " انتهى نقلا عن "شرح الكوكب المنير" (٤/٥٧٨) .
وهذا مما ابتلي به كثير من الناس اليوم، يسأل من يثق في دينه، فإذا أفتاه بما يخالف هواه، ذهب فسأل غيره، حتى يحصل على مراده، وهذا حرام وفسق لا شك فيه.
وأما لبس المرأة الحجاب، فيجب على المرأة أن تستر جميع بدنها عن الرجال الأجانب عنها، بما لا يصف عورتها، ولا يظهر حجم عظامها، كما سبق بيانه في جواب السؤال رقم (١١٧٧٤) و (٦٩٩١) .
ومن قال من العلماء إن سترها لوجهها وكفيها غير واجب، فإنه يقول إنه مستحب ومشروع، ومما يحبه الله.
وعلى هذا؛ فقد اتفقت كلمة العلماء على مشروعية ستر المرأة لجميع بدنها، وأن ذلك أفضل وأكمل، فمن خرج عن هذا الإجماع، واتبع غير سبيل المؤمنين، فهو متوعد بقوله تعالى، (وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) النساء/١١٥.
وخروج المرأة بالبنطال أمام الرجال، منكر ظاهر لا يماري فيه أحد من أهل العلم، بل أكثر العامة يرون هذا منكرا وتبرجا وإن فعلوه. ومن اعتمد في إباحة ذلك وأشباهه من المحرمات على قول شيخ أو مفت، فإنما يخدع نفسه، وعليها يجني، وله نصيب من قوله تعالى: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا. وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا. رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) الأحزاب/٦٦-٦٨، وقوله: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة/٣١، وقد روى الترمذي (٣٠٩٥) عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) قَالَ: (أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ) ، والحديث حسنه الألباني في صحيح الترمذي.
نسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14921
تلقي العلم عن أكثر من شيخ
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يتلقى الفن الواحد عن شيخ واحد أو أكثر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أنصح طالب العلم ألا يتلقف من كل شيخ في فن واحد (أي أن يأخذ كل فن من فنون العلم عن شيخ واحد) , مثل أن يتعلم الفقه من أكثر من شيخ؛ لأن العلماء يختلفون في طريقة استدلالهم من الكتاب والسنة , ويختلفون في آرائهم أيضاً , فأنت تجعل لك عالماً تتلقى علمه في الفقه أو البلاغة وهكذا , أي تتلقى العلم في فن واحد من شيخ واحد , وإذا كان الشيخ عنده أكثر من فن فتلتزم معه؛ لأنك إذا تلقيت علم الفقه مثلاً من هذا وهذا واختلفوا في رأيهم فماذا يكون موقفك وأنت طالب؟ يكون موقفك الحيرة والشك , لكن التزامك بعالم في فن معين فهذا يؤدي إلى راحتك.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين , كتاب العلم , صفحة ٦٣.
стр. 14922
التخصصات في العلوم والفنون، حاجة الأمة لها، وضوابط وفوائد فيها
[السُّؤَالُ]
ـ[في ظل ما نعيشه في هذا الزمان المتسارع، وما تمر به الأمة من فتن وبلايا، وما يتمناه كل مسلم من رفع الغمة عن الأمة، ويحاول أن يقدِّم لها ما يرفع من مستواها، وإيماننا بالتخصص، وأهميته، وكيف يكون بسبب تلك الأدوار الرقي بالأمة في شتى مجالاتها، سؤالي: ما هي أهم التخصصات سواءً العامة أو الدقيقة التي تحتاجها الأمة خلال المرحلة القادمة، أو كنظرة إستراتيجية خلال ٢٠ سنة؟ وما هي الكتب أو المواقع التي تكلمت في هذا الموضوع واستشرفت المستقبل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ينتظم الكلام عن التخصص في الدراسات التي تحتاجها الأمة الإسلامية في مسائل وأحكام، منها:
١. لا شك أن الأمة الإسلامية تحتاج من أبنائها أن يكونوا قادة العالَم في العلوم النظرية والعملية، وأن لا يكونوا عالَة على غيرهم من الأمم، والإسلام دين العلم، بدأ الله تعالى وحيه لنبيه ﷺ بكلمة (اقرأ) ، وحثَّ على العلم، ورفع من شأنه، وأوجب تعلم العلوم التي تحتاجها أمة الإسلام وجوباً كفائيّاً.
٢. ونوصي أن يكون أصحاب الاختصاص ممن لهم ميل لهذا العلم، وذاك التخصص، فمن المعلوم أن المسلمين يتفاوتون فيما بينهم في الميل نحو علوم دون أخرى، ومن الأفضل أن نحث كل واحدٍ منهم نحو ما يميل له من العلوم، لا أن نجبره على تعلم شيء لا يرغبه، فضلاً عن المنع من إجباره نحو ما يكره.
وهذه المسألة عالجها أئمة الإسلام قديماً وحديثاً، بل إنهم أوصوا بها أن تنمَّى مع الطفل في صغره، دون الحاجة للانتظار لأن يكبر حتى يوجه لهذا العلم.
قال ابن القيم ﵀:
ومما ينبغي أن يعتمد: حال الصبي وما هو مستعد له من الأعمال ومهيأ له منها، فيعلم أنه مخلوق له: فلا يحمله على غيره، ما كان مأذوناً فيه شرعاً؛ فإنه إن حمله على غير ما هو مستعد له: لم يفلح فيه، وفاته ما هو مهيأ له، فإذا رآه حسن الفهم، صحيح الإدراك، جيِّد الحفظ، واعياً: فهذه من علامات قبوله، وتهيؤه للعلم لينقشه في لوح قلبه ما دام خالياً؛ فإنه يتمكن فيه، ويستقر، ويزكو معه.
وإن رآه بخلاف ذلك من كل وجه، وهو مستعد للفروسية وأسبابها من الركوب، والرمي، واللعب بالرمح، وأنه لا نفاذ له في العلم، ولم يُخلق له: مكَّنه من أسباب الفروسية، والتمرن عليها؛ فإنه أنفع له، وللمسلمين.
وإن رآه بخلاف ذلك، وأنه لم يُخلق لذلك، ورأى عينه مفتوحة إلى صنعة من الصنائع، مستعداً لها، قابلاً لها، وهي صناعة مباحة نافعة للناس: فليمكِّنه منها.
هذا كله بعد تعليمه له ما يحتاج إليه في دينه؛ فإن ذلك ميسر على كل أحد لتقوم حجة الله على العبد، فإن له على عباده الحجة البالغة، كما له عليهم النعمة السابغة.
" تحفة المودود في أحكام المولود " (ص ٢٤٣، ٢٤٤) .
ومن تأمل في حال الصحابة، ورأى تربية النبي ﷺ لهم: علم مدى مطابقة ما قلناه لواقعهم ﵃، فقد كان منهم العالِم الفقيه، ومنهم القارئ، ومنهم المجاهد، ومنهم الشاعر، وكلٌّ يؤدي ما يتقنه، ويساهم في بناء الدولة، وكما يكون الدفاع عن الإسلام بالمناظرة والحجة: فإنه يكون بالسيف والرمح، ولكل واحدٍ من هذه الفنون أهلها وأربابها، وقد اشتركوا جميعاً في معرفة الإسلام، ولم ينافِ ذلك أن يكون متخصصاً في فن، أو صنعة.
٣. يجب التفريق بين الرجال والنساء في التوجه نحو الاختصاص في العلوم والفنون، فما يصلح للرجال ليس بالضرورة أن يصلح كله للنساء، فالعلوم الصناعية الثقيلة، والسياسية، والعسكرية لا تليق بالمرأة، ومما يليق بها وتشترك فيه مع الرجال: العلوم التربوية، والصناعية الخفيفة، والعلوم الطبية – وتختص عن الرجل بتوجيهها نحو طب النساء -.
٤. ولا يجوز للرجال ولا للنساء مخالفة شرع الله تعالى في دراسة التخصصات، وتعلمها، فعليهم تجنب الاختلاط، والسفر لدول الكفر، وسفر المرأة وحدها دون محرمها، ومن المخالفات الشرعية في ذلك: الذهاب لبلاد الكفر للدراسة مع وجود هذا العلم والتخصص في بلاد المسلمين.
وإذا احتاجت الأمة الإسلامية لعلم ضروري فينبغي أن يُحسن اختيار من يقوم به، لا أن يفتح الباب على مصراعيه للجميع، فيذهب للبلاد الكافرة الشاب المراهق الأعزب، والضعيف في علمه الشرعي؛ لأن هذا أدعى لوقوعه في الفتنة، ونكون خسرناه وخسرنا ما ذهب من أجله، ولم نستفد شيئاً.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
" إذا اقتضت الضرورة ابتعاث بعض الطلاب إلى الخارج؛ لعدم وجود بعض المعاهد الفنية المتخصصة لا سيما في مجال التصنيع وأشباهه: فأرى أن يكوَّن لذلك لجنة علمية أمينة لاختيار الشباب الصالح في دينه وأخلاقه، المتشبع بالثقافة والروح الإسلامية , واختيار مشرف على هذه البعثة، معروف بعلمه، وصلاحه، ونشاطه في الدعوة ليرافق البعثة المذكورة , ويقوم بالدعوة إلى الله هناك , وفي الوقت نفسه يشرف على البعثة , ويتفقد أحوالها، وتصرفات أفرادها , ويقوم بإرشادهم وتوجيههم , وإجابتهم عما قد يعرض لهم من شبه، وتشكيك، وغير ذلك.
وينبغي أن يُعقد لهم دورة قبل ابتعاثهم، ولو قصيرة، يدرَّسون فيها جميع المشاكل، والشبهات، التي قد تواجههم في البلاد التي يُبتعثون إليها , ويُبين لهم موقف الشريعة الإسلامية منها , والحكمة فيها، حسب ما دل عليه كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ , وكلام أهل العلم، مثل أحكام الرق , وتعدد الزوجات بصفة عامة , وتعدد أزواج النبي ﷺ بصفة خاصة , وحكم الطلاق , وحكمة الجهاد ابتداءً ودفاعاً، وغير ذلك من الأمور التي يورد ها أعداء الله على شباب المسلمين حتى يكونوا على استعداد تام للرد على ما يعرض لهم من الشبه.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (١ / ٣٨٦ - ٣٨٨) .
وقال علماء اللجنة الدائمة:
إذا كان الواقع كما ذكر من أن التخصص الذي تدرسه موجود في بلدك الإسلامي، وأن الدراسة في الخارج مشتملة على مفاسد كثيرة في الدين والأخلاق وعلى الزوجة والأولاد - فإنه لا يجوز لك السفر لهذه الدراسة؛ لأنها ليست من الضرورات، مع وجودها في بلدك الإسلامي، وقد ثبت عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في التحذير من الإقامة في بلاد الكفار من غير مسوغ شرعي؛ كقوله ﷺ : " أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين " وغيره من الأحاديث، وما وقع فيه بعض المسلمين من السفر إلى بلاد الكفار من غير ضرورة هو من التساهل الذي لا يجوز في دين الله، وهو من إيثار الدنيا على الآخرة، وقد قال الله جل وعلا: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) سورة الأعلى، الآيتان (١٦، ١٧) ، وقال سبحانه: (قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً) سورة النساء، الآية: (٧٧) .
وقال النبي ﷺ : " من كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه فرق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له.
الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله الغديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٦ / ٩٣ - ٩٦) .
٥. وأخيراً: فإن العلوم كثيرة، وفي كل علم وفن تخصصات، فالطب تخصصاته كثيرة، والعضو الواحد من الجسد يكون فيه تخصصات، والأمة الإسلامية تحتاج لكل العلوم والفنون المباحة، من الطب، والهندسة، والفيزياء، والكيمياء، وعلوم الذرة، والنووي، والعلوم العسكرية، والصناعات الثقيلة، وغير ذلك من العلوم والفنون، على أن يكون ذلك بحسن اختيار، ولمقصد شرعي أو مباح، مع الالتزام بالشرع أثناء تحصيله، ومع تحصيل قدرٍ كافٍ من العلوم الشرعية.
ولا نعلم – الآن – كتاباً معيَّناً نحيلك عليه.
ونسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين لما يحب ويرضى، وأن يكتب لهم العز والتمكين.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14923
أسئلة في طلب العلم
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا طالب في كلية الهندسة، عمري (١٩ عاما) ، نويت وقررت أن أتفقه في ديني وأطلب العلم الشرعي، وأجمع بين العلمين، فاقتنيت الكتب التي أوصيت بها لطالب العلم المبتدئ كلها، كما في السؤال رقم (٢٠١٩١) ، وأفهم منها الكثير والحمد لله. وقد نبهت حفظك الله بأن أبدأ بحفظ القرآن الكريم، لكني أجد مشقة كبيرة في الحفظ للأسف، ولا أجد ذلك في حفظي الأحاديث، ولا أعلم السبب، فالسؤال هنا على عدة نقاط: ١. هل أستطيع أن أوفق بين العلمين (الهندسة والعلم الشرعي) ؟ ٢. هل أستطيع أن أتنقل بين فروع العلم الشرعي قبل أن أكمل الفرع السابق، على سبيل المثال: أقرأ في الأصول الثلاثة في العقيدة، ثم أنتقل لكتاب شرح الآجرومية للشيخ محمد العثيمين ﵀ قبل أن أنهي الأصول الثلاثة، وذلك حتى أخفف من حدة الروتين. هل يكفي حفظ الأدلة من النصوص القرآنية من غير حفظ القرآن (أقصد حفظ السور) ؟ علما أنه لا يوجد هناك مشقة في حفظ الأدلة مع الفهم. أرجو ذكر أسماء الأشرطة التي تنصح فيها لشرح الدروس، لا المحاضرات العامة كما نبهت لذلك في السؤال رقم (١٠٤١٧٤) . أرجو إفادتي بذكر أسماء بعض الكتب الموثوقة في سرد حياة السلف الصالح، بداية من الحبيب ﷺ ، ثم الصحابة الكرام، وذلك لما في الكتب الكثير من التدليس والكذب نسأل الله السلامة والعافية. ٣. هل من كتاب مبسط موثوق يشرح كتاب " عمدة الفقه " لطالب العلم المبتدئ، وكتاب آخر يشرح كتاب " عمدة الأحكام "، علما أني أجد بعض الصعوبة في فهمهما.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله تعالى لنا ولك التوفيق والعون والسداد.
واعلم ـ أخانا الكريم ـ أن طريق طلب العلم الشرعي طريق طويل، يقتضي منك الصبر والأناة والمثابرة، فالعلم لا يأتي جملة، وإنما مع الأيام والليالي، بشرط الحرص والمتابعة، والحذر من الفتور والانقطاع.
ونبشرك بإمكان تحصيل قدر من العلم الشرعي الجيد مع التخصص الدنيوي، لكن بشرط استمرار الهمة العالية على الدوام، والمحافظة على قدر معتدل من المطالعة والدراسة الشرعية.
أما إذا ملك التخصص الدنيوي على الطالب وقته وعمره، ولم يكد يجد في اليوم الساعة أو الساعتين للقراءة الشرعية، ثم يريد أن يصبح فقهيا أو محدثا أو متخصصا في العلوم الشرعية في سنوات معدودة: فذلك أمر لا يقع في سنن الله المعهودة؛ لأن العلم الشرعي يستغرق عمر الإنسان إن سلكه فيه، فكيف إن أعطاه الفضلة من وقته فقط.
وقد كان العلماء في القديم ينبهون الطلاب إلى ضرورة تفريغ القلب عن الشواغل والعلائق، كي تصفو القريحة، وتنجلي النفس لاستظهار العلوم الشرعية، وفهمها، والزيادة عليها، وتحقيق الصحيح منها، وإدراك أحكام النوازل، إلى جانب الدعوة إليها، والعمل بما فيها، فالعلم الشرعي مدرسة، بل حياة كاملة تنقضي الأعمار، وتنطوي الأجيال، ولا تنقضي دقائقه وأسراره.
عقد الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (٢/٤٢٥) بابا جاء فيه: " باب حذف المتفقه العلائق: كان بعض الفلاسفة لا يُعَلِّمُ أحدا يتعلق بشيء من الدنيا، ويقول: العلم أجَلُّ مِن أَن يُشتغَلَ عنه بغيره – ثم روى بسنده عن مليح بن وكيع قال -: سمعت رجلا، يسأل أبا حنيفة: بم يستعان على الفقه حتى يحفظ؟ قال: بجمع الهم. قال: قلت: وبم يستعان على حذف العلائق؟ قال: بأخذ الشيء عند الحاجة ولا تزد.
كما روى بسنده في "الفقيه والمتفقه" (٢/٤٦٦) عن إبراهيم بن سيار النظام قال: " العلم: شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، وأنت إذا أعطيته كلك، من إعطائه البعض على خطر " انتهى.
ومع ذلك لا ينبغي لمن سلك سبيل التخصصات الدنيوية أن ييأس من تحصيل العلم الشرعي، فالأيام تتقلب، والظروف تختلف، وإن لم يجد الوقت الكافي للطلب اليوم، لعله يجده غدا، أما إن كان يجد الوقت الكافي فلا ينبغي له أن يضيع على نفسه الفرصة، وليحرص على تحصيل الفوائد وضبط المسائل، وهو في ذلك كله يتدرج بالمسألة والمسألتين، ولا يستعجل الضبط والتمكين، فالأمر يحتاج إلى سنوات وسنوات.
عن حصين، قال: جاءت امرأة إلى حلقة أبي حنيفة، وكان يطلب الكلام، فسألته عن مسألة له ولأصحابه، فلم يحسنوا فيها شيئا من الجواب، فانصرفت إلى حماد بن أبي سليمان، فسألته فأجابها، فرجعت إليه، فقالت: غررتموني، سمعت كلامكم، فلم تحسنوا شيئا.
فقام أبو حنيفة فأتى حمادا، فقال له: ما جاء بك؟ قال: أطلب الفقه. قال: تعلم كل يوم ثلاث مسائل ولا تزد عليها شيئا حتى يتفق لك شيء من العلم، ففعل، ولزم الحلقة حتى فقه، فكان الناس يشيرون إليه بالأصابع.
يقول الخطيب البغدادي بعد رواية هذه القصة:
" وينبغي له أن يتثبت في الأخذ ولا يكثر، بل يأخذ قليلا قليلا، حسب ما يحتمله حفظه، ويقرب من فهمه، فإن الله تعالى يقول: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا) .
وينبغي أن يراعي ما يحفظه، ويستعرض جميعه كلما مضت له مدة، ولا يغفل ذلك، فقد كان بعض العلماء إذا علم إنسانا مسألة من العلم، سأله عنها بعد مدة، فإن وجده قد حفظها علم أنه محب للعلم، فأقبل عليه وزاده، وإن لم يره قد حفظها، وقال له المتعلم: كنت قد حفظتها فأنسيتها، أو قال: كتبتها فأضعتها، أعرض عنه ولم يعلمه " انتهى.
"الفقيه والمتفقه" (٢/٤٦٢-٤٦٤)
وهذا كله من باب مسايسة النفس لحملها على المواصلة والمثابرة، ومن ذلك أيضا التنقل بين نوعين فأكثر من أنواع العلوم، لدفع السآمة والملل، واستجلاب القوة والنشاط، وهو أسلوب مستعمل لدى العلماء الأولين، لكن بشرط التأني في ضبط المسائل وحفظها ومراجعتها، وليس تنقلا عبثيا يحمل عليه العجلة والاضطراب.
ومن حسن التعلم أيضا أخذ المسائل والعلوم على قدر الوسع والطاقة، فلا يتكلف الطالب حفظ ما يعد غاية في الصعوبة في عرف العلماء، كذلك الطالب الذي يكابد لحفظ آيات القرآن الكريم، ثم تجده يشرع في حفظ أسانيد الأحاديث، أو أبيات المنظومات المطولة، وهو يتعثر في حفظ كلام الله ، فذلك خطأ منهجي ظاهر.
وذلك لا يعني قعود الطالب عن الحفظ بدعوى العجز، بل ينبغي المثابرة والمصابرة، وخاصة إذا كان المقصود حفظ القرآن الكريم، فحفظ أكثره واستظهار آياته ضروري لكل مسلم، فكيف لطالب العلوم الشرعية، أما إن عجز عن الحفظ ويئس، فلا أقل من حفظ المفصل من القرآن، وهو من سورة " ق" حتى ختام المصحف، على المشهور، يستعين به على عبادته وصلاته، ويعمر به فؤاده، ثم حفظ آيات الأحكام، والإكثار من القراءة والتأمل في كلام الله .
يقول الخطيب البغدادي ﵀:
" اعلم أن القلب جارحة من الجوارح، تحتمل أشياء، وتعجز عن أشياء، كالجسم الذي يحتمل بعض الناس أن يحمل مائتي رطل، ومنهم من يعجز عن عشرين رطلا، وكذلك منهم من يمشي فراسخ في يوم، لا يعجزه، ومنهم من يمشي بعض ميل، فيضر ذلك به، ومنهم من يأكل من الطعام أرطالا، ومنهم من يتخمه الرطل فما دونه.
فكذلك القلب: مِن الناس مَن يحفظ عشر ورقات في ساعة، ومنهم من لا يحفظ نصف صفحة في أيام، فإذا ذهب الذي مقدار حفظه نصف صفحة يروم أن يحفظ عشر ورقات تشبها بغيره لحقه الملل، وأدركه الضجر، ونسي ما حفظ، ولم ينتفع بما سمع، فليقتصر كل امرئ من نفسه على مقدارٍ يبقى فيه ما لا يستفرغ كل نشاطه، فإن ذلك أعون له على التعلم من الذهن الجيد والمعلم الحاذق.
قال بعض الحكماء: إن لهذه القلوب تنافرا كتنافر الوحش، فألفوها بالاقتصاد في التعليم، والتوسط في التقويم، لتحسن طاعتها، ويدوم نشاطها، ولا ينبغي أن يُمْرِج نفسه [أي: يرسلها بلا ضابط] فيما يستفرغ مجهوده، وليعلم أنه إن فعل ذلك فتعلم في يوم ضعف ما يحتمل أضر به في العاقبة، لأنه إذا تعلم الكثير الذي لا طاقة له به، وإن تهيأ له في يومه ذلك أن يضبطه، وظن أنه يحفظه، فإنه إذا عاد من غد وتعلم نسي ما كان تعلمه أولا، وثقلت عليه إعادته، وكان بمنزلة رجل حمل في يومه ما لا يطيقه، فأثر ذلك في جسمه، ثم عاد من غد، فحمل ما يطيقه فأثر ذلك في جسمه، وكذلك إذا فعل في اليوم الثالث، ويصيبه المرض وهو لا يشعر.
ويدل على ما ذكرته: أن الرجل يأكل من الطعام ما يرى أنه يحتمله في يومه مما يزيد فيه على قدر عادته، فيعقبه ذلك ضعفا في معدته، فإذا أكل في اليوم الثاني قدر ما كان يأكله أعقبه لباقي الطعام المتقدم في معدته تخمة.
فينبغي للمتعلم أن يشفق على نفسه من تحميلها فوق طاقتها، ويقتصر من التعليم على ما يبقي عليه حفظه، ويثبت في قلبه.
وينبغي أن يجعل لنفسه مقدارا، كلما بلغه وقف وقفة أياما لا يزيد تعلما، فإن ذلك بمنزلة البنيان: ألا ترى أن من أراد أن يستجيد البناء، بناه أذرعا يسيرة، ثم تركه حتى يستقر، ثم يبني فوقه، ولو بنى البناء كله في يوم واحد لم يكن بالذي يستجاد، وربما انهدم بسرعة، وإن بقي كان غير محكم، فكذلك المتعلم ينبغي أن يجعل لنفسه حدا، كلما انتهى إليه وقف عنده، حتى يستقر ما في قلبه، ويريح بتلك الوقفة نفسه، فإذا اشتهى التعلم بنشاط عاد إليه، وإن اشتهاه بغير نشاط لم يعرض له " انتهى باختصار.
"الفقيه والمتفقه" (٢/٤٨١-٤٨٣) .
وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:
" الناس طبقات في العلم، موقعهم من العلم بقدر درجاتهم فيه، فحق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله في إدراك علمه، نصا واستنباطا، والرغبة إلى الله في العون عليه، فإنه لا يدرك خير إلا بعونه " انتهى.
"الفقيه والمتفقه" (٢/٤٦٥) .
أما الأشرطة العلمية التي ننصحك بها فهي أشرطة العلماء المعاصرين المشهورين، كأشرطة الشيخ ابن عثيمين، احرص عليها كلها، وغيره من العلماء والمتخصصين الذين تجد شروحاتهم العلمية في موقع طريق الإسلام ومكتبة المشكاة، فتجد فيها أيضا إن شاء الله شروحا مهمة لعمدة الفقه وعمدة الأحكام وغيرها من الكتب الفقهية.
وفي أبواب سير العلماء يمكنك قراءة كتاب سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي، فهو من أوسع وأشمل ما كتب في هذا الموضوع، فإن وجدته طويلا فقد اختصره بعض المعاصرين في أربعة مجلدات، يمكن لمن لا يجد الوقت الكافي القراءة منه، ولكنا ننصح بقراءة الكتاب نفسه على ما فيه من طول، ففيه فوائد تربوية وفقهية وحديثية وتاريخية كثيرة.
واستعن بالله تعالى ربك أن يعينك على هذه العبادة – طلب العلم –، وداوم على دعائه بأن ييسر لك الصعب ويسهله، ولا تنس الإخلاص في الطلب فهو سر النجاح والتوفيق في الدارين.
وأما شروح عمدة الأحكام المعاصرة فمن أيسرها وأقربها: تيسير العلام شرح عمدة الأحكام، للشيخ عبد الله البسام، رحمه لله، وهناك شروح صوتية مسجلة لعدد من أهل العلم عليه، ومن أوسعها شرح الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي حفظه الله.
وللشيخ البسام ﵀ أيضا تعليقات مختصرة على عمدة الفقه، مع أهمية الاستعانة بالشروح المسموعة لها، مثل شرح الشيخ عبد الكريم الخضير حفظه الله، وغيره من أهل العلم الذين شرحوها، وهي كثيرة جدا.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14924
هل يأثم إذا استمر في استعمال الحاسوب وهو يؤذي عينيه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أقضي تقريباً معظم وقتي أمام شاشة الحاسوب، وأنت تعلم أن الأشعة التي تنبعث منها مُضرة بالعين، وأنا لا أستعمل أي واقٍ على عيني، وقد تسببت لنفسي أن ضعف بصري، ولم أعد أرى جيداً بسبب أشعة الحاسوب، وأعلم أن الله يقول: (ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة) ما أريد أن أعرفه هو: هل ما أقوم به أنا الآن حرام أم حلال؟ يعني هل أُعتبر مُعرضا نفسي للتهلكة التي نهانا الله تعالى عنها في الآية الكريمة؟ علماً أنني لا أقوم بشيء مُحرم أمام الحاسوب، فقط التفقه في الدين والبحث عن الاستفادة..؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز لك الاستمرار في إهمال عينيك وإلحاق الضرر بهما، وإن كنت لا تكترث لما يصيبك من الأذى فالشريعة لا ترضى بذلك، وقد نهى النبي ﷺ عن جميع أنواع الأذى والضرر بقوله: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَار) رواه ابن ماجه (٢٣٤٠) .
قال الشاطبي ﵀ في "الموافقات" (٣/١٦) :
" الضرر والضرار مبثوث منعه في الشريعة كلها في وقائع جزئيات وقواعد كليات، كقوله تعالى: (ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) ، (ولا تضاروهن) ، ومنه النهي عن التعدي على النفوس والأموال والأعراض، وعن الغصب والظلم، وكل ما هو في المعنى إضرار أو ضرار، ويدخل تحته الجناية على النفس أو العقل أو النسل أو المال.
فهو معنى في غاية العموم في الشريعة لا مراء فيه ولا شك " انتهى.
وقال الشيخ ابن باز ﵀: " المعنى: كل شيء يضر بالشخص في دينه أو دنياه محرم عليه تعاطيه: من سم أو دخان أو غيرهما مما يضره؛ لقول الله : (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) ، وقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (٦/٢٣-٢٤) .
فاحرص على اتباع نصائح الطبيب في طريقة استعمال الحاسوب، ومراعاة الوسيلة التي لا تضر عينيك، واستغفر الله على ما فات من تفريطك، ولا تفرط في صحتك، ولا تهمل شأنك في مستقبل أمرك؛ فهذا كله من نعم الله تعالى التي يجب المحافظة عليها، ثم إن استمر الضرر في عينيك – بعد أخذك بأسباب الوقاية – فلا حرج عليك حينها إن شاء الله تعالى، بل لك الأجر إن صبرت واحتسبت.
نسأل الله لنا ولك الصحة والعافية.
وانظر جواب السؤال رقم: (١٠٧٣٠٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14925
هل القراءة واستماع الشروح طريقة صحيحة في طلب العلم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا طريقتي في طلب العلم أقرأ الكتب العلمية في العقيدة وغيرها من الاستماع للشروحات في المسجل، للشيخ العثيمين ﵀، فهل تعد هذه الطريقة صحيحة في الطلب؟ وهل أقول أن الشيخ العثيمين أو غيره من المشائخ (شيخي) إذا كنت لم أثن الركب عنده، ولم أحضر مسجده، أي أنني تابعته في الأشرطة فقط؟ وجزاكم الله خيراً كثيراً، وبارك الله فيكم وفي علمكم..]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
العلم الشرعي يقوم على ثلاثة أركان:
١- الحفظ: وأعني به حفظ ما يتيسر من: النصوص القرآنية والنبوية والأفكار والمعلومات والمتون العلمية.
٢- الفهم: فهم المسائل الكلية والجزئية ومعرفة تعليلها وتفسيرها.
٣- التحليل والاستنتاج والابتكار: بناء على الربط بين النصوص، وفهم المقاصد الشرعية والقواعد الكلية في أنواع العلوم الشرعية.
وأما القراءة وحضور الدروس واستماع المحاضرات المسجلة وسؤال أهل العلم ما هي إلا وسائل لتحصيل هذه الأركان، وكلما تنوعت هذه الوسائل تحققت النتيجة الأفضل، ولا شك أنها جميعها وسائل مهمة، إلا أنَّ مَن لم تتيسر له جميعها فلا يعدم أن يجتهد في المتيسر منها، خاصة أن القراءة وسيلة سهلة ميسورة اليوم، وهي أفضلها وأجمعها على الإطلاق، فمن اجتهد فيها وفي استماع المحاضرات فقد حصَّل خيرا كثيرا، بشرط أن يلتفت إلى أركان العلم الثلاثة المذكورة فيسعى في تنميتها وتطويرها في نفسه من خلال القراءة، فلا يجعل القراءة غاية، بل هي وسيلة لتحصيل تلك الأركان، وذلك يعني العناية التامة بحفظ المهم من المقروء ومراجعته بين الحين والآخر، وفهمه الفهم الحسن على وجهه، مع محاولة مناقشة وجهه وتفسيره ونقده إن أمكن، فإذا تعود القارئ على هذا النوع من القراءة حصل الفائدة المرجوة، وإلا لم يَجنِ مِن قراءته إلا الثقافة العامة والاطلاع العام.
ثانيا:
استماع المحاضرات المسجلة أيضا من الوسائل المفيدة في تحصيل العلم الشرعي، وتعويض العجز عن السفر والرحلة للقاء العلماء والمشايخ، بل وتوفير الوقت والجهد والمال، إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة التي قد سبق بيانها في جواب السؤال رقم: (٨٩٥٧٥)
يقول الشيخ عبد العزيز السدحان في "معالم في طريق طلب العلم" (٤١-٤٢) :
" الأشرطة السمعية: هي والله نعمة، لكن كثيرا منا فرط فيها، وسبب التفريط في هذه النعمة يعود إلى عدم الاهتمام بترتيب الوقت، ولقد قرأت أثرا في أول الموضوع أن السلف كانوا يقولون: إن العلم يؤتى ولا يأتي، والآن يؤتى ويأتي بواسطة هذه الأشرطة التي تعين طالب العلم، ولقد ذكر المستمعون لها أن فيها خيرا كثيرا، ولقد انتفعت بها واستفدت خيرا، أقول هذا من باب التحدث بالنعمة. والصنعاني يقول في منظومته في الحج:
ومن لم يجرب ليس يعرف قدره فجرب تجد تصديق ما قد ذكرناه.
أليس من نعمة الله عليك أن يكون العلم مصاحبا لك في سيرك، وفي اضطجاعك على فراشك، وفي جلوسك على مائدتك؟
وإن الواحد منا إذا أحسن انتقاء الأشرطة، ورتب وقتا لسماعها في سيارته أو منزله لوجد في ذلك خيرا كثيرا.
وقد حدثت أن أحد الشباب الصالحين قد حفظ القرآن الكريم كله بفضل الله، ثم بسبب هذه الأشرطة، ويقول عن نفسه: إنه كان يستمع إلى قراءة الشيخ محمد صديق المنشاوي سنتين كاملتين، كلما انتهى من شريط أعاده حتى أصبح القرآن سلسا على لسانه.
فلا تستبعد هذا على نفسك، ولكن رتب وقتك، ورتب هذه الأشرطة في أثناء سماعك لها، ولا تدخل شريطا على آخر حتى تفرغ من الأول، فإن لم تستفد من الشريط الأول فأعده مرة ومرتين وكرات ومرات.
وإذا أردت أن تعرف قدر الساعات التي تهدر فانظر في سيرك كم تسمع خلاله من شريط، فإذا كان الشريط الواحد مدته ساعة أو ساعة ونصف، فهذه أوقات تهدر لا يفطن لها الواحد منا إلا إذا نبه لها، فرتب لنفسك وقتا تسمع فيه درسا في أثناء سيرك، خاصة وقد تباعدت المنازل والدور، وكثر الذهاب والإياب، لأجل العمل والزيارات، كزيارة رحم أو زيارة أخ في الله، وقضاء حاجة من متطلبات المنزل وغيرها، ثم حافظ على هذا الترتيب وسترى أنك لا تنزل من سيارتك إلا وقد سمعت من الفوائد الشيء الكثير.
ذكرت هذا لكثرتها، ولأن فيها من العلم الشيء الكثير، ولأن مشايخنا وكبار مشايخنا علمهم محفوظ فيها، وتباع بأيسر الأثمان، ويستطيع الواحد منا أن يتناولها في كل وقت.
وأعرف إخوة شغلوا عن حضور الدروس لكثرة الأعمال والأشغال، فعوضوا هذا بالاستماع إلى الأشرطة فنفعهم الله بها " انتهى.
ثالثا:
لفظ الشيخ قد استعمله علماء الحديث ـ في هذا السياق ـ بمعنى الراوي الذي يروي الحديث لمن دونه، فيكون هو شيخه وذاك تلميذه، ولو سمع منه حديثا واحدا فقط.
وأطلقه كثير من العلماء المتأخرين على العالم الذي لازمه الطالب، فأخذ عنه علمه وهديه وسمته، وصاحبه زمانا يتحقق فيه مقصد التفقه والتعليم.
ولعل هذا الاصطلاح الأخير هو السائد في عصرنا اليوم. وبناء عليه:
فالذي يريد أن يسمي واحدا من العلماء بأنه " شيخه "، فينسب نفس إليه، ينبغي أن يراعي اختلاف المدلول الذي يحمله هذا اللفظ عبر العصور، ومراعاة ذلك تكون بالصدق وعدم الإيهام، فلا ينبغي أن تطلق على أحد العلماء بأنه " شيخك " موهما أنك لازمته وحضرت له وأخذت عنه الشيء الكثير، في حين أنك لم تسمع منه شيئا، ولم تحضر دروسه إلا القليل، وقد تكون لم تره أصلا، فمن أوقع المستمعين في هذا الوهم يُخشى عليه أن يشملَه قولُ النبي ﷺ : (الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ)
البخاري (٥٢١٩) ومسلم (٢١٢٩)
يقول النووي في "شرح مسلم" (١٤/١١٠) :
" قال العلماء: معناه: المتكثر بما ليس عنده بأن يظهر أن عنده ما ليس عنده، يتكثر بذلك عند الناس، ويتزين بالباطل، فهو مذموم " انتهى.
أما من أطلق لفظة " شيخي " – يقصد بها الشيخ ابن عثيمين ﵀ مثلا – وكان المستمعون يدركون أنه إنما يعني تلمذة استماع المحاضرات والأشرطة، وليس الحضور والملازمة الحقيقية، فلا حرج عليه حينئذ، فهو لم يزور الحقائق، ولم يستكثر بما لم يعط. وقد كان الشيخ صديق حسن خان القنوجي، المولود سنة (١٢٤٨هـ) ينقل عن الإمام الشوكاني المتوفى سنة (١٢٥٠هـ) ويقول: قال شيخنا. ولا يقصد به التلمذة الحقيقية، لأن الشوكاني توفي وعمره سنتان فقط، ولكنه أراد مشيخة القراءة والكتب، فقد اشتغل القنوجي بكتب الشوكاني وعلومه، وتبع منهجه فيها.
وللتوسع انظري جواب السؤال رقم: (١٨١٣) ، (١٠١٢٤) ، (٢٠١٩١) ، (٢٢٣٣٠)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14926
ما يجب تعلمه من القرآن والحديث
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي السور والآيات التي يجب على كل مسلم حفظها، وما هي الأحاديث التي يجب على كل مسلم تعلمها واتباعها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
وبعد، فالعلم الشرعي منه ما هو فرض على كل واحد من المكلفين، ويسمى فرض العين، وضابطه: أن يتوقف عليه معرفة عبادةٍ من العبادات التي يكلف بها، أو معاملة يريد القيام بها.
ومنه ما هو مفروض على مجموع الأمة؛ إذا أداه بعضها على الوجه المراد سقط الطلب عن الباقين، وإلا أثم جميع القادرين على القيام به، ويسمى هذا فرض الكفاية.
وحفظ القرآن والحديث هو من النوع الثاني، فيجب على الأمة أن تحفظ كتاب الله تعالى وحديث رسوله، إما في الصدور وإما في السطور، بحيث لا يضيع شيء من مصدري التشريع، قال الإمام النووي ﵀ في مقدمة شرح المهذب (١/٥١) : " القسم الثاني –أي من أقسام العلم الشرعي- فرض الكفاية وهو تحصيل ما لا بد للناس منه في إقامة دينهم من العلوم الشرعية كحفظ القرآن والحديث وعلومهما والأصول ... ". إلى آخر ما قاله ﵀.
أما ما يجب حفظه من القرآن والحديث وجوباً عينياً – أي على كل مكلف من المسلمين - فإنه لا يجب حفظ شيء من ذلك، حفظ صدر بل يجب عليه تعلم ما لا تصح الصلاة إلا به فالفاتحة يجب على كل ملكف أن يتعلمها أي يحسن قراءتها فإن حفظها فذاك أمر حسن وإن لم يحفظها في صدره وجب عليه أن يقرأها من مصحف أو ورقة ونحوها.
قال النووي في المجموع (٣/٣٣٥) : " قال أصحابنا: إذا لم يقدر على قراءة الفاتحة وجب عليه تحصيل القدر بتعلم , أو تحصيل مصحف يقرؤها فيه بشراء أو إجارة أو إعارة , فإن كان في ليل أو ظلمة لزمه تحصيل السراج عند الإمكان , فلو امتنع من ذلك عند الإمكان أثم ولزمه إعادة كل صلاة صلاها قبل قراءة الفاتحة , ودليلنا: القاعدة المشهورة في الأصول والفروع: أن ما لا يتم الواجب إلا به وهو مقدور للمكلف , فهو واجب " انتهى.
وفي كشاف القناع، للبهوتي ﵀ (١/٣٤) : " (ويلزم الجاهل) يعني من لم يحسن الفاتحة (تعلمها) لأنها واجبة في الصلاة , فلزمه تحصيلها إذا أمكنه كشروطها (فإن لم يفعل) أي: لم يتعلم الفاتحة (مع القدرة عليه لم تصح صلاته) لتركه الفرض وهو قادر عليه " انتهى.
وقال مصطفى الرحيباني الحنبلي في مطالب أولى النهى (١/٤٣٢) : " ويلزم جاهلا تعلم الفاتحة لأنها واجبة في الصلاة , فلزم تحصيلها إذا أمكنه كشروطها " انتهى.
والحديث كذلك؛ فإنه لا يجب على المسلم والمسلمة المكلفين حفظ شيء منه، لكن يجب تعلم ما لا تصح الصلاة إلا به، كالحديث الذي ورد في بيان لفظ التشهد في الصلاة. قال ابن قدامة ﵀ في المغني (١/ ٣١٥) : " أقل ما يجزئ التحيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أو أن محمداً رسول الله." انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14927
حضور المرأة اختبار التجويد على مشايخ في غرفة مغلقة
[السُّؤَالُ]
ـ[امرأة تسأل تقول أنها ستتقدم لاختبار في أحكام التجويد لكتاب الله إن شاء الله، وسوف تختبر منفردة في غرفة مع ثلاثة شيوخ أفاضل، فما حكم هذا الفعل هل هو جائز؟، مع العلم أنه لا يوجد نساء يقمن مقام هؤلاء الشيوخ الأفاضل الثلاثة في هذا الامتحان؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا حرج فيما ذكرت من حضور المرأة اختبار التجويد أمام ثلاثة من الشيوخ، بشرط أن يكون كلامها فيما تدعو إليه الحاجة، ومن غير خضوع بالقول، والأولى أن يتم اختبارها عن طريق النساء، أو يكون اختبارها في حضور محرم لها، لكن إذا لم يتيسر ذلك فلا حرج، وذلك لأمرين:
الأول: أن وجود المرأة مع جماعة من الرجال، مع انتفاء الريبة، لا حرج فيه عند بعض أهل العلم؛ لما روى مسلم (٢١٧٣) عن عَبْد اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ دَخَلُوا عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَهِيَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ (أي: زوجته) فَرَآهُمْ فَكَرِهَ ذَلِكَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: لَمْ أَرَ إِلَّا خَيْرًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَرَّأَهَا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: (لَا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا عَلَى مُغِيبَةٍ إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوْ اثْنَانِ) .
قال النووي ﵀ في "شرح مسلم": " الْمُغْيِبَة هِيَ الَّتِي غَابَ عَنْهَا زَوْجهَا. وَالْمُرَاد: غَابَ زَوْجهَا عَنْ مَنْزِلهَا , سَوَاء غَابَ عَنْ الْبَلَد بِأَنْ سَافَرَ , أَوْ غَابَ عَنْ الْمَنْزِل , وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَد. لأَنَّ الْقِصَّة الَّتِي قِيلَ الْحَدِيث بِسَبَبِهَا وَأَبُو بَكْر ﵁ غَائِب عَنْ مَنْزِله لَا عَنْ الْبَلَد.
ثُمَّ إِنَّ ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث جَوَاز خَلْوَة الرَّجُلَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَة بِالْأَجْنَبِيَّةِ , وَالْمَشْهُور عِنْد أَصْحَابنَا تَحْرِيمه , فَيَتَأَوَّل الْحَدِيث عَلَى جَمَاعَة يَبْعُد وُقُوع الْمُوَاطَأَة مِنْهُمْ عَلَى الْفَاحِشَة لِصَلَاحِهِمْ , أَوْ مُرُوءَتهمْ , أَوْ غَيْر ذَلِكَ. وَقَدْ أَشَارَ الْقَاضِي إِلَى نَحْو هَذَا التَّأْوِيل " انتهى.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: " لا يجوز ركوب المرأة مع سائق ليس محرماً لها وليس معهما غيرهما؛ لأن هذا في حكم الخلوة، وقد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لا يخلونَّ رجل بامرأةٍ إلا ومعها ذو محرَم " رواه البخاري (٥٢٣٣) ومسلم (١٣٤١) ، وقال ﷺ : " لا يخلونَّ رجل بامرأة، فإن الشيطان ثالثهما". أما إذا كان معهما رجل آخر أو أكثر أو امرأة أخرى أو أكثر: فلا حرج في ذلك إذا لم يكن هناك ريبة؛ لأن الخلوة تزول بوجود الثالث أو أكثر " انتهى من "فتاوى المرأة المسلمة" (٢ /٥٥٦) .
وينظر: فتاوى الشيخ ابن باز (٥/٧٨) .
الثاني: أن صوت المرأة ليس بعورة على الصحيح.
قال في "مغني المحتاج" من كتب الشافعية (٤/٢١٠) : " وصوت المرأة ليس بعورة , ويجوز الإصغاء إليه عند أمن الفتنة , وندب تشويهه إذا قُرع بابها فلا تجيب بصوت رخيم , بل تغلظ صوتها بظهر كفها على الفم " انتهى.
وفي " كشاف القناع" من كتب الحنابلة (٥/١٥) : " وصوتها أي الأجنبية ليس بعورة، ويحرم التلذذ بسماعه ولو كان بقراءة خشية الفتنة " انتهى.
وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٧/٢٠٢) : " صوت المرأة نفسه ليس بعورة، لا يحرم سماعه إلا إذا كان فيه تكسر في الحديث، وخضوع في القول، فيحرم منها ذلك لغير زوجها، ويحرم على الرجال سوى زوجها استماعه؛ لقوله تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقّيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الََّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا) " انتهى.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14928
من أين يبدأ من يريد حفظ القرآن الكريم
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا أراد الإنسان حفظ القرآن فبماذا تنصحونه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سُئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى السؤال السابق فأجاب ﵀ بقوله: الذي ننصحه به أن يبدأ من البقرة , إلا إذا كان حفظه من المفصل؛ لأن بعض الناس يسهل عليه الحفظ من المفصل من أجل قصر سوره وآياته، وكونه يسمعه من الأئمة في المساجد كثيراً , فإذا كان هذا سهل عليه فليبدأ بما هو أسهل , وننصحه أيضاً أن يهتم بما كان حَفِظَه أكثر من اهتمامه بكثرة الحفظ؛ لأن العناية بالموجود أولى من العناية بالمفقود.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين , كتاب العلم , الصفحة (٢١٢) .
стр. 14929
كيف ومن أين تبدأ في تعليم مبادئ الإسلام ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[عند رغبة أحدهم فى تعليم آخر تعاليم الإسلام فكيف عليهما أن يبدءا؟ ومن أين عليهما البدء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
العلم بالإسلام وأحكامه ومبادئه فرض على كل مسلم ومسلمة، بالقدر الذي يحتاج إليه في إقامة العقيدة والعبادات والأخلاق تبعا لما يريده الله ، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (طَلَبُ العِلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلَىْ كُلِّ مُسْلِمٍ)
رواه ابن ماجه (٢٢٤) وحسنه بكثرة طرقه وشواهده: المزي، والزركشي، والسيوطي، والسخاوي، والذهبي، والمناوي، والزرقاني، وهو في "صحيح ابن ماجه "للألباني.
وانظر جواب السؤال رقم (١٠٤٧١) ، (٢٠٠٩٢) .
أما تعليم العلم فهو وظيفة الأنبياء، يحملها العلماء من بعدهم كي تبقى حجة الله قائمة على خلقه، ولتبقى دعوة التوحيد غضة طرية يتلقاها الناس كما كان النبي ﷺ يلقنها أصحابه.
عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَرَّثُوا الْعِلْمَ؛ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) رواه أبو داود (٣٦٤١) وغيره، وصححه الألباني.
قال ابن القيم ﵀: " هذا من أعظم المناقب لأهل العلم؛ فإن الانبياء خير خلق الله، فورثتهم خير الخلق بعدهم. ولما كان كل موروث ينتقل ميراثه إلى ورثته، إذ هم الذين يقومون مقامه من بعده، ولم يكن بعد الرسل من يقوم مقامهم في تبليغ ما أرسلوا به، إلا العلماء، كانوا أحق الناس بميراثهم، وفي هذا تنبيه على أنهم أقرب الناس إليهم، فإن الميراث إنما يكون لأقرب الناس إلى الموروث، وهذا كما أنه ثابت في ميراث الدينار والدرهم، فكذلك هو في ميراث النبوة، والله يختص برحمته من يشاء " انتهى.
مفتاح دار السعادة (١/٦٦) .
غير أن هذا الذي قررناه إنما هو فيمن يقوم مقام الأنبياء في تعليم الناس، وفتوى الناس في نوازلهم وما يحتاجون إليه، وسياستهم بدين الله تعالى.
وأما من يقوم بتبليغ ما علمه من دين الله تعالى لغيره، إما آية حفظها، وإما حديث علمه ووعاه، وإما فتوى سمعها من بعض أهل العلم الثقات، فإن هذا لا يشترط فيه أن يكون عالما، إلا بالأمر الذي يبلغه ويأمر الناس به فقط، وليس عالما بالمعنى المطلق الذي يعرفه الناس من ذلك اللفظ.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ)
رواه البخاري (٣٤٦١) .
وقال عَبْدُ اللَّهِ بْن مَسْعُودٍ ﵁: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ مِنْ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ..) رواه البخاري (٤٨٠٩) .
فإذا عدنا إلى سؤالك: كيف عليهما أن يبدآ؟
فالنصيحة لهما إذا وجدنا من سبقهما إلى طلب العلم والالتزام بأحكامه وآدابه، من أهل السنة، أن يسترشدا به، ويستفيدا من تجربته، فهذا الأمر سوف يوفر عليهما كثيرا من الوقت والجهد إن شاء الله.
وسواء تيسر له في مكانه من أهل العلم وطلابه من يعينه على ذلك، أو لم يجد، فإننا ننصحه بالنصائح التالية:
١- العناية بكتاب الله تعالى حفظا وقراءة وتدبرا، فإن القرآن الكريم هو كتاب الهداية الأول، وكتاب العلم الذي بنيت عليه جميع علوم الشريعة، مع العناية بفهم معانيه، ومطالعة شيء من تفاسيره المناسبة، وفي هذه المرحلة ننصح بمطالعة كتاب التفسير الميسر، ط مجمع الملك فهد لطباعة المصحف، فهو كتاب نافع جدا، وكتاب أيسر التفاسير للشيخ أبو بكر الجزائري، وتفسير الشيخ السعدي ﵀، ولا نعني أن يطالعها جميعا، بل ما تيسر له منها، يهتم بمطالعته ومدارسته.
٢- في الحديث يهتم بحفظ الأربعين النووية، وتكملتها لابن رجب ﵀، مع مطالعة شيء من شروحها الميسرة، مثل شرح الشيخ ابن عثيمين، أو غيره، ويستحسن أن يتابع شيئا من شروحها المسموعة، على قناة المجد، أو مواقع أهل السنة. فإذا انتهى من ذلك، وأمكنه أن يطالع جامع العلوم والحكم، لابن رجب، فهو حسن إن شاء الله.
ثم يهتم بمطالعة، يومية إن أمكنه، لكتاب رياض الصالحين، للإمام النووي ﵀، مع حفظ حديث من كل باب، وقراءة شرح الشيخ ابن عثيمين له.
٣- بالنسبة للعقيدة: يبدأ بالأصول الثلاثة وأدلتها، للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، ومطالعة شيء من شروحها، للشيخ العثيمين، أو الشيخ لفوزان، ولو أمكن سماعه فهو أحسن.
ثم ينتقل إلى كتاب التوحيد، للشيخ محمد بن عبد الوهاب، مع شيء من شروحه الميسرة مثل شرح الشيخ صالح آل الشيخ، فهو ميسر نافع إن شاء الله، أو غيره من الشروح.
ويضم إليه العقيدة الواسطية مع شرحها، للشيخ الفوزان، أو الشيخ ابن عثيمين.
فهذه يهتم بدراستها وضبطها.
وأما في القراءة والمتابعة الدائمة، فيهتم بسلسلة العقيدة في ضوء الكتاب والسنة، للشيخ عمر سليمان الأشقر، حفظه الله.
٤- وأما الفقه: فهناك بعض الكتب الميسرة التي يمكن البدء بها، مثل: أركان الإسلام، للشيخ عبد العزيز بن باز، وفقه العبادات للشيخ ابن عثيمين، رحمهما الله، ومختصر صفة الصلاة للشيخ الألباني ﵀، وتيسير العلام شرح عمدة الأحكام للشيخ البسام ﵀، وننصح بالاستفادة من كتب الفتاوى لعلمائنا المعاصرين، ومنها: فتاوى علماء البلد الحرام، جمع د. خالد الجريسي، فهو مجموع نافع إن شاء الله.
٥- بالنسبة للسيرة، يمكن مطالعة مختصر زاد المعاد، للشيخ محمد بن عبد الوهاب، والرحيق المختوم، للشيخ المباركفوري، ﵏ جميعا.
وبالنسبة للتاريخ العام والتراجم، يطالع في كتاب: التاريخ الإسلامي، للأستاذ محمود شاكر، وفي بعض كتب التراجم، مثل سير أعلام النبلاء.
٦- في الأخلاق والرقائق، يكثر من مطالعة كتب ابن القيم، مثل الداء والدواء، الرسالة التبوكية، ورسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه، ويطالع في كتاب: مختصر منهاج القاصدين، لابن قدامة، أو: تهذيب موعظة المؤمنين، للشيخ القاسمي ﵀، ويهتم برسائل ابن رجب ﵀، مثل كشف الكربة، وشرح حديث ما ذئبان جائعان، وتحقيق كلمة الإخلاص، وغيرها، وقد جمعت معظمها في مجموع واحد أربعة مجلدات.
٧- أن يهتموا بمدارسة الأذكار النبوية، فهو باب عظيم من أبواب العلم والعمل، مع حفظ شيء من كتبها الميسرة، مثل: صحيح الكلم الطيب، لشيخ الإسلام ابن تيمية، اختصار الألباني، أو حصن المسلم، مع قراءة كتاب: الوابل الصيب، لابن القيم.
وأخيرا، فإننا نعود ونؤكد على الاهتمام بالتلقي والاستماع لأهل العلم والمتخصصين في الشريعة، وهو أمر متيسر اليوم - بحمد الله - من خلال بعض الفضائيات النافعة، ومن خلال الشبكة المعلوماتية، ولعلكم سمعتم بقناة المجد العلمية التي تعرض من دروس العلم السهلة والميسرة ما يستفيد منه جميع الناس، كما يمكنكم المشاركة في برنامجها العلمي الذي يتدرج فيه الطالب في المراحل التي تناسبه، أما الشبكة المعلوماتية فهي مليئة بفضل الله بدروس العلم للعلماء الموثوقين، ويمكنكم متابعة كثير منها مباشرة في غرف البالتوك، أو تحميل المسجل منها من موقع طريق الإسلام.
ومن الأمور المهمة في التعلم مراعاة المنهج الصحيح، ونعني به التدرج السليم في مراحل التعلم، فيبدأ الطالب بالعلوم السهلة والكتب المختصرة، ثم ينتقل إلى شيء من الشرح والتوسع، حتى يتمكن بعد ذلك من القراءة في الكتب المطولة والأبحاث المتخصصة.
ولا بد أن يختار من الدروس العلمية التي تعرض على قناة المجد أو في الإنترنت ما يكون مناسبا لحاله، ولا يحاول أن يتتبع كل درس يعرض، فقد لا يكون مناسبا له الآن.
ويمكن الاطلاع على بعض النصائح فيها في موقعنا في جواب السؤال رقم (١٤٠٨٢) ، (٢٠١٩١)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14930
تأتيها الدورة متقطعة وتزيد وتنقص
[السُّؤَالُ]
ـ[يشق علي كثيرا تحديد الطهر الحقيقي، ذلك أن حالاتى دائما شبه متجددة، عندي إفرازات شبه ملازمة وتتغير ألوانها وأشكالها وقد يصاحبها دم، أما في الحيض فيسيل الدم بضعة أيام وقد ينقطع ويعود مرارا وهذا من عادة حيضي لكن في الأخير يتجدد عندي الأمر فأحيانا أعرف القصة البيضاء وأحيانا لا وهكذا بين اليبوس وعدمه بين السيلان والانقطاع والطول في المدة والقصر , وقد احترت وأصبحت في حرج ولا أستطيع الخروج من الفتاوى بشيء فقل لي قولا واحدا أتبعه. ٢ـ ليس لدينا أولاد ولله الحمد وقد من الله علي بمعرفة طريق الحق وأريد ملأ عمري بعبادة مولاي وحبيبي ربي وإلهي ومن أجل ذلك أطمع كثيرا في تحصيل العلم الشرعي ولطالما انتظرت هذه الفرصة – الإنترنت- فأرجو أن تدلني وتوجهني كيف أطلب ميراث الحبيب ﷺ وأرجو أن تدلني على أخوات تقيات فقيهات ... أشد على أيديهن....فإني في غربة وحيرة....مع العلم أن الوسيلة الوحيدة لدي الآن هي هذه الشبكة نفعنا الله بها ٣ـ أرجوك أن تدعو لي بالثبات ولزوجي بالهداية والرجوع إلى الله فإنه بعيد عن الحق وأهله، وكذلك أدع لوالدي وإخوتي، أسأل الله لنا جميعا الهداية والصلاح.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الإفرازات المستمرة، لها حكم سلس البول فعليك أن تتوضئي لكل صلاة بعد خول وقتها، ثم لا يضرك ما نزل بعد ذلك، ولو كان ذلك أثناء الصلاة.
ثانيا:
الأصل في الدم النازل على المرأة أنه دم حيض، والحيض قد يتقدم ويتأخر، ويزيد وينقص، فإذا جاء الدم فهذا هو الحيض ما لم يتجاوز خمسة عشر يوما، وعند بعض أهل العلم ما لم يبلغ أكثر الشهر.
فإن تجاوز خمسة عشر يوماً، كان استحاضة، والمستحاضة كما سبق تتوضأ بعد دخول الوقت لكل صلاة.
ثالثا:
من النساء من يأتيها الحيض أياما، ثم تطهر، ثم يأتيها الحيض مرة أخرى، والمقصود أن حيضها يكون متقطعاً ويتخلله طهر، وهذا لا إشكال فيه، فإذا طهرت من الحيض، اغتسلت وصلت، فإن عاد إليها الدم فهو حيض، لا تصلي فيه، وهكذا ما لم يتجاوز المجموع خمسة عشر يوما.
والطهر يعرف بإحدى علامتين: نزول القصة البيضاء، أو حصول الجفاف التام، بحيث لو احتشت بقطنة ونحوها خرجت نظيفة، فإذا حصل الطهر فاغتسلي وصلي، وإذا لم يحصل فأنت لا زلت في الحيض، ولو كان الدم خفيفا أو متقطعا.
رابعا:
نهنئك بما أنعم الله عليك من الاستقامة ومعرفة طريق الحق، ونسأله سبحانه أن يزيدك إيمانا وعلما ويقينا، وأن يهدي زوجك، ويصلح حاله، ويقر أعينكم بالذرية المؤمنة الصالحة.
ولا شك أن آكد ما عليك الآن هو تحصيل العلم الشرعي الذي تحتاجين إليه لتصحيح عقيدتك وعبادتك ومعاملتك، وهذا القدر من العلم فرض عين على كل مسلم ومسلمة.
وطرق تحصيل العلم كثيرة، أهمها حضور مجالس العلم وحلقاته على يد أهله، فإن لم يتيسر ذلك فمتابعة هذه المجالس عبر التلفاز أو الإنترنت أو الأشرطة، وهذا مما يسره الله تعالى في هذه الأزمنة، وإليك بعض الأمثلة والنماذج التي يمكنك الاستفادة منها:
١- متابعة قناة المجد العلمية، والانتظام في سماع ما يلقى فيها من دروس في علوم شتى، ومتابعة الأكاديمة العلمية على الإنترنت:
http://www.islamacademy.net/Arabic/index.asp
٢- الدراسة في إحدى الجامعات التي تتاح فيها الدراسة عن بعد.
٣- الاستفادة من المواقع الإسلامية، المشتملة على البحوث والفتاوى، كموقعنا هذا، وموقع الشبكة الإسلامية، وموقع وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، وغير ذلك من المواقع الإسلامية الرائدة.
٤- التعرف على بعض الصالحات والاستفادة من صحبتهن، من خلال بعض المنتديات النسائية، كمنتدى لك:
http://www.lakii.com/
ويمكنك الوصول إلى كثير من المواقع النافعة، عن طريق هذا الرابط:
http://www.sultan.org/a/
٥- حضور المحاضرات الدعوية التي تقام في المساجد أو المراكز الإسلامية.
٦- الالتحاق ببرامج تحفيظ القرآن الكريم في المساجد أو في دور التحفيظ.
إلى غير ذلك من الوسائل الكثيرة المتنوعة.
نسال الله لنا ولك التوفيق والثبات.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14931
هل يؤجر المسلم على استماعه دروس العلم المسجلة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أستَمِعُ كثيرا لأشرطتكم حفظكم الله، وأشرطة المُحَدِّث الشيخ الألباني ﵀ والإمامين الشيخ ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله، واستفيد كثيرا، فهل أُجزى يا شيخ على سماعي هذا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لِلَّه
طلب العلم من أفضل الأعمال، وهو خير ما يقضي به الإنسان عمره، وخير طريق يسلكه المسلم إلى الجنة.
قال ابن مسعود ﵁:
(الدراسة صلاة) "جامع بيان العلم" (١/١٠٤)
ويقول سفيان الثوري:
(ليس عمل بعد الفرائض أفضل من طلب العلم) "حلية الأولياء" (٦/٣٦١)
وقال الزهري ﵀:
(ما عُبِدَ اللَّهُ بمثل الفقه) "جامع بيان العلم" (١/١١٩)
وعن عبد الله بن وهب قال: كنت عند مالك بن أنس، فجاءت صلاة الظهر أو العصر وأنا أقرأ عليه، وأنظر في العلم بين يديه، فجمعت كتبي وقمت لأركع، فقال لي مالك: ما هذا؟ قلت: أقوم للصلاة. قال: إن هذا لعجب، فما الذي قمت إليه بأفضل من الذي كنت فيه، إذا صحت النية فيه. "جامع بيان العلم" (١٢٢)
ولا شك أن استماع دروس العلماء الحاضرة والمسجلة من أهم وسائل تحصيل العلم، وقد يسر الله لنا – بحمد الله - في هذه العصور وسائل كثيرة للاستفادة مما يلقيه العلماء في دروسهم، ومن ذلك الدروس المسجلة في أشرطة التسجيل وبرامج التسجيل، وفي الاهتمام بهذه الدروس المسجلة عدة فوائد:
١- تربية الطالب على الاستماع والإنصات، وهو أدب رفيع، وخلق عظيم، أن يعتاد طالب العلم على تلقي العلم والاستفادة من المتحدث، وقطع الطمع عن تصدر الحديث.
يقول سفيان الثوري كما في "روضة العقلاء" بسنده (٣٤) :
(أول العلم الإنصات، ثم الاستماع، ثم الحفظ، ثم العمل به، ثم النشر)
٢- إمكان مراجعة كلام العالم إذا لم يفهمه الطالب من المرة الأولى، إذ قد يشكل على الطالب بعض الحديث، فإذا أعاده وسمعه مرة أخرى اتضح له وجه الكلام.
٣- تيسر تدوين الفوائد والتحكم في ذلك.
٤- اختصار المسافات الطوال على طلاب العلم الذين قد لا يتيسر لهم السفر للتلقي عن العلماء مباشرة، وقد أصبحت المكتبة الصوتية الإسلامية اليوم تزخر بمئات الشروح والدروس العلمية المفيدة، التي تختصر على الطالب عمرا وجهدا ومالا.
٥- إمكان اصطحاب هذه الدروس والاستماع إليها في أحوال مختلفة: أثناء الطريق في السيارة، أو أثناء العمل ونحوه، وفي ذلك استغلال للوقت، وملء لأوقات الفراغ العارضة.
وهذه الفوائد والمزايا لا تعني أبدا الاستغناء عن حضور مجالس العلم والتلقي عن العلماء مباشرة، فإن لكل وسيلة فوائدها ومزاياها، وطالب العلم الناجح هو الذي يحسن استغلال الفرص، ويعرف كيف يأخذ من رحيق جميع أزهار البستان.
كما نرجو أن يكتب الله بفضله وكرمه لكل من يستمع الدروس المسجلة الأجر، وأن ينزل عليه السكينة، ويشمله الله برحمته، كما في الحديث الشريف المشهور:
(وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) رواه مسلم (٢٦٩٩)
انظر جواب السؤال رقم (١٨١٣) ، (٢٢٣٣٠)
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14932
هل يدخل تعليم إمام مسجد اللغة الإنجليزية في التعاون على الإثم والعدوان ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لدينا إمام جديد فى جاليتنا، وقد تخرج من الأزهر، وبالرغم من وجود بعض الجوانب الحسنة فيه: فيبدو أن منهجه خاطئ، وأنه متساهل بعض الشيء، فهو يرتكب بعض الصغائر، كتقصير لحيته بشكل كبير، وبعض الأشياء الأخرى، وسؤالي هو: إن والداي قد أمراني بتعليمه اللغة الإنجليزية، فهل تنطبق على تلك الحالة الآية التى تأمرنا بأن لا نتعاون على الإثم والعدوان، حيث إنه من الممكن أن يستخدم تلك اللغة الإنجليزية لتعليم هذا المنهج الخاطئ؟ . وحاليّاً يبدو أنه يقوم بأفعال حسنة أكثر من الأفعال السيئة، ومع ذلك فمن الممكن أن يتغير لإقامته ببلد كافر.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ما يطلبه منك والداك من تعليم ذلك الإمام ليس من التعاون على الإثم والعدوان، ومخالفة ذلك الإمام للشرع في بعض المسائل توجب عليك نصحه وتذكيره؛ لئلا يستمر في المخالفة، ولئلا يقع في غيرها، وبخاصة أنه ستربطك به علاقة خاصة وذلك من خلال تدريسك له اللغة الإنجليزية..
والتعاون على الإثم والعدوان إنما يكون لو كنتَ سبباً في وجود المعصية أو استمرارها أو انتشارها، أو أعنتَ صاحبها بفكرة أو مال أو مساعدة بدنية.
ومن أمثلة التعاون على الإثم والعدوان: تأجير المحلات للبنوك الربوية وللمحلات التي تبيع المحرمات، ومشاركة تاجر يعمل في بيع وشراء وتصنيع المنكرات، وإعانة أهل البدع والضلال بالمال وتمكينهم من مخاطبة المسلمين، إلى غير ذلك من الأمثلة.
قال ابن كثير – ﵀:
وقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو البر، وترك المنكرات، وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل، والتعاون على المآثم، والمحارم.
" تفسير ابن كثير " (٢ / ١٢، ١٣) .
وبما أن ذلك الإمام له جوانب حسنة فنرجو منك تقويتها فيه، وإعانته على تحقيقها، والإكثار منها؛ ليكون ذلك من التعاون على البر والتقوى، وما فيه من جوانب سيئة فنرجو منك إنكارها عليه ونصحه في تركها، وهذا يدخل في التعاون على البر والتقوى، ويدخل في النصح الواجب.
واعلم أن الخوف من تأثر ذلك الإمام ببقائه في بلاد الكفر ليس عليه وحده، بل عليه وعليك وعلى جميع المسلمين، وما نراه من الشواهد، ونسمعه من القصص، وتصل إلينا أخباره من الأحوال كافٍ في إثبات وقوع التأثر..
وقد بيَّنا أنه لا يجوز الإقامة في بلاد الكفر إلا بعذر شرعي وبشروط شرعية، وقد سبق بيان هذا مراراً فيمكنك مراجعة السؤال رقم (١٢٨٦٦) و (٦١٥٤) و (١٣٣٦٣)
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14933
هل كبر السن يمنع من طلب العلم
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا في ال ٣٢ من عمري، فهل فاتني الوقت للبدء بطلب العلم، فمعلوم أن العلم في الصغر ليس كالعلم في الكبر، أيضاً فإني أحتاج إلى سنوات عديدة للدراسة، وقد تذهب قوتي وجلَدي على الدعوة حينما أكبر.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نعم، الحفظ في الصغر كالنقش في الحجر، لكن ينبغي التنبه لأمور في هذا الباب، منها:
١. أن الحفظ في الصغر إن لم يكن معه متابعة للحفظ، وإحياء له: ضاع، وكالحجر قابل لترسب الأتربة عليه، وتغطية نقوشه كلها.
٢. أن هذا ليس حصراً للحفظ في سن مبكرة، بل هو تشجيع لأولياء الأمور بالاهتمام بالطفل في سنهم المبكرة، فإن الأطفال في سنهم المبكرة ليس عندهم قدرة على الفهم، فتكون طاقاتهم متوجهة نحو الحفظ فقط، بخلاف الكبير فإنه يجمع بين الحفظ والفهم، فليس هذا حصراً لسن الحفظ، وإلا فقد وجدنا كثيراً ممن حفظ متأخراً في سنه كأنه نقش في الحجَر كذلك.
٣. أن الحفظ ليس هو كل العلم، بل هو جزء منه، ومن فاته الحفظ في صغره: فلا يفوِّت الحفظ والعلم في كبَره، بل يستطيع أن يجمع بينهما، ولا ينبغي له الاستعجال على نفسه، فهو في عبادة عظيمة – وهي طلب العلم – فلا يستعجل قطف الثمرة.
ثانياً:
أنت أخي الفاضل في بداية الثلاثين من عمرك، ولم يفتك الوقت لتبدأ طلب العلم، فلا زلت في ريعان الشباب وقوته ونشاطه، بل إن بعض العلماء يرى أن سماع الحديث يبدأ من سن الثلاثين! .
قال السيوطي – ﵀:
قال جماعة من العلماء: يُستحب أن يبتدئ بسماع الحديث بعد ثلاثين سنة، وعليه أهل الشام ... .
" تدريب الراوي " (١ / ٤١٤) .
ولتعلم أن مَن أسلم من صحابة النبي ﷺ لم يكونوا كلهم صغاراً، بل الكثرة الكاثرة كانوا كباراً في السن، وما منعهم سنهم من الطلب والتعلم، وهم أساتذة الدنيا في العلم الشرعي، وإليهم المرجع في فهم نصوص القرآن، والسنَّة، فأبو بكر الصدِّيق هو أعلم هذه الأمة بعد النبي ﷺ ، وقد بدأ في طلب العلم قريباً من الأربعين، ثم الخليفة عمر الفاروق، بدأ العلم قريباً من الثلاثين، وهكذا غيرهم كثير من أصحاب النبي ﷺ .
وفي كتاب " العلم " من صحيح البخاري قال البخاري – ﵀:
باب الاغتباط في العلم والحكمة وقال عمر: " تفقهوا قبل أن تُسوَّدوا ".
قال أبو عبد الله – يعني: البخاري نفسه -: وبعد أن تسوَّدوا، وقد تعلم أصحاب النبي ﷺ في كبر سنِّهم.
" صحيح البخاري " (ص ٣٩) .
وقُل مثلَ ذلك فيمن طلب العلم متأخراً من الأئمة والعلماء المشهورين، وإليك نماذج طيبة من هؤلاء؛ لترفع همتك، وتجدد نشاطك، وتحيي قوتك:
١. أبو بكر عبد الله بن أحمد بن عبد الله المروزي، المعروف بـ " القفّال "، شيخ الشافعية في زمانه، المتوفى سنة ٤١٧ هـ.
قال السبكي الشافعي – ﵀:
الإمام الجليل أبو بكر القفال الصغير، شيخ طريقة خراسان، وإنما قيل له " القفَّال " لأنه كان يعمل الأقفال في ابتداء أمره، وبرع في صناعتها، حتى صنع قفلا بآلاته ومفتاحه وزن أربع حبات، فلما كان ابن ثلاثين سنة أحس من نفسه ذكاء: فأقبل على الفقه، فاشتغل به على الشيخ أبي زيد وغيره، وصار إماماً يُقتدى به فيه، وتفقه عليه خلقٌ من أهل خراسان، وسمع الحديث، وحدَّث وأملى ... .
انظر " طبقات الشافعية " للسبكي (٥ / ٥٤)
٢. أصبغ بن الفرج، مفتي الديار المصرية في زمانه، ومن علماء المالكية.
قال الذهبي – ﵀:
الشيخ الإمام الكبير، مفتي الديار المصرية، وعالِمها، أبو عبد الله الأموي مولاهم، المصري، المالكي.
مولده بعد الخمسين ومئة.
وطلب العلم وهو شاب كبير، ففاته مالك، والليث. " سير أعلام النبلاء " (١٠ / ٦٥٦) .
٣. عيسى بن موسى غنجار، أبو أحمد البخاري، محدِّث ما وراء النهر.
قال الحاكم:
هو إمام عصره، طلب العلم على كبر السنِّ، وطوَّف.
" شذرات الذهب " (١ / ٣٣٠) .
٤. قاضي القضاة بمصر: الحارث بن مسكين، توفي سنة ٢٥٠ هـ.
قال الذهبي – ﵀:
وإنما طلب العلم على كبَر.
" سير أعلام النبلاء " (١٢ / ٥٤) .
وغير هؤلاء كثير، وقد ذكر في طلب غير هؤلاء وهم كبار في السن كأمثال الفضيل بن عياض، وابن العربي، وابن حزم، والعز بن عبد السلام، فلم يمنعهم سنهم من الطلب حتى صاروا نجوماً في سماء العلم.
قيل لعمرو بن العلاء: هل يحسن بالشيخ أن يتعلم؟
قال: إن كان يحسن به أن يعيش فإنه يحسن به أن يتعلم!!
وهذا ابن عقيل ﵀ يقول إني لأجد من لذة الطلب وأنا ابن ثمانين أشد مما أجد وأنا ابن أربعين.
ثالثاً:
وهذه فتاوى ووصايا بعض العلماء في الموضوع نفسه:
١. سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
بماذا تنصح من بدأ في طلب العلم على كبَر سنِّه؟ وإن لم يتيسر له شيخ يأخذ منه ويلازمه فهل ينفعه طلب العلم بلا شيخ؟ .
فأجاب:
نسأل الله تعالى أن يعين من أكرمه الله بالاتجاه إلى طلب العلم، ولكن العلم في ذاته صعب يحتاج إلى جهد كبير؛ لأننا نعلم أنه كلما تقدمت السن من الإنسان زاد حجمه، وقل فهمه، فهذا الرجل الذي بدأ الآن في طلب العلم ينبغي له أن يختار عالماً يثق بعلمه ليطلب العلم عليه؛ لأن طلب العلم عن طريق المشايخ أوفر، وأقرب، وأيسر، فهو أوفر؛ لأن الشيخ عبارة عن موسوعة علمية، لا سيما الذي عنده علم نافع في النحو، والتفسير، والحديث، والفقه وغيره، فبدلاً من أن يحتاج إلى قراءة عشرين كتاباً يتيسر تحصيله من الشيخ، وهو لذلك يكون أقصر زمناً، وهو أقرب للسلامة كذلك؛ لأنه ربما يعتمد على كتاب ويكون نهج مؤلفه مخالفاً لنهج السلف سواء في الاستدلال أو في الأحكام.
فننصح هذا الرجل الذي يريد طلب العلم على الكبر أن يلزم شيخًا موثوقًا، ويأخذ منه؛ لأن ذلك أوفر له، ولا ييأس، ولا يقول بلغت من الكبر عتيًّا؛ لأنه بذلك يَحرم نفسه من العلم.
وقد ذُكر أن بعض أهل العلم دخل المسجد يوماً بعد صلاة الظهر فجلس، فقال له أحد الناس: قم فصل ركعتين، فقام فصلى ركعتين، وذات يوم دخل المسجد بعد صلاة العصر فكبَّر ليصلي ركعتين فقال له الرجل: لا تصلِّ فهذا وقت نهي، فقال: لا بد أن أطلب العلم، وبدأ في طلب العلم حتى صار إماماً، فكان هذا الجهل سببًا لعلمه، وإذا علم الله منك حسن النية ومنَّ عليك بالتوفيق: فقد تجمع من العلم الشيء الكثير.
" كتاب العلم " (السؤال رقم ٦٣) .
٢. وسئل الشيخ عبد الله بن جبرين – حفظه الله -:
يعتذر البعض عن طلب العلم بحجة كبَر السن، وفوات وقت الطلب، ويعتذر آخرون بكونهم لا زالوا صغاراً ينتظرون أن يتقدم بهم العمر؟
فأجاب:
متى تيسر للمسلم التعلم والتفقه: لزمه ذلك، ولا يجوز الاعتذار عن التعلم بتقدم السن؛ فإن الكثير من الصحابة تعلموا وهم شيوخ، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، والعباس، وابن عوف، وأبي عبيدة، وغيرهم، ثم من علماء التابعين من تعلموا في الكبر، كصالح بن كيسان، فقد أدرك ابن عمر وابن الزبير وتتلمذ على الزهري وطال عمره فمات سنة ١٤٠ هـ، ولما كان طلب العلم قد يكون واجبا على المسلم لم يخرج عن ذلك الكبير، ولا الصغير، وقد روي عن مكحول مرسلاً: " لا يستحي الشيخ أن يتعلم من الشاب "؛ أي: لأن بقاءه على الجهل نقص وعيب، وليس في تعلمه من الصغار غضاضة.
وأما الشاب: فعليه التعلم في حداثته؛ فإن ذلك أقوى لمعلوماته، فقد قال الحسن ﵀: " طلب الحديث في الصغر كالنقش في الحجر "، وروي عن الحسن بن علي ﵄ قال: " تعلموا العلم فإنكم إن تكونوا صغار قومٍ تكونوا كبارهم غداً "، وقال الزهري: " لا تحقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم؛ فإن عمر ﵁ إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان فاستشارهم "، وأيضاً: فإن الشاب عنده وقت فراغ، ولا يدري ما يحدث بعده من العوائق.
" كيف تطلب العلم " (السؤال رقم ٤٣) من موقع الشيخ.
لذا، بادر أخي الفاضل لطلب العلم، ولا يمنعنك سنك، وقد سبقت نماذج طلبوا العلم بعد سنك هذا بزمن، واحرص على الإخلاص، واجعل طلبك للعلم بنية التقرب إلى الله، وأداء الواجب الذي أوجبه الله عليك في الطلب، واقصد بعلمك رفع الجهل عن نفسك، ثم ساهم في الجهل عن الناس، وجد واجتهد في الطلب، واحرص على مشايخ أهل السنة والجماعة، الزمهم، وخذ علمهم، وإياك وأهل البدعة والضلالة، واسأل ربك أن يوفقك، وأن يسهل لك الطلب والحفظ والفهم.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14934
هل صحت أحاديث في فضل طلب العلم في المدينة النبوية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل توجد أي أحاديث شريفة في فضل طلب العلم في المدينة المنورة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أوجب الشرع على المسلم تعلم العلم الشرعي.
عن أنس بْنِ مَالِكٍ قَالَ:عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: (طَلَبُ العِلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلَىْ كُلِّ مُسْلِمٍ) . رواه ابن ماجه (٢٢٤) .
وحسَّنه بكثرة طرقه وشواهده: المزي والزركشي والسيوطي والسخاوي والذهبي والمناوي والزرقاني، وهو في " صحيح ابن ماجه " للألباني.
ومن ضعَّف هذا الحديث، كالإمام أحمد وغيره من الأئمة المتقدمين [انظر: المنتخب من العلل للخلال ص (١٢٨-١٢٩) ، وحاشية المحقق] ؛ فإن معناه مستقيم عندهم، وإن كان إسناده لا يثبت.
قال الإمام إسحاق بن راهويه، ﵀: " طلب العلم واجب، ولم يصح فيه الخبر؛ إلا أن معناه: أن يلزمه طلب علم ما يحتاج إليه من وضوئه وصلاته وزكاته إن كان له مال، وكذلك الحج وغيره، قال: وما وجب عليه من ذلك لم يستأذن أبويه في الخروج إليه وما كان منه فضيلة لم يخرج إلى طلبه حتى يستأذن أبويه "
قال ابن عبد البر ﵀: " يريد إسحاق، والله أعلم، أن الحديث في وجوب طلب العلم في أسانيده مقال لأهل العلم بالنقل، ولكن معناه صحيح عندهم، وإن كانوا قد اختلفوا فيه اختلافا متقاربا على ما نذكره ها هنا إن شاء الله "
جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (١/٥٢-٥٣ـ ط الزهيري) ، وانظر المنتخب من العلل، حاشية المحقق.
قال علماء اللجنة الدائمة:
العلم الشرعي على قسمين: منه ما هو فرض على كل مسلم ومسلمة، وهو معرفة ما يصحح به الإنسان عقيدته وعبادته، وما لا يسعه جهله، كمعرفة التوحيد، وضده الشرك، ومعرفة أصول الإيمان وأركان الإسلام، ومعرفة أحكام الصلاة، وكيفية الوضوء، والطهارة من الجنابة، ونحو ذلك، وعلى هذا المعنى فسِّر الحديث المشهور (طلب العلم فريضة على كل مسلم) .
والقسم الآخر: فرض كفاية، وهو معرفة سائر أبواب العلم والدين، وتفصيلات المسائل وأدلتها، فإذا قام به البعض سقط الإثم عن باقي الأمة.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ٩٠، ٩١) .
ولأجل ما ورد في طلب العلم والسعي في تحصيله من الفضائل، كما في صحيح مسلم (٢٦٩٩) : (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) ، جدَّ أولو الهمم العالية في طلبه، ورحل كثير من العلماء حرصا على تحصيله، بل إن بعضهم رحل من أجل سماع حديث واحد! وقد جمع قصص هؤلاء الخطيب البغدادي في كتابه " الرحلة في طلب الحديث "، واستمرت رحلات بعضهم ثلاثين أو أربعين سنة!
- وفضل طلب العلم يشمل بقاع الأرض كلها، والرحلة في طلبه لم تكن لبلدٍ واحدٍ دون غيره، بل كانت لأصقاع الدنيا؛ قال عبد الله بن عبيد بن عمير: " كان يقال: العلم ضالة المؤمن يغدو في طلبه، فإذا أصاب منه شيئا حواه " رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨/٣٢٢) .
- ولا نعلم حديثاً صحيحاً يذكر فضل طلب العلم في المدينة النبوية، وقد وردت روايات في فضل طلب العلم في المسجد النبوي في المدينة النبوية، لكنها ضعيفة لا تصح.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا لَمْ يَأْتِهِ إِلَّا لِخَيْرٍ يَتَعَلَّمُهُ أَوْ يُعَلِّمُهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ) .
رواه أحمد (١٤ / ٢٥٧) وابن ماجه (٢٢٣) .
والحديث صححه الشيخ الألباني في " صحيح الترغيب " (٨٧) ، والراجح: أنه ضعيف، وقد أعلَّه الدراقطني، وضعَّفه شعيب الأرنؤوط.
سئل الإمام الدارقطني – ﵀:
عن حديث المقبرى عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : (من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلِّمه: فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله) .
فقال:
اختُلف فيه على سعيد المقبري، فرواه أبو صخرة حميد بن زياد عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
خالفه عبيد الله بن عمر، فرواه عن سعيد المقبري عن عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن كعب الأحبار قولَه، ورواه ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن كعب الأحبار قولَه، وقول عبيد الله بن عمر أشبه بالصواب.
" علل الدارقطني " (١٠ / ٣٨٠، ٣٨١) .
ومع التسليم بصحة الحديث فإنه لا يصح تخصيص ذلك الفضل في مسجده ﷺ ، بل يَحتمِل أنه بسبب أن العلم لم يكن له منطلق في زمنه ﷺ إلا مسجده.
قال السندي في تعليقه على " سنن ابن ماجه ":
قوله (من جاء مسجدي هذا) : أراد مسجده، وتخصيصه بالذِّكر: إما لخصوص هذا الحكم به، أو لأنه كان محلا للكلام حينئذ، وحكم سائر المساجد كحكمه.
انتهى
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14935
أسباب انتكاسة المستقيم حديثاً ونصائح لمن يريد طلب العلم
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد نصيحة لمن التزم حديثاً، وماذا يفعل لكي لا ينتكس؟ ونصائح بماذا يبدأ بالقراءة من الكتب بعد القرآن.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يفرح الله تعالى بتوبة عبده مع أنه تعالى هو الموفِّق لهذا التائب أن يتوب، وهو سبحانه لا تضره معاصي الخلق ولو كثرت، وهذا من عظيم رحمة الله تعالى بخلقه، وعظيم فضله، والذي ننصح به إخواننا المستقيمين على الهداية والمتوجهين نحو طريق الخير هو:
١. حمد الله تعالى وشكره بصدق وإخلاص، أن وفقهم لأن يهتدوا لطريق الجنة، وأن يعلموا أنه لولا الله ما اهتدوا ولا صلوا، ويحتاج مع الحمد والشكر إلى دعاء الله تعالى أن يثبته على الدين والحق؛ فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء، وكان من دعاء النبي ﷺ : (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب اصرف قلبي إلى طاعتك) ونحن أولى بهذا الدعاء منه ﷺ .
٢. التزام طاعة الله تعالى بأداء الواجبات المفروضة، والحرص على زيادة التقرب إلى الله تعالى بعد الفرائض بفعل السنن؛ لتحصيل محبة الله تعالى، ومن أحبَّه الله ثبَّته على الطريق، وزاده هدى وتوفيقاً.
فعَنْ أَبِي هُريرة ﵁ قالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : (إنَّ الله تَعالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيّاً، فَقَدْ آذنتُهُ بالحربِ، وما تَقَرَّب إليَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إليَّ مِمَّا افترضتُ عَليهِ، ولا يَزالُ عَبْدِي يَتَقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أَحْبَبْتُهُ، كُنتُ سَمعَهُ الّذي يَسمَعُ بهِ، وبَصَرَهُ الّذي يُبْصِرُ بهِ، ويَدَهُ الَّتي يَبطُشُ بها، ورِجْلَهُ الّتي يَمشي بِها، ولَئِنْ سأَلنِي لأُعطِيَنَّهُ، ولَئِنْ استَعاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ) . رواهُ البخاريُّ (٦١٣٧) .
٣. التطلع إلى رضوان الله تعالى، والتشوق للقائه سبحانه، وعدم الانشغال بالدنيا، بمباحاتها وملذاتها، ولتكن همة هذا المستقيم على الطاعة علوية لا سفلية، وليكن هدفه تحصيل السعادة الأبدية في دار لا يهرم فيها ولا يمرض، وهي الجنة.
٤. وعليه بطلب العلم، وأول الطلب البداءة بحفظ كتاب الله تعالى، ثم النظر في السنَّة المطهرة، والقراءة في كتب العقيدة السلفية والتوحيد والفقه، ومن شأن معرفة المسلم لدينه أن يزداد تمسكاً به، ومن أعظم أسباب الانتكاس والسقوط في الطريق، الجهل بالدين وعدم معرفته.
٥. وعليه أن يحرص على الصحبة الصالحة، وترك الصحبة الفاسدة، وخاصة من كان معه في طريق الغواية من قبل؛ لئلا يكون هؤلاء سبباً في رجوعه طريقه القديم، وقد شبَّه النبي ﷺ الجليس الصالح بحامل المسك، فهو إما أن يعطيك منه، وإما أن تشم منه رائحة طيبة، وشبَّه جليس السوء بنافخ الكير، فهو إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تشم منه رائحة خبيثة، وهكذا هو الصاحب الصالح، والصاحب السيئ، فالأول إما أن يدلك على الخير، ويرشدك إلى الصواب، وإلا فإنك سترى منه الخير في سمته وهديه وخلُقه، وأما الصاحب السيئ فهو إما أن يدلك على المعصية فتفعلها، أو أنه يباشرها بنفسه فلا ترى منه إلا شرّاً وتشجيعاً على فعل الفواحش، فيجب الحرص على الصحبة الصالحة، كما يجب هجر الصحبة الفاسدة.
٦. الحذر من المعاصي الصغائر منها والكبائر، فإن معظم النار من مستصغر الشرر، والمعصية تأتي بأختها، والقلب إذا أظلم واسودَّ بسبب المعاصي: لم يعد قلباً حيّاً يعرف المعروف، وينكر المنكر، فالحذر الحذر من المعاصي.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلا: كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلاةٍ، فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ (أي: طعامهم) ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ، وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ، حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا (أي: شيئاً كثيراً) ، فَأَجَّجُوا نَارًا، وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا) .
رواه أحمد (٣٧ / ٤٦٧) وحسَّنه شعيب الأرناؤوط، وصححه الألباني.
٧. الحذر من فتنة المال، فعلى من رزقه الله تعالى مالاً أن يجعل ذلك المال عوناً له على طاعة الله، وينفقه في مرضات الله، كبناء المساجد، وطباعة الكتب، وتسجيل الأشرطة، وتوزيع المطويات، وليحرص على أداء العمرة والحج، وليحذر من إسرافه في المباحات، أو تبذيره في المحرمات، فقد يكون المال سبباً لفتنة الإنسان في دينه، وصدق الله العظيم إذ يقول: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم) التغابن/١٥
٨. على المهتدي تعمير قلبه بالإيمان، فالقلب إذا صلح صلحت الأعضاء، وإذا فسد فسدت الأعضاء، فليحرص على قراءة القرآن، والاستكثار من الطاعات.
٩. وقد يكون من أسباب انتكاس الشاب: عدم وجود زوجة، فليحرص على الواج، وتكوين أسرة، وليحرص على تأديبهم وتعليمهم، وكونه عزباً مظنة للوقوع في المعاصي، والتعلق بالشهوات، وكثرة السهر، وترك الحياة الجدية، والرضا بحياة الراحة والدعة والكسل.
١٠. وأخيراً: فإن المتهدي حديثاً يحتاج إلى التعقل في أداء الطاعات، والحكمة في دعوة الناس؛ فإن بعض من يهديه الله تعالى لطريق الحق يُشدِّد على نفسه بالطاعات، ويقسو على الآخرين في دعوتهم وتذكيرهم، ولعلَّ هذا أن يكون سبباً في انتكاسته، فليحرص على التعقل، والحكمة، والرفق، وليحرص على مشاورة أهل العلم والاستفسار منهم، واستنصاحهم، فإن في ذلك الخير العظيم له.
عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ شِرَّتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ) .
رواه ابن حبان في " صحيحه " (١ / ١٨٧) ، وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (٥٦) .
وانظر شرح هذا الحديث وتفصيل هذه النقطة في جواب السؤال رقم: (٧٠٣١٤) .
ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الحق ويرزقنا الإخلاص والصدق في القول والعمل.
ثانياً:
وأما طالب العلم المبتدئ في الطلب: فلا بد من توجيه نصائح له في طلبه للعلم؛ حتى يكون مأجوراً مثاباً على الطلب، وإلا صار عليه نكالاً:
١. أخلص في نيتك في طلب العلم.
واعلم أن طلب العلم عبادة، وأن الله تعالى لا يقبل من العبادات إلا ما كان خالصاً لوجهه، فلا تطلب العلم من أجل الشهرة والرفعة والتعالي والمال ومجاراة السفهاء ومماراة العلماء، بل اجعل طلبك خالصاً لوجه الله تعالى، تمتثل به أمر الله تعالى، وترفع الجهل عن نفسك، وعن غيرك.
٢. اصبر في الطلب، ولا تستعجل قطف الثمرة، فالطريق طويل وشاق، و " من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة ".
٣. اعمل بما تعلم، فقد " هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل ".
٤. ابدأ بصغار العلم قبل كباره، فلا تبدأ بـ " فتح الباري " و " المجموع " و " المحلى "، بل ابدأ بالمتون الصغيرة إلى أن تصل إلى تلك الكبيرة.
٥. احرص على أن تقرأ على شيخ موثوق في دينه وعلمه، فإن لم يكن فطالب علم ممن سبقوك في الطريق.
٦. نوِّع طرق الطلب حتى لا تمل، فاجعل منها القراءة والسماع والمشاهدة.
٧. احرص على اقتناء الكتب المحققة.
٨. لا تبدأ بكتب الخلاف قبل ضبط أصول الأدلة من القرآن والحديث الصحيح.
٩. تواضع لله تعالى، وإياك من داءين خطيرين: الكبر، والحسد، وقد كان السلف يسمعون ممن هو أكبر منهم ليتعلموا الأدب، وممن هو أصغر منهم ليتعلموا التواضع، وممن هو مثلهم ليزيلوا داء الحسد من قلوبهم.
١٠. لا تستعجل الفتوى، واحرص على المذاكرة، وتلخيص ما تقرأ، وتدوين الفوائد، ومراجعتها، واحرص على تعليم الجاهل ما استفدته من العلم، وقد قال تعالى: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) البقرة/٣.
وانظر جواب السؤال رقم (١٠٣٢٤) ففيه جملة من آداب طالب العلم.
ثالثاً:
وأما الكتب التي يبدأ بقراءتها بعد قراءة كتاب الله تعالى، والحرص على حفظه: فهي كثيرة، وقد ذكرنا أهم هذه الكتب الموثوقة، وما يناسب كل مرحلة من مراحل طلب العلم، فانظرها في جوابي السؤالين: (١٤٠٨٢) و (٢٠١٩١)
وننبه على أن في موقعنا هذا تحت تصنيف " العلم والدعوة / العلم " جملة وافرة من الأجوبة التي يستفيد منها طالب العلم في الآداب والأحكام والنصائح.
ونسأل الله دائما أن يوفقك، وأن ييسر لك العلم النافع، والعمل الصالح، ومن يهده الله تعالى فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14936
كيفية طلب العلم
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا يحتاج المرء حتى يصبح عالماً إسلامياً/ طالب علم شرعي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، فالعلم هو عنوان التوفيق، فقد قال النبي ﷺ : " من يُرد الله به خيراً يفقهه في الدين " متفق عليه. مفهومه أن من لم يُرد الله به خيراً لا يفقهه في الدين.
وقال البخاري ﵀: " بَاب الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَرَّثُوا الْعِلْمَ مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ وقال ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ وَقَالَ ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ "
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ وَيُقَالُ الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ "
وعن قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ وَهُوَ بِدِمَشْقَ فَقَالَ مَا أَقْدَمَكَ يَا أَخِي فَقَالَ حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَمَا جِئْتَ لِحَاجَةٍ قَالَ لا قَالَ أَمَا قَدِمْتَ لِتِجَارَةٍ قَالَ لا قَالَ مَا جِئْتُ إِلا فِي طَلَبِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ. " رواه الترمذي (٢٦٠٦) وصححه الألباني.
هذه بعض فضائل العلم وهي "غيض من فيضٌ " ولو ذُكرت فضائل العلم كلها لطال الكلام ولعل في ما ذُكر تذكرة لمن كان له قلب أو ألقىَ السمع وهو شهيد. راجع السؤال رقم (١٠٤٧١)
أما الطريق إلى نيل العلم فهي تقوى الله ومراقبته في السرِّ والعلن، ثم الأخذ عن العلماء الموثوقين في علمهم ودينهم، فإذا وجدت عالماً تتوفر فيه هذه الصفات فالزمه واستشره في طريقة أخذ العلم، فإن لم تجد عالماً، فابحث عن طالب علم، فإن لم تجد فعليك بالدراسة عن طريق الأشرطة، والكتب التأصيلية.
فإن قلت ما هي الكتب التي نقوم بدراستها؟
فالجواب: ينبغي أولاً التدرج في تحصيل العلم الشرعي، ولكل فنٍ كتبٌ معينة، فليكن أول ما تدرس من العلوم العقيدة ثم العلوم التي تساعد على فهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من النحو وأُصول الفقه، ومصطلح الحديث، ثم الفقه والتفسير.... وقبل كل شئ ابدأ بحفظ القران فكل العلوم إنما تُدرس للوصول إلى فهم القران فهماً صحيحاً.
وإليك الآن قائمة بأسماء الكتب، مرتبة على حسب الأولوية:
ففي العقيدة: تبدأ أولاً بكتاب الأصول الثلاثة ثم كتاب التوحيد ثم كتاب كشف الشبهات، للشيخ محمد بن عبد الوهاب ثم كتاب العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية.
وبعد أن تنتهي من دراسة هذه الكتب وحفظها، انتقل إلى كتاب الآجرومية في النحو ثم (كتاب الأصول من علم الأُصول في أُصول الفقه ثم كتاب أُصول التفسير) الكتابان للشيخ محمد بن عثيمين ﵀ ثم انتقل إلى دراسة كتاب الأربعين النووية في الحديث ثم كتاب عمدة الأحكام في الحديث أيضاً، ثم ابدأ في الفقه ولا بأس بدراسة متن فقهي لأحد المذاهب الفقهية المعتبرة مثل (بداية السالكين - عمدة الفقه - متن أبي شجاع - متن خليل) ، وليس مقصودنا أن تتعصب لمذهب معين وإنما تكون دراستك دراسةً مرتبة مبنية على الأصول المعتبرة، حتى تتقوى في طلب العلم، فتتبع الدليل ولا تتعصب لمذهبٍ معين.
وتنبه إلى أن الكتب السابقة لابد لدراستها من الحفظ والفهم. واحرص على اقتناء أشرطة العلماء الذين شرحوا تلك الكتب كالشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين والشيخ عبد الله بن جبرين وغيرهم.
ثم بعد الانتهاء من الفقه خذ كتاباً في التفسير، وابدأ بكتاب تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ ثم تفسير ابن كثير.
هذه أهم الكتب التي يدرسها طالب العلم، فإذا انتهيت من دراستها فهناك كتب أعلى منها سنخبرك بها بعد انتهائك من الكتب المذكورة. فكن معنا على اتصال، والسلام.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 14937
ما هو حكم طلب العلم الشرعي ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو حكم طلب العلم الشرعي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
طلب العلم الشرعي فرض كفاية إذا قام به من يكفي صار في حق الآخرين سنة , وقد يكون طلب العلم واجباً على الإنسان عيناً أي فرض عين , وضابطه أن يتوقف عليه معرفة عبادة يريد فعلها أو معاملة يريد القيام بها , فإنه يجب عليه في هذه الحال أن يعرف كيف يتعبد الله بهذه العبادة , وكيف يقوم بهذه المعاملة , وما عدا ذلك من العلم ففرض كفاية وينبغي لطالب العلم أن يشعر نفسه أنه قائم بفرض كفاية حين طلبه ليحصل له ثواب فاعل الفرض مع التحصيل العلمي.
ولا شك أن طلب العلم من أفضل الأعمال , بل هو من الجهاد في سبيل الله , ولا سيما في وقتنا هذا حين بدأت البدع تظهر في المجتمع الإسلامي وتنتشر وتكثر , وبدأ الجهل الكثير ممن يتطلع إلى الإفتاء بغير علم , وبدأ الجدل في كثير من الناس , فهذه ثلاثة أمور كلها تحتم على الشباب أن يحرص على طلب العلم.
أولاً: بدع بدأت تظهر شرورها.
ثانياً: أناس يتطلعون إلى الإفتاء بغير علم.
ثالثاً: جدل كثير في مسائل قد تكون واضحة لأهل العلم لكن يأتي من يجادل فيها بغير علم.
فمن أجل ذلك فنحن في ضرورة إلى أهل علم عندهم رسوخ وسعة اطلاع , وعندهم فقه في الدين , وعندهم حكمة في توجيه عباد الله , لأن كثيراً من الناس الآن يحصلون على علم نظري في مسألة من المسائل ولا يهمهم النظر إلى إصلاح الخلق وإلى تربيتهم , وأنهم إذا أفتوا بكذا وكذا صار وسيلة إلى شر أكبر لا يعلم مداه إلا الله.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين , كتاب العلم , صفحة ٢٣.
стр. 14938
تريد نصائح وتوجيهات لتناظر النصارى
[السُّؤَالُ]
ـ[يوجد في الجامعة التي أدرس فيها هناك نسبة نصارى ليست باليسيرة في جامعتي , وقد وصل بهم الحد إلى أن صار بعضهم من دعاة التبشير والتنصير، وهم في بلاد الإسلام، وبين أظهر المسلمين!!
حتى إن إحداهن كانت تحضر معها الإنجيل، وكتابا آخر عن (الإيمان) ، وعليه صورة مريم العذراء ﵍، وكانت ترغِّب البنات في قراءته وتشوقهم إليه!
ثم تبين لي ـ فيما بعد ـ من كلامي معها أنها نشيطة في الكنيسة، وأنها تدرس الأطفال فيها!
والآن أنا حائرة في كيفية التعامل معها، ومع مثيلاتها؛ فهل أقطعها وأحذر زميلاتي منها، أو أحاول أن أناظرها وأناقشها في معتقداتها؟
علما بأنني حاولت ـ مرة ـ أن أستخرج بعض ما عندها، لأعرف كيف أناقشها، فوجدتها على وعي تام بمسائل النقاش، وكأنها قد تلقنت ماذا يجب أن تقول، وتتسلح به فيما معاملتها ومناقشتها للمسلمين!! ولم يكن عندي من العلم ما أرد به عليها، أو يمكنني من الاسترسال معها في النقاش.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نشكر لكِ ـ أيتها الأخت الكريمة ـ غيرتِك على دين الله تعالى، وعلى الاهتمام بالدعوة إلى الله، ونسأل الله لنا ولك التوفيق والثبات.
ثانياً:
لا ننصحك بمحاورة زميلاتك من النصارى، أو مجادلة أحد منهم، لأنكِ ذكرتِ أن عندهم من الشُّبَه ما تعجزين عن رده، وذكرتِ أنك في أول طريق طلب العلم، وهذا يجعلنا نؤكد على هذه النصيحة في حقك وحق من كان مثلك؛ فالجدال إنما (يقصر جوازه على المواطن التي تكون المصلحة في فعله أكثر من المفسدة أو على المواطن التي المجادلة فيها بالمحاسنة لا بالمخاشنة) [فتح القدير، للشوكاني ١/٥٢٧] .
وهذه المصلحة التي ترجى من مجادلة أهل الكتاب، أو غيرهم من أصناف أهل الشرك بالله، أو أهل الأهواء والبدع، لا تتم إلا بأن يقوم بهذه المناظرة من هو أهلها ممن كان عنده من العلم بدينه ودين المخالف ما يمكنه من مناظرته، ثم يتزين بأدب الشرع لنا في ذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" ولما كان أتباع الأنبياء هم أهل العلم والعدل، كان كلام أهل الإسلام والسنة مع الكفار وأهل البدع، بالعلم والعدل، لا بالظن وما تهوى الأنفس. ولهذا قال النبي ﷺ :
(القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة؛ رجل علم الحق وقضى به، فهو في الجنة، ورجل علم الحق وقضى بخلافه، فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار) رواه أبو داود وغيره، [صححه الألباني في صحيح الجامع] ؛ فإذا كان من يقضي بين الناس في الأموال والدماء والأعراض، إذا لم يكن عالما عادلا، كان في النار، فكيف بمن يحكم في الملل والأديان، وأصول الإيمان والمعارف الإلهية والمعالم الكلية، بلا علم ولا عدل كحال أهل البدع والأهواء.. " [الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ١/١٠٧-١٠٨] .
ولأجل ما ذكره شيخ الإسلام هنا من أدب الجدل، قال الله تعالى: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) العنكبوت/٤٦ قال الشيخ ابن سعدي ﵀ في تفسيره: " ينهى تعالى عن مجادلة أهل الكتاب، إذا كانت عن غير بصيرة من المجادل، أو بغير قاعدة مرضية، وأن لا يجادلوا، إلا بالتي هي أحسن، بحسن خلق ولطف ولين كلام، ودعوة إلى الحق وتحسينه، ورد الباطل وتهجينه، بأقرب طريق موصل لذلك. وأن لا يكون القصد منها، مجرد المجادلة والمغالبة، وحب العلو، بل يكون القصد بيان الحق، وهداية الخلق. " اهـ. [تفسير السعدي ٧٤٣]
ثم عليكِ ـ أيتها الأخت الكريمة ـ أن تلتفتي لنفسك وطلب العلم، وقبل أن يعرف المسلم ما عند غيره، يجب أن يعرف ما في دينه من أحكام، فابحثي عن أخوات من طالبات العلم وابدئي معهن في تعلم دينك، ويمكنك أن تستعيني ـ أيضا ـ بأشرطة علماء أهل السنة الداعين إلى منهج السلف الصالح، لاسيما إذا لم يتيسر لك من يعلمك.
ولتكن عنايتك الأولى بمعرفة ما يصحح لك عقيدتك، وعبادتك، واهتمي بالوقوف على معاني كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
هذه هي الطريقة السليمة التي ينبغي أن تبدئي بها، ودعي نقاش النصارى وغيرهم من أهل الانحراف والضلال للمتخصصين، فهم أقدر على مواجهتهم وتبيين زيفهم، ولا يزال في الأمة الإسلامية – ولله الحمد – من يقوم بهذا الواجب.
وإذا رأيتِ من يمكن أن يتأثر بدعوات التنصير من أخواتك المسلمات: فيجب عليك تحذيرهن من مصاحبة أولئك الكافرات والسماع لهن، ويمكنك تزويدهن بكتب وأشرطة تبين الإسلام الصحيح، وتحذِّر من المذاهب والأديان الباطلة.
ونسأل الله أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن ييسر لك العلم النافع والعمل الصالح.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14939
حول طلب العلم
[السُّؤَالُ]
ـ[ي يا شيخ يتكون من عدة نقاط، لكنها متصلة ببعضها البعض، وهى تدور حول طلب العلم، وأرجو من فضيلتكم عند الإجابة على الأسئلة أن تضع أمام عينيك أني أريد أن أكون يوماً ما كالشيخ ابن باز أو الشيخ ابن عثيمين، قد تتهمني بالجنون أو السفه، ولكن يعلم الله أن هذين العالمين الربانيين هما قدوتي في طلب العلم. ١- الزواج: هل يتعارض الزواج مع طلب العلم، خاصةً أنى فى بداية الطلب، وقد تأخرت كثيراً فى الطلب، فعمري الآن ٢٥ عاما، ولكني عندي رصيد معقول من المسائل، ولكن بدون تأصيل علمي، ولكن هناك أمر، وهو أني شاب أنعم الله علي بقوة البنية وحسن الهيئة، وأخاف على نفسي في زمن الفتن الذي نعيشه، كما أن الفتاة التي أنوي الزواج منها لا يمكن تعويضها بسهولة؛ لأنها من بيت ملتزم جداً، وأن أحب والدها وإخوانها الذكور، وأتمنى أن يكون بيننا مصاهرة. ٢- ساعات التحصيل: كم ساعة يجب علي أن ألتزم بها في تحصيل العلم، بخلاف الوقت المخصص للقرآن، فأنا أجعل له وقتاً خاصاً به تلاوةً وحفظاً. ٣- الإنترنت والفضائيات: أنا أقضي حوالي ساعة ونصف يومياً في تصفح المواقع الدينية عبر الإنترنت، كموقعكم وموقع المسلم (د/ ناصر العمر) وموقع الشبكة الإسلامية، وكذلك أقضي حوالي ساعة يومياً في متابعة قناة الجزيرة الإخبارية، أو أي برنامج يناقش قضية مهمة على أي قناة أخرى، وذلك بهدف التثقيف في مختلف جوانب الحياة، فهل أستمر على ذلك، أم أستفيد من ذلك الوقت في طلب العلم وكذلك العبادة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أبارك لك أخي السائل هذه الهمة العالية، وأبارك لك ما أنعم الله عليك من حرصٍ وسعيٍ لتحصيل العلم، فإن العلم الشرعي أشرف ما يقطع به الإنسان عمره، ويُفني له شبابه.
يقول النبي ﷺ :
(الدُّنيَا مَلعُونَةٌ، مَلعُونٌ مَا فِيهَا، إِلَّا ذِكرُ اللَّهِ، وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ أَوَ مُتَعَلِّمٌ)
رواه الترمذي (٢٣٢٢) وقال: حسن غريب، وحسنه ابن القيم في عدة الصابرين (٢٦٠) والألباني في الصحيحة (٢٧٩٧)
ومسيرة العلم أخي مسيرة طويلة، فهي مشروع عمر، وهي فكرة حياة كاملة، ولا يزال طالب العلم في طلبه حتى يلقى الله على ذلك.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(لَن يَشبَعَ المُؤمِنُ مِن خَيرٍ يَسمَعُهُ حَتَّى يَكُونَ مُنتَهَاهُ الجَنَّةُ)
رواه الترمذي (٢٦٨٦) وقال: حسن غريب، وصححه الحاكم (٤/١٢٩) ووافقه الذهبي، وقد ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الترمذي.
وهذه نصائح فيها إجابة على ما سألت عنه:
أولا:
أنفع ما يكون طلب العلم في سن الشباب، حيث يكون الذهن متوقدًا، والهمةُ حَيَّةً كبيرةً، ولا يضر المرء أن فاتت سنون صغره وطفولته دون حفظ العلوم أو دراستها، فإن الطالب في شبابه قادر على تعويض ما فاته، بالحرص والجد والمتابعة.
أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/٢٨٤) عن عمر بن الخطاب ﵁ قوله:
" تفقهوا قبل أن تُسَوَّدُوا "
قال أبو عبيد في "غريب الحديث" (٣/٣٦٩) :
" يقول: تعلموا العلم ما دمتم صغارا قبل أن تصيروا سادة " انتهى.
ولما ذكر البخاري في صحيحه (ص/٣٩) قول عمر معلقا، أتبعه بقوله:
" وبعد أن تُسَوَّدُوا، وقد تعلم أصحاب النبي ﷺ في كبر سنهم " انتهى.
يريد البخاري ﵀، بيان أن كبر السن والسيادة لا تمنع من العلم، فقد أسلم كثير من الصحابة في كبر سنهم، مثل أبي بكر ﵁، ثم صاروا أئمة علم ونور وهداية.
كما أبشرك أخي السائل بأن سن العشرين هو أفضل سنين الطلب، فهو سن القوة والشباب، وقد اختاره أهل العلم لتعلم العلوم الصعبة، وما فات قبله إنما هو لحفظ القرآن وبعض المتون.
جاء في تدريب الراوي (١/٤١٤) :
" قال جماعة من العلماء: يُستَحَبُّ أن يبتدئ بسماع الحديث بعد ثلاثين سنة، وعليه أهل الشام، وقيل بعد عشرين سنة وعليه أهل الكوفة، وقال سفيان الثوري: كان الرجل إذا أراد أن يطلب الحديث تعبَّدَ قبل ذلك عشرين سنة، وقال أبو عبد الله الزبيري من الشافعية: يستحب كَتْبُ الحديث في العشرين؛ لأنها مجتمع العقل، قال: وأحب أن يشتغل دونها بحفظ القرآن والفرائض، أي: الفقه " انتهى.
فأنت الآن في بداية الطلب، ولم يفتك شيء إن شاء الله، فاحرص على أن تكون بداية صحيحة قوية، ولا تضيع من عمرك شيئا، فإن ما يفوت لا يرجع أبدا.
ثانيا:
لما كان طلب العلم مشروع عُمْر، لا يتوقف إلا بانخرام هذا العمر بالموت، كان لا بد أن يعوِّد الطالب نفسه على التوفيق بين حاجات الدنيا وبين تكليفات الطلب، ومن ذلك أمر الزواج، فالزواج لا يكون أبدا عائقا عن طلب العلم، فإذا كان الطالب يرى العلم في همه وفكره أعظم عبادة يستغرق بها سنين عمره، فلن يكون الزواج أو العمل أو القيام بتكاليف الدنيا كلها إلا خادما لمشروع العمر الكبير، ألا وهو عبادة الله بالتعلم.
وهكذا كان الصحابة والتابعون والعلماء السالفون، منهم التاجر ومنهم الوالي ومنهم المتزوج بالواحدة ومنهم المتزوج بالأربع، ومنهم صاحب العيال، فلم يشغلهم ذلك عن العلم والتعلم.
يقول أبو حامد الغزالي ﵀ "إحياء علوم الدين" (٢/٤٤) :
" فإن انتفت في حقه الآفات واجتمعت الفوائد، بأن كان له مال حلال وخلق حسن، وجِدٌّ في الدِّينِ تَامٌّ، لا يشغله النكاح عن الله، وهو مع ذلك شاب محتاج إلى تسكين الشهوة، ومنفرد يحتاج إلى تدبير المنزل والتحصن بالعشيرة، فلا يُمارَى في أن النكاح أفضل له " انتهى.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ "لقاء الباب المفتوح" (٣/٥٦) :
هناك طالب علم شرعي يريد أن يتزوج، ولكنه يخشى إن تزوج أن يتعطل وينشغل عن طلب العلم، فما نصيحتكم له؟
فكان جواب الشيخ ﵀:
" الزواج لا يَعُوقُ عن طلب العلم، بل ربما يعين على طلب العلم، قد يوفق الإنسان لامرأة تقرأ وتكتب وتساعده، فإن لم تكن، فأقل ما يكون أن تذهب عنه الوساوس والتفكير في الزواج، فالزواج يعين على طلب العلم، لأنه يهيء للإنسان الجو المناسب لطلب العلم، من حيث الهدوء والراحة، وكذلك فإن الزوجة توفر على زوجها كثيرا من الوقت الذي كان يضيع منه في قضاء حاجاته في البيت، فنصيحتي لهذا الشاب أن يقدم على الزواج، فإن فيه خيرا كثيرا، وامتثالا لأمر النبي ﷺ ، واتباعا لسنته وسنة إخوانه المرسلين " انتهى.
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ "فتاوى علماء البلد الحرام" (٢٧٧) :
" نصيحتي لجميع الشباب والفتيات البدار بالزواج والمسارعة إليه إذا تيسرت أسبابه، لقول النبي ﷺ (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وِجاء) ولما في ذلك من المصالح الكثيرة التي نبه عليها النبي ﷺ ، من غض البصر وحفظ الفرج وتكثير الأمة والسلامة من فساد كبير وعواقب وخيمة " انتهى.
ثالثا:
أما الكلام على ساعات التحصيل، فذاك فصل تنافس فيه المتنافسون، لا يملك أحد أن يحدَّه بحدٍّ أو يقدِّرَه بوقت، وأنا أسوق لك هنا بعض الأمثلة، ثم أترك لك التقدير بعد ذلك:
قال ابن العطار تلميذ النووي:
" ذكر لي شيخنا ﵀ أنه كان لا يضيِّع له وقتا، لا في ليل ولا في نهار، إلا في الاشتغال بالعلم، حتى في الطريق يكرر أو يطالع، وأنه دام على هذا ست سنين، ثم أخذ في التصنيف، وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة بعد عشاء الآخرة، ويشرب شربة واحدة عند السحر، ويقول أخاف أن يرطب جسمي ويجلب لي النوم " انتهى.
ويقول ابن عقيل الحنبلي:
" إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة أو مناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطِّرُه، وأنا أُقَصِّر بغاية جهدي أوقات أكلي، حتى أختار سف الكعك وتحسِّيَه بالماء على الخبز، لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفرا على مطالعة، أو تسطير فائدة لم أدركها فيه، وإن أجلُّ تحصيل عند العقلاء هو الوقت، فهو غنيمة تنتهز فيها الفرص، فالتكاليف كثيرة والأوقات خاطفة " انتهى. انظر "صلاح الأمة" (٤/١٦٩ – ١٧٥)
رابعا:
لا ينبغي لطالب العلم الشرعي أن يهمل أو يُغفل الاطلاع الجيد على أحداث عصره، وظروف مجتمعه، فذلك من ضرورات العلم والفقه، والفقيه هو الذي يحسن فهم النصوص، وفهم الواقع الذي ينزلها عليه.
يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ "لقاء الباب المفتوح" (١/٣٣٠) :
" من المعلوم أن واقع الناس لا بد أن يكون معلوما لدى الإنسان، حتى يعرف ماذا يعيش فيه، وقد أرشد النبي ﷺ إلى هذا المعنى في قوله حين بعث معاذ بن جبل إلى اليمن: (إِنَّكَ تَأتِي قَومًا أَهلَ كِتَابٍ) فأخبره عن واقعهم وحالهم، لكن لا يجوز بحالٍ من الأحوال أن يطغى على الفقه في الدين، وأن لا يكون للشاب أو لغير الشاب هَمٌّ إلا أن يبحث ما حصل، وماذا حصل، في أمر لا يمكنه إصلاحه، أيضا لو أراد الإصلاح فالفقه في الدين هو الأصل، ولهذا قال النبي ﷺ (مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) والفقه في الواقع نحتاج إليه لنطبق الفقه في الدين على أحوال الناس، لكن لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يطغى فقه الواقع على الفقه في الدين، بحيث لا يكون للإنسان هَمٌّ إلا مطالعة الجرائد والمجلات، وما أشبه ذلك، ويعرض بذلك عن مطالعة الكتاب والسنة " انتهى.
ولكنك تعلم أخي السائل أن كثيرا مما يعرض على القنوات الفضائية مما لا يجوز للمسلم مشاهدته أو متابعته، وذلك بسبب ظهور النساء المتبرجات فيه، ومصاحبة الموسيقى له، وقد أغنانا الله عن ذلك – والحمد لله -، إذ يمكنك متابعة ما تحتاجه في قناة بعيدة عن المخالفات الشرعية، أو موقع إخباري إسلامي موثوق بالقائمين عليه؛ لا سيما إذا فهمنا أن المطلوب، في مثل حالك، هو الإلمام الجملي بالأحداث وأحوال الناس، ثم الاهتمام بما يتعلق بحياتك العلمية والدعوية، لا سيما إذا كان منكرا يمكنك المشاركة في تغييره، أو معروفا تستطيع الأمر به أو المشاركة في قيامه.
وأما أن تكون همتك ـ أخي الكريم ـ تدعوك لأن تبلغ في العلم ما بلغ الأئمة الكبار، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وما ذلك على الله بعزيز، لكن لكل قول حقيقة، فلتكن حقيقة قولك أن تجد وتجتهد في تحصيل العلم، وصرف النفس والنفيس في العناية به، والعمل به، ثم الافتقار إلى الله تعالى في أن يبلغك مرتبة الإمامة في العلم والدين؛ فذلك مما أثنى الله تعالى به على عباده؛ فقال سبحانه في صفات عباد الرحمن:
(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) (الفرقان:٧٤)
غير أنا نحذرك من المبالغة في أحلام اليقظة، التي يكون مؤداها أن تغرق صاحبها في الخدر ساعات أو أياما، ثم لا يلبث أن يرى نفسه يراواح بين قدميه، وهو ـ بعد ـ في مكانه؛ وسرعان ما يصيبه اليأس والإحباط.
وإنما نوصيك بقول الله تعالى:
(وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (النساء:١٠٠) ونذكرك بقول النبي ﷺ للسالكين في طريقهم إلى الله تعالى:
(سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاغْدُوا وَرُوحُوا وَشَيْءٌ مِنْ الدُّلْجَةِ وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا)
رواه البخاري (٦٤٦٣) ومسلم (٢٨١٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14940
هل يترك دراسته بالأزهر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا من بلد تركمنستان خرجت من بلدي لطلب العلم، إلى مصر، والآن أنا أدرس في معاهد الأزهر، لكن في الأزهر فساد كثير وأنا لا أريد هذا. أنا أريد عقيدة صحيحة، والآن أنا أريد أسافر إلى السعودية في وقت العمرة وهذا الطريق سهل بالنسبة لي، وبعد العمرة أريد أن أبقى في السعودية بدون إقامة وأطلب العلم، وأقدم الأوراق لجامعات وأنتظر حتى يخرج نتيجة من الجامعات، هل هذا يجوز أم لا بدون إقامة في السعودية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أخي الكريم نهنئك على هذه الهمة العالية في طلب العلم ونربط على يديك ونحفزك على تعلم العقيدة الصحيحة ونصرتها، عقيدة أهل السنة والجماعة.
ثانياً:
لا نشجعك أبداً بعد تحملك عناء السفر وحصولك على فرصة الدراسة في الأزهر التي يسرها الله لك لأمر مظنون قد يحصل وقد لا يحصل.
والعاقل لا يترك شيئاً إلا لما هو خير منه، فلا تترك الخير الذي في يديك لأمر مشكوك فيه.
نعم، في الأزهر أشياء تخالف عقيدة أهل السنة والجماعة، ولكن ليس كل أساتذة الأزهر كذلك، بل فيهم من هو من أهل السنة والجماعة، فاجتهد أن تستفيد منهم، وأن تتتلمذ على أيديهم، ولو خارج المعهد والدراسة النظامية.
وهناك من الدعاة وطلبة العلم في مصر من ليسوا مدرسين ولا أساتذة في الأزهر، ولكنهم معروفون بالحرص على تعلم السنة واتباعها، فاحرص على صحبتهم وحضور مجالسهم.
ثالثاً:
لو أتيت إلى بلاد الحرمين بهذه الطريقة التي ذكرت فلن تستطيع أن تقدم أوراقك لأي جهة فضلاً عن أن تنتظر قبولاً لأنك ستكون مطارداً من الجهات الأمنية لمخالفتك لنظام الإقامة.
ويمكنك مراسلة الجامعات التي تريدها وأنت بمصر من غير أن تضيع الفرصة التي بين يديك، فإن وجدت قبولاً فتستطيع وقتها أن تقارن بين الأصلح لك، مع استخارة الله ، واستشارة بعض إخوانك وأساتذتك.
نسأل الله أن يرزقك العلم النافع والعمل الصالح.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14941
طلب العلم على كِبَر
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن طلب العلم الشرعي لمن بلغ عمره الخامسة والعشرين ولم يلتزم إلا من حوالي سنتين ونصف ولا يحفظ من القراًًن إلا ثلاثة أجزاء؟
والمراد تعلمه هو معالي العلم بطريقة منهجية كما بينه مشايخنا الأفاضل كالشيخ ابن العثيمين في كتابه العلم، وما أريده من تعلمي العلم هو رفع الجهل عن نفسي أولا وأن أعبد الله على علم، ثم أحاول أن أرفع الجهل عمن حولى.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اعلم أخي ـ وفقك الله ـ أن أعظم نعمة ينعمها الله على عبده أن يهديه من الضلال، وينقذه من الغواية، فإذا شرح الله صدر عبده لتعلم العلم الشرعي وتعليمه، فقد أبلغ في الفضل وزاد في الإكرام، فاستوجب ذلك من العبد مزيدا من الشكر لربه، والعمل بمرضاته.. ومن ذلك الاجتهاد في تحصيل العلم الموروث عن سيد الرسل ﷺ ..
وأما ما ذكرته من بلوغك سن الخامسة والعشرين؛ فأي شيء في ذلك؟!
فعليك بالاجتهاد في حفظ كتاب الله، وما تيسر من سنة رسول الله ﷺ ، والمتون العلمية النافعة، ودراسة كتب أهل العلم، وقراءتها، وملازمة الشيوخ الربانيين أصحاب الاعتقاد الصحيح والفهم المستقيم، سائراً في ذلك على المنهجية التي حث عليه العلماء من أمثال فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀، وغيره من أهل العلم والفضل.
وستجد في هذا الموقع، وفي موقع " المختار الإسلامي " زاوية خاصة متعلقة بالعلم وطلبه، فعليك بتصفحها، فستجد فيها بإذن الله إجابات كثيرة عما قد يجول في خاطرك من أسئلة حول هذا الموضوع.
واعلم بأن طريق العلم طريق طويل، لكنه يسير على من يسره الله عليه، فشد من عزمك، واستعن بربك، ولا يصدنك ما انقضى من عمرك، فلعل ما بقي خير وأبرك مما مضى بإذن الله.
واعلم أن كبار أصحاب رسول الله ﷺ ما تعلموا العلم إلا والشيب يزين مفارقهم، وقد مضى من عمرهم أكثر مما مضى من عمرك، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى صاروا سادة العلماء وأئمة الدنيا، وفيهم أسوة لكل مؤتس، كما أن أخبار العز بن عبد السلام وابن حزم وغيرهم ممن طلبوا العلم كباراً ليست عنا ببعيدة.. فاستعن بالله ولا تعجز.
سائلين الله لك التوفيق والسداد
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14942
يريد أسماء كتب متخصصة في حل مشكلات المجتمع
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد التخصص في حل مشاكل المجتمع - من الكتاب والسنة طبعاً - فما هي الكتب التي يجب دراستها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
مشكلات المجتمع كثيرة، فمنها ما يتعلق بالأزواج، وبالزوجات، وبالشباب، وبالبنات، وبالمرأة، وبالأسرة عموماً.
وقد أحسن الأخ السائل في سؤاله عن الكتب المتخصصة في حل هذه المشكلات وفق الكتاب والسنَّة؛ لأنه لا خير في حلٍّ لا يستند إلى وحي الله تعالى الذي خلق الناس ويعلم ما يصلح لهم فدلَّهم عليه، وحذَّرهم مما يضرهم.
ومن هذه الكتب التي تعتني بحل المشكلات – على تنوعها -:
١. " أثر تطبيق الشريعة الإسلامية في حل المشكلات الاجتماعية "، إبراهيم بن مبارك الجوير.
٢. " أسرة بلا مشاكل "، مازن عبد الكريم الفريح.
٣. " أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الإسلامي "، عبد الله قادري الأهدل.
٤. " واجبات المرأة المسلمة في ضوء الكتاب والسنة "، الشيخ خالد العك.
٥. " من أخطاء الزوجات "، الشيخ محمد بن إبراهيم الحمد.
٦. " تربية الأبناء والبنات في ضوء الكتاب والسنة "، الشيخ خالد العك.
٧. " التقصير في تربية الأولاد، المظاهر، سبل الوقاية، العلاج "، الشيخ محمد بن إبراهيم الحمد.
٨. " علاج الهموم "، الشيخ محمد صالح المنجد.
٩. " مشكلات وحلول "، الشيخ محمد صالح المنجد.
١٠. " أربعون نصيحة لإصلاح البيوت "، الشيخ محمد صالح المنجد.
١١. " خمسون حالة نفسية " الدكتور محمد الصغير.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14943
هل يجبُ تعلُّمُ فقهِ البيوعِ والمعاملاتِ الماليةِ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل تعلُّم فقهِ البيوعِ والمعاملاتِ الماليَّةِ واجبٌ (فرضُ عينٍ) على كل من تعاملَ بالبيعِ والشراء، كالصيادلةِ ومندوبي شركاتِ الأدوية؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا علمَ المسلمُ أن المقصدَ والغايةَ من خلقه في الحياةِ الدنيا هو الالتزامُ بتكاليفِ اللهِ وشرعِه، والتعبدُ للهِ بذلك، علمَ أيضًا أنه يجبُ عليه تعلُّمُ أحكامِ شرع الله، ومعرفةُ تكاليفِه، وذلك أن ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ.
وجاء في الحديثِ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: (طَلَبُ العِلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلَىْ كُلِّ مُسْلِمٍ) . رواه ابن ماجه (٢٢٤) وحسنه بكثرة طرقه وشواهده: المزي والزركشي والسيوطي والسخاوي والذهبي والمناوي والزرقاني، وهو في "صحيح ابن ماجه" للألباني.
وقد نصَّ أهلُ العلمِ على صحَّةِ معنى هذا الحديثِ.
قال ابنُ عبدِ البرِّ ﵀:
" ولكنَّ معناه صحيحٌ عندهم، وإن كانوا قد اختلفوا فيه اختلافًا متقاربًا " انتهى.
"جامع بيان العلم" (١/٥٣) .
وبنحوه قال النووي في "المنثورات" (ص٢٨٧) ، وابن القيم في "مفتاح دار السعادة" (١/٤٨٠) .
وقال ابن عبد البر أيضاً:
" قد أجمعَ العلماءُ على أنَّ من العلمِ ما هو فرضٌ متعيِّنٌ على كل امرئٍ في خاصَّتِه بنفسِه، ومنهُ ما هو فرضٌ على الكفاية، إذا قامَ به قائمٌ سقطَ فرضُه على أهلِ ذلك الموضع " انتهى.
"جامع بيان العلم وفضله" (١/٥٦) .
وقد بيَّنَ العلماءُ ﵏ العلمَ الواجبَ وجوبًا عينيّاً، وتكلموا في المقدارِ الذي هو فرضُ عينٍ على كل مسلمٍ تعلُّمُه , وذكروا أن منه: تعلم أحكام البيوع لمن يعمل بالتجارة , حتى لا يقع في الحرام أو الربا وهو لا يدري , وقد ورد عن بعض الصحابة ﵃ ما يؤيد ذلك.
قال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: لاْ يَبِعْ فِيْ سُوْقِنَا إِلاْ مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِيْ الدِّيْنِ. رواه الترمذي (٤٨٧) وقال: حسن غريب. وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
وقالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: مَنِ اتَّجَرَ قبلَ أَنْ يَتَفَقَّهَ ارْتَطَمَ فِيْ الرِّبَا، ثُمَّ ارْتَطَمَ، ثُمَّ ارْتَطَمَ. أي: وقع في الربا.
"مغني المحتاج" (٢/٢٢) .
قال ابنُ عبدِ البر:
" والذي يلزمُ الجميعَ فرضُه من ذلك:
ما لا يسعُ الإنسانَ جهلُه من جملةِ الفرائضِ المفترضةِ عليه:
نحو: الشهادةُ باللسانِ والإقرار بالقلبِ بأنَّ اللهَ وحدَه لا شريكَ له ... وأنَّه لم يزل بصفاتِه وأسمائِه، ليس لأوَّليتِه ابتداءٌ، ولا لآخريَّتِه انقضاءٌ، وهو على العرشِ استوى.
والشهادةُ بأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأنَّ البعثَ بعدِ الموتِ للمجازاةِ بالأعمالِ، وأنَّ القرآنَ كلامُ الله، وما فيه حقٌ.
وأنَّ الصلواتِ الخمسَ فرضٌ، ويلزمُه من علمِها علمُ ما لا تتمُّ إلا به من طهارتِها وسائرِ أحكامِها.
وأنَّ صومَ رمضانَ فرضٌ، ويلزمُه علمُ ما يُفسِدُ صومَه وما لا يتِمُّ إلا بِهِ.
وإن كان ذا مالٍ وقدرةٍ على الحجِّ، لزمَه فرضًا أن يعرفَ ما تجبُ فيه الزكاةُ، ومتى تجبُ، وفي كم تجبُ، ويلزمه أن يعلمَ بأن الحجَّ عليه فرضٌ مرةً واحدةً في دهرِه إن استطاعَ إليه سبيلًا.
إلى أشياءَ يلزمُه معرفةُ جُمَلِها، ولا يُعذَرُ بجهلِها نحوُ: تحريمِ الزنا والربا، وتحريمِ الخمرِ والخنزيرِ وأكلِ الميتةِ والأنجاسِ كلِّها، والغصبِ والشهادةِ بالزورِ وأكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ، وتحريمِ الظلمِ كلِّهِ، وتحريمِ نكاحِ الأمهاتِ والأخواتِ ومن ذُكِرَ معهنَّ، وتحريمِ قتلِ النفسِ المؤمنةِ بغيرِ حقٍ.
وما كان مثلَ هذا كلِّه مما قد نطقَ الكتابُ به، واجتمعت الأمةُ عليه " انتهى.
"جامع بيان العلم" (١/٥٧) .
وجاءَ في الموسوعةِ الفقهيةِ (٣٠/٢٩٣) :
" قال ابنُ عابدين نقلاً عن العَلاميّ:
وفرضٌ على كلِّ مكلّفٍ ومكلّفةٍ بعدَ تعلّمِه علمَ الدينِ والهدايةِ، تعلُّمُ علمِ الوضوءِ والغسلِ والصلاةِ الصومِ وعلم الزكاة لمن له نصاب، والحجّ لمن وجب عليه.
والبيوعِ على التّجّارِ ليحترزوا عن الشّبهاتِ والمكروهاتِ في سائرِ المعاملاتِ، وكذا أهلِ الحِرَفِ.
وكلُّ من اشتغلَ بشيءٍ يُفرَضُ عليه علمُه وحكمُه ليمتنعَ عن الحرامِ فيه.
وقالَ النوويُّ: وأمّا البيعُ والنّكاحُ وشبههُما - ممّا لا يجبُ أصلُه - فيحرُمُ الإقدامُ عليه إلاّ بعدَ معرفةِ شرطِه " انتهى.
وقال الغزاليُّ ﵀:
" كما أنَّه لو كان هذا المسلمُ تاجرًا وقد شاعَ في البلدِ معاملةُ الربا، وجبَ عليهِ تعلُّمُ الحذرِ من الربا، وهذا هو الحقُّ في العلمِ الذي هو فرضُ عينٍ، ومعناه العلمُ بكيفيةِ العملِ الواجب " انتهى.
"إحياء علوم الدين" (١/٣٣) .
وقالَ علي بن الحسن بن شقيق لابنِ المبارك:
ما الذي يسعُ المؤمنَ من تعليمِ العلمِ إلا أن يطلبَه؟ وما الذي يجبُ عليه أن يتعلَّمَه؟
قال: لا يسعُه أن يُقدِمَ على شيءٍ إلا بعلمٍ، ولا يسعُه حتى يسألَ.
رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١/٥٦) .
وقال الغزاليُّ ﵀:
" كلُّ عبدٍ هو في مجاري أحوالِه في يومِه وليلتِه لا يخلو من وقائعَ في عبادتِه ومعاملاتِه عن تجددِ لوازمَ عليه، فيلزمُه السؤالُ عن كلِّ ما يقعُ له من النوادرِ، ويلزمُه المبادرةُ إلى تعلُّمِ ما يَتَوَقَّعُ وقوعَه على القربِ غالبًا " انتهى.
"إحياء علوم الدين" (١/٣٤) .
والنصيحةُ لِمَن يشتغلُ بالتجارةِ والبيعِ والشراء، أن يقرأَ بعضَ الكتبِ المختصرةِ في فقهِ المعاملاتِ، مثل: "الملخص الفقهي" للشيخ صالح الفوزان , وكتاب "ما لا يسعُ التاجرَ جهلُه" للأستاذين عبد الله المصلح وصلاح الصاوي.
واللهُ أعلم
وانظر سؤال رقم (٢٠٠٩٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14944
هل يجوز له الكذب على والديه للخروج لطلب العلم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[بعد أن مَنَّ الله علي بالإسلام، أحببت أن أخرج لطلب العلم ولكن أبواي منعاني ويعارضان ذلك بشدة، فاضطررت إلي الخروج لطلب العلم في أحد البلاد المجاورة دون إذنهما، ومن ورائهما وكنت إذا تأخرت في المرواح إلى المنزل، يسألاني، فأكذب عليهم، إضافة إلى ذلك أنا أقضي يوماً كاملاً من الأسبوع خارج المنزل على اعتبار أنني أذاكر مع أحد الزملاء، وهكذا أقوم كثيراً بالكذب عليهم ... فسؤالي الأول ١- هل يجوز ذلك (أعني الكذب عليهم) لمعرفتي أن الكذب جريمة بشعة وذنب عظيم ولكنه هو الطريقة الوحيدة للاستمرار في طلب العلم ٢- ماذا أفعل إذا عرفا ما كنت أخفيه وواجهاني بالأمر، بالتأكيد سيمنعاني، فهل أنزل على رغبتهما أم أستمر في طلب العلم، علماً بأنهم قد يخرجاني من البيت إذ لم أفعل، وأنا ما زلت طالباً في كلية الطب، ولا أتقن أي عمل أشتغل به خارج المنزل طلباً للرزق فماذا أفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
طلب العلم الشرعي قربة من أعظم القربات، وعنوان على توفيق الله للعبد ومحبته له؛ لقول النبي ﷺ : (مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) رواه البخاري (٧١) ومسلم (١٠٣٧) .
وهذا العلم ينقسم إلى فرض عين؛ وإلى فرض كفاية، ففرض العين منه، ما يحتاجه المسلم لتصح عقيدته وعبادته ومعاملته.
وما عدا ذلك فهو نفل في حق الفرد، فرض كفاية على مجموع الأمة.
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: هل دراسة العلم الشرعي فرض؟
فأجابوا: "العلم الشرعي على قسمين: منه ما هو فرض على كل مسلم ومسلمة، وهو معرفة ما يصحح به الإنسان عقيدته وعبادته، وما لا يسعه جهله، كمعرفة التوحيد وضده الشرك، ومعرفة أصول الإيمان وأركان الإسلام، ومعرفة أحكام الصلاة وكيفية الوضوء والطهارة من الجنابة ونحو ذلك، وعلى هذا المعنى فُسر الحديث المشهور: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) .
والقسم الآخر: فرض كفاية، وهو معرفة سائر أبواب العلم والدين، وتفصيلات المسائل وأدلتها، فإذا قام به البعض سقط الإثم عن باقي الأمة " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١٢/٩٠) .
ثانيا:
الأصل في الكذب أنه حرام، ولا يباح إلا في حالات خاصة بينتها الشريعة، تحقيقا للمصلحة العظيمة أو دفعا للمضرة، وانظر هذه الحالات في جواب السؤال رقم (٤٧٥٦٤) .
ثالثا:
الخروج لطلب العلم بغير إذن الوالدين أو مع مخالفتهما، فيه تفصيل:
١- إن كان العلم فرضا متعينا، فلا يشترط إذن الوالدين، وإن منعاه فلا طاعة لهما في ذلك، إلا أن الكذب عظيم، وفي المعاريض مندوحة عنه، قال البخاري ﵀ في صحيحه: "باب المعاريض مندوحة عن الكذب. وقال إسحاق: سمعت أنسا: مات ابن لأبي طلحة، فقال: كيف الغلام؟ قالت أم سليم: هدأ نَفسُه، وأرجو أن يكون قد استراح. وظن أنها صادقة".
والتعريض: ضد التصريح، والمراد به التورية، والمندوحة: الفسحة والسعة.
قال الحافظ: " وشاهد الترجمة منه قول أم سليم: هدأ نَفَسُه، وأرجو أن قد استراح؛ فإن أبا طلحة فهم من ذلك أن الصبي المريض تعافى؛ لأن قولها: هدأ، بمعنى سكن. والنفَس مشعر بالنوم، والعليل إذا نام أشعر بزوال مرضه أو خفته، وأرادت هي أنه انقطع بالكلية بالموت، وذلك قولها: وأرجو أنه استراح. فهم منه أنه استراح من المرض بالعافية، ومرادها أنه استراح من نكد الدنيا وألم المرض، فهي صادقة باعتبار مرادها، وخبرُها بذلك غير مطابق للأمر الذي فهمه أبو طلحة، فمن ثَمَّ قال الراوي: وظن أنها صادقة، أي باعتبار ما فهم". انتهى من "فتح الباري" (١٠/٥٩٤) .
وقال ابن قتيبة ﵀: " فمن المعاريض قول إبراهيم الخليل ﷺ في امرأته: إنها أختي، يريد أن المؤمنين إخوة ". انتهى من "تأويل مختلف الحديث" ص ٣٥.
فلو سئلتَ عن تأخرك مثلا فلك أن تقول: إنك كنت تذاكر أو تدرس مع زميلك، فيُظن أنك تقصد مذاكرة دروس الطب، والواقع أنك تقصد الدروس الشرعية، أو أن تقول: كنت عند زميلي، وتقصد زميلك في طلب العلم، أو أنك مررت على زميلك بالفعل بعد رجوعك من درس العلم، وهذه المعاريض إنما تستعمل عند الحاجة، وأما الإكثار منها بغير حاجة فلا؛ لأن ذلك باب إلى الكذب، وسقوط الهيبة، وانعدام الثقة فيما يقوله المرء.
وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: هل طلب العلم المفروض مشترط فيه إذن الأبوين أم لا؟
فأجابوا: طلب العلم الذي يتوقف عليه صحة إيمانك وأداء الفرائض، لا يتوقف على إذن الوالدين، وما كان من العلوم فرض كفاية فاستأذن فيه الوالدين " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١٢/٧٨) .
٢- وإن كان الوالدان يمنعان من حضور حلقات العلم كراهة في العلم الشرعي، فلا إذن لهما ولا طاعة في ذلك، قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " ... وأما إذا علم كراهة الوالدين للعلم الشرعي فهؤلاء لا طاعة لهما، ولا ينبغي له أن يستأذن منهما إذا خرج؛ لأن الحامل لهما كراهة العلم الشرعي " وانظر تمام كلامه في جواب السؤال رقم (١١٥٥٨) .
٣- وإن كان الخروج لطلب العلم يستلزم السفر والغياب عنهما مع حاجتهما إليك لخدمتهما ونحو ذلك، فلابد من إذنهما؛ أما إذا كان طلب العلم في البلد التي أنت بها، ولا يحتاجان إليك فترة غيابك فلا يشترط إذنهما في ذلك.
روى الخلال عن أحمد ﵀: " أن رجلا سأله: إني أطلب العلم، وإن أمي تمنعني من ذلك، تريد حتى أشتغل في التجارة؟ قال لي: دارِها وأَرضها، ولا تدع الطلب.
وقال ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (١/٦٤٦) : "ذكر صاحب النظم: لا يطيعهما في ترك نفل مؤكدٍ، كطلب علم لا يضرهما به" انتهى.
رابعا: ينبغي أن تعلم أن طرق تحصيل العلم كثيرة، لا سيما في هذا الزمن الذي انتشرت فيه الأشرطة والاسطوانات والكتب، فمن ذلك:
١-الاستفادة من الكتب والأشرطة والشروح الموجود على الإنترنت.
٢-الاستفادة مما يعرض في بعض القنوات الفضائية، كالدروس العلمية النافعة التي تعرضها قناة المجد التعليمية.
٣-قراءة الكتب، مع سؤال أهل العلم، عن طريق الإنترنت وغيره، عما أشكل.
وانظر جواب السؤال رقم: (٢٠١٩١) ففيه بيان كيفية طلب العلم.
نسأل الله لك التوفيق والسداد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14945
هل الأذان ورعاية المسجد أفضل أم طلب العلم
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا ملتزم منذ فترة ولله الحمد، ووفقني الله تعالى أن أواظب على الصلاة في جماعة في جميع الأوقات ولما رأت إدارة المسجد هذه المواظبة أصبحت مسؤولا عن فتح وغلق المسجد وعن الأذان ولكن هناك العديد من الدروس في الفقه والتوحيد تقام في مساجد بعيدة عن مسجدنا وقال لي الإخوة إن طلب العلم أفضل من الأذان وأنا أصبحت مرتبطا بالمسجد في جميع الأوقات مع أنني أحضرت أسطوانات لهذه الدروس وأسمعها فهل الأذان أفضل أم طلب العلم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأذان والتبكير إلى الصلاة ورعاية المسجد، كل ذلك من القربات العظيمات، والأعمال الصالحات النافعات، وقد جاءت الشريعة بالحث على ذلك والترغيب فيه في أحاديث كثيرة مشهورة.
وكذلك دلت النصوص على فضل العلم وشرفه، والترغيب في طلبه.
وينبغي أن يُعلم أن العلم قد يكون فرض عين على الإنسان، وهو العلم الذي يصح به اعتقاده، وتستقيم به عبادته ومعاملته، فهذا لا يجوز التفريط فيه، ولا الانشغال عنه، لا بالأذان ولا بغيره.
ومن العلم المفروض: علم العقيدة والتوحيد إجمالا، وعلم أحكام الصلاة والصيام ومعرفة أحكام الزكاة لمن عنده مال يزكيه، وعلم أحكام الحج لمن أراد أن يحج.
ومن ذلك تعلم أحكام البيع والشراء لمن أراد أن يتعامل بذلك، وكذا أحكام النكاح والطلاق والأطعمة والأشربة وغيرها من المعاملات لم أراد الإقدام على شيء منها.
قال المناوي ﵀: (قد تباينت الأقوال وتناقضت الآراء في هذا المفروض في نحو عشرين قولا، وكل فرقة تقيم الأدلة على علمها....وأجود ما قيل قول القاضي: ما لا مندوحة عن تعلمه كمعرفة الصانع [الله ] ونبوة رسله، وكيفية الصلاة ونحوها، فإن تعلمه فرض عين) انتهى من فيض القدير ٤/٢٦٧
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: (طلب العلم الشرعي فرض كفاية إذا قام به من يكفي صار في حق الآخرين سنة، وقد يكون طلب العلم واجبا على الإنسان عينا أي فرض عين، وضابطه أن يتوقف عليه معرفة عبادة يريد فعلها أو معاملة يريد القيام بها، فإنه يجب عليه في هذه الحال أن يعرف كيف يتعبد لله بهذه العبادة وكيف يقوم بهذه المعاملة، وما عدا ذلك من العلم ففرض كفاية وينبغي لطالب العلم أن يُشْعِر نفسه أنه قائم بفرض كفاية حال طلبه ليحصل له ثواب فاعل الفرض مع التحصيل العلمي) انتهى من كتاب العلم
وقد أحسنت في إحضار أسطوانات الدروس، فإن ذلك من وسائل طلب العلم، وإن كان لا يغني عن مجالسة العلماء، والتأدب بآدابهم، وسؤالهم عما يغمض ويشكل.
والذي يظهر بالنسبة لحالك في مقام المفاضلة بين الأذان ورعاية المسجد، وبين طلب العلم غير المفروض عينا: أن تحاول الجمع بين الخيرين، فتواظب على بعض الدروس، وتستمر في رعاية المسجد، وتعتمد فيما فاتك من الدروس على الأسطوانات، مع سؤال أهل العلم عما أشكل فيها، فإن لم ترض إدارة المسجد بغيابك بعض الأوقات، فتفرغ لطلب العلم، فإنه الشرف والرفعة في الدنيا والآخرة، لاسيما وأن المسجد والأذان لن يعدم من يقوم عليه على وجهه، أما العلم فإن المقبلين عليه بحرص وجدٍّ قليلون.
قال ابن القيم ﵀ في بيان فضل العلم: (الوجه الثامن والمائة: أن كثيرا من الأئمة صرحوا بأن أفضل الأعمال بعد الفرائض طلب العلم، فقال الشافعي: ليس شيء بعد الفرائض أفضل من طلب العلم، وهذا الذي ذكر أصحابه عنه أنه مذهبه، وكذلك قال سفيان الثوري وحكاه الحنفية عن أبي حنيفة، وأما الإمام أحمد، فحُكي عنه ثلاث روايات:
إحداهن أنه العلم، فإنه قيل له أي شيء أحب إليك، أجلس بالليل أنسخ أو أصلي تطوعا؟ قال: نسخك تعلم به أمور دينك، فهو أحب إلي، وذكر الخلال عنه في كتاب العلم نصوصا كثيرة في تفضيل العلم، ومن كلامه فيه: الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب.
الرواية الثانية: أن أفضل الأعمال بعد الفرائض صلاة التطوع، واحتج لهذه الرواية بقوله: " واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة "
وبقوله في حديث أبي ذر وقد سأله عن الصلاة فقال: " خير موضوع " وبأنه أوصى من سأله مرافقته في الجنة بكثرة السجود وهو الصلاة، وكذلك قوله في الحديث الآخر: "عليك بكثرة السجود فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة" وبالأحاديث الدالة على تفضيل الصلاة.
والرواية الثالثة: أنه الجهاد فإنه قال: لا أعدل بالجهاد شيئا من ذا يطيقه، ولا ريب أن أكثر الأحاديث في الصلاة والجهاد.
وأما مالك فقال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: إن أقواما ابتغوا العبادة وأضاعوا العلم فخرجوا على أمة محمد بأسيافهم، ولو ابتغوا العلم لحجزهم عن ذلك. قال مالك: وكتب أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب أنه قرأ القرآن عندنا عدد كذا وكذا فكتب إليه عمر أن افرض لهم من بيت المال، فلما كان في العام الثاني كتب إليه أنه قد قرأ القرآن عندنا عدد كثير لأكثر من ذلك، فكتب إليه عمر أن امحُهم من الديوان فإني أخاف من أن يسرع الناس في القرآن أن لا يتفقهوا في الدين فيتأولوه على غير تأويله. وقال ابن وهب: كنت بين يدي مالك بن أنس فوضعت ألواحي وقمت إلى الصلاة، فقال: ما الذي قمت إليه بأفضل من الذي تركته) انتهى من مفتاح دار السعادة ١/١١٩
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14946
السفر لطلب العلم بدون إذن الأبوين
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز لي السفر لبلد آخر لطلب العلم الشرعي دون إذنهما؟ وماذا إذا لم يسمحا لي بالذهاب؟ قرأت أن الإمام أحمد لا يرى بأساً في هذا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
طلب العلم إذا كان هذا العلم فرضا فلا يشترط إذنهما، أما إذا كان نفلا فلا بد من إذنهما.
روى مسلم (٢٥٤٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أقبل رجل إلى نبي الله ﷺ ، فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله. قال: فهل من والديك أحد حي؟ قال: نعم، بل كلاهما. قال: فتبتغي الأجر من الله؟ قال: نعم. قال: فارجع إلى والديك، فأحسن صحبتهما.
وطلب العلم نوع من أنواع الجهاد، فلا يجوز النفل منه إذا كان يقتضي السفر عنهما إلا بإذنهما.
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية (٢/٣٥-٣٦) :
وأما من خرج يبتغي علما فلا بد له من الخروج بإذن الأبوين؛ لأنه فضيلة فالنوافل لا تُبتغى إلا بإذن الآباء.
وقال المروذي لأبي عبد الله (أي الإمام أحمد) : الرجل يطلب العلم ويستأذن والدته، فتأذن له، وهو يعلم أن المقام أحب إليها؟ قال: إذا كان جاهلا لا يدري كيف يُطلق ولا يصلي، فطلب العلم أحب إلي، وإن كان قد عرف فالمقام عليها أحب إلي.
وروى الخلال عنه أن رجلا سأله: إني أطلب العلم، وإن أمي تمنعني من ذلك، تريد حتى أشتغل في التجارة؟ , قال لي: دارها وأرضها، ولا تدع الطلب.
وقال له: رجل غريب عن بلده طلب العلم أحب إليك أم أرجع إلى أمي؟ فقال له: إذا كان طلب العلم مما لا بد أن تطلبه فلا بأس.
وسأله رجل: قدمت الساعة وليس أدري شيئا ما تأمرني؟ فقال أبو عبد الله: عليك بالعلم.
وقال إسحاق بن إبراهيم: سألت أبا عبد الله عن الرجل يكون له أبوان موسران يريد طلب الحديث ولا يأذنان له قال: يطلب منه بقدر ما ينفعه , العلم لا يعدله شيء." أهـ
وقد تبين مما سبق ما هو المراد من كلام الإمام أحمد. وهو: إذا كان العلم فرضاً فلا يشترط إذن الوالدين، وإذا كان نفلاً فلا بد من إذنهما.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14947
الصابوني وكتابه " صفوة التفاسير "
[السُّؤَالُ]
ـ[ما رأي فضيلتكم في كتاب " صفوة التفاسير " للشيخ الصابوني , حيث إن بعض الشباب الملتزمين يعيبون علينا قراءة هذا الكتاب , ويقولون بأن عقيدة الشيخ الصابوني معتزلية أو أشعرية، وتفسيره للقرآن كذلك , وحيث إني لا علم لي بهذا الشيخ فصرت أقرأ في هذا الكتاب لبساطتهِ ومنهجه الجذاب، فما رأيكم في هذا الكتاب وفي مؤلفه؟ وما الكتب التي توصون بها التي تهم كل مسلم (غير مختص بالعلوم الشرعية) في عقيدته وحياته من عبادات ومعاملات.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الأستاذ محمد علي الصابوني , من أساتذة كلية الشريعة بمكة المكرمة، كان له نشاط في علوم القرآن والتفسير, ومن ثم قام بتأليف عدة كتب في التفسير وعلوم القرآن , أكثرها مختصرات , كـ " مختصر تفسير ابن كثير " , و " مختصر تفسير الطبري " , و " التبيان في علوم القرآن " , و " روائع البيان في تفسير آيات الأحكام " , و " قبس من نور القرآن " , و " صفوة التفاسير " , وهو الكتاب الذي نحن بصدده.
وهو تفسير موجز , قال عنه مؤلفه: إنه شامل، جامع بين المأثور والمعقول , مستمد من أوثق التفاسير المعروفة كالطبري والكشاف! وابن كثير والبحر المحيط! وروح المعاني , في أسلوب ميسر سهل التناول , مع العناية بالوجوه البيانية واللغوية.
وقال في المقدمة:
وقد أسميت كتابي " صفوة التفاسير " , وذلك لأنه جامع لعيون ما في التفاسير الكبيرة المفصلة , مع الاختصار والترتيب , والوضوح والبيان.
طبع الكتاب في ثلاث مجلدات , وكان تاريخ التأليف سنة (١٤٠٠ هـ) .
أما من حيث اعتقاد المؤلِّف فهو أشعري الاعتقاد، وهو ما جعل كتبه واختصاراته عرضة للنقد والرد، بل جعله هذا يبتر بعض نصوص الأحاديث، ويحرف بعض النقول عن العلماء كما سيأتي.
قال الشيخ سفر الحوالي:
أما الصابوني فلا يؤسفني أن أقول إن ما كتبه عن عقيدة السلف والأشاعرة يفتقر إلى أساسيات بدائية لكل باحث في العقيدة، كما أن أسلوبه بعيد كثيراً عن المنهج العلمي الموثق وعن الأسلوب المتعقل الرصين.
" منهج الأشاعرة في العقيدة " (ص ٢) .
وقد رد عليه كثير من أهل العلم مثل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ والشيخ الألباني ﵀ والشيخ صالح الفوزان والشيخ بكر أبو زيد والشيخ محمد جميل زينو وغيرهم.
وأما كتابه " صفوة التفاسير " فهو من أكثر كتبه التي ردَّ عليها العلماء، وهذه قائمة بأسماء بعض من ردَّ عليه مع ذِكر أسماء كتبهم:
١. " الرد على أخطاء محمد علي الصابوني في كتابه " صفوة التفاسير " و " مختصر تفسير ابن جرير "، للشيخ محمد جميل زينو – مدرس التفسير في دار الحديث في مكة -.
٢. " تنبيهات هامة على كتاب " صفوة التفاسير " "، للشيخ محمد جميل زينو.
٣. " ملاحظات على كتاب " صفوة التفسير " " للشيخ سعد ظلَاّم – عميد كلية اللغة العربية في مصر -.
٤. " ملاحظات على صفوة التفاسير " للشيخ عبد الله بن جبرين.
٥. " ملاحظات عامة على كتاب " صفوة التفاسير " " للشيخ صالح الفوزان.
٦. " التحذير من مختصرات الصابوني في التفسير " للشيخ بكر أبو زيد، وهو ضمن كتابه الكبير " الردود ".
وهذه الردود والتعقبات دفعت وزارة الأوقاف في المملكة العربية السعودية أن تمنع تداول الكتاب وتأمر بمصادرته، وذلك في: " تعميم وزارة الحج والأوقاف برقم ٩٤٥ / ٢ / ص، في ١٦ / ٤ / ١٤٠٨ هـ من المديرية العامة للأوقاف والمساجد في منطقة الرياض المتضمن مصادرة " صفوة التفاسير " وعدم توزيعه حتى يصلح ما فيه من أخطاء عقدية.
قال الشيخ بكر أبو زيد:
" صفوة التفاسير " اسم فيه تغرير وتلبيس، فأنَّى له الصفاء وهو مبني على الخلط بين التبر والتبن، إذ مزج بين تفسيري ابن جرير وابن كثير السلفييْن، وتفسير الزمخشري المعتزلي، والرضي الرافضي، والطبرسي الرافضي، والرازي الأشعري، والصاوي الأشعري القبوري المتعصب، وغيرهم، ولا سيما وهذا المزج على يد من لا يعرف الصنعة ولا يتقنها كهذا الذي تسوَّر هذا الصرح بلا سلَّم، وإلا فإن أهل العلم يستفيدون من المفسرين المتميزين بما لا يخرج عن الجادة: مسلك السلف، وضوابط التفسير، وسَنن لسان العرب.
" الردود " (ص ٣١١) .
وقال:
فيفيد وصفه بالجهل أنه: يصحح الضعاف، ويضعِّف الصحاح، ويعزو أحاديث كثيرة إلى الصحيحين، أو السنن الأربعة أو غيرها وليس في الصحيحين – مثلاً – أو ليس في بعضها، ويحتج بالإسرائيليات، ويتناقض في الأحكام.
ويفيد وصفه بالإخلال بالأمانة العلمية: بتر النقول، وتقويل العالم ما لم يقله، وتحريف جمع من النصوص والأقوال، وتقريره مذهب الخلَف في كتب السلف.
ويفيد خَلْفيته في الاعتقاد: مسخه لعقيدة السلف في مواضع من تفسير ابن جرير، وتفسير ابن كثير، وبأكثر في " صفوة التفاسير "، وما تحريفه لعدد من النصوص إلا ليبرر هذه الغاية.
" الردود " (ص ٣١٣، ٣١٤) .
وقد نصحه الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀ – قائلاً:
نوصيك بتقوى لله، والحرص التام على التقيد بمذهب السلف الصالح في جميع مؤلفاتك، ونوصيك أيضاً بالإكثار من تدبر القرآن الكريم، والسنَّة المطهرة، وكلام سلف الأمَّة، والاستفادة مما كتبه الإمام العلَاّمة شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلَاّمة ابن القيم، ونوصيك بمطالعة رسالتيْ " التدمرية " و " الحموية " لشيخ الإسلام، و " الصواعق " و " اجتماع الجيوش الإسلاميَّة " لابن القيم، وغيرها من كتب السلف.
" الردود " (ص ٣٧٥) .
ثانياً:
أما ما أردت بيانه من الكتب التي يحتاجها المسلم في حياته: فيمكنك الاطلاع على السؤال: (١٤٠٨٢) ففيه بيان ما أردت وزيادة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14948
المرأة وطلب العلم
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا امرأة مسلمة بالغة وأريد أن أتبع الحياة الإسلامية السليمة في أدق الأشياء وأحاول أن أجد المعرفة بطرق شتى ولكن أشعر أنه لا بد أن يكون هناك طريق محدد للعلم ليكون لدي فكرة طيبة عن القرآن والسنة ولا أستطيع أن أذهب إلى مدرسة لأنه ليست هناك مدارس قريبة مني وأريد أن أدعو إلى الإسلام لكن ليس في موضوعات محددة. فهل هناك نظام دراسي محدد لاكتساب هذه المعرفة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نشكر الأخت السائلة حرصها على طلب العلم والدعوة إلى الله، ونسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وأن يجعلنا هداة مهتدين، ولابد لمن يدعو إلى الله أن يتسلح بالعلم، قال الله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) يوسف / ١٠٨
وقد يسَّر الله تعالى في هذا الزمان طرقاً كثيرة لطلب العلم دون عناء ولا حتى خروج من البيت، وذلك عن طريق أشرطة (الكاسيت) و (الكمبيوتر) و (الإنترنت) .
ولا بدَّ للمرأة – بل وللرجل – أن تسلك طرق العلم مبتدأة بالسهل اليسير قبل الدخول في الأمور الصعبة، ولا بدَّ من الاعتدال في طلب العلم فلا يكلف نفس ما يشق عليها حتى لا تدخل السآمة في النفس.
وإننا ننصح الأخت السائلة بما يلي:
الإخلاص لله تعالى في طلب العلم – بل وفي كل الأمور – وأن تنوي بطلبها رفع الجهل عن نفسها وعن غيرها والتقرب إلى الله قبل ذلك بهذه العبادة، وأن لا ترائي الناس بعلمها ولا تماري السفهاء به.
أن تحفظ شيئاً من القرآن، وهذا لا يتم إلا بعمل برنامج يومي تلتزم فيه بحفظ قدر معين ولا بأس أن يكون قليلاً ولا تتجاوزه حتى لو وجدت وقتاً ونشاطاً، فالقليل الدائم خير من الكثير المنقطع.
أن تقرأ المختصرات في كل علم، وتدع المطولات إلى حينها، ففي كل علم تقريباً كتب يمكن أن تتدرج فيه على مراحل تبدأ من المختصرات وتنتهي بالشروح المطولات.
أن تحرص على حفظ هذه المتون إن استطاعت، فإن الحافظ للدليل سواء من القرآن أو السنة، والحافظ لمتون العلم يسلك الطريق الصحيح في الطلب، وقد قال العلماء " من حفظ المتون حاز على الفنون ".
أن تحرص على اقتناء شروح لهذه الكتب، والأفضل أن تكون مسموعة، ونوصي الأخت السائلة وكل مسلم بشروح الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، فإنه ما ترك فنّاً إلا وشرحه في أشرطة يسهل الحصول عليها وهي موجودة الآن بموقعه على الإنترنت.
أن تبحث في أخواتها عمن يعينها على طلب العلم، فتقرأ معها وتدارسها.
وكما جعلت للقرآن وقتاً معيناً فلتجعل لباقي العلوم الأمر نفسه، فتقرأ في التوحيد جزءً يسيراً وكذا في الحديث والفقه وباقي العلوم.
ولتستعن بالله تعالى في طلبها ودعوتها إلى الله، فإن التوكل عليه سبحانه مع بذل الأسباب ودعاءه سبحانه بأن ييسر الأمور ويسهلها من أعظم الطرق النافعة التي توصل الإنسان إلى ما يريد ولا يمنعك الحياء من طلب العلم والسؤال.
قال بعض السلف " لا يطلب العلم مستحٍ ولا متكبر "، فلا ينبغي أن يمنعك الحياء من السؤال عن الشرع، كما أن الكِبر ضار لصاحبه في الدنيا والآخرة، ومن ضرره الدنيوي أنه يمنع صاحبه من السؤال والتعلم.
وأما تحديد الكتب والمنهج الذي يسير عليه طالب العلم فيراجع سؤال رقم (١٤٠٨٢) فإن به مجموعة من الكتب التي ينبغي لطالب العلم دراستها وكذلك سؤال رقم (٢٠١٩١)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14949
تريد معرفة العلم والعمل
[السُّؤَالُ]
ـ[إننا بصفتنا مسلمين علينا العمل بكتاب الله وسنَّة نبيِّنا محمَّدٍ ﵊، وأنا إن شاء الله حريصة لذلك لمرضاة الله، وقد ظهرت فتن واختلطت الإفتاءات.
المهم، أسأل كيف أعلم وسيلة العمل بكتاب الله وسنَّة نبيِّه عليه الصلاة السلام.
أريد العمل بما أنزل الله وما أمر وأسأل كيف ذلك إن شاء الله؟ .
وكيف أجد الأحكام والأوامر؟
وأنا الحمد لله أقرأ القرآن وكتب السيرة والأحاديث فهل من شيء يفهمني أحكام الله وسننه ونواهيه وما إلى ذلك من الكتاب والسنَّة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن أوامر الله تعالى ونواهيه موجودان في كتاب الله تعالى وسنَّة نبيِّه ﷺ ، وقد بيَّن ذلك العلماء في كتبهم سواء الحديثية أو الفقهية.
وقد جمع بعض العلماء كتباً خاصَّة في " آيات الأحكام "، وآخرون جمعوا كتباً في " أحاديث الأحكام "، ثم تتابعت الشروحات لهذه الكتب وهذه المتون فكان منها " أحكام القرآن " للجصاص، و " نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار " و " سبل السلام شرح بلوغ المرام "، و " إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ".
فيستطيع المسلم الوصول لأحكام الله تعالى وأوامره ونواهيه عن طريقين:
الأول: الكتب الموثوق بها.
ويمكنكم مراجعة الأسئلة التالية ففيها زيادة بيان في أسماء الكتب الموثوقة: (١٤٠٨٢) ، (٢٠١٩١) .
والثاني: العلماء الموثوق بهم.
قال الشيخ ابن عثيمين:
ولنيل العلم طريقان:
أحدهما: أن يتلقى ذلك من الكتب الموثوق بها، والتي ألَّفها علماء معروفون بعلمهم، وأمانتهم، وسلامة عقيدتهم من البدع والخرافات ...
الثاني: أن تتلقى ذلك من معلم موثوق في علمه ودينه، وهذا الطريق أسرع وأتقن للعلم؛ لأن الطريق الأول قد يضل فيه الطالب وهو لا يدري، إما لسوء فهمه، أو قصور علمه، أو لغير ذلك من الأسباب ... وإذا جمع الطالب بين الطريقين: كان ذلك أكمل وأتم، وليبدأ الطالب بالأهم فالأهم، وبمختصرات العلوم قبل مطولاتها، حتى يكون مترقيّاً من درجة إلى درجة أخرى، فلا يصعد درجة حتى يتمكن من التي قبلها، حتى يكون صعوده سليماً.
" كتاب العلم " (ص ٦٤، ٦٥) .
وأما العمل بما أنزل الله: فلا يمكن أن يكون قبل العلم بما أنزل الله، فعلى المسلم أن يحرص على العلم ثم إذا علم فعليه أن يعمل بما علمه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
قال أبوعبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يُقرئوننا القرآن: عثمان بن عثمان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلَّموا من النَّبي ﷺ عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلَّمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً.
وقال الحسن البصري: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم في ماذا نزلت وماذا عنى بها.
وقد قال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ ، وتدبر الكلام إنما يُنتفع به إذا فُهم، وقال: ﴿إنَّا جعلناه قرآناً عربيّاً لعلكم تعقلون﴾ ، فالرسل تبيِّن للناس ما أنزل إليهم من ربهم، وعليهم أن يبلغوا الناس البلاغ المبين، والمطلوب من الناس أن يعقلوا ما بلغه الرسل، والعقل يتضمن العلم والعمل، فمن عرف الخير والشر فلم يتبع الخير ويحذر الشر: لم يكن عاقلاً، ولهذا لا يعدُّ عاقلاً إلا من فعل ما ينفعه واجتنب ما يضره، فالمجنون الذي لا يفرق بين هذا وهذا قد يلقي نفسه في المهالك، وقد يفر مما ينفعه.
" مجموع الفتاوى " (١٥ / ١٠٨) .
والعمل بما أنزل الله يكون بالوقوف على الأوامر وتنفيذها، وعلى النواهي والابتعاد عنها، وعلى القصص والأخبار وتصديقها والاعتبار بما فيها من عظات وعبَر.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 14950
هل الخلاف معتبر في تارك الصلاة والحكم بغير ما انزل الله
[السُّؤَالُ]
ـ[أعرف أن هناك خلافاً بين السلف على مسائل مثل حكم تارك الصلاة أو الحاكم بغير ما أنزل الله. فهل هذا خلاف معتبر؟ من هم الذين اختلفوا في هذين الأمرين من السلف؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الخلاف في حكم تارك الصلاة موجودٌ بين المذاهب الإسلامية المعتبرة، وهو خاصٌ بمن يُقر بوجوبها، أمَّا من ينكر وجوبها فهو كافرٌ قطعاً، وجمهور السلف من الصحابة والتابعين على كفر تارك الصلاة للنصوص الصريحة الصحيحة في ذلك، وانتشر الخلاف بعدهم، والمرجَّح عند أهل التحقيق من العلماء أن تارك الصلاة كافرٌ كفراً أكبر مخرج من الملة، وهو المفتى به الآن.
والحكم بغير ما أنزل الله مع الاعتراف بأن حكم الله أكمل وأشمل، وأنفع للناس من غيره، قال جمعٌ من أهل العلم بأنه كفرٌ دون كفر، وأمَّا تفضيل القوانين الوضعية وتقديمها على شرع الله، واعتقاد أن شرع الله لا يناسب هذا الزمان مثلا ً، فإنه كفرٌ أكبر مخرج عن الملة، والخلاف بين العلماء فيمن حكم بغير ما أنزل الله مع اعتقاد أنَّّ شرع الله أكمل وأصلح، هل هو كافرٌ كفراً أكبر أو دون كفر، لأنَّ الله وصف من حكم بغير ما أنزل الله بأوصاف مختلفة، فمرَّة قال: فأولئك هم الكافرون، ومرَّة قال: هم الفاسقون، ومرَّة قال: هم الظالمون، فإما أن تنزل على أنواع من حكم بغير ما أنزل الله، وإما أن يكون معناها واحد لأن الكافر فاسقٌ ظالم. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الكريم الخضير
следующие страницы →