← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 14981–15020 · переход к 14986.

стр. 14981

هدي النبي ﷺ في البيع والشراء [السُّؤَالُ] ـ[أرغب في معرفة السنَّة في التجارة , كيف كان النبي ﷺ يتاجر، ويصف السلَع، ويتبادلها، ويعيدها ... الخ]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يمكن تلخيص هدي النبي ﷺ في التجارة، والبيع، والشراء فيما يلي: ١. عمل النبي ﷺ بالتجارة قبل البعثة مع عمه أبي طالب؛ وعمل لخديجة كذلك، وسافر لذلك إلى بلاد الشام , وكان أيضا يتاجر في الأسواق؛ فمجنة، وعكاظ: كانت أسواقاً في الجاهلية، وكان التجار يقصدونها للبيع، والشراء. ٢. وكان النبي ﷺ يباشر البيع بنفسه، كما سيأتي في حديث جمل عمر، وجمل جابر ﵄، أو يُوكل ذلك إلى أحدٍ من أصحابه، كما في عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ الْبَارِقِيِّ قَالَ: أَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ دِينَاراً يَشْتَرِي بِهِ أُضْحِيَةً - أَوْ شَاةً - فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ. رواه الترمذي (١٢٥٨) وأبو داود (٣٣٨٤) وابن ماجه (٢٤٠٢) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". ٣. كان ﷺ يأمر التجار بالبرِّ، والصدق، والصدقة. أ٠ عن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) . رواه البخاري (١٩٧٣) ومسلم (١٥٣٢) . ب. عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى، فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ) ، فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ فَقَالَ: (إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّاراً، إِلَاّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ) . رواه الترمذي (١٢١٠) وابن ماجه (٢١٤٦) ، وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (١٧٨٥) . ج. وعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ قال: كان ﷺ يقول: (يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلِفُ، فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ) . رواه الترمذي (١٢٠٨) وأبو داود (٣٣٢٦) والنسائي (٣٧٩٧) وابن ماجه (٢١٤٥) ، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود". ٤. وكان ﷺ يأمر بالسماحة، واليسر، في البيع والشراء. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى) . البخاري (١٩٧٠) قال ابن حجر ﵀: وفيه الحض على السماحة في المعاملة , واستعمال معالي الأخلاق , وترك المشاحة , والحض على ترك التضييق على الناس في المطالبة، وأخذ العفو منهم. " فتح الباري " (٤ / ٣٠٧) . ومن صور سماحته ﷺ : أ. عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ لِعُمَرَ، فَكَانَ يَغْلِبُنِي فَيَتَقَدَّمُ أَمَامَ الْقَوْمِ، فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: (بِِعْنِِيهِِ) قَالَ: هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (بِعْنِيهِ) فَبَاعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ) . رواه البخاري (٢٦١٠) . ب. وعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ قَالَ: فَلَحِقَنِى النَّبِيُّ ﷺ فَدَعَا لِي وَضَرَبَهُ فَسَارَ سَيْرا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ قَالَ: (بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ) قُلْتُ: لَا، ثُمَّ قَالَ: (بِعْنِيهِ) ، فَبِعْتُهُ بِوُقِيَّةٍ وَاسْتَثْنَيْتُ عَلَيْهِ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ ثُمَّ رَجَعْتُ فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِى فَقَالَ: (أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ فَهُوَ لَكَ) . رواه البخاري (١٩٩١) ومسلم (٧١٥) - واللفظ له -. ٥. وكان ﷺ يحسن أداء الحقوق لأهلها، ويحث عليه. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِي ﷺ سِنٌّ مِنَ الإِبِلِ فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ فَقَالَ: (أَعْطُوهُ) ، فَطَلَبُوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَاّ سِنًّا فَوْقَهَا، فَقَالَ (أَعْطُوهُ) ، فَقَالَ: أَوْفَيْتَنِي أَوْفَى اللَّهُ بِكَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) . رواه البخاري (٢١٨٢) ومسلم (١٦٠١) . ٨. وكان ﷺ يحث على إقالة النادم. عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ أَقَالَ مُسْلِماً أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . رواه أبو داود (٣٤٦٠) وابن ماجه (٢١٩٩) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". والإقالة: هي المسامحة، والتراجع عن البيع، أو الشراء، وتدل على كرمٍ في النفس. " وصُورَة إِقَالَة الْبَيْع: إِذَا اِشْتَرَى أَحَد شَيْئًا مِنْ رَجُل ثُمَّ نَدِمَ عَلَى اِشْتِرَائِهِ، إِمَّا لِظُهُورِ الْغَبْن فِيهِ أَوْ لِزَوَالِ حَاجَته إِلَيْهِ، أَوْ لِانْعِدَامِ الثَّمَن: فَرَدَّ الْمَبِيع عَلَى الْبَائِع، وَقَبِلَ الْبَائِع رَدَّهُ: أَزَالَ اللَّه مَشَقَّته وَعَثْرَته يَوْم الْقِيَامَة، لِأَنَّهُ إِحْسَان مِنْهُ عَلَى الْمُشْتَرِي , لِأَنَّ الْبَيْع كَانَ قَدْ بَتَّ فَلَا يَسْتَطِيع الْمُشْتَرِي فَسْخه " انتهى. من "عون المعبود". ٦. وكان ﷺ يساوم في الشراء، ولا يبخس الناس بضاعتهم، كما مر معنا في حديث جمل جابر. وعن سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: جَلَبْتُ أَنَا وَمَخْرَمَةُ الْعَبْدِيُّ بَزًّا مِنْ " هَجَرَ " فَأَتَيْنَا بِهِ مَكَّةَ، فَجَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي، فَسَاوَمَنَا بِسَرَاوِيلَ، فَبِعْنَاهُ. رواه الترمذي (١٣٠٥) وقال: حسن صحيح، وأبو داود (٣٣٣٦) والنسائي (٤٥٩٢) وابن ماجه (٢٢٢٠) . ٧. وكان ﷺ يأمر برجحان الوزن. عن سُوَيْد بْنِ قَيْسٍ قَالَ: (رأى) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً يَزِنُ بِالأَجْرِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (زِنْ وَأَرْجِحْ) . وهو تتمة الحديث السابق. ٨. وكان ﷺ يأمر بإنظار المعسر، والحط عنه. عن أبي اليسر ﵁ قال: قال ﷺ : (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ) . رواه مسلم (٣٠٠٦) . ٩. وكان ﷺ ينهى عن التعامل بالربا، وبيع الغرر، وبيع العِينة، والتجارة بالمحرمات , وعن الغش والخداع. والأدلة على ذلك كثيرة، ومشتهرة. وليس عندنا تفاصيل بيعه وشرائه في كل معاملاته التجارية ﷺ ؛ فقد كانت تجارته في الجاهلية، ولم يكن نبيّاً حتى تُنقل تصرفاته من أصحابه، وما نُقِلَ عن سنَّته ﷺ كافٍ إن شاء الله. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14982

المآخذ على كتاب " مرآة الزمان ". [السُّؤَالُ] ـ[ما رأيكم في كتاب (مرآة الزمان في تاريخ الأعيان) تصنيف سبط ابن الجوزي، لما وجدت فيه من قصص للأنبياء، فيها إسرائيليات؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله: كتاب " مرآة الزمان في تاريخ الأعيان " هو من تأليف أبي المظفر شمس الدين يوسف بن الأمير حسام الدين قِزُغْلِي، المعروف بسبط ابن الجوزي. ولد ونشأ ببغداد، ورباه جده أبو الفرج ابن الجوزي، وانتقل إلى دمشق فاستوطنها، وتوفي فيها سنة (٦٥٤) هـ. وهذا الكتاب تحدث فيه مؤلفه عن تاريخ البشرية، منذ بدء الخليقة وابتداء العالم وحتى حتى وفاته سنة ٦٥٤هـ، ورتبه على السنين. وقد اهتم بعض العلماء بهذا الكتاب ورفع من شانه حتى قال بعضهم بعد أن ذكر كتب التواريخ: " فرأيت أجمعها مقصداً، وأعذبها مورداً، وأحسنها بياناً، وأصحها روايةً، تكاد جنة ثمرها تكون عياناً: مرآة الزمان ". نقله ابن حجر في " لسان الميزان " (٦/٣٢٨) . وقال ابن كثير: " له مرآة الزمان في عشرين مجلداً، من أحسن التواريخ.. ومن أبهج التواريخ ". انتهى " البداية والنهاية" (١٣/١٩٤) . ومع ذلك فالكتاب لا يخلو من وجود بعض الملاحظات عليه، ومن أهمها: إيراد الأحاديث والأخبار الضعيفة والموضوعة، والحكايات المنكرة والمستبشعة، وذكر بعض المثالب في الصحابة والخلفاء الراشدين. قال الحافظ الذهبي: " وألف كتاب مرآة الزمان، فتراه يأتي فيه بمناكير الحكايات، وما أظنه بثقة فيما ينقله، بل يجنف ويجازف، ثم إنه ترفض ". انتهى "ميزان الاعتدال" (٤/ ٤٧١) . وقال عنه في " تاريخ الإسلام " (حوادث عام ٥٩٧) : " كثير الحَشَف والمجازفة ". (٤٢/٣٨) . وأنه " إنه خسَّاف، مجازف، لا يتورَّع في مقاله ". انتهى من "تاريخ الإسلام" (حوادث عام ٥٨١) . (٥٤/٤٠٥) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " فهذا الرجل يذكر في مصنَّفاته أنواعاً من الغثِّ والسمين، ويحتجُّ في أغراضه بأحاديث كثيرةٍ ضعيفةٍ وموضوعة. وكان يصنِّفُ بحسبِ مقاصد الناس، يصنِّف للشيعة ما يناسبهم، ليعوِّضوه بذلك، ويصنِّف على مذهب أبي حنيفة لبعض الملوك، لينال بذلك أغراضه. فكانت طريقته طريقة الواعظ الذي قيل له: ما مذهبك؟ قال: في أي مدينةٍ؟ ولهذا يوجدُ في كتبه ثلبُ الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم؛ لأجل مداهنة من قصد بذلك من الشيعة، ويوجد في بعضها تعظيم الخلفاء الراشدين وغيرهم ". انتهى " منهاج السنة النبوية " (٤/ ٩٨) . وإذا كانت هذه حال الكتاب وصاحبه، فينبغي الحذر من التسليم بما فيه، وأن يكون المطالعة فيه للمتخصص القادر على مراجعة غيره من التواريخ، واعتبار ما فيه بمقياس الخطأ والصواب. وبالإمكان الرجوع إلى كتب التواريخ المعتمدة، مثل: الكامل في التاريخ لابن الأثير، والبداية والنهاية، للحافظ ابن كثير ﵀، والعبر وتاريخ الإسلام، ونحوها، للحافظ الذهبي ﵀. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14983

هل تزوج نبي الله يوسف ﵇ ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل تزوج نبي الله يوسف وخلف الأبناء؟ وهل كان من بينهم أنبياء؟ وهل من دليل على ذلك في القرآن أو السنة؟ لأن الكثير من الناس يقولون أن زليخة امرأة العزيز أسلمت، فأرجع الله لها شبابها، وزوجها نبيه يوسف، فهل هذا صحيح؟ بارك الله فيكم]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ينقل المؤرخون والمفسرون أن يوسف ﵇ تزوج من امرأة العزيز التي راودته عن نفسه، وذلك بعد توبتها، وذكروا كذلك أنه أنجب منها ولدين اثنين. قال محمد بن إسحاق ﵀: " لما قال يوسف للملك: (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) قال الملك: قد فعلت! فولاه فيما يذكرون عمل إطفير، وعزل إطفير عما كان عليه، يقول الله: (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء) ، الآية. قال: فذكر لي - والله أعلم - أن إطفير هَلَك في تلك الليالي، وأن الملك الرَّيان بن الوليد، زوَّج يوسف امرأة إطفير " راعيل "، وأنها حين دخلت عليه قال: أليس هذا خيرًا مما كنت تريدين؟ قال: فيزعمون أنها قالت: أيُّها الصديق، لا تلمني، فإني كنت امرأة كما ترى حسنًا وجمالا، ناعمةً في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنتَ كما جعلكَ الله في حسنك وهيئتك، فغلبتني نفسي على ما رأيت. فيزعمون أنه وجدَها عذراء، فأصابها، فولدت له رجلين: أفرائيم بن يوسف، وميشا بن يوسف، وولد لأفرائيم نون، والد يوشع بن نون، ورحمة امرأة أيوب ﵇. " انتهى. رواه ابن أبي حاتم في " التفسير " (٧/٢١٦١) ، والطبري في " جامع البيان " (١٦/١٥١) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق به. وورد نحوه عن زيد بن أسلم التابعي الجليل، وعن وهب بن منبه المعروف بالرواية عن الإسرائيليات. نقل ذلك السيوطي في " الدر المنثور " (٤/٥٥٣) ولما كانت حكاية محمد بن إسحاق من القصص التاريخية القديمة، ولا يعرف لها إسناد متصل، ويغلب على الظن أنها مأخوذة عن علماء أهل الكتاب، لم يكن لنا أن نصدقها ولا أن نكذبها كذلك، وإنما نوردها على سبيل الحكاية السردية المجردة، مفوضين العلم بحقيقتها إلى الله . على أننا ننبه إلى أن الانشغال بمثل هذه الغرائب، وتفاصيل الأحوال التي لا تتعلق بأمر الدين والرسالة، مما لا فائدة ترجى من ورائه، ولذلك لم يأت تفصيل، بل ولا ذكر لها في ديننا، ولو كان مما يعنينا معرفته، والوقوف على تفاصيله: لأوشك أن يأتينا بذلك خبر عن الصادق المصدوق، ﷺ . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14984

من هو تبع المذكور في القرآن الكريم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أريد من فضيلتكم إلقاء بعض الضوء مما ثبت عن تُبع الذي ورد ذكره في الآية: (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) والآية (وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) وهل كان تبع هذا شخصاً؟ وهل كان موحدًا أم كافرًا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ذكر الله تعالى في القرآن الكريم " تبعا " هذا في موضعين اثنين، في معرض الإخبار عن كفر قومه وذكر ما حل بهم من عذاب الله وسخطه. قال الله تعالى: (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) الدخان/٣٧. وقال سبحانه: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ. وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ. وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) ق/١٢-١٤. وكان تبع هذا ـ كما ذكر المفسرون ـ أحد ملوك اليمن، وكان مشركاً ثم أسلم، وكان يعبد الله على شريعة موسى ﵇، وقد توقف نبينا ﷺ في شأنه، في بادئ الأمر، هل كان رجلاً صالحاً أم لا؟ ثم بعد ذلك نزل عليه الوحي بأنه كان رجلاً صالحاً، فنهانا عن سبه فقال ﷺ : (لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ أَسْلَمَ) رواه أحمد في " المسند " (٣٧/٥١٩) عن سهل بن سعد ﵁ وقال المحققون: حسن لغيره. وحسنه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢٤٢٣) . وقد ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره شيئاً من سيرة تبع هذا، فقال: " كانت حِمْيَر - وهم سبأ - كلما ملك فيهم رجل سموه " تُبَّعًا "، كما يقال: كسرى: لمن ملك الفرس، وقيصر: لمن ملك الروم، وفرعون: لمن ملك مصر كافرا، والنجاشي: لمن ملك الحبشة، وغير ذلك من أعلام الأجناس. ولكن اتفق أن بعض تبابعتهم خرج من اليمن، وسار في البلاد حتى وصل إلى سمرقند، واشتد ملكه وعظم سلطانه وجيشه، واتسعت مملكته وبلاده، وكثرت رعاياه، وهو الذي مَصَّر الحيرة، فاتفق أنه مَرَّ بالمدينة النبوية وذلك في أيام الجاهلية، فأراد قتال أهلها فمانعوه وقاتلوه بالنهار، وجعلوا يَقْرُونه بالليل، فاستحيا منهم وكف عنهم، واستصحب معه حبرين من أحبار يهود كانا قد نصحاه وأخبراه أنه لا سبيل له على هذه البلدة؛ فإنها مُهَاجَرُ نبي يكون في آخر الزمان، فرجع عنها وأخذهما معه إلى بلاد اليمن، فلما اجتاز بمكة أراد هدم الكعبة، فنهياه عن ذلك أيضًا، وأخبراه بعظمة هذا البيت، وأنه من بناية إبراهيم الخليل، وأنه سيكون له شأن عظيم على يدي ذلك النبي المبعوث في آخر الزمان، فعظمها وطاف بها، وكساها الملاء والوصائل والحبير، ثم كر راجعًا إلى اليمن، ودعا أهلها إلى التهود معه، وكان إذ ذاك دين موسى ﵇، فيه من يكون على الهداية قبل بعثة المسيح ﵇، فتهود معه عامة أهل اليمن. وقد ذكر القصة بطولها الإمام محمد بن إسحاق في كتابه السيرة، وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ترجمة حافلة، أورد فيها أشياء كثيرة مما ذكرنا ومما لم نذكر، وذكر أنه ملك دمشق، وأنه كان إذا استعرض الخيل صُفَّت له من دمشق إلى اليمن. ثم ساق من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما أدري الحدود طهارة لأهلها أم لا؟ ولا أدري تبع لعينًا كان أم لا؟ ولا أدري ذو القرنين نبيًّا كان أم ملكا) ، وقال غيره: (أعزيرًا كان نبيًّا أم لا؟) . – رواه أبو داود (٤٦٧٤) - وكأنه - والله أعلم - كان كافرًا ثم أسلم وتابع دين الكليم على يدي من كان من أحبار اليهود في ذلك الزمان على الحق قبل بعثة المسيح ﵇، وحج البيت في زمن الجُرهُميين، وكساه الملاء والوصائل من الحرير والحبر، ونحر عنده ستة آلاف بدنة، وعظمه وأكرمه. ثم عاد إلى اليمن. وقد ساق قصته بطولها الحافظ ابن عساكر من طرق متعددة مطولة مبسوطة، عن أبي بن كعب، وعبد الله بن سلام، وعبد الله بن عباس، وكعب الأحبار، وإليه المرجع في ذلك كله، وإلى عبد الله بن سلام أيضًا، وهو أثبت وأكبر وأعلم. وكذا روى قصته وهب بن مُنَبِّه، ومحمد بن إسحاق في السيرة، كما هو مشهور فيها. وقد اختلط على الحافظ ابن عساكر في بعض السياقات ترجمة " تُبَّع " هذا بترجمة آخر متأخر عنه بدهر طويل، فإن " تُبَّعًا " هذا المشار إليه في القرآن أسلم قومه على يديه، ثم لما مات عادوا بعده إلى عبادة الأصنام والنيران، فعاقبهم الله تعالى كما ذكره في سورة سبأ. وقال سعيد بن جبير: كسا " تُبَّعٌ " الكعبة، وكان سعيد ينهى عن سبه. و" تُبَّع " هذا هو تُبَّع الأوسط، واسمه أسعد أبو كُرَيْب بن مَلْكيكرب اليماني، ذكروا أنه ملك على قومه ثلاثمائة سنة وستا وعشرين سنة، ولم يكن في حمير أطول مدة منه، وتوفي قبل مبعث رسول الله ﷺ بنحو من سبعمائة عام، وذكروا أنه لما ذكر له الحبران من يهود المدينة أن هذه البلدة مُهَاجَرُ نبي في الزمان اسمه أحمد قال في ذلك شعرا واستودعه عند أهل المدينة، وكانوا يتوارثونه ويروونه خلفًا عن سلف، وكان ممن يحفظه أبو أيوب خالد بن زيد الذي نزل رسول الله ﷺ في داره، وهو: شَهِدْتُ عَلَى أَحْمَدَ أنَّه ... رَسُولٌ مِنَ اللهِ بَاري النَّسَم ... فَلَو مُدَّ عُمْري إلى عُمْرِهِ ... لَكُنْت وَزيرا له وابن عَم ... وَجَاهَدْتُ بالسَّيفِ أعْدَاءَهُ ... وَفرَّجتُ عَنْ صَدْرِه كُلَّ غَم ... وذكر ابن أبي الدنيا أنه حُفِر قبر بصنعاء في الإسلام، فوجدوا فيه امرأتين صحيحتين، وعند رءوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب: " هذا قبر حبي ولميس – وروي: حبي وتماضر- ابنتي " تُبَّع "، ماتتا وهما تشهدان أن لا إله إلا الله ولا تشركان به شيئًا، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما. قال قتادة: ذكر لنا أن كعبًا كان يقول في " تُبَّع ": نُعِت نَعْت الرجل الصالح، ذم الله تعالى قومه ولم يذمه، قال: وكانت عائشة تقول: لا تسبوا " تُبَّعًا "؛ فإنه قد كان رجلا صالحًا " انتهى باختصار. " تفسير القرآن العظيم " (٧/٢٥٦-٢٥٩) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14985

هل غرق جميع من على الأرض بعد الطوفان العظيم زمن نوح ﵇ ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل غرق جميع من في الأرض - عدا من كان مع نوح - على ظهر السفينة عندما أرسل الله الطوفان؟ وهل كل مَن في الأرض الآن يعتبرون مِن نسل مَن كان في السفينة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يدل صريح القرآن الكريم على أن جميع من على الأرض أغرقوا بالطوفان، ولم ينج من البشر ولا من الحيوان إلا مَن حمله نوح ﵇ معه في السفينة. قال الله تعالى: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ) الشعراء/١١٩-١٢٠. وقال : (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) هود/٤٠. وقال تعالى: (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) يونس/٧٣. كما جاء النص في القرآن الكريم على أن الأرض إنما عمرت بعد ذلك من نسل ذرية نوح ﵇ فقط، وأما المؤمنون الذين نجوا معه في السفينة فلم تبق لهم ذرية، فجميع أهل الأرض الآن من ذرية نوح ﵇. قال الله تعالى: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ. وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ. وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) الصافات/٧٧-٨١. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لم تبق إلا ذرية نوح ﵇. وقال قتادة في قوله: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) قال: الناس كلهم من ذرية نوح ﵇. "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير (٧/٢٢) . قال الحافظ ابن كثير ﵀: "وقد اختلف العلماء في عدة من كان معه في السفينة: فعن ابن عباس ﵄: كانوا ثمانين نفسا معهم نساؤهم. وعن كعب الأحبار: كانوا اثنين وسبعين نفسا، وقيل: كانوا عشرة. قال جماعة من المفسرين: ارتفع الماء على أعلى جبل بالأرض خمسة عشر ذراعا، وهو الذي عند أهل الكتاب، وقيل: ثمانين ذراعا، وعَمَّ جميع الأرض طولها والعرض، سهلها وحزنها وجبالها وقفارها ورمالها ولم يبق على وجه الأرض ممن كان بها من الأحياء عين تطرف، ولا صغير ولا كبير. قال الإمام مالك عن زيد بن أسلم: كان أهل ذلك الزمان قد ملؤوا السهل والجبل. ... فإن الله لم يجعل لأحد ممن كان معه من المؤمنين نسلا ولا عقبا سوى نوح ﵇. قال تعالى: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني آدم ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة، وهم: سام وحام ويافث" انتهى باختصار. "البداية والنهاية" (١/١١١-١١٤) . وقال العلامة الطاهر بن عاشور ﵀: " ضمير الفصل في قوله: (هُمُ الْبَاقِينَ) للحصر، أي: لم يبق أحد من الناس إلا من نجاه الله مع نوح في السفينة من ذريته، ثم من تناسل منهم، فلم يبق من أبناء آدم غير ذرية نوح، فجميع الأمم من ذرية أولاد نوح الثلاثة، وظاهر هذا أن من آمن مع نوح غير أبنائه لم يكن لهم نسل. قال ابن عباس: لما خرج نوح من السفينة مات من معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءه. وبذلك يندفع التعارض بين هذه الآية وبين قوله في سورة هود: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) هود/٤٠، وهذا جار على أن الطوفان قد عم الأرض كلها، واستأصل جميع البشر، إلا من حملهم نوح في السفينة" انتهى. "التحرير والتنوير" (٢٣/٤٧) . وأما قوله : (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) الإسراء/٣. وقوله : (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) مريم/٥٨. فلا يدل على استمرار نسل المؤمنين الذين حملهم نوح ﵇ معه، بل المقصود أبناء نوح ﵇ الذين استمر نسلهم دون باقي المؤمنين. قال العلامة الأمين الشنقيطي ﵀: "قوله تعالى: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) ، بين أن ذرية من حمل من نوح لم يبق منها إلا ذرية نوح في قوله: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) " انتهى. "أضواء البيان" (٣/١٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14986

متى وُلد عيسى بن مريم؟ وهل في القرآن إشارة إلى أنه وُلد في الصيف ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لا شك بأن موعد ميلاد المسيح لم يكن في شهر " كانون أول "، وخصوصاً أن موسم الرطَب هو في شهر الصيف، فما هو التاريخ التقريبي لميلاد المسيح ﵊؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: مسألة تحديد وقت ميلاد المسيح عيسى بن مريم ﵇ عليها تنبيهات: ١. أنها من الغيب الذي لا يمكن لأحدٍ الجزم به، إلا أن يكون ممن يوحي لهم الله تعالى بوحيٍ من عنده؛ لأنه لا سبيل لمعرفة ذلك إلا به؛ لانقطاع الأسانيد بيننا وبين ذلك الزمان، ولاختلاف النقلة في تحديد وقت ميلاده ﵇. ٢. أن معرفة ذلك الوقت علم لا ينفع، والجهل به غير ضارٍّ، ولو كان في معرفة ذلك فائدة لجاءتنا النصوص به، ثم لو عرفنا وقت ميلاده: فما هو وقت ميلاد موسى، وإبراهيم، وغيرهما من الأنبياء والرسل؟! وما فائدة معرفة ذلك الوقت؟! وهذا يقودنا إلى التنبيعه الثالث. ٣. ميلاد نبينا محمد ﷺ أقرب من ميلاد عيسى بن مريم، وكان ابناً في بيئة تتجه لها أنظار العالَم – مكة المكرمة -، وكان ابنا لشرفاء وسادة تلك البقعة، ومع ذلك كله لا يُعرف على التحديد وقت ميلاده ﷺ ، والخلاف في تحديد مشهور. ثانياً: وجزم الأخ السائل بأنه " لا شك بأن موعد ميلاد المسيح لم يكن في شهر كانون أول ": في غير مكانه، وليس مع أثبت شيئاً أو نفاه أدلة يطمئن القلب لها، ولا هو بالشيء الذي يُجزم بحدوثه على التحديد. وثمة اتجاهات في إثبات وقت ميلاد عيسى بن مريم ﵇ عند النصارى، فضلاً عن المسلمين، فالنصارى يزعمون أنهم أتباع دينه، وهو ربٌّ لكثير منهم! أو ابن ربِّهم! ومع ذلك ليس ثمة اتفاق بينهم على تحديد ميلاده! . ولا يختلف المسلمون عن النصارى في الخلاف في تحديد وقت ميلاد عيسى ﵇، إلا أن الخلاف عندنا منطلقه الفهم لآيات من كتاب الله تعالى فيها التصريح بوجود رطَب على شجرة نخيل عند ولادة عيسى ﵇، ومن ثَمَّ اختلف العلماء عندنا هل كان وقت ميلاده ﵇ في " الصيف " لكون ذلك الوقت موسم تلك الثمرة، أو كان الأمر كرامة من الله تعالى في إيجاد تلك الثمرة في غير موسمها، كما أجرى الله تعالى الماء من تحت أمه مريم وقت ولادة ابنها عيسى ﵇، وكما أنطق الله تعالى ابنها وهو طفل صغير؟! خلاف بين العلماء، والأظهر – والله أعلم – هو القول الثاني. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀: قوله تعالى: (وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً) لم يصرِّح جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة ببيان الشيء الذي أمرها أن تأكل منه، والشيء الذي أمرها أن تشرب منه، ولكنَّه أشار إلى أن الذي أمرها أن تأكل منه هو: " الرطَب الجني " المذكور، والذي أمرها أن تشرب منه هو النهر المذكور المعبر عنه بـ " السري "، كما تقدم، هذا هو الظاهر. وقال بعض العلماء: إن جذع النخلة الذي أمرها أن تهز به: كان جذعاً يابساً؛ فلما هزته جعله الله نخلة ذات رطب جني. وقال بعض العلماء: كان الجذع جذع نخلة نابتة، إلا أنها غير مثمرة، فلما هزته أنبت الله فيه الثمر، وجعله رطباً جنيّاً. وقال بعض العلماء: كانت النخلة مثمرة، وقد أمرها الله بهزها ليتساقط لها الرطب الذي كان موجوداً. والذي يُفهم من سياق القرآن: أن الله أنبت لها ذلك الرطب على سبيل خرق العادة، وأجرى لها ذلك النهر على سبيل خرق العادة، ولم يكن الرطَب، والنهر، موجودين قبل ذلك، سواء قلنا إن الجذع كان يابساً، أو نخلة غير مثمرة، إلا أن الله أنبت فيه الثمر، وجعله رطباً جَنيّاً، ووجه دلالة السياق على ذلك: أن قوله تعالى: (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً) يدل على أن عينها إنما تقر في ذلك الوقت بالأمور الخارقة للعادة؛ لأنها هي التي تبين براءتها مما اتهموها به، فوجود هذه الخوارق، من تفجير النهر، وإنبات الرطب، وكلام المولود: تطمئن إليه نفسها، وتزول به عنها الربية، وبذلك يكون قرة عين لها؛ لأن مجرد الأكل والشرب مع بقاء التهمة التي تمنت بسببها أن تكون قد ماتت من قبل وكانت نسياً منسيّاً: لم يكن قرة لعينها في ذلك الوقت، كما هو ظاهر، وخرق الله لها العادة بتفجير الماء، وإنبات الرطب، وكلام المولود: لا غرابة فيه، وقد نص الله جل وعلا في " آل عمران " على خرقه لها العادة في قوله (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) . قال العلماء: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، وإجراء النهر، وإنبات الرطب: ليس أغرب من هذا المذكور في سورة " آل عمران ". " أضواء البيان " (٣ / ٣٩٧) . هذا هو الذي نراه راجحاً صحيحاً، وبه نعلم أنه لا يمكننا تكذيب من نقل ميلاد عيسى ﵇ في الشتاء، بل هو الأقرب للصواب؛ لأنه ليس موسماً للرطَب، لكن هذا القول ليس متفقاً عليه عند النصارى، ولا عند المسلمين، وسنذكر فيما يلي عمَّن يرجِّح خلاف ما رجحناه، ويذكر الخلاف عند النصارى في تحديد ميلاد عيسى ﵇. قال الأستاذ محمد عزت الطهطاوي: هل وُلد المسيح حقّاً في فصل الشتاء في ٢٥ ديسمبر، كما يقول النصارى الغربيون، أو في يناير، كما يقول النصارى الشرقيون؟ . ورد في إنجيل " لوقا " حكاية عن ميلاد المسيح ﵇: " وكان في تلك الكورة رعاة متبدين، يحرسون حراسات الليل على رعيتهم، وإذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب حولهم، فخافوا خوفاً عظيماً، فقال لهم الملاك: " لاتخافوا، فها أنا أبشركم بفرح عظيم، يكون لجميع الشعب، إنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلِّص هو المسيح ". (إنجيل " لوقا "، إصحاح ٢، عدد ٨-٩-١٠-١١) . ومعنى ذلك: أن يكون الميلاد في وقت يكون الرعي فيه ممكناً في الحقول القريبة من " بيت لحم " المدينة التي ولد فيها المسيح ﵇، وهذا الوقت يستحيل أن يكون في الشتاء؛ لأنه فصل تنخفض فيه درجة الحرارة - وخصوصاً بالليل - بل وتغطي الثلوج تلال أرض " فلسطين "، وجعْل عيد الميلاد للسيد المسيح في فصل الشتاء: لا أساس له إذاً، بل هو من مخترعات الوضاع يجعله في فصل الشتاء وفي هذه التواريخ المذكورة انفا. ولندلل على ذلك بالاتي: ١- يقول الأسقف " بارنز ": غالباً لا يوجد أساس للعقيدة القائلة بأن يوم ٢٥ ديسمبر كان بالفعل ميلاد المسيح، وإذا ما كان في مقدورنا أن نضع موضع الإيمان قصة " لوقا " عن الميلاد مع ترقب الرعاة بالليل في الحقول قريباً من " بيت لحم "؛ فإن ميلاد المسيح لم يكن ليحدث في الشتاء حينما تنخفض درجة الحرارة ليلاً وتغطي الثلوج تلال أرض اليهودية، ويبدو أن عيد ميلادنا قد اتفق عليه بعد جدل كثير ومناقشات طويلة حوالي عام ٣٠٠ بعد الميلاد. كتاب " ظهور المسيحية " للأسقف بارنز. ٢- وهذا الرأي الذي ذهب إليه الأسقف " بارنز " قد استمده الذين كتبوا بيانات عن عيد الميلاد في " دائرة المعارف البريطانية "، ودائرة " معارف شاميرز "، فقد ورد في الطبعة الخامسة عشرة من المجلد الخامس في الصفحة (٦٤٢، ٦٤٣ أ) من " دائرة المعارف البريطانية " ما يلي: " لم يقنع أحد مطلقاً بتعين يوم أو سنة لميلاد المسيح - ولكن صمم آباء الكنيسة في عام ٣٤٠ بعد الميلاد على تحديد تاريخ للاحتفال بالعيد - اختاروا بحكمة يوم الانقلاب الشمسي في الشتاء، الذي استقر في أذهان الناس، وكان أعظم أعيادهم أهمية، ونظراً إلى التغيرات التي حدثت في التقاويم: تغير وقت الانقلاب الشمسي، وتاريخ عيد الميلاد بأيام قليلة ". ٣- ورد في دائرة " معارف شاميرز " الآتي: " كان الناس في كثير من البلاد يعتبرون الانقلاب الشمسي في الشتاء يوم ميلاد الشمس، وفي روما كان يوم ٢٥ ديسمبر يحتفل فيه بعيد وثني قومي - ولم تستطع الكنيسة أن تلغي هذا العيد، بل باركته، كعيد قومي لشمس البر ". ٤- يقول " بيك " من علماء تفسير الكتاب المقدس: " لم يكن ميقات ولادة المسيح شهر ديسمبر على الإطلاق، فعيد الميلاد عندنا قد بدأ التعارف عليه أخيراً في الغرب. " تفسير الكتاب المقدس " للدكتور بيك (ص ٧٢٧) . ٥- هناك دليل تاريخي ثابت موثوق به يوضح أن المسيح ولد في شهر أغسطس، أو سبتمبر، فقد كتب الدكتور جون د. أفيز في كتابه " قاموس الكتاب المقدس " تحت كلمة " سنة ": أن البلح ينضج في الشهر اليهودي أيلول، كما ورد في صفحة (١١٧) من كتاب " تفسير الكتاب المقدس " لـ " بيك " العبارة الاتية: " إن شهر أيلول يطابق عندنا شهر أغسطس، وسبتمبر ". ٦- ويقول الدكتور " بيك " في مناقشة " جون ستيوارت " لمدونة " من معبد انجورا ": وعبارة وردت في مصنف صيني قديم، يتحدث عن رواية وصول الإنجيل للصين سنة ٢٥ – ٢٨ ميلادية، حيث حدد ميلاد المسيح في عام ٨ قبل الميلاد، في شهر سبتمر، أو أكتوبر، وحدد وقت الصلب في يوم الأربعاء عام ٢٤ ميلادية. النتائج التي تستخلص مما تقدم: ١- ونخلص من كل ذلك طبقا للبحوث السابقة التي أجريت حاليّاً على أصول المسيحية: أن المسيح لم يولد في ديسمبر، أو يناير، ولكن في أغسطس، أو سبتمبر، ويكون حمْل السيدة مريم لم يبدأ في مارس، أو إبريل، كما يريد مؤرخو الكنيسة أن يلزموا الناس باعتقاده، بل بدأ حملها في نوفمبر، أو ديسمبر. ٢- إن القران الكريم يُستخلص من تفسيره أن المسيح مولود في أغسطس، أو سبتمبر، وهذا يتفق مع الحقائق التاريخية، ومع رواية إنجيل " لوقا "، وإن كان ذلك دون قصد، وأنه يظهر مما حكاه القرآن عن السيدة " مريم ": أنها كانت ترقد عند ولادتها في سقيفة على مكان مرتفع من التل حيث تقف نخلة على منحدر منه، وكان من الميسور لها أن تصل إلى جذعها، وتهزه، وكثرة النخيل في " بيت لحم " واضحة في الكتاب المقدس في الإصحاح الأول من " سِفر القضاة "، وكذلك " قاموس الكتاب المقدس " المؤلَّف بمعرفة الدكتور " جونر يفنز "، كما أن حقيقة إرشاد السيدة " مريم " إلى نبع - كما ورد في القران الكريم - لتشرب منه: تشير إلى أن ميلاد المسيح قد حدث فعلاً في شهر أغسطس، أو سبتمبر، وليس في ديسمبر حيث يكون الجو بارداً كالثلج في كورة اليهودية، وحيث لا رُطَب فوق النخيل حتى تهز جذع النخلة فتساقط عليها رطباً جنيّاً، قال تعالى: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً. وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً. فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً) ، والمعنى: أنه جعل قربَها جدولاً صغيراً كان قد انقطع ماؤه، ثم جرى، وامتلأ، وسمي سريّاً لأن الماء يسري فيه، وأنه في إمكانها أن تتناول من الرطَب الصالحة للاجتناء إذا أرادت أن تأكل، وإذا أرادت أن تشرب: أمكنها ذلك من جدول الماء، الذي كان يسري بجانبها. " النصرانية والإسلام " الأستاذ محمد عزت الطهطاوي (ص ٢٤١ – ٢٤٤) مكتبة النور. والخلاصة: ليس في شرعنا ما يثبت تحديد ولادة المسيح عيسى بن مريم ﵇، لا السنة، والشهر، واليوم، ومن قال إن القرآن فيه إشارة إلى أن مولده كان في فصل " الصيف ": فمردود، بما نقلناه من خلاف العلماء أولاً، وبما هو لائق من كون ذلك الإيجاد للرطَب كان في غير موسمه، وأما النصارى: فغالبهم يرى أن مولده كان في شهر " ديسمبر "، أو " يناير "، وكان فصل الشتاء، وثمة من نقد ذلك عندهم، وبيَّن أنه خطأ، وأن مولده ﵇ كان في " الصيف ". وبكل حال: ليس ثمة ما يُجزم به، وليس هذا من العلم النافع، ولولا تعلق الإجابة بشرح آية من كتاب الله: لما تجشمنا الرد على السؤال، وإذا كان النصارى قد اختلفوا في أصل عيسى ﵇ ما هو، واختلفوا في أصل الاعتقاد: فأنَّى لهم الاتفاق على ما هو دونه؟! . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14987

الذين آمنوا بالنبي ﷺ في حياته ولم يروه يسمون "المخضرمون " [السُّؤَالُ] ـ[ماذا يُسَمَّى الناس الذين كانوا أحياء في زمان النبي ﷺ ، وأسلموا لكنهم لم يروا النبي ﷺ ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله من لم يتشرف بلقيا النبي ﷺ مباشرة فليس من الصحابة، ولذلك فقد عد المحدثون جميع من أسلم في حياة النبي ﷺ دون أن يروه من التابعين، وأطلقوا عليهم اسم " المخضرمون من التابعين ". لأنهم أدركوا الجاهلية والإسلام. قال أبو عبد الله الحاكم ﵀: " فأما المخضرمون من التابعين ـ هم الذين أدركوا الجاهلية وحياة رسول الله ﷺ وليست لهم صحبة ـ فهم: أبو رجاء العطاردي، وأبو وائل الأسدي، وسويد بن غَفَلَة، وعثمان النهدي، وغيرهم من التابعين " انتهى. " معرفة علوم الحديث " (ص/٤٤) . وقال الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح ﵀: " المخضرمون من التابعين: هم الذين أدركوا الجاهلية وحياة رسول الله ﷺ وأسلموا ولا صحبة لهم. واحدهم مخضرَم - بفتح الراء - كأنه خُضْرِم: أي قُطع عن نظرائه الذين أدركوا الصحبة وغيرها. وذكرهم (مسلم) فبلغ بهم عشرين نفسا منهم: أبو عمرو الشيباني، وسويد بن غفلة الكندي، وعمرو بن ميمون الأودي، وعبد خير بن يزيد الخَيْوَانِي، وأبو عثمان النهدي، وعبد الرحمن بن مل، وأبو الحَلَال العَتَكي ربيعة بن زرارة " انتهى. " المقدمة " (١٧٩) والمخضرم مأخوذ من الشيء المتردد بين أمرين. قال الحافظ العراقي ﵀: " المخضرم متردد بين الصحابة لإدراكه زمن الجاهلية والإسلام، وبين التابعين لعدم رؤية النبي ﷺ ، فهو متردد بين أمرين " انتهى باختصار. " التقييد والإيضاح " (ص/٣٢٣) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14988

هل ثبت حرق عمر لبيت فاطمة وهدم الباب عليها وإسقاطها جنينها ؟ [السُّؤَالُ] ـ[من أسقط جنين فاطمة ﵂؟ وما موقفنا ممن فعل من قام بذلك؟ وكيف أرد على اتهامات الشيعة في ذلك؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لقد كذب الرافضة في قصة انتحلوها في هذا الباب، وملخصها: أن أبا بكر ﵁ آذى عليّاً لما امتنع من البيعة، وأنه بعث إليه عمر بن الخطاب – أو من يسمَّى " قنفذ " كما في بعض الروايات عندهم -، مع آخرين، فهدموا بيت فاطمة، بعد أن اقتحموه، ثم حرقوه! وأن عمر بن الخطاب ضغط فاطمة بين الباب والجدار فأُسقط جنينها من بطنها! وأنهم أخرجوا عليّاً بذل وهوان؛ لإجباره على البيعة لأبي بكر، وكل ذلك كذب، وبهتان، ولا يقبل أن يصدقه إلا من كان مثلهم في الضلالة، والبهيمية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ونحن نعلم يقينا أن أبا بكر لم يُقدِم على علي والزبير بشيء من الأذى، بل ولا على سعد بن عبادة المتخلف عن بيعته أولاً، وآخراً، وغاية ما يقال: إنه كبس البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه، وأن يعطيه لمستحقه، ثم رأى أنه لو تركه لهم لجاز، فإنه يجوز أن يعطيهم من مال الفيء، وأما إقدامه عليهم أنفسهم بأذى: فهذا ما وقع فيه قط باتفاق أهل العلم، والدِّين، وإنما يَنقل مثل هذا جهال الكذابين، ويصدقه حمقى العالَمين، الذين يقولون إن الصحابة هدموا بيت فاطمة، وضربوا بطنها حتى أسقطت، وهذا كله دعوى مختلقة، وإفك مفترى، باتفاق أهل الإسلام، ولا يروج إلا على مَن هو مِن جنس الأنعام. " منهاج السنة النبوية " (٨ / ٢٠٨) . وقال – ﵀ – أيضاً -: ومنهم من يقول: إن عمر غصب بنت علي حتى زوَّجه بها! وأنه تزوج غصباً في الإسلام! ومنهم من يقول: إنهم بعجوا بطن فاطمة حتى أسقطت، وهدموا سقف بيتها على من فيه، وأمثال هذه الأكاذيب التي يعلم من له أدنى علم ومعرفة أنها كذب، فهم دائما يعمدون إلى الأمور المعلومة المتواترة ينكرونها، وإلى الأمور المعدومة التي لا حقيقة لها يثبتونها، فلهم أوفر نصيب من قوله تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ) العنكبوت: من الآية٦٨، فهم يفترون الكذب، ويكذبون بالحق، وهذا حال المرتدين. " منهاج السنة النبوية " (٤ / ٤٩٣) . وبيان كذبهم من وجوه: ١. إن تعدِّي رجل واحد على امرأة يعد من الأمور المنكرة المستبشعة، فكيف إذا كانوا مجموعة من الرجال، ومن الصحابة، وعلى ابنة النبي ﷺ ، ويتم حرق بيتها، وإسقاط جنينها؟! فأنَّى لعاقل أن يصدِّق حصول تلك الحادثة مع سكوت الناس عنها، وعدم مدافعتهم عن أخص بيت النبوة؟! ووالله لو حصل هذا مع عربي لعدَّ عاراً عليه، ولعدَّ مجرماً غاية الإجرام، لكن هؤلاء الكذبة حبكوا القصة بهذه الطريقة ليوهموا أتباعهم – والسذَّج ممن يستمع إليهم - أن الصحابة جميعاً اشتركوا في الحادثة، من باشر تنفيذها، ومن سكت عنها! وهو كذب رخيص يليق بعقولهم، ويمشي على أتباعهم فقط، لا على العقلاء. ٢. ثم إنهم ليخترعون قصصاً وحكايات لعلي بن أبي طالب تدل على علمه بالغيب! وعلى عظيم قوته، وشجاعته، فلماذا لم يحذِّر فاطمة من قدوم أولئك المفسدين؟ وأين شجاعته وقوته في التصدي لهم ومحاربتهم؟ فأين في هذه الحكاية المفتراة دفاعه عن عرضه؟ وعلى ما نسجوه من كذب في هذه الحكاية فإن علي بن أبي طالب لا يصلح للخلافة! فمن عجز عن الدفاع عن عرضه فليس جديراً بأن يكون خليفة للمسلمين، ومن الذي سيبايعه إذا كان الناس كلهم قد سكتوا عن اقتحام بيته، وإسقاط جنين امرأته؟! أما أهل السنَّة فيثبتون شجاعة علي ﵁، وطهارة فاطمة ﵂، وينفون تلك الحكاية الخبيثة؛ لما فيها من الطعن بعدالة ودين أصحاب النبي ﷺ . ٣. ومما يدل على كذب هذه الحكاية ما يجمع بين علي وعمر ﵄ من العلاقة الحسنة، والتي وصلت إلى تزوج عمر بابنة علي وفاطمة، وهي " أم كلثوم "! فكيف تصدَّق هذه الحكاية الخبيثة ونحن نرى حرص عمر على التقرب من علي وفاطمة بتلك المصاهرة، ونرى موافقة الأبوين عليه أن يكون زوجاً لابنتهم، وأما الرافضة فجنَّ جنونهم لهذه المصاهرة، وتفكروا في التخلص منها فقادهم إبليس إلى القول بأن الزواج تمَّ بالإكراه! وأن هذا " فرجٌ غُصبناه "! وهؤلاء الضُّلال ـ وأمثالهم ـ لا يهمهم ما يدفعونه من ثمن في الطعن بالصحابة، ولو بمثل هذه التخريجات التي مؤداها الدياثة، والخساسة، وحاشا أهل البيت من الرافضة وكذبهم. ٤. وإذا قال الرافضة إن عليّاً كان ضعيفاً مستضعفاً، حتى هدم بيته – وفي رواية أنه حُرق! – وحتى أُكره على زواج باطل لابنته: فأين إذن باقي أهل البيت؟ ولم لم يدافعوا عن ابنة نبيهم ﷺ ؟! فهل يُعقل أن يجتمعوا جميعاً على الخنوع، والخور؟! . ٥. ولأن هذه القصة تحتوي على ما لا يُصدَّق، وتحتوي على ما فيه الطعن بأشرف بيت، وأجل امرأة: رأينا من كذَّبها من بعض رؤوس الرافضة، لا تنزيها للصحابة أن يفعلوها، بل تنزيهاً لعلي أن يكون موقفه هذا! . أ. قال محمد حسين آل كاشف الغطاء – وهو من كبار أئمتهم -: ولكن قضية ضرب الزهراء، ولطم خدها: مما لا يكاد يقبله وجداني، ويتقبله عقلي، وتقتنع به مشاعري، لا لأن القوم يتحرجون ويتورعون من هذه الجرأة العظيمة، بل لأن السجايا العربية، والتقاليد الجاهلية، التي ركزتها الشريعة الإسلامية، وزادتها تأييداً، وتأكيداً: تمنع بشدة ضرب المرأة، أو تمد إليها يد سوء، حتى إن بعض كلمات أمير المؤمنيين ما معناه: أن الرجل كان في الجاهلية إذا ضرب المرأة يبقى ذلك عاراً في أعقابه ونسله ... . " جنة المأوى " (ص ١٣٥) . فهذا أخوهم في ضلالتهم ينزِّه العرب الجاهليين عن مثل هذا الفعل، ثم يزعم بكل صفاقة أن الصحابة الذين زادوا على ما عند الجاهليين من أخلاق حسنة بأخلاق الإسلام: يزعم أنهم يمكن أن يفعلوا مثل هذا! وهو ينزه عنها العرب الجاهليين ويثبتها للصحابة المسلمين! ويرى أن امتناعهم عن فعلها بسبب بيئتهم العربية، لا بسبب إسلامهم! ويهمنا أنه يكذبها، ويكذِّب مشايخ دينه، ودجاجلته الذين يتناقلونها، ويؤججون عواطف أتباعهم بذكرها دائماً. وهو الأمر الذي يقرره هبة الله ابن أبي الحديد، الشيعي المعتزلي، بقوله: " أما الأمور الشنيعة المستهجنة التي تذكرها الشيعة من إرسال " قنفذ " إلى بيت فاطمة ﵍! ، وأنه ضربها بالسوط فصار في عضدها كالدملج، وبقي أثره إلى أن ماتت، وأن عمر أضغطها بين الباب والجدار، فصاحت: يا أبتاه، يا رسول الله! وألقت جنيناً ميتاً، وجُعل في عنق علي ﵇ حبلٌ يقاد به وهو يعتل، وفاطمة خلفه تصرخ، وتنادى بالويل والثبور، وابناه حسن وحسين معهما يبكيان، وأن عليّاً لما أُحضر سلموه البيعة، فامتنع، فتهدد بالقتل، فقال: إذن تقتلون عبد الله، وأخا رسول الله! فقالوا: أما عبد الله: فنعم! وأما أخو رسول الله: فلا، وأنه طعن فيهم في أوجههم بالنفاق، وسطر صحيفة الغدر التي اجتمعوا عليها، وبأنهم أرادوا أن ينفروا ناقة رسول الله ﷺ ليلة العقبة: فكله لا أصل له عند أصحابنا! ولا يثبته أحد منهم! ولا رواه أهل الحديث، ولا يعرفونه، وإنما هو شيء تنفرد الشيعة بنقله ". " شرح نهج البلاغة " (٢ / ٦٠) طبعة إحياء الكتب العربية. مع التنبيه على عدم صحة نسبة كتاب " نهج البلاغة " لعلي بن أبي طالب، وانظري في ذلك جواب السؤال رقم: (٣٠٩٠٥) . ٦. هذه القصة الخيالية لا توجد في أهم الكتب الشيعية المعتمدة مثل كتاب " الكافي "، حيث لم يذكرها مؤلفه الكليني، ولا تُعرف هذه القصة من إلا من كتاب " السقيفة " للرافضي سلَيم بن قيس الهلالي (يقال توفي سنة ٩٠ هـ) ، وهو كتاب حوى الخبيث من القول، والفحش من الحكايات، وفيه نصوص تدل على وقوع تحريف القرآن، وهو كتاب ساقط عند كثير من أئمة الرافضة أنفسهم، وقد شكك بعضهم بوجود هذه الشخصية أصلاً! : قال الشيخ ناصر القفاري – حفظه الله -: وقد لحظت في دراستي لكتاب سليم بن قيس - أول كتاب ظهر لهم - أنهم يضعون روايات، أو كتباً لأشخاص لا وجود لهم، حتى قال بعض شيوخهم - وهو يعترف بأن كتاب سليم بن قيس موضوع عليه -: " والحق أن هذا الكتاب موضوع لغرض صحيح، نظير كتاب " الحسنية "، و " طرائف بن طاوس "، و " الرحلة المدرسية "، وتبين لنا فيما سلف أن سليم بن قيس قد يكون اسماً لا مسمَّى له. " أصول الشيعة " (ص ٣٨٦) . وأيد الشيخ حفظه الله كلامه هذا بنقولات مهمة عن بعض كبار علماء الرافضة، ومنهم: أ. محمد بن محمد بن النعمان المفيد (توفي ٤١٣ هـ) حيث قال: " وينبغي للمتدين أن يجتنب العمل بجميع ما في كتاب سليم؛ لأنه خليط من الكذب، والتدليس، قال ابن داود: هناك منكرات في كتاب سليم، يعني: فيه أكاذيب واضحة، وأنا أعده موضوعاً، ومختلقاً، وقد ذُمَّ في في قاموس الرجال " انتهى ب. عبد الله المامقاني (توفي ١٣٥١هـ) حيث قال: " يقول أصحابنا الشيعة، وعلماء الشيعة أن سليماً لم يُعرف، ويُشَك في أصل وجوده، ولم يذكروه بالخير، والكتاب المنسوب إليه موضوع قطعاً، وفيه أدلة كافية للدلالة على وضعه " انتهى. ج. وقد رأينا في " موقع السيستاني " – مرجع الرافضة المعاصر – الخاص بالفتاوى والمسمى " السراج في الطريق إلى الله " - سئل: كتاب " سليم بن قيس الهلالي العامري الكوفي " صاحب أمير المؤمنين علي ﵇! المتوفى سنة ٩٠ هجرية، الذي قال الإمام الصادق ﵇ عن كتابه: " أنه سرٌّ من أسرار آل محمد "! ، فما مدى صحة هذا الكتاب؟ وماذا يقول العلماء عنه، خاصة مع اختلاف طبعاته في الوقت الحاضر؟ . فأجاب: في سنده إشكال! . انتهى من السؤال رقم (١٧١) من الموقع. وقد بيَّن الشيخ ناصر القفاري حفظه الله أن اختلاف طبعاته تعود لتزوير الرافضة في الكتاب زيادة ونقصاناً؛ لأن في الكتاب أوابد كتأليه علي ﵁، وفيه ما ينقض مذهب الرافضة، حيث جعل الأئمة ثلاثة عشر، بزيادة " زيد بن علي بن الحسين "! . وهذا هو حال الكتاب الأصل الذي نقلت منه تلك الحكاية المختلقة، وقد رأينا حكم بعض كبار علماء الرافضة على المؤلِّف، وعلى كتابه، فسقط النقل عنه، وثبت كذب الرواية. ٧. ومن الأدلة على بطلان الحكاية: أنه ثمة من ينقل القصة مع اختلاف في وقائعها: فقد قال كبيرهم الطبرسي صاحب كتاب " الاحتجاج " (١ / ٥١) : " إن عمر هدَّد المعتصمين في بيت فاطمة قائلاً: " والذي نفس عمر يده ليخرجن أو لأحرقنه على ما فيه "، فقيل له: إن فاطمة بنت رسول الله، وولد رسول الله، وآثار رسول الله صلى الله عليه وآله فيه، وأنكر الناس ذلك من قوله، فلما عرف إنكارهم قال: " ما بالكم! أتروني فعلت ذلك؟ إنما أردت التهويل " انتهى. وهو يدل على عدم إجادتهم الكذب، فما كان حقيقة واقعيّاً: صار محتملاً، وما كان: يقيناً صار مشكوكاً فيه، وهذا حال من ليس لهم إسناد، وصدق أئمتنا حين قالوا: " لولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء ". وقد تبين بما لا مزيد عليه كذب ما افتروه على أبي بكر وعمر ﵄ من حرق بيت فاطمة، وإسقاط جنينها، وإخراج علي ﵁ ذليلا ليبايع أبا بكر، وما ذكرناه مما رواه البخاري ومسلم هو اللائق بدين الصحابة، وأخلاقهم، وهو المعتمد. ثانياً: مما يُضحك منه: ما حاول بعض الكتاب من الرافضة إيهام العامة من أهل السنَّة أنه يوجد من يثبت هذه الحكاية من أهل السنَّة! وبيان كذبهم وتدليسهم في أمور: ١. أوهموا أن الشهرستاني يثبتها في كتابه " الملل والنِّحَل "! والذي لا يستراب فيه أن هذا من الكذب الرخيص، وأصل ذلك: أن الشهرستاني كان يترجم في كتابه للمعتزلي " إبراهيم بن سيار النظَّام "، وذكر في أثناء ذلك أن تلك الحكاية هي مما افتراه النظّام! ، وهذا نص كلامه: قال محمد بن عبد الكريم الشهرستاني – ﵀ – في تعداد أوابد النظَّام -: الحادية عشرة: ميله إلى الرفض، ووقيعته في كبار الصحابة، قال: ".. وزاد في الفرية فقال: " إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة، حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح: " احرقوا دارها بمن فيها "، وما كان في الدار غير علي، وفاطمة، والحسن، والحسين. " الملل والنحل " (١ / ٥٢) . ٢. ومما نقلوه في ذلك ببلاهة غريبة: ما نقلوه عن " ميزان الاعتدال " و " سير أعلام النبلاء " كلاهما للإمام الذهبي، و " لسان الميزان " لابن حجر عن أبي بكر بن أبي دارم في إثبات إسقاط عمر لجنين فاطمة! من قراءة بعض الناس عليه من كتاب! فكيف نقلوا ذلك بتلك البلاهة؟ قالوا: " روى عنه الحاكم، وقال: رافضي، غير ثقة، وقال: محمد بن أحمد بن حماد الكوفي الحافظ بعد أن أرخ موته: كان مستقيم الأمر عامة دهره، ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب، حضرته ورجل يقرأ عليه: إن عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن ". وانظري كيف جمع الله لهؤلاء الجهل مع الغباء، فهو ينقل عن أئمة السنَّة أن هذا الخبيث المُترجم له: رافضيّ، غير ثقة، ثم ينقل عنه بكل بلاهة - إسقاط عمر لجنين فاطمة - سواء من كتابته، أو من كتابة غيره، مما يُقرأ عليه. قال الذهبي في ترجمته: أبو بكر بن أبي دارم: كان موصوفاً بالحفظ، والمعرفة، إلا أنه يترفض، قد ألف في الحط على بعض الصحابة، وهو مع ذلك ليس بثقة في النقل. وقال: قال الحاكم: هو رافضي، غير ثقة. وقال محمد بن حماد الحافظ: كان مستقيم الأمر عامة دهره، ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب، حضرته ورجل يقرأ عليه: أن عمر رفس فاطمة حتى أسقطت محسناً.. قلت: شيخ ضال معثر. " سير أعلام النبلاء " (١٥ / ٥٧٧، ٥٧٨) . وقد ذكر نحوا من ذلك في "ميزان الاعتدال" بأطول مما هنا، وبدأ ترجمته بقوله: " أحمد بن محمد..، أبو بكر، الكوفي، الرافضي الكذاب". وهكذا نقل الحافظ ابن حجر ﵀ في " لسان الميزان ". وأنتِ ترين أن هؤلاء العلماء حكموا على ابن أبي دارم بالرفض، ونقلوا عن الحافظ محمد بن حمَّاد أنه ترك حديثه، ثم جاء هؤلاء ليتكثروا بالنقولات، وقد أخزاهم الله بأن جعلها عليهم، لا لهم. ٣. ومما نقلوه: رواية عن أبي بكر ﵁ فيها قوله: " وددت أني لم أحرق بيت فاطمة "! . وينظر تخريج هذه الرواية، وبيان بطلانها، في جواب السؤال (٩٨٦٤١) . وقد أتى على تفصيلها، وبيان ما فيها – وفي أمثالها – من ضعف: كتاب " أحاديث يحتج بها الشيعة " للشيخ عبد الرحمن دمشقية وفقه الله. ٤. وقد نقلوا في إثبات الحكاية المنكرة عن المسعودي في كتابه " مروج الذهب "، وابن قتيبة في كتابه " الإمامة والسياسة ". والرد: أما المسعودي: فهو رافضي مثلهم، ولا يوثق بنقله. وأما ابن قتيبة: فهو من رؤوس أهل السنَّة، لكن الكتاب لا تصح نسبته إليه، بل هو لرافضي خبيث، وينظر في ذلك جواب السؤال رقم: (١٢١٦٨٥) . ومما سبق يتبين كذب الحكاية الملفقة على الصحابة الكرام، وأنه ليس ثمة جنين أسقط لفاطمة ﵂، لا من " قنفذ "، ولا من " عمر "، وتبين لكل منصف أن الله تعالى قد أكرم أهل بيت النبي ﷺ بأبي بكر الصدِّيق، يجلهم، ويعظمهم؛ تنفيذا لوصية نبيه ﷺ ، وأنهم كانوا في مقام يليق بهم في دولته، وأنه ما أساء لأولئك الأطهار إلا الزنادقة والضلال. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14989

بطلان نسبة كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة ﵀ [السُّؤَالُ] ـ[هل كتاب (الإمامة والسياسة) لابن قتيبة الدينوري من تأليفه أم منسوب إليه كما يقال في بعض المنتديات ويحذرون من التعامل معه بحذر شديد؟ وهل آخذ معلوماته بعين الصحة أم أرفضه كله؟ إذا كان الرفض لجميع الكتاب فكيف أصبح مصدرا هاما عند كثير من المؤرخين المعاصرين؟ أما إذا كان الرفض لبعضه فهل هناك نسخة صحيحة منه؟ أو هل يوجد من بين من المؤرخين الصحيح فيه والمكذوب؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كتاب الإمامة والسياسة لا يصح نسبته لابن قتيبة ﵀، وقد بين ذلك عدد من الباحثين وساقوا أدلة ظاهرة على ذلك. قال الشيخ الدكتور علي نفيع العلياني حفظه الله في كتابه "عقيدة الإمام بن قتيبة" عن كتاب الإمامة والسياسة: " وبعد قراءتي لكتاب الإمامة والسياسة قراءة فاحصة ترجح عندي أن مؤلف الإمامة والسياسة رافضي خبيث , أراد إدماج هذا الكتاب في كتب ابن قتيبة نظرًا لكثرتها ونظرًا لكونه معروفًا عند الناس بانتصاره لأهل الحديث , وقد يكون من رافضة المغرب , فإن ابن قتيبة له سمعة حسنة في المغرب , ومما يرجح أن مؤلف الإمامة والسياسة من الروافض ما يلي: * أن مؤلف الإمامة والسياسة ذكر على لسان علي ﵁ أنه قال للمهاجرين: (الله الله يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعر بيوتكم , ولا تدفعوا أهله مقامه في الناس وحقه , فو الله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت , ونحن أحق بهذا الأمر منكم.. والله إنه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله) . ولا أحد يرى أن الخلافة وراثية لأهل البيت إلا الشيعة. * أن مؤلف الإمامة والسياسة قدح في صحابة رسول الله قدحًا عظيمًا فصور ابن عمر ﵁ جبانًا , وسعد بن أبي وقاص حسودًا , وذكر محمد بن مسلمة غضب على علي بن أبي طالب لأنه قتل مرحبًا اليهودي بخيبر , وأن عائشة ﵂ أمرت بقتل عثمان. والقدح في الصحابة من أظهر خصائص الرافضة , وإن شاركهم الخوارج , إلا أن الخوارج لا يقدحون في عموم الصحابة. * أن مؤلف الإمامة والسياسة يذكر أن المختار بن أبي عبيد قتل من قبل مصعب بن الزبير لكونه دعا إلى آل رسول الله ﷺ ولم يذكر خرافاته وادعاءه الوحي , والرافضة هم الذين يحبون المختار بن أبي عبيد لكونه انتقم من قتلة الحسين , مع العلم أن ابن قتيبة ﵀ ذكر المختار من الخارجين على السلطان وبين أنه كان يدعي أن جبريل يأتيه. * أن مؤلف الإمامة والسياسة كتب عن خلافة الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان خمسًا وعشرين صفحة فقط , وكتب عن الفتنة التي وقعت بين الصحابة مائتي صفحة , فقام المؤلف باختصار التاريخ الناصع المشرق وسود الصحائف بتاريخ زائف لم يثبت منه إلا القليل , وهذه من أخلاق الروافض المعهودة , نعوذ بالله من الضلال والخذلان " انتهى. وقال الشيخ مشهور حسن سلمان في كتابه "كتب حذر منها العلماء" (٢/٢٩٨-٣٠١) : " الإمامة والسياسة: كتاب مكذوب على ابن قتيبة ـ رحمه الله تعالى ـ، وعلى الرغم من ذلك؛ فهو مصدر هام عند كثير من المؤرخين المعاصرين، ويجب التعامل مع هذا الكتاب بحذر شديد؛ إذ حوى مغالطات كثيرة، ولذا؛ شكك ابن العربي من نسبة جميع ما فيه لابن قتيبة. والأدلة على عدم صحة نسبة هذا الكتاب لابن قتيبة كثيرة. منها: ١. أن الذين ترجموا لابن قتيبة لم يذكروا هذا الكتاب بين ما ذكروه له، اللهم إلا القاضي أبا عبد الله التوزي المعروف بابن الشباط، فقد نقل عنه في الفصل الثاني من الباب الرابع والثلاثين من كتابه (صلة السمط) . ٢. أن الكتاب يذكر أن مؤلفه كان بدمشق. وابن قتيبة لم يخرج من بغداد إلا إلى دينور. ٣. أن الكتاب يروى عن أبي ليلى، وأبو ليلى كان قاضياً بالكوفة سنة (١٤٨هـ) أي قبل مولد ابن قتيبة بخمس وستين سنة. ٤. أن المؤلف نقل خبر فتح الأندلس عن امرأة شهدته، وفتح الأندلس كان قبل مولد ابن قتيبة بنحو مائة وعشرين سنة. ٥. أن مؤلف الكتاب يذكر فتح موسى بن نصير لمراكش، مع أن هذه المدينة شيدها يوسف بن تاشفين سلطان المرابطين سنة (٤٥٥هـ) وابن قتيبة توفي سنة (٢٧٦هـ) . ٦. أن هذا الكتاب مشحون بالجهل والغباوة والركة والكذب والتزوير؛ ففيه أبو العباس والسفاح شخصيتان مختلفتان، وهارون الرشيد هو الخلف المباشر للمهدي، وأن الرشيد أسند ولاية العهد للمأمون، وهذه الأخطاء يتجنبها صغار المؤرخين، فضلاً عمن هو مثل ابن قتيبة الذي قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: (.... وكان أهل المغرب يعظمونه ويقولون: من استجاز الوقيعة فيه يتهم بالزندقة، ويقولون: كل بيت ليس فيه شيء من تصنيفه لا خير فيه) . ٧. أن مؤلف (الإمامة والسياسة) يروي كثيراً عن اثنين من كبار علماء مصر، وابن قتيبة لم يدخل مصر ولا أخذ من هذين العالمين؛ فدل هذا على أن الكتاب مدسوس عليه. وقد جزم بوضع الكتاب على ابن قتيبة غير واحد من الباحثين، من أشهرهم: ١- محب الدين الخطيب في مقدمة كتاب ابن قتيبة (الميسر والقداح) ص ٢٦-٢٧. ٢- ثروت عكاشة في مقدمة كتاب ابن قتيبة (المعارف) ص ٥٦. ٣- عبد الله عسيلان في سالة صغيرة مطبوعة بعنوان (كتاب الإمامة والسياسة في ميزان التحقيق العلمي) ، ساق فيها اثني عشر دليلاً على بطلان نسبة هذا الكتاب لابن قتيبة. ٤- عبد الحميد عويس في كتابه (بنو أمية بين الضربات الخارجية والانهيار الداخلي) ص ٩-١٠. ٥- سيد إسماعيل الكاشف في كتابه (مصادر التاريخ الإسلامي) ص٣٣. ٦- وقد قُدِّمت في الجامعة الأردنية كلية الآداب عام ١٩٧٨م رسالة ماجستير عنوانها (الإمامة والسياسة دراسة وتحقيق) ، قال الباحث فيها: وعلى ضوء هذه الدراسة؛ فقد تبين أن ابن قتيبة الدينوري بعيد عن كتاب (الإمامة والسياسة) ، وبنفس الوقت؛ فإنه لم يكن بالإمكان معرفة مؤلف الكتاب، مع تحديد فترة وفاته بحوالي أواسط القرن الثالث الهجري، ٧- وقد جزم ببطلان نسبة هذا الكتاب لابن قتيبة أيضاً السيد أحمد صقر في مقدمة تحقيقه لـ (تأويل مشكل القرآن) ص٣٢؛ فقال: (كتاب مشهور شهرة بطلان نسبته إليه) ، ثم قال بعد أن ساق بعض الأدلة الآنفة الذكر: (إن هذا وحده يدفع نسبة الكتاب إلى ابن قتيبة، فضلاً عن قرائن وأدلة أخرى كلها يثبت تزوير هذه النسبة) . وإلى هذا ذهب الحسيني في رسالته (ص٧٧-٧٨) ، والجندي في كتابه عن ابن قتيبة (١٦٩-١٧٣) ، وفاروق حمادة في (مصادر السيرة النبوية) ص٩١، وشاكر مصطفى في (التاريخ العربي والمؤرخون) (١/٢٤١-٢٤٢) ، والله الموفق " انتهى. وإذا كان الكتاب لا يعرف مؤلفه، وفيه من الانحراف والضلال ما مر عليك، فلا وزن له ولا قيمة، وفي كتب التاريخ المعروفة غنية وكفاية. وينظر للفائدة جواب السؤال رقم (١٠٥٦٦٠) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14990

زيد بن أسلم وأبوه من موالي عمر بن الخطاب ﵁ [السُّؤَالُ] ـ[في ترجمة زيد بن أسلم، يُذكر أنه مولى لعمر بن الخطاب ﵁، ووفاة زيد بن أسلم كانت سنة ١٣٦هـ أو نحوها، أما عمر بن الخطاب ﵁ ففي سنة ٢٣هـ، فيستبعد أن يكون أدركه.. فكيف يكون مولًى له؟ في بعض المصادر وجدت أن (أسلم) والد (زيد بن أسلم) كان مولى لعمر ﵁، هل لهذا علاقة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اشترى عمر بن الخطاب ﵁ " أسلم " وكنيته أبو زيد، اشتراه بمكة في موسم الحج في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، ذكر ذلك محمد بن إسحاق. واختلفت الروايات في نسبه، فقيل هو حبشي، وقيل يماني من الأشعريين، وقيل قرشي عدوي، والله أعلم بالصواب. وقد لازم أسلمُ عمرَ بنَ الخطاب ﵁، وحفظ عنه، وروى عنه الأحاديث الكثيرة، وروى عن أبي بكر وعثمان ﵃، حتى وصفه الإمام الذهبي بأنه الفقيه الإمام، وهو من رواة الكتب الستة، توفي سنة ثمانين للهجرة. انظر: "سير أعلام النبلاء" (٤/٩٨-٩٩) . وأما ابنه " زيد بن أسلم " فهو من أئمة العلم والحديث أيضا، وصفه الذهبي بأنه الإمام الحجة القدوة الفقيه، وله من الأبناء من رواة الحديث والتفسير: أسامة، وعبد الله، وعبد الرحمن، وقال البخاري: كان علي بن الحسين يجلس إلى زيد بن أسلم، فكُلِّمَ في ذلك فقال: إنما يجلس الرجل إلى مَن ينفعه في دينه. توفي " زيد بن أسلم " سنة (١٣٦هـ) . وزيد لم يدرك عمر بن الخطاب قولا واحدا، بل لم يدرك الكثير من الصحابة، وحديثه عن كثير منهم مرسل، وإنما يقال عنه إنه مولى عمر بن الخطاب لأن أباه كان مولاه، فيجوز وصفه ووصف جميع أبنائه بأنهم من موالي عمر بن الخطاب وإن لم يدركوه. وكثيرا ما يكون قصد الكاتب وصف والده " أسلم " أنه مولى عمر بن الخطاب، فيقول: " زيد بن أسلم مولى عمر " فيفهم القارئ أن قوله " مولى عمر " تعود على زيد، وإنما المقصود عودها على " أسلم "، وإن كان عودها على " زيد " صحيح أيضا كما سبق. وننقل هنا شيئا من ترجمة الإمام زيد بن أسلم، لما فيها من فوائد وعبر: جاء في ترجمته في "تهذيب الكمال" (١٠/١٥) للحافظ المزي ﵀: " قَال الواقدي، عن مالك: كانت لزيد بن أسلم حلقة في مسجد رسول الله ﷺ . وَقَال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال لي أبو حازم: لقد رأيتنا في مجلس أبيك أربعين حبرا فقهاء، أدنى خصلة منا التواسي بما في أيدينا، فما رئي منا متماريان، ولا متنازعان في حديث لا ينفعهما قط. قال: وكان أبو حازم يقول: اللهم، إنك تعلم أني أنظر إلى زيد فأذكر بالنظر إليه القوة على عبادتك، فكيف بملاقاته ومحادثته؟ . وَقَال مالك: كان زيد بن أسلم يحدث من تلقاء نفسه، فإذا سكت قام، فلا يجترئ عليه إنسان. قال: وكان يقول: ابن آدم، اتق الله يحبك الناس وإن كرهوا. وَقَال مصعب بن عَبد الله الزبيري، عَن أبيه، عن جده: سمعت زيد بن أسلم يقول: انظر من كان رضاه عنك في إحسانك إلى نفسك، وكان سخطه عليك في إساءتك إلى نفسك، فكيف تكون مكافأتك إياه " انتهى باختصار. وانظر: "سير أعلام النبلاء" (٥/٣١٦) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14991

لماذا لم تلبس النساء النقاب أمام الرسول ﷺ في هذا الحديث ؟ [السُّؤَالُ] ـ[روى البخاري ومسلم من حديث عمر ﵁ حينما استأذن على النبي ﷺ وعنده بعض النساء يسألنه، فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب، إلى آخر الحديث، فهل تدل هذه الحادثة أن النقاب كان معروفاً لدى النساء حينها، ولكنه لم يكن فرضاً عليهن فلم ترتديه أمام الرسول ﷺ ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله روى البخاري (٣١٢٠) ومسلم (٢٣٩٦) عن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: (اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ، عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ يَهَبْنَ، ثُمَّ قَالَ أَيْ: عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ! قُلْنَ: نَعَمْ، أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وليس في هذا الحديث ما يدل على جواز كشف المرأة وجهها أمام الرجال الأجانب عنها. ١. لأن هؤلاء النسوة اللاتي كن عند النبي ﷺ هن بعض أمهات المؤمنين، بدليل قوله: (يستكثرنه) ، أي: يسأله زيادة النفقة. قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (٧ / ٤٧) : " (وعنده نسوة من قريش) هنَّ مِن أزواجه، ويحتمل أن يكون معهنَّ من غيرهن، لكن قرينة قوله: (يستكثرنه) يؤيد الأول" انتهى. ٢. على فرض أنه كان مع أمهات المؤمنين غيرهن من النساء، فليس في الحديث أن هذا كان بعد فرض الحجاب، فيحتمل أنه كان قبل ذلك. قال السندي في حاشيته على صحيح البخاري " (٤ / ٢١) : " لا يخفى أن المبادرة إلى الحجاب لازمة عند دخول الأجنبي سواء كان عمر أو لا، فما وجه التعجب؟ . فلعلَّ الواقعة كانت قبل آية الحجاب، أو لعل فيهن من يجوز لها الكشف عند عمر كحفصة مثلاً، فالتعجب بالنظر إلى قيامها، أو لعل التعجب من إسراعهن قبل أن يعلمن أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يأذن له أم لا؟ وهذا أقرب إلى لفظ الحديث، والله تعالى أعلم " انتهى. ثم لا يصح أن يقال: إن كشفهم وجوههن أمام النبي ﷺ يدل على جواز كشف المرأة وجهها أمام الرجال الأجانب عنها؛ وذلك لأن من خصوصيات النبي ﷺ كما اختاره الحافظ ابن حجر ﵀ في "فتح الباري" ـ أنه يجوز له النظر إلى وجه المرأة، وأن يخلو بها، كما جاز له أن يتزوج أكثر من أربع، وأن يتزوج بلا ولي. وللفائدة ينظر جواب السؤال رقم (٤٥٦٩٦) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14992

هل حدث زلزال في عهد الرسول ﷺ ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل وقعت زلازل في عهد الرسول ﷺ ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لم يثبت في كتب السنة والأثر بالسند المتصل الصحيح أن المدينة زلزلت في عهد النبي ﷺ ، وما ورد في ذلك إنما جاء بأسانيد ضعيفة مرسلة، وهذا بيانها: أولا: عن محمد بن عبد الملك بن مروان قال: (إن الأرض زلزلت على عهد رسول الله ﷺ ، فوضع يده عليها ثم قال: اسكني فإنه لم يأن لك بعد، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه) رواه ابن أبي الدنيا في "العقوبات" (رقم/١٨) قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني علي بن محمد بن إبراهيم، قال: أخبرنا أبو مريم، قال: أخبرنا العطار ابن خالد الحرمي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الملك بن مروان به. وهذا إسناد ضعيف، فيه عدة علل، منها: ١- الإعضال والإرسال، فوفاة محمد بن عبد الملك بن مروان كانت سنة (٢٦٦) ، فكيف يُحَدِّثُ عن أمر وقع على عهد النبي ﷺ ولم ينقله غيره. ٢- العطار بن خالد الحرمي: لم أجد له ترجمة. ثانيا: عن شهر بن حوشب قال: (زلزلت المدينة في عهد النبي ﷺ فقال: إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢/٣٥٧) قال: حدثنا حفص عن ليث عن شهر به. وهذا إسناد ضعيف، فيه عدة علل: ١- الإرسال، فشهر بن حوشب توفي سنة (١١٢هـ) ، ولم يدرك زمان النبي ﷺ . ٢- ثم هو مضعف في نفسه عند بعض أهل العلم، قال شعبة: لم أعتد به. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن حبان: كان ممن يروي عن الثقات المعضلات، وعن الأثبات المقلوبات. وقال البيهقي: ضعيف. ووثقه آخرون، لذلك قال فيه الحافظ ابن حجر: صدوق كثير الإرسال والأوهام. انظر "تهذيب التهذيب" (٤/٣٧١) . ٣- ليث بن أبي سليم: اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك. انظر: "تهذيب التهذيب" (٨/٤٦٨) . لذلك قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٢/٢٢٢) : " هذا مرسل ضعيف " انتهى. وقد روي هذا القول من كلام ابن مسعود ﵁، كما جاء في تفسير الطبري (١٧/٤٧٨) : حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا) ، وإن الله يخوّف الناس بما شاء من آية لعلهم يعتبرون، أو يذَّكَّرون، أو يرجعون، ذُكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود، فقال: يا أيها الناس! إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه. والحاصل أنه لم يثبت وقوع الزلزال في عهد النبي ﷺ ، وإنما وقع بعده في عهد عمر بن الخطاب ﵁، روى ذلك ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢/٣٥٨) وغيره، عن نافع عن صفية قالت: زلزلت الأرض على عهد عمر فخطب الناس فقال: لئن عادت لأخرجن من بين ظهرانيكم. ذكر ذلك ابن الجوزي في "المنتظم" في أحداث سنة عشرين للهجرة. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14993

هل يوجد أحدٌ الآن من " آل البيت "؟ وماذا عن ادعاءات كثيرين له ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يوجد أحد من نسل النبي ﷺ ويكون جدهم عن طريق فاطمة ﵂؟ وما قولك في الذين يدعون أنهم من آل البيت من السنَّة والشيعة في يومنا هذا، ويقولون: نحن لا نأكل الصدقات؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: علم الأنساب علم جليل، وقد كان أبو بكر الصدِّيق ﵁ أعلم الناس بالنسب، وقد أخطأ من قال: إنه علمٌ لا ينفع، والجهل به لا يضر، وكيف يكون هذا مع الأمر منه ﷺ بالتعرف على النسب لأجل صلة الرحم؟ وكيف يكون هذا مع الوعيد على من انتسب إلى غير أبيه، أو إلى غير قبيلته؟ . فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ) . رواه الترمذي (١٩٧٩) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". (مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ) يَعْني: زِّيَادَة فِي الْعُمُرِ. قال ابن عبد البر ﵀: " ولعمْري ما أنصف القائل: " إن عِلْم النسب عِلْم لا يَنفع، وجَهالة لا تضر "؛ لأنه بيِّن نفعُه لما قدّمنا ذكره؛ ولما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: (كُفْرٌ بالله تبرُّؤ من نسب وإن دق، وكفر بالله ادعاء إلى نَسب لا يُعرف) – رواه أحمد وابن ماجه، وحسَّنه الأرناؤط والألباني -. وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ مثلُه. وقال ﷺ : (من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه: فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صَرفاً ولا عدلاً) – رواه الترمذي، وصححه الألباني -. فلو كان لا منفعة له: لمَا اشتغل العلماء به، فهذا أبو بكر الصديق ﵁ كان أعلم الناس بالنسب، نسب قريش، وسائر العرب، وكذلك: جُبير بن مطعم، وابن عباس، وعقيل بن أبي طالب، كانوا مِن أعلم بذلك، وهو عِلم العرب الذي كانوا به يتفاضلون، وإليه ينتسبون " انتهى. "الإنباه عن قبائل الرواة" (ص١) . ثانياً: النسب الشريف ادَّعاه كثيرون، من أجل الشهرة، وتسويق البدع والانحرافات، ومن أجل الاستيلاء على أموال الناس، وأكثر من ادَّعى هذا النسب الشريف للنبي صلى الله وسلم هم الرافضة، والمتصوفة، ومنهم رؤوس لتلك الفرق الضالة. ١. قال الإمام الذهبي ﵀ في ترجمة أبي الحسن الشاذلي (توفي ٦٥٦ هـ) وهو رأس الطائفة الشاذلية -: " وقد انتسب في بعض مؤلفاته في التصوف إلى " علي بن أبي طالب "، ثم ذكر هذا النسب الذي ادعاه: ابن يوشع بن ورد بن بطال بن محمد بن أحمد بن عيسى بن محمد بن الحسن بن علي ﵁. ثم قال الذهبي: وهذا نسب مجهول لا يصح ولا يثبت، وكان الأولى به تركه، وترك كثير مما قاله في تواليفه في الحقيقة " انتهى. "تاريخ الإسلام" (٤٨/٢٧٣، ٢٧٤) . ٢. وفي " العبيديين " – أبناء عبيد بن ميمون القداح – الباطنية، الذين تسموا – كذباً وزوراً بـ " الفاطميين " – قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فالشاهد لهم بالإيمان: شاهد لهم بما لا يعلمه؛ إذ ليس معه شيء يدل على إيمانهم مثل ما مع منازعيه ما يدل على نفاقهم وزندقتهم، وكذلك " النسب "، قد عُلم أن جمهور الأمة تطعن في نسبهم، ويذكرون أنهم من أولاد المجوس أو اليهود، هذا مشهور من شهادة علماء الطوائف من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وأهل الحديث، وأهل الكلام، وعلماء النسب، والعامة، وغيرهم، وهذا أمر قد ذكره عامة المصنفين لأخبار الناس وأيامهم، حتى بعض من قد يتوقف في أمرهم كابن الأثير الموصلي في تاريخه ونحوه؛ فإنه ذكر ما كتبه علماء المسلمين بخطوطهم في القدح في نسبهم. وأما جمهور المصنفين من المتقدمين والمتأخرين حتى القاضي ابن خلكان في تاريخه: فإنهم ذكروا بطلان نسبهم، وكذلك ابن الجوزي، وأبو شامة، وغيرهما من أهل العلم بذلك، حتى صنَّف العلماء في كشف أسرارهم، وهتك أستارهم، كما صنف القاضي أبو بكر الباقلاني كتابه المشهور في كشف أسرارهم وهتك أستارهم، وذكر أنهم من ذرية المجوس، وذكر من مذاهبهم ما بيَّن فيه أن مذاهبهم شرٌّ من مذاهب اليهود والنصارى، بل ومن مذاهب الغالية الذين يدعون إلهية " علي "، أو نبوته، فهم أكفر من هؤلاء " انتهى. "مجموع الفتاوى" (٣٥ / ١٢٨، ١٢٩) . وأما الذين يدعون هذا النسب الشريف من الرافضة العجم فهم كثير في زماننا هذا. ثالثاً: ثبوت النسب الشريف له طرق كثيرة: قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: " وأما طريق ثبوت النسب الشريف: فذلك يعرف من أمور كثيرة: أحدها: النص من المؤرخين الثقات أن البيت الفلاني، أو آل فلان من أهل البيت، ويعرف أن الشخص الذي يشتهر فيه من أهل ذلك البيت المنصوص عليه من المؤرخين الثقات. ومنها: أن يكون بيد من يدَّعي أنه من أهل البيت وثيقة شرعية من بعض القضاة المعتبرين، أو العلماء الثقات: أنه من أهل البيت. ومنها: الاستفاضة عند أهل البلد أن آل فلان من أهل البيت. ومنها: وجود بيِّنة عادلة، لا تنقص عن اثنين، تشهد بذلك، مستندة في شهادتها إلى ما يحسن الاعتماد عليه، من تاريخ موثوق، أو وثائق معتبرة، أو نقل عن أشخاص معتبرين. وأما مجرد الدعوى التي ليس لها مبرر: فلا ينبغي الاعتماد عليها، لا في هذا، ولا في غيره " انتهى. "فتاوى إسلامية" (٤/٥٣١) . رابعاً: لا يمكن لأحدٍ إنكار وجود من ينتسب إلى آل النبي ﷺ انتساباً صحيحاً، سواء من بني هاشم - وهم آل علي، وآل عباس، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب -، أو من بني المطلب – والمطلب هو أخو هاشم -. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: " إذا قال قائل: هل هؤلاء موجودون؟ أعني: بني هاشم، والمطلب؟ . قلنا: نعم، موجودون، وقد ذكروا أن مِنْ أثبت الناس نسباً لبني هاشم: ملوك اليمن الأئمة، الذين انتهى ملكهم بثورة الجمهوريين عليهم قريباً، فهم منذ أكثر من ألف سنة متولون على اليمن، ونسبهم مشهور، معروف بأنهم من بني هاشم. ويوجد ناس كثيرون أيضاً ينتمون إلى بني هاشم، فمن قال: أنا من بني هاشم: قلنا: لا تحل لك الزكاة؛ لأنك من آل الرسول ﷺ " انتهى. " الشرح الممتع " (٦ / ٢٥٧) . والنسب الشريف لا يجوز حصره في آل علي – وهم ذرية علي بن أبي طالب – فقط دون غيره، فقد سبق أن هذا النسب يسع غيرهم ممن ذكرناهم. مع التنبيه على أن النسب الشريف لا ينفع صاحبه إن كان كافراً، أو فاجراً، ولا يضر المسلم الطائع لربه تعالى أن يكون عبداً مملوكاً، فالمسلم يلقى ربه بأعماله الصالحة، وهو مما يملك أن يزيد فيها وينقص، وأما النسب الشريف: فهو ليس في اختيار المسلم، ولن يكون لصاحبه فضل في الآخرة بمجرد انتسابه ذاك. قال الله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) الحجرات/١٣، وقال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل/٩٧. خامساً: أما بخصوص تحريم الصدقات: فننبه على أمرين: ١. الصدقات الممنوعة على آل النبي ﷺ هي الصدقات الواجبة ـ كالزكاة والكفارات ـ دون صدقات التطوع. ٢. لا تحرم الزكاة على كل الأشراف، بل المنع والتحريم على " بني هاشم " منهم فقط، وهم ذرية هاشم بني عبد مناف، وهو الجد الثاني للرسول ﷺ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ولفظ " الأشراف " لا يتعلق به حكم شرعي، وإنما الحكم يتعلق بـ " بني هاشم "، كتحريم الصدقة، وأنهم آل محمد ﷺ ، وغير ذلك " انتهى. " منهاج السنة النبوية " (٤ / ٥٥٩) . وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: " إذا كانت الصدقة صدقة تطوع: فإنها تُعطى إليهم، ولا حرج في هذا، وإن كانت الصدقة واجبة: فإنها لا تعطى إليهم؛ لأن النبي ﷺ قال: (إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ) ، وبنو هاشم شرَّفهم الله بألا يأخذوا من الناس أوساخهم، أما صدقة التطوع: فليست وسخاً في الواقع، وإن كانت لا شك تكفر الخطيئة، لكنها ليست كالزكاة الواجبة، ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أنهم يعطون من صدقة التطوع، ولا يعطون من الصدقة الواجبة " انتهى. "مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (١٨/٤٢٩) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14994

تقسيم العرب إلى عاربة ومستعربة [السُّؤَالُ] ـ[هل تقسيم العرب إلى عرب عاربة ومستعربة صحيح؟ وهل هذا يتعارض مع القرآن أم لا؟ وهل صحيح أن هذا التقسيم أتى من اليهود؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله توارد الأخباريون والمؤرخون والنسَّابون على تقسيم العرب – من حيثُ القِدَمُ - إلى طبقات ثلاثة: عربٌ بائدة، وعربٌ عاربة، وعربٌ مستعربة. ١- أما العرب البائدة: فهم مثل أقوام عاد، وثمود، وجديس، وعبيل، وجُرهُم، أطلق عليهم اسم " البائدة " لقدمهم النسبي، ولاندثارهم قبل الإسلام. ٢- وأما العرب العاربة فهم القحطانيون، أبناء قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، كما يذكر ذلك أكثر النسابين. ٣- وأما العرب المستعربة أو المتعربة، ويقال لهم " العدنانيون "، أو " النزاريون "، أو " المعديون "، وهم من صلب سيدنا إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، الذي تزوج من رعلة الجرهمية، فتعلم منهم العربية، فسموا المستعربة، وصار نسلهم من العرب، واندمجوا فيهم، وهم ينتسبون إلى عدنان من نسل سيدنا إسماعيل ﵇، غير أن ثمة خلافا كبيرا بين النسابين في عدد الآباء بينهما. ومضمون هذا التقسيم لا تكاد تختلف فيه كتب التاريخ والأنساب، ولكن الخلاف واقع في الأسماء، فبعضهم يسمي العرب البائدة بالعاربة، وآخرون يسمونهم بالعرباء ونحو ذلك من الخلاف. ولا نجد أي تعارض بين هذا التقسيم وبين الحقائق الواردة في القرآن الكريم، كما نستبعد جدا أن يكون مضمون هذا التقسيم مأخوذا عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وذلك لسببين اثنين: السبب الأول: توارد جميع كتب التاريخ والأنساب على تقسيم العرب إلى القحطانيين والعدنانيين، حتى قال الحافظ ابن عبد البر في مقدمة كتابه "الإنباه على قبائل الرواه" (ص/٢) : " هذا كتاب أخذته من أمهات كتب العلم بالنسب وأيام العرب، بعد مطالعتي لها، ووقوفي على أغراضها، فمن ذلك: كتاب أبي بكر محمد بن إسحاق، وكتاب أبي المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وكتاب أبي عبيدة معمر بن المثنى، وكتاب محمد بن سليمان، وكتاب محمد بن حبيب، وكتاب أبي عبد الله أحمد بن محمد بن عبيد العدويّ في نسب قريش، وكتاب الزبير بن بكار في نسب قريش، وكتاب عمه مصعب بن عبد الله الزبيري في ذلك، وكتاب علي بن كيسان الكوفي في أنساب العرب قاطبة، وكتاب علي بن عبد العزيز الجرجاني، وكتاب عبد الملك بن حبيب الأندلسي، إلى فِقَرٍ قيّدتها من الحديث والآثار، ونوادر اقتطفتها من كتب أهل الأخبار " انتهى. فانظر عدد هذه المراجع القديمة، فضلا عمن جاء بعدهم، أو فات ابن عبد البر ذكرهم، وقد ذكر الحافظ في كتابه هذا التقسيم المشهور للعرب. السبب الثاني: عدم ورود شيء عن العرب البائدة في التوراة المحرفة التي بين أيدي الناس اليوم، بل إن اليهود ينكرون وجود أقوام عاد وثمود ونحوهم، فكيف يكون هذا التقسيم مأخوذا عنهم. يقول الطبري ﵀: " فأما أهل التوراة، فإنهم يزعمون أن لا ذكر لعاد ولا ثمود ولا لهود وصالح في التوراة، وأمرهم عند العرب في الشهرة في الجاهلية والإسلام كشهرة إبراهيم وقومه " انتهى. "تاريخ الأمم والملوك" (١/١٤١) . وقد تمكن علماء الآثار من الوقوف على حقائق جغرافية وتاريخية تدل على وجود هؤلاء الأقوام، وعدمُ ذكر التوراة لهم إنما هو لأن أكثرهم عاشوا بعد التوراة، أو لأن التوراة لا تهتم بأخبار العالم من غير العبرانيين. يقول الدكتور جواد علي: " اتفق الرواة وأهل الأخبار، أو كادوا يتفقون، على تقسيم العرب من حيث القدم إلى طبقات: عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة. أو عرب عاربة، وعرب متعربة، وعرب مستعربة. أو عرب عاربة وعرباء وهم الخلص، والمتعربة. واتفقوا أو كادوا يتفقون على تقسيم العرب من حيث النسب إلى قسمين: قحطانية، منازلهم الأولى في اليمن. وعدنانية، منازلهم الأولى في الحجاز. واتفقوا، أو كادوا يتفقون، على أن القحطانيين هم عرب منذ خلقهم الله، وعلى هذا النحو من العربية التي نفهمها ويفقهها من يسمع هذه الكلمة، فهم الأصل، والعدنانية الفرع منهم أخذوا العربية، وبلسانهم تكلم أبناء إسماعيل بعد هجرتهم إلى الحجاز، شرح الله صدر جدهم إسماعيل، فتكلم بالعربية، بعد أن كان يتكلم بلغة أبيه التي كانت الآرامية، أو الكلدانية، أو العبرانية على بعض الأقوال. ونجد الأخباريين والمؤرخين يقسمون العرب أحيانًا إلى طبقتين: عرب عاربة، وعرب مستعربة ... وظل الرواة يتوارثون هذا التقسيم كلما بحثوا في تأريخ العرب قبل الإسلام، وفي موضوع الأنساب. وتقسيم العرب إلى طبقات - وذلك من ناحية القدم والتقدم في العربية - هو تقسيم لا نجد له ذكرًا لا في التوراة أو الموارد اليهودية الأخرى، ولا في الموارد اليونانية أو اللاتينية، أو السريانية، ويظهر أنه تقسيم عربي خالص، نشأ من الجمع بين العرب الذين ذكر أنهم بادوا قبل الإسلام، فلم تبقَ منهم غير ذكريات، وبين العرب الباقين، وهم إما من عدنان، وإما من قحطان " انتهى باختصار. "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" (١/٢٩٤ فما بعدها) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14995

ترجمة موجزة للحافظ ابن كثير [السُّؤَالُ] ـ[من هو ابن كثير؟ عرفت أن ابن كثير كان شافعيًا فلماذا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الكلام في ترجمة الحافظ ابن كثير ضمن الفقرات الآتية: أولا: اسمه ونسبه ومولده. هو الحافظ المؤرخ المفسر عماد الدين أبو الفداء: إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء القرشي البصروي، ثم الدمشقي. ولد بمجدل من أعمال دمشق سنة (٧٠١هـ) ، ثم انتقل إلى دمشق مع أخيه كمال الدين سنة (٧٠٧هـ) بعد موت أبيه. ثانيا: طلبه للعلم. حفظ القرآن الكريم وختم حفظه في سنة (٧١١هـ) ، وقرأ القراءات وبرع في التفسير، وحفظ متن " التنبيه " في الفقه الشافعي سنة (٧١٨هـ) ، وحفظ مختصر ابن الحاجب، وتفقه على الشيخين برهان الدين الفزاري، وكمال الدين ابن قاضي شهبة. ثم صاهر الحافظ أبا الحجاج المزي، فتزوج ابنته زينب، ولازمه، وأخذ عنه، وأقبل على علم الحديث فتخرج عليه فيه، وصحب الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وكانت له به خصوصية، وكان يفتي برأيه في مسألة الطلاق، وامتحن بسبب ذلك وأوذي. وقرأ الأصول على الأصفهاني وسمع علي أبي نصر ابن الشيرازي، وأبي القاسم بن عساكر، وآخرين كثيرين جدا. وأقبل على حفظ المتون، ومعرفة الأسانيد والعلل والرجال والتاريخ، حتى برع في ذلك وهو شاب، وأفتى ودرس وناظر وبرع في الفقه والتفسير والنحو، وأمعن النظر في الرجال والعلل. ثالثا: مكانته العلمية. ولي العديد من المدارس العلمية في ذلك العصر، منها: دار الحديث الأشرفية، والمدرسة الصالحية، والمدرسة النجيبية، والمدرسة التنكزية، والمدرسة النورية الكبرى. رابعا: ثناء العلماء عليه وذكر بعض مصنفاته. قال الحافظ الذهبي ﵀ في ترجمته: " إسماعيل بن عمر بن كثير: الإمام، الفقيه، المحدث الأوحد، البارع، عماد الدين البصروي الشافعي، فقيه متقن، ومحدث متقن، ومفسر نقال، وله تصانيف مفيدة، يدري الفقه، ويفهم العربية والأصول، ويحفظ جملة صالحة من المتون والتفسير والرجال وأحوالهم، سمع مني، وله حفظ ومعرفة " انتهى. "معجم المحدثين" (١/٥٦) . وقال الحافظ ابن حجر ﵀: " إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير القيسي البصروي، الشيخ عماد الدين. ولد سنة سبعمائة أو بعدها بيسير، ومات أبوه سنة (٧٠٣) ، ونشأ هو بدمشق، وسمع من ابن الشحنة، وابن الزراد، وإسحاق الآمدي، وابن عساكر، والمزي، وابن الرضى، وطائفة. وأجاز له من مصر الدبوسي، والواني، والختني، وغيرهم. واشتغل بالحديث مطالعة في متونه ورجاله، فجمع التفسير، وشرع في كتاب كبير في الأحكام لم يكمل، وجمع التاريخ الذي سماه البداية والنهاية، وعمل طبقات الشافعية، وخرج أحاديث أدلة التنبيه، وأحاديث مختصر ابن الحاجب الأصلي، وشرع في شرح البخاري ولازم المزي، وقرأ عليه تهذيب الكمال، وصاهره على ابنته، وأخذ عن ابن تيمية ففتن بحبه، وامتحن لسببه، وكان كثير الاستحضار، حسن المفاكهة، سارت تصانيفه في البلاد في حياته، وانتفع بها الناس بعد وفاته، ولم يكن على طريق المحدثين في تحصيل العوالي وتمييز العالي من النازل ونحو ذلك من فنونهم، وإنما هو من محدثي الفقهاء، وقد اختصر مع ذلك كتاب ابن الصلاح، وله فيه فوائد " انتهى. "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" (١/٤٤٥-٤٤٦) . خامسا: مذهبه. تفقه الإمام ابن كثير على فقهاء الشافعية في زمانه، فحفظ كتبهم، ودرس علومهم، بل وكتب الكتب المختصة بهم، فقد كان مذهب الشافعية هو المذهب المنتشر في بلاد الشام ومصر. يقول الإمام السبكي ﵀: " وهذان الإقليمان – يعني الشام ومصر - وما معهما من عيذاب - وهي منتهى الصعيد إلى العراق - مركز ملك الشافعية منذ ظهر مذهب الشافعي، اليد العالية لأصحابه في هذه البلاد، لا يكون القضاء والخطابة في غيرهم، ومنذ انتشر مذهبه لم يول أحد قضاء الديار المصرية إلا على مذهبه، إلا ما كان من القاضي بكار، ولم يول في الشام قاض إلا على مذهبه، إلا البلاساغوني، وجرى له ما جرى، فإنه ولي دمشق وأساء السيرة، ثم أراد أن يعمل في جامع بني أمية إماما حنفيا، وجامع بني أمية منذ ظهور مذهب الشافعي لم يؤم فيه إلا شافعي، ولا صعد منبره غير شافعي، فأراد هذا القاضي إحداث إمام حنفي. قال ابن عساكر: فأغلق أهل دمشق الجامع، ولم يمكنوه، ثم عزل القاضي، واستمرت دمشق على عادتها لا يليها إلا شافعي إلى زمن الظاهر بيبرس التركي، ضم إلى الشافعي القضاة من المذاهب الثلاثة. قال الأستاذ أبو منصور البغدادي: وقبل ظهور مذهب الشافعي في دمشق لم يكن يلي القضاء بها والخطابة والإمامة إلا أوزاعي، على رأي الإمام الأوزاعي " انتهى. "طبقات الشافعية الكبرى" (١/٣٢٦) . فليس من المستغرب أن يكون ابن كثير شافعي المذهب. ولا يلزم مما سبق خلو بلاد الشام من المذاهب الأخرى، فقد كان للحنابلة – مثلا - حضور ظاهر في الشام، يتمثل حضورهم بعبد الغني المقدسي وعائلته ومن جاء بعدهم، وبآل تيمية أيضا، وبغيرهم من علماء المذاهب الأخرى. سادسا: وفاته. توفي في شعبان سنة (٧٧٤هـ) ، وكان قد أضر في أواخر عمر. انظر ترجمة موسعة له في مقدمة تحقيق "البداية والنهاية" بإشراف د. عبد الله التركي (١/١٣-٣٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14996

هل في الكتاب والسنَّة إشارة إلى حصول "الاحتباس الحراري "؟ [السُّؤَالُ] ـ[ماذا يقول القرآن والإسلام في المشكلة الكبيرة جدّاً في العالم كله، والمسمَّاة بـ " ارتفاع درجة حرارة الأرض "؟ يقولون: إن ثلوج العالم ستنصهر خلال عدة عقود، مما سيكون له تأثيرات خطيرة، هل ذكر شيء في القرآن والإعجاز العلمي فيه عن هذا الأمر؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله مشكلة " الاحتباس الحراري " تعد من أبرز مشكلات العصر البيئية، والتي عقد من أجلها الخبراء المؤتمرات الكثيرة، ونشرت أبحاث متعددة تحذر من عواقبها الوخيمة، وهؤلاء الخبراء يُعزون هذا الارتفاع في الحرارة لما تسببه المصانع، ومحطات الطاقة، وعوادم السيارات من غازات تتراكم في غلاف الأرض، مما يسبب ارتفاعاً لحرارة الهواء، وحرارة المحيطات، وينذر ذلك بذوبان الجليد وتدفقه في الأرض، مما يتوقع أن يغير ذلك من معالم كاملة لبعض الدول، ومن تغيير كبير في مناخ مساحات شاسعة في الأرض. ولم نجد ما يتعلق بهذا في القرآن والسنَّة إلا حديثاً واحداً، ذكر بعض العلماء المتخصصين في الشرع والعلوم البيئية أن له تعلُّقاً بالموضوع، وأقرَّهم على ذلك بعض أبرز الاختصاصيين في العالم، وهو رجوع جزيرة العرب مروجاً وأنهاراً، وقد عزوا ذلك إلى تغير كامل في مناخ الأرض، وهو ذوبان " القطب الشمالي المتجمد " بسبب الاحتباس الحراري. والذي نراه أن رجوع جزيرة العرب مروجاً وأنهاراً أمر لا شك فيه، ولكن لا يمكن الجزم بأن ذلك سيكون بسبب الذوبان الجليدي، فإن علم ذلك عند الله تعالى، ولكننا نذكر هذا القول استئناساً، ولأنه قد قيل من قبل اختصاصيين من مسلمين، وكفار. والحديث هو: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا) رواه مسلم (١٥٧) . والمروج: هي الأرض الواسعة كثيرة النبات. ١. قال الدكتور " زغلول النجار " – وفقه الله -: "وهذا الحديث الشريف من المعجزات العلمية التي تصف حقيقة كونية لم يدركها العلماء إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين، حين ثبت لهم بأدلة قاطعة أن " جزيرة العرب " كانت في القديم مروجاً وأنهاراً , كما تشير الدراسات المناخية إلى أن تلك الصحراء القاحلة في طريقها الآن للعودة مروجاً وأنهاراً مرة أخرى , وذلك لأن كوكب الأرض يمر - في تاريخه الطويل - بدورات مناخية متقلبة تتم على مراحل زمنية طويلة ومتدرجة - كما قد تكون فجائية , ومتسارعة. وتشير الدراسات المناخية إلى أننا مقدمون على فترة مطيرة جديدة، شواهدها بدايات " زحف للجليد " في نصف الكرة الشمالي باتجاه الجنوب , وانخفاض ملحوظ في درجات حرارة فصل الشتاء. وإشارة المصطفى ﷺ إلى هذه الفترة الجليدية في حديثه الكريم (حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا) : مما يشهد له بالنبوة، وبالرسالة , وبأنه عليه الصلاة وأزكى التسليم كان دوماً موصولاً بالوحي , ومُعَلَّمًا من قِبَل خالق السماوات والأرض" انتهى باختصار، من: http://www.eqraa.com/forums/index.php? showtopic=٣٦٨٧ ٢. وقال الشيخ عبد المجيد الزنداني – وفقه الله -: "العالم البروفسيور " الفريد كرونير " من أشهر علماء الجيولوجيا في العالم، حضر مؤتمراً جيولوجيّاً في كلية " علوم الأرض " في جامعة " الملك عبد العزيز "، قلت له: هل عندكم حقائق أن جزيرة العرب كانت بساتين وأنهاراً؟ فقال: نعم، هذه مسألة معروفة عندنا، وحقيقة من الحقائق العلمية، وعلماء الجيولوجيا يعرفونها؛ لأنك إذا حفرت في أي منطقة تجد الآثار التي تدلك على أن هذه الأرض كانت مروجاً وأنهاراً , والأدلة كثيرة، قلت له: وهل عندك دليل على أن بلاد العرب ستعود مروجاً وأنهاراً؟ قال: هذه مسألة حقيقية، ثابتة، نعرفها نحن الجيولوجيون، ونقيسها، ونحسبها , ونستطيع أن نقول بالتقريب متى يكون ذلك، وهي مسألة ليست عنكم ببعيدة، وهي قريبة، قلت: لماذا؟ قال: لأننا درسنا تاريخ الأرض في الماضي، فوجدنا أنها تمر بأحقاب متعددة من ضمن هذه الأحقاب المتعددة، حقبة تسمَّى " العصور الجليدية "، وما معنى العصر الجليدي؟ معناه: أن كمية من ماء البحر تتحول إلى ثلج، وتتجمع في " القطب المتجمد الشمالي "، ثم تزحف نحو الجنوب، وعندما تزحف نحو الجنوب: تغطي ما تحتها، وتغير الطقس في الأرض , ومن ضمن تغيير الطقس: تغيير يحدث في بلاد العرب , فيكون الطقس بارداً , وتكون بلاد العرب من أكثر بلاد العالم أمطاراً وأنهاراً. قلت له: تأكد لنا هذا؟ . قال: نعم، هذه حقيقة لا مفر منها. قلت له: اسمع، مَن أخبر محمَّداً ﷺ بذلك؟ هذا كله مذكور في حديث رواه مسلم يقول ﷺ : (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا) مَن قال لمحمد ﷺ إن أرض العرب كانت مروجاً وأنهاراً؟! ففكَّر، وقال: الرومان! ، فقلت له: ومَن أخبره بأن أرض العرب ستعود مروجاً وأنهاراً؟ ففكر، وفكر وقال: (فيه فوق!!) وهنا قلت له: اكتب، فكتب بخطه: " لقد أدهشتني الحقائق العلمية التي رأيتها في القرآن والسنَّة، ولم نتمكن من التدليل عليها إلا في الآونة الأخيرة بالطرق العلمية الحديثة، وهذا يدل على أن النبي محمَّداً ﷺ لم يصل إلى هذا العلم إلا بوحي علوي ". والله هذا الألماني ما مرَّ بيني وبينه سوى ساعتين ونصف ساعة حتى قال هذا كله، وهذا عملاق من عمالقة العلم، ويكتب هذا، ويقره، وهذا يدل على أن هناك عِلماً واحداً، وحقيقة واحدة، وإلهاً واحداً" انتهى باختصار من: http://www.science٤islam.com/index.aspx?act=da&id=١٣٣ والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14997

القبة الخضراء في المدينة، تاريخها، وحكم بنائها، وبقائها [السُّؤَالُ] ـ[إذا كانت القبة الخضراء على قبر النبي ﷺ من البدع والمؤدية إلى الشرك، فلماذا لا تزيلها الحكومة السعودية؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: تاريخ القبة الخضراء لم تكن القبة التي على قبر النبي ﷺ موجودة إلى القرن السابع، وقد أُحدث بناؤها في عهد السلطان قلاوون، وكان لونها أولاً بلون الخشب، ثم صارت باللون الأبيض، ثم اللون الأزرق، ثم اللون الأخضر، واستمرت عليه إلى الآن. قال الأستاذ علي حافظ حفظه الله: "لم تكن على الحجرة المطهرة قبة، وكان في سطح المسجد على ما يوازي الحجرة حظير من الآجر بمقدار نصف قامة تمييزاً للحجرة عن بقية سطح المسجد. والسلطان قلاوون الصالحي هو أول من أحدث على الحجرة الشريفة قبة، فقد عملها سنَة ٦٧٨ هـ، مربَّعة من أسفلها، مثمنة من أعلاها بأخشاب، أقيمت على رؤوس السواري المحيطة بالحجرة، وسمَّر عليها ألواحاً من الخشب، وصفَّحها بألواح الرصاص، وجعل محل حظير الآجر حظيراً من خشب. وجددت القبة زمن الناصر حسن بن محمد قلاوون، ثم اختلت ألواح الرصاص عن موضعها، وجددت، وأحكمت أيام الأشرف شعبان بن حسين بن محمد سنة ٧٦٥ هـ، وحصل بها خلل، وأصلحت زمن السلطان قايتباي سنة ٨٨١هـ. وقد احترقت المقصورة والقبة في حريق المسجد النبوي الثاني سنة ٨٨٦ هـ، وفي عهد السلطان قايتباي سنة ٨٨٧هـ جددت القبة، وأسست لها دعائم عظيمة في أرض المسجد النبوي، وبنيت بالآجر بارتفاع متناه،.... بعد ما تم بناء القبة بالصورة الموضحة: تشققت من أعاليها، ولما لم يُجدِ الترميم فيها: أمر السلطان قايتباي بهدم أعاليها، وأعيدت محكمة البناء بالجبس الأبيض، فتمت محكمةً، متقنةً سنة ٨٩٢ هـ. وفي سنة ١٢٥٣هـ صدر أمر السلطان عبد الحميد العثماني بصبغ القبة المذكورة باللون الأخضر، وهو أول من صبغ القبة بالأخضر، ثم لم يزل يجدد صبغها بالأخضر كلما احتاجت لذلك إلى يومنا هذا. وسميت بالقبة الخضراء بعد صبغها بالأخضر، وكانت تعرف بالبيضاء، والفيحاء، والزرقاء" انتهى. " فصول من تاريخ المدينة المنورة " علي حافظ (ص ١٢٧، ١٢٨) . ثانياً: حكمها وقد أنكر أهل العلم المحققين - قديماً وحديثاً – بناء تلك القبة، وتلوينها، وكل ذلك لما يعلمونه من سد الشريعة لأبواب كثيرة خشية الوقوع في الشرك. ومن هؤلاء العلماء: ١. قال الصنعاني – ﵀ – في " تطهير الاعتقادِ ": "فإن قلت: هذا قبرُ الرسولِ ﷺ قد عُمرت عليه قبةٌ عظيمةٌ انفقت فيها الأموالُ. قلتُ: هذا جهلٌ عظيمٌ بحقيقةِ الحالِ، فإن هذه القبةَ ليس بناؤها منهُ ﷺ ، ولا من أصحابهِ، ولا من تابعيهم، ولا من تابعِ التابعين، ولا علماء الأمةِ وأئمة ملتهِ، بل هذه القبةُ المعمولةُ على قبرهِ ﷺ من أبنيةِ بعضِ ملوكِ مصر المتأخرين، وهو قلاوون الصالحي المعروف بالملكِ المنصورِ في سنةِ ثمانٍ وسبعين وست مئة، ذكرهُ في " تحقيقِ النصرةِ بتلخيصِ معالمِ دارِ الهجرةِ "، فهذه أمورٌ دولية لا دليليةٌ " انتهى. ٢. وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: هناك من يحتجون ببناء القبة الخضراء على القبر الشريف بالحرم النبوي على جواز بناء القباب على باقي القبور، كالصالحين، وغيرهم، فهل يصح هذا الاحتجاج أم ماذا يكون الرد عليهم؟ فأجابوا: " لا يصح الاحتجاج ببناء الناس قبة على قبر النبي ﷺ على جواز بناء قباب على قبور الأموات، صالحين، أو غيرهم؛ لأن بناء أولئك الناس القبة على قبره ﷺ حرام يأثم فاعله؛ لمخالفته ما ثبت عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ ألا تدع تمثالاً إلا طمستَه، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته. وعن جابر ﵁ قال: (نهى النبي ﷺ أن يجصَّص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه) رواهما مسلم في صحيحه، فلا يصح أن يحتج أحد بفعل بعض الناس المحرم على جواز مثله من المحرمات؛ لأنه لا يجوز معارضة قول النبي ﷺ بقول أحد من الناس أو فعله؛ لأنه المبلغ عن الله سبحانه، والواجب طاعته، والحذر من مخالفة أمره؛ لقول الله : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) الحشر/ ٧. وغيرها من الآيات الآمرة بطاعة الله وطاعة رسوله؛ ولأن بناء القبور، واتخاذ القباب عليها من وسائل الشرك بأهلها، فيجب سد الذرائع الموصلة للشرك " انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٩ / ٨٣، ٨٤) . ٣. وقال علماء اللجنة الدائمة – أيضاً -: " ليس في إقامة القبة على قبر النبي ﷺ حجة لمن يتعلل بذلك في بناء قباب على قبور الأولياء والصالحين؛ لأن إقامة القبة على قبره: لم تكن بوصية منه، ولا من عمل أصحابه ﵃، ولا من التابعين، ولا أحد من أئمة الهدى في القرون الأولى التي شهد لها النبي ﷺ بالخير، إنما كان ذلك من أهل البدع، وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، وثبت عن علي ﵁ أنه قال لأبي الهياج: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ ألَاّ تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) رواه مسلم؛ فإذا لم يثبت عنه ﷺ بناء قبة على قبره، ولم يثبت ذلك عن أئمة الخير، بل ثبت عنه ما يبطل ذلك: لم يكن لمسلم أن يتعلق بما أحدثه المبتدعة من بناء قبة على قبر النبي ﷺ " انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢ / ٢٦٤، ٢٦٥) . ٤. وقال الشيخ شمس الدين الأفغاني ﵀: " قال العلامة الخجندي (١٣٧٩ هـ) مبيِّناً تاريخ بناء هذه القبة الخضراء المبنية على قبر النبي ﷺ ، محققاً أنها بدعة حدثت بأيدي بعض السلاطين، الجاهلين، الخاطئين، الغالطين، وأنها مخالفة للأحاديث الصحيحة المحكمة الصريحة؛ جهلاً بالسنَّة، وغلوّاً وتقليداً للنصارى، الضلال الحيارى: اعلم أنه إلى عام (٦٧٨ هـ) لم تكن قبة على الحجرة النبوية التي فيها قبر النبي ﷺ ؛ وإنما عملها وبناها الملك الظاهر المنصور قلاوون الصالحي في تلك السنة - (٦٧٨هـ) ، فعملت تلك القبة. قلت: إنما فعل ذلك لأنه رأى في مصر والشام كنائس النصارى المزخرفة فقلدهم جهلاً منه بأمر النبي ﷺ وسنته؛ كما قلدهم الوليد في زخرفة المسجد، فتنبه، كذا في " وفاء الوفاء " ... اعلم أنه لا شك أن عمل قلاوون هذا -: مخالف قطعاً للأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ ؛ ولكن الجهل بلاء عظيم، والغلو في المحبة والتعظيم وباء جسيم، والتقليد للأجانب داء مهلك؛ فنعوذ بالله من الجهل، ومن الغلو، ومن التقليد للأجانب" انتهى. " جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية " (٣ / ١٦٦٠ - ١٦٦٢) . ثالثاً: سبب عدم هدمها فقد بَيَّن العلماء الحكم الشرعي في بناء القبة، وأثرها البدعي واضح على أهل البدع، فهم متعلقون بها بناءً ولوناً، ومدحهم وتعظيمهم لها نظماً ونثراً كثير جدّاً، ولم يبق إلا تنفيذ ذلك من ولاة الأمر، وليس هذا من عمل العلماء. وقد يكون المانع من هدمها درءً للفتنة، وخشيةً من أن تحدث فوضى بين عامة الناس وجهلتهم، وللأسف فإن هؤلاء العامة لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من تعظيم تلك القبَّة إلا بقيادة علماء الضلالة وأئمة البدعة، وهؤلاء هم الذي يهيجون العامة على بلاد الحرمين الشريفين، وعلى عقيدتها، وعلى منهجها، وقد ساءتهم جدّاً أفعالٌ كثيرة موافقة للشرع عندنا، مخالفة للبدعة عندهم! . وبكل حال: فالحكم الشرعي واضح بيِّن، وعدم هدمها لا يعني أنها جائزة البناء لا هي ولا غيرها على أي قبر كان. قال الشيخ صالح العصيمي حفظه الله: " إن استمرارَ هذه القبةِ على مدى ثمانيةِ قرونٍ لا يعني أنها أصبحت جائزة، ولا يعني أن السكوتَ عنها إقرارٌ لها، أو دليلٌ على جوازها، بل يجبُ على ولاةِ المسلمين إزالتها، وإعادة الوضع إلى ما كان عليه في عهدِ النبوةِ، وإزالة القبةِ والزخارفِ والنقوشِ التي في المساجدِ، وعلى رأسها المسجدُ النبوي، ما لم يترتب على ذلك فتنةٌ أكبر منه، فإن ترتبَ عليه فتنةٌ أكبر، فلولي الأمرِ التريث مع العزمِ على استغلالِ الفرصة متى سنحت " انتهى. " بدعِ القبورِ، أنواعها، وأحكامها " (ص ٢٥٣) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14998

كتب التاريخ الموثوقة [السُّؤَالُ] ـ[ما أكثر ما في الكتب من دس للروايات عن هارون الرشيد، والدولة الأموية، والعباسية، وسيرة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃. أتمنى منكم أن ترشدوني إلى أفضل وأصح الكتب التي تتحدث عما ذكرت.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله تاريخُ الإسلامِ صفحاتٌ عظيمةٌ من الأحداث والوقائع المتنوعة، اختلطت فيها جوانب السياسة والاجتماع والاقتصاد، وامتزجت بالكثير من العوارض المختلفة أو المتناقضة، فاحتملت لذلك في طبيعتها مادة خصبة استغلها الكثير من أهل الأغراض والأهواء، فلم يتورعوا عن التشويه والتحريف والزيادة والنقصان. وإذا غضضنا الطرف عن العوامل الخارجية التي أدت إلى وجود الخلل في أحداث التاريخ المروية، وقَصَرْنَا النظرَ على طبيعة المادة المنقولة والمدونة، لوجدنا أن ذلك الخلل يرجع إلى سببين اثنين رئيسين: السبب الأول: غياب التدوين المباشر للتاريخ مِن قِبَل شهود العيان، ومَن عاصر الأحداث، أو على الأقل غياب الإسناد المقبول لتلك الأحداث، فقد غلب الإرسال والانقطاع بين المدون والراوي وبين الوقائع المروية، ففقدت المنهجية العلمية الركن الرئيس فيها، وغدت أحداث التاريخ نهبة لمن شاء أن يحكي فيها ما يريد، فالكل يكتب ويشارك، سواء أسند أم أرسل. كما قال الإمام أحمد ﵀: " ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير " انتهى. رواه الخطيب في "الجامع" (٢/١٦٢) وفسره بقوله: المراد به كتب مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة، غير معتمد عليها، ولا موثوق بصحتها، لسوء أحوال مصنفيها، وعدم عدالة ناقليها، وزيادات القصاص فيها "، وفسرها شيخ الإسلام ابن تيمية بكثرة المراسيل في هذه الأبواب. والسبب الثاني: غياب الحس النقدي لدى كثير من كُتَّاب التاريخ الأول، فلا تكاد تجد في المؤرخين القدامى من يزيد على الحكاية والرواية، فقد كان هذا سعيهم الأول، ولعلهم أوكلوا النقد بالتصديق أو التكذيب إلى القارئ الذي غالبا ما يتيه بين آلاف الصفحات المسطرة. ولعل القراءة المجردة في "تاريخ الأمم والملوك" لابن جرير الطبري، وفي "الإمامة والسياسة" المنسوب خطأ لابن قتيبة، وفي "مروج الذهب" لعلي بن الحسين المسعودي، وفي "تاريخ اليعقوبي"، و"الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، وفي "العقد الفريد" لابن عبد ربه، وفي "تاريخ التمدن الإسلامي" لجرجي زيدان – لعل القراءة المجردة فيها توقف القارئ على الصورة الحقيقية لقدر التشويه الذي لحق بمصنفات التاريخ ومدوناته. وانظر للتوسع عن كتب التاريخ المشوهة كتاب "كتب حذر منها العلماء" للشيخ مشهور حسن سلمان، الجزء الثاني. يقول ابن خلدون في "المقدمة" (ص/٩-١٠) : " وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثًّا أو سمينًا، ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات، إذ هي مَظِنَّةُ الكذب، ومَطِيَّةُ الهَذَر، ولا بد من ردها إلى الأصول، وعرضها على القواعد " انتهى. والأدوات التي يحتاجها المؤرخ الناقد متنوعة ما بين علم بأحوال الرواة وطبائع الأمم وقواطع العادات والسنن ودقة في الملاحظة والقياس، وذلك ما لا يتوفر إلا في القليل من المؤرخين المتقدمين والمتأخرين. يقول ابن خلدون في "المقدمة" (ص/٢٨) : " فإذا يحتاج صاحب هذا الفن إلى العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات واختلاف الأمم والبقاع والأعصار في السير والأخلاق والعوائد والنحل والمذاهب وسائر الأحوال، والإحاطة بالحاضر من ذلك، ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق أو بون ما بينهما من الخلاف، وتعليل المتفق منها والمختلف، والقيام على أصول الدول والملل ومبادئ ظهورها وأسباب حدوثها ودواعي كونها وأحوال القائمين بها وأخبارهم، حتى يكون مستوعبا لأسباب كل خبره، وحينئذ يعرض خبر المنقول على ما عنده من القواعد والأصول، فإن وافقها وجرى على مقتضاها كان صحيحا، وإلا زيفه واستغنى عنه. وما استكبر القدماء علم التاريخ إلا لذلك، حتى انتحله الطبري والبخاري وابن إسحاق من قبلهما، وأمثالهم من علماء الأمة، وقد ذهل الكثير عن هذا السر فيه حتى صار انتحاله مجهلة، واستخف العوام ومن لا رسوخ له في المعارف مطالعته وحمله والخوض فيه والتطفل عليه، فاختلط المرعي بالهمل، واللباب بالقشر، والصادق بالكاذب، وإلى الله عاقبة الأمور " انتهى. ونحن وإن كنا نستشعر النقص في التحقيق التاريخي، والنقد المنهجي، إلا أننا لا ننفي وجوده، فقد سطر نقاد العلماء كتبا محققة محكمة، محَّصوا فيها الصادق من الكاذب، والحقيقي من الزائف، فيمكن الاستفادة منها والرجوع إليها، والأهم من ذلك: البناء عليها، ومنها: "العواصم من القواصم" لأبي بكر ابن الربي المالكي، "البداية والنهاية" لابن كثير، و "الكامل في التاريخ" لابن الأثير، وكتب الحافظ الذهبي عموما: "تاريخ الإسلام" و "سير أعلام النبلاء"، و"العبر" وغيرها. وهناك أيضا كثير من الدراسات المعاصرة النافعة والمفيدة في هذا المجال، مثل كتاب "التاريخ الإسلامي" للأستاذ محمود شاكر الحرستاني، و "مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري" للدكتور يحيى بن إبراهيم اليحيى، وكتب الدكتور محمد علي الصلابي التاريخية ـ بصفة عامة ـ كـ " السيرة النبوية"، وكتبه عن الخلفاء الراشدين، "الدولة الأموية"، "الدولة الفاطمية"، "دولة السلاجقة"، "الدولة العثمانية" وغيرها كثير، وأيضا كتاب "تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة" تأليف الدكتور محمد آمحزون. ففي هذا الكتب، إن شاء الله، غنية لمن أراد القراءة في التاريخ، خاصة لغير المتخصص في دارسة التاريخ أو العلوم الشرعية. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14999

هل سبقت محاولات لنبش قبر النبي ﷺ ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما هي حقيقة محاولات سرقة جسد النبي ﷺ ؟ أرجو من حضرتكم التفصيل في شرح ذلك.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله تذكر كتب التاريخ حوادث أربعة في محاولات نبش قبر النبي ﷺ ، محاولتان تولَّى كِبرَهما بعضُ النصارى، والثالثة والرابعة باء بإثمهما الحاكم العبيدي الزنديق الذي ادعى الربوبية. المحاولة الآثمة الأولى: تبوأ إثمها ووزرها الحاكم العبيدي الزنديق: منصور بن نزار بن معد المصري الإسماعيلي المدعي الربوبية، قال فيه الذهبي "سير أعلام النبلاء" (١٥/١٧٤) : " كان شيطانا مريدا جبارا عنيدا، كثير التلون، سفاكا للدماء، خبيث النِّحلة، عظيم المكر، له شأن عجيب، ونبأ غريب، كان فرعون زمانه، أمر بسب الصحابة ﵃، وبكتابة ذلك على أبواب المساجد والشوارع " انتهى باختصار. وقال السمهودي في "وفاء الوفا" (٢/٦٥٢) : "وقد وقع بعد الأربعمائة من الهجرة ما نقله الزين المراغي عن "تاريخ بغداد" لابن النجار قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن المبارك المقري، عن أبي المعالي صالح بن شافع الجلي، أنبأنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن محمد المعلم، ثنا أبو القاسم عبد الحليم بن محمد المغربي: أن بعض الزنادقة أشار على الحاكم العبيدي صاحب مصر بنقل النبي ﷺ وصاحبيه من المدينة إلى مصر، وزين له ذلك، وقال: متى تم لك ذلك شد الناس رحالهم من أقطار الأرض إلى مصر، وكانت منقبة لسكانها. فاجتهد الحاكم في ذلك، وأعد مكاناً، أنفق عليه مالا جزيلا. قال: وبعث أبا الفتوح لنبش الموضع الشريف، فلما وصل إلى المدينة الشريفة وجلس بها حضر جماعة المدنيين وقد علموا ما جاء فيه، وحضر معهم قارئ يعرف بـ " الزلباني "، فقرأ في المجلس: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ * أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) التوبة/١٢، ١٣ فماج الناس، وكادوا يقتلون أبا الفتوح ومن معه من الجند، ولما رأى أبو الفتوح ذلك قال لهم: الله أحق أن يخشى، والله لو كان علي من الحاكم فوات الروح ما تعرضت للموضع، وحصل له من ضيق الصدر ما أزعجه كيف نهض في مثل هذه المخزية. فما انصرف النهار ذلك اليوم حتى أرسل الله ريحا كادت الأرض تزلزل من قوتها، حتى دحرجت الإبل بأقتابها، والخيل بسروجها كما تدحرج الكرة على وجه الأرض، وهلك أكثرها وخَلْقٌ من الناس، فانشرح صدر أبي الفتوح، وذهب روعه من الحاكم لقيام عذره من امتناع ما جاء فيه " انتهى بتصرف. المحاولة الآثمة الثانية: ويبدو أنها محاولة ثانية من الحاكم العبيدي أيضا، ينقلها أيضا السمهودي في "وفاء الوفا" (٢/٦٥٣) فيقول: " ونقل ابن عذرة في كتاب "تأسي أهل الإيمان فيما جرى على مدينة القيروان" لابن سعدون القيرواني ما لفظه: ثم أرسل الحاكم بأمر الله إلى مدينة الرسول ﷺ من ينبش قبر النبي ﷺ ، فدخل الذي أراد نبشه دارا بقرب المسجد، وحفر تحت الأرض ليصل إلى قبر النبي ﷺ ، فرأوا أنوارا، وسمع صائح: إن نبيكم ينبش، ففتش الناس، فوجدوهم، وقتلوهم " انتهى. المحاولة الآثمة الثالثة: وقعت سنة (٥٥٧هـ) في عهد السطان الملك العادل نور الدين زنكي ﵀، وكان الذي تولى كبرها النصارى. رأى السلطان نور الدين ﵀ في نومه النبيَّ ﷺ وهو يشير إلى رجلين أشقرين ويقول: أنجدني! أنقذني من هذين! فاستيقظ فزعا، ثم توضأ وصلى ونام، فرأم المنام بعينه، فاستيقظ وصلى ونام، فرآه أيضا مرة ثالثة، فاستيقظ وقال: لم يبق نوم. وكان له وزير من الصالحين يقال له جمال الدين الموصلي، فأرسل إليه، وحكى له ما وقع له، فقال له: وما قعودك؟ اخرج الآن إلى المدينة النبوية، واكتم ما رأيت. فتجهز في بقية ليلته، وخرج إلى المدينة، وفي صحبته الوزير جمال الدين. فقال الوزير وقد اجتمع أهل المدينة في المسجد: إن السلطان قصد زيارة النبي ﷺ ، وأحضر معه أموالا للصدقة، فاكتبوا من عندكم. فكتبوا أهل المدينة كلهم، وأمر السلطان بحضورهم، وكل من حضر يأخذ يتأمله ليجد فيه الصفة التي أراها النبي ﷺ له فلا يجد تلك الصفة، فيعطيه ويأمره بالانصراف، إلى أن انفضت الناس. فقال السلطان: هل بقي أحد لم يأخذ شيئا من الصدقة؟ قالوا: لا. فقال: تفكروا وتأملوا. فقالوا: لم يبق أحد إلا رجلين مغربيين لا يتناولان من أحد شيئا، وهما صالحان غنيان يكثران الصدقة على المحاويج. فانشرح صدره وقال: علي بهما، فأُتي بهما فرآهما الرجلين اللذين أشار النبي ﷺ إليهما بقوله: أنجدني أنقذني من هذين. فقال هما: من أين أنتما؟ فقالا: من بلاد المغرب، جئنا حاجين، فاخترنا المجاورة في هذا المقام عند رسول الله ﷺ . فقال: اصدقاني، فصمما على ذلك. فقال: أين منزلهما؟ فأخبر بأنهما في رباط بقرب الحجرة الشريفة. وأثنى عليهما أهل المدينة بكثرة الصيام والصدقة، وزيارة البقيع وقباء. فأمسكهما وحضر إلى منزلهما، وبقي السلطان يطوف في البيت بنفسه، فرفع حصيرا في البيت، فرأى سردابا محفورا ينتهي إلى صوب الحجرة الشريفة، فارتاعت الناس لذلك، وقال السلطان عند ذلك: اصدقاني حالكما! وضربهما ضربا شديدا، فاعترفا بأنهما نصرانيان، بعثهما النصارى في حجاج المغاربة، وأعطوهما أموالاً عظيمة، وأمروهما بالتحيل لسرقة جسد النبي ﷺ ، وكانا يحفران ليلا، ولكل منهما محفظة جلد على زي المغاربة، والذي يجتمع من التراب يجعله كل منهما في محفظته، ويخرجان لإظهار زيارة البقيع فيلقيانه بين القبور، وأقاما على ذلك مدة، فلما قربا من الحجرة الشريفة أرعدت السماء وأبرقت، وحصل رجيف عظيم بحيث خيل انقلاع تلك الجبال، فقدم السلطان صبيحة تلك الليلة. فلما اعترفا، وظهر حالهما على يديه، ورأى تأهيل الله له لذلك دون غيره، بكى بكاء شديدا، وأمر بضرب رقابهما، ثم أمر بإحضار رصاص عظيم، وحفر خندقا عظيما حول الحجرة الشريفة كلها، وأذيب ذلك الرصاص، وملأ به الخندق، فصار حول الحجرة الشريفة سورٌ رصاصٌ، ثم عاد إلى ملكه، وأمر بإضعاف النصارى، وأمر أن لا يستعمل كافر في عمل من الأعمال. ذكر هذه الحادثة جمال الدين عبد الرحيم بن الحسن بن علي الأسنوي (ت ٧٧٢هـ) في رسالة له اسمها: " نصيحة أولي الألباب في منع استخدام النصارى " ويسميها بعضهم بـ " الانتصارات الإسلامية " نقلها عنه علي بن عبد الله السمهودي (ت ٩١١هـ) في كتابه " وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى " (٢/٦٤٨-٦٥٠) . وذكرها الحافظ جمال الدين عبد الله بن محمد بن أحمد المطري (ت ٧٦٥هـ) ، وكان رئيس المؤذنين في الحرم النبوي، وهو مؤرخ، له كتاب " الإعلام فيمن دخل المدينة من الأعلام " قال: " سمعتها من الفقيه علم الدين يعقوب بن أبي بكر عمن حدثه من أكابر من أدرك، أن السلطان محمودا ... وذكر القصة بنحو ما سبق مع اختلاف يسير. نقلا عن "وفاء الوفا" (٢/٦٥٠) . المحاولة الآثمة الرابعة: يحدثنا عن هذه المحاولة العلامة الرحالة ابن جبير، أبو الحسين محمد بن أحمد، المتوفى سنة (٦١٤هـ) ، يذكرها في "رحلته" في أحداث سنة (٥٧٨هـ) (ص/٣٤-٣٥) ، وذلك بعد وصوله إلى الإسكندرية، حيث قال: " لما حللنا الإسكندرية في الشهر المؤرخ أولا – يعني ذي القعدة -، عاينَّا مجتمعا من الناس عظيما، بروزا لمعاينة أسرى من الروم أدخلوا البلد راكبين على الجمال، ووجوههم إلى أذنابها وحولهم الطبول والأبواق، فسألنا عن قصتهم، فأخبرنا بأمر تتفطر له الأكباد إشفاقا وجزعا: وذلك أن جملة من نصارى الشام اجتمعوا وأنشأوا مراكب في أقرب المواضع التي لهم من بحر القلزم – البحر الأحمر -، ثم حملوا أنقاضها على جمال العرب المجاورين لهم بِكِراء – أي بأجرة - اتفقوا معهم عليه، فلما حصلوا بساحل البحر سمروا مراكبهم، وأكملوا إنشاءها وتأليفها، ودفعوها في البحر، وركبوها قاطعين بالحجاج، وانتهوا إلى بحر النعم، فأحرقوا فيه نحو ستة عشر مركبا، وانتهوا " عيذاب " – اسم مكان - فأخذوا فيها مركبا كان يأتي بالحجاج من جدة، وأخذوا أيضا في البر قافلة كبيرة تأتي من قوص " عيذاب "، وقتلوا الجميع ولم يحيوا أحدا، وأخذوا مركبين كانا مقبلين بتجار من اليمن، وأحرقوا أطعمة كثيرة على ذلك الساحل كانت معدة لميرة مكة والمدينة أعزهما الله، وأحدثوا حوادث شنيعة لم يسمع مثلها في الإسلام ولا انتهى رومي ذلك الموضع قط. ومن أعظمها حادثة تسد المسامع شناعة وبشاعة، وذلك أنهم كانوا عازمين على دخول مدينة الرسول ﷺ ، وإخراجه من الضريح المقدس. أشاعوا ذلك وأجروا ذكره على ألسنتهم، فأخذهم الله باجترائهم عليه، وتعاطيهم ما تَحُولُ عنايةُ القدرِ بينهم وبينه، ولم يكن بينهم وبين المدينة أكثر من مسيرة يوم، فدفع الله عاديتهم بمراكب مرت من مصر والإسكندرية، دخل فيها الحاجب المعروف بلؤلؤ مع أنجاد المغربة البحريين، فلحقوا العدو وهو قد قارب النجاة بنفسه فأخذوا عن آخرهم، وكانت آية من آيات العنايات الجبارية، وأدركوهم عن مدة طويلة كانت بينهم من الزمان، نيف على شهر ونصف أو حوله، وقتلوا وأسروا، وفرق من الأسارى على البلاد ليقتلوا بها، ووجه منهم مكة والمدينة، وكفى الله بجميل صنعه الإسلام والمسلمين أمرا عظيما، والحمد لله رب العالمين " انتهى. فهذه هي المحاولات التي وقفنا عليها، والله تعالى حافظ جسد نبيه ﷺ من أن تصل إليه أيدي أعدائه بسوء، وللمزيد حول هذا الموضوع يراجع كتاب "القبة الخضراء ومحاولات سرقة الجسد الشريف" لمحمد علي قطب، الدار الثقافية. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15000

هل حمل التتار الإسلام إلى آسيا ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما رأيكم فيمن يقول: إن التتار في هجومهم على المسلمين في بغداد دخلوا بعد ذلك دين الله، وحملوا الدين إلى رقاع من آسيا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: ينبه بعض المحققين من المؤرخين المعاصرين على أن الجيوش التي غزت بلاد المسلمين بقيادة " جنكيزخان " (ت ٦٢٤هـ، ١٢٢٧م) فأهلكت الحرث والنسل هي جيوش مغولية الأصل، وليست تتارية، وبين هذين الجنسين والعرقين فرق كبير، وسبب الخلط بينهما هو أن المغول بقيادة " جنكيزخان " بعد أن تغلبوا على التتار أرغموا بعضهم على الانضمام إلى جيوشهم ومشاركتهم في حروبهم قسرا، ومع قيام بعض الأسباب السياسية، وخاصة في العصور المتأخرة، اشتهر اسم " التتار " على تلك الجيوش، بل وأصبح وصف " التتار " علما على الهمجية والقسوة والوحشية، في تفاصيل معقدة من تاريخ شعوب تلك المنطقة، يمكن الاطلاع عليها في دراسة متقنة للدكتور: أبرار كريم الله، بعنوان " مَن هم التتار ". ثانيا: ديانة المغول الأولى عبادة الكواكب والسجود للشمس، وكانوا يرون أن (تَنْكَرَى) وهو الرب الذي يعلو السماء الزرقاء يبارك خطواتهم، وأنهم خلقوا ليحكموا العالم كله، ولهذا سمى زعيمهم نفسه بـ " جنكيز خان " أي: حاكم العالم. وكان يحكم بكتاب جمعه من شرائع مختلفة أسماه " الياسق " جعله القانون الذي يتحاكمون إليه. غير أن المغول تأثروا بالبلاد التي غزوها – وهي بلاد واسعة تمتد من روسيا إلى أوروبا إلى بلاد الشام، فكان بعضهم يعتنق البوذية أو النصرانية، وآخرون يعتنقون الإسلام، وبعضهم يبقى على ما هو عليه. أما اعتناقهم للإسلام فقد ذكره المؤرخون في كتبهم عن كثير من كبار قادتهم، أنهم انتسبوا للإسلام وأعلنوا انتماءهم له، غير أن كثيرا من محققي العلماء والفقهاء في عصرهم – ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية - لم يقبلوا انتسابهم الاسمي إلى دين الإسلام، وطالبوهم بتحقيقه قولا وفعلا، وأفتوا بكفر فئاتهم التي لم تعمل بالإسلام في شعائرها الظاهرة، ومن أهمها الصلاة والأذان والحكم بالشريعة واعتقاد حرمة المسلم على المسلم. ولكننا نذكر هنا ما ينقله المؤرخون، كي نعطي صورة " مجتزأة " للإسلام الذي حمله المغول. جاء في دراسة الدكتور محمود السيد " التتار والمغول " (ص/١٥٠ – ١٥٤) : " اعتنق " كورجوز " حاكم فارس من قبل " أجتاي خان " الديانة الإسلامية في أواخر عهده، بعد اعتناق بركة خان القبيلة الذهبية ٦٥٤هـ - ٦٦٦هـ للعقيدة الإسلامية في أول نصر حقيقي للإسلام، خاصة بعد أن تبعه السواد الأعظم من رعيته، حتى إن كل رجال جيوشه كانوا مسلمين وهم مغول، وتبع ذلك توثيق الروابط السياسية بين " بركة خان " و" بيبرس " سلطان مصر، وتحالف كلاهما ضد أسرة " هولاكو " في فارس. ولما انتشر المغول في بلاد الصين، واعتنق بعض ملوكهم دين الإسلام في القرن السابع الهجري، وجعلوا مدينة " كاشغر "/غرب الصين عاصمة دولتهم الجديدة، أشير على ملك الصين المغولي " بركة خان " زعيم القبيلة الذهبية بمهادنة الخليفة المستعصم العباسي ٦٤٠هـ. ولما انتشر العنصر المغولي المسلم في الجبهة الغربية والشمالية من البلاد أخذ الصينيون الأصليون يتربصون بالمسلمين الدوائر، لا سيما عندما أعلن الأمير " يعقوب خان " ٦٧٩هـ استقلاله بمملكة " كاشغر " في الشمال الغربي. ولما أراد دعم الوحدة الإسلامية بايع السلطان العثماني بالخلافة، وانضوى تحت لوائه، ليكون له سندا، وطلب من دار الخلافة خبراء في الفنون الحربية، وسائر الصناعات الهندسية. كما توطدت العلاقات بين " بركة خان " زعيم القبيلة الذهبية والظاهر " بيبرس "، بل وتحالف الفريقان ضد عدوهما المشترك الذي يمثل " هولاكو " في فارس، ولم يدخر وسعا " هولاكو "، فأسرع في البحث عن حلفاء يناصرونه على هؤلاء المسلمين، فتحالف مع زعماء الصليبيين في بلاد الشام، وقد شجعت " هولاكو " زوجته المسيحية على هذا الخط لتصرفه عن الديانة الإسلامية. وعلى الرغم من كل هذه الجهود، وأن نفوذ المسلمين بدأ يقوى على مر الزمن، دخل كثيرون من الحكام المغول في الإسلام. فعندما تولى " غازان محمود " أحد إيلخانات الحكم في فارس ٦٩٤ – ٧٠٣هـ اعتنق الدين الإسلامي، وطالب رعاياه بالدخول في الإسلام، وأعلن أن دين الإسلام هو الدين الرسمي للدولة. ومنذ ذلك الحين بدأ الإسلام ينتشر انتشارا سريعا في دولة إيلخانات المغول في فارس. واستقر المغول في البلاد الإسلامية، وتشبعوا بالروح الإسلامية تدريجيا، وأسسوا أسرة إيلخانات المغول في فارس، وتطبعوا بالطابع الإسلامي مع ارتباطهم بالشعب المغولي في شرق آسيا، مما أدى إلى سهولة تبادل المعلومات في مختلف نواحي الحياة بين شرق آسيا وغربها. قوي نفوذ المسلمين بعد اعتناق " تكودار أحمد " الديانة الإسلامية ٦٨٠هـ، وهو أحد أبناء هولاكو، عمل على جذب أتباعه إلى الإسلام، فقدم العطايا والمنح لكل من يعتنق الإسلام، ومنحهم ألقاب الشرف في دولته " انتهى باختصار. ويقول الدكتور عبد الرحمن المحمود: " مسألة تأثر التتار واعتناق بعضهم الإسلام تحتاج إلى تفصيل؛ لأن بعض التتار- من أبناء عم هولاكو- دخلوا في الإسلام قبل معركة عين جالوت ولذلك يمكن توضيح هذا الأمر كما يلي: ١- قسم جنكزخان مملكته بين أولاده، فكان من نصيب أحدهم وهو " جوشى " أكبر أبنائه؛ البلاد الواقعة بين نهر " أرتش " والسواحل الجنوبية لبحر قزوين، وكانت تلك البلاد تسمى القبشان، ويطلق عليها اسم القبيلة الذهبية - نسبة إلى خيام معسكراتها ذات اللون الذهبي - فلما مات " جوشى " خلفه أحد أولاده الذي تلقب بـ " خان " القبائل الذهبية ثم تولى بعده ولده، ثم تولى بعده " بركة خان " سنة ٦٥٤ هـ، وكان بركة هذا مسلما، لذلك عمل على نشر الإسلام بين قبيلته وأتباعه، وأظهر شعائر الإسلام واتخذ المدارس وأكرم الفقهاء وكان يميل إلى المسلمين ميلا شديدا. وقد بدا هذا في ظاهرتين: أولاهما: محاربته لابن عمه " هولاكو "، خاصة بعد استيلائه على بغداد وقتله للخليفة، وقد ظهرت بينهما خصومات ومعارك. وقد أقلق موقفه وإسلامه الطاغية " هولاكو " الذي اتجه إلى محالفة المسيحين ضد " بركة " وحلفائه. ثانيهما: دخوله ومن جاء بعده في حلف سلاطين المماليك، الظاهر " بيبرس "، والناصر " قلاوون " وغيرهما، وقد توطدت العلاقة بين هاتين الدولتين، خاصة بعد المصاهرة التي تمت بينهم، وتبادل الرسل والهدايا، ومواجهتهم لعدو مشترك هم التتار الكفار. ٢- أما دولة المغول الكبرى في إيران وما جاورها والتي منها انطلقت جحافلهم لغزو العراق والشام، فقد حدث في عام ٦٨٠ هـ أن أسلم أحد أولاد " هولاكو " وهو السلطان " تكودار بن هولاكو " الذي تسمى بعد إسلامه باسم أحمد، فصار اسمه: أحمد بن هولاكو، وقد أعلن إسلامه في منشور أصدره لما جلس على العرش ووجهه إلى أهل بغداد، كما أرسل رسالة إلى السلطان المنصور " قلاوون " يعلن اهتداءه إلى الإسلام، ويدعو إلى المصالحة ونبذ الحرب، ولم يتخل - كما هو واضح من رسالته هذه - عن افتخاره واستعلائه على سلطان المماليك، وقد رد عليه السلطان " قلاوون "، ثم تبودلت الرسائل بينهم، ولكن لم تكن العلاقات بينهم جيدة كما يظهر من صيغة الرسائل المتبادلة. ومما يجدر ذكره أن السلطان أحمد دخل لوحده في الإسلام، ولم يستطع أن يفرضه على أتباعه ولا على أمراء المغول من حوله، فصار دخوله في الإسلام فرديا، وهذا ما يفسر سرعة القضاء عليه وقتله من جانب منافسيه من أمراء المغول الذين تآمروا عليه فقتلوه سنة ٦٨٣ هـ ٣- في سنة ٦٩٣هـ تولى محمود قازان عرش المغول، ثم في سنة ٦٩٤هـ دخل في الإسلام، يقول الذهبي عن هذه السنة: " وفيها دخل ملك التتار غازان ابن أرغون في الإسلام، وتلفظ بالشهادتين بإشارة نائبه " نوروز "، ونثر الذهب واللؤلؤ على رأسه، وكان يوما مشهودا، ثم لقنه " نوروز " شيئا من القرآن، ودخل رمضان فصامه، وفشا الإسلام في التتار " وقد أعلن غازان الإسلام دينا رسميا للدولة المغولية في إيران، كما غير المغول زيهم فلبسوا العمامة، كما أمر بتدمير الكنائس المسيحية والمعابد اليهودية، والأصنام البوذية، كما أمر أهل الذمة بأن يتميزوا بلباس خاص بهم. وهكذا اختلف إسلام قازان عن إسلام السلطان أحمد بأن إسلامه لم يكن فرديا وإنما حوله إلى دين رسمي للدولة. لكن هذه الصورة التي قد تبدو جميلة سرعان ما تتغير حين يتابع المرء الأحداث التي تمت في عهد هذا السلطان، فقد هاجم وجيشه الشام مرات ودارت بينهم وبين أهل الشام – ومعه سلاطين مصر- معارك كبيرة، وانتصر المغول في أولاها وهزموا فيما تلاها، وقد عاث الجيش التتري فسادا في الأرض وفعلوا – كما قال ابن تيمية لقازان نفسه لما التقى به - ما لم يفعله أسلافه من حكام التتار الوثنيين. وقد بقيت الأمور على هذه الحال إلى ما بعد وفاة غازان سنة ٧٠٣هـ وقد كان التتار يقدسون دستورهم الذي وضعه لهم جنكيز خان، وكان يسمى " إلياسا " أو " اليساق " وكانوا يتحاكمون إليه، وبعد إسلامهم لم يتركوا التحاكم إلى هذا الدستور. ٤- بعد وفاة قازان تولى من بعده أخوه " أولجاتيو خدابنده "، وصار اسمه محمد بن أرغون، وقد تولى عرش المغول سنة ٧٠٣ هـ إلى سنة ٧١٦ هـ، وقد بدأ عهده بتحسين العلاقة مع سلطان المماليك، فأرسل إليه هدية وكتابا خاطب فيه السلطان بالأخوة " وسأله إخماد الفتن، وطلب الصلح، وقال في آخر كلامه: عفا الله عما سلف، ومن عاد فينتقم الله منه، فأجيب، وجهزت له الهدية، وأكرم رسوله ". ولكن لم يكد يمضي سنة من توليه سلطة المغول حتى حدث تحول خطير عند محمد بن أرغون هذا، فقد اعتنق مذهب الشيعة، وعمل على نشره في الجهات الغربية من دولته، حتى إنه غير الخطة، وأسقط اسم الخلفاء سوى علي ﵁، وأظهر عداءه للمماليك السنيين، وطلب من النصارى أن يساعدوه ضدهم، ثم هاجم الشام سنة ٧١٢ هـ ومما ينبغي ملاحظته أن تشيع هذا السلطان كان بتأثير من أحد كبار الرافضة - وهو ابن المطهر الحلي -، الذي صارت له منزلة كبيرة في عهده، وقد أقطعه عدة بلاد، ولعل نفوذ وشهرة هذا الرافضي- وهو صاحب كتاب منهاج الكرامة - دعا ابن تيمية ﵀ إلى إفراد الرد على كتابه هذا بكتابه العظيم: " منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية ". وقد استمر سلطان المغول على تشيعه حتى مات، ثم تولى ابنه أبو سعيد - وهو صغير - الذي لعب كثير ممن حوله به، ثم لما كبر مال إلى العدل وإقامة السنة وإعادة الخطبة بالترضي عن الشيخين ثم عثمان ثم علي وفرح الناس بذلك " انتهى باختصار يسير من "موقف ابن تيمية من الأشاعرة" (١/٩٩-١٠٢) . ثالثا: ولعل الأقرب في الجواب عن السؤال أن يقال: لا شك أن تأثير الإسلام في النفوس تأثير بالغ عظيم، حتى في قلوب الغزاة الذين يتربصون بأمة الإسلام الدوائر، فلا يستبعد أن تتأثر فئات من المغول - نتيجة اختلاطهم بالمسلمين واطلاعهم على النور الذي أنزل إليهم – بدين الإسلام العظيم، ولكن الإنصاف يقضي أيضا بخطأ اختزال العوامل الكثيرة التي ينتشر الإسلام بسببها في عامل واحد هو " المغول ". يؤكد ذلك أمران اثنان: ١- أن دين الإسلام كان قد انتشر في آسيا منذ القرون الهجرية الأولى على يد القائد المسلم قتيبة بن مسلم الباهلي سنة (٩٤هـ) ، حيث فتح " كاشغر " عاصمة الصين آنذاك، ثم توقفت الفتوحات العسكرية لتبدأ الفتوحات المعرفية بنشر الإسلام في جميع بقاع آسيا عن طريق العلم والدعوة والأخلاق الحميدة. انظر كتاب "ظاهرة انتشار الإسلام" محمد فتح الله الزيادي (ص/٢٢٢-٢٢٤) ٢- أن أكثر المغول الذين انتسبوا إلى الإسلام لم يعرفوه حق معرفته، ولم يقفوا عند حدوده وشرعه، ولم يمنعهم الدين الجديد الذي انتسبوا إليه من اقتحام بلاد المسلمين، وتكرار اعتداءاتهم عليها بعد عصر " جنكيز خان " الطاغية، ولم تختلف سيرتهم كثيرا عن سيرة أسلافهم من المجرمين، مما حدا بأهل العلم إلى الفتوى بكفرهم وعدم صحة إسلامهم، وهي فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية المشهورة، حتى إنه كان يقول: " إذا رأيتموني من ذلك الجانب – يعني الذي فيه المغول – وعلى رأسي مصحف فاقتلوني "، لما كان يجزم به من كفرهم وظلمهم وعدوانهم. انظر "البداية والنهاية" (١٤/٢٤) فكيف لهؤلاء أن يحملوا دعوة التوحيد والمعرفة والسلام إلى العالم، وكيف للشعوب في بلاد آسيا أن تتبعهم على دينهم بعد أن لقوا منهم العذاب والنكال!! (يمكن الرجوع إلى المصادر الآتية لاستكمال تفاصيل البحث: " وثائق الحروب الصليبية والغزو المغولي للعالم الإسلامي " محمد ماهر حمادة، " المغول في التاريخ من جنكيز خان إلى هولاكو خان " فؤاد الصياد، " تاريخ المغول " عباس إقبال، وغيرها) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15001

كذبة رافضية في شأن عمر بن الخطاب مع فاطمة ﵄ [السُّؤَالُ] ـ[سمعت من بعض الشيعة أن عمر الفاروق رضى الله عنه قد ضرب باب فاطمة رضى الله عنها، وأشعل به النيران، وبأنها قد ماتت إثر سقوط الباب عليها. الرجاء توضيح هذا الأمر مع ذكر المراجع. جزاكم الله خيرا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: يذكر المؤرخون والمحدِّثون حادثةً في صدر التاريخ، فيها ذكر قدوم عمر بن الخطاب وطائفة من أصحابه بيتَ فاطمةَ بنتِ رسول الله ﷺ ، يطلبُ تقديم البيعة لأبي بكر الصديق، ﵃ جميعا. وثمة قدر متفق عليه بين الروايات، جاء من طرق صحيحة، واشتهر ذكره بين أهل العلم، كما أن هناك قدرا كبيرا من الكذب والاختلاق الذي أُلصق بهذه الحادثة. ونحن نرجو من القارئ الكريم التنبه واليقظة؛ كي يصل معنا إلى أقرب تصوير لتلك الحادثة، فلا يخلط عليه الكذَّابون والمفترون ما يدسُّونه في التاريخ كذبا وزورا. الثابت المعلوم أن عليا والعباس والفضل بن العباس والزبير بن العوام تأخروا عن حضور بيعة أبي بكر الصديق في سقيفة بني ساعدة، وذلك لانشغالهم بتجهيز رسول الله ﷺ للدفن، فوجدوا في أنفسهم: كيف ينشغل الناس بأمر الخلافة ورسول الله ﷺ لم يدفن بعد، أما باقي الصحابة رضوان الله عليهم فعملوا على تعيين الخليفة كي لا يبيت المسلمون من غير أمير ولا قائد، وأرادوا بذلك أن يحفظوا على المسلمين أمر دينهم ودنياهم. فلما دُفن رسول الله ﷺ اعتزل علي بن أبي طالب ومن معه من بعض قرابة رسول الله ﷺ في الأيام الأولى ولم يبايعوا، ليس رغبة عن البيعة، ولا حسدا لأبي بكر، ولا منازعةً له، إنما لِما رآه عليٌّ من الخطأ في استعجال أمر الخلافة قبل الدفن، حتى جاء عمر بن الخطاب وبعض الصحابة بيت فاطمة ﵂، وطلب منها إبلاغ علي والزبير ومن معهم بلزوم المبادرة إلى بيعة أبي بكر الصديق، درءا للفتنة، وحفظا لجماعة المسلمين، فلما سمعوا تشديد عمر بن الخطاب في هذا الأمر، سارعوا بإعلان البيعة، وذكروا فضل أبي بكر ﵁ وأحقيته بالخلافة، واعتذروا عن تأخرهم بما اعتذروا به. روى أسلم القرشي - مولى عمر بن الخطاب ﵁، قال: (حين بُويع لأبي بكر بعد رسول الله ﷺ ، كان علي والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول الله ﷺ فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتى دخل على فاطمة فقال: يا بنت رسول الله ﷺ ! والله ما من أحد أحب إلينا من أبيك، وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك، وايم الله ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك إن أمرتهم أن يحرق عليهم البيت. قال: فلما خرج عمر جاؤوها فقالت: تعلمون أن عمر قد جاءني، وقد حلف بالله لئن عدتم ليحرقن عليكم البيت، وايم الله ليمضين لما حلف عليه، فانصرِفوا راشدين، فَرُوا رأيَكم ولا ترجعوا إلّيَّ، فانصرفوا عنها، فلم يرجعوا إليها حتى بايعوا لأبي بكر) أخرجه أحمد في "فضائل الصحابة" (١/٣٦٤) وابن أبي شيبة في "المصنف" (٧/٤٣٢) وعنه ابن أبي عاصم في "المذكر والتذكير" (١/٩١) ورواه ابن عبد البر في "الاستيعاب" (٣/٩٧٥) من طريق البزار – ولم أجده في كتب البزار المطبوعة – وأخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٦/٧٥) مختصرا: كلهم من طريق محمد بن بشر ثنا عبيد الله بن عمر عن زيد بن أسلم عن أبيه به. قلت: وهذا إسناد صحيح، فإن محمد بن بشر العبدي (٢٠٣هـ) ثقة حافظ من رجال الكتب الستة، وكذا عبيد الله بن عمر العمري المتوفى سنة مائة وبضع وأربعون، وكذا زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب (١٣٦هـ) ، وكذا أبوه أسلم مولى عمر، جاء في ترجمته في "تهذيب التهذيب" (١/٢٦٦) أنه أدرك زمان النبي ﷺ ، إلا أنه لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: بعث أبو بكر عمر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه. فيكون الحديث بذلك مرسلا، إلا أن الغالب أن أسلم سمع القصة من عمر بن الخطاب أو غيره من الصحابة الذين عاشوا تلك الحادثة. وقد جاء في بعض الروايات القوية أيضا أنه حصلت بعض المنازعات بين عمر بن الخطاب ومن معه، وبين الزبير بن العوام الذي كان مع علي بن أبي طالب ﵁، وذلك في بيت فاطمة ﵂، إلا أن الله وقاهم فتنة الشيطان، ودرأ عنهم الشقاق والنزاع. روى إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: (أن عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر بن الخطاب ﵁، وأن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير، ثم قام أبو بكر فخطب الناس واعتذر إليهم وقال: والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة قط، ولا كنت فيها راغبا، ولا سألتها الله في سر وعلانية، ولكني أشفقت من الفتنة، وما لي في الإمارة من راحة، ولكن قُلِّدتُ أمرا عظيما ما لي به من طاقة ولا يد إلا بتقوية الله ، ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني اليوم. فقبل المهاجرون منه ما قال وما اعتذر به. قال علي ﵁ والزبير: ما غضبنا إلا لأنا قد أُخِّنا عن المشاورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله ﷺ ، إنه لصاحب الغار وثاني اثنين، وإنا لَنعلم بشرفه وكبره، ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حي) أخرجه موسى بن عقبة في "المغازي" – كما ذكره ابن كثير في "البداية والنهاية" (٦/٣٠٢) - ومن طريقه الحاكم في "المستدرك" (٣/٧٠) ، وعنه البيهقي في "السنن الكبرى" (٨/١٥٢) ، وعنه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٠/٢٨٧) قلت: وإسناد هذه القصة صحيح، على شرط البخاري، فهو من طريق إبراهيم بن المنذر الحزامي ثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف به. قال الحاكم: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه " انتهى. وقال الذهبي في "التلخيص": " على شرط البخاري ومسلم " انتهى. وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" (٥/٢٥٠) : " إسناد جيد " انتهى. وروى الإمام الزهري (١٢٤هـ) قال: (وغضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر ﵁، منهم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ﵄، فدخلا بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ ومعهما السلاح، فجاءهما عمر ﵁ في عصابة من المسلمين فيهم: أسيد، وسلمة بن سلامة بن وقش - وهما من بني عبد الاشهل -، ويقال: فيهم ثابت بن قيس بن الشماس أخو بني الحارث بن الخزرج، فأخذ أحدهم سيف الزبير فضرب به الحجر حتى كسره) رواه موسى بن عقبة (١٤٠هـ) عن شيخه الزهري، ومن طريقه أخرجه عبد الله بن أحمد في "السنة" (٢/٥٥٣-٥٥٤) قلت: ورواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري من أصح الروايات، حتى قال ابن معين: " كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح هذه الكتب ". وكان الإمام مالك يقول: " عليك بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة ". وقال الإمام الشافعي: " ليس في المغازي أصح من كتاب موسى بن عقبة ". وقال الذهبي: " وأما مغازي موسى بن عقبة فهي في مجلد ليس بالكبير، سمعناها، وغالبها صحيح ومرسل جيد " انتهى. انظر "سير أعلام النبلاء" (٦/١١٤-١١٨) ، والزهري لم يدرك تلك الحادثة، إلا أن روايته هذه جاءت موافقة لما سبق من روايات صحيحة، والله أعلم. وبذلك تمت مبايعة أبي بكر ﵁، واعتراف كُلٍّ بما للآخر من فضلٍ ومنزلة، وتم الاتفاقُ على نبذ الخلاف والنزاع. ولا يجد القارئ والمتأمل في هذه الروايات الصحيحة الثابتة شيئا من وقوع القتال بين الصحابة رضوان الله عليهم، ولا اعتداءَ بعضِهم على بعضٍ، وخاصة في شأن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فقد قال لها عمر بن الخطاب ﵁ فيما قال: (وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك) ، فقد عرف الصحابة رضوان الله عليهم لها قدرها ومنزلتها من رسول الله ﷺ ، ولم يسعَ أحدٌ في تعمُّدِ أذيتها أو في إغضابها، بل ولا في تهديدها، إنما غاية ما فيه توجيه التخويف والتشديد لكلٍّ من علي بن أبي طالب والزبير بن العوام، كي يدركا خطورةَ أمرِ الخلافة، فلا يتأخرا عن البيعة، ولا يشقا عن المسلمين جماعتهم، فلما أدركوا جميعا أن تأخرهم عن البيعة – وهم مؤمنون بأحقية أبي بكر بالخلافة – اجتهاد خاطئ، قد يؤدي إلى مفسدة أعظم، عجلوا بالبيعة عن رضا واختيار، ونبذوا ما وجدوه في أنفسهم في ذلك الشأن. يقول المحب الطبري في تفسير كسر سيف الزبير بن العوام في تلك الحادثة – كما في "الرياض النضرة في مناقب العشرة" (١١٥) : " وهذا محمول - على تقدير صحته - على تسكين نار الفتنة، وإغماد سيفها، لا على قصد إهانة الزبير " انتهى. ثانيا: وكل ما ورد من زيادة على هذا القدر الصحيح، إنما هو من الخطأ الفاحش الذي أخطأ في نقله بعض الرواة، أو من الكذب الفج القبيح المُتَعَمَّد. فمن ذلك ما جاء عن سليمان التيمي وابن عون قالا: (أن أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة، فلم يبايع. فجاء عمر ومعه قبس – أي: شعلة نار - فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الخطاب! أتراك مُحَرِّقًا عَلَيَّ بابي؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك. وجاء علي فبايع وقال: كنت عزمت أن لا أخرج من منزلي حتى أجمع – يعني: أحفظ – القرآن) أخرجه البلاذري أحمد بن يحيى (توفي بعد ٢٧٠هـ) في كتابه "أنساب الأشراف" (٢/١٢ طبعة دار اليقظة العربية – دمشق ت محمد الفردوس العظم) قال فيه: المدائني، عن مسلمة بن محارب، عن سليمان التيمي، وعن ابن عون. قلت: وهذا السند فيه علل: الأولى: مسلمة بن محارب الزيادي الكوفي، لم أقف على توثيق ولا تجريح له في شيء من كتب الرجال، اللهم إلا ذكر البخاري له في "التاريخ الكبير" (٧/٣٨٧) ، وكذا ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٨/٢٦٦) ذكرا مجردا. وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/٤٩٠) ، مع أن رواية أبي الحسن المدائني عنه مشهورة جدا في كتب التاريخ والسير والأدب، يبدو منها أنه مكثر من رواية التاريخ. الثانية: الإرسال، فإن سليمان – هو ابن طرخان - التيمي المتوفى سنة (١٤٣هـ) وعبد الله بن عون أبو عون البصري المتوفى سنة (١٥٠هـ) على الصحيح، لم يدركا الحادثة جزما، وهما إمامان ثقتان، انظر تراجمهم في "تهذيب التهذيب" (٤/٢٠٢) ، (٥/٣٤٨) ، وقد قال يحيى بن سعيد القطان في سليمان التيمي: مرسلاته شبه لا شيء. والمدائني هو شيخ البلاذري أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله الإخباري صاحب التصانيف توفي سنة (٢٢٤هـ) ، قال فيه ابن عدي في "الكامل" (٥/٢١٣) : ليس بالقوي في الحديث، وهو صاحب الأخبار. وترجم له في "لسان الميزان" (٤/٢٥٣) فنقل توثيقه عن يحيى بن معين وأبي عاصم النبيل والطبري. وترجمه أيضا الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (١٠/٤٠٠) ومما يدلك على نكارة وخطأ هذه الرواية – إضافة إلى ما سبق من بيان ضعف السند – أمور: ١- كيف يحمل عمر بن الخطاب النار ليحرق بيت فاطمة، ثم لا يُذكَرُ أيُّ تَدَخُّلٍ لزوجها علي بن أبي طالب ﵃ جميعا، وهو القوي المعروف بشجاعته وفروسيته، وهل يعقل أن يترك زوجته فاطمة تتصدى لعمر بن الخطاب يتهجم ليحرق عليها منزلها! ، ثم أين هم بنو عبد المطلب وبنو هاشم، أليس فيهم من ينتصر لابنتهم التي هي بنت أشرف الخلق محمد ﷺ . ٢- ثم في ظاهر هذا الخبر أن عليا إنما استجاب للبيعة خوفا من عمر، فقد رفض البيعة ابتداء، ثم جاء فبايع بعد تهجُّمِ عمر على بيت فاطمة، فهل يُصَدَّقُ مثل هذا الكذب، وهل يعقل أن عليا يبايع مكرها خوفا من تهديد غيره من الصحابة؟! ٣- وفي هذا الخبر أيضا مناقضة صريحة لما ثبت بالأسانيد الصحيحة أن علي بن أبي طالب ﵁ بايع أبا بكر الصديق موافقا عن رضا وطيب خاطر، وأن ذلك كان على الملأ في المسجد، كما أخرج ذلك البخاري في صحيحه حديث رقم (٤٢٤٠) وكذا الإمام مسلم (١٧٥٩) ، وفيه أيضا مناقضة لما سبق ذكره في الروايات الصحيحة أن عمر بن الخطاب إنما ذهب يدعو إلى بيعة أبي بكر ليدفع عن الأمة فتنة الفرقة والاختلاف، ولم يكن معه شيء من نار، ولا تَعَرَّضَ لبنت رسول الله ﷺ ، بل خاطبها بأحسن الخطاب وعاملها بأكرم الأخلاق. ٤- ثم في الخبر قول عمر مخاطبا فاطمة (وذلك أقوى فيما جاء به أبوك) يعني رسول الله ﷺ ، وفي ذلك سوء أدب مع الرسول الكريم، فلو كان حقا صدر من عمر مثل هذا الخطاب، لسارع سائر الصحابة إلى الإنكار عليه وعقوبته، ولكنَّ الكذب والبهتان في هذا الخبر ظاهر، لا ينطلي على صغار المسلمين، فقد عُرفَ عن الصحابة عموما، وعن عمر بن الخطاب خصوصا حبهم وتقديرهم واحترامهم الشديد لشخص رسول الله ﷺ . ٥- وأخيرا، فقد كانت الصلة بين عمر بن الخطاب وآل بيت النبي ﷺ من أحسن الصلات، فكانوا يتبادلون المودة والمحبة، ويعرفون لبعضهم أقدار بعض، ولم يكن بينهم إلا كل خير وأخوة، حتى جاء بالأسانيد الصحيحة التي يرويها البخاري (٣٦٧٧) ومسلم (٢٣٨٩) عن ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قال: (وُضِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى سَرِيرِهِ، فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ وَيُثْنُونَ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ، وَأَنَا فِيهِمْ، قَالَ: فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا بِرَجُلٍ قَدْ أَخَذَ بِمَنْكِبِي مِنْ وَرَائِي، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عَلِيٌّ بن أبي طالب، فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ: مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ، وَذَاكَ أَنِّي كُنْتُ أُكَثِّرُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: جِئْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَإِنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَوْ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَهُمَا) ثالثا: مثل الرواية السابقة – في الضعف والنكارة - ما يروى عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: (دخلت على أبي بكر ﵁ أعوده في مرضه الذي توفي فيه، فسلمت عليه وسألته كيف أصبحت؟ فاستوى جالسا فقلت: أصبحت بحمد الله بارئا ... - وذكر كلاما طويلا وفيه -: أما إني لا آسى على شيء إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني لم أفعلهن ... - وذكر منها قوله -: فوددت أني لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته، وإن أُغلق على الحرب ... إلى آخر الخبر) أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في "الأموال" (ص/١٧٣) وابن زنجويه في "الأموال" (٣٦٤) والطبري في "تاريخ الأمم والملوك" (٢/٣٥٣) والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (٣/٤١٩) والطبراني في "المعجم الكبير" (١/٦٢) وعنه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء" (١/٣٤) ، وأخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٠/٤١٧-٤٣٠) جمعهم من طرق مدارها على علوان بن داود البجلي. قلت: وهذا السند منكر، علته علوان بن داود البجلي: قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/٣٦٦) : " وفيه علوان بن داود البجلي وهو ضعيف، وهذا الأثر مما أنكر عليه " انتهى. قال الذهبي في ترجمته في "ميزان الاعتدال" (٣/١٠٨) : " علوان بن داود البجلي، مولى جرير بن عبد الله، ويقال علوان بن صالح، قال البخاري: علوان بن داود - ويقال ابن صالح: منكر الحديث. وقال العقيلى: له حديث لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به. وقال أبو سعيد بن يونس: منكر الحديث " انتهى. ومما يدل على ضعفه ونكارته اضطرابه في روايته هذه: حيث رواه مرة عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن. كما عند أبي عبيد وابن عساكر والعقيلي. ومرة عن أبي محمد المدني عن صالح بن كيسان. كما عند ابن عساكر (٣٠/٤٢٠) . ومرة عن الماجشون عن صالح بن كيسان. كما عند ابن عساكر (٣٠/٤٢٢) ومرة عن حميد بن عبد الرحمن بن حميد عن صالح بن كيسان. كما عند أبي عبيد الطبراني وابن عساكر (٣٠/٤٢٢) ومرة عن حميد بن عبد الرحمن عن صالح بن كيسان عن عمر بن عبد الرحمن. كما عند الطبري. ولا شك أن هذا الاختلاف والاضطراب دليل على وهمه ونكارة مرويه. فكيف يريد الكذابون منا أن نصدق بخبر رواه رجل منكر الحديث، اتفقت كلمة المحدثين على تضعيفه ورده، ومن أين لهم أن قوله (كشفت بيت فاطمة) – إن كان ثابتا - يعني به الاعتداء عليها وحرقه أو هدمه، وكيف يتوقعون أن يصدقهم الناس في أن أبا بكر الصديق – خير الناس بعد رسول الله ﷺ والأنبياء – آذى فاطمة بنت رسول الله في بيتهما أو بدنها، وأنه اعتدى على حرمتها واقتحم دارها. بل الثابت في صحيح البخاري (٤٢٤٠) وصحيح مسلم (١٧٥٩) (أن علي بن أبي طالب لم يزل يكلم أبا بكر، حتى فاضت عينا أبي بكر، فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فإني لم آل فيها عن الحق، ولم أترك أمرا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيها إلا صنعته) رابعا: أما ما يتناقله الرافضة في كتبهم ومواقعهم، وينقلونه عن بعض الرواة الكذابين منهم، أن عمر بن الخطاب أحرق بيت فاطمة فعلا، وضربها حتى أدمى عضدها، وأنها أسقطت ما في بطنها بسبب ذلك، وفي بعض الروايات أنها كشفت عن شعرها، فكل ذلك من الكذب الذي لا يدري المسلم أيضحك منه أم يبكي عليه؟ أيضحك بسبب سماجة هذه الكذبات التي لا يشك من يقرؤها أنها موضوعة مصنوعة، لأن من يذكرها لا يذكرها بسند صحيح متصل، إنما ينقلها عن بعض كتب التاريخ التي شحنها الكذابون بالقصص المختلقة؟!! أم يبكي على ما وصلت إليه عقول بعض الناس من تصديق الخرافات وتناقل الكذبات، وعدم الاكتراث لحق الصحابة الكرام الذين قال الله تعالى فيهم (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة/١٠٠ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "منهاج السنة النبوية" (٨/٢٠٨) : " ونحن نعلم يقينا أن أبا بكر لم يُقدِم على علي والزبير بشيء من الأذى، بل ولا على سعد بن عبادة المتخلف عن بيعته أولا وآخرا، وغاية ما يقال إنه كبس البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه، وأن يعطيه لمستحقه، ثم رأى أنه لو تركه لهم لجاز، فإنه يجوز أن يعطيهم من مال الفيء، وأما إقدامه عليهم أنفسهم بأذى فهذا ما وقع فيه قط باتفاق أهل العلم والدين، وإنما ينقل مثل هذا جهال الكذابين، ويصدقه حمقى العالمين، الذين يقولون إن الصحابة هدموا بيت فاطمة، وضربوا بطنها حتى أسقطت، وهذا كله دعوى مختلقة، وإفك مفترى باتفاق أهل الإسلام، ولا يروج إلا على من هو من جنس الأنعام." انتهى. ونحن لا نقول هذا جزافا ومغامرة، وإنما عن دراسة استقرائية لجميع من ذكر القصة من المؤرخين السنة والشيعة. أما السنة فقد سبق ذكر المرويات الصحيحة والضعيفة عندهم. وأما الشيعة فقد ذكروا هذه القصة في عشرات الكتب، ليس في شيء منها إسناد معتمد، ولعل أول وأقدم من ذكرها، كتاب سُليم بن قيس العامري الهلالي، يسمى كتابه بـ "السقيفة"، جاءت فيه القصة مسندة (ص/٣٨٥) من طبعة محمد باقر الأنصاري، وسندها هو: أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس قال: كنت عند عبد الله بن عباس في بيته ومعنا جماعة من شيعة علي ﵇، فحدثنا فكان فيما حدثنا أن قال: ... وذكر رواية طويلة فيها تفصيل للقصة المكذوبة في اعتداء الصحابة على بيت فاطمة ﵂. والجواب عن هذا أن يقال: إن كتاب سُليم بن قيس كتاب مكذوب، فيه أول نص على تحريف القرآن الكريم، وقد تشكك في نسبته علماء الشيعة أنفسهم: يقول ابن المطهر الحلي في كتاب الرجال (ص/٢٠٦) : " أبان بن أبي عياش ضعيف جداً، وينسب أصحابنا وضع كتاب سليم بن قيس إليه " انتهى. وجاء في كتاب محمد بن علي الأردبيلي (١١٠١هـ) "جامع الرواة" (١/٩) : " أبان بن أبي عياش، فيروز، تابعي ضعيف،..وزاد في (صه) عن (غض) لا يلتفت إليه، وينسب أصحابنا وضع كتاب سليم بن قيس إليه " انتهى. ويقول المامقاني (١٣٥١هـ) في كتابه "تنقيح المقال" (٢/٢٥) : " يقول أصحابنا الشيعة وعلماء الشيعة أن سليماً لم يُعرف، ويُشَك في أصل وجوده ولم يذكروه بالخير، والكتاب المنسوب إليه موضوع قطعاً وفيه أدلة كافية للدلالة على وضعه " انتهى. وقال الشيخ المفيد في كتاب "تصحيح اعتقادات الإمامية" (١٤٩-١٥٠) : " هذا الكتاب غير موثوق به، وقد حصل فيه تخليط وتدليس؛ فينبغي للمتدين أن يجتنب العمل بكل ما فيه، ولا يُعول على جملته، والتقليد لروايته، وليفزع إلى العلماء (!!) فيما تضمنه من الأحاديث، ليوقفوه على الصحيح منها والفاسد " انتهى بنصه، وهو كلام غني عن التعليق!! ويقول الموسوي في كتابه "لله ثم للتاريخ" (ص/٨٣) : " أما كتاب سليم بن قيس فهو مكذوب على سليم بن قيس، وضعه أبان بن أبي عياش ثم نسبه إلى سليم " انتهى. ثم على فرض صحة نسبة الكتاب، فإن سليم بن قيس لم يكن في المدينة في خلافة أبي بكر الصديق، كما تذكر ذلك جميع الكتب الشيعية التي ترجمت له، نص على ذلك محقق كتاب سُليم بن قيس وهو محمد باقر الأنصاري (ص/٥٨) ، فيظهر بذلك أن ثمة انقطاعا ظاهرا بين سليم بن قيس وأحداث القصة، لا يُدرى عمَّن أخذها من الرواة الكذابين، أو من كذبها عليه. ونزيد أيضا أنه في ميزان النقد الحديثي، لا تعرف لسليم بن قيس رواية عن عبد الله عباس، فلم يذكره أحد في تلاميذ ابن عباس، ولا يعرف له سماع منه، فثمة سقط ظاهر في السند. كما أن أبان بن أبي عياش حكم عليه علماء الحديث بالترك والنكارة والضعف، قال الإمام أحمد: متروك الحديث، ترك الناس حديثه منذ دهر، وقال: لا يكتب حديثه كان منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال ابن المديني: كان ضعيفاً، وقال شعبة: ابن أبي عياش كان يكذب في الحديث. انظر "تهذيب التهذيب" (١/٩٧-١٠١) خامسا: وأخيرا: إذا نقلنا عن علماء الشيعة أنفسهم تكذيب هذه القصة التي يرويها مؤرخوهم، فهل سيبقى بعد ذلك حجة لأحد في تصديقها؟! يقول إمام الإمامية الأكبر محمد حسين آل كاشف الغطاء في كتابه "جنة المأوى" (ص/١٣٥) طبعة دار الأضواء: " ولكن قضية ضرب الزهراء ولطم خدها مما لا يكاد يقبله وجداني، ويتقبله عقلي، وتقتنع به مشاعري، لا لأن القوم يتحرجون ويتورعون من هذه الجرأة العظيمة، بل لأن السجايا العربية والتقاليد الجاهلية (؟!!) التي ركزتها الشريعة الإسلامية وزادتها تأييدا وتأكيدا، تمنع بشدة ضرب المرأة، أو تمد إليها يد سوء، حتى إن بعض كلمات أمير المؤمنيين ما معناه: أن الرجل كان في الجاهلية إذا ضرب المرأة يبقى ذلك عارا في أعقابه ونسله ... فكيف يقتحمون هذه العقبة الكؤود، ولو كانوا أعتى وأعدى من عاد وثمود؟!! ... ويزيدك يقينا بما أقول أنها –ولها المجد والشرف - ما ذكرت ولا أشارت إلى ذلك في شيء من خطبها ومقالاتها المتضمنة لتظلمها من القوم وسوء صنيعهم معها، مثل خطبتها الباهرة الطويلة التي ألقتها في المسجد على المهاجرين والأنصار، وكلماتها مع أمير المؤمنين بعد رجوعها من المسجد، وكانت ثائرة متأثرة حتى خرجت عن حدود الآداب (؟!!) التي لم تخرج من حظيرتها مدة عمرها، فقالت له: يا ابن أبي طالب، افترست الذئاب وافترشت التراب - إلى أن قالت له: هذا ابن أبي فلانة يبتزني نحلة أبي، وبلغة ابني، لقد أجهد في كلامي، وألفيته الألدّ في خصامي، ولم تقل إنه أو صحابه ضربني، أو مدّت يد إليّ، وكذلك في كلماتها مع نساء المهاجرين والأنصار بعد سؤالهن: كيف أصبحت يا بنت رسول الله؟ فقالت: أصبحت والله عائفة لدنياكن، قالية لرجالكن، ولا إشارة فيها إلى شيء عن ضربة أو لطمة، وإنما تشكو: أعظم صدمة، وهي غصب فدك، وأعظم منها غصب الخلافة، وتقديم من أخّر الله، وتأخير من قدّم الله، وكل شكواها كانت تنحصر في هذين الأمرين، وكذلك كلمات أمير المؤمنيين بعد دفنها، وتهيج أشجانه وبلابل صدره لفراقها ذلك الفراق المؤلم، حيث توجّه إلى قبر النبي ﷺ قائلا: السلام عليك يا رسول الله! عني وعن ابنتك النازلة في جوارك..إلى آّخر كلماته التي ينصرع لها الصخر الأصم لو وعاها، وليس فيها إشارة إلى الضرب واللطم، ولكنه الظلم الفظيع والامتهان الذريع، ولو كان شيء من ذلك لأشار إليه سلام الله عليه؛ لأن الأمر يقتضي ذكره ولا يقبل سنده، ودعوى أنها أخفته عنه ساقطة بأن ضربة الوجه ولطمة العين لا يمكن اخفاؤها " انتهى باختصار. (تنبيه: تعمدنا نقل النص على طوله - رغم ما فيه من الباطل المفترى والكذب المختلق والتعدي على الصحابة الكرام - كي يفهم القارئ الكريم السياق، وكيف يطعن واحد من أكبر مرجعيات الشيعة في هذه القصة، وإذا فهم القارئ أنه من مراجع القوم، فلا جرم فيما قال وألم، فكل إناء بما فيه ينضح!!) أسأل الله أن يهدي ضال الناس إلى الحق. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15002

كلمة حول الإعجاز العددي في القرآن واستعمال التقويم الشمسي [السُّؤَالُ] ـ[قرأت مؤخرا عن بعض " معجزات " القرآن الكريم، التي شملت العديد من الأشياء مثل المراحل الثلاثة للجنين، ومدارات الكواكب،.. الخ، إلا أن إحداها تحدثت عن أن كلمة " يوم " وردت في القرآن ٣٦٥ مرة، وأن كلمة " قمر " تكررت ١٢ مرة، وقد نسيت عدد المرات التي تكرر ذكر كلمة " أيام " في القرآن، وقد قام أحد الأصدقاء بطباعة التقويم الإسلامي (الهجري) لكنه لم يكن يتكون من ٣٦٥ يوماً، فما معنى ذلك حول التقويم الإسلامي؟ أيعني ذلك أنه غير دقيق؟ أم أن الله علم أن أغلب العالم سيستخدمون التقويم الميلادي وأنه إشارة إلى صحة هذا التقويم الأخير؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: شُغف كثير من الناس بأنواع من الإعجازات في القرآن الكريم، ومن هذه الأنواع " الإعجاز العددي " فنشروا في الصحف والمجلات وشبكات الإنترنت قوائم بألفاظ تكررت مرات تتناسب مع لفظها، أو تساوى عددها مع ما يضادها، كما زعموا في تكرار لفظة " يوم " (٣٦٥) مرة، ولفظ " شهر " (١٢) مرة، وهكذا فعلوا في ألفاظ أخرى نحو " الملائكة والشياطين " و " الدنيا والآخرة " إلخ. وقد ظنَّ كثيرٌ من الناس صحة هذه التكرارات وظنوا أن هذا من إعجاز القرآن، ولم يفرقوا بين " اللطيفة " و " الإعجاز "، فتأليف كتابٍ يحتوي على عدد معيَّن من ألفاظٍ معيَّنة أمرٌ يستطيعه كل أحدٍ، فأين الإعجاز في هذا؟ والإعجاز الذي في كتاب الله تعالى ليس هو مثل هذه اللطائف، بل هو أمر أعمق وأجل من هذا بكثير، وهو الذي أعجز فصحاء العرب وبلغاءهم أن يأتوا بمثل القرآن أو بعشر سورٍ مثله أو بسورة واحدة، وليس مثل هذه اللطائف التي يمكن لأي كاتب أن يفعلها – بل وأكثر منها – في كتاب يؤلفه، فلينتبه لهذا. وليُعلم أنه قد جرَّ هذا الفعل بعض أولئك إلى ما هو أكثر من مجرد الإحصائيات، فراح بعضهم يحدد بتلك الأرقام " زوال دولة إسرائيل " وتعدى آخر إلى " تحديد يوم القيامة "، ومن آخر ما افتروه على كتاب الله تعالى ما نشروه من أن القرآن فيه إشارة إلى " تفجيرات أبراج نيويورك "! من خلال رقم آية التوبة وسورتها وجزئها، وكل ذلك من العبث في كتاب الله تعالى، والذي كان سببه الجهل بحقيقة إعجاز كتاب الله تعالى. ثانياً: بالتدقيق في إحصائيات أولئك الذين نشروا تلك الأرقام وُجد أنهم لم يصيبوا في عدِّهم لبعض الألفاظ، ووجدت الانتقائية من بعضهم في عدِّ الكلمة بالطريقة التي يهواها، وكل هذا من أجل أن يصلوا إلى أمرٍ أرادوه وظنوه في كتاب الله تعالى. قال الشيخ الدكتور خالد السبت: قدَّم الدكتور " أشرف عبد الرزاق قطنة " دراسة نقدية على الإعجاز العددي في القرآن الكريم، وأخرجه في كتاب بعنوان: " رسم المصحف والإعجاز العددي، دراسة نقدية في كتب الإعجاز العددي في القرآن الكريم " وخلص في خاتمة الكتاب الذي استعرض فيه ثلاثة كتب هي (١) كتاب " إعجاز الرقم ١٩ " لمؤلفه باسم جرار، (٢) كتاب " الإعجاز العددي في القرآن " لعبد الرزاق نوفل، (٣) كتاب " المعجزة " لمؤلفه عدنان الرفاعي، وخلص المؤلف إلى نتيجة عبَّر عنها بقوله: " وصلت بنتيجة دراستي إلى أن فكرة الإعجاز العددي " كما عرضتها هذه الكتب " غير صحيحة على الإطلاق، وأن هذه الكتب تقوم باعتماد شروط توجيهية حيناً وانتقائية حيناً آخر، من أجل إثبات صحة وجهة نظر بشكل يسوق القارئ إلى النتائج المحددة سلفاً، وقد أدت هذه الشروط التوجيهية أحياناً إلى الخروج على ما هو ثابت بإجماع الأمة، كمخالفة الرسم العثماني للمصاحف، وهذا ما لا يجوز أبداً، وإلى اعتماد رسم بعض الكلمات كما وردت في أحد المصاحف دون الأخذ بعين الاعتبار رسمها في المصاحف الأخرى، وأدت كذلك إلى مخالفة مبادئ اللغة العربية من حيث تحديد مرادفات الكلمات وأضدادها. (ص ١٩٧) دمشق، منار للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٢٠هـ / ١٩٩٩. وقد ذكر الدكتور فهد الرومي أمثله على اختيار الدكتور عبد الرزاق نوفل الانتقائي للكلمات حتى يستقيم له التوازن العددي، ومن ذلك قوله: إن لفظ اليوم ورد في القرآن (٣٦٥) مرة بعدد أيام السنة، وقد جمع لإثبات هذا لفظي " اليوم "، " يوماً " وترك " يومكم " و " يومهم " و " يومئذ "؛ لأنه لو فعل لاختلف الحساب عليه! وكذلك الحال في لفظ " الاستعاذة " من الشيطان ذكر أنه تكرر (١١) مرة، يدخلون في الإحصاء كلمتي " أعوذ " و " فاستعذ " دون " عذت " و " يعوذون " و " أعيذها " و " معاذ الله ". انظر: " اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر " (٢ / ٦٩٩، ٧٠٠) بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية ١٤١٤هـ. وبهذا الكلام العلمي المتين يتبيَّن الجواب عن كلمة " يوم " وعددها في القرآن الكريم، والذي جاء في السؤال. ثالثاً: وأما الحساب الذي يذكره الله تعالى في كتابه الكريم فهو الحساب الدقيق الذي لا يختلف على مدى السنوات، وهو الحساب القمري. وفي قوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) الكهف/٢٥ ذكر بعض العلماء أن عدد (٣٠٠) هو للحساب الشمسي، وأن عدد (٣٠٩) هو للحساب القمري! وقد ردَّ على هذا القول الشيخ محمد بن صالح العثيمين، وبيَّن في ردِّه أن الحساب عند الله تعالى هو الحساب القمري لا الشمسي. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: " (وَازْدَادُوا تِسْعاً) ازدادوا على الثلاث مائة تسع سنين، فكان مكثُهم ثلاث مائة وتسع سنين، قد يقول قائل: " لماذا لم يقل مائة وتسع سنين؟ " فالجواب: هذا بمعنى هذا، لكن القرآن العظيم أبلغ كتاب، فمن أجل تناسب رؤوس الآيات قال: (ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) ، وليس كما قال بعضهم بأن السنين الثلاثمائة بالشمسية، وازدادوا تسعاً بالقمرية؛ فإنه لا يمكن أن نشهد على الله بأنه أراد هذا، مَن الذي يشهد على الله أنه أراد هذا المعنى؟ حتى لو وافق أن ثلاث مائة سنين شمسية هي ثلاث مائة وتسع سنين بالقمرية فلا يمكن أن نشهد على الله بهذا؛ لأن الحساب عند الله تعالى واحد. وما هي العلامات التي يكون بها الحساب عند الله؟ الجواب: هي الأهلَّة، ولهذا نقول: إن القول بأن " ثلاث مائة سنين " شمسية، (وازدادوا تسعاً) قمرية قول ضعيف. أولاً: لأنه لا يمكن أن نشهد على الله أنه أراد هذا. ثانياً: أن عدة الشهور والسنوات عند الله بالأهلة، قال تعالى: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) يونس/٥، وقال تعالى: (يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) البقرة/١٨٩ " انتهى. " تفسير سورة الكهف ". والحساب بالقمر والأهلة هو المعروف عند الأنبياء وأقوامهم، ولم يُعرف الحساب بالشمس إلا عند جهلة أتباع الديانات، وللأسف وافقهم كثير من المسلمين اليوم. قال الدكتور خالد السبت – في معرض رده على من استدل بآية (لا يزال بنيانهم..) في سورة التوبة على تفجيرات أمريكا -: " الخامس: أن مبنى هذه الارتباطات على الحساب الشمسي، وهو حساب متوارث عن أُمم وثنية، ولم يكن معتبراً لدى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإنما الحساب المعتبر في الشرع هو الحساب بالقمر والأهلة، وهو الأدق والأضبط، ومما يدل على أن المعروف في شرائع الأنبياء هو الحساب بالقمر والأهلة حديث واثلة بن الأسقع ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ) أخرجه أحمد (٤ / ١٠٧) ، والبيهقي في " السنن " (٩ / ١٨٨) ، وسنده حسن، وذكره الألباني في " الصحيحة " (١٥٧٥) . وهذا لا يعرف إلا إذا كان الحساب بالقمر والأهلة، ويدل عليه أيضا الحديث المخرج في الصحيحين عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى ... الحديث , أخرجه البخاري (٢٠٠٤) ومسلم (١١٣٠) ، وقد صرَّح الحافظ ﵀ أنهم كانوا لا يعتبرون الحساب بالشمس - انظر: " الفتح " (٤ / ٢٩١) ، وانظر (٧ / ٣٢٣) -. وقال ابن القيم ﵀ تعليقا على قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ) يونس/٥، وقوله تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) يس/٣٨، ٣٩: " ولذلك كان الحساب القمري أشهر وأعرف عند الأمم وأبعد من الغلط، وأصح للضبط من الحساب الشمسي، ويشترك فيه الناس دون الحساب، ولهذا قال تعالى: (وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) يونس/٥ ولم يقل ذلك في الشمس، ولهذا كانت أشهر الحج والصوم والأعياد ومواسم الإسلام إنما هي على حساب القمر وسيره حكمة من الله ورحمة وحفظا لدينه لاشتراك الناس في هذا الحساب، وتعذر الغلط والخطأ فيه، فلا يدخل في الدين من الاختلاف والتخليط ما دخل في دين أهل الكتاب " انتهى من "مفتاح دار السعادة " ص ٥٣٨، ٥٣٩. وربما يُفهم من العبارة الأخيرة لابن القيم ﵀ أن أهل الكتاب كانوا يعتمدون الحساب بالشمس، وهذا قد صرح الحافظ ابن حجر ﵀ بردِّه بعد أن نسبه لابن القيم - انظر: " الفتح " (٧ / ٣٢٣) –. والواقع أنه لم يكن معتبراً في شرعهم وإنما وقع لهم بعد ذلك لدى جهلتهم " انتهى. وفي فوائد قوله تعالى: (يسئلونك عن الأهلة ... ) قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " ومنها: أن ميقات الأمم كلها الميقات الذي وضعه الله لهم - وهو الأهلة - فهو الميقات العالمي؛ لقوله تعالى: (مواقيت للناس) ؛ وأما ما حدث أخيراً من التوقيت بالأشهر الإفرنجية: فلا أصل له من محسوس، ولا معقول، ولا مشروع؛ ولهذا تجد بعض الشهور ثمانية وعشرين يوماً، وبعضها ثلاثين يوماً، وبعضها واحداً وثلاثين يوماً، من غير أن يكون سبب معلوم أوجب هذا الفرق؛ ثم إنه ليس لهذه الأشهر علامة حسيَّة يرجع الناس إليها في تحديد أوقاتهم، بخلاف الأشهر الهلاليَّة فإن لها علامة حسيَّة يعرفها كل أحدٍ " انتهى. " تفسير البقرة " (٢ / ٣٧١) . وقال القرطبي ﵀ تعليقاً على قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ) التوبة/٣٦: " هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام في العبادات وغيرها إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط وإن لم تزد على اثني عشر شهراً؛ لأنها مختلفة الأعداد، منها ما يزيد على ثلاثين، ومنها ما ينقص، وشهور العرب لا تزيد على ثلاثين وإن كان منها ما ينقص، والذي ينقص ليس يتعين له شهر وإنما تفاوتها في النقصان والتمام على حسب اختلاف سير القمر في البروج " انتهى. " تفسير القرطبي " (٨ / ١٣٣) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15003

من هو ابن صياد؟ وهل هو المسيح الدجال ؟ [السُّؤَالُ] ـ[قرأت في بعض الأحاديث كلاما عن شخصية عجيبة ظهرت في عهد النبي ﷺ واسمه ابن صياد أو ابن صائد فمن هو هذا الرجل وما حقيقته؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ابن صياد اسمه: صافي، وقيل عبد الله بن صياد أو صائد. كان من يهود المدينة، وقيل من الأنصار، وكان صغيراً عند قدوم النبي ﷺ إلى المدينة. وقيل إنه أسلم. وكان ابن صياد دجّالاً، وكان يتكهن أحياناً فيصدق ويكذب، فانتشر خبره بين الناس، وشاع أنه الدجال. فأراد النبي ﷺ أن يطّلع على أمره ويتبين حاله، فكان يذهب إليه مختفياً حتى لا يشعر به رجاء أن يسمع منه شيئاً، وكان يوجه إليه بعض الأسئلة التي تكشف عن حقيقته. وقد عاش بعد النبي ﷺ ثمّ فُقِدَ ابن صياد يوم الحرّة. قصة النبي ﷺ مع ابن صياد حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ الْحُلُمَ فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لابْنِ صَيَّادٍ تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَرَفَضَهُ وَقَالَ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ فَقَالَ لَهُ مَاذَا تَرَى قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ هُوَ الدُّخُّ فَقَالَ اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ فَقَالَ عُمَرُ ﵁ دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ وَقَالَ سَالِمٌ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ إِلَى النَّخْلِ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ صَيَّادٍ فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ يَعْنِي فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْزَةٌ أَوْ زَمْرَةٌ فَرَأَتْ أمُّ ابْنِ صَيّادٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ فَقَالَتْ لابْنِ صَيَّادٍ يَا صَافِ وَهُوَ اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ هَذَا مُحَمَّدٌ ﷺ فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ. رواه البخاري ١٣٥٥ قَوْله: " أُطُم " بِضَمَّتَيْنِ بِنَاء كَالْحِصْنِ. وَ " مَغَالَة " بَطْن مِنْ الأَنْصَار , وَقَوْله " فَرَفَضَهُ " أَيْ تَرَكَهُ , وكان النبي ﷺ يُرِيد أَنْ يَسْتَغْفِلهُ لِيَسْمَع كَلامه وَهُوَ لا يَشْعُر. قَوْله: (لَهُ فِيهَا رُمْزَة أَوْ زُمْرَة) وفي رواية زَمْزَمَة بِمَعْنَى الصَّوْت الْخَفِيّ , أو تَحْرِيك الشَّفَتَيْنِ بِالْكَلامِ، أو الكلام الغامض. يُنظر فتح الباري شرح الحديث المتقدّم في كتاب الجنائز من صحيح البخاري *هل ابن صياد هو الدجال الأكبر؟ في الحديث السابق - الذي فيه بعض أحوال ابن صياد وامتحان النبي ﷺ له - ما يدل على أن النبي ﷺ كان متوقفاً في أمر ابن صياد، لأنه لم يُوحَ إليه أنه الدجّال ولا غيره. وكان كثير من الصحابة يظنون أن ابن صياد هو الدجال. وكان عمر بن الخطاب ﵄ يحلف أنه الدجال بحضرة النبي ﷺ وحضرة الصحابة، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك. ففي الحديث عن محمد بن المنكدر قال: " رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ ابْنَ الصَّائِدِ الدَّجَّالُ. قُلْتُ: تَْلِفُ بِاللَّهِ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ " رواه البخاري برقم ٦٨٠٨. وقد حصلت لابن عمر قصّة عجيبة مع ابن صائد وردت في صحيح الإمام مسلم عن نَافِعٍ قَالَ لَقِيَ ابْنُ عُمَرَ ابْنَ صَائِدٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ قَوْلا أَغْضَبَهُ فَانْتَفَخَ حَتَّى مَلأَ السِّكَّةَ فَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى حَفْصَةَ وَقَدْ بَلَغَهَا فَقَالَتْ لَهُ رَحِمَكَ اللَّهُ مَا أَرَدْتَ مِنْ ابْنِ صَائِدٍ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ غَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا. صحيح مسلم ٢٩٣٢ وبالرغم من ذلك فقد كان ابن صياد لما كبر يحاول الدّفاع عن نفسه ويُنكر أنه الدّجال ويُظهر تضايقه من هذه التهمة، ويحتج على ذلك بأن ما أخبر به النبي ﷺ من صفات الدجال لا تنطبق عليه. ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: " خَرَجْنَا حُجَّاجًا أَوْ عُمَّارًا وَمَعَنَا ابْنُ صَائِدٍ، قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلا فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَبَقِيتُ أَنَا وَهُوَ، فَاسْتَوْحَشْتُ مِنْهُ وَحْشَةً شَدِيدَةً مِمَّا يُقَالُ عَلَيْهِ، قَالَ: وَجَاءَ بِمَتَاعِهِ فَوَضَعَهُ مَعَ مَتَاعِي. فَقُلْتُ: إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ؛ فَلَوْ وَضَعْتَهُ تَحْتَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ. قَالَ: فَفَعَلَ. قَالَ: فَرُفِعَتْ لَنَا غَنَمٌ فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بِعُسٍّ - قدح كبير - فَقَالَ: اشْرَبْ أَبَا سَعِيدٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ وَاللَّبَنُ حَارٌّ - مَا بِي إِلا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَشْرَبَ عَنْ يَدِهِ أَوْ قَالَ آخُذَ عَنْ يَدِهِ - فَقَالَ: أَبَا سَعِيدٍ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آخُذَ حَبْلًا فَأُعَلِّقَهُ بِشَجَرَةٍ ثُمَّ أَخْتَنِقَ مِمَّا يَقُولُ لِي النَّاسُ، يَا أَبَا سَعِيدٍ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَلَسْتَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ كَافِرٌ وَأَنَا مُسْلِمٌ؟ أَوَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ عَقِيمٌ لا يُولَدُ لَهُ وَقَدْ تَرَكْتُ وَلَدِي بِالْمَدِينَةِ؟ أَوَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلا مَكَّةَ وَقَدْ أَقْبَلْتُ مِنْ الْمَدِينَةِ وَأَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ؟ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: حَتَّى كِدْتُ أَنْ أَعْذِرَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْرِفُهُ وَأَعْرِفُ مَوْلِدَهُ وَأَيْنَ هُوَ الآنَ. قَالَ: قُلْتُ لَهُ تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ " رواه مسلم برقم ٥٢١١. وقال ابن صياد في رواية: " أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ الآنَ حَيْثُ هُوَ وَأَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ. وَقِيلَ لَهُ: أَيَسُرُّكَ أَنَّكَ ذَاكَ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: لَوْ عُرِضَ عَلَيَّ مَا كَرِهْتُ " رواه مسلم برقم ٥٢١٠. وقد التبس على العلماء ما جاء في ابن صياد، وأشكل عليهم أمره، فمن قائل أنه الدجال، ومنهم من يقول أنه ليس الدجال. ومع كل فريق دليله، فتضاربت أقوالهم كثيراً، وقد اجتهد ابن حجر في التوفيق بين هذه الأقوال، فقال: " أقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال: أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثوقاً، وأن ابن صياد هو شيطان تبدّى في صورة الدجال في تلك المدة، إلى أن توجه إلى أصبهان فاستتر مع قرينه، إلى أن تجيء المدة التي قدّر الله تعالى خروجه فيها، فتح الباري (١٣ / ٣٢٨) . وقيل إنّ ابن صياد هو دجّال من الدّجاجلة وليس هو الدّجال الأكبر. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15004

هل صخرة بيت المقدس معلقة في الهواء [السُّؤَالُ] ـ[صخرة المقدس التي ركب المعراج عليها يوم عرج النبي ﷺ قالوا لنا أنها معلقة في الهواء بالقدرة أفتونا جزاكم الله خيراً؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كل شيء قائم في مقره بإذن الله سواء في ذلك السموات وما فيها والأرضون وما فيهن حتى الصخرة المسؤول عنها، قال تعالى: (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده) وقال سبحانه: (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) وليست صخرة بيت المقدس معلقة في الفضاء وحولها هواء من جميع نواحيها بل لا تزال متصلة من جانب الجبل التي هي جزء منه متماسكة معه، وهي وجبلها قائمان في مقرهما للأسباب الكونية العادية المفهومة، شأنهما في ذلك شأن غيرهما من الكائنات، ولا ننكر قدرة الله على أن يمسك جزءاً من الكونيات في الفضاء فمجموع المخلوقات كلها قائمة في الفضاء بقدرة الله كما تقدم، وقد رفع الله الطور فوق قوم موسى حينما امتنعوا من العمل بما أتاهم به موسى من الشرائع وكان محمولاً بقدرة الله، قال تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) ، وقال تعالى: (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظُلّة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) ولكن القصد بيان الواقع، وأن الصخرة التي في بيت المقدس ليست معلقة في الفضاء من جميع جوانبها منفصلة عن الجبل انفصالاً كلياً بل هي متصلة به متماسكة معه. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] فتوى إسلامية لللجنة الدائمة /٤٨٥

стр. 15005

اتخّاذ الهلال شعارا [السُّؤَالُ] ـ[ما الذي يرمز إليه شعار الهلال والنجمة لدى المسلمين؟ لقد بحثت في موقعك على الإنترنت وكذلك في المراجع الموجودة في المكتبة لديَ ولم أعثر على شيء سوى إشارة إلى علم الإمبراطورية العثمانية. شكراً لك على اهتمامك.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إن اتخاذ الأهلة أو النجوم شعاراً للمسلمين لا أصل له في الشرع، ولم يكن معروفاً في عهد النبي ﷺ ولا عهد خلفائه الراشدين بل ولا في عهد بني أمية، وإنما حدث بعد ذلك واختلف بعض أصحاب التواريخ في أول حدوثه، وفي أول من فعله فقيل الفرس، وقيل الإغريق ثم انتقل إلى المسلمين في بعض الحوادث، (يُنظر التراتيب الإدارية للكتاني ١/٣٢٠) ، ويقال أن اتخاذ الهلال سببه هو أن المسلمين حين فتحوا بعض بلاد الغرب وفي كنائسهم يعلو فيها الصليب وضع المسلمون بدل الصليب هذا الهلال فانتشر لذلك، وعلى كلٍّ فالشعارات والرايات لابد وأن تكون موافقة للشرع وحيث أنه ليس هناك دليل على مشروعيتها فالأحرى ترك ذلك، وليس الهلال ولا النجمة شعاراً للمسلمين، ولو اتخذه بعض المسلمين، وأما من جهة - ما يعتقده المسلمون في القمر والنجوم فإنهم يعتقدون أنها من خلق الله لا تنفع ولا تضر ولا تؤثر بذاتها في الأحداث الأرضية، وإنما خلقها الله لفوائد البشر، ومن ذلك قول الله : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ.. الآية (١٨٩) سورة البقرة. نقل ابن كثير ﵀ في معنى قوله قل هي مواقيت للناس: يعلمون بها حل دينهم وعدة نسائهم ووقت حجهم.. جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم وعِدَّة نسائهم ومحل دَيْنهم. تفسير ابن كثير وقال القرطبي ﵀ في تفسير الآية: تبيين لوجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه, وهو زوال الإشكال في الآجال والمعاملات والأَيْمان والحج والعُدَد والصوم والفطر ومدة الحمل والإجارات.. إلى غير ذلك من مصالح العباد. ونظيره قوله الحق: "وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب" [الإسراء: ١٢] .. وقوله: "هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدَّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب" [يونس: ٥] وإحصاء الأهلة أيسر من إحصاء الأيام. أنظر تفسير القرطبي. أمّا النّجوم فقد قال علماء الإسلام خَلَقَ (الله) هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلاثٍ جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَعَلامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، صحيح البخاري كتاب بدء الخلق كما قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ..) الآية ٩٧ سورة الأنعام، وقال تعالى: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِير) سورة تبارك آية ٥، والله تعالى أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15006

متى كانت بداية الإسلام ؟ [السُّؤَالُ] ـ[متى كانت بداية الإسلام؟ وكم بين محمد ﷺ وعيسى ﵇؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله بدأ الإسلام ببعثة النبي ﷺ لمّا نزل عليه جبريل بالوحي من الله في مكة في جزيرة العرب وكان ذلك في يوم الاثنين في شهر رمضان في العام الأربعين من عمر النبي محمد ﷺ قبل ثلاث عشرة سنة من هجرته إلى المدينة (وهو بدء التاريخ الهجري) وبالتأريخ الميلادي تكون البعثة قد حدثت تقريبا في عام ٦٠٨ أو ٦٠٩ للميلاد، وقد أخبر سلمان الفارسي ﵁ (وهو من أصحاب النبي ﷺ أن بين محمد ﷺ وعيسى ﷺ ستمائة عام. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15007

زواج أبناء آدم [السُّؤَالُ] ـ[لست أشكّ في إيماني ولله الحمد ولكنها أشياء ترد على الذّهن: لما ولد لآدم وحواء أولاد المفترض أنهم تزوجوا من بعضهما البعض، أليس زواج الإخوة من أخواتهم حرام في القرآن فكيف حدث ذلك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ما دام قلبك مطمئنا بالإيمان فلا يضرّك - إن شاء الله - ما يمرّ بك من الوساوس لأنّ الإنسان المؤمن إذا خطر بباله شبهة أو حصل في عقله شيء من التعارض بين بعض النصوص الشرعية فإنّه يؤمن بالحق وإنّ لتلك الشّبهة جوابا ولذلك التعارض حلّ وإن لم يعرفه ولم يهتد إليه. لكن على الإنسان أن لا يتخذّ من قلبه مستودعا للشبهات أو يجعل همّه البحث عن الإشكالات ويترك طلب العلم المفيد كما أنّه لا بدّ للمسلم من معرفة الأمور المحكمة في الشريعة لكي يردّ إليها الأمور المشتبهة. وأمّا المسألة التي سألت عنها فإنّه من المعلوم أنّ الأحكام تختلف باختلاف الشرائع مع بقاء الأصول والمعتقد ثابتة في الجميع وإذا كانت صناعة التماثيل جائزة في شريعة سليمان فإنها محرّمة في شرعنا وإذا كان سجود التحيّة جائزا في شريعة يوسف فهو محرم في شرعنا وإذا كانت غنائم المعارك محرّمة على من قبلنا فهي حلال لنا وإذا كانت قبلة غيرنا من الأمم إلى بيت المقدس فقبلتنا إلى الكعبة وهكذا، وقد كان في شرع آدم ﵇ تزويج الأخ من أخته بخلاف شرائع من بعده وفيما يلي توضيح من الحافظ ابن كثير في هذه المسألة: قال رحمه الله تعالى: [إن] الله تعالى شرع لآدم ﵇ أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال ولكن قالوا كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر.. قال السدي فيما ذكر عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا ومعه جارية فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر تفسير ابن كثير. سورة المائدة. آية ٢٧ أسأل الله أن يوفقنا وإياك للإيمان والعلم النافع. وصلى الله على نبينا محمد. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15008

من هو عمر الخيام [السُّؤَالُ] ـ[من هو عمر الخيام وما هي عقيدته؟ أرجو إعطائي نبذة عنه؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ١. هو: أبو الفتح، عمر بن إبراهيم الخيَّامي النيسابوري، شاعر، فيلسوف، من أهل نيسابور، مولداً ووفاة. ٢. ولد سنة ٤٠٨ هـ، في قرية نيسابور، وتوفي ودفن فيها سنة ٥١٧ هـ، وقيل: ٥١٥ هـ ٣. كان عالماً بالرياضيات، والفَلَك، واللغة، والفقه، والتاريخ. ٤. ولنبوغه في علم الفلك، فقد عيِّن مديراً لمرصد بغداد، ولشدة اهتمامه بالفلسفة قُرن اسمه باسم ابن سينا - الذي كان له مقالات كفرية تُخرج عن الإسلام -. ٥. واشتهر كذلك بالشعر، ومن أشهر أشعاره " الرُّباعيات "، وهي مليئة بالكفر والإباحية والزندقة، ولا عجب إذا علمنا اهتمام الغرب بطباعتها ونشرها، وقد ترجموها إلى لغات عديدة مثل الإنجليزية، والفرنسية، والروسيَّة، والألمانية، وغيرها، وقد استفاد الإنجليز في نشر الفاحشة والرذيلة والتي دعا إليها الخيَّام في " رباعياته "، وقد نشروا ذلك في الدول التي استعمروها كالهند وإيران، ناسبين ذلك الأمر إلى واحد من المسلمين بل ومن عظمائهم في زعمهم. ٦. ومِن أشعاره في الخمر - من الرباعيات -: إشرب الراَّح فهْي رُوح الرَّوْح بلْسم النفس والحشا والمروح وإذا ما دهاك طوفان همٍّ فانْجُ فيها فذي سفينة نوحِ ٧. وفي إنكاره البعث بعد الموت يقول: قُم قبل غارة الأسى مبِّكرَا وادع بها ورْديَّةً تجلو الدُّجَى فلستَ يا هذا الغبيُّ عسجدَا حتى تُوارى في الثرى وتُخرجا = العسجد: الذهب. ٨. وفي إباحياته وخلاعياته يقول: ما اسطعتَ كن لبني الخلاعة تابعاً واهدِم بناء الصوم والصلوات واسمع عن الخيَّام خير مقالة إشرب وغنِّ وسِر إلى الخيرات ٩. وفي استهزائه بالشرع ووقاحته مع ربه، وموقفه من التوبة، يقول: كلَّ يوم أنوي المتاب إذا ما جاءني الليل عن كؤوس الشراب فأتاني فصلُ الزهور وإني فيه يا ربُّ تائبٌ عن متابي ٠١. ويرى بعض الباحثين كالزِّركلي أنه تاب من ذلك وحجّ، وبعضهم كعبد الحق فاضل يشكك في نسبة الرباعيات له! وعلى كل حال: فالرباعيات لا تدل على أنه تاب، لأن فيها المجاهرة بالكفر والتحلل من الفضائل، وفيها التبرِّي من التوبة والإنابة، بل لا تدل على أن صاحبها يؤمن بالله واليوم الآخر. والتشكيك في نسبتها إلى الخيام لا يقْوى مع كثرة من نسبها إليه ودلَّل على ذلك، والله أعلم بالحقائق، وانظر في ترجمته: " الأعلام " للزركلي ٥ / ٣٨، و "معجم المؤلفين " لعمر رضا كحالة ٢ / ٥٤٩، و " عمر الخيام بين الكفر والإيمان " لإحسان حقي، و " ثورة الخيام " لعبد الحق فاضل. وصلى الله على نبينا محمد. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15009

هل انتشر الإسلام بحد السيف [السُّؤَالُ] ـ[يدعي بعض أعداء الدين أن الإسلام قد انتشر بحد السيف، فما رد فضيلتكم على ذلك؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الإسلام انتشر بالحجة والبيان بالنسبة لمن استمع البلاغ واستجاب له، وانتشر بالقوة والسيف بالنسبة لمن عاند وكابر حتى غُلِب على أمره، فذهب عناده فأسلم لذلك الواقع. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. [الْمَصْدَرُ] فتاوى اللجنة الدائمة ١٢/١٤.

стр. 15010

هل ترمز الحمامة إلى أي معنى في الإسلام [السُّؤَالُ] ـ[في الدين النصراني الحمام رمز للسلام،ليس ذلك فقط وإنما أيضا نفس مقدسة في دين الإسلام هل للحمام أي أهمية؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله عرضنا هذا السؤال على فضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين فأجاب حفظه الله: ليس للحمام ميزة معينة في الإسلام وهو من الطيور التي أباح الله أكلها كسائر الطيور المباحة والحمامة في الإسلام لا ترمز إلى السلام ولا إلى غيره ويكفينا نحن المسملين ما أمرنا الله به من إقامة العدل في الأرض. [الْمَصْدَرُ] الشيخ عبد الله بن جبرين

стр. 15011

هل كان العرب يعرفون الله قبل البعثة النبوية [السُّؤَالُ] ـ[نحن نعلم بأن اسم والد نبينا الكريم كان "عبد الله"، وأنه مات قبل ولادة النبي ﷺ . بهذه الخلفية، أرجو أن تخبرني عن مفهوم العرب عن "الله" قبل النبي ﷺ ، هل كانوا يفهمون معنى هذه الكلمة قبل مولد النبي؟ كيف كانوا يفرقون بين الله وبين الأوثان، هذا إذا كانوا يفرقون بينهما أصلا؟ وشكرا لك.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ينبغي أن تعلم أن المجتمعات العربية قبل الإسلام لم تكن مجتمعات إلحادية تنكر وجود الله، ولا مجتمعات تجهل أن هناك رباً خالقاً رازقاً، بل كانوا يعرفون ذلك، وكان منهم بقايا من دين إبراهيم، وعلاقتهم باليهود والنصارى موجودة، ولكن كانت مشكلتهم أنهم لا يُفردون الله بالعبادة وحده دون سواه، بل يشركون معه الآلهة التي يعبدونها، وهم يعبدونها لا بحجة أنها هي الرب الخالق الرازق، ولكن يزعمون انها وسائط بينهم وبين الله، تقربهم إلى الله، ولذلك قال الله عنهم: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) ، فهذا يدل على اعترافهم بأن الله هو الخالق، وفي آية أخرى يقول سبحانه: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) . وهكذا في آيات عديدة تدل على إيمانهم بتوحيد الربوبية، وإنما كان شركهم في الألوهية كما قال عنهم: (والذين اتخذوا من دونه أولياء مانعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) ، أي يقولون ما نعبدهم إلا ليقربوننا إلى الله. [الْمَصْدَرُ] الشيخ سعد الحميد.

стр. 15012

لم يعش أحد أكثر من مائة سنة ممن كان حيا في العام العاشر للهجرة [السُّؤَالُ] ـ[هل بإمكانكم توضيح هذا الحديث لي: عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: بعد أن صلى بنا رسول الله صلاة العشاء قال لنا: أتعلمون هذه الليلة؟ لن يبقى أحد ممن هو على الأرض الآن بعد ١٠٠ عام من هذه الليلة. صحيح البخاري.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله معنى الحديث واضح وظاهر وأيده الواقع، فهو ﷺ يُخبر أن الناس الموجودين في ذلك العصر لن يعيش أحد منهم أكثر من مائة سنة، وهذا ما حصل فعلا، فآخر الصحابة موتا كانت وفاته سنة عشر ومائة أي بعد مائة عام من وفاة الرسول ﵊ وهو أبو الطفيل بن واثلة. الشيخ سعد الحميد. والحديث قد رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ قَالَ صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: (أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ) رواه البخاري. وفيما يلي طائفة من شرح الحافظ ابن حجر ﵀ لهذا الحديث: قَوْله: (صَلَّى لَنَا) أَيْ إِمَامًا , قَوْله: (فِي آخِر حَيَاته) جَاءَ مُقَيَّدًا فِي رِوَايَة جَابِر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل مَوْته ﷺ بِشَهْرٍ. قَوْله: (أَرَأَيْتَكُمْ) الْمَعْنَى أَعَلِمْتُمْ أَوْ أَبْصَرْتُمْ لَيْلَتكُمْ , قَوْله: (فَإِنَّ رَأْس) أَيْ عِنْد اِنْتِهَاء مِائةِ سَنَة. قَوْله: (لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْر الأَرْض) أَيْ الآن مَوْجُودًا أَحَد إِذْ ذَاكَ , قَالَ اِبْن بَطَّال: إِنَّمَا أَرَادَ رَسُول اللَّه ﷺ أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّة تَخْتَرِم الْجِيل الَّذِي هُمْ فِيهِ , فَوَعَظَهُمْ بِقِصَرِ أَعْمَارهمْ , وَأَعْلَمهُمْ أَنَّ أَعْمَارهمْ لَيْسَتْ كَأَعْمَارِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الأُمَم لِيَجْتَهِدُوا فِي الْعِبَادَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمُرَاد أَنَّ كُلّ مَنْ كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَة عَلَى الأَرْض لا يَعِيش بَعْد هَذِهِ اللَّيْلَة أَكْثَر مِنْ مِائَة سَنَة سَوَاء قَلَّ عُمْره قَبْل ذَلِكَ أَمْ لا , وَلَيْسَ فِيهِ نَفْي حَيَاة أَحَد يُولَد بَعْد تِلْكَ اللَّيْلَة مِائَة سَنَة. وَاَللَّه أَعْلَم. انتهى وهذا الحديث من أعلام نبوة النبي ﷺ وأنّه أخبر بأمر مستقبلي ووقع كما أخبر وقد استدلّ به العلماء الثقات في الردّ على بعض الصوفية الذين يقولون بأنّ الخضر ﵇ لا يزال حيا إلى الآن. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15013

اسم امرأة أيوب ﵇ [السُّؤَالُ] ـ[ما اسم امرأة أيوب علية السلام؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ذكر المؤرخون وبعض المفسرين أن اسمها " رحمة " بنت ميشا بن يوسف بن يعقوب! وهذا مما لم يثبت بنص صحيح صريح، وإنما ينقل من كتب عن أهل الكتاب، أو من المسلمين عنهم، ونحن نذكر من قال بهذا القول ونقَلَه. أولاً: قال السيوطي: وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه ﵁ قال: زوجة أيوب ﵇: رحمة ﵂ بنت ميشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ﵈. " الدر المنثور " (٧ / ١٩٧) . وكذا هو في: " تفسير البيضاوي " (٣ / ٣١٠) ، " تفسير القرطبي " (٩ / ٢٦٥) ، " تفسير البغوي " (٢ / ٤٥١) . ثانياً: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تُذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، فإنَّها على ثلاثة أقسام: أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق: فذاك صحيحٌ. والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه. والثالث: ما هو مسكوتٌ عنه لا مِن هذا القبيل، ولا مِن هذا القبيل: فلا نؤمن به، ولا نكذبه، وتجوز حكايتُه لما تقدم. وغالب ذلك مما لا فائدةَ فيه تعود إلى أمرٍ دينيٍّ، ولهذا يختلف علماءُ أهلِ الكتابِ في مثل هذا كثيراً، ويأتي عن المفسرين خلافٌ بسببِ ذلك، كما يذكرون في مثل هذا: أسماءَ أصحابِ الكهف، ولون كلبهم، وعدتهم، وعصا موسى مِن أيِّ الشجرِ كانت... إلى غير ذلك مما أبهمه الله في القرآن مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم. " مجموع الفتاوى " (١٣ / ٣٦٦ - ٣٦٧) . وقال الشنقيطي ﵀: وما يذكره المفسرون مِن الأقوال في اسم كلبهم، فيقول بعضهم: اسمه " قطمير "، ويقول بعضهم: اسمه " حمدان " إلى غير ذلك، لم نُطِل به الكلام لعدم فائدته، ففي القرآن العظيم أشياءُ كثيرةٌ لم يبيِّنْها الله لنا ولا رسولُه، ولم يَثبت في بيانها شيءٌ، والبحثُ عنها لا طائلَ تحته ولا فائدةَ فيه. " أضواء البيان " (٤ / ٤٨) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15014

موقفنا من يزيد بن معاوية [السُّؤَالُ] ـ[سمعت عن المدعو يزيد بن معاوية، وأنه كان خليفة على المسلمين في فترة مضت، وأنه كان شخصا سكِّيراً ساديا، ولم يكن مسلما حقا. فهل هذا صحيح؟ أرجو أن تخبرني عن تاريخ المذكور.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اسمه: يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أميّة الأموي الدمشقي. قال الذهبي: وكان أمير ذلك الجيش في غزو القسطنطينية وفيهم مثل أبي أيوب الأنصاري عقد له أبوه بولاية العهد من بعده فتسلم الملك عند موت أبيه في رجب سنة ستين وله ثلاث وثلاثون سنة فكانت دولته أقل من أربع سنين. ويزيد ممن لا نسبُّه ولا نحبه وله نظراء من خلفاء الدولتين وكذلك في ملوك النواحي بل فيهم من هو شر منه وإنما عظم الخطب لكونه ولي بعد وفاة النبي ﷺ بتسع وأربعين سنة والعهد قريب والصحابة موجودون كابن عمر الذي كان أولى بالأمر منه ومن أبيه وجده. افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين واختتمها بواقعة الحرة فمقته الناس ولم يبارك في عمره وخرج عليه غير واحد بعد الحسين كأهل المدينة قاموا لله.. وابن الزبير..... سير أعلام النبلاء ج/ ٤ ص/ ٣٨. وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية الموقف من يزيد بن معاوية فقال: افترق الناس في يزيد بن معاوية بن أبى سفيان ثلاث فرق، طرفان ووسط. فأحد الطرفين قالوا: إنه كان كافراً منافقاً، وأنه سعى في قتل سبط رسول الله تشفِّياً من رسول الله وانتقاما منه، وأخذاً بثأر جده عتبة وأخي جده شيبة، وخاله الوليد بن عتبة وغيرهم ممن قتلهم أصحاب النبي ﷺ بيد على بن أبى طالب وغيره يوم بدر وغيرها. وأشياء من هذا النمط وهذا القول سهل على الرافضة الذين يكفرون أبا بكر وعمر وعثمان فتكفير يزيد أسهل بكثير. والطرف الثاني: يظنون أنه كان رجلًا صالحاً وإمام عدل، وأنه كان من الصحابة الذين ولدوا على عهد النبي وحمله على يديه وبرَّك عليه. وربما فضَّله بعضهم على أبى بكر وعمر، وربما جعله بعضهم نبيَّا ... وكلا القولين ظاهر البطلان عند من له أدنى عقل وعلم بالأمور وسِيَر المتقدمين، ولهذا لا ينسب إلى أحد من أهل العلم المعروفين بالسنة ولا إلى ذي عقل من العقلاء الذين لهم رأى وخبرة والقول الثالث: أنه كان ملكا من ملوك المسلمين له حسنات وسيئات ولم يولد إلا في خلافة عثمان، ولم يكن كافرا، ولكن جرى بسببه ما جرى من مصرع الحسين وفعل ما فعل بأهل الحرة، ولم يكن صاحبا ولا من أولياء الله الصالحين، وهذا قول عامة أهل العقل والعلم والسنة والجماعة. ثم افترقوا ثلاث فرق فرقة لعنته وفرقة أحبته وفرقة لا تسبه ولا تحبه وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد وعليه المقتصدون من أصحابه وغيرهم من جميع المسلمين قال صالح بن أحمد قلت لأبي: إن قوما يقولون: إنهم يحبون يزيد فقال يا بني وهل يحب يزيد أحدٌ يؤمن بالله واليوم الآخر!! فقلت يا أبت فلماذا لا تلعنه؟ فقال: يا بني ومتى رأيت أباك يلعن أحداً. وقال أبو محمد المقدسي لما سئل عن يزيد فيما بلغني لا يُسَب ولا يُحَب وقال: وبلغنى أيضا أن جدنا أبا عبد الله بن تيمية سئل عن يزيد فقال: لاننقص فيه ولا نزيد وهذا أعدل الأقوال فيه وفي أمثاله وأحسنها ... أهـ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ج/٤ ص/٤٨١-٤٨٤. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15015

أصحاب الكهف هم أصحاب الرقيم [السُّؤَالُ] ـ[هل أصحاب الكهف هم أصحاب الرقيم أم أن هؤلاء قوم غير هؤلاء؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ الشنقيطي في تفسير قول الله تعالى: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا) الكهف/٩: والظاهر أن أصحاب الكهف والرقيم: طائفة واحدة أضيفت إلى شيئين أحدهما معطوف على الآخر خلافا لمن قال: إن أصحاب الكهف طائفة وأصحاب الرقيم طائفة أخرى، وأن الله قص على نبيه ﵌ هذه السورة الكريمة " قصة أصحاب الكهف " ولم يذكر له شيئا عن أصحاب الرقيم وخلافا لمن زعم أن أصحاب الكهف هم الثلاثة الذين سقطت عنهم صخرة فسدت عليهم باب الكهف الذي هم فيه فدعوا الله بأعمالهم الصالحة وهم: البار بوالديه والعفيف والمستأجر، وقصتهم مشهورة ثابتة في الصحيح إلا أن تفسير الآية بأنهم هم المراد بعيد كما ترى، واعلم أن قصة أصحاب الكهف وأسماءهم وفي أي محل من الأرض كانوا كل ذلك لم يثبت فيه عن النبي ﵌ شئ زائد على ما في القرآن وللمفسرين في ذلك أخبار كثير إسرائيلية أعرضنا عن ذكرها لعدم الثقة بها. [الْمَصْدَرُ] " أضواء البيان " (٤ / ٢٢) .

стр. 15016

أين دفن الحسين وما هي أهمية معرفة مكان قبور الصحابة [السُّؤَالُ] ـ[يقول السائل كثر كلام الناس واختلف حول قبر سيدنا الحسين أين مكانه؟ وهل يستفيد المسلمون من معرفة مكانه بالتحديد؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله بالواقع قد اختلف الناس في ذلك، فقيل: إنه دفن في الشام، وقيل: في العراق، والله أعلم بالواقع. أما رأسه فاختلف فيه؛ فقيل: في الشام، وقيل في العراق، وقيل: في مصر، والصواب أن الذي في مصر ليس قبرا له، بل هو غلط وليس به رأس الحسين، وقد ألف في ذلك بعض أهل العلم، وبينوا أنه لا أصل لوجود رأسه في مصر ولا وجه لذلك، وإنما الأغلب أنه في الشام؛ لأنه نقل إلى يزيد ابن معاوية وهو في الشام، فلا وجه للقول بأنه نقل إلى مصر، فهو إما حفظ في الشام في مخازن الشام، وإما أعيد إلى جسده في العراق. وبكل حال فليس للناس حاجة في أن يعرفوا أين دفن وأين كان، وإنما المشروع الدعاء له بالمغفرة والرحمة، غفر الله له ورضي عنه، فقد قتل مظلوما فيدعى له بالمغفرة والرحمة، ويرجى له خير كثير، وهو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة، كما قال ذلك النبي ﷺ ، ﵄ وأرضاهما، ومن عرف قبره وسلم عليه ودعا له فلا بأس، كما تزار القبور الأخرى، من غير غلو فيه ولا عبادة له، ولا يجوز أن تطلب منه الشفاعة ولا غيرها كسائر الأموات؛ لأن الميت لا يطلب منه شيء وإنما يدعى له ويترحم عليه إذا كان مسلما، لقول النبي ﷺ : (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة) فمن زار قبر الحسين أو الحسن أو غيرهما من المسلمين للدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار لهم كما يفعل مع بقية قبور المسلمين - فهذا سنة، أما زيارة القبور لدعاء أهلها أو الاستعانة بهم أو طلبهم الشفاعة - فهذا من المنكرات، بل من الشرك الأكبر، ولا يجوز أن يبنى عليها مسجد ولا قبة ولا غير ذلك؛ لأن الرسول ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) متفق على صحته، ولما رواه جابر بن عبد الله ﵄ في الصحيح عن النبي ﷺ : (أنه نهى عن تجصيص القبور وعن القعود عليها وعن البناء عليها) ، فلا يجوز أن يجصص القبر أو يطيب أو توضع عليه الستور أو يبنى عليه، فكل هذا ممنوع ومن وسائل الشرك، ولا يصلى عنده لقول النبي ﵊: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) أخرجه مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁. وهذا الحديث يدل على أنه لا تجوز الصلاة عند القبور ولا اتخاذها مساجد؛ ولأن ذلك وسيلة للشرك وأن يعبدوا من دون الله بدعائهم والاستغاثة بهم والنذر لهم والتمسح بقبورهم طلبا لبركتهم، فلهذا حذر النبي ﵊ من ذلك، وإنما تزار القبور زيارة شرعية فقط، للسلام عليهم والدعاء لهم والترحم عليهم من دون شد رحل لذلك. والله هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل. [الْمَصْدَرُ] مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز ٦/٣٦٦

стр. 15017

المسجد الأقصى وقبة الصخرة [السُّؤَالُ] ـ[وصلني مؤخراً رسالة بالبريد الإلكتروني عن حالة المسجد الأقصى والتفريق بين مسجد الأقصى وقبة الصخرة هل يمكن أن توضح ما إذا كان المسجد الأقصى مختلفا عن قبة الصخرة؟ لماذا نرى القبة وهي تشير للمسجد الأقصى في الأماكن الإسلامية وأنا وكثير من المسلمين لا ندري بالفرق؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله المسجد الأقصى المبارك هو أولى القبلتين، وأحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، وقد قيل: إن الذي بناه سليمان ﵇، كما ثبت ذلك في سنن النسائي (٦٩٣) وصححه الألباني في صحيح النسائي، وقيل أنه كان موجوداً قبل سليمان ﵇ وأن بناء سليمان له كان تجديداً بدليل ما ثبت في الصحيحين عن أبي ذر ﵁ قال قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام قال قلت ثم أي؟ قال المسجد الأقصى قلت كم كان بينهما؟ قال أربعون سنة ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله فإن الفضل فيه " (رواه البخاري (٣٣٦٦) ومسلم (٥٢٠) . وقد أسري بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس، وصلى بالأنبياء في هذا المسجد المبارك. قال سبحانه: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الاسراء / ١. وأما قبة الصخرة فقد بناها الخليفة عبد الملك بن مروان سنة ٧٢ هـ جاء في الموسوعة الفلسطينية ٤/٢٠٣ (كان اسم المسجد الأقصى يطلق قديما على الحرم القدسي الشريف كله وما فيه من منشآت أهمها قبة الصخرة المشرفة التي بناها عبد الملك بن مروان سنة ٧٢ هـ/ ٦٩١ م وتعد من أعظم الآثار الإسلامية. وأما اليوم فيطلق الاسم على المسجد الكبير الكائن جنوبي ساحة الحرم) . وجاء في الموسوعة أيضا (٣/٢٣) : (يقوم بناء قبة الصخرة في وسط ساحة المسجد الأقصى، في القسم الجنوبي الشرقي من مدينة القدس، وهي ساحة فسيحة مستطيلة الشكل تمتد من الشمال إلى الجنوب مقدار ٤٨٠ م، ومن الشرق إلى الغرب مقدار ٣٠٠ م تقريبا، وتكون هذه الساحة على وجه التقريب خمس مساحة مدينة القدس القديمة) . أ. هـ بتصرف فالمسجد الذي هو موضع الصلاة، ليس هو قبة الصخرة، لكن لانتشار صورة القبة، يظن كثير من المسلمين حين يرونها أنها المسجد، والواقع ليس كذلك، فالمسجد يقع في الجزء الجنوبي من الساحة الكبيرة، والقبة بنيت على صخرة مرتفعة تقع وسط الساحة. وقد سبق أن اسم المسجد كان يطلق على الساحة كلها قديما. ويؤكد هذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموعة الرسائل الكبرى ٢/٦١ (فالمسجد الأقصى اسم لجميع المسجد الذي بناه سليمان ﵇، وقد صار بعض الناس يسمي الأقصى، المصلى الذي بناه عمر بن الخطاب في مقدمته. والصلاة في هذا المصلى الذي بناه عمر للمسلمين أفضل من الصلاة في سائر المسجد، فإن عمر بن الخطاب لما فتح بيت المقدس وكان على الصخرة زبالة عظيمة لأن النصارى كانوا يقصدون إهانتها مقابلة لليهود الذين يصلون إليها، فأمر عمر بإزالة النجاسة عنها، وقال لكعب: أين ترى أن نبني مصلى للمسلمين؟ فقال: خلف الصخرة، فقال: يا ابن اليهودية! خالطتك اليهودية، بل أبنيه أمامها فإنّ لنا صدور المساجد. ولهذا كان أئمة الأمة إذا دخلوا المسجد قصدوا الصلاة في المصلى الذي بناه عمر، وأما الصخرة فلم يصل عندها عمر ولا الصحابة ولا كان على عهد الخلفاء الراشدين عليها قبة، بل كانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان وعلي ومعاوية ويزيد ومروان ... وأما أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان فلم يكونوا يعظمون الصخرة فإنها قبلة منسوخة ... وإنما يعظمها اليهود وبعض النصارى) . وإنكار عمر على كعب الأحبار وقوله له: (يا ابن اليهودية) لأن كعباً كان من أحبار اليهود وعلمائهم، فلما أشار على عمر بن الخطاب ببناء المسجد خلف الصخرة كان في ذلك تعظيماً للصخرة حتى يستقبلها المسلمون في الصلاة، وتعظيم الصخرة من دين اليهود لا من دين المسلمين. واكتفاء المسلمين بصورة القبة، قد يكون راجعا لحسن عمارة هذه القبة وجمال هيئتها، وهذا لا يعفيهم من الخطأ الذي نشأ عنه عدم التمييز بين المسجد وما حوله. وقد يكون هذا من مكر اليهود وكيدهم؛ لتعظيمهم الصخرة وتوجههم إليها أو تكون إظهار الصخرة ليتم لهم مرادهم بإقامة هيكل سليمان المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى، وذلك ليظن المسلمون بأن المسجد الأقصى هو قبة الصخرة، فإذا قام اليهود بهدم المسجد الأقصى وأنكر عليها المسلمون قالوا لهم ها هو المسجد الأقصى على حاله، فيُظهرون صورة قبة الصخرة، فيكونون بذلك قد حققوا أهدافهم، وسلموا من انتقاد المسلمين. نسأل الله تعالى أن يعيد للمسلمين عزهم ومجدهم، وأن يطهر المسجد الأقصى من إخوان القردة والخنازير، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15018

نبي الله يحيى ﵇ [السُّؤَالُ] ـ[هل يمكن إعطاؤنا معلومات عن نبي الله يحيى ﵇؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ الشنقيطي – رحمة الله تعالى عليه -: وقوله: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) مريم/١٢، أي: خذ التوراة بقوة، أي: بجد واجتهاد، وذلك بتفهم المعنى أولا حتى يفهمه على الوجه الصحيح، ثم يعمل به من جميع الجهات فيعتقد عقائده ويحل حلاله ويحرم حرامه ويتأدب بآدابه ويتعظ بمواعظه إلى غير ذلك من جهات العمل به، وعامة المفسرين على أن المراد بالكتاب هنا التوراة ... وقوله: (وآتيناه الحكم صبيّاً) ، أي: أعطيناه الحكم وللعلماء في المراد بالحكم أقوال متقاربة مرجعها إلى شئ واحد وهو أن الله أعطاه الفهم في الكتاب أي إدراك ما فيه والعمل به حال كونه صبيا .... وقوله: (وحناناً) ، معطوف على الحكم، أي وآتيناه حناناً من لدنّا، والحنان هو ما جبل عليه من الرحمة والعطف والشفقة، وإطلاق الحنان على الرحمة والعطف مشهور في كلام العرب ومنه قولهم: حنانك وحنانيك يا رب بمعنى: رحمتك ... وقوله: (وزكاةً) أنه معطوف على ما قبله أي أو وأعطيناه زكاة أي طهارة من أدران الذنوب والمعاصي بالطاعة والتقرب إلى الله بما يرضيه ... وقوله: (وكان تقيّاً) أي: ممتثلاً لأوامر ربه مجتنباً كل ما نهى عنه ولذا لم يعمل خطيئة قط ولم يلم بها .... وقوله: (وبرّاً بوالديه) ، البَرّ - بالفتح -: هو فاعل البِرّ - بالكسر - كثيراً، أي: جعلناه كثير البر بوالديه أي: محسناً إليهما لطيفاً بهما لين الجانب لهما ... وقوله: (ولم يكن جباراً عصيّاً) أي: لم يكن مستكبراً عن طاعة ربه وطاعة والديه ولكنه كان مطيعاً لله متواضعاً لوالديه قاله ابن جرير، والجبار هو كثير الجبر أي القهر للناس والظلم لهم وكل متكبر عن الناس يظلمهم فهو جبار ... وقوله تعالى: (وسلامٌ عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّاً) ، قال ابن جرير: " وسلام عليه أي: أمانٌ له " ... والظاهر المتبادر أن قوله: (وسلام عليه يوم ولد) تحية من الله ليحيى ومعناها الأمان والسلامة ... وقوله في آل عمران: (وسيِّداً وحصوراً ونبيّاً من الصالحين) آل عمران/٣٩، ... قوله (وسيِّداً) ... فالسيد من يطيعه ويتبعه سواد كثير من الناس ... وقوله: (وحصوراً) أنه الذي حصر نفسه عن النساء مع القدرة على إتيانهن تبتلاً منه وانقطاعاً لعبادة الله وكان ذلك جائزاً في شرعه، وأما سنَّة النبي ﵌ فهي التزوج وعدم التبتل ... وقوله: (ونبيّاً من الصالحين) وهو فعيل بمعنى مفعول من النبأ وهو الخبر الذي له شأن لأن الوحي خبر له شأن يخبره الله به ... والصالحون هم الذين صلحت عقائدهم وأعمالهم وأقوالهم ونياتهم والصلاح ضد الفساد وقد وصف الله تعالى يحيى بالصلاح مع من وصف بذلك الأنبياء في سورة الأنعام في قوله: (وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين) الأنعام/ ٨٥. [الْمَصْدَرُ] " أضواء البيان " (٤ / ٢٤٥ – ٢٥٢) باختصار.

стр. 15019

كيف همّ يوسف بامرأة العزيز مع أنه عفيف [السُّؤَالُ] ـ[ما تفسير الآية: (ولقد همّت به وهمّ بها) في سورة يوسف، مع أن يوسف ﵇ " عفيف " وقد رفض الانصياع لنزوة امرأة العزيز، فكيف يهمّ بها؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ) يوسف/٢٤ كان همها للمعصية، أما يوسف ﵇ فإنه لو لم ير برهان ربه لَهَمَّ بها - لطبع البشر - ولكنه لم يهم؛ لوجود البرهان. إذًا في الكلام تقديم وتأخير، أي: لولا أن رأى برهان ربه لَهَمَّ بها. قال أبو حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة، فلما أتيت على قوله: (ولقد همت به وهم بها) قال أبو عبيد: هذا على التقديم والتأخير؛ كأنه أراد: ولقد همت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ٩/١٦٥. وقال الشنقيطي في أضواء البيان [٣/٥٨] . " الجواب عنه من وجهين: الأول: أن المراد بِهَمِّ يوسف خاطر قلبي صرفه عنه وازع التقوى، وقال بعضهم: هو الميل الطبيعي والشهوة الغريزية المزمومة بالتقوى، وهذا لا معصية فيه؛ لأنه أمر جبلي لا يتعلق به التكليف، كما في الحديث: أنه ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك) يعني ميل القلب. أبو داود، السنن، رقم الحديث ٢١٣٤. ومثل هذا ميل الصائم إلى الماء البارد والطعام مع أن تقواه تمنعه من الشرب والأكل وهو صائم. وقال ﷺ : (من هم بسيئة فلم يفعلها كتبت له حسنة كاملة) أخرجه البخاري في صحيحه برقم ٦٤٩١، ومسلم برقم ٢٠٧. الجواب الثاني: أن يوسف ﵇ لم يقع منه الهم أصلاً، بل هو منفي عنه لوجود البرهان. إلى أن قال: هذا الوجه الذي اختاره أبو حسان وغيره هو أجرى على قواعد اللغة العربية " اهـ. ثم بدأ يستطرد الأدلة على ما رجحه، وبناء على ما تقدم فإن معنى الآية والله أعلم أن يوسف ﵇ لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، ولكنه لما رأى برهان ربه لم يهم بها، ولم يحصل منه أصلاً. وكذلك فإن مجرد الهم بالشيء دون فعله لا يعد خطيئة. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبيه الكريم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15020

عدد نساء سليمان ﵇ [السُّؤَالُ] ـ[أرجو أن توضح لي الحقيقة حول أن سليمان ﵇ كان له ٩٩٩ زوجة أو عدد قريب منه، وعن الأسباب وراء ذلك.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أكبر عدد لنساء سليمان ﵇ ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه كان عنده مائة امرأة كما روى البخاري في صحيحه (٥٢٤٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ بِمِائَةِ امْرَأَةٍ تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ غُلامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْ، وَنَسِيَ فَأَطَافَ بِهِنَّ وَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلا امْرَأَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ وَكَانَ أَرْجَى لِحَاجَتِهِ " وأخرجه مسلم (١٦٥٤) وفيه أنه قال تسعين امرأة، وفي رواية أخرى أوردها البخاري معلقة في صحيحه في باب من طلب الولد للجهاد، أنه قال: تسعا وتسعين امرأة. فلعل من قال مائة جبر الكسر، ومن قال تسعين ألغاه كما قال الحافظ ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث. لكن نقل الحافظ ابن كثير في قصة سليمان ﵇ من (البداية والنهاية ج ٢) عن كثير من السلف أن عدة نساء سليمان ﵇ ألف امرأة. ومثله الحافظ ابن حجر في فتح الباري في أثناء شرحه لحديث رقم (٣٤٢٤) فهذا العدد منقول عن بني إسرائيل فلا نصدقه ولا نكذبه. وليس في الأحاديث السابقة ما ينفي ذلك أو يؤيده. أما أسباب ذلك، فإن الله سبحانه يهب لمن يشاء من عباده ما شاء من ملك الدنيا ومتعها، وذلك بحكمته البالغة وفضله الواسع، لا يسأل عما يفعل سبحانه وبحمده، وقد وهب لسليمان ﵇ على وجه الخصوص ملكا عظيما لم يعطه أحدا من بعده، فلا يبعد أن يخصه الله بهذه القوة العظيمة التي تمكنه من الزواج بهذا العدد من النساء. ولا يمكن أن يتطرق لذهن أي مسلم أن هذا الأمر فيه منقصة لهذا النبي الكريم بل هو من تمام ملكه وفضله ورجولته فها هو يتمنى أن يرزقه الله في ليلة واحدة مائة ولد كلهم يخرجون فرسانا مجاهدين في سبيل الله، ونحن قبل ذلك وبعده نؤمن بأن الله سبحانه يخلق ما يشاء ويختار لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد
следующие страницы →