Полный текст (16 344 стр.). Показаны 15016–15055 · переход к 15021.
стр. 15016
أين دفن الحسين وما هي أهمية معرفة مكان قبور الصحابة
[السُّؤَالُ]
ـ[يقول السائل كثر كلام الناس واختلف حول قبر سيدنا الحسين أين مكانه؟ وهل يستفيد المسلمون من معرفة مكانه بالتحديد؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
بالواقع قد اختلف الناس في ذلك، فقيل: إنه دفن في الشام، وقيل: في العراق، والله أعلم بالواقع. أما رأسه فاختلف فيه؛ فقيل: في الشام، وقيل في العراق، وقيل: في مصر، والصواب أن الذي في مصر ليس قبرا له، بل هو غلط وليس به رأس الحسين، وقد ألف في ذلك بعض أهل العلم، وبينوا أنه لا أصل لوجود رأسه في مصر ولا وجه لذلك، وإنما الأغلب أنه في الشام؛ لأنه نقل إلى يزيد ابن معاوية وهو في الشام، فلا وجه للقول بأنه نقل إلى مصر، فهو إما حفظ في الشام في مخازن الشام، وإما أعيد إلى جسده في العراق.
وبكل حال فليس للناس حاجة في أن يعرفوا أين دفن وأين كان، وإنما المشروع الدعاء له بالمغفرة والرحمة، غفر الله له ورضي عنه، فقد قتل مظلوما فيدعى له بالمغفرة والرحمة، ويرجى له خير كثير، وهو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة، كما قال ذلك النبي ﷺ ، ﵄ وأرضاهما، ومن عرف قبره وسلم عليه ودعا له فلا بأس، كما تزار القبور الأخرى، من غير غلو فيه ولا عبادة له، ولا يجوز أن تطلب منه الشفاعة ولا غيرها كسائر الأموات؛ لأن الميت لا يطلب منه شيء وإنما يدعى له ويترحم عليه إذا كان مسلما، لقول النبي ﷺ : (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة)
فمن زار قبر الحسين أو الحسن أو غيرهما من المسلمين للدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار لهم كما يفعل مع بقية قبور المسلمين - فهذا سنة، أما زيارة القبور لدعاء أهلها أو الاستعانة بهم أو طلبهم الشفاعة - فهذا من المنكرات، بل من الشرك الأكبر، ولا يجوز أن يبنى عليها مسجد ولا قبة ولا غير ذلك؛ لأن الرسول ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) متفق على صحته، ولما رواه جابر بن عبد الله ﵄ في الصحيح عن النبي ﷺ : (أنه نهى عن تجصيص القبور وعن القعود عليها وعن البناء عليها) ، فلا يجوز أن يجصص القبر أو يطيب أو توضع عليه الستور أو يبنى عليه، فكل هذا ممنوع ومن وسائل الشرك، ولا يصلى عنده لقول النبي ﵊: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) أخرجه مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁.
وهذا الحديث يدل على أنه لا تجوز الصلاة عند القبور ولا اتخاذها مساجد؛ ولأن ذلك وسيلة للشرك وأن يعبدوا من دون الله بدعائهم والاستغاثة بهم والنذر لهم والتمسح بقبورهم طلبا لبركتهم، فلهذا حذر النبي ﵊ من ذلك، وإنما تزار القبور زيارة شرعية فقط، للسلام عليهم والدعاء لهم والترحم عليهم من دون شد رحل لذلك.
والله هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
[الْمَصْدَرُ]
مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز ٦/٣٦٦
стр. 15017
المسجد الأقصى وقبة الصخرة
[السُّؤَالُ]
ـ[وصلني مؤخراً رسالة بالبريد الإلكتروني عن حالة المسجد الأقصى والتفريق بين مسجد الأقصى وقبة الصخرة هل يمكن أن توضح ما إذا كان المسجد الأقصى مختلفا عن قبة الصخرة؟ لماذا نرى القبة وهي تشير للمسجد الأقصى في الأماكن الإسلامية وأنا وكثير من المسلمين لا ندري بالفرق؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المسجد الأقصى المبارك هو أولى القبلتين، وأحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، وقد قيل: إن الذي بناه سليمان ﵇، كما ثبت ذلك في سنن النسائي (٦٩٣) وصححه الألباني في صحيح النسائي، وقيل أنه كان موجوداً قبل سليمان ﵇ وأن بناء سليمان له كان تجديداً بدليل ما ثبت في الصحيحين عن أبي ذر ﵁ قال قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام قال قلت ثم أي؟ قال المسجد الأقصى قلت كم كان بينهما؟ قال أربعون سنة ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله فإن الفضل فيه " (رواه البخاري (٣٣٦٦) ومسلم (٥٢٠) .
وقد أسري بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس، وصلى بالأنبياء في هذا المسجد المبارك.
قال سبحانه: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الاسراء / ١. وأما قبة الصخرة فقد بناها الخليفة عبد الملك بن مروان سنة ٧٢ هـ
جاء في الموسوعة الفلسطينية ٤/٢٠٣ (كان اسم المسجد الأقصى يطلق قديما على الحرم القدسي الشريف كله وما فيه من منشآت أهمها قبة الصخرة المشرفة التي بناها عبد الملك بن مروان سنة ٧٢ هـ/ ٦٩١ م وتعد من أعظم الآثار الإسلامية. وأما اليوم فيطلق الاسم على المسجد الكبير الكائن جنوبي ساحة الحرم) .
وجاء في الموسوعة أيضا (٣/٢٣) : (يقوم بناء قبة الصخرة في وسط ساحة المسجد الأقصى، في القسم الجنوبي الشرقي من مدينة القدس، وهي ساحة فسيحة مستطيلة الشكل تمتد من الشمال إلى الجنوب مقدار ٤٨٠ م، ومن الشرق إلى الغرب مقدار ٣٠٠ م تقريبا، وتكون هذه الساحة على وجه التقريب خمس مساحة مدينة القدس القديمة) . أ. هـ بتصرف
فالمسجد الذي هو موضع الصلاة، ليس هو قبة الصخرة، لكن لانتشار صورة القبة، يظن كثير من المسلمين حين يرونها أنها المسجد، والواقع ليس كذلك، فالمسجد يقع في الجزء الجنوبي من الساحة الكبيرة، والقبة بنيت على صخرة مرتفعة تقع وسط الساحة.
وقد سبق أن اسم المسجد كان يطلق على الساحة كلها قديما.
ويؤكد هذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموعة الرسائل الكبرى ٢/٦١ (فالمسجد الأقصى اسم لجميع المسجد الذي بناه سليمان ﵇، وقد صار بعض الناس يسمي الأقصى، المصلى الذي بناه عمر بن الخطاب في مقدمته. والصلاة في هذا المصلى الذي بناه عمر للمسلمين أفضل من الصلاة في سائر المسجد، فإن عمر بن الخطاب لما فتح بيت المقدس وكان على الصخرة زبالة عظيمة لأن النصارى كانوا يقصدون إهانتها مقابلة لليهود الذين يصلون إليها، فأمر عمر بإزالة النجاسة عنها، وقال لكعب: أين ترى أن نبني مصلى للمسلمين؟ فقال: خلف الصخرة، فقال: يا ابن اليهودية! خالطتك اليهودية، بل أبنيه أمامها فإنّ لنا صدور المساجد.
ولهذا كان أئمة الأمة إذا دخلوا المسجد قصدوا الصلاة في المصلى الذي بناه عمر، وأما الصخرة فلم يصل عندها عمر ولا الصحابة ولا كان على عهد الخلفاء الراشدين عليها قبة، بل كانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان وعلي ومعاوية ويزيد ومروان ... وأما أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان فلم يكونوا يعظمون الصخرة فإنها قبلة منسوخة ... وإنما يعظمها اليهود وبعض النصارى) .
وإنكار عمر على كعب الأحبار وقوله له: (يا ابن اليهودية) لأن كعباً كان من أحبار اليهود وعلمائهم، فلما أشار على عمر بن الخطاب ببناء المسجد خلف الصخرة كان في ذلك تعظيماً للصخرة حتى يستقبلها المسلمون في الصلاة، وتعظيم الصخرة من دين اليهود لا من دين المسلمين.
واكتفاء المسلمين بصورة القبة، قد يكون راجعا لحسن عمارة هذه القبة وجمال هيئتها، وهذا لا يعفيهم من الخطأ الذي نشأ عنه عدم التمييز بين المسجد وما حوله.
وقد يكون هذا من مكر اليهود وكيدهم؛ لتعظيمهم الصخرة وتوجههم إليها أو تكون إظهار الصخرة ليتم لهم مرادهم بإقامة هيكل سليمان المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى، وذلك ليظن المسلمون بأن المسجد الأقصى هو قبة الصخرة، فإذا قام اليهود بهدم المسجد الأقصى وأنكر عليها المسلمون قالوا لهم ها هو المسجد الأقصى على حاله، فيُظهرون صورة قبة الصخرة، فيكونون بذلك قد حققوا أهدافهم، وسلموا من انتقاد المسلمين.
نسأل الله تعالى أن يعيد للمسلمين عزهم ومجدهم، وأن يطهر المسجد الأقصى من إخوان القردة والخنازير، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15018
نبي الله يحيى ﵇
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن إعطاؤنا معلومات عن نبي الله يحيى ﵇؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ الشنقيطي – رحمة الله تعالى عليه -:
وقوله: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) مريم/١٢، أي: خذ التوراة بقوة، أي: بجد واجتهاد، وذلك بتفهم المعنى أولا حتى يفهمه على الوجه الصحيح، ثم يعمل به من جميع الجهات فيعتقد عقائده ويحل حلاله ويحرم حرامه ويتأدب بآدابه ويتعظ بمواعظه إلى غير ذلك من جهات العمل به، وعامة المفسرين على أن المراد بالكتاب هنا التوراة ...
وقوله: (وآتيناه الحكم صبيّاً) ، أي: أعطيناه الحكم وللعلماء في المراد بالحكم أقوال متقاربة مرجعها إلى شئ واحد وهو أن الله أعطاه الفهم في الكتاب أي إدراك ما فيه والعمل به حال كونه صبيا ....
وقوله: (وحناناً) ، معطوف على الحكم، أي وآتيناه حناناً من لدنّا، والحنان هو ما جبل عليه من الرحمة والعطف والشفقة، وإطلاق الحنان على الرحمة والعطف مشهور في كلام العرب ومنه قولهم: حنانك وحنانيك يا رب بمعنى: رحمتك ...
وقوله: (وزكاةً) أنه معطوف على ما قبله أي أو وأعطيناه زكاة أي طهارة من أدران الذنوب والمعاصي بالطاعة والتقرب إلى الله بما يرضيه ...
وقوله: (وكان تقيّاً) أي: ممتثلاً لأوامر ربه مجتنباً كل ما نهى عنه ولذا لم يعمل خطيئة قط ولم يلم بها ....
وقوله: (وبرّاً بوالديه) ، البَرّ - بالفتح -: هو فاعل البِرّ - بالكسر - كثيراً، أي: جعلناه كثير البر بوالديه أي: محسناً إليهما لطيفاً بهما لين الجانب لهما ...
وقوله: (ولم يكن جباراً عصيّاً) أي: لم يكن مستكبراً عن طاعة ربه وطاعة والديه ولكنه كان مطيعاً لله متواضعاً لوالديه قاله ابن جرير، والجبار هو كثير الجبر أي القهر للناس والظلم لهم وكل متكبر عن الناس يظلمهم فهو جبار ...
وقوله تعالى: (وسلامٌ عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّاً) ، قال ابن جرير: " وسلام عليه أي: أمانٌ له " ... والظاهر المتبادر أن قوله: (وسلام عليه يوم ولد) تحية من الله ليحيى ومعناها الأمان والسلامة ...
وقوله في آل عمران: (وسيِّداً وحصوراً ونبيّاً من الصالحين) آل عمران/٣٩، ... قوله (وسيِّداً) ... فالسيد من يطيعه ويتبعه سواد كثير من الناس ...
وقوله: (وحصوراً) أنه الذي حصر نفسه عن النساء مع القدرة على إتيانهن تبتلاً منه وانقطاعاً لعبادة الله وكان ذلك جائزاً في شرعه، وأما سنَّة النبي ﵌ فهي التزوج وعدم التبتل ...
وقوله: (ونبيّاً من الصالحين) وهو فعيل بمعنى مفعول من النبأ وهو الخبر الذي له شأن لأن الوحي خبر له شأن يخبره الله به ... والصالحون هم الذين صلحت عقائدهم وأعمالهم وأقوالهم ونياتهم والصلاح ضد الفساد وقد وصف الله تعالى يحيى بالصلاح مع من وصف بذلك الأنبياء في سورة الأنعام في قوله: (وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين) الأنعام/ ٨٥.
[الْمَصْدَرُ]
" أضواء البيان " (٤ / ٢٤٥ – ٢٥٢) باختصار.
стр. 15019
كيف همّ يوسف بامرأة العزيز مع أنه عفيف
[السُّؤَالُ]
ـ[ما تفسير الآية: (ولقد همّت به وهمّ بها) في سورة يوسف، مع أن يوسف ﵇ " عفيف " وقد رفض الانصياع لنزوة امرأة العزيز، فكيف يهمّ بها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ) يوسف/٢٤
كان همها للمعصية، أما يوسف ﵇ فإنه لو لم ير برهان ربه لَهَمَّ بها - لطبع البشر - ولكنه لم يهم؛ لوجود البرهان.
إذًا في الكلام تقديم وتأخير، أي: لولا أن رأى برهان ربه لَهَمَّ بها.
قال أبو حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة، فلما أتيت على قوله: (ولقد همت به وهم بها) قال أبو عبيد: هذا على التقديم والتأخير؛ كأنه أراد: ولقد همت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها.
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ٩/١٦٥.
وقال الشنقيطي في أضواء البيان [٣/٥٨] .
" الجواب عنه من وجهين:
الأول: أن المراد بِهَمِّ يوسف خاطر قلبي صرفه عنه وازع التقوى، وقال بعضهم: هو الميل الطبيعي والشهوة الغريزية المزمومة بالتقوى، وهذا لا معصية فيه؛ لأنه أمر جبلي لا يتعلق به التكليف، كما في الحديث: أنه ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك) يعني ميل القلب. أبو داود، السنن، رقم الحديث ٢١٣٤.
ومثل هذا ميل الصائم إلى الماء البارد والطعام مع أن تقواه تمنعه من الشرب والأكل وهو صائم.
وقال ﷺ : (من هم بسيئة فلم يفعلها كتبت له حسنة كاملة) أخرجه البخاري في صحيحه برقم ٦٤٩١، ومسلم برقم ٢٠٧.
الجواب الثاني: أن يوسف ﵇ لم يقع منه الهم أصلاً، بل هو منفي عنه لوجود البرهان.
إلى أن قال: هذا الوجه الذي اختاره أبو حسان وغيره هو أجرى على قواعد اللغة العربية " اهـ.
ثم بدأ يستطرد الأدلة على ما رجحه، وبناء على ما تقدم فإن معنى الآية والله أعلم أن يوسف ﵇ لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، ولكنه لما رأى برهان ربه لم يهم بها، ولم يحصل منه أصلاً.
وكذلك فإن مجرد الهم بالشيء دون فعله لا يعد خطيئة.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبيه الكريم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15020
عدد نساء سليمان ﵇
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو أن توضح لي الحقيقة حول أن سليمان ﵇ كان له ٩٩٩ زوجة أو عدد قريب منه، وعن الأسباب وراء ذلك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أكبر عدد لنساء سليمان ﵇ ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه كان عنده مائة امرأة كما روى البخاري في صحيحه (٥٢٤٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ بِمِائَةِ امْرَأَةٍ تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ غُلامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْ، وَنَسِيَ فَأَطَافَ بِهِنَّ وَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلا امْرَأَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ وَكَانَ أَرْجَى لِحَاجَتِهِ " وأخرجه مسلم (١٦٥٤) وفيه أنه قال تسعين امرأة، وفي رواية أخرى أوردها البخاري معلقة في صحيحه في باب من طلب الولد للجهاد، أنه قال: تسعا وتسعين امرأة.
فلعل من قال مائة جبر الكسر، ومن قال تسعين ألغاه كما قال الحافظ ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث.
لكن نقل الحافظ ابن كثير في قصة سليمان ﵇ من (البداية والنهاية ج ٢) عن كثير من السلف أن عدة نساء سليمان ﵇ ألف امرأة. ومثله الحافظ ابن حجر في فتح الباري في أثناء شرحه لحديث رقم (٣٤٢٤)
فهذا العدد منقول عن بني إسرائيل فلا نصدقه ولا نكذبه. وليس في الأحاديث السابقة ما ينفي ذلك أو يؤيده.
أما أسباب ذلك، فإن الله سبحانه يهب لمن يشاء من عباده ما شاء من ملك الدنيا ومتعها، وذلك بحكمته البالغة وفضله الواسع، لا يسأل عما يفعل سبحانه وبحمده، وقد وهب لسليمان ﵇ على وجه الخصوص ملكا عظيما لم يعطه أحدا من بعده، فلا يبعد أن يخصه الله بهذه القوة العظيمة التي تمكنه من الزواج بهذا العدد من النساء. ولا يمكن أن يتطرق لذهن أي مسلم أن هذا الأمر فيه منقصة لهذا النبي الكريم بل هو من تمام ملكه وفضله ورجولته فها هو يتمنى أن يرزقه الله في ليلة واحدة مائة ولد كلهم يخرجون فرسانا مجاهدين في سبيل الله، ونحن قبل ذلك وبعده نؤمن بأن الله سبحانه يخلق ما يشاء ويختار لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15021
من هو الحلاج
[السُّؤَالُ]
ـ[من هو منصور الحلاج؟ وما هو وضعه في التاريخ الإسلامي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحلاج هو الحسين بن منصور الحلاج، ويكنى أبا مغيث. وقيل: أبا عبد الله.
نشأ بواسط. وقيل بتستر، وخالط جماعة من الصوفية منهم سهل التستري والجنيد وأبو الحسن النوري وغيرهم.
رحل إلى بلاد كثيرة، منها مكة وخراسان، والهند وتعلم السحر بها، وأقام أخيراً ببغداد، وبها قتل.
تعلم السحر بالهند، وكان صاحب حيل وخداع، فخدع بذلك كثيراً من جهلة الناس، واستمالهم إليه، حتى ظنوا فيه أنه من أولياء الله الكبار.
له قبول عند عامة المستشرقين ويظهرونه على أنه قتل مظلوماً، وذلك لما سيأتي من أن اعتقاده قريب من اعتقاد النصارى، ويتكلم بكلامهم.
قتل ببغداد عام ٣٠٩ هـ بسبب ما ثبت عنه بإقراره وبغير إقراره من الكفر والزندقة.
وأجمع علماء عصره على قتله بسبب ما نقل عنه من الكفر والزندقة.
وها هي بعض أقواله:
١- ادعى النبوة، ثم تَرَقَّى به الحال أن ادعى أنه هو الله. فكان يقول: أنا الله. وأمر زوجة ابنه بالسجود له. فقالت: أو يسجد لغير الله؟ فقال: إله في السماء وإله في الأرض.
٢- كان يقول بالحلول والاتحاد. أي: أن الله تعالى قد حَلَّ فيه، وصار هو والله شيئاً واحداً. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وهذا هو الذي جعل له القبول عن المستشرقين النصارى لأنه وافقهم على الحلول، إذ إنهم يعتقدون في عيسى ﵇ أن الله تعالى قد حَلَّ فيه. ولهذا تكلم الحلاج باللاهوت والناسوت كما يفعل النصارى. فمن أشعاره:
سبحان من أظهر ناسوته سر لاهوته الثاقب
ثم بدا في خلقه ظاهراً في صورة الآكل والشارب
ولما سمع ابن خفيف هذه الأبيات قال: على قائل هذا لعنة الله. فقيل له: هذا شعر الحلاج. فقال: إن كان هذا اعتقاده فهو كافر اهـ
٣- سمع قارئاً يقرأ آية من القرآن، فقال: أنا أقدر أن أؤلف مثل هذا.
٤- من أشعاره:
عَقَدَ الخلائقُ في الإله عقائدا وأنا اعتقدتُ جميعَ ما اعتقدوه
وهذا الكلام مع تضمنه إقراره واعتقاده لجميع الكفر الذي اعتقدته الطوائف الضالة من البشر، فإنه مع ذلك كلام متناقض لا يقبله عقل صريح، إذ كيف يعتقد التوحيد والشرك في آنٍ واحد؟!
٥- له كلام يبطل به أركان الإسلام، ومبانيه العظام، وهي الصلاة والزكاة والصيام والحج.
٦- كان يقول: إن أرواح الأنبياء أعيدت إلى أجساد أصحابه وتلامذته، فكان يقول لأحدهم: أنت نوح، ولآخر: أنت موسى، ولآخر: أنت محمد.
٧- لما ذُهب به إلى القتل قال لأصحابه: لا يهولنكم هذا، فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يوماً. فقتل ولم يَعُدْ.
فلهذه الأقوال وغيرها أجمع علماء عصره على كفره وزندقته ولذلك قتل ببغداد عام ٣٠٩ هـ. وكذا ذمه أكثر الصوفية ونفوا أن يكون منهم، فممن ذمه الجنيد، ولم يذكره أبو القاسم القشيري في رسالته التي ذكر فيها كثيراً من مشايخ الصوفية.
وكان من سعى في قتله وعقد له مجلساً وحكم عليه فيه بما يستحقه من القتل هو القاضي أبو عمر محمد بن يوسف المالكي ﵀. وقد امتدحه ابن كثير على ذلك فقال: وكان من أكبر صواب أحكامه وأصوبها قَتْلَهُ الحسين بن منصور الحلاج اهـ (البداية والنهاية ١١/١٧٢) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (مَنْ اعْتَقَدَ مَا يَعْتَقِدُهُ الْحَلاجُ مِنْ الْمَقَالاتِ الَّتِي قُتِلَ الْحَلاجُ عَلَيْهَا فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ; فَإنَّ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا قَتَلُوهُ عَلَى الْحُلُولِ وَالاتِّحَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَقَالاتِ أَهْلِ الزَّنْدَقَةِ وَالإِلْحَادِ كَقَوْلِهِ: أَنَا اللَّهُ. وَقَوْلِهِ: إلَهٌ فِي السَّمَاءِ وَإِلَهٌ فِي الأَرْضِ. . . وَالْحَلاجُ كَانَتْ لَهُ مخاريق وَأَنْوَاعٌ مِنْ السِّحْرِ وَلَهُ كُتُبٌ مَنْسُوبَةٌ إلَيْهِ فِي السِّحْرِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَلا خِلافَ بَيْنِ الأُمَّةِ أَنَّ مَنْ قَالَ بِحُلُولِ اللَّهِ فِي الْبَشَرِ وَاتِّحَادِهِ بِهِ وَأَنَّ الْبَشَرَ يَكُونُ إلَهًا وَهَذَا مِنْ الآلِهَةِ: فَهُوَ كَافِرٌ مُبَاحُ الدَّمِ وَعَلَى هَذَا قُتِلَ الْحَلاجُ) اهـ مجموع الفتاوى (٢/٤٨٠) .
وقال أيضاً: (وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ذَكَرَ الْحَلاجَ بِخَيْرِ لا مِنْ الْعُلَمَاءِ وَلا مِنْ الْمَشَايِخِ ; وَلَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقِفُ فِيهِ ; لأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَمْرَهُ) .اهـ مجموع الفتاوى (٢/٤٨٣) .
للاستزادة يراجع:
تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (٨/١١٢-١٤١) . المنتظم لابن الجوزي (١٣/٢٠١-٢٠٦) . سير أعلام النبلاء للذهبي (١٤ / ٣١٣-٣٥٤) . البداية والنهاية لابن كثير (١١/١٣٢-١٤٤) .
والله الهادي إلى سواء السبيل.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15022
لا حق لليهود في دخول جزيرة العرب
[السُّؤَالُ]
ـ[ذكر أن لبيد بن الأعصم اليهودي استطاع أن يأخذ من أثر النبي ﷺ بواسطة جارية يهودية كانت تدخل بيوت النبي ﷺ فهل هذا يعني جواز استخدام اليهود في العمل؟
وما مفهوم إجلاء اليهود الذي ورد في الأحاديث، آمل التفصيل في وجود اليهود في المدينة مع أنه ورد انه ﷺ أجلاهم منها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أمر النبي ﷺ بإخراج اليهود من جزيرة العرب، وأخبر أنه لا يجتمع في جزيرة العرب دينان، وهو حكم شرعي، فلا يجوز أن يبقى فيها مشرك، وأما وجودهم في المدينة وخيبر وغيرها فهذا قبل الأمر بإجلائهم كما هو معروف، فالأمر والوصية بإخراجهم كان في مرض موت النبي ﵊، ثم أجلاهم عمر ﵁ بعد ذلك.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ: عبد الكريم الخضير.
стр. 15023
ادعاء أن علياً حارب الجن كذب لا أصل له
[السُّؤَالُ]
ـ[هل صحيح أن الإمام علي ﵁ حارب الجن حيث ورد في كتاب غزوات الإمام علي ذلك وأنه حاربهم حتى أوصلهم الأرض السابعة، فما هو رأيكم في هذا الكتاب؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
كل هذا لا أصل له. فلم يحارب الجن ولم يقع شيء من ذلك بل هذا باطل ومن الكذب والموضوعات التي أحدثها الناس , وقد نص أبو العباس: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على ذلك وقال: إنه كذب لا أصل له وهو من الأباطيل التي افتراها الكذابون.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٩ ص/٢٧٧.
стр. 15024
محمد بن عبد الوهاب مُصْلِحٌ مفترى عليه
[السُّؤَالُ]
ـ[شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب لماذا هو محارب وكثير ما يقال فيه ويسمون من يتبعه بالوهابي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لتعلم أخي أن من سنن الله تعالى في عباده المصطفين أن يبتليهم على قدر إيمانهم ليبين الصادق من الكاذب، كما قال سبحانه: (ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت / ١ – ٣، وأشدّ أولئك العباد بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، كما صحّ ذلك عن النبي ﷺ .
ولو تأمّل الإنسان سيرة رسول الله ﷺ لوجد أنه – بأبي هو وأمي – قد أصابه من البلاء الشيءُ العظيم، حتى نُعت بأنه كذاب وساحر ومجنون، ووُضع سلا جزور على ظهره، وطرد من مكة، وأدميت قدماه الشريفتان في الطائف، حاله حال الأنبياء الذين كُذِّبوا من قبله صلوات ربي وسلامه عليهم.
والشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ قد أصيب بما أصيب به العلماء والدعاة المخلصون، لكن كانت العاقبة في النهاية للحق الذي كان يحمله، وأنّى للحق أن يخبو نوره أو يعفو أثره، ولك أن تتصوّر أن يوفّق الله هذا الرجل بغرس التوحيد في أنحاء الجزيرة العربية وأطرافها، ويقضي على جلّ صور الشرك وأشكاله، وهذا إن دلّ فإنما يدلّ على إخلاصه وتفانيه في دعوته فيما نحسب، مع ما اقترن ذلك من سداد الله له وتوفيقه إياه.
وأما أعداء الدعوة فلم يألوا جهداً في إلصاق التهم الباطلة به، فزعموا – وهم كاذبون – بأن الشيخ يدّعي النبوة، وأنه ينتقص من قدر رسول الله ﷺ ، وأنه يكفّر الأمة جزافاً.. إلى غير ذلك من الافتراءات التي أُلصقت به، ومن ينظر إلى تلك الدعاوى يعلم يقيناً أنها محض كذب وافتراء، وكتب الشيخ المبثوثة أكبر شاهد على ذلك، وأتباعه من الذين استجابوا لدعوته لم يذكروا ذلك أيضاً، ولو كان الأمر كما ادّعى المدّعون لأبان ذلك أتباعُه، وإلاّ كانوا له عاقّين غير بارّين، ولو أردت الاستفصال في هذا الأمر واستجلاء ما خفي عليك من حقائق فعليك بالرجوع إلى كتاب " دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" للدكتور عبد العزيز العبد اللطيف. فإنك ستجد فيه ما يشفي تساؤلاتك بإذن الله.
أما نعت أتباعه (بالوهابية) فما هو إلاّ مسلسل من مسلسلات افتراءات أعداء الدعوة فيه أيضاً، ليحولوا الناس عن دعوة الحق، وليبنوا بين دعوته وبين الناس جداراً وحاجزاً يحول دون بلوغ الدعوة، ولو تأمّلت قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁ لوجدت أحداثها تقارب ما حصل لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب.
فقد أورد ابن هشام في السيرة (١/٣٩٤) أن الطفيل خرج قاصداً مكة، فتلقفته قريش على أبوابها وحذرته من السماع من محمد ﷺ ، وأوحوا إليه بأنه ساحر وأنه يفرّق بين المرء وزوجه ... ، فلم يزالوا به حتى عمد إلى قطن فوضعه في أذنيه، فلما رأى النبي ﷺ حدّث نفسه بأن ينزع القطن، ويسمع منه، فإن كان ما يقوله حقاً قبل منه، وإن كان ما يقوله باطلاً وقبيحاً ردّ، فلما استمع إليه ما كان منه إلاّ أن أسلم في مكانه.
نعم أسلم بعد أن وضع القطن في أذنيه، وهكذا ينهج المناوئون لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب نهج قريش في الافتراء، ذلك لأن قريشاً تدرك تمام الإدراك أن دعوة محمد ﷺ تلامس شغاف القلوب والأفئدة، وتهتدي إليها الفطرة، فعمدوا إلى تهويل أمر رسول الله ﷺ ليحولوا دون بلوغ الناس الحق، وهكذا نرى الذين يتكلمون على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه يعيدون نفس الفصول والمؤامرات التي حيكت حيال الدعوة الأولى.
وعليك أخي الكريم – إن كنت تنشد الحق – أن لا تترك لتلك الدعاوى مجالاً لسمعك وقلبك واقصد الحق في المسألة بالنظر إلى كتب الشيخ محمد، فكتبه أعظم دليل على كذب القوم والحمد لله.
وثمت أمرٌ آخر لطيف وهو أن اسم الشيخ هو (محمد) والنسبة إليه محمدي، أما (وهّابي) فهو نسبة إلى الوهّاب، والوهاب هو الله تعالى كما قال: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) آل عمران /٨.
والوهاب كما قال الزجاج في اشتقاق أسماء الله ص: ١٢٦: " الكثير الهبة والعطية، وفعّال في كلام العرب للمبالغة، فالله وهّاب يهب لعباده واحداً بعد واحد ويعطيهم ".
ولاشك أن سبيل الوهّاب هو السبيل الحق الذي لا اعوجاج فيه ولا افتراء، وحزبه غالب ومفلح (ومن يتولّ الله ورسوله فإن حزب الله هم الغالبون) المائدة /٥٦، (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) المجادلة/٢٢.
وقديماً اتهموا الشافعي بالرفض فردّ عليهم قائلاً:
إن كان رفضاً حبّ آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي
ونحن نردّ على من يتّهمنا بالوهابية بقول الشيخ ملا عمران الذي كان شيعياً فهداه الله إلى السنة، قال ﵀:
إن كان تابع أحمد متوهّباً ... فأنا المقرّ بأنني وهّابي
أنفي الشريك عن الإله فليس لي ... ربٌ سوى المتفرّد الوهّاب
نفر الذين دعاهم خير الورى ... إذ لقّبوه بساحرٍ كذّاب
(انظر: منهاج الفرقة الناجية للشيخ محمد جميل زينو ص: ١٤٢ – ١٤٣)
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15025
لمن ينسب كتاب " نهج البلاغة "
[السُّؤَالُ]
ـ[أود أن اسأل عن مدى مصداقية كتاب نهج البلاغة ورأي فضيلتكم فيه.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
كتاب "نهج البلاغة"من الكتب المنسوبة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وفيه كثير من الأمور التي وقع فيها الخلاف بين المنتسبين إلى الإسلام، وتبعا للقاعدة العلمية العظيمة التي سار عليها أئمة الإسلام امتثالاً للأمر الشرعي بالتثبُّت فإننا لا بدَّ أن نرجع إلى أهل العلم والاختصاص للتأكد من صدق ما ينسب إلى علي ﵁ لأن ما ينقل عن الصحابة ﵃ له أثره في الشريعة، لا سيما من كان مثل أمير المؤمنين علي ﵁ الذي غلا في حقه من غلا وقصَّر من قصَّر ووفق الله أهل السنة للتوسط.
وبالرجوع إلى كلام أهل العلم في هذا الكتاب وبالنظر والمقارنة بين ما فيه وما ثبت بالأسانيد الصحيحة عن علي ﵁، يتبيَّن ما في هذا الكتاب من أمور تخالف ما ثبت عنه ﵁، ولنترك الكلام لبعض هؤلاء الأئمة الأعلام:
قال الإمام الذهبي ﵀ في ترجمة المرتضى علي بن حسين بن موسى الموسوي (المتوفى سنة٤٣٦هـ) قلت: هو جامع كتاب " نهج البلاغة" , المنسوبة ألفاظه إلى الإمام علي ﵁ , ولا أسانيد لذلك , وبعضها باطل , وفيه حق , ولكن فيه موضوعات حاشا الإمام من النطق بها , ولكن أين المنصف؟! وقيل: بل جمع أخيه الشريف الرضي ... وفي تواليفه سب أصحاب رسول الله ﷺ , فنعوذ بالله من علم لا ينفع. سير أعلام النبلاء ١٧/٥٨٩.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (أكثر الخطب التي ينقلها صاحب "نهج البلاغة "كذب على علي، وعليٌّ ﵁ أجلُّ وأعلى قدرا من أن يتكلم بذلك الكلام، ولكن هؤلاء وضعوا أكاذيب وظنوا أنها مدح، فلا هي صدق ولا هي مدح، ومن قال إن كلام علي وغيره من البشر فوق كلام المخلوق فقد أخطأ، وكلام النبي ﷺ فوق كلامه، وكلاهما مخلوق ... وأيضا فالمعاني الصحيحة التي توجد في كلام علي موجودة في كلام غيره، لكن صاحب نهج البلاغة وأمثاله أخذوا كثيرا من كلام الناس فجعلوه من كلام علي، ومنه ما يحكى عن علي أنه تكلم به، ومنه ما هو كلام حق يليق به أن يتكلم به ولكن هو في نفس الأمر من كلام غيره، ولهذا يوجد في كلام البيان والتبيين للجاحظ وغيره من الكتب كلام منقول عن غير علي وصاحب نهج البلاغة يجعله عن علي، وهذه الخطب المنقولة في كتاب نهج البلاغة لو كانت كلها عن علي من كلامه لكانت موجودة قبل هذا المصنف منقولة عن علي بالأسانيد وبغيرها، فإذا عرف من له خبرة بالمنقولات أن كثيرا منها بل أكثرها لا يعرف قبل هذا علم أن هذا كذب، وإلا فليبيِّن الناقل لها في أي كتاب ذكر ذلك، ومن الذي نقله عن علي، وما إسناده، وإلا فالدعوى المجردة لا يعجز عنها أحد، ومن كان له خبرة بمعرفة طريقة أهل الحديث ومعرفة الآثار والمنقول بالأسانيد وتبين صدقها من كذبها؛ علم أن هؤلاء الذين ينقلون مثل هذا عن علي من أبعد الناس عن المنقولات والتمييز بين صدقها وكذبها) . منهاج السنة النبوية ٨/٥٥.
وممن أشار إلى الكذب فيه أيضاً الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/١٦١، وكذلك القاضي ابن خلكان، والصفدي وغيرهم، وخلاصة المآخذ التي قيلت فيه يمكن حصرها في التالي:
بين مؤلف الكتاب وبين علي ﵁ سبع طبقات من الرواة وقد قام بحذفهم كلهم، ولهذا لا يمكن قبول كلامه من غير إسناد لو ذكر هؤلاء الرواة فلا بد من البحث عنهم وعن عدالتهم. عدم وجود أكثر هذه الخطب قبل ظهور الكتاب يدل على وضعها. المرتضى ـ صاحب الكتاب ـ ليس من أهل الرواية بل إنه من المتكلم في دينه وعدالته. ما فيه من سب لسادات الصحابة كافٍ في إبطاله. ما فيه من الهمز واللمز والسب مما ليس هو من أخلاق المؤمنين فضلا عن أئمتهم كعلي ﵁. فيه من التناقض والعبارات الركيكة ما يعلم قطعاً أنه لا يصدر عن أئمة البلاغة واللغة. كونه أصبح عند الرافضة مسلَّماً به ومقطوعاً بصحته كالقرآن مع كل هذه الاعتراضات يدل على عدم مراعاتهم في أمور دينهم لأصول التثبت والتأكد السليمة.
وبناءً على ما تقدم ذكره يتبين عدم ثبوت نسبة هذا الكتاب لعلي ﵁، وعليه؛ فإن كل ما فيه فإنه لا يحتج به في المسائل الشرعية أيًّا كانت، أما من قرأه ليطالع بعض ما فيه من الجمل البلاغية فإن حكمه حكم بقية كتب اللغة، من غير نسبة ما فيه لأمير المؤمنين علي ﵁. (أنظر كتاب " كتب حذًّر منها العلماء" ٢/٢٥٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15026
القصيدة اللامية المنسوبة لشيخ الإسلام ابن تيمية
[السُّؤَالُ]
ـ[هل ثبت نسب القصيدة اللامية في العقيدة إلى شيخ الإسلام ابن تيمية؟ هل في أبياتها ما يخالف مذهب أهل السنة والجماعة؟ وأي الأبيات؟ ما معنى الشطر الثاني من البيت الثالث: " ومودة القربى بها أتوسل "؟ أرجو تزويدي بقول الشيخ ابن عثيمين يرحمه الله في هذا الموضوع إن وجد. جزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اختلف أهل العلم المتأخرون في صحة نسبة القصيدة " اللامية " لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وذلك على قولين:
القول الأول: تصحيح نسبتها إليه، وهذا ظاهر كلام كثير من أهل العلم، منهم:
الشيخ نعمان الألوسي في كتابه " جلاء العينين في محاكمة الأحمدين "، والشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد في شرحه على الواسطية، والشيخ أحمد بن عبد الله المرداوي الذي شرح القصيدة في كتاب أسماه: " اللآلئ البهية في شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية "، ولكنه قال في المقدمة عن هذه الأبيات إنها " تنسب لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "، وقد علق عليها الشيخ صالح الفوزان حفظه الله، وغيرهم كثير.
وأهم ما يستدل به لهذا القول ما يلي:
١-شهرة هذه النسبة بين أهل العلم.
٢-جود القصيدة في مخطوط بين كتب ورسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية وإن كان هذا المخطوط لم يكتب عليه أنه من كلام شيخ الإسلام، ولكن مكانه يشير إلى مؤلفه.
القول الثاني: إنكار نسبتها إليه.
يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" الظاهر أنها لا تصح أصلا عن الشيخ " انتهى.
" شرح السفارينية " (ص٤٢٧-٤٢٨) طبعة دار البصيرة، تحت شرح البيت رقم (١٠٢)
ويمكن أن يستدل لهذا القول بما يلي:
١- أن أحدا من أهل العلم المتقدمين الذين ترجموا لشيخ الإسلام ابن تيمية وسردوا أسماء مصنفاته لم يذكروا هذه القصيدة في مؤلفاته، فكيف يمكن إثبات نسبة كتاب لأحد العلماء ولم ينسبه إليه تلاميذه الذين اعتنوا بمصنفاته، بل ولا أحد ممن ترجم له من أصحاب كتب التراجم.
٢-جاء في أحد أبيات هذه القصيدة ما يلي:
قُبْحاً لِمَنْ نَبَذَ الكتابَ وراءَهُ ... وإذا اسْتَدَلَّ يقولُ قالَ الأخطَلُ.
وهذا البيت نفسه نقله شيخ الإسلام ابن تيمية – كما في " مجموع الفتاوى " (٦/٢٩٧)
عازيا إياه لأحد المنشدين، فقال: " وقد أنشد فيهم المنشد...." انتهى.
والأمر ربما كان يحتاج إلى مزيد من البحث والتحري في شأن هذه النسبة.
يقول الشيخ علي العمران حفظه الله:" لامية شيخ الإسلام نشرها الأخ خالد اللحيدان
معتمدا على عدة نسخ خطية متأخرة، وذكر بعض أدلة ثبوتها، وإن كنت لا أوافقه على الجزم بنسبتها إليه، بل فيه نظر كبير.
ثم وقفت على نسخة خطية منها على طرة مجموع فيه فتاوى لابن تيمية
بخط أحد أبناء عمومة ابن تيمية، بتاريخ (٧٦٢) ، في غاية الجودة والنفاسة، لكنه لم
يجزم بنسبتها لشيخ الإسلام، فيبقى أن تجمع هذه الدلائل والقرائن إذا أردنا الجزم بإثباتها أو نفيها " انتهى.
نقلا عن هذا الرابط:
http://saaid.net/leqa/١٧.htm
وأما عن نص هذه القصيدة، فهو:
يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي ... رزق الهدى من للهداية يسأل
اسمع كلام محقق في قوله ... لا ينثني عنه ولا يتبدل
حب الصحابة كلهم لي مذهب ... ومودة القربى بها أتوسل
ولكلهم قدر وفضل ساطع ... لكنما الصديق منهم أفضل
وأقول في القرآن ما جاءت به ... آياته فهو القديم المنزل
وجميع آيات الصفات أمرُّها ... حقاً كما نقل الطراز الأول
وأرد عهدتها إلى نقّالها ... وأصونها من كل ما يُتخيل
قبحاً لمن نبذ القرآن وراءه ... وإذا استدل يقول قال الأخطل
والمؤمنون يرون حقاً ربهم ... وإلى السماء بغير كيف ينزل
وأقر بالميزان والحوض الذي ... أرجو بأني منه رياً أنهل
وكذا الصراط يمد فوق جهنم ... فموحد ناج وآخر مهمل
والنار يصلاها الشقي بحكمة ... وكذا التقي إلى الجنان سيدخل
ولكل حي عاقل في قبره ... عمل يقارنه هناك ويسأل
هذا اعتقاد الشافعي ومالك ... وأبي حنيفة ثم أحمد ينقل
فإن اتبعت سبيلهم فموفق ... وإن ابتدعت فما عليك معول
وقوله في القصيدة: " حب الصحابة كلهم لي مذهب ... ومودة القربى بها أتوسل ": يعني أن حب الصحابة وآل بيت النبي ﷺ من العبادات والقرب التي نتقرب بها إلى الله تعالى، ونتوسل بها إليه، فإن التوسل بالأعمال الصالحة جائز باتفاق العلماء، وهذا البيت من هذا الباب.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15027
الجواب عن افتراء على الشيخ ابن باز أنه لم يزر قبر النبي ﷺ قط
[السُّؤَالُ]
ـ[كما هو معلوم عندكم، فإنه عند غياب العلماء الربانيين يكثر الضلال، واتخاذ الرؤوس الجهال، الذين ضلوا، وأضلوا، فهذه هي الحالة التي نعيشها هنا في بلد إفريقية، والله المستعان. سؤالي بارك الله فيكم كيف الرد على من أثار شبهة حول الشيخ ابن باز لتنفير الناس عنه ألا وهي: أن الشيخ ﵀ مكث في مكة، أو المدينة عدة سنوات , ولم يزر قبر النبي ﷺ ، فيقولون - هؤلاء الطرقيون المبتدعة - إنهم - يعني: الحجازيين - لا يحبون الرسول ﷺ . فبم نجيبهم؟ . الرجاء التفصيل، وذكر الأدلة كما اعتدنا منكم، من الكتاب والسنَّة، والآثار السلفية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
بارك الله فيك أخي السائل، وجزاك الله خيراً على حرصك على سنَّة النبي ﷺ ، وذبك عنها، وعلى دفاعك عن علماء أهل السنَّة والجماعة، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لنشر الاعتقاد الصحيح، ونوصيكم بالرفق، والحكمة، في دعوة الناس.
ثانياً:
لا بد أن يعلم المسلم أن أجر الصبر على غربة التمسك بالسنَّة: عظيم، ففي صحيح مسلم (١٤٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاء) .
وفي سنن الترمذي (٣٠٥٨) عن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ ﵁ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( ... إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّاماً الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ) .
وفي رواية: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: (بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ) وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة".
فلا ينبغي أن يجزع المسلم من هذه الغربة، فالعاقبة للمتقين , وهم المتمسكون بهدي النبي ﷺ وأصحابه.
ثالثاً:
زيارة قبر النبي ﷺ لمن كان في المدينة النبوية: مشروعة، كزيارة قبر غيره، فهي داخلة في عموم قوله ﷺ : (إني كنتُ نهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا) رواه مسلم (٩٧٧) من حديث بُرَيْدَةَ بن الحُصَيْب، وفي رواية: (فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ) رواها مسلم (٩٧٦) من حديث أبي هريرة.
وشدُّ الرحل للصلاة في مسجد النبي ﷺ في المدينة: مشروع، باتفاق المسلمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وشدُّ الرحل إلى مسجده: مشروع باتفاق المسلمين، كما في الصحيحين عنه أنه قال: (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَاّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى) رواه البخاري (١١٣٢) ومسلم (١٣٩٧) .
وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَاّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) رواه البخاري (١١٣٣) ومسلم (١٣٩٤) .
فإذا أتى مسجدَ النبي ﷺ : فإنه يسلِّم عليه، وعلى صاحبيه، كما كان الصحابة يفعلون.
"الفتاوى الكبرى" (٥/١٤٦) .
ولكن مسألة الزيارة غير مسألة شد الرحل، والسفر لزيارة قبره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وزيارة القبور من غير شدِّ رحل إليها مسألة , وشد الرحل لمجرد الزيارة مسألة أخرى.
"مجموع الفتاوى" (٢٧/١٩٣) .
فالأُولى استحبها العلماء، وندبوا إليها , وأما الثانية - وهي شد الرحل والسفر لزيارة قبره ﷺ ، وقبر غيره -: فهي غير مشروعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وأما إذا كان قصده بالسفر زيارة قبر النبي ﷺ دون الصلاة في مسجده: فهذه المسألة فيها خلاف، فالذي عليه الأئمة، وأكثر العلماء: أن هذا غير مشروع، ولا مأمور به؛ لقوله ﷺ (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَاّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى) .
"الفتاوى الكبرى" (٥/١٤٦) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
لا يجوز السفر بقصد زيارة قبر النبي ﷺ ، أو قبر غيره من الناس، في أصح قولي العلماء؛ لقول النبي ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) متفق عليه.
والمشروع لمن أراد زيارة قبر النبي ﷺ وهو بعيد عن المدينة: أن يقصد بالسفر زيارة المسجد النبوي، فتدخل زيارة القبر الشريف وقبريْ أبي بكر، وعمر، والشهداء، وأهل البقيع، تبعاً لذلك.
وإن نواهما: جاز؛ لأنه يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً، أما نية القبر بالزيارة فقط: فلا تجوز مع شد الرحال، أما إذا كان قريباً لا يحتاج إلى شد رحال، ولا يسمى ذهابه إلى القبر سفراً: فلا حرج في ذلك؛ لأن زيارة قبره ﷺ ، وقبر صاحبيه، من دون شد رحال: سنَّة، وقربة , وهكذا زيارة قبور الشهداء، وأهل البقيع، وهكذا زيارة قبور المسلمين في كل مكان، سنَّة، وقُربة، لكن بدون شد الرحال؛ لقول النبي ﷺ : (زوروا القبور، فإنها تذكركم الآخرة) أخرجه مسلم في صحيحه.
وكان ﷺ يعلِّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية) أخرجه مسلم أيضاً في صحيحه.
"فتاوى الشيخ ابن باز" (٨/٣٣٦) .
وأما الأحاديث التي فيها الندب للسفر، وشدِّ الرحل لزيارة قبره ﷺ : فهي غير صحيحة، وانظر جواب السؤال رقم: (٢٥٣٤) .
رابعاً:
أما كلام أولئك القبوريين، والطرقيين عن الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، وأنه لم يزر قبر النبي ﷺ في فترة مكثه في المدينة: فهو كذب عليه، وشهادة زور باء بها من شهد بها، فالشيخ ﵀ من أعظم الناس في هذا العصر محبة، وتعظيماً للنبي ﷺ نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحد , ولا تخفى عليه مشروعية زيارة القبور، سواء أكان قبر النبي ﷺ ، أو قبر غيره , كيف وهو ﵀ قد قرر ذلك كثيراً؟! وقد سبق النقل عنه أن "زيارة قبره ﷺ ، وقبر صاحبيه، من دون شد رحال: سنَّة، وقربة"، ولكنَّ الشيخ ـ كما يبق ـ يفرق بين زيارة القبر، وبين السفر وشد الرَّحل لزيارة القبر , فالثانية هي التي يمنعها الشيخ ﵀ , وهو الصواب.
ثمَّ يقال: من الذي راقب الشيخ ﵀ طيلة مكثه في المدينة النبوية حتى شهد تلك الشهادة الزائفة الباطلة؟! .
وينبغي هنا أن ننبه، أن زيارة قبر النبي ﷺ لمن كان بالمدينة، ليست مشروعة له كلما دخل المسجد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
فلهذا كان العمل الشائع في الصحابة - الخلفاء الراشدين، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار - أنهم يدخلون مسجده، ويصلون عليه في الصلاة، ويسلمون عليه، كما أمرهم الله ورسوله، ويدعون لأنفسهم في الصلاة مما اختاروا من الدعاء المشروع، كما في الصحيح من حديث ابن مسعود لمَّا علَّمه التشهد قال: (ثم ليتخير بعد ذلك من الدعاء أعجبه إليه) ، ولم يكونوا يذهبون إلى القبر، لا من داخل الحجرة، ولا من خارجها، لا لدعاء، ولا صلاة، ولا سلام، ولا غير ذلك من حقوقه المأمور بها في كل مكان، فضلا عن أن يقصدوها لحوائجهم كما يفعله أهل الشرك، والبدع؛ فإن هذا لم يكن يعرف في القرون الثلاثة، لا عند قبره، ولا قبر غيره، لا في زمن الصحابة، ولا التابعين ولا تابعيهم.
فهذه الأمور إذا تصورها ذو الإيمان والعلم: عرف دين الإسلام في هذه الأمور، وفَرَّق بين من يعرف التوحيد، والسنَّة، والإيمان، ومن يجهل ذلك.
وقد تبين أن الخلفاء الراشدين، وجمهور الصحابة: كانوا يدخلون المسجد، ويصلون فيه على النبي ﷺ ، ولا يسلمون عليه عند الخروج من المدينة، وعند القدوم من السفر، بل يدخلون المسجد، فيصلون فيه، ويسلمون على النبي ﷺ ، ولا يأتون القبر، ومقصود بعضهم التحية.
وأيضا: فقد اسْتُحِب لكل من دخل المسجد أن يسلِّم على النبي ﷺ ، فيقول: "بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك"، وكذلك إذا خرج يقول: "بسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك"، فهذا السلام عند دخول المسجد كلما يدخل: يغني عن السلام عليه عند القبر، وهو من خصائصه، ولا مفسدة فيه.
"مجموع الفتاوى" (٢٧/٤١٣ – ٤١٥) .
خامساً:
أما زعم أولئك الطرقيين – تقليداً لغيرهم من أهل البدع – في أن الشيخ ابن باز ﵀، وعموم أهل السنة السلفيين لا يحبون النبي ﷺ : فيرد عليها بما يلي:
١. أنها – والله – شهادة زور، وهم مع وقوعهم في البدعة ـ وأحياناً: الشرك أيضاً ـ، لم يكتفوا بهما حتى أضافوا الكذب، والافتراء على عباد الله.
٢. ليست المحبة للنبي ﷺ بعمل احتفال سنوي يختلط فيه الرجال بالنساء، وتُضرب فيه الدفوف، وتُقرع فيه الطبول، بل المحبة له ﷺ تكون باتباع سنَّته، والاقتداء بهديه، والذب عن دينه، قال الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) آل عمران/ ٣١، فأين أولئك من هدي النبي ﷺ وسنته مع ما عندهم من بدع، وخرافات، وآثام؟! .
٣. إذا كان عدم زيارة قبره ﷺ في كل دخول للمسجد النبوي، وعدم الاحتفال بميلاده ﷺ : يدل على عدم محبته ﷺ : فأول المتهمين بتلك التهمة الشنيعة هم أصحابه ﵃، الذين لم يفعلوا شيئاً من ذلك، وحاشاهم ﵃، بل كانوا أعظم الناس محبة لنبيهم ﷺ ، ولكنهم علموا أن المحبة في الاتباع لا في الابتداع والخرافات.
٤. عدم محبة النبي ﷺ كفر، مخرج عن الملة، فكيف تجرأ أولئك – وغيرهم – على مثل هذا التكفير لأهل السنَّة؟! وليعلموا أنهم يحكمون بذلك الكفر على صحابة النبي ﷺ ؛ إذ هم رؤوس أهل السنَّة.
قال الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله:
يشاع بين المسلمين أن الذين ينكرون بدعة المولد هم أناس يبغضون الرسول ﷺ ولا يحبونه، وهذه جريمة قبيحة كيف تصدر من عبد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ إذ بغض الرسول ﷺ أو عدم حبه كفر بواح لا يبقى لصاحبه أية نسبة إلى الإسلام والعياذ بالله تعالى.
"الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف" (ص ٥) .
٥. حتى تعرف مقدار حب الشيخ ابن باز ﵀ للنبي ﷺ : استمع لهذا التسجيل الصوتي له , وكيف أنه بكى لمحبة النبي ﷺ ، وفداه بماله وأهله ونفسه.
http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=٥٠١٩٣
والله سبحانه نسأله أن يرحمه , وأن يجزل له الأجر، والمثوبة.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15028
نبذة عن حياة عمر بن عبد العزيز، وذِكر شيء من سيرته
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف كان عمر بن عبد العزيز في خلافته؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن معرفة سيرة السلف الصالح، وتراجم الخلفاء: أمر حسنٌ مندوب إليه , وخاصة الحقبة الأولى من القرون المفضلة الذين كانوا مثالاً عالياً في كل الصفات، وفي معرفة تراجمهم دافع للمسلم للاقتداء بهم، والتأسي بأفعالهم، وأخلاقهم، ومآثرهم , وخاصة في مثل هذا الوقت الذي أصبحت فيه القدوة، والأسوة، للساقط من الناس، من الممثلين، والمغنيين، وأشباههم.
ثانياً:
عصرُ عمر بن عبد العزيز كان عصراً مميَّزاً عن العصور التي بعده , وكانت سيرته أشبه بسيرة الخلفاء الراشدين، وقد أشار النبي ﷺ إلى عصره , وأثنى عليه، فعَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لَا يَزَالُ الإِسْلَامُ عَزِيزاً إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً) ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ لأَبِي: مَا قَالَ؟ فَقَالَ: (كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ) .
رواه البخاري (٦٧٩٦) ومسلم (١٨٢١) - واللفظ له -.
قال ابن حجر – ﵀ في بيان تعداد أولئك الخلفاء -:
في بعض طرق الحديث الصحيحة (كُلُّهُم يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ النَّاسُ) ، وإيضاح ذلك: أن المراد بالاجتماع: انقيادهم لبيعته، والذي وقع: أن الناس اجتمعوا على أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، إلى أن وقع أمر الحكَمين في صفِّين، فسمِّيَ معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن، ثم اجتمعوا على ولده يزيد ... ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان ... ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة: الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام، وتخلل بين سليمان ويزيد: عمر بن عبد العزيز، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك، اجتمع الناس عليه، لمَّا مات عمه هشام.
" فتح الباري " (١٣ / ٢١٤) .
وقد عدَّ كثير من العلماء عمرَ بن عبد العزيز ﵀ من مجددي هذا الدين.
عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا) .
رواه أبو داود (٤٢٩١) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
قال ابن كثير – ﵀:
فقال جماعة من أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل - فيما ذكره ابن الجوزي وغيره -: إن عمر بن عبد العزيز كان على رأس المائة الأولى، وإن كان هو أولى مَن دخل في ذلك، وأحق؛ لإمامته، وعموم ولايته، وقيامه، واجتهاده في تنفيذ الحق، فقد كانت سيرته شبيهة بسيرة عمر بن الخطاب، وكان كثيراً ما تشبَّه به.
" البداية والنهاية " (٩ / ٢٣٢) .
ثالثاً:
كان عمر بن الخطاب يقول إما بإخبار النبي ﷺ له، أو برؤيا في منامه: إنه سيلي من ذريته رجل يعدل بين الناس , وكان يقول: إن من ولدي رجلاً بوجهه شين يلي يملأ الأرض عدلاً.
قال ابن كثير ﵀:
وكان نافع مولى ابن عمر يقول: " لا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز " , وقد روي ذلك عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب نحواً من هذا، وقد كان هذا الأمر مشهوراً قبل ولايته، وميلاده، بالكلية، أنه يلي رجل من بني أمية يقال له: " أشج بني مروان "، وكانت أمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.
" البداية والنهاية " (٦ / ٢٦٨) .
رابعاً:
أما سيرته رحمه الله تعالى: فقد كانت مثالاً عظيماً، ومضرباً للمثل، في عدله، وزهده، وحُسن خلقه , وهذه مقتطفات من سيرته نختارها من كتاب " البداية والنهاية " لابن كثير ﵀ (٩ / ٢١٧) فما فوقها.
١. هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو حفص، القرشي، الأموي، المعروف، أمير المؤمنين، وأمه أم عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ﵄، ويقال له " أشج بني مروان ".
٢. وكان حكَماً، مقسطاً، وإماماً عادلاً، وورعاً ديِّناً، لا تأخذه في الله لومة لائم، رحمه الله تعالى.
٣. قال الزبير بن بكار: حدثني العتبي قال: إن أول ما استبين من رشد عمر بن عبد العزيز: حرصه على العلم، ورغبته في الأدب، إن أباه ولي مصر وهو حديث السن يشك في بلوغه، فأراد أبوه إخراجه معه إلى مصر من الشام، فقال: يا أبتِ أو غير ذلك لعله يكون أنفع لي ولك؟ قال: وما هو؟ قال: ترحلني إلى المدينة فأقعد إلى فقهائها، وأتأدب بآدابهم، فعند ذلك أرسله أبوه إلى المدينة، وأرسل معه الخدام، فقعد مع مشايخ قريش، وتجنب شبابهم، وما زال دأبه حتى اشتهر ذكره. .
٤. وثبت من غير وجه عن أنس بن مالك قال: ما صليتُ وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من هذا الفتى - يعني: عمر بن عبد العزيز - حين كان على المدينة.
قالوا: وكان يتم الركوع والسجود، ويخفف القيام والقعود، وفي رواية صحيحة: أنه كان يسبح في الركوع والسجود عشراً عشراً، وقال ابن وهب: حدثني الليث عن أبي النضر المديني قال: رأيت سليمان بن يسار خارجاً من عند عمر بن عبد العزيز، فقلت له: مِن عند عمر خرجت؟ قال: نعم! قلت: تُعلِّمونه؟ قال: نعم، فقلت: هو والله أعلمُكم.
٥. قال ابن كثير: وقد كان في هذه المدة من أحسن الناس معاشرة، وأعدلهم سيرة، كان إذا وقع له أمر مشكل: جمع فقهاء المدينة عليه، وقد عين عشرة منهم، وكان لا يقطع أمراً بدونهم، أو من حضر منهم، وهم عروة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو بكر بن سليمان بن خيثمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن حزم، وسالم بن عبد الله، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد بن ثابت.
وكان لا يخرج عن قول سعيد بن المسيب.
٦. وقد ظهرت عليه مخايل الورع، والدِّين، والتقشف، والصيانة، والنزاهة، من أول حركة بدت منه، حيث أعرض عن ركوب مراكب الخلافة، وهي الخيول الحسان الجياد المعدة لها، والاجتزاء بمركوبه الذي كان يركبه، وسكنى منزله رغبة عن منزل الخلافة، ويقال: إنه خطب الناس فقال في خطبته: أيها الناس، إن لي نفساً تواقة لا تُعطَى شيئا إلا تاقت إلى ما هو أعلى منه، وإني لما أعطيت الخلافة تاقت نفسي إلى ما هو أعلى منها، وهي الجنة، فأعينوني عليها، يرحمكم الله.
٧. لمَّا استُخلف عمر بن عبد العزيز: قام في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! إنه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد ﵇، وإني لست بقاضٍ ولكني منفِّذ، وإني لست بمبتدع ولكني متبع، إن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم، ألا إن الإمام الظالم هو العاصي، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
وفي رواية أنه قال فيها: وإني لست بخير من أحد منكم، ولكنني أثقلكم حِملاً، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الله، ألا هل أَسْمعتُ؟ .
٨. وقد اجتهد ﵀ في مدة ولايته - مع قصرها - حتى رد المظالم، وصرف إلى كل ذي حق حقه، وكان مناديه في كل يوم ينادي: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ حتى أغنى كلاًّ من هؤلاء.
٩. قالت زوجته فاطمة: دخلتُ يوماً عليه وهو جالس في مصلاه واضعاً خدَّه على يده، ودموعه تسيل على خديه، فقلت: مالك؟ فقال: ويحك يا فاطمة، قد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، واليتيم المكسور، والأرملة الوحيدة، والمظلوم المقهور، والغريب والأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير، والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة، وأن خصمي دونهم محمدا ﷺ ، فخشيت أن لا يثبت لي حجة عند خصومته، فرحمتُ نفسي، فبكيت.
١٠. قال مالك بن دينار: يقولون مالك زاهد، أي زهد عندي؟ إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز، أتته الدنيا فاغرة فاها، فتركها جملة.
قالوا: ولم يكن له سوى قميص واحد، فكان إذا غسلوه جلس في المنزل حتى ييبس، وقد وقف مرة على راهب فقال له: ويحك عظني، فقال له: عليك بقول الشاعر:
تجرد من الدنيا فإنك إنما * خرجتَ إلى الدنيا وأنت مجرد
قال: وكان يعجبه، ويكرره، وعمل به حق العمل.
قالوا: ودخل على امرأته يوما فسألها أن تقرضه درهماً، أو فلوساً يشتري له بها عِنَباً، فلم يجد عندها شيئاً، فقالت له: أنت أمير المؤمنين وليس في خزانتك ما تشتري به عنباً؟ فقال: هذا أيسر من معالجة الأغلال، والأنكال، غداً، في نار جهنم.
١١. وقالت امرأته فاطمة: ما رأيتُ أحدا أكثر صلاة وصياما منه، ولا أحد أشد فرقا من ربه منه، كان يصلي العشاء ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه، فلا يزال يبكي حتى تغلبه عيناه، قالت: ولقد كان يكون معي في الفراش فيذكر الشيء من أمر الآخرة فينتفض كما ينتفض العصفور في الماء، ويجلس يبكي، فأطرح عليه اللحاف رحمة له، وأنا أقول: يا ليت كان بيننا وبين الخلافة بعد المشرقين، فوالله ما رأينا سروراً منذ دخلنا فيها.
وقال علي بن زيد: ما رأيت رجلين كأن النار لم تخلق إلا لهما مثل الحسن وعمر بن عبد العزيز.
١٢. في ٢٥ رجب سنة ١٠١ من الهجرة: توفي عمر بن عبد العزيز بـ " دير سمعان "، وكانت مدة خلافته: سنتين وخمسة أشهر، وأربعة أيام.
فرحمه الله تعالى , وجزاه عن عدله وفعاله الحسنة خير الجزاء.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15029
استفسار عن رأي شيخ الإسلام في آية المباهلة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو رأي شيخ الإسلام ابن تيميه في آية المباهلة]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
المباهلة هي الملاعنة، والمقصود منها أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء، فيقولوا: لعنة الله على الظالم منا.
ينظر: "النهاية في غريب الأثر" (١/٤٣٩) .
وآية المباهلة هي قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) . [آل عمران/٥٩-٦١]
وكان سبب نزول هذه الآية أن وفد نصارى نجران حين قدموا المدينة جعلوا يُجادلون في نبي الله عيسى ﵇، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية.
وقد تصلبوا على باطلهم، بعدما أقام عليهم النبي ﷺ البراهين بأنه عبد الله ورسوله.
فأمره الله تعالى أن يباهلهم.
فدعاهم رسول الله ﷺ إلى المباهلة، بأن يحضر هو وأهله وأبناؤه، وهم يحضرون بأهلهم وأبنائهم، ثم يدعون الله تعالى أن ينزل عقوبته ولعنته على الكاذبين.
فأحضر النبي ﷺ علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين ﵃، وقال: هؤلاء أهلي.
فتشاور وفد نجران فيما بينهم: هل يجيبونه إلى ذلك؟
فاتفق رأيهم أن لا يجيبوه؛ لأنهم عرفوا أنهم إن باهلوه هلكوا، هم وأولادهم وأهلوهم، فصالحوه وبذلوا له الجزية، وطلبوا منه الموادعة والمهادنة، فأجابهم ﷺ لذلك.
ينظر: "تفسير ابن كثير" (٢ /٤٩) ، "تفسير السعدي" (١ /٩٦٨) .
ثانياً:
ليس لشيخ الإسلام ابن تيمية رأي خاص في آية المباهلة، بل كلامه فيها ككلام سائر أهل السنة، إلا أنه قد بين بعض المفاهيم المغلوطة التي يحاول البعض أخذها من هذه القصة.
ونستطيع أن نلخص كلام شيخ الإسلام في المباهلة في نقاط:
١-إتيان النبي ﷺ بعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ عند المباهلة ثابت بالأحاديث الصحيحة.
قال شيخ الإسلام: " أما أخذه علياً وفاطمة والحسن والحسين في المباهلة فحديث صحيح رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص، قال في حديث طويل: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ... ) دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٧ / ١٢٣) .
٢- ليس في ذلك دلالة على أنهم أفضل هذه الأمة.
قال: " لا دلالة في ذلك على الإمامة ولا على الأفضلية ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٧/١٢٣)
وقال: " ولا يقتضي أن يكون من باهل به أفضل من جميع الصحابة، كما لم يوجب أن تكون فاطمة وحسن وحسين أفضل من جميع الصحابة ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٧ /١٢٥) .
٣- المباهلة إنما يختار لها الإنسان أقرب الناس منه نسباً، لا أفضلهم عنده.
قال شيخ الإسلام: " وسبب دعوة النبي ﷺ لهؤلاء فقط: أن المباهلة إنما تحصل بالأقربين إليه، وإلا فلو باهلهم بالأبعدين في النسب وان كانوا أفضل عند الله لم يحصل المقصود.. ".
وقال: " وهؤلاء أقرب الناس إلى النبي ﷺ نسباً، وإن كان غيرهم أفضل منهم عنده، فلم يؤمر أن يدعو أفضل أتباعه؛ لأن المقصود أن يدعو كل واحد منهم أخص الناس به، لما في جِبِلّة الإنسان من الخوف عليه وعلى ذوي رحمه الأقربين إليه ...
والمباهلة مبناها على العدل، فأولئك أيضا يحتاجون أن يدعوا أقرب الناس إليهم نسبا، وهم يخافون عليهم ما لا يخافون على الأجانب، ولهذا امتنعوا عن المباهلة لعلمهم بأنه على الحق وأنهم إذا باهلوه حقت عليهم بُهْلة الله، وعلى الأقربين إليهم ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٥/٤٥)
٤- سبب تخصيص علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين بالمباهلة أنهم أخص أهل بيته به في ذلك الوقت.
قال شيخ الإسلام: " وأما آية المباهلة فليست من الخصائص، بل دعا علياً وفاطمة وابنيهما، ولم يكن ذلك لأنهم أفضل الأمة، بل لأنهم أخص أهل بيته". انتهى.
"مجموع الفتاوى" (٤/٤١٩)
وقال: " وآية المباهلة نزلت سنة عشر لما قدم وفد نجران، ولم يكن النبي ﷺ قد بقي من أعمامه إلا العباس، والعباس لم يكن من السابقين الأولين، ولا كان له به اختصاص كعلي.
وأما بنو عمه فلم يكن فيهم مثل علي، وكان جعفر قد قتل قبل ذلك ... بمؤتة سنة ثمان، فتعين علي ﵁ ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٧/١٢٥) .
وقال: " لم يكن عنده إذ ذاك إلا فاطمة، فإن رقية وأم كلثوم وزينب كنَّ قد توفين قبل ذلك ...
وإنما دعا حسناً وحسيناً؛ لأنه لم يكن ممن ينسب إليه بالبنوة سواهما، فإن إبراهيم، إن كان موجودا إذ ذاك، فهو طفل لا يُدعى ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٧/ ١٢٩) .
٥- ليس في آية المباهلة دليل على أحقية علي بن أبي طالب ﵁ للخلافة والإمامة، بزعم أن الله جعله مقام نفس الرسول بقوله: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ... ) ، والاتحاد في النفس محال، فلم يبق إلا المساواة له في الولاية العامة.
قال شيخ الإسلام: " لا نسلم أنه لم يبق إلا المساواة، ولا دليل على ذلك، بل حمله على ذلك ممتنع، لأن أحداً لا يساوي رسول الله ﷺ ، لا علياً ولا غيره.
وهذا اللفظ في لغة العرب لا يقتضي المساواة، قال تعالى في قصة الإفك (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا..) ولم يوجب ذلك أن يكون المؤمنون والمؤمنات متساوين.
وقد قال الله تعالى في قصة بني إسرائيل (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ) أي يقتل بعضكم بعضا، ولم يوجب ذلك أن يكونوا متساوين، ولا أن يكون من عبد العجلَ مساوياً لمن لم يعبده.
وكذلك قد قيل في قوله (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي لا يقتل بعضكم بعضاً، وان كانوا غير متساوين.
وقال تعالى (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي لا يلمز بعضكم بعضاً، فيطعن عليه ويعيبه، وهذا نهي لجميع المؤمنين أن لا يفعل بعضهم ببعض هذا الطعن والعيب، مع أنهم غير متساوين، لا في الأحكام، ولا في الفضيلة، ولا الظالم كالمظلوم، ولا الإمام كالمأموم ...
فهذا اللفظ يدل على المجانسة والمشابهة، والتجانس والمشابهة يكون بالاشتراك في بعض الأمور، كالاشتراك في الإيمان ". انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٧ / ١٢٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15030
لا يُعرف مكان قبر يونس ﵇
[السُّؤَالُ]
ـ[بالنسبة لصحة مكان قبر يونس ﵇، هل هو فعلاً في العراق؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"نبي الله يونس ﵊ لا يُعرف قبره، وليس لهذا صحة، بل جميع قبور الأنبياء لا تُعرف ما عدا قبر نبينا ﵊ فإنه معلوم في بيته في المدينة ﵊، وهكذا قبر الخليل إبراهيم معروف في المغارة هناك في الخليل في فلسطين، وأما سواهما فقد بيَّن أهل العلم أنها لا تُعلم قبورهم، ومن ادعى أن هذا قبر يونس موجود في نينوى أو أنه في المحل المعين لا أصل له، فينبغي أن يعلم هذا، ولو عُلم لم يَجُز التبرك به ولا دعاؤه ولا النذر له ولا غير ذلك من أنواع العبادة؛ لأن العبادة حق الله وحده لا يجوز صرف شيء منها لغيره بإجماع المسلمين" انتهى.
[الْمَصْدَرُ]
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
"فتاوى نور على الدرب" (١/١٢٣)
стр. 15031
قصة باطلة منسوبة إلى عمر بن الخطاب ﵁
[السُّؤَالُ]
ـ[أخبرني شخص أن عمر أو أبو بكر ﵄ قد جاء إلى علي ﵁ وقت توليه القضاء، وقال: إنه رأى فلانا قد ارتكب الزنا، فما كان من علي إلا أن قال: إن لم يكن لديك أربعة شهود فالتزم الصمت ولا تنطق بشيء. فهل هناك ما يثبت صحة هذه الرواية؟ وهل هذا حديث صحيح؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
أولاً:
من الأحكام المتفق عليها بين علماء المسلمين أن الزنا لا يثبت إلا بشهادة أربعة رجال؛ لقوله تعالى: (وَاللَاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) النساء/١٥، وقَوْله: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) النور/١٣.
قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن الشهادة على الزنا أربعة لا يُقبل أقل منهم" انتهى.
"الإجماع " ص ٤٢.
فإن نقص عدد الشهود عن أربعة، وجب عليهم السكوت، ولم يجز لهم اتهامه بالزنا، فإن تكلموا بذلك رُدت شهادتهم، وأُقيم عليهم حد القذف، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) النور/٤.
ولما رواه النسائي (٣٤٦٩) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ شَرِيكَ بْنَ السَّحْمَاءِ بِامْرَأَتِهِ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ.
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : (أَرْبَعَةَ شُهَدَاءَ، وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ) . وصححه الألباني.
قال ابن قدامة: "وإذا لم تَكمل شهود الزنا، فعليهم الحدُّ في قول أكثر أهل العلم" انتهى.
"المغني " (١٠ /١٧٥) .
وذلك حتى لا تُتَّخذ صورةُ الشهادة ذريعةً إلى الوقيعة في أعراض الناس.
ثانياً:
أما القصة التي أشرت إليها، فقد ذكرها أبو حامد الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" (٢/٢٠٠) ، فقال:
"روى أن عمر ﵁ كان يَعُسُّ [يطوف ليلاً] بالمدينة ذات ليلة، فرأى رجلاً وامرأةً على فاحشة.
فلما أصبح قال للناس: أرأيتم لو أن إماماً رأى رجلاً وامرأةً على فاحشة، فأقام عليهما الحد، ما كنتم فاعلين.
قالوا: إنما أنت إمام.
فقال علي ﵁: ليس ذلك لك، إذاً يقام عليك الحد، إن الله لم يأمن على هذا الأمر أقل من أربعة شهود.
ثم تركهم ما شاء الله أن يتركهم.
ثم سألهم، فقال القوم مقالتهم الأولى، فقال علي ﵁ مثل مقالته الأولى" انتهى.
ثم قال أبو حامد الغزالي: "وهذا يشير إلى أن عمر ﵁ كان متردداً في أن الوالي هل له أن يقضي بعلمه في حدود الله، فلذلك راجعهم ... خيفة من أن لا يكون له ذلك فيكون قاذفاً بإخباره، ومالَ رأى علي إلى أنه ليس له ذلك" انتهى.
وهذه القصة التي ذكرها الغزالي لم نقف عليها ـ بعد البحث ـ مروية بسندها، حتى نستطيع الحكم بصحتها، ومن المعروف أنَّ الغزالي ممن يتساهل في إيراد الأحاديث والروايات الضعيفة والموضوعة، خاصة في كتابه: " إحياء علوم الدين".
وقد سبق الكلام عن هذا الكتاب وما فيه من أغاليط في جواب السؤال (٢٧٣٢٨) .
وقد ورد عن أبي بكر وعمر ﵄ ما يخالف هذا الأثر الذي ذكره الغزالي، وذكره السائل بمعناه.
فعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: لَوْ رَأَيْتَ رَجُلًا عَلَى حَدٍّ: زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ، وَأَنْتَ أَمِيرٌ، فَقَالَ: شَهَادَتُكَ شَهَادَةُ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: صَدَقْتَ.
رواه البخاري معلقاً، ووصله عبد الرزاق في المصنف (٨ / ٣٤٠) ، وأشار ابن القيم إلى ثبوته في " الطرق الحكمية" صـ ١٦٨.
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وقد جاء عن أبي بكر الصديق نحو هذا" انتهى.
فهذا يدل على أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا يريان أن الحاكم لا يحكم بما علمه ولم يشهد عليه شهود، وإنما يحكم بشهادة الشهود.
ولا نستبعد أن يكون أعداء الصحابة الذين يسمون بـ "الشيعة" أو "الرافضة" هم الذين يرجون لمثل هذه الروايات، حتى يثبتوا بها أن علياً أعلم من عمر ﵄.
وعِلْمُ عليٍّ ﵁ وفضله وحسن قضائه معلوم ظاهر، وأظهر منه: أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا أفضل منه وأعلم، وهذا لا ينكره إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي.
قال ابن أبي العز في "شرح العقيدة الطحاوية":
"وَتَرْتِيبُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ فِي الْفَضْلِ، كَتَرْتِيبِهِمْ فِي الْخِلَافَةِ. وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ مِنَ الْمَزِيَّةِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَلَمْ يَأْمُرْنَا بالاقْتِدَاءِ فِي الْأَفْعَالِ إِلَّا بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: (اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) ، وَفَرْقٌ بَيْنَ اتِّبَاعِ سُنَّتِهِمُ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ، فَحَالُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَوْقَ حَالِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵃ أَجْمَعِينَ ...
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَقْدِيمُ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ، وَلَكِنْ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ تَقْدِيمُ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ. وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لِعَلِيٍّ ﵁: إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ.
وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: مَنْ لَمْ يُقَدِّمْ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ فَقَدْ أَزْرَى بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: (كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيٌّ: أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ - أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ) " انتهى.
وعلق الشيخ أحمد شاكر ﵀ هنا بأن هذا الحديث الأخير رواه البخاري بلفظين آخرين، ولم يروه مسلم. وأن هذا اللفظ الذي ذكره ابن أبي العز ﵀ هو لفظ أبي داود في سننه.
فرضي الله عن الصحابة أجمعين، وجعلنا ممن اتبعوهم بإحسان، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15032
الحكمة في عدم حصر الوحي لنبينا بالتكليم، والحكمة من إرسال جبريل دون غيره
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا لم ينزل الله وحيَه على نبيِّه محمد (ص) مباشرة دون اللجوء إلى واسطة - وهو جبريل ﵇؟ وما الحكمة مِن أن جبريل كان مَن يُنزل الوحي ﵊؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا ينبغي اختصار الصلاة والسلام على النبي ﷺ بحرف الصاد، ولا بكلمة " صلعم "، ومن كتب مثل هذا السؤال لا يعجزه كتابة الصلاة والسلام عليه كاملة.
وقد سبق بيان حكم كتابة هذين الاختصارين في جواب السؤال رقم (٤٧٩٧٦) ، فلينظر.
ثانياً:
ذكر الله تعالى في كتابه الكريم طرق تبليغ رسله برسالاته وكلامه تعالى، فكان منها: الوحي – وله أشكال متعددة – يقظة ومناماً، والتكليم المباشر من وراء حجاب، وعن طريق جبريل ﵇، وقد سمَّى الله تعالى الطرق الثلاثة بـ " التكليم "، فقال: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ) الزخرف/ ٥١، وهذا هو التكليم بمعناه العام، وليس هو التكليم الخاص الذي خصَّ به بعض رسله، قال تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) البقرة/ من الآية ٢٥٣.
وكل صور الوحي وأشكاله قد حصلت للنبي ﷺ ، فجاءه الوحي يقظة ومناماً، وكلمه الله في السماء في المعراج، وأرسل إليه جبريل ﵇، فحصل للنبي ﷺ بذلك ما لم يحصل لغيره من إخوانه الأنبياء، بل إنه حتى التكليم الذي اشترك به مع أخيه موسى ﵇ كان لنبينا المقام الرفيع فيه؛ حيث حصل تكليم رب العالمين له في السماء، فكان ما اختاره الله تعالى لنبيه ﵇ أكمل وأفضل وأجل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
وقد ذكر الله تعالى أنواعَ جنسِ تكليمه لعباده في قوله تعالى (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ) ، فجعل ذلك ثلاثة أنواع:
الوحي الذي منه ما هو إلهام للأنبياء، يَقَظَةً ومناماً، فإنّ رؤيا الأنبياءِ وحي.
والتكليم من وراءِ حجاب، كما كلَّمَ موسَى بن عمرانَ حيثُ نادا وقَرَّبَه نَجِيّاً.
والتكليم بإرسال رسول يُوحي بإذنِه ما يشاءُ هو تكليمُه بواسطةِ إرسال الملَكِ، كما قال تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ) ١٧، ١٨، أي: علينا أن نجمعَه في قلبك، ثمَّ علينا أن نقرأه بلسانك، وهذا على أظهر القولين، وهو أن " قَرَأ " بالهمزة من الظهور والبيان، وقولهم: مَا قَرَأَتِ الناقةُ بسَلَا جَزُوْرٍ قَطُّ، أي: ما أَظهرتْه، بخلاف " قَرَى يَقْرِيْ " فإنه من الجَمع، ومنه سُمِّيتِ القريةُ قريةً، والمَقْرَاةُ مُجتمع الماء.
فقوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ) أي: قرأناه بواسطةِ جبريل (فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ) ، وهذا كقوله تعالى: (نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ) ، وإنما ذلك بتوسُّط قراءةِ جبريلَ وتلاوته، كقوله: (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ) ، فإنّ هذا قد جعله سبحانَه أحدَ أنواع الجنس العامّ المقسوم، وهو تكليمُ الله لعبادِه، ولهذا قال عُبادةُ بن الصامت: رؤيا المؤمنِ كلامٌ يُكلِّم به الربُّ عبدَه في منامِه.
" جامع المسائل " (٥ / ٢٨٤، ٢٨٥) .
وقال – ﵀:
وأحاديث المعراج وصعوده إلى ما فوق السموات وفرض الرب عليه الصلوات الخمس حينئذ ورؤيته لما رآه من الآيات والجنة والنار والملائكة والأنبياء في السموات والبيت المعمور وسدرة المنتهى وغير ذلك: معروف متواتر في الأحاديث، وهذا النوع لم يكن لغيره من الأنبياء مثله، يظهر به تحقيق قوله تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس) فالدرجات التي رُفعها محمَّد ليلة المعراج، وسيُرفعها في الآخرة في المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون: ليس لغيره مثله.
" الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح " (٦ / ١٦٨، ١٦٩) .
ثالثاً:
أما الحكمة من الاصطفاء والاختيار – ومنه اصطفاء جبريل ﵇ لإرساله بالوحي -: فإن ذلك من أفعال الله تعالى الدالة على علمه وعدله وحكمته.
والله يختار ما يشاء من الأشياء المختلفة ليميزها على غيرها، قال تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) القصص/ ٦٨.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
هذه الآيات – أي: الآية السابقة وما بعدها - فيها عموم خلقه لسائر المخلوقات، ونفوذ مشيئته بجميع البريات، وانفراده باختيار من يختاره ويختصه، من الأشخاص، والأوامر، والأزمان، والأماكن، وأن أحداً ليس له من الأمر والاختيار شيء.
" تفسير السعدي " (ص ٦٢٢) .
والله يصطفي ما يشاء من الأشياء المتشابهة ليميزها على غيرها، قال تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) الحج/ ٧٥.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
جبريل رسولٌ ملَك، ومحمَّدٌ رسولٌ بشر، والله يصطفي من الملائكة رسلاً، ومن الناس، فاصطفى لكلامه الرسول الملكي، فنزل به على الرسول البشري الذي اصطفاه، وقد أضافه إلى كلٍّ من الرسوليْن لأنه بلغه وأداه؛ لا لأنه أنشأه وابتداه، قال تعالى: (إنه لقول رسول كريم. ذي قوة عند ذي العرش مكين) التكوير/ ١٩، ٢٠.
" مجموع الفتاوى " (١٧ / ٨٢) .
وقال ابن القيم – ﵀:
وإذا تأملت أحوالَ هذا الخلقِ: رأيتَ هذا الاختيار والتخصيص فيه دالاًّ على ربوبيته تعالى ووحدانيته وكمالِ حكمته وعلمه وقدرته، وأنه اللهُ الذي لا إله إلا هو، فلا شريك له يخلُق كخلقه، ويختار كاختياره، ويدبِّر كتدبيره، فهذا الاختيارُ والتدبير والتخصيص المشهود: أثرُه في هذا العالم مِنْ أعظم آيات ربوبيته، وأكبرِ شواهد وحدانيته، وصفات كماله، وصدقِ رسله.
" زاد المعاد في هدي خير العباد " (١ / ٤٢) .
فاصطفى الله تعالى من الملائكة جبريل ﵇ دون غيره لما فيه من صفات القوة، والأمانة، وغيرهما، وقد علم الرب تعالى ذلك أزلاً، فاصطفاه من أجل ذلك.
قال ابن القيم – ﵀:
ذواتُ ما اختاره واصطفاه من الأعيان والأماكن والأشخاص وغيرها: مشتَمِلَة على صفات وأمور قائمة بها ليست لغيرها، ولأجلها اصطفاها اللهُ، وهو سبحانه الذي فضلها بتلك الصفاتِ، وخصها بالاختيار، فهذا خلقُه، وهذا اختياره، (وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) القصص/ ٦٧.
" زاد المعاد في هدي خير العباد " (١ / ٥٣) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15033
دفاعاً عن أبي هريرة ﵁
[السُّؤَالُ]
ـ[أسأل عن الصحابي أبي هريرة , وحسب ما أفهمه , فقد روى عددا كبيرا من الأحاديث التي جمعت الآن في صحيحي البخاري ومسلم , وغيرهما. وفي عدد من الأحاديث المنقولة , قيل إن أبا هريرة وُبخ من قبل عائشة وعمر ﵄ لنقله معلومات لم يفهمها عن رسول الله ﷺ . مثال ذلك , في الحديث المشهور أن النبي ﷺ قال بأن ثلاثة يقطعون القبلة: الكلاب والحمر والنساء. ومن الواضح أن عائشة ﵂ صححت له بعد فترة، وقالت بأن رسول الله ﷺ إنما قال: (إننا لسنا مثل اليهود الذين يقولون بأن ثلاثة أشياء تقطع القبلة: الكلاب والحمير والنساء) . كما أني قرأت أن أبا هريرة عاش في آخر حياته حياة رفاهية في قصر مع حاكم مشهور, ولم يكن حاله كحال العديد من الصحابة الجليلين الذين عاشوا حياة بساطة وماتوا وهم فقراء. إن المواضيع التي قرأتها في هذا الشأن أشكلت علي كثيرا. أهو ثقة في نقل الأحاديث؟ وهل عاش حياة لم يكن لغيره أن يعيش فيها, وبعيدة عن إمكانية الفساد؟ إذا كان عمر وعائشة ﵄ لا يكنان له احتراما, فلماذا وضعت كل هذه الأحاديث التي رواها في كتب الحديث الصحيحة؟ أنا أعلم أن الأئمة الذين جمعوا الأحاديث وضعوا معايير صارمة جدا. فكيف تمكنت رواياته من المرور عبر تلك المعايير؟ أرجو أن تساعدني.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يظهر أنك قرأت في كتب الملاحدة، أو قرأت في كتب المغرضين الحاقدين على الصحابة ﵃.
لا شك أن أبا هريرة ﵁ صحابي جليل، صحِب النبي ﵊ أكثر من أربع سنوات ولازمه ملازمة كاملة، يلازمه على ملء بطنه فيحضر وهم غائبون، ويحفظ إذا نسوا، ودعا له النبي ﷺ وفعل ما يساعده على حفظ الأحاديث، فلأجل ذلك حفظ أحاديث لم يحفظها غيره من الصحابة، وكان يقول: إنكم تقولون أكثر علينا أبو هريرة، والله الموعد، إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق في الأسواق، وإن إخواننا من الأنصار ليشغلهم العمل في أموالهم، وكنت امرؤ مسكينا ألزم رسول الله ﵊ على ملء بطني أحفظ إذا نسوا، وأحضر إذا غابوا، ولقد قال النبي ﷺ مرة: إن من بسط ثوبه حتى أفرغ من مقالتي وضمه إليه كان ذلك سببا في بقاء حفظه. يقول أبو هريرة: فعلت ذلك فلم أنْسَ شيئا بعد ذلك.
كان ﵁ يبيت أول الليل يدرس الأحاديث ويتذكرها ويكررها حتى لا ينساها، وحتى يحفظ منها ما قد يخاف أن ينساه، فلذلك حفظ الحديث الكثير الذي ما حفظه غيره.
أما حديث قطع الصلاة فلم ينفرد به بل رواه أيضا عمر ﵁ وابنه عبد الله ﵁، إلا أن عائشة ﵂ أنكرته ولم تنكر على أبي هريرة فقط، بل أنكرت على عمر وابنه عبد الله لأنهم رووا الحديث، ولم تستدل إلا بأنها كانت على السرير أمام الرسول ﵊ وهو يصلي في البيت وهو مظلم، وقال العلماء بأن هذا لا يعتبر مرورا، وأن القطع إنما يكون مرورا، فإذا كانت على السرير وكان البيت مظلما لم يُسَمَّ هذا مرورا، وانسلالها من السرير لا يسمى أيضا مرورا. ثم قد يقال أيضا: إن القطع في هذا الحديث ليس إبطالا للصلاة بالكلية بل ينقصها، وأنه لا يلزم إعادة ما تقدم منها، وسبب ذلك: أن القلب ينشغل بمرور ما سبق في الحديث، وهذا الانشغال يفوّت على القلب شيئا من الإقبال على الصلاة فلذلك ينقص الأجر وهذا معنى القطع. ولم يُنقل عن عمر ﵁ أنه أنكر على أبي هريرة هذا الحديث بل وافقه على روايته، وكذلك ابنه عبد الله....
ثم إن أبا هريرة ما عاش عيشة المترفين، بل كان متقشفا حتى مات، وقد أمّره معاوية على المدينة في عهده وقيل في عهد علي ﵁ كان أميرا على المدينة فكان متواضعا، فيذهب إلى البرية ليحتطب حتى يسترزق منها، وكان إذا وصل إلى المدينة قال للناس: (أخروا عن الأمير) أي أفسحوا له الطريق تواضعا منه.
ولقد دأب كثير من الرافضة وغيرهم في التشكيك في أبي هريرة فجمعوا بعض الأحاديث التي رواها والتي تخالف عقولهم ومألوفاتهم، وزعموا أنها من كذب أبي هريرة كحديث: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه) ، ولكن هذا الحديث رواه أيضا أبو سعيد وصححه كثير من العلماء. فننصحك بقراءة الكتب التي تذبّ عن أبي هريرة ﵁ ككتاب (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) ، وكتاب (الأنوار الكاشفة) وغيرها من الكتب حتى تجد الجواب والصواب في أن أبا هريرة من حفاظ الصحابة.
وانظر لمزيد الفائدة جواب السؤال رقم (١٢٦٣٧٧) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
سماحة الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله
стр. 15034
ما رأيكم فيمن ينتقد الحافظ ابن حجر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما رأيكم فيمن ينتقد فيه الحافظ ابن حجر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" الحافظ ابن حجر ﵀ وغيره من أهل العلم ليس معصوما عن الخطأ، ولم يعصم أي واحد منهم.. ولقد كتبت على الفتح بعض الشيء، من أوله إلى كتاب الحج، ولاحظت عليه بعض الملاحظات ﵀.
فالمقصود أنه ليس معصوما، ولم يعصم من هو أكبر منه، فإذا ظهر الحق، فالحق هو ضالة المؤمن، فإذا قام الدليل على مسألة من المسائل، وجب الأخذ بما قام عليه الدليل من كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ ، وإن خالف إماما كبيرا، أكبر من الحافظ ابن حجر، بل وإن خالف بعض الصحابة، فالله يقول: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) النساء/٥٩، ولم يقل سبحانه: ردوه إلى فلان أو فلان، بل قال: (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، وقال سبحانه: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) الشورى/١٠.
لكن لا بد من التثبت واحترام أهل العلم، والتأدب معهم.. فإذا وجد المرء قولا ضعيفا عن أحد الأئمة أو العلماء أو المحدثين المعتبرين، فإن ذلك لا ينقص من قدرهم، وعليه أن يحترم أهل العلم، ويتأدب معهم، ويتكلم بالكلام الطيب، ولا يسبهم ولا يحتقرهم، ولكن يبين الحق بالدليل مع دعائه للعالم، والترحم عليه، وسؤال الله أن يعفو عنه.
هكذا يجب أن تكون أخلاق أهل العلم مع أهل العلم: يقدرون أهل العلم لمكانتهم، ويعرفون لهم قدرهم ومحلهم وفضلهم.
ولكن لا يمنعهم هذا من أن ينبهوا على الخطأ إذا وجدوا خطأ ظاهرا، سواء كان من العلماء المتقدمين أو المتأخرين، ولم يزل أهل العلم يرد بعضهم على بعض إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة، يقول الإمام مالك ﵀: ما منا إلا راد ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر.. يعني رسول الله ﷺ .
وقال الإمام الشافعي ﵀: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ ، لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس.
وقال الإمام أحمد ﵀: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يعني عن النبي ﷺ يذهبون إلى رأي سفيان، يعني الثوري.. وسفيان ﵀: إمام عظيم.. ومع هذا أنكر أحمد على من يترك الحديث، ويذهب إلى رأيه، ثم قرأ الإمام أحمد ﵀ قول الله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) النور/٦٣.
وقال الإمام أبو حنيفة ﵀: إذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ فعلى العين والرأس، وإذا جاء عن الصحابة ﵃، فعلى العين والرأس، وإذا جاء عن التابعين فنحن رجال وهم رجال.
وكلام أهل العلم في هذا الباب كثير.. وبالله التوفيق" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٦/٣٠٥) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15035
كيف روى أبو هريرة ﵁ كل هذه الأحاديث ومدة صحبته ثلاث سنوات فقط ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إحدى الأخوات المسلمات سألتني سؤالاً فلم أستطع أن أجيبها، قالت: طالما أن أبا هريرة ﵁ أسلم وصحب النبي ﷺ قبل موته بثلاث سنوات فقط، فكيف روى جميع هذه الأحاديث؟ أرجو التفصيل، وتدعيم الإجابة بالأدلة، حتى أتمكن من الشرح لها وتفهيمها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ليس هذا محل إشكال على الإطلاق، وإذا قمنا بعملية حسابية سريعة يتبين لنا أن هذا الإشكال لا حقيقة له.
وبيان ذلك: أن ثلاث سنوات من صحبة أبي هريرة ﵁ للنبي ﷺ تعني أكثر من (١٠٥٠) يوماً.
وقد كان أبو هريرة ﵁ ملازماً للنبي ﷺ ملازمة تامة، يصاحبه أينما حل وارتحل، ويقضي معه معظم يومه، كما أخبر هو عن نفسه ﵁، وأقر له الصحابة بذلك، فكم حديثاً نتوقع أن يسمع من النبي ﷺ في اليوم؟
لا نريد أن نبالغ في العدد المفترض كي يتقبل القارئ الحجة، بل نفترض عدداً يقبله كل منصف يريد معرفة الحق لاتباعه، ولتكن خمسة أحاديث في اليوم فقط، ونعني بالأحاديث هنا خمسة مواقف، فالحديث قد يكون قولياً، وقد يكون فعلياً، وقد يكون إقرارا من النبي ﷺ لفعل أو قول فعل أمامه أو بلغه، وقد يكون الحديث وصفا للنبي ﷺ .
فلو نقل أبو هريرة ﵁ لنا فعلاً فعله النبي ﷺ أو حدثاً معيناً - ولو كيفية الخروج للصلاة - فهذا يعد حديثا في عرف المحدثين.
فلو فرضنا أن أبا هريرة ﵁ سيسمع عند كل صلاة من الصلوات الخمس كلمة من النبي ﷺ ، أو يشاهد موقفاً معيناً، فستكون حصيلة العلم الذي يجمعه أبو هريرة ﵁ في اليوم الواحد خمسة أحاديث فقط.
ولا نظن أن أحداً يزعم أن هذا عدد كبير لحال أي صديق مع صديقه، فكيف بحال أبي هريرة ﵁ المتفرغ للعلم، وهو يصاحب أعظم الرسل، وسيد البشر، محمداً ﷺ ؟
وعليه؛ ففي آخر صحبة أبي هريرة ﵁ للنبي ﷺ ستكون حصيلة الأحاديث أكثر من خمسة آلاف حديث.
وهكذا هي فعلا الأحاديث التي تروى عن أبي هريرة في كتب السنة، نحو (٥٣٧٤) بحسب عددها في " مسند بقي بن مخلد " أضخم موسوعة حديثية مؤلفة، نقلاً عن الدكتور أكرم العمري في كتابه " بقي بن مخلد ومقدمة مسنده " (ص/١٩) .
فأين هي المبالغة المنسوبة لأبي هريرة ﵁ في روايته للأحاديث؟
نظن أن أي منصف يتأمل عدد مرويات أبي هريرة ﵁ مع مدة صحبته للنبي ﷺ يستنتج أنه لا صحة لهذه الزوبعة التي يثيرها البعض على مرويات أبي هريرة ﵁.
فكيف إذا علم القارئ الكريم أن الخمسة آلاف حديث المروية لأبي هريرة ﵁ في كتب السنة تشمل الصحيح والضعيف والموضوع؟ يعني أن بعض هذه الأحاديث التي تُنسب لأبي هريرة ﵁ لم تصح عنه من الأصل.
وكيف لو علم القارئ الكريم أيضاً أن الخمسة آلاف حديثاً المروية لأبي هريرة ﵁ في كتب السنة تشمل المكرر الذي جاء بمتن ونص واحد ولكن تعددت أسانيده وطرقه؟ فبعض الأحاديث تروى من عشرة طرق ونصها واحد، فهذه يعدها العلماء عشرة أحاديث وليست حديثا واحداً.
وكيف لو علم القارئ الكريم أيضاً: أن الخمسة آلاف حديثاً المروية لأبي هريرة ﵁ في كتب السنة لم يأخذها كلها من النبي ﷺ مباشرة، بل أخذ كثيراً منها عن إخوانه السابقين في صحبة النبي ﷺ ؟
ثم كيف لو علم القارئ الكريم أيضاً أن أبا هريرة ﵁ صحب النبي ﷺ أكثر من أربع سنوات، وليس ثلاثة فقط.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في مدة صحبة أبي هريرة ﵁:
" قدم في خيبر سنة سبع، وكانت خيبر في صفر، ومات النبي ﷺ في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، فتكون المدة أربع سنين وزيادة، وبذلك جزم حميد بن عبد الرحمن الحميري" انتهى.
" فتح الباري " (٦/٦٠٨) .
وأما إخبار أبي هريرة ﵁ عن نفسه أنه صحب النبي ﷺ ثلاث سنين، كما وقع في "صحيح البخاري" (حديث رقم/٣٥٩١) أنه قال: (صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ سِنِينَ، لَمْ أَكُنْ فِى سِنِىَّ أَحْرَصَ عَلَى أَنْ أَعِىَ الْحَدِيثَ مِنِّى فِيهِنَّ) .
فهذا محمول على تقديره ﵁ للمدة التي لازم فيها رسول الله ﷺ ملازمة شديدة، واستثنى الأيام التي ابتعد فيها حين ذهب إلى البحرين، أو في بداية إسلامه، أو في أيام الغزوات، حيث قد لا يتيسر له ملازمة النبي ﷺ في يومه وليلته.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
" فكأن أبا هريرة اعتبر المدة التي لازم فيها النبي ﷺ الملازمة الشديدة، وذلك بعد قدومهم من خيبر، أو لم يعتبر الأوقات التي وقع فيها سفر النبي ﷺ من غزوه وحجه وعُمَرِه؛ لأن ملازمته له فيها لم تكن كملازمته له في المدينة، أو المدة المذكورة بقيد الصفة التي ذكرها من الحرص، وما عداها لم يكن وقع له فيها الحرص المذكور، أو وقع له لكن كان حرصه فيها أقوى، والله أعلم " انتهى.
" فتح الباري " (٦/٦٠٨) .
فإذا تبين أن صحبة أبي هريرة للنبي ﷺ أكثر من أربع سنين، وأسقطنا من عدد الأحاديث المروية عن أبي هريرة الأحاديث المكررة والضعيفة، فأي محل يبقى لدعوى مبالغة أبي هريرة ﵁ في الرواية عن النبي ﷺ ؟
ثانياً:
ثم ننقل هنا بعض ما كتبه علماؤنا ﵏ في توضيح أسباب كثرة روايات أبي هريرة ﵁ في كتب السنة عن غيره من الصحابة رض الله عنهم.
قال العلامة محمد رشيد رضا ﵀:
"لكثرة حديث أبي هريرة ﵁ أسباب، استخرجناها من عدة روايات:
أحدها: أنه قصد حفظ أقوال الرسول ﷺ ، وضبط أحواله؛ لأجل أن يستفيد منها، ويفيد الناس، ولأجل هذا كان يلازمه ويسأله، وكان أكثر الصحابة لا يجترئون على سؤاله إلا عند الضرورة، وقد ثبت أنهم كانوا يُسَرُّون إذا جاء بعض الأعراب من البدو وأسلموا؛ لأنهم كانوا يسألون النبي ﷺ .
ومن الدلائل على هذا السبب ما رواه عنه البخاري قال: قلت: يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: (لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث) .
وما رواه أحمد عن أُبيّ بن كعب: أن أبا هريرة كان جريئًا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره.
ثانيها: أنه كان يلازم النبي ﷺ ، ويتبعه حتى في زيارته لنسائه وأصحابه ليستفيد منه، ولو في أثناء الطريق، فكانت السنين القليلة من صحبته له كالسنين الكثيرة من صحبة كثير من الصحابة الذين لم يكونوا يَرَوْنه ﷺ إلا في وقت الصلاة، أو الاجتماع لمصلحة يدعوهم إليها، أو حاجة يفزعون إليه فيها، وقد صرح بذلك لمروان.
وأخرج البغويّ بسند جيد - كما قال الحافظ ابن حجر - عن ابن عمر أنه قال لأبي هريرة:
أنت كنت أَلَزَمَنا لرسول الله ﷺ وأعلمَنا بحديثه.
وفي " الإصابة " عنه أنه قال: أبو هريرة خير مني وأعلم بما يحدث.
وعن طلحة بن عُبيد الله: لا أشك أن أبا هريرة سمع من رسول الله ﷺ
ما لم نسمع.
ثالثها: أنه كان جيد الحفظ قوي الذاكرة، وهذه مزية امتاز بها أفراد من الناس كانوا كثيرين في زمن البداوة، وما يقرب منه؛ إذ كانوا يعتمدون على حفظهم، ومما نقله التاريخ لنا عن اليونان أن كثيرين منهم كرهوا بدعة الكتابة عندما ابتدءوا يأخذونها، وقالوا: إن الإنسان يتكل على ما كتب فيضعف حفظه، وإننا نفاخر بحفاظ أمتنا جميع الأمم، وتاريخهم ثابت محفوظ، قال الإمام الشافعيّ: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، وقال البخاري مثل ذلك، إلا أنه قال: عصره. بدل دهره.
وأعظم من ذلك ما رواه الترمذي عن عمر ﵁ أنه قال لأبي هريرة: أنت كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأحفظنا لحديثه.
رابعها: بشارة النبي ﷺ له بعدم النسيان، كما ثبت في حديث بسط الرداء المتقدم – وفيه أن النبي ﷺ قال لأبي هريرة: (ابْسُطْ رِدَاءَكَ. فَبَسَطْهُ. فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ضُمّهُ. قال أبو هريرة: فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ) رواه البخاري (١١٩) - وهو مروي من طرق متعددة في الصحاح والسنن.
خامسها: دعاؤه له بذلك كما ثبت في حديث زيد بن ثابت عالم الصحابة الكبير ﵁ عند النسائي، وهو: (أن رجلاً جاء إلى زيد بن ثابت فسأله، فقال له زيد: عليك بأبي هريرة، فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد، ندعو الله ونذكره، إذ خرج علينا رسول الله ﷺ حتى جلس إلينا فقال: عودوا للذي كنتم فيه. قال زيد فدعوت أنا وصاحبي، فجعل رسول الله ﷺ يؤمّن على دعائنا، ودعا أبو هريرة فقال: إني أسألك
مثل ما سأل صاحباي، وأسألك علمًا لا يُنسى , فقال: سبقكم بها الغلام الدوسي) – قال الحافظ ابن حجر في " الإصابة " (٤/٢٠٨) : إسناده جيد -.
سادسها: أنه تصدى للتحديث عن قصد؛ لأنه كان يحفظ الحديث لأجل أن ينشره، وأكثر الصحابة كانوا ينشرون الحديث عند الحاجة إلى ذكره في حكم أو فتوى أو استدلال، والمتصدي للشيء يكون أشد تذكرًا له، ويذكره بمناسبة وبغير مناسبة؛ لأنه يقصد التعليم لذاته، وهذا السبب لازم للسبب الأول من أسباب كثرة حديثه.
سابعها: أنه كان يحدث بما سمعه وبما رواه عن غيره من الصحابة كما تقدم، فقد ثبت عنه أنه كان يتحرى رواية الحديث عن قدماء الصحابة، فروى عن أبي بكر وعمر، والفضل بن العباس وأُبيّ بن كعب، وأسامة بن زيد وعائشة، وأبي بصرة الغفاري، أي: أنه صرح بالرواية عن هؤلاء، ومن المقطوع به أن بعض أحاديثه التي لم يصرح فيها باسم صحابي كانت مراسيل؛ لأنها في وقائع كانت قبل إسلامه، ومراسيل الصحابة حجة عند الجمهور.
فمن تدبر هذه الأسباب لم يستغرب كثرة رواية أبي هريرة، ولم ير استنكار أفراد من أهل عصره لها موجبًا للارتياب في عدالته وصدقه؛ إذ علم أن سبب ذلك الاستنكار عدم الوقوف على هذه الأسباب.
على أن جميع ما أخرجه البخاري في صحيحه له (٤٤٦) حديثًا، بعضها من سماعه، وبعضها من روايته عن بعض الصحابة، وهي لو جمعت لأمكن قراءتها في مجلس واحد؛ لأن أكثر الأحاديث النبوية جمل مختصرة.
فهل يستكثر عاقل هذا المقدار على مثل أبي هريرة أو من هو دونه حفظًا، وحرصًا على تحمل الرواية وأدائها؟! " انتهى باختصار.
"مجلة المنار" (١٩/٢٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15036
وقفات مهمة مع حديث الحوض، وبيان الطوائف التي تردهم الملائكة عنده
[السُّؤَالُ]
ـ[ما تفسير الحديث القدسي في ما معناه - أن الرسول ﷺ عندما يرِد المسلمون إلى حوضه، يُرجع الله طائفة من الناس فيقول الرسول ﷺ : (يا رب، أمتي، أمتي) فيقول : إنك لا تدري ما فعلوا بعدك؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اصطلح المحدثون على تسمية الحديث الوارد هنا: " حديث الحوض "، وللحديث ألفاظ وروايات متعددة، ليس بينها – بفضل الله – اختلاف.
وهذه بعض الروايات بألفاظها المختلفة:
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا، سُحْقًا، لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي) .
رواه البخاري (٦٢١٢) ومسلم (٢٢٩٠) .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا) قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ) فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: (أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ؛ أُنَادِيهِمْ: أَلَا هَلُمَّ. فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا) .
رواه مسلم (٢٤٩) .
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُهُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، فَلَيُقَطَّعَنَّ رِجَالٌ دُونِي، فَلَأَقُولَنَّ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَلَيُقَالَنَّ لِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) .
رواه أحمد (٤١ / ٣٨٨) وصححه المحققون.
عن أَنَس بْن مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ رِجَالٌ مِمَّنْ صَاحَبَنِي، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُهُمْ وَرُفِعُوا إِلَيَّ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَلَأَقُولَنَّ: أَيْ رَبِّ أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي، فَلَيُقَالَنَّ لِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ) .
رواه البخاري (٦٢١١) ومسلم (٢٣٠٤) .
عن عَبْد اللَّهِ بنِ مسعود قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ لَيُرْفَعَنَّ إِلَيَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ حَتَّى إِذَا أَهْوَيْتُ لِأُنَاوِلَهُمْ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَصْحَابِي يَقُولُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ) .
رواه البخاري (٦٦٤٢) ومسلم (٢٢٩٧) .
ثانياً:
عند التأمل في الأحاديث السابقة نجد أن الكلام قد انحصر في مجموعات ترِد حوض النبي ﷺ لتشرب منه، فتردهم الملائكة، ويناديهم النبي ﷺ بألفاظ هي " أمتي "، " أصحابي "، " أصيحابي "، وليس بينها اختلاف تضاد، بل هي محمولة على أناس تشملهم معاني تلك الكلمات، ويمكننا أن نجملهم بهذه الطوائف:
١. مرتدون عن الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ ، وكانوا أسلموا في حياته ورأوه وهم على الإسلام.
٢. مرتدون عن الإسلام في أواخر حياته ﷺ ، ولم يكن يعلم بكفرهم.
٣. أهل النفاق ممن أظهر الإسلام، وأبطن الكفر.
٤. أهل الأهواء الذين غيَّروا سنَّة النبي صلى الله وسلم وهديه، كالروافض، والخوارج.
٥. وبعض العلماء يُدخل فيهم: أهل الكبائر، وله ما يؤيد من السنَّة، فقد روى الإمام أحمد في مسنده (٩ / ٥١٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَأْمُرُونَكُمْ بِمَا لَا يَفْعَلُونَ فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكِذْبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ وَلَنْ يَرِدَ عَلَيَّ الْحَوْضَ) وصححه المحققون.
ولفظ " أمتي " في الأحاديث يصدق على أهل القول الرابع، والخامس، ولفظ " أصحابي " و " أصيحابي " على الأقوال الثلاثة الأوَل.
ومما يدل على أنهم من أمته ﷺ : أنه عرفهم بالغرة والتحجيل، وهي سيما خاصة بهذه الأمة، ويكون تعرف النبي صلى الله عليهم وسلم هناك بصفاتهم، لا بأعيانهم؛ لأنهم جاءوا بعده.
ومما يدل على دخول المنافقين في اسم " أصحابي ": قوله ﷺ (لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) رواه البخاري (٣٥١٨) ، وهذا معنى لغوي بحت للصحبة، ليس أنهم استحقوا شرفها؛ لأن تعريف الصحابي الاصطلاحي لا يصدق على هؤلاء.
وهذه طائفة من أقوال أهل العلم في تلك الأحاديث:
١. قال النووي ﵀ – في شرح الحديث -:
هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال:
أحدها: أن المراد به المنافقون، والمرتدون، فيجوز أن يُحشروا بالغرة والتحجيل، فيناديهم النبي ﷺ للسيما التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء مما وُعدتَ بهم، إن هؤلاء بدَّلوا بعدك، أي: لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.
والثاني: أن المراد من كان في زمن النبي ﷺ ، ثم ارتد بعده، فيناديهم النبي ﷺ ، وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان يعرفه ﷺ في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك.
والثالث: أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام.
" شرح مسلم " (٣ / ١٣٦، ١٣٧) .
٢. وقال الحافظ ابن حجر – ﵀:
وقال الخطابي: لم يرتد من الصحابة أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة العرب، ممن لا نصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحاً في الصحابة المشهورين، ويدل قوله: (أصيحابي) بالتصغير على قلة عددهم.
" فتح الباري " (١١ / ٣٨٥) .
٣. وقال الشيخ عبد القاهر البغدادي – ﵀:
أجمع أهل السنَّة على أن الذين ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ من كِندة، وحنيفة، وفزارة، وبني أسد، وبني بكر بن وائل، لم يكونوا من الأنصار، ولا من المهاجرين قبل فتح مكة، وإنما أطلق الشرع اسم المهاجرين على من هاجر إلى النبي ﷺ قبل فتح مكة، وأولئك بحمد الله ومنِّه درجوا على الدين القويم، والصراط المستقيم.
وأجمع أهل السنة على أن من شهد مع رسول الله بدراً: من أهل الجنة، وكذلك كل مَن شهد معه بيعة الرضوان بالحديبية.
" الفَرْق بين الفِرق " (ص ٣٥٣) .
٤. وقال الشاطبي – ﵀:
والأظهر: أنهم من الداخلين في غمار هذه الأمة؛ لأجل ما دل على ذلك فيهم، وهو الغرة والتحجيل؛ لأن ذلك لا يكون لأهل الكفر المحض، كان كفرهم أصلاً، أو ارتداداً.
ولقوله: (قد بدلوا بعدك) ، ولو كان الكفر: لقال: " قد كفروا بعدك "، وأقرب ما يحمل عليه: تبديل السنة، وهو واقع على أهل البدع، ومن قال: إنه النفاق: فذلك غير خارج عن مقصودنا؛ لأن أهل النفاق إنما أخذوا الشريعة تقيةً، لا تعبداً، فوضعوها غير مواضعها، وهو عين الابتداع.
ويجري هذا المجرى كل من اتخذ السنَّة والعمل بها حيلةً وذريعةً إلى نيل حطام الدنيا، لا على التعبد بها لله تعالى؛ لأنه تبديل لها، وإخراج لها عن وضعها الشرعي.
" الاعتصام " (١ / ٩٦) .
٥. قال القرطبي – ﵀:
قال علماؤنا رحمة الله عليهم أجمعين: فكلُّ مَن ارتد عن دين الله، أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله: فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه، وأشدهم طرداً: مَن خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدِّلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور، والظلم، وتطميس الحق، وقتل أهله، وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر، المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ، والأهواء، والبدع.
ثم البعد قد يكون في حال، ويقربون بعد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال، ولم يكن في العقائد، وعلى هذا التقدير يكون نور الوضوء، يُعرفون به، ثم يقال لهم (سحقاً) ، وإن كانوا من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ يُظهرون الإيمان، ويُسرون الكفر: فيأخذهم بالظاهر، ثم يكشف له الغطاء فيقول لهم: (سحقاً سحقاً) ، ولا يخلد في النار إلا كافر، جاحد، مبطل، ليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.
" التذكرة في أحوال الموتى والدار الآخرة " (ص ٣٥٢) .
ثالثاً:
مما يبين كذب الروافض في زعمهم أن الصحابة الأجلاء أبا بكر وعمر وعثمان من أولئك المرتدين: أنه قد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه قد حصلت ردة، وقتال للمرتدين، فمَن قاتل مَن؟ إن الذي ارتد هم الذين ذكرنا وصفهم، من بعض قبائل العرب، وإن الذي قاتلهم هو أبو بكر الصدِّيق ﵁، وإخوانه من المهاجرين والأنصار - وقد شاركهم في قتالهم: علي بن أبي طالب ﵁، وسبى من بني حنيفة امرأة، أنجبت له فيما بعد الإمام العلَم " محمد بن الحنفية " -؛ فإذا كان الصحابة الكرام: أبو بكر وعمر، ومن معهما من المهاجرين والأنصار: مرتدين؛ فماذا يكون حال مسليمة وأتباعه، والعنسي وأتباعه؟! إلا إن هذا هو عين النفاق والشقاق، وقول الباطل وشهادة الزور.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
الله أكبر على هؤلاء المرتدين المفترين، أتباع المرتدين، الذين برزوا بمعاداة الله ورسوله وكتابه، ودينه، ومرقوا من الإسلام، ونبذوه وراء ظهورهم، وشاقوا الله ورسوله وعباده المؤمنين، وتولوا أهل الردة والشقاق؛ فإن هذا الفصل وأمثاله من كلامهم: يحقق أن هؤلاء القوم المتعصبين على الصدِّيق ﵁ وحزبه ـ من أصولهم ـ من جنس المرتدين الكفار، كالمرتدين الذين قاتلهم الصدِّيق ﵁.
" منهاج السنة النبوية " (٤ / ٤٩٠) .
وقال – ﵀:
وفي الجملة: فأمر مسيلمة الكذاب، وادعاؤه النبوة، واتباع بني حنيفة له باليمامة، وقتال الصدِّيق لهم على ذلك: أمر متواتر، مشهور، قد علمه الخاص، والعام، كتواتر أمثاله، وليس هذا من العلم الذي تفرد به الخاصة، بل عِلْم الناس بذلك أظهر من علمهم بقتال " الجمَل " و " صفِّين "، فقد ذُكر عن بعض أهل الكلام أنه أنكر " الجمل "، و " صفين "، وهذا الإنكار وإن كان باطلا: فلم نعلم أحداً أنكر قتال أهل " اليمامة "، وأن مسيلمة الكذاب ادعى النبوة، وأنهم قاتلوه على ذلك.
لكن هؤلاء الرافضة مِن جحدهم لهذا، وجهلهم به: بمنزلة إنكارهم لكون أبي بكر وعمر دُفِنَا عند النبي ﷺ ، وإنكارهم لموالاة أبي بكر، وعمر للنبي ﷺ ، ودعواهم أنه نص على " علي " بالخلافة، بل منهم من ينكر أن تكون زينب، ورقية، وأم كلثوم من بنات النبي ﷺ ! ويقولون: إنهن لخديجة من زوجها الذي كان كافراً قبل النبي ﷺ .
" منهاج السنة النبوية " (٤ / ٤٩٢، ٤٩٣) .
وقال – أيضاً -:
وهم – أي: الرافضة - يدَّعون أن أبا بكر وعمر، ومن اتبعهما ارتدوا عن الإسلام! وقد علم الخاص والعام: أن أبا بكر هو الذي قاتل المرتدين، فإذا كانوا يدَّعون أن أهل اليمامة مظلومون، قتلوا بغير حق، وكانوا منكرين لقتال أولئك، متأولين لهم: كان هذا مما يحقق أن هؤلاء الخلف تبع لأولئك السلف، وأن الصدِّيق وأتباعه يقاتلون المرتدين في كل زمان.
وقوله – أي: ابن المطهر الحلي الرافضي – " إنهم سمُّوا بني حنيفة مرتدين لأنهم لم يحملوا الزكاة إلى أبي بكر ": فهذا مِن أظهر الكذب، وأبينِه؛ فإنه إنما قاتل بني حنيفة لكونهم آمنوا بمسيلمة الكذاب، واعتقدوا نبوته، وأما مانعو الزكاة: فكانوا قوماً آخرين، غير بني حنيفة، وهؤلاء كان قد وقع لبعض الصحابة شبهة في جواز قتالهم، وأما بنو حنيفة فلم يتوقف أحد في وجوب قتالهم ... .
" منهاج السنة النبوية " (٤ / ٤٩٣، ٤٩٤) .
رابعاً:
يقال لهؤلاء الروافض: لماذا ارتد الخلفاء الثلاثة دون علي؟! وما الذي استثنى مثل " عمار بن ياسر " و " المقداد بن الأسود " و " أبا ذر " و " سلمان الفارسي " من الردة؟! أم هو التحكم والهوى؟! .
ونحن نعتقد أن المهاجرين والأنصار في الجنة خالدين فيها أبداً، قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة/ ١٠٠.
ونعتقد أن أبا بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وهكذا كل من سماهم النبي ﷺ ، وأن هؤلاء جميعاً سيشربون من حوض النبي ﷺ شراباً هنيئاً، والويل والثبور لمن لعنهم، وكفرهم، فهو أولى أن يكون يوم القيامة في صف المرتدين الذين حاربهم أولئك الأطهار.
خامساً:
هذه الأحاديث حجة على الروافض؛ حيث يثبتون فيها ردة الصحابة ﵃ إلا نفراً قليلاً، ويزعمون أنهم " أحدثوا " بعد وفاة النبي ﷺ ، ومعنى هذا أنهم كانوا على الإيمان قبل ذلك! فأي دين اعتقدوه بعد ذلك؟ وماذا فعلوا ما استحقوا به التكفير؟! فإن قالوا: سلب الخلافة من علي ﵁: فيقال لهم هذه معصية! تكفرها الحسنات، ويكفي الصحابة سبكم ولعنكم لهم حتى توضع أوزارهم عليكم إن شاء الله.
وإن قالوا: قتل جنين فاطمة! : قلنا قد قُتل في زمن علي ﵁ الآلاف! فهل تطبقون عليه القاعدة نفسها في التكفير؟! .
فتبين مما سبق: أن الصحابة الأجلاء هم الذين دافعوا عن دين الله، وهم الذين أوقفوا مدَّ الردة، والتي قام على إذكائها ونشرها سلف أولئك الروافض، من أمثال مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وأن الله تعالى قد أثنى في كتابه الكريم على المهاجرين والأنصار في قرآن يُتلى إلى قيام الساعة، وقد نزههم ربهم عن الوقوع في البدعة، فكيف يقعون في الردة، وهم الذين نشروا الإسلام في الآفاق؟! .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15037
معنى قوله تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ... ) والرد على الرافضة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى تفسير قوله تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) ، قرأت تفسير الشيعة لهذه الآية، وهم يرمون بها الصحابة رضوان الله عليهم، فاحترت لعدم علمي بالتفسير الصحيح، فما تفسير هذه الآية لدينا؟ وهل كان أحد ارتد بعد وفاة الرسول؟ ومن هم؟ وهل ذكر الحديث بقوله " ما تدري ماذا فعلوا من بعدك " يصلح تطبيقه على من ولدوا بعد عهد الرسول، أي: الرسول لم يشهد صلاحهم، فكيف يقال " بعدُ "؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أما قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) آل عمران/ ١٤٤: فإنها آية محكمة، وللوقوف على معناها بتفصيل: نذكر الآتي:
١. أن هذه الآيات أنزلها الله تعالى بعد غزوة " أُحد "، وهي مقدمة، وتهيئة لموت النبي ﷺ ، ففيها التذكير بأن الإسلام لا ينقطع بموت أو قتل نبيكم، كما فيها بيان ما حصل مع أنبياء سابقين حيث لم يؤثر قتلهم على أتباعهم، ولم يستفد من هذا التنبيه والتذكير من ارتدَّ على عقبه من القبائل، فخسروا الدنيا والآخرة.
قال ابن القيم – ﵀:
وقعةَ " أُحُدٍ " كانت مُقَدِّمَةً، وإرهاصاً، بين يدي موتِ رسول الله ﷺ ، فثبَّتهم، ووبَّخهم على انقلابهم على أعقابهم إنْ ماتَ رسولُ الله ﷺ ، أو قُتِلَ، بل الواجبُ له عليهم أن يثبتُوا على دِينه، وتوحِيدهِ، ويموتوا عليه، أو يُقتلُوا، فإنهم إنما يعبدُون ربَّ محمد، وهو حيٌّ لا يموت، فلو ماتَ محمد أو قُتِلَ: لا ينبغي لهم أن يَصْرِفَهم ذلِكَ عن دينه، وما جاء به، فكلُّ نفسٍ ذائِقةُ الموت، وما بُعِثَ محمد ﷺ لِيخلَّد، لا هُوَ، ولا هُم، بل لِيمُوتُوا على الإسلامِ، والتَّوحيدِ، فإن الموت لا بُدَّ منه، سواء ماتَ رسول الله ﷺ ، أو بَقِيَ، ولهذا وبَّخَهُم على رجوع مَن رجع منهم عن دينه لما صرخ الشَّيْطَانُ: إنَّ محمَّداً قد قُتِلَ، فقال: (وَمَا مُحَمَّدٌ إلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَّاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اللهُ الشَّاكِرِينَ) آل عمران/ ١٤٤، والشاكرون: هم الذين عرفوا قدر النعمة، فثبتوا عليها، حتى ماتوا، أو قُتِلُوا، فظهر أثرُ هذا العِتَابِ، وحكمُ هذا الخطاب يومَ مات رسولُ الله ﷺ ، وارتدَّ مَن ارتدَّ على عقبيه، وثبت الشاكِرُون على دينهم، فنصرهم الله، وأعزَّهم، وظفَّرهم بأعدائهم، وجعل العاقبة لهم.
ثم أخبر سبحانه أنه جعل لكل نفسٍ أجلاً لا بُدَّ أن تستوفيه، ثم تلحَقَ به، فيَرِدُ الناسُ كُلُّهم حوضَ المنايا مَوْرِداً واحِداً، وإن تنوَّعت أسبابه، ويصدُرونَ عن موقف القِيامة مصادِرَ شتَّى، فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير.
ثم أخبر سبحانه أن جماعةً كثيرةً من أنبيائه قُتِلُوا، وقُتِلَ معهم أتباعٌ لهم كثيرون، فما وَهَنَ مَنْ بقيَ منهم لِما أصابهم في سبيله، وما ضَعُفُوا، وما استكانُوا، وما وَهَنُوا عندَ القتل، ولا ضعفُوا، ولا استكانوا، بل تَلَقَّوا الشهادةَ بالقُوَّةِ، والعزِيمةِ، والإقْدَامِ، فلم يُسْتَشْهَدُوا مُدَبِرِينَ، مستكينين، أذلةً، بل استُشْهِدُوا أعزَّةً، كِراماً، مقبلينَ، غير مدبرين، والصحيح: أن الآية تتناول الفريقين كليهما.
" زاد المعاد في هدي خير العباد " (٣ / ٢٢٤، ٢٢٥) .
٢. هذه الآية تدل على تزكية أبي بكر الصدِّيق خاصة، والصحابة الأجلاء عامة؛ حيث وصف الله تعالى من يثبت في مثل هذه المصيبة، ويعلم أن نبيه ما هو إلا بشر يبلغ ما أرسله الله تعالى به، ثم يغادر هذه الدنيا، وصفهم الله تعالى بـ " الشاكرين "، وأما ما في الآية من تزكية الصدِّيق: فمن جهتين:
الأولى: استدلاله بها – مع قوله تعالى (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) - عند موت النبي ﷺ .
والثانية: أنه قاتل من ارتد على عقبه.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
وفي هذه الآية الكريمة إرشاد من الله تعالى لعباده أن يكونوا بحالة لا يزعزعهم عن إيمانهم، أو عن بعض لوازمه فقدُ رئيسٍ، ولو عظم؛ وما ذاك إلا بالاستعداد في كل أمر من أمور الدِّين بعدة أناس من أهل الكفاءة فيه، إذا فقد أحدهم قام به غيره، وأن يكون عموم المؤمنين قصدهم إقامة دين الله، والجهاد عنه، بحسب الإمكان، لا يكون لهم قصد في رئيس دون رئيس، فبهذه الحال يستتب لهم أمرهم، وتستقيم أمورهم.
وفي هذه الآية أيضاً أعظم دليل على فضيلة الصدِّيق الأكبر أبي بكر، وأصحابه الذين قاتلوا المرتدين بعد رسول الله ﷺ لأنهم هم سادات الشاكرين.
" تفسير السعدي " (ص ١٥٠) .
وبمعرفة ما مضى يتبين أن الصحابة الأجلاء قد استفادوا من درس " أحد "، وأن ما أصاب بعضهم من صدمة عند موت النبي ﷺ ليست صدمة أعقبتها ردَّة، بل لعدم تحملهم عظَم الخبر، حتى ثبتهم الله تعالى بما تلاه على مسامعهم أبو بكر الصدِّيق من الآيات البينات، وأخبرهم بثبات المؤمن:
( ... فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ وَقَالَ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وَقَالَ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ قَالَ فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ ... )
رواه البخاري (٣٦٧٠) .
فرجعوا إلى صوابهم، وكأنهم لأول مرة تطرق هذه الآية مسامعهم، وقد عصم الله تعالى المهاجرين والأنصار من الردة، وسقط فيها طوائف من العرب تصدَّى لهم الصدِّيق وأصحابه، فعاد من عاد، وبقي منهم على الكفر جماعات.
وانظر جواب السؤال رقم (١٢٥٩١٩) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15038
تقصير المناهج الدراسية في بيان محبة ومنزلة آل البيت
[السُّؤَالُ]
ـ[آل بيت رسول الله ﷺ ، لماذا يقل ذِكرُ فضائلِهم لدينا، حتى إني لم أعرف عن اختصاصهم بالمحبة إلا من خلال تصفحي للإنترنت؟ وأنا فتاة أعيش في بلد مسلم سنِّي يدرس علوم الدين، وبكثافة، لم نفرغ لتعليم حبهم إلا درساً واحداً فقط في الثانوية، فهل هذا يكفي؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
هذا من تقصير القائمين على المناهج الدراسية في العالَم العربي والإسلامي، ومحبة آل بيت النبي ﷺ دِين يُدان الله به، وينبغي الإكثار من بيان ذلك في شرعنا حتى لا يُفتح الباب للرافضة للتلاعب والافتراء، كما هو دأبهم في تلقيب أهل السنَّة، واتهامهم بأنهم " نواصب " – أي: نصبوا العداء لآل بيت النبي ﷺ ، مع أن أهل السنة يرون أن النواصب الذين يبغضون أهل البيت من فرق الزيغ والضلال، كما أن الرافضة الذين يكذبون على أهل البيت ويغلون في شأنهم: هم أشد زيغا وضلالا، وأعظم كذبا.
عن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ) فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: (وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) .
رواه مسلم (٢٤٠٨) .
وإنما عظمُ حق أهل بيته لعظم حقه ﷺ علينا، كما أنه ليس المراد به من أولئك إلا من عُرف بالاستقامة والدِّين، وأما من كان ضالاًّ أو مخرِّفاً: فليس له حق علينا؛ لأنه ليس من آل بيت النبي ﷺ ، قال تعالى لنوح عن ابنه الكافر: (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) هود/ من الآية ٤٦.
وعَن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ يَقُولُ: (إِنَّ آلَ أَبِي فُلَانٍ لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) .
رواه أحمد (٢٩ / ٣٤٠) وصححه المحققون.
وقد نصَّ العلماء على هذه المحبة في كتب العقائد، ومن ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
ويحبُّون أهل بيت رسول الله ﷺ ، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير " خُم " - مكان فيه ماء بين مكة والمدينة -: (أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي) ، وقال أيضا للعباس عمِّه - وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم - فقال: (والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي) ، وقال: (إن الله اصطفى بني إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل كنانة واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم) .
" مجموع الفتاوى " (٣ / ١٥٤) .
غير أننا ننبه هنا إلى أن أهل البيت يدخل فيهم أزواج رسول الله ﷺ جميعا، وأولهن: عائشة أم المؤمنين ﵂، وقد صرح القرآن الكريم بذلك. قال الله : (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) . سورة الأحزاب /٣٢-٣٣، والخطاب هنا موجه لأزواج النبي ﷺ ، ويصفهن بأنهن (أهل البيت) .
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
" وهذا نص في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت هاهنا؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولا واحدا، إما وحده على قول أو مع غيره على الصحيح ". انتهى. تفسير ابن كثير (٦/٤١٠) .
فأين هذا من قول الرافضة في أمهات المؤمنين، وبالأخص: عائشة، الصديقة بنت الصديق؟!
ثانياً:
تتجلى محبة آل بيت النبي ﷺ عند أهل السنَّة في صور، منها:
١. اعتقاد أنهم أشرف النَّاس نسباً.
وأين هذا في دين الرافضة: حيث أنكروا نسب رقية وأم كلثوم ابنتي رسول الله ﷺ ! ، وزعموا أنهما ابنتاه بالتبني! ، وأخرجوا العباس عم رسول الله ﷺ وجميع أولاده، والزبير ابن صفية عمة رسول الله ﷺ ، أخرجوهم من آل البيت، ونفوا عنهم النسب الشريف، وهم يبغضون كثيراً من أولاد فاطمة ﵂، كزيد بن علي، وبنه يحيى، وأيضاً يبغضون إبراهيم، وجعفر ابنيْ موسى الكاظم.
٢. أن تُعظم منزلتهم بما يستحقون، وخاصة: إن كانوا من صحابة النبي ﷺ .
وأين هذا من فعل الروافض، حيث صرّحوا بتكفير بعض كبار أهل البيت وعلمائهم من الصحابة! كالعباس عم الرسول ﷺ الذي ادعوا أنه نزل فيه قوله تعالى (وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً) الإسراء/ ٧٢، وكابنه عبد الله بن عباس العالِم الإمام، فقد جاء في " أصول الكافي " (١ / ٢٤٧) من وصفه بأنه " جاهل سخيف العقل! "، وفي كتاب " رجال الكشي " (ص ٥٣) قوله: " اللهم العن ابني فلان وأعمِ أبصارهما، كما عميت قلوبهما! ، وقد فسَّر ذلك شيخهم حسن المصطفوي فقال: " هما عبد الله بن عباس، وعبيد الله بن عباس ".
٣. أن يقدَّموا في المجالس، ويُكرموا.
٤. أن ينصروا فيما عندهم من حق، وأن تُحفظ لهم كرامتهم، وذلك بكفايتهم من أموال الفيء والغنائم، وإن لم يوجد من هذه المصادر شيء: فيُدفع لهم من الزكاة.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
لو فرض أنه لا يوجد لإنقاذ حياة هؤلاء من الجوع إلا زكاة الهاشميين، فزكاة الهاشميين أولى من زكاة غير الهاشميين.
وقال بعض أهل العلم: يجوز أن يعطوا من الزكاة إذا لم يكن خمس، أو وجد ومنعوا منه.
والخُمس: هو أن الغنائم تقسم خمسة أسهم، أربعة أسهم للغانمين، وسهم واحد يقسم خمسة أسهم أيضاً:
الأول: لله ورسوله ﷺ ، يكون في مصالح المسلمين، وهو ما يعرف بالفيء، أو بيت المال.
الثاني: لذي القربى، هم قرابة الرسول ﵊، وهم بنو هاشم، وبنو عبد المطلب؛ لأن بني عبد المطلب يشاركون بني هاشم في الخمس.
الثالث: لليتامى.
الرابع: للمساكين.
الخامس: لابن السبيل.
فإذا مُنعوا، أو لم يوجد خمس - كما هو الشأن في وقتنا هذا -: فإنهم يعطون من الزكاة دفعاً لضرورتهم إذا كانوا فقراء، وليس عندهم عمل، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح.
وأما صدقة التطوع: فتدفع لبني هاشم، وهو قول جمهور أهل العلم، وهو الراجح؛ لأن صدقة التطوع كمال، وليست أوساخ الناس، فيعطون من صدقة التطوع.
" الشرح الممتع " (٦ / ٢٥٣، ٢٥٤) .
٥. حمايتهم، وصون أعراضهم، عن كل ما يسيء إليهم.
وأين هذا من الطعن في عرض عائشة، واتهامها بالفاحشة، وهي زوجة صاحب البيت، وإمام أهله وغيرهم: محمد ﷺ ، وهي المبرأة من الله في قرآن يتلونه، رغم أنوفهم؟! .
وأين هذا مما فعله الرافضي ابن العلقمي، والطوسي، من جلب التتار إلى بغداد، وقتل الخليفة العباسي، وهو من آل بيت النبي ﷺ ، وسبي النساء الهاشميات، والاعتداء عليهن، من قبَل جنود هولاكو، فهؤلاء الذين يزعمون محبة آل البيت تسببوا في هذا، وفي غيره مما يُبكي العيون دماً، لا دمعاً.
وينظر في تحديد من هم آل البيت: جواب السؤال رقم: (١٠٠٥٥) .
وينظر في بيان فضائلهم: جواب السؤال رقم: (١٢١٩٤٨) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15039
ترجمة أويس القرني ﵀
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت الكثير، ووردتني الكثير من الإيميلات عن تابعي (أحيانا يذكر أنه صحابي) يسمى أويس القرني، وعن بره بوالدته. هل من الممكن أن تتكرموا علينا بذكر قصته وسيرته؟ هل فعلا ذكره رسول الله ﷺ على أنه له مكانة خاصة؟ كيف كان بره بأمه - إن صح - أنه فضل لبره بأمه؟ جزاكم الله كل خير وقرب منه.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
أويس القرني: أبو عمرو: أويس، بن عامر، بن جزء، بن مالك، القرني، المرادي اليماني، من سادات التابعين، والأولياء الصالحين، أدرك زمن النبي ﷺ وأسلم ولكنه لم يلقه، منعه من السفر إليه بره بأمه كما حكى ذلك الحافظ أبو نعيم في " حلية الأولياء " (٢/٨٧) عن أصبغ بن زيد، فليس هو من الصحابة، وإنما هو من التابعين.
ولد ونشأ في اليمن.
قال عنه الإمام الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (٤/١٩) :
" القدوة الزاهد، سيد التابعين في زمانه، كان من أولياء الله المتقين، ومن عباده المخلصين".
ثانيا:
عقد الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم بابا في فضائله، وأورد تحته ما أخرجه الإمام مسلم ﵀ من أحاديث في فضله، منها حديث رقم (٢٥٤٢) :
عنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ:
(كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ) فَاسْتَغْفِرْ لِي. فَاسْتَغْفَرَ لَهُ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ. قَالَ: أَلَا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ.
قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَوَافَقَ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ قَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ قَلِيلَ الْمَتَاعِ.
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ)
فَأَتَى أُوَيْسًا فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: لَقِيتَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ.
قَالَ أُسَيْرٌ: وَكَسَوْتُهُ بُرْدَةً، فَكَانَ كُلَّمَا رَآهُ إِنْسَانٌ قَالَ: مِنْ أَيْنَ لِأُوَيْسٍ هَذِهِ الْبُرْدَةُ؟)
كما عقد الإمام الحاكم في " المستدرك " (٣/٤٥٥) بابا في مناقبه، وقال عنه:
" أويس راهب هذه الأمة " انتهى.
ولعل من أعظم ما روي في مناقبه الأحاديث الواردة في شفاعة رجل من أمة محمد ﷺ لأناس كثيرين، وقد جاءت من روايات كثيرة، أصحها حديث عبد الله بن أبي الجدعاء مرفوعا: (ليدخُلَنَّ الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم) رواه الترمذي (رقم/٢٤٣٨) وقال حسن صحيح. وصححه الألباني.
فقد صح عن الحسن البصري أن هذا الشافع هو أويس القرني، وورد ذلك في أحاديث أخرى مرفوعة لكنها ضعيفة.
ورويت في فضله أحاديث أخرى ضعيفة، منها حديث طويل جاء فيه: (ليصلين معكم غدا رجل من أهل الجنة ... ذاك أويس القرني) ... إلى آخر الحديث، وفيه حوار مطول بينه وبين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب.
رواه أبو نعيم في " حلية الأولياء " (٢/٨١) وأشار إلى ضعفه. وقال الشيخ الألباني في " السلسلة الضعيفة " (رقم/٦٢٧٦) : منكر جدا.
يقول ابن الجوزي ﵀ – وقد عقد في كتابه " الموضوعات " بابا في ذكر أويس -:
" وإنما يصح في الحديث عن أويس كلمات يسيرة جرت له مع عمر، وأخبره رسول الله ﷺ فقال: (يأتي عليكم أويس، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل) فأطال القُصَّاص في حديث أويس بما لا فائدة في الإالة بذكره " انتهى باختصار.
" الموضوعات " (٢/٤٤) .
ثالثا:
قد ذكر العلماء في ترجمته بعض القصص التي تدل على صلاحه وزهده ﵀، ومن أشهر مَن روى ذلك الحافظ أبو نعيم في كتابه العظيم " حلية الأولياء "، فكان مما جاء فيه بسنده (٢/٧٩) عن أبي نضرة عن أسير بن جابر قال:
" كان محدث بالكوفة يحدثنا، فاذا فرغ من حديثه يقول: تفرقوا. ويبقى رهط فيهم رجل يتكلم بكلام لا أسمع أحدا يتكلم بكلامه، فأحببته، ففقدته، فقلت لأصحابي: هل تعرفون رجلا كان مجالسنا كذا وكذا؟ فقال: رجل من القوم: نعم أنا أعرفه، ذاك أويس القرني. قلت: أفتعرف منزله؟ قال: نعم. فانطلقت معه حتى جئت حجرته، فخرج إلي فقلت: يا أخي ما حبسك عنا؟ قال: العري. قال: وكان أصحابه يسخرون به ويؤذونه. قال: قلت: خذ هذا البرد فالبسه. قال: لا تفعل، فإنهم إذًا يؤذونني إذا رأوه. قال: فلم أزل به حتى لبسه، فخرج عليهم، فقالوا: مَن ترون خدع عن برده هذا. فجاء فوضعه فقال: أترى!
قال: فأتيت المجلس فقلت: ما تريدون من هذا الرجل! قد آذيتموه، الرجل يعرى مرة ويكتسي مرة. قال: فأخذتهم بلساني أخذا شديدا " انتهى.
رابعا:
قد روي عن أويس كثير من الكلمات النورانية التي تفيض بالحكمة والموعظة:
عن سفيان الثوري قال: كان لأويس القرني رداء إذا جلس مس الأرض وكان يقول:
" اللهم إني أعتذر إليك من كل كبد جائعة، وجسد عار، وليس لي إلا ما على ظهري وفي بطني " انتهى.
رواه الحاكم في " المستدرك " (٣/٤٥٨)
ومن كلامه أيضا ﵀ في الحث على الخوف من الله ودوام مراقبته:
" كن في أمر الله كأنك قتلت الناس كلهم " انتهى.
رواه الحاكم في " المستدرك " (٣/٤٥٨)
وعن أصبغ بن زيد قال:
" كان أويس القرني إذا أمسى يقول: هذه ليلة الركوع، فيركع حتى يصبح، وكان يقول إذا أمسى: هذه ليلة السجود، فيسجد حتى يصبح. وكان إذا أمسى تصدق بما في بيته من الفضل من الطعام والثياب ثم يقول: اللهم من مات جوعا فلا تؤاخذني به، ومن مات عريانا فلا تؤاخذني به " انتهى.
رواه أبو نعيم في " حلية الأولياء " (٢/٨٧) وقوله " فيركع حتى يصبح ... ويسجد حتى يصبح " أي يطيل الركوع في الصلاة حتى يصبح، ثم في ليلة أخرى يطيل السجود في الصلاة حتى يصبح ".
وعن الشعبي قال:
" مر رجل من مراد على أويس القرني فقال: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت أحمد الله. قال: كيف الزمان عليك؟ قال: كيف الزمان على رجل إن أصبح ظن أن لا يمسي، وإن أمسى ظن أن لا يصبح، فمبشر بالجنة أو مبشر بالنار، يا أخا مراد! إن الموت وذكره لم يدع لمؤمن فرحا، وإن علمه بحقوق الله لم يترك له في ماله فضة ولا ذهبا، وإن قيامه بالحق لم يترك له صديقا " انتهى.
" حلية الأولياء " (٢/٨٣) ، ورواه الحاكم في " المستدرك " (٣/٤٥٨)
خامسا:
وأكثر أهل العلم يذهبون إلى أن وفاته كانت يوم صفين سنة (٣٧هـ) ، حيث قاتل مع علي بن أبي طالب ﵁ واستشهد هناك، أسند ذلك الحاكم في " المستدرك " (٣/٤٦٠) إلى شريك بن عبد الله وعبد الرحمن بن أبي ليلى وغيرهما.
وذكر آخرون أنه غزا أذربيجان فاستشهد هناك. انظر: " حلية الأولياء " (٢/٨٣) .
والأول عليه الأكثر.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15040
ما فضل آل البيت؟ وهل يشفعون في الناس يوم القيامة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما فضل آل البيت على غيرهم من الناس؟ وهل يشفعون في الناس يوم القيامة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
قد بينّا في جواب السؤال رقم (١٠٠٥٥) من هم آل بيت النبي ﷺ ، ومما قلناه في آخر الجواب:
فيصبح آل بيت النبي ﷺ هم: أزواجه، وذريته، وبنو هاشم، وبنو عبد المطلب، ومواليهم.
انتهى
ثانياً:
قد جعل الله تعالى لآل بيت النبي ﷺ فضائل متعددة، واتفق أهل السنَّة والجماعة على وجوب محبتهم، ورعاية حقهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
وكذلك " آل بيت رسول الله ﷺ " لهم من الحقوق ما يجب رعايتها؛ فإن الله جعل لهم حقّاً في الخُمس، والفيء، وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله ﷺ ، فقال لنا: (قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) .
" مجموع الفتاوى " (٣ / ٤٠٧) .
وقال – أيضاً -:
وكذلك " أهل بيت رسول الله " تجب محبتهم، وموالاتهم، ورعاية حقهم.
" مجموع الفتاوى " (٢٨ / ٤٩١) .
ثالثاً:
ومن فضائل آل بيت النبي ﷺ :
١. قال تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) الأحزاب/ ٣٢،٣٣. وليس هذا الفضل خاصّاً بنسائه ﵁، بل قد دخل فيه غيرهنَّ بالسنَّة الصحيحة:
عن عائشةَ ﵂ قالت: خرج النَّبِيُّ ﷺ غداةً وعليه مِرْطٌ مُرَحَّل مِن شَعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثمَّ جاء الحُسين فدخل معه، ثمَّ جاءت فاطمةُ فأدخلَها، ثمَّ جاء عليٌّ فأدخله، ثمَّ قال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) .
رواه مسلم (٢٤٢٤) .
٢. وقال تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) الأحزاب/ من الآية٦.
٣. وعن وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) .
رواه مسلم (٢٢٧٦) .
٤. وعن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى " خُمًّا " بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ، وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ) فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: (وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) .
رواه مسلم (٢٤٠٨) .
وقد رعى هذه الوصية أصحاب النبي ﷺ ، وعلى رأسهم: أبو بكر الصدِّيق، وعمر بن الخطاب ﵄:
روى البخاري (٣٥٠٨) ومسلم (١٧٥٩) أنَّ أبا بكر ﵁ قال لعليٍّ ﵁: " والذي نفسي بيدِه لَقرابةُ رسول الله ﷺ أحبُّ إليَّ أنْ أَصِلَ من قرابَتِي ".
وروى البخاريُّ في صحيحه أيضاً (٣٥٠٩) عن أبي بكر ﵁ أيضاً قوله: " ارقُبُوا محمَّداً ﷺ في أهل بيته ".
قال الحافظ ابن حجر – ﵀:
قوله ارقبوا محمدا في أهل بيته يخاطب بذلك الناس ويوصيهم به والمراقبة للشيء المحافظة عليه يقول احفظوه فيهم فلا تؤذوهم ولا تسيئوا إليهم.
" فتح الباري " (٧ / ٧٩) .
وأما تقدير عمر بن الخطاب ﵁ لقرابة النبي ﷺ : فقد بانت في أمور، ومنها تقديمهم في العطاء على نفسه، وعلى الناس غيرهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
وأيضاً فإنَّ عمر بن الخطاب ﵁ لمَّا وضع ديوان العطاء: كتب الناس على قدر أنسابهم، فبدأ بأقربهم نسباً إلى رسول الله ﷺ ، فلمَّا انقضت العرب ذكر العجم هكذا كان الديوان على عهد الخلفاء الراشدين، وسائر الخلفاء من بني أمية، وولد العباس، إلى أن تغير الأمر بعد ذلك.
" اقتضاء الصراط المستقيم " (ص ١٥٩، ١٦٠) .
رابعاً:
ليس ثمة شفاعة خاصة بآل بيت النبي ﷺ ، بل هي عامة لكل من رضي الله تعالى شفاعته من الصالحين، والشهداء، والعلماء، سواء كانوا من آل البيت، أم من غيرهم من عموم الناس.
وفي جواب السؤال رقم (٢١٦٧٢) قلنا:
والشفاعة لأرباب الذنوب والمعاصي ليست خاصة بالنبي، بل يشاركه فيها: الأنبياء، والشهداء، والعلماء، والصلحاء، والملائكة، وقد يشفع للمرء عمله الصالح، لكن للنبي ﷺ من أمر الشفاعة النصيب الأوفر.
انتهى
وبه يُعلم الرد على أهل الغلو من الرافضة الذين زعموا شفاعة خاصة بآل بيت النبي ﷺ ، بل ثبت في كتبهم أن آل البيت هم الذين يُدخلون الناس الجنَّة، والنَّار! في قائمة طويلة من أصناف الغلو فيهم، والذي مصدره جهلهم بدين الله تعالى، والبُعد عن نصوص الوحي من الكتاب والسنَّة.
وننصح بالنظر في رسالة بعنوان " فضلُ أهل البيت وعلوُّ مكانتِهم عند أهل السُّنَّة والجماعة " من تأليف الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر، - وقد استفدنا منها هنا – ففيها مباحث ضافية في الموضوع، وهي على صغر حجمها نافعة جدّاً، وانظرها هنا:
http://www.saaid.net/book/open.php?cat=١&book=١١٣٥
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 15041
فضل العرب
[السُّؤَالُ]
ـ[هل صح شيء في فضل العرب؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من المقرر في قواعد الشريعة المقررة في القرآن الكريم أن ميزان التفاضل والمنافسة بين الناس هو التقوى والعمل الصالح، كما قال : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات/١٣.
ومن المقرر أيضا في السنة النبوية أن العروبة مفضلة على غيرها من الأجناس، فقد اختار الله النبي محمدا ﷺ من العرب، وجعل القرآن – الذي هو الرسالة الخالدة – عربيا، واتفق أهل السنة والجماعة على أفضلية العروبة على غيرها من الأعراق والأنساب.
وليس بين التقريرين السابقين تعارض:
فتفضيل العروبة هو تفضيل جنس وليس تفضيل أفراد، فالعجمي المتقي الصالح خير من العربي المقصر في حق الله تعالى، وتفضيل العروبة إنما هو اختيار من الله تعالى، قد تظهر حكمته جلية، وقد لا تكون ظاهرة لنا، إلا أن في العرب من الصفات والخلال ما يشير إلى وجه هذا التفضيل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" تفضيل الجملة على الجملة لا يستلزم أن يكون كل فرد أفضل من كل فرد، فإن في غير العرب خلقا كثيرا خيرا من أكثر العرب، وفي غير قريش من المهاجرين والأنصار من هو خير من أكثر قريش، وفي غير بني هاشم من قريش وغير قريش من هو خير من أكثر بني هاشم " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (١٩/٢٩-٣٠)
وقد كتب كثير من العلماء كتبا خاصة في هذا الموضوع، كالإمام ابن قتيبة في كتابه " فضل العرب والتنبيه على علومها"، والإمام العراقي في "محجة القرب في فضل العرب"، ونحوه للإمام الهيثمي، ومن المتأخرين العلامة مرعي الكرمي في رسالته: " مسبوك الذهب في فضل العرب وشرف العلم على شرف النسب "، والشيخ بكر أبو زيد في " خصائص جزيرة العرب "، كلها تقرر الحقيقة السابقة.
ولعل أفضل من شرح المسألة وبينها بالبيان الشافي شيخ الإسلام ابن تيمية، فنحن ننقل نص كلامه هنا، مع شيء من الاختصار غير المخل إن شاء الله.
يقول ﵀:
" الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم: عبرانيهم، وسريانيهم، رومهم، وفرسهم، وغيرهم.
وأن قريشا أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش، وأن رسول الله ﷺ أفضل بني هاشم، فهو أفضل الخلق نفسا، وأفضلهم نسبا.
وليس فضل العرب، ثم قريش، ثم بني هاشم، بمجرد كون النبي ﷺ منهم - وإن كان هذا من الفضل - بل هم في أنفسهم أفضل، وبذلك ثبت لرسول الله ﷺ أنه أفضل نفسا ونسبا، وإلا لزم الدور.
ولهذا ذكر أبو محمد حرب بن إسماعيل بن خلف الكرماني، صاحب الإمام أحمد، في وصفه للسنة التي قال فيها: هذا مذهب أئمة العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت مَن أدركت مِن علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم
فكان من قولهم:
أن الإيمان قول وعمل ونية، وساق كلاما طويلا إلى أن قال:
ونعرف للعرب حقها، وفضلها، وسابقتها، ونحبهم لحديث رسول الله ﷺ : (حب العرب إيمان، وبغضهم نفاق) – رواه الحاكم في "المستدرك" (٤/٩٧) وقال الذهبي: الهيثم بن حماد متروك، وانظر "السلسلة الضعيفة" (١١٩٠) - ولا نقول بقول الشعوبية وأراذل الموالي الذين لا يحبون العرب، ولا يقرون بفضلهم، فإن قولهم بدعة وخلاف.
ويروون هذا الكلام عن أحمد نفسه في رسالة أحمد بن سعيد الإصطخري عنه إن صحت، وهو قوله وقول عامة أهل العلم.
وذهبت فرقة من الناس إلى أن لا فضل لجنس العرب على جنس العجم، وهؤلاء يسمون الشعوبية، لانتصارهم للشعوب التي هي مغايرة للقبائل، كما قيل القبائل للعرب، والشعوب للعجم.
ومن الناس من قد يفضل بعض أنواع العجم على العرب.
والغالب أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عن نوع نفاق: إما في الاعتقاد، وإما في العمل المنبعث عن هوى النفس، مع شبهات اقتضت ذلك.
ولهذا جاء في الحديث: (حب العرب إيمان، وبغضهم نفاق) .
مع أن الكلام في هذه المسائل لا يكاد يخلو عن هوى للنفس، ونصيب للشيطان من الطرفين، وهذا محرم في جميع المسائل.
فإن الله قد أمر المؤمنين بالاعتصام بحبل الله جميعا، ونهاهم عن التفرق والاختلاف، وأمر بإصلاح ذات البين، وقال النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) وقال ﷺ : (لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم الله)
وهذان حديثان صحيحان، وفي الباب من نصوص الكتاب والسنة ما لا يحصى.
والدليل على فضل جنس العرب، ثم جنس قريش، ثم جنس بني هاشم:
ما رواه الترمذي من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال:
قلت: يا رسول الله! إن قريشا جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم، فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة من الأرض.
فقال النبي ﷺ : (إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم، ثم خير القبائل فجعلني في خير قبيلة، ثم خير البيوت فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا، وخيرهم بيتا) قال الترمذي: هذا حديث حسن، وعبد الله بن الحارث هو ابن نوفل.
[الحديث رواه الترمذي (٣٦٠٧) وأحمد (١٧٠٦٣) ، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع] .
والمعنى أن النخلة طيبة في نفسها وإن كان أصلها ليس بذاك، فأخبر ﷺ أنه خير الناس نفسا ونسبا.
وروى الترمذي أيضا من حديث الثوري، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله ابن الحارث، عن المطلب بن أبي وداعة قال: جاء العباس إلى رسول الله ﷺ فكأنه سمع شيئا، فقام النبي ﷺ على المنبر فقال:
من أنا؟ فقالوا: أنت رسول الله صلى الله عليك وسلم. قال: أنا محمد، بن عبد الله، بن عبد المطلب، ثم قال: إن الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا، وخيرهم نفسا) قال الترمذي: هذا حديث حسن.
[رواه الترمذي (٣٥٣٢) ، وأحمد بنحوه (١٧٩١) ، وحسنه محققو المسند]
وقوله في الحديث: (خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم خيرهم فجعلهم فرقتين، فجعلني في خير فرقة) يحتمل شيئين:
أحدهما: أن الخلق هم الثقلان، أو هم جميع ما خلق في الأرض، وبنو آدم خيرهم، وإن قيل بعموم الخلق حتى يدخل فيه الملائكة، فكان فيه تفضيل جنس بني آدم على جنس الملائكة وله وجه صحيح.
ثم جعل بني آدم فرقتين، والفرقتان: العرب والعجم. ثم جعل العرب قبائل، فكانت قريش أفضل قبائل العرب، ثم جعل قريشا بيوتا، فكانت بنو هاشم أفضل البيوت.
ويحتمل أنه أراد بالخلق بني آدم، فكان في خيرهم، أي ولد إبراهيم، أو في العرب، ثم جعل بني إبراهيم فرقتين: بني إسماعيل، وبني إسحاق، أو جعل العرب عدنان وقحطان، فجعلني في بني إسماعيل، أو بني عدنان، ثم جعل بني إسماعيل أو بني عدنان قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة وهم قريش.
وعلى كل تقدير فالحديث صريح في تفضيل العرب على غيرهم.
ومثله أيضا في المسألة ما رواه أحمد ومسلم والترمذي من حديث الأوزاعي عن شداد بن عمار عن واثلة بن الأسقع قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) .
وهذا يقتضي أن إسماعيل وذريته صفوة ولد إبراهيم، فيقتضي أنهم أفضل من ولد إسحق، ومعلوم أن ولد إسحق الذين هم بنو إسرائيل أفضل العجم، لما فيهم من النبوة والكتاب، فمتى ثبت الفضل على هؤلاء فعلى غيرهم بطريق الأولى، وهذا جيد ...
واعلم أن الأحاديث في فضل قريش ثم في فضل بني هاشم فيها كثرة، وليس هذا موضعها، وهي تدل أيضا على ذلك، إذ نسبة قريش إلى العرب كنسبة العرب إلى الناس، وهكذا جاءت الشريعة.
فإن الله تعالى خص العرب ولسانهم بأحكام تميزوا بها، ثم خص قريشا على سائر العرب بما جعل فيهم من خلافة النبوة وغير ذلك من الخصائص، ثم خص بني هاشم بتحريم الصدقة واستحقاق قسط من الفيء إلى غير ذلك من الخصائص، فأعطى الله سبحانه كل درجة من الفضل بحسبها، والله عليم حكيم.
(الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس) و (الله أعلم حيث يجعل رسالته) وقد قال الناس في قوله تعالى: (وإنه لذكر لك ولقومك) وفي قوله: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) أشياء ليس هذا موضعها.
وفي المسألة آثار غير ما ذكرته، في بعضها نظر، وبعضها موضوع.
وأيضا فان عمر بن الخطاب ﵁ لما وضع ديوان العطاء كتب الناس على قدر أنسابهم، فبدأ بأقربهم نسبا إلى رسول الله ﷺ ، فلما انقضت العرب ذكر العجم، هكذا كان الديوان على عهد الخلفاء الراشدين وسائر الخلفاء من بني أمية وولد العباس إلى أن تغير الأمر بعد ذلك.
وسبب هذا الفضل - والله أعلم - ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم، وذلك أن الفضل إما بالعلم النافع، وإما بالعمل الصالح، والعلم له مبدأ، وهو قوة العقل الذي هو الحفظ والفهم، وتمام وهو قوة المنطق الذي هو البيان والعبارة، والعرب هم أفهم من غيرهم، وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة، ولسانهم أتم الألسنة بيانا، وتمييزا للمعاني جمعا وفرقا، يجمع المعاني الكثيرة في اللفظ القليل.
وأما العمل فإن مبناه على الأخلاق، وهي الغرائز المخلوقة في النفس، وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم، فهم أقرب للسخاء والحلم والشجاعة والوفاء وغير ذلك من الأخلاق المحمودة " انتهى.
"اقتضاء الصراط المستقيم" (١٤٨-١٦٢)
وانظر: "منهاج السنة النبوية" (٤/٣٦٤)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
стр. 15042
هل خص النبي ﷺ معاذ بن جبل بقوله إني أحبك ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت في كتاب " الصلاة " أن النبي محمدًا ﷺ قد قال مرة لمعاذ رضى الله عنه: " إني أحبك " فقال معاذ رضى الله عنه: " وأنا أحبك " فأخذ النبي محمد ﷺ بيد معاذ وقال له: " أوصيك يا معاذ! لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ". وكان النبي محمد ﷺ يحب جميع أصحابه، فلماذا لم يقل " إني أحبك " إلا لمعاذ رضى الله عنه. ربما قال النبي محمد ﷺ ذلك لصحابة آخرين أيضا، لكن لماذا لم يقل ذلك لجميع صحابته؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
معاذ بن جبل ﵁ من أصحاب النبي ﷺ المقربين، ومن الذين شهد لهم بالعلم والفقه والدين، أمر ﷺ الناس بأخذ القرآن عنه، وبعثه إلى اليمن معلما وداعيا وأميرا، ولما توفي رسول الله ﷺ خطب عمر في الناس فقال لهم: من أراد الفقه فليأت معاذ بن جبل.
توفي ﵁ سنة ثمان عشرة أو سبع عشرة للهجرة.
انظر: "سير أعلام النبلاء" (١/٤٤٣) .
وقد أحبه النبي ﷺ حبا عظيما، وصرح له بذلك، بل وأكده بيمين حلفها بالله ، وكرر العبارة والكلمة ليقع في قلب السامع عظيم قدر هذه المحبة والمودة.
فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: (يَا مُعَاذُ! وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ) رواه أبو داود (١٥٢٢) قال النووي في "الأذكار" (ص/١٠٣) : إسناده صحيح. وقال الحافظ ابن حجر في "بلوغ المرام" (ص/٩٦) : إسناده قوي. وصححه الألباني في "صحيح أبي داود".
وفي إحدى روايات الحديث – كما عند البخاري في "الأدب المفرد" (١/٢٣٩) وصححها الألباني في "صحيح الأدب المفرد" – أن معاذ بن جبل ﵁ قال للنبي ﷺ : (وأنا والله أحبك) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" وكان معاذ ﵁ من النبي ﷺ بمنزلة علية؛ فإنه قال له: (يا معاذ والله إني لأحبك، وكان يردفه وراءه) . وروي فيه أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام، وأنه يحشر أمام العلماء برتوة - أي بخطوة -.
ومن فضله أنه بعثه النبي ﷺ مبلغا عنه، داعيا، ومفقها، ومفتيا، وحاكما إلى أهل اليمن. وكان يشبهه بإبراهيم الخليل ﵇، وإبراهيم إمام الناس، وكان ابن مسعود ﵁ يقول: إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (١٠/٦٥٤)
فهذا الحديث – ولا شك – فضيلة لمعاذ بن جبل ﵁، غير أنه لم يختص بهذه الفضيلة دون باقي الصحابة، فقد ورد تصريح النبي ﷺ لبعض الصحابة رضوان الله عليهم بمحبته لهم على وجه الخصوص أو العموم، ونحن نذكر ههنا بعض ما ورد في ذلك:
١- تصريحه ﷺ بمحبة الأنصار جميعا:
فعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: (رَأَى النَّبِيُّ ﷺ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ مُقْبِلِينَ مِنْ عُرُسٍ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مُمْثِلًا – يعني قائما منتصبا - فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ. قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ) رواه البخاري (٣٧٨٥) ومسلم (٢٥٠٨) وبوب عليه البخاري بقوله: باب قول النبي ﷺ للأنصار أنتم أحب الناس إلي.
٢- تصريحه بحب أبي بكر وعمر وأم المؤمنين عائشة ﵃:
فقد سأل عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رضى الله عنه النَّبِىَّ ﷺ : أَىُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ. فَقُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ فَقَالَ: أَبُوهَا. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَعَدَّ رِجَالاً. رواه البخاري (٣٦٦٢) ومسلم (٢٣٨٤)
٣- التصريح بحب الحسن والحسين:
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لِحَسَنٍ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ، فَأَحِبَّهُ وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ) رواه البخاري (٣٧٤٩) ، ومسلم (٢٤٢١) .
وروى الترمذي (٣٧٦٩) أن النبي ﷺ قال في الحسن والحسين ﵄: (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا) وحسنه الألباني في سنن الترمذي.
٤- التصريح بحب زيد بن حارثة وابنه أسامة بن زيد:
فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما أن النبي ﷺ قَالَ عن زيد بن حارثة وابنه أسامة: (إِنْ كَانَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ [يعني: زيداً] ، وَإِنَّ هَذَا [يعني: أسامة] لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ) . رواه البخاري (٤٢٥٠) ومسلم (٢٤٢٦) .
وليست هذه جميع الأحاديث الواردة في هذا الباب، بل هناك الكثير من الأحاديث التي تتضمن معاني المودة والمحبة والتقدير من النبي ﷺ لصحابته الكرام، فقد كان يحبهم جميعا، وإنما خص بعضهم بألفاظ المحبة لمزيد عناية بهم، ولما لهم من المكانة الخاصة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15043
فضائل يوم عرفة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي فضائل يوم عرفة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من فضائل يوم عرفة:
١- أنه يوم إكمال الدين وإتمام النعمة:
ففي الصحيحين عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرءونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال أي آية؟ قال: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " المائدة:٣. قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ : وهو قائم بعرفة يوم الجمعة.
٢- أنه يوم عيد لأهل الموقف:
قال ﷺ : " يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب " رواه أهل السنن. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: " نزلت - أي آية (اليوم أكملت) - في يوم الجمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد ".
٣- أنه يوم أقسم الله به:
والعظيم لا يقسم إلا بعظيم، فهو اليوم المشهود في قوله تعالى: " وشاهد ومشهود " البروج:٣، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة.. " رواه الترمذي وحسنه الألباني.
وهو الوتر الذي أقسم الله به في قوله: " والشفع والوتر " الفجر:٣، قال ابن عباس: الشفع يوم الأضحى، والوتر يوم عرفة. وهو قول عكرمة والضحاك.
٤- أن صيامه يكفر سنتين:
فقد ورد عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم عرفة فقال: " يكفر السنة الماضية والسنة القابلة " رواه مسلم.
وهذا إنما يستحب لغير الحاج، أما الحاج فلا يسن له صيام يوم عرفة؛ لأن النبي ﷺ ترك صومه، وروي عنه أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة.
٥- أنه اليوم الذي أخذ الله فيه الميثاق على ذرية آدم:
فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان - يعني عرفة - وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلا، قال: " ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (١٧٢) أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من يعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون " الأعراف:١٧٢-١٧٣، رواه أحمد وصححه الألباني، فما أعظمه من يوم وما أعظمه من ميثاق.
٦- أنه يوم مغفرة الذنوب والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف:
ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: " ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ "
وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " إن الله تعالى يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا " رواه أحمد وصححه الألباني.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15044
هل يُخبر غَيْر المسلم بكل تفاصيل الإسلام
[السُّؤَالُ]
ـ[هل من الصواب للشاب المسلم أن يخبر شخصاً ما من غير المسلمين عن كل ما يعنيه الإسلام؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم من الصواب إخباره بمعنى الإسلام ولكن ليس من الحكمة إخباره بكل تفاصيل الإسلام دفعة واحدة، ولذلك فلابد للداعية أن يكون حكيماً ويبدأ بالأهم ويعمل بفقه الأوليات في الدعوة كما جاء في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ عَلَى الْيَمَنِ قَالَ إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ فَإِذَا فَعَلُوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ) رواه البخاري (١٤٥٨) ومسلم (١٩)
وعلى المسلم أن يدعو للإسلام بشرط أن يكون عالماً بما يدعو إليه، حتى لا يقع منه الخطأ أثناء دعوته لقول الله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ) سورة يوسف/١٠٨.
والبصيرة: " هي المعرفة التي تميز بها بين الحق والباطل. " أ. هـ كلام البغوي ﵀ في تفسيره (٤/٢٨٤) .
وقال ابن كثير ﵀ في تفسيره (٤/٤٢٢) عند تفسير هذه الآية: " يقول الله تعالى لعبده ورسوله إلى الثقلين: الإنس والجن، آمراً له أن يخبر الناس: أن هذه سبيله، أي طريقه ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة ويقين وبرهان شرعي وعقلي. " أ. هـ
واعلم بأن الدعوة إلى الإسلام واجبة، قال علماؤنا ﵏: " يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم أربع مسائل والعمل بها:
الأولى: العلم، وهو معرفة العبد ربه، ونبيه، ودين الإسلام بالأدلة.
الثانية: العمل به، أي العمل بمقتضى هذا العمل.
الثالثة: الدعوة إليه. أي الدعوة إلى ما تعلَّمه.
الرابعة: الصبر على الأذى فيه. أي في سبيل العلم، والعمل، والدعوة إلى ما تعلم.
والدليل على هذه المسائل الأربع قول الله تعالى: (وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) سورة العصر.
فقوله تعالى: ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ دليل على المسألة الأولى؛ لأنه لا إيمان إلا بعلم. وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ دليل على المسألة الثانية، وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ دليل على المسألة الثالثة، وهي الدعوة. وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ دليل على المسألة الرابعة.
فيبين لغير المسلم ما يعنيه دين الإسلام من الاستسلام لله وقبول أمره والإيمان بنبيه ﷺ ، ويذكر له محاسن الدين الإسلامي (راجع السؤال ٢١٩) ، حتى يقتنع ويقر بالإسلام، فإذا أسلم فحينئذٍ يبين له أحكام الإسلام على سبيل التفصيل على سبيل التدرج ويراعى مستوى عقل المخاطب ولا يُطرح عليه أموراً تثير لديه الشبهات أو تجعله كالضائع من كثرة المعلومات، ولكن ينهج نهج الربانيين الذين قال الله فيهم: (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) آل عمران/٧٩، قيل في تفسير الربانيين: الذين يربّون الناس بصغار العلم قبل كباره (تفسير البغوي ٢/٦٠)
أي بالقواعد والأمور الكبار قبل الدقائق وصغار المسائل. والله الهادي إلى سواء السبيل.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15045
هارون الرشيد من خيرة الخلفاء
[السُّؤَالُ]
ـ[ذكرت بعض كتب التاريخ ولاسيما كتاب " ألف ليلة وليلة " عن خليفة المسلمين هارون الرشيد أنه لا يعرف إلا اللهو وأنه يشرب الخمور ويراقص الغانيات ويقربهن منه. أرجو أن تخبروني هل ما قيل عن هذا الرجل صحيح أم لا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"هذا كذب صريح، وظلم قبيح، فإن هذا الخليفة من خيرة الخلفاء، وكان يحج عاماً، ويغزو عاماً، وقد فتح الله في زمنه الكثير من البلدان، واتسعت رقعة الإسلام، واستتب الأمن، وعم الرخاء، وكثر الخير، بما لا نظير له، ثم إن هذا الخليفة كان حسن السيرة والسريرة، يجالس العلماء، ويأخذ منهم، ويسمع المواعظ ويبكي، ويخشع ويكثر العبادة والتهجد والقراءة والذكر، كما ذكر في سيرته المشهورة التي أفردت بالتأليف، فأما هذا الكتاب فإنه أكاذيب مختلقة، لا حقيقة لها، وإنما لَفَّقَه شخص لا أمانه له، وأراد بذلك شغل الأمة عن واجباتها، وإضاعة الأوقات في قراءة أو سماع تلك الخرافات، فلا يغتر به. والله الموفق" انتهى.
فضيلة الشيخ ابن جبرين حفظه الله.
"فتاوى إسلامية" (٤/٤٨٧) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15046
هل يجوز القول بأن الحسين مات شهيداً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز لنا القول بأن الحسين مات شهيدا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم؛ قتل الحسين ﵁ شهيداً.
وذلك أن أهل العراق (الكوفة) كتبوا إليه ليخرج إليهم ليبايعوه على الإمارة، وذلك بعد موت معاوية ﵁، وتولية ابنه يزيد.
ثم تغير أهل الكوفة على الحسين بعد ما تولاها عبيد الله بن زياد من قِبَل يزيد بن معاوية، وقَتَلَ مسلمَ بنَ عقيل رسولَ الحسين إليهم، فكانت قلوب أهل العراق مع الحسين، غير أن سيوفهم مع عبيد الله بن زياد.
فخرج إليهم الحسين وهو لا يعلم بمقتل مسلم بن عقيل، ولا بتغيرهم نحوه.
وقد أشار عليه ذوو الرأي والمحبة له بعدم الخروج إلى العراق، ولكنه أصَرَّ على الخروج إليهم.
فممن أشار عليه بهذا: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، والمسور بن مخرمة، وعبد الله بن الزبير، ﵃ أجمعين.
فسار الحسين إلى العراق، ونزل بكربلاء، وعلم أن أهل العراق تنكروا له، فطلب الحسين من الجيش الذي جاء لمقاتلته إحدى ثلاث خصال: إما أن يتركوه يرجع إلى مكة، وإما أن يسير إلى يزيد بن معاوية، وإما أن يذهب للثغور للجهاد في سبيل الله.
فأبوا إلا أن يستسلم لهم، فأبى الحسين، فقاتلوه، فقتل مظلوماً شهيداً ﵁.
"البداية والنهاية" (١١/٤٧٣-٥٢٠) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"فإن يزيد بن معاوية ولد في خلافة عثمان بن عفان ﵁، ولم يدرك النبي ﷺ ; ولا كان من الصحابة باتفاق العلماء ; ولا كان من المشهورين بالدين والصلاح وكان من شبان المسلمين ; ولا كان كافرا ولا زنديقا ; وتولى بعد أبيه على كراهة من بعض المسلمين ورضا من بعضهم وكان فيه شجاعة وكرم ولم يكن مظهرا للفواحش كما يحكي عنه خصومه. وجرت في إمارته أمور عظيمة: - أحدها مقتل الحسين ﵁ ; وهو لم يأمر بقتل الحسين ولا أظهر الفرح بقتله ; ولا نكت بالقضيب على ثناياه ﵁ ولا حمل رأس الحسين ﵁ إلى الشام لكن أمر بمنع الحسين ﵁ وبدفعه عن الأمر. ولو كان بقتاله فزاد النواب على أمره ;...... فطلب منهم الحسين ﵁ أن يجيء إلى يزيد ; أو يذهب إلى الثغر مرابطا ; أو يعود إلى مكة. فمنعوه ﵁ إلا أن يستأسر لهم وأمر عمر بن سعد بقتاله، فقتلوه مظلوما، له ولطائفة من أهل بيته. ﵃ وكان قتله ﵁ من المصائب العظيمة فإن قتل الحسين , وقتل عثمان قبله: كانا من أعظم أسباب الفتن في هذه الأمة وقتلتهما من شرار الخلق عند الله" انتهى.
"مجموع الفتاوى" (٣/٤١٠-٤١٣) .
وقال أيضا (٢٥/٣٠٢-٣٠٥) :
"فلما قتل الحسين بن علي ﵄ يوم عاشوراء قتلته الطائفة الظالمة الباغية، وأكرم الله الحسين بالشهادة، كما أكرم بها من أكرم من أهل بيته. أكرم بها حمزة وجعفرا وأباه عليا وغيرهم وكانت شهادته مما رفع الله بها منزلته وأعلى درجته، فإنه هو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة، والمنازل العالية لا تنال إلا بالبلاء، كما قال النبي ﷺ لما سئل: أي الناس أشد بلاء؟ فقال: (الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل. يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة) رواه الترمذي وغيره.
فكان الحسن والحسين قد سبق لهما من الله تعالى ما سبق من المنزلة العالية، ولم يكن قد حصل لهما من البلاء ما حصل لسلفهما الطيب، فإنهما ولدا في عز الإسلام، وتربيا في عز وكرامة، والمسلمون يعظمونهما، ويكرمونهما، ومات النبي ﷺ ولم يستكملا سن التمييز، فكانت نعمة الله عليهما أن ابتلاهما بما يلحقهما بأهل بيتهما، كما ابتلى من كان أفضل منهما، فإن علي بن أبي طالب أفضل منهما، وقد قتل شهيدا، وكان مقتل الحسين مما ثارت به الفتن بين الناس، كما كان مقتل عثمان ﵁ من أعظم الأسباب التي أوجبت الفتن بين الناس، وبسببه تفرقت الأمة إلى اليوم....
فلما خرج الحسين ﵁ ورأى أن الأمور قد تغيرت، طلب منهم أن يدعوه يرجع أو يلحق ببعض الثغور، أو يلحق بابن عمه يزيد فمنعوه هذا وهذا، حتى يستأسر وقاتلوه فقاتلهم فقتلوه وطائفة ممن معه مظلوما شهيدا، شهادة أكرمه الله بها وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين. وأهان بها من ظلمه واعتدى عليه " انتهى.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15047
هل يحكم بتبديع كل من أخطأ في العقيدة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم تبديع جملة من أئمة أهل السنة بحجة أنهم أخطأوا في العقيدة مثل النووي وابن حجر وغيرهما؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"من أخطأ لا يؤخذ بخطئه، الخطأ مردود، مثل ما قال مالك ﵀: "ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر" يعني: النبي ﷺ ، وكل عالم يخطئ ويصيب، فيؤخذ صوابه، ويُترك خطؤه، وإذا كان من أهل العقيدة السلفية ووقع في بعض الأغلاط، فيترك الغلط، ولا يخرج بهذا من العقيدة السلفية إذا كان معروفاً باتباع السلف، ولكن تقع منه بعض الأغلاط في بعض شروح الحديث، أو في بعض الكلمات التي تصدر منه، فلا يقبل الخطأ، ولا يتبع فيه، وهكذا جميع الأئمة إذا أخطأ الشافعي أو أبو حنيفة أو مالك أو أحمد أو الثوري أو الأوزاعي أو غيرهم، يؤخذ الصواب ويترك الخطأ، والخطأ ما خالف الدليل الشرعي، وهو ما قاله الله ورسوله، فلا يؤخذ أحد من الناس إلا بخطأ يخالف الدليل، والواجب اتباع الحق، قال الله تعالى: (مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) .
وقد أجمع العلماء على أن كل إنسان يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، فالواجب اتباع ما جاء به وقبوله وعدم رد شيء مما جاء به ﵊؛ للآية الكريمة المذكورة، وما جاء في معناها، ولقوله تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٨/٢٥٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15048
تفاجأت أن الألباني من المعاصرين وتوقفت عن قبول أحكامه على الأحاديث !
[السُّؤَالُ]
ـ[علمت مؤخراً أن العلامة الألباني هو من علماء العصر الحديث، وأنه توفي منذ ثماني سنوات فقط، وأنا لست من أهل العلم لأفتي في الرجل، ولا أعلم عن سيرته شيئاً يُذكر، ولكني فقط أريد أن أطمئن ويطمئن قلبي، كيف يجوز لنا الأخذ بحديث ضعَّفه الأوائل من أهل العلم وصححه هو؟ أو كيف يجوز لنا ترك حديث صححه السابقون من العلماء وأنكره هو؟ مع ما لهم من قرب عهد بالرواة والصحابة والتابعين ما يمكنهم من معرفة أحوالهم والسؤال عنهم، وما له من بعد عهد عن كل هؤلاء الرواة، مما يجعل قدرته على اقتفاء آثارهم ومعرفة أحوالهم وصفاتهم أمراً متعذراً جدّاً، يكاد لا يعتمد فيه إلا على ما أخبر به الأوائل ابتداء، وبذلك فهو ربما لا يكون قد أضاف شيئاً، لا أقصد المعيب في علَاّمة مثله، ولكن هذا تصوري العقلي، وأنا كنت آخذ بأحاديثه دون نقاش، لكن بعد أن علمت أنه ليس من التابعين وأصحاب العهد الأول: دهشت، ولم أعد أعلم كيف أتصرف عندما يخالف رأيه أحداً منهم. أرجو الإفادة، وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ليس من الصحابة ولا من التابعين، ولا من أهل القرون الثلاثة، بل هو معاصر، ولد عام ١٣٣٣ هـ، الموافق ١٩١٤ م في مدينة " أشقودرة " في دولة ألبانيا، وتوفي في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة عام ١٤٢٠هـ، الموافق الثاني من أكتوبر ١٩٩٩م، في الأردن.
ثانياً:
العلم الشرعي لا يعرف متقدماً ومتأخراً، وكل متقدم هو ـ في الحقيقة ـ متأخر بالنسبة لمن سبقه، وكل متأخر هو ـ أيضا ـ متقدم بالنسبة لمن تلاه!! والمتقدم في الزمان قد لا يكون على درجة من العلم أو الفقه بالنسبة لمتأخر نهل من علم الأوائل ورزقه الله فهماً ثاقباً، فالحق لا يُعرف بكون قائله من المتقدمين، بل بموافقته للأدلة من القرآن والسنَّة.
ثالثاً:
المتقدمون أنفسهم في القرون الفاضلة المتقدمة اختلفوا في الحكم على رجال ورواة، واختلفوا في الحكم على أحاديث صحة وضعفاً، فماذا تصنعين مع هذا الاختلاف منهم وهم في زمان متقدم، وكلهم من أهل العلم الفضل؟! إنك تحتاجين لمن ينظر في أقوالهم، ويقلِّب النظر فيها، ويرجح بينها ليخلص بنتيجة، وهذا لن يكون إلا رجلاً متأخراً عن زمانهم، أو معاصراً لزمانك، فأنتِ بحاجة لهذا العالِم ليعطيك نتيجة الترجيح بين تلك الأقوال المختلفة، وهو في الحقيقة لا غنى له عن علوم المتقدمين، بل هو لا شيء لولاها، ولذا كان هؤلاء عالة على المتقدمين، وما من أحدٍ من أهل العلم إلا ويعترف لعلماء الحديث وأئمتهم المتقدمين بالفضل.
رابعاً:
إذا كنتِ لستِ من أهل العلم، فكيف لكِ أن تحكمي على شخص بأنه ليس مؤهلاً لأخذ أقواله، وقبول ترجيحاته؟! وها أنتِ ذا تراسليننا وتطلبين منَّا النصيحة والتوجيه، ونعتقد أنك تقبلين كلامنا في الشيخ الألباني ﵀، ونحن نخبرك أنه شيخنا وإمامنا، ونحن في موقعنا هذا نذكر حكمه على الأحاديث غالباً، ونرضى فقهه في كثير من المسائل، فما الذي يجعلك تقبلين الفتوى منّا أو من غيرنا في مسائل الفقه والاعتقاد، ولا تقبلينها من الشيخ الألباني ﵀، وكلهم معاصرون لزمانك، ولعلَّ بعضهم تلاميذ للشيخ نفسه! .
خامساً:
إذا أردتِ معرفة كون الإنسان عالِماً يوثق بفقهه وعلمه: فإنه يمكنك ذلك بإحدى طريقتين:
الأولى: أن تكوني من أهل العلم، فتنظري في أقواله، وتسمعي كلامه، ثم تحكمين بأنه من أهل العلم، من خلال استدلاله، وقوة نظره في الأدلة، واستعمال القواعد العلمية في النظر والترجيح.
والثانية: أنكِ تسألين من تثقين به من أهل العلم الثقات عندك عنه، فإن زكَّاه لكِ: أخذتِ بأقواله وترجيحاته، ووثقتِ بكلامه وتوقيعه عن رب العالمين.
وبما أن الأمر في الطريقة الأولى لن يكون؛ بسبب اعترافك بأنك لست من أهل العلم: فإنه لم يبق إلا الطريقة الثانية، وهي حكم العلماء المعروفين، والموثوقين على هذا الرجل، وهل هو فعلاً من العلماء أم لا.
ونحن نذكر لك بعض الأقوال في تزكية هذا الإمام، لتحكمي بعدها بما حكم به هؤلاء العلماء، وليس أمامكِ إلا قبول كلامهم.
١. قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
ما رأيت تحت أديم السماء عالماً بالحديث في العصر الحديث مثل العلامة محمد ناصر الدين الألباني.
٢. وسئل – ﵀ عن حديث رسول الله ﷺ : (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) من مجدد هذا القرن، فقال ﵀: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني هو مجدد هذا العصر في ظني، والله أعلم.
٣. وقال – ﵀:
الشيخ ناصر الدين الألباني من إخواننا المعروفين من المحدثين من أهل السنة والجماعة، نسأل الله لنا وله التوفيق والإعانة على كل خير، والواجب على كل مسلم أن يتقي الله، وأن يُراقب الله في العلماء، وأن لا يتكلَّم إلا عن نصيحة.
٤. وقال – أيضاً -:
ونفيدكم أن الشيخ المذكور معروف لدينا بحسن العقيدة، والسيرة، ومواصلة الدعوة إلى الله سبحانه، مع ما يبذله من الجهود المشكورة في العناية بالحديث الشريف، وبيان الحديث الصحيح من الضعيف من الموضوع.
٥. وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
فالذي عرفته عن الشيخ من خلال اجتماعي به - وهو قليل -: أنه حريص جدّاً على العمل بالسنَّة، ومحاربة البدعة، سواء كان في العقيدة، أم في العمل، أما من خلال قراءتي لمؤلفاته: فقد عرفت عنه ذلك، وأنه ذو علمٍ جمٍّ في الحديث، رواية، ودراية، وأن الله تعالى قد نفع فيما كتبه كثيراً من الناس، من حيث العلم، ومن حيث المنهاج والاتجاه إلى علم الحديث، وهذه ثمرة كبيرة للمسلمين، ولله الحمد، أما من حيث التحقيقات العلمية الحديثية: فناهيك به.
وهذه أقوال علماء كبار شهدوا لأخيهم بالعلم، وخاصة علم الحديث، وإذا شهد الكبار لشخص بأنه من العلماء والأئمة: فلم يبق كلام لغيرهم من الصغار الطاعنين بعلم الشيخ ﵀.
ومع تلك الشهادات الغالية من أولئك الأئمة الأعلام: فإننا نذكر تزكية الجهات الأكاديمية، والمجامع الفقهية لعلم الشيخ الألباني، وهي تعزز شهادة إخوانه العلماء.
٦. " مجمع الفقه الإسلامي ".
قال الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدكتور الحبيب بلخوجة – حفظه الله -:
إننا فقدنا بموته رجلا سبَّاقاً إلى خدمة العالم الإسلامي، فكان بذلك مرجعاً لعدد كبير من الأساتذة والشيوخ.
٧. " رابطة العالم الإسلامي ".
قال الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الدكتور عبد الله بن صالح العبيد – حفظه الله -:
لا شك بأن فقد الأمة الإسلامية بوفاة الشيخ الألباني تعتبر خسارة فادحة.
٨. " إدارة البحوث العلمية والإفتاء " في السعودية.
قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ - حفظه الله -:
قال حفظه الله معترفا بمكانة الشيخ الألباني رحمه:
الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ أحد العلماء في هذا العصر، فهو رجلٌ صاحب سنَّّّة، ومحب للسنَّة، ومدافع عنها.
٩. " كلية الشريعة في جامعة دمشق ".
وقد اختارته ليقوم بتخريج " أحاديث البيوع " الخاصة بموسوعة الفقه الإسلامي، التي عزمت الجامعة على إصدارها عام ١٩٥٥ م.
١٠. " لجنة الحديث ".
التي شكلت في عهد الوحدة بين مصر وسوريا، وقد اختارته ليكون عضواً فيها؛ للإشراف على نشر كتب السنة وتحقيقها.
١١. " الجامعة السلفية " في " بنارس " في " الهند ".
وقد اختارته ليتولى مشيخة الحديث فيها، وقد اعتذر عن ذلك.
١٢. " وزارة المعارف في السعودية ".
وقد طلبت منه عام ١٣٨٨ هـ أن يتولى الإشراف على قسم الدراسات الإسلامية العليا في جامعة مكة.
١٣. " الجامعة الإسلامية " في المدينة النبوية.
وقد اختاروه للتدريس فيها، واختير عضواً للمجلس الأعلى فيها.
١٤. وأخيراً:
فقد قررت لجنة الاختيار لجائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية منح الجائزة عام ١٤١٩هـ، ١٩٩٩م، وموضوعها " الجهود العلمية التي عنيت بالحديث النبوي تحقيقاً وتخريجاً ودراسة " للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وقالوا: " تقديراً لجهوده القيِّمة في خدمة الحديث النبوي، تخريجاً، وتحقيقاً، ودراسة، وذلك في كتبه التي تربو على المئة ".
وبه يتبين – إن شاء الله – أن الشيخ الألباني ﵀ أهلٌ لأن يؤخذ عنه العلم، وبخاصة علم الحديث، وقد زكَّاه رؤوس أهل العلم في زماننا هذا، وزكته جهات رسمية، وأكاديمية، عربية، وأعجمية.
وننبه في نهاية هذا الجواب إلى أمرين اثنين:
الأول: أن الشيخ ﵀ ليس بمعصوم عن الخطأ، وأنه قد ردَّ عليه كثيرون، فأصابوا في أشياء وأخطئوا في أخرى، وقد قبَل الشيخ تصويبهم فيما أخطأ به، ولم يمنعه ذلك من قبول الحق، فالشيخ ﵀ بشر، يصيب ويخطئ، وصوابه أكثر من خطئه.
والثاني: أنه لا يوجد – حسب علمنا – حديث تفرد الشيخ بتصحيحه أو تضعيفه عن المتقدمين، فكل حديث صححه أو ضعفه فهو مسبوق من غيره بالحكم نفسه، وإن وُجد ما يخالف كلامنا هذا فهو نادر.
ويمكنك معرفة الكثير عن حياة الشيخ وجهوده من خلال قراءة شيء من تراجمه المنشورة، وهي كثيرة، وأهمها: حياة الألباني وآثاره، وثناء العلماء عليه، للشيخ محمد بن إبراهيم الشيباني، وهو في مجلدين. كما ننصحك بالاستفادة المباشرة من كتب الشيخ، وأشرطته، ولعل سماع الأشرطة يساعدك على الاستفادة المباشرة من الشيخ، والوقوف على شيء من علمه، ﵀.
ونسأل الله تعالى أن يفقهنا في دينه، وأن يعلمنا منه ما جهلنا، وأن يرحم شيخنا الألباني، ويسكنه الفردوس الأعلى.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15049
موقف علمائنا من الحافظين ابن حجر والنووي رحمهما الله
[السُّؤَالُ]
ـ[قال واحد من العلماء المسلمين في المدينة التي أسكن بها: إن الإمام ابن حجر، والإمام النووي مبتدعان، وساق بعض الأدلة من "فتح الباري" لتبرير رأيه، وأعطى مثالاً على ذلك بشرح الإمام ابن حجر للمقصود بوجه الله أنه رحمته، ما رأيكم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أهل السنَّة والجماعة منصفون في الحكم على الآخرين، لا يرفعون الناس فوق ما يستحقون، ولا ينقصون قدرهم، ومن الإنصاف بيان خطأ المخطئ من أهل العلم والفضل، والتأول له، والترحم عليه، كما أن من الإنصاف التحذير من خطئه؛ لئلا يغتر أحد بمكانته فيقلده فيما أخطأ فيه، وأهل السنَّة لا يتوانون عن الحكم على المخالف المتعمد للسنَّة بأنه مبتدع ضال.
وقد وُجد في زماننا هذا من نال من الإمامين ابن حجر والنووي، فحكم عليهما بأنهم مبتدعة ضالون! ، وبلغت السفاهة ببعضهم أن قال بوجوب إحراق كتابيهما "فتح الباري" و "شرح مسلم "! .
وليس معنى هذا أنهما لم يخطئا في مسائل من الشرع، وبخاصة في باب صفات الله تعالى، وقد علَّق عليها علماؤنا، وبينوها، وردوا عليهما، مع الترحم عليهما، والثناء بما يستحقانه، والدعاء لهما، والوصية بالاستفادة من كتبهما، وهذا هو الإنصاف الذي عُرف به أهل السنَّة والجماعة، بخلاف من بدَّعهما، وضلَّلهما، وقال بإحراق كتبهما، وبخلاف من استدل بكلامهما كأنه شرع منزَّل، وجعل ما يعتقدانه هو الحق الذي لا ريب فيه، وسنذكر ما يتيسر من كلام علمائنا ليقف المسلم على الإنصاف، والعلم، والحكم بالعدل على هذين الإمامين.
١- سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
ما هو موقفنا من العلماء الذين أوَّلوا في الصفات، مثل ابن حجر، والنووي، وابن الجوزي، وغيرهم، هل نعتبرهم من أئمة أهل السنَّة والجماعة أم ماذا؟ وهل نقول: إنهم أخطأوا في تأويلاتهم، أم كانوا ضالين في ذلك؟
فأجابوا:
" موقفنا من أبي بكر الباقلاني، والبيهقي، وأبي الفرج بن الجوزي، وأبي زكريا النووي، وابن حجر، وأمثالهم ممن تأول بعض صفات الله تعالى، أو فوَّضوا في أصل معناها: أنهم في نظرنا من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم، فرحمهم الله رحمة واسعة، وجزاهم عنا خير الجزاء، وأنهم من أهل السنة فيما وافقوا فيه الصحابة ﵃ وأئمة السلف في القرون الثلاثة التي شهد لها النبي ﷺ بالخير، وأنهم أخطأوا فيما تأولوه من نصوص الصفات وخالفوا فيه سلف الأمة وأئمة السنة ﵏، سواء تأولوا الصفات الذاتية، وصفات الأفعال، أم بعض ذلك.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز. الشيخ عبد الرزاق عفيفي. الشيخ عبد الله بن قعود
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٣/٢٤١) .
٢- وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
بالنسبة للعلماء الذين وقعوا في بعض الأخطاء في العقيدة، كالأسماء والصفات، وغيرها، تمر علينا أسماؤهم في الجامعة حال الدراسة، فما حكم الترحُّم عليهم؟ .
الشيخ: مثل مَن؟ .
السائل: مثل: الزمخشري، والزركشي، وغيرهما.
الشيخ: الزركشي في ماذا؟ .
السائل: في باب الأسماء والصفات.
فأجاب:
"على كل حال، هناك أناس ينتسبون لطائفة معينة شعارها البدعة، كالمعتزلة مثلاً، ومنهم الزمخشري، فالزمخشري مُعتزلي، ويصف المثْبِتِين للصفات بأنهم: حَشَوِية، مُجَسِّمة، ويُضَلِّلهم فهو معتزلي، ولهذا يجب على مَن طالع كتابه "الكشاف" في تفسير القرآن أن يحترز من كلامه في باب الصفات، لكنه من حيث البلاغة، والدلالات البلاغية اللغوية جيد، يُنْتَفع بكتابه كثيراً، إلا أنه خَطَرٌ على الإنسان الذي لا يعرف في باب الأسماء والصفات شيئاً، لكن هناك علماء مشهودٌ لهم بالخير، لا ينتسبون إلى طائفة معينة مِن أهل البدع، لكن في كلامهم شيءٌ من كلام أهل البدع؛ مثل ابن حجر العسقلاني، والنووي رحمهما الله، فإن بعض السفهاء من الناس قدحوا فيهما قدحاً تامّاً مطلقاً من كل وجه، حتى قيل لي: إن بعض الناس يقول: يجب أن يُحْرَقَ " فتح الباري "؛ لأن ابن حجر أشعري، وهذا غير صحيح، فهذان الرجلان بالذات ما أعلم اليوم أن أحداً قدَّم للإسلام في باب أحاديث الرسول مثلما قدَّماه، ويدلك على أن الله بحوله وقوته - ولا أَتَأَلَّى على الله - قد قبلها: ما كان لمؤلفاتهما من القبول لدى الناس، لدى طلبة العلم، بل حتى عند العامة، فالآن كتاب " رياض الصالحين " يُقرأ في كل مجلس , ويُقرأ في كل مسجد، وينتفع الناس به انتفاعاً عظيماً، وأتمنى أن يجعل الله لي كتاباً مثل هذا الكتاب، كلٌّ ينتفع به في بيته، وفي مسجده، فكيف يقال عن هذين: إنهما مبتِدعان ضالان، لا يجوز الترحُّم عليهما، ولا يجوز القراءة في كتبهما! ويجب إحراق " فتح الباري "، و " شرح صحيح مسلم "؟! سبحان الله! فإني أقول لهؤلاء بلسان الحال، وبلسان المقال:
أَقِلُّوا عليهمُ لا أبا لأبيكمُ مِن اللومِ أو سدوا المكان الذي دوا
من كان يستطيع أن يقدم للإسلام والمسلمين مثلما قدَّم هذان الرجلان، إلا أن يشاء الله، فأنا أقول: غفر الله للنووي، ولابن حجر العسقلاني، ولمن كان على شاكلتهما ممن نفع الله بهم الإسلام والمسلمين، وأمِّنوا على ذلك " انتهى.
"لقاءات الباب المفتوح" (٤٣/السؤال رقم ٩) .
٣- وسئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله:
لقد ظهر بين طلاب العلم اختلاف في تعريف المبتدع، فقال بعضهم: هو من قال أو فعل البدعة، ولو لم تقع عليه الحجة، ومنهم من قال لابد من إقامة الحجة عليه، ومنهم من فرَّق بين العالم المجتهد وغيره من الذين أصلوا أصولهم المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة، وظهر من بعض هذه الأقوال تبديع ابن حجر والنووي، وعدم الترحم عليهم؟
فأجاب:
" أولاً: لا ينبغي للطلبة المبتدئين وغيرهم من العامة أن يشتغلوا بالتبديع والتفسيق؛ لأن ذلك أمر خطير وهم ليس عندهم علم ودراية في هذا الموضوع، وأيضاً هذا يُحدث العداوة والبغضاء بينهم، فالواجب عليهم الاشتغال بطلب العلم، وكف ألسنتهم عما لا فائدة فيه، بل فيه مضرة عليهم، وعلى غيرهم.
ثانياً: البدعة: ما أحدث في الدين مما ليس منه؛ لقوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) - رواه البخاري -، وإذا فعل الشيء المخالف جاهلاً: فإنه يعذر بجهله، ولا يحكم عليه بأنه مبتدع، لكن ما عمله يعتبر بدعة.
ثالثاً: من كان عنده أخطاء اجتهادية تأوَّل فيها غيره، كابن حجر، والنووي، وما قد يقع منهما من تأويل بعض الصفات: لا يُحكم عليه بأنه مبتدع، ولكن يُقال: هذا الذي حصل منهما خطأ، ويرجى لهما المغفرة بما قدماه من خدمة عظيمة لسنَّة رسول الله ﷺ ، فهما إمامان جليلان، موثوقان عند أهل العلم " انتهى.
"المنتقى من فتاوى الفوزان" (٢/٢١١، ٢١٢) .
٤- وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀:
" مثل النووي، وابن حجر العسقلاني، وأمثالهم، من الظلم أن يقال عنهم: إنهم من أهل البدع، أنا أعرف أنهما من " الأشاعرة "، لكنهما ما قصدوا مخالفة الكتاب والسنَّة، وإنما وهِموا، وظنُّوا أنما ورثوه من العقيدة الأشعرية: ظنوا شيئين اثنين:
أولاً: أن الإمام الأشعري يقول ذلك، وهو لا يقول ذلك إلَاّ قديماً؛ لأنه رجع عنه.
وثانياً: توهموه صواباً، وليس بصواب.
انتهى من (شريط رقم ٦٦٦) "من هو الكافر ومن هو المبتدع ".
فرحم الله الإمامين: النووي وابن حجر، وغفر لهما ما أخطآ فيه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15050
الموقف الشرعي من كتابات سيد قطب أخذاً وردّاً
[السُّؤَالُ]
ـ[هل نأخذ من كتابات سيد قطب العديدة على الرغم من تحذير بعض العلماء منه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الأستاذ " سيد قطب " ليس من العلماء، فلا يُعرف له ترجيحات في الحديث، أو الفقه، أو التفسير، وإنما هو كاتب أديب، أحب الإسلام ودافع عنه، ودعا إليه وقد مات في سبيله ـ فيما يظهر لنا ـ ونسأل الله أن يكون من الشهداء.
وله كتابات متنوعة، فيها الصواب وفيها الخطأ، والعلماء الذين وقعوا في أخطاء في العقيدة أو الحديث أو الفقه: لم نرَ أحداً من أهل العلم حرَّم الأخذ منهم بالكلية، ولا من هجر النقل عنهم مطلقاً، هذا مع أن منهم دعاة لمذاهبهم العقيدية، ومتعصبة لمذاهبهم الفقهية، وهذا من إنصاف أهل السنَّة مع المخالفين.
والأستاذ سيد قطب ليس بعيداً عن هذا الإنصاف من أهل السنَّة، ولذا رأينا رؤوس أهل السنَّة في زماننا هذا ينقلون عنه مواضع من كتبه موافقة لاعتقاد ومنهج أهل السنَّة، ومن ذلك:
١. نقل عنه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ في مقدمة كتابه " مختصر العلو " حوالي ثلاث صفحات، بدأها بقوله: " فها هو الأستاذ الكبير سيد قطب ﵀ ... ".
ومجرد النقل عنه لا يعد تزكية، لكن التزكية في الأوصاف التي مدحه بها الشيخ الألباني ﵀: "الأستاذ" "الكبير" "﵀ ".
٢. نقل عنه الشيخ صالح الفوزان حفظه الله أربع نقولات (من ص ٢١ – ٢٤) وذلك في كتابه " التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية ".
ثانياً:
علماؤنا الأجلاء تعلموا الإنصاف من شرع الله تعالى المطهَّر، وعلَّموه غيرهم، وربُّوهم على التخلق به، ومن الإنصاف عدم هجر كتابات سيد قطب بالكلية، كما أنه من الدِّين بيان ما أخطأ فيه لئلا يغتر بخطئه من يقرأ كلامه، وليس هذا خاصّاً بسيد قطب، بل حتى من انتسب للسنَّة فإن علماءنا الأجلاء قد حذَّروا من تقليده فيما أخطأ به، وقد صدرت فتاوى متعددة من علماء اللجنة الدائمة تحذَِّر من خطأ بعض أولئك المنتسبين للسنَّة، وأنهم وقعوا في اعتقاد مخالف.
وإن تعجب فعجبٌ ما نراه من بعض المنتسبين للسنَّة ممن طاروا بنقد إمام أو عالم لبعض كتابات سيد قطب، بينما خالفوا أولئك العلماء والأئمة عندما حذَّروا من خطأ شيوخهم! فقبلوا كلام العلماء في أناس وتركوه في آخرين، ومن أراد مثالاً لاتباع الهوى فليتأمل هذا المثال.
وهذه طائفة من أقوال العلماء في كتابات سيد قطب، يجمعها أمر واحد: أنه يؤخذ منها ما وافق الحق، ويُترك منها ما خالفه، وليس هذا الأمر خاصّاً بكتب سيد قطب دون غيره.
١. قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀:
الرجل له كتاب " العدالة الاجتماعية " لا قيمة له، لكن كتاب " معالم على الطريق " له بحوث قيمة جدّاً.
شريط رقم: (٧٨٤) من " سلسلة الهدى والنور ".
- وفي الشريط ذاته قال الشيخ الألباني ﵀:
"أنا أعتقد أن الرجل ليس عالماً، لكن له كلمات في الحقيقة - خاصة في السجن - كأنها من الإلهام" انتهى.
- وفيه – أيضاً – قوله:
"الرجل ليس عالماً، لكن له كلمات عليها نور، وعليها علم، مثل " ... منهج حياة "، أنا أعتقد أن هذا العنوان كثير من إخواننا السلفيين ما تبنوا معناه، أن " لا إله إلا الله منهج حياة "، هذا الكلام الذي تكلمتُ عنه" انتهى.
٢. وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
" سيد قطب " رجل ظهر على العالم الإسلامي بفِكر، واختلف فيه الناس بين ممجد، وقادح قدحاً شديداً جدّاً، فنود أن يبين شيخُنا لنا بياناً وافياً عن هذا الموضوع، وكيف يكون موقف المسلم نحو الرجل؛ لأن سيداً له أثر في العالم الإسلامي، وله آثار من كتب ومؤلفات، فنريد بياناً من فضيلتكم.
فأجاب:
"لا أرى أن يكون النزاع والخصومة بين الشباب المسلم في رجل معين، لا سيد قطب، ولا غير سيد قطب، بل النزاع يكون في الحكم الشرعي، فمثلاً: نعرض قولاً من الأقوال لقطب، أو لغير قطب، ونقول: هل هذا القول حق أو باطل؟ ثم نمحصه إن كان حقّاً: قبلناه، وإن كان باطلاً: رددناه، أما أن تكون الخصومة والنزاع بين الشباب، والأخذ والرد في رجل معين: فهذا غلط، وخطأ عظيم.
فسيد قطب ليس معصوماً، ومَن فوقه من العلماء ليسوا معصومين، ومَن دونه من العلماء ليسوا معصومين، وكل شخص يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيجب قبول قوله على كل حال.
فلذلك أنا أنهى الشباب أن يكون مدار نزاعهم وخصوماتهم على شخص معين أيّاً كان؛ لأنه إذا كانت الخصومات على هذا النحو: فربما يُبْطل الخصم حقّاً قاله هذا الشخص، وربما يَنْصُر باطلاً قاله هذا الشخص، وهذا خطر عظيم؛ لأنه إذا تعصب الإنسان للشخص وتعصب آخر ضده، فالذي يتعصب ضده سوف يقول عنه ما لم يقله، أو يؤول كلامه، أو ما أشبه ذلك، والثاني ربما يُنْكِر عنه ما قاله، أو يوجه ما قاله من الباطل.
فأنا أقول: لا نتكلم في الأشخاص، ولا نتعصب لأشخاص، وسيد قطب انتقل من دار العمل إلى دار الجزاء، والله تعالى حسيبه، وكذلك غيره من أهل العلم.
أما الحق: فيجب قبوله سواء جاء من سيد قطب، أو من غيره، والباطل يجب رده سواء كان من سيد قطب أو من غيره، ويجب التحذير من أي باطل كُتِب أو سُمِع سواء من هذا، أو من هذا، من أي إنسان.
هذه نصيحتي لإخواننا، ولا ينبغي أن يكون الحديث والمخاصمة والأخذ والرد في شخص بعينه.
أما سيد قطب: فرأيي في آثاره: أنه مثل غيره، فيه حق وباطل، ليس أحد معصوماً، ولكن ليست آثاره مثلاً كآثار الشيخ محمد ناصر الدين الألباني فبينهما كما بين السماء والأرض، فآثار الرجل الأول هي عبارة عن أشياء أدبية وثقافية عامة، وليس عنده كما عند الشيخ الألباني في التحقيق والعلم.
ولذلك أنا أرى أن الحق يؤخذ من كل إنسان، والباطل يُرَد من كل إنسان، وأنه لا ينبغي لنا بل ولا يجوز لنا أن نجعل مدار الخصومة والنزاع والتفرق والائتلاف هو أسماء الرجال" انتهى.
" لقاءات الباب المفتوح " (١٣٠ / السؤال رقم ١) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15051
الطعن في صحابي بأنه كان لا يعرف شيئا في السياسة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم من يقول في حق الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ﵄: أنه لا يعرف شيئاً عن السياسة، مع العلم أن هذه الكلمة فيها نبز لهذا الصحابي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"عبد الله بن عمر بن الخطاب صحابي جليل، من أكابر الصحابة المهاجرين وعلمائهم وفضلائهم، تجب محبته ومحبة سائر الصحابة، والترضي عنهم، ولا يجوز تنقصهم أو تنقص أحد منهم؛ لقول النبي ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) .
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ... الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ... الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/٤٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15052
قصة ثعلبة (حمامة المسجد) غير صحيحة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل قصة ثعلبة ونزول قوله تعالى: (ومنهم من عاهد الله ... الآيات) صحيحة؟ علماً بأنهم كانوا يسمونه حمامة المسجد.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ) التوبة/٧٤، أنه ثعلبة بن حاطب – لا يصح سنده، وثعلبة بن حاطب أنصاري معدود في البدريين، استشهد يوم أحد، كما حقق ذلك جماعة من أهل العلم، منهم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ بكر أبو زيد.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/٤٩) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "قوله تعالى: (ومنهم من عاهد الله....) الآيات نزلت في بيان حال بعض المنافقين. وأما ما اشتهر من أنها نزلت في ثعلبة بن حاطب في قصة طويلة ذكرها كثير من المفسرين وروجها كثير من الوعاظ فضعيف لا صحة له، وهي مخالفة لما هو معلوم من الدين بالضرورة من أن الله يقبل توبة التائب من أي ذنب كان " انتهى من شرح رسالة "أصول في التفسير"
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15053
يسأل عن مقولة إبراهيم ﵇ لإسماعيل: غيّر عتبة بابك
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك حديث يخص رجلا أخبر بأن يغير عتبة داره إذا نطقت زوجته بعبارة مهينة؟ رجاء ساعدوني في إيجاد هذا الحديث (إذا كان موجودا) وفهم السياق الذي قيل فيه إن شاء الله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فالحديث الذي أشار إليه السائل هو ما حكاه النبي ﷺ من قصة إبراهيم ﵇ مع أم إسماعيل ﵇، وترك إبراهيم الخليل لها ولولدها عند بيت الله المحرم، وما تبع ذلك من أحداث.
والقصة رواها البخاري في صحيحة بطولها، وقد أخبرنا الله في القرآن عن بعض تفاصيل هذه القصة، كما في سورة إبراهيم؛ فقد أخبرنا سبحانه أن إبراهيم ترك زوجته وولده في مكة ورجع إلى الشام، كما أمره الله ثم رجع إلى مكة وقد كبر إسماعيل، فيقص علينا النبي خبر رجوعه إلى مكة:
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الْإِنْسَ فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ.
وَشَبَّ الْغُلَامُ وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا.
ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ نَحْنُ بِشَرٍّ نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ فَشَكَتْ إِلَيْهِ!!
قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇ وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ!!
فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟!
قَالَتْ: نَعَمْ جَاءَنَا، شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ؟!!
قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟
قَالَتْ: نَعَمْ؛ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ!!
قَالَ: ذَاكِ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ؛ الْحَقِي بِأَهْلِكِ.
فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا.
قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ، وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ؟
فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ.
فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتْ: اللَّحْمُ. قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتْ الْمَاءُ.
قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ.
قَالَ: فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ، قَالَ فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇ وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ!! فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ!! قَالَ: ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ!!
ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ، قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ؟!!
قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ. قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ.
قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا، وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا.
قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ، وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوُِهُ الْحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولَانِ: " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ".
قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
رواه البخاري في صحيحة: كتاب أحاديث الأنبياء، باب واتخذ الله إبراهيم خليلا رقم (٣١١٣) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀: " قوله عتبة بابك: كناية عن المرأة، وسماها بذلك لما فيها من الصفات الموافقة لها، وهو حفظ الباب وصون ما هو داخله.
وفي القصة دروس وعبر منها
١- أن شكر الله سبب للمزيد من نعمه، وكفر النعم بعكس ذالك، وهذا واضح من عاقبة حال المرأتين.
٢- الإشارة إلى ما ينبغي أن تكون عليه المرأة من القناعة والرضى بما يسره الله لزوجها من الرزق دون تبرم أو تضجر.
٣- الاعتناء باختيار الزوجة الصالحة التي تعين على أمر الآخرة.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15054
عقيدة شيخ الإسلام ابن تيمية وثناء الأئمة عليه وموقف ابن حجر منه
[السُّؤَالُ]
ـ[رجاءً الإجابة على سؤالي عن عقيدة الشيخ ابن تيمية، حيث قرأت أنه انحرف عن العقيدة الصحيحة، وأنه وصف الله بصفات البشر، أيضاً قرأت أن علماء مثل ابن حجر العسقلانى لا يقدرونه، هل يمكنكم توضيح هذه المسألة لي؟ . شكراً لكم، والسلام عليكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يُعدُّ شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية من المجددين البارزين في الإسلام، وقد وُلد – ﵀ – عام ٦٦١ هـ وتوفي عام ٧٢٨ هـ، وإذا كان أثر المجدد عادة في زمانه وقرنه فإن أثر شيخ الإسلام ابتدأ في زمانه ولا يزال أثره إلى الآن على العلماء وطلاب العلم والجماعات الإسلامية التي تنتسب للسنَّة، ولا يزال أهل العلم ينهلون من علمه في الرد على أعداء الدين من اليهود والنصارى، والفرق المنسبة للإسلام كالرافضة والحلولية والجهمية، والفرق المبتدعة كالأشعرية والمرجئة.
وتحقيقاته في مسائل الفقه والحديث والتفسير والسلوك أشهر من أن نذكر نماذج لها، فكتبه ومؤلفاته شاهدة عليها، وليس هو – ﵀ – بحاجة لمن يزكيه من أمثالنا، بل علمه وفقهه حاضر شاهد لا ينكره إلا جاهل أو جاحد.
ثانياً:
وشهادات الأئمة في عصره، وبعد عصره تبين للمنصف كذب الادعاءات التي يفتريها أعداء الملة، وأعداء السنَّة على هذا الإمام العلَم، وفي ثنايا هذه التزكيات بيان علم وفقه وقوة حجة هذا الإمام، وبه يُعرف السبب الذي حاربه من أجله أهل الكفر والبدعة، وهو أنه هدم أصولهم فخرَّ عليهم السقف من فوقهم، وسنذكر في بعض هذه الشهادات صحة اعتقاد شيخ الإسلام ابن تيمية، ونصرته للسنَّة، ورده على أهل البدع والخرافات.
وهذه التزكيات والشهادات لهذا الإمام لم تكن من تلامذته وأصحابه فحسب، بل شهد له حتى مخالفوه بالإمام والتقدم في العلم والفقه، وقوة الحجة، بل وشهدوا له بالشجاعة والسخاء والجهاد في سبيل الله لنصرة الإسلام، وهذه بعض الشهادات والتزكيات:
١. قال الإمام الذهبي – ﵀ في " معجم شيوخه ":
هو شيخنا، وشيخ الإسلام، وفريد العصر، علماً، ومعرفة، وشجاعة، وذكاء، وتنويراً إلهيّاً ً، وكرماً، ونصحاً للأمَّة، وأمراً بالمعروف، ونهياً عن المنكر، سمع الحديث، وأكثر بنفسه من طلبه وكتابته، وخرج، ونظر في الرجال، والطبقات، وحصَّل ما لم يحصله غيره.
برَع في تفسير القرآن، وغاص في دقيق معانيه، بطبع سيَّال، وخاطر إلى مواقع الإِشكال ميَّال، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها، وبرع في الحديث، وحفِظه، فقلَّ من يحفظ ما يحفظه من الحديث، معزوّاً إلى أصوله وصحابته، مع شدة استحضاره له وقت إقامة الدليل، وفاق الناس في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل يقوم بما دليله عنده، وأتقن العربيَّة أصولاً وفروعاً، وتعليلاً واختلافاً، ونظر في العقليات، وعرف أقوال المتكلمين، وَرَدَّ عليهم، وَنبَّه على خطئهم، وحذَّر منهم، ونصر السنَّة بأوضح حجج وأبهر براهين، وأُوذي في ذات الله من المخالفين، وأُخيف في نصر السنَّة المحضة، حتى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له، وَكَبَتَ أعداءه، وهدى به رجالاً من أهل الملل والنحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالباً، وعلى طاعته، أحيى به الشام، بل والإسلام، بعد أن كاد ينثلم بتثبيت أولى الأمر لما أقبل حزب التتر والبغي في خيلائهم، فظُنت بالله الظنون، وزلزل المؤمنون، واشْرَأَب النفاق وأبدى صفحته.
ومحاسنه كثيرة، وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي، فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت: إني ما رأيت بعيني مثله، وأنه ما رأى مثل نفسه.
انظر " ذيل طبقات الحنابلة " لابن رجب الحنبلي (٤ / ٣٩٠) .
٢. وقال الحافظ عماد الدين الواسطي – ﵀:
والله، ثم والله، لم يُرَ تحت أديم السماء مثل شيخكم ابن تيمية، علماً، وعملاً، وحالاً، وخلُقاً، واتِّباعاً، وكرماً، وحلْماً، وقياماً في حق الله تعالى عند انتهاك حرماته، أصدق النَّاس عقداً، وأصحهم علماً وعزماً، وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحق وقيامه همةً، وأسخاهم كفّاً، وأكملهم اتباعاً لسنَّة محمد ﷺ ، ما رأينا في عصرنا هذا مَن تستجلي النبوة المحمدية وسننها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل يشهد القلب الصحيح أن هذا هو الاتباع حقيقة.
" العقود الدرية " (ص ٣١١) .
٣. وقال الحافظ جلال الدين السيوطي – ﵀:
ابن تيمية، الشيخ، الإمام، العلامة، الحافظ، الناقد، الفقيه، المجتهد، المفسر البارع، شيخ الإسلام، علَم الزهاد، نادرة العصر، تقي الدين أبو العباس أحمد المفتي شهاب الدين عبد الحليم بن الإمام المجتهد شيخ الإسلام مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني.
أحد الأعلام، ولد في ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، وسمع ابن أبي اليسر، وابن عبد الدائم، وعدّة.
وعني بالحديث، وخرَّج، وانتقى، وبرع في الرجال، وعلل الحديث، وفقهه، وفي علوم الإسلام، وعلم الكلام، وغير ذلك.
وكان من بحور العلم، ومن الأذكياء المعدودين، والزهاد، والأفراد، ألَّف ثلاثمائة مجلدة، وامتحن وأوذي مراراً.
مات في العشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
" طبقات الحفاظ " (ص ٥١٦، ٥١٧) .
وقد طعن ابن حجر الهيتمي [من كبار فقهاء الشافعية، توفي ٩٧٤هـ، وهو شخص آخر غير ابن حجر العسقلاني، صاحب فتح الباري، المتوفي ٨٥٢هـ] في شيخي الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم كثيراً، واتهمهما بالقول بالتجسيم والتشبيه وقبائح الاعتقادات، وقد ردَّ عليه كثيرون، وبينوا زيف قوله، وأظهروا براءة الإمامين من كل اعتقاد يخالف الكتاب والسنة، ومن هؤلاء:
٤. الملا علي قاري – ﵀ – حيث قال – بعد أن ذكر اتهام ابن حجر لهما وطعنه في عقيدتهما -:
أقول: صانهما الله – أي: ابن القيم وشيخه ابن تيمية - عن هذه السمة الشنيعة، والنسبة الفظيعة، ومن طالع " شرح منازل السائرين " لنديم الباري الشيخ عبد الله الأنصاري قدس الله سره الجلي، وهو شيخ الإسلام عند الصوفية: تبيَّن له أنهما كانا من أهل السنة والجماعة، بل ومن أولياء هذه الأمة، ومما ذكر في الشرح المذكور ما نصه على وفق المسطور:
" وهذا الكلام من شيخ الإسلام يبين مرتبته من السنَّة، ومقداره في العلم، وأنه بريء مما رماه أعداؤه الجهمية من التشبيه والتمثيل، على عادتهم في رمي أهل الحديث والسنَّة بذلك، كرمي الرافضة لهم بأنهم نواصب، والناصبة بأنهم روافض، والمعتزلة بأنهم نوابت حشوية، وذلك ميراث من أعداء رسول الله ﷺ في رميه، ورمي أصحابه بأنهم صبأة، قد ابتدعوا ديناً محدثاً، وهذا ميراث لأهل الحديث والسنة من نبيهم بتلقيب أهل الباطل لهم بالألقاب المذمومة.
وقدس الله روح الشافعي حيث يقول وقد نسب إلى الرفض:
إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي
ورضي الله عن شيخنا أبي العباس بن تيمية حيث يقول:
إن كان نصباً حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني ناصبي
وعفا الله عن الثالث – وهو ابن القيم - حيث يقول:
فإن كان تجسيماً ثبوت صفاته ... وتنزيهها عن كل تأويل مفتر
فإني بحمد الله ربي مجسم ... هلموا شهوداً واملئوا كل محضرِ ".
" مرقاة المفاتيح " لملا علي القاري (٨ / ١٤٦، ١٤٧) .
وما بين علامتي التنصيص " " نقله الملا علي قاري عن الإمام ابن القيم من كتابه " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين " (٢ / ٨٧، ٨٨) .
وسئل علماء اللجنة الدائمة:
يقول الناس: إن ابن تيمية ليس من أهل السنة والجماعة، وإنه ضال مضل، وعليه ابن حجر، وغيره، هل قولهم صدق أم لا؟ .
فأجابوا:
إن الشيخ أحمد بن عبد الحليم بن تيمية إمام من أئمة أهل السنة والجماعة، يدعو إلى الحق، وإلى الطريق المستقيم، قد نصر الله به السنَّة، وقمع به أهل البدعة والزيغ، ومن حكم عليه بغير ذلك: فهو المبتدع، الضال، المضل، قد عميت عليهم الأنباء، فظنوا الحق باطلاً، والباطل حقّاً، يَعرف ذلك من أنار الله بصيرته، وقرأ كتبه، وكتب خصومه، وقارن بين سيرته وسيرتهم، وهذا خير شاهد وفاصل بين الفريقين.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢ / ٤٥١، ٢٥٤) .
ثالثاً:
كلام الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي ﵀ – في شيخ الإسلام ابن تيمية:
الحافظ ابن حجر العسقلاني إمام مشهور، توفي عام ٨٥٢ هـ، وهو صاحب التصانيف النافعة، مثل " فتح الباري شرح صحيح البخاري "، و " التلخيص الحبير "، و " تهذيب التهذيب " وغيرها، وكان للحافظ ابن حجر كلمات متفرقات في شيخ الإسلام ابن تيمية، شهد له بها بالعلم والفضل والدفاع عن السنَّة، وما ينتقده الحافظ ابن حجر – ﵀ – على شيخ الإسلام قابل للنقض، وهو نفسه – ﵀ – هناك من تعقبه في بعض المسائل العقيدية، ولا يهمنا هنا عرض ذلك، والبحث فيه، وإنما يهمنا نقل كلامه – ﵀ – في شيخ الإسلام ثناء ومدحاً؛ ليتبين خطأ من قال إن الحافظ – ﵀ – لا يقدِّر شيخ الإسلام ابن تيمية! .
وهذه نُبذ من كلام الحافظ ابن حجر – ﵀ – في حق شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
١. ألَّف الشيخ ابن ناصر الدين الدمشقي كتاباً سماه " الرد الوافر على من زعم أن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر " ردّاً على واحدٍ متعصبي الأحناف زعم أنه لا يجوز تسمية ابن تيمية بـ " شيخ الإسلام "، وأنه من فعل ذلك فقد كفر! ، وقد ذكر فيه خمساً وثمانين إماماً من أئمة المسلمين كلهم وصف ابن تيمية بـ " شيخ الإسلام "، ونقل أقوالهم من كتبهم بذلك، ولما قرأ الحافظ بن حجر ﵀ هذا الكتاب – " الرد الوافر " - كتب عليه تقريظاً، وهذا نصه:
الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.
وقفتُ على هذا التأليف النافع، والمجموع الذي هو للمقاصد التي جمع لأجلها جامع، فتحققت سعة اطلاع الإمام الذي صنفه، وتضلعه من العلوم النافعة بما عظمه بين العلماء وشرَّفه، وشهرة إمامة الشيخ تقي الدين أشهر من الشمس، وتلقيبه بـ " شيخ الإسلام " في عصره باق إلى الآن على الألسنة الزكية، ويستمر غداً كما كان بالأمس، ولا ينكر ذلك إلا من جهل مقداره، أو تجنب الإنصاف، فما أغلط من تعاطى ذلك وأكثر عثاره، فالله تعالى هو المسؤو أن يقينا شرور أنفسنا، وحصائد ألسنتنا بمنِّه وفضله، ولو لم يكن من الدليل على إمامة هذا الرجل إلا ما نبَّه عليه الحافظ الشهير علم الدين البرزالي في " تاريخه ": أنه لم يوجد في الإسلام من اجتمع في جنازته لما مات ما اجتمع في جنازة الشيخ تقي الدين، وأشار إلى أن جنازة الإمام أحمد كانت حافلة جدّاً شهدها مئات ألوف، ولكن لو كان بدمشق من الخلائق نظير من كان ببغداد أو أضعاف ذلك: لما تأخر أحد منهم عن شهود جنازته، وأيضاً فجميع من كان ببغداد إلا الأقل كانوا يعتقدون إمامة الإمام أحمد، وكان أمير بغداد وخليفة ذلك الوقت إذا ذاك في غاية المحبة له والتعظيم، بخلاف ابن تيمية فكان أمير البلد حين مات غائباً، وكان أكثر مَن بالبلد مِن الفقهاء قد تعصبوا عليه حتى مات محبوساً بالقلعة، ومع هذا فلم يتخلف منهم عن حضور جنازته والترحم عليه والتأسف عليه إلا ثلاثة أنفس، تأخروا خشية على أنفسهم من العامة.
ومع حضور هذا الجمع العظيم: فلم يكن لذلك باعث إلا اعتقاد إمامته وبركته، لا بجمع سلطان، ولا غيره، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (أنتم شهداء الله في الأرض) - رواه البخاري ومسلم -.
ولقد قام على الشيخ تقي الدين جماعة من العلماء مراراً، بسبب أشياء أنكروها عليه من الأصول والفروع، وعقدت له بسبب ذلك عدة مجالس بالقاهرة، وبدمشق، ولا يحفظ عن أحد منهم أنه أفتى بزندقته، ولا حكم بسفك دمه مع شدة المتعصبين عليه حينئذ من أهل الدولة، حتى حبس بالقاهرة، ثم بالإسكندرية، ومع ذلك فكلهم معترف بسعة علمه، وكثرة ورعه، وزهده، ووصفه بالسخاء، والشجاعة، وغير ذلك من قيامه في نصر الإسلام، والدعوة إلى الله تعالى في السر والعلانية، فكيف لا يُنكر على مَن أطلق " أنه كافر "، بل من أطلق على من سماه شيخ الإسلام: الكفر، وليس في تسميته بذلك ما يقتضي ذلك؛ فإنه شيخ في الإسلام بلا ريب، والمسائل التي أنكرت عليه ما كان يقولها بالتشهي، ولا يصر على القول بها بعد قيام الدليل عليه عناداً، وهذه تصانيفه طافحة بالرد على من يقول بالتجسيم، والتبري منه، ومع ذلك فهو بشر يخطئ ويصيب، فالذي أصاب فيه - وهو الأكثر - يستفاد منه، ويترحم عليه بسببه، والذي أخطأ فيه لا يقلد فيه، بل هو معذور؛ لأن أئمة عصره شهدوا له بأن أدوات الاجتهاد اجتمعت فيه، حتى كان أشد المتعصبين عليه، والقائمين في إيصال الشر إليه، وهو الشيخ كمال الدين الزملكاني، يشهد له بذلك، وكذلك الشيخ صدر الدين بن الوكيل، الذي لم يثبت لمناظرته غيره.
ومن أعجب العجب أن هذا الرجل كان أعظم الناس قياماً على أهل البدع من الروافض، والحلولية، والاتحادية، وتصانيفه في ذلك كثيرة شهيرة، وفتاويه فيهم لا تدخل تحت الحصر، فيا قرة أعينهم إذا سمعوا بكفره، ويا سرورهم إذا رأوا من يكفر من لا يكفره، فالواجب على من تلبّس بالعلم وكان له عقل أن يتأمل كلام الرجل من تصانيفه المشتهرة، أو من ألسنة من يوثق به من أهل النقل، فيفرد من ذلك ما يُنكر، فيحذِّر منه على قصد النصح، ويثني عليه بفضائله فيما أصاب من ذلك، كدأب غيره من العلماء، ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية صاحب التصانيف النافعة السائرة التي انتفع بها الموافق والمخالف: لكان غاية في الدلالة على عظم منزلته، فكيف وقد شهد له بالتقدم في العلوم، والتميز في المنطوق والمفهوم أئمة عصره من الشافعية وغيرهم، فضلاً عن الحنابلة، فالذي يطلق عليه مع هذه الأشياء الكفر، أو على من سمَّاه " شيخ الإسلام ": لا يلتفت إليه، ولا يعوَّل في هذا المقام عليه، بل يجب ردعه عن ذلك إلى أن يراجع الحق، ويذعن للصواب، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله، ونعم الوكيل.
صفة خطه أدام الله بقاءه.
قاله، وكتبه: أحمد بن علي بن محمد بن حجر الشافعي، عفا الله عنه، وذلك في يوم الجمعة التاسع من شهر ربيع الأول، عام خمسة وثلاثين وثمانمائة، حامداً لله، ومصليّاً على رسوله محمد، وآله ومسلماً.
" الرد الوافر " للإمام ابن ناصر الدين الدمشقي (ص ١٤٥، ١٤٦) ، ونقل الحافظ السخاوي – تلميذ ابن حجر – كلام شيخه في كتابه " الجواهر والدرر " (٢ / ٧٣٤ – ٧٣٦) .
٠٢ ترجم الحافظ ابن حجر لشيخ الإسلام ابن تيمية، عليهما رحمة الله، ترجمة حفيلة في كتابه " الدرر الكامنة "، قال في أولها:
".. وتحول به أبوه من حران سنة ٦٧، فسمع من ابن عبد الدائم والقاسم الأربلي والمسلم ابن علان وابن أبي عمر والفخر في آخرين، وقرأ بنفسه ونسخ سنن أبي داود وحصل الأجزاء ونظر في الرجال والعلل، وتفقه وتمهر، وتميز وتقدم، وصنف ودرس وأفتى، وفاق الأقران، وصار عجباً في سرعة الاستحضار وقوة الجنان والتوسع في المنقول والمعقول والإطالة على مذاهب السلف والخلف.. " انتهى.
الدرر الكامنة، في أعيان المائة الثامنة "١/١٦٨) .
وقد نقل في هذه الترجمة كثيرا من نصوص الأئمة، في الثناء على شيخ الإسلام ﵀، والإقرار بإمامته في علوم المعقول والمنقول، ومن ذلك قوله:
٠٣ " وقرأت بخط الحافظ صلاح الدين العلائي، في ثبت شيخ شيوخنا الحافظ بهاء الدين عبد الله بن محمد بن خليل، ما نصه: وسمع بهاء الدين المذكور على الشيخين شيخنا وسيدنا وإمامنا فيما بيننا وبين الله تعالى، شيخ التحقيق، السالك بمن اتبعه أحسن طريق، ذي الفضائل المتكاثرة، والحجج القاهرة، التي أقت الأمم كافة أن هممها عن حصرها قاصرة، ومتعنا الله بعلومه الفاخرة ونفعنا به في الدنيا والآخرة، وهو الشيخ الإمام العالم الرباني والحبر البحر القطب النوراني، إمام الأئمة، بركة الأمة، علامة العلماء، وارث الأنبياء، آخر المجتهدين، أوحد علماء الدين، شيخ الإسلام، حجة الأعلام، قدوة الأنام، برهان المتعلمين، قامع المبتدعين، سيف المناظرين، بحر العلوم، كنز المستفيدين، ترجمان القرآن، أعجوبة الزمان، فريد العصر والأوان، تقي الدين، إمام المسلمين، حجة الله على العالمين، اللاحق بالصالحين، والمشبه بالماضين، مفتي الفرق، ناصر الحق، علامة الهدى، عمدة الحفاظ، فارس المعاني والألفاظ، ركن الشريعة، ذو الفنون البديعة، أبو العباس ابن تيمية!! "
الدرر الكامنة (١٨٦-١٨٧) .
رابعاً:
إذا كانت هذه النصوص التي نقلناها أو أشرنا إليها، من كلام الحافظ ابن حجر ﵀، أو مما نقله الحافظ عن غيره، ناطقة بتقدير شيخ الإسلام، والإشادة بمنزلته من العلم والدين؛ فإن ذلك لا يعني أن الحافظ لم يخالف شيخ الإسلام البتة في مسألة من المسائل العلمية، أو لم ينتقده قط؛ فما زال أهل العلم يردون بعضهم على بعض؛ من غير أن يلزم من ذلك أن يكون الراد لا يقدر المردود عليه قدره، فضلا عن أن يبدعه أو يضلله، وقديما قال الإمام مالك ﵀ قولته الشهيرة: " كل يؤخذ من قوله ويترك، إلا صاحب هذا القبر "، أو نحوا من ذلك، ـ يعني: رسول الله ﷺ .
وهذا بغض النظر عما إذا كان الصواب، في المسألة المعينة، مع شيخ الإسلام، أو مع مخالفه ومن يرد عليه، الحافظ ابن حجر أو غيره. فكيف إذا كان الصواب في عامة ما أنكروه عليه، أو معظمه في جانب شيخ الإسلام، رحم الله الجميع.
ويمكن مراجعة كثير من هذه المسائل التي انتقدت على شيخ الإسلام، ولا سيما من قبل ابن حجر الهيتمي، المشار إلى موقفه آنفا، فيما كتبه الشيخ نعمان خير الدين ابن الآلوسي ﵀، في كتابه النافع: " جلاء العينين في محاكمة الأحمدين "، يعني: أحمد بن تيمية، وأحمد بن حجر الهيتمي، عليهما رحمة الله.
وينظر أيضا كتاب: دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو بحث أكاديمي من إعداد الدكتور: عبد الله بن صالح الغصن.
خامساً:
ما ورد في السؤال من أن شيخ الإسلام انحرف عن العقيدة الصحيحة ووصف الله تعالى بصفات خلقه، هو من أفرى الفرى، وأبين الكذب على شيخ الإسلام ومنهجه وعقيدته، ومن يطالع شيئا من مصنفاته الكبار أو الصغار يتحقق ذلك، ومن هذه النصوص والقواعد التي يشق الإشارة إلى جميعها هنا، فضلا عن نقلها، قوله ﵀:
" اتفق سلف الأمة وأئمتها أن الله ليس كمثله شيء، لا فى ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وقال من قال من الأئمة: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها " اهـ
فتاوى شيخ الإسلام (٢/١٢٦) .
وقال ﵀:
" ثم القول الشامل في جميع هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، وبما وصفه به السابقون الأولون؛ لا يُتجاوز القرآن والحديث.
قال الإمام أحمد ﵁: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله؛ لا يتجاوز القرآن والحديث. ٍ
ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجى، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه، لا سيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول، وأفصح الخلق في بيان العلم، وأفصح الخلق في البيان والتعريف والدلالة والإرشاد.
وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء، لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة، فكذلك له صفات حقيقة؛ وهو ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصا أو حدوثا فإن الله منزه عنه حقيقة؛ فانه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عليه الحدوث؛ لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقة العدم، ولافتقار المحدَث إلى محدِث، ولوجوب وجوده بنفسه، .
ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل؛ فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله؛ فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العليا، ويحرفوا الكلم عن مواضعه، ويلحدوا في أسماء الله وآياته.
وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل فهو جامع بين التعطيل والتمثيل؛ أما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات؛ فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل؛ مثلوا أولا، وعطلوا آخرا؛ وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله .. "
فتاوى شيخ الإسلام (٥/٢٦-٢٧) .
ونصوص شيخ الإسلام في هذا المعنى كثيرة جدا، كما أشرنا، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15055
دفاع عن الشيخ أحمد ديدات ﵀
[السُّؤَالُ]
ـ[أود أن أطمئن بخصوص الداعية " أحمد ديدات " يرحمه الله، حيث علت أصوات تتهمه بأنه كان من طائفة الأحمدية والتي مقرها الرئيس باكستان، ويستشهدون بما قد يورده الشيخ أحيانا في مناظراته من النظرية التي تقول بأن المسيح صلب ولكنه لم يمت على الصليب، وإنما أغمي عليه فحسب، ولكنه مات بعد ذلك في حادث عرضي ثم رفعت روحه إلى السماء.
أود أن أعرف ما هي وجهة نظر الداعية المعروف " أحمد ديدات "؟ وهل تلك الاتهامات صحيحة؟ حيث إني من محبي الشيخ عليه رحمة الله، وأتابع بشغف مناظراته، ومؤلفاته، ولكم جزيل الشكر.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ولد الشيخ أحمد حسين ديدات في مدينة " سيرات " بالهند عام ١٩١٨ م , وقد هاجر والده إلى دولة " جنوب أفريقيا " بعد وقت قصير من ولادته، وعندما بلغ تسع سنوات ماتت والدته، فلحق بأبيه إلى جنوب أفريقيا حيث عاش هناك بقية عمره.
وفي جنوب أفريقيا خرج الشيخ أحمد ديدات إلى العالم في أول مناظرة عالمية عام ١٩٧٧ م بقاعة ألبرت هول في " بريطانيا "، وقد ناظر كبار رجال الدين النصراني أمثال: كلارك –، وجيمي سواجارت، وأنيس شروش، وغيرهم، وقد انتفع بها المسلمون فثبت اعتقادهم بالإسلام والقرآن، وعرفوا التحريف والكذب في الأديان المحرفة، كما انتفع بها بعض من منَّ الله عليه بالهداية من النصارى.
وفي يوم الاثنين الثامن من أغسطس ٢٠٠٥ م توفي الداعية والشيخ المجاهد أحمد ديدات، وقد لاقى ربَّه عن عمر يناهز (٨٧) عاماً بمنزله في منطقة " فيرولام " بإقليم " كوازولو ناتال " بجنوب إفريقية بعد صراع طويل مع المرض.
ثانياً:
وأما اعتقاد المسلمين في المسيح ﵇: فهو اعتقاد دليله الكتاب والسنَّة، فالمسيح عيسى ﵇ من أولي العزم من الرسل، ويعتقد المسلمون بأن عيسى ﵇ رفعه الله تعالى إلى السماء حياً، وأنه لم يصلب ولم يُقتل، وأنه باقٍ حيّاً فيها إلى قرب قيام الساعة، وأنه سينزل إلى الأرض فيقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويحكم بالشريعة الإسلامية، ثم يموت – ﵇ – كسائر البشر.
قال الإمام أبو محمد عبد الحق بن عطية ﵀:
وأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن عيسى ﵇ في السماء حي، وأنه ينزل في آخر الزمان فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويقتل الدجال، ويفيض العدل، ويظهر هذه الملة - ملة محمد - ويحج البيت ويعتمر،......ثم يميته الله تعالى.
" المحرر الوجيز " (٣ / ١٤٣) .
ويقول السفاريني – ﵀:
فقد أجمعت الأمة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة ممن لا يعتد بخلافه، وقد انعقد إجماع الأمة على أنه ينزل، ويحكم بهذه الشريعة المحمدية، وليس ينزل بشريعة مستقلة عند نزوله من السماء.
" لوامع الأنوار البهية " (٢ / ٩٤، ٩٥) .
ثالثاً:
القاديانية حركة نشأت سنة ١٩٠٠ م بتخطيط من الاستعمار الإنجليزي في القارة الهندية، بهدف إبعاد المسلمين عن دينهم وعن فريضة الجهاد بشكل خاص.
ويعتقد القاديانية أن النبوة لم تختم بمحمد ﷺ بل هي مستمرة، والله يرسل الرسول حسب الضرورة، وأن " غلام أحمد " – مؤسس القاديانية ولد عام ١٨٣٩ م، وتوفي عام ١٩٠٨ م - هو أفضل الأنبياء جميعا!!
ويعتقدون أن جبريل كان ينزل على " غلام أحمد "، وأنه كان يوحى إليه، وأن إلهاماته كالقرآن.
وانظر تفصيل اعتقادهم وبيان كفرهم في جواب السؤال رقم (٤٠٦٠) .
رابعاً:
أما قول الأحمدية - القاديانية – في المسيح ﵇: فهو أنهم يعتقدون أن المسيح ﵇ صُلِب ولم يمت على الصّليب، لكنه أُغمِي عليه، ودُفن، ثم هرب من قبره إلى " كشمير "! ومات هناك ميتة طبيعية، وقبره هناك موجود.
وهم يؤولون الرفع على أنه مجازي لا حقيقي , أي: رفع المكانة والمنزلة لا رفع البدن.
وقد جاء اعتقادهم هذا في رسالتين لهم الأولى بعنوان: " المسيح الناصري في الهند "، وهي من تأليف ميرزا غلام أحمد نفسه، والثانية بعنوان " وفاة المسيح ابن مريم والمراد من نزوله "، وهي من نشر " الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية "، وقد وضعوا على غلافها صورة مزعومة لقبر عيسى ﵇ في " سري نغر " بكشمير الهند.
وقد قالوا في (ص ٢) : إن عيسى ﵇ لم يُرفع حيّاً، ولم يُلق شبهه على أحد، وإنما عُلق على الصليب بضع ساعات، ولما أُنزل كان في حالة إغماء شديد حتى خُيل إليهم أنه قد مات، ثم بعد واقعة الصلب هاجر من فلسطين إلى البلاد الشرقية: العراق، وإيران، وأفغانستان، وكشمير، والهند، وعاش عشرين ومائة سنة.
وقد ادعى ميرزا غلام أحمد القادياني كذباً وزوراً بأن الله أوحى له بهذا التفسير، وهو قول بعض النصارى من قبله، والظاهر أنه سرق الفكرة منهم.
وغرض القاديانية من نشر هذا الاعتقاد في المسيح عيسى ﵇: تسهيل ادعاء أن الأحاديث الواردة في نزول المسيح وخروج المهدي آخر الزمان هي في خروج القادياني الكذاب ميرزا غلام أحمد.
وقد صرحت الرسالة المشار إليها بذلك إذ جاء فيها (ص ٦) :
فالمراد من نزول عيسى ابن مريم: بعثة رجل آخر من أمة المصطفى ﷺ ، يشبه عيسى ابن مريم في صفاته وأعماله وحالاته، وقد ظهر هذا الموعود في قاديان الهند باسم: ميرزا غلام أحمد ... إماماً مهديّاً، وجعله الله مثيل المسيح عيسى ابن مريم ﵇، فكان هو المسيح الموعود، والإمام المهدي للأمة المحمدية الذي وعد رسول الله ﷺ ببعثته قائلا: (لا المهدي – كذا، والصواب: مهدي - إلا عيسى) ابن ماجه، كتاب الفتن. انتهى.
وفي اعتقاد المسلمين: أن عيسى ﵇ نبي مرسل، وأن المهدي مسلم مصلح لا نبي ولا رسول، وأن خروج المهدي من علامات الساعة الصغرى، ونزول عيسى ﵇ من علامات الساعة الكبرى، وبينهما فرق لا يخفى على أحدٍ.
والحديث الذي استدلوا به: (لا مهدي إلا عيسى) لا يصح، بل هو حديث منكر، حكم بنكارته جمع من الأئمة، منهم النسائي والذهبي والألباني، وضعفه الحاكم والبيهقي والقرطبي وابن تيمية، بل حكم بوضعه الصغاني.
وانظر: " منهاج السنة " (٨ / ٢٥٦) ، و " الصواعق المحرقة " للهيتمي (٢ / ٤٧٦) ، و " السلسلة الضعيفة " (٧٧) .
خامساً:
وأما أن الشيخ أحمد ديدات – ﵀ – كان يقول بقول القاديانية: فهذا أبعد ما يكون عن الحق، وهو محض افتراء على الشيخ، وذلك من وجوه كثيرة:
١. مناظرات الشيخ وكتبه ومقالاته أكثر من أن تحصى، وليس فيها دعوة للدين القادياني ولا ثناء على زعيمه ولا أتباعه، ولو كان على طريقتهم لم تخلُ كتبه من ذلك.
٢. والقاديانية ألغت الجهاد من دينها، فمن دعا إلى مثل ما دعا إليه القاديانيون فهو منهم، وحاشا الشيخ أحمد ديدات أن يكون واحداً منهم، بل كان ينادي بالجهاد، ويرى أن السيف والقرآن هما سبيل عزة هذه الأمة.
قال الشيخ أحمد ديدات – ﵀:
سلاحنا الوحيد في مواجهة هذا الخطر الداهم المفزع المروع المسمى بالتبشير: هو القرآن، وحمل السيف في سبيل الله لمواجهة هذا الخطر الداهم، إنها مقولة مصيرية بين الإيمان والإلحاد , بين الإسلام وقوى الطغيان , بين العدل والجور , بين النور والظلمات , بين الحق والضلال , فلا ينفع ولا يجدي في هذه المعركة إلا السيف والقرآن يتعانقان حتى يقيم السيف ما تُرك من القرآن، ويسود الإسلامُ العالمَ أجمع، ويعود المسلمون إلى رشدهم لمواجهة هذا الخطر الكامن في الصليبية والصهيونية العالمية.
" حوار مع مبشر " (ص ٣٠) المختار الإسلامي.
٣. لا ترى القاديانية الصلاة والصوم والحج على ما جاءت به شريعتنا، بل لها عندهم معانٍ أُخر، كما أنهم يرون أن كل من ليس قاديانيا فهو كافر، ولا يبيحون للقادياني أن يتزوج من غيرهم، كما أنهم يبيحون الخمر والمسكرات، فهل كان الشيخ أحمد ديدات على مثل ما كان عليه أولئك الكفار؟ اللهم لا.
أ. فالشيخ له كتاب نافع بعنوان " مفهوم العبادة في الإسلام " طبعة " المختار الإسلامي "، وقد ذكر فيه ما يتعلق بعبادات المسلم من صلاة وزكاة وصيام وحج , بآيات وأحاديث، تدل على سعة علمه، وعلى حسن اعتقاده.
ب. وقد كان الشيخ متزوجاً من امرأة مسلمة فاضلة، تخدم الإسلام، وتعينه على الدعوة إلى الله، وهي الأخت " حواء " , ولو صحَّ ما نسب للشيخ من كونه قاديانيا لكان متزوجاً من كافرة، وهو لا يجوز عندهم، بل يراه بعضهم كفراً.
ج. وأما بالنسبة لحرمة الخمر والمخدرات: فالشيخ له كتاب نافع قوي، وهو بعنوان " الخمر بين المسيحية والإسلام " وقد نصر فيه الإسلام وأحكامه بنقله لتحريم الخمر والمسكرات من الكتاب والسنَّة.
ومما جاء في الكتاب:
" الإسلام هو الدين الوحيد على وجه الأرض الذي يحرم المسكرات بالكامل , وقد قال النبي الكريم محمد ﷺ (ما أسكر كثيره فقليله حرام) , فلا يوجد عذر في دار الإسلام لمن يرشف رشفة، أو يتناول جرعة من أي شراب مسكر , إن القرآن الكريم - كتاب الحق - حرم بأشد العبارات ليس فقط الخمر وما تجلبه من شرور: بل إنه حرم الميسر " القمار " و " الأنصاب " - التي كانوا يذبحون عندها - و " الأزلام " - التي كانوا يقتسمون بها -، أي: أنه حرم الخمر، وعبادة الأوثان والأصنام، والعرافة - أو معرفة البخت -، وقراءة الطالع في آية واحدة , قال تعالى: (يا أيها الذين أمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) المائدة/٩٠.. .
إن هذا التوجيه الصريح البسيط قد جعل من الأمة الإسلامية أكبر تجمع من الممتنعين امتناعاً تامّاً عن المسكرات في العالم ".
" الخمر بين المسيحية والإسلام " (ص ١٨) طبعة " المختار الإسلامي ".
٤. ويعتقد القاديانيون بموت المسيح ﵇ بعد أن صُلب بمدة، وهم يعتقدون أن الميرزا غلام أحمد هو المسيح وهو المهدي – كما سبق -، فهل كان الشيخ أحمد ديدات – ﵀ – على هذه العقيدة؟ اللهم لا.
وهذا سؤال وجِّه للشيخ من رجل قادياني حول ختم الرسالة بمحمد ﷺ ، وعقيدة القاديانية، ولنقرأ ماذا قال الشيخ – ﵀:
لأخ يسأل هل أؤمن بأنّ نبيّنا الكريم محمَّداً ﷺ خاتم النّبيّين؟ هل هو آخر الأنبياء وخاتم الأنبياء؟ أقول: نعم , لكنّ اقاديانية يقولون بأنّ المسيح يعود في آخر الزّمان , ولذلك فإنّ محمَّداً ليس خاتم الأنبياء , هذا هو السّؤال؟ فكيف نجيب؟ .
إنّ الذي أخذ لقب خاتم الأنبياء لا يمكن أن يُنزَع هذا اللّقب منه أبداً , فلو أنّني قلتُ إنّني سأعطي لآخر مائة رجل هديّةً , فيأتي الواحد تلو الآخر , ثمّ يأتي آخر رجل ويأخذ هديّته وجائزته , الآن عندما يرجع أحد الرّجال مرّة أخرى بعد أن يأخذ الأخير جائزته: فإنّه لا يمكنه أن يأخذها منه.
نبيّنا محمّد صلّى عليه وسلّم أخذ لقبه , وهو آخر الأنبياء، وخاتم المرسلين , والقرآن آخر الكتب المنزّلة من عند الله , لا نحتاج أيّ إضافة , فلا نحتاج رسولاً آخر , ولا نحتاج كتاباً آخر , ذاك الرّجل – وهو السائل القادياني - لأنّه يريد أن يجعل صاحبه " ميرزا غلام أحمد " هو المسيح في رجوعه الثّاني: فلهذا السّبب كلّ هذا يثار الآن , يريد أن يربط ميرزا غلام أحمد مع ديدات!! من أجل أن يأخذ مكانة المسيح ﵇ في عودته الثّانية , من أجل أن يعتبر " ميرزا غلام أحمد " هو المسيح ﵇ , فلذلك يريد أن يقتل المسيح - أي: يقول بأنه قد مات - , ويريد أن يثير كلّ هذا , الآن ماذا يريد من كلّ هذا؟ إذا أردتَ أن تعمل من أجل الإسلام , حسنًا , انظر، النّصارى حولك بالملايين، لكنّ الظّاهر أنّه ليس مهتمًّا بالنّصارى , هو مهتمّ بكم أنتم – أي: بالمسلمين - , إذا أردت أن تمارس الدّعوة: اذهب ومارس الدّعوة على اليهود والنّصارى والهندوس , إنّهم بالملايين حول العالم , لماذا تريد فتح صراع معي؟ إنّني مسلم، أؤمن بالله، وبرسوله، وبالقرآن الكريم , إنّك تضيّع وقتك معي.
" محاضرة في مسجد جامعة " ألقاها خلال زيارته إلى كينيا سنة ١٩٩٣ م.
٥. ومما يؤكد ما قلناه من نفي اتهام الشيخ أحمد ديدات – ﵀ – بالقاديانية: كتابته لشهادة يثبت فيها إسلامه، ويكفِّر فيها الميرزا غلام أحمد القادياني، بل ويكفِّر أتباعه، وينفي فيه توزيعه أو توزيع مركزه لبعض تفاسيرهم.
فقد راجت إشاعات في بلده - جنوب إفريقيا - بأنه قادياني، وأنه كان يوزع تفسير القرآن للمدعو " محمد أسد "، مما اضطر الشيخ أحمد ديدات أن يصدر توضيحاً حول هذا الأمر بتاريخ ٢٣ / ٧ / ١٩٨٧ م أكد فيه تكفيره لميرزا غلام أحمد القادياني، كما أعلن تكفيره لكل أتباعه.
وهنا تجدون صورة البراءة من القاديانية وتكفير زعيمها وأتباعه:
http://www.ahmed-deedat.net/Files/Articles/Website/B٠١.jpg
وهذا نص ترجمتها:
مركز الدعوة الإسلامي العالمي
إشهار
أنا " أحمد حسين ديدات " , رئيس مجلس الدعوة الإسلامية , أشهد هنا أمام الله , وأنا في كامل الأهلية التامة لشهادة أن لا اله الا الله , محمد رسول الله.
إنني أومن أن محمَّداً ﷺ هو النبي والرسول الخاتم، وأنه لا نبي ولا رسول بعده.
إنني أومن أن ميرزا غلام أحمد القاديانى ما هو إلا دجال كافر.
إنني أومن أن أولئك الذين يقبلونه كنبي أو رسول أو مجدد أو حتى إنه رجل عظيم: أنهم كافرون وخارجون عن حظيرة الإسلام.
إن كتابي " crucifixion or crucifiction " يحوي كلمة أخيرة (الخاتمة) توضح موقفي فيما أعتقده من عودة المسيح مرة ثانية.
إن مركز الدعوة الإسلامية لم ينشر - مطلقًا - ولم يوزع ولم يبع أو يشجع على بيع ترجمة محمد أسد لمعاني القرآن الكريم.
أسأل الله أن يحمينا من مروجي الإشاعات المتاجرين، ومن يعضون من الخلف ومروجي الفساد.
أحمد ديدات.
وما سبق يؤكد أن اتهام الشيخ أحمد ديدات بالقاديانية لم يأتِ إلا من كافر أراد تشويه دين الشيخ وصد الناس عنه بعد أن نجح بإدخال الآلاف في الإسلام، أو من حاسد ساءه ما رأى من تعظيم الناس – خاصتهم وعامتهم – للشيخ، أو من جاهل قرأ أو سمع شيئا من كلام الشيخ – ﵀ – وأساء الفهم وغلَّب سوء الظن على حسنه.
سادساً:
ما هو موقف الشيخ أحمد ديدات من صلب المسيح ﵇ وقتله؟.
مما لا شك فيه عندنا أن الشيخ أحمد ديدات – ﵀ ينفي الصلب والقتل معاً عن المسيح ﵇، ولا يتجاوز ما جاء في قوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) النساء/ من الآية ١٥٧.
أ. قال الشيخ أحمد ديدات – ﵀:
لا أتوقع أن يسألني أي شخص عن عقيدتي كمسلم فيما يتعلق بموضوع الصلب، عقيدتي هي عقيدة القرآن كما وردت بدقة في الآية ١٥٧ من سورة النساء.
" مسألة صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء " (ص ٨٨) دار الفضيلة.
ويجب أن ننبه إلى أن المدعو " على الجوهري " هو مترجم الكتاب السابق – وغيره كذلك – وهو يرى نظرية " الإغماء " التي يقول بها القاديانيون، ويدافع عنها بشدة في تعليقاته على الكتاب، بل ويعيب على المسلمين عدم تبنيها، ويراها غير مخالفة لما جاء في القرآن!
ب. وقال الشيخ أحمد ديدات – ﵀:
فهم لم يقتلوه ولم يصلبوه، ولكن بدا لهم كأنهم فعلوا ذلك، فقد ظنوا أنهم فعلوا ولكنهم لم يصلبوا ولم يقتلوا المسيح.. لأنه من المؤكد أنهم لم يقتلوه، هذا هو مفهوم المسلمين لشبهة صلب المسيح وقتله، هي أنهم لم يقتلوه، ولكن هذا ما ظنوه في عقولهم أنهم فعلوه.
" عيسى إله أم بشر أم أسطورة؟ " (ص ١١٢) ترجمة محمد مختار.
ج. وقال – ﵀:
إن الذي صُلب هو شخص آخر يشبهه، أما إنجيل " برنابا " فيؤيد النظرية التي تقول إن شخصاً آخر قتل محله على الصليب، وهذا يتفق مع وجهة نظرنا نحن المسلمين، فهنا الشبهة التي حصلت بقتلهم شخصاً آخر يشبهه.
" عيسى إله أم بشر أم أسطورة؟ " (ص ١٣٨) .
والقاديانيون يرون أن المسيح ﵇ صُلب، بينما نجد النص في كتاب الله تعالى على نفيه، وهو ما يقول به الشيخ أحمد ديدات، وهو إن كان يخالفهم في الصلب فكيف سيوافقهم في الموت أو القتل؟! .
د. وفي بداية مناظرة الشيخ – ﵀ مع " فلويد كلارك " والتي كانت بعنوان " هل صلب المسيح؟ " بيَّن الشيخ عقيدته الصحيحة في المسيح ﵇ بذكر الآيات من سورة النساء، ثم أخذ في استخدام أدلتهم ليقيم الحجة عليهم في بطلان عقيدتهم.
ومما جاء في تلك المناظرة قوله:
" بالنسبة للمسلمين: فإن الأمر محسوم، إن المسيح لم يُقتل ولم يُصلب، فهي نقطة لا يختلف عليها المسلمون، وإن المسيحيين يتبعون الظن، وما قتلوه يقيناً.
وقال:
سنثبت أن المسيح ﵇ لم يمت على الصليب كما يدعى النصارى لأنه لم يصلب أصلا , وذلك من خلال كتبهم تماشياً مع قول الله تعالى: (قل هاتوا برهانكم) .
وقال:
ومهما يكن: فهو لم يُقتل ولم يُصلب , وذلك وفقاً لكتاب الله.
هـ. وفي بداية مناظرته ﵀ مع " روبرت دوجلاس " والتي كانت بعنوان " صلب المسيح حقيقة أم خيال؟ " بيَّن الشيخ ﵀ – اعتقاده وفق القرآن الكريم.
و. وقال – ﵀:
وهذا يعني أن هؤلاء القوم – أي: اليهود - اعتقدوا أن عيسى كان مدعيّاً للنبوة، وأنهم قتلوه، وتخلصوا منه , ولكن الله بيَّن لهم أنهم ما قتلوه، وما صلبوه، ولكن شبِّه لهم , فهم لم يقتلوه ولم يصلبوه ولكن بدا لهم كأنهم فعلوا ذلك , فقد ظنوا أنهم فعلوا ذلك , ولكنهم لم يصلبوا ولم يقتلوا المسيح ... .
وقال:
(وما قتلوه يقينا) لأنه من المؤكد أنهم لم يقتلوه، هذا هو مفهوم المسلمين لشبهة صلب المسيح وقتله، وهي أنهم لم يصلبوه، ولم يقتلوه، ولكن هذا ما ظنوا في عقولهم أنهم فعلوه، وهم لم يفعلوا ذلك، هذا ما نؤمن به نحن المسلمين.
" هل عيسى إله أم بشر أم أسطورة " (ص ١١١، ١١٢) طبعة " المختار الإسلامي ".
ز. وقال – ﵀:
وهو قوله تعالى (بل رفعه الله إليه) ، وهذا يعنى أن المسيح عيسى ﵇ لم يذق الموت بل رفعه الله إليه، وأنا أؤمن بعودة المسيح عيسى ﵇ قبل يوم القيامة.
" هل عيسى إله أم بشر أم أسطورة؟ " (ص ١١٨) طبعة " المختار الإسلامي " ص ١١٨.
والخلاصة:
أنه لا يستغرب اتهام الشيخ أحمد ديدات – ﵀ – من الكفار بأنه قادياني، وهو الذي يرى كفرهم كلهم، لكن المستغرب أن يأتي حاسد أو جاهل فيأخذ بعض كلام الشيخ ويحمله على أسوء المحامل، وفي أحسن صور ذلك الكلام أنه يكون من المتشابه، وقد نقلنا كثيراً من كلامه المحكم فيما يتعلق بدينه، وموقفه من القاديانية، واعتقاده في صلب المسيح ﵇، فكل من يأتي بكلام خلاف هذا فليتق الله تعالى، وليعلم أنه متشابه، فليحمله على المحكم، أو لينتبه فقد يكون الشيخ – ﵀ – قاله على سبيل التنزل مع الخصم، أو كان يريد محاججة القوم بما عندهم من اعتقاد ليلزمهم به.
ونسأل الله تعالى أن يرحم الشيخ أحمد ديدات، وأن يُكرمه، ويعلي منزلته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →