← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 15051–15090 · переход к 15056.

стр. 15051

الطعن في صحابي بأنه كان لا يعرف شيئا في السياسة [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم من يقول في حق الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ﵄: أنه لا يعرف شيئاً عن السياسة، مع العلم أن هذه الكلمة فيها نبز لهذا الصحابي.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "عبد الله بن عمر بن الخطاب صحابي جليل، من أكابر الصحابة المهاجرين وعلمائهم وفضلائهم، تجب محبته ومحبة سائر الصحابة، والترضي عنهم، ولا يجوز تنقصهم أو تنقص أحد منهم؛ لقول النبي ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) . وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ... الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ... الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد. "فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/٤٤) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15052

قصة ثعلبة (حمامة المسجد) غير صحيحة [السُّؤَالُ] ـ[هل قصة ثعلبة ونزول قوله تعالى: (ومنهم من عاهد الله ... الآيات) صحيحة؟ علماً بأنهم كانوا يسمونه حمامة المسجد.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ) التوبة/٧٤، أنه ثعلبة بن حاطب – لا يصح سنده، وثعلبة بن حاطب أنصاري معدود في البدريين، استشهد يوم أحد، كما حقق ذلك جماعة من أهل العلم، منهم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ بكر أبو زيد. "فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/٤٩) . وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "قوله تعالى: (ومنهم من عاهد الله....) الآيات نزلت في بيان حال بعض المنافقين. وأما ما اشتهر من أنها نزلت في ثعلبة بن حاطب في قصة طويلة ذكرها كثير من المفسرين وروجها كثير من الوعاظ فضعيف لا صحة له، وهي مخالفة لما هو معلوم من الدين بالضرورة من أن الله يقبل توبة التائب من أي ذنب كان " انتهى من شرح رسالة "أصول في التفسير" [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15053

يسأل عن مقولة إبراهيم ﵇ لإسماعيل: غيّر عتبة بابك [السُّؤَالُ] ـ[هل هناك حديث يخص رجلا أخبر بأن يغير عتبة داره إذا نطقت زوجته بعبارة مهينة؟ رجاء ساعدوني في إيجاد هذا الحديث (إذا كان موجودا) وفهم السياق الذي قيل فيه إن شاء الله.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فالحديث الذي أشار إليه السائل هو ما حكاه النبي ﷺ من قصة إبراهيم ﵇ مع أم إسماعيل ﵇، وترك إبراهيم الخليل لها ولولدها عند بيت الله المحرم، وما تبع ذلك من أحداث. والقصة رواها البخاري في صحيحة بطولها، وقد أخبرنا الله في القرآن عن بعض تفاصيل هذه القصة، كما في سورة إبراهيم؛ فقد أخبرنا سبحانه أن إبراهيم ترك زوجته وولده في مكة ورجع إلى الشام، كما أمره الله ثم رجع إلى مكة وقد كبر إسماعيل، فيقص علينا النبي خبر رجوعه إلى مكة: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الْإِنْسَ فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ. وَشَبَّ الْغُلَامُ وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا. ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ نَحْنُ بِشَرٍّ نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ فَشَكَتْ إِلَيْهِ!! قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇ وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ!! فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟! قَالَتْ: نَعَمْ جَاءَنَا، شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ؟!! قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ؛ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ!! قَالَ: ذَاكِ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ؛ الْحَقِي بِأَهْلِكِ. فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا. قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ، وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ؟ فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ. فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتْ: اللَّحْمُ. قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتْ الْمَاءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ. قَالَ: فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ، قَالَ فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇ وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ!! فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ!! قَالَ: ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ!! ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ، قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ؟!! قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ. قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا، وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا. قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ، وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوُِهُ الْحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولَانِ: " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ". قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) رواه البخاري في صحيحة: كتاب أحاديث الأنبياء، باب واتخذ الله إبراهيم خليلا رقم (٣١١٣) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: " قوله عتبة بابك: كناية عن المرأة، وسماها بذلك لما فيها من الصفات الموافقة لها، وهو حفظ الباب وصون ما هو داخله. وفي القصة دروس وعبر منها ١- أن شكر الله سبب للمزيد من نعمه، وكفر النعم بعكس ذالك، وهذا واضح من عاقبة حال المرأتين. ٢- الإشارة إلى ما ينبغي أن تكون عليه المرأة من القناعة والرضى بما يسره الله لزوجها من الرزق دون تبرم أو تضجر. ٣- الاعتناء باختيار الزوجة الصالحة التي تعين على أمر الآخرة. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15054

عقيدة شيخ الإسلام ابن تيمية وثناء الأئمة عليه وموقف ابن حجر منه [السُّؤَالُ] ـ[رجاءً الإجابة على سؤالي عن عقيدة الشيخ ابن تيمية، حيث قرأت أنه انحرف عن العقيدة الصحيحة، وأنه وصف الله بصفات البشر، أيضاً قرأت أن علماء مثل ابن حجر العسقلانى لا يقدرونه، هل يمكنكم توضيح هذه المسألة لي؟ . شكراً لكم، والسلام عليكم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: يُعدُّ شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية من المجددين البارزين في الإسلام، وقد وُلد – ﵀ – عام ٦٦١ هـ وتوفي عام ٧٢٨ هـ، وإذا كان أثر المجدد عادة في زمانه وقرنه فإن أثر شيخ الإسلام ابتدأ في زمانه ولا يزال أثره إلى الآن على العلماء وطلاب العلم والجماعات الإسلامية التي تنتسب للسنَّة، ولا يزال أهل العلم ينهلون من علمه في الرد على أعداء الدين من اليهود والنصارى، والفرق المنسبة للإسلام كالرافضة والحلولية والجهمية، والفرق المبتدعة كالأشعرية والمرجئة. وتحقيقاته في مسائل الفقه والحديث والتفسير والسلوك أشهر من أن نذكر نماذج لها، فكتبه ومؤلفاته شاهدة عليها، وليس هو – ﵀ – بحاجة لمن يزكيه من أمثالنا، بل علمه وفقهه حاضر شاهد لا ينكره إلا جاهل أو جاحد. ثانياً: وشهادات الأئمة في عصره، وبعد عصره تبين للمنصف كذب الادعاءات التي يفتريها أعداء الملة، وأعداء السنَّة على هذا الإمام العلَم، وفي ثنايا هذه التزكيات بيان علم وفقه وقوة حجة هذا الإمام، وبه يُعرف السبب الذي حاربه من أجله أهل الكفر والبدعة، وهو أنه هدم أصولهم فخرَّ عليهم السقف من فوقهم، وسنذكر في بعض هذه الشهادات صحة اعتقاد شيخ الإسلام ابن تيمية، ونصرته للسنَّة، ورده على أهل البدع والخرافات. وهذه التزكيات والشهادات لهذا الإمام لم تكن من تلامذته وأصحابه فحسب، بل شهد له حتى مخالفوه بالإمام والتقدم في العلم والفقه، وقوة الحجة، بل وشهدوا له بالشجاعة والسخاء والجهاد في سبيل الله لنصرة الإسلام، وهذه بعض الشهادات والتزكيات: ١. قال الإمام الذهبي – ﵀ في " معجم شيوخه ": هو شيخنا، وشيخ الإسلام، وفريد العصر، علماً، ومعرفة، وشجاعة، وذكاء، وتنويراً إلهيّاً ً، وكرماً، ونصحاً للأمَّة، وأمراً بالمعروف، ونهياً عن المنكر، سمع الحديث، وأكثر بنفسه من طلبه وكتابته، وخرج، ونظر في الرجال، والطبقات، وحصَّل ما لم يحصله غيره. برَع في تفسير القرآن، وغاص في دقيق معانيه، بطبع سيَّال، وخاطر إلى مواقع الإِشكال ميَّال، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها، وبرع في الحديث، وحفِظه، فقلَّ من يحفظ ما يحفظه من الحديث، معزوّاً إلى أصوله وصحابته، مع شدة استحضاره له وقت إقامة الدليل، وفاق الناس في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل يقوم بما دليله عنده، وأتقن العربيَّة أصولاً وفروعاً، وتعليلاً واختلافاً، ونظر في العقليات، وعرف أقوال المتكلمين، وَرَدَّ عليهم، وَنبَّه على خطئهم، وحذَّر منهم، ونصر السنَّة بأوضح حجج وأبهر براهين، وأُوذي في ذات الله من المخالفين، وأُخيف في نصر السنَّة المحضة، حتى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له، وَكَبَتَ أعداءه، وهدى به رجالاً من أهل الملل والنحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالباً، وعلى طاعته، أحيى به الشام، بل والإسلام، بعد أن كاد ينثلم بتثبيت أولى الأمر لما أقبل حزب التتر والبغي في خيلائهم، فظُنت بالله الظنون، وزلزل المؤمنون، واشْرَأَب النفاق وأبدى صفحته. ومحاسنه كثيرة، وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي، فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت: إني ما رأيت بعيني مثله، وأنه ما رأى مثل نفسه. انظر " ذيل طبقات الحنابلة " لابن رجب الحنبلي (٤ / ٣٩٠) . ٢. وقال الحافظ عماد الدين الواسطي – ﵀: والله، ثم والله، لم يُرَ تحت أديم السماء مثل شيخكم ابن تيمية، علماً، وعملاً، وحالاً، وخلُقاً، واتِّباعاً، وكرماً، وحلْماً، وقياماً في حق الله تعالى عند انتهاك حرماته، أصدق النَّاس عقداً، وأصحهم علماً وعزماً، وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحق وقيامه همةً، وأسخاهم كفّاً، وأكملهم اتباعاً لسنَّة محمد ﷺ ، ما رأينا في عصرنا هذا مَن تستجلي النبوة المحمدية وسننها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل يشهد القلب الصحيح أن هذا هو الاتباع حقيقة. " العقود الدرية " (ص ٣١١) . ٣. وقال الحافظ جلال الدين السيوطي – ﵀: ابن تيمية، الشيخ، الإمام، العلامة، الحافظ، الناقد، الفقيه، المجتهد، المفسر البارع، شيخ الإسلام، علَم الزهاد، نادرة العصر، تقي الدين أبو العباس أحمد المفتي شهاب الدين عبد الحليم بن الإمام المجتهد شيخ الإسلام مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني. أحد الأعلام، ولد في ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، وسمع ابن أبي اليسر، وابن عبد الدائم، وعدّة. وعني بالحديث، وخرَّج، وانتقى، وبرع في الرجال، وعلل الحديث، وفقهه، وفي علوم الإسلام، وعلم الكلام، وغير ذلك. وكان من بحور العلم، ومن الأذكياء المعدودين، والزهاد، والأفراد، ألَّف ثلاثمائة مجلدة، وامتحن وأوذي مراراً. مات في العشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. " طبقات الحفاظ " (ص ٥١٦، ٥١٧) . وقد طعن ابن حجر الهيتمي [من كبار فقهاء الشافعية، توفي ٩٧٤هـ، وهو شخص آخر غير ابن حجر العسقلاني، صاحب فتح الباري، المتوفي ٨٥٢هـ] في شيخي الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم كثيراً، واتهمهما بالقول بالتجسيم والتشبيه وقبائح الاعتقادات، وقد ردَّ عليه كثيرون، وبينوا زيف قوله، وأظهروا براءة الإمامين من كل اعتقاد يخالف الكتاب والسنة، ومن هؤلاء: ٤. الملا علي قاري – ﵀ – حيث قال – بعد أن ذكر اتهام ابن حجر لهما وطعنه في عقيدتهما -: أقول: صانهما الله – أي: ابن القيم وشيخه ابن تيمية - عن هذه السمة الشنيعة، والنسبة الفظيعة، ومن طالع " شرح منازل السائرين " لنديم الباري الشيخ عبد الله الأنصاري قدس الله سره الجلي، وهو شيخ الإسلام عند الصوفية: تبيَّن له أنهما كانا من أهل السنة والجماعة، بل ومن أولياء هذه الأمة، ومما ذكر في الشرح المذكور ما نصه على وفق المسطور: " وهذا الكلام من شيخ الإسلام يبين مرتبته من السنَّة، ومقداره في العلم، وأنه بريء مما رماه أعداؤه الجهمية من التشبيه والتمثيل، على عادتهم في رمي أهل الحديث والسنَّة بذلك، كرمي الرافضة لهم بأنهم نواصب، والناصبة بأنهم روافض، والمعتزلة بأنهم نوابت حشوية، وذلك ميراث من أعداء رسول الله ﷺ في رميه، ورمي أصحابه بأنهم صبأة، قد ابتدعوا ديناً محدثاً، وهذا ميراث لأهل الحديث والسنة من نبيهم بتلقيب أهل الباطل لهم بالألقاب المذمومة. وقدس الله روح الشافعي حيث يقول وقد نسب إلى الرفض: إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي ورضي الله عن شيخنا أبي العباس بن تيمية حيث يقول: إن كان نصباً حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني ناصبي وعفا الله عن الثالث – وهو ابن القيم - حيث يقول: فإن كان تجسيماً ثبوت صفاته ... وتنزيهها عن كل تأويل مفتر فإني بحمد الله ربي مجسم ... هلموا شهوداً واملئوا كل محضرِ ". " مرقاة المفاتيح " لملا علي القاري (٨ / ١٤٦، ١٤٧) . وما بين علامتي التنصيص " " نقله الملا علي قاري عن الإمام ابن القيم من كتابه " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين " (٢ / ٨٧، ٨٨) . وسئل علماء اللجنة الدائمة: يقول الناس: إن ابن تيمية ليس من أهل السنة والجماعة، وإنه ضال مضل، وعليه ابن حجر، وغيره، هل قولهم صدق أم لا؟ . فأجابوا: إن الشيخ أحمد بن عبد الحليم بن تيمية إمام من أئمة أهل السنة والجماعة، يدعو إلى الحق، وإلى الطريق المستقيم، قد نصر الله به السنَّة، وقمع به أهل البدعة والزيغ، ومن حكم عليه بغير ذلك: فهو المبتدع، الضال، المضل، قد عميت عليهم الأنباء، فظنوا الحق باطلاً، والباطل حقّاً، يَعرف ذلك من أنار الله بصيرته، وقرأ كتبه، وكتب خصومه، وقارن بين سيرته وسيرتهم، وهذا خير شاهد وفاصل بين الفريقين. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢ / ٤٥١، ٢٥٤) . ثالثاً: كلام الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي ﵀ – في شيخ الإسلام ابن تيمية: الحافظ ابن حجر العسقلاني إمام مشهور، توفي عام ٨٥٢ هـ، وهو صاحب التصانيف النافعة، مثل " فتح الباري شرح صحيح البخاري "، و " التلخيص الحبير "، و " تهذيب التهذيب " وغيرها، وكان للحافظ ابن حجر كلمات متفرقات في شيخ الإسلام ابن تيمية، شهد له بها بالعلم والفضل والدفاع عن السنَّة، وما ينتقده الحافظ ابن حجر – ﵀ – على شيخ الإسلام قابل للنقض، وهو نفسه – ﵀ – هناك من تعقبه في بعض المسائل العقيدية، ولا يهمنا هنا عرض ذلك، والبحث فيه، وإنما يهمنا نقل كلامه – ﵀ – في شيخ الإسلام ثناء ومدحاً؛ ليتبين خطأ من قال إن الحافظ – ﵀ – لا يقدِّر شيخ الإسلام ابن تيمية! . وهذه نُبذ من كلام الحافظ ابن حجر – ﵀ – في حق شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: ١. ألَّف الشيخ ابن ناصر الدين الدمشقي كتاباً سماه " الرد الوافر على من زعم أن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر " ردّاً على واحدٍ متعصبي الأحناف زعم أنه لا يجوز تسمية ابن تيمية بـ " شيخ الإسلام "، وأنه من فعل ذلك فقد كفر! ، وقد ذكر فيه خمساً وثمانين إماماً من أئمة المسلمين كلهم وصف ابن تيمية بـ " شيخ الإسلام "، ونقل أقوالهم من كتبهم بذلك، ولما قرأ الحافظ بن حجر ﵀ هذا الكتاب – " الرد الوافر " - كتب عليه تقريظاً، وهذا نصه: الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى. وقفتُ على هذا التأليف النافع، والمجموع الذي هو للمقاصد التي جمع لأجلها جامع، فتحققت سعة اطلاع الإمام الذي صنفه، وتضلعه من العلوم النافعة بما عظمه بين العلماء وشرَّفه، وشهرة إمامة الشيخ تقي الدين أشهر من الشمس، وتلقيبه بـ " شيخ الإسلام " في عصره باق إلى الآن على الألسنة الزكية، ويستمر غداً كما كان بالأمس، ولا ينكر ذلك إلا من جهل مقداره، أو تجنب الإنصاف، فما أغلط من تعاطى ذلك وأكثر عثاره، فالله تعالى هو المسؤو أن يقينا شرور أنفسنا، وحصائد ألسنتنا بمنِّه وفضله، ولو لم يكن من الدليل على إمامة هذا الرجل إلا ما نبَّه عليه الحافظ الشهير علم الدين البرزالي في " تاريخه ": أنه لم يوجد في الإسلام من اجتمع في جنازته لما مات ما اجتمع في جنازة الشيخ تقي الدين، وأشار إلى أن جنازة الإمام أحمد كانت حافلة جدّاً شهدها مئات ألوف، ولكن لو كان بدمشق من الخلائق نظير من كان ببغداد أو أضعاف ذلك: لما تأخر أحد منهم عن شهود جنازته، وأيضاً فجميع من كان ببغداد إلا الأقل كانوا يعتقدون إمامة الإمام أحمد، وكان أمير بغداد وخليفة ذلك الوقت إذا ذاك في غاية المحبة له والتعظيم، بخلاف ابن تيمية فكان أمير البلد حين مات غائباً، وكان أكثر مَن بالبلد مِن الفقهاء قد تعصبوا عليه حتى مات محبوساً بالقلعة، ومع هذا فلم يتخلف منهم عن حضور جنازته والترحم عليه والتأسف عليه إلا ثلاثة أنفس، تأخروا خشية على أنفسهم من العامة. ومع حضور هذا الجمع العظيم: فلم يكن لذلك باعث إلا اعتقاد إمامته وبركته، لا بجمع سلطان، ولا غيره، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (أنتم شهداء الله في الأرض) - رواه البخاري ومسلم -. ولقد قام على الشيخ تقي الدين جماعة من العلماء مراراً، بسبب أشياء أنكروها عليه من الأصول والفروع، وعقدت له بسبب ذلك عدة مجالس بالقاهرة، وبدمشق، ولا يحفظ عن أحد منهم أنه أفتى بزندقته، ولا حكم بسفك دمه مع شدة المتعصبين عليه حينئذ من أهل الدولة، حتى حبس بالقاهرة، ثم بالإسكندرية، ومع ذلك فكلهم معترف بسعة علمه، وكثرة ورعه، وزهده، ووصفه بالسخاء، والشجاعة، وغير ذلك من قيامه في نصر الإسلام، والدعوة إلى الله تعالى في السر والعلانية، فكيف لا يُنكر على مَن أطلق " أنه كافر "، بل من أطلق على من سماه شيخ الإسلام: الكفر، وليس في تسميته بذلك ما يقتضي ذلك؛ فإنه شيخ في الإسلام بلا ريب، والمسائل التي أنكرت عليه ما كان يقولها بالتشهي، ولا يصر على القول بها بعد قيام الدليل عليه عناداً، وهذه تصانيفه طافحة بالرد على من يقول بالتجسيم، والتبري منه، ومع ذلك فهو بشر يخطئ ويصيب، فالذي أصاب فيه - وهو الأكثر - يستفاد منه، ويترحم عليه بسببه، والذي أخطأ فيه لا يقلد فيه، بل هو معذور؛ لأن أئمة عصره شهدوا له بأن أدوات الاجتهاد اجتمعت فيه، حتى كان أشد المتعصبين عليه، والقائمين في إيصال الشر إليه، وهو الشيخ كمال الدين الزملكاني، يشهد له بذلك، وكذلك الشيخ صدر الدين بن الوكيل، الذي لم يثبت لمناظرته غيره. ومن أعجب العجب أن هذا الرجل كان أعظم الناس قياماً على أهل البدع من الروافض، والحلولية، والاتحادية، وتصانيفه في ذلك كثيرة شهيرة، وفتاويه فيهم لا تدخل تحت الحصر، فيا قرة أعينهم إذا سمعوا بكفره، ويا سرورهم إذا رأوا من يكفر من لا يكفره، فالواجب على من تلبّس بالعلم وكان له عقل أن يتأمل كلام الرجل من تصانيفه المشتهرة، أو من ألسنة من يوثق به من أهل النقل، فيفرد من ذلك ما يُنكر، فيحذِّر منه على قصد النصح، ويثني عليه بفضائله فيما أصاب من ذلك، كدأب غيره من العلماء، ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية صاحب التصانيف النافعة السائرة التي انتفع بها الموافق والمخالف: لكان غاية في الدلالة على عظم منزلته، فكيف وقد شهد له بالتقدم في العلوم، والتميز في المنطوق والمفهوم أئمة عصره من الشافعية وغيرهم، فضلاً عن الحنابلة، فالذي يطلق عليه مع هذه الأشياء الكفر، أو على من سمَّاه " شيخ الإسلام ": لا يلتفت إليه، ولا يعوَّل في هذا المقام عليه، بل يجب ردعه عن ذلك إلى أن يراجع الحق، ويذعن للصواب، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله، ونعم الوكيل. صفة خطه أدام الله بقاءه. قاله، وكتبه: أحمد بن علي بن محمد بن حجر الشافعي، عفا الله عنه، وذلك في يوم الجمعة التاسع من شهر ربيع الأول، عام خمسة وثلاثين وثمانمائة، حامداً لله، ومصليّاً على رسوله محمد، وآله ومسلماً. " الرد الوافر " للإمام ابن ناصر الدين الدمشقي (ص ١٤٥، ١٤٦) ، ونقل الحافظ السخاوي – تلميذ ابن حجر – كلام شيخه في كتابه " الجواهر والدرر " (٢ / ٧٣٤ – ٧٣٦) . ٠٢ ترجم الحافظ ابن حجر لشيخ الإسلام ابن تيمية، عليهما رحمة الله، ترجمة حفيلة في كتابه " الدرر الكامنة "، قال في أولها: ".. وتحول به أبوه من حران سنة ٦٧، فسمع من ابن عبد الدائم والقاسم الأربلي والمسلم ابن علان وابن أبي عمر والفخر في آخرين، وقرأ بنفسه ونسخ سنن أبي داود وحصل الأجزاء ونظر في الرجال والعلل، وتفقه وتمهر، وتميز وتقدم، وصنف ودرس وأفتى، وفاق الأقران، وصار عجباً في سرعة الاستحضار وقوة الجنان والتوسع في المنقول والمعقول والإطالة على مذاهب السلف والخلف.. " انتهى. الدرر الكامنة، في أعيان المائة الثامنة "١/١٦٨) . وقد نقل في هذه الترجمة كثيرا من نصوص الأئمة، في الثناء على شيخ الإسلام ﵀، والإقرار بإمامته في علوم المعقول والمنقول، ومن ذلك قوله: ٠٣ " وقرأت بخط الحافظ صلاح الدين العلائي، في ثبت شيخ شيوخنا الحافظ بهاء الدين عبد الله بن محمد بن خليل، ما نصه: وسمع بهاء الدين المذكور على الشيخين شيخنا وسيدنا وإمامنا فيما بيننا وبين الله تعالى، شيخ التحقيق، السالك بمن اتبعه أحسن طريق، ذي الفضائل المتكاثرة، والحجج القاهرة، التي أقت الأمم كافة أن هممها عن حصرها قاصرة، ومتعنا الله بعلومه الفاخرة ونفعنا به في الدنيا والآخرة، وهو الشيخ الإمام العالم الرباني والحبر البحر القطب النوراني، إمام الأئمة، بركة الأمة، علامة العلماء، وارث الأنبياء، آخر المجتهدين، أوحد علماء الدين، شيخ الإسلام، حجة الأعلام، قدوة الأنام، برهان المتعلمين، قامع المبتدعين، سيف المناظرين، بحر العلوم، كنز المستفيدين، ترجمان القرآن، أعجوبة الزمان، فريد العصر والأوان، تقي الدين، إمام المسلمين، حجة الله على العالمين، اللاحق بالصالحين، والمشبه بالماضين، مفتي الفرق، ناصر الحق، علامة الهدى، عمدة الحفاظ، فارس المعاني والألفاظ، ركن الشريعة، ذو الفنون البديعة، أبو العباس ابن تيمية!! " الدرر الكامنة (١٨٦-١٨٧) . رابعاً: إذا كانت هذه النصوص التي نقلناها أو أشرنا إليها، من كلام الحافظ ابن حجر ﵀، أو مما نقله الحافظ عن غيره، ناطقة بتقدير شيخ الإسلام، والإشادة بمنزلته من العلم والدين؛ فإن ذلك لا يعني أن الحافظ لم يخالف شيخ الإسلام البتة في مسألة من المسائل العلمية، أو لم ينتقده قط؛ فما زال أهل العلم يردون بعضهم على بعض؛ من غير أن يلزم من ذلك أن يكون الراد لا يقدر المردود عليه قدره، فضلا عن أن يبدعه أو يضلله، وقديما قال الإمام مالك ﵀ قولته الشهيرة: " كل يؤخذ من قوله ويترك، إلا صاحب هذا القبر "، أو نحوا من ذلك، ـ يعني: رسول الله ﷺ . وهذا بغض النظر عما إذا كان الصواب، في المسألة المعينة، مع شيخ الإسلام، أو مع مخالفه ومن يرد عليه، الحافظ ابن حجر أو غيره. فكيف إذا كان الصواب في عامة ما أنكروه عليه، أو معظمه في جانب شيخ الإسلام، رحم الله الجميع. ويمكن مراجعة كثير من هذه المسائل التي انتقدت على شيخ الإسلام، ولا سيما من قبل ابن حجر الهيتمي، المشار إلى موقفه آنفا، فيما كتبه الشيخ نعمان خير الدين ابن الآلوسي ﵀، في كتابه النافع: " جلاء العينين في محاكمة الأحمدين "، يعني: أحمد بن تيمية، وأحمد بن حجر الهيتمي، عليهما رحمة الله. وينظر أيضا كتاب: دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو بحث أكاديمي من إعداد الدكتور: عبد الله بن صالح الغصن. خامساً: ما ورد في السؤال من أن شيخ الإسلام انحرف عن العقيدة الصحيحة ووصف الله تعالى بصفات خلقه، هو من أفرى الفرى، وأبين الكذب على شيخ الإسلام ومنهجه وعقيدته، ومن يطالع شيئا من مصنفاته الكبار أو الصغار يتحقق ذلك، ومن هذه النصوص والقواعد التي يشق الإشارة إلى جميعها هنا، فضلا عن نقلها، قوله ﵀: " اتفق سلف الأمة وأئمتها أن الله ليس كمثله شيء، لا فى ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وقال من قال من الأئمة: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها " اهـ فتاوى شيخ الإسلام (٢/١٢٦) . وقال ﵀: " ثم القول الشامل في جميع هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، وبما وصفه به السابقون الأولون؛ لا يُتجاوز القرآن والحديث. قال الإمام أحمد ﵁: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله؛ لا يتجاوز القرآن والحديث. ٍ ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجى، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه، لا سيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول، وأفصح الخلق في بيان العلم، وأفصح الخلق في البيان والتعريف والدلالة والإرشاد. وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء، لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة، فكذلك له صفات حقيقة؛ وهو ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصا أو حدوثا فإن الله منزه عنه حقيقة؛ فانه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عليه الحدوث؛ لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقة العدم، ولافتقار المحدَث إلى محدِث، ولوجوب وجوده بنفسه، . ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل؛ فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله؛ فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العليا، ويحرفوا الكلم عن مواضعه، ويلحدوا في أسماء الله وآياته. وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل فهو جامع بين التعطيل والتمثيل؛ أما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات؛ فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل؛ مثلوا أولا، وعطلوا آخرا؛ وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله .. " فتاوى شيخ الإسلام (٥/٢٦-٢٧) . ونصوص شيخ الإسلام في هذا المعنى كثيرة جدا، كما أشرنا، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله. والله الموفق. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15055

دفاع عن الشيخ أحمد ديدات ﵀ [السُّؤَالُ] ـ[أود أن أطمئن بخصوص الداعية " أحمد ديدات " يرحمه الله، حيث علت أصوات تتهمه بأنه كان من طائفة الأحمدية والتي مقرها الرئيس باكستان، ويستشهدون بما قد يورده الشيخ أحيانا في مناظراته من النظرية التي تقول بأن المسيح صلب ولكنه لم يمت على الصليب، وإنما أغمي عليه فحسب، ولكنه مات بعد ذلك في حادث عرضي ثم رفعت روحه إلى السماء. أود أن أعرف ما هي وجهة نظر الداعية المعروف " أحمد ديدات "؟ وهل تلك الاتهامات صحيحة؟ حيث إني من محبي الشيخ عليه رحمة الله، وأتابع بشغف مناظراته، ومؤلفاته، ولكم جزيل الشكر.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ولد الشيخ أحمد حسين ديدات في مدينة " سيرات " بالهند عام ١٩١٨ م , وقد هاجر والده إلى دولة " جنوب أفريقيا " بعد وقت قصير من ولادته، وعندما بلغ تسع سنوات ماتت والدته، فلحق بأبيه إلى جنوب أفريقيا حيث عاش هناك بقية عمره. وفي جنوب أفريقيا خرج الشيخ أحمد ديدات إلى العالم في أول مناظرة عالمية عام ١٩٧٧ م بقاعة ألبرت هول في " بريطانيا "، وقد ناظر كبار رجال الدين النصراني أمثال: كلارك –، وجيمي سواجارت، وأنيس شروش، وغيرهم، وقد انتفع بها المسلمون فثبت اعتقادهم بالإسلام والقرآن، وعرفوا التحريف والكذب في الأديان المحرفة، كما انتفع بها بعض من منَّ الله عليه بالهداية من النصارى. وفي يوم الاثنين الثامن من أغسطس ٢٠٠٥ م توفي الداعية والشيخ المجاهد أحمد ديدات، وقد لاقى ربَّه عن عمر يناهز (٨٧) عاماً بمنزله في منطقة " فيرولام " بإقليم " كوازولو ناتال " بجنوب إفريقية بعد صراع طويل مع المرض. ثانياً: وأما اعتقاد المسلمين في المسيح ﵇: فهو اعتقاد دليله الكتاب والسنَّة، فالمسيح عيسى ﵇ من أولي العزم من الرسل، ويعتقد المسلمون بأن عيسى ﵇ رفعه الله تعالى إلى السماء حياً، وأنه لم يصلب ولم يُقتل، وأنه باقٍ حيّاً فيها إلى قرب قيام الساعة، وأنه سينزل إلى الأرض فيقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويحكم بالشريعة الإسلامية، ثم يموت – ﵇ – كسائر البشر. قال الإمام أبو محمد عبد الحق بن عطية ﵀: وأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن عيسى ﵇ في السماء حي، وأنه ينزل في آخر الزمان فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويقتل الدجال، ويفيض العدل، ويظهر هذه الملة - ملة محمد - ويحج البيت ويعتمر،......ثم يميته الله تعالى. " المحرر الوجيز " (٣ / ١٤٣) . ويقول السفاريني – ﵀: فقد أجمعت الأمة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة ممن لا يعتد بخلافه، وقد انعقد إجماع الأمة على أنه ينزل، ويحكم بهذه الشريعة المحمدية، وليس ينزل بشريعة مستقلة عند نزوله من السماء. " لوامع الأنوار البهية " (٢ / ٩٤، ٩٥) . ثالثاً: القاديانية حركة نشأت سنة ١٩٠٠ م بتخطيط من الاستعمار الإنجليزي في القارة الهندية، بهدف إبعاد المسلمين عن دينهم وعن فريضة الجهاد بشكل خاص. ويعتقد القاديانية أن النبوة لم تختم بمحمد ﷺ بل هي مستمرة، والله يرسل الرسول حسب الضرورة، وأن " غلام أحمد " – مؤسس القاديانية ولد عام ١٨٣٩ م، وتوفي عام ١٩٠٨ م - هو أفضل الأنبياء جميعا!! ويعتقدون أن جبريل كان ينزل على " غلام أحمد "، وأنه كان يوحى إليه، وأن إلهاماته كالقرآن. وانظر تفصيل اعتقادهم وبيان كفرهم في جواب السؤال رقم (٤٠٦٠) . رابعاً: أما قول الأحمدية - القاديانية – في المسيح ﵇: فهو أنهم يعتقدون أن المسيح ﵇ صُلِب ولم يمت على الصّليب، لكنه أُغمِي عليه، ودُفن، ثم هرب من قبره إلى " كشمير "! ومات هناك ميتة طبيعية، وقبره هناك موجود. وهم يؤولون الرفع على أنه مجازي لا حقيقي , أي: رفع المكانة والمنزلة لا رفع البدن. وقد جاء اعتقادهم هذا في رسالتين لهم الأولى بعنوان: " المسيح الناصري في الهند "، وهي من تأليف ميرزا غلام أحمد نفسه، والثانية بعنوان " وفاة المسيح ابن مريم والمراد من نزوله "، وهي من نشر " الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية "، وقد وضعوا على غلافها صورة مزعومة لقبر عيسى ﵇ في " سري نغر " بكشمير الهند. وقد قالوا في (ص ٢) : إن عيسى ﵇ لم يُرفع حيّاً، ولم يُلق شبهه على أحد، وإنما عُلق على الصليب بضع ساعات، ولما أُنزل كان في حالة إغماء شديد حتى خُيل إليهم أنه قد مات، ثم بعد واقعة الصلب هاجر من فلسطين إلى البلاد الشرقية: العراق، وإيران، وأفغانستان، وكشمير، والهند، وعاش عشرين ومائة سنة. وقد ادعى ميرزا غلام أحمد القادياني كذباً وزوراً بأن الله أوحى له بهذا التفسير، وهو قول بعض النصارى من قبله، والظاهر أنه سرق الفكرة منهم. وغرض القاديانية من نشر هذا الاعتقاد في المسيح عيسى ﵇: تسهيل ادعاء أن الأحاديث الواردة في نزول المسيح وخروج المهدي آخر الزمان هي في خروج القادياني الكذاب ميرزا غلام أحمد. وقد صرحت الرسالة المشار إليها بذلك إذ جاء فيها (ص ٦) : فالمراد من نزول عيسى ابن مريم: بعثة رجل آخر من أمة المصطفى ﷺ ، يشبه عيسى ابن مريم في صفاته وأعماله وحالاته، وقد ظهر هذا الموعود في قاديان الهند باسم: ميرزا غلام أحمد ... إماماً مهديّاً، وجعله الله مثيل المسيح عيسى ابن مريم ﵇، فكان هو المسيح الموعود، والإمام المهدي للأمة المحمدية الذي وعد رسول الله ﷺ ببعثته قائلا: (لا المهدي – كذا، والصواب: مهدي - إلا عيسى) ابن ماجه، كتاب الفتن. انتهى. وفي اعتقاد المسلمين: أن عيسى ﵇ نبي مرسل، وأن المهدي مسلم مصلح لا نبي ولا رسول، وأن خروج المهدي من علامات الساعة الصغرى، ونزول عيسى ﵇ من علامات الساعة الكبرى، وبينهما فرق لا يخفى على أحدٍ. والحديث الذي استدلوا به: (لا مهدي إلا عيسى) لا يصح، بل هو حديث منكر، حكم بنكارته جمع من الأئمة، منهم النسائي والذهبي والألباني، وضعفه الحاكم والبيهقي والقرطبي وابن تيمية، بل حكم بوضعه الصغاني. وانظر: " منهاج السنة " (٨ / ٢٥٦) ، و " الصواعق المحرقة " للهيتمي (٢ / ٤٧٦) ، و " السلسلة الضعيفة " (٧٧) . خامساً: وأما أن الشيخ أحمد ديدات – ﵀ – كان يقول بقول القاديانية: فهذا أبعد ما يكون عن الحق، وهو محض افتراء على الشيخ، وذلك من وجوه كثيرة: ١. مناظرات الشيخ وكتبه ومقالاته أكثر من أن تحصى، وليس فيها دعوة للدين القادياني ولا ثناء على زعيمه ولا أتباعه، ولو كان على طريقتهم لم تخلُ كتبه من ذلك. ٢. والقاديانية ألغت الجهاد من دينها، فمن دعا إلى مثل ما دعا إليه القاديانيون فهو منهم، وحاشا الشيخ أحمد ديدات أن يكون واحداً منهم، بل كان ينادي بالجهاد، ويرى أن السيف والقرآن هما سبيل عزة هذه الأمة. قال الشيخ أحمد ديدات – ﵀: سلاحنا الوحيد في مواجهة هذا الخطر الداهم المفزع المروع المسمى بالتبشير: هو القرآن، وحمل السيف في سبيل الله لمواجهة هذا الخطر الداهم، إنها مقولة مصيرية بين الإيمان والإلحاد , بين الإسلام وقوى الطغيان , بين العدل والجور , بين النور والظلمات , بين الحق والضلال , فلا ينفع ولا يجدي في هذه المعركة إلا السيف والقرآن يتعانقان حتى يقيم السيف ما تُرك من القرآن، ويسود الإسلامُ العالمَ أجمع، ويعود المسلمون إلى رشدهم لمواجهة هذا الخطر الكامن في الصليبية والصهيونية العالمية. " حوار مع مبشر " (ص ٣٠) المختار الإسلامي. ٣. لا ترى القاديانية الصلاة والصوم والحج على ما جاءت به شريعتنا، بل لها عندهم معانٍ أُخر، كما أنهم يرون أن كل من ليس قاديانيا فهو كافر، ولا يبيحون للقادياني أن يتزوج من غيرهم، كما أنهم يبيحون الخمر والمسكرات، فهل كان الشيخ أحمد ديدات على مثل ما كان عليه أولئك الكفار؟ اللهم لا. أ. فالشيخ له كتاب نافع بعنوان " مفهوم العبادة في الإسلام " طبعة " المختار الإسلامي "، وقد ذكر فيه ما يتعلق بعبادات المسلم من صلاة وزكاة وصيام وحج , بآيات وأحاديث، تدل على سعة علمه، وعلى حسن اعتقاده. ب. وقد كان الشيخ متزوجاً من امرأة مسلمة فاضلة، تخدم الإسلام، وتعينه على الدعوة إلى الله، وهي الأخت " حواء " , ولو صحَّ ما نسب للشيخ من كونه قاديانيا لكان متزوجاً من كافرة، وهو لا يجوز عندهم، بل يراه بعضهم كفراً. ج. وأما بالنسبة لحرمة الخمر والمخدرات: فالشيخ له كتاب نافع قوي، وهو بعنوان " الخمر بين المسيحية والإسلام " وقد نصر فيه الإسلام وأحكامه بنقله لتحريم الخمر والمسكرات من الكتاب والسنَّة. ومما جاء في الكتاب: " الإسلام هو الدين الوحيد على وجه الأرض الذي يحرم المسكرات بالكامل , وقد قال النبي الكريم محمد ﷺ (ما أسكر كثيره فقليله حرام) , فلا يوجد عذر في دار الإسلام لمن يرشف رشفة، أو يتناول جرعة من أي شراب مسكر , إن القرآن الكريم - كتاب الحق - حرم بأشد العبارات ليس فقط الخمر وما تجلبه من شرور: بل إنه حرم الميسر " القمار " و " الأنصاب " - التي كانوا يذبحون عندها - و " الأزلام " - التي كانوا يقتسمون بها -، أي: أنه حرم الخمر، وعبادة الأوثان والأصنام، والعرافة - أو معرفة البخت -، وقراءة الطالع في آية واحدة , قال تعالى: (يا أيها الذين أمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) المائدة/٩٠.. . إن هذا التوجيه الصريح البسيط قد جعل من الأمة الإسلامية أكبر تجمع من الممتنعين امتناعاً تامّاً عن المسكرات في العالم ". " الخمر بين المسيحية والإسلام " (ص ١٨) طبعة " المختار الإسلامي ". ٤. ويعتقد القاديانيون بموت المسيح ﵇ بعد أن صُلب بمدة، وهم يعتقدون أن الميرزا غلام أحمد هو المسيح وهو المهدي – كما سبق -، فهل كان الشيخ أحمد ديدات – ﵀ – على هذه العقيدة؟ اللهم لا. وهذا سؤال وجِّه للشيخ من رجل قادياني حول ختم الرسالة بمحمد ﷺ ، وعقيدة القاديانية، ولنقرأ ماذا قال الشيخ – ﵀: لأخ يسأل هل أؤمن بأنّ نبيّنا الكريم محمَّداً ﷺ خاتم النّبيّين؟ هل هو آخر الأنبياء وخاتم الأنبياء؟ أقول: نعم , لكنّ اقاديانية يقولون بأنّ المسيح يعود في آخر الزّمان , ولذلك فإنّ محمَّداً ليس خاتم الأنبياء , هذا هو السّؤال؟ فكيف نجيب؟ . إنّ الذي أخذ لقب خاتم الأنبياء لا يمكن أن يُنزَع هذا اللّقب منه أبداً , فلو أنّني قلتُ إنّني سأعطي لآخر مائة رجل هديّةً , فيأتي الواحد تلو الآخر , ثمّ يأتي آخر رجل ويأخذ هديّته وجائزته , الآن عندما يرجع أحد الرّجال مرّة أخرى بعد أن يأخذ الأخير جائزته: فإنّه لا يمكنه أن يأخذها منه. نبيّنا محمّد صلّى عليه وسلّم أخذ لقبه , وهو آخر الأنبياء، وخاتم المرسلين , والقرآن آخر الكتب المنزّلة من عند الله , لا نحتاج أيّ إضافة , فلا نحتاج رسولاً آخر , ولا نحتاج كتاباً آخر , ذاك الرّجل – وهو السائل القادياني - لأنّه يريد أن يجعل صاحبه " ميرزا غلام أحمد " هو المسيح في رجوعه الثّاني: فلهذا السّبب كلّ هذا يثار الآن , يريد أن يربط ميرزا غلام أحمد مع ديدات!! من أجل أن يأخذ مكانة المسيح ﵇ في عودته الثّانية , من أجل أن يعتبر " ميرزا غلام أحمد " هو المسيح ﵇ , فلذلك يريد أن يقتل المسيح - أي: يقول بأنه قد مات - , ويريد أن يثير كلّ هذا , الآن ماذا يريد من كلّ هذا؟ إذا أردتَ أن تعمل من أجل الإسلام , حسنًا , انظر، النّصارى حولك بالملايين، لكنّ الظّاهر أنّه ليس مهتمًّا بالنّصارى , هو مهتمّ بكم أنتم – أي: بالمسلمين - , إذا أردت أن تمارس الدّعوة: اذهب ومارس الدّعوة على اليهود والنّصارى والهندوس , إنّهم بالملايين حول العالم , لماذا تريد فتح صراع معي؟ إنّني مسلم، أؤمن بالله، وبرسوله، وبالقرآن الكريم , إنّك تضيّع وقتك معي. " محاضرة في مسجد جامعة " ألقاها خلال زيارته إلى كينيا سنة ١٩٩٣ م. ٥. ومما يؤكد ما قلناه من نفي اتهام الشيخ أحمد ديدات – ﵀ – بالقاديانية: كتابته لشهادة يثبت فيها إسلامه، ويكفِّر فيها الميرزا غلام أحمد القادياني، بل ويكفِّر أتباعه، وينفي فيه توزيعه أو توزيع مركزه لبعض تفاسيرهم. فقد راجت إشاعات في بلده - جنوب إفريقيا - بأنه قادياني، وأنه كان يوزع تفسير القرآن للمدعو " محمد أسد "، مما اضطر الشيخ أحمد ديدات أن يصدر توضيحاً حول هذا الأمر بتاريخ ٢٣ / ٧ / ١٩٨٧ م أكد فيه تكفيره لميرزا غلام أحمد القادياني، كما أعلن تكفيره لكل أتباعه. وهنا تجدون صورة البراءة من القاديانية وتكفير زعيمها وأتباعه: http://www.ahmed-deedat.net/Files/Articles/Website/B٠١.jpg وهذا نص ترجمتها: مركز الدعوة الإسلامي العالمي إشهار أنا " أحمد حسين ديدات " , رئيس مجلس الدعوة الإسلامية , أشهد هنا أمام الله , وأنا في كامل الأهلية التامة لشهادة أن لا اله الا الله , محمد رسول الله. إنني أومن أن محمَّداً ﷺ هو النبي والرسول الخاتم، وأنه لا نبي ولا رسول بعده. إنني أومن أن ميرزا غلام أحمد القاديانى ما هو إلا دجال كافر. إنني أومن أن أولئك الذين يقبلونه كنبي أو رسول أو مجدد أو حتى إنه رجل عظيم: أنهم كافرون وخارجون عن حظيرة الإسلام. إن كتابي " crucifixion or crucifiction " يحوي كلمة أخيرة (الخاتمة) توضح موقفي فيما أعتقده من عودة المسيح مرة ثانية. إن مركز الدعوة الإسلامية لم ينشر - مطلقًا - ولم يوزع ولم يبع أو يشجع على بيع ترجمة محمد أسد لمعاني القرآن الكريم. أسأل الله أن يحمينا من مروجي الإشاعات المتاجرين، ومن يعضون من الخلف ومروجي الفساد. أحمد ديدات. وما سبق يؤكد أن اتهام الشيخ أحمد ديدات بالقاديانية لم يأتِ إلا من كافر أراد تشويه دين الشيخ وصد الناس عنه بعد أن نجح بإدخال الآلاف في الإسلام، أو من حاسد ساءه ما رأى من تعظيم الناس – خاصتهم وعامتهم – للشيخ، أو من جاهل قرأ أو سمع شيئا من كلام الشيخ – ﵀ – وأساء الفهم وغلَّب سوء الظن على حسنه. سادساً: ما هو موقف الشيخ أحمد ديدات من صلب المسيح ﵇ وقتله؟. مما لا شك فيه عندنا أن الشيخ أحمد ديدات – ﵀ ينفي الصلب والقتل معاً عن المسيح ﵇، ولا يتجاوز ما جاء في قوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) النساء/ من الآية ١٥٧. أ. قال الشيخ أحمد ديدات – ﵀: لا أتوقع أن يسألني أي شخص عن عقيدتي كمسلم فيما يتعلق بموضوع الصلب، عقيدتي هي عقيدة القرآن كما وردت بدقة في الآية ١٥٧ من سورة النساء. " مسألة صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء " (ص ٨٨) دار الفضيلة. ويجب أن ننبه إلى أن المدعو " على الجوهري " هو مترجم الكتاب السابق – وغيره كذلك – وهو يرى نظرية " الإغماء " التي يقول بها القاديانيون، ويدافع عنها بشدة في تعليقاته على الكتاب، بل ويعيب على المسلمين عدم تبنيها، ويراها غير مخالفة لما جاء في القرآن! ب. وقال الشيخ أحمد ديدات – ﵀: فهم لم يقتلوه ولم يصلبوه، ولكن بدا لهم كأنهم فعلوا ذلك، فقد ظنوا أنهم فعلوا ولكنهم لم يصلبوا ولم يقتلوا المسيح.. لأنه من المؤكد أنهم لم يقتلوه، هذا هو مفهوم المسلمين لشبهة صلب المسيح وقتله، هي أنهم لم يقتلوه، ولكن هذا ما ظنوه في عقولهم أنهم فعلوه. " عيسى إله أم بشر أم أسطورة؟ " (ص ١١٢) ترجمة محمد مختار. ج. وقال – ﵀: إن الذي صُلب هو شخص آخر يشبهه، أما إنجيل " برنابا " فيؤيد النظرية التي تقول إن شخصاً آخر قتل محله على الصليب، وهذا يتفق مع وجهة نظرنا نحن المسلمين، فهنا الشبهة التي حصلت بقتلهم شخصاً آخر يشبهه. " عيسى إله أم بشر أم أسطورة؟ " (ص ١٣٨) . والقاديانيون يرون أن المسيح ﵇ صُلب، بينما نجد النص في كتاب الله تعالى على نفيه، وهو ما يقول به الشيخ أحمد ديدات، وهو إن كان يخالفهم في الصلب فكيف سيوافقهم في الموت أو القتل؟! . د. وفي بداية مناظرة الشيخ – ﵀ مع " فلويد كلارك " والتي كانت بعنوان " هل صلب المسيح؟ " بيَّن الشيخ عقيدته الصحيحة في المسيح ﵇ بذكر الآيات من سورة النساء، ثم أخذ في استخدام أدلتهم ليقيم الحجة عليهم في بطلان عقيدتهم. ومما جاء في تلك المناظرة قوله: " بالنسبة للمسلمين: فإن الأمر محسوم، إن المسيح لم يُقتل ولم يُصلب، فهي نقطة لا يختلف عليها المسلمون، وإن المسيحيين يتبعون الظن، وما قتلوه يقيناً. وقال: سنثبت أن المسيح ﵇ لم يمت على الصليب كما يدعى النصارى لأنه لم يصلب أصلا , وذلك من خلال كتبهم تماشياً مع قول الله تعالى: (قل هاتوا برهانكم) . وقال: ومهما يكن: فهو لم يُقتل ولم يُصلب , وذلك وفقاً لكتاب الله. هـ. وفي بداية مناظرته ﵀ مع " روبرت دوجلاس " والتي كانت بعنوان " صلب المسيح حقيقة أم خيال؟ " بيَّن الشيخ ﵀ – اعتقاده وفق القرآن الكريم. و. وقال – ﵀: وهذا يعني أن هؤلاء القوم – أي: اليهود - اعتقدوا أن عيسى كان مدعيّاً للنبوة، وأنهم قتلوه، وتخلصوا منه , ولكن الله بيَّن لهم أنهم ما قتلوه، وما صلبوه، ولكن شبِّه لهم , فهم لم يقتلوه ولم يصلبوه ولكن بدا لهم كأنهم فعلوا ذلك , فقد ظنوا أنهم فعلوا ذلك , ولكنهم لم يصلبوا ولم يقتلوا المسيح ... . وقال: (وما قتلوه يقينا) لأنه من المؤكد أنهم لم يقتلوه، هذا هو مفهوم المسلمين لشبهة صلب المسيح وقتله، وهي أنهم لم يصلبوه، ولم يقتلوه، ولكن هذا ما ظنوا في عقولهم أنهم فعلوه، وهم لم يفعلوا ذلك، هذا ما نؤمن به نحن المسلمين. " هل عيسى إله أم بشر أم أسطورة " (ص ١١١، ١١٢) طبعة " المختار الإسلامي ". ز. وقال – ﵀: وهو قوله تعالى (بل رفعه الله إليه) ، وهذا يعنى أن المسيح عيسى ﵇ لم يذق الموت بل رفعه الله إليه، وأنا أؤمن بعودة المسيح عيسى ﵇ قبل يوم القيامة. " هل عيسى إله أم بشر أم أسطورة؟ " (ص ١١٨) طبعة " المختار الإسلامي " ص ١١٨. والخلاصة: أنه لا يستغرب اتهام الشيخ أحمد ديدات – ﵀ – من الكفار بأنه قادياني، وهو الذي يرى كفرهم كلهم، لكن المستغرب أن يأتي حاسد أو جاهل فيأخذ بعض كلام الشيخ ويحمله على أسوء المحامل، وفي أحسن صور ذلك الكلام أنه يكون من المتشابه، وقد نقلنا كثيراً من كلامه المحكم فيما يتعلق بدينه، وموقفه من القاديانية، واعتقاده في صلب المسيح ﵇، فكل من يأتي بكلام خلاف هذا فليتق الله تعالى، وليعلم أنه متشابه، فليحمله على المحكم، أو لينتبه فقد يكون الشيخ – ﵀ – قاله على سبيل التنزل مع الخصم، أو كان يريد محاججة القوم بما عندهم من اعتقاد ليلزمهم به. ونسأل الله تعالى أن يرحم الشيخ أحمد ديدات، وأن يُكرمه، ويعلي منزلته. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15056

هل دعا الرسول ﷺ للمسلمين الذين لم يروه ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل دعا الرسول ﷺ لإخوانه الذين يأتون بعده بدعوةٍ تخصهم بالخير؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه أولا: لقد كان الرسول الكريم محمد ﷺ أرحم الناس وأرقَّهم، يحب الخير لهم، ويحرص على سعادتهم ونجاتهم، ولن نجد أصدق من كلمات الله تعالى دليلا على ذلك: يقول الله : (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) التوبة/١٢٨ وكان يحب أمته كثيرا، يحمل هَمَّ نجاتها يوم القيامة، ويرجو أن يكرمها الله بجنته، حتى كان يبكي من شدة خوفه عليهم ورحمته بهم. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا قَوْلَ اللَّهِ فِي إِبْرَاهِيمَ (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) الْآيَةَ وَقَالَ عِيسَى ﵇: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي. وَبَكَى. فَقَالَ اللَّهُ : يَا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ - وَرَبُّكَ أَعْلَمُ - فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ. فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ. فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ) رواه مسلم (٢٠٢) يقول النووي ﵀ في "شرح مسلم" (٣/٧٨-٧٩) : " هذا الحديث مشتمل على أنواع من الفوائد منها: بيان كمال شفقة النبي ﷺ على أمته، واعتنائه بمصالحهم، واهتمامه بأمرهم، ومنها البشارة العظيمة لهذه الأمة - زادها الله تعالى شرفا - بما وعدها الله تعالى بقوله (سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك) وهذا من أرجى الأحاديث لهذه الأمة أو أرجاها " انتهى. فقد كان النبي ﷺ يدعو لجميع أمته، ويستغيث الله تعالى أن يجعلها أمةً مكرَّمةً مرحومةً، حتى استجاب اللَّه له فجعل شطر أهل الجنة من أمته، أو يزيد، ورزقهم شفاعته يوم القيامة. ثانيا: من رحمته ﷺ وحبه لأمته أنه خص مَن آمن به واتبعه ولم يره بمزيد فضل وخير: عن أنس بن مالك ﵁ قال رسول الله ﷺ : (طُوبَى لِمَن آمَنَ بِي وَرَآنِي مَرَّةً، وُطُوبَى لِمَن آمَنَ بِي وَلَم يَرَنِي سَبعَ مِرَارٍ) رواه أحمد في "المسند" (٣/١٥٥) وقال المحققون: حسن لغيره. وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٢٤١) ، وقد جاء نحو هذا الحديث عن جماعة من الصحابة. يقول النووي ﵀ في "شرح مسلم" (٢/١٧٦) : " وأما معنى طوبى: فاختلف المفسرون فى معنى قوله تعالى: (طوبى لهم وحسن مآب) فروي عن ابن عباس رضى الله عنهما أن معناه: فرح وقرة عين. وقال عكرمة: نِعم ما لهم. وقال الضحاك: غبطةٌ لهم. وقال قتادة: حسنى لهم. وعن قتادة أيضا: معناه أصابوا خيرا. وقال إبراهيم: خير لهم وكرامة. وقال ابن عجلان: دوام الخير. وقيل: الجنة. وقيل: شجرة فى الجنة. وكل هذه الأقوال محتملة فى الحديث والله اعلم " انتهى. ثم بشر ﷺ المؤمنين بعده ممن لم يره بأنه ينتظرهم عند الحوض الشريف: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبُرَةِ فَقَالَ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ إِخْوَانَنَا. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانِي الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ فِي خَيْلٍ بُهْمٍ دُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ) (أنا فرطهم) أي أنا أتقدمهم على الحوض، (دهم) سود. "شرح النووي" (٣/١٣٩) رواه مسلم (٢٤٩) والنسائي (١٥٠) واللفظ له، وانظر "السلسلة الصحيحة" (٢٨٨٨) فمن أراد أن يحصل هذه الفضائل فعليه أن يلتزم هدي النبي ﷺ ، وأن يتمسك بسنته، حتى يفوز بصحبته في الجنة. نسأل الله تعالى أن يكرمنا وإياكم بذلك من فضله، إنه جواد كريم. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15057

هل يأتي فيمن بعد الصحابة من هو أكثر منهم أجرا ؟ [السُّؤَالُ] ـ[كيف يمكن الموازنة بين الحديثين عن رسول الله ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) والحديث الذي يقول فيه: إن لنا خمسين مثلا من الأجر الذي لهم، لأننا لم نره ولكننا صدقنا به بالغيب والأحاديث ووجود الأجيال المتتابعة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: أما الحديث الأول فهو حديث متفق على صحته بين أهل العلم، رواه البخاري (٣٦٧٣) ومسلم (٢٥٤١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) وأما الحديث الثاني فقد جاء بسياقات متقاربة عن ثمانية من الصحابة، هم أبو ثعلبة الخشني وعبد الله بن مسعود وأبو أمامة وعتبة بن غزوان وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر ومعاذ بن جبل، ومحل الشاهد الذي ذكره السائل هو قدر مشترك بين هذه السياقات، ولفظه من حديث أبي ثعلبة عند الترمذي (٣٠٥٨) أن النبي ﷺ قال: (َإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَزَادَنِي غَيْرُ عُتْبَةَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟! قَالَ بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ) وقد تبين بعد البحث أن في جميع طرق الحديث وشواهده ما يضعفه عن الاحتجاج به، ولا يسلم منها طريق من مطعن، إلا أن بعض أهل العلم ذهب إلى تحسين الحديث لكثرة طرقه وشواهده، فقد قال الترمذي في حديث أبي ثعلبة هذا: حديث حسن غريب. وصححه أيضا بمجموع طرقه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٤٩٤) ثانيا: على القول بتصحيح الحديث الثاني يبدو أن فيه معارضة للحديث الأول، فإن مقتضى الأول أن الأجر الذي يكتبه الله لعمل الصحابة السابقين أعظم من أجر العمل نفسه إذا قام به مَن بعدهم، والحديث الثاني فيه أن أجر مَن بعد الصحابة في زمن الفتنة والشدة أكثر من أجر الصحابة؟ وقد سلك أهل العلم في التوفيق بين هذين الحديثين وحل هذا التعارض الظاهري مسلكين اثنين: الأول: قالوا بأن جميع أعمال السابقين من الصحابة أكثر أجورا وأعظم ثوابا إلا عملا واحدا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن المتأخرين من المسلمين من الذين يعيشون زمان الغربة لهم عليه من الأجور ما يفوق أجر الصحابة عليه، لأنهم لا يجدون على الحق أعوانا. قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: " الإنفاق في أول الإسلام أفضل لقوله ﵇ لخالد بن الوليد ﵁: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) أي مد الحنطة. والسبب فيه أن تلك النفقة أثمرت في فتح الإسلام وإعلاء كلمة الله ما لا يثمر غيرها. وكذلك الجهاد بالنفوس، لا يصل المتأخرون فيه إلى فضل المتقدمين، لقلة عدد المتقدمين، وقلة أنصارهم، فكان جهادهم أفضل، ولأن بذل النفس مع النصرة ورجاء الحياة ليس كبذلها مع عدمها، ولذلك قال ﵇: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) جعله أفضل الجهاد ليأسه من حياته. وأما النهي عن المنكر بين ظهور المسلمين وإظهار شعائر الإسلام فإن ذلك شاق على المتأخرين لعدم المعين، وكثرة المنكر فيهم، كالمنكر على السلطان الجائر، ولذلك قال ﵇: (يكون القابض كالقابض على الجمر) لا يستطيع دوام ذلك لمزيد المشقة، فكذلك المتأخر في حفظ دينه، وأما المتقدمون فليسوا كذلك لكثرة المعين وعدم المنكر، فعلى هذا يُنَزَّل الحديث " انتهى. نقلا عن "عون المعبود" (١١/٣٣٣) فهذا المسلك يخصص نوع العمل، فيجعل جميع أعمال الصحابة فاضلة في أجورها على من بعدهم إلا عملا واحدا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. المسلك الثاني: أن أعمال الصحابة أجرها أعظم وثوابها أكبر من أعمال من بعدهم، إلا في أيام الفتنة وغربة الدين، فإن أعمال من بعدهم أفضل من أعمال الصحابة في زمن الطمأنينة وانتشار الإسلام، فالتخصيص هنا في زمان العمل وليس في أنواع العمل. يقول الشوكاني في "نيل الأوطار" (٨٩/٣٦٨) : " أعمال الصحابة فاضلة مطلقا من غير تقييد لحالة مخصوصة، كما يدل عليه: (لو أنفق أحدكم مثل أحد) الحديث. إلا أن هذه المزية للسابقين منهم. وأما أعمال من بعد الصحابة فلم يَرِد ما يدل على كونها أفضل على الإطلاق، إنما ورد ذلك مقيدا بأيام الفتنة وغربة الدِّين، حتى كان أجر الواحد يعدل أجر خمسين رجلا من الصحابة، فيكون هذا مخصصا لعموم ما ورد في أعمال الصحابة، فأعمال الصحابة فاضلة، وأعمال من بعدهم مفضولة، إلا في مثل تلك الحالة " انتهى. ثالثا: وعلى جميع الأحوال فإن أحدا من أهل العلم لم يقل بأن مِن المتأخرين مِن المسلمين مَن يفوق السابقين مِن صحابة رسول الله ﷺ أهل بدر وأحد وبيعة الرضوان، وليس في الحديث ما يدل على ذلك، بل غاية ما فيه – إن سلَّمنا بصحته – أنَّ أجورَ بعض الأعمال في زمن الفتنة والغربة تضاعف لهم على أجور من لم يدرك غربة الإسلام الأولى من الصحابة ﵃. يقول الحافظ ابن حجر ﵀ في "فتح الباري" (٧/٧) : " على أن حديث (للعامل منهم أجر خمسين منكم) لا يدل على أفضلية غير الصحابة على الصحابة؛ لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وأيضا فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل، فأما ما فاز به من شاهد النبي ﷺ من زيادة فضيلة المشاهدة فلا يعدله فيها أحد " انتهى. فالفضل والقدر والمنزلة الأعلى ثابتة لصحابة النبي ﷺ ، فقد أكرمهم الله بمشاهدة ومصاحبة خير البشر محمد ﷺ ، وهذا الفضل لن يدركه بحال أحد ممن جاء بعدهم، وزيادة أجور مَن بعدهم في بعض الأعمال أو الأحوال لا يلزم منه أبدا التقدم عليهم في الفضل والمنزلة، خاصة وأن أجور مَن بعد الصحابة تؤول في محصَّلها إلى موازين حسنات الصحابة الذين نقلوا لنا الدين والشريعة، وحملوا لنا هذا الفضل العظيم، فبلغوا الأمانة على وجهها، والنبي ﷺ يقول: (مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ) رواه مسلم (١٨٩٣) وقد سبق تفصيل ذلك في موقعنا في جواب السؤال رقم (٣٣٧٤) والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15058

الحكمة من ابتلاء الأنبياء [السُّؤَالُ] ـ[نعرف أن المصائب تكون بسبب الذنوب، وأنها تكفر الذنوب، لكن ما الحكمة من المصائب التي كانت تصيب الأنبياء؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: من أسباب المصائب: الذنوب، ولكنها ليست السبب الوحيد، فقد يبتلي الله تعالى بعض عباده الذين لم يذنبوا، لينالوا أجر الصابرين، وترتفع بذلك درجاتهم، كما قد يبتلي الله بعض الأطفال، وهم لا ذنب لهم. وانظر لمعرفة الحكمة من حصول الابتلاءات جواب السؤال رقم (٣٥٩١٤) . ثانياً: أشد الناس بلاء الأنبياء روى الترمذي (٢٣٩٨) عَنْ سَعْد بن أبي وقاص ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ , ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ , فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ , فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ , وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ , فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ. صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٤٣) . وقد ذكر الله تعالى في كتابه صوراً من الابتلاء الذي تعرض له الأنبياء: قال تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون) البقرة/٨٧. وقال تعالى: (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) البقرة/٩١. وقال تعالى: (فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير) آل عمران/١٨٤. وقال تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين) الصف/٥. وقال تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) التوبة/٦١. وابتلي إبراهيم ﵇ بمعاداة أبيه وقومه له، وبالإلقاء في النار. قال الله تعالى: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ) الأنبياء/٦٨-٧٠. وابتلي بالأمر بذبح ابنه إسماعيل (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) الصافات/١٠٢-١٠٧. قال ابن القيم في الفوائد ص (٤٢) : " الطريق طريقٌ تعِب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورُمي في النار الخليل، وأُضْجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين، ونُشر بالمنشار زكريا، وذُبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضرَّ أيوب ... وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد ﷺ " انتهى. وأُخبر نبيُّنا ﷺ بالابتلاء في أول يوم من النبوة: قال ورقة بن نوفل: (يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا , لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ , لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلا عُودِيَ , وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا) رواه البخاري (٤) . ثالثاً: وأما الحكمة في ابتلاء الأنبياء؛ فقد قال ابن القيم في "بدائع الفوائد" (٢/٤٥٢) : " فإنه سبحانه كما يحمي الأنبياء ويصونهم ويحفظهم ويتولاهم فيبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم: ١- ليستوجبوا كمال كرامته. ٢- وليتسلى بهم من بعدهم من أممهم وخلفائهم إذا أوذوا من الناس فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء صبروا ورضوا وتأسوا بهم. ٣- ولتمتلئ صاع الكفار فيستوجبون ما أعد لهم من النكال العاجل والعقوبة الآجلة فيمحقهم بسبب بغيهم وعداوتهم فيعجل تطهير الأرض منهم. فهذا من بعض حكمته تعالى في ابتلاء أنبيائه ورسله بإيذاء قومهم، وله الحكمة البالغة، والنعمة السابغة، لا إله غيره، ولا رب سواه " انتهى. وقال ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" (١/٢٩٩–٣٠١) : " وإذا تأملت حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده وصفوته بما ساقهم به إلى أجلِّ الغايات وأكمل النهايات اتي لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان. . . وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين الكرامة في حقهم، فصورته صورة ابتلاء وامتحان، وباطنه فيه الرحمة والنعمة، فكم لله مِن نعمة جسيمة ومنَّة عظيمة تُجنى من قطوف الابتلاء والامتحان. فتأمل حال أبينا آدم ﷺ وما آلت إليه محنته من الاصطفاء والاجتباء والتوبة والهداية ورفعة المنزلة. . . وتأمل حال أبينا الثاني نوح ﷺ وما آلت إليه محنته وصبره على قومه تلك القرون كلها حتى أقر الله عينه، وأغرق أهل الأرض بدعوته، وجعل العالم بعده من ذريته، وجعله خامس خمسة وهم أولو العزم الذين هم أفضل الرسل , وأمَر رسولَه ونبيه محمَّداً أن يصبر كصبره، وأثنى عليه بالشكر فقال: (إنه كان عبداً شكوراً) فوصفه بكمال الصبر والشكر. ثم تأمل حال أبينا الثالث إبراهيم ﷺ إمام الحنفاء وشيخ الأنبياء وعمود العالم وخليل رب العالمين من بني آدم، وتأمل ما آلت إليه محنته وصبره وبذله نفسه لله، وتأمل كيف آل به بذله لله نفسه ونصره دينه إلى أن اتخذه الله خليلاً لنفسه. . . وضاعف الله له النسل وبارك فيه وكثر حتى ملؤوا الدنيا، وجعل النبوة والكتاب في ذريته خاصة، وأخرج منهم محمَّداً ﷺ وأمَره أن يتبع ملة أبيه إبراهيم. . . ثم تأمل حال الكليم موسى ﵇ وما آلت إليه محنته وفتونه من أول ولادته إلى منتهى أمره حتى كلَّمه الله تكليما، وقرَّبه منه، وكتب له التوراة بيده، ورفعه إلى أعلى السموات، واحتمل له ما لا يحتمل لغيره، فإنه رمى الألواح على الأرض حتى تكسرت، وأخذ بلحية نبي الله هارون وجرَّه إليه، ولطم وجه ملك الموت ففقأ عينه، وخاصم ربه ليلة الإسراء في شأن رسول الله، وربه يحبه على ذلك كله، ولا سقط شيء منه من عينه، ولا سقطت منزلته عنده، بل هو الوجيه عند الله القريب، ولولا ما تقدم له من السوابق وتحمل الشدائد والمحن العظام في الله ومقاسات الأمر الشديد بين فرعون وقومه ثم بنى إسرائيل وما آذوه به وما صبر عليهم لله: لم يكن ذلك. ثم تأمل حال المسيح ﷺ وصبره على قومه واحتماله في الله وما تحمله منهم حتى رفعه الله إليه وطهره من الذين كفروا وانتقم من أعدائه، وقطَّعهم في الأرض ومزَّقهم كل ممزق وسلبهم ملكهم وفخرهم إلى آخر الدهر. . . فإذا جئت إلى النبي ﷺ وتأملت سيرتَه مع قومه وصبره في الله، واحتماله ما لم يحتمله نبي قبله، وتلون الأحوال عليه مِن سِلْم وخوف، وغنى وفقر، وأمن وإقامة في وطنه وظعن عنه وتركه لله وقتل أحبابه وأوليائه بين يديه، وأذى الكفار له بسائر أنواع الأذى من القول والفعل والسحر والكذب والافتراء عليه والبهتان، وهو مع ذلك كله صابر على أمر الله يدعو إلى الله فلم يؤذ نبي ما أوذي، ولم يحتمل في الله ما احتمله، ولم يعط نبي ما أعطيه، فرفع الله له ذكره وقرن اسمه باسمه، وجعله سيد الناس كلهم، وجعله أقرب الخلق إليه وسيلة، وأعظمهم عنده جاهاً، وأسمعهم عنده شفاعة، وكانت تلك المحن والابتلاء عين كرامته، وهي مما زاده الله بها شرفا وفضلا، وساقه بها إلى أعلى المقامات. وهذا حال ورثته من بعده الأمثل فالأمثل كلٌّ له نصيب من المحنة، يسوقه الله به إلى كماله بحسب متابعته له " انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15059

من هم العشرة المبشرون بالجنة [السُّؤَالُ] ـ[من هم العشرة المبشرون بالجنة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله العشرة المبشّرون بالجنّة هم أصحاب النبي ﷺ المذكورون في الحديث الذي رواه عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ وَسَعْدٌ فِي الْجَنَّةِ وَسَعِيدٌ فِي الْجَنَّةِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ. رواه الترمذي ٣٦٨٠ وسعد هو ابن أبي وقاص وسعيد هو سعيد بن زيد، وهناك عدد غيرهم من الصحابة قد بُشّر بالجنّة كخديجة بنت خويلد وعبد الله بن سلام وعكاشة بن محصن وغيرهم ولكن إنما سمي أولئك بالعشرة المبشرين بالجنّة لأنّ تبشيرهم جاء في حديث واحد، والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15060

فضل ماء زمزم [السُّؤَالُ] ـ[ما هي منزلة ماء زمزم وما هو فضلها؟ لماذا يحرص المسلمون على ماء زمزم. .]ـ [الْجَوَابُ] قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: ماء زمزم سيد المياه وأشرفها وأجلها قدراً وأجلها إلى النفوس وأغلاها ثمناً وأنفسها عند الناس وهو هَزْمَة جبريل - أي: حفْره - وسقيا الله إسماعيل. وثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال لأبي ذر وقد أقام بين الكعبة وأستارها أربعين ما بين يوم وليلة ليس له طعام غيره قال له: متى كنت ههنا؟ ، قال: قلت: قد كنت ههنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم قال ﷺ : فمن كان يطعمك قال: قلت: ما كان لي إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عُكن بطني (أي انثنى لحم البطن من السِّمَن) ، وما أجد على كبدي سُخفة جوع (أي رِّقة الجوع وضعفه وهزاله) ، قال ﷺ : "إنها مباركة، إنها طعام طعم" رواه الإمام مسلم (٢٤٧٣) . وزاد غير مسلم بإسناده: "وشفاء سقم" أخرجه البزار (١١٧١) و (١١٧٢) والطبراني في الصغير (٢٩٥) ، وفي سنن ابن ماجه في المناسك (٣٠٦٢) من حديث جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: "ماء زمزم لما شرب له"، (وقد عمل السَّلف والعلماء بهذا الحديث فهذا) عبد الله بن المبارك لما حج أتى زمزم فقال: "اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر ﵁ عن نبيك ﷺ أنه قال: "ماء زمزم لما شرب له" وإني أشربه لظمأ يوم القيامة. أهـ وابن أبي الموالي ثقة فالحديث حسن.. قال ابن القيم ﵀: وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أموراً عجيبة واستشفيت به من عدة أمراض فبرأت بإذن الله وشاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدد قريباً من نصف الشهر أو أكثر ولا يجد جوعاً ويطوف مع الناس كأحدهم وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين يوماً وكان له قوة يجامع بها أهله ويصوم ويطوف مراراً. أ. هـ زاد المعاد (٤ / ٣١٩، ٣٢٠) . وقال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله تعالى: إذاً ينبغي أن تنوي ما تحب أن يحصل بهذا الماء ويتضلع منه أي: يملأ بطنه حتى يمتلئ ما بين أضلاعه لأن هذا الماء خير وقد ورد حديث في ذلك هو: " أن آية ما بين أهل الإيمان والنفاق التضلع من ماء زمزم " أخرجه ابن ماجه في المناسك (١٠١٧) والحاكم (١/٤٧٢) وقال البوصيري: هذا إسناد صحيح ورجاله موثقون. وذلك لأن ماء زمزم ليس عذباً حلواً بل يميل إلى الملوحة والإنسان المؤمن لا يشرب من هذا الماء الذي يميل إلى الملوحة إلا إيمانا بما فيه من البركة فيكون التضلع منه دليلاً على الإيمان. أ. هـ الشرح الممتع (٧/٣٧٧ و ٣٧٨و ٣٧٩) ولعلّ الله لم يجعله عذبا حتى لا تُنْسي العذوبة معنى التعبّد عند شُربه ولكنّ طعمه على أية حال مقبول ولا بأس به، نسأل الله أن يسقينا من حوض نبيه يوم العطش الأكبر وصلى الله على نبينا محمد. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15061

فضائل عائشة ﵂ [السُّؤَالُ] ـ[ما هي فضائل عائشة ﵂، هل لكم أن تعرّفونا بشيء من ذلك لعلنا نقتدي بها نحن معشر النساء، هذا أمر يهمني وصاحباتي ونحن ندرس الدّين.]ـ [الْجَوَابُ] قال ابن القيم ﵀: ومن خصائصها: أنها كانت أحب أزواج رسول الله ﷺ إليه كما ثبت عنه ذلك في البخاري وغيره وقد سئل أي الناس أحب إليك قال عائشة قيل فمن الرجال قال أبوها ومن خصائصها أيضا: أنه لم يتزوج امرأة بكرا غيرها. ومن خصائصها: أنه كان ينزل عليه الوحي وهو في لحافها دون غيرها. ومن خصائصها: أن الله لما أنزل عليه آية التخيير بدأ بها فخيرها فقال: " ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك فقالت أفي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة فاستنّ بها (أي اقتدى) بقية أزواجه ﷺ وقلن كما قالت. ومن خصائصها: أن الله سبحانه برأها مما رماها به أهل الإفك وأنزل في عذرها وبراءتها وحيا يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة وشهد لها بأنها من الطيبات ووعدها المغفرة والرزق الكريم وأخبر سبحانه أن ما قيل فيها من الإفك كان خيرا لها ولم يكن ذلك الذي قيل فيها شرا لها ولا عائبا لها ولا خافضا من شأنها بل رفعها الله بذلك وأعلى قدرها وأعظم شأنها وصار لها ذكرا بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء فيا لها من منقبة ما أجلها ... ومن خصائصها ﵂: أن الأكابر من الصحابة ﵃ كان إذا أشكل عليهم أمر من الدين استفتوها فيجدون علمه عندها. ومن خصائصها: أن رسول الله ﷺ توفي في بيتها وفي يومها وبين سحرها ونحرها ودفن في بيتها. ومن خصائصها: أن الملَك أَرى صورتَها للنبي ﷺ قبل أن يتزوجها في سرقة حرير فقال النبي ﷺ إن يكن هذا من عند الله يمضه. ومن خصائصها: أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يومها من رسول الله ﷺ تقربا إلى الرسول ﷺ فيتحفونه بما يحب في منزل أحب نسائه إليه ﷺ ﵅ أجمعين. أ. هـ " جلاء الأفهام " (ص ٢٣٧ - ٢٤١) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15062

المقصود بالكمال في حديث لم يكمل من النساء إلا أربعة [السُّؤَالُ] ـ[هل لكم أن تزودوني بمعلومات إضافية عن الحديث التالي، جزاك الله خيرا، "حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) صحيح البخاري، المجلد ٥ (كتاب ٦٢) .]ـ [الْجَوَابُ] أولاً:- اختلف العلماء في معنى كمال النساء، فقال بعضهم: يعني: كمال النبوة. قال ابن حجر في " الفتح ": .. فكأنه قال: لم ينبأ من النساء إلا فلانة وفلانة. " الفتح " (٦ / ٤٤٧) . وهذا القول خطأ! والرد عليه: أنه وقع في بعض الروايات " وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ". أخرجه الطبراني. وقد علمنا يقيناً أن خديجة وفاطمة ليستا نبيتين، وهما ممن كمل من النساء، فيكون المراد بـ " كمل من النساء " كمال الولاية وليس كمال النبوة. قال النووي: قال القاضي: هذا الحديث يستدل به من يقول بنبوة النساء ونبوة آسية ومريم!! والجمهور: على أنهما ليستا نبيتين , بل هما صدِّيقتان ووليَّتان من أولياء الله تعالى. ولفظة (الكمال) تطلق على تمام الشيء وتناهيه في بابه. والمراد هنا: التناهي في جميع الفضائل وخصال البر والتقوى. .. والله أعلم. " شرح مسلم " (١٥ / ١٩٨، ١٩٩) . قال شيخ الإسلام: وقد ذكر القاضي أبو بكر، والقاضي أبو يعلى، وأبو المعالي، وغيرهم: الإجماع على أنه ليس في النساء نبيَّة. والقرآن والسنة دلا على ذلك، كما في قوله تعالى ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى﴾ ، وقوله ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صدِّيقة﴾ . ذكر أن غاية ما انتهت إليه أمه: الصدِّيقيَّة. " مجموع الفتاوى " (٤ / ٣٩٦) . ثانياً: حديث " فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران ". رواه احمد (١١٣٤٧) ، وحسَّن الحافظ ابن حجر إسناده في " الفتح " (٧ / ١١١) . فقد ثبت بهذا أن فاطمة خير من آسية ولو كانت آسية نبية: لما كانت فاطمة خيراً منها؛ لاٌن فاطمة ليست نبيَّة. ثالثاً: قال الكرماني: لا يلزم من لفظة الكمال ثبوت نبوتها لأنه يطلق لكمال الشيء أو تناهيه في بابه فالمراد بلوغها النهاية في جميع الفضائل التي للنساء. " الفتح " (٦ / ٤٤٧) . وهذا هو الراجح في كمال النساء المقصود في الحديث. رابعاً: فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام: قال ابن القيم: الثريد مركَّب من لحم وخبز واللحم سيد الآدام، والخبز سيد الأقوات، فإذا اجتمعا لم يكن بعدها غاية. زاد المعاد (٤ /٢٧١) . وقال النووي: قال العلماء: معناه أن الثريد من كلّ الطعام أفضل من المرق , فثريد اللحم أفضل من مرقه بلا ثريد , وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه , والمراد بالفضيلة نفعه , والشبع منه , وسهولة مساغه , والالتذاذ به , وتيسر تناوله , وتمكن الإنسان من أخذ كفايته منه بسرعة , وغير ذلك , فهو أفضل من المرق كله ومن سائر الأطعمة، وفضل عائشة على النساء زائد كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة. وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسية ; لاحتمال أن المراد تفضيلها على نساء هذه الأمة. " شرح مسلم " (١٥ / ١٩٩) . قال ابن القيم - في مبحث التفضيل بين عائشة وفاطمة -: فالتفضيل بدون التفصيل لا يستقيم، فإن أريد بالفضل كثرة الثواب عند الله : فذلك أمر لا يطلع عليه إلا بالنص؛ لأنه بحسب تفاضل أعمال القلوب لا بمجرد أعمال الجوارح وكم من عاملين أحدهما أكثر عملا بجوارحه والآخر أرفع درجة منه في الجنة. وإن أريد بالتفضيل التفضيل بالعلم فلا ريب أن عائشة أعلم وأنفع للأمة وأدّت إلى الأمة من العلم ما لم يؤد غيرها واحتاج إليها خاص الأمة وعامتها. وإن أريد بالتفضيل شرف الأصل وجلالة النسب: فلا ريب أن فاطمة أفضل فإنها بضعة من النبي ﷺ وذلك اختصاص لم يشركها فيه غير أخواتها. وإن أريد السيادة: ففاطمة سيدة نساء الأمة. وإذا ثبتت وجوه التفضيل وموارد الفضل وأسبابه صار الكلام بعلم وعدل. وأكثر الناس إذا تكلم في التفضيل لم يُفصِّل جهات الفضل ولم يوازن بينهما فيبخس الحق، وإن انضاف إلى ذلك نوع تعصب وهوى لمن يفضِّله تكلم بالجهل والظلم. " بدائع الفوائد " (٣ / ٦٨٢، ٦٨٣) . وأما خصائص عائشة فكثيرة (يظر السؤال رقم ٧٨٧٨) والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15063

لماذا خص الصوم بقوله تعالى: (الصيام لي وأنا أجزي به) ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لماذا خص الله جزاء الصوم به ؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله روى البخاري (١٧٦١) ومسلم (١٩٤٦) عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ. . . الحديث) . ولما كانت الأعمال كلها لله وهو الذي يجزي بها، اختلف العلماء في قوله: (الصيام لي وأنا أجزي به) لماذا خص الصوم بذلك؟ وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ من كلام أهل العلم عشرة أوجه في بيان معنى الحديث وسبب اختصاص الصوم بهذا الفضل، وأهم هذه الأوجه ما يلي: ١- أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره، قال القرطبي: لما كانت الأعمال يدخلها الرياء، والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله فأضافه الله إلى نفسه ولهذا قال في الحديث: (يدع شهوته من أجلي) . وقال ابن الجوزي: جميع العبادات تظهر بفعلها وقلّ أن يسلم ما يظهر من شوبٍ (يعني قد يخالطه شيء من الرياء) بخلاف الصوم. ٢- أن المراد بقوله: (وأنا أجزى به) أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته. قال القرطبي: معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير. ويشهد لهذا رواية مسلم (١١٥١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ : إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) أي أجازي عليه جزاء كثيرا من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) . ٣- أن معنى قوله: (الصوم لي) أي أنه أحب العبادات إلي والمقدم عندي. قال ابن عبد البر: كفى بقوله: (الصوم لي) فضلا للصيام على سائر العبادات. وروى النسائي (٢٢٢٠) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : (عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ) . صححه الألباني في صحيح النسائي. ٤- أن الإضافة إضافة تشريف وتعظيم، كما يقال: بيت الله، وإن كانت البيوت كلها لله. قال الزين بن المنير: التخصيص في موضع التعميم في مثل هذا السياق لا يفهم منه إلا التعظيم والتشريف. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " وَهَذَا الحديثُ الجليلُ يدُلُّ على فضيلةِ الصومِ من وجوهٍ عديدةٍ: الوجه الأول: أن الله اختصَّ لنفسه الصوم من بين سائرِ الأعمال، وذلك لِشرفِهِ عنده، ومحبَّتهِ له، وظهور الإِخلاصِ له سبحانه فيه، لأنه سِرُّ بَيْن العبدِ وربِّه لا يطَّلعُ عليه إلاّ الله. فإِن الصائمَ يكون في الموضِعِ الخالي من الناس مُتمكِّناً منْ تناوُلِ ما حرَّم الله عليه بالصيام، فلا يتناولُهُ؛ لأنه يعلم أن له ربّاً يطَّلع عليه في خلوتِه، وقد حرَّم عَلَيْه ذلك، فيترُكُه لله خوفاً من عقابه، ورغبةً في ثوابه، فمن أجل ذلك شكر اللهُ له هذا الإِخلاصَ، واختصَّ صيامَه لنفْسِه من بين سَائِرِ أعمالِهِ ولهذا قال: (يَدعُ شهوتَه وطعامَه من أجْلي) . وتظهرُ فائدةُ هذا الاختصاص يوم القيامَةِ كما قال سَفيانُ بنُ عُييَنة ﵀: إِذَا كانَ يومُ القِيَامَةِ يُحاسِبُ الله عبدَهُ ويؤدي ما عَلَيْه مِن المظالمِ مِن سائِر عمله حَتَّى إِذَا لم يبقَ إلَاّ الصومُ يتحملُ اللهُ عنه ما بقي من المظالِم ويُدخله الجنَّةَ بالصوم. الوجه الثاني: أن الله قال في الصوم: (وأَنَا أجْزي به) فأضافَ الجزاءَ إلى نفسه الكريمةِ؛ لأنَّ الأعمالَ الصالحةَ يضاعفُ أجرها بالْعَدد، الحسنةُ بعَشْرِ أمثالها إلى سَبْعِمائة ضعفٍ إلى أضعاف كثيرةٍ، أمَّا الصَّوم فإِنَّ اللهَ أضافَ الجزاءَ عليه إلى نفسه من غير اعتبَار عَددٍ، وهُوَ سبحانه أكرَمُ الأكرمين وأجوَدُ الأجودين، والعطيَّةُ بقدر مُعْطيها. فيكُونُ أجرُ الصائمِ عظيماً كثيراً بِلَا حساب. والصيامُ صبْرٌ على طاعةِ الله، وصبرٌ عن مَحارِم الله، وصَبْرٌ على أقْدَارِ الله المؤلمة مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ وضعفِ البَدَنِ والنَّفْسِ، فَقَدِ اجْتمعتْ فيه أنْواعُ الصبر الثلاثةُ، وَتحقَّقَ أن يكون الصائمُ من الصابِرِين. وقَدْ قَالَ الله تَعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) الزمر/١٠. . . " انتهى. "مجالس شهر رمضان" (ص ١٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15064

ما هي فوائد ماء زمزم [السُّؤَالُ] ـ[ما هي فوائد ماء زمزم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ماء زمزم ماء عظيم نبع لما ضرب جبريل ﵇ بجناحه (صحيح البخاري ٣٣٦٤) وكانت سقيا الله لإسماعيل ﵇ وأمه، وقد غُسل قلب النبي ﷺ بماء زمزم، وجاء في فضله وفوائده أحاديث صحيحة ومنها. قال النبي ﷺ (خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم طعم من الطعم وشفاء من السقم) صحيح الجامع ٣٣٠٢. وقد ثبت أن النبي ﷺ شرب وتوضأ منه وسكب على رأسه، وكان ﵇ يحمل ماء زمزم في الأداوى والقرب يصب على المرضى ويسقيهم (السلسلة الصحيحة ٨٨٣) . وقال الصحابي: كما نسميها شَبَّاعة وكنا نجدها نعم العون على العيال (أي تُشبع وتُغني عن الطعام وتكفي الأولاد) (السلسلة الصحيحة للألباني ٢٦٨٥) . وكان ﷺ يَقُولُ (مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ) رواه ابن ماجة ٣٠٦٢ وهو حديث حسن وقد جرّب ذلك العلماء والصالحون وشربوه بنية قضاء حاجات وطلب حصول أمور من شفاء مريض أو زوال فقر وكربة فيسّرها الله لهم والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15065

فضل ماء زمزم وخصائصه [السُّؤَالُ] ـ[هل يحمل ماء زمزم أي قيمة؟ وهل هناك أي حديث يدل على أن له أثر فعال في الشفاء أو أن شرابه يجب أن تسبقه نيّة؟ جزاكم الله خيرا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله زمزم اسم للبئر المشهورة في المسجد الحرام، بينها وبين الكعبة المشرفة ثمان وثلاثون ذراعاً. وهي بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، التي سقاه الله تعالى منها حين ظمي وهو رضيع، فالتمست له أمه الماء فلم تجده، فقامت إلى الصفا تدعوا الله تعالى وتستغيثه لإسماعيل، ثم أتت المروة ففعلت مثل ذلك، وبعث الله جبريل فهمز بعقبه في الأرض فظهر الماء. الشرب من ماء زمزم: اتفق أهل العلم ﵏ إلى أنه يستحب للحاج والمعتمر خصوصاً وللمسلم في جميع الأحوال عموماً أن يشرب من ماء زمزم، لما جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ : " شرب من ماء زمزم " رواه البخاري ٣/٤٩٢. وفي حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال في ماء زمزم: " إنها مباركة إنها طعام طعم " رواه مسلم ٤/١٩٢٢ زاد الطيالسي ٦١ في رواية له: " وشفاء سقم ". أي شرب مائها يغني عن الطعام ويشفي من السّقام لكن مع الصدق كما ثبت عن أبي ذر الغفاري ﵁ أنه أقام شهراً بمكة لا قوت له إلا ماء زمزم. وقال العباس بن عبد المطلب ﵁: تنافس الناس في زمزم في زمن الجاهلية حتى كان أهل العيال يفِدون بعيالهم فيشربون فيكون صبوحاً لهم (شرب أول النهار) ، وقد كنا نعدّها عوناً على العيال، قال العباس: وكانت تسمى زمزم في الجاهلية (شباعة) . قال العلامة الأبّي ﵀: هو لما شرب له، جعله الله تعالى لإسماعيل وأمه هاجر طعاماً وشراباً، ودخل ابن المبارك زمزم فقال: اللهم إن ابن المؤمّل حدثني عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: " ماء زمزم لما شرب له " فاللهم إني أشربه لعطش يوم القيامة. وقد غسل الملكان قلب النبي ﷺ في صغره بعدما استخرجاه ثمّ ردّاه، قال الحافظ العراقي ﵀: حكمة غسل صدر النبي ﷺ بماء زمزم ليقوى به ﷺ على رؤية ملكوت السموات والأرض والجنة والنار؛ لأنّ من خواص ماء زمزم أنه يقوّي القلب ويسكّن الرّوع. وخبر غسل صدر النبي ﷺ بماء زمزم ثبت من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: فرج سقفي وأنا بمكة، فنزل جبريل ﵇ ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً، فأفرغها في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا " رواه البخاري ٣/٤٢٩. ويسنّ للشارب أن يتضلّع من ماء زمزم، والتضلّع: الإكثار من شربه حتى يمتلئ، ويرتوي منه يشبع ريّاً. وقد ذكر الفقهاء آداباً تستحب لشرب ماء زمزم، منها استقبال الكعبة، والتسمية، والتنفس ثلاثاً، والتضلع منها، وحمد الله بعد الفراغ، والجلوس عند شربه كغيره وأما حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: " سقيت النبي ﷺ من زمزم وهو قائم " رواه البخاري ٣/٤٩٢. فمحمول على أنه لبيان الجواز، وأن النهي عن الشرب قائماً للكراهة، واستحبوا أيضاً لمن يشرب من زمزم نضحه الماء على رأسه ووجهه وصدره، والإكثار من الدعاء عند شربه، وشربه لمطلوبه من أمر الدنيا والآخرة لما جاء في الحديث عنه ﷺ : " ماء زمزم لما شرب له " رواه ابن ماجه ٢/١٠١٨ وانظر المقاصد الحسنة للسخاوي ص ٣٥٩. وروي عن ابن عباس: أنه إذا شرب من ماء زمزم قال: اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داء. وحكى الدينوري عن الحميدي قال: كنا عند سفيان بن عيينة فحدثنا بحديث ماء زمزم لما شُرب له، فقام رجل من المجلس ثم عاد فقال: يا أبا محمد: أليس الحديث الذي حدثتنا في ماء زمزم صحيحاً؟ قال: نعم. قال الرجل: فإني شربت الآن دلواً من زمزم على أنك تحدثني بمائة حديث، فقال سفيان: اقعد فقعد، فحدّثه بمائة حديث. واستحب بعض الفقهاء التزود من ماء زمزم وحمله إلى البلاد لأنه شفاء لمن استشفى، وجاء في حديث عائشة ﵂ أنها حملت من ماء زمزم في القوارير، وقالت: حمل رسول الله ﷺ منها، وكان يصبّ على المرضى ويسقيهم " رواه الترمذي ٤/٣٧. واتفق الفقهاء على أن التطهير بماء زمزم صحيح، لكن نصوا على عدم استعماله في مواضع الامتهان كإزالة النجاسة ونحو ذلك. قال العلامة البهوتي ﵀ في كتابه كشاف القناع: (و) كذا يكره (استعمال ماء زمزم في إزالة النجس فقط) تشريفاً له، ولا يكره استعماله في طهارة الحدث، لقول علي: «ثم أفاضَ رسول الله ﷺ فدعا بسجلٍ من ماءِ زمزم فشربَ منهُ وتوضَّأ» رواه عبد الله بن أحمد بإسناد صحيح. انتهى ويُنظر نيل الأوطار: كتاب الطهارة: باب طهورية ماء البحر قال الحافظ السخاوي ﵀ في المقاصد الحسنة: يذكر على بعض الألسنة أن فضيلته ما دام في محله فإذا نقل يتغيّر وهو شيء لا أصل له، فقد كتب ﷺ إلى سهيل بن عمرو: " إن وصل كتابي ليلاً فلا تصبحن أو نهاراً فلا تمسين حتى تبعث إليّ بماء زمزم، وفيه أنه بعث بمزادتين وكان حينئذ بالمدينة قبل أن يفتح مكة، وهو حديث حسن لشواهده، وكذا كانت عائشة ﵂ تحمل وتخبر أنه ﷺ كان يفعله وأنه كان يحمله في الأداوي والقرب فيصب منه على المرضى ويسقيهم، وكان ابن عباس إذا نزل به ضيف أتحفه بماء زمزم، وسئل عطاء عن حمله فقال: قد حمله النبي ﷺ والحسن والحسين أ. هـ. والله تعالى أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15066

أهمية القدس بالنسبة للمسلمين وهل لليهود حقٌّ فيها [السُّؤَالُ] ـ[حيث أني مسلم فإنني أسمع باستمرار أن مدينة القدس مهمة لنا. لكن ما هو السبب؟ أعلم أن النبي يعقوب ﵇ بنى المسجد الأقصى في تلك المدينة، وأن النبي محمد ﷺ أمّ الأنبياء السابقين في الصلاة مما يؤكد على وحدة الرسالة والوحي الإلهي؛ فهل يوجد أي سبب رئيسي آخر لأهمية هذه المدينة، أم أنه بسبب أننا نتعامل مع اليهود فحسب؟ يبدوا لي أن اليهود لهم حصة أكثر مما لنا في هذه المدينة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: أهمية بيت المقدس: فاعلم - يرحمك الله - أن فضائل بيت المقدس كثيرة جداً منها: - أن الله تعالى وصفه في القرآن بأنه مبارك قال تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) (سورة الإسراء / ١) والقدس هي مما حول المسجد وبهذا تكون مباركة. - أن الله تعالى وصفها بأنها مقدسة في قوله تعالى على لسان موسى ﵇: (يا قومِ ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم) (سورة المائدة /٢١) . - فيها المسجد الأقصى والصلاة فيه تعدل مائتين وخمسين صلاة. عن أبي ذر ﵁ قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله ﷺ أيهما أفضل مسجد رسول الله ﷺ أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله ﷺ : صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى هو، وليوشكن أن يكون للرجل مِثْل شطن فرسه من الأرض حيث يَرى منه بيت المقدس ; خير له من الدنيا جميعاً ". رواه الحاكم (٤ / ٥٠٩) وصححه ووافقه الذهبي والألباني كما في " السلسلة الصحيحة " في آخر الكلام على حديث رقم (٢٩٠٢) . والصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، فتكون الصلاة في المسجد الأقصى بمائتين وخمسين صلاة. وأما الحديث المشهور أن الصلاة فيه بخمسمائة صلاة: فضعيف. انظر " تمام المنة " للشيخ الألباني ﵀ (ص ٢٩٢) . - أن الأعور الدجال لا يدخلها لحديث " وإنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس " رواه أحمد (١٩٦٦٥) ، وصححه ابن خزيمة (٢ / ٣٢٧) وابن حبان (٧ / ١٠٢) . - والدجال يقتل قريباً من هناك يقتله المسيح عيسى بن مريم ﵇ كما جاء في الحديث " يَقتل ابنُ مريم الدجالَ بباب لُدّ " رواه مسلم (٢٩٣٧) من حديث النواس بن سمعان. و" لدّ ": هي مكان قرب بيت المقدس. - أن الرسول ﷺ أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى قال تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) (الإسراء /١) . - أنه قبلة المسلمين الأولى، كما جاء عن البراء ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً.. رواه البخاري (٤١) - واللفظ له - ومسلم (٥٢٥) . - أنه مهبط الوحي وموطن الأنبياء وهذا معلوم مقرر. - أنه من المساجد التي تُشد الرحال إليها. عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ ومسجد الأقصى ". رواه البخاري (١١٣٢) . ومسلم (٨٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ " لا تشدوا الرحال إلا ...". أن الرسول ﷺ أمّ الأنبياء في صلاة واحدة في الأقصى في حديث طويل ".. فحانت الصلاة فأممتهم " رواه مسلم (١٧٢) من حديث أبي هريرة. فلا يجوز السَّفر إلى بقعة في الأرض بقصد التعبّد فيها إلا هذه المساجد الثلاثة. ثانياً: وبناء يعقوب ﵇ للمسجد الأقصى لا يعني أن اليهود أحق بالمسجد من المسلمين حيث إن يعقوب كان موحداً واليهود مشركون فلا يعني أن أباهم يعقوب إن بنى المسجد فهو لهم بل هو بناه ليصلي فيه الموحدون ولو كانوا غير أبنائه، ويمنع منه المشركون ولو كانوا أبناءً له؛ لأن الأنبياء دعوتهم ليست عرقية بل قائمة على التقوى. ثالثاً: أما قولك: وإن النبي ﷺ أمّ الأنبياء السابقين في الصلاة مما يؤكد وحدة الرسالة والوحي الإلهي فهذا صحيح من جهة أصل دين الأنبياء وعقيدتهم لأن الأنبياء كلهم يستقون من مصدر واحد وهو الوحي وعقيدتهم جميعا هي عقيدة التوحيد وإفراد الله بالعبادة وإن اختلفت أحكام شرائعهم من جهة التفاصيل، ويؤكد هذا نبينا ﷺ بقوله " أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة والأنبياء إخوة لِعَلَاّت أمهاتهم شتى ودينهم واحد " رواه البخاري (٣٢٥٩) ومسلم (٢٣٦٥) ومعنى " إخوة لِعلَاّت ": الإخوة لأب غير الأشقاء وهم الإخوة من الضرائر. وهنا نحذِّر من اعتقاد أن اليهود والنصارى والمسلمين على مصدر واحد الآن؛ لأن اليهود بدلوا دين نبيهم بل إن من دين نبيهم أن يتبعوا نبينا ولا يكفروا به، وهاهم يكفرون بنبوة محمد ﷺ ويُشركون بالله. رابعاً: ليس لليهود حصة في القدس؛ لأن الأرض وإن سكنوها من قبل فإنها قد صارت للمسلمين من وجهين: ١- أنّ اليهود كفروا ولم يعودوا على دين المؤمنين من بني إسرائيل ممن تابعوا وناصروا موسى وعيسى ﵉. ٢- أننا نحن المسلمين أحقّ بها منهم، لأن الأرض ليست لمن يعمرها أولاً، ولكن لمن يقيم فيها حكم الله لأن الله خلق الأرض وخلق الناس ليعبدوا الله عليها ويُقيموا فيها دين الله وشرعه وحكمه، قال تعالى: (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) (سورة الأعراف /١٢٨) . ولذلك لو جاء قوم من العرب ليسوا على دين الإسلام فحكموها بالكفر يُقاتلون حتى يرضخوا فيها لحكم الإسلام أو يُقتلوا. فليست القضية قضية شعوب وأعراق وإنما قضية توحيد وإسلام. وللفائدة ننقل ما يلي من كلام بعض الباحثين: " يقرر التاريخ أن أول من سكن فلسطين الكنعانيون قبل الميلاد بستة آلاف سنة، وهم قبيلة عربية قدمت إلى فلسطين من الجزيرة العربية وسميت فلسطين بعد قدومهم إليها باسمهم. " الصهيونية، نشأتها، تنظيماتها، أنشطتها: أحمد العوضي " (ص ٧) . : وأما اليهود فكان أول دخولهم فلسطين بعد دخول إبراهيم بما يقارب ستمائة عام، أي أنهم دخلوها قبل الميلاد بحوالي ألف وأربعمائة عام، فيكون الكنعانيون قد دخلوا فلسطين وقطنوها قبل أن يدخلها اليهود بما يقارب أربعة آلاف وخمسمائة عام. " المرجع السابق " (ص ٨) . فيتقرر بهذا أنه لا حق لليهود بأرض فلسطين لا حقاً شرعياً دينيأً ولا حقاً بأقدمية السكنى ومُلْك الأرض، وأنهم مغتصبون معتدون ونسأل الله أن يكون خلاص بيت المقدس منهم عاجلا غير آجل إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير، والحمد لله رب العالمين. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15067

من هي رابعة العدوية [السُّؤَالُ] ـ[هل يمكن أن تعطيني ملخص لحياة رابعة العدوية وبعض معجزاتها؟ هل كانت مسلمة ملتزمة في بداية عمرها؟ لماذا أصبحت زاهدة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لقد كانت رابعة العدوية زاهدة عابدة خاشعة كما قال الذهبي في السير (٨/٢٤١) ونقل عن أبي سعيد بن الأعرابي قوله: أما رابعة العدوية فقد حمل الناس منها حكمة كثيرة وحكى فيها سفيان وشعبة وغيرهما ما يدل على بطلان ما قيل عنها من اعتقاد الحلول والدعوة إلى الإباحة. قال الذهبي: وهذا غلو وجهل ولعل من نسبها إلى ذلك مُباحي حلولي ليحتج بها على كفرها كاحتجاجهم بخبر " كنت سمعه الذي يسمع به " ولم يُعرف عن رابعة العدوية معجزات أو كرامات إلا ما نقل عنها من كلام الزهد والحكمة من مثل قولها لسفيان الثوري: إنما أنت أيام معدودة فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، يوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل وأنت تعلم، فاعمل ومن مثل قولها: استغفر الله من قلة صدقي في قولي: أستغفر الله وقالت عبدة بنت أبي شوال وكانت من خيار إماء الله، وكانت تخدم رابعة قالت كانت رابعة تصلي بالليل كله فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر فكنت أسمعها تقول: إذا وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة: يا نفس كم تنامين؟ إلى كم تقولين؟ يوشك أن تنامي نومة لا تفوقين منها إلا ليوم النشور قالت فكان هذا دأبها دهرها حتى ماتت قيل عاشت ثمانين سنة وتوفيت سنة ثمانين ومائة انظر شذرات الذهب " ١/١٩٣ وصفة الصفوة (٤/٢٧) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15068

أهمية الحجر الأسود [السُّؤَالُ] ـ[ما هي أهمية الحجر الأسود؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله .جاء في الحجر الأسود أحاديث ومسائل، نذكرها للأخ السائل لعل الله أن ينفعه بها: ١. الحجر الأسود أنزله الله تعالى إلى الأرض من الجنة. عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " نزل الحجر الأسود من الجنة ". رواه الترمذي (٨٧٧) والنسائي (٢٩٣٥) والحديث: صححه الترمذي. ٢. وكان الحجر أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم. عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم ".رواه الترمذي (٨٧٧) وأحمد (٢٧٩٢) ، وصححه ابن خزيمة (٤ / ٢١٩) ، وقوَّاه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (٣ / ٤٦٢) . أ. قال المباركفوري: قال في " المرقاة ": أي: صارت ذنوب بني آدم الذين يمسحون الحجر سببا لسواده، والأظهر حمل الحديث على حقيقته إذ لا مانع نقلاً ولا عقلاً. " تحفة الأحوذي " (٣ / ٥٢٥) . ب. قال الحافظ ابن حجر: اعترض بعض الملحدين على الحديث الماضي فقال " كيف سودته خطايا المشركين ولم تبيضه طاعات أهل التوحيد "؟ وأجيب بما قال ابن قتيبة: لو شاء الله لكان كذلك وإنما أجرى الله العادة بأن السواد يصبغ ولا ينصبغ، على العكس من البياض. ج. وقال المحب الطبري: في بقائه أسود عبرة لمن له بصيرة فإن الخطايا إذا أثرت في الحجر الصلد فتأثيرها في القلب أشد.انظر لهما: " فتح الباري " (٣ / ٤٦٣) . ٣. ويأتي الحجر الأسود يوم القيامة ويشهد لمن استلمه بحق. عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في الحجر -: " والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق ". رواه الترمذي (٩٦١) وابن ماجه (٢٩٤٤) . والحديث: حسَّنه الترمذي، وقواه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (٣ / ٤٦٢) . ٤. واستلام الحجر أو تقبيله أو الإشارة إليه: هو أول ما يفعله من أراد الطواف سواء كان حاجا أو معتمراً أو متطوعاً. عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثا ومشى أربعاً. رواه مسلم (١٢١٨) . واستلام الحجر: مسْحه باليد. ٥. وقد قبَّله النبي ﷺ ، وتبعه على ذلك أمته. عن عمر ﵁ أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبَّله فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبِّلُك ما قبلتك. رواه البخاري (١٥٢٠) ومسلم (١٧٢٠) . ٦. فإن عجز عن تقبيله فيستلمه بيده أو بشيء وله أن يقبل هذا الشيء. أ. عن نافع قال رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم قبل يده، وقال ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله. رواه مسلم (١٢٦٨) . ب. عن أبي الطفيل ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الركن بمِحْجَن معه ويقبِّل المحجن. رواه مسلم (١٢٧٥) . والمحجن: عصا مِعْوجّة الطَّرف. ٧. فإن عجز: أشار إليه بيده وكبَّر. عن ابن عباس قال: طاف رسول الله ﷺ على بعيره وكان كلما أتى على الركن أشار إليه وكبَّر. رواه البخاري (٤٩٨٧) . ٨. ومسح الحجر مما يكفِّر الله تعالى به الخطايا. فعن ابن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن مسحهما كفارة للخطايا. رواه الترمذي (٩٥٩) . والحديث: حسنه الترمذي وصححه الحاكم (١ / ٦٦٤) ووافقه الذهبي. ولا يجوز للمسلم أن يؤذي المسلمين عند الحجر فيضرب ويُقاتل فإنّ النبي ﷺ أخبر عن الحجر أنه يشهد لمن استلمه بحقّ وليس لمن استلمه بإيذاء عباد الله. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15069

من هو الخليفة الأول وما قصة غدير خُم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[يعتقد الشيعة أن سيدنا عليّاً ﵁ هو الخليفة الأول ونحن السنيُّين نقول إن سيدنا أبا بكر هو الخليفة الأول، فأرجو أن تخبرني من هو الخليفة الأول وما هي الوصية التي أراد النبي محمد ﷺ أن يعطيها لقريبه، وما هو الحادث الذي وقع في غدير خم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الخليفه الأول لرسول الله ﷺ ، هو أبو بكر الصديق ﵁ بإجماع من يُعْتدّ بقوله من أهل العلم، لإجماع الصحابة على البيعة له بعد خلافٍ بين المهاجرين والأنصار، ثم اقتنع الأنصار فبايعوا أبا بكر، ولم يختلفوا فيما بينهم، ولم يترددوا بين أبي بكر وعليّ ﵄، وكذلك لم يطلب أحد من الصحابه البيعه لعليّ بعد أبي بكر وقبل عمر ﵁، وكذلك لم تطلب البيعة لعليّ بعد عمر رضي الله عن الجميع، وإنما وقعت الفتن والاختلافات بسبب مقتل عثمان ﵁، فرضي الصحابة رضوان الله عليهم لدنياهم من رضيه رسول الله لدينهم وهو نيابته عن الرسول ﷺ في الصلاة. وأما ما يتعلق بالغدير، فالغدير ماء في مكانٍ بين مكة والمدينة يسمّى خم، والحديث أخرجه الامام مسلم في صحيحه رقم (٢٤٠٨) من حديث زيد بن أرقم قال: قام فينا رسول الله ﷺ يوما خطيبا ً بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر، ثم قال: وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله، فحث على كتاب الله ورغّب فيه ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي، قال زيد: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده وهم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، كل هؤلاء حُرم الصدقة. باختصار. فوصيته بأهل بيته من أجل احترامهم وتوقيرهم وعدم التعرض بسبهم وأذاهم، ولايلزم من ذلك تقديمهم على غيرهم ممن هو أفضل منهم بالمنصوص كأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ أجمعين. [الْمَصْدَرُ] كتبه: الشيخ عبد الكريم الخضير

стр. 15070

من هو السيوطي [السُّؤَالُ] ـ[من هو السيوطي؟ وهل صحيح أن استخدام المسبحة أفضل من الأصابع؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله السيوطي: هو الحافظ عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد بن سابق الدين بن الفخر بن عثمان السيوطي، ويلقب بجلال الدين وكنيته أبو الفضل ولد سنة ٨٤٩ هـ، ونَشَأَ يَتِيماً، وحفظ القرآن دون سن الثامنة، واشْتَغَلَ بالعلم من صِغَرِه، وَكَثُرَت رحلاته في طلب العلم، فرحل إلى بلاد الشام والحجاز والهند والمغرب، وله مصنفات كثيرة في شتى الفنون فألف في التفسير والحديث والفقه والسير والتاريخ وقد اشتغل بالجمع والتأليف ولكثرة جمعه يوجد في كتبه الصحيح والضعيف والموضوع والحق والباطل ويقال إن مصنفاته تقارب٦٠٠ كتاب تقريبا، وكانت وفاته ﵀ سنة ٩١١ هـ. أما بشأن استخدام المسبحة فيراجع سؤال رقم ٣٠٠٩. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15071

فضل علي بن أبي طالب وحكم تخصيصه بالصلاة عليه [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم أن نقول علي بن أبي طالب ﷺ هل هذا يصحّ أم لا؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: [عن] رجل قال في علي بن أبي طالب ﵁ إنه ليس من أهل البيت ولا تجوز الصلاة عليه، والصلاة عليه بدعة؟ فأجاب: أما كون علي بن أبي طالب من أهل البيت، فهذا مما لا خلاف بين المسلمين فيه، وهو أظهر عند المسلمين من أن يحتاج إلى دليل، بل هو أفضل أهل البيت، وأفضل بني هاشم بعد النبي ﷺ وقد ثبت عن النبي ﷺ " أنه أدار كساه على علي وفاطمة وحسن وحسين، فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب الرجس عنهم وطهرهم تطهيرا ". وأما الصلاة عليه منفردا فهذا ينبني على أنه هل يصلَّى على غير النبي ﷺ على وجه الانفراد منفردا مثل أن يقول: اللهم صلِّ على عمر أو علي، وقد تنازع العلماء في ذلك فذهب مالك والشافعي وطائفة من الحنابلة إلى أنه لا يصلى على غير النبي ﷺ منفردا، كما روي عن ابن عباس أنه قال: " لا أعلم الصلاة تنبغي على أحد إلا على النبي ﷺ "، وذهب الإمام أحمد وأكثر أصحابه إلى أنه لا بأس بذلك، لأن علي بن أبي طالب قال لعمر بن الخطاب: صلَّى الله عليك، وهذا القول أصح وأولى، ولكن إفراد واحد من الصحابة والقرابة كعلي أو غيره بالصلاة عليه دون غيره مضاهاة للنبي ﷺ بحيث يجعل ذلك شعاراً معروفاً باسمه، هذا هو البدعة. [الْمَصْدَرُ] " الفتاوى الكبرى " (١ / ٥٦) .

стр. 15072

حقيقة الشيخين الجيلاني وابن عبد الوهاب [السُّؤَالُ] ـ[ما رأيك في الشيخ عبد القادر الجيلاني؟ لقد سمعت بعض القصص السيئة عن عبد الوهاب وكيف خزى الإسلام. ما رأيك فيه؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الواجب عند الكلام في الناس أن يكون بعلم وعدل. والرجل الذي له في الدين مقامات محمودة ينبغي أن يُعرف له فضله، ولا يمنع ذلك من تخطئته إن أخطأ. وهذه القاعدة العامة المذكورة تنطبق على الشيخ عبد القادر الجيلاني وغيره من علماء المسلمين. والشيخ عبد القادر ﵀ من أئمة الإسلام الذين انتهت إليهم الرئاسة على مسلمي زمانه علما وعملا وإفتاء وغير ذلك من مقامات الدين. وقد كان ﵀ من أعظم مشايخ زمانه أمرا بالالتزام بالشرع والأمر والنهي وتقديم ذلك على كل شيء. وكان زاهداً واعظا يتوب في مجالسه الخلق الكثير من الناس. وقد أجمل الله ذكره ونشر بين العالمين فضله ﵀ رحمة واسعة -. والشيخ عبد القادر كان متبعا لا مبتدعا، وكان على طريقة السلف الصالح يحث في مؤلفاته على اتباع السلف، ويأمر أتباعه بذلك. وكان يأمر بترك الابتداع في الدين، ويصرح بمخالفته للمتكلمين من الأشاعرة ونحوهم. والشيخ موافق لأهل السنة والجماعة - أهل الحق - في جميع مسائل العقيدة من مسائل التوحيد والإيمان والنبوات واليوم الآخر. وقد وقع في مؤلفاته بعض الغلطات والهفوات والبدع التي تنغمر في بحار فضائله. وللتعرف عليها مع بيان وجه الخطأ فيها يمكن مراجعة كتاب (الشيخ عبد القادر الجيلاني وآراؤه الاعتقادية والصوفية) للشيخ الدكتور: سعيد بن مسفر القحطاني:٤٤٠-٤٧٦. ثم إنه لايصح أن يجعل رجل من علماء المسلمين فضلا عن غيرهم مصدرا كاملا للحق والصواب، فيكون ما قاله هو الحق وما خالفه هو الباطل، لا الشيخ عبد القادر ولا غيره. ولكن الحق ما وافق الكتاب والسنة مهما يكن القائل به، وما خالف الكتاب والسنة فإنه ينبغي تركه واجتنابه وإن قاله عبد القادر الجيلاني أو مالك أو الشافعي أو أحمد أو أي شخص كان. وهنا ملاحظة لا بد من التنبيه عليها وهي أن تزكية الشيخ عبد القادر لا تعني تزكية كل من انتسب إليه فليس كل من انتسب إلى شيخ أو طريقة أو أي أمر يُسلم له ذلك. فكم ممن يظن صحة انتسابه إلى أمر يكون هو من أبعد الناس عنه فيكون ظنه في غير محله، وكم من مضلل يلبس رداء الزهد والتقوى وهي منه براء. ولذلك فإن الطريقة الصوفية المعروفة اليوم باسم الطريقة القادرية ليست على الطريقة السوية التي كان عليها الشيخ ﵀، بل هي طريقة صوفية منحرفة عن هدي الكتاب والسنة، كثيرة الغلو في الشيخ عبد القادر، ولربما زعمت له مقامات لا تجوز إلا لله ﷻ ، وقد وقع منهم غلو في قبره، وفي الاستغاثة به، والمبالغة في أوصافه وكراماته. وبالمقارنة بين أفعال هؤلاء المنتسبين للشيخ مع ما ورد بالكتاب والسنة وما ورد عن السلف الصالحين بل وما ورد عن الشيخ - يرحمه الله - يتبين بُعد الهوة بين الطائفتين، وانحراف الطائفة القادرية عن طريقة شيخها الذي تنتسب إليه وذلك بإدخالهم للكثير من البدع في دين الله مما لم يكن يرتضيه الشيخ ﵀. وقد ورد في كلام أهل العلم المعتبرين عد هذه الطائفة من الغلاة كما في كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رده على البكري في مسألة الزيارة: ١/٢٢٨. وورد في فتاوى الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ما يدل على وقوعهم في بعض الشركيات. انظر فتاوى ابن إبراهيم: ١/٢٧٦، ١٠٩، وفي فتاوى اللجنة الدائمة:٢/٢٥٠-٢٥٢. والدرر السنية:١/٧٤. وأما عبد الوهاب المذكور في السؤال فلعل المقصود به: الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وإذا أردنا التعريف به فإنا لن نجد من يعرفنا بالرجل مثل تعريفه هو بنفسه؛ وذلك أن الرجل من الناس إذا تباينت كلمات الناس فيه بالمدح أو القدح فإنه يُنظر إلى كلامه في مؤلفاته وكتبه، وينظر فيما صح من المنقول عنه، ثم يُوزن ذلك كله بميزان الكتاب والسنة. ومما قاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ معرِّفا بنفسه:" أُخبركم أني - ولله الحمد - عقيدتي وديني الذي أدين الله به: مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة؛ لكني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأنبياء والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم في ما يعبد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة. وأنا صاحب منصب في قريتي، مسموع الكلمة، فأنكر هذا بعض الرؤساء لكونه خالف عادة نشؤوا عليها. وأيضا ألزمت من تحت يدي بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وغير ذلك من فرائض الله، ونهيتهم عن الربا وشرب المسك، وأنواع من المنكرات،فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه لكونه مستحسنا عند العوام، فجعلوا قدحهم وعداوتهم في ما آمر به من التوحيد، وما نهيتهم عنه من الشرك، ولبَّسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه الناس، وكبرت الفتنة جدا ... " انتهى المقصود منه من الدرر السنية: ١/٦٤-٦٥،٧٩-٨٠. والمنصف إذا اطلع على كتب هذا الرجل علم أنه من الداعين إلى الله على بصيرة، وأنه قد تحمل الصعوبات والمشاق الكثيرة في سبيل إرجاع الإسلام إلى صورته الصافية النقية، التي تبدلت كثيرا في عصره. وأنه بسبب مخالفته لأهواء الكبراء والمطاعين ألّب عليه هؤلاء الغوغاء والعامة لتسلم لهم دنياهم، وتسلم لهم مناصبهم وعوائدهم. وأنا أدعوك أخي السائل أن لا تكون إمعة معتمدا على غيرك فيما تسمع وتعتقد، وإنما كن طالبا للحق مدافعا عنه مهما يكن القائل به، وأدعوك إلى مجانبة الباطل والخطأ مهما يكن قائله. وعليه فلو أنك اطلعت على كتاب من كتب الشيخ ﵀ وأرشح لك (كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) لعلمت مقدار علم الشيخ، ومدى أهمية دعوته، وحجم المغالطات والافتراءات المختلقة عليه. ويمكنك مراجعة بعض المغالطات المفتراة على الشيخ ومعرفة الجواب عنها على هذا الرابط للغة الانجليزية وهذا الرابط للغة العربية. وأهم من ذلك كله أدعوك إلى تدبر القرآن والسنة، وسؤال الثقات من أهل العلم عن ما أشكل عليك منهما، واحذر من اتباع الأهواء المختلفة، والشرك بجميع صوره. فإذا فعلت ذلك فلا عليك إن علمت أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ كان مصيبا أم مخطئا.واعلم أن أعراض المسلمين يحرم الكلام فيها على وجه التنقص ولو كان الكلام حقا، فكيف إذا كان كلاما غلطا. وفقنا الله وإياك لاتباع الهدى ودين الحق، وأخذ بنواصينا لما يحب ويرضى. والله أعلم.. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15073

هل مازال الخضر حياً على وجه الأرض [السُّؤَالُ] ـ[هل ما زال الخضر حيّاً على وجه الأرض حتى يومنا هذا وأنه سيظل حيّاً إلى يوم القيامة؟ ..]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشنقيطي: وحكايات الصالحين عن الخضر أكثر من أن تحصر، ودعواهم أنه يحج هو وإلياس كل سنَة، ويروون عنهما بعض الأدعية، كل ذلك معروف، ومستند القائلين بذلك ضعيف جدّاً؛ لأن غالبه حكايات عن بعض من يظن به الصلاح، ومنامات وأحاديث مرفوعة عن أنس وغيره وكلها ضعيف لا تقوم به حجة. . . الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسألة أن الخضر ليس بحي بل توفي وذلك لعدة أدلة: الأول: ظاهر عموم قوله تعالى: (وما جعلنا لأحدٍ من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون) الأنبياء/٣٤.... الثاني: قوله ﵌: " اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض " رواه مسلم ... الثالث: إخباره ﵌ أنه على رأس مائة سنَة من الليلة التي تكلم فيها بالحديث لم يبق على وجه الأرض أحد ممن هو عليها تلك الليلة فلو كان الخضر حيّاً لما تأخر بعد المائة المذكورة، قال مسلم بن الحجاج ... أن عبد الله بن عمر قال: " صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته فلما سلم قام فقال: " أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد، قال ابن عمر: فوهل الناس في مقالة رسول الله ﷺ تلك فيما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة وإنما قال رسول الله ﷺ : " لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن. " ... الرابع: أن الخضر لو كان حيّاً إلى زمن النبي ﵌ لكان من أتباعه، ولنصره وقاتل معه لأنه مبعوث إلى جميع الثقلين الإنس والجن ... [الْمَصْدَرُ] " أضواء البيان " (٤ / ١٧٨ – ١٨٣) .

стр. 15074

حكم الاستنجاء بماء زمزم [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز الاستنجاء بماء زمزم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن ماء زمزم ماء شريف مبارك، وقد ثبت في صحيح مسلم (٢٤٧٣) أن النبي ﷺ قال في زمزم:" إنها مباركة إنها طعام طعم " وزاد في رواية عند أبي داود [أي الطيالسي] (١/٣٦٤) بسند جيد:" وشفاء سقم " فهذا الحديث الصحيح يدل على فضل ماء زمزم، وأنه طعام طعم، وشفاء سقم، وأنه مبارك، والسنة: الشرب منه، كما شرب النبي ﷺ منه، ويجوز الوضوء منه والاستنجاء، وكذلك الغسل من الجنابة إذا دعت الحاجة إلى ذلك. وقد ثبت عنه ﷺ أنه نبع الماء من بين أصابعه، ثم أخذ الناس حاجتهم من هذا الماء؛ ليشربوا وليتوضئوا، وليغسلوا ثيابهم، وليستنجوا، كل هذا واقع. وماء زمزم إن لم يكن مثل الماء الذي نبع من بين أصابع النبي ﷺ لم يكن فوق ذلك، فكلاهما ماء شريف، فإذا جاز الوضوء، والاغتسال، والاستنجاء، وغسل الثياب من الماء الذي نبع من بين أصابعه ﷺ ، فهكذا يجوز من ماء زمزم. وبكل حال فهو ماء طهور طيب يستحب الشرب منه، ولا حرج في الوضوء منه، ولا حرج في غسل الثياب منه، ولا حرج في الاستنجاء إذا دعت الحاجة إلى ذلك كما تقدم، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال:" ماء زمزم لما شرب له" [أخرجه ابن ماجه (٣٠٦٢) ] وفي سنده ضعف، ولكن يشهد له الحديث الصحيح المتقدم، والحمد لله.ا. هـ [الْمَصْدَرُ] من مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ ابن باز (١٠ / ٢٧) .

стр. 15075

آسية زوجة فرعون [السُّؤَالُ] ـ[أجده من الصعب الحصول على معلومات عن آسية زوجة فرعون، فهل يمكن أن تعطيني بعض المعلومات؟ وهل كانت عبادتها لله سراً ولا يعلم بها فرعون؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ليس عندنا كثير معلومات عن المرأة الصالحة " آسية بنت مزاحم " – امرأة فرعون -، وكل ما ورد عنها من تفصيلات فمن الإسرائيليات والتي لم تثبت بنص صحيح فيما نعلم. لكن يظهر – والله تعالى أعلم – أنها ممن كان يخفي إيمانه عن فرعون ثمَّ عُرف أمرها، وهذا بعض ما ورد فيها، مع بعض الشروحات: ١- قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ التحريم / ١١. ٢- عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. رواه البخاري (٣٢٣٠) ومسلم (٢٤٣١) . ٣- عن ابن عباس قال خط رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط قال تدرون ما هذا فقالوا الله ورسوله أعلم فقال رسول الله ﷺ أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ومريم ابنة عمران ﵅ أجمعين. رواه أحمد (٢٦٦٣) . وصححه الشيخ الألباني في " صحيح الجامع " (١١٣٥) . ٤- عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال حسبك من نساء العالمين مريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون. رواه الترمذي (٣٨٧٨) وصححه. ٥- قال الحافظ ابن حجر: ومن فضائل آسية امرأة فرعون أنها اختارت القتل على الملك والعذاب في الدنيا على النعيم الذي كانت فيه وكانت فراستها في موسى ﵇ صادقة حين قالت قرة عين لي. " فتح الباري " (٦ / ٤٤٨) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15076

من هم أهل الحديث؟ وما هي صفاتهم ومميزاتهم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[من هم أهل الحديث؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كان مصطلح " أهل الحديث " ممثلاً للفرقة التي تعظم السنة وتقوم على نشرها، وتعتقد عقيدة أصحاب النبي ﷺ ، وترجع في فهم دينها إلى الكتاب والسنة على فهم خير القرون دون ما يفعله غيرها من اعتقاد غير عقيدة السلف الصالح ومن الرجوع إلى العقل المجرد والذوق والرؤى والمنامات. فكانت هذه الفرقة هي الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، والتي ذكر كثير من الأئمة أنها المقصودة في قوله ﵊ " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك " رواه مسلم (١٩٢٠) وقد جاء في أوصافهم الشيء الكثير من كلام الأئمة المتقدمين والمتأخرين، ويمكن أن نختار منها ما يلي: ١. قال الحاكم: أحسن الإمام أحمد بن حنبل في تفسير هذا الخبر أن الطائفة المنصورة التي يُرفع الخذلان عنهم إلى قيام الساعة هم " أصحاب الحديث "، ومَن أحق بهذا التأويل من قومٍ سلكوا محجة الصالحين، واتبعوا آثار السلف من الماضين، ودمغوا أهل البدع والمخالفين بسنن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله أجمعين. " معرفة علوم الحديث " للحاكم النيسابوري (ص ٢، ٣) . ٢. قال الخطيب البغدادي: وقد جعل الله تعالى أهله - يعني: أهل الحديث - أركان الشريعة وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله من خليقته، والواسطة بين النبي ﷺ وأمته، والمجتهدون في حفظ ملته، أنوارهم زاهرة، وفضائلهم سائرة، وآياتهم باهرة، ومذاهبهم ظاهرة، وحججهم قاهرة، وكل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه أو تستحسن رأياً تعكف عليه سوى أصحاب الحديث فإن الكتاب عدتهم، والسنَّة حجتهم، والرسول فئتهم، وإليه نسبتهم، لا يعرجون على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء، يقبل منهم ما رووا عن الرسول، وهم المأمونون عليه والعدول، حفظة الدين وخزنته، وأوعية العلم وحملته، إذا اختلف في حديث كان إليهم الرجوع، فما حكموا به فهو المقبول المسموع، ومنهم كل عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد في قبيلة، ومخصوص بفضيلة، وقارئ متقن، وخطيب محسن، وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم السبيل المستقيم، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر، وعلى الإفصاح بغير مذاهبهم لا يتجاسر، من كادهم قصمه الله، ومن عاندهم خذله الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا يفلح من اعتزلهم، المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير، وبصر الناظر بالسوء إليهم حسير، وإن الله على نصرهم لقدير. " شرف أصحاب الحديث " (ص ١٥) . ٣. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية " أهل الحديث والسنة " الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله ﷺ ، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزاً بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها، واتباعاً لها: تصديقاً وعملاً وحبّاً وموالاة لمن والاها ومعاداة لمن عاداها الذين يرون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة، فلا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول، بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه، وما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك يردونه إلى الله ورسوله، ويفسرون الألفاظ المجملة التي تنازع فيها أهل التفرق والاختلاف، فما كان من معانيها موافقاً للكتاب والسنَّة أثبتوه، وما كان منها مخالفاً للكتاب والسنَّة أبطلوه، ولا يتبعون الظن وما تهوى الانفس؛ فإن اتباع الظن جهل واتباع هوى النفس بغير هدى من الله ظلم. " مجموع الفتاوى " (٣ / ٣٤٧، ٣٤٨) . ومما ينبغي ذكره أن أهل الحديث يشمل كل من عمل بحديث النبي ﷺ وقدمه على كل ما سواه، سواء كان من العلماء الحفاظ أو من عامة المسلمين. قال شيخ الإسلام: (ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته بل نعني بهم: كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهراً وباطناً واتباعه باطناً وظاهراً وكذلك أهل القرآن. وأدنى خصلة في هؤلاء محبة القرآن والحديث، والبحث عنهما وعن معانيهما والعمل بما علموه من موجًبهما. مجموع الفتاوى ٤ /٩٥ وكلام الأئمة كثير، ويمكنك الاستزادة منه في المراجع السابقة، وكذا الجزء الرابع من " مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ". وانظر إجابة السؤال رقم (٢٠٦) ، و (١٠٥٥٤) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15077

نبذة عن تاريخ المسجد الحرام في مكة [السُّؤَالُ] ـ[مطلوب مني بحث عن تاريخ المسجد الحرام، أرجو مساعدتي في ذلك.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يقع المسجد الحرام في مكة وهي مدينة في جزيرة العرب ترتفع عن سطح البحر بنحو ٣٣٠متراً ويرجع تاريخ عمارتها إلى عهد إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل ﵉، وفيها ولد نبي الإسلام محمد ﷺ وفيها مهبط الوحي أول ما نزل، ومنها شع نور الإسلام وبها المسجد الحرام وهو أول مسجد وضع للناس في الأرض لقوله تعالى: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين﴾ (آل عمران: ٩٦) وثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع في الأرض قال: المسجد الحرام قلت: ثم أي قال: المسجد الأقصى قلت: كم بينهما قال: أربعون عاماً. وتقع الكعبة - وهي قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها - وسط المسجد الحرام تقريباً ويبلغ ارتفاعها خمسة عشر متراً وهي على شكل حجرة كبيرة مربعة البناء على وجه التقريب وقد بناها إبراهيم الخليل ﵇ بأمر من الله تعالى: قال : (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) سورة الحج، ومعنى بوأنا: أي أرشده إليه وسلّمه له وأذن له في بنائه: تفسير ابن كثير، وقال تعالى: ﴿وإذا يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾ البقرة:١٢٧. وعن وهب بن منبه قال:.. بناها إبراهيم ﵇ ثم العمالقة ثم جرهم ثم قصي بن كلاب وأما بنيان قريش له فمشهور.. وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملها قريش على رقابها فرفعوها في السماء عشرين ذراعاً..، وكان بين بنيان الكعبة وبين ما أنزل عليه خمس سنين وبين مخرجه وبنائها خمس عشرة سنة ذكره عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن عثمان عن أبي الطفيل وذكر عن معمر عن الزهري: حتى إذا بنوها وبلغوا موضع الركن اختصمت قريش في الركن أي القبائل تريد رفعه؟ حتى شجر بينهم فقالوا تعالوا نحكّم أول من يطلع علينا من هذه السكة فاصطلحوا على ذلك فطلع عليهم رسول الله ﷺ وهو غلام عليه وشاح نمرة فحكّموه فأمر بالركن فوضع في ثوب ثم أمر سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن، فكان هو يضعه ﷺ . تاريخ مكة للأزرقي (١/١٦١-١٦٤) وروى مسلم (٢٣٧٤) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْجَدْرِ أَمِنْ الْبَيْتِ هُوَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ قَالَ إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ قُلْتُ فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا قَالَ فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا وَلَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ وَأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ. وقد تعرضت الكعبة قبل الإسلام (في عام ولادة النبي ﷺ للغزو من قبل أبرهة الحبشي وذلك عندما بنى القُليس وهي الكنيسة التي أراد أن يصرف إليها حج العرب فخرج بجيش ومعهم الفيل فلما وصلوا إلى مكة أرسل الله عليهم طيراً أبابيل مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره وحجرين في رجليه أمثال الحمص والعدس لا تصيب منهم أحداً إلا هلك ففني الجيش وهلكوا بأمر الله . وقد ذكر الله تعالى هذه الحادثة في كتابه فقال : ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول﴾ انظر السيرة النبوية لابن هشام (١/٤٤-٥٨) . ولم يكن هناك سور يحيط بمسجد الكعبة حتى صارت الحاجة تدعو إلى ذلك، قال ياقوت الحموي في "معجم البلدان" (٥/١٤٦) . ما يحيط بالكعبة كان أول من بناه عمر بن الخطاب ﵁ ولم يكن له في زمن النبي ﷺ وأبي بكر جدار يحيط به وذاك أن الناس ضيّقوا على الكعبة وألصقوا دورهم بها فقال عمر: إن الكعبة بيت الله ولا بد للبيت من فناء وإنكم دخلتم عليها ولم تدخل عليكم، فاشترى تلك الدور وهدمها وزادها فيه وهدم على قوم من جيران المسجد أبوا أن يبيعوا ووضع لهم الأثمان حتى أخذوها بعد، واتخذ للمسجد جداراً دون القامة فكانت المصابيح توضع عليه، ثم كان عثمان فاشترى دوراً أُخَر وأغلى في ثمنها.. ويقال إن عثمان أول من اتخذ الأروقة حين وَسّع المسجد.. فلما كان ابن الزبير زاد في إتقانه لا في سعته وجعل فيه عَمَداً من الرخام وزاد في أبوابه وحسنها فلما كان عبد الملك بن مروان زاد في ارتفاع حائط المسجد وحمل إليه السواري من مصر في البحر إلى جدة واحتملت من جدة على العجل إلى مكة وأمر الحجّاج بن يوسف فكساها ولما ولي الوليد بن عبد الملك زاد في حليتها وصرف في ميزابها وسقفها.. فلما ولي المنصور وابنه المهدي زاد أيضاً في إتقان المسجد وتحسين هيئته. وهكذا وفي المسجد من الآثار الدينية مقام إبراهيم وهو الحَجَر الذي كان يقف عليه إبراهيم الخليل ﵇ أثناء بناء الكعبة. وكذلك بئر زمزم وهي نبع من الماء أخرجه الله تعالى لهاجر وولدها إسماعيل ﵇ لما عطش، ولا يُنسى أيضا الحجر الأسود والركن اليماني وهما ياقوتتان من يواقيت الجنة. كما روى الترمذي وأحمد عن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرٍو قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَا لأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ " سنن الترمذي ٨٠٤ ويجاور المسجد الحرام جبلي الصفا والمروة، ومن خصائص المسجد الحرام أنّه المسجد الوحيد الذي يُحجّ إليه في الأرض، قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) سورة البقرة، ومن خصائصه أنَ الله جعله آمنا والصلاة فيه بمائة ألف صلاة، قال الله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) سورة البقرة، وقال تعالى: (فِيهِ ءايَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءامِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧) سورة آل عمران. انظر "أخبار مكة" للأزرقي وأخبار مكة للفاكهي. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15078

حاتم الطائي في السنة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ماذا قال النبي محمد ﷺ عن حاتم الطائي؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله جاء في " حاتم الطائي " عدة أحاديث منها الحسن ومنها الضعيف ومنها الموضوع. أ. عن عدي بن حاتم قال قلت لرسول الله ﷺ إن أبي كان يصل الرحم ويفعل ويفعل فهل له في ذلك - يعني: من أجر -؟ قال: " إن أباك طلب شيئاً فأصابه ". رواه أحمد (٣٢ / ١٢٩) ، وحسَّنه الشيخ شعيب الأرناؤط. ب. عن عدي بن حاتم قال: قلت: " يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم، وكان يفعل ويفعل، قال: إن أباك أراد أمراً فأدركه - يعني: الذِّكر -. رواه أحمد (٣٠ / ٢٠٠) ، وحسَّنه الشيخ شعيب الأرناؤط، وصححه ابن حبان (١ / ٤١) . ج. عن سهل بن سعد الساعدي أن عدي بن حاتم أتى رسول الله ﷺ فقال: " يا رسول الله إن أبي كان يصل القرابة ويحمل الكلَّ ويطعم الطعام، قال: هل أدرك الإسلام؟ قال: لا، قال: إن أباك كان يُحبُّ أن يُذكر ". رواه الطبراني في " الكبير " (٦ / ١٩٧) ، وفيه: رشدين بن سعد، وهو ضعيف، لكن يشهد له ما قبله. ومعنى: (يحمل الكلّ) أي ينفق على الضعيف والفقير واليتيم والعيال وغير ذلك. د. عن ابن عمر قال: ذُكر حاتم عند النبي ﷺ فقال: " ذاك رجلٌ أراد أمراً فأدركه ". قال الهيثمي: رواه البزار، وفيه عبيد بن واقد العبسي ضعفه أبو حاتم. " مجمع الزوائد " (١ / ١١٩) . لكن يشهد له ما قبله. قال ابن كثير: وقد ذكرنا ترجمة حاتم طيء أيام الجاهلية عند ذكرنا من مات من أعيان المشهورين فيها وما كان يسديه حاتم إلى الناس من المكارم والإحسان، إلا أن نفع ذلك في الآخرة أي: (مشروط) بالإيمان، وهو ممن لم يقل يوماً من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. " البداية والنهاية " (٥ / ٦٧) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15079

المفاضلة بين أعمال الصحابة وأعمال أهل آخر الزمان [السُّؤَالُ] ـ[قرأت في صحيح الجامع حديث: أن النبي ﷺ أخبر الصحابة أن أقواماً من المسلمين في زمن ضعف الدين يكون أجر العامل منهم أجر خمسين من الصحابة. وسبب حيرتي هو حديث النبي ﷺ : خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. وقال أيضاً: لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ ذلك مد أحد الصحابة أو نصيفه.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لفهم المسألة لا بد من العلم بأن الأجر أجران أجر العلم وأجر الصحبة فقد يعمل بعض المتأخرين من الأمة أعمالاً أجرها أكبر من أجر من عمل مثلها من بعض الصحابة لقلى الناصر وضعف المعين والفتنة والبلاء ولكنهم لا يبلغون أجر صحبة النبي ﷺ ولقائه. قال الحافظ ابن حجر: حديث " للعامل منهم أجر خمسين منكم ": لا يدل على أفضلية غير الصحابة على الصحابة لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية. وأيضاً: فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل، فأما ما فاز به مَن شاهد النبي ﷺ مِن زيادة فضيلة المشاهدة فلا يعدله فيها أحد. فبهذه الطريق يمكن تأويل الأحاديث المتقدمة. " فتح الباري " (٧ / ٧) وقال شيخ الإسلام ﵀: وقد يكون لهم – أي: للمتأخرين - من الحسنات ما يكون للعامل منهم – أي: من الصحابة - أجر خمسين رجلاً يعملها في ذلك الزمان؛ لأنهم كانوا يجدون من يعينهم على ذلك، وهؤلاء المتأخرون لم يجدوا مَن يعينهم على ذلك لكن تضعيف الأجر لهم في أمور لم يضعف للصحابة لا يلزم أن يكونوا أفضل من الصحابة ولا يكون فاضلهم كفاضل الصحابة فإن الذي سبق إليه الصحابة من الإيمان والجهاد ومعاداة أهل الأرض في موالاة الرسول وتصديقه وطاعته فيما يخبر به ويوجبه قبل أن تنتشر دعوته وتظهر كلمته وتكثر أعوانه وأنصاره وتنتشر دلائل نبوته بل مع قلة المؤمنين وكثرة الكافرين والمنافقين وإنفاق المؤمنين أموالهم في سبيل الله ابتغاء وجهه في مثل تلك الحال أمر ما بقي يحصل مثله لأحد كما في الصحيحين عنه ﷺ " لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه ". " مجموع الفتاوى " (١٣ / ٦٥، ٦٦) وقال: ومع هذا فما للمتأخرين كرامة إلا وللسلف من نوعها ما هو أكمل منها. وأما قوله " لهم أجر خمسين منكم لأنكم تجدون على الخير أعواناً ولا يجدون على الخير أعوانا ": فهذا صحيح إذا عمل الواحد من المتأخرين مثل عملٍ عَمِلَه بعضُ المتقدمين كان له أجر خمسين لكن لا يتصور أن بعض المتأخرين يعمل مثل عمل بعض أكابر السابقين كأبي بكر وعمر فإنه ما بقي يبعث نبيٌّ مثل محمدٍ يُعمل معه مثلما عَملوا مع محمَّدٍ ﷺ . وأما قوله " أمتي كالغيث لا يدرى أوله خير أم آخره " - مع أن فيه ليناً - فمعناه: في المتأخرين مَن يشبه المتقدمين ويقاربهم حتى يبقى لقوة المشابهة والمقارنة لا يدري الذي ينظر إليه أهذا خير أم هذا، وإن كان أحدهما في نفس الأمر خيراً. فهذا فيه بشرى للمتأخرين بأن فيهم من يقارب السابقين كما جاء في الحديث الآخر " خير أمتي أولها وآخرها وبين ذلك ثبج أو عوج، وددت أنى رأيت إخواني، قالوا: أوَلَسنا إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي ": هو تفضيل للصحابة فإن لهم خصوصية الصحبة التي هي أكمل من مجرد الأُخُوَّة. " مجموع الفتاوى " (١١ / ٣٧٠، ٣٧١) ومما هو جدير بالتنبيه أن لفظ الحديث الوارد في السؤال وهو " خير القرون قرني ": لا أصل له بهذا اللفظ، وإن كثر استعماله في كتب أهل السنة، ثم هو خطأ من حيث المعنى، إذ لو كان هذا لفظه لقال بعده " ثم الذي يليه "! لكن لفظ الحديث " ثم الذين يلونهم "، ولفظ الحديث الصحيح: " خير الناس قرني " و " خير أمتي قرني ". والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15080

كتاب تقريب التهذيب [السُّؤَالُ] ـ[لابن حجر العسقلاني كتاب بعنوان تقريب التهذيب ما معنى هذا العنوان وما قصة الكتاب؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الكتاب مختصر مختصر مختصر لكتاب كبير في أسماء رواة الحديث وأحوالهم. فقد ألف الحافظ المقدسي ﵀ كتابه (الكمال في أسماء الرجال) وأودع فيه أقوال الأئمة في رجال الصحيحين والسنن الأربعة , معتمداً على تواريخ البخاري وكتاب ابن أبي حاتم وكتاب ابن معين أصحابه وأمثال ذلك. ثم جاء الحافظ المزَّي فاختصره وسماه (تهذيب الكمال) وجاء الحافظ ابن حجر العسقلاني من بعد , فاختصره وزاد عليه أشياء فاتتهما وهي كثيرة وعقب عليهما , وسمى مختصره: (تهذيب التهذيب) ثم اختصره في كتاب (تقريب التهذيب) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15081

إطلاق " كرم الله وجهه " على علي بن أبي طالب [السُّؤَالُ] ـ[أنا أعلم بأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ هو أحد عظماء الصحابة، ورابع خليفة للمؤمنين، وأنه لم يسجد لصنم، ولذلك نقول عند ذكره: كرّم الله وجهه. والسؤال: من أول من استخدم عبارة (كرّم الله وجهه) عند ذكر علي بن أبي طالب؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الظاهر أن أول من استعمل عبارة " كرم الله وجهه " في حق عليٍّ ﵁: هم الشيعة وقد تبعهم بعض الكتَّاب ممن انطلى عليهم قول الشيعة، وكثير من النُّساخ الجهلة. ١. قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: قلت: وقد غلب هذا في عبارة كثير من النساخ للكتب أن يفرد علي ﵁ بأن يقال " ﵇ " من دون سائر الصحابة أو " كرم الله وجهه "، وهذا وإن كان معناه صحيحا لكن ينبغي أن يسوى بين الصحابة في ذلك فإن هذا من باب التعظيم والتكريم والشيخان وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه ﵃. " تفسير ابن كثير " (٣ / ٥١٧ – ٥١٨) . ٢. وقالت اللجنة الدائمة: تلقيب علي بن أبي طالب بتكريم الوجه وتخصيصه بذلك من غلو الشيعة فيه، ويقال إنه من أجل أنه لم يطَّلع على عورة أحد أصلاً، أو لأنه لم يسجد لصنم قط. وهذا ليس خاصّاً به بل يشاركه غيره من الصحابة الذين وُلدوا في الإسلام. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15082

ادعاء أن علياً حارب الجن كذب لا أصل له [السُّؤَالُ] ـ[هل صحيح أن الإمام علي ﵁ حارب الجن حيث ورد في كتاب غزوات الإمام علي ذلك وأنه حاربهم حتى أوصلهم الأرض السابعة، فما هو رأيكم في هذا الكتاب؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كل هذا لا أصل له. فلم يحارب الجن ولم يقع شيء من ذلك بل هذا باطل ومن الكذب والموضوعات التي أحدثها الناس , وقد نص أبو العباس: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على ذلك وقال: إنه كذب لا أصل له وهو من الأباطيل التي افتراها الكذابون. [الْمَصْدَرُ] كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٩ ص/٢٧٧.

стр. 15083

أيام التشريق [السُّؤَالُ] ـ[ما هي أيام التشريق؟ وما هي المزايا التي تتميز بها عن غيرها من سائر الأيام؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أيام التشريق هي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة، وقد ورد في فضلها آيات وأحاديث منها: ١- قول الله : (واذكروا الله في أيام معدودات) ، الأيام المعدودات: هي أيام التشريق، قاله ابن عمر ﵁ واختاره أكثر العلماء. ٢- قول النبي ﷺ عن أيام التشريق: " إنها أيام أكلٍ وشرب وذكرٍ لله "، وذكر الله المأمور به في أيام التشريق أنواع متعددة: منها: ذكر الله عقب الصلوات المكتوبات بالتكبير في أدبارها، وهو مشروعٌ إلى آخر أيام التشريق عند جمهور العلماء. ومنها: ذُكره بالتسمية والتكبير عند ذبح النُسك، فإن وقت ذبح الهدايا والأضاحي يمتدُّ إلى آخر أيَّام التشريق. ومنها: ذكر الله على الأكل والشرب، فإن المشروع في الأكل والشرب أن يُسمي الله في أوله، ويحمده في آخره، وفي الحديث عن النبي ﷺ : " إن الله يرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشَّربة فيحمده عليها " رواه مسلم (٢٧٣٤) . ومنها: ذِكره بالتكبير عند رمي الجمار أيام التشريق، وهذا يختصُّ به الحجاج. ومنها: ذكر الله تعالى المطلق، فإنه يُستحب الإكثار منه في أيام التشريق، وقد كان عُمر ﵁ يُكبر بمنىً في قبته، فيسمعه الناس فيُكبرون فترتج منىً تكبيراً، وقد قال تعالى: (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبائكم أو أشد ذكراً. فمن الناس من يقول ربَّنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) . وقد استحب كثيرٌ من السلف كثرة الدعاء بهذا في أيام التشريق. وفي قول النبي ﷺ : " إنها أيام أكل وشرب وذكر لله " إشارةٌ إلى أنَّ الأكل في أيام الأعياد والشُّرب إنما يستعان به على ذكر الله تعالى وطاعته وذلك من تمام شكر النعمة أن يُستعان بها على الطاعات. وقد أمر الله تعالى في كتابه بالأكل من الطيبات والشكر له، فمن استعان بنعم الله على معاصيه فقد كفر نعمة الله وبدَّلها كُفراً، وهو جدير أن يُسلبها، كما قيل: إذا كنت في نعمةٍ فارعها فإن المعاصي تزيل النعم وداوم عليها بشُكر الإله فشُكر الإله يُزيل النِّقم ٣- نهى النبي ﷺ عن صيامها " لا تصوموا هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب وذكر لله " رواه أحمد (١٠٢٨٦) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٥٧٣) . انظر لطائف المعارف لابن رجب ص٥٠٠ اللهم وفقنا لفعل الصالحات، وثبتنا عند الممات، وارحمنا برحمتك يا جزيل العطايا والهبات. والحمد لله رب العالمين. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15084

إذا لبس خفا على خف أو جوربا على جورب فعلى أيهما يمسح ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز المسح على جوربين على بعضهما؟ وإن جاز ذلك ومسح ولكنه خلع الجورب الأول ثم انتقض عليه الوضوء هل له أن يمسح أم لا؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يجوز أن يلبس الإنسان خفا على خف أو جوربا على جورب، فإن مسح على الأعلى – في الحال التي يجوز فيها ذلك كما سيأتي – ثم خلعه، وانتقض وضوؤه، جاز له أن يمسح على الأسفل، في قول بعض أهل العلم. وقد لخص الشيخ ابن عثيمين ﵀ أحوال لبس الخف على الخف أو الجورب على الجورب كما يلي: ١- إذا لبس جوربا أو خفا ثم أحدث، ثم لبس عليه آخر قبل أن يتوضأ، فالحكم للأول. أي إذا أراد أن يمسح بعد ذلك مسح على الأول، ولم يجز أن يمسح على الأعلى. ٢- إذا لبس جوربا أو خفا، ثم أحدث، ومسحه، ثم لبس عليه آخر، فله مسح الثاني على القول الصحيح. قال في الفروع: ويتوجه الجواز وفاقاً لمالك. اهـ. وقال النووي: إن هذا هو الأظهر المختار لأنه لبسه على طهارة، وقولهم إنها طهارة ناقصة غير مقبول. اهـ. وإذا قلنا بذلك كان ابتداء المدة من مسح الأول. وله في هذه الحالة مسح الأول أيضا من غير شك. ٣- إذا لبس خفا على خف أو جورب، ومسح الأعلى ثم خلعه، فهل يمسح بقية المدة على الأسفل؟ لم أر من صرح به، لكن ذكر النووي عن أبي العباس بن سريج فيما إذا لبس الجُرموق على الخف ثلاثة معان، منها: أنهما يكونان كخف واحد، الأعلى ظهارة، والأسفل بطانة. قلت: وبناء عليه يجوز أن يمسح على الأسفل حتى تنتهي المدة من مسحه على الأعلى، كما لو كشطت ظهارة الخف فإنه يمسح على بطانته ". انتهى من "فتاوى الطهارة" (ص ١٩٢) . والجُرموق: خف يلبس فوق الخف المعتاد، لاسيما في بلاد الباردة. "كشاف القناع" (١/١٣٠) . والمقصود بالظهارة والبطانة، فيما لو كان هناك خف مكون من طبقتين، فالعليا تسمى الظهارة، والسفلى تسمى البطانة. "الشرح الممتع" (١/٢١١) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15085

البخاري ومسلم [السُّؤَالُ] ـ[أرجو أن تخبرنا بتاريخ الإمامين البخاري ومسلم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نذكر لك ترجمة مختصرة لهذين الإمامين الكبيرين، فنقول: ١- الإمام البخاري ﵀ هو الإمام الكبير، العَلَم، أمير المؤمنين في الحديث، أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري ولد في بخارى، في شوال سنة ١٩٤ هـ، ونشأ يتيما، وأصيب ببصره في صغره، ثم رد الله عليه بصره، وقد ألهم حفظ الحديث في صغره، وكان آية في ذلك ﵀. وقد شهد له الأئمة بالحفظ والإتقان والعلم والزهد والعبادة، قال عنه الإمام أحمد ﵀: ما أخرجت خراسان مثله. وقال ابن خزيمة ﵀: لم أر تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ ولا أحفظ من البخاري. وقال الترمذي ﵀: لم أر في العراق ولا في خراسان في معرفة العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من البخاري. وكان للبخاري ﵀ أكثر من ألف شيخ التقى بهم في البدان والأمصار التي رحل إليها، ومن هؤلاء: الإمام أحمد بن حنبل، وحماد بن شاكر، ومكي بن إبراهيم، وأبو عاصم النبيل. وممن روى عن البخاري: مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح، والترمذي، والنسائي، ومحمد بن نصر المروزي وغيرهم كثير. وللبخاري مؤلفات عدة أشهرها: الجامع الصحيح، والتاريخ الكبير، والأدب المفرد، وخلق أفعال العباد. وقد توفي ﵀ ليلة عيد الفطر سنة ٢٥٦ هـ ٢- الإمام مسلم ﵀ هو الإمام الكبير الحافظ المجود الحجة الصادق، أبو الحسين، مسلم بن الحجاج بن مسلم النيسابوري، ولد سنة ٢٠٤ هـ وقيل سنة ٢٠٦ هـ انشغل بالحديث، ورحل في طلبه، وجد واجتهد، حتى فاق أقرانه، وشهد له بالفضل معاصروه. قال شيخه محمد بن بشار (بندار) : حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم بنيسابور، وعبد الله الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى. وقال أحمد بن سلمه النيسابوري: رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما. وقال عنه ابن عبد البر: أجمعوا على جلالته وإمامته وعلو مرتبته، وأكبر الدلائل على ذلك كتابه الصحيح الذي لم يوجد كتاب قبله ولا بعده من حسن الترتيب وتلخيص طرق الحديث. ومن شيوخه ﵀: أحمد بن حنبل، والبخاري، ويحيى بن يحيى التيمي، وإسحاق بن راهوية، ويحيى بن معين، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم كثير. ومن تلاميذه: أبو حاتم الرازي، وأبو عيسى الترمذي، وابن خزيمة، وأبو عوانة الإسفراييني، ومكي بن عبدان. ومن أشهر مؤلفاته: الجامع الصحيح، والكنى والأسماء، والطبقات، والتمييز، والمنفردات والوحدان. وقد توفي ﵀ في رجب سنة ٢٦١ هـ. ولمعرفة المزيد عن حياة هاذين الإمامين، انظر ترجمتهما في سير أعلام النبلاء: ١٢/٣٩١-٤٧١، ٥٥٧-٥٨٠ انظر السؤال رقم (٢١٥٢٣) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15086

هل يجوز تعيين شخص بأنه من أولياء الله ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز تعيين شخص بأنه ولي لله مع صلاحه وتقواه سواء كان حيّاً أو ميتاً كأن أقول مثلا: العالم الفلاني من أولياء الله؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ذكر الله تعالى علاماتٍ يُعرف بها أولياؤه، وهي: الإيمان والتقوى، قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يونس / ٦٢، ٦٣، ولا يمكن أن نجزم بتعيين شخص أنه ولي من أولياء الله؛ لأن تحقيق الإيمان والتقوى فيهما أمور قلبية خفية، ولا يمكن للناس الاطلاع عليها، لذا يمكن للإنسان أن يُغلِّب الظن على شخص معين لكن دون جزم. قال الشيخ ابن عثيمين – ﵀: ويجب على جميع المسلمين أن يَزِنوا أعمال مَن يدَّعي الولاية بما جاء في الكتاب والسنة، فإن وافق الكتاب والسنَّة: فإنه يُرجى أن يكون من أولياء الله، وإن خالف الكتاب والسنَّة: فليس من أولياء الله، وقد ذكر الله في كتابه ميزاناً قسطاً عدلاً في معرفة أولياء الله حيث قال: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ ، فمَن كان مؤمناً تقيّاً كان لله وليّاً، ومَن لم يكن كذلك فليس بولي لله، وإن كان معه بعض الإيمان والتقوى كان فيه شيءٌ من الولاية. ومع ذلك فإننا لا نجزم لشخص بعينه بشيءٍ، ولكننا نقول على سبيل العموم: كل من كان مؤمناً تقيّاً كان لله وليّاً. " فتاوى مهمَّة " (ص ٨٣، ٨٤) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15087

ما هما المكانان المقدسان [السُّؤَالُ] ـ[ما هما المكانان المقدسان؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يقول ابن تيمية ﵀: (وليس في الدنيا حرم، ولا بيت المقدس ولا غيره إلا هذان الحرمان (أي مكة والمدينة) ولا يسمى غيرهما حرماً كما يسمي الجهال حرم المقدس، وحرم الخليل فإن هذين وغيرهما ليسا بحرم باتفاق المسلمين ... ولم يتنازع المسلمون في حرم ثالث إلا في (وجٍّ) وهو وادي بالطائف ... ) مجموع الفتاوى ٢٦/١١٨ وصحح الشيخ ابن عثيمين أنه ليس بحرم الشرح الممتع ٧/٢٤٨ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15088

هل يجوز بيع الحرير الخالص [السُّؤَالُ] ـ[في رد الشيخ على السؤال رقم ١٦٤ الخاص ببيع الخمر لغير المسلمين، قال ما معناه أن تحريم الله للشيء يعني تحريم قبض ثمنه. لدي خدمة إنترنت يمكن لأي إنسان أن يشترك فيها بإرسال رسالة إلكترونية على العنوان: xxxx ويتم في هذه الخدمة إرسال حديث واحد مترجم إلى الإنكليزية في صحيح البخاري. وقد وصلني حديث صحيح البخاري رقم ١١، المجلد ٨، المروي عن ابن عمر ﵄ الذي ذكر فيه قصة أبيه واللباس الحريري الذي أعطاه لأخيه المشرك (قبل إسلامه) الذي كان يسكن مكة. ويبدو لي من ذلك الحديث أن بيع الملابس الحريرية أو إعطائها لغير المسلمين جائز. أرجو منكم توضيح هذه المسألة، وجزاكم الله خيرا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله النصيحة باستمرار عند قراءة الأحاديث المُشكلة جمع طرق وروايات هذه الأحاديث والرجوع إلى كلام أهل العلم من الشّراح لأنّ عندهم من الفقه والفهم ما يُزيل اللبس والإشكال، وفيما يلي جمع لبعض ألفاظ الحديث من الروايات التي ساقها البخاري ﵀ للقصة ثم تلخيص لشرح الحديث من كلام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في كتابه العظيم فتح الباري شرح صحيح البخاري، ومن كلام الإمام النووي ﵀ في تعليقه على صحيح مسلم في شرح الحديث المذكور: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لا خَلاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ مِنْهَا حُلَّةً فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ (اسم البائع) مَا قُلْتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا " صحيح البخاري ٨٣٧ وفي رواية: تَبِيعُهَا أَوْ تُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ " البخاري ٨٩٦ وفي رواية: " فَقَالَ إِنِّي لَمْ أُرْسِلْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا إِنَّمَا يَلْبَسُهَا مَنْ لا خَلاقَ لَهُ إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَسْتَمْتِعَ بِهَا يَعْنِي تَبِيعَهَا " البخاري ١٩٦٢ وفي رواية.. " فَقَالَ عُمَرُ كَيْفَ أَلْبَسُهَا وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ قَالَ إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا تَبِيعُهَا أَوْ تَكْسُوهَا فَأَرْسَلَ بِهَا عُمَرُ إِلَى أَخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ " البخاري ٢٤٢٦ وفي رواية: " فَقَالَ تَبِيعُهَا أَوْ تُصِيبُ بِهَا بَعْضَ حَاجَتِكَ " البخاري ٢٨٢٦ وفي رواية: " قَالَ إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتُصِيبَ بِهَا مَالا " البخاري ٥٦١٧ قال ابن حجر ﵀: قوله: (لو ابتعتها فلبستها) وكأن عمر أشار بشرائها وتمناه قوله: (إنما يلبس هذه) في رواية جرير بن حازم " إنما يلبس الحرير ". قوله: (من لا خلاق له) زاد مالك في روايته " في الآخرة ". والخلاق النصيب وقيل: الحظ وهو المراد هنا، ويحتمل أن يراد من لا نصيب له في الآخرة أي مِن لُبس الحرير قوله: (كساها إياه) .. قد ظهر من بقية الحديث أنه لم يبعث إليه بها ليلبسها , أو المراد بقوله كساه أعطاه ما يصلح أن يكون كسوة , وفي رواية مالك.. " ثم جاءت رسول الله ﷺ منها حلل فأعطى عمر حلة " وفي رواية.. " فلما كان بعد ذلك أتى رسول الله ﷺ بحلل سيراء فبعث إلى عمر بحلة وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة وأعطى علي بن أبي طالب حلة " قوله: (تبيعها وتصيب بها حاجتك) (أي) تصيب بثمنها , (أو) المراد المقايضة أو أعم من ذلك (تنبيه) : وجه إدخال هذا الحديث في " باب الحرير للنساء " يؤخذ من قوله لعمر " لتبيعها أو تكسوها " لأن الحرير إذا كان لبسه محرما على الرجال فلا فرق بين عمر وغيره من الرجال في ذلك فينحصر الإذن في النساء , وأما كون عمر كساها أخاه فلا يشكل على ذلك عند من يرى أن الكافر مخاطب بالفروع ويكون أهدى عمر الحلة لأخيه ليبيعها أو يكسوها امرأة. (و) في بعض طرق الحديث.. عن ابن عمر قال: " أبصر رسول الله ﷺ على عطارد حلة فكرهها له ثم أنه كساها عمر مثله " الحديث , وفيه " إني لم أكسكها لتلبسها إنما أعطيتكها لتُلْبِسها النساء " واستدل به على جواز لبس المرأة الحرير الصِّرف من حرير محض وقد روى الإمام مسلم ﵀ في صحيحه عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قال: لَبِسَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا قَبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ أُهْدِيَ لَهُ ثُمَّ أَوْشَكَ أَنْ نَزَعَهُ فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاِ فَقِيلَ لَهُ قَدْ أَوْشَكَ مَا نَزَعْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ فَجَاءه عُمَرُ يَبْكِي فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَرِهْتَ أَمْرًا وَأَعْطَيْتَنِيهِ فَمَا لِي قَالَ إِنِّي لَمْ أُعْطِكَهُ لِتَلْبَسَهُ إِنَّمَا أَعْطَيْتُكَهُ تَبِيعُهُ فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ رواه مسلم ٣٨٦١ قال النووي ﵀ في شرحه على صحيح مسلم: وفي حديث عمر في هذه الحلة دليل لتحريم الحرير على الرجال وإباحته للنساء , (و) إباحة هديته , وإباحة ثمنه , وجواز إهداء المسلم إلى المشرك ثوبا وغيره. قوله: (فكساها عمر أخا له مشركا بمكة) هكذا رواه البخاري ومسلم , وفي رواية البخاري في كتاب قال: أرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم , فهذا يدل على أنه أسلم بعد ذلك. .. وفي هذا دليل لجواز صلة الأقارب الكفار والإحسان إليهم , وجواز الهدية إلى الكفار , وفيه جواز إهداء ثياب الحرير إلى الرجال لأنها لا تتعين للبسهم , وقد يتوهم متوهم أن فيه دليلا على أن رجال الكفار يجوز لهم لبس الحرير , وهذا وهم باطل , لأن الحديث إنما فيه الهدية إلى كافر، وليس فيه الإذن له في لبسها , وقد بعث النبي ﷺ ذلك إلى عمر وعلي وأسامة ﵃ , ولا يلزم منه إباحة لبسها لهم , بل صرح ﷺ بأنه إنما أعطاه لينتفع بها بغير اللبس , والمذهب الصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون أن الكفار مخاطبون بفروع الشرع , فيحرم عليهم الحرير كما يحرم على المسلمين. والله أعلم. وقد روى البخاري رحمه الله تعالى حديثا آخر يتعلّق بالمسألة المذكورة عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ أَبَاهُ مَخْرَمَةَ قَالَ لَهُ يَا بُنَيِّ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَتْ عَلَيْهِ أَقْبِيَةٌ فَهُوَ يَقْسِمُهَا فَاذْهَبْ بِنَا إِلَيْهِ فَذَهَبْنَا فَوَجَدْنَا النَّبِيَّ ﷺ فِي مَنْزِلِهِ فَقَالَ لِي يَا بُنَيِّ ادْعُ لِي النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْظَمْتُ ذَلِكَ فَقُلْتُ أَدْعُو لَكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا بُنَيِّ إِنَّهُ لَيْسَ بِجَبَّارٍ فَدَعَوْتُهُ فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرٌ بِالذَّهَبِ فَقَالَ يَا مَخْرَمَةُ هَذَا خَبَأْنَاهُ لَكَ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ ". رواه البخاري: كتاب اللباس: باب المزرر بالذهب قال ابن حجر ﵀ في شرح الحديث: قوله " فخرج وعليه قباء من ديباج مزرر بالذهب " هذا يحتمل أن يكون وقع قبل التحريم , فلما وقع تحريم الحرير والذهب على الرجال لم يبق هذا حجة لمن يبيح شيئا من ذلك , ويحتمل أن يكون بعد التحريم فيكون أعطاه لينتفع به بأن يكسوه النساء أو ليبيعه. انتهى وملخص الجواب عن الإشكال المطروح في السّؤال أن حلّة الحرير ما دام لها استعمالات مباحة كلبسها من قِبَل النّساء جاز بيعها وأخذ ثمنها والله تعالى أعلم وصلى الله على نبينا محمد. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15089

عدد أسماء النبي ﷺ [السُّؤَالُ] ـ[هل صحيح أن النبي محمدا ﷺ كان له تسعة وتسعون اسما، مثل: أحمد، والصديق، والأمين. وإن لم يكن الأمر كذلك فمن ذا الذي قال بهذا الأمر ونشر تلك الأفكار؟ أرجو أن تعطوني دليلا من القرآن والسنة. جزاكم الله خيرا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: ثبت في الكتاب والسنة بعض الأسماء الصريحة للنبي ﷺ ، فقد سمي في القرآن الكريم بـ: " محمد "، و " أحمد "، وجاء في أحاديث صحيحة أنه له أسماء عدة، هي: (إِنَّ لِي أَسْمَاءً: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ، وَأَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ أَحَدٌ) البخاري (٤٨٩٦) ومسلم (٢٣٥٤) وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً فَقَالَ: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُقَفِّي، وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ) رواه مسلم (٢٣٥٥) . وفي بعض الأحاديث ما ظاهره تحديد عدد الأسماء، ففي صحيح البخاري (٣٥٣٢) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ لِي خَمْسَة أَسْمَاء أَخْتَصّ بِهَا، لَمْ يُسَمَّ بِهَا أَحَد قَبْلِي , أَوْ مُعَظَّمَة، أَوْ مَشْهُورَة فِي الْأُمَم الْمَاضِيَة , لَا أَنَّهُ أَرَادَ الْحَصْر فِيهَا. وَقِيلَ: الْحِكْمَة فِي الِاقْتِصَار عَلَى الْخَمْسَة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهَا أَشْهَر مِنْ غَيْرهَا مَوْجُودَة فِي الْكُتُب الْقَدِيمَة وَبَيْن الْأُمَم السَّالِفَة. انتهى. مختصرا. ثانيا: صنف العلماء في جمع أسماء النبي ﷺ مصنفات كثيرة، تزيد على الأربعة عشر مصنفا، وخصص المصنفون في السير والشمائل أبوابا لبيان أسمائه ﷺ ، كما فعل القاضي عياض في " الشفا بتعريف حقوق المصطفى " (١/٢٢٨) في " فصل في أسمائه ﷺ وما تضمنته من فضيلته " انتهى. وأفرد لها الحافظ ابن عساكر بابا في " تاريخ دمشق " قال العلامة بكر أبو زيد ﵀: " أُلِّف في أسماء النبي ﷺ عدة مؤلفات، وفي " كشف الظنون " و "ذيليه " تسمية أربعة عشر كتاباً، كما في " معجم الموضوعات المطروقة في التأليف الإسلامي " للشيخ عبد الله بن محمد الحبشي اليماني (ص/ ٤٣٥ – ٤٣٦) وهي: لابن دحية، والقرطبي، والرصاع، والسخاوي، والسيوطي، وابن فارس. وغيرهم. وتبحث مستفيضة في كتب السير، والخصائص النبوية، والشروح الحديثية، كما في " عارضة الأحوذي " (١٠/٢٨١) ، وقد طبع منها: " الرياض الأنيقة في شرح أسماء خير الخليقة " للسيوطي. " انتهى. " معجم المناهي اللفظية " (ص/٣٦١) ثالثا: وقد اختلف العلماء في أسماء كثيرة، هل تصح نسبتها إلى النبي ﷺ أو لا، فأدى ذلك إلى اختلافهم في تعداد هذه الأسماء. وقد كان من أهم أسباب الخلاف أن بعض العلماء رأى كل وصف وُصف به النبي ﷺ في القرآن الكريم من أسمائه، فعد من أسمائه مثلا: الشاهد، المبشر، النذير، الداعي، السراج المنير، وذلك لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) الأحزاب/٤٥-٤٦. في حين قال آخرون من أهل العلم: إن هذه أوصاف وليست أسماء أعلام. يقول الإمام النووي ﵀: " بعض هذه المذكورات صفات، فإطلاقهم الأسماء عليها مجاز " انتهى. " تهذيب الأسماء واللغات " (١/٤٩) ويقول السيوطي ﵀: " وأكثرها صفات " انتهى. " تنوير الحوالك " (١/٧٢٧) يقول العلامة بكر أبو زيد ﵀: " جعلها بعضهم كعدد أسماء الله الحسنى تسعة وتسعين اسماً، وجعل منها نحو سبعين اسماً من أسماء الله تعالى. وعد منها الجزولي في " دلائل الخيرات " مائتي اسمٍ. وأوصلها ابن دحية في كتابه " المستوفى في أسماء المصطفى " نحو ثلاثمائة اسم. وبلغ بها بعض الصوفية ألف اسم فقال: لله ألف اسم، ولرسوله ﷺ ألف اسم " انتهى. " معجم المناهي اللفظية " (ص/٣٦١) فيقال: في هذه الأعداد كثير من المبالغات، والصحيح أن أسماءه ﷺ أقل من ذلك بكثير، ولا يجوز اعتبار كل وصف ثبت له في الكتاب والسنة من أسمائه الأعلام، فضلا عن أن أساءه توقيفية، لا يجوز الزيادة عليها بما لم يرد في الكتاب والسنة الصحيحة. يقول العلامة بكر أبو زيد ﵀: " الذي له أصل في النصوص إما اسم، وهو القليل، أو وصف، وهو أكثر، وما سوى ذلك فلا أصل له، فلا يطلق على النبي ﷺ حماية من الإفراط والغلو، ويشتد النهي إذا كانت هذه الأسماء والصفات التي لا أصل لها فيها غلو، وإطراء، وهذا القسم هو الذي يعنينا ذكره في هذا " المعجم " للتحذير من إطلاق ما لم يرد عن الله ولا رسوله، وهي كثيرة جداً، ومظنتها كتب الطُّرقية والأوراد والأذكار البدعية، مثل: " دلائل الخيرات " للجزولي، ومنها: أحيد. وحيد. منح. مدعو. غوث. غياث. مقيل العثرات. صفوح عن الزلات. خازن علم الله. بحر أنوارك. معدن أسرارك. مؤتي الرحمة. نور الأنوار. السبب في كل موجود. حاء الرحمة. ميم الملك. دال الدوام. قطب الجلالة. السر الجامع. الحجاب الأعظم. آية الله. وقد كانت هذه الأسماء يطبع منها (٩٩) اسماً في الغلاف الأخير للمصحف، ويثبت في غلافه الأول (٩٩) اسماً من أسماء الله تعالى، وذلك في الطبعة الهندية، ولشيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: فضل في التنبيه على تجريد القرآن منها، فجرد منها، جزاه الله خيراً. وهي أيضاً مكتوبة على الحائط القبلي للمسجد النبوي الشريف، وفَّق الله من شاء من عباده لتجريد مسجد النبي ﷺ مما لم يرد عنه والله المستعان. وبعد هذا وقفت على كلام في غاية النفاسة، ورد فيه الخاطر على الخاطر - فلله الحمد وحده - وذلك للعلامة اللغوي ابن الطيب الفاسي في " شرح كفاية المتحفظ " لابن الأجدابي فقال ص/ ٥١ ما نصه: ثم - أي مؤلف كفاية المتحفظ - وصفه - أي وصف النبي ﷺ بما وصفه الله تعالى به في القرآن العظيم من كونه خاتم النبيين سيْراً على جادة الأدب؛ لأن وصفه بما وصفه الله به - مع ما فيه من المتابعة التي لا يرضى ﷺ بسواها - فيه اعتراف بالعجز عن ابتداع وصف من الواصف، يبلغ به حقيقة مدحه ﵊، ولذا تجد الأكابر يقتصرون في ذكره ﵇ على ما وردت به الشريعة الطاهرة كتاباً وسنة، دون اختراع عبارات من عندهم في الغالب " انتهى باختصار. " معجم المناهي اللفظية " (ص/٣٦٢-٣٦٣) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] موقع الإسلام سؤال وجواب

стр. 15090

بعض المحن والصعوبات التي واجهها النبي ﷺ وأصحابه في بداية الدعوة [السُّؤَالُ] ـ[ما هي المحن والصعوبات التي واجهت النبي ﷺ وأصحابه عندما بدأ في دعوة أهل قريش لرسالة التوحيد؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله المحن والصعوبات التي واجهها النبي ﷺ إنما كانت بسبب ما واجهه به كفار قريش من وسائل وأساليب متنوعة في محاربة دعوته، " إذ عندما رأت قريش أن أثر دعوة النبي محمد ﷺ لم يكن محدوداً كما كان الحال مع من دعا إلى نبذ الأصنام قبل محمد ﷺ ، أمثال زيد بن عمرو بن نفيل وورقة، قامت في وجه محمد ﷺ ومن تبعه، وأخذت تمارس شتى أساليب ووسائل الترغيب والترهيب لصدهم عن هذا الطريق الذي هدد مصالحهم التي يجنونها من وجود الحرم في أرضهم، وحط من تكبرهم على غيرهم، ووقف أمام شهواتهم في السيطرة واقتراف السيئات والموبقات، ومن أبرز تلك الأساليب: الأسلوب الأول: كان أول أسلوب لجؤوا إليه هو محاولة التأثير على عمه أبي طالب حتى يكفه عن الدعوة، أو تجريده من جواره – أي حمايته -، فقد ذهبت مجموعة من أشرافهم إلى عمه أبي طالب وقالوا له: إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا ... فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه، فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقاً وردهم رداً جميلاً فانصرفوا عنه. نقل ذلك ابن هشام (١/٣٢٨) من رواية ابن إسحاق. الأسلوب الثاني: التهديد بمنازلة الرسول ﷺ وعمه أبي طالب. ولما مضى رسول الله ﷺ على ما هو عليه، يظهر دين الله ويدعو إليه، غضبت منه قريش وعادوه وحقدوا عليه، فمشوا إلى عمه مرة أخرى فقالوا له: يا أبا طالب! إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وأقسموا بأنهم لن يصبروا على أفعاله حتى يكفه عنهم أو ينازلوه وإياه في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين. عند هذا عظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفساً بإسلام رسول الله ﷺ لهم ولا خذلانه، ولذا أبلغ الرسول ﷺ بالذي قالوه، وطلب منه أن يبقي عليه وعلى نفسه، ولا يحمله من الأمر ما لا يطيق. " سيرة ابن إسحاق " (ص/١٤٥) الأسلوب الثالث: الاتهامات الباطلة لصد الناس عنه. ومن تلك الاتهامات: ١- اتهموه بالجنون: وفي ذلك نزل قول الله تعالى: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) الحجر/٦. ٢- اتهموه بالسحر، وفي ذلك نزل قوله تعالى: (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) ص/٤. ٣- واتهموه بالكذب، وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا) الفرقان/٤. ٤- واتهموه بالإتيان بالأساطير، قال تعالى: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) الفرقان/٥. ٥- وقالوا إن القرآن ليس من عند الله وإنما هو من عند البشر: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) النحل/١٠٣. ٦- واتهموا المؤمنين بالضلالة ... (وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ) المطففين/٣٢. الأسلوب الرابع: السخرية والاستهزاء والضحك والغمز واللمز والتعالي على المؤمنين. يقول الله تعالى عن سخريتهم من الذين آمنوا: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) الأنعام/٥٣. وروى البخاري أن أبا جهل قال مستهزئاً: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) ، فنزلت: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) الأنفال/٣٢-٣٣. الأسلوب الخامس: التشويش. كان المشركون يتواصون بينهم بافتعال ضجة عالية وصياح منكر عندما يقرأ القرآن، حتى لا يصل إلى سمع أحد وقلبه فيؤثر فيه، وفي ذلك قال الله : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) فصلت/٢٦. الأسلوب السادس: طلبهم أن تكون للرسول معجزات ومزايا ليست عند البشر العاديين. من ذلك قولهم: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا. أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا. انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) الفرقان/٧-٩. وقولهم: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا. أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا) الإسراء/٩٠-٩٣. الأسلوب السابع: المساومات. لقد حاولت قريش من خلال هذا الأسلوب أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق، وذلك بأن يترك المشركون بعض ما هم عليه، ويترك النبي ﷺ بعض ما هو عليه، قال تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) القلم/٩. وعندما قالوا له: اعبد آلهتنا يوماً، ونعبد إلهك يوماً، أنزل الله تعالى سورة "الكافرون": (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) وحسم هذه المساومة الهزلية. الأسلوب الثامن: سب القرآن ومنزله ومن جاء به. روى البخاري ومسلم وغيرهم في قوله تعالى: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا) الإسراء/١١٠، أن ابن عباس قال: نزلت ورسول الله ﷺ مختف بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : (ولا تجهر بصلاتك) أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن: (ولا تخافت بها) عن أصحابك فلا تسمعهم، (وابتغ بين ذلك سبيلاً) . الأسلوب التاسع: الاتصال باليهود للإتيان منهم بأسئلة تعجيزية للرسول ﷺ . أوفدت قريش نفراً منهم إلى المدينة، على رأسهم النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط ليأتوا من اليهود بأسئلة تعجيزية فيطرحوها على الرسول ﷺ ، فقالت لهم يهود: سلوه عن أهل الكهف وعن ذي القرنين والروح، ولكن الله أبطل كيدهم عندما أنزل قرآنا في شأن الإجابة عن أسئلتهم. الأسلوب العاشر: الترغيب. أرادت قريش أن تجرب أسلوب الترغيب، فأرسلت عتبة بن ربيعة الذي قال للرسول ﷺ : (يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً لعلك تقبل بعضها: إن كنت تريد بهذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد شرفاً سوَّدناك – أي جعلناك سيداً - علينا فلا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً – من الجن - تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ. فلما فرغ من قوله تلا رسول الله ﷺ صدر سورة " فصلت " إلى قوله: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) . الأسلوب الحادي عشر: الترهيب. كان أبو جهل إذا سمع عن رجل قد أسلم وله شرف ومنعة أنَّبه وأخزاه، وقال له: تركت دين أبيك وهو خير منك! لنسفهن حلمك ولنضعفن رأيك ولنضعن شرفك. وإن كان تاجراً قال له: لنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك. وإن كان ضعيفاً ضربه وأغرى به. "سيرة ابن هشام " (١/٣٩٥) . الأسلوب الثاني عشر: الاعتداء الجسدي. عندما لم تثمر كل الأساليب السابقة في صد الرسول ﷺ وأصحابه عن دينهم، لجأت قريش إلى أسلوب الاعتداء الجسدي والتصفية الجسدية. روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ قَالَ: فَقِيلَ: نَعَمْ. فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ. قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ. قَالَ: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ. قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ لَا نَدْرِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ شَيْءٌ بَلَغَهُ: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى. إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى. أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى. عَبْدًا إِذَا صَلَّى. أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى. أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى. أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى. كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ. نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ. فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ. سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ. كَلَاّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) . وروى البخاري بسنده إلى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنْ أَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: رَأَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَوَضَعَ رِدَاءَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَفَعَهُ عَنْهُ فَقَالَ: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ) . وروى البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود ﵁ قال: بينما النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ، فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ، فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ لَا أُغْنِي شَيْئًا لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَع رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ونال أبا بكر ﵁ نصيبه من الأذى حتى فكر في الهجرة إلى الحبشة فراراً بدينه. وكان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله ﷺ بمكة عبد الله بن مسعود، على الرغم من تحذير المسلمين من عدوان المشركين وخشيتهم عليه، فعندما فعل ذلك ضربوه على وجهه حتى أثروا فيه. الأسلوب الثالث عشر: ملاحقة المسلمين خارج مكة والتحريض عليهم. فعندما هاجر بعض المسلمين إلى النجاشي أرسلوا خلفهم من حاول اللحاق بهم قبل العبور إلى الحبشة، وعندما استقروا بالحبشة وكثر عددهم أرسلوا في طلبهم، واستخدموا في ذلك الرشوة والحيلة للوقيعة بين المسلمين والنجاشي، ولكنهم فشلوا في ذلك. الأسلوب الرابع عشر: المقاطعة العامة – وذلك في شعب أبي طالب -. الأسلوب الخامس عشر: محاولة قتل الرسول ﷺ ثم شن الحرب عليه. إن أعداء الإسلام في كل زمان ومكان لم يكفوا ولن يكفوا عن استخدام كافة الوسائل والأساليب لإطفاء نور الإسلام ومحاربة دعاته، وربما تتجدد الأساليب والوسائل، ولكنها لا تخرج في مضمونها عن تلك الأساليب التي مارسها كفار قريش ضد المسلمين المستضعفين بمكة" انتهى باختصار من كتاب " السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية " للدكتور مهدي رزق الله (ص/١٦٥-١٩٤) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →