← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 15086–15125 · переход к 15091.

стр. 15086

هل يجوز تعيين شخص بأنه من أولياء الله ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز تعيين شخص بأنه ولي لله مع صلاحه وتقواه سواء كان حيّاً أو ميتاً كأن أقول مثلا: العالم الفلاني من أولياء الله؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ذكر الله تعالى علاماتٍ يُعرف بها أولياؤه، وهي: الإيمان والتقوى، قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يونس / ٦٢، ٦٣، ولا يمكن أن نجزم بتعيين شخص أنه ولي من أولياء الله؛ لأن تحقيق الإيمان والتقوى فيهما أمور قلبية خفية، ولا يمكن للناس الاطلاع عليها، لذا يمكن للإنسان أن يُغلِّب الظن على شخص معين لكن دون جزم. قال الشيخ ابن عثيمين – ﵀: ويجب على جميع المسلمين أن يَزِنوا أعمال مَن يدَّعي الولاية بما جاء في الكتاب والسنة، فإن وافق الكتاب والسنَّة: فإنه يُرجى أن يكون من أولياء الله، وإن خالف الكتاب والسنَّة: فليس من أولياء الله، وقد ذكر الله في كتابه ميزاناً قسطاً عدلاً في معرفة أولياء الله حيث قال: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ ، فمَن كان مؤمناً تقيّاً كان لله وليّاً، ومَن لم يكن كذلك فليس بولي لله، وإن كان معه بعض الإيمان والتقوى كان فيه شيءٌ من الولاية. ومع ذلك فإننا لا نجزم لشخص بعينه بشيءٍ، ولكننا نقول على سبيل العموم: كل من كان مؤمناً تقيّاً كان لله وليّاً. " فتاوى مهمَّة " (ص ٨٣، ٨٤) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15087

ما هما المكانان المقدسان [السُّؤَالُ] ـ[ما هما المكانان المقدسان؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يقول ابن تيمية ﵀: (وليس في الدنيا حرم، ولا بيت المقدس ولا غيره إلا هذان الحرمان (أي مكة والمدينة) ولا يسمى غيرهما حرماً كما يسمي الجهال حرم المقدس، وحرم الخليل فإن هذين وغيرهما ليسا بحرم باتفاق المسلمين ... ولم يتنازع المسلمون في حرم ثالث إلا في (وجٍّ) وهو وادي بالطائف ... ) مجموع الفتاوى ٢٦/١١٨ وصحح الشيخ ابن عثيمين أنه ليس بحرم الشرح الممتع ٧/٢٤٨ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15088

هل يجوز بيع الحرير الخالص [السُّؤَالُ] ـ[في رد الشيخ على السؤال رقم ١٦٤ الخاص ببيع الخمر لغير المسلمين، قال ما معناه أن تحريم الله للشيء يعني تحريم قبض ثمنه. لدي خدمة إنترنت يمكن لأي إنسان أن يشترك فيها بإرسال رسالة إلكترونية على العنوان: xxxx ويتم في هذه الخدمة إرسال حديث واحد مترجم إلى الإنكليزية في صحيح البخاري. وقد وصلني حديث صحيح البخاري رقم ١١، المجلد ٨، المروي عن ابن عمر ﵄ الذي ذكر فيه قصة أبيه واللباس الحريري الذي أعطاه لأخيه المشرك (قبل إسلامه) الذي كان يسكن مكة. ويبدو لي من ذلك الحديث أن بيع الملابس الحريرية أو إعطائها لغير المسلمين جائز. أرجو منكم توضيح هذه المسألة، وجزاكم الله خيرا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله النصيحة باستمرار عند قراءة الأحاديث المُشكلة جمع طرق وروايات هذه الأحاديث والرجوع إلى كلام أهل العلم من الشّراح لأنّ عندهم من الفقه والفهم ما يُزيل اللبس والإشكال، وفيما يلي جمع لبعض ألفاظ الحديث من الروايات التي ساقها البخاري ﵀ للقصة ثم تلخيص لشرح الحديث من كلام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في كتابه العظيم فتح الباري شرح صحيح البخاري، ومن كلام الإمام النووي ﵀ في تعليقه على صحيح مسلم في شرح الحديث المذكور: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لا خَلاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ مِنْهَا حُلَّةً فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ (اسم البائع) مَا قُلْتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا " صحيح البخاري ٨٣٧ وفي رواية: تَبِيعُهَا أَوْ تُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ " البخاري ٨٩٦ وفي رواية: " فَقَالَ إِنِّي لَمْ أُرْسِلْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا إِنَّمَا يَلْبَسُهَا مَنْ لا خَلاقَ لَهُ إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَسْتَمْتِعَ بِهَا يَعْنِي تَبِيعَهَا " البخاري ١٩٦٢ وفي رواية.. " فَقَالَ عُمَرُ كَيْفَ أَلْبَسُهَا وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ قَالَ إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا تَبِيعُهَا أَوْ تَكْسُوهَا فَأَرْسَلَ بِهَا عُمَرُ إِلَى أَخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ " البخاري ٢٤٢٦ وفي رواية: " فَقَالَ تَبِيعُهَا أَوْ تُصِيبُ بِهَا بَعْضَ حَاجَتِكَ " البخاري ٢٨٢٦ وفي رواية: " قَالَ إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتُصِيبَ بِهَا مَالا " البخاري ٥٦١٧ قال ابن حجر ﵀: قوله: (لو ابتعتها فلبستها) وكأن عمر أشار بشرائها وتمناه قوله: (إنما يلبس هذه) في رواية جرير بن حازم " إنما يلبس الحرير ". قوله: (من لا خلاق له) زاد مالك في روايته " في الآخرة ". والخلاق النصيب وقيل: الحظ وهو المراد هنا، ويحتمل أن يراد من لا نصيب له في الآخرة أي مِن لُبس الحرير قوله: (كساها إياه) .. قد ظهر من بقية الحديث أنه لم يبعث إليه بها ليلبسها , أو المراد بقوله كساه أعطاه ما يصلح أن يكون كسوة , وفي رواية مالك.. " ثم جاءت رسول الله ﷺ منها حلل فأعطى عمر حلة " وفي رواية.. " فلما كان بعد ذلك أتى رسول الله ﷺ بحلل سيراء فبعث إلى عمر بحلة وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة وأعطى علي بن أبي طالب حلة " قوله: (تبيعها وتصيب بها حاجتك) (أي) تصيب بثمنها , (أو) المراد المقايضة أو أعم من ذلك (تنبيه) : وجه إدخال هذا الحديث في " باب الحرير للنساء " يؤخذ من قوله لعمر " لتبيعها أو تكسوها " لأن الحرير إذا كان لبسه محرما على الرجال فلا فرق بين عمر وغيره من الرجال في ذلك فينحصر الإذن في النساء , وأما كون عمر كساها أخاه فلا يشكل على ذلك عند من يرى أن الكافر مخاطب بالفروع ويكون أهدى عمر الحلة لأخيه ليبيعها أو يكسوها امرأة. (و) في بعض طرق الحديث.. عن ابن عمر قال: " أبصر رسول الله ﷺ على عطارد حلة فكرهها له ثم أنه كساها عمر مثله " الحديث , وفيه " إني لم أكسكها لتلبسها إنما أعطيتكها لتُلْبِسها النساء " واستدل به على جواز لبس المرأة الحرير الصِّرف من حرير محض وقد روى الإمام مسلم ﵀ في صحيحه عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قال: لَبِسَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا قَبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ أُهْدِيَ لَهُ ثُمَّ أَوْشَكَ أَنْ نَزَعَهُ فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاِ فَقِيلَ لَهُ قَدْ أَوْشَكَ مَا نَزَعْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ فَجَاءه عُمَرُ يَبْكِي فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَرِهْتَ أَمْرًا وَأَعْطَيْتَنِيهِ فَمَا لِي قَالَ إِنِّي لَمْ أُعْطِكَهُ لِتَلْبَسَهُ إِنَّمَا أَعْطَيْتُكَهُ تَبِيعُهُ فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ رواه مسلم ٣٨٦١ قال النووي ﵀ في شرحه على صحيح مسلم: وفي حديث عمر في هذه الحلة دليل لتحريم الحرير على الرجال وإباحته للنساء , (و) إباحة هديته , وإباحة ثمنه , وجواز إهداء المسلم إلى المشرك ثوبا وغيره. قوله: (فكساها عمر أخا له مشركا بمكة) هكذا رواه البخاري ومسلم , وفي رواية البخاري في كتاب قال: أرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم , فهذا يدل على أنه أسلم بعد ذلك. .. وفي هذا دليل لجواز صلة الأقارب الكفار والإحسان إليهم , وجواز الهدية إلى الكفار , وفيه جواز إهداء ثياب الحرير إلى الرجال لأنها لا تتعين للبسهم , وقد يتوهم متوهم أن فيه دليلا على أن رجال الكفار يجوز لهم لبس الحرير , وهذا وهم باطل , لأن الحديث إنما فيه الهدية إلى كافر، وليس فيه الإذن له في لبسها , وقد بعث النبي ﷺ ذلك إلى عمر وعلي وأسامة ﵃ , ولا يلزم منه إباحة لبسها لهم , بل صرح ﷺ بأنه إنما أعطاه لينتفع بها بغير اللبس , والمذهب الصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون أن الكفار مخاطبون بفروع الشرع , فيحرم عليهم الحرير كما يحرم على المسلمين. والله أعلم. وقد روى البخاري رحمه الله تعالى حديثا آخر يتعلّق بالمسألة المذكورة عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ أَبَاهُ مَخْرَمَةَ قَالَ لَهُ يَا بُنَيِّ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَتْ عَلَيْهِ أَقْبِيَةٌ فَهُوَ يَقْسِمُهَا فَاذْهَبْ بِنَا إِلَيْهِ فَذَهَبْنَا فَوَجَدْنَا النَّبِيَّ ﷺ فِي مَنْزِلِهِ فَقَالَ لِي يَا بُنَيِّ ادْعُ لِي النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْظَمْتُ ذَلِكَ فَقُلْتُ أَدْعُو لَكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا بُنَيِّ إِنَّهُ لَيْسَ بِجَبَّارٍ فَدَعَوْتُهُ فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرٌ بِالذَّهَبِ فَقَالَ يَا مَخْرَمَةُ هَذَا خَبَأْنَاهُ لَكَ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ ". رواه البخاري: كتاب اللباس: باب المزرر بالذهب قال ابن حجر ﵀ في شرح الحديث: قوله " فخرج وعليه قباء من ديباج مزرر بالذهب " هذا يحتمل أن يكون وقع قبل التحريم , فلما وقع تحريم الحرير والذهب على الرجال لم يبق هذا حجة لمن يبيح شيئا من ذلك , ويحتمل أن يكون بعد التحريم فيكون أعطاه لينتفع به بأن يكسوه النساء أو ليبيعه. انتهى وملخص الجواب عن الإشكال المطروح في السّؤال أن حلّة الحرير ما دام لها استعمالات مباحة كلبسها من قِبَل النّساء جاز بيعها وأخذ ثمنها والله تعالى أعلم وصلى الله على نبينا محمد. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15089

عدد أسماء النبي ﷺ [السُّؤَالُ] ـ[هل صحيح أن النبي محمدا ﷺ كان له تسعة وتسعون اسما، مثل: أحمد، والصديق، والأمين. وإن لم يكن الأمر كذلك فمن ذا الذي قال بهذا الأمر ونشر تلك الأفكار؟ أرجو أن تعطوني دليلا من القرآن والسنة. جزاكم الله خيرا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: ثبت في الكتاب والسنة بعض الأسماء الصريحة للنبي ﷺ ، فقد سمي في القرآن الكريم بـ: " محمد "، و " أحمد "، وجاء في أحاديث صحيحة أنه له أسماء عدة، هي: (إِنَّ لِي أَسْمَاءً: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ، وَأَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ أَحَدٌ) البخاري (٤٨٩٦) ومسلم (٢٣٥٤) وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً فَقَالَ: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُقَفِّي، وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ) رواه مسلم (٢٣٥٥) . وفي بعض الأحاديث ما ظاهره تحديد عدد الأسماء، ففي صحيح البخاري (٣٥٣٢) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ لِي خَمْسَة أَسْمَاء أَخْتَصّ بِهَا، لَمْ يُسَمَّ بِهَا أَحَد قَبْلِي , أَوْ مُعَظَّمَة، أَوْ مَشْهُورَة فِي الْأُمَم الْمَاضِيَة , لَا أَنَّهُ أَرَادَ الْحَصْر فِيهَا. وَقِيلَ: الْحِكْمَة فِي الِاقْتِصَار عَلَى الْخَمْسَة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهَا أَشْهَر مِنْ غَيْرهَا مَوْجُودَة فِي الْكُتُب الْقَدِيمَة وَبَيْن الْأُمَم السَّالِفَة. انتهى. مختصرا. ثانيا: صنف العلماء في جمع أسماء النبي ﷺ مصنفات كثيرة، تزيد على الأربعة عشر مصنفا، وخصص المصنفون في السير والشمائل أبوابا لبيان أسمائه ﷺ ، كما فعل القاضي عياض في " الشفا بتعريف حقوق المصطفى " (١/٢٢٨) في " فصل في أسمائه ﷺ وما تضمنته من فضيلته " انتهى. وأفرد لها الحافظ ابن عساكر بابا في " تاريخ دمشق " قال العلامة بكر أبو زيد ﵀: " أُلِّف في أسماء النبي ﷺ عدة مؤلفات، وفي " كشف الظنون " و "ذيليه " تسمية أربعة عشر كتاباً، كما في " معجم الموضوعات المطروقة في التأليف الإسلامي " للشيخ عبد الله بن محمد الحبشي اليماني (ص/ ٤٣٥ – ٤٣٦) وهي: لابن دحية، والقرطبي، والرصاع، والسخاوي، والسيوطي، وابن فارس. وغيرهم. وتبحث مستفيضة في كتب السير، والخصائص النبوية، والشروح الحديثية، كما في " عارضة الأحوذي " (١٠/٢٨١) ، وقد طبع منها: " الرياض الأنيقة في شرح أسماء خير الخليقة " للسيوطي. " انتهى. " معجم المناهي اللفظية " (ص/٣٦١) ثالثا: وقد اختلف العلماء في أسماء كثيرة، هل تصح نسبتها إلى النبي ﷺ أو لا، فأدى ذلك إلى اختلافهم في تعداد هذه الأسماء. وقد كان من أهم أسباب الخلاف أن بعض العلماء رأى كل وصف وُصف به النبي ﷺ في القرآن الكريم من أسمائه، فعد من أسمائه مثلا: الشاهد، المبشر، النذير، الداعي، السراج المنير، وذلك لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) الأحزاب/٤٥-٤٦. في حين قال آخرون من أهل العلم: إن هذه أوصاف وليست أسماء أعلام. يقول الإمام النووي ﵀: " بعض هذه المذكورات صفات، فإطلاقهم الأسماء عليها مجاز " انتهى. " تهذيب الأسماء واللغات " (١/٤٩) ويقول السيوطي ﵀: " وأكثرها صفات " انتهى. " تنوير الحوالك " (١/٧٢٧) يقول العلامة بكر أبو زيد ﵀: " جعلها بعضهم كعدد أسماء الله الحسنى تسعة وتسعين اسماً، وجعل منها نحو سبعين اسماً من أسماء الله تعالى. وعد منها الجزولي في " دلائل الخيرات " مائتي اسمٍ. وأوصلها ابن دحية في كتابه " المستوفى في أسماء المصطفى " نحو ثلاثمائة اسم. وبلغ بها بعض الصوفية ألف اسم فقال: لله ألف اسم، ولرسوله ﷺ ألف اسم " انتهى. " معجم المناهي اللفظية " (ص/٣٦١) فيقال: في هذه الأعداد كثير من المبالغات، والصحيح أن أسماءه ﷺ أقل من ذلك بكثير، ولا يجوز اعتبار كل وصف ثبت له في الكتاب والسنة من أسمائه الأعلام، فضلا عن أن أساءه توقيفية، لا يجوز الزيادة عليها بما لم يرد في الكتاب والسنة الصحيحة. يقول العلامة بكر أبو زيد ﵀: " الذي له أصل في النصوص إما اسم، وهو القليل، أو وصف، وهو أكثر، وما سوى ذلك فلا أصل له، فلا يطلق على النبي ﷺ حماية من الإفراط والغلو، ويشتد النهي إذا كانت هذه الأسماء والصفات التي لا أصل لها فيها غلو، وإطراء، وهذا القسم هو الذي يعنينا ذكره في هذا " المعجم " للتحذير من إطلاق ما لم يرد عن الله ولا رسوله، وهي كثيرة جداً، ومظنتها كتب الطُّرقية والأوراد والأذكار البدعية، مثل: " دلائل الخيرات " للجزولي، ومنها: أحيد. وحيد. منح. مدعو. غوث. غياث. مقيل العثرات. صفوح عن الزلات. خازن علم الله. بحر أنوارك. معدن أسرارك. مؤتي الرحمة. نور الأنوار. السبب في كل موجود. حاء الرحمة. ميم الملك. دال الدوام. قطب الجلالة. السر الجامع. الحجاب الأعظم. آية الله. وقد كانت هذه الأسماء يطبع منها (٩٩) اسماً في الغلاف الأخير للمصحف، ويثبت في غلافه الأول (٩٩) اسماً من أسماء الله تعالى، وذلك في الطبعة الهندية، ولشيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: فضل في التنبيه على تجريد القرآن منها، فجرد منها، جزاه الله خيراً. وهي أيضاً مكتوبة على الحائط القبلي للمسجد النبوي الشريف، وفَّق الله من شاء من عباده لتجريد مسجد النبي ﷺ مما لم يرد عنه والله المستعان. وبعد هذا وقفت على كلام في غاية النفاسة، ورد فيه الخاطر على الخاطر - فلله الحمد وحده - وذلك للعلامة اللغوي ابن الطيب الفاسي في " شرح كفاية المتحفظ " لابن الأجدابي فقال ص/ ٥١ ما نصه: ثم - أي مؤلف كفاية المتحفظ - وصفه - أي وصف النبي ﷺ بما وصفه الله تعالى به في القرآن العظيم من كونه خاتم النبيين سيْراً على جادة الأدب؛ لأن وصفه بما وصفه الله به - مع ما فيه من المتابعة التي لا يرضى ﷺ بسواها - فيه اعتراف بالعجز عن ابتداع وصف من الواصف، يبلغ به حقيقة مدحه ﵊، ولذا تجد الأكابر يقتصرون في ذكره ﵇ على ما وردت به الشريعة الطاهرة كتاباً وسنة، دون اختراع عبارات من عندهم في الغالب " انتهى باختصار. " معجم المناهي اللفظية " (ص/٣٦٢-٣٦٣) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] موقع الإسلام سؤال وجواب

стр. 15090

بعض المحن والصعوبات التي واجهها النبي ﷺ وأصحابه في بداية الدعوة [السُّؤَالُ] ـ[ما هي المحن والصعوبات التي واجهت النبي ﷺ وأصحابه عندما بدأ في دعوة أهل قريش لرسالة التوحيد؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله المحن والصعوبات التي واجهها النبي ﷺ إنما كانت بسبب ما واجهه به كفار قريش من وسائل وأساليب متنوعة في محاربة دعوته، " إذ عندما رأت قريش أن أثر دعوة النبي محمد ﷺ لم يكن محدوداً كما كان الحال مع من دعا إلى نبذ الأصنام قبل محمد ﷺ ، أمثال زيد بن عمرو بن نفيل وورقة، قامت في وجه محمد ﷺ ومن تبعه، وأخذت تمارس شتى أساليب ووسائل الترغيب والترهيب لصدهم عن هذا الطريق الذي هدد مصالحهم التي يجنونها من وجود الحرم في أرضهم، وحط من تكبرهم على غيرهم، ووقف أمام شهواتهم في السيطرة واقتراف السيئات والموبقات، ومن أبرز تلك الأساليب: الأسلوب الأول: كان أول أسلوب لجؤوا إليه هو محاولة التأثير على عمه أبي طالب حتى يكفه عن الدعوة، أو تجريده من جواره – أي حمايته -، فقد ذهبت مجموعة من أشرافهم إلى عمه أبي طالب وقالوا له: إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا ... فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه، فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقاً وردهم رداً جميلاً فانصرفوا عنه. نقل ذلك ابن هشام (١/٣٢٨) من رواية ابن إسحاق. الأسلوب الثاني: التهديد بمنازلة الرسول ﷺ وعمه أبي طالب. ولما مضى رسول الله ﷺ على ما هو عليه، يظهر دين الله ويدعو إليه، غضبت منه قريش وعادوه وحقدوا عليه، فمشوا إلى عمه مرة أخرى فقالوا له: يا أبا طالب! إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وأقسموا بأنهم لن يصبروا على أفعاله حتى يكفه عنهم أو ينازلوه وإياه في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين. عند هذا عظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفساً بإسلام رسول الله ﷺ لهم ولا خذلانه، ولذا أبلغ الرسول ﷺ بالذي قالوه، وطلب منه أن يبقي عليه وعلى نفسه، ولا يحمله من الأمر ما لا يطيق. " سيرة ابن إسحاق " (ص/١٤٥) الأسلوب الثالث: الاتهامات الباطلة لصد الناس عنه. ومن تلك الاتهامات: ١- اتهموه بالجنون: وفي ذلك نزل قول الله تعالى: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) الحجر/٦. ٢- اتهموه بالسحر، وفي ذلك نزل قوله تعالى: (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) ص/٤. ٣- واتهموه بالكذب، وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا) الفرقان/٤. ٤- واتهموه بالإتيان بالأساطير، قال تعالى: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) الفرقان/٥. ٥- وقالوا إن القرآن ليس من عند الله وإنما هو من عند البشر: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) النحل/١٠٣. ٦- واتهموا المؤمنين بالضلالة ... (وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ) المطففين/٣٢. الأسلوب الرابع: السخرية والاستهزاء والضحك والغمز واللمز والتعالي على المؤمنين. يقول الله تعالى عن سخريتهم من الذين آمنوا: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) الأنعام/٥٣. وروى البخاري أن أبا جهل قال مستهزئاً: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) ، فنزلت: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) الأنفال/٣٢-٣٣. الأسلوب الخامس: التشويش. كان المشركون يتواصون بينهم بافتعال ضجة عالية وصياح منكر عندما يقرأ القرآن، حتى لا يصل إلى سمع أحد وقلبه فيؤثر فيه، وفي ذلك قال الله : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) فصلت/٢٦. الأسلوب السادس: طلبهم أن تكون للرسول معجزات ومزايا ليست عند البشر العاديين. من ذلك قولهم: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا. أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا. انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) الفرقان/٧-٩. وقولهم: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا. أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا) الإسراء/٩٠-٩٣. الأسلوب السابع: المساومات. لقد حاولت قريش من خلال هذا الأسلوب أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق، وذلك بأن يترك المشركون بعض ما هم عليه، ويترك النبي ﷺ بعض ما هو عليه، قال تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) القلم/٩. وعندما قالوا له: اعبد آلهتنا يوماً، ونعبد إلهك يوماً، أنزل الله تعالى سورة "الكافرون": (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) وحسم هذه المساومة الهزلية. الأسلوب الثامن: سب القرآن ومنزله ومن جاء به. روى البخاري ومسلم وغيرهم في قوله تعالى: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا) الإسراء/١١٠، أن ابن عباس قال: نزلت ورسول الله ﷺ مختف بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : (ولا تجهر بصلاتك) أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن: (ولا تخافت بها) عن أصحابك فلا تسمعهم، (وابتغ بين ذلك سبيلاً) . الأسلوب التاسع: الاتصال باليهود للإتيان منهم بأسئلة تعجيزية للرسول ﷺ . أوفدت قريش نفراً منهم إلى المدينة، على رأسهم النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط ليأتوا من اليهود بأسئلة تعجيزية فيطرحوها على الرسول ﷺ ، فقالت لهم يهود: سلوه عن أهل الكهف وعن ذي القرنين والروح، ولكن الله أبطل كيدهم عندما أنزل قرآنا في شأن الإجابة عن أسئلتهم. الأسلوب العاشر: الترغيب. أرادت قريش أن تجرب أسلوب الترغيب، فأرسلت عتبة بن ربيعة الذي قال للرسول ﷺ : (يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً لعلك تقبل بعضها: إن كنت تريد بهذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد شرفاً سوَّدناك – أي جعلناك سيداً - علينا فلا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً – من الجن - تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ. فلما فرغ من قوله تلا رسول الله ﷺ صدر سورة " فصلت " إلى قوله: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) . الأسلوب الحادي عشر: الترهيب. كان أبو جهل إذا سمع عن رجل قد أسلم وله شرف ومنعة أنَّبه وأخزاه، وقال له: تركت دين أبيك وهو خير منك! لنسفهن حلمك ولنضعفن رأيك ولنضعن شرفك. وإن كان تاجراً قال له: لنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك. وإن كان ضعيفاً ضربه وأغرى به. "سيرة ابن هشام " (١/٣٩٥) . الأسلوب الثاني عشر: الاعتداء الجسدي. عندما لم تثمر كل الأساليب السابقة في صد الرسول ﷺ وأصحابه عن دينهم، لجأت قريش إلى أسلوب الاعتداء الجسدي والتصفية الجسدية. روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ قَالَ: فَقِيلَ: نَعَمْ. فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ. قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ. قَالَ: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ. قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ لَا نَدْرِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ شَيْءٌ بَلَغَهُ: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى. إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى. أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى. عَبْدًا إِذَا صَلَّى. أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى. أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى. أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى. كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ. نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ. فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ. سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ. كَلَاّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) . وروى البخاري بسنده إلى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنْ أَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: رَأَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَوَضَعَ رِدَاءَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَفَعَهُ عَنْهُ فَقَالَ: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ) . وروى البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود ﵁ قال: بينما النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ، فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ، فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ لَا أُغْنِي شَيْئًا لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَع رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ونال أبا بكر ﵁ نصيبه من الأذى حتى فكر في الهجرة إلى الحبشة فراراً بدينه. وكان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله ﷺ بمكة عبد الله بن مسعود، على الرغم من تحذير المسلمين من عدوان المشركين وخشيتهم عليه، فعندما فعل ذلك ضربوه على وجهه حتى أثروا فيه. الأسلوب الثالث عشر: ملاحقة المسلمين خارج مكة والتحريض عليهم. فعندما هاجر بعض المسلمين إلى النجاشي أرسلوا خلفهم من حاول اللحاق بهم قبل العبور إلى الحبشة، وعندما استقروا بالحبشة وكثر عددهم أرسلوا في طلبهم، واستخدموا في ذلك الرشوة والحيلة للوقيعة بين المسلمين والنجاشي، ولكنهم فشلوا في ذلك. الأسلوب الرابع عشر: المقاطعة العامة – وذلك في شعب أبي طالب -. الأسلوب الخامس عشر: محاولة قتل الرسول ﷺ ثم شن الحرب عليه. إن أعداء الإسلام في كل زمان ومكان لم يكفوا ولن يكفوا عن استخدام كافة الوسائل والأساليب لإطفاء نور الإسلام ومحاربة دعاته، وربما تتجدد الأساليب والوسائل، ولكنها لا تخرج في مضمونها عن تلك الأساليب التي مارسها كفار قريش ضد المسلمين المستضعفين بمكة" انتهى باختصار من كتاب " السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية " للدكتور مهدي رزق الله (ص/١٦٥-١٩٤) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15091

كيف ينتسب الأشراف إلى النبي ﷺ ولم يكن له ولد ذكر ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لقد سمعت أن الأسياد من نسل النبي محمد ﷺ ، من فضلك: اشرح لي كيف أن النبي محمدا ﷺ لم يكن له ولد، وأنا أعرف أن النسب يكون من الابن وليس من البنت؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: أحفاد الرسول ﷺ وذريته الموجودون الآن كلهم من نسل ابنته فاطمة ﵂، ولكون الرسول ﷺ سيد البشر وأشرفهم والنسبة إليه شرف بلا شك، صارت ذريته ينتسبون إليه، ولا ينسبون إلى آبائهم، وقد ذكر العلماء أن ذلك من خصائصه ﷺ . واستدلوا على ذلك بعدة أدلة، منها: قوله ﷺ : (فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي) رواه البخاري (٣٧١٤) ومسلم (٢٤٤٩) . قال الشريف السمهودي: "معلوم أن أولادها بضعة منها، فيكونون بواسطتها بضعة منه ﷺ ، وهذا غاية الشرف لأولادها" انتهى. نقله الألوسي في "روح المعاني" (٢٦/١٦٥) . ومنها: قول النبي ﷺ عن الحسن بن علي ﵄: (إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِين) رواه البخاري (٢٧٠٤) . فسمَّاه "ابنه" وهو ابن بنته فاطمة ﵄. قال ابن القيم ﵀: "المسلمون مجمعون على دخول أولاد فاطمة ﵂ في ذرية النبي ﷺ المطلوب لهم من الله الصلاة؛ لأن أحدا من بناته لم يعقب غيرها، فمن انتسب إليه ﷺ من أولاد ابنته فإنما هو من جهة فاطمة ﵂ خاصة، ولهذا قال النبي ﷺ في الحسن ابن ابنته: (إن ابني هذا سيد) فسماه ابنه، ولما أنزل الله سبحانه آية المباهلة: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) آل عمران/٦١، دعا النبي ﷺ فاطمة وحسنا وحسينا وخرج للمباهلة.... إلى أن قال: وأما دخول أولاد فاطمة ﵂ في ذرية النبي ﷺ فلشرف هذا الأصل العظيم والوالد الكريم، الذي لا يدانيه أحد من العالمين، سرى ونفذ إلى أولاد البنات لقوته وجلالته وعظيم قدره، ونحن نرى من لا نسبة له إلى هذا الجناب العظيم من العظماء والملوك وغيرهم تسري حرمة إيلادهم وأبوتهم إلى أولاد بناتهم، فتلحظهم العيون بلحظ أبنائهم، ويكادون يضربون عن ذكر آبائهم صفحا، فما الظن بهذا الإيلاد العظيم قدره، الجليل خطره؟ " انتهى باختصار. " جلاء الأفهام " (ص/٢٩٩-٣٠١) . وجاء في "مغني المحتاج" (٣/٦٣) : "فَائِدَةٌ: مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَنَّ أَوْلَادَ بَنَاتِهِ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ، وَهُمْ الْأَشْرَافُ الْمَوْجُودُونَ، وَمِنْهُمْ الْهَاشِمِيُّونَ" انتهى. وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٢/٦٤٠) : "ممّا اختصّ به رسول الله ﷺ دون النّاس جميعاً أنّ أولاد بناته ينتسبون إليه في الكفاءة وغيرها، لقوله ﷺ : (إنّ ابني هذا سيّد) " انتهى. وقال الحافظ ابن حجر الهيتمي الفقيه الشافعي: "ثم معنى الانتساب إليه الذي هو من خصوصياته ﷺ : أنه يطلق عليه أنه أب لهم، وأنهم بنوه، حتى يعتبر ذلك في الكفاءة، فلا يكافىء شريفة هاشمية غير شريف. [وهذا عند من اعتبر الفاءة في النسب في النكاح، فلا تتزوج شريفة بغير شريف إلا برضاها ورضا جميع أوليائها. [وقد سبق الكلام على الكفاءة في النسب في جواب السؤال رقم (٦٥٥١٠) وبيَّنَّا أن الصحيح من أقوال العلماء أنها غير معتبرة] . ثم قال ابن حجر: وقولهم: "إن بني هاشم والمطلب أكفاء" محله فيما عدا هذه الصورة. وحتى يدخلوا في الوقف على أولاده والوصية لهم، [وهذه مسألة افتراضية، لو أوقف الرسول ﷺ مالاً أو أوصى به وقال: هذا لأولادي، دخل في أولاده ﷺ أولاد فاطمة وأولاد الحسن والحسين ﵃، وهذا من فوائد أنهم ينسبون إليه] . وأما أولاد بنات غيره فلا تجري فيهم مع جدهم لأمهم هذه الأحكام. نعم، يستوي الجد للأب والأم في الانتساب إليهما من حيث تطلق الذرية والنسل والعقب عليهم. ومن فوائد ذلك أيضاً: أنه يجوز أن يقال للحسنين: أبناء رسول الله ﷺ ، وهو أب لهما اتفاقا، لقول الرسول ﷺ في الحسن: (إن ابني هذا سيد) " انتهى باختصار. "الصواعق المرسلة" (٤/٤٦٢) لابن حجر الهيتمي. وقد استدل السيوطي ﵀ على ذلك بأحاديث أخرى في كتابه "الخصائص الكبرى" (٢/٣٨١) ، غير أنها ضعيفة، كما بَيَّن ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في "التلخيص" (٣/١٤٢) ، والألباني في "السلسلة الضعيفة" (٨٠١، ٤١٠٤، ٤٣٢٤) . ثانياً: هذا الحكم، وهو أن أحفاد النبي ﷺ ينسبون إليه، إنما هو لأولاد بناته، ثم أولاد الحسن والحسين، أما أولاد بنات بناته فإنهم لا ينسبون إليه ﷺ ، وإنما ينسبون إلى آبائهم. قال السيوطي ﵀: "هل يشاركون – يعني أولاد زينب بنت فاطمة - أولاد الحسن والحسين في أنهم ينسبون إلى النبي ﷺ ؟ والجواب: لا. وإن كانوا جميعاً يدخلون في "ذرية النبي ﷺ " وفي "أولاده". وقد فَرَّق الفقهاء بين مَن يُسَمَّى ولداً للرجل، وبين مَن ينسب إليه: ولهذا قالوا: لو قال: وقفت على أولادي: دخل ولد البنت. ولو قال: وقفت على مَن يُنسب إلي مِن أولادي: لم يدخل ولد البنت. وقد ذكر الفقهاء من خصائصه ﷺ : أنه ينسب إليه أولاد بناته، ولم يذكروا مثل ذلك في أولاد بنات بناته، فالخصوصية للطبقة العليا فقط، فأولاد فاطمة الأربعة ينسبون إليه، وأولاد الحسن والحسين ينسبون إليهما فينسبون إليه، وأولاد زينب وأم كلثوم [بنات فاطمة] ينسبون إلى أبيهم عمر وعبد الله، لا إلى الأم، ولا إلى أبيها ﷺ ؛ لأنهم أولاد بنت بنته، لا أولاد بنته، فجرى الأمر فيهم على قاعدة الشرع في أن الولد يتبع أباه في النسب لا أمه، وإنما خرج أولاد فاطمة وحدها للخصوصية التي ورد الحديث بها، وهو مقصور على ذرية الحسن، والحسين.... ولهذا جرى السلف والخلف على أن ابن الشريفة لا يكون شريفاً، ولو كانت الخصوصية عامة في أولاد بناته وإن سفلن لكان ابن كل شريفة شريفاً تحرم عليه الصدقة وإن لم يكن أبوه كذلك كما هو معلوم. ولهذا حكم ﷺ بذلك لفاطمة دون غيرها من بناته، لأن أختها زينب بنت رسول الله ﷺ لم تعقب ذكراً حتى يكون كالحسن والحسين في ذلك، وإنما أعقبت بنتاً، وهي أمامة بنت أبي العاصي بن الربيع، فلم يحكم لها ﷺ بهذا الحكم مع وجودها في زمنه، فدل على أن أولادها لا ينسبون إليها لأنها بنت بنته، وأما هي فكانت تنسب إليه بناء على أن أولاد بناته ينسبون إليه، ولو كان لزينب ابنة رسول الله ﷺ ولدٌ ذكر لكان حكمه حكم الحسن والحسين في أن ولده ينسبون إليه ﷺ . هذا تحرير القول في هذه المسألة" انتهى باختصار. "الحاوي" (٢/٣١) . ومثل ذلك قاله الحافظ ابن حجر الهيتمي الفقيه الشافعي في "الفتاوى الحديثة" (ص ٦٧) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15092

هل صح حديث: (لقد جئتكم بالذبح) ، وما توجيه معناه ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يمكن من فضلك أن تعلق لي على هذا الحديث وعلى إسناده؟ هل قال الرسول ﷺ لقريش إنه جاءهم ليذبحهم؟ وكيف لنا أن نفهم هذا الحديث؟ وما هو معنى الحديث؟ أرجو منكم أن تشرحوا لأنني أجد الحديث محيراً جداً بالنسبة إلي. ونص الحديث يقول: (لقد جئتكم بالذبح) وقد ترجم الحديث من قبل الشيخ: عبد السلام الشامي: قال يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: وحدثني يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه عروة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابت من رسول الله فيما كانت تظهر من عداوته؟ قال حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ ، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفَّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا. قال: فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فلما أن مر بهم غمزوه ببعض ما يقول، قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، ثم مر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فقال: تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح؛ فأخذت القوم كلمته حتى ما فيهم رجل إلا كأن على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وطأة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول؛ حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولاً. فانصرف ﷺ ، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله ﷺ ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا - لِما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم – قال: فيقول رسول الله ﷺ : نعم أنا الذي أقول ذلك. قال: فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه. قال: وقام أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه دونه يقول - وهو يبكي -: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله. ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً بلغت منه قط. رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الحديث رواه أحمد في " المسند " (١١/٦٠٩) طبعة مؤسسة الرسالة من رواية الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وحسنه المحققون، والشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند أيضا، وحسنه الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٦/١٩) ، وكذا الشيخ الألباني في " صحيح الموارد " (١٤٠٣) . وجاء في رواية الإمام البخاري (٣٦٧٨) لأصل القصة أن عروة بن الزبير ﵀ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنْ أَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: رَأَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَوَضَعَ رِدَاءَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَفَعَهُ عَنْهُ فَقَالَ: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ) . وروي أن الرسول ﷺ قال لهم: (أما والله لا تنتهوا حتى يحل بكم عقابه عاجلاً. – وبعد ذلك قال لأصحابه ﷺ : أبشروا فإن الله مظهر دينه، ومتم كلمته، وناصر نبيه، إن هؤلاء الذين ترون ممن يذبح الله بأيديكم عاجلاً) . عزاه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (٧/١٦٨) للزبير بن بكار، والدارقطني في " الأفراد " وأشار إلى ضعف هذه الرواية. وانظر "فتح الباري" (٧/١٦٦-١٧٠) للوقوف على روايات الحديث. وهذا اللفظ: (جئتكم بالذبح) له معنى صحيح بلا شك، ولا ينبغي أن يثير الحيرة في نفس السائل ولا في نفس أي عاقل، فالمقصود بالذبح هم أشخاص معينون محدودون، وهم أولئك الذين يصرون على الكفر بالله، وعلى حرب الإسلام وأهله، واضطهاد المستضعفين، والتسلط على النساء والشيوخ من المؤمنين، لفتنتهم عن دينهم، وفرض مبادئهم وأفكارهم بالدم والتعذيب والتنكيل، هؤلاء هم الذين قتلوا أصحاب رسول الله ﷺ شر تقتيل، طعنوا سمية زوجة ياسر في عفتها، وقتلوا ياسر في شيخوخته، وعذبوا بلالاً بالرمضاء، وهموا بقتل خير الخلق محمد ﷺ ، ولم يتركوا أسلوباً من أساليب التعذيب والظلم إلا مارسوه على هذه الفئة المؤمنة، حتى اضطروهم إلى الهجرة إلى الحبشة، مكفكفين جراحهم، ومتحملين آلامهم، لعلهم يجدون لدى ملك الحبشة طعم الراحة والأمان. هذا بعض ما فعلته هذه الفئة من مجرمي كفار قريش مع المؤمنين، أما عن تطاولهم على رب العباد فذلك شأن آخر، حكاه الله عنهم في عشرات الآيات في القرآن الكريم. ألا يستحق هؤلاء – بعدئذ - القتل دفعا لشرهم، وتخليصا للعباد من آذاهم. أليس من الحكمة والعقل مجابهتهم – في بعض الأحيان – بالقوة والتهديد والوعيد، وذلك حين يطفح الكيل من مكرهم وظلمهم؟ لماذا يحتار العاقل في قبول تهديد النبي ﷺ لهم بالعقوبة العاجلة من الله ، وهم أجدر بها، وأحق بها من قوم عاد وثمود وسائر الأنبياء الذين عرفنا عدوانهم على الأنبياء والمؤمنين في القرآن الكريم؟! ألهذا الحد ينسى العاقل ما فعله هؤلاء المجرمون بالمؤمنين المستعضفين، وينسى أيام العذاب والهوان التي ذاقوها مما يتقطع له قلب كل إنسان وهو يقرأ صفحاتها، ثم يتعاطف مع الجلادين – وهم صناديد كفار قريش – لأن النبي ﷺ هددهم بالقتل والذبح مرة من المرات. أهكذا تقاس الأمور في موازين العقول؟! وإذا لبَّس الحاقدون على الناس، فاجتزؤوا هذه الكلمة من سياقها، وأرادوا أن يظهروا النبي ﷺ سفاكاً للدماء، محباً للموت والقتل، فلا يجوز أن ينطلي ذلك على العقلاء من المسلمين ومن غير المسلمين، بل الواجب التعامل مع هذه الحادثة، وكذلك كل حادثة بمقياسين مهمين رئيسيين: ١- السياق الذي جاءت به، ونوع المخاطبين بها، والحادثة التي تفسرها وتبين المقصود منها. ٢- النظر في جميع النصوص المتعلقة بالموضوع، والتي من خلالها يمكن الوصول إلى فهم نظرة الإسلام إلى المسألة، وليس من خلال نص واحد فقط. ومن لم يفعل ذلك ضلَّ وتاه، وباع عقله وفكره لكل ناعق بشبهة، ولكل من يحسن الوسوسة بالشر والفساد. ونقول أيضاً: كيف تُصَدَّقُ دعوى مَن يدَّعي أن الإسلام جاء بقتل من لم يتبعه مطلقاً، وقد علم الناس جميعاً علم اليقين أن النبي ﷺ عفا عن أهل مكة بعد أذاهم الشديد له فجاءه ملك الجبال ليطبق عليهم الأخشبين (جبلان بمكة) ، فقال ﷺ : (أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) رواه البخاري (٣٢٣١) ومسلم (١٧٩٥) ، وعفا أيضاً ﷺ عن كفار قريش الذين ظلموا المؤمنين وأكلوا أموالهم بعد فتح مكة، بل وأكرم بعض كبرائهم رجاء حسن إسلامهم، وذلك حين قال – يوم فتح مكة -: (مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ) رواه مسلم (٣٣١) ؟! كيف تُصدَّق هذه الدعوى وقد شرع الله تعالى لنا قبول الجزية من أهل الأديان الأخرى، والموافقة على بقائهم في حماية دولة الإسلام وكفالتها؟! كيف تُصدَّق هذه الدعوى وقد علمنا يقيناً كيف قبل النبي ﷺ الصلح مع يهود المدينة، وتعايش معهم رجاء أن يحفظوا العهد ولا يخونوا، ولم يقاتل أحداً منهم حتى كانوا هم البادئين بالغدر والخيانة؟!! ألم يقل رب العزة شارحاً مقاصد البعثة والرسالة في كلمة واحدة عن نبينا محمد ﷺ : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء/١٠٧.؟!! بل قال أيضاً: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) الأنعام/١٤٧. قال الحافظ ابن كثير ﵀: "يقول تعالى: فإن كذّبك - يا محمد - مخالفوك من المشركين واليهود ومن شابههم، فقل: (رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) ، وهذا ترغيب لهم في ابتغاء رحمة الله الواسعة واتباع رسوله، (وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) ترهيب لهم من مخالفتهم الرسول خاتم النبيين " انتهى. " تفسير القرآن العظيم " (٣/٣٥٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ! قَالَ: (إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً) رواه مسلم (٢٥٩٩) . نرجو أن يكون في هذه الكلمات ذكرى نافعة يزيل الله بها عن الأخ السائل حيرته في معنى هذا الحديث. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15093

علام تدل المصاهرة بين علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب [السُّؤَالُ] ـ[زَوَّج علي ابن أبي طالب ﵁ اثنتين من بناته إلى خليفتين من الخلفاء الراشدين من هما؟ وعلام تدل هذه المصاهرة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: أهل السنَّة والجماعة يتولون أصحاب النبي ﷺ ، وآل بيته , ويتقربون إلى الله تعالى بمحبتهم، والذود عنهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وكذلك "أهل بيت رسول الله" تجب محبتهم، وموالاتهم، ورعاية حقهم. "مجموع الفتاوى" (٢٨/٤٩١) . وانظر جوابي السؤالين (١٠٠٥٥) و (١٢١٩٤٨) . ثانياً: العلاقة بين الصحابة، وآل بيت النبوة: كانت تقوم على المحبة، والمودة، وتبادل الاحترام، والتقدير، بل تعدت إلى المصاهرة، والتزويج. ومن ذلك: أن عليّاً ﵁ زوَّج ابنته أم كلثوم لعمر بن الخطاب ﵃. قال الذهبي ﵀: وروى عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده أن عمر تزوَّجها فأصدقها أربعين ألفاً. قال أبو عمر بن عبد البر: قال عمر لعلي: زوجنيها أبا حسن، فإني أرصد من كرامتها ما لا يرصد أحد ... . "سير أعلام النبلاء" (٣/٥٠١) ، وانظر " الإصابة في تمييز الصحابة " (٤ / ١١٩) . وهذه هي المصاهرة التي تمَّت بين علي وبين الخليفة الراشد عمر ﵄ , وهذا متفق عليه حتى لا ينكره الشيعة أنفسهم، ولم تحدث بين علي وبين الخلفاء الراشدين إلا هذه المصاهرة. وأما بين أولاده وأولاد الخلفاء الراشدين: فقد تمَّت كثير من المصاهرات: فقد تزوج الحسين بن علي ﵄ حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. وأم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدِّيق هي أم جعفر الصادق , وأمها هي أسماء بنت عبد الرحمن بنت أبي بكر الصديق، وزوجها هو محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين، فكان جعفر الصادق يفتخر ويقول: ولدني أبو بكر مرتين، فهو ينتسب من جهة الأب والأم إلى أبي بكر الصدِّيق ﵁. وأما بين علي رضي الله وذريته وبين الصحابة: فهي كثيرة، فقد تزوج علي من أمامة بنت أبي العاص بن الربيع الأموي , وأمها: زينب بنت رسول الله، وتزوج الحسين بن علي ﵁ من عاتكة بنت زيد، وهي بنت عم عمر بن الخطاب، وتزوجت رملة بنت علي بن أبي طالب من معاوية بن مروان بن الحكم الأموي، وتزوجت فاطمة بنت علي بن أبي طالب من عبد الرحمن بن عبد الله المخزومي، وتزوجت سكينة بنت الحسين من مصعب بن الزبير , وفاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب تزوجها الحسن المثنى، ثم عبد الله بن عمرو بن عثمان الأموي، وتزوجت أم القاسم بنت الحسن المثنى من مروان بن أبان بن عثمان الأموي. ولمزيد من الفائدة انظر كتاب " الأسماء والمصاهرات بين أهل البيت والصحابة رضوان الله عليهم" لأبي معاذ السيد بن أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي. وهذه المصاهرات تدل قطعا على روابط الصلة، والمحبة، والتواد، والتراحم بين آل بيت النبي ﷺ ، وبين الصحابة الأجلاء , ولا التفات إلى ما تزعمه الرافضة من محاولة إبراز شقاق، وخلاف , وتقطع لأواصر الأخوَّة بينهم، وهم على ما وصفهم ربهم تعالى: (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) الفتح/٢٩. فهذا أبو بكر الصديق ﵁ كان يقول: (وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَىَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِى) رواه البخاري (٣٥٠٨) . فالعداء المزعوم بين الصحابة وأهل بيت النبوة لا وجود له، والصحابة ﵃ أعظم وأجل من ذلك، ولكن الكذب والنفاق هو دين الشيعة الذي به يتمسكون. وانظر لمزيد الفائدة جواب السؤال رقم: (١٢٥٨٩٠) . نسأل الله تعالى أن يحشرنا مع أصحاب النبي ﷺ وآل بيته الأطهار ويجمعنا بهم في جنات النعيم. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15094

هل كان لحليمة السعدية خصوصية معينة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل كان للسيدة حليمة خصوصية معينة لأنها كانت ترضع النبي ﷺ وهل أسلمت حليمة بعد ذلك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله حليمة السعدية مرضعة الرسول ﷺ اختلف العلماء في إسلامها، وكأن ابن القيم ﵀ توقف في ذلك، فقد قال في "زاد المعاد" (١/٨١) " واختلف في إسلام أبويه [يعني: النبي ﷺ ] من الرضاعة، فالله أعلم " انتهى. ولكن جزم كثير من الحفاظ بإسلامها وعدوها من الصحابة، فقد ذكرها الحافظ في "الإصابة" (٧/٥٨٤) وابن عبد البر في "الاستيعاب" (٢/٨٥) ، وقال ابن عبد البر: " روت عن النبي ﷺ وروى عنها عبد الله بن جعفر " انتهى. قال الألباني: " يستبعد جدا أن يدرك عبد الله بن جعفر حليمة مرضعة الرسول ﷺ ؛ فإنه لما توفي النبي ﷺ كان عبد الله ابن عشر سنين، وهي وإن لم يذكروا لها وفاة فمن المفروض عادة أنها توفيت قبل رسول الله ﷺ . والله أعلم " انتهى "دفاع عن الحديث النبوي" (ص/٣٩) . وفي "الأعلام" للزركلي (٢ / ٢٧١) : " وقدمت مع زوجها بعد النبوة فأسلما " انتهى. وقال ابن الجوزي: " قدمت عليه بعد النبوة فأسلمت وبايعت، وأسلم زوجها الحارث بن عبد العزى " انتهى. "صفة الصفوة" (١ / ٦٢) . وأما قول السائلة: هل كان للسيدة حليمة خصوصية معينة لأنها كانت ترضع النبي ﷺ ؟ فلا شك أن إرضاعها النبي ﷺ من تفضُّل الله عليها وهي منقبة عظيمة لها، وقد حصل لها من الخير والبركة بمقدمه ﷺ عليها ما هو مشهور معلوم. وقال ابن كثير: " والمقصود أن بركته ﵊ حلّت على حليمة السعدية وأهلها وهو صغير، ثم عادت على هوازن بكمالهم فواضلُه حين أسرهم بعد وقعتهم، وذلك بعد فتح مكة بشهر. فمنّوا إليه برضاعه فأعتقهم وتحنن عليهم وأحسن إليهم " انتهى. "السيرة النبوية" (١/٢٣٣) . روى البيهقي (١٨٥٣٦) بسند حسن عن عبد الله بن عمرو ﵄ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحُنَيْنٍ، فَلَمَّا أَصَابَ مِنْ هَوَازِنَ مَا أَصَابَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَسَبَايَاهُمْ أَدْرَكَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ بِالْجِعْرَانَةِ وَقَدْ أَسْلَمُوا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَنَا أَصْلٌ وَعَشِيرَةٌ، وَقَدْ أَصَابَنَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ فَامْنُنْ عَلَيْنَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ. وَقَامَ خَطِيبُهُمْ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا فِى الْحَظَائِرِ مِنَ السَّبَايَا خَالَاتُكَ وَعَمَّاتُكَ وَحَوَاضِنُكَ اللَاّتِى كُنَّ يَكْفُلْنَكَ وَذَكَرَ كَلَامًا وَأَبْيَاتًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَمَّا مَا كَانَ لِى وَلِبَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ، وَإِذَا أَنَا صَلَّيْتُ بِالنَّاسِ فَقُومُوا وَقُولُوا: إِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَبِالْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي أَبْنَائِنَا وَنِسَائِنَا سَأُعْطِيكُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَأَسْأَلُ لَكُمْ) . فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ الظُّهْرَ قَامُوا فَقَالُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ) . وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: وَمَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَتِ الأَنْصَارُ: وَمَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . راجع: "صحيح السيرة" للألباني (ص/٢٢) . وقال ابن كثير في "السيرة النبوية" (١/٢٣٤) : " وسيأتي أنه ﵊ أطلق لهم الذرية، وكانت ستة آلاف ما بين صبي وامرأة، وأعطاهم أنعاما وأناسي كثيرا، حتى قال أبو الحسين بن فارس: فكان قيمة ما أطلق لهم يومئذ: خمسمائة ألف ألف درهم. فهذا كله من بركته العاجلة في الدنيا، فكيف ببركته على من اتبعه في الدار الآخرة؟ " انتهى. فهذه الخصوصية، وهذه البركة، إنما هي بسبب رضاعه وحضانته ﷺ . ولكن.. لا نعلم من الأحاديث شيئاً خاصاً يدل على فضلها ومنقبتها. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15095

تغسيل النبي ﷺ وتكفينه والصلاة عليه [السُّؤَالُ] ـ[كيف غُسل النبي ﷺ ؟ وكيف كان تكفينه والصلاة عليه ودفنه؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "الرسول ﷺ غُسل في ثيابه، فإن الصحابة ﵃ لما اختلفوا هل يجردونه أم لا؟ سمعوا منادياً من داخل البيت يقول: غسلوا النبي ﷺ في ثيابه، فصبوا الماء عليه وغسلوه في ثيابه ﵊، ثم كفنوه في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ـ يعني من قطن ـ ليس فيها قميص ولا عمامة، كما جاء في حديث عائشة ﵂، ثم صلى عليه الناس ﵊ فرادى، وما أمَّهم عليه إمام، بل صلى عليه الناس، الكل يدخل ويصلي عليه في المسجد ﵊" انتهى. سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ "فتاوى نور على الدرب" (١/٣٥٠) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15096

رؤية النبي ﷺ لجبريل ﵇ [السُّؤَالُ] ـ[جاء في سورة النجم أن سيدنا محمدا ﷺ قد رأى سيدنا جبريل مرتين، فما هي المرتان؟ وهل كانت المرة الأولى في الأفق الأعلى في أول نزول الوحي، والثانية في سدرة المنتهى؟ وإذا كان وقعت رؤية الروح الأمين مرتين، فكيف نفسر سورة المدثر، بأنه رأى الروح الأمين جالسا على كرسي بين السماء والأرض؟ لعلها لم تكن هذه الهيئة هي هيئة سيدنا جبريل الحقيقية! والصورة التي تصورها الآيات من ٥ إلى ١٢ في سورة النجم تصور سيدنا جبريل بأنه جالس ويملأ الأفق، ثم يقترب من الرسول ﷺ . فهل فهمي للآية هكذا صحيح؟ أم أن المرة الأولى حين نزل الوحي كانت قبل بلوغ الأفق الأعلى. أنا طالب لعلم التفسير، وأريد ردا على هذا السؤال.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الذي تقرره الأدلة الصريحة أن النبي ﷺ رأى جبريل ﵇ على صورته التي خلقه الله عليها مرتين اثنتين فقط، وقد عد السيوطي ﵀ هذا الأمر من خصائص النبي ﷺ كما في " الخصائص الكبرى " (١/١٩٧) ، وهاتان الرؤيتان هما: الرؤية الأولى: كانت في الأرض في بداية الوحي، ونزلت عليه بعدها سورة المدثر. فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ – أي انقطاع - الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: (فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَئِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ – إلى – والرجز فَاهْجُر) رواه البخاري (٤٦٤١) ومسلم (١٦١) . وهذه الرؤية هي التي قال الله فيها: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ) التكوير/٢٣. قال الحافظ ابن كثير ﵀: "يعني: ولقد رأى محمدٌ جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح، (بِالأفُقِ الْمُبِينِ) أي: البين، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء (موضع بمكة) ، وهي المذكورة في قوله: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إَلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) النجم/٥ –١٠، كما تقدم تفسيرُ ذلك وتقريره، والدليلُ أن المرادَ بذلك جبريل ﵇. والظاهر- والله أعلم - أن هذه السورة – يعني سورة التكوير - نزلت قبل ليلة الإسراء؛ لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية، وهي الأولى. وأما الثانية وهي المذكورة في قوله: (وَلَقَدْ رَآهُ نزلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى) النجم: ١٣ -١٦، فتلك إنما ذكرت في سورة " النجم "، وقد نزلت بعد سورة الإسراء " انتهى. " تفسير القرآن العظيم " (٨/٣٣٩) . والرؤية الثانية: كانت في السماء، ليلة الإسراء والمعراج عند سدرة المنتهى. وقد نصت الآية في سورة النجم على الرؤية الثانية، وأشارت إلى الرؤية الأولى، وذلك في قوله : (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) النجم/١٣-١٤. قال ابن مسعود ﵁ في تفسير هذه الآية: رأى جبريل له ستمائة جناح. رواه البخاري (٣٢٣٢) ومسلم (١٧٤) . قال النووي ﵀: "وهكذا قاله أيضا أكثر العلماء، قال الواحدي: قال أكثر العلماء: المراد رأى جبريل في صورته التي خلقه الله تعالى عليها" انتهى. "شرح النووي على مسلم" (٣/٧) . وقال الحافظ ابن كثير ﵀: "هذه الرؤية – يعني الأولى - لجبريل ورسولُ الله ﷺ في الأرض، فهبط عليه جبريل ﵇ وتدلى إليه، فاقترب منه وهو على الصورة التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح. ثم رآه بعد ذلك نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، يعني ليلة الإسراء" انتهى. "تفسير القرآن العظيم" (٧/٤٤٥) . ولم يثبت وقوع رؤية ثالثة حقيقية لجبريل ﵇، وقد قالت عائشة ﵂: (وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ) رواه البخاري (٤٨٥٥) ، وهو عند الإمام مسلم (١٧٧) من كلام النبي ﷺ أنه قال: (إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنْ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15097

كيف كان يكتسب النبي ﷺ قوته ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أرغب في معرفة كيفية اكتساب النبي ﷺ قُوته؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كان النبي ﷺ يأكل من عمل يده، فقد اشتغل برعي الأغنام في أول عمره. فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَاّ رَعَى الْغَنَمَ) ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: (نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ) . رواه البخاري (٢١٤٣) . والقراريط: جزء من الدينار، أو الدرهم. وكذلك عمل نبينا محمد ﷺ بالتجارة مع عمِّه أبي طالب , وكذلك عمل لخديجة ﵂، كما هو مشهور في السيرة. ثم كفاه الله بعد ذلك بما أحل له من الفيء، والغنيمة، وهو أشرف المكاسب. والفيء: ما أُخذ من الكفار بدون قتال. والغنيمة: ما أخذ من الكفار بقتال. فعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي) رواه أحمد (٩/١٢٦) وصححه العراقي في " تخريج إحياء علوم الدين " (٢ / ٣٥٢) ، وصححه الألباني في " صحيح الجامع " (٥١٤٢) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وفي الحديث إشارة إلى فضل الرمح، وإلى حل الغنائم لهذه الأمة، وإلى أن رزق النبي ﷺ جعل فيها لا في غيرها من المكاسب، ولهذا قال بعض العلماء: إنها أفضل المكاسب" انتهى. " فتح الباري " (٦ / ٩٨) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15098

الأسباب الواردة في هبة سودة ليلتها لعائشة وبيان الراجح منها [السُّؤَالُ] ـ[ذُكر أن النبي صلى الله عليه عرض على " سودة بنت زمعة " الطلاق عندما كبرت في العمر، ولكنها رفضت، ومن ثَمَّ أعطت يومها لعائشة ﵂. يبدو لي أن هذا الفعل على إطلاقه هكذا لا يمكن أن يكون صدر من النبي ﷺ ؛ إذ أنه لا بد من أن يكون هناك خلفية لهذه القصة، وهو الأمر الذي أريد أن تشرحوه لي.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ثبت في الصحيحين أن أم المؤمنين " سودة بنت زمعة " ﵂ وهبت ليلتها لعائشة رضي الله، وهذا المقدار لا شك فيه من حيث الثبوت، ولكن ما هو سبب هذا الفعل من أم المؤمنين سودة رضي الله؟ جاء ذلك على وجوه متعددة: ١. قيل: إن ذلك كان بعد تطليق النبي ﷺ لها. ٢. وقيل: إنه ﷺ همَّ بتطليقها. ٣. وقيل: إنها ظنَّت أنه سيطلقها، ولذا تنازلت عن ليلتها لعائشة؛ لتبقى في عصمته ﷺ في الدنيا، وتكون زوجة له في الآخرة، فقبل منها ذلك ﷺ . ٤. وقيل: إنها أرادات بتلك الهبة رضا رسول الله ﷺ ؛ حيث كانت تعلم محبته لعائشة ﵂، وهذان السببان هما أصح ما ورد من الأسباب لذلك الفعل منها ﵂. أ. أما ما ورد أنها ﵂ وهبت ليلتها لعائشة بعد أن طلقها النبي ﷺ : فهي رواية ضعيفة. قال ابن الملقِّن – ﵀: وَهَذِه رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث هِشَام عَن أَبِيه: " أَنه ﵇ طلَّق سودةَ، فلمَّا خرج إِلَى الصَّلَاة أمسكتْهُ بِثَوْبِهِ، فقالتْ: مَا لي فِي الرِّجال حَاجَة، وَلَكِنِّي أُرِيد أَن أُحْشَرَ فِي أَزوَاجك، قَالَ: فراجَعَهَا، وَجعل يَوْمهَا لعَائِشَة، فَكَانَ يِقَسْم لَهَا بيومها، وَيَوْم سَوْدَة ". وَهَذَا مَعَ إرْسَاله: فِيهِ أَحْمد العطاردي، وَهُوَ مِمَّن اخْتلف فِيهِ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا بَأْس بِهِ، وَقَالَ ابْن عدي: رَأَيْتهمْ مُجْمِعِينَ عَلَى ضعفه، وَقَالَ مُطيَّن: كَانَ يكذب. " البدر المنير " (٨ / ٤٨) . وكذبه ﵀ ليس في الحديث، وإلا كان حديثه موضوعاً، وقد بيَّنه الإمام الذهبي ﵀ فقال إنه كذب في لهجته، لا في روايته. قال ﵀: قُلْت: يَعنِي فِي لَهْجَتِهِ، لَا أَنَّه يَكْذِبُ في الحَديثِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُوجَد مِنهُ، وَلَا تَفَرَّدَ بِشَيْءٍ، وَمِمَّا يُقَوِّي أَنَّهُ صَدوقٌ فِي بَابِ الرِّوَايَةِ: أَنَّه رَوَى أَوْرَاقاً مِنَ " المَغَازِي " بِنُزُولٍ، عَن أَبِيهِ، عَن يُونُسَ بنِ بُكَيْرٍ، وَقَد أَثنَى عَلَيهِ الخَطِيبُ، وَقَوَّاهُ، وَاحتَجَّ بِهِ البَيْهَقِيُّ فِي تَصَانِيْفِهِ. " سير أعلام النبلاء " (٢٥ / ٥٥) . وثمة رواية أخرى نحوها قال عنها الحافظ ابن كثير في " التفسير " (٢ / ٤٢٧) : غريب، مرسل. ب. وأما القول بأن سودة وهبت ليلتها لعائشة ﵄ لما همّ النبي ﷺ بطلاق سودة: فلم نره في حديث، بل كان فهماً من بعض المفسرين، والعلماء، ومن ذلك: قال الماوردي – ﵀ – في بيان سبب نزول قوله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً) -: أحدهما: أنها نزلت في رسول الله ﷺ حين همَّ بطلاق سودة بنت زمعة، فجعلت يومها لعائشة على ألا يطلقها، فنزلت هذه الآية فيها، وهذا قول السدِّي. " تفسير الماوردى " (١ / ٥٣٣) . ج. وأما ما ورد أنها ﵂ خشيت من تطليق النبي ﷺ لها فقد ثبت في أحاديث صحيحة: عَنْ عروة بن الزبير قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَقَدْ قَالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ حِينَ أَسَنَّتْ، وَفَرِقَتْ أَنْ يُفَارِقَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ يَوْمِي لِعَائِشَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا، قَالَتْ: نَقُولُ: فِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي أَشْبَاهِهَا - أُرَاهُ قَالَ -: (وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً) . رواه أبو داود (٢١٣٥) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". وعَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَشِيَتْ سَوْدَةُ أَنْ يُطَلِّقَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَتْ: " لَا تُطَلِّقْنِي، وَأَمْسِكْنِي، وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَةَ، فَفَعَلَ، فَنَزَلَتْ: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) . رواه الترمذي (٣٠٤٠) وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". د. وأما ما ورد أن سودة وهبت ليلتها لعائشة ﵂ ساعية لرضا رسول الله ﷺ فقد ثبت ـ أيضا ـ عن عائشة ﵂، قالت: " غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ تَبْتَغِى بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " رواه البخاري (٢٤٥٣) . هذه الآثار واضحة من كلام عائشة ﵂ أن " سودة " إنما خافت أن يطلقها النبي ﷺ بسبب كبر سنِّها، وليس أنه باشر طلاقها فعلاً، وما ورد أنه فعل ذلك: مرسل ضعيف لا يصح، ولم يرد أنه همَّ بطلاقها لأجل كبر سنِّها. وأمر آخر: أن النبي صلى الله عليه لم يتزوجها أصلاً من أجل صغر سنِّها، ولا من أجل الشهوة، فقد كانت كبيرةً في السنِّ حين تزوجها، وكل نسائه لمَّا تزوجهن كنَّ ثيبات، وذوات أولاد، إلا عائشة ﵂، فلم يكن نبينا ﷺ صاحب شهوة يبحث عن أبكار وصغيرات ليتزوجهن، ثم إن كبرن طلَّقهن، وكل من علم شيئا من سيرته وحاله: قطع بذلك، ونزهه عن إفك الأفاكين. عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: (إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا فَظُنُّوا بِهِ الَّذِي هُوَ أَهْنَاهُ وَأَهْدَاهُ وَأَتْقَاهُ) . رواه ابن ماجة في مقدمة سننه (٢٠) ، وقال البوصيري: "هذا إسناد صحيح، ورجاله محتج بهم في الصحيحين". انتهى. "مصباح الزجاجة" (١/٤٧) . وروي ذلك ـ أيضا ـ عن عبد الله بن مسعود، ﵁. قال السندي ﵀: " أَيْ الَّذِي هُوَ أَوْفَق بِهِ مِنْ غَيْره، وَأَهْدَى وَأَلْيَق بِكَمَالِ هُدَاهُ، وَأَتْقَاهُ: أَيْ وَأَنْسَب بِكَمَالِ تَقْوَاهُ " انتهى. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15099

الذين آمنوا بالنبي ﷺ في حياته ولم يروه يسمون "المخضرمون " [السُّؤَالُ] ـ[ماذا يُسَمَّى الناس الذين كانوا أحياء في زمان النبي ﷺ ، وأسلموا لكنهم لم يروا النبي ﷺ ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله من لم يتشرف بلقيا النبي ﷺ مباشرة فليس من الصحابة، ولذلك فقد عد المحدثون جميع من أسلم في حياة النبي ﷺ دون أن يروه من التابعين، وأطلقوا عليهم اسم " المخضرمون من التابعين ". لأنهم أدركوا الجاهلية والإسلام. قال أبو عبد الله الحاكم ﵀: " فأما المخضرمون من التابعين ـ هم الذين أدركوا الجاهلية وحياة رسول الله ﷺ وليست لهم صحبة ـ فهم: أبو رجاء العطاردي، وأبو وائل الأسدي، وسويد بن غَفَلَة، وعثمان النهدي، وغيرهم من التابعين " انتهى. " معرفة علوم الحديث " (ص/٤٤) . وقال الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح ﵀: " المخضرمون من التابعين: هم الذين أدركوا الجاهلية وحياة رسول الله ﷺ وأسلموا ولا صحبة لهم. واحدهم مخضرَم - بفتح الراء - كأنه خُضْرِم: أي قُطع عن نظرائه الذين أدركوا الصحبة وغيرها. وذكرهم (مسلم) فبلغ بهم عشرين نفسا منهم: أبو عمرو الشيباني، وسويد بن غفلة الكندي، وعمرو بن ميمون الأودي، وعبد خير بن يزيد الخَيْوَانِي، وأبو عثمان النهدي، وعبد الرحمن بن مل، وأبو الحَلَال العَتَكي ربيعة بن زرارة " انتهى. " المقدمة " (١٧٩) والمخضرم مأخوذ من الشيء المتردد بين أمرين. قال الحافظ العراقي ﵀: " المخضرم متردد بين الصحابة لإدراكه زمن الجاهلية والإسلام، وبين التابعين لعدم رؤية النبي ﷺ ، فهو متردد بين أمرين " انتهى باختصار. " التقييد والإيضاح " (ص/٣٢٣) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15100

الحكمة من تزوج النبي ﷺ بأكثر من أربع نساء [السُّؤَالُ] ـ[لماذا تزوج الرسول ﷺ مجموعة من النساء؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "لله الحكمة البالغة، ومن حكمته: أنه سبحانه أباح للرجال في الشرائع السابقة وفي شريعة نبينا محمد ﷺ أن يجمع في عصمته أكثر من زوجة، فلم يكن تعدد الزوجات خاصا بنبينا محمد ﷺ ، فقد كان ليعقوب ﵊ زوجتان، وجمع سليمان بن داود ﵊ بين مائة امرأة إلا واحدة، وطاف عليهن في ليلة واحدة؛ رجاء أن يرزقه الله من كل واحدة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله. وليس هذا بدعا في التشريع، ولا مخالفا للعقل، ولا لمقتضى الفطرة، بل هو مقتضى الحكمة، فإن النساء أكثر من الرجال حسب ما دل عليه الإحصاء المستمر، وإن الرجل قد يكون لديه من القوة ما يدعوه إلى أن يتزوج أكثر من واحدة لقضاء وطره في الحلال بدلا من قضائه في الحرام، أو كبت نفسه، وقد يعتري المرأة من الأمراض أو الموانع؛ كالحيض والنفاس، ما يحول بين الرجل وبين قضاء وطره معها، فيحتاج إلى أن يكون لديه زوجة أخرى يقضي معها وطره بدلا من الكبت، أو ارتكاب الفاحشة، وإذا كان تعدد الزوجات مباحا ومستساغا عقلا وفطرة وشرعا، وقد وجد العمل به في الأنبياء السابقين، وقد توجبه الضرورة، أو تستدعيه الحاجة أحيانا، فلا عجب أن يقع ذلك من نبينا محمد ﷺ . وهناك حكم أخرى لجمعه بين زوجات، ذكرها العلماء، منها: توثيق العلاقات بينه وبين بعض القبائل، وتقوية الروابط عسى أن يعود ذلك على الإسلام بالقوة، ويساعد على نشره؛ لما في المصاهرة من زيادة الألفة، وتأكيد أواصر المحبة والإخاء. ومنها: إيواء بعض الأرامل وتعويضهن خيرا مما فقدن، فإن في ذلك تطييبا للخواطر، وجبرا للمصائب، وشرع سنة للأمة في نهج سبيل الإحسان إلى من أصيب أزواجهن في الجهاد ونحوه. ومنها: رجاء زيادة النسل؛ مسايرة للفطرة، وتكثيرا لسواد الأمة، ودعما لها بمن يؤمل أن ينهض بها في نصر الدين ونشره. ومنها: تكثير المعلمات والموجهات للأمة مما تعلمنه من رسول الله ﷺ ، وعلمنه من سيرته الداخلية. وليس الداعي إلى جمعه ﷺ مجرد الشهوة؛ لما ثبت من أن النبي ﷺ لم يتزوج بكرا ولا صغيرة إلا عائشة ﵂ وبقية نسائه ثيبات، ولو كانت شهوته تحكمه، والغريزة الجنسية هي التي تدفعه إلى كثرة الزواج وتصرفه- لتخير الأبكار الصغيرات، لإشباع غريزته، وخاصة بعد أن هاجر وفتحت الفتوح، وقامت دولة الإسلام، وقويت شوكة المسلمين، وكثر سوادهم، ومع رغبة كل أسرة في أن يصاهرها، وحبها أن يتزوج منها، ولكنه لم يفعل، إنما كان يتزوج لمناسبات كريمة، ودواع سامية، يعرفها من تتبع ظروف زواجه بكل واحدة من نسائه. وأيضا: لو كان شهوانيا لعرف ذلك في سيرته أيام شبابه وقوته يوم لم يكن عنده إلا زوجته الكريمة خديجة بنت خويلد وهي تكبره سنا، ولعرف عنه الانحراف والجور في قسمه بين نسائه وهن متفاوتات في السن والجمال، ولكنه لم يعرف عنه إلا كمال العفة والأمانة في عرضه وصيانته لنفسه، وحفظه لفرجه في شبابه وكبر سنه، مما يدل على كمال نزاهته، وسمو خلقه، واستقامته في جميع شؤونه، حتى عرف بذلك، واشتهر بين أعدائه. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود، الشيخ عبد الله بن غديان. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٩/١٧١-١٧٣) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15101

من الذي نقض صلح الحديبية ؟! [السُّؤَالُ] ـ[ي عن صلح الحديبية، من الذي نقض العهد في هذا الصلح؟ لأنه دار بيني وبين أحد النصارى نقاش حول ذلك، فقال إن الذي نقض العهد هم المسلمون، حيث يقول إن المسلمين كانوا على تعاهد مع القبائل الوثنية آنذاك، وأن قريشا أتت لحرب بعض هؤلاء القبائل فقام المسلمون بمساعدة هؤلاء القبائل، فخرقوا بذلك المعاهدة التي كانت بينهم وبين قريش، فهل هذا صحيح؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ملخص ما حدث: أن النبي ﷺ خرج في شهر ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة ومعه ألف وأربعمائة، متوجهًا إلى مكة يريد العمرة، فلما كان بذي الحُلَيفة ـ ميقات أهل المدينة ـ قَلَّد الهَدْي وأشْعره، وأحرم بالعمرة، وبعث عينًا له من خُزاعة يخبره عن قريش، فلما كان بعُسْفان أتاه عينه وأخبره أن قريشًا قد جمعوا له جموعًا، وأنهم مقاتلوه وصادوه عن البيت. وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت راحلته، فقال الناس: خلأت القصواء، خلأت القصواء [أي: حرنت وأبت السير] ، فقال النبي ﷺ : (ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل) ثم قال: (والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا عطيتهم إياها) ثم زجرها فوثبت به، فعدل بها حتى نزل بأقصى الحديبية على حوض قليل الماء، فلم يلبث الناس أن نزحوه، فشكوا إلى رسول الله ﷺ العطش، فتمضمض في ماء ومج فيه، وألقى فيه سهمًا من كنانته، فلم يزل يجيش لهم بالرِّي حتى صدروا عنه. وفزعت قريش لنزوله عليهم، فأحب رسول الله ﷺ أن يبعث إليهم رجلاً من أصحابه، فدعا عثمان بن عفان، فأرسله إلى قريش، وقال: (أخبرهم أنا لم نأتِ لقتال، وإنما جئنا عمّارًا، وادعهم إلى الإسلام) ، وأمره أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله مظهر دينه بمكة حتى لا يستخفى فيها بالإيمان، فانطلق عثمان، فمر على قريش، فبلّغ الرسالة، وقد أجاره أحد بني عمه، وحمله على فرس حتى دخل مكة. ثم إنه بلغ رسول الله ﷺ أن عثمان قد قتل، فدعا إلى البيعة على أن لا يفروا، وأخذ رسول الله ﷺ بيد نفسه وقال: (هذه عن عثمان) ، ولما تمت البيعة رجع عثمان إلى المسلمين. وسارت الرسل بين رسول الله ﷺ والمشركين لأجل الصلح، حتى جاء سهيل بن عمرو، فقال رسول الله ﷺ : قد سهل لكم من أمركم. ثم عرض سهيل الشروط التي تريدها قريش، وهي:: . - وضع الحرب بين المسلمين وقريش عشر سنوات . - من جاء المسلمين من قريش يردّونه، ومن جاء قريشًا من المسلمين لا يلزمون بردّه - أن يرجع النبي ﷺ من غير عمرة هذا العام، ثم يأتي العام المقبل فيدخلها بأصحابه بعد أن تخرج منها قريش، فيقيم بها ثلاثة أيام ليس مع أصحابه من السلاح إلا السيف في القراب والقوس. - من أراد أن يدخل في عهد محمد من غير قريش دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه. ودخلت قبيلة خُزاعة في عهد رسول الله ﷺ ، ودخل بنو بكر في عهد قريش. وقد كانت الحروب والعداوات بين خزاعة – التي دخلت في عهد رسول الله ﷺ ، وبين بني بكر – التي دخلت في عهد قريش - منذ غابر الأزمان , فأضحت كل واحدة في أمن من الأخرى , ولكن حصل غدر من بني بكر , فخرج نوفل بن معاوية في جماعة معه في شهر شعبان للسنة الثامنة من الهجرة فأغاروا على خزاعة ليلاً , وهم على ماء يقال له الوتير , فأصابوا منهم رجالاً , وتناوشوا واقتتلوا , وأعانت قريش بني بكر بالسلاح , بل وقاتل رجال منهم مع بني بكر مستترين بظلمة الليل , حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، فقالت بنو بكر: يا نوفل إنا قد دخلنا الحرم، إلهك! إلهك! فقال: لا إله اليوم، يا بني بكر أصيبوا ثأركم , فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم , أفلا تصيبو ثأركم فيه؟! وانطلق عمرو بن سالم الخزاعي إلى رسول الله في المدينة مستغيثًا ومستنجدًا فقال له ﵇: (نصرت يا عمرو بن سالم) . وسرعان ما أحست قريش بخطئها وغدرها , فخافت من عواقبه الوخيمة , فبعثت قائدها أبا سفيان ليجدد الصلح , لكنه لم يفلح , فعاد أدراجه إلى مكة. ثم تجهز النبي ﷺ وأمر الصحابة بالجهاز , وأعلمهم أنه سائر إلى مكة , ثم تم بعد ذلك الفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجا. والشاهد من هذا كله: أن قريشا لما أعانت بني بكر بالسلاح، وقاتلت معهم خزاعة التي كانت في عهد رسول الله ﷺ ، كان ذلك نقضا للصلح الذي أبرمته مع رسول الله ﷺ بالحديبية. وقد علمت قريش ذلك، ومن ثَمّ جاء أبو سفيان ليجدد الصلح مع رسول الله ﷺ ، وكان من واجب رسول الله ﷺ أن ينصر المتحالفين معه من خزاعة، كما أن قريشا نصرت، بل وحاربت مع حلفائها من بني بكر. فهم الغادرون الناقضون العهد، وأما رسول الله ﷺ فأبعد خلق الله عن تلك النقيصة، وهذه سيرته، وهذه سنته حاضرة بين أيدينا لمن أراد أن يعرف ذلك عنه. راجع: - تفسير الطبري (٢٢/٢٣٩-٢٥٠) - تفسير ابن كثير (٧/٣٤٤-٣٦٠) - صحيح البخاري (٢٧٣٤) - سنن أبي داود (٢٧٦٥) - مسند الإمام أحمد (١٨٤٤٩) - فتح الباري (٥/٣٣٤-٣٥٠) - البداية والنهاية (٤/٣١٧-٣٢٥) - سيرة ابن هشام (٢/٣٨٩-٣٩٧) - عيون الأثر (٢/١٨١-١٩٠) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15102

تحقيق في عمر أم المؤمنين عائشة ﵂ عندما تزوجها النبي ﷺ [السُّؤَالُ] ـ[بينما أتصفح بعض المنتديات قرأت موضوعا عجيباً وغريباً أريد من له علم في السيرة أن يوضح لي هذا الأمر، وبارك الله فيكم. وخلاصة هذا الموضوع أن بعض الصحفيين انتهى في بحث له إلى الطعن فيما ورد في صحيح البخاري من أن سن عائشة، حين عقد عليها النبي ﷺ كان ست سنين، وأنه بنى بها وهي بنت تسع سنين. ولم يقنع الباحث بأن يفند ذلك بمنطق الأرقام ومراجعة التواريخ، ولكنه أيضًا نقد سند الروايات التي روي بها أشهر الأحاديث الذي جاء في البخاري ومسلم، وأثبت في الحالتين ذكاءً، وأصاب نجاحًا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: تحديد سن عائشة ﵂ حين عقد النبي ﷺ عليها بـ (ست سنين) ، وحين بنى بها بـ (تسع سنين) لم يكن اجتهاداً للعلماء حتى ينظر في صوابه من خطئه، وإنما هو نقل تاريخي ثبت بما يؤكد صحته وضرورة التسليم به، وذلك من أوجه: ١- ورد من قول صاحبة الشأن نفسها عائشة ﵂، وليس من كلام أحد عنها، ولا من وصف مؤرخ أو محدث، بل في سياق حديثها عن نفسها ﵂ حيث قالت: (تَزَوَّجَنِى النَّبِي ﷺ وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَنَزَلْنَا فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ خَزْرَجٍ، فَوُعِكْتُ فَتَمَرَّقَ شَعَرِي فَوَفَى جُمَيْمَةً، فَأَتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رُومَانَ وَإِنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي، فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا لَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي، فَأَخَذَتْ بِيَدِي حَتَّى أَوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ، وَإِنِّي لأَنْهَجُ، حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي، ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي وَرَأْسِي، ثُمَّ أَدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي الْبَيْتِ، فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ. فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ فَأَصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَاّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضُحًى، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ) رواه البخاري (٣٨٩٤) ومسلم (١٤٢٢) . ٢- هذه الرواية عن عائشة ﵂ وردت في أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، وهما صحيحا البخاري ومسلم. ٣- وقد جاءت عن عائشة ﵂ من طرق عدة، وليس من طريق واحدة فقط كما يدعي بعض الجاهلين: - فالطريق المشهورة هي من رواية هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، وهي من أصح الروايات، فعروة بن الزبير من أعرف الناس بعائشة، لأنها خالته ﵀. - وطريق أخرى من رواية الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة عند مسلم (١٤٢٢) . - وطريق أخرى من رواية الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: (تزوجها رسول الله ﷺ وهي بنت ست، وبنى بها وهي بنت تسع، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة) رواه مسلم (١٤٢٢) . - وطريق أخرى عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة ﵂. رواه أبو داود (٤٩٣٧) . وقد جمع فضيلة الشيخ أبو إسحاق الحويني أسماء المتابعين لعروة بن الزبير، وهم: الأسود بن يزيد، والقاسم بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعمرة بنت عبد الرحمن، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. كما جمع أسماء المتابعين لهشام بن عروة في رواية هذا الحديث، وهم: ابن شهاب الزهري، وأبو حمزة ميمون مولى عروة. ثم سمى الرواة عن هشام بن عروة من أهل المدينة، ليعلم القارئ أن هذا الحديث مما حدث به هشام في المدينة أيضا، وهم: أبو الزناد عبد الله بن ذكوان، وابنه عبد الرحمن بن أبي الزناد، وعبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة. ومن أهل مكة سفيان بن عيينة. وجرير بن عبد الحميد الضبي من أهل الري. ومن أهل البصرة: حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ووهيب بن خالد وغيرهم. انظر ذلك في محاضرة ألقاها الشيخ أبو إسحاق الحويني حفظه الله في تبيين جهالة كاتب المقال الوارد في السؤال، والجواب عليه، وهذا رابطها: http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=٨٦١٠٦ والرابط الآتي أيضا: http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=٨٦٤٩٥ وهذا التعداد كله من أجل دفع شبهة بعض الجاهلين أن هشام بن عروة تفرد بروايته، وعلى فرض التسليم بأن هشاما اختلط في آخر عمره، ولكن الصواب أن هذه التهمة لم يقل بها إلا أبو الحسن بن القطان في " بيان الوهم والإيهام "، وقد أخطأ فيها: يقول الذهبي ﵀: " هشام بن عروة، أحد الأعلام، حجة إمام، لكن في الكبر تناقص حفظه، ولم يختلط أبداً، ولا عبرة بما قاله أبو الحسن بن القطان من أنه وسهيل بن أبى صالح اختلطا، وتغيرا، نعم الرجل تغير قليلا ولم يبق حفظه كهو في حال الشبيبة، فنسى بعض محفوظه أو وهم، فكان ماذا! أهو معصوم من النسيان! ولما قدم العراق في آخر عمره حدث بجملة كثيرة من العلم، في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجودها، ومثل هذا يقع لمالك ولشعبة ولوكيع ولكبار الثقات، فدع عنك الخبط، وذر خلط الأئمة الأثبات بالضعفاء والمخلطين، فهشام شيخ الإسلام، ولكن أحسن الله عزاءنا فيك يا ابن القطان، وكذا قول عبد الرحمن بن خراش: كان مالك لا يرضاه، نقم عليه حديثه لأهل العراق " انتهى. " ميزان الاعتدال " (٤/٣٠١-٣٠٢) . ٤- كما روى قصة زواج النبي ﷺ من عائشة وهي بنت تسع سنين غيرُ عائشة ﵂، ممن أدركوها وكانوا أعرف بها من غيرهم: فقد روى الإمام أحمد في " المسند " (٦/٢١١) عن محمد بن بشر، قال حدثنا محمد بن عمرو، قال ثنا أبو سلمة ويحيى قالا: (لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون، قالت: يا رسول الله! ألا تزوج. قال: مَن؟ قالت: إن شئت بكراً، وإن شئت ثيباً. قال: فمَن البكر؟ قالت: ابنة أحب خلق الله إليك: عائشة بنت أبي بكر....) وذكر تفاصيل القصة، وفيها أنها كانت بنت ست سنين عند العقد، ثم بنت تسع عند البناء. ٥- وهذا الذي تحكيه عائشة عن نفسها، ويحكيه الرواة عنها، هو ما أطبقت عليه المصادر التاريخية التي ترجمت لعائشة ﵂، ليس بينها اختلاف في ذلك، ولم يكن الأمر فيها محل اجتهاد، فليس بعد كلام المرء عن نفسه اجتهاد لأحد. ٦- وقد اتفقت المصادر التاريخية أيضا أن عائشة ﵂ ولدت في الإسلام، بعد المبعث بأربع سنين أو خمس سنين. يقول الإمام البيهقي ﵀ – في تعليقه على حديث: (لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين) -: " وعائشة ﵂ وُلدت على الإسلام؛ لأن أباها أسلم في ابتداء المبعث، وثابت عن الأسود عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ تزوجها وهي ابنة ست، وبنى بها وهي ابنة تسع، ومات عنها وهي ابنة ثمان عشرة، لكن أسماء بنت أبي بكر ولدت في الجاهلية ثم أسلمت بإسلام أبيها ... وفيما ذكر أبو عبد الله بن منده حكاية عن ابن أبي الزناد أن أسماء بنت أبي بكر كانت أكبر من عائشة بعشر سنين، وإسلام أم أسماء تأخر، قالت أسماء ﵂: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة. في حديث ذكرته، وهي قتيلة، مِن بني مالك بن حسل، وليست بأم عائشة، فإن إسلام أسماء بإسلام أبيها دون أمها، وأما عبد الرحمن بن أبي بكر فكأنه كان بالغا حين أسلم أبواه، فلم يتبعهما في الإسلام حتى أسلم بعد مدة طويلة، وكان أسن أولاد أبي بكر " انتهى باختصار. " السنن الكبرى " (٦/٢٠٣) . ويقول الذهبي ﵀: " عائشة ممن ولد في الإسلام، وهي أصغر من فاطمة بثماني سنين، وكانت تقول: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين " انتهى. " سير أعلام النبلاء " (٢/١٣٩) . ويقول الحافظ ابن حجر ﵀: " ولدت – يعني عائشة – بعد المبعث بأربع سنين أو خمس " انتهى. " الإصابة " (٨/١٦) . وعليه يكون عمرها عام الهجرة ثماني سنين أو تسع سنين، وهذا ما يتفق مع حديثها السابق عن نفسها. ٧- وقد اتفقت المصادر التاريخية أيضا أن النبي ﷺ توفي وعائشة عمرها (١٨) سنة، فتكون في أول الهجرة لها (٩) سنوات. ٨- كما تروي كتب السيرة والتاريخ والتراجم أن عائشة ﵂ ماتت وعمرها (٦٣) سنة، وذلك عام (٥٧هـ) ، فيكون عمرها قبل الهجرة (٦) سنوات، فإذا جبرت الكسور – كما هي عادة العرب في حساب السنين - أنهم يجبرون كسور السنة الأولى والأخيرة، فيكون عمرها عام الهجرة (٨) سنوات، ويكون عمرها عند زواج النبي ﷺ منها بعد الهجرة بثمانية أشهر (٩) سنوات. ٩- وما سبق يتوافق أيضا مع ما ينقله العلماء عن الفرق بين عمر أسماء بنت أبي بكر، وعائشة ﵂، فقد قال الذهبي ﵀: " وكانت – يعني أسماء - أسن من عائشة ببضع عشرة سنة " انتهى. " سير أعلام النبلاء " (٢/١٨٨) . وعائشة ولدت بعد المبعث بأربع أو خمس سنين، وقد قال أبو نعيم في " معجم الصحابة " عن أسماء أنها ولدت: " قبل مبعث النبي ﷺ بعشر سنين " انتهى. فيكون الفرق بين عمر عائشة وأسماء أربع عشرة أو خمس عشرة سنة. وهو قول الذهبي السابق: " كانت – يعني أسماء – أسن من عائشة ببضع عشرة سنة ". ١٠- ونحن وإن كنا ننقل هذه الأرقام المثبتة في كتب السيرة والتاريخ والتراجم، غير أن اعتمادنا في الأساس على ما ينقل بالسند الصحيح، وليس ما نجده في الكتب منقولاً من غير سند، ولكن هذه النقول كلها جاءت متوافقة مع ما ذكرناه في بداية الجواب من أحاديث بأسانيد صحيحة كالشمس، ولذلك أوردنا ما يؤيدها من كتب التاريخ. ثانياً: أما الجواب عن استدلال كاتب المقال المتعدي بما ورد في بعض المراجع أن الفرق بين سن أسماء وعائشة عشر سنين فنقول: إن ذلك لم يثبت من حيث السند، ولو ثبت سنده فيمكن فهمه بما يتوافق مع الأدلة القطعية السابقة. أما من حيث السند، فقد ورد ذلك عن عبد الرحمن بن أبي الزناد أنه قال: (كانت أسماء بنت أبي بكر أكبر من عائشة بعشر سنين) . وردت هذه الرواية من طريقين عن الأصمعي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد: الطريق الأول: رواه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (٦٩/١٠) قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد المالكي، أنا أحمد بن عبد الواحد السلمي، أنا جدي أبو بكر، أنا أبو محمد بن زبر، نا أحمد بن سعد بن إبراهيم الزهري، نا محمد بن أبي صفوان، نا الأصمعي، عن ابن أبي الزناد قال: فذكره. والطريق الثاني: رواه ابن عبد البر في " الاستيعاب في معرفة الأصحاب " (٢/٦١٦) قال: أخبرنا أحمد بن قاسم، حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا إبراهيم بن موسى بن جميل، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا نصر بن علي، حدثنا الأصمعي قال: حدثنا ابن أبي الزناد، قال: قالت أسماء بنت أبي بكر، وكانت أكبر من عائشة بعشر سنين أو نحوها. وإذا تأمل الباحث المنصف في هذا الأثر ظهر له أن الأخذ بظاهره وهدم جميع ما ثبت من أدلة بخلافه جناية على العلم والتحقيق، وذلك لما يلي: ١- انفراد عبد الرحمن بن أبي الزناد (١٠٠هـ - ١٧٤هـ) بتحديد الفرق بين عمري أسماء وعائشة ﵄ بعشر سنين، وأما الأدلة السابقة فهي أدلة كثيرة جاءت عن غير واحد من التابعين، ومعلوم أن الكثرة تقدم على القلة. ٢- تضعيف أكثر أهل العلم لعبد الرحمن بن أبي الزناد نفسه: فقد جاء في ترجمته في " تهذيب التهذيب " (٦/١٧٢) قول الإمام أحمد فيه: مضطرب الحديث. وقول ابن معين: ليس ممن يحتج به أصحاب الحديث. وقول علي بن المديني: ما حدث بالمدينة فهو صحيح، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون، ورأيت عبد الرحمن - يعنى ابن مهدى - خطط على أحاديث عبد الرحمن بن أبى الزناد، وكان يقول فى حديثه عن مشيختهم، ولقنه البغداديون عن فقهائهم، عدهم، فلان وفلان وفلان. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي: لا يحتج بحديثه. وقال أبو أحمد بن عدى: وبعض ما يرويه، لا يتابع عليه. أما توثيق الترمذي له في سننه تحت حديث رقم: (١٧٥٥) فهو معارض بالجرح المفسر السابق، وهو مقدم على التعديل، خاصة حين ينفرد عبد الرحمن بن أبي الزناد بكلمة يخالف فيها المعروف في كتب السنة والتاريخ. ٣- قوله في رواية ابن عبد البر: (وكانت أكبر من عائشة بعشر سنين أو نحوها) ، وهذه الرواية أصح من رواية ابن عساكر، لأن نصر بن علي الراوي عن الأصمعي في سند ابن عبد البر ثقة حافظ كما في " تهذيب التهذيب " (١٠/٤٣١) ، أما محمد بن أبي صفوان الراوي عن الأصمعي في سند ابن عساكر لم يوثقه أحد. فقوله في رواية ابن عبد البر (أو نحوها) دليل على أنه لم يضبط التحديد بعشر سنوات، وهذا يضعف روايته، ولا يجيز للباحث المنصف رد الأدلة السابقة لأجل هذا الشك. ٤- ثم إن من الممكن التوفيق بين هذه الرواية وباقي الروايات بأن يقال: إن مولد أسماء كان قبل البعثة بست سنوات أو خمس سنوات، وعائشة بعد البعثة بأربع سنوات أو خمس سنوات، ولما توفيت أسماء عام (٧٣هـ) كان عمرها إحدى وتسعين سنة أو اثنتين وتسعين سنة، وهو ما ذكره الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (٣/٣٨٠) : " قال ابن أبي الزناد: كانت أكبر من عائشة بعشر سنين. قلت – أي الذهبي -: فعلى هذا يكون عمرها إحدى وتسعين سنة، وأما هشام بن عروة فقال: عاشت مائة سنة ولم يسقط لها سن" انتهى. ٥- كما يحتمل أن يقال إن أسماء ولدت قبل البعثة بنحو أربع عشرة سنة – وذلك ما يقرره الكاتب نفسه في مقاله السابق - وكان عمرها عام الهجرة سبعة وعشرين عاما، وعمرها عند وفاتها عام (٧٣هـ) مائة سنة، ليتفق ذلك مع ما اتفقت عليه المصادر التاريخية بالنسبة لأسماء بنت أبي بكر ﵂، أن وفاتها في العام الذي قتل فيه ابنها عبد الله بن الزبير (٧٣هـ) ، وأنها توفيت وعمرها مائة عام: قال هشام بن عروة عن أبيه: بلغت أسماء مائة سنة لم يسقط لها سن ولم ينكر لها عقل. وهذه أسماء المراجع التي ذكرت ذلك: " حلية الأولياء " (٢/٥٦) ، و" معجم الصحابة " لأبي نعيم الأصبهاني، " الاستيعاب " لابن عبد البر (٤/١٧٨٣) ، " تاريخ دمشق " لابن عساكر (٦٩/٨) ، " أسد الغابة " لابن الأثير (٧/١٢) ، " الإصابة " لابن حجر (٧/٤٨٧) ، " تهذيب الكمال " (٣٥/١٢٥) أما كونها ولدت قبل البعثة بعشر سنين فهذا إنما قاله أبو نعيم الأصبهاني، بعبارة يقول فيها: " كانت – يعني أسماء - أخت عائشة لأبيها، وكانت أسن من عائشة، ولدت قبل التأريخ بسبع وعشرين سنة، وقبل مبعث النبي ﷺ بعشر سنين، وولدت ولأبيها الصديق يوم ولدت أحد وعشرون سنة، توفيت أسماء سنة ثلاث وسبعين بمكة بعد قتل ابنها عبد الله بن الزبير بأيام، ولها مائة سنة وقد ذهب بصرها " انتهى. فكأن أبا نعيم يقصد أن مدة الفترة المكية بلغت (١٧) عاما، وهذا قول بعض أهل السيرة، وهو قول ضعيف، ولكن ينبغي التنبه له عند محاولة فهم كلام أبي نعيم. وانظر في حكمة زواج النبي ﷺ من عائشة رغم فارق السن جواب رقم: (٤٤٩٩٠) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15103

الرد على فرية زواج النبي ﷺ بعائشة ولها ١٨ سنة [السُّؤَالُ] ـ[قرأت بإحدى الصحف مقالاً بعنوان "صحفي شاب يصحح للأئمة الأعلام خطأ ألف عام" ويتلخص ما ورد بالمقال في النقاط الآتية: ١. قضية أن الرسول ﷺ قد تزوج بأم المؤمنين عائشة في سن السادسة وبني بها في سن التاسعة بناءً علي ما جاء في البخاري هو خطأ والخطأ في تحديد عمر السيدة عائشة ﵂ آنذاك. ٢. أنه من خلال بحث المصادر التاريخية (بحسب قول كاتب المقال) تبين أن العمر الحقيقي للسيدة عائشة ﵂ حين بنى بها رسول الله ﷺ كان ١٨ سنة وليس ٩ سنين. ٣. وأن هذا الخطأ قد فات على جميع علماء الأمة ولم يكتشفه إلا هذا الصحفي. أرجو من فضيلتكم توضيح هذا الأمر لعامة المسلمين وتقديم الرد الشرعي في هذا الشأن.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: جاءت الأحاديث الصحيحة بأن النبي ﷺ عقد على عائشة ﵂ وهي بنت ست سنين، ودخل بها وهي تسع سنين، ومن ذلك: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَنَزَلْنَا فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ خَزْرَجٍ فَوُعِكْتُ [أي: أصابتها حمى] ... فَأَتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رُومَانَ وَإِنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي، فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا لَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي، فَأَخَذَتْ بِيَدِي حَتَّى أَوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ وَإِنِّي لَأُنْهِجُ حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي، ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي وَرَأْسِي، ثُمَّ أَدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي الْبَيْتِ فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ. فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ فَأَصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضُحًى فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ) رواه البخاري (٣٨٩٤) ومسلم (١٤٢٢) . وعنها ﵂ قَالَتْ: (كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ [أي: يتخفين] مِنْهُ فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي) رواه البخاري (٧١٣٠) ومسلم (٢٤٤٠) . وروى أبو داود (٤٩٣٢) عَنْها ﵂ قَالَتْ: (قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ فَقَالَ:مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ قَالَتْ: بَنَاتِي. وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟ قَالَتْ: فَرَسٌ قَالَ: وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ؟ قَالَتْ: جَنَاحَانِ. قَالَ: فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ؟! قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ) وصححه الألباني في "آداب الزفاف" (ص٢٠٣) . قال الحافظ: "قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَإِنَّمَا أَرْخَصَ لِعَائِشَة فِيهَا [أي: اللعب] لِأَنَّهَا إِذْ ذَاكَ كَانَتْ غَيْر بَالِغ. قُلْت: وَفِي الْجَزْم بِهِ نَظَرٌ لَكِنَّهُ مُحْتَمَل ; لِأَنَّ عَائِشَة كَانَتْ فِي غَزْوَة خَيْبَر بِنْت أَرْبَع عَشْرَة سَنَة إِمَّا أَكْمَلْتهَا أَوْ جَاوَزْتهَا أَوْ قَارَبْتهَا. وَأَمَّا فِي غَزْوَة تَبُوك فَكَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ قَطْعًا فَيَتَرَجَّح رِوَايَة مَنْ قَالَ فِي خَيْبَر" انتهى، وخيبر كانت سنة سبع. وروى مسلم (١٤٢٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ، وَزُفَّتْ إِلَيْهِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ، وَلُعَبُهَا مَعَهَا، وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانَ عَشْرَةَ) . قال النووي: "الْمُرَاد هَذِهِ اللُّعَب الْمُسَمَّاة بِالْبَنَاتِ [العرائس] الَّتِي تَلْعَب بِهَا الْجَوَارِي الصِّغَار , وَمَعْنَاهُ التَّنْبِيه عَلَى صِغَر سِنّهَا" انتهى. وفي هذه لرواية قالت: (وأنا بنت سبع سنين) وفي أكثر الروايات: (بنت ست) والجمع بينهما: أنها كان لها ست وكسر، فمرة اقتصرت على السنين، ومرة عَدَّت السنة التي دخلت فيها. أفاده النووي في شرح مسلم. وقد نقل ابن كثير ﵀ أن هذا أمر متفق عليه بين العلماء، ولم يُذكر عن أحد منهم خلافه، فقال ﵀: "قوله: (تزوجها وهي ابنة ست سنين، وبنى بها وهي ابنة تسع) مما لا خلاف فيه بين الناس - وقد ثبت في الصحاح وغيرها - وكان بناؤه بها ﵇ في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة" انتهى من "البداية والنهاية" (٣ / ١٦١) . ومن المعلوم أن الإجماع معصوم من الخطأ؛ فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، فقد روى الترمذي (٢١٦٧) عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ) وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (١٨٤٨) . ثانياً: كاتب المقال المذكور أوقعه جهله وتعصبه لقوله الباطل في كثير من الكذب والتدليس، يريد بذلك أن ينصر باطله. فمن ذلك مثلا: ما ذكره عن ابن كثير في البداية والنهاية أنه قال عن الذين سبقوا بإسلامهم: "ومن النساء: أسماء بنت أبي بكر وعائشة وهي صغيرة فكان إسلام هؤلاء في ثلاث سنين" ولم نقف على هذا الكلام في "البداية والنهاية"، وإنما قال ابن كثير (٣/٢٥) : "فكان أول من بادر إلى التصديق من الرجال الأحرار: أبو بكر الصديق. ومن الغلمان: علي بن أبي طالب. ومن النساء: خديجة بنت خويلد" انتهى. ولم يذكر أسماء ولا عائشة ﵄. وعائشة ﵂ إنما ولدت بعد النبوة بنحو أربع سنين. ومن ذلك أيضاً قوله: " وكما ذكرت جميع المصادر بلا اختلاف أنها - يعني أسماء - أكبر من عائشة بـ١٠ سنوات ". والأمر ليس كذلك، فقد ذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٣/٥٢٢) : "أن أسماء كانت أسن من عائشة ببضع عشر سنة" انتهى. والبضع في العدد ما بين ثلاثة والعشر. ثالثا: ليس في زواج النبي ﷺ بعائشة ﵂ وهي تسع سنوات شيء يستنكر، فمن المعلوم أن سن بلوغ المرأة يختلف حسب العرق وحسب المناخ، ففي المناطق الحارة تبلغ الجارية مبكرا، بينما في المناطق القطبية الباردة قد يتأخر البلوغ حتى سن ٢١ سنة. قال الترمذي: قالت عائشة: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة. "سنن الترمذي" (٢/٤٠٩) . وقال الإمام الشافعي: " رأيت باليمن بنات تسع يحضن كثيرا ". "سير أعلام النبلاء" (١٠ / ٩١) . وروى البيهقي (١٥٨٨) عَنِ الشَّافِعِىِّ قَالَ: " أَعْجَلُ مَنْ سَمِعْتُ بِهِ مِنَ النِّسَاءِ يَحِضْنَ نِسَاءٌ بِتِهَامَةَ يَحِضْنَ لِتِسْعِ سِنِينَ ". وقَالَ الشَّافِعِىُّ أيضا: " رَأَيْتُ بِصَنْعَاءَ جَدَّةً بِنْتَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، حَاضَتْ ابْنَةَ تِسْعٍ وَوَلَدَتْ ابْنَةَ عَشْرٍ، وَحَاضَتِ الْبِنْتُ ابْنَةَ تِسْعٍ وَوَلَدَتْ ابْنَةَ عَشْرٍ ". "السنن الكبرى للبيهقي" (١ / ٣١٩) . فعلى هذا؛ فقد دخل الرسول ﷺ بعائشة ﵂ وهي بالغة أو قد قاربت البلوغ. ولمزيد الفائدة راجع السؤال رقم (٤٤٩٩٠) والواجب على من يتكلم في علم من العلوم أن يكون كلامه بعلم وإنصاف، بعيداً عن الجهل والتعصب واتباع الهوى. وحسب امرئ من الشر أن يخترع قولا لم يقل به أحد من العلماء على مدار مئات السنين، وهذا دليل على خطأ هذا القول، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فكل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين ولم يسبقه إليه أحد منهم فإنه يكون خطأ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام" انتهى. "مجموع الفتاوى" (٢١/٢٩١) . نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15104

نشيد: " طلع البدر علينا " [السُّؤَالُ] ـ[ما صحة النشيد المنسوب إلى النبي ﷺ " طلع البدر علينا "، وهل يجوز ترديده؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: ورد إنشاد هذه الأبيات - ذات المعاني الصادقة – في كتب السيرة، وفي بعض كتب الأثر. أما المأثور من ذلك فهو ما يرويه عبيد الله بن محمد بن عائشة ﵀ (٢٢٨هـ) قال: "لما قدم النبي ﷺ المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن: طلع البدر علينا ** من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ** ما دعا لله داع " رواه أبو الحسن الخلعي في "الفوائد" (٢/٥٩) ، والبيهقي في "دلائل النبوة" (رقم/٧٥٢، ٢٠١٩) ، وعزاه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٧/٢٦١) لأبي سعيد في "شرف المصطفى": جميعهم من طريق العلامة الأخباري الثقة أبو خليفة الفضل بن الحباب (ت ٣٠٥هـ) ، انظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (١٤/٧) ، عن ابن عائشة به. وهذا إسناد ضعيف، فيه انقطاع كبير؛ فإن ابن عائشة متأخر الوفاة، وهو من شيوخ الإمام أحمد وأبي داود، فكيف يروي حدثا من أحداث السيرة النبوية من غير إسناد. ولهذا قال الحافظ العراقي ﵀: " معضل " انتهى. "تخريج الإحياء" (١/٥٧١) . وقال الحافظ ابن حجر ﵀: " وهو سند معضل " انتهى. "فتح الباري" (٧/٢٦٢) . وقال الشيخ الألباني ﵀: " وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات، لكنه معضل، سقط من إسناده ثلاثة رواة أو أكثر، فإن ابن عائشة هذا من شيوخ أحمد وقد أرسله ... فالقصة برمتها غير ثابتة " انتهى باختصار. "السلسلة الضعيفة" (٢/٦٣) . وقد أعل العلامة ابنُ القيم أصل القصة التي تروي أن ذلك كان عند مقدمه من مكة إلى المدينة، فقال: " هو وهم ظاهر؛ لأن " ثنيات الوادع " إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام " انتهى. "زاد المعاد" (٣/٥٥١) . ولهذا قال الحافظ ابن حجر ﵀: " ولعل ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك " انتهى. "فتح الباري" (٧/٢٦٢) . غير أن هذه العلة غير مسلمة، فقد اشتهر عند رواة هذه القصة أنها حصلت حين مقدم النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، كما قال الإمام البيهقي ﵀: " هذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة، لا أنه لما قدم المدينة من ثنية الوداع عند مقدمه من تبوك " انتهى. "دلائل النبوة". وقد ذكر كثير من المؤرخين أن ثنية الوداع من جهة مكة، وأنها قد تكون هناك ثنية أخرى من جهة الشام بالاسم نفسه. كما ذكر آخرون أن النبي ﷺ حين دخل المدينة مر بدور الانصار، حتى مر ببني ساعدة، ودارهم شامي المدينة قرب ثنية الوداع، فلم يدخل باطن المدينة إلا من تلك الناحية حتى أتى منزله بها. انظر: "معجم البلدان" ياقوت الحموي (٢/٨٦) ، "طرح التثريب" للعراقي (٧/٢٣٩-٢٤٠) ، "سبل الهدى والرشاد" للصالحي الشامي (٣/٢٧٧) ، و"الأثر المقتفى لقصة هجرة المصطفى" أبو تراب الظاهري (ص/١٥٥-١٦٢) . ثانيا: ضعف سند هذه الأبيات لا يعني عدم جواز ذكرها أو حكايتها أو إنشادها، فمعانيها صحيحة حسنة، وشهرتها بين المسلمين شهرة ذائعة واسعة، وليس فيها شيء منسوب إلى النبي ﷺ حتى يُتشدد في إسنادها، إنما هي من كلام الصحابة رضوان الله عليهم. وقد ذهب عامة أهل العلم إلى التساهل والتخفيف في مرويات السيرة، والقصص، وأقوال الصحابة والتابعين التي لا ينبني عليها عقيدة أو شريعة، جاء في "شرح علل الترمذي" (١/٣٧٢) للحافظ ابن رجب ﵀: " يقول سفيان الثوري ﵀: لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم الذين يعرفون الزيادة والنقصان، ولا بأس بما سوى ذلك من المشايخ. وقال ابن أبي حاتم ثنا أبي نا عبدة قال: قيل لابن المبارك - وروى عن رجل حديثاً - فقيل: هذا رجل ضعيف! فقال: يحتمل أن يروي عنه هذا القدر أو مثل هذه الأشياء. قلت لعبدة: مثل أي شئ كان؟ قال: في أدب في موعظة في زهد. وقال ابن معين في موسى بن عيينة: يُكتب من حديثه الرقاق. وقال ابن عيينة: لا تسمعوا من بقية – اسم واحد من الرواة - ما كان في سُنَّة، واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره. وقال أحمد في ابن إسحاق: يكتب عنه المغازي وشبهها. وقال ابن معين في زيادٍ البكائي: لا بأس في المغازي، وأما في غيرها فلا " انتهى. ولا شك أن هذه الأبيات مِن أَوْلى ما يستحق التسمح في حكايته وروايته. يقول الدكتور أكرم ضياء العمري: " أما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخبار التاريخية التي لا تمس العقيدة والشريعة ففيه تعسف كثير، والخطر الناجم عنه كبير؛ لأن الروايات التاريخية التي دونها أسلافنا المؤرخون لم تُعامل معاملة الأحاديث، بل تم التساهل فيها، وإذا رفضنا منهجهم فإن الحلقات الفارغة في تاريخنا ستمثل هوّة سحيقة بيننا وبين ماضينا مما يولد الحيرة والضياع والتمزق والانقطاع.. لكن ذلك لا يعني التخلي عن منهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات التاريخية، فهي وسيلتنا إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة، كما أنها خير معين في قبول أو رفض بعض المتون المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لتاريخ أمتنا، ولكن الإفادة منها ينبغي أن تتم بمرونة، آخذين بعين الاعتبار أن الأحاديث غير الروايات التاريخية، وأن الأولى نالت من العناية ما يمكنها من الصمود أمام قواعد النقد الصارمة " انتهى. "دراسات تاريخية" (ص/٢٧) . فالخلاصة أنه لا حرج في إنشاد هذه الأبيات، والاستئناس بها، وحفظها، وتعليمها الأولاد الصغار، وإن لم تثبت بالأسانيد الصحيحة، فإن مثل هذه الأحداث تكفي روايتها وشهرتها بين أهل العلم، ثم إن القصة لم تتضمن نسبة هذه الأبيات إلى معين من الصحابة، وإنما تنسبها للنساء والصبيان والولائد [يعني: الجواري الصغار] ؛ فهذا أسهل لشأنها. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15105

استشكل تزويج النبي ﷺ ابنتيه لابني أبي لهب وهو عدو الله ! [السُّؤَالُ] ـ[ما الحكمة في أن الرسول ﷺ زوَّج ابنتيه أبناء عدو الله أبي لهب؟ ألم يكن أبو لهب عدواً للإسلام والمسلمين؟ ألم يكن ابناه كافرين؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: بنات الرسول ﷺ هنَّ: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، ﵅، وهكذا هو ترتيبهنَّ. قال أبو عمر بن عبد البر – ﵀: " والذي تسكن إليه النفس على ما تواترت به الأخبار ترتيب بنات رسول الله ﷺ : أن زينب الأولى، ثم الثانية رقية، ثم الثالثة أم كلثوم، ثم الرابعة فاطمة الزهراء " انتهى. " الاستيعاب " (ص ٦١٢) . فأمَّا " رقية ": فقد كان رسول اللَّه ﷺ قد زوَّجها من " عتبة بن أبي لهب ". وأما " أم كلثوم " - وهي أصغر من رقية -: فقد زوَّجها النبي ﷺ من " عتيبة بن أبي لهب ". والذي جاء في " السير " أنهما طلقا بنتي النبي ﷺ قبل دخولهما عليهما، وذلك بأمرٍ من عدو الله أبي لهب، وكان ذلك بعد نزول سورة " المسد ". قال ابن عبد البر – ﵀: " وقال مصعب وغيره من أهل النسب: كانت رقية تحت عتبة بن أبي لهب، وكانت أختها أم كلثوم تحت عتبة بن أبي لهب، فلما نزلت: (تبت يدا أبي لهب) : قال لهما أبوهما أبو لهب وأمهما حمالة الحطب: فارقا ابنتي محمد، وقال أبو لهب: رأسي من رأسيكما حرام إن لم تفارقا ابنتي محمد، ففارقاهما " انتهى. " الاستيعاب في معرفة الأصحاب " (ص ٥٩٤) . ثم إن " عثمان بن عفان " تزوج " رقية " بمكة، وهاجرت معه إلى الحبشة، وولدت له هناك ولدًا فسماه: " عبد اللَّه "، وكان عثمان يُكنى به. ولما سار رسول اللَّه ﷺ إلى " بدر " في السنة الأولى للهجرة: كانت ابنته " رقية " مريضة بالحصبة، فتخلَّف عليها عثمان بأمر رسول اللَّه ﷺ ، ثم إنها ماتت بسببها في العام نفسه. ثم زوَّج النبي ﷺ عثمان ﵁ " أم كلثوم "، وكان نكاحه إياها في ربيع الأول من سنة ثلاث، وبنى بها في جمادى الآخرة من السنة، ولم تلد منه ولداً، وتوفيت سنة تسع، وصلَّى عليها رسول اللَّه ﷺ . ثانياً: أما استشكال تزوج ابني أبي لهب من بنات النبي ﷺ : فليس له وجه؛ وذلك أن تزوج المسلم بكافرة، وتزويج المسلم لكافر: لم يكن محرما أول الأمر، وإنما نزل تحريم ذلك متأخراً، ولما أنزل الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) الممتحنة/ ١٠، فارق المسلمون نساءهم الكافرات. وتأصل المنع من ابتداء نكاح الكافرات في قوله تعالى (وَلَا تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ) البقرة/ ٢٢١، ولم يُبح لهم من الكافرات، إلا نساء أهل الكتاب من اليهوديات والنصرانيات فقط، وقد وردت تلك الإباحة فيما بعد، في قوله تعالى (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) المائدة/ ٥. قال القرطبي – ﵀: " وكان الكفار يتزوجون المسلمات، والمسلمون يتزوجون المشركات، ثم نسخ ذلك في هذه الآية، فطلق عمرُ بن الخطاب حينئذ امرأتين له بمكة مشركتين: قريبة بنت أبي أمية، فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، وهما على شركهما بمكة. وأم كلثوم بنت عمرو الخزاعية - أم عبد الله بن المغيرة -؛ فتزوجها أبو جهم بن حذافة وهما على شركهما " انتهى. " تفسير القرطبي " (١٨ / ٦٥) . فالخلاصة: ١. كان زواج المسلم بالكافرة، والمسلمة بالكافر مباحاً في أول الأمر. ٢. كان تزويج النبي ﷺ لابني أبي لهب في أول الدعوة. ٣. لمَّا أعلن النبي ﷺ بالدعوة: اغتاظ أبو لهب فأساء للنبي ﷺ ، وأعلن العداوة له، فأنزل الله في حقه وحق زوجته سورة (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) ، فطلب أبو لهب وأم جميل من ابنيهما تطليق بنتي النبي ﷺ . ٤. كان الطلاق قبل الدخول؛ غيظاً لأبي لهب؛ وإكراماً للنبي ﷺ . ٥. كانت " زينب " ابنة النبي ﷺ مع أبي العاص، وفرَّق بينهما النبي ﷺ بسبب كفره، ثم لما أسلم: أرجع له النبي ﷺ زوجته. ٦. كان التزوج من كافرات، وتزويج الكفار أمراً عامّاً، فليس ثمة نص يمنع أحداً منه، فلم يكن مجال لاستشكال الأمر عند من يعلم هذا. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15106

لم يتزوج النبي ﷺ لمجرد التمتع بما أحل الله له [السُّؤَالُ] ـ[هل تزوج النبي ﷺ لغرضين: أحدهما: مصلحة الدعوة، والثاني: التمشي مع ما فطره الله عليه من التمتع بما أحل الله له؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "من المعلوم أن النبي ﷺ بَشَر، أكرمه الله تعالى بالنبوة والرسالة إلى الناس كافة، وأن اتصافه بما تقتضيه الطبيعة البشرية من الحاجة إلى الأكل، والشرب، والنوم، والبول، والغائط ومدافعة البرد، والحر، والعدو، ومن التمتع بالنكاح، وأطايب المأكول والمشروب وغيرها من مقتضيات الطبيعة البشرية لا يقدح في نبوته ورسالته، بل قد قال الله له: (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) الأنعام/٥٠، وقال هو عن نفسه ﷺ : (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون) . وانتفاء علم الغيب، وطرو النسيان على العلم قصور في مرتبة العلم من حيث هو علم، لكن لما كان من طبيعة البشر الذي خلقه الله ضعيفاً في جميع أموره، لم يكن ذلك قصوراً في مقام النبوة، ونقصاً في حق النبي ﷺ . ولا ريب أن شهوة النكاح من طبيعة الإنسان، فكمالها فيه من كمال طبيعته، وقوتها فيه تدل على سلامة البنية واستقامة الطبيعة، ولهذا ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك ﵁ أنه قال: (كنا نتحدث أنه ـ يعني: النبي ﷺ أعطي قوة ثلاثين) . يعني على النساء، وهذا والله أعلم، ليتمكن من إدراك ما أحل الله منهن بلا حصر ولا مهر، ولا ولي، فيقوم بحقوقهن، ويحصل بكثرتهن ما حصل من المصالح العظيمة الخاصة بهن والعامة للأمة جميعاً، ولولا هذه القوة التي أمده الله بها ما كان يدرك أن يتزوج بكل هذا العدد، أو يقوم بحقهن من الإحصان والعشرة. ولو فرض أن النبي ﷺ تزوج امرأة لمجرد قضاء الوطر من الشهوة والتمشي مع ما تقتضيه الفطرة بل الطبيعة لم يكن في ذلك قصور في مقام النبوة، ولا نقص في حقه ﷺ ، كيف وقد قال ﷺ : (تنكح المرأة لأربع: لمالها، وحسبها، وجمالها، ودينها، فاظفر بذات الدين) . بل قد قال الله له: (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ) الأحزاب/٥١. لكننا لا نعلم حتى الآن أن رسول الله ﷺ تزوج امرأة لمجرد قضاء الوطر من الشهوة، ولو كان كذلك لاختار الأبكار الباهرات جمالاً، الشابات سنّاً، كما قال لجابر ﵁ حين أخبره أنه تزوج ثيباً، قال: (فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك) ؟ . وفي رواية: (وتضاحكها وتضاحكك) . وفي رواية: (مالك وللعذارى ولعابها) ، رواه البخاري، وإنما كان زواجه ﷺ إما تأليفاً، أو تشريفاً، أو جبراً أو مكافأة، أو غير ذلك من المقاصد العظيمة. وقد أجملها في "فتح الباري" (٩/١١٥) حيث قال: "والذي تحصل من كلام أهل العلم في الحكمة في استكثاره من النساء عشرة أوجه: أحدها: أن يكثر من يشاهد أحواله الباطنة فينتفي عنه ما يظن به المشركون من أنه ساحر أو غير ذلك. ثانيها: لتتشرف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم. ثالثها: الزيادة في تألفهم لذلك. رابعها: الزيادة في التكليف، حيث كلف أن لا يشغله ما حبب إليه منهن عن المبالغة في التبليغ. خامسها: لتكثر عشيرته من جهة نسائه فتزداد أعوانه على من يحاربه. سادسها: نقل الأحكام الشرعية التي لا يطلع عليها الرجال، لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يختفي مثله. سابعها: الاطلاع على محاسن أخلاقه الباطنة. فقد تزوج أم حبيبة وأبوها يعاديه، وصفية بعد قتل أبيها وعمها وزوجها، فلو لم يكن أكملَ الخَلْق في خُلُقه لنفرن منه، بل الذي وقع أنه كان أحب إليهن من جميع أهلهن. ثامنها: ما تقدم مبسوطاً من خرق العادة له في كثرة الجماع مع التقلل من المأكول والمشروب، وكثرة الصيام والوصال. وقد أمر من لم يقدر على مؤن النكاح بالصوم، وأشار إلى أن كثرته تكسر شهوته، فانخرقت هذه العادة في حقه ﷺ . تاسعها وعاشرها: ما تقدم عن صاحب الشفاء من تحصينهن والقيام بحقوقهن" اهـ. قلت (ابن عثيمين) : الثامنة حاصلة لأن الله أعطاه قوة ثلاثين رجلاً كما سبق. وثَمَّ وجه حادي عشر: وهو إظهار كمال عدله في معاملتهن، لتتأسى به الأمة في ذلك. وثاني عشر: كثرة انتشار الشريعة، فإن انتشارها من عدد أكثر من انتشارها من واحدة. وثالث عشر: جبر قلب من فات شرفها، كما في صفية بنت حيي وجويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق. ورابع عشر: تقرير الحكم الشرعي وانتشال العقيدة الفاسدة التي رسخت في قلوب الناس من منع التزوج بزوجة ابن التبني، كما في قصة زينب، فإن اقتناع الناس بالفعل أبلغ من اقتناعهم بالقول، وانظر اقتناع الناس بحلق النبي ﷺ رأسه في الحديبية ومبادرتهم بذلك حين حلق بعد أن تباطؤوا في الحلق مع أمره لهم به. وخامس عشر: التأليف وتقوية الصلة، كما في أمر عائشة وحفصة، فإن النبي ﷺ شد صلته بخلفائه الأربعة عن طريق المصاهرة، مع ما لبعضهم من القرابة الخاصة، فتزوج ابنتي أبي بكر وعمر، وزَوَّج بناته الثلاث بعثمان وعلي رضي الله عن الجميع، فسبحان من وهب نبيه ﷺ هذه الحكم، وأمده بما يحققها قدراً وشرعاً، فأعطاه قوة الثلاثين رجلاً، وأحل له ما شاء من النساء يرجي من يشاء منهن، ويؤوي إليه من يشاء، وهو سبحانه الحكيم العليم. وأما عدم تزوجه بالواهبة نفسها، فلا يدل على أنه تزوج من سواها لمجرد الشهوة، وقضاء وطر النكاح. وأما ابنة الجون فلم يعدل عن تزوجها بل دخل عليها وخلا بها، ولكنها استعاذت بالله منه، فتركها النبي ﷺ وقال: (لقد عذت بعظيم فالحقي بأهلك) . ولكن هل تزوجها النبي ﷺ لمجرد جمالها وقضاء وطر النكاح أو لأمر آخر؟ إن كان لأمر آخر سقط الاستدلال به على أن النبي ﷺ كان يتزوج لمجرد قضاء الوطر، وإن كان لأجل قضاء الوطر فإن من حكمة الله تعالى أن حال بينه وبين هذه المرأة بسبب استعاذتها منه. وأما سودة ﵂ فقد خافت أن يطلقها النبي ﷺ لكبر سنها فوهبت يومها لعائشة، وخوفها منه لا يلزم منه أن يكون قد هم به. وأما ما روي أنه طلقها بالفعل فضعيف لإرساله. وأما زواجه ﷺ بزينب فليس لجمالها بل هو لإزالة عقيدة سائدة بين العرب، وهي امتناع الرجل من تزوج مفارقة من تبناه، فأبطل الله التبني وأبطل الأحكام المترتبة عليه عند العرب، ولما كانت تلك العقيدة السائدة راسخة في نفوس العرب كان تأثير القول في اقتلاعها بطيئاً، وتأثير الفعل فيها أسرع، فقيض الله سبحانه بحكمته البالغة أن يقع ذلك من النبي ﷺ في تزوجه بمفارقة مولاه زيد بن حارثة الذي كان تبناه من قبل ليطمئن المسلمون إلى ذلك الحكم الإلهي، ولا يكون في قلوبهم حرج منه، وقد أشار الله تعالى إلى هذه الحكمة بقوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) الأحزاب/٣٧. ثم تأمل قوله تعالى: (زَوَّجْنَاكَهَا) . فإنه يشعر بأن تزويجها إياه لم يكن عن طلب منه، أو تشوف إليه، وإنما هو قضاء من الله لتقرير الحكم الشرعي وترسيخه وعدم الحرج منه، وبهذا يعرف بطلان ما يروى أن النبي ﷺ أتى زيداً ذات يوم لحاجة فرأى زينب فوقعت في نفسه وأعجبه حسنها فقال: (سبحان الله مقلب القلوب) . فأخبرت زينب زيداً بذلك ففطن له فكرهها وطلقها بعد مراجعة النبي ﷺ وقوله: (أمسك عليك زوجك واتق الله) . فهذا الأثر باطل مناقض لما ذكر الله تعالى من الحكمة في تزويجها إياه، وقد أعرض عنه ابن كثير ﵀ فلم يذكره، وقال: أحببنا أن نضرب عنها أي عن الآثار الواردة عن بعض السلف صفحاً لعدم صحتها فلا نوردها، ويدل على بطلان هذا الأثر أنه لا يليق بحال الأنبياء فضلاً عن أفضلهم وأتقاهم لله وما أشبه هذه القصة بتلفيق قصة داود ﵊، وتحيله علي التزوج بزوجة من ليس له إلا زوجة واحدة، على ما ذكر في بعض كتب التفسير عند قوله تعالى: (وهل أتاك نبأ الخصم) ... إلى آخر القصة فإن من علم قدر الأنبياء وبعدهم عن الظلم والعدوان والمكر والخديعة علم أن هذه القصة مكذوبة على نبي الله داود ﵊. والحاصل: أنه وإن جاز للنبي ﷺ أن يتزوج لمجرد قضاء الوطر من النكاح وجمال المرأة وأن ذلك لا يقدح في مقامه، فإننا لا نعلم أن النبي ﷺ تزوج زواجاً استقرت به الزوجة وبقيت معه من أجل هذا الغرض. والله أعلم" انتهى. "المجموع الثمين من فتاوى ابن عثيمين" (٣/٧٩-٨٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15107

حديث المرأة التي رغبت عن اقتراب رسول الله ﷺ منها [السُّؤَالُ] ـ[لدي استفسار بخصوص حديث من أحاديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام: لما أدخلت على رسول الله ﷺ ابنة الجون، ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك. فقال: لقد عذت بعظيم , الحقي بأهلك. فما صحة هذا الحديث؟ وما سبب تعوذها من الرسول ﷺ وهي تعلم بأنه رسول الله؟ وهل الرسول ﷺ طلقها مِن تعوذها فقط، أم هناك حكم أخرى؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: هذه القصة صحيحة، وردت في أحاديث عدة وسياقات يكمل بعضها بعضا: فروى البخاري ﵀ في صحيحه (٥٢٥٤) عن الإمام الأوزاعي قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِي أَي أَزْوَاجِ النَّبِي ﷺ اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: (أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ. فَقَالَ لَهَا: لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْحَقِى بِأَهْلِكِ) . وروى البخاري أيضا في صحيحه (٥٢٥٥) عَنْ أَبِى أُسَيْدٍ رضى الله عنه قَالَ: (خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى انْطَلَقْنَا إِلَى حَائِطٍ يُقَالُ لَهُ الشَّوْطُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى حَائِطَيْنِ، فَجَلَسْنَا بَيْنَهُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اجْلِسُوا هَا هُنَا. وَدَخَلَ وَقَدْ أُتِىَ بِالْجَوْنِيَّةِ، فَأُنْزِلَتْ فِي بَيْتٍ فِي نَخْلٍ فِي بَيْتٍ أُمَيْمَةُ بِنْتُ النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ، وَمَعَهَا دَايَتُهَا حَاضِنَةٌ لَهَا، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: هَبِي نَفْسَكِ لِي. قَالَتْ: وَهَلْ تَهَبُ الْمَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ. قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِهِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتَسْكُنَ. فَقَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ. فَقَالَ: قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ. ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: يَا أَبَا أُسَيْدٍ اكْسُهَا رَازِقِيَّتَيْنِ وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا) وروى أيضا ﵀ (رقم/٥٢٥٦) عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِى أُسَيْدٍ قَالَا: (تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَيْمَةَ بِنْتَ شَرَاحِيلَ، فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَكَأَنَّهَا كَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ أَنْ يُجَهِّزَهَا وَيَكْسُوَهَا ثَوْبَيْنِ رَازِقِيَّيْنِ) ثياب من كتان بيض طوال. وروى أيضا ﵀ (رقم/٥٦٣٧) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضى الله عنه قَالَ: (ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِيَّ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَدِمَتْ فَنَزَلَتْ فِي أُجُمِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى جَاءَهَا، فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا، فَلَمَّا كَلَّمَهَا النَّبِيُ ﷺ قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ. فَقَالَ: قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّى. فَقَالُوا لَهَا: أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا؟ قَالَتْ: لَا. قَالُوا هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَ لِيَخْطُبَكِ. قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ. فَأَقْبَلَ النَّبي ﷺ يَوْمَئِذٍ حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: اسْقِنَا يَا سَهْلُ. فَخَرَجْتُ لَهُمْ بِهَذَا الْقَدَحِ فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ، فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ ذَلِكَ الْقَدَحَ فَشَرِبْنَا مِنْهُ. قَالَ: ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَهَبَهُ لَهُ) ورواه مسلم أيضا (٢٠٠٧) ، الأجم: الحصون. ثانيا: اختلف العلماء في اسم هذه المرأة على أقوال سبعة، ولكن الراجح منها عند أكثرهم هو: " أميمة بنت النعمان بن شراحيل " كما تصرح رواية حديث أبي أسيد. وقيل اسمها أسماء. ثالثا: لماذا استعاذت المرأة الجونية من رسول الله ﷺ ؟ يمكن توجيه ذلك ببعض الأجوبة الآتية: ١- قد يقال إنها لم تكن تَعرِفُ رسولَ الله ﷺ ، بدليل الرواية الأخيرة من الروايات المذكورة أعلاه، وفيها: (. فَقَالُوا لَهَا: أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا؟ قَالَتْ: لَا. قَالُوا هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَ لِيَخْطُبَكِ. قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ) يقول الحافظ ابن حجر ﵀: " وقال غيره: يحتمل أنها لم تعرفه ﷺ ، فخاطبته بذلك. وسياق القصة من مجموع طرقها يأبى هذا الاحتمال. نعم سيأتي في أواخر الأشربة من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد – فذكر الرواية الأخيرة، ثم قال: – فإن كانت القصة واحدة فلا يكون قوله في حديث الباب: (ألحقها بأهلها) ، ولا قوله في حديث عائشة: (الحقي بأهلك) تطليقا، ويتعين أنها لم تعرفه. وإن كانت القصة متعددة – ولا مانع من ذلك – فلعل هذه المرأة هي الكلابية التي وقع فيها الاضطراب " انتهى. "فتح الباري" (٩/٣٥٨) ٢- ويذكر بعض أهل العلم أن سبب استعاذتها من النبي ﷺ ما غرها به بعض أزواجه ﷺ ، حيث أوهموها أن النبي ﷺ يحب هذه الكلمة، فقالتها رغبة في التقرب إليه، وهي لا تدري أن النبي ﷺ سيعيذها من نفسه بالفراق إن سمعها منه. جاء ذلك من طرق ثلاثة: الطريق الأولى: يرويها ابن سعد في "الطبقات" (٨/١٤٣-١٤٨) ، والحاكم في "المستدرك" (٤/٣٩) ، من طريق محمد بن عمر الواقدي وهو ضعيف في الحديث. والطريق الثانية: يرويها ابن سعد في الطبقات (٨/١٤٤) بسنده عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: (الجونية استعاذت من رسول الله ﷺ وقيل لها: هو أحظى لك عنده. ولم تستعذ منه امرأة غيرها، وإنما خدعت لما رؤي من جمالها وهيئتها، ولقد ذكر لرسول الله من حملها على ما قالت لرسول الله، فقال رسول الله ﷺ : إنهن صواحب يوسف) . الطريق الثالثة: رواها ابن سعد أيضا في "الطبقات" (٨م١٤٥) قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب، عن أبيه، عن أبي صالح، عن بن عباس قال: (تزوج رسول الله ﷺ أسماء بنت النعمان، وكانت من أجمل أهل زمانها وأشبهم، قال فلما جعل رسول الله يتزوج الغرائب قالت عائشة: قد وضع يده في الغرائب يوشكن أن يصرفن وجهه عنا. وكان خطبها حين وفدت كندة عليه إلى أبيها، فلما رآها نساء النبي ﷺ حسدنها، فقلن لها: إن أردت أن تحظي عنده فتعوذي بالله منه إذا دخل عليك. فلما دخل وألقى الستر مد يده إليها، فقالت: أعوذ بالله منك. فقال: أمن عائذ الله! الحقي بأهلك) وروى أيضا قال: أخبرنا هشام بن محمد، حدثني ابن الغسيل، عن حمزة بن أبي أسيد الساعدي، عن أبيه - وكان بدريا – قال: (تزوج رسول الله أسماء بنت النعمان الجونية، فأرسلني فجئت بها، فقالت حفصة لعائشة أو عائشة لحفصة: اخضبيها أنت وأنا أمشطها، ففعلن، ثم قالت لها إحداهما: إن النبي، ﷺ يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول أعوذ بالله منك. فلما دخلت عليه وأغلق الباب وأرخى الستر مد يده إليها فقالت: أعوذ بالله منك. فتال بكمه على وجهه فاستتر به وقال: عذت معاذا، ثلاث مرات. قال أبو أسيد ثم خرج علي فقال: يا أبا أسيد ألحقها بأهلها ومتعها برازقيتين، يعني كرباستين، فكانت تقول: دعوني الشقية) . وهذه الطرق قد يعضد بعضها بعضا ويستشهد بمجموعها على أن لذلك أصلا. ٣- وذكر آخرون من أهل العلم أن سبب استعاذتها هو تكبرها، حيث كانت جميلة وفي بيت من بيوت ملوك العرب، وكانت ترغب عن الزواج بمن ليس بِمَلِك، وهذا يؤيده ما جاء في الرواية المذكورة أعلاه، وفيها: (فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: هَبِي نَفْسَكِ لِي. قَالَتْ: وَهَلْ تَهَبُ الْمَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ. قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِهِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتَسْكُنَ. فَقَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ. فَقَالَ: قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ. ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: يَا أَبَا أُسَيْدٍ اكْسُهَا رَازِقِيَّتَيْنِ وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا) يقول الحافظ ابن حجر ﵀: " (السُّوقة) قيل لهم ذلك لأن الملك يسوقهم فيساقون إليه، ويصرفهم على مراده، وأما أهل السوق فالواحد منهم سوقي. قال ابن المنير: هذا من بقية ما كان فيها من الجاهلية، والسوقة عندهم من ليس بملك كائنا من كان، فكأنها استبعدت أن يتزوج الملكة من ليس بملك، وكان ﷺ قد خير أن يكون ملكا نبيا، فاختار أن يكون عبدا نبيا، تواضعا منه ﷺ لربه، ولم يؤاخذها النبي ﷺ بكلامها، معذرة لها لقرب عهدها بجاهليتها " انتهى. "فتح الباري" (٩/٣٥٨) هذا ما تحصَّل ذكرُه من أسباب جاءت بها الروايات وكلام أهل العلم، وكله يدل على كريم أخلاقه ﷺ ، حيث لم يكن يرضى أن يتزوج مَن يشعر أنها لا ترغبه، وكان يأبى ﷺ أن يصيب أحدا من المسلمين بأذى في نفسه أو ماله. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15108

دعوى الشيعة أن الصحابة لم يحضروا جنازة النبي ﷺ [السُّؤَالُ] ـ[يدَّعي الشيعةُ أنَّ الصحابةَ لم يحضروا جنازة النبي ﷺ ، فهل هذا صحيح؟ وأين كانوا؟ وهل هناك أحاديث تدعم هذا الادعاء؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله من أقبح الخصال التي يتصف بها الإنسان: الكذب، ولهذا قال فيه النبي ﷺ : (إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا) رواه البخاري (٦١٣٤) ومسلم (٢٦٠٧) . ولا يعلم من الطوائف المنتسبة إلى الأمة المحمدية من هو أكثر كذباً من الشيعة، وهذا أمر معلوم عنهم من قديم، وقد سطره الأئمة في كتبهم من مئات السنين، ولا يزالون يتخلقون بهذا الخلق الذميم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وقد اتفق أهل العلم بالنقل والرواية والإسناد على أن الرافضة (الشيعة) أكذب الطوائف، والكذب فيهم قديم، ولهذا كان أئمة الإسلام يعلمون امتيازهم بكثرة الكذب. فقد سئل الإمام مالك عن الرافضة فقال: لا تكلمهم، ولا ترو عنهم، فإنهم يكذبون. وقال الإمام الشافعي: لم أر أحدا أشهد بالزور من الرافضة. وقال يزيد بن هارون: يُكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية إلا الرافضة، فإنهم يكذبون. وقال شريك القاضي: احمل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة، فإنهم يضعون الحديث، ويتخذونه دينا. وشريك هذا هو شريك بن عبد الله القاضي، قاضى الكوفة، من أقران الثوري وأبي حنيفة، وهو من الشيعة الذي يقول بلسانه: أنا من الشيعة، وهذه شهادته فيهم. وهذه آثار ثابتة رواها أبو عبد الله بن بطة في " الإبانة الكبرى " هو وغيره " انتهى باختصار من "منهاج السنة النبوية" (١/٢٦-٢٧) . وقد توفي النبي ﷺ يوم الاثنين ١٢/ ربيع الأول/١١هـ بعد الزوال، ودفن ليلة الأربعاء، بعد أن صلى عليه جميع أهل المدينة، كما قال أبو بكر الصديق ﵁: (يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون ثم يخرجون، ثم يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون ثم يخرجون، حتى يدخل الناس) رواه الترمذي في "الشمائل" (ص/٣٣٨) وصححه الألباني في تحقيقه. ولا يظن بأحد من هؤلاء الصحابة الذين صلوا على الرسول ﷺ ، وكانوا بالمدينة يومئذ، إلا أنه حضر جنازته ﷺ ، وهذا أمر أوضح من أن يبحث في دلائله، فقد كان النبي ﷺ أحب إليهم من أزواجهم وآبائهم وأمهاتهم وأولادهم، بل وأحب إليهم من أنفسهم، كما قال أنس ﵁: (لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رواه الترمذي (٢٧٥٤) وصححه الألباني في صحيح الترمذي. غير أن قوماً امتلأت قلوبهم بالحقد والغل على الإسلام وأهله، صاروا يفترون عليهم الأكاذيب ويطعنون فيهم بالباطل، وهم خير الناس بعد أنبياء الله تعالى ورسله، بشهادة الرسول ﷺ القائل: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) رواه البخاري (٢٦٥٢) ومسلم (٢٥٣٢) . فمن طعن فيهم وانتقصهم وسبهم، فإنما طعن في الرسول ﷺ ، فهم صحابته وتلاميذه، وأنصاره، وأحب الناس إليه. وقد ورد ما يدل على شهودهم جنازته ﷺ والأمر أوضح من أن يحتاج إلى دليل كما سبق ـ كما قال القائل: وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل. فعن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: (لَمَّا كَانَ اليَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، وَمَا نَفَضْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ الأَيْدِي وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا) . رواه الترمذي (٣٦١٨) . وصححه ابن كثير في "البداية والنهاية" (٥/٢٣٩) . وقالت فاطمة ﵂ لما رجع الناس من دفن أبيها ﷺ : (يَا أَنَسُ! أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ التُّرَابَ) . رواه البخاري (٤٤٦٢) . فمن أين جاء هؤلاء بهذا الإفك؟ ولكن لا عجب من هؤلاء الذين أنكروا ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وأنكروا أن يكون القرآن محفوظاً، وزعموا أنه حُرِّف ونقص منه أشياء، وطعنوا في عرض الرسول ﷺ ، وسبوا أصحابه أقبح السب، مع أن فضائلهم خَلَّد الله ذكرها في القرآن الكريم، والأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ ، وأجمعت عليها الأمة، لا عجب على من أنكر ذلك أن يأتي بمثل هذه الفرية، والله من ورائهم محيط، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. نسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويخذل الباطل وأهله. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15109

الأسباب الحقيقية لغزوة بدر [السُّؤَالُ] ـ[ما رأيكم عن الأسباب الحقيقية لغزوة بدر؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يظهر للمتتبع لأحداث السيرة النبوية السابقة لغزوة بدر الكبرى، أن النبي ﷺ لم يرد وقوع المعركة، ولم يتهيأ للخروج لها أصلا، وإنما خرج هو والصحابة الكرام رضوان الله عليهم ليستردوا بعض ما نهبه كفار قريش منهم في مكة، من خلال اعتراض قافلة من القوافل التجارية المحملة بالبضائع والأموال لقريش، فكان السبب الحقيقي والمباشر لخروجه ﷺ هو استرداد شيء من الحقوق المالية التي نهبها منهم كفار قريش، ويدلك على ذلك قول الله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ. يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) الأنفال/٥-٧. عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (لما سمع رَسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلا من الشام، ندب إليهم المسلمين، وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفِّلكموها! فانتدب الناس، فخفّ بعضهم وثقُل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربًا) رواه ابن إسحاق في "السيرة" (٢/٢٩٥) ، وعبد الرزاق في "المصنف" (٥/٣٤٨) ، والطبري في "جامع البيان" (١٣/٣٩٤) ، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣/٣٢) بسند صحيح، وصححه الشيخ الألباني في تحقيق "فقه السيرة" (ص/٢١٨) . يقول الدكتور علي الصلابي: " من المؤكد أنه حين خروجه ﷺ من المدينة لم يكن في نيته قتال، وإنما كان قصده عير قريش، وكانت الحالة بين المسلمين وكفار مكة حالة حرب، وفي حالة الحرب تكون أموال العدو ودماؤهم مباحة، فكيف إذا علمنا أن جزءًا من هذه الأموال الموجودة في القوافل القرشية كانت للمهاجرين المسلمين من أهل مكة، قد استولى عليها المشركون ظلمًا وعدوانا " انتهى. فلما أفلتت القافلة جمعت قريش جموعها الظالمة المشركة تريد أن تستأصل الإسلام، وتقضي على المسلمين، فرد الله كيدهم في نحرهم، وهزم الجمع وولوا الأدبار والحمد لله. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15110

حكم جعل مدح النبي ﷺ تجارة [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم جعل مدح النبي ﷺ تجارة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "حكم هذا محرم، ويجب أن يعلم بأن المديح للنبي ﷺ ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون مدحاً فيما يستحقه ﷺ بدون أن يصل إلى درجة الغلو، فهذا لا بأس به، أي: لا بأس أن يمدح رسول الله ﷺ بما هو أهله، من الأوصاف الحميدة الكاملة في خلقه وهديه ﷺ . والقسم الثاني: من مديح الرسول ﷺ قسم يخرج بالمادح إلى الغلو الذي نهى عنه النبي ﷺ وقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) . فمن مدح النبي ﷺ بأنه غياث المستغيثين، ومجيب دعوة المضطرين، وأنه مالك الدنيا والآخرة، وأنه يعلم الغيب وما شابه ذلك من ألفاظ المديح فإن هذا القسم محرم، بل قد يصل إلى الشرك الأكبر المخرج من الملة، فلا يجوز أن يمدح الرسول، ﵊، بما يصل إلى درجة الغلو لنهي النبي ﷺ عن ذلك. ثم نرجع إلى اتخاذ المديح الجائز حرفة يكتسب بها الإنسان فنقول أيضاً: إن هذا حرام ولا يجوز، لأن مدح الرسول ﷺ بما يستحق وبما هو أهل له ﷺ من مكارم الأخلاق والصفات الحميدة، والهدي المستقيم مدحه بذلك من العبادة التي يتقرب بها إلى الله، وما كان عبادة فإنه لا يجوز أن يتخذ وسيلة إلى الدنيا، لقول الله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) هود/١٥، ١٦. والله الهادي إلى سواء الصراط" انتهى. "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١/٢٥٨) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15111

رعاية النبي ﷺ وعنايته ببناته في حياتهن إلى بعد موتهن [السُّؤَالُ] ـ[كيف كان الرسول ﷺ يعامل بناته في الفترة قبل بلوغهن سن ١٧؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: يصعب جداً معرفة كيفية معاملة النبي ﷺ لبناته في هذه الفترة من أعمارهن، وذلك لأن النبي ﷺ تزوج خديجة ﵂ وكان عمره ٢٥ سنة، وأوحي إليه وعمره أربعون سنة، ثم ماتت خديجة ﵂ بعد عشر سنوات من النبوة تقريباً. وبنات النبي كلهن من خديجة ﵂ [زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة ﵅] ، ومعنى ذلك أن أكثرهن بلغ هذه السن (أي: ١٧ سنة) في مكة، ففاطمة ﵂ وهي أصغرهن – على ما اختاره ابن عبد البر ﵀ في "الاستيعاب" (٤/١٧٨) – ولدت قبل المبعث بقليل، وقد كان المسلمون في مكة قلة مضطهدين معذبين، فلم يمكنهم في ذلك الوقت نقل أشياء تفصيلية عن حياة النبي ﷺ ، لا سيما ولم يكن متزوجاً في ذلك الوقت إلا بخديجة ﵂ فقط، وقد توفيت قبل الهجرة بسنوات. ولكن يمكننا أن نتكلم عن معاملة النبي ﷺ لبناته على سبيل العموم في هذه الفترة من أعمارهن وغيرها. ثانياً: مما لا شك فيه أن النبي ﷺ هو القدوة والأسوة للمسلمين، وحياته ﷺ فيها نماذج عالية لكيفية تعامل الحكام مع شعوبهم، وتعامل الأزواج مع زوجاتهم، والآباء مع أولادهم وأحفادهم، والدعاة مع المدعوين، والعلماء مع طلاب العلم، وتعامل القادة مع جنودهم، وهكذا في جميع جوانب الدين، والدنيا، وقد قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) الأحزاب/ ٢١. قال ابن كثير ﵀: هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ ، في أقواله، وأفعاله، وأحواله، ولهذا أمر الناس بالتأسي بالنبي ﷺ يوم الأحزاب، في صبره، ومصابرته، ومرابطته، ومجاهدته، وانتظاره الفرج من ربه ، صلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين. " تفسير القرآن العظيم " (٦ / ٣٩١) . وأما بخصوص معاملة النبي ﷺ لبناته فقد كانت غاية في الرحمة والحكمة، وقد كان له من البنات أربع، وكلهن من خديجة ﵂، وهنَّ: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وكلهن أدركن الإسلام، وأسلمن، وكلهن توفين قبله إلا فاطمة، فإنها تأخرت بعده بستة أشهر. وتتمثل جوانب الرحمة والحكمة في معاملة النبي ﷺ لهن في صور متعددة، وأمثلة متنوعة، منها: ١. دعوته لهنَّ للإسلام بالحسنى، رحمةً بهن. عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ : (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قَالَ: (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِى عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِى عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِى عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِى عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مالِي لَا أُغْنِى عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) . رواه البخاري (٢٦٠٢) ومسلم (٢٠٦) . قال ابن إسحاق: وأما بناته: فكلهن أدركن الإسلام، فأسلمن، وهاجرن معه ﷺ . " الروض الأنف " السهيلي (٢ / ١٥٧) . ٢. عنايته ﷺ بهن في مرضهن حتى في أشد الأوقات. فلما أراد النبي ﷺ الخروج لبدر أمر عثمان بن عفان ﵁ أن يبقى عند زوجته رقية بنت الرسول ﷺ لأنها كانت مريضة. فعن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قال: وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ – أي: عثمان بن عفان - عَنْ بَدْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – وهي: رقية - وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ) رواه البخاري (٣٤٩٥) . ٣. حسن الاستقبال والترحيب. ٤. ائتمانهن على أسراره ﷺ . ٥. إدخال السرور على قلوبهن. ويجمع ذلك كلَّه حديث صحيح: عن عَائِشَة أُمِّ الْمُؤْمِنِيِنَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّا كُنَّا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَهُ جَمِيعًا لَمْ تُغَادَرْ مِنَّا وَاحِدَةٌ، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ ﵍ تَمْشِي، لَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَى مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ قَالَ: (مَرْحَبًا بِابْنَتِي) ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ سَارَّهَا، فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى حُزْنَهَا: سَارَّهَا الثَّانِيَةَ، فَإِذَا هِيَ تَضْحَكُ، فَقُلْتُ لَهَا أَنَا مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ: خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّرِّ مِنْ بَيْنِنَا، ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلْتُهَا عَمَّا سَارَّكِ، قَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِرَّهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ قُلْتُ لَهَا: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنْ الْحَقِّ لَمَّا أَخْبَرْتِنِي قَالَتْ: أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ، فَأَخْبَرَتْنِي قَالَتْ: أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَنَّ (جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ قَدْ عَارَضَنِي بِهِ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أَرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدْ اقْتَرَبَ فَاتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي فَإِنِّي نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ) قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، قَالَ: (يَا فَاطِمَةُ أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ) رواه البخاري (٥٩٢٨) ومسلم (٢٤٥٠) . ٧. ومن عظيم عنايته وتربيته ﷺ لبناته أن سارع بتزويجهن لمن رأى فيه رجاحة عقل، أو دين متين، فزوَّج زينبَ ﵂ من أبي العاص بن الربِيع القرشي ﵁، وهو ابن خالتها هالة بنت خويلد. وزوَّج النبي ﷺ رقيةَ من عثمان بن عفان ﵁، فلما توفيت رقيةُ ﵂ زوَّجه النبي ﷺ بأختها أم كلثوم. وزوَّج فاطمةَ ﵂ من علي بن أبي طالب ﵁. ٨. أمرهن بالحجاب والستر في اللباس. وذلك استجابةً لأمر الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الأحزاب/ ٥٩. ٩. حل مشكلاتهن بينهن وبين أزواجهن، والتدخل للإصلاح. فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ فَقَالَ: (أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟) قَالَتْ: كَانَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي، فَخَرَجَ، فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي [القيلولة هي النوم وسط النهار] ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لإِنْسَانٍ: (انْظُرْ أَيْنَ هُوَ) ، فَجَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ مُضْطَجِعٌ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، وَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ: (قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ) رواه البخاري (٤٣٠) ومسلم (٢٤٠٩) . ١٠. رقة النبي ﷺ لابنته الغائبة عنه، والشفاعة في إطلاق زوجها المأسور عند المسلمين، والاشتراط عليه إرسالها للمدينة. وكل ذلك يدل على عطف النبي ﷺ على بناته، وشدة تعلقه بهن، وهو مع هذا يريد لهن الخير والنجاة من بيئة الكفر خشية الافتتان، ويحب لبناته ما يحببن لأنفسهن من الخير، وخاصة إن تعلق الأمر بزوج لها، أو ولد. وكل ما سبق يجمعه حديث واحد صحيح: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِي فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ بَعَثَتْ زَيْنَبُ فِي فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ بِمَالٍ وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ عِنْدَ خَدِيجَةَ أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ، قَالَتْ: فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا، فَقَالُوا: نَعَمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ عَلَيْهِ أَوْ وَعَدَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَرَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: كُونَا بِبَطْنِ يَأْجَجَ [موضع على مشارف مكة] حَتَّى تَمُرَّ بِكُمَا زَيْنَبُ فَتَصْحَبَاهَا حَتَّى تَأْتِيَا بِهَا. رواه أبو داود (٢٦٢٩) وحسَّنه الألباني في " صحيح أبي داود ". قال الشيخ محمد شمس الحق العظيم آبادي ﵀: (رقَّ لها) أي: لزينب، يعني: لغربتها، ووحدتها، وتذكر عهد خديجة، وصحبتها، فإن القلادة كانت لها، وفي عنقها. " عون المعبود العظيم " (٧ / ٢٥٤) . ١١. المشاركة في عقيقة أولاده من بناته. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا. رواه أبو داود (٢٨٤١) ، وفي رواية النسائي (كبشين كبشين) وقال الشيخ الألباني عنها: إنها الأصح. ١٢. متابعة بناته ﵅ عند أزواجهن، والتوجيه نحو عدم الركون لمتاع الدنيا. عنْ علي ﵁ أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ سَبْيٌ فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْتُ لِأَقُومَ فَقَالَ: (عَلَى مَكَانِكُمَا) فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي وَقَالَ: (أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي، إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَتُسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ) رواه البخاري (٣٥٠٢) ومسلم (٢٧٢٧) . ١٣. وتستمر عناية النبي ﷺ ورحمته ببناته حتى بعد وفاتهن، وتمثل ذلك في: أ. الاهتمام بغسلهن ووضع شيء من ثيابه مع إحداهن. فعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: (اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مَنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي) ، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ – أي: إزاره - فَقَالَ: (أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ) رواه البخاري (١١٩٥) ومسلم (٩٣٩) . (أشعرنها) : هو من الإشعار، وهو إلباس الثوب الذي يلي بشرة الإنسان، ويسمَّى شعاراً لأنه يلامس شعر الجسد. وابنته هي: زينب، كما جاء مصرحاً به في رواية مسلم. ب. شهود جنازتهن، ودفنهن. ولو أردنا الوقوف عند كل موقف لنبينا ﷺ من المواقف السابقة لطال بنا المقام، ولعلَّ السائل يرجع لكتب السيرة، وشروح الأحاديث، ويقف بنفسه على فوائد تلك المواقف، وأهميتها في حياة المسلم أن يأتسي بها، ويقتدي بهديها. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15112

هل ذكرت أم المؤمنين صفية بنت حيي في قصة الشاة المسمومة التي أهديت إلى النبي صلى لله عليه وسلم في خيبر ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل للسيدة صفية أم المؤمنين دخل من قريب أو بعيد فى سم الشاة التي قدمت إلى الرسول الكريم ﷺ ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قصة الشاة المسمومة التي أهديت للنبي ﷺ في خيبر ثابتة في السيرة الصحيحة، وقد جاءت في سياقات متعددة، أشهرها سياقان اثنان: الأول: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضى الله عنه أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِىءَ بِهَا، فَقِيلَ: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا. فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِى لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رواه البخاري (٢٦١٧) ومسلم (٢١٩٠) كلاهما من طريق خالد بن الحارث، حدثنا شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس به. يقول النووي: (لهوات) : جمع لهاة، هي اللحمة الحمراء المعلقة في أصل الحنك، كأنه بقي للسم علامة وأثر من سواد أو غيره. والثاني: رواه الإمام البخاري ﵀ في صحيحه (رقم/٣١٦٩) : عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ: (لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِىِّ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : اجْمَعُوا إِلَىَّ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ. فَجُمِعُوا لَهُ: فَقَالَ: إِنِّى سَائِلُكُمْ عَنْ شَىْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِىَّ عَنْهُ. فَقَالُوا: نَعَمْ. قَالَ لَهُمُ النَّبِىُّ ﷺ : مَنْ أَبُوكُمْ؟ قَالُوا: فُلَانٌ. فَقَالَ: كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ. قَالُوا: صَدَقْتَ. قَالَ: فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِىَّ عَنْ شَىْءٍ إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ. فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِى أَبِينَا. فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ أَهْلُ النَّارِ. قَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : اخْسَئُوا فِيهَا، وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا. ثُمَّ قَالَ: هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِىَّ عَنْ شَىْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. قَالَ: هَلْ جَعَلْتُمْ فِى هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا. قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ) وليس في هاتين الروايتين – كما ترى – أي ذكر لأم المؤمنين صفية بنت حيي ﵂. وإنما ورد ذكرها في سياق آخر يرويه ابن شهاب الزهري فيقول: (لما فتح رسول الله ﷺ خيبر، وقتل من قتل منهم، أهدت زينب بنت الحارث اليهودية - وهي ابنة أخي مرحب - لصفية شاة مصليَّةً وسمَّتها وأكثرت في الكتف والذراع؛ لأنه بلغها أنه أحب أعضاء الشاة إلى رسول الله ﷺ ، فدخل رسول الله ﷺ على صفية ومعه بشر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة، فقدمت إليهم الشاة المصلية، فتناول رسول الله ﷺ الكتف وانتهش منها، وتناول بشر بن البراء عظما فانتهش منه، فلما استرط رسول الله ﷺ لقمته استرط بشر بن البراء ما في فيه، فقال رسول الله ﷺ : ارفعوا أيديكم، فإن كتف هذه الشاة يخبرني أن قد بُغِيتُ فيها. فقال بشر بن البراء: والذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت، فما منعني أن ألفظها إلا أني أعظمت أن أنغصك طعامك، فلما أسغت ما في فيك، لم أكن أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا تكون استرطتها وفيها بغي. فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه مثل الطيلسان، وماطله وجعه حتى كان لا يتحول إلى ما حول) أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٤/٣٦٠) قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو جعفر البغدادي، قال: حدثنا أبو علاثة، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا أبو الأسود، عن عروة بن الزبير. وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب، قال: حدثنا القاسم الجوهري، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن عمه موسى بن عقبة. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: حدثنا محمد بن فليح، قال: حدثنا موسى بن عقبة - وهذا الإسناد مرسل، فالزهري من أئمة التابعين، توفي سنة (١٢٥هـ) ، ولا يُدرى عمن يروي القصة بهذا السياق، وهو كثير الإرسال، وقد استضعف العلماء مراسيله حتى كان يحيى بن سعيد القطان لا يعدها شيئا. - ثم إن في الطريق إلى الزهري بعض الضعفاء كابن لهيعة، ومحمد بن فليح، واسماعيل بن أبي أويس، وكلهم في تراجمهم من الطعن والتضعيف ما يوجب الشك والتردد. - ومما يدل على عدم الوثوق بالتفاصيل المذكورة هنا أيضا الاختلاف الواقع في مرويات الزهري لهذه القصة، مما يغلب على الظن أن الوهم فيها من شيوخ الزهري الذين أخذها عنهم وطوى ذكرهم، ويمكن مراجعة جميع روايات الزهري في هذا الأمر في كتاب "مرويات الإمام الزهري في المغازي" للدكتور محمد العواجي (٢/٦٣٦-٦٤٦) وعلى كل حال، فلو ثبت هذا السياق فمعناه أن المرأة اليهودية أهدت الشاة المسمومة إلى النبي ﷺ ليأكل منها في بيت أم المؤمنين صفية بنت حيي ﵂، ولو كان لها ﵂ علم بما فعلته تلك المرأة لجاء الوحي بذلك إلى النبي ﷺ كما جاءه بخبر السم الموجود في كتف الشاة، ولكنها ﵂ كانت راغبة في الإسلام، مقبلة على الدين الجديد، مستبشرة بزواج النبي ﷺ منها، وفي سيرتها من كتب التراجم ما يدل على عظيم غبطتها بزواج النبي ﷺ منها بعد إسلامها مباشرة، يمكن مراجعتها في "الإصابة" لابن حجر (٧/٧٣٩) وتأمل معي، أخي السائل، ذلك المقام العالي، الذي أنزلها فيه رسول الله ﷺ ، وتعلم منه أدب الذبّ عن أهل بيت رسول الله وحريمه، ومن تكون صفيّة الحسيبة النسيبة: عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَلَغَ صَفِيَّةَ أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ: إِنِّي ابْنَةُ يَهُودِيٍّ، فَبَكَتْ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ: مَا شَأْنُكِ؟ فَقَالَتْ: قَالَتْ لِي حَفْصَةُ إِنِّي ابْنَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّكِ ابْنَةُ نَبِيٍّ وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا حَفْصَةُ) رواه أحمد (١١٩٨٤) والترمذي (٣٨٩٤) وصححه الألباني في صحيح الترمذي. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15113

تأثر النبي ﷺ بالشاة المسمومة التي أكلها في خيبر [السُّؤَالُ] ـ[هناك شك عند البعض أن رسول الله ﷺ قد يكون مات مسموماً، أو من أثر السم الذي قدمته له اليهودية، فهل هذا صحيح؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "ثبت عند أهل العلم بأيام النبي ﷺ وأحواله وسيره أنه أكل من شاة مسمومة لامرأة من يهود خيبر، ثم نطقت الذراع وأخبرت النبي ﷺ بأنها مسمومة، فامتنع من الاستمرار في أكلها، ولما كان في المرض الذي مات فيه كان يقول ﵊: (يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم) رواه البخاري في صحيحه، فلا وجه للتشكيك في تأثير ذلك السم في جسده ﷺ بعد ثبوته في الصحيح وغيره. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ بكر أبو زيد. "فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/٣٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15114

كيف تكون العزة للمؤمنين ؟ [السُّؤَالُ] ـ[كيف تكون العزة للمؤمنين وهم الآن ضعفاء في العالم الذي فسد جوانبه وأوسطه، والنصارى واليهود هم الذين يسيطرون في العالم كيف يشاؤون؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "لا تحصل العزة للمؤمنين والنصر على الأعداء والتمكين في الأرض إلا بطاعة الله تعالى ورسوله ﷺ ، والعمل بالإسلام والإيمان ظاهراً وباطناً، وقد جاء في القرآن والسنة وعن السلف الصالح من الآثار ما فيه عظة وادِّكار، قال الله تعالى: (بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) النساء/١٣٨، ١٣٩ وقال سبحانه: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) الحج/٤٠، ٤١، وقال جل وعلا: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) النور/٥٥، وقال ﷻ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) محمد/٧، إلى غيرها من الآيات الكريمات التي بينت ووضحت: أن تمكين المؤمنين وعزهم في هذه الحياة مشروط بقيامهم بما أوجب الله عليهم، من توحيده وتعظيمه وإجلاله، والعمل بكتابه واتباع سنة نبيه محمد ﷺ ، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ومحبة أولياء الله المؤمنين، وبغض أعدائه من المنافقين والكافرين، ومجاهدتهم؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وغير ذلك من لوازم الإيمان. وثبت عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر أنه قال: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود، فبين النبي ﷺ أن كل من خالف أمره فله نصيب من الذلة والصغار بحسب مخالفته ومعصيته، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث: "ومن أعظم ما حصل به الذل من مخالفة أمر الرسول ﷺ : ترك ما كان عليه من جهاد أعداء الله، فمن سلك سبيل رسول الله ﷺ في الجهاد عَزَّ، ومن ترك الجهاد مع قدرته عليه ذَلَّ، وقد سبق حديث: (إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله ـ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه من رقابكم حتى تراجعوا دينكم) . فمن ترك ما كان عليه النبي ﷺ من الجهاد مع قدرته واشتغل عنه بتحصيل الدنيا من وجوهها المباحة –حصل له الذل، فكيف إذا اشتغل عن الجهاد بجمع الدنيا من وجوهها المحرمة؟ " انتهى كلامه ﵀. ولقد عرف السلف الصالح من الصحابة، ومن بعدهم هذه الحقيقة، وهي: أن العزة في التمسك بالإسلام، واتباع النبي ﷺ ، والاجتهاد في طاعة الله ورسوله، والحذر من معصية الله ورسوله، فصدرت منهم كلمات، منها: ما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة من دونه أذلنا الله) ، وثبت عن أبي الدرداء ﵁، أنه لما فتح المسلمون قبرص وبكى أهلها وأظهروا من الحزن والذل ما أظهروا، جلس أبو الدرداء ﵁ يبكي، فقال له جبير بن نفير: يا أبا الدرداء، ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال ﵁: (ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى) . والحاصل: أن على كل مسلم مسئولية تحقيق العزة للمؤمنين بحسب قدرته، واستطاعته فيكون بنفسه قائماً بأمر الله تعالى، عاملاً بالإسلام والإيمان، ظاهراً وباطناً ناصحاً لإخوانه المسلمين، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، حتى تصلح أحوال المسلمين، أو يلقى الله على تلك الحال، وقد اتقاه حسب وسعه والله المستعان" انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/٤٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15115

الجمع بين آية (والله يعصمك من الناس) وموته ﷺ بالسم [السُّؤَالُ] ـ[كيف نوفق بين الآية (والله يعصمك من الناس) أي: من القتل، وبين الحديث الذي ترويه عائشة في صحيح البخاري (يا عائشة، ما أزال أجد الم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم) ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نص الآية: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) المائدة/ ٦٧. نص الحديث: قالت عَائِشَةُ رضى الله عنها: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ فِى مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ: يَا عَائِشَةُ، مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِى أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِى مِنْ ذَلِكَ السَّمِّ. رواه البخاري (٤١٦٥) . " الطعام ": هو الشاة المسمومة. " أوان ": وقت، وحين. " أبهَري ": عرق مرتبط بالقلب، إذا انقطع مات الإنسان. وأصل القصة: عَنْ أَنَسٍ أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لأَقْتُلَكَ، قَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ. رواه البخاري (٢٤٧٤) ومسلم (٢١٩٠) . ثانياً: يجب أن يَعلم المسلم أنه ليس ثمة تعارض بين نصوص الوحي، وما يظنه بعض الناس من وجود تعارض بين نصوص الوحي بعضها مع بعض: فهو تعارض في ظاهر الأمر بالنسبة له، وليس تعارضاً في واقع الأمر، ولذا فإن علماء الإسلام الراسخين لا يعجزهم – بفضل الله وتوفيقه – من بيان أوجه التوفيق بين ما ظاهره التعارض بالنسبة لمن يرى ذلك ممن يخفى عليه وجه الجمع بين تلك النصوص. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من جميع الوجوه، وليس مع أحدهما ترجيح يقدم به. " المسودة " (٣٠٦) . وقال ابن القيم ﵀: وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه ليس أحدهما ناسخاً للآخر: فهذا لا يوجد أصلاً، ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق ﷺ الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق. " زاد المعاد " (٤ / ١٤٩) . وقال ابن القيم ﵀ – أيضاً -: فصلوات الله وسلامه على مَن يصدّق كلامُه بعضه بعضاً، ويشهد بعضه لبعض، فالاختلاف، والإشكال، والاشتباه إنما هو في الأفهام، لا فيما خرج من بين شفتيه من الكلام، والواجب على كل مؤمن أن يَكِلَ ما أشكل عليه إلى أصدق قائل، ويعلم أن فوق كل ذي علم عليم. " مفتاح دار السعادة " (٣ / ٣٨٣) . وقال الشاطبي – ﵀: كل مَن تحقق بأصول الشريعة: فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض، كما أن كل مَن حقق مناط المسائل: فلا يكاد يقف في متشابه؛ لأن الشريعة لا تعارض فيها البتة، فالمتحقق بها متحقق بما في الأمر، فيلزم أن لا يكون عنده تعارض، ولذلك لا تجد ألبتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ: أمكن التعارض بين الأدلة عندهم. " الموافقات " (٤ / ٢٩٤) . وقد برز طوائف من العلماء يتحدون من يزعم وجود تعارض بين نصوص الوحي؛ ومنهم الإمام ابن خزيمة ﵀ حيث كان يقول – كما في " تدريب الراوي " (٢ / ١٧٦) -: " لا أعرف حديثين متضادين، فمن كان عنده فليأتني به لأؤلف بينهما ". ثالثاً: ما ذكره الأخ السائل مما ظاهره التعارض بين قوله تعالى (والله يعصمك من الناس) مع قوله ﷺ (وهذا أوان انقطاع أبهري) وأنه مات بالسم الذي وضعه له اليهود: فليس بينهما تعارض – بتوفيق الله -؛ لأن " العصمة " في الآية هي: العصمة من الفتنة، ومن الضلال، ومن القتل قبل تبليغ الرسالة، وكل ذلك قد تحقق له ﷺ ، وقد عصمه ربه تعالى من كل ذلك، ولم يمت ﷺ إلا بعد أن أبلغ رسالة ربه تعالى، وقد قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً) المائدة/ من الآية ٣، وقد ذكر بعض العلماء معنى لطيفاً ها هنا، وهو أن الله تعالى أبى إلا أن يجمع لنبينا ﷺ بين النبوة والشهادة. وقد عصم الله تعالى نبيه ﷺ من كفار قريش عندما أرادوا قتله في مكة، وعصمه ربه من القتل في المدينة فيما حضره من غزوات، بل وحتى محاولة اليهود قتله بالسم: فإن الله تعالى قد عصمه منها، فأخبرته الشاة أنها مسمومة، ومات الصحابي الذي كان معه، وأكل منها – وهو بِشْر بْن الْبَرَاء بْن مَعْرُور - ولم يمت ﷺ ، ولا يخالف هذا وجوده أثر ذلك السم، واعتقاده أنه سيموت بسببه، وما قاله ﷺ ليس فيه أن السم هو سبب موته، بل فيه أنه يشعر به، ونه قد يكون هذا هو الموافق لانتهاء أجله. وبكل حال: فإن العصمة من القتل هي فيما كان قبل تبليغ رسالة ربه، ولم يمت ﷺ إلا وقد أبلغها على أكمل وجه، وسياق الآية يدل على ذلك، حيث أمره ربه تعالى بتبليغ الرسالة، وأخبره أنه يعصمه من الناس. ومما يدل على ذلك أيضاً: قوله ﷺ لليهودية (مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ) بعد أن أخبرته أنها أرادت قتله، وهو نص إما في عصمته من القتل بالسم حتى فارق الدنيا، أو هو نص في ذلك قبل تبليغ الرسالة. وخلاصة الكلام: أنه إما أن يُقال بأن النبي صلى الله عليه سلم عُصم من القتل بالسم – كما سيأتي في كلام ابن كثير والنووي وغيرهما -، وقد أوحى الله بوجود السم فيها، وهذا من عصمته له، أو يقال: إن العصمة هي في أثناء التبليغ لرسالة الإسلام، ولا ينافي ذلك وقوع القتل بعد التبليغ لها – كما سيأتي في كلام القرطبي وابن حجر والعثيمين -، وأن الله تعالى جمع بذلك القتل لنبينا ﷺ بين النبوة والشهادة، وجعل ذلك تذكيراً لنا على الدوام بعداوة اليهود لنا ولديننا. وهذه بعض أقوال علماء الأمة فيما ذكرناه، وهو يوضح المقصود إن شاء الله. ١. قال ابن كثير – ﵀: ومِن عصمة الله لرسوله ﷺ : حفْظُه له من أهل مكة، وصناديدها، وحسَّادها، ومُعَانديها، ومترفيها، مع شدة العداوة، والبِغْضة، ونصب المحاربة له ليلاً، ونهاراً، بما يخلقه الله تعالى من الأسباب العظيمة بقَدَره، وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب، إذ كان رئيساً مطاعاً كبيراً في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله ﷺ ، لا شرعيَّة، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر، هابوه، واحترموه، فلما مات أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيراً، ثم قيض الله له الأنصار، فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى دارهم - وهي المدينة -، فلما صار إليها حَمَوه من الأحمر والأسود، فكلما همَّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء: كاده الله، ورد كيده عليه، لما كاده اليهود بالسحر: حماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سم اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر: أعلمه الله به، وحماه الله منه؛ ولهذا أشباه كثيرة جدّاً، يطول ذِكْرها. " تفسير ابن كثير " (٣ / ١٥٤) . ٢. وقال النووي – في شرحه لحديث الشاة المسمومة -: فيه بيان عصمته ﷺ من الناس كلهم، كما قال الله: (والله يعصمك من الناس) وهي معجزة لرسول الله ﷺ في سلامته مِن السم المهلك لغيره، وفي إعلام الله تعالى له بأنها مسمومة، وكلام عضو منه له، فقد جاء في غير مسلم أنه ﷺ قال: (إن الذراع تخبرني أنها مسمومة) . " شرح مسلم " (١٤ / ص ١٧٩) . ٣. وقال ابن الجوزي – ﵀ –: قوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) قال ابن قتيبة: أي: يمنعك منهم، وعصمة الله: منعه للعبد من المعاصي، ويقال: طعام لا يعصم، أي: لا يمنع من الجوع. فان قيل: فأين ضمان العصمة وقد شُجَّ جبينه، وكسِرت رَباعيته، وبولغ في أذاه؟ : فعنه جوابان: أحدهما: أنه عصمه من القتل، والأسرِ، وتلفِ الجملة، فأمّا عوارض الأذى: فلا تمنع عصمة الجملة. والثاني: أن هذه الآية نزلت بعدما جرى عليه ذلك؛ لأن " المائدة " من أواخر ما نزل. " زاد المسير " (٢ / ٣٩٧) . ٤. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀: أما ما يصيب الرسل من أنواع البلاء: فإنه لم يُعصم منه ﵊ , بل أصابه شيء من ذلك , فقد جُرح يوم أحد , وكُسرت البيضة على رأسه , ودخلت في وجنتيه بعض حلقات المغفر , وسقط في بعض الحفر التي كانت هناك , وقد ضيقوا عليه في مكة تضييقاً شديداً , فقد أصابه شيء مما أصاب من قبله من الرسل , ومما كتبه الله عليه , ورفع الله به درجاته , وأعلى به مقامه , وضاعف به حسناته , ولكن الله عصمه منهم فلم يستطيعوا قتله، ولا منعه من تبليغ الرسالة , ولم يحولوا بينه وبين ما يجب عليه من البلاغ، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ﷺ . " فتاوى الشيخ ابن باز " (٨ / ص ١٥٠) . ٥. وقال القرطبي ﵀: ليس في الآية ما ينافي الحراسة، كما أن إعلام الله نصر دينه وإظهاره، ما يمنع الأمر بالقتال، وإعداد العدد. " المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم " (٦ / ٢٨٠) . ٦. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ بعد أن ساق كلام القرطبي هذا -: وعلى هذا فالمراد: العصمة من الفتنة، والإِضلال، أو إزهاق الروح، والله أعلم. " فتح الباري " (٦ / ٨٢) . رابعاً: من الشواهد العملية على عصمته ﷺ من القتل قبل تبليغ الرسالة: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ رَجُلاً أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي فَلَمْ أَشْعُرْ إِلا وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، قَالَ: فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رواه البخاري (٢٧٥٣) ومسلم (٨٤٣) . وفي رواية: فقال: يا محمد من يمنعك مني؟ فقال رسول الله ﷺ : الله يمنعني منك، ضع السيف، فوضعه. قال النووي: ففيه بيان توكل النبي ﷺ على الله، وعصمة الله تعالى له من الناس، كما قال الله تعالى (والله يعصمك من الناس) . " شرح مسلم " (١٥ / ٤٤) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15116

قصة الغرانيق [السُّؤَالُ] ـ[قصة الغرانيق المذكورة في تفسير سورة الحج هل ثبت منها شيء؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: أصل هذه القصة حادثة وقعت للنبي ﷺ في مكة في بداية الدعوة، أنه حين أوحيت إليه سورة النجم قرأها على جمعٍ من المسلمين والمشركين، فلما بلغ آخرَها حيث يقول الله تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ. وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ. وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ. فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) النجم/٥٩-٦٢ سجد النبي ﷺ ، وسجد معه جميعُ مَن حضر من المسلمين والمشركين، إلا رجلين اثنين: أمية بن خلف، والمطلب بن وداعة. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ) رواه البخاري (١٠٧١) وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: (أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَةٌ (وَالنَّجْمِ) قَالَ: فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ، إِلَاّ رَجُلاً رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ فَسَجَدَ عَلَيْهِ، فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا، وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَف) رواه البخاري (٣٩٧٢) وأيضا برقم (٤٨٦٣) ورواه مسلم (٥٧٦) ثانيا: جاءت بعض الروايات تفسِّرُ سبب سجود المشركين مع النبي ﷺ ، وسببَ استجابتهم لأمر الله تعالى، حاصلُها أن الشيطان ألقى في أثناء قراءته كلماتٍ على لسان النبي ﷺ فيها الثناء على آلهتهم، وإثبات الشفاعة لها عند الله، وهذه الكلمات هي: " تلك الغرانيق العُلى، وإن شفاعتهن لَتُرتَجَى " وأن المشركين لما سمعوا ذلك فرحوا واطمأنوا وسجدوا مع النبي ﷺ . والغرانيق: جمع غرنوق: وهو طير أبيض طويل العنق. قال ابن الأنباري: " الغرانيق: الذكور من الطير، واحدها غِرْنَوْق وغِرْنَيْق، سمي به لبياضه، وقيل هو الكُرْكيّ، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقرّبهم من الله ، وتشفع لهم إليه، فشبهت بالطيور التي تعلو وترتفع في السماء " انتهى. لسان العرب (١٠/٢٨٦) قالوا: فكانت هذه القصة سبب نزول قوله : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) الحج/٥٢ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا القول في "منهاج السنة النبوية" (٢/٢٤٣) : " على المشهور عند السلف والخلف مِن أن ذلك جرى على لسانه ثم نسخه الله وأبطله " انتهى وبعد تتبع الآثار الواردة في هذه القصة، تبين أن مجموع السلف الذين يُحكى عنهم هذا القول يبلغ نحو ثلاثة عشر، وتبين أنه لم يثبت بالسند الصحيح إلا عن خمسةٍ منهم، وهم: سعيد بن جبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وأبو العالية، وقتادة، والزهري. أما الباقون فلا تصح نسبته إليهم، لما في الأسانيد إليهم من ضعف ونكارة، وهم: ابن عباس، وعروة بن الزبير، ومحمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس، وأبو صالح، والضحاك، ومحمد بن فضالة، والمطلب بن حنطب. انظر تخريج هذه الآثار والحكم عليها في رسالة الشيخ الألباني "نصب المجانيق" (١٠-٣٤) ثانيا: إلا أن طائفة كبيرة من المحققين من أهل العلم، نفوا وقوع هذه القصة، ولم يأخذوا بإثبات مَن ذكرها من السلف، واستدلوا على ذلك بأن قالوا: مَن ذكرها مِن السلف لم يدركوا النبي ﷺ ، ولم يذكروا مصادرهم للحادثة، فدخل الشك فيها، وساعد عليه ما في ظاهرها من طعن في النبوة، إذ كيف يُدخل الشيطان في الوحي كلماتِه الباطلة، مع أن الله تعالى حفظ وحيَه من التحريف والتبديل والزيادة، وعَصَمَه من الخطأ والزلل. يقول القاضي عياض في "الشفا" (٢/١٢٦) : " فأما من جهة المعنى: فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته ﷺ ، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، إمَّا مِن تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر، أو أن يتسوَّرَ عليه الشيطان ويشبِّهَ عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبي ﷺ أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل ﵇، وذلك كله ممتنع في حقه ﷺ . أو يقول ذلك النبي ﷺ من قبل نفسه عمدا - وذلك كفر -، أو سهوا وهو معصوم من هذا كله، وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته ﷺ من جريان الكفر على قلبه أو لسانه لا عمدا ولا سهوا، أو أن يتشبه عليه ما يلقيه الملك مما يلقى الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله لا عمدا ولا سهوا ما لم ينزل عليه، وقد قال الله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل) الآية، وقال تعالى (إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) الآية " انتهى باختصار. وقد عد الشيخ الألباني في رسالته "نصب المجانيق" (٤٦-٤٨) أسماء عشرة من العلماء المتقدمين والمتأخرين في نفي صحة هذه الحادثة، أكثرها يؤكد نفي وجود السند المتصل المرفوع بها، ومنافاتها لعصمة النبي ﷺ . ثالثا: والمسألة فيها نوع اشتباه، يصعب الجزم فيها بأمر، ولكن يمكننا القول بأن الجزم بنفي هذه الحادثة فيه نظر، وأن اعتبارها منافية لأصول العقيدة ومهمات الدين فيه نظر، أيضا، فقد صحت القصة من طريق جماعة من السلف مِن قولهم، وهي وإن كانت مرسلة، فكثرتها تبعث على الاطمئنان بوقوعها، ولو كان فيها شيء مناقض لعصمة الوحي لَما نطق بها كبار أئمة التابعين كسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم. يقول الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٨/٤٣٩) في تخريجه لهذه القصة: " كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا ... - ثم نقل تضعيف ابن العربي والقاضي عياض القصة ثم قال -: وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يَحتجُّ بمثلها مَن يحتجُّ بالمرسل، وكذا من لا يحتج به، لاعتضاد بعضها ببعض " انتهى. وليس في القصة أي طعن في عصمة التبليغ والرسالة، لأن النسخ والتصحيح جاء بوحي من الله، وسواء كان الخطأ من النبي ﷺ أو بإيهام الشيطان على أسماع المشركين، فإن المآل واحد، هو وقوع الحق وزهوق الباطل، والإخلال بمقتضى الرسالة لا يكون إلا باستمرار الباطل واختلاطه بكلام الله تعالى، وذلك ما لم يكن ولن يكون. يقول شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (١٠/٢٩٠) : " وهذه العصمة الثابته للأنبياء هي التي يحصل بها مقصود النبوة والرسالة ... فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين. ولكن هل يصدر ما يستدركه الله فينسخ ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته؟ هذا فيه قولان: والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك. والذين منعوا ذلك من المتأخرين طعنوا فيما ينقل من الزيادة في سورة النجم بقوله: " تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى " وقالوا: إن هذا لم يثبت. ومن علم أنه ثبت قال: هذا ألقاه الشيطان في مسامعهم ولم يلفظ به الرسول. ولكن السؤال وارد على هذا التقدير أيضا، وقالوا في قوله: (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) هو حديث النفس. وأما الذين قرروا ما نقل عن السلف فقالوا: هذا منقول نقلا ثابتا لا يمكن القدح فيه، والقرآن يدل عليه بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) الحج/٥٢-٥٤ فقالوا: الآثار في تفسير هذه الآية معروفة ثابتة في كتب التفسير والحديث، والقرآن يوافق ذلك، فإن نسخ الله لما يُلقي الشيطان، وإحكامه آياته، إنما يكون لرفع ما وقع في آياته، وتمييز الحق من الباطل حتى لا تختلط آياته بغيرها، وجعل ما ألقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، إنما يكون إذا كان ذلك ظاهرا يسمعه الناس لا باطنا في النفس، والفتنة التي تحصل بهذا النوع من النسخ، من جنس الفتنة التي تحصل بالنوع الآخر من النسخ، وهذا النوع أدل على صدق الرسول وبعده عن الهوى من ذلك النوع، فإنه إذا كان يأمر بأمر ثم يأمر بخلافه - وكلاهما من عند الله وهو مصدق في ذلك - فإذا قال عن نفسه إن الثاني هو الذي من عند الله وهو الناسخ، وإن ذلك المرفوع الذي نسخه الله ليس كذلك، كان أدل على اعتماده للصدق، وقوله الحق، وهذا كما قالت عائشة ﵂: (لو كان محمد كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) . ألا ترى أن الذي يُعَظِّمُ نفسَه بالباطل يريد أن ينصر كل ما قاله ولو كان خطأ، فبيان الرسول أن الله أحكم آياته ونسخ ما ألقاه الشيطان، هو أدل على تحريه للصدق وبراءته من الكذب، وهذا هو المقصود بالرسالة، فإنه الصادق المصدوق ﷺ ، ولهذا كان تكذيبه كفرا محضا بلا ريب " انتهى. والخلاصة أن إثبات أصل القصة قول متجه، وهو أقرب إلى التحقيق العلمي إن شاء الله. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15117

كتب في السيرة النبوية [السُّؤَالُ] ـ[هل يمكن أن تعطيني أسماء الكتب التي تتحدث عن السيرة الذاتية للنبي ﷺ ، كيف كان يتعامل في حياته، مع أهله وزوجاته وأصحابه رضي الله عن الجميع؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الكلام عن سيرة النبي ﷺ وحياته الدعوية والجهادية والعائلية مما يستهوي الأفئدة؛ وذلك لأن حياته ﵊ كانت مليئة بالجوانب المشرقة والأخلاق الكاملة التي يعجز أن يسطرها قلم، أو ينطق بها لسان، ولكن حسبنا ما قاله الله تعالى فيه ممتدحاً: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم /٤، فهو ﵊ عظيم الخلق مع أهله، وأصحابه حتى مع أعدائه. وانظر جواب السؤال رقم (١١٥٧٥) . ثانياً: قد ألف العلماء رحمهم في القديم والحديث كتباً في بيان السيرة العطرة له ﵊، وذكروا فيها سيرته ﷺ مع أصحابه، ومع أهله وزوجاته، ومع جيرانه، ومع أعدائه، وغزواته التي غزاها، ووفاته ﵊. ومن تلك المؤلفات: ١- سيرة ابن هشام ﵀. ٢- زاد المعاد لابن القيم الجوزية ﵀. ٣- الرحيق المختوم للمباركفوري ﵀. ٤- مختصر السيرة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀. ٥- هذا الحبيب يا محب لأبي بكر الجزائري حفظه الله. ٦- السيرة النبوية دروس وعبر للسباعي ﵀. ٧- السيرة النبوية الصحيحة لأكرم ضياء العمري حفظه الله. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15118

حديث طويل مكذوب في سياق قصة موت النبي ﷺ [السُّؤَالُ] ـ[أفيدونا عن صحة الحديث المروي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" عن جابر في قوله: (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً) قال: لما نزلت على محمد ﷺ قال: " يا جبريل نفسي قد نعيت ". قال جبريل ﵇: (وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى) ، فأمر رسول الله ﷺ بلالاً أن ينادي بـ (الصلاة جامعة) ، فاجتمع المهاجرون والأنصار، ثم صلى بهم ﵊، ثم صعد المنبر، فحمد الله ، وأثنى عليه، ثم خطب خطبة وجلت منها القلوب، وبكت منها العيون، ثم قال: أيها الناس! أي نبي كنت لكم؟ قالوا: جزاك الله من نبي خيراً، كنت لنا كالأب الرحيم، وكالأخ الناصح الشفيق، أديت رسالات الله ، وأبلغتنا وحيه، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، فجزاك الله عنا أفضل ما جازى نبياً عن أمته.....، فذكر الحديث بطوله) .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الحديث الطويل يرويه الإمام الطبراني في "المعجم الكبير" (٣/٥٨) وعنه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/٧٤) ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/٢٩٥) قال: حدثنا محمد بن أحمد بن البراء ثنا عبد المنعم بن إدريس بن سنان عن أبيه عن وهب بن منبه: عن جابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس ﵄ به. قال الهيثمي بعد إيراده هذا الحديث (٨/٦٠٥) : " رواه الطبراني، وفيه عبد المنعم بن إدريس: وهو كذاب وضاع " انتهى. وقال ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/٣٠١) : " هذا حديث موضوع محال، كافأ الله من وضعه، وقبَّح من يشين الشريعة بمثل هذا التخليط البارد، والكلام الذى لا يليق بالرسول ﷺ ولا بالصحابة. والمتهم به عبد المنعم بن إدريس: قال أحمد بن حنبل: كان يكذب على وهب. وقال يحيى: كذاب خبيث. وقال ابن المدينى وأبو داود: ليس بثقة. وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به. وقال الدارقطني: هو وأبوه متروكان." انتهى. وكذا ذكره في الموضوعات السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (١/٢٥٧) وابن عراق في "تنزيه الشريعة" (١/٣٣٠) والشوكاني في "الفوائد المجموعة" (٣٢٤) وقد احتوى هذا الحديث المكذوب جملا من الأمور: ١- فيه ذكر قصة وفاته ﷺ واستئذان ملك الموت عليه، وذكر تفاصيل غير ثابتة في تلك الحادثة العظيمة، ومن المعلوم لدى أهل العلم أن قصة وفاة النبي ﷺ من أكثر المواضيع التي كذب فيها الكذابون، وتناقل الناس فيها أشياء لا تثبت. يقول الحافظ ابن كثير ﵀ "البداية والنهاية" (٥/٢٥٦) : " وقد ذكر الواقدي وغيره في الوفاة أخبارًا كثيرةً فيها نكارات وغرابة شديدة، أضربنا عن أكثرها صفحا لضعف أسانيدها، ونكارة متونها، ولا سِيَّما ما يورده كثير من القُصَّاص المتأخرين وغيرهم، فكثير منه موضوع لا محالة، وفي الأحاديث الصحيحة والحسنة المروية في الكتب المشهورة غُنيةٌ عن الأكاذيب وما لا يعرف سنده، والله أعلم " انتهى. ولم يصح في استئذان ملك الموت على النبي ﷺ لقبض روحه أي حديث وأي خبر، وكل ما ورد في ذلك إما منكر أو موضوع، وانظر جواب السؤال رقم (٧١٤٠٠) ٢- أما قصة طلب عكاشة القصاص من رسول الله ﷺ ، فقد جاء ما يشبهها من طريق صحيح؛ لكن فيها أن الذي طلب القصاص هو أسيد بن حضير ﵁، فقد روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قَالَ: (بَيْنَمَا هُوَ – يعني أسيد بن حضير - يُحَدِّثُ الْقَوْمَ - وَكَانَ فِيهِ مِزَاحٌ - بَيْنَا يُضْحِكُهُمْ، فَطَعَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي خَاصِرَتِهِ بِعُودٍ. فَقَالَ: أَصْبِرْنِي. فَقَالَ: اصْطَبِرْ. قَالَ: إِنَّ عَلَيْكَ قَمِيصًا وَلَيْسَ عَلَيَّ قَمِيصٌ. فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَمِيصِهِ، فَاحْتَضَنَهُ وَجَعَلَ يُقَبِّلُ كَشْحَهُ، قَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) رواه أبو داود (٥٢٢٤) ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (٧/١٠٢) ، ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١/٢٠٥) والحاكم في "المستدرك" (٣/٣٢٧) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٩/٧٦) . وهذا الحديث سنده صحيح، صححه الحاكم وكذا الذهبي، وصححه الألباني في صحيح أبي داود. جاء في "عون المعبود" (١٤/٩٠) : " (فطعنه النبي ﷺ أي ضربه على سبيل المزاح (فقال) أي أسيد (أصبرني) أي: أقدرني ومكني من استيفاء القصاص حتى أطعن في خاصرتك كما طعنت في خاصرتي. (اصطبر) أي: استوف القصاص. (فاحتضنه) أي اعتنقه وأخذه في حضنه وهو ما دون الإبط إلى الكشح. (وجعل يقبل كشحه) هو ما بين الخاصرة إلى الضلع الأقصر من أضلاع الجنب. (قال إنما أردت هذا) أي: ما أردت بقولي أصبرني إلا هذا التقبيل، وما أردت حقيقة القصاص " انتهى. ٣- وفي الحديث جمل منكرة شنيعة: منها: (فإن أول من يصلي علي الرب من فوق عرشه) وهل يصلي الله على الناس صلاة الجنازة؟! هذا من شنيع كذب الوضاعين. ومنها قوله: (فلما بلغ الروح الركبتين قال رسول الله ﷺ : أوه. فلما بلغ الروح السرة نادى النبي ﷺ : واكرباه. فلما بلغ الروح إلى الثندؤة نادى النبي ﷺ : يا جبريل! ما أشد مرارة الموت) ووجه النكارة أن فيه إشعارا بتسخط النبي ﷺ وجزعه عند الموت، وحاشاه من ذلك. ومنها قوله: (فكبرنا بتكبير جبريل ﵇، وصلينا على رسول الله ﷺ بصلاة جبريل ﵇ ولا يعرف أن الملائكة تؤم المسلمين وتصلي بهم، إنما هذا من منكر ما يرويه الرواة المتهمون. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15119

هل الرسول ﷺ أول رائد فضاء ؟! [السُّؤَالُ] ـ[طرح لنا أحد الأساتذة سؤالا وقال فيه: من هو أول رائد للفضاء؟ فأجبنا على سؤاله بأنه سوفيتي الجنسية. وقال لنا الأستاذ: الإجابة خطأ. وقال: إن أول رائد للفضاء هو نبينا محمد ﷺ ، عندما عرج به إلى السماوات، وكانت مركبته البراق. فهل هذا صحيح؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا نعلم أحدا عرج به إلى السماء وفرضت عليه صلوات خمس سوى نبينا ﵊، فإنه عرج به إلى السماء السابعة حتى كان فوقها، وحتى سمع كلام الرب . فإذا عبر عنه بأنه رائد فضاء فهذا له بعض الوجاهة، لكن ليس بصحيح أنه رائد فضاء، بل إنما عرج به إلى السماء، إلى ربه ليفيض عليه بما يشاء ، وليس المقصود من هذه الرحلة أن يجوب الفضاء، وأن ينظر في الفضاء، بل المقصود من هذه الرحلة مع الملك جبرائيل ﵊ أن يرتفع إلى الله، ويجوب السماوات حتى يصل إلى ما فوق السماء السابعة، وحتى يسمع كلام ربه، وليس المقصود أن يجوب الفضاء. وهذا الكلام الذي قاله هذا المجيب له بعض الوجاهة من جهة أن النبي ﷺ شق الفضاء كله حتى جاوز السبع الطباق، فله وجه من هذه الحقيقة، لكن ليس هو المعنى المقصود عند الدول الموجودة اليوم أمريكا والسوفيت وغيرهم؛ فإن مقصودهم هو اختبار الفضاء، واختبار ما فيه من العجائب وهو ما دون السماء الدنيا، وليس المقصود هذا المعنى الذي حصل للنبي ﷺ . فالمجيب الذي قال السوفيتي له وجه، وكلام الأستاذ أيضاً له وجه، ولكن ليس منطبقا على مراد الناس اليوم، وعلى مقصود الناس اليوم؛ لأن الرسول ﷺ لم يرتحل ليجوب الفضاء، وإنما ارتحل بأمر ربه، ليتصل بالله فوق السماء السابعة، وليسمع كلامه ، وليمتثل أمره جل وعلا، فالرسول ﷺ مأمور بأن يرتحل هذه الرحلة العظيمة، ويسمع كلام ربه، وليفرض الله عليه هذه الصلوات العظيمة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، والله ولي التوفيق. فتاوى نور على الدرب للشيخ عمر بن عبد العزيز (١/١١٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15120

النبي ﷺ وبناء المجتمع الإسلامي [السُّؤَالُ] ـ[كيف وإلى أي حد نجح سيدنا محمد ﷺ في إنشاء مجتمع مستقر في المدينة عام ٦٣٢ ميلادي.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لاشك أن المجتمع الذي أنشأه النبي ﷺ في المدينة هو مثال للمجتمعات الآمنة المستقرة، وقد ظهر ذلك جليّاً منذ أن وطىء النبي ﷺ بقدمه المدينة وبدأ في تكوين الدولة، ويرجع أمن واستقرار المجتمع هذا إلى عدة أسباب وعوامل، منها: أولاً: بناؤه ﷺ للمسجد في المدينة أوّل قدومه مما ساعد في إيجاد مرجع يُلجأ إليه حين النوازل، ومكان يجتمع فيه المسلمون يسأل بعضهم عن بعض، ويعرف بعضهم أحوال بعض، فيعاد مريضهم، وتتبع جنازة ميتهم، ويعان مسكينهم، ويزوج أعزبهم. وهذه بعض الأحاديث في ذلك: عن أنس بن مالك ﵁: لمَّا قدم رسول الله ﷺ المدينة أمر ببناء المسجد، وقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. رواه البخاري (٢٦٢٢) ومسلم (٥٢٤) . عن البراء بن عازب: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ قال: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته وكان الرجل يأتي بالقِنو والقنوين فيعلقه في المسجد وكان أهل الصفة – وفي رواية ابن ماجه " فقراء المهاجرين " - ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط من البسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله تبارك تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ قال: لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطاه لم يأخذه إلا على إغماض أو حياء، قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده. رواه الترمذي (٢٩٨٧) وابن ماجه (١٨٢٢) . وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٢٣٨٩) . القِنو: العذق الذي فيه الرطب. الشيص: النخل غير الملقح. الحَشَف: تمر يابس فاسد. ثانياً: إيخاؤه ﷺ بين المهاجرن والأنصار، وقد قوَّى هذا الفعل بين أفراد المجتمع المدني بما لم يُسمع بمثله، فآخى النبي ﷺ بين العجمي والعربي، وبين الحر والمولى، وبين القرشي ومن دونه من أهل القبائل، فصار المجتمع لحمة واحدة، وجسداً واحداً، فلم يستغرب بعدها أن يطلب الأنصاري من المهاجر أن يتقاسم معه ماله نصفين، وأن يعرض الأنصاري على المهاجر إحدى نسائه ليطلقها له ويتزوجها، وكان المهاجر يرثُ الأنصاريَّ لقوة ما بينهم من العلاقة، ثم نسخ التوارث بينهما بآية المواريث، ورُغِّب الأنصار أن يوصوا لهم بشيء، فبمثل هذا المجتمع تضرب الأمثال. وهذه بعض الأحاديث في ذلك: ١- عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: لمَّا قدمنا المدينة آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالاً فأقْسِم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويتَ نزلتُ لك عنها، فإذا حلَّت تزوجتَها، قال: فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوق قينقاع، قال: فغدا إليه عبد الرحمن فأتى بأقط وسمن، قال: ثم تابع الغدو فما لبث أن جاء عبد الرحمن عليه أثر صفرة فقال رسول الله ﷺ : تزوجتَ؟ قال: نعم، قال: ومن؟ قال: امرأة من الأنصار، قال: كم سقت؟ قال: زنة نواة من ذهب – أو نواة من ذهب - فقال له النبي ﷺ : أوْلِم ولو بشاة. رواه البخاري (١٩٤٣) . ٢- عن ابن عباس ﵄ قال: كان المهاجرون لمَّا قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم فلما نزلت ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ نسخت ثم قال ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾ إلا النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصي له. رواه البخاري (٢١٧٠) . ثالثاً: شرعت الزكاة في السنة الثانية للهجرة، فصارت المواساة بين الأغنياء للفقراء مما جعل اللحمة تزداد بين المجتمع المدني، وأواصر الأخوة في الله تقوى أكثر من ذي قبل، بل تعدى الأمر من إيتاء الزكاة إلى صدقة التطوع. عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه " بيرحاء "، وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما أُنزلت هذه الآية ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله ﵎ يقول ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وإن أحب أموالي إلي " بيرحاء " وإنها صدقة لله أرجو برَّها وذُخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله ﷺ : بخٍ ذلك مال رابح، ذلك مال ربح، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. رواه البخاري (١٣٩٢) ومسلم (٩٩٨) . وقد ظهرت علامات التآلف بين المسلمين في المدينة، وعرف المهاجرون حق إخوانهم الأنصار عليهم، وفي ذلك بعض الأحاديث ومنها: عن أنس قال: لما قدِم النبي ﷺ المدينةَ أتاه المهاجرون، فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا قوماً أبذلَ مِن كثيرٍ ولا أحسنَ مواساةً مِن قليلٍ من قومٍ نزلنا بين أظهرهم، لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنإ، حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله، فقال النبي ﷺ : لا ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم. رواه الترمذي (٢٤٨٧) وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٢٠٢٠) . وقد ألّف الله بين قلوب أهل المجتمع المدني، وكان الحب في الله تعالى من شعارات القوم، وقد أوجبه الله عليهم، وجعله من علامات كمال الإيمان. عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". رواه البخاري (١٣) ومسلم (٤٥) . عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ " ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى ". رواه البخاري (٥٦٦٥) ومسلم (٢٥٨٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15121

حول سيف النبي ﷺ " البتار " وآثاره في المتاحف [السُّؤَالُ] ـ[لقد شاهدت صوراً لسيف يسمى " البتَّار "، ويقال إنه كان للرسول ﷺ ، وإنه منقوش عليه أسماء الأنبياء، وصورة للنبي داود ﵇ وهو يقطع رأس جالوت، وقد شاهدت هذه الصور وقرأت هذا الكلام في الموقع: http://www.usna.edu/Users/humss/bwheeler/swords/batar.html وسؤالي هو: إذا علمنا أن النبي ﷺ حرَّم صور الأشخاص والحيوانات، فكيف يمتلك سيفاً عليه صور؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ورد في كتب السيرة أنه كان للنبي ﷺ عدة أسياف، وقد ذكر بعض العلماء أنها تسعة أسياف، وليس يثبت من ذلك في السنة الصحيحة إلا واحد فقط! . قال ابن القيم – ﵀: كان له – ﷺ تسعة أسياف: " مأثور "، وهو أول سيف ملكه، ورثه من أبيه، و " العضب " و " ذو الفقار " - بكسر الفاء وبفتح الفاء - وكان لا يكاد يفارقه، وكانت قائمته، وقبيعته، وحلقته، وذؤابته، وبكراته، ونعله من فضة، و " القلعي "، و " البتار "، و " الحتف "، و " الرسوب "، و " المخذم "، و " القضيب "، وكان نعل سيفه فضة، وما بين حلق فضة. وكان سيفه " ذو الفقار " تنفله يوم بدر، وهو الذي أُري فيها الرؤيا. ودخل يوم الفتح مكة وعلى سيفه ذهب وفضة [ضعفه الألباني في مختصر الشمائل (٨٧) ] " زاد المعاد " (١ / ١٣٠) . وانظر: التراتيب الإدارية، للكتاني (١/٣٤٣) . ومما ثبت من ذلك في السنَّة الصحيحة " ذو الفقار ": عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَنَفَّلَ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ الَّذِي رَأَى فِيهِ الرُّؤْيَا يَوْمَ أُحُدٍ. رواه الترمذي (١٥٦١) وابن ماجه (٢٨٠٨) وحسنه الألباني في " صحيح ابن ماجه ". وقوله: (تنفل سيفه) أي: أخذه زيادة عن السهم. ورواه أحمد (٢٤٤١) – وحسنه الأرناؤط - بأتم من هذا، وفيه بيان الرؤيا: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَنَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ الَّذِي رَأَى فِيهِ الرُّؤْيَا يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: (رَأَيْتُ فِي سَيْفِي ذِي الْفَقَارِ فَلًّا فَأَوَّلْتُهُ فَلا يَكُونُ فِيكُمْ، وَرَأَيْتُ أَنِّي مُرْدِفٌ كَبْشًا فَأَوَّلْتُهُ كَبْشَ الْكَتِيبَةِ، وَرَأَيْتُ أَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ، وَرَأَيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ فَبَقَرٌ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَبَقَرٌ وَاللَّهِ خَيْرٌ) فَكَانَ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وسمِّي سيف النبي ﷺ " ذا الفقار " لأنه كانت فيه حفر صغار حسان، ويقال للحفرة فقرة، وهو أشهر سيوفه. وأما سيفه " البتَّار " فقد جاء ذِكره عند ابن سعد في " الطبقات " (١ / ٤٨٦) لكنه مرسل – وهو من أقسام الضعيف -، وفي سنده الواقدي، وأحاديث غير صحيحة. قال الحافظ العراقي – ﵀: ولابن سعد في " الطبقات " من رواية مروان بن أبي سعيد ابن المعلى مرسلاً قال: أصاب رسول الله ﷺ من سلاح بني قينقاع ثلاثة أسياف: سيف " قلعي "، وسيف يدعى " بتَّارا "، وسيف يدعى " الحتف "، وكان عنده بعد ذلك " المخذم "، و " رسوب "، أصابهما من الفلْس. وفي سنده الواقدي. " تخريج أحاديث الإحياء " (٢٤٧١) . و" القلعي " نسبة إلى " مرج القلعة " موضع بالبادية. وإذا كان لم يثبت في السنَّة الصحيحة وجود سيف بهذا الاسم للنبي ﷺ : فكيف نصدق وجوده على تلك الصورة التي ينشرها من يزعم أنها صورة سيف النبي ﷺ ؟! . ثانياً: قد ورد في السنة الصحيحة وصف سيف النبي صلى الله عليه " ذو الفقار "، وليس فيه أنه يحوي صوراً لأحدٍ، وكيف يمكن أن يقتني النبي ﷺ سيفاً كهذا، وهو الذي نهى عن الصور وأمر بطمسها؟! . وعندما فتح النبي ﷺ مكة لم يدخل الكعبة إلا بعد أن أمر بطمس ما كان فيها من صور. عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ زَمَنَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ أَنْ يَأْتِيَ الْكَعْبَةَ فَيَمْحُوَ كُلَّ صُورَةٍ فِيهَا، فَلَمْ يَدْخُلْهَا النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى مُحِيَتْ كُلَّ صُورَةٍ فِيهَا. رواه أبو داود (٤١٥٦) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". وقد ثبت في السنَّة أن مقبض سيفه " ذو الفقار " كان من فضة. عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فِضَّةٍ. رواه النسائي (٥٣٧٣) وصححه الألباني في " صحيح النسائي ". قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: والسيف يباح تحليته بيسير الفضة فإن سيف النبي كان فيه فضة. " مجموع الفتاوى " (٢٥ / ٦٤) . ثالثاً: يردُّ على ما ورد في الموقع – من وجه آخر - من زعمهم أن هذا سيف النبي ﷺ أنه لا يثبت بقاء شيء من آثار النبي ﷺ على وجه اليقين، فقد زُعم وجود نعل وشعر وثياب وأحجار تخص النبي ﷺ في مواطن كثيرة في العالم، وكل دولة تزعم أنها المحقة وغيرها ليس محقّاً، وثبت في القديم والحديث زيف ادعاءات كثيرين بنسبة ما يملكونه للنبي ﷺ ؛ لما في ذلك من التكسب من أموال الناس. وقد ذكر ابن طولون في كتابه " مفاكهة الخلان في حوادث الزمان " في حوادث سنة تسع عشرة وتسعمائة أن بعضهم زعم أنه يملك قدحاً وبعض عكاز للنبي ﷺ ، وأنه " تبيَّن أنهما ليسا من الأثر النبوي، وإنما هما من أثر الليث بن سعد "!! وقد حافظ بعض الخلفاء والكبراء على بعض آثار النبي ﷺ ، لكن ذهب كثير منها في الفتن التي تعاقبت على دولة الإسلام. ومن ذلك: إحراق التتار عند غزوهم بغداد (سنة ٦٥٦ هـ) بردة النبي ﷺ ، وفي فتنة تيمورلنك في دمسق (سنة ٨٠٣ هـ) ذهب نعلان ينسبان إلى الرسول ﷺ . ولذا شكك الأئمة بثبوت شيء من آثار النبي ﷺ باقٍ إلى الآن، بل إن منهم من جزم بعدم ثبوته. ١. قال ابن كثير – ﵀ – وهو يتحدث عن أثواب النبي ﷺ : قلت: وهذه الأثواب الثلاثة لا يدرى ما كان من أمرها بعد هذا. " البداية والنهاية " (٦ / ١٠) ، و" السيرة النبوية " (٤ / ٧١٣) . ٢. وقال السيوطي – ﵀: وقد كانت هذه البردة عند الخلفاء يتوارثونها ويطرحونها على أكتافهم في المواكب جلوساً وركوباً، وكانت على المقتدر حين قتل وتلوثت بالدم، وأظن أنها فقدت في فتنة التتار، فإنا لله وإنا إليه راجعون. " تاريخ الخلفاء " (ص ١٤) . ٣. ويقول العلامة أحمد تيمور باشا - بعد أن سرد الآثار المنسوبة إلى النبي ﷺ بالقسطنطينية في (إسطنبول) ـ: لا يخفى أن بعض هذه الآثار محتمل الصحة؛ غير أنّا لم نرَ أحداً من الثقات ذكرها بإثبات أو نفي، فالله سبحانه أعلم بها، وبعضها لا يسعنا أن نكتم ما يخامر النفس فيها من الريب ويتنازعها في الشكوك. " الآثار النبوية " (ص ٧٨) . وقال في (ص ٨٢) - بعد أن ذكر أخبار التبرك بشعرات الرسول ﷺ من قبل أصحابه ﵃: فما صح من الشعرات التي تداولها الناس بعد بذلك: فإنما وصل إليهم مما قُسم بين الأصحاب ﵃، غير أن الصعوبة في معرفة صحيحها من زائفها. انتهى ٤. وقال الشيخ الألباني – ﵀: هذا ولا بد من الإشارة إلى أننا نؤمن بجواز التبرك بآثاره ﷺ ولا ننكره، خلافاً لما يوهمه صنيع خصومنا، ولكن لهذا التبرك شروطاً، منها: الإيمان الشرعي المقبول عند الله، فمن لم يكن مسلماً صادق الإسلام: فلن يحقق الله له أي خير بتبركه هذا. كما يشترط للراغب في التبرك أن يكون حاصلاً على أثر من آثاره ﷺ ويستعمله. ونحن نعلم أن آثاره من ثياب، أو شعر، أو فضلات: قد فقدت، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين. " التوسل " (١ / ١٤٥) . ٥. وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – في مقال " تعقيب على ملاحظات الشيخ محمد المجذوب بن مصطفى -: وأما ما انفصل من جسده ﷺ أو لامسه: فهذا يُتَبَرَّك إذا وُجد وتحقق في حال حياته وبعد موته إذا بقي، لكن الأغلب أن لا يبقى بعد موته، وما يدَّعيه الآن بعض الخرافيين من وجود شيء من شعره أو غير ذلك: فهي دعوى باطلة لا دليل عليها ... . لا وجود لهذه الآثار الآن؛ لتطاول الزمن الذي تبلى معه هذه الآثار وتزول؛ ولعدم الدليل على ما يُدَّعى بقاؤه منها بالفعل. " البيان لأخطاء بعض الكتَّاب " (ص ١٥٤) . ٦. وتحت عنوان " هل يوجد شيء من آثار الرسول ﷺ في العصر الحاضر " بيَّن الدكتور ناصر بن عبد الرحمن الجديع في " التبرك، أنواعه وأحكامه " - (ص ٢٥٦ - ٢٦٠) - أنه يشك في ثبوت نسبة ما يوجد الآن من هذه الآثار إلى النبي ﷺ ، وبيَّن فقدان الكثير من آثار الرسول ﷺ على مدى القرون والأيام بسبب الضياع، أو الحروب والفتن. انتهى والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15122

كيف شرح الله صدر رسوله الكريم محمد ﷺ [السُّؤَالُ] ـ[كيف شرح الله تعالى صدر رسوله ﷺ عندما قال: (ألم نشرح لك صدرك) ؟.....وهل صحيح ما قيل: إنه كان على يد سيدنا جبريل ﵇ مرتين في عمره؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه لقد أنعم الله على أنبيائه ورسله بنعم عظيمة جليلة، أولاها فضلا، وأوفاها مِنَّةً، وأعلاها قدرا نعمةُ النبوة، حيث اصطفاهم لقربه، واجتباهم لرحمته. يقول الله تعالى: (وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ) آل عمران/١٧٩ ويقول سبحانه: (وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) الأنعام/٨٧ وقد خص الله نبيه وخليله محمدا ﷺ بمزيد فضل، وحباه بعظيم قدر، حتى قال : (وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) النساء/١١٣ ومن هذا الفضل أنه سبحانه شرح صدر الرسول الكريم محمدٍ ﷺ ، وامتن عليه بهذه النعمة العظيمة في سورة من القرآن الكريم تتلى إلى يوم القيامة، تسمى سورة "الشرح". يقول : (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) الشرح/١ وشَرْحُ صدر النبي ﷺ يتضمن معاني كثيرة عظيمة: ١- شرح الله صدره للإسلام دينا وشريعة، وهذا أعظم ما يمكن أن ينشرح له الصدر، وهو تفسير ابن عباس، علقه البخاري في صحيحه (كتاب التفسير / باب سورة الشرح، ص ٩٨٢) ٢- وشرح الله صدر نبيه محمد ﷺ بأن ملأه حكمة وعلما وإيمانا، كما فسره الحسن البصري، ويذكر العلماء في تفسير ذلك حادثة شق صدره ﷺ ، والتي تكررت مرتين في حياته ﷺ : الأولى: كانت وهو صغير في بني سعد. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﷺ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ. ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ يَعْنِي ظِئْرَهُ فَقَالُوا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ قَالَ أَنَسٌ وَقَدْ كُنْتُ أَرْئِي أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ) رواه مسلم (١٦٢) الثانية: كانت ليلة الإسراء. كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﷺ فَفَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ) رواه البخاري (٣٤٩) ومسلم (١٦٣) يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى "فتح الباري" (٧/٢٠٤) : " وقد استنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة الإسراء، وقال إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد، ولا إنكار في ذلك، فقد تواردت الروايات به ... وجميع ما ورد من شق الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك، قال القرطبي في "المفهم": لا يلتفت لإنكار الشق ليلة الإسراء؛ لأن رواته ثقات مشاهير " انتهى. وقد جاءت حادثة شق الصدر أيضا في بعض الروايات في أوقات أخرى، في عمر العشر سنوات، وعند البعثة، لكنها روايات ضعيفة. انظر "السيرة النبوية الصحيحة" (١/١٠٣) يقول ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (٤/٦٧٧) : " يقول تعالى: (ألم نشرح لك صدرك) يعني: أما شرحنا لك صدرك، أي: نورناه وجعلناه فسيحا رحيبا واسعا، كقوله: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) وقيل: المراد بقوله: (ألم نشرح لك صدرك) شرح صدره ليلة الإسراء، ولكن لا منافاة، فإنه من جملة شرح صدره الذي فعل بصدره ليلة الإسراء وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضا فالله أعلم " انتهى. ٣- وجاء في "روح المعاني" (٣٠/١٦٦) : " وقيل: المعنى: ألم نزل همك وغمك بإطلاعك على حقائق الأمور وحقارة الدنيا، فهان عليك احتمال المكاره في الدعاء إلى الله تعالى. ونقل عن الجمهور أن المعنى: ألم نفسحه بالحكمة ونوسعه بتيسيرنا لك تلقي ما يوحى إليك بعد ما كان يشق عليك " انتهى. ٤- وقال ابن عاشور في "التحرير والتنوير" (١/٤٨٥٠) : " وشرح صدره كناية عن الإنعام عليه بكل ما تطمح إليه نفسه الزكية من الكمالات، وإعلامه برضى الله عنه، وبشارته بما سيحصل للدين الذي جاء به من النصر " انتهى. وانظر "سبل الهدى والرشاد" (٢/٥٩) . ٥- ويقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "تفسير سورة الشرح" (ص/١) : " وهذا الشرح شرح معنوي ليس شرحاً حسيًّا، وشرح الصدر أن يكون متسعاً لحكم الله بنوعيه، حكم الله الشرعي وهو الدين، وحكم الله القدري وهو المصائب التي تحدث على الإنسان " انتهى باختصار. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15123

هل دعا الرسول ﷺ للمسلمين الذين لم يروه ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل دعا الرسول ﷺ لإخوانه الذين يأتون بعده بدعوةٍ تخصهم بالخير؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه أولا: لقد كان الرسول الكريم محمد ﷺ أرحم الناس وأرقَّهم، يحب الخير لهم، ويحرص على سعادتهم ونجاتهم، ولن نجد أصدق من كلمات الله تعالى دليلا على ذلك: يقول الله : (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) التوبة/١٢٨ وكان يحب أمته كثيرا، يحمل هَمَّ نجاتها يوم القيامة، ويرجو أن يكرمها الله بجنته، حتى كان يبكي من شدة خوفه عليهم ورحمته بهم. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا قَوْلَ اللَّهِ فِي إِبْرَاهِيمَ (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) الْآيَةَ وَقَالَ عِيسَى ﵇: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي. وَبَكَى. فَقَالَ اللَّهُ : يَا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ - وَرَبُّكَ أَعْلَمُ - فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ. فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ. فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ) رواه مسلم (٢٠٢) يقول النووي ﵀ في "شرح مسلم" (٣/٧٨-٧٩) : " هذا الحديث مشتمل على أنواع من الفوائد منها: بيان كمال شفقة النبي ﷺ على أمته، واعتنائه بمصالحهم، واهتمامه بأمرهم، ومنها البشارة العظيمة لهذه الأمة - زادها الله تعالى شرفا - بما وعدها الله تعالى بقوله (سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك) وهذا من أرجى الأحاديث لهذه الأمة أو أرجاها " انتهى. فقد كان النبي ﷺ يدعو لجميع أمته، ويستغيث الله تعالى أن يجعلها أمةً مكرَّمةً مرحومةً، حتى استجاب اللَّه له فجعل شطر أهل الجنة من أمته، أو يزيد، ورزقهم شفاعته يوم القيامة. ثانيا: من رحمته ﷺ وحبه لأمته أنه خص مَن آمن به واتبعه ولم يره بمزيد فضل وخير: عن أنس بن مالك ﵁ قال رسول الله ﷺ : (طُوبَى لِمَن آمَنَ بِي وَرَآنِي مَرَّةً، وُطُوبَى لِمَن آمَنَ بِي وَلَم يَرَنِي سَبعَ مِرَارٍ) رواه أحمد في "المسند" (٣/١٥٥) وقال المحققون: حسن لغيره. وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٢٤١) ، وقد جاء نحو هذا الحديث عن جماعة من الصحابة. يقول النووي ﵀ في "شرح مسلم" (٢/١٧٦) : " وأما معنى طوبى: فاختلف المفسرون فى معنى قوله تعالى: (طوبى لهم وحسن مآب) فروي عن ابن عباس رضى الله عنهما أن معناه: فرح وقرة عين. وقال عكرمة: نِعم ما لهم. وقال الضحاك: غبطةٌ لهم. وقال قتادة: حسنى لهم. وعن قتادة أيضا: معناه أصابوا خيرا. وقال إبراهيم: خير لهم وكرامة. وقال ابن عجلان: دوام الخير. وقيل: الجنة. وقيل: شجرة فى الجنة. وكل هذه الأقوال محتملة فى الحديث والله اعلم " انتهى. ثم بشر ﷺ المؤمنين بعده ممن لم يره بأنه ينتظرهم عند الحوض الشريف: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبُرَةِ فَقَالَ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ إِخْوَانَنَا. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانِي الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ فِي خَيْلٍ بُهْمٍ دُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ) (أنا فرطهم) أي أنا أتقدمهم على الحوض، (دهم) سود. "شرح النووي" (٣/١٣٩) رواه مسلم (٢٤٩) والنسائي (١٥٠) واللفظ له، وانظر "السلسلة الصحيحة" (٢٨٨٨) فمن أراد أن يحصل هذه الفضائل فعليه أن يلتزم هدي النبي ﷺ ، وأن يتمسك بسنته، حتى يفوز بصحبته في الجنة. نسأل الله تعالى أن يكرمنا وإياكم بذلك من فضله، إنه جواد كريم. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15124

من الذي اعتنى برسول الله ﷺ بعد وفاة أمه [السُّؤَالُ] ـ[من الذي اعتنى بالنبي محمد ﷺ بعدما مات أبواه؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الذي اعتنى به هو جده عبد المطلب ثم بعد وفاة جده اعتنى به عمّه أبو طالب، وكلاهما مات كافراً، أما عبد المطلب فمات قبل النبوة، وأما أبو طالب فمات بعد النبوة بنحو عشر سنين بعد أن أبى الدخول في الإسلام. قال ابن كثير: كان رسول الله ﷺ مع أمه آمنة بنت وهب فلما توفيت قبضه إليه جده عبد المطلب وكان يجلس على فراشه وكان عبد المطلب لا يأكل طعاما إلا يقول علي بابني فيؤتى به إليه فلما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله ﷺ وقال ابن إسحاق فلما بلغ رسول الله ﷺ ثمان سنين هلك جده عبد المطلب بن هاشم وكان رسول الله ﷺ بعد جده عبد المطلب مع عمه أبي طالب لوصية عبد المطلب له به ولأنه كان شقيق أبيه عبد الله أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم قال فكان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله ﷺ وكان أبو طالب لا مال له وكان يحبه حبا شديدا لا يحبه ولده وكان لا ينام إلا إلى جنبه ويخرج فيخرج معه وكان يخصه بالطعام. البداية والنهاية ج/ ٢ ص/ ٢٨٢. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15125

هل كانت زوجاته ﷺ تسع أم إحدى عشرة [السُّؤَالُ] ـ[في كتاب " الرحيق المختوم " لصفي الرحمن المباركفوري يقول المؤلف في باب " بيت النبوة" أنه صلي الله عليه وسلم كان عنده إحدى عشرة زوجة وهناك أيضا اثنتان لم يدخل بهما بالإضافة إلي أربع مما ملكت يمينه فهل هذه المعلومات صحيحة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اختلف أهل العلم في عدد نسائه ﷺ ، وقد ذهب الجمهور منهم – وهو الصواب – أنهنَّ إحدى عشر امرأة دخل بهن ﷺ ، وقد مات عن تسعٍ منهن، وماتت خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة – ﵄ – قبله ﷺ . وهو قول أصحابه كما رواه عنهم الأئمة في كتبهم الصحيحة: عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه في ليلة واحدة، وله تسع نسوة. رواه البخاري ٢٨٠. وقد تفرد معاذ بن هشام عن أبيه في رواية عند البخاري (٢٦٥) أنهن " إحدى عشر " وهو وهم، والصواب أنه كان يطوف على تسع نسوة. قال ابن حجر: قال ابن خزيمة: تفرد بذلك معاذ بن هشام عن أبيه، ورواه سعيد بن أبي عروبة وغيره عن قتادة فقالوا " تسع نسوة "، انتهى، وقد أشار البخاري إلى رواية سعيد بن أبي عروبة فعلقها هنا، ووصلها بعد اثني عشر باباً بلفظ " كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وله يومئذ تسع نسوة ". " فتح الباري " ١/٣٧٧ وعن عطاء قال: حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة بسرف فقال ابن عباس: هذه زوجة النبي ﷺ فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها ولا تزلزلوها وارفقوا فإنه كان عند النبي ﷺ تسع كان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة. رواه البخاري (٤٧٨٠) ومسلم (١٤٦٥) والتي كان لا يقسم لها هي: سودة بنت زمعة حيث تنازلت عن ليلتها لعائشة – ﵂. قال ابن القيم: ولا خلاف أنه توفي عن تسع وكان يقسم منهن لثمان عائشة وحفصة وزينب بنت جحش وأم سلمة وصفية وأم حبيبة وميمونة وسودة وجويرية وأول نسائه لُحُوقا به بعد وفاته زينب بنت جحش سنة عشرين وآخرهن موتا أم سلمة سنة اثنتين وستين في خلافة يزيد. " زاد المعاد " (١ / ١١٤) وأما إماؤه فقد كان له ﷺ أربع إماء. قال ابن القيم: قال أبو عبيدة: كان له أربع: مارية وهي أم ولده إبراهيم، وريحانة، وجارية أخرى جميلة أصابها في بعض السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش. " زاد المعاد " (١ / ١١٤) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →