Полный текст (16 344 стр.). Показаны 15121–15160 · переход к 15126.
стр. 15121
حول سيف النبي ﷺ " البتار " وآثاره في المتاحف
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد شاهدت صوراً لسيف يسمى " البتَّار "، ويقال إنه كان للرسول ﷺ ، وإنه منقوش عليه أسماء الأنبياء، وصورة للنبي داود ﵇ وهو يقطع رأس جالوت، وقد شاهدت هذه الصور وقرأت هذا الكلام في الموقع:
http://www.usna.edu/Users/humss/bwheeler/swords/batar.html
وسؤالي هو:
إذا علمنا أن النبي ﷺ حرَّم صور الأشخاص والحيوانات، فكيف يمتلك سيفاً عليه صور؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ورد في كتب السيرة أنه كان للنبي ﷺ عدة أسياف، وقد ذكر بعض العلماء أنها تسعة أسياف، وليس يثبت من ذلك في السنة الصحيحة إلا واحد فقط! .
قال ابن القيم – ﵀:
كان له – ﷺ تسعة أسياف:
" مأثور "، وهو أول سيف ملكه، ورثه من أبيه، و " العضب " و " ذو الفقار " - بكسر الفاء وبفتح الفاء - وكان لا يكاد يفارقه، وكانت قائمته، وقبيعته، وحلقته، وذؤابته، وبكراته، ونعله من فضة، و " القلعي "، و " البتار "، و " الحتف "، و " الرسوب "، و " المخذم "، و " القضيب "، وكان نعل سيفه فضة، وما بين حلق فضة.
وكان سيفه " ذو الفقار " تنفله يوم بدر، وهو الذي أُري فيها الرؤيا.
ودخل يوم الفتح مكة وعلى سيفه ذهب وفضة [ضعفه الألباني في مختصر الشمائل (٨٧) ]
" زاد المعاد " (١ / ١٣٠) . وانظر: التراتيب الإدارية، للكتاني (١/٣٤٣) .
ومما ثبت من ذلك في السنَّة الصحيحة " ذو الفقار ":
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَنَفَّلَ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ الَّذِي رَأَى فِيهِ الرُّؤْيَا يَوْمَ أُحُدٍ.
رواه الترمذي (١٥٦١) وابن ماجه (٢٨٠٨) وحسنه الألباني في " صحيح ابن ماجه ".
وقوله: (تنفل سيفه) أي: أخذه زيادة عن السهم.
ورواه أحمد (٢٤٤١) – وحسنه الأرناؤط - بأتم من هذا، وفيه بيان الرؤيا:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَنَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ الَّذِي رَأَى فِيهِ الرُّؤْيَا يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: (رَأَيْتُ فِي سَيْفِي ذِي الْفَقَارِ فَلًّا فَأَوَّلْتُهُ فَلا يَكُونُ فِيكُمْ، وَرَأَيْتُ أَنِّي مُرْدِفٌ كَبْشًا فَأَوَّلْتُهُ كَبْشَ الْكَتِيبَةِ، وَرَأَيْتُ أَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ، وَرَأَيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ فَبَقَرٌ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَبَقَرٌ وَاللَّهِ خَيْرٌ) فَكَانَ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وسمِّي سيف النبي ﷺ " ذا الفقار " لأنه كانت فيه حفر صغار حسان، ويقال للحفرة فقرة، وهو أشهر سيوفه.
وأما سيفه " البتَّار " فقد جاء ذِكره عند ابن سعد في " الطبقات " (١ / ٤٨٦) لكنه مرسل – وهو من أقسام الضعيف -، وفي سنده الواقدي، وأحاديث غير صحيحة.
قال الحافظ العراقي – ﵀:
ولابن سعد في " الطبقات " من رواية مروان بن أبي سعيد ابن المعلى مرسلاً قال: أصاب رسول الله ﷺ من سلاح بني قينقاع ثلاثة أسياف: سيف " قلعي "، وسيف يدعى " بتَّارا "، وسيف يدعى " الحتف "، وكان عنده بعد ذلك " المخذم "، و " رسوب "، أصابهما من الفلْس.
وفي سنده الواقدي.
" تخريج أحاديث الإحياء " (٢٤٧١) .
و" القلعي " نسبة إلى " مرج القلعة " موضع بالبادية.
وإذا كان لم يثبت في السنَّة الصحيحة وجود سيف بهذا الاسم للنبي ﷺ : فكيف نصدق وجوده على تلك الصورة التي ينشرها من يزعم أنها صورة سيف النبي ﷺ ؟! .
ثانياً:
قد ورد في السنة الصحيحة وصف سيف النبي صلى الله عليه " ذو الفقار "، وليس فيه أنه يحوي صوراً لأحدٍ، وكيف يمكن أن يقتني النبي ﷺ سيفاً كهذا، وهو الذي نهى عن الصور وأمر بطمسها؟! .
وعندما فتح النبي ﷺ مكة لم يدخل الكعبة إلا بعد أن أمر بطمس ما كان فيها من صور.
عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ زَمَنَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ أَنْ يَأْتِيَ الْكَعْبَةَ فَيَمْحُوَ كُلَّ صُورَةٍ فِيهَا، فَلَمْ يَدْخُلْهَا النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى مُحِيَتْ كُلَّ صُورَةٍ فِيهَا.
رواه أبو داود (٤١٥٦) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وقد ثبت في السنَّة أن مقبض سيفه " ذو الفقار " كان من فضة.
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فِضَّةٍ.
رواه النسائي (٥٣٧٣) وصححه الألباني في " صحيح النسائي ".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
والسيف يباح تحليته بيسير الفضة فإن سيف النبي كان فيه فضة.
" مجموع الفتاوى " (٢٥ / ٦٤) .
ثالثاً:
يردُّ على ما ورد في الموقع – من وجه آخر - من زعمهم أن هذا سيف النبي ﷺ أنه لا يثبت بقاء شيء من آثار النبي ﷺ على وجه اليقين، فقد زُعم وجود نعل وشعر وثياب وأحجار تخص النبي ﷺ في مواطن كثيرة في العالم، وكل دولة تزعم أنها المحقة وغيرها ليس محقّاً، وثبت في القديم والحديث زيف ادعاءات كثيرين بنسبة ما يملكونه للنبي ﷺ ؛ لما في ذلك من التكسب من أموال الناس.
وقد ذكر ابن طولون في كتابه " مفاكهة الخلان في حوادث الزمان " في حوادث سنة تسع عشرة وتسعمائة أن بعضهم زعم أنه يملك قدحاً وبعض عكاز للنبي ﷺ ، وأنه " تبيَّن أنهما ليسا من الأثر النبوي، وإنما هما من أثر الليث بن سعد "!!
وقد حافظ بعض الخلفاء والكبراء على بعض آثار النبي ﷺ ، لكن ذهب كثير منها في الفتن التي تعاقبت على دولة الإسلام.
ومن ذلك: إحراق التتار عند غزوهم بغداد (سنة ٦٥٦ هـ) بردة النبي ﷺ ، وفي فتنة تيمورلنك في دمسق (سنة ٨٠٣ هـ) ذهب نعلان ينسبان إلى الرسول ﷺ .
ولذا شكك الأئمة بثبوت شيء من آثار النبي ﷺ باقٍ إلى الآن، بل إن منهم من جزم بعدم ثبوته.
١. قال ابن كثير – ﵀ – وهو يتحدث عن أثواب النبي ﷺ :
قلت: وهذه الأثواب الثلاثة لا يدرى ما كان من أمرها بعد هذا.
" البداية والنهاية " (٦ / ١٠) ، و" السيرة النبوية " (٤ / ٧١٣) .
٢. وقال السيوطي – ﵀:
وقد كانت هذه البردة عند الخلفاء يتوارثونها ويطرحونها على أكتافهم في المواكب جلوساً وركوباً، وكانت على المقتدر حين قتل وتلوثت بالدم، وأظن أنها فقدت في فتنة التتار، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
" تاريخ الخلفاء " (ص ١٤) .
٣. ويقول العلامة أحمد تيمور باشا - بعد أن سرد الآثار المنسوبة إلى النبي ﷺ بالقسطنطينية في (إسطنبول) ـ:
لا يخفى أن بعض هذه الآثار محتمل الصحة؛ غير أنّا لم نرَ أحداً من الثقات ذكرها بإثبات أو نفي، فالله سبحانه أعلم بها، وبعضها لا يسعنا أن نكتم ما يخامر النفس فيها من الريب ويتنازعها في الشكوك.
" الآثار النبوية " (ص ٧٨) .
وقال في (ص ٨٢) - بعد أن ذكر أخبار التبرك بشعرات الرسول ﷺ من قبل أصحابه ﵃:
فما صح من الشعرات التي تداولها الناس بعد بذلك: فإنما وصل إليهم مما قُسم بين الأصحاب ﵃، غير أن الصعوبة في معرفة صحيحها من زائفها. انتهى
٤. وقال الشيخ الألباني – ﵀:
هذا ولا بد من الإشارة إلى أننا نؤمن بجواز التبرك بآثاره ﷺ ولا ننكره، خلافاً لما يوهمه صنيع خصومنا، ولكن لهذا التبرك شروطاً، منها:
الإيمان الشرعي المقبول عند الله، فمن لم يكن مسلماً صادق الإسلام: فلن يحقق الله له أي خير بتبركه هذا.
كما يشترط للراغب في التبرك أن يكون حاصلاً على أثر من آثاره ﷺ ويستعمله.
ونحن نعلم أن آثاره من ثياب، أو شعر، أو فضلات: قد فقدت، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين.
" التوسل " (١ / ١٤٥) .
٥. وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – في مقال " تعقيب على ملاحظات الشيخ محمد المجذوب بن مصطفى -:
وأما ما انفصل من جسده ﷺ أو لامسه: فهذا يُتَبَرَّك إذا وُجد وتحقق في حال حياته وبعد موته إذا بقي، لكن الأغلب أن لا يبقى بعد موته، وما يدَّعيه الآن بعض الخرافيين من وجود شيء من شعره أو غير ذلك: فهي دعوى باطلة لا دليل عليها ... .
لا وجود لهذه الآثار الآن؛ لتطاول الزمن الذي تبلى معه هذه الآثار وتزول؛ ولعدم الدليل على ما يُدَّعى بقاؤه منها بالفعل.
" البيان لأخطاء بعض الكتَّاب " (ص ١٥٤) .
٦. وتحت عنوان " هل يوجد شيء من آثار الرسول ﷺ في العصر الحاضر " بيَّن الدكتور ناصر بن عبد الرحمن الجديع في " التبرك، أنواعه وأحكامه " - (ص ٢٥٦ - ٢٦٠) - أنه يشك في ثبوت نسبة ما يوجد الآن من هذه الآثار إلى النبي ﷺ ، وبيَّن فقدان الكثير من آثار الرسول ﷺ على مدى القرون والأيام بسبب الضياع، أو الحروب والفتن. انتهى
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15122
كيف شرح الله صدر رسوله الكريم محمد ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف شرح الله تعالى صدر رسوله ﷺ عندما قال: (ألم نشرح لك صدرك) ؟.....وهل صحيح ما قيل: إنه كان على يد سيدنا جبريل ﵇ مرتين في عمره؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد للَّه
لقد أنعم الله على أنبيائه ورسله بنعم عظيمة جليلة، أولاها فضلا، وأوفاها مِنَّةً، وأعلاها قدرا نعمةُ النبوة، حيث اصطفاهم لقربه، واجتباهم لرحمته.
يقول الله تعالى: (وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ) آل عمران/١٧٩
ويقول سبحانه: (وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) الأنعام/٨٧
وقد خص الله نبيه وخليله محمدا ﷺ بمزيد فضل، وحباه بعظيم قدر، حتى قال : (وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) النساء/١١٣
ومن هذا الفضل أنه سبحانه شرح صدر الرسول الكريم محمدٍ ﷺ ، وامتن عليه بهذه النعمة العظيمة في سورة من القرآن الكريم تتلى إلى يوم القيامة، تسمى سورة "الشرح".
يقول : (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) الشرح/١
وشَرْحُ صدر النبي ﷺ يتضمن معاني كثيرة عظيمة:
١- شرح الله صدره للإسلام دينا وشريعة، وهذا أعظم ما يمكن أن ينشرح له الصدر، وهو تفسير ابن عباس، علقه البخاري في صحيحه (كتاب التفسير / باب سورة الشرح، ص ٩٨٢)
٢- وشرح الله صدر نبيه محمد ﷺ بأن ملأه حكمة وعلما وإيمانا، كما فسره الحسن البصري، ويذكر العلماء في تفسير ذلك حادثة شق صدره ﷺ ، والتي تكررت مرتين في حياته ﷺ :
الأولى: كانت وهو صغير في بني سعد.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﷺ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ. ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ يَعْنِي ظِئْرَهُ فَقَالُوا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ قَالَ أَنَسٌ وَقَدْ كُنْتُ أَرْئِي أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ) رواه مسلم (١٦٢)
الثانية: كانت ليلة الإسراء.
كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﷺ فَفَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ) رواه البخاري (٣٤٩) ومسلم (١٦٣)
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى "فتح الباري" (٧/٢٠٤) :
" وقد استنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة الإسراء، وقال إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد، ولا إنكار في ذلك، فقد تواردت الروايات به ... وجميع ما ورد من شق الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك، قال القرطبي في "المفهم": لا يلتفت لإنكار الشق ليلة الإسراء؛ لأن رواته ثقات مشاهير " انتهى.
وقد جاءت حادثة شق الصدر أيضا في بعض الروايات في أوقات أخرى، في عمر العشر سنوات، وعند البعثة، لكنها روايات ضعيفة. انظر "السيرة النبوية الصحيحة" (١/١٠٣)
يقول ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (٤/٦٧٧) :
" يقول تعالى: (ألم نشرح لك صدرك) يعني: أما شرحنا لك صدرك، أي: نورناه وجعلناه فسيحا رحيبا واسعا، كقوله: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام)
وقيل: المراد بقوله: (ألم نشرح لك صدرك) شرح صدره ليلة الإسراء، ولكن لا منافاة، فإنه من جملة شرح صدره الذي فعل بصدره ليلة الإسراء وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضا فالله أعلم " انتهى.
٣- وجاء في "روح المعاني" (٣٠/١٦٦) :
" وقيل: المعنى: ألم نزل همك وغمك بإطلاعك على حقائق الأمور وحقارة الدنيا، فهان عليك احتمال المكاره في الدعاء إلى الله تعالى.
ونقل عن الجمهور أن المعنى: ألم نفسحه بالحكمة ونوسعه بتيسيرنا لك تلقي ما يوحى إليك بعد ما كان يشق عليك " انتهى.
٤- وقال ابن عاشور في "التحرير والتنوير" (١/٤٨٥٠) :
" وشرح صدره كناية عن الإنعام عليه بكل ما تطمح إليه نفسه الزكية من الكمالات، وإعلامه برضى الله عنه، وبشارته بما سيحصل للدين الذي جاء به من النصر " انتهى.
وانظر "سبل الهدى والرشاد" (٢/٥٩) .
٥- ويقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "تفسير سورة الشرح" (ص/١) :
" وهذا الشرح شرح معنوي ليس شرحاً حسيًّا، وشرح الصدر أن يكون متسعاً لحكم الله بنوعيه، حكم الله الشرعي وهو الدين، وحكم الله القدري وهو المصائب التي تحدث على الإنسان " انتهى باختصار.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15123
هل دعا الرسول ﷺ للمسلمين الذين لم يروه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل دعا الرسول ﷺ لإخوانه الذين يأتون بعده بدعوةٍ تخصهم بالخير؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد للَّه
أولا:
لقد كان الرسول الكريم محمد ﷺ أرحم الناس وأرقَّهم، يحب الخير لهم، ويحرص على سعادتهم ونجاتهم، ولن نجد أصدق من كلمات الله تعالى دليلا على ذلك:
يقول الله :
(لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) التوبة/١٢٨
وكان يحب أمته كثيرا، يحمل هَمَّ نجاتها يوم القيامة، ويرجو أن يكرمها الله بجنته، حتى كان يبكي من شدة خوفه عليهم ورحمته بهم.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁:
(أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا قَوْلَ اللَّهِ فِي إِبْرَاهِيمَ (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) الْآيَةَ وَقَالَ عِيسَى ﵇: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي. وَبَكَى. فَقَالَ اللَّهُ : يَا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ - وَرَبُّكَ أَعْلَمُ - فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ. فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ. فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ) رواه مسلم (٢٠٢)
يقول النووي ﵀ في "شرح مسلم" (٣/٧٨-٧٩) :
" هذا الحديث مشتمل على أنواع من الفوائد منها: بيان كمال شفقة النبي ﷺ على أمته، واعتنائه بمصالحهم، واهتمامه بأمرهم، ومنها البشارة العظيمة لهذه الأمة - زادها الله تعالى شرفا - بما وعدها الله تعالى بقوله (سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك) وهذا من أرجى الأحاديث لهذه الأمة أو أرجاها " انتهى.
فقد كان النبي ﷺ يدعو لجميع أمته، ويستغيث الله تعالى أن يجعلها أمةً مكرَّمةً مرحومةً، حتى استجاب اللَّه له فجعل شطر أهل الجنة من أمته، أو يزيد، ورزقهم شفاعته يوم القيامة.
ثانيا:
من رحمته ﷺ وحبه لأمته أنه خص مَن آمن به واتبعه ولم يره بمزيد فضل وخير:
عن أنس بن مالك ﵁ قال رسول الله ﷺ :
(طُوبَى لِمَن آمَنَ بِي وَرَآنِي مَرَّةً، وُطُوبَى لِمَن آمَنَ بِي وَلَم يَرَنِي سَبعَ مِرَارٍ)
رواه أحمد في "المسند" (٣/١٥٥) وقال المحققون: حسن لغيره. وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٢٤١) ، وقد جاء نحو هذا الحديث عن جماعة من الصحابة.
يقول النووي ﵀ في "شرح مسلم" (٢/١٧٦) :
" وأما معنى طوبى: فاختلف المفسرون فى معنى قوله تعالى: (طوبى لهم وحسن مآب) فروي عن ابن عباس رضى الله عنهما أن معناه: فرح وقرة عين. وقال عكرمة: نِعم ما لهم. وقال الضحاك: غبطةٌ لهم. وقال قتادة: حسنى لهم. وعن قتادة أيضا: معناه أصابوا خيرا. وقال إبراهيم: خير لهم وكرامة. وقال ابن عجلان: دوام الخير. وقيل: الجنة. وقيل: شجرة فى الجنة. وكل هذه الأقوال محتملة فى الحديث والله اعلم " انتهى.
ثم بشر ﷺ المؤمنين بعده ممن لم يره بأنه ينتظرهم عند الحوض الشريف:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبُرَةِ فَقَالَ:
(السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ إِخْوَانَنَا. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانِي الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ فِي خَيْلٍ بُهْمٍ دُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ)
(أنا فرطهم) أي أنا أتقدمهم على الحوض، (دهم) سود. "شرح النووي" (٣/١٣٩)
رواه مسلم (٢٤٩) والنسائي (١٥٠) واللفظ له، وانظر "السلسلة الصحيحة" (٢٨٨٨)
فمن أراد أن يحصل هذه الفضائل فعليه أن يلتزم هدي النبي ﷺ ، وأن يتمسك بسنته، حتى يفوز بصحبته في الجنة.
نسأل الله تعالى أن يكرمنا وإياكم بذلك من فضله، إنه جواد كريم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15124
من الذي اعتنى برسول الله ﷺ بعد وفاة أمه
[السُّؤَالُ]
ـ[من الذي اعتنى بالنبي محمد ﷺ بعدما مات أبواه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الذي اعتنى به هو جده عبد المطلب ثم بعد وفاة جده اعتنى به عمّه أبو طالب، وكلاهما مات كافراً، أما عبد المطلب فمات قبل النبوة، وأما أبو طالب فمات بعد النبوة بنحو عشر سنين بعد أن أبى الدخول في الإسلام.
قال ابن كثير: كان رسول الله ﷺ مع أمه آمنة بنت وهب فلما توفيت قبضه إليه جده عبد المطلب وكان يجلس على فراشه وكان عبد المطلب لا يأكل طعاما إلا يقول علي بابني فيؤتى به إليه فلما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله ﷺ وقال ابن إسحاق فلما بلغ رسول الله ﷺ ثمان سنين هلك جده عبد المطلب بن هاشم وكان رسول الله ﷺ بعد جده عبد المطلب مع عمه أبي طالب لوصية عبد المطلب له به ولأنه كان شقيق أبيه عبد الله أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم قال فكان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله ﷺ وكان أبو طالب لا مال له وكان يحبه حبا شديدا لا يحبه ولده وكان لا ينام إلا إلى جنبه ويخرج فيخرج معه وكان يخصه بالطعام.
البداية والنهاية ج/ ٢ ص/ ٢٨٢.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15125
هل كانت زوجاته ﷺ تسع أم إحدى عشرة
[السُّؤَالُ]
ـ[في كتاب " الرحيق المختوم " لصفي الرحمن المباركفوري يقول المؤلف في باب " بيت النبوة" أنه صلي الله عليه وسلم كان عنده إحدى عشرة زوجة وهناك أيضا اثنتان لم يدخل بهما بالإضافة إلي أربع مما ملكت يمينه فهل هذه المعلومات صحيحة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اختلف أهل العلم في عدد نسائه ﷺ ، وقد ذهب الجمهور منهم – وهو الصواب – أنهنَّ إحدى عشر امرأة دخل بهن ﷺ ، وقد مات عن تسعٍ منهن، وماتت خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة – ﵄ – قبله ﷺ .
وهو قول أصحابه كما رواه عنهم الأئمة في كتبهم الصحيحة:
عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه في ليلة واحدة، وله تسع نسوة. رواه البخاري ٢٨٠.
وقد تفرد معاذ بن هشام عن أبيه في رواية عند البخاري (٢٦٥) أنهن " إحدى عشر " وهو وهم، والصواب أنه كان يطوف على تسع نسوة.
قال ابن حجر:
قال ابن خزيمة: تفرد بذلك معاذ بن هشام عن أبيه، ورواه سعيد بن أبي عروبة وغيره عن قتادة فقالوا " تسع نسوة "، انتهى، وقد أشار البخاري إلى رواية سعيد بن أبي عروبة فعلقها هنا، ووصلها بعد اثني عشر باباً بلفظ " كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وله يومئذ تسع نسوة ". " فتح الباري " ١/٣٧٧
وعن عطاء قال: حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة بسرف فقال ابن عباس: هذه زوجة النبي ﷺ فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها ولا تزلزلوها وارفقوا فإنه كان عند النبي ﷺ تسع كان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة. رواه البخاري (٤٧٨٠) ومسلم (١٤٦٥)
والتي كان لا يقسم لها هي: سودة بنت زمعة حيث تنازلت عن ليلتها لعائشة – ﵂.
قال ابن القيم:
ولا خلاف أنه توفي عن تسع وكان يقسم منهن لثمان عائشة وحفصة وزينب بنت جحش وأم سلمة وصفية وأم حبيبة وميمونة وسودة وجويرية وأول نسائه لُحُوقا به بعد وفاته زينب بنت جحش سنة عشرين وآخرهن موتا أم سلمة سنة اثنتين وستين في خلافة يزيد. " زاد المعاد " (١ / ١١٤)
وأما إماؤه فقد كان له ﷺ أربع إماء.
قال ابن القيم:
قال أبو عبيدة: كان له أربع: مارية وهي أم ولده إبراهيم، وريحانة، وجارية أخرى جميلة أصابها في بعض السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش. " زاد المعاد " (١ / ١١٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15126
الرد على من زعم أن الإسراء والمعراج خرافة
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد تجرأ أحد المتعالمين منا في ليبيا على حادثة الإسراء والمعراج، فقال في مقالة نشرتها إحدى الصحف: إن حادثة المعراج هي محض خرافات، ولا يمكن أن تحدث لبشر، واستدل بذلك بالآية الكريمة في سورة الإسراء التي يقول الله عزل وجل فيها: (أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً) الإسراء/٩٣؛ فقال إن القرآن ينفي إمكانية رقي الرسول صلى الله عليه سلم للسماء، وقال: إن ذلك يخالف القران بنص الآية، وأن المعراج مجرد رؤية مناميه واستدل بالآية: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) الإسراء/٦٠. وفي النهاية أقول لفضيلتكم: إن هذا الموضوع أدخل علي شبهة، ولكني مؤمن بأنها معجزة؛ أرجو الإجابة والتوضيح، بحيث ينتفي التعارض بين الآية التي تنفي رقي البشر، وبين معجزة الرسول ﷺ ؛ علما بأنني مؤمن بأنه لا تعارض في القرءان. أفيدونا جزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا ريب أن الإسراء والمعراج من آيات الله العظيمة الدالة على صدق رسوله محمد ﷺ ، وعلى عظم منزلته عند الله ، كما أنها من الدلائل على قدرة الله الباهرة، وعلى علوه على جميع خلقه، قال الله : (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الإسراء/١.
وتواتر عن رسول الله ﷺ أنه عرج به إلى السماوات، وفتحت له أبوابها حتى جاوز السماء السابعة، فكلمه ربه سبحانه بما أراد، وفرض عليه الصلوات الخمس، وكان الله سبحانه فرضها أولا خمسين صلاة، فلم يزل نبينا محمد ﷺ يراجعه ويسأله التخفيف، حتى جعلها خمسا، فهي خمس في الفرض، وخمسون في الأجر , لأن الحسنة بعشر أمثالها، فلله الحمد والشكر على جميع نعمه.
وقد اختلف الناس في الإسراء والمعراج، فمنهم من قال: إنه كان مناما، والصحيح أنه أسري وعرج به يقظة؛ لأدلة كثيرة يأتي ذكرها.
قال الطحاوي ﵀ في عقيدته المشهورة: " والمعراج حق، وقد أسري بالنبي وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه الله بما شاء وأوحى إليه ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى؛ فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى " انتهى.
وقال ابن أبي العز الحنفي في "شرح الطحاوية" ﵀: " اختلف الناس في الإسراء:
فقيل: كان الإسراء بروحه ولم يُفْقد جسدُه، نقله ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية ﵄، ونقل عن الحسن البصري نحوه. لكن ينبغي أن يعرف الفرق بين أن يقال كان الإسراء مناما وبين أن يقال كان بروحه دون جسده، وبينهما فرق عظيم، فعائشة ومعاوية ﵄ لم يقولا كان مناما، وإنما قالا: أسري بروحه ولم يفقد جسده، وفرق ما بين الأمرين أن ما يراه النائم قد يكون أمثالا مضروبة للمعلوم في الصورة المحسوسة، فيرى كأنه قد عرج إلى السماء وذهب به إلى مكة، وروحه لم تصعد ولم تذهب؛ وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال، فما أرادا أن الإسراء كان مناما، وإنما أرادا أن الروح ذاتها أسري بها؛ ففارقت الجسد ثم عادت إليه، ويجعلان هذا من خصائصه فإن غيره لا تنال ذات روحه الصعود الكامل إلى السماء إلا بعد الموت.
وقيل: كان الإسراء مرتين: مرة يقظة، ومرة مناما ... ، وكذلك منهم من قال: بل كان مرتين: مرة قبل الوحي ومرة بعده، ومنهم من قال: بل ثلاث مرات: مرة قبل الوحي ومرتين بعده؛ وكلما اشتبه عليهم لفظ زادوا مرة للتوفيق، وهذا يفعله ضعفاء أهل الحديث، وإلا فالذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة قبل الهجرة بسنة، وقيل بسنة وشهرين، ذكره ابن عبد البر ...
وكان من حديث الإسراء أنه أسري بجسده في اليقظة على الصحيح، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، راكبا على البراق صحبة جبرائيل ﵇، فنزل هناك وصلى بالأنبياء إماما، وربط البراق بحلقه باب المسجد، وقد قيل: إنه نزل بيت لحم وصلى فيه، ولا يصح عنه ذلك ألبتة.
ثم عرج به من بيت المقدس تلك الليلة إلى السماء الدنيا، فاستفتح له جبرائيل ففتح لهما، فرأى هناك آدم أبا البشر، فسلم عليه فرحب به ورد ﵇ وأقر بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الثانية ... "
إلى أن قال ﵀: " ومما يدل على أن الإسراء بجسده في اليقظة قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) الإسراء /١؛ والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح، كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح؛ هذا هو المعروف عند الإطلاق، وهو الصحيح؛ فيكون الإسراء بهذا المجموع، ولا يمتنع ذلك عقلا، ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة؛ وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهو كفر " انتهى من "شرح الطحاوية" (١/٢٤٥) .
وقال ابن كثير ﵀ في تفسيره (٣/٣٣) : " ثم اختلف الناس: هل كان الإسراء ببدنه ﵇ وروحه، أو بروحه فقط؟ على قولين، فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا مناماً، ولا ينكرون أن يكون رسول الله ﷺ رأى قبل ذلك مناماً، ثم رآه بعد يقظة، لأنه كان ﵇ لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، والدليل على هذا قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) الاسراء/ ١، فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان مناماً لم يكن فيه كبير شيء، ولم يكن مستعظماً، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذبيه، ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم، وأيضاً فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وقال تعالى: (أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً) وقال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) الاسراء /٦٠، قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به، والشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم، رواه البخاري [٢٨٨٨] ، وقال تعالى:
(مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) النجم/١٧، والبصر من آلات الذات لا الروح.
وأيضاً فإنه حمل على البراق، وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان، وإنما يكون هذا للبدن، لا للروح لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه، والله أعلم " انتهى.
وقال الشيخ حافظ الحكمي في "معارج القبول" (٣/١٠٦٧) : " ولو كان الإسراء والمعراج بروحه في المنام لم تكن معجزة، ولا كان لتكذيب قريش بها وقولهم: كنا نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس، شهرا ذهابا وشهرا إيابا، ومحمد يزعم أنه أسرى به اللية وأصبح فينا إلى آخر تكذيبهم واستهزاءهم به ﷺ لو كان ذلك رؤيا مناما لم يستبعدوه ولم يكن لردهم عليه معنى؛ لأن الإنسان قد يرى في منامه ما هو أبعد من بيت المقدس ولا يكذبه أحد استبعاد لرؤياه، وإنما قص عليهم رسول الله ﷺ مسرى حقيقة يقظة لا مناما فكذبوه واستهزؤوا به استبعاد لذالك واستعظاما له مع نوع مكابرة لقلة علمهم بقدرة الله وأن الله يفعل ما يريد ولهذا لما قالوا للصديق وأخبروه الخبر قال: إن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا وتصدقه بذلك؟ قال: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك في خبر السماء يأتيه بكرة وعشيا أو كما قال " انتهى.
وقال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه (التنوير في مولد السراج المنير) : " وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وأبي ذر ومالك بن صعصعة وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس، وشداد بن أوس وأبي بن كعب وعبد الرحمن بن قرط وأبي حبة وأبي ليلى الأنصاريين، وعبد الله بن عمرو وجابر وحذيفة وبريدة، وأبي أيوب وأبي أمامة وسمرة بن جندب وأبي الحمراء، وصهيب الرومي وأم هانىء، وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق ﵃ أجمعين، منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد، وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة، فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون " انتهى نقلا عن "تفسير ابن كثير" (٣/٣٦) .
ثانيا:
لا ينقضي العجب من هذا المسلك الذي سلكه الكاتب المذكور في الاستدلال، فإنه اقتصر على ذكر مطلب واحد من مطالب الكفار، فأوهم أن الجواب القرآني: (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا) منصب على هذا المطلب، وهو الرقي في السماء، وأن هذا يدل على عدم إمكانه. والحق أن هذا الجواب وارد على مجموع ما طلبه المشركون تعنتا وتفننا في الجحود والإنكار، وإليك هذه المطالب كما بينها القرآن: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً) الاسراء/٩٠- ٩٣ فتأمل في هذه المطالب التي لا يحسن في جوابها إلا الجواب القرآني: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً) .
فهل بإمكان من هو بشر أن يفجر الأرض، والأنهار، ويسقط السماء، ويأتي بالله! وبالملائكة! ويرقى في السماء فيأتي منها بكتاب موجه إلى كل كافر! كما جاء في التفسير عن مجاهد وغيره، وهو موافق لقوله تعالى: (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً) المدثر /٥٢. لا شك أن ذلك ليس من خصائص البشر، ولا هو في إمكانهم، فهذا الاستبعاد منصب على مجموع هذه المطالب، لا على آحاد كل منها، وإلا ففيها مطالب مما هو ممكن عادة، فقد ثبت أن الماء نبع من بين أصبعيه الشريفتين ﷺ ، كما في صحيح البخاري (٣٥٧٦) ، وغيره، فكيف بتفجير نبع من الأرض، ولا استحالة ـ أيضا ـ في أن يكون له جنة من نخيل..، على نحو ما طلبوا، إلا أن هؤلاء لم يكن له غرض في حصول هذه الأشياء حقيقة، إنما هي من باب المبالغة في العناد، والتعنت مع الرسول، من أجل التمادي في طغيانهم.
قال الطاهر ابن عاشور ﵀: " ولما كان اقتراحهم اقتراح مُلاجّة [المبالغة في الخصومة] وعناد، أمره الله بأن يجيبهم بما يدل على التعجب من كلامهم بكلمة (سبحان ربي) التي تستعمل في التعجب.. ثم بالاستفهام الإنكاري، وصيغة الحصر المقتضية قصر نفسه على البشرية والرسالة قصرا إضافيا، أي لست ربا متصرفا أخلق ما يطلب مني، فكيف آتي بالله والملائكة، وكيف أخلق في الأرض ما لم يخلق فيها ". انتهى.
"التحرير والتنوير" (١٥/٢١٠-٢١١) .
ثالثا:
احرص على قلبك يا عبد الله، وكن على دينك أحرص منك على الدرهم والدينار؛ فلا تدع لشياطين الإنس والجن سبيلا أن يسترقوا اليقين من قلبك، أو يزعزعوا الإيمان فيه؛ وما دمت لم تحصل من العلم الشرعي، ما يحصنك ضد شبهات المشككين، ففر من هؤلاء، ومجالسهم، ومنتدياتهم، ولا تسمع لزخارف قولهم، فإنك لا تدري إذا نزلت الشبهة في قلبك متى تخرج منه، وإذا عرضت الفتنة، هل أنت ناج منها أم من المفتونين.
نسأل الله تعالى لنا ولجميع عباده الموحدين الهداية والتوفيق والسداد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15127
هل شرب أحد الصحابة دم النبي ﷺ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل صَحَّ أنه لما احتجم النبي ﷺ .. أنَّ أحد الصحابة شرب الدم، فقال له الرسول ﷺ : (سَرَت فِيكَ النُّبُوَّة) ؟
ذكرته إحدى الطالبات في حديثنا عن نجاسة الدم وحرمة شربه.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الدم المسفوح من المحرمات النجسة، وقد جاء الدليل من الكتاب والسنة والإجماع على ذلك.
يقول الله تعالى: (قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) الأنعام/١٤٥
قال الطبري ﵀ "جامع البيان" (٨/٥٣) :
" الرجس: النجس والنتن " انتهى.
أما السنة: فعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت:
(جَاءَت امرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَت: إِحدَانَا يُصِيبُ ثَوبَهَا مِن دَمِ الحَيضَةِ كَيفَ تَصنَعُ بِهِ؟ قَالَ: تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقرُصُهُ بِالمَاءِ ثُمَّ تَنضَحُهُ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ)
رواه البخاري (٢٢٧) ومسلم (٢٩١)
وقد بوب عليه البخاري (باب غسل الدم) ، كما بوب عليه النووي (باب نجاسة الدم وكيفية غسله)
وأما الإجماع:
فقال النووي ﵀: " الدم نجس، وهو بإجماع المسلمين " انتهى.
ونقله أيضا القرطبي في تفسيره (٢/٢١٠) وابن رشد في بداية المجتهد (١/٧٩)
ثانيا:
جاء في بعض الأحاديث أن بعض الصحابة ﵃ شربوا دم النبي ﷺ ، وفي بعض الروايات أنه أقرهم على ذلك، وفي بعضها أنه أنكر عليهم، ولم أجد في شيء من الروايات اللفظ المذكور في السؤال: (سرت فيك النبوة) ، ونذكر هنا هذه الأحاديث وحكم العلماء عليها:
١- عن عبد الله بن الزبير ﵁:
(أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَحتَجِمُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: يَا عَبدَ اللَّهِ اذهَب بِهَذَا الدَّمِ فَأَهرِقهُ حَتَّى لا يَرَاهُ أَحَدٌ.
فَلَمَّا بَرَزَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَمَدَ إِلَى الدَّمِ فَشَرِبَهُ.
فَقَالَ: يَا عَبدَ اللَّهِ مَا صَنَعتَ؟
قَالَ: جَعَلتُهُ فِي أَخفَى مَكَانٍ ظَنَنتُ أَنَّهُ يَخفَى عَلَى النَّاسِ.
قَالَ: لَعَلَّكَ شَرِبتَهُ.
قَالَ: نَعَم.
قَالَ: وَلِمَ شَرِبتَ الدَّمَ؟! وَيلٌ لِلنَّاسِ مِنكَ وَوَيلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ)
رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/٤١٤) ، والبزار في مسنده (٦/١٦٩) ، والحاكم في المستدرك (٣/٦٣٨) ، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/٦٧) ، ولكن بلفظ: (ما تلقى أمتك منك!) ، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/١٦٣)
جميعهم من طريق هنيد بن القاسم عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه به.
وهنيد بن القاسم: ترجمته في "التاريخ الكبير" (٨/٢٤٩) وفي "الجرح والتعديل" (٩/١٢١) ولم يذكروا فيه جرحا ولا تعديلا، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/٥١٥) ولم يعرف روى عنه إلا موسى بن إسماعيل.
ومثل هذا الراوي يعتبر في عداد المجاهيل، ولكن يحسن حديثه إن تابعه أو شهد له ما يقويه، وقد جاء عن بعض أهل العلم ما يدل على توثيقه وقبول حديثه:
قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/٣٠) :
" وفي إسناده الهنيد بن القاسم، ولا بأس به، لكنه ليس بالمشهور بالعلم " انتهى.
وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٣/٣٦٦) :
" ما علمت في هنيد بن القاسم جرحة " انتهى.
وللحديث طريق أخرى رواها الدارقطني (١/٢٢٨) ، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/١٦٢) من طريق:
محمد بن حميد ثنا علي بن مجاهد ثنا رباح النوبي أبو محمد مولى آل الزبير عن أسماء بنت أبي بكر ﵂: أنها ذكرت قصة شرب عبد الله بن الزبير ابنها دم النبي ﷺ أمام الحجاج، وفيه قول النبي ﷺ له: لا تمسك النار.
قال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" (١/٣١) :
" وفيه علي بن مجاهد وهو ضعيف " انتهى.
وعلي بن مجاهد هذا هو الكابلي، كذبه يحي بن الضريس، ويحي بن معين، كما في الميزان، وقال فيه الحافظ في التقريب: " متروك، من التاسعة، وليس في شيوخ أحمد أضعف منه "
وفيه أيضا رباح النوبي، قال الحافظ: " لينه بعضهم، ولا يُدْرَى من هو " [لسان الميزان ٢/٤٤٣] .
وبهما أعله العظيم آبادي في التعليق المغني، قال (١/٤٢٥) : (قوله: " علي بن مجاهد، حدثنا رباح النوبي "، هما ضعيفان لا يحتج بهما) .
وفيه أيضا: محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف، كما في التقريب وغيره.
كما رواه في جزء الغطريف ـ كما قال ابن حجر في الإصابة (٤/٩٣) والتلخيص الحبير (١/٣٢)) ـ ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/١٦٢) :
عن أبي خليفة الفضل بن الحباب نا عبد الرحمن بن المبارك نا سعد أبو عاصم مولى سليما بن علي عن كيسان مولى عبد الله بن الزبير قال أخبرني سلمان الفارسي ... وذكر القصة، وفيها قول النبي ﷺ لعبد الله بن الزبير: لا تمسك النار إلا قسم اليمين.
فيظهر من مجموع هذه الروايات أن قصة شرب عبد الله بن الزبير دم النبي ﷺ لها أصل، والله أعلم.
٢- سفينة مولى رسول الله ﷺ .
عن بُرَيه بن عمر بن سفينة عن أبيه عن جده قال:
(احتجم النبي ﷺ ثم قال لي: خذ هذا الدم فادفنه من الدواب والطير، أو قال: الناس والدواب. قال: فتغيبت به فشربته. قال: ثم سألني فأخبرته أني شربته، فضحك)
رواه البخاري في التاريخ الكبير (٤/٢٠٩) ، وابن عدي في الكامل (٢/٦٤) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/٦٧) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٧/٨١)
كلهم من طريق ابن أبي فديك عن بُرَيه بن عمر بن سفينة عن أبيه عن جده.
قال ابن كثير في "الفصول في السيرة" (٣٠٠) :
" فإنه حديث ضعيف لحال بُريه هذا، واسمه إبراهيم؛ فإنه ضعيف جدا " انتهى.
وقال الشيخ الألباني ﵀ "السلسلة الضعيفة" (١٠٧٤) :
" وهذا سند ضعيف، وله علتان:
الأولى: عمر بن سفينة، قال الذهبي في "الميزان": لا يعرف، وقال أبو زرعة: صدوق، وقال البخاري: إسناده مجهول.
وأورده العقيلي في الضعفاء (٢٨٢) وقال: " حديث غير محفوظ ولا يعرف إلا به "
والأخرى: ابنه بُرَيه – مصغرا -، واسمه إبراهيم، أورده العقيلي أيضا (٦١) وقال: لا يتابع على حديثه. وقال ابن عدي في "الكامل" (٢/٦٤) : له أحاديث يسيرة غير ما ذكرت، ولم أجد للمتلكمين في الرجال لأحد منهم فيه كلاما، وأحاديثه لا يتابعه عليها الثقات، وأرجو أنه لا بأس به "
وقال الذهبي في الميزان: ضعفه الدارقطني، وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به. وقال أيضا: وتفرد بُرَيه عن أبيه بمناكير "
والحديث ضعفه عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام"، وسكت عليه الحافظ ابن حجر في "التلخيص" فلم يُجِد " انتهى كلام الألباني.
٣- سالم أبو هند الحجام ﵁.
قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/٣٠) :
" رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة من حديث سالم أبي هند الحجام قال:
حجمت رسول الله ﷺ ، فلما فرغت شربته، فقلت: يا رسول الله شربته. فقال: ويحك يا سالم، أما علمت أن الدم حرام! لا تَعُد)
وفي إسناده أبو الحجاف، وفيه مقال " انتهى.
٤- غلام لبعض قريش.
عن نافع أبي هرمز عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال:
(حجم النبيَّ ﷺ غلامٌ لبعض قريش، فلما فرغ من حجامته أخذ الدم، فذهب به من وراء الحائط، فنظر يمينا وشمالا، فلما لم ير أحدا تحسى دمه حتى فرغ، ثم أقبل، فنظر النبي ﷺ في وجهه، فقال: ويحك ما صنعت بالدم؟ قلت: غيبته من وراء الحائط. قال: أين غيبته؟ قلت: يا رسول الله! نفست على دمك أن أهريقه في الأرض، فهو في بطني. قال: اذهب فقد أحرزت نفسك من النار)
ذكره ابن حبان في المجروحين (٣/٥٩) في ترجمة نافع أبي هرمز وقال: روى عن عطاء نسخة موضوعة، وذكر منها هذا الحديث.
٥- مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري ﵄.
قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/٣١) :
" وفي الباب حديث مرسل أخرجه سعيد بن منصور (٢/٢٢١) من طريق عمر بن السائب أنه بلغه أن مالكا والد أبي سعيد الخدري لما جرح النبي ﷺ مص جرحه حتى أنقاه ولاح أبيض، فقيل له: مُجَّهُ. فقال: لا والله لا أمُجُّهُ أبدا. ثم أدبر فقاتل، فقال النبي ﷺ : من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. فاستشهد " انتهى.
الخلاصة أن أصح ما ورد في شرب الصحابة بعض دم النبي ﷺ ، هو ما جاء من شرب عبد الله بن الزبير ﵁، على ما مر من الكلام في سنده، ولم يصح عن أحد غيره.
ثالثا:
فكيف يوفق العلماء بين ما تقرر من نجاسة الدم، وبين شرب عبد الله بن الزبير دم النبي ﷺ الشريف؟
قالوا: ذلك من خصوصيات النبي ﷺ التي انفرد بها في الحكم عن سائر الأمة، وهي خصوصيات كثيرة جمعها أهل العلم في مجلدات، مثل الإمام السيوطي في كتابه "الخصائص الكبرى"، فقد نص بعض أهل العلم على طهارة دمه الشريف ﷺ اعتمادا على قصة عبد الله بن الزبير.
انظر الشفا (١/٥٥) ومغني المحتاج (١/٢٣٣) وتبين الحقائق (٤/٥١) وإن كان نقل في المجموع (١/٢٨٨) عن جمهور الشافعية القول بنجاسة دم النبي ﷺ كسائر الدماء.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15128
تخريج حديث استئذان ملك الموت على النبي ﷺ ليقبض روحه
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة هذا الحديث: (دخل الملك جبريل على النبي ﷺ وقال: ملك الموت بالباب، ويستأذن أن يدخل عليك، وما استأذن من أحد قبلك، فقال له: ائذن له يا جبريل. ودخل ملك الموت وقال: السلام عليك يا رسول الله، أرسلني الله أخيرك بين البقاء في الدنيا وبين أن تلحق بالله، فقال النبي ﷺ : بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى. فوقف ملك الموت عند رأس النبي ﷺ (كما سيقف عند رأس كل واحد منا) وقال: أيتها الروح الطيبة، روح محمد بن عبد الله، اخرجي إلى رضى من الله ورضوان ورب راضٍ غير غضبان) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
في قصة وفاة النبي ﷺ أحداثٌ كثيرةٌ، روى فيها الرواةُ الشيءَ الكثير، ولكن خُلِطَ الصحيح فيه بالمكذوب، وتساهل الكثيرون في ذكر ما ليس له أصل، وما لم يأت إلا من طريق منكر متروك، والذي يبتغي السلامة في هذا الباب عليه بالأحاديث الصحيحة، إذ فيها الغنية والكفاية، وفيها من وصف أحداث وفاة النبي ﷺ ما فيه العبرة والعظة والحكمة.
قال الحافظ ابن كثير ﵀ "البداية والنهاية" (٥/٢٥٦) :
" وقد ذكر الواقدي وغيره في الوفاة أخبارًا كثيرةً فيها نكارات وغرابة شديدة، أضربنا عن أكثرها صفحا لضعف أسانيدها، ونكارة متونها، ولا سِيَّما ما يورده كثير من القُصَّاص المتأخرين وغيرهم، فكثير منه موضوع لا محالة، وفي الأحاديث الصحيحة والحسنة المروية في الكتب المشهورة غُنيةٌ عن الأكاذيب وما لا يعرف سنده، والله أعلم " انتهى.
وبعد البحث في مرويات قصة وفاة النبي ﷺ لم نقف على الحديث الذي ذكره السائل بهذا اللفظ لكن رويت أحاديث في استئذان ملك الموت على النبي ﷺ بلفظ قريب مما ذكره السائل، ولكنها أحاديث ضعيفة حكم عليها العلماء بالنكارة والوضع، فمن ذلك:
حديث يرويه علي بن الحسين عن أبيه في قصة طويلة فيها ذكر استئذان ملك الموت على النبي ﷺ ومخاطبته له.
وهذه قصة رواها الطبراني في المعجم الكبير (٣/١٢٩) وفي كتاب الدعاء (١/٣٦٧) .
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/٣٥) : فيه عبد الله بن ميمون القداح، وهو ذاهب الحديث.
وكذلك حكم عليه الحافظ العراقي في تخريج الإحياء (٤/٥٦٠) والحافظ ابن حجر في "أجوبة بعض تلامذته" (١/٨٧) وابن كثير في البداية والنهاية (٥/٢٩٠) وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٥٣٨٤) : موضوع.
وحديث آخر يرويه ابن عباس ﵂، وفيه ذكر استئذان ملك الموت على النبي ﷺ في مرضه الذي قبض فيه.
رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/١٤١) .
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/٣٦) : وفيه المختار بن نافع وهو ضعيف.
وقال العراقي في تخريج الإحياء (٤/٥٦٠) : وفيه المختار بن نافع منكر الحديث.
وأما تخييره ﷺ بين الموت والبقاء في الدنيا، وكذلك قوله: (بل الرفيق الأعلى) فهذا ثابت عنه في الصحيحين من حديث عائشة ﵂، وقد سبق ذكره في جواب السؤال رقم (٤٥٨٤١) فليرجع إليه.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين بالنسبة لقصة وفاة النبي ﷺ ، ذكرت بعض كتب التاريخ أن ملك الموت أتى النبي ﷺ يستأذنه على شكل أعرابي، ما صحة هذا الكلام؟
فأجاب ﵀:
" هذا غير صحيح ... لم يأته ملك الموت ولم يستأذن منه، بل خطب – ﷺ – في آخر حياته خطبة وقال: (إن عبدا خيَّره الله تعالى بين الخلد في الدنيا ما شاء الله، وبين لقاء ربه، فاختار لقاء ربه) هكذا قال في آخر حياته، فبكى أبو بكر، فتعجب الناس كيف يبكي أبو بكر من هذه الكلمات، فكان النبي ﷺ هو المُخيَّر، وكان أبو بكر أعلم الناس برسول الله ﷺ ، هذا الذي ورد، أما أن ملك الموت جاء يستأذنه فهذا غير صحيح " انتهى. "لقاء الباب المفتوح" (٢/٣٤٠)
ومن أراد المزيد من الأحاديث الصحيحة في قصة وفاة النبي ﷺ فليرجع إلى كتاب "البداية والنهاية" للحافظ ابن كثير (٥/٢٤٨) باب احتضاره ووفاته ﵊، وكذلك كتاب "صحيح السيرة النبوية" تأليف إبراهيم العلي، الباب السادس: مرض الرسول – ﷺ – ووفاته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15129
أول صلاة صلاها النبي ﷺ بركوع
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أول مرة أدخل الموقع، وبعد التصفح في الموقع اعتبرته رائعا ومفيدا من المعلومات والأجوبة.
وسؤالي: ما أول صلاة ركع فيها الرسول ﷺ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
يسعدنا زيارتك للموقع، واستفادتك منه، ونرجو أن يستمر ذلك.
ثانيا:
ذكر بعض أهل العلم أن أول صلاة صلاها النبي ﷺ بركوع، هي صلاة العصر بعد الإسراء والمعراج.
قال الرملي الشافعي في "نهاية المحتاج" (١/٤٩٦) :
" الركوع وهو من خصائص هذه الأمة، وأول صلاة ركع فيها النبي ﷺ صلاة العصر صبيحة الإسراء. واستدل السيوطي لذلك بأنه ثبت أنه ﵊ صلى الظهر صبيحتها بلا ركوع , وأنه قبل ذلك كان يصلي صلاة الليل كذلك , فلو لم يكن الركوع من خصوصيات هذه الأمة لفعله فيما كان يفعله قبل الإسراء وفي ظهر صبيحتها " انتهى.
وقد رُوِي في ذلك حديث عن النبي ﷺ ، غير أن فيه ضعفاً.
أَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوْسَطِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قال: أَوَّلُ صَلاةٍ رَكَعْنَا فِيها الْعَصْرُ. فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟ قَالَ: بِهَذَا أُمِرْت.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/٢٩٣) .
" رواه البزار والطبراني في "الأوسط" وفيه أبو عبد الرحيم، فإن كان هو خالد بن يزيد فهو ثقة من رجال الصحيح، ولم أجد أبو عبد الرحيم في رجال الكتب غيره، ولم أجد أبو عبد الرحيم في الميزان، وهو مجهول " انتهى. والحديث ذكره في كنز العمال (٢١٧٧٩) وأشار إلى ضعفه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15130
محمد ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[هل لك أن تعطيني نبذة عن حياة النبي محمد ﷺ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اختلف بنو إسرائيل. وحرفوا وبدلوا في عقيدتهم وشريعتهم فانطمس الحق وظهر الباطل وانتشر الظلم والفساد واحتاجت الأمة إلى دين يحق الحق ويمحق الباطل ويهدي الناس إلى الصراط المستقيم فبعث الله محمداً ﷺ كما قال سبحانه: (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) النحل/٦٤.
أرسل الله جميع الأنبياء والرسل للدعوة إلى عبادة الله وحده , وإخراج الناس من الظلمات إلى النور فأولهم نوح وآخرهم محمد ﷺ قال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) النحل/٣٦.
وآخر الأنبياء والرسل هو محمد ﷺ فلا نبي بعده قال تعالى: (ما كان محمداً أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) الأحزاب/٤٠.
وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعث الله رسوله محمداً ﷺ إلى الناس كافة كما قال سبحانه: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ًونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون) سبأ/٢٨.
وقد أنزل الله على رسوله القرآن يهدي به الناس ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم قال تعالى: (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد) إبراهيم/١.
وقد ولد الرسول محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي بمكة عام الفيل الذي جاء أصحابه لهدم الكعبة فأبادهم الله وتوفي أبوه وهو في بطن أمه ولما ولد محمد أرضعته حليمة السعدية ثم زار أخواله في المدينة مع أمه آمنة بنت وهب وفي طريق العودة إلى مكة توفيت أمه بالأبواء وعمره ست سنين ثم كفله جده عبد المطلب فمات وعمر محمد ثمان سنين ثم كفله عمه أبو طالب يرعاه ويكرمه ويدافع عنه أكثر من أربعين سنة وتوفي أبو طالب ولم يؤمن بدين محمد خشية أن تعيره قريش بترك دين آبائه.
وكان محمد في صغره يرعى الغنم لأهل مكة ثم سافر إلى الشام بتجارة لخديجة بنت خويلد وربحت التجارة وأعجبت خديجة بخلقه وصدقه وأمانته فتزوجها وعمره خمس وعشرون سنة وعمرها أربعون سنة ولم يتزوج عليها حتى ماتت.
وقد أنبت الله محمداً ﷺ نباتاً حسناً وأدبه فأحسن تأديبه ورباه وعلمه حتى كان أحسن قومه خَلقاً وخُلقاً وأعظمهم مروءة وأوسعهم حلماً وأصدقهم حديثاً وأحفظهم أمانة حتى سماه قومه بالأمين.
ثم حُبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء الأيام والليالي يتعبد فيه ويدعو ربه وأبغض الأوثان والخمور والرذائل فلم يلتفت إليها في حياته.
ولما بلغ محمَّدٌ ﷺ خمساً وثلاثين سنة شارك قريشاً في بناء الكعبة لما جرفتها السيول فلما تنازعوا في وضع الحجر الأسود حكموه في الأمر فدعا بثوب فوضع الحجر فيه ثم أمر رؤساء القبائل أن يأخذوا بأطرافه فرفعوه جميعاً ثم أخذه محمد فوضعه في مكانه وبنى عليه فرضي الجميع وانقطع النزاع.
وكان لأهل الجاهلية صفات حميدة كالكرم والوفاء والشجاعة وفيهم بقايا من دين إبراهيم كتعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة وإهداء البدن وإلى جانب هذا كانت لهم صفات وعادات ذميمة كالزنا , وشرب الخمور وأكل الربا وقتل البنات والظلم , وعبادة الأصنام.
وأول من غير دين إبراهيم ودعا إلى عبادة الأصنام عمرو بن لحي الخزاعي فقد جلب الأصنام إلى مكة وغيرها ودعا الناس إلى عبادتها ومنها ود , وسواع , ويغوث , ويعوق, ونسرا.
ثم اتخذ العرب أصناماً أخرى ومنها صنم مناة بقديد واللات بالطائف والعزى بوادي نخلة وهبل في جوف الكعبة وأصنام حول الكعبة وأصنام في بيوتهم واحتكم الناس إلى الكهان والعرافين والسحرة.
ولما انتشر الشرك والفساد بهذه الصورة بعث الله محمداً ﷺ وعمره أربعون سنة يدعو الناس إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام فأنكرت عليه قريش ذلك وقالت: (أجعل الآلهة ألهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب) ص/٥.
وظلت هذه الأصنام تعبد من دون الله حتى بعث الله رسوله محمداً ﷺ بالتوحيد فكسرها وهدمها هو وأصحابه رضوان الله عليهم فظهر الحق وزهق الباطل: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً) الإسراء/٨١.
وأول ما نزل الوحي على النبي ﷺ في غار حراء الذي كان يتعبد فيه حيث جاءه جبريل فأمره أن يقرأ فقال الرسول ما أنا بقارئ فكرر عليه وفي الثالثة قال له: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم) العلق/١-٢-٣.
فرجع الرسول , وفؤاده يرجف , ودخل على زوجته خديجة ثم أخبرها وقال لقد خشيت على نفسي فطمأنته وقال: (والله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم , وتحمل الكل , وتقرى الضيف , وتكسب المعدوم , وتعين على نوائب الحق) ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان قد تنصر فلما أخبره بشره وقال له هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى وأوصاه بالصبر إذا آذاه قومه وأخرجوه.
ثم فتر الوحي مدة فحزن الرسول ﷺ فبينما هو يمشي يوماً إذ رأى الملك مرة أخرى بين السماء والأرض فرجع إلى منزله وتدثر فأنزل الله عليه: (يا أيها المدثر، قم فأنذر) المدثر/١-٢ , ثم تتابع الوحي بعد ذلك على الرسول ﷺ .
أقام النبي في مكة ثلاثة عشر عاماً يدعوا إلى عبادة الله وحده سراً ثم جهراً حيث أمره الله أن يصدع بالحق فدعاهم بلين ولطف من غير قتال فأنذر عشيرته الأقربين ثم أنذر قومه ثم أنذر من حولهم ثم أنذر العرب قاطبة ثم أنذر العالمين. ثم قال سبحانه: (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) الحجر/٩٤.
وقد آمن بالرسول قلة من الأغنياء والأشراف والضعفاء والفقراء والعبيد رجالاً ونساءً وأوذي الجميع في دينهم فعُذِّبَ بعضهم وقتل بعضهم , وهاجر بعضهم إلى الحبشة فراراً من أذى قريش وأوذي معهم الرسول ﷺ فصبر حتى أظهر الله دينه.
ولما بلغ الرسول ﷺ خمسين سنة ومضى عشر سنوات من بعثته مات عمه أبو طالب الذي كان يحميه من أذى قريش ثم ماتت من بعده زوجته خديجة التي كانت تؤنسه فاشتد عليه البلاء من قومه وتجرؤا عليه وآذوه بصنوف الأذى وهو صابر محتسب. صلوات الله وسلامه عليه.
ولما اشتد عليه البلاء وتجرأت عليه قريش خرج إلى الطائف ودعا أهلها إلى الإسلام فلم يجيبوه , بل آذوه ورموه بالحجارة حتى أدموا عقبيه , فرجع إلى مكة وظل يدعوا الناس إلى الإسلام في الحج وغيره.
ثم أسرى الله برسوله ليلا ًمن المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى راكباً على البراق بصحبة جبريل , فنزل وصلى بالأنبياء ثم عرج به إلى السماء الدنيا فرأى فيها آدم , وأرواح السعداء عن يمينه وأرواح الأشقياء عن شماله ثم عرج به إلى السماء الثانية فرأى فيها عيسى ويحيى ثم إلى الثالثة فرأى فيها يوسف ثم إلى الرابعة فرأى فيها إدريس ثم إلى الخامسة فرأى فيها هارون ثم إلى السادسة فرأى فيها موسى ثم إلى السابعة فرأى فيها إبراهيم ثم رفع إلى سدرة المنتهى ثم كلمه ربه فأكرمه وفرض عليه وعلى أمته خمسين في اليوم والليلة ثم خففها إلى خمس في العمل وخمسين في الأجر واستقرت الصلاة خمس صلوات في اليوم والليلة إكراماً منه لأمة محمد ﷺ ثم رجع إلى مكة قبل الصبح فقص عليهم ما جرى له فصدقه المؤمنون وكذبه الكافرون: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) الإسراء/١.
ثم هيأ الله لرسوله ﷺ من ينصره فالتقى في موسم الحج برهط من المدينة من الخزرج فأسلموا ثم رجعوا إلى المدينة , ونشروا فيها الإسلام فلما كان العام المقبل صاروا بضعة عشر فالتقى بهم الرسول ﷺ فلما انصرفوا بعث معهم مصعب بن عمير يقرئهم القرآن , ويعلمهم الإسلام فأسلم على يديه خلق كثير , منهم زعماء الأوس سعد بن معاذ , وأسيد بن حضير.
فلما كان العام المقبل وجاء موسم الحج خرج منهم ما يزيد على سبعين رجلاً من الأوس والخزرج فدعوا رسول الله ﷺ إلى المدينة بعد أن هجره وآذاه أهل مكة , فواعدهم الرسول في إحدى ليالي التشريق عند العقبة فلما مضى ثلث الليل خرجوا للميعاد فوجدوا الرسول ﷺ ومعه عمه العباس ولم يؤمن إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه فتكلم العباس , والرسول , والقوم بكلام حسن ثم بايعهم الرسول ﷺ على أن يهاجر إليهم في المدينة على أن يمنعوه , وينصروه ويدافعوا عنه , ولهم الجنة فبايعوه واحداً, واحدا ً, ثم انصرفوا ثم علمت بهم قريش فخرجوا في طلبهم , ولكن الله نجاهم منهم , وبقي الرسول ﷺ في مكة إلى حين: (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) الحج/٤٠.
ثم أمر الرسول أصحابه بالهجرة إلى المدينة فهاجروا أرسالاً إلا من حبسه المشركون ولم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول الله وأبو بكر وعلي فلما أحس المشركون بهجرة أصحاب الرسول ﷺ إلى المدينة خافوا أن يلحق بهم فيشتد أمره فتآمروا على قتله فأخبر جبريل رسول الله بذلك فأمر الرسول علياً أن يبيت في فراشه , ويرد الودائع التي كانت عند الرسول ﷺ لأهلها وبات المشركون عند باب الرسول ليقتلوه إذا خرج فخرج من بينهم وذهب إلى بيت أبي بكر بعد أن أنقذه الله من مكرهم وأنزل الله: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) الأنفال/٣٠.
ثم عزم رسول الله ﷺ على الهجرة إلى المدينة , فخرج هو وأبو بكر إلى غار ثور ومكثا فيه ثلاث ليال واستأجرا عبد الله بن أبي أريقط وكان مشركاً ليدلهما على الطريق , وسلماه راحلتيهما فذعرت قريش لما جرى وطلبتهما في كل مكان , ولكن الله حفظ رسوله فلما سكن الطلب عنهما , ارتحلا إلى المدينة فلما أيست منهما قريش بذلوا لمن يأتي بهما أو بأحدهما مائتين من الإبل فجد الناس في الطلب وفي الطريق إلى المدينة , علم بهما سراقة بن مالك وكان مشركاً فأرادهما فدعا عليه الرسول ﷺ فساخت قوائم فرسه في الأرض فعلم أن الرسول ﷺ ممنوع , وطلب من الرسول أن يدعوا له ولا يضره فدعا له الرسول ﷺ , فرجع سراقة , ورد الناس عنهما ثم أسلم بعد فتح مكة.
فلما وصل الرسول ﷺ إلى المدينة كبر المسلمون فرحاً بقدومه واستقبله الرجال والنساء والأطفال فرحين مستبشرين فنزل بقباء وبنى هو والمسلمون مسجد قباء وأقام بها بضع عشرة ليلة ثم ركب يوم الجمعة فصلاها في بني سالم بن عوف ثم ركب ناقته ودخل المدينة والناس محيطون به , آخذون بزمام ناقته لينزل عندهم , فيقول لهم الرسول ﷺ دعوها فإنها مأمورة فسارت حتى بركت في موضع مسجده اليوم.
وهيأ الله لرسوله أن ينزل على أخواله قرب المسجد فسكن في منزل أبي أيوب الأنصاري , ثم بعث رسول الله ﷺ من يأتي بأهله وبناته وأهل أبي بكر من مكة فجاءوا بهم إلى المدينة.
ثم شرع النبي ﷺ وأصحابه في بناء مسجده في المكان الذي بركت فيه الناقة وجعل قبلته إلى بيت المقدس وجعل عمده الجذوع وسقفه الجريد ثم حولت القبلة إلى الكعبة بعد بضعة عشر شهراً من مقدمه المدينة.
ثم آخى الرسول ﷺ بين المهاجرين والأنصار ووادع الرسول ﷺ اليهود وكتب بينه وبينهم كتاباً على السلم والدفاع عن المدينة وأسلم حبر اليهود عبد الله بن سلام وأبى عامة اليهود إلا الكفر وفي تلك السنة تزوج الرسول ﷺ بعائشة ﵂.
وفي السنة الثانية شرع الأذان وصرف الله القبلة إلى الكعبة، وفرض صوم رمضان.
ولما استقر الرسول ﷺ في المدينة وأيده الله بنصره والتف المهاجرون والأنصار حوله واجتمعت القلوب عليه عند ذلك رماه المشركون , واليهود والمنافقون عن قوس واحدة فآذوه وافتروا عليه وبارزوه بالمحاربة والله يأمره بالصبر والعفو والصفح فلما اشتد ظلمهم وتفاقم شرهم , أذن الله للمسلمين بالقتال , فنزل قوله تعالى: (أذن للذين يُقاتِلون بأنهم ظُلموا وإنَّ الله على نصرهم لقدير) الحج/٣٩.
ثم فرض الّله على المسلمين قتال من قاتلهم فقال: (وقاتلوا في سبيل الّله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الّله لا يحب المعتدين) البقرة/١٩٠.
ثم فرض الله عليهم قتال المشركين كافة فقال: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) التوبة/٣٦.
فقام الرسول ﷺ وأصحابه بالدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله ورد كيد المعتدين ودفع الظلم عن المظلومين وأيده الله بنصره , حتى صار الدين كله لله فقاتل المشركين في بدر في السنة الثانية من الهجرة في رمضان فنصره الله عليهم وفرق جموعهم وفي السنة الثالثة غدر يهود بني قينقاع فقتلوا أحد المسلمين فأجلاهم الرسول ﷺ عن المدينة إلى الشام ثم ثأرت قريش لقتلاها في بدر , فعسكرت حول أحد في شوال من السنة الثالثة ودارت المعركة وعصى الرماة أمر الرسول , فلم يتم النصر للمسلمين وانصرف المشركون إلى مكة ولم يدخلوا المدينة.
ثم غدر يهود بني النضير وهموا بقتل الرسول ﷺ وذلك بإلقاء الحجر عليه فنجاه الله , ثم حاصرهم في السنة الرابعة وأجلاهم إلى خيبر.
وفي السنة الخامسة غزا الرسول ﷺ بني المصطلق لرد عدوانهم , فانتصر عليهم وغنم الأموال والسبايا ثم سعى زعماء اليهود في تأليب الأحزاب على المسلمين للقضاء على الإسلام في عقر داره. فاجتمع حول المدينة المشركون والأحباش وغطفان اليهود ثم أحبط الله كيدهم ونصر رسوله والمؤمنين: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً) الأحزاب/٢٥.
ثم حاصر الرسول ﷺ يهود بني قريظة لغدرهم , ونقضهم العهد فنصره الله عليهم فقتل الرجال وسبى الذرية وغنم الأموال.
وفي السنة السادسة عزم الرسول ﷺ على زيارة البيت والطواف به فصده المشركون عنه، فصالحهم في الحديبية على وقف القتال عشر سنين، يأمن فيها الناس ويختارون ما يريدون فدخل الناس في دين الله أفواجاً.
وفي السنة السابعة غزا الرسول خيبر للقضاء على زعماء اليهود الذين آذوا المسلمين، فحاصرهم ونصره الله عليهم وغنم الأموال والأرض وكاتب ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام.
وفي السنة الثامنة أرسل رسول الله ﷺ جيشاً بقيادة زيد بن حارثه لتأديب المعتدين ولكن الروم جمعوا جيشاً عظيماً فقتلوا قواد المسلمين وأنجى الله بقية المسلمين من شرهم.
ثم غدر كفار مكة فنقضوا العهد فتوجه إليهم الرسول ﷺ بجيش عظيم وفتح مكة، وطهر بيته العتيق من الأصنام، وولاية الكفار.
ثم كانت غزوة حنين في شوال من السنة الثامنة لرد عدوان ثقيف وهوازن فهزمهم الله وغنم المسلمون مغانم كثيرة ثم واصل الرسول ﷺ مسيره إلى الطائف وحاصرها، ولم يأذن الله بفتحها فدعا لهم الرسول ﷺ وانصرف، فأسلموا فيما بعد ثم رجع ووزع الغنائم، ثم اعتمر هو وأصحابه ثم خرجوا إلى المدينة.
وفي السنة التاسعة كانت غزوة تبوك في زمان عسرة وشدة وحر شديد فسار الرسول ﷺ إلى تبوك لرد كيد الروم فعسكر هناك، ولم يلق كيداً وصالح بعض القبائل، وغنم ثم رجع إلى المدينة وهذه آخر غزوة غزاها ﵊ وجاءت في تلك السنة وفود القبائل تريد الدخول في الإسلام ومنها وفد تميم ووفد طيء ووفد عبد القيس، ووفد بني حنيفة وكلهم أسلموا ثم أمر الرسول ﷺ أبا بكر أن يحج بالناس في تلك السنة وبعث معه علياً ﵁ وأمره أن يقرأ على الناس سورة براءة للبراءة من المشركين وأمره أن ينادي في الناس فقال علي يوم النحر: (يا أيها الناس لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله عهد فهو إلى مدته) .
وفي السنة العاشرة عزم الرسول ﷺ على الحج , ودعا الناس إلى ذلك فحج معه من المدينة وغيرها خلقٌ كثير فأحرم من ذي الحليفة , ووصل إلى مكة في ذي الحجة وطاف وسعى وعلم الناس مناسكهم وخطب الناس بعرفات خطبة عظيمة جامعة , قرر فيها الأحكام الإسلامية العادلة فقال: (أيها الناس اسمعوا قولي , فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا , أيها الناس إن دماءكم , وأموالكم , وأعراضكم حرام عليكم , كحرمة يومكم هذا , في شهركم هذا , في بلدكم هذا , ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع , ودماء الجاهلية موضوعة , وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث , كان مسترضعاً في بني سعد , فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع , وأول ربا أضع ربا عباس بن عبد المطلب , فإنه موضوع كله , فاتقوا الله في النساء , فإنكم أخذتموهن بأمان الله , واستحللتم فروجهن بكلمة الله , ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه , فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح , ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف , وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله , وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون , قالوا نشهد أنك قد بلَّغت , وأديت , ونصحت فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد , اللهم اشهد ثلاث مرات) .
ولما أكمل الله هذا الدين , وتقررت أصوله , نزل عليه وهو بعرفات: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) المائدة/٣.
وتسمى هذه الحجة حجة الوداع لأن الرسول ﷺ ودع فيها الناس , ولم يحج بعدها ثم رجع الرسول ﷺ بعد الفراغ من حجه إلى المدينة.
وفي السنة الحادية عشرة في شهر صفر بدأ المرض برسول الله ﷺ ولما اشتد عليه الوجع أمر أبا بكر ﵁ أن يصلى بالناس وفي ربيع الأول , زاد عليه المرض فقبض صلوات الله وسلامه عليه ضحى يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة فحزن المسلمون لذلك حزناً شديداً ثم غُسل وصلى عليه المسلمون يوم الثلاثاء ليلة الأربعاء ودفن في بيت عائشة والرسول قد مات ودينه باق إلى يوم القيامة.
ثم اختار المسلمون صاحبه في الغار ورفيقه في الهجرة أبا بكر ﵁ خليفة لهم ثم تولى الخلافة من بعده عمر ثم عثمان ثم علي وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون المهديون رضوان الله عليهم أجمعين.
وقد امتنّ الله على رسوله محمد بنعم عظيمة وأوصاه بالأخلاق الكريمة كما قال سبحانه: (ألم يجدك يتيماً فآوى، ووجدك ضالاً فهدى، ووجدك عائلاً فأغنى، فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر، وأما بنعمة ربك فحدث) الضحى/٦-١١.
وقد أكرم الله رسوله بأخلاق عظيمة لم تجتمع لأحدٍٍ غيره حتى أثنى عليه ربه بقوله: (وإنك لعلى خلق عظيم) القلم/٤.
وبهذه الأخلاق الكريمة , والصفات الحميدة , استطاع ﵇ أن يجمع النفوس ويؤلف القلوب بإذن ربه: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) آل عمران/١٥٩.
وقد أرسل الله رسوله محمداً ﷺ إلى الناس كافة وأنزل عليه القرآن وأمره بالدعوة إلى الله كما قال سبحانه: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً) الأحزاب/٤٦.
وقد فضل الله رسوله محمداً على غيره من الأنبياء بست فضائل كما قال ﷺ : (فضلت على الأنبياء بست , أعطيت جوامع الكلم , ونصرت بالرعب , وأحلت لي الغنائم , وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً , وأرسلت إلى الناس كافة , وختم بي النبيون) . رواه مسلم/٥٢٣.
فيجب على جميع الناس الإيمان به , واتباع شرعه , ليدخلوا جنة ربهم: (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم) النساء/١٣.
وقد أثنى الله على من يؤمن بالرسول من أهل الكتاب وبشرهم بالأجر مرتين كما قال سبحانه: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين، أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون) القصص/٥٢ -٥٤. وقال النبي ﷺ : (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي ﷺ فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران. الخ) .
ومن لم يؤمن بالرسول محمد ﷺ فهو كافر , والكافر جزاؤه النار كما قال سبحانه: (ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيراً) الفتح/١٣ , وقال ﵊: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلَاّ كان من أصحاب النار) . رواه مسلم/١٥٤.
والرسول ﷺ بشر لا يعلم إلا ما علمه الله ولا يعلم الغيب ولا يملك لنفسه ولا لغيره ضراً ولا نفعاً كما قال سبحانه: (قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلَاّ نذير وبشير لقوم يؤمنون) الأعراف/١٨٨.
وقد أرسله الله بالإسلام ليظهره على الدين كله: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً) الفتح/٢٨.
ومهمة الرسول هي إبلاغ ما أرسل به , والهداية بيد الله: (فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ) الشورى/٤٨.
ولما للرسول ﷺ من فضل عظيم على البشرية , بدعوتها إلى هذا الدين وإخراجها من الظلمات إلى النور , فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأمرنا بالصلاة عليه في حالات كثيرة فقال سبحانه: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً) الأحزاب/٢١.
وقد جاهد النبي ﵊ في سبيل نشر هذا الدين وجاهد أصحابه معه فعلينا الاقتداء به واتباع سنته والسير على هديه كما قال سبحانه: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً) الأحزاب/٢١.
والإسلام دين الفطرة والعدل دين ارتضاه الله للناس كافة وهو يشتمل على أصول وفروع وآداب وأخلاق وعبادات ومعاملات ولن تسعد الأمة إلا باتباعه والعمل به ولن يقبل الله من الناس غيره كما قال سبحانه: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) آل عمران/٨٥.
اللهم صلّ على محمد , وعلى آل محمد , كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب أصول الدين الإسلامي للشيخ محمد بن إبراهيم التويجري.
стр. 15131
فضل فاطمة بنت رسول الله ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت أن فاطمة وعلي ﵄ كان لهما طفلة بالاضافة إلى الحسن والحسين ﵄، لكني لا أعرف أي شيء عنها. أرجو أن تخبرنا بشيء عنها، مثلا كيف كانت حياتها، وما إذا كان لها أي دور في التاريخ الإسلامي.. الخ.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فاطمة بنت سيد الخلق رسول الله ﷺ القرشية الهاشمية، وأم الحسنين.
مولدها قبل بعثة النبي ﷺ بقليل، وتزوجها علي بن أبي طالب ﵁ بعد موقعة بدر.
وكان النبي ﷺ يحبها ويكرمها، وكانت صابرة ديِّنة خيِّرة صيِّنة قانِعة شاكِرة لله.
ولما توفي رسول الله ﷺ حزِنت عليه، وبكت عليه، وقالت: يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه! أجاب رباً دعاه، يا أبتاه في جنة الخلد مثواه.
وكانت فاطمة أشبه الناس بكلام رسول الله ﷺ ، فعن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله ﷺ من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبَّلها ورحَّب بها، وكذلك كانت هي تصنع به.
وعاشت فاطمة بعد وفاة النبي ﷺ ستة أشهر، ودفنت ليلاً. قال الواقدي: هذا أثبت الأقوال عندنا. قال: وصلى عليها العباس. ونزل في حفرتها هو وعليّ والفضل.
وكان لها من البنين، الحسن والحسين ﵄، ومن البنات، أم كلثوم، التي تزوجها عمر بن الخطاب ﵁، وزينب التي تزوجها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْحَبًا بِابْنَتِي ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ فَقُلْتُ لَهَا لِمَ تَبْكِينَ؟ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ. فَقُلْتُ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ فَقَالَتْ مَا كُنْتُ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ أَسَرَّ إِلَيَّ إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلا أُرَاهُ إِلا حَضَرَ أَجَلِي. وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي. فَبَكَيْتُ. فَقَالَ: أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ) رواه البخاري (المناقب/٣٣٥٣) .
ومن المواقف التي ظهر فيها فضلها ما ثبت في الصحيحين عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ. فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَجَاءَ بِهِ فَنَظَرَ حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَأَنَا أَنْظُرُ لَا أُغْنِي شَيْئًا لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ. قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ، قَالَ: وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ....) رواه البخاري (٢٣٣) ومسلم (٣٣٤٩) ، ومن فضائلها ما ثبت أيضاً في الصحيحين أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي) رواه البخاري (٣٤٣٧) ومسلم (٤٤٨٣)
والله أعلم.
انظر نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء ١/١١٦
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15132
أول ما بدء برسول الله من الوحي
[السُّؤَالُ]
ـ[هل تعرف بداية الإسلام (عندما ذهب للكهف ولم يستطع القراءة) إذا كنت تعلم فأرجو أن تساعدني. الرجاء الإجابة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عن عروة بن الزبير: أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت:
كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة في النوم
فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح
ثم حبب إليه الخلاء
فكان يلحق بغار حراء فيتحنث فيه - والتحنث: التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك
ثم يرجع إلى خديجة فيتزود بمثلها
حتى فجئه الحق وهو في غار حراء
فجاءه الملك فقال: اقرأ
فقال رسول الله ﷺ : ما أنا بقارئ
قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد
ثم أرسلني
فقال: اقرأ
قلت: ما أنا بقارئ
فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد
ثم أرسلني
فقال: اقرأ
قلت: ما أنا بقارئ
فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد
ثم أرسلني
فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم﴾ الآيات إلى قوله ﴿علَّم الإنسان ما لم يعلم﴾
فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: زملوني، زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع
قال لخديجة: أي خديجة، ما لي لقد خشيت على نفسي
فأخبرها الخبر
قالت خديجة: كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلَّ وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل - وهو ابن عم خديجة أخي أبيها - وكان امرأ تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي
فقالت خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك
قال ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟
فأخبره النبي ﷺ خبر ما رأى
فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك
قال رسول الله ﷺ : أو مخرجي هم؟
قال ورقة: نعم، لم يأت رجل بما جئت به إلا أوذي، وإن يدركني يومك حيّاً أنصرك نصراً مؤزراً
ثم لم ينشب ورقة أن توفي
وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله ﷺ
قال محمد بن شهاب: فأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ وهو يحدِّث عن فترة الوحي -: بينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملَك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض ففرقت منه فرجعت فقلت: زملوني، زملوني، فدثروه، فأنزل الله تعالى ﴿يا أيها المدثر. قم فأنذر. وربك فكبر. وثيابك فطهر. والرجز فاهجر﴾
قال أبو سلمة: وهي الأوثان التي كان أهل الجاهلية يعبدون
قال: ثم تتابع الوحي.
رواه البخاري (٤٦٧١) ومسلم (١٦٠) .
ما أنا بقارئ: أي: لا أُحسن القراءة
الجَهد: الشدة والمشقة
أرسلني: أطلقني
بوادره: اللحمة بين الكتف والعنق
زملوني: غطوني ولفوني
الرَّوْع: الفزع
الكلّ: العاجز الفقير
تُكسب المعدوم: تعين المعدم العاجز
جَذعاً: شابّاً فتيّاً.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15133
كم مرة اعتمر الرسول ﷺ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كم مرة اعتمر الرسول ﷺ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عن قتادة أن أنسا ﵁ أخبره أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته: عمرة من الحديبية أو زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من جعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة.
رواه البخاري (الحج/١٦٥٤) ومسلم (الحج / ١٢٥٣) .
قال ابن القيم:
اعتمر بعد الهجرة أربع عمر كلهن في ذي القعدة.
الأولى: عمرة الحديبية وهي أولاهن سنة ست فصدَّه المشركون عن البيت فنحر البُدْن (أي هديه من الإبل) حيث صُدَّ بالحديبية وحلق هو وأصحابه رؤوسهم وحلّوا من إحرامهم ورجع من عامه إلى المدينة.
الثانية: عمرة القضية في العام المقبل دخل مكة فأقام بها ثلاثا ثم خرج بعد إكمال عمرته.
الثالثة: عمرته التي قرنها مع حجته.
الرابعة: عمرته من الجعرانة لما خرج إلى حنين ثم رجع إلى مكة فاعتمر من الجعرانة داخلا إليها....
قال: ولا خلاف أن عُمَرَهُ لم تَزِدْ على أربع.
يراجع " زاد المعاد " ج/٢ ص/٩٠-٩٣
وقال النووي:
قال العلماء: وإنما اعتمر النبي ﷺ هذه العُمَر في ذي القعدة لفضيلة هذا الشهر ولمخالفة الجاهلية في ذلك فإنهم كانوا يرونه (أي الإعتمار في ذي القعدة) من أفجر الفجور كما سبق ففعله ﷺ مرات في هذه الأشهر ليكون أبلغ في بيان جوازه فيها وأبلغ في إبطال ما كانت الجاهلية عليه، والله أعلم.
" شرح مسلم " (٨ / ٢٣٥) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15134
هدي النبي ﷺ في الركوب
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي المراكب التي كان النبي ﷺ يركبها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ركب النبي ﷺ الخيل والإبل والبغال والحمير، وركب الفرس مسرجةً تارة وعرياً أخرى، وكان يُجريها في بعض الأحيان، وكان يركب وحده وهو الأكثر وربما أردف خلفه على البعير، وربما أردف خلفه وأركب أمامه وكانوا ثلاثة على بعير، وأردف الرجال وأردف بعض نسائه، وكان أكثر مراكبه الخيل والإبل، وأما البغال فالمعروف أنه كان عنده منها بغلة واحدة أهداها له بعض الملوك، ولم تكن البغال مشهورة بأرض العرب بل لما أهديت له البغلة قيل: ألا نُنزي الخيل على الحمر: فقال: " إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون " (رواه أبو داوود (٢٥٦٥) صححه الألباني في صحيح أبي داوود (٢٢٣٦))
[الْمَصْدَرُ]
زاد المعاد (١/١٥٩) .
стр. 15135
أصهار النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[من هم أصهار الرسول الكريم ﷺ الذين تزوجوا من بناته؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
بنات النبي ﷺ أربعة، كلهن من خديجة ﵂:
١- زينب ﵂، وهي أكبر بناته ﷺ ، وقد تزوجت من أبي العاص بن الربيع ﵁، وولدت له عليا وأمامة، وتوفيت سنة ثمان من الهجرة.
٢- رقية ﵂، وقد تزوجها أولا ابن عمها عتبة بن أبي لهب، ثم طلقها قبل الدخول بها، حين أنزل الله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب) ، فتزوجها عثمان بن عفان ﵁، وهاجرت معه إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وقد مرضت في وقت خروج النبي ﷺ لغزوة بدر، فأمر عثمانَ ﵁ أن يقيم معها، وضرب له بسهمه من الغنائم، وأجره على الغزوة كأنه شهدها، ولما أن جاء البشير بنصر المسلمين في بدر، وجدهم قد فرغوا من دفنها ﵂، وقد ولدت لعثمان ﵁ عبد الله، مات وله ست سنوات.
٣- أم كلثوم ﵂، تزوجت أولا من عُتَيْبة بن أبي لهب، وطلقها قبل الدخول كما فعل أخوه عتبة برقية ﵂. ولما توفيت رقية، زَوَّجَ النبيُّ ﷺ أم كلثوم لعثمان ﵁، وماتت عنده سنة تسع من الهجرة، ولم تلد له.
٤- فاطمة ﵂، وهي أصغر بناته ﷺ ، تزوجها علي بن أبي طالب ﵁ في صفر سنة اثنتين من الهجرة، وولدت له الحسن والحسين، وأم كلثوم وزينب. وتوفيت فاطمة ﵂ بعد وفاة النبي ﷺ بستة أشهر، فهي أول أهله لحوقا به، كما أخبر ﷺ .
ينظر: "البداية والنهاية" لابن كثير (٥/٣٢١) ، "زاد المعاد" لابن القيم (١/١٠٠) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15136
هل الرسول أوصى بالخلافة لعلي ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الحكم في قوم يزعمون أن الرسول ﷺ أوصى بالخلافة لعلي ﵁، ويقولون أن الصحابة ﵃ تآمروا عليه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا القول لا يُعرف عن أحد من طوائف المسلمين سوى طائفة الشيعة، وهو قول باطل لا أصل له في الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ ، وإنما دلت الأدلة الكثيرة على أن الخليفة بعده هو أبو بكر الصديق ﵁ وعن سائر أصحاب النبي ﷺ ، ولكنه ﷺ لم ينص على ذلك نصاً صريحاً ولم يُوص به وصية قاطعة، ولكنه أمر بما يدل على ذلك حيث أمره بأن يؤم الناس في مرضه، ولما ذكر له من أمر الخلافة بعده، قال ﵊: (يأبي الله والمؤمنون إلا أبا بكر) ولهذا بايعه الصحابة ﵃ وأجمعوا على أن أبا بكر أفضلهم وثبت في حديث ابن عمر ﵄ أن الصحابة ﵃ كانوا يقولون في حياة النبي ﷺ : (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان) ، ويُقرهم النبي ﷺ على ذلك، وتواترت الآثار عن علي ﵁ أنه كان يقول: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر) وكان يقول ﵁: (لا أوتى بأحد يفضلني عليهما إلا جلدته حد المفتري) ، ولم يدِّع لنفسه أنه أفضل الأمة، ولا أن الرسول ﷺ أوصى بالخلافة، ولم يقل أن الصحابة ﵃ ظلموه وأخذوا حقه، ولما توفيت فاطمة ﵂، بايع الصديق بيعة ثانية تأكيداً للبيعة الأولى وإظهاراً للناس أنه مع الجماعة وليس في نفسه شيء من بيعة أبي بكر ﵃ جميعاً، ولما طُعن عمر وجعل الأمر شورى بين ستة من العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن جملتهم علي ﵁ لم ينكر على عمر ذلك لا في حياته ولا بعد وفاته، ولم يقل أنه أولى منهم جميعاً فكيف يجوز لأحد من الناس أن يكذب على رسول الله ﷺ ويقول أنه أوصى لعلي بالخلافة، وعلي نفسه لم يدِّع ذلك ولا أدّعاه أحد من الصحابة له، بل قد أجمعوا على صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، واعترف بذلك علي ﵁، وتعاون معهم جميعاً في الجهاد والشورى وغير ذلك، ثم أجمع المسلمون بعد الصحابة على ما أجمع عليه الصحابة؟ فلا يجوز بعد هذا لأي واحد من الناس ولا لأي طائفة لا الشيعة لا غيرهم أن يدّعوا أن علياً هو الوصي، وأن الخلافة التي قبله باطلة كما لا يجوز لأي أحد من الناس أن يقول أن الصحابة ظلموا علياً وأخذوا حقه، بل هذا من أبطل الباطل ومن سوء الظن بأصحاب رسول الله ﷺ ومن جملتهم علي ﵁ وعنهم أجمعين.
وقد نزه الله هذه الأمة المحمدية وحفظها من أن تجتمع على ضلالة، وصحّ عنه ﷺ في الأحاديث الكثيرة أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة) فيستحيل أن تجتمع الأمة في أشرف قرونها على باطل، وهو خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، ولا يقول هذا من يؤمن بالله واليوم الآخر، كما لا يقوله من له أدنى بصيرة بحكم الإسلام.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى الشيخ ابن باز في كتاب فتاوى إسلامية ١/٤٦.
стр. 15137
لماذا كان يوجد يهود في المدينة على العهد النبوي
[السُّؤَالُ]
ـ[ورد أن النبي ﷺ توفي وكانت درعه مرهونة عند يهودي.. السؤال هل كان هذا اليهودي في المدينة؟ وإن كانت الإجابة نعم، فكيف يكون ذلك وقد أجلاهم عنها ﷺ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
توفي النبي ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي، والنبي ﵊ أجلى بعض اليهود، وأمر بل أوصى بإجلائهم في مرض موته من جزيرة العرب، وانه لا يجتمع فيها دينان، ثم نفّذ عمر ﵁ وصية النبي ﵊.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ: عبد الكريم الخضير.
стр. 15138
عدد أبناء وبنات النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[كم بنت كان للرسول ﷺ ؟ ومن أي أزواجه ﵃؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فقد كان للنبي ﷺ أولاد وبنات أولهم القاسم وبه كان يُكنى مات طفلاً وقيل عاش إلى أن ركب الدابة وسار على النجيبة، ثم زينب وقيل هي أسن من القاسم، ثم رقية، وأم كلثوم، وفاطمة وقد قيل في كل واحدة منهن إنها أسن من أختيها وقد ذكر عن ابن عباس أن رقية أسن الثلاث وأم كلثوم أصغرهن، ثم ولد له عبد الله، وهل ولد بعد النبوة أو قبلها فيه اختلاف وصحح بعضهم أنه ولد بعد النبوة وهل هو الطيب والطاهر أو هما غيره على قولين، والصحيح أنهما لقبان له والله أعلم وهؤلاء كلهم من خديجة ولم يولد له من زوجة غيرها، ثم ولد له إبراهيم من سريته مارية القبطية سنة ثمان من الهجرة) زاد المعاد ١/١٠٣.
فأولاد النبي وبناته كلهم من زوجه أم المؤمنين خديجة ﵂ إلا إبراهيم فهو من سرية النبي مارية ﵂ والتي أهداها للنبي ﷺ المقوقس ملك الإسكندرية وعظيم القبط، وأولاده على الصحيح سبعة ثلاث ذكور وأربع إناث فالذكور:
١- القاسم.
٢- عبد الله.
٣- إبراهيم.
والإناث:
١- زينب.
٢- رقية.
٣- أم كلثوم.
٤- فاطمة.
وكل أولاده ﷺ مات في حياته إلا فاطمة فإنها قبضت بعده ﵂.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15139
مبيت الرسول ﷺ وأبي بكر في غار ثور
[السُّؤَالُ]
ـ[أبحث عن الحديث الذي روى قصة الرسول ﷺ عندما هاجر لمكة واختبأ في الكهف وكانت الملائكة تغطي بأجنحتها على مدخل الكهف حتى لا يراه من كان يبحث عنه من الكفار.
ما يعرفه أغلب الناس أن عنكبوتاً بنى بيته على مدخل الكهف ولكنني وجدت أن هذه الرواية ضعيفة أو ملفقة وأن الرواية التي تخبر أن الملائكة غطت بأجنحتها مدخل الكهف هي الرواية الصحيحة.
هل يمكن أن تخبرني باسم الراوي وفي أي كتاب حديث أو سيرة أجد هذه الرواية؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذكر مبيت النبي ﷺ وأبي بكر رضي الله في الغار في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وإليك بيانها:
أولاً: من كتاب الله..
ورد في كتاب الله قصة المبيت في الغار قال تعالى: " إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " المائدة / ٤٠.
فالآية نص واضح على ائتمار المشركين على قتله ﷺ ، وأنهما باتا في الغار.
ثانياً: السنة..
أما ما صح من السنة النبوية في قصة المبيت في الغار:
١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: ... ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ (أي حاذق سريع الفهم) ، فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ (أي يخرج من عندهما آخر الليل) فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ فَلا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلامُ ... الحديث.
رواه البخاري (٣٩٠٥) في قصة طويلة بوب عليها: هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.
٢ - عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا فِي الْغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا. فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا. رواه البخاري (٣٦٥٣) .
وأما قصة نسج العنكبوت فقد رواها الإمام أحمد (٣٢٤١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ) قَالَ: تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَصْبَحَ فَأَثْبِتُوهُ بِالْوَثَاقِ يُرِيدُونَ النَّبِيَّ ﷺ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ اقْتُلُوهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أَخْرِجُوهُ. فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ فَبَاتَ عَلِيٌّ عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى لَحِقَ بِالْغَارِ، وَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا يَحْسَبُونَهُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا ثَارُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَوْا عَلِيًّا رَدَّ اللَّهُ مَكْرَهُمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ صَاحِبُكَ هَذَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. فَاقْتَصُّوا أَثَرَهُ، فَلَمَّا بَلَغُوا الْجَبَلَ خُلِّطَ عَلَيْهِمْ، فَصَعِدُوا فِي الْجَبَلِ فَمَرُّوا بِالْغَارِ، فَرَأَوْا عَلَى بَابِهِ نَسْجَ الْعَنْكَبُوتِ، فَقَالُوا: لَوْ دَخَلَ هَاهُنَا لَمْ يَكُنْ نَسْجُ الْعَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِهِ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ.
وقد اختلف العلماء في هذا الحديث، فحسن إسناده الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" وابن كثير في "البداية والنهاية" (٣/٢٢٢) . وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، وقال أحمد شاكر في تحقيق المسند (٣٢٥١) : في إسناده نظر اهـ. وقال محققو المسند (٣٢٥١) : إسناده ضعيف اهـ. والله أعلم.
وأما قصة الحمامتين فقد ذكرها ابن كثير في "البداية والنهاية" (٣/٢٢٣) وقال رواها ابن عساكر ثم قال: هذا حديث غريب جداً من هذا الوجه اهـ وضعفها كذلك محققو المسند في الموضع المشار إليه سابقاً.
وقال الألباني في " السلسلة الضعيفة " (٣/٣٣٩) : واعلم أنه لا يصح حديث في عنكبوت الغار والحمامتين على كثرة ما يذكر ذلك في عض الكتب والمحاضرات التي تلقى بمناسبة هجرته ﷺ إلى المدينة، فكن من ذلك على علم اهـ.
وأما ستر الملائكة للنبي ﷺ وأبي بكر فقد رواه الطبراني في "الكبير" (٢٤/١٠٦-١٠٨) من حديث أسماء بنت أبي بكر. وهو حديث طويل وفيه: (فقال أبو بكر لرجل يراه مواجه الغار: يا رسول الله إنه ليرانا، فقال: كلا إن ملائكة تسترنا بأجنحتها ... الحديث) .
وهذا الحديث في سنده يعقوب بن حُمَيْد بن كاسِب المدني، وقد اختلف فيه أهل العلم. انظر: "تهذيب الكمال" للمزي (٣٢/٣١٨-٣٢٣) .
فضعفه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، ووهَّاه أبو زرعة الرازي.
وقال أبو داود السجستاني رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها، فطالبناه بالأصول، فدافعنا، ثم أخرجها بعد، فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري، كانت مراسيل، فأسندها وزاد فيها.
وقال ابن عدي: لا بأس به وبرواياته، وهو كثير الحديث، كثير الغرائب.
وقال الذهبي: كان من علماء الحديث لكنه له مناكير وغرائب.
ووثقه ابن حبان. وقال عنه الحافظ ابن حجر: صدوق له أوهام.
والألباني ﵀ يحسن حديثه غير أنه توقف في تحسين هذا الحديث،
قال ﵀ في "السلسلة الضعيفة" (٣/٢٦٣) :
المتقرر في يعقوب هذا أنه حسن الحديث. . . فإن لم يكن في الإسناد علة أخرى فهو حسن. . . ثم قال: وشيخ الطبراني أحمد بن عمرو الخلال المكي لم أقف له على ترجمة، وقد أخرج له في "المعجم الأوسط" نحو ١٦ حديثا، مما يدل على أنه من شيوخه المشهورين، فإن عرف أو توبع فالحديث حسن اهـ.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15140
من هم كتبة رسائل الرسول صلى الله علية وسلم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[من هم كتبة رسائل الرسول صلى الله علية وسلم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال ابن القيم:
فقد ذكر أهل السيرة أسماء الصحابة الذين كانوا يكتبون الوحي أو الرسائل للرسول ﷺ وهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وعامر بن فهيرة، وعمرو بن العاص، وأبي بن كعب، وعبد الله بن الأرقم، وثابت بن قيس بن شماس، وحنظلة بن الربيع الأسيدي، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن رواحة، وخالد بن الوليد، وخالد بن سعيد بن العاص، وقيل: إنه أول من كتب له، ومعاوية ابن أبي سفيان، وزيد بن ثابت - وكان ألزمهم لهذا الشأن وأخصهم به – آهـ.
" زاد المعاد " (١ / ١١٧) .
وقال ابن مفلح الحنبلي:
وقد كتب لرسول الله ﷺ جماعة منهم أبي بن كعب وزيد بن ثابت وعلي وعثمان وحنظلة الأسدي ومعاوية وعبد الله بن الأرقم، وكان كاتبه المواظب على الرسائل والأجوبة، وهو الذي كتب الوحي كله وأمره رسول الله ﷺ أن يتعلم كتاب السريانية ليجيب عنه من كتب إليه بها، فتعلمها في ثمانية عشر يوما.
" الآداب الشرعية " (٢ / ١٦١) .
وقال ابن حجر:
وقال القضاعي: " كان زيد بن ثابت يكتب عنه للملوك، مع ما كان يكتب من الوحي، وكان الزبير وجهم يكتبان أموال الصدقات ".
" التلخيص الحبير " (٤ / ٣٤٦، ٣٤٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15141
تسريح الشعر
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف كان شكل شعر النبي ﷺ وما هي تسريحات الشعر المحرمة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جاء وصف شَعر النبي ﷺ في أحاديث عدة، وفيها من الأوصاف:
١- لم يكن ملتوياً مقبوضاً (ليس بجَعد) ولا مسترسلاً (ولا سَبْط) .
عن أنس بن مالك - يصف النبي ﷺ قال: كان رَبعة من القوم ليس بالطويل ولا بالقصير أزهر اللون ليس بأبيض أمْهَق ولا آدم ليس بجَعْدٍ قَطَط ولا سَبْط رَجِل أنزل عليه وهو ابن أربعين (يعني القرآن) ... رواه البخاري (٣٣٥٤) ومسلم (٢٣٣٨) .
أمهق: شديد البياض.
آدم: السمرة الشديدة.
٢- وكان شعره يبلغ شحمة أذنه.
عن البراء بن عازب ﵄ قال: كان النبي ﷺ مربوعاً بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنه رأيته في حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه. رواه البخاري (٣٣٥٨) ومسلم (٢٣٣٧) .
٣- وكان يصل أحياناً إلى منكبه أو عاتقه.
عن قتادة قال سألت أنس بن مالك ﵁ عن شعر رسول الله ﷺ فقال كان شعر رسول الله ﷺ رجِلا ليس بالسبط ولا الجعد بين أذنيه وعاتقه. رواه البخاري (٥٥٦٥) ومسلم (٢٣٣٧) .
وفي رواية: " كان يضرب شعرُه منكبيه ". رواه البخاري (٥٥٦٣) ومسلم (٢٣٣٨) .
وأحيانا يصل إلى أقل من ذلك، وكل ذلك محمول على تعدد الأحوال، وكل واحد من الصحابة حدَّث بما رأى.
٤- وكان ﷺ أحياناً يخضب شعره.
عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: دخلتُ على أم سلمة فأخرجت إلينا شَعْراً من شعر النبي ﷺ مخضوباً. رواه البخاري (٥٥٥٨) .
زاد أحمد (٢٥٣٢٨) : (مخضوباً بالحناء والكتم)
الكتم: نبات يضبغ به الشعر إذا خُلط بالحناء جعل لون الشعر بين الأسود والأحمر. انظر: عون المعبود شرح حديث (٤٢٠٥)
٥- وكان يَفرق شعره.
عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يَسدل شعره وكان المشركون يَفرقون رؤوسَهم، فكان أهل الكتاب يَسدلون رءوسهم وكان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق رسول الله ﷺ رأسَه. رواه البخاري (٣٣٦٥) ومسلم (٢٣٣٦) .
السدل: الإرسال على الجبين.
الفرْق: فصل الشعر بعضه عن بعض، يميناً وشمالاً من الوسط.
وقد بحث العلماء في فقه هذا الحديث، وخلاصة القول ما قاله الإمام النووي:
والحاصل أن الصحيح المختار جواز السدل والفرق، وأن الفرق أفضل. " شرح مسلم " (١٥ / ٩٠) .
٦- وحج ﷺ حجة الوداع وهو ملبد شعره
والتلبيد أن: يُلصق الشعر بعضه ببعض بصمغ أو نحوه حتى يجتمع الشعر ويكون أبعد عن الوسخ ولا يحتاج على غسل فيكون أرفق بالمحرم لاسيما فيما سبق من الزمن مع كثرة تعرض المحرم للوسخ وقلة المياه.
عن ابن عمر ﵄ قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ يهل ملبِّداً. رواه البخاري (٥٥٧٠) ومسلم (١١٨٤) .
والإهلال: رفع الصوت بالتلبية.
٧- وكان ﷺ ربما جعل شعره ضفائر لاسيما في السفر ليكون أبعد عن الغبار.
عن أم هانئ قالت: قدم النبي ﷺ إلى مكة وله أربع غدائر - تعني: عقائص -. رواه الترمذي (١٧٨١) وأبو داود (٤١٩١) وابن ماجه (٣٦٣١) وعند ابن ماجه: تعني: ضفائر. والحديث: حسنه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (١٠ / ٣٦٠) .
وأما التسريحات المحرمة: فيجمعها أمور، منها:
١- القزع، وهو حلق بعض الشعر وترك بعضه
عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن القَزَع. رواه البخاري (٥٤٦٦) ومسلم (٣٩٥٩) .
وقد فسَّر أحد رواة الحديث القزع بأنه حلق بعض رأس الصبي وترك بعضه.
قال ابن القيم ﵀:
وأما كحلق بعضه وترك بعضه فهو مراتب:
أشدها: أن يحلق وسطه ويترك جوانبه كما تفعل شمامسة النصارى.
ويليه: أن يحلق جوانبه ويدع وسطه كما يفعل كثير من السفلة وأسقاط الناس.
ويليه: أن يحلق مقدم رأسه ويترك مؤخره.
وهذه الصور الثلاث داخلة في القزع الذي نهى عنه رسول الله ﷺ وبعضها أقبح من بعض. " أحكام أهل الذمة " (٣ / ١٢٩٤)
٢- التشبه بالكفار أو الفساق
وهي تسريحات كثيرة، يدخل بعضها في " القزع " – كتسريحة " المارينز " فتمنع لسببين القزع، والتشبه بالكفار -، وبعضها لا قزع فيه غير أنه يختص بالكفار كنصب بعض الشعر وسبل الآخر أو ما شابه ذلك.
ويجمعها كل تسريحة تختص بالكفار أو الفساق فإنه لا يجوز للمسلم التشبه بهم فيها، لقول النبي ﷺ (من تشبه بقوم فهو منهم)
رواه أبو داود (٤٠٣١) .
والحديث: حسَّنه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (١٠ / ٢٧١) وجوَّد إسناده شيخ الإسلام في " اقتضاء الصراط المستقيم " (ص ٨٢) .
قال شيخ الإسلام:
وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ . " اقتضاء الصراط المستقيم " (ص ٨٣) .
التشبه بسفلة الناس
وهي تسريحات يخترعها بعض السفلة، وقد تدخل فيما سبق ذكره.
يراجع سؤال رقم (١٤٠٥١)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15142
حديث الهجرة
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد بعض المعلومات عن هجرة الرسول ﷺ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لما اشتد الأذى من أهل مكة على المسلمين أمرهم الله تعالى أن يهاجروا ليقيموا دين الله تعالى في الأرض التي يقدرون على عبادته فيها.
فاختار الله تعالى المدينة النبويَّة داراً للهجرة، وكان الرسول ﷺ قد رأى في المنام أنه يهاجر إليها.
عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ فَذَهَبَ وَهَلِي [أي ظني] إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ. . . الحديث.
رواه البخاري (٣٣٥٢) ومسلم (٤٢١٧) .
وروى البخاري (٣٩٠٦) عن عائشة قالت:. . . قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ: إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ وَهُمَا الْحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
قال الحافظ:
وَالْحَرَّة أَرْضٌ حِجَارَتُهَا سُودٌ , وَهَذِهِ الرُّؤْيَا غَيْر الرُّؤْيَا السَّابِقَة في حَدِيث أَبِي مُوسَى الَّتِي تَرَدَّدَ فِيهَا النَّبِيّ ﷺ , قَالَ اِبْن التِّين: كَأَنَّ النَّبِيّ ﷺ أُرِيَ دَار الْهِجْرَة بِصِفَةٍ تَجْمَع الْمَدِينَة وَغَيْرهَا , ثُمَّ أُرِيَ الصِّفَة الْمُخْتَصَّة بِالْمَدِينَةِ فَتَعَيَّنَتْ اهـ
وأما عن أول من هاجر من أصحاب النبي ﷺ :
فعن البراء ﵁ قال: " أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرئاننا القرآن ثم جاء عمار وبلال وسعد ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين ثم جاء النبي ﷺ فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون هذا رسول الله ﷺ قد جاء. . . ".
رواه البخاري (٤٥٦٠) .
وفي الحديث التالي مختصر لكثير من أحداث الهجرة النبوية:
عن عائشة قالت:. . . . فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ: إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لابَتَيْنِ وَهُمَا الْحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ -وَهُوَ الْخَبَطُ- أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. . . ثم قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ. قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ، بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّحَابَةُ [أي: أريد المصاحبة] بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِالثَّمَنِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجِهَازِ، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ. قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ [أي: حاذق سريع الفهم] فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ [أي يخرج من عندهما آخر الليل] فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ. وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ. وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هَادِيَا خِرِّيتًا وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ. . . وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلِجِيُّ وَهُوَ ابْنُ أَخِي سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ يَقُولُ: جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَسَرَهُ فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ أُرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ. قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا، انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا، ثُمَّ لَبِثْتُ فِي الْمَجْلِسِ سَاعَةً ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ رُمْحِي، فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ فَخَطَطْت بِزُجِّهِ الْأَرْضَ وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا [المراد أنه خرج خفيةً] فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ، فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي فَخَرَرْتُ عَنْهَا فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ يَدِي إِلَى كِنَانَتِي فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الْأَزْلامَ فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا أَضُرُّهُمْ أَمْ لَا فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَعَصَيْتُ الْأَزْلَامَ تُقَرِّبُ بِي حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الأَرْضِ حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ فَخَرَرْتُ عَنْهَا ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً إِذَا لِأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ فَاسْتَقْسَمْتُ بِالْأَزْلَامِ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ فَنَادَيْتُهُمْ بِالْأَمَانِ فَوَقَفُوا فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهُمْ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنْ الْحَبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ وَأَخْبَرْتُهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ الزَّادَ وَالْمَتَاعَ، فَلَمْ يَرْزَآنِي [أي لم يأخذا مما معي شيئاً] وَلَمْ يَسْأَلَانِي إِلَّا أَنْ قَالَ: أَخْفِ عَنَّا. فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ. ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَقِيَ الزُّبَيْرَ فِي رَكْبٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا تِجَارًا قَافِلِينَ مِنْ الشَّأْمِ فَكَسَا الزُّبَيْرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ ثِيَابَ بَيَاضٍ وَسَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مَخْرَجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الْحَرَّةِ فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ [أي حص] مِنْ آطَامِهِمْ لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مُبَيَّضِينَ يَزُولُ بِهِمْ السَّرَابُ فَلَمْ يَمْلِكْ الْيَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا مَعَاشِرَ الْعَرَبِ هَذَا جَدُّكُمْ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى السِّلَاحِ فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِظَهْرِ الْحَرَّةِ فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَامِتًا فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ حَتَّى أَصَابَتْ الشَّمْسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَأُسِّسَ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَسَارَ يَمْشِي مَعَهُ النَّاسُ حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ [هو الموضع الذي يجفف فيه التمر] لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ: هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْمَنْزِلُ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغُلَامَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالَا: لَا، بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا، وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُ مَعَهُمْ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ:
هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالَ خَيْبَرْ هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ
وَيَقُولُ:
اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَهْ فَارْحَمْ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ
فَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ لِي قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي الأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ تَامٍّ غَيْرَ هَذَا الْبَيْتِ.
رواه البخاري (٣٩٠٦) .
ولكن هناك شبهة يقول بها بعض المشككين في الدين، يقولون: تروي السيرة: أن الرسول ﷺ هاجر هو وأبو بكر بناقتين ودخلوا الغار ولحقتهم قريش تطلبهم فلو كان معهما ناقتان لعرف أهل قريش أن محمدا ﷺ وصاحبه قد دخلا الغار، فأين الناقتان؟
وهؤلاء المشككين يريدون الطعن في الدين من أجل ألا يثق الناس بسيرة الرسول ﷺ ويحسبونها ضرباً من الخيال والكذب.
والجواب على هذه الشبهة في غاية السهولة واليسر. . فالرواية السابقة التي جهلها - أو تجاهلها – هؤلاء ترد عليهم من أن الرسول ﷺ قد اتخذ هادياً يدلهم على الطريق وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما. . .
ففي هذا الحديث من الرد ما يلقمهم الحجر، والحمد لله على الهدى بعد الضلال.
ومما حدث لرسول الله ﷺ وأبي بكر في طريقهما إلى المدينة:
عن أبي بكر ﵃ قال: قلت للنبي ﷺ وأنا في الغار ـ: " لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا فقال: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما ".
رواه البخاري (٣٣٨٠) ومسلم (٤٣٨٩) .
وهذا مختصر لأحداث الهجرة، ومن أراد الاستزادة فليراجع كتاب البداية والنهاية لابن كثير (٤/١٦٨-٢٠٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15143
هل قتلَ النبي ﷺ أحداً من المشركين ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن أن تخبرني هل قتل النبي محمد ﷺ أحداً من أعدائه أثناء الغزوات التي شارك بها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
روى البخاري (٤٠٧٣) ومسلم (١٧٩٣) عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) .
قال النووي:
قَوْله: (فِي سَبِيل اللَّه) اِحْتِرَاز مِمَّنْ يَقْتُلهُ فِي حَدّ أَوْ قِصَاص ; لأَنَّ مَنْ يَقْتُلهُ فِي سَبِيل اللَّه كَانَ قَاصِدًا قَتْل النَّبِيّ ﷺ اهـ
ولا يُعلم أن النبي ﷺ قتل أحداً من المشركين بيده إلا أبي بن خلف.
روى ذلك ابن جرير والحاكم عن سعيد بن المسيب والزهري رحمهما الله تعالى. قال ابن كثير في التفسير (٢/٢٩٦) : سنده صحيح اهـ
وقال ابن القيم – في سياق غزوة أُحُد -:
وأقبل رسول الله ﷺ نحو المسلمين، وكان أول مَن عرفه تحت المِغفر كعب بن مالك فصاح بأعلى صوته: " يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله ﷺ "، فأشار إليه أن اسكت، واجتمع إليه المسلمون ونهضوا معه إلى الشِّعب الذي نزل فيه، وفيهم أبو بكر وعمر وعلي والحارث بن الصِّمَّة الأنصاري وغيرهم، فلما استندوا إلىالجبل أدرك رسولَ الله ﷺ أُبَيُّ بن خلف على جواد له يقال له " العوذ " زعم عدو الله أنه يَقتل عليه رسولَ الله ﷺ ، فلما اقترب منه تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصِّمَّة فطعنه بها، فجاءت في تَرقوته، فكرَّ عدوُّ الله منهزماً، فقال له المشركون: والله ما بك من بأس، فقال: والله لو كان ما بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون، وكان يعلف فرسه بمكة ويقول: أقتل عليه محمَّداً، فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ فقال: " بل أنا أقتله إن شاء الله تعالى "، فلمَّا طعنه تذكر عدوُّ الله قوله أنا قاتله، فأيقن بأنه مقتول من ذلك الجرح، فمات منه في طريقه بسَرِف مرجعه إلى مكة اهـ
" زاد المعاد " (٣ / ١٩٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15144
هل أعطى النبي ﷺ وقفاً لتميم الداري في فلسطين ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت أن رسول الله ﷺ قد أعطى الخليل في فلسطين وقف لبني تميم وكتب لهم عقدا" بهذا وكان من الشهود عليه عمر بن الخطاب ﵁، وأنهم ما يزالون يعيشون بالخليل ويتمسكون بحقهم في الوقف، فهل هذا صحيح؟ مع أن فلسطين لم تكن للمسلمين في ذلك الوقت؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جاء في عدة روايات أن النبي ﷺ أقطع تميماً الداري ﵁ " بيت حبرون " وهي " الخليل " الآن.
قال الحافظ ابن حجر – ﵀:
تميم بن أوس بن خارجة أبو رقية الداري.
انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان ونزل بيت المقدس وكان إسلامه سنة تسع.
قال يعقوب بن سفيان: لم يكن له ذَكَر، وإنما كانت له ابنة تسمى رقية.
وجاء من وجوه عديدة أن النبي ﷺ أقطعه بيت حبرون.
" تهذيب التهذيب " (١ / ٤٤٩) مختصراً.
وجاء في معجم البلدان (٢/٢١٢) :
" حَبْرُون اسم القرية التي فيها قبر إبراهيم الخليل ﵇ بالبيت المقدس، وقد غلب على اسمها الخليل.
وقدم على النبي تميم الداري في قومه وسأله أن يقطعه حبرون فأجابه وكتب له كتابا نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى محمد رسول الله لتميم الداري وأصحابه: إني أعطيتكم بيت عينون وحبرون والمرطوم وبيت إبراهيم بذمتهم وجميع ما فيهم، عطية بت، ونفذت وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم بعدهم، أبد الآبدين، فمن آذاهم فيه آذى الله، شهد أبو بكر بن أبي قحافة وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب " اهـ باختصار.
ولم تكن " فلسطين " يومئذٍ بأيدي المسلمين، بل كانت بأيدي الروم، فأقطعهم الرسول ﷺ إياها بعد أن يفتحها الله عليه. فيكون هذا كالبشارة من النبي ﷺ بفتحها.
ولما فتحت في عهد عمر وفّى بوعد رسول الله ﷺ ، وأوقفها تميم على ذريته وعلى خيرات حددها، فهو أول وقف في الإسلام في أرض فلسطين، وقد ذكر المقدسي في كتابه " أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ": " ... وجود دار ضيافة دائمة مع خباز وطباخ وخدام يقدمون العدس بالزيت لكل حاجّ أو زائر يمر بمدينة الخليل، وهذه الضيافة والإطعام من وقف تميم الداري ﵁ ".
وقال القلقشندي:
قال الحمداني: وبلد الخليل ﵇ معمور من بني تميم الداري ﵁ وبيد بني تميم هؤلاء الرقعة التي كتبها النبي ﷺ لتميم وإخوته بإقطاعهم بيت حبرون التي هي بلد الخليل ﵇ وبعض بلادها.
" صبح الأعشى " (١ / ٤٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15145
حِجر إسماعيل، تسمية لا أصل لها
[السُّؤَالُ]
ـ[هل دفنَ إسماعيل ﵇ والدته هاجر في "حِجْرِ إسماعيل"؟ فقد سمعت ذلك من أحد شيوخنا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ننبه أولا إلى أن تسمية الناس للحِجر بحِجر إسماعيل تسمية لا أصل لها، ولا علم لإسماعيل ﵇ بهذا الحجر، فقد بنى إبراهيم وإسماعيل ﵉ الكعبة بناء كاملا مشتملا على هذا الحجر، ثم إن جدران الكعبة تصدعت من أثر حريق وسيل جارف حدث قبل بعثة النبي ﷺ ، فهدمت قريش ما بقي من جدرانها، ثم أعادت بناءها، فقصرت بها النفقة الطيبة عن إتمام البناء على قواعد إبراهيم وإسماعيل ﵉، فأخرجوا منها الحِجر، وبنوا عليه جدارا قصيرا دلالة على أنه منها، وكانوا قد شرطوا على أنفسهم ألا يدخلوا في بنائها إلا نفقة طيبة، لا يدخلها مهر بغي ولا بيع ربا، ولا مظلمة لأحد.
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: سألت النبي ﷺ عن الجَدْر أمن البيت هو؟ قال نعم. قلت: فما بالهم لم يدخلوه في البيت؟ قال إن قومك قصرت بهم النفقة "
رواه البخاري ١٥٨٤ ومسلم ١٣٣٣.
والجَدر: لغة في الجدار، والمراد به الحِجر.
فالصواب أن يقال: الحجر، دون أن ينسب إلى إسماعيل ﵇.
ولم يثبت في حديث مرفوع أن هذا الحجر دفن فيه إسماعيل ﵇، أو دفنت فيه هاجر. لكن وردت آثار موقوفة بأسانيد واهية تفيد أن قبر إسماعيل ﵇ في الحجر.
وانظر في ذلك: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد للشيخ اللأباني ﵀ ص ٧٥، ٧٦
وكون إسماعيل ﵇ يدفن أمه داخل الكعبة، أو يدفنه أبناؤه فيها أمر مستبعد غاية الاستبعاد، والقول به فرع عن ثبوته، ولم يثبت شيء من ذلك ولله الحمد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15146
كم رمضان صام الرسول ﷺ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كم رمضان صام الرسول ﷺ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أجمع العلماء على أن صوم شهر رمضان فرض في شهر شعبان من السنة الثانية من الهجرة، وأن النبي ﷺ صام تسع رمضانات، لأنه ﷺ توفي في شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة.
قال في "الإنصاف":
فُرِضَ صَوْمُ رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ إجْمَاعًا , فَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ إجْمَاعًا اهـ.
وقال النووي في المجموع:
صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَمَضَانَ تِسْعَ سِنِينَ ; لأَنَّهُ فُرِضَ فِي شَعْبَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ , وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ إحْدَى عَشْرَةَ مِنْ الْهِجْرَةِ اهـ.
وانظر أيضاً "مجموع الفتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/٢٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15147
أم حرام وأم سليم من محارم الرسول ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي قرابة الرسول ﷺ لأم سليم وأم حرام؟ اعتاد الرسول ﷺ الذهاب لبيوتهم ويستريح عندهم، هل كانتا صحابيات من محارم الرسول؟ وما صلة القرابة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أم سليم هي سهلة أو رميلة أو مليكة بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب الأنصارية ﵂، وهي أم أنس بن مالك ﵁، مشهورة بكنيتها، واختلف في اسمها. الإصابة ٨/٢٢٧
وأم حرام: هي بنت ملحان ﵂، وهي أخت أم سليم. قال ابن عبد البر: لا أقف لها على اسم صحيح.
وهما من محارم النبي ﷺ .
روى البخاري (٢٧٨٩) ومسلم (١٩١٢) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ قَالَتْ فَقُلْتُ وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ شَكَّ إِسْحَاقُ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهمْ فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ أَنْتِ مِنْ الأَوَّلِينَ فَرَكِبَتْ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ.
وروى مسلم (٢٣٣١) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا وَلَيْسَتْ فِيهِ قَالَ فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَامَ عَلَى فِرَاشِهَا فَأُتِيَتْ فَقِيلَ لَهَا هَذَا النَّبِيُّ ﷺ نَامَ فِي بَيْتِكِ عَلَى فِرَاشِكِ قَالَ فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرِقَ وَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ عَلَى قِطْعَةِ أَدِيمٍ عَلَى الْفِرَاشِ فَفَتَحَتْ عَتِيدَتَهَا فَجَعَلَتْ تُنَشِّفُ ذَلِكَ الْعَرَقَ فَتَعْصِرُهُ فِي قَوَارِيرِهَا فَفَزِعَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ مَا تَصْنَعِينَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا قَالَ أَصَبْتِ.
قال النووي ﵀:
قال ﵀: (اتفق العلماء على أن أم حرام كانت محرما له ﷺ . واختلفوا في كيفية ذلك، فقال ابن عبد البر وغيره: كانت إحدى خالاته من الرضاعة. وقال آخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجده لأن عبد المطلب كانت أمه من بنى النجار) اهـ.
وقال أيضاً:
أُمّ حَرَام أُخْت أُمّ سُلَيْمٍ، وقد كَانَتَا خَالَتَيْنِ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ مَحْرَمَيْنِ إِمَّا مِنْ الرَّضَاع , وَإِمَّا مِنْ النَّسَب, فَتَحِلُّ لَهُ الْخَلْوَة بِهِمَا , وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِمَا خَاصَّةً , لا يَدْخُلُ عَلَى غَيْرهمَا مِنْ النِّسَاء إِلا أَزْوَاجه اهـ.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15148
صفة خاتم النبوة
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد رأيت ورقة مرسوماً عليها شكل خاتم النبوة حيث يدعى بأن هذا الشكل هو ما كان موجودا بين كتفي رسول الله ﷺ ، ومكتوب عليه عبارات باللغة العربية مثل لفظ الجلالة واسم سيدنا محمد وعبارات أخرى. أرجو توضيح ذلك، وإعطاء الوصف الصحيح للخاتم، وتنبيه المسلمين لذلك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من الصفات التي وصف بها النبي ﷺ في الكتب المتقدمة أنه بين كتفيه خاتم النبوة، فكان ذلك علامة على صدقه، وأَنَّهُ النَّبِيُّ الْمَوْعُودُ ﷺ .
وقد وردت صفة خاتم النبوة في السنة الصحيحة أنه كان بارزاً في حجم بيضة الحمامة، بين كتفي النبي ﷺ . حوله خِيلان [جمع خال: نقطة تضرب إلى السواد وتسمى شامة] ، وعليه شعرات مجتمعات.
قَالَ الْقُرْطُبِيّ:
اتَّفَقَتْ الأَحَادِيث الثَّابِتَة عَلَى أَنَّ خَاتَم النُّبُوَّة كَانَ شَيْئًا بَارِزًا عِنْد كَتِفه الأَيْسَر، قَدْره قَدْر بَيْضَة الْحَمَامَة اهـ. بتصرف.
ولم يثبت أن الخاتم كان مكتوباً عليه لفظ الجلالة أو (محمد) أو غير ذلك من الكلمات.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٦/٦٥٠) :
وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ كَأَثَرِ مِحْجَم , أَوْ كَالشَّامَةِ السَّوْدَاء أَوْ الْخَضْرَاء , أَوْ مَكْتُوب عَلَيْهَا "مُحَمَّد رَسُول اللَّه" أَوْ "سِرْ فَأَنْتَ الْمَنْصُور" أَوْ نَحْو ذَلِكَ , فَلَمْ يَثْبُت مِنْهَا شَيْء. . . وَلا تَغْتَرّ بِمَا وَقَعَ مِنْهَا فِي صَحِيح اِبْن حِبَّانَ فَإِنَّهُ غَفَلَ حَيْثُ صَحَّحَ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ
وهذه بعض الأحاديث الواردة في خاتم النبوة:
١- روى مسلم (٢٣٤٤) عن جابر بن سمرة ﵁ قال: "رأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده ".أَيْ: يُشْبِهُ لَوْنُهُ لَوْنَ سَائِرِ أَعْضَائِهِ.
٢- وروى مسلم أيضاً (٢٣٤٦) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا أَوْ قَالَ ثَرِيدًا. . . قَالَ: ثُمَّ دُرْتُ خَلْفَهُ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عِنْدَ نَاغِضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى جُمْعًا عَلَيْهِ خِيلانٌ كَأَمْثَالِ الثَّآلِيلِ.
(نَاغِض كَتِفه) هو أَعْلَى الْكَتِف , وَقِيلَ: هُوَ الْعَظْمُ الرَّقِيقُ الَّذِي أَعْلَى طَرَفه.
(جُمْعًا) مَعْنَاهُ: عَلَى هَيْئَة جَمْع الْكَفّ أي بعد أَنْ تَجْمَعَ الأَصَابِع وَتَضُمَّهَا , لَكِنَّهُ أَصْغَرُ مِنْهُ فِي قَدْر بَيْضَة الْحَمَامَة.
(الْخِيلَان) جَمْع (خَال) , وَهُوَ الشَّامَة فِي الْجَسَد. انظر شرح مسلم للنووي.
(الثآليل) : قال ابن الأثير في "النهاية":
جَمْع ثُؤلُول، وهُو هذه الحبَّة التي تَظْهر في الجِلد كالحِمَّصَة فما دُونها اهـ.
٣- وروى الترمذي في الشمائل عن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري قال: فمسحت ظهره، فوقعت أصابعي على الخاتم. وسئل: ما الخاتم؟ قال: شعرات مجتمعات. صححه الألباني في "مختصر الشمائل " ص ٣١.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15149
هل " مارية القبطية " من أمهات المؤمنين ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إنه مما لا شك فيه أن الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بنى بمارية القبطية والتي كانت ملك يمينه، وأنجبت له ولده إبراهيم، فهل يطلق على مارية القبطية لقب " أم المؤمنين " أم لا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم يتزوج النبي ﷺ مارية القبطية، بل كانت أمَة له، وكان قد أهداها له المقوقس صاحب مصر، وذلك بعد صلح الحديبية، وقد كانت مارية القبطيَّة نصرانيَّة ثم أسلمت ﵂.
قال ابن سعد:
فأنزلها – يعني مارية القبطية - رسولُ الله ﷺ وأختها على أم سليم بنت ملحان فدخل عليهما رسول الله ﷺ فعرض عليهما الإسلام فأسلمتا فوطئَ مارية بالملك وحولها إلى مال له بالعالية ... وكانت حسنة الدِّين.
" الطبقات الكبرى " (١ / ١٣٤ – ١٣٥) .
وقال ابن عبد البر:
وتوفيت مارية في خلافة عمر بن الخطاب، وذلك في المحرم من سنة ست عشرة، وكان عمر يحشر النَّاس بنفسه لشهود جنازتها، وصلى عليها عمر، ودفنت بالبقيع. " الاستيعاب " (٤ / ١٩١٢) .
ومارية ﵂ من إمائه ﷺ ، لا من أزواجه وأمهات المؤمنين هن أزوج النبي ﷺ ، قال الله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) الأحزاب/٦.
وقد كان النبي ﷺ أربع إماء، منهم مارية.
قال ابن القيم:
قال أبو عبيدة: كان له أربع: مارية وهي أم ولده إبراهيم، وريحانة، وجارية أخرى جميلة أصابها في بعض السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش.
" زاد المعاد " (١ / ١١٤) .
وانظر في أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين ﵅ – جواب السؤال رقم: (٤٧٠٧٢)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15150
أزواج النبي ﷺ ، أمهات المؤمنين ﵅
[السُّؤَالُ]
ـ[كم عدد زوجات النبي ﷺ وما أسماؤهن؟ أرجو الجواب بدليل واضح مع ذكر رقم الحديث واسم الكتاب ورقم الصفحة. حيث يوجد كثير من الخلط في هذا الموضوع.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تزوج رسول الله ﷺ من النساء ما يلي:
١- خديجة بنت خويلد ﵂:
وهي أول أزواجه ﵊، وقد تزوجها النبي ﷺ وهو ابن خمس وعشرين سنة، ولم يتزوج عليها حتى ماتت، وأولاده كلهم منها إلا إبراهيم.
عقد البخاري ﵀ باباً في صحيحه فقال: بَاب تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﷺ خَدِيجَةَ وَفَضْلِهَا ﵂، وروى فيه حديثا عن عائشة رضي الله قَالَتْ: (مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، هَلَكَتْ (أي: ماتت) قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا) رواه البخاري (٣٨١٥) .
٢- سودة بنت زمعة بن قيس:
تزوجها النبي ﷺ سنة عشر من النبوة، طبقات ابن سعد من طريق الواقدي ٨/٥٢-٥٣، وابن كثير في البداية والنهاية ٣/١٤٩.
٣- عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄:
عقد عليها النبي ﷺ في شوال من السنة العاشرة من النبوة. ابن سعد ٨/٥٨-٥٩. قالت هي نفسها: (تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وبنى بي وأنا بنت تسع سنين) . رواه البخاري (٣٨٩٤) ومسلم (١٤٢٢) . وروى البخاري (٥٠٧٧) أيضا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا.
٤- حفصة بنت عمر ﵄:
عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ (أي: مات زوجها خنيس) وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقُلْتُ إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، قَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، فَقَالَ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ لا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا. قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، فَكُنْتُ عَلَيْهِ أَوْجَدَ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ إِلا أَنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ ذَكَرَهَا، فَلَمْ أَكُنْ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَوْ تَرَكَهَا لَقَبِلْتُهَا. رواه البخاري (٤٠٠٥) .
٥- زينب بنت خزيمة ﵂:
تزوجها النبي ﷺ في رمضان على رأس واحد وثلاثين شهرا من الهجرة. طبقات ابن سعد ٨/١١٥.
٦- أم سلمة بنت أبي أمية ﵂:
روى مسلم (٩١٨) عن أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا) . قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وفي رواية: (فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: مَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟! ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ لِي فَقُلْتُهَا، قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .
٧-جويرة بنت الحارث ﵂:
وقعت أسيرة في أيدي المسلمين في غزوة بني المصطلق، وجاءت إلى النبي ﷺ تطلب منه أن يعينها في مكاتبتها لعتق رقبتها، فعرض عليها قضاء كتابته وزواجه بها فقبلت. فتزوجها النبي ﷺ وجعل عتقها صداقها. فلما علم الناس بذلك أعتقوا مَنْ بأيديهم من السبي (الأسرى) إكراما لأصهار الرسول ﷺ . فما كانت امرأة أعظم على قومها بركة منها. رواه ابن إسحاق بإسناد حسن، سيرة ابن هشام ٣/٤٠٨-٤٠٩.
٨- زينب بنت جحش ﵂.
وفيها نزل قول الله تعالى: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا) الأحزاب/٣٧.
وبهذا كانت تفتخر على نساء النبي ﷺ ، وتقول: (زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ) رواه البخاري (٧٤٢٠) .
٩- أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄:
روى أبو داود (٢١٠٧) عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، فَمَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَزَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَمْهَرَهَا عَنْهُ أَرْبَعَةَ آلافٍ، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ شُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ. صححه الألباني.
١٠- ميمونة بنت الحارث ﵂:
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. رواه البخاري (١٨٣٧) ومسلم (١٤١٠) .
وقوله: (وهو محرم) وهم، والصواب أن النبي ﷺ تزوجها بعد أن تحلل من عمرة القضاء.
انظر: "زاد العاد" (١/١١٣) ، "فتح الباري" حديث رقم (٥١١٤) .
١١- صفية بنت حيي بن أخطب ﵂:
أعتقها رسول الله ﷺ وتزوجها بعد غزوة خيبر. رواه البخاري (٣٧١) .
فهؤلاء أزواج النبي ﷺ اللاتي دخل بهن، وتوفيت منهن اثنتان في حياة النبي ﷺ ، وهما: خديجة، وزينب بنت خزيمة ﵄، وتوفي رسول الله ﷺ عن التسع البواقي من غير خلاف بين أهل العلم.
وانظر: "زاد المعاد" (١/١٠٥-١١٤) .
وقيل: ومن أزواجه ريحانة بنت عمرو النضرية، وقيل: القرظية، سبيت يوم غزوة بني قريظة، فاصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه فأعتقها وتزوجها، ثم طلقها تطليقة ثم راجعها. طبقات ابن سعد عن الواقدي ٨/١٣٠.
وقيل: بل كانت أمَتَه، وكان يطؤها بملك اليمين. ورجحه ابن القيم في "زاد المعاد".
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15151
آخر كلام تكلم به الرسول ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو آخر حديث نطق به الرسول صلي الله عليه وسلم قبل أن يودع ﵊ الدنيا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
آخر ما نطق به النبي ﷺ قبل أن يودع الدنيا: (اللهم الرفيق الأعلى) وعلى ذلك بوب البخاري في كتاب المغازي من صحيحه، باب: آخر ما تكلم به النبي ﷺ : وساق حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرَ فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى سَقْفِ الْبَيْتِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى فَقُلْتُ إِذًا لا يَخْتَارُنَا وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا وَهُوَ صَحِيحٌ قَالَتْ فَكَانَتْ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى ٌ) رواه البخاري (٤٤٦٣) ومسلم (٢٤٤٤)
وأما ما رواه أحمد (١٦٩١) من حديث أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَاعْلَمُوا أَنَّ شِرَارَ النَّاسِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، صححه الألباني في الصحيحة برقم (١١٣٢) وما رواه أبو داود (٥١٥٦) وابن ماجه (٢٦٩٨) من حديث عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ آخِرُ كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلاةَ الصَّلاةَ اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم) صححه الألباني في صحيح أبي داود، ونحو ذلك من الأحاديث فالمراد بها أن ذلك من آخر ما تكلم به النبي ﷺ ، أو أن ذلك آخر ما تكلم به النبي ﷺ من الذي كان يوصي به أهله وأصحابه وولاة الأمور من بعده. فهذه الأحاديث آخريتها نسبية، وأما حديث عائشة فآخريته مطلقة.
انظر فيض القدرير للمناوي (٥/٢٥٠-٢٥١) .
فائدة: قال السهيلي: الحكمة من اختتام كلام المصطفى ﷺ بهذه الكلمة (اللهم الرفيق الأعلى) كونها تتضمن التوحيد والذكر بالقلب، حتى يستفاد منه الرخصة لغيره أنه لا يشترط أن يكون الذكر باللسان، لأن بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع، فلا يضره، إذا كان قلبه عامرا بالذكر.
نقله الحافظ في الفتح (٨/١٣٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15152
نظرة واقعية للزواج من الكتابيات
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يحق للرجل المسلم الزواج من امرأة نصرانية أو يهودية كما تزوج الرسول ﷺ بمارية القبطية؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم يتزوج النبي ﷺ مارية القبطية، بل كانت أمَة له، وكان قد أهداها له المقوقس صاحب مصر، وذلك بعد صلح الحديبية.
والأمة يجوز الاستمتاع بها ومعاشرتها حتى لو لم تكن مسلمة لأنها من ملك اليمين والله تعالى أباح ملك اليمين من غير شرط الإسلام قال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون* إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) سورة المؤمنون/٥-٦
أما الزواج من نصرانية أو يهودية فهو جائز بنص القرآن بقوله تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) المائدة / ٥.
قال ابن القيم:
ويجوز نكاح الكتابية بنص القرآن، قال تعالى: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ ، والمحصنات هنا هن العفائف، وأما المحصنات المحرمات في سورة النساء فهن المزوجات، وقيل: المحصنات اللاتي أُبحن هن الحرائر، ولهذا لم تحل إماء أهل الكتاب، والصحيح: الأول لوجوه – وذكرها -.
والمقصود: أن الله سبحانه أباح لنا المحصنات من أهل الكتاب، وفعله أصحاب نبينا ﷺ ، فتزوج عثمان نصرانية، وتزوج طلحة بن عبيد الله نصرانية، وتزوج حذيفة يهودية.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن المسلم يتزوج النصرانية أو اليهودية، فقال: ما أحب أن يفعل ذلك، فإن فعل فقد فعل ذلك بعض أصحاب النبي ﷺ .
" أحكام أهل الذمة " (٢ / ٧٩٤، ٧٩٥) .
ونحن وإن قلنا بالجواز، ولا نشك بذلك للنص الواضح فيه، إلا أننا لا نرى أن يتزوج المسلم كتابية، وذلك لأمور:
الأول: أن من شروط التزوج من الكتابية أن تكون عفيفة، وقلَّ أن يوجد في تلك البيئات من هن عفيفات.
والثاني: أن من شروط التزوج من الكتابية أن تكون الولاية للمسلم، والحاصل في هذا الزمان أن من يتزوج من بلد كافر فإنه يتزوجهن وفق قوانينها، فيطبقون عليه نصوص قوانينهم وفيها من الظلم والجور الشيء الكثير، ولا يعترفون بولاية المسلم على زوجته وأولاده، وإذا ما غضبت المرأة من زوجها هدمت بيته وأخذت أولادها بقوة قانون بلدها، وبإعانة سفاراتها في كافة البلاد، ولا يخفى الضعف والعجز في مواجهة تلك البلاد وسفاراتها في بلدان المسلمين.
والثالث: أن النبي ﷺ رغَّبنا بذات الدين من المسلمات، فلو كانت مسلمة توحد الله لكنها ليست ذات دين وخلق فإنه لا يرغب بزواجها، لأن الزواج ليس هو الاستمتاع بالجماع فقط، بل هو رعاية لحق الله وحق الزوج، وحفظ لبيته وعرضه وماله، وتربية لأولاده، فكيف يأمن من يتزوج كتابية على تربية أبنائه وبناته على الدين والطاعة، وهو تارك لهم بين يدي تلك الأم التي تكفر بالله تعالى وتشرك معه آلهة؟ .
لذا وإن قلنا بجواز التزوج من كتابية إلا أنه غير محبَّذٍ ولا يُنصح به، لما يترتب عليه من عواقب، فعلى الإنسان المسلم العاقل أن يتخيّر لنطفته أين يضعها. وأن ينظر نظراً مستقبلياً لحال أولاده ودينهم، وألا يعميه عن النظر الواعي شهوة جارفة، أو مصلحة دنيوية عاجلة أو جمال ظاهري خادع، فإنما الجمال جمال الدين والأخلاق.
وليعلم أنه إن ترك مثل هذه الزيجات ابتغاء الأفضل لدينه ودين أبنائه فإن الله تعالى يعوِّضه خيراً، إذ أن " من ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه " كما أخبر بذلك الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى عليه صلوات الله وسلامه. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. انظر جواب السؤال رقم: (٢٥٢٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15153
من خصائصه ﷺ : جواز الخلوة بالمرأة الأجنبية والنظر إليها
[السُّؤَالُ]
ـ[قد سمعت أن هناك رأياً بإجماع الأمة على أن رسول الله ﷺ يعتبر محرما لكل نساء المسلمين لما قد أمره الله في الكتاب (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن) وبهذا قد حرم عليه الله كل النساء فهل أصبح بذلك محرما أي يجوز التكشف أمامه كأحد المحارم بالنسبة للنساء الأوائل من قبل بالطبع أو كان رسول الله بعد هذا الأمر يبيت في بيوت المسلمين لأنه محرم لنسائهم؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذهب كثير من أهل العلم إلى من خصائصه ﷺ جواز خلوته بنساء أمته ونظره إليهن وإركابهن خلفه على الدابة.
قال الحطاب المالكي: "ومن خصائصه ﵊ جواز خلوته بالأجنبية كما نقل الدماميني في حاشيته على البخاري في أول كتاب الجهاد في دخوله ﷺ على أم حرام بنت ملحان وقال الشيخ جلال الدين في المباحات: واختص ﷺ بإباحة النظر للأجنبيات والخلوة بهن وإردافهن (أي إركابهن خلفه) " انتهى من مواهب الجليل ٣/٤٠٢
وقال البجيرمي الشافعي في حاشيته على الخطيب: (أما هو – ﷺ فقد اختص بإباحة النظر إلى الأجنبيات والخلوة بهن وإردافهن على الدابة خلفه ; لأنه مأمون لعصمته ; وهذا هو الجواب الصحيح عن قصة أم حرام في دخوله عليها ونومه عندها وتفليتها رأسه ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية , وأما الجواب بأنها كانت محرمة من رضاع فرده الدمياطي بعدم ثبوته) انتهى من حاشية البجيرمي ٣/٣٧٢
وقال الحافظ ابن حجر في شرح حديث الرُّبَيِّع بِنْت مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ قالت: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَالَ: (دَعِي هَذِهِ وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ) رواه البخاري (٤٧٥٠)
قال الحافظ: (والذي وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائص النبي ﷺ جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها، وهو الجواب الصحيح عن قصة أم حرام بنت ملحان في دخوله عليها ونومه عندها وتفليتها رأسه ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية) انتهى من الفتح ٩/٢٠٣.
وقد اختار كثير من العلماء أن أم حرام كانت من محارم النبي ﷺ ، بل حكاه النووي اتفاقاً للعلماء.
وقال في مطالب أولي النهى (٥/٣٤) – من كتب الحنابلة-: (وله أن يردف الأجنبية خلفه لقصة أسماء. وروى أبو داود عن امرأة من غفار: أن النبي ﷺ أردفها على حقيبته. وله أن يخلو بها لقصة أم حرام) اهـ.
وحديث أسماء الذي أشار إليه رواه البخاري (٤٨٢٣) ومسلم (٤٠٥٠) عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: كُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَأْسِي وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ (والفرسخ ثلاثة أميال) فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ إِخْ إِخْ (كلمة تقال للبعير لمن أراد أن ينيخه) لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ وَكَانَ أَغْيَرَ النَّاسِ فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي قَدْ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى فَجِئْتُ الزُّبَيْرَ فَقُلْتُ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى رَأْسِي النَّوَى وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَنَاخَ لأَرْكَبَ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ فَقَالَ وَاللَّهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ قَالَتْ حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ تَكْفِينِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي.
وأما حديث المرأة التي من غفار فقد رواه أبو داود (٣١٣) عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ قَالَتْ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَقِيبَةِ رَحْلِهِ. . . الحديث. ضعفه الألباني في ضعيف أبي داود.
والرحل ما يركب عليه على البعير، وحقيبة الرحل زيادة تجعل في مؤخرة الرحل.
وليست هذه المسألة من المسائل التي أجمع عليها العلماء، بل في كلام بعضهم تصريح بخلاف ذلك، قال العراقي في "طرح التثريب" (٥/١٦٧) في شأن دخول النبي ﷺ على ضباعة بنت الزبير: (دخوله ﵊ على ضباعة عيادة أو زيارة وصلة فإنها قريبته كما تقدم وفيه بيان تواضعه وصله وتفقده ﷺ ، وهو محمول على أن الخلوة هناك كانت منتفية فإنه ﵊ لم يكن يخلو بالأجنبيات ولا يصافحهن وإن كان لو فعل ذلك لم يلزم منه مفسدة لعصمته , لكنهم لم يعدوا ذلك من خصائصه فهو في ذلك كغيره في التحريم) اهـ.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15154
حكمة زواج النبي ﷺ بعائشة رُغم فارق السنّ
[السُّؤَالُ]
ـ[سألني زميل لي نصراني عن حكمة زواج الرسول صلي الله عليه وسلم من السيدة عائشة ﵂ وهي بنت تسع سنين وقد كان قارب الستين. وهل عاشرها معاشرة الأزواج وهي في هذه السن أم ماذا؟؟ وللحقيقة.. أنا لا أعرف الرد عن ذلك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن النبي ﷺ تزوج عائشة ﵂ بعد زواجه من سودة بنت زمعة ﵂، وهي – أي عائشة - البكر الوحيدة التي تزوجها ﷺ . وقد دخل بها وهي بنت تسع سنين.
وكان من فضائلها ﵂ أنه ما نزل الوحي في لحاف امرأة غيرها، وكانت من أحب الخلق إلى النبي ﷺ ، ونزلت براءتها من فوق سبع سماوات، وكانت من أفقه نسائه وأعلمهن، بل أفقه نساء الأمة وأعلمهن على الإطلاق، وكان الأكابر من أصحاب النبي يرجعون إلى قولها ويستفتونها.
أما قصة زواجها، فإن النبي ﷺ حزن على وفاة أم المؤمنين خديجة ﵂، إذ كانت تؤويه وتنصره، وتعينه وتقف إلى جنبه، حتى سمي ذلك العام الذي توفيت فيه بعام الحزن، ثم تزوج ﷺ بعدها سودة، وكانت مسنة، ولم تكن ذات جمال، وإنما تزوجها مواساة لها، حيث توفي زوجها، وبقيت بين قوم مشركين، وبعد أربع سنوات تزوج النبي ﷺ عائشة ﵂، وكان عمره ﷺ فوق الخمسين، ولعل من الحكم في زواجه ما يلي:
أولا: أنه رأى رؤيا في زواجه ﷺ منها، فقد ثبت في البخاري من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: (أُريتك في المنام مرتين أرى أنك في سرقة من حرير ويقال: هذه امرأتك، فاكشف عنها فإذا هي أنت فأقول إن يك هذا من عند الله يمضه) رواه البخاري برقم ٣٦٨٢، وهل هي رؤيا نبوة على ظاهرها، أم لها تأويل، فيه خلاف بين العلماء ذكره الحافظ في فتح الباري (٩/١٨١)
ثانيا: ما رآه ﷺ في عائشة ﵂ من أمارات ومقدمات الذكاء والفطنة في صغرها، فأحب الزواج بها لتكون أقدر من غيرها على نقل أحواله ﷺ وأقواله، وبالفعل فقد كانت ﵂ – كما سبق – مرجعا للصحابة ﵃ في شؤونهم وأحكامهم.
ثالثا: محبة النبي ﷺ لأبيها أبي بكر ﵁، وما ناله ﵁ في سبيل دعوة الحق من الأذى الذي صبر عليه، فكان أقوى الناس إيمانا، وأصدقهم يقينا على الإطلاق بعد الأنبياء.
ويلاحظ في مجموع زواجه ﷺ أن من بين زوجاته الصغيرة، والمسنة، وابنة عدو لدود، وابنة صديق حميم، ومنهن من كانت تشغل نفسها بتربية الأيتام، ومنهن من تميزت على غيرها بكثيرة الصيام والقيام.... إنهن نماذج لأفراد الإنسانية، ومن خلالهن قدم رسول الله ﷺ للمسلمين تشريعا فريدا في كيفية التعامل السليم مع كل نموذج من هذه النماذج البشرية. انظر السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية ص٧١١
أما مسألة صغر سنها ﵂، واستشكالك لهذا، فاعلم أن النبي ﷺ نشأ في بلاد حارة وهي أرض الجزيرة، وغالب البلاد الحارة يكون فيها البلوغ مبكرا، ويكون الزواج المبكر، وهكذا كان الناس في أرض الجزيرة إلى عهد قريب، كما أن النساء يختلفن من حيث البنية والاستعداد الجسمي لهذا الأمر وبينهن تفاوت كبير في ذلك.
وإذا تأمّلت ـ رعاك الله ـ في أن النبي ﷺ لم يتزوّج بكراً غير عائشة ﵂، وكلّ زوجاته سبق لهنّ الزواج قبله زال عنك ما يشيعه أكثر الطاعنين من أن زواج النبي ﷺ مبعثه الأساسي هو الشهوة والتنعّم بالنساء، إذ من كان هذا مقصده فإنّه لا يتخيّر في كلّ زوجاته أو معظمهن من توفرت فيها صفات الجمال والترغيب من كونها بكراً فائقة الجمال، ونحو ذلك من المعايير الحسية الزائلة.
ومثل هذه المطاعن في نبي الرحمة ﷺ من الكفّار ونحوهم تدلّ على تمام عجزهم من أن يطعنوا في الشرع والدين الذي جاء به من عند الله تعالى، فحاولوا أن يبحثوا عن مطاعن لهم في أمور خارجة، ولكن يأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون.
وبالله التوفيق
للمزيد انظر (زاد المعاد ١ / ١٠٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15155
يسأل عن جمل النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[ما أسم جمل الرسول ﷺ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يقول الإمام ابن القيم ﵀ في فصل عن دواب النبي ﷺ وما الذي كان له منها قال:
(ومن الإبل القصواء، قيل وهي التي هاجر عليها، والعضباء والجدعاء.. وهل العضباء والجدعاء واحدة أو اثنتان؟ فيه خلاف، والعضباء هي التي كانت لا تسبق، ثم جاء أعرابي على قعود فسبقها فشق ذلك على المسلمين، فقال رسول الله ﷺ : (إن حقا على الله ألا يرفع من الدنيا شيئا إلا وضعه) وغنم ﷺ يوم بدر جملا مهريا لأبي جهل في أنفه برة من فضة، فأهداه يوم الحديبية ليغيظ به المشركين) زاد المعاد ١٣٤.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15156
مطلوب منه بحث عن الإسلام وأثره على أوربا
[السُّؤَالُ]
ـ[ناقش ظهور الإسلام وانتشاره بدراسة حياة محمد ﷺ وأفكاره الدينية وتاريخ القرن الذي بعد وفاته. اشرح بالتفصيل أفكار محمد الدينية مقسماً إياها إلى ثلاث أقسام: كيف انعكست هذه الأفكار على حياة محمد الشخصية، على معتقداته وخلفياته، وعلى مجتمع القرن السابع عموماً. ثم اشرح متى وكيف انتشر الإسلام من جزيرة العرب ووصل أوروبا. ووضح أثر الإسلام على النصارى في الغرب وفي بلاد العرب والمناطق المجاورة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لم يأتِ نبيُّنا محمد ﷺ بأفكارٍ من عند نفسه، بل ما جاء به إنما هو من عند الله تعالى، وهو وحي أوحاه الله له.
ثانياً:
أما حياته ﷺ :
فهو خير أهل الأرض نسباً على الإطلاق فلنسبه من الشرف أعلى ذروة، وأعداؤه كانوا يشهدون له بذلك ولهذا شهد له به عدوه إذ ذاك أبو سفيان بين يدي ملك الروم، فأشرف القوم: قومه، وأشرف القبائل: قبيلته، وأشرف الأفخاذ: فخذه، فهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ... بن إسماعيل بن إبراهيم ﵉.
بعثه الله على رأس أربعين، وهي سن الكمال، وأول ما بدئ به رسول الله من أمر النبوة: الرؤيا فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، قيل وكان ذلك ستة أشهر ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، ثم أكرمه الله تعالى بالنبوة فجاءه الملك وهو بغار حراء وكان يحب الخلوة فيه فأول ما أنزل عليه ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ العلق/١.
وكان لدعوته مراتب: المرتبة الأولى: النبوة، الثانية: إنذار عشيرته الأقربين، الثالثة: إنذار قومه، الرابعة: إنذار قوم ما أتاهم من نذير من قبله وهم العرب قاطبة، الخامسة: إنذار جميع من بلغته دعوته من الجن والإنس إلى آخر الدهر.
وأقام بعد ذلك ثلاث سنين يدعو إلى الله سبحانه مستخفيا ثم نزل عليه ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾ الحجر/٩٤.
ينظر " زاد المعاد " لابن القيم (١ / ٧١ فما فوق) ، ومنه استفدنا ما سبق.
ثالثاً:
وأما ما كان يدعو إليه نبينا ﷺ ، فيكفي منه ما ورد على لسان أبي سفيان – وكان كافراً وقت قوله – قال هرقل – عظيم الروم - لأبي سفيان: فماذا يأمركم به؟ قال: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة، والصدقة، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة.
وقد علَّق هرقل على كلام أبي سفيان بقوله: وهذه صفة النبي، قد كنت أعلم أنه خارج، ولكن لم أظن أنه منكم، وإن يك ما قلت حقا فيوشك أن يملك موضع قدميَّ هاتين، ولو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقيه ولو كنت عنده لغسلت قدميه.
رواه البخاري (٢٧٨٢) ومسلم (١٧٧٣) .
رابعاً:
وأما بعد وفاته ﷺ ، فقد تولَّى أبو بكر الصدِّيق الخلافة، وقد وقع في أيامه من الأمور الكبار: تنفيذ جيش أسامة، وقتال أهل الردة وما نعى الزكاة ومسيلمة الكذاب، وجمع القرآن.
ثم عمر بن الخطاب، وهو أحد السابقين الأولين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد أصهار رسول الله ﷺ ، وأحد كبار علماء الصحابة وزهادهم، وكثرت الفتوح في أيامه: ففتحت دمشق والأردن والعراق وبيت المقدس ومصر وهو الذي كتب التاريخ من الهجرة بمشورة علي. واستشهد في آخر سنة ثلاث وعشرين على يد قاتله الكافر المجوسي أبي لؤلؤة.
ثم عثمان بن عفان، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأسلم قديماً، وهو ممن دعاه الصدِّيق أبو بكر إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين الأولى إلى الحبشة والثانية إلى المدينة، وتزوج رقية بنت الرسول ﷺ ثم توفيت، فتزوج أختها أم كلثوم، وقد مكث في الخلافة ثنتي عشرة سنة، واستشهد سنة خمس وثلاثين وله بضع وثمانون سنة.
ثم علي بن أبي طالب، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأخو رسول الله ﵌ بالمؤاخاة، وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين ﵂، وأحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العلماء الربانيين، والشجعان المشهورين، والزهاد المذكورين، والخطباء المعروفين، وأحد من جمع القرآن وعرضه على رسول الله ﵌.
خامساً:
وقد كان ﷺ مهتديا بهدي القرآن، بل كان خُلقه القرآن كما قالت أم المؤمنين عائشة ﵂، وما كان نبينا ﷺ عليه في الإسلام هو ما كان عليه من خلق قبل الإسلام لكن الله تعالى كمَّل له أخلاقه وزينها، وعند أول نزول الوحي قالت خديجة ﵂ وهي تعدد أخلاقه:
كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصِل الرحم، وتحمل الكلَّ – أي: الضعيف العاجز - وتُكسب المعدوم – أي: الفقير -، وتقري – أي: تكرم - الضيف، وتعين على نوائب الحق – كما رواه البخاري (٤) ومسلم (١٦٠) -.
وقد وصفه أصحابه وأعداؤه بما هو أهل له ﷺ : من الكرم والشجاعة والرحمة وحسن الكلام وكثرة العبادة والصدق والأمانة ... الخ.
ويلخص ذلك كله قوله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ القلم/٤.
وقد كان لحسن أخلاقه ﷺ أكبر الأثر وأعظمه، حتى كان ذلك سبباً في دخول بعض المشركين في الإسلام.
عن أبي هريرة قال: بعث النبي ﷺ خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له " ثمامة بن أثال " فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ". رواه البخاري (٤١١٤) ومسلم (١٧٦٤) .
سادساً:
أما بالنسبة لوصول الإسلام إلى أوربا فقد وصلها من عدة طرق، منها:
١. حرص المسلمين على إيصال دعوة الحق إلى جميع الناس، ففتحت الأندلس على يد طارق بن زياد عام ٩٢ هـ /٧١١ م واستمرت الفتوحات في غرب أوربا حتى وصلت انتهت إلى شرق جنوب فرنسا في عام ١١٤ هـ.
٢. القادمون من شمال أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا بحثاً عن عمل وأمل.
٣. استقدام الغربيين لشعوب بعض الدول مثل استقدام الألمان للأتراك للعمل في بلادهم.
٤. وجود دعاة الإسلام في تلك البلاد.
٥. نفوذ الدولة العثمانية في أوربا.
٦. إسلام أهل أوربا الأصليين وتحولهم إلى دعاة للإسلام.
٧. التواصل التجاري بين المسلمين وأوربا.
٨. دخول أناس من الأوربيين في الإسلام.
٩. تغير أنماط التفكير الأوربي.
١٠. نبذ خرافات الكنيسة المخالفة للوحي واعتماد العلم التجريبي الذي وضع أسسه وطوره المسلمون.
١١. مشاركة الجاليات الإسلامية في تطوير الأبحاث والمخترعات والشركات في أوربا من خلال أصحاب الشهادات والكفاءات من المسلمين ثم زيادة عدد الجاليات الإسلامية في أوربا وما تتطلب من مساجد ومدارس ومراكز.. الخ واتسع تأثيرهم حتى خشي من ذلك أعداء الإسلام كاليهود فكتبت صحيفة " هآرتس " الإسرائيلية تقول في عددها الصادر في آخر يونيو عام ٢٠٠١م: " كما هو الحال في غرب أوروبا كذلك أدت الزيادة الكبيرة في الولايات المتحدة في عدد المسلمين إلى ازدياد نفوذهم السياسي ... بيد أن الزيادة في عدد المسلمين وتعاظم وتزايد وعيهم السياسي وخاصة الطلاب العرب والذين يلاحظ أنهم من أكثر العرب نشاطاً وحركية من الناحية السياسية وكذلك التضاؤل في عدد اليهود نتيجة لزيجاتهم المختلطة وذوبانهم في المجتمع الأمريكي، كل ذلك سوف يلعب مستقبلاً دوراً في ميزان القوى المتنافسة على النفوذ بواشنطن، وقد أصبح ذلك ملموساً ومحسوساً في نشاطات جماعات الضغط العربية بالكونجرس ...
١. تزايد عدد المسلمين في البلاد الأوربية، فقبل أكثر من عشر سنوات كان عدد المسلمين في أوربا حوالي (١٢) مليون مسلماً.
٢. انتشار المساجد والمراكز الإسلامية والمدارس.
٣. انتشار الحجاب واللباس الشرعي في عواصم الدول الأوربية.
٤. إقامة المعارض والندوات الإسلامية، وتأسيس شركات تعنى بالذبح الحلال ودفن الموتى على الطريقة الشرعية.
وغير ذلك كثير.
والله الهادي والموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15157
الصفات الخَلْقية لرسول الله ﷺ ورؤيته في المنام
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت أقرأ مؤخراً وصفاً للصفات البدنية للنبي صلي الله عليه وسلم، وكونت صورة في ذهني ثم رأيت في منامي رجلاً يشبه الصورة التي كونتها في ذهني. ولا أتذكر بوضوح ما قال، غير أنني أخشى أنه ربما قال أن بعض الأخوة المسلمين الذين أحبهم سوف يرون مناماً وأنا فيه. وقد ارتكبت إثماً في بيتهم من قبل، وقبل ذلك المنام، وكنت أخشى دائماً أنهم ربما يكتشفون الأمر عن طريق رؤية في منامهم. كيف لي أن أتأكد أنني رأيت النبي ﷺ في هذا المنام؟ فهذا الأمر يقلقني كثيراً. وقد رأيت أيضاً مناماً قريباً، وأظن أنه كان النبي صلي الله عليه وسلم مرة أخرى خلال تلاوته القرآن على جبريل ﵇ في رمضان. وكان هناك أيضاً زيد ﵁، وكذلك حمزة ﵁. وأنا أعلم أن حمزة ﵁ لم يكن هناك حقيقة لأنه استشهد في أحد. فهل كان هذا هو النبي ﷺ الذي رأيته في هذا المنام؟ وكيف يمكن أن نتأكد من ذلك؟ والسلام عليكم ورحمة الله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سنذكر لك فيما يلي أيها الأخ المسلم طائفة من الأحاديث المشتملة على صفة النبي ﷺ فإذا كان ما رأيته في منامك مطابقا لها فقد رأيت رسول الله ﷺ حقّا لأنّه ﵊ قد قال: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي. " رواه البخاري ٥٧٢٩.
روى رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَصِفُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ كَانَ رَبْعَةً مِنْ الْقَوْمِ (معتدل الطّول) لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلا بِالْقَصِيرِ أَزْهَرَ اللَّوْنِ لَيْسَ بِأَبْيَضَ أَمْهَقَ (أي شديد البياض) وَلا آدَمَ (أي الأسمر) لَيْسَ بِجَعْدٍ قَطَطٍ (الشعر الذي فيه التواء وانقباض) وَلا سَبْطٍ رَجِلٍ (الشعر المسترسل) أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ فَلَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ وَقُبِضَ وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعَرَةً بَيْضَاءَ
البخاري ٣٢٨٣
وعن البراء بن عازب قال: " كان رسول الله صلى الله علية وسلم.. بعيد ما بين المنكبين، عظيم الجُمّة (وهي ما سقط من شعر الرأس ووصل إلى المنكبين) إلى شحمة أذنيه، عليه حلة حمراء (الحلة: إزار ورداء) ما رأيت شيئا قط أحسن منه " رواه مسلم: كتاب الفضائل / باب: صفة شعر النبي ﷺ رقم ٢٣٣٨
وعَنْ عَلِيٍّ قَالَ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالطَّوِيلِ وَلا بِالْقَصِيرِ شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ (أي غليظ الأصابع والراحة) ضَخْمَ الرَّأْسِ ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ (وهي رؤوس العظام) طَوِيلَ الْمَسْرُبَةِ (الشعر الدقيق الذي يبدأ من الصدر وينتهي بالسرة) إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا (مال إلى الأمام) كَأَنَّمَا انْحَطَّ مِنْ صَبَبٍ (ما انحدر من الأرض) لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ مثله. رواه الترمذي ٣٥٧٠ وقال هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
وعن جابر بن سمرة قال: " كان رسول الله صلى الله علية وسلم ضليع الفم، أشكل العين، منهوس العقب ". قال شعبة: قلت لمالك: ما "ضليع الفم "؟ قال: عظيم الفم. قلت: ما " أشكل العين "؟ قال: طويل شق العين. قلت ما " منهوس العقب " قال: قليل لحم العقب. صحيح مسلم: كتاب الفضائل ٢٣٣٩
أمّا بالنسبة للمعصية التي فعلتها في بيت إخوانك فتب إلى الله منها، وإن كنت أخذت شيئا من حقوقهم فردّه إليهم والله غفور رحيم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15158
هديه ﷺ في الطّعام والحمية
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف كانت عادة الرسول ﷺ وأصحابه في الأكل والحمية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١. أما هديه ﷺ في الأكل فأكمل هدي، وقد بيَّنه الإمام ابن القيم، فقال:
أ. كان إذا وضع يده في الطعام قال: "بسم الله"، ويأمر الآكل بالتسمية، ويقول: "إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل بسم الله في أوله وآخره" حديث صحيح. - رواه الترمذي (١٨٥٩) وأبو داود (٣٧٦٧) -.
والصحيح: وجوب التسمية عند الأكل،.. وأحاديث الأمر بها صحيحة صريحة ولا معارض لها.
ب. وكان إذا رفع الطعام من بين يديه يقول: "الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفيٍّ ولا مودَّع ولا مستغنى عنه ربَّنا ذكره البخاري. - البخاري (٥١٤٢) -.
ج. وما عاب طعاماً قط، بل كان إذا اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه، وسكت. - رواه البخاري (٣٣٧٠) ومسلم (٢٠٦٤) -.
وربما قال: "أجدني أعافه إني لا أشتهيه". - رواه البخاري (٥٠٧٦) ومسلم (١٩٤٦) -.
د. وكان يمدح الطعام أحياناً، كقوله لما سأل أهلَه الإدام، فقالوا: ما عندنا إلا خلّ، فدعا به فجعل يأكل منه، ويقول: "نِعْم الأُدْم الخل". - رواه مسلم (٢٠٥٢) -.
هـ. وكان يتحدث على طعامه كما تقدم في حديث الخل.
وكما قال لربيبه عمر بن أبي سلمة وهو يؤاكله: "سمِّ الله وكُلْ مما يليك". - رواه البخاري (٥٠٦١) ومسلم (٢٠٢٢) -.
و. وربما كان يكرر على أضيافه عرض الأكل عليهم مراراً، كما يفعله أهل الكرم، كما في حديث أبي هريرة عند البخاري في قصة شرب اللبن وقوله له مراراً: "اشرب"، فما زال يقول: "اشرب" حتى قال: والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكاً. - رواه البخاري (٦٠٨٧) -.
ز. وكان إذا أكل عند قوم لم يخرج حتى يدعو لهم، فدعا في منزل عبد الله بن بسر، فقال: "اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم، وارحمهم" ذكره مسلم. - رواه مسلم (٢٠٤٢) -.
ح. وكان يأمر بالأكل باليمين وينهى عن الأكل بالشمال، ويقول: "إن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله" - رواه مسلم (٢٠٢٠) - ومقتضى هذا تحريم الأكل بها، وهو الصحيح؛ فإن الآكل بها إما شيطان، وإما مشبه به.
وصح عنه أنه قال لرجل أكل عنده فأكل بشماله: "كل بيمينك"، فقال لا أستطيع فقال: "لا استطعت"، فما رفع يده إلى فيه بعدها. - رواه مسلم (٢٠٢١) - فلو كان ذلك جائزاً لما دعا عليه بفعله، وإن كان كِبره حمله على ترك امتثال الأمر: فذلك أبلغ في العصيان، واستحقاق الدعاء عليه.
ط. وأمر من شكوا إليه أنهم لا يشبعون "أن يجتمعوا على طعامهم، ولا يتفرقوا وأن يذكروا اسم الله عليه يبارك لهم فيه". - رواه أبو داود (٣٧٦٤) وابن ماجه (٣٢٨٦) -.
انظر لما سبق: " زاد المعاد " (٢/ ٣٩٧ - ٤٠٦) .
ك. وصح عنه أنه قال: "لا آكل متكئاً". - رواه البخاري (٥٠٨٣) .
ل. وكان يأكل بأصابعه الثلاث وهذا أنفع ما يكون من الأكلات.
انظر: " زاد المعاد " (٢٢٠ - ٢٢٢) ، والله أعلم.
٢. وأما هديه ﷺ في الحمية:
أ. فكان النبي ﷺ يعلم ما يأكل.
ب. ويأكل ما ينفع.
ج. ويجعل من قوته قياماً لصلبه لا تكثيراً لشحمه، لذلك روى لنا ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء". رواه البخاري (٥٠٨١) ومسلم (٢٠٦٠) .
د. وعلَّم أمته أمراً يحتمون به مِن أمراض الطعام والشراب فقال: "ما ملأ آدمي وعاء شرّاً من بطنٍ بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا بد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنَفَسه". رواه الترمذي (١٣٨١) وابن ماجه (٣٣٤٩) وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢٢٦٥) .
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15159
لا ينتقض وضوء النبي ﷺ بالنوم
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الدليل على أن النوم يبطل الوضوء؟ وكيف يفسر قيام رسول الله ﷺ لصلاة الفجر بعد نومه بدون وضوء في حديث قيام الليل مع ابن عباس ﵁؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أما الدليل على أن النوم ناقض للوضوء، فقد ثبت في ذلك حديث صفوان بن عسال ﵁ قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا أَنْ لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ) رواه الترمذي (٨٩) وحسنه الألباني , فذكر النوم من نواقض الوضوء.
وقد سبق في جواب السؤال (٣٦٨٨٩) بيان اختلاف العلماء في نقض الوضوء بالنوم، وبيان أن الراجح: أن النوم ينقض الوضوء إذا كان مستغرقاً، أما النوم اليسير فلا ينقض الوضوء.
ثانياً:
وأما حديث ابن عباس الذي أشار إليه السائل فقد رواه البخاري (٦٩٨) ومسلم (٧٦٣) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نِمْتُ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَلَى يَسَارِهِ، فَأَخَذَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
فقد نام النبي ﷺ ، وقام يصلي ولم يتوضأ، وذكر أهل العلم أن هذا الحكم (عدم نقض الوضوء بالنوم) خاص بالرسول ﷺ ، وذلك لأن النبي ﷺ كانت تنام عينه ولا ينام قلبه، فإذا حدث لشعر بذلك.
قال النووي:
"قَوْله: (ثُمَّ اِضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ فَقَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ) هَذَا مِنْ خَصَائِصه ﷺ أَنَّ نَوْمه مُضْطَجِعًا لا يَنْقُض الْوُضُوء ; لأَنَّ عَيْنَيْهِ تَنَامَانِ وَلا يَنَام قَلْبه , فَلَوْ خَرَجَ حَدَث لأَحَسَّ بِهِ، بِخِلافِ غَيْره مِنْ النَّاس " انتهى.
وقال الحافظ:
" قَوْله: (فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ) كَانَ ﷺ تَنَام عَيْنه وَلا يَنَام قَلْبه فَلَوْ أَحْدَثَ لَعَلِمَ بِذَلِكَ , وَلِهَذَا كَانَ رُبَّمَا تَوَضَّأَ إِذَا قَامَ مِنْ النَّوْم وَرُبَّمَا لَمْ يَتَوَضَّأ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَإِنَّمَا مُنِعَ قَلْبه النَّوْم لِيَعِيَ الْوَحْي الَّذِي يَأْتِيه فِي مَنَامه " انتهى.
وروى البخاري (٣٥٦٩) عن عَائِشَةَ ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (تَنَامُ عَيْنِي، وَلا يَنَامُ قَلْبِي) . ورواه أحمد (٧٣٦٩) عن أبي هريرة ﵁.
وانظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" للألباني (٦٩٦) .
وروى ابن ماجه (٤٧٤) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنَامُ حَتَّى يَنْفُخَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي وَلا يَتَوَضَّأُ. صححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
قال السندي في "حاشية ابن ماجه":
" قَوْله (حَتَّى يَنْفُخ) هو الصوت الذي يُسْمَع مِنْ النَّائِم.
قَوْله (فَيُصَلِّي وَلا يَتَوَضَّأ) لأَنَّهُ تَنَام عَيْنه وَلا يَنَام قَلْبه، كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا فِي الصِّحَاح، فَنَوْمه غَيْر نَاقِض، لأَنَّ النَّوْم إِنَّمَا يَنْقَضِ الْوُضُوء لَمَّا خِيفَ عَلَى صَاحِبه مِنْ خُرُوج شَيْء مِنْهُ وَهُوَ لا يَعْقِل، وَلا يَتَحَقَّق ذَلِكَ فِيمَنْ لا يَنَام قَلْبه، ثم قال: فلا يَنْبَغِي ذِكْر أَحَادِيث نَوْمه ﷺ فِي هَذَا الْبَاب أَصْلا (يعني باب نقض الوضوء بالنوم) إِلا مَعَ بَيَان أَنَّهُ كَانَ مَخْصُوصًا بِهَذَا الْحُكْم، فَلْيُتَأَمَّلْ " انتهى باختصار.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15160
هل أسلم والدا النبي ﷺ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل كان جد النبي ﷺ ووالده ووالدته مؤمنين بالله وبجميع الرسل الذين كانوا قبل النبي ﷺ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الكلام في جدّ رسول الله ﷺ فرع عن الكلام في حكم أهل الفترة، والفترة معناها كما قال ابن كثير: هي ما بين كل نبيين كانقطاع الرسالة بين عيسى ﵇ ومحمد ﷺ (تفسير القرآن العظيم ٢ / ٣٥، وانظر: جمع الجوامع للسبكي ١ / ٦٣ وروح المعاني للآلوسي ٦ / ١٠٣) .
وقد قسّمهم أهل العلم إلى قسمين:
القسم الأول من بلغته الدعوة، والقسم الثاني من لم تبلغه الدعوة وبقي على حين غفلة، ويشمل القسم الأول نوعين:
١- من بلغته الدعوة ووحّد ولم يشرك كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل (انظر: البداية والنهاية ٢ / ٢٣٠ وفتح الباري ٧ / ١٤٧)
٢- من بلغته الدعوة ولكنه غيّر وأشرك كعمرو بن لحي الذي غيّر دين إبراهيم، والذي قال فيه النبي ﷺ : (رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي يجرّ قصبه في النار) رواه البخاري (٣٥٢١) ومسلم (٢٨٥٦)
وقد جاء النص عن النبي ﷺ بأن والديه في النار، روى مسلم (٢٠٣) أن رجلاً قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قضى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار)
وفي شأن أمه قال ﵊: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي) رواه مسلم (٩٧٦) .
يقول النووي ﵀ – شارحاً الحديث الأول -: " فيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم "
(شرح صحيح مسلم ٣ / ٧٩) .
هذا وقد حاول بعض أهل العلم الدفاع عن والدي النبي ﷺ والحكم بنجاتهما، وأن الله تعالى أحياهما بعد موتهما، فأسلما وآمنا بالنبي ﷺ ثم ماتا على ذلك، واستدل على هذا بأحاديث موضوعة وضعيفة جداً لا يصح الاستدلال بها.
(انظر: الحاوي للفتاوى ٢ / ٢٠٢)
وقد ردّ العلماء ذلك.
قال العظيم آبادي: " كل ما ورد بإحياء والديه ﷺ وإيمانهما ونجاتهما أكثره موضوع مكذوب مفترى، وبعضه ضعيف جداً لا يصح بحالٍ، لاتفاق أئمة الحديث على وضعه وضعفه كالدارقطني والجوزقاني وابن شاهين والخطيب وابن عساكر وابن ناصر وابن الجوزي والسهيلي والقرطبي وجماعة " (عون المعبود١٢/٤٩٤ باختصار، وانظر: مجموع الفتاوى٤/٣٢٤) .
ويجب علينا أن ندرك أن النسب لا ينجي الإنسان من عذاب الله تعالى، يقول النووي ﵀: " من مات على الكفر فهو في النار ولا تنفعه قرابة المقربين " (شرح صحيح مسلم ٣ / ٧٩) .
ولم يكن حكم والدي النبي ﷺ وجده بدعاً في ذلك، فقد أصرّ والد إبراهيم ﵇ على الكفر حتى مات على ذلك فتبرأ منه إبراهيم ﵇، كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) التوبة / ١١٤، بل إن النبي ﷺ يقرّر هذا الأمر بجلاء، وذلك حين نزلت عليه الآية الكريمة (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) الشعراء / ٢١٤، قال: (يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً) رواه البخاري (٢٧٥٣) ومسلم (٢٠٦)
وينبغي على كل مسلم أن لا يحكّم عاطفته في رسول الله ﷺ وقرابته دونما حجةٍ وبينةٍ من علم فيبوء بالخسارة في الدنيا والآخرة، والله المستعان.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →