Полный текст (16 344 стр.). Показаны 15156–15195 · переход к 15161.
стр. 15156
مطلوب منه بحث عن الإسلام وأثره على أوربا
[السُّؤَالُ]
ـ[ناقش ظهور الإسلام وانتشاره بدراسة حياة محمد ﷺ وأفكاره الدينية وتاريخ القرن الذي بعد وفاته. اشرح بالتفصيل أفكار محمد الدينية مقسماً إياها إلى ثلاث أقسام: كيف انعكست هذه الأفكار على حياة محمد الشخصية، على معتقداته وخلفياته، وعلى مجتمع القرن السابع عموماً. ثم اشرح متى وكيف انتشر الإسلام من جزيرة العرب ووصل أوروبا. ووضح أثر الإسلام على النصارى في الغرب وفي بلاد العرب والمناطق المجاورة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لم يأتِ نبيُّنا محمد ﷺ بأفكارٍ من عند نفسه، بل ما جاء به إنما هو من عند الله تعالى، وهو وحي أوحاه الله له.
ثانياً:
أما حياته ﷺ :
فهو خير أهل الأرض نسباً على الإطلاق فلنسبه من الشرف أعلى ذروة، وأعداؤه كانوا يشهدون له بذلك ولهذا شهد له به عدوه إذ ذاك أبو سفيان بين يدي ملك الروم، فأشرف القوم: قومه، وأشرف القبائل: قبيلته، وأشرف الأفخاذ: فخذه، فهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ... بن إسماعيل بن إبراهيم ﵉.
بعثه الله على رأس أربعين، وهي سن الكمال، وأول ما بدئ به رسول الله من أمر النبوة: الرؤيا فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، قيل وكان ذلك ستة أشهر ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، ثم أكرمه الله تعالى بالنبوة فجاءه الملك وهو بغار حراء وكان يحب الخلوة فيه فأول ما أنزل عليه ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ العلق/١.
وكان لدعوته مراتب: المرتبة الأولى: النبوة، الثانية: إنذار عشيرته الأقربين، الثالثة: إنذار قومه، الرابعة: إنذار قوم ما أتاهم من نذير من قبله وهم العرب قاطبة، الخامسة: إنذار جميع من بلغته دعوته من الجن والإنس إلى آخر الدهر.
وأقام بعد ذلك ثلاث سنين يدعو إلى الله سبحانه مستخفيا ثم نزل عليه ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾ الحجر/٩٤.
ينظر " زاد المعاد " لابن القيم (١ / ٧١ فما فوق) ، ومنه استفدنا ما سبق.
ثالثاً:
وأما ما كان يدعو إليه نبينا ﷺ ، فيكفي منه ما ورد على لسان أبي سفيان – وكان كافراً وقت قوله – قال هرقل – عظيم الروم - لأبي سفيان: فماذا يأمركم به؟ قال: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة، والصدقة، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة.
وقد علَّق هرقل على كلام أبي سفيان بقوله: وهذه صفة النبي، قد كنت أعلم أنه خارج، ولكن لم أظن أنه منكم، وإن يك ما قلت حقا فيوشك أن يملك موضع قدميَّ هاتين، ولو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقيه ولو كنت عنده لغسلت قدميه.
رواه البخاري (٢٧٨٢) ومسلم (١٧٧٣) .
رابعاً:
وأما بعد وفاته ﷺ ، فقد تولَّى أبو بكر الصدِّيق الخلافة، وقد وقع في أيامه من الأمور الكبار: تنفيذ جيش أسامة، وقتال أهل الردة وما نعى الزكاة ومسيلمة الكذاب، وجمع القرآن.
ثم عمر بن الخطاب، وهو أحد السابقين الأولين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد أصهار رسول الله ﷺ ، وأحد كبار علماء الصحابة وزهادهم، وكثرت الفتوح في أيامه: ففتحت دمشق والأردن والعراق وبيت المقدس ومصر وهو الذي كتب التاريخ من الهجرة بمشورة علي. واستشهد في آخر سنة ثلاث وعشرين على يد قاتله الكافر المجوسي أبي لؤلؤة.
ثم عثمان بن عفان، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأسلم قديماً، وهو ممن دعاه الصدِّيق أبو بكر إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين الأولى إلى الحبشة والثانية إلى المدينة، وتزوج رقية بنت الرسول ﷺ ثم توفيت، فتزوج أختها أم كلثوم، وقد مكث في الخلافة ثنتي عشرة سنة، واستشهد سنة خمس وثلاثين وله بضع وثمانون سنة.
ثم علي بن أبي طالب، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأخو رسول الله ﵌ بالمؤاخاة، وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين ﵂، وأحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العلماء الربانيين، والشجعان المشهورين، والزهاد المذكورين، والخطباء المعروفين، وأحد من جمع القرآن وعرضه على رسول الله ﵌.
خامساً:
وقد كان ﷺ مهتديا بهدي القرآن، بل كان خُلقه القرآن كما قالت أم المؤمنين عائشة ﵂، وما كان نبينا ﷺ عليه في الإسلام هو ما كان عليه من خلق قبل الإسلام لكن الله تعالى كمَّل له أخلاقه وزينها، وعند أول نزول الوحي قالت خديجة ﵂ وهي تعدد أخلاقه:
كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصِل الرحم، وتحمل الكلَّ – أي: الضعيف العاجز - وتُكسب المعدوم – أي: الفقير -، وتقري – أي: تكرم - الضيف، وتعين على نوائب الحق – كما رواه البخاري (٤) ومسلم (١٦٠) -.
وقد وصفه أصحابه وأعداؤه بما هو أهل له ﷺ : من الكرم والشجاعة والرحمة وحسن الكلام وكثرة العبادة والصدق والأمانة ... الخ.
ويلخص ذلك كله قوله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ القلم/٤.
وقد كان لحسن أخلاقه ﷺ أكبر الأثر وأعظمه، حتى كان ذلك سبباً في دخول بعض المشركين في الإسلام.
عن أبي هريرة قال: بعث النبي ﷺ خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له " ثمامة بن أثال " فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ". رواه البخاري (٤١١٤) ومسلم (١٧٦٤) .
سادساً:
أما بالنسبة لوصول الإسلام إلى أوربا فقد وصلها من عدة طرق، منها:
١. حرص المسلمين على إيصال دعوة الحق إلى جميع الناس، ففتحت الأندلس على يد طارق بن زياد عام ٩٢ هـ /٧١١ م واستمرت الفتوحات في غرب أوربا حتى وصلت انتهت إلى شرق جنوب فرنسا في عام ١١٤ هـ.
٢. القادمون من شمال أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا بحثاً عن عمل وأمل.
٣. استقدام الغربيين لشعوب بعض الدول مثل استقدام الألمان للأتراك للعمل في بلادهم.
٤. وجود دعاة الإسلام في تلك البلاد.
٥. نفوذ الدولة العثمانية في أوربا.
٦. إسلام أهل أوربا الأصليين وتحولهم إلى دعاة للإسلام.
٧. التواصل التجاري بين المسلمين وأوربا.
٨. دخول أناس من الأوربيين في الإسلام.
٩. تغير أنماط التفكير الأوربي.
١٠. نبذ خرافات الكنيسة المخالفة للوحي واعتماد العلم التجريبي الذي وضع أسسه وطوره المسلمون.
١١. مشاركة الجاليات الإسلامية في تطوير الأبحاث والمخترعات والشركات في أوربا من خلال أصحاب الشهادات والكفاءات من المسلمين ثم زيادة عدد الجاليات الإسلامية في أوربا وما تتطلب من مساجد ومدارس ومراكز.. الخ واتسع تأثيرهم حتى خشي من ذلك أعداء الإسلام كاليهود فكتبت صحيفة " هآرتس " الإسرائيلية تقول في عددها الصادر في آخر يونيو عام ٢٠٠١م: " كما هو الحال في غرب أوروبا كذلك أدت الزيادة الكبيرة في الولايات المتحدة في عدد المسلمين إلى ازدياد نفوذهم السياسي ... بيد أن الزيادة في عدد المسلمين وتعاظم وتزايد وعيهم السياسي وخاصة الطلاب العرب والذين يلاحظ أنهم من أكثر العرب نشاطاً وحركية من الناحية السياسية وكذلك التضاؤل في عدد اليهود نتيجة لزيجاتهم المختلطة وذوبانهم في المجتمع الأمريكي، كل ذلك سوف يلعب مستقبلاً دوراً في ميزان القوى المتنافسة على النفوذ بواشنطن، وقد أصبح ذلك ملموساً ومحسوساً في نشاطات جماعات الضغط العربية بالكونجرس ...
١. تزايد عدد المسلمين في البلاد الأوربية، فقبل أكثر من عشر سنوات كان عدد المسلمين في أوربا حوالي (١٢) مليون مسلماً.
٢. انتشار المساجد والمراكز الإسلامية والمدارس.
٣. انتشار الحجاب واللباس الشرعي في عواصم الدول الأوربية.
٤. إقامة المعارض والندوات الإسلامية، وتأسيس شركات تعنى بالذبح الحلال ودفن الموتى على الطريقة الشرعية.
وغير ذلك كثير.
والله الهادي والموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15157
الصفات الخَلْقية لرسول الله ﷺ ورؤيته في المنام
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت أقرأ مؤخراً وصفاً للصفات البدنية للنبي صلي الله عليه وسلم، وكونت صورة في ذهني ثم رأيت في منامي رجلاً يشبه الصورة التي كونتها في ذهني. ولا أتذكر بوضوح ما قال، غير أنني أخشى أنه ربما قال أن بعض الأخوة المسلمين الذين أحبهم سوف يرون مناماً وأنا فيه. وقد ارتكبت إثماً في بيتهم من قبل، وقبل ذلك المنام، وكنت أخشى دائماً أنهم ربما يكتشفون الأمر عن طريق رؤية في منامهم. كيف لي أن أتأكد أنني رأيت النبي ﷺ في هذا المنام؟ فهذا الأمر يقلقني كثيراً. وقد رأيت أيضاً مناماً قريباً، وأظن أنه كان النبي صلي الله عليه وسلم مرة أخرى خلال تلاوته القرآن على جبريل ﵇ في رمضان. وكان هناك أيضاً زيد ﵁، وكذلك حمزة ﵁. وأنا أعلم أن حمزة ﵁ لم يكن هناك حقيقة لأنه استشهد في أحد. فهل كان هذا هو النبي ﷺ الذي رأيته في هذا المنام؟ وكيف يمكن أن نتأكد من ذلك؟ والسلام عليكم ورحمة الله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سنذكر لك فيما يلي أيها الأخ المسلم طائفة من الأحاديث المشتملة على صفة النبي ﷺ فإذا كان ما رأيته في منامك مطابقا لها فقد رأيت رسول الله ﷺ حقّا لأنّه ﵊ قد قال: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي. " رواه البخاري ٥٧٢٩.
روى رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَصِفُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ كَانَ رَبْعَةً مِنْ الْقَوْمِ (معتدل الطّول) لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلا بِالْقَصِيرِ أَزْهَرَ اللَّوْنِ لَيْسَ بِأَبْيَضَ أَمْهَقَ (أي شديد البياض) وَلا آدَمَ (أي الأسمر) لَيْسَ بِجَعْدٍ قَطَطٍ (الشعر الذي فيه التواء وانقباض) وَلا سَبْطٍ رَجِلٍ (الشعر المسترسل) أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ فَلَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ وَقُبِضَ وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعَرَةً بَيْضَاءَ
البخاري ٣٢٨٣
وعن البراء بن عازب قال: " كان رسول الله صلى الله علية وسلم.. بعيد ما بين المنكبين، عظيم الجُمّة (وهي ما سقط من شعر الرأس ووصل إلى المنكبين) إلى شحمة أذنيه، عليه حلة حمراء (الحلة: إزار ورداء) ما رأيت شيئا قط أحسن منه " رواه مسلم: كتاب الفضائل / باب: صفة شعر النبي ﷺ رقم ٢٣٣٨
وعَنْ عَلِيٍّ قَالَ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالطَّوِيلِ وَلا بِالْقَصِيرِ شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ (أي غليظ الأصابع والراحة) ضَخْمَ الرَّأْسِ ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ (وهي رؤوس العظام) طَوِيلَ الْمَسْرُبَةِ (الشعر الدقيق الذي يبدأ من الصدر وينتهي بالسرة) إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا (مال إلى الأمام) كَأَنَّمَا انْحَطَّ مِنْ صَبَبٍ (ما انحدر من الأرض) لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ مثله. رواه الترمذي ٣٥٧٠ وقال هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
وعن جابر بن سمرة قال: " كان رسول الله صلى الله علية وسلم ضليع الفم، أشكل العين، منهوس العقب ". قال شعبة: قلت لمالك: ما "ضليع الفم "؟ قال: عظيم الفم. قلت: ما " أشكل العين "؟ قال: طويل شق العين. قلت ما " منهوس العقب " قال: قليل لحم العقب. صحيح مسلم: كتاب الفضائل ٢٣٣٩
أمّا بالنسبة للمعصية التي فعلتها في بيت إخوانك فتب إلى الله منها، وإن كنت أخذت شيئا من حقوقهم فردّه إليهم والله غفور رحيم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15158
هديه ﷺ في الطّعام والحمية
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف كانت عادة الرسول ﷺ وأصحابه في الأكل والحمية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١. أما هديه ﷺ في الأكل فأكمل هدي، وقد بيَّنه الإمام ابن القيم، فقال:
أ. كان إذا وضع يده في الطعام قال: "بسم الله"، ويأمر الآكل بالتسمية، ويقول: "إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل بسم الله في أوله وآخره" حديث صحيح. - رواه الترمذي (١٨٥٩) وأبو داود (٣٧٦٧) -.
والصحيح: وجوب التسمية عند الأكل،.. وأحاديث الأمر بها صحيحة صريحة ولا معارض لها.
ب. وكان إذا رفع الطعام من بين يديه يقول: "الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفيٍّ ولا مودَّع ولا مستغنى عنه ربَّنا ذكره البخاري. - البخاري (٥١٤٢) -.
ج. وما عاب طعاماً قط، بل كان إذا اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه، وسكت. - رواه البخاري (٣٣٧٠) ومسلم (٢٠٦٤) -.
وربما قال: "أجدني أعافه إني لا أشتهيه". - رواه البخاري (٥٠٧٦) ومسلم (١٩٤٦) -.
د. وكان يمدح الطعام أحياناً، كقوله لما سأل أهلَه الإدام، فقالوا: ما عندنا إلا خلّ، فدعا به فجعل يأكل منه، ويقول: "نِعْم الأُدْم الخل". - رواه مسلم (٢٠٥٢) -.
هـ. وكان يتحدث على طعامه كما تقدم في حديث الخل.
وكما قال لربيبه عمر بن أبي سلمة وهو يؤاكله: "سمِّ الله وكُلْ مما يليك". - رواه البخاري (٥٠٦١) ومسلم (٢٠٢٢) -.
و. وربما كان يكرر على أضيافه عرض الأكل عليهم مراراً، كما يفعله أهل الكرم، كما في حديث أبي هريرة عند البخاري في قصة شرب اللبن وقوله له مراراً: "اشرب"، فما زال يقول: "اشرب" حتى قال: والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكاً. - رواه البخاري (٦٠٨٧) -.
ز. وكان إذا أكل عند قوم لم يخرج حتى يدعو لهم، فدعا في منزل عبد الله بن بسر، فقال: "اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم، وارحمهم" ذكره مسلم. - رواه مسلم (٢٠٤٢) -.
ح. وكان يأمر بالأكل باليمين وينهى عن الأكل بالشمال، ويقول: "إن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله" - رواه مسلم (٢٠٢٠) - ومقتضى هذا تحريم الأكل بها، وهو الصحيح؛ فإن الآكل بها إما شيطان، وإما مشبه به.
وصح عنه أنه قال لرجل أكل عنده فأكل بشماله: "كل بيمينك"، فقال لا أستطيع فقال: "لا استطعت"، فما رفع يده إلى فيه بعدها. - رواه مسلم (٢٠٢١) - فلو كان ذلك جائزاً لما دعا عليه بفعله، وإن كان كِبره حمله على ترك امتثال الأمر: فذلك أبلغ في العصيان، واستحقاق الدعاء عليه.
ط. وأمر من شكوا إليه أنهم لا يشبعون "أن يجتمعوا على طعامهم، ولا يتفرقوا وأن يذكروا اسم الله عليه يبارك لهم فيه". - رواه أبو داود (٣٧٦٤) وابن ماجه (٣٢٨٦) -.
انظر لما سبق: " زاد المعاد " (٢/ ٣٩٧ - ٤٠٦) .
ك. وصح عنه أنه قال: "لا آكل متكئاً". - رواه البخاري (٥٠٨٣) .
ل. وكان يأكل بأصابعه الثلاث وهذا أنفع ما يكون من الأكلات.
انظر: " زاد المعاد " (٢٢٠ - ٢٢٢) ، والله أعلم.
٢. وأما هديه ﷺ في الحمية:
أ. فكان النبي ﷺ يعلم ما يأكل.
ب. ويأكل ما ينفع.
ج. ويجعل من قوته قياماً لصلبه لا تكثيراً لشحمه، لذلك روى لنا ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء". رواه البخاري (٥٠٨١) ومسلم (٢٠٦٠) .
د. وعلَّم أمته أمراً يحتمون به مِن أمراض الطعام والشراب فقال: "ما ملأ آدمي وعاء شرّاً من بطنٍ بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا بد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنَفَسه". رواه الترمذي (١٣٨١) وابن ماجه (٣٣٤٩) وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢٢٦٥) .
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15159
لا ينتقض وضوء النبي ﷺ بالنوم
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الدليل على أن النوم يبطل الوضوء؟ وكيف يفسر قيام رسول الله ﷺ لصلاة الفجر بعد نومه بدون وضوء في حديث قيام الليل مع ابن عباس ﵁؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أما الدليل على أن النوم ناقض للوضوء، فقد ثبت في ذلك حديث صفوان بن عسال ﵁ قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا أَنْ لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ) رواه الترمذي (٨٩) وحسنه الألباني , فذكر النوم من نواقض الوضوء.
وقد سبق في جواب السؤال (٣٦٨٨٩) بيان اختلاف العلماء في نقض الوضوء بالنوم، وبيان أن الراجح: أن النوم ينقض الوضوء إذا كان مستغرقاً، أما النوم اليسير فلا ينقض الوضوء.
ثانياً:
وأما حديث ابن عباس الذي أشار إليه السائل فقد رواه البخاري (٦٩٨) ومسلم (٧٦٣) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نِمْتُ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَلَى يَسَارِهِ، فَأَخَذَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
فقد نام النبي ﷺ ، وقام يصلي ولم يتوضأ، وذكر أهل العلم أن هذا الحكم (عدم نقض الوضوء بالنوم) خاص بالرسول ﷺ ، وذلك لأن النبي ﷺ كانت تنام عينه ولا ينام قلبه، فإذا حدث لشعر بذلك.
قال النووي:
"قَوْله: (ثُمَّ اِضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ فَقَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ) هَذَا مِنْ خَصَائِصه ﷺ أَنَّ نَوْمه مُضْطَجِعًا لا يَنْقُض الْوُضُوء ; لأَنَّ عَيْنَيْهِ تَنَامَانِ وَلا يَنَام قَلْبه , فَلَوْ خَرَجَ حَدَث لأَحَسَّ بِهِ، بِخِلافِ غَيْره مِنْ النَّاس " انتهى.
وقال الحافظ:
" قَوْله: (فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ) كَانَ ﷺ تَنَام عَيْنه وَلا يَنَام قَلْبه فَلَوْ أَحْدَثَ لَعَلِمَ بِذَلِكَ , وَلِهَذَا كَانَ رُبَّمَا تَوَضَّأَ إِذَا قَامَ مِنْ النَّوْم وَرُبَّمَا لَمْ يَتَوَضَّأ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَإِنَّمَا مُنِعَ قَلْبه النَّوْم لِيَعِيَ الْوَحْي الَّذِي يَأْتِيه فِي مَنَامه " انتهى.
وروى البخاري (٣٥٦٩) عن عَائِشَةَ ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (تَنَامُ عَيْنِي، وَلا يَنَامُ قَلْبِي) . ورواه أحمد (٧٣٦٩) عن أبي هريرة ﵁.
وانظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" للألباني (٦٩٦) .
وروى ابن ماجه (٤٧٤) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنَامُ حَتَّى يَنْفُخَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي وَلا يَتَوَضَّأُ. صححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
قال السندي في "حاشية ابن ماجه":
" قَوْله (حَتَّى يَنْفُخ) هو الصوت الذي يُسْمَع مِنْ النَّائِم.
قَوْله (فَيُصَلِّي وَلا يَتَوَضَّأ) لأَنَّهُ تَنَام عَيْنه وَلا يَنَام قَلْبه، كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا فِي الصِّحَاح، فَنَوْمه غَيْر نَاقِض، لأَنَّ النَّوْم إِنَّمَا يَنْقَضِ الْوُضُوء لَمَّا خِيفَ عَلَى صَاحِبه مِنْ خُرُوج شَيْء مِنْهُ وَهُوَ لا يَعْقِل، وَلا يَتَحَقَّق ذَلِكَ فِيمَنْ لا يَنَام قَلْبه، ثم قال: فلا يَنْبَغِي ذِكْر أَحَادِيث نَوْمه ﷺ فِي هَذَا الْبَاب أَصْلا (يعني باب نقض الوضوء بالنوم) إِلا مَعَ بَيَان أَنَّهُ كَانَ مَخْصُوصًا بِهَذَا الْحُكْم، فَلْيُتَأَمَّلْ " انتهى باختصار.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15160
هل أسلم والدا النبي ﷺ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل كان جد النبي ﷺ ووالده ووالدته مؤمنين بالله وبجميع الرسل الذين كانوا قبل النبي ﷺ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الكلام في جدّ رسول الله ﷺ فرع عن الكلام في حكم أهل الفترة، والفترة معناها كما قال ابن كثير: هي ما بين كل نبيين كانقطاع الرسالة بين عيسى ﵇ ومحمد ﷺ (تفسير القرآن العظيم ٢ / ٣٥، وانظر: جمع الجوامع للسبكي ١ / ٦٣ وروح المعاني للآلوسي ٦ / ١٠٣) .
وقد قسّمهم أهل العلم إلى قسمين:
القسم الأول من بلغته الدعوة، والقسم الثاني من لم تبلغه الدعوة وبقي على حين غفلة، ويشمل القسم الأول نوعين:
١- من بلغته الدعوة ووحّد ولم يشرك كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل (انظر: البداية والنهاية ٢ / ٢٣٠ وفتح الباري ٧ / ١٤٧)
٢- من بلغته الدعوة ولكنه غيّر وأشرك كعمرو بن لحي الذي غيّر دين إبراهيم، والذي قال فيه النبي ﷺ : (رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي يجرّ قصبه في النار) رواه البخاري (٣٥٢١) ومسلم (٢٨٥٦)
وقد جاء النص عن النبي ﷺ بأن والديه في النار، روى مسلم (٢٠٣) أن رجلاً قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قضى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار)
وفي شأن أمه قال ﵊: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي) رواه مسلم (٩٧٦) .
يقول النووي ﵀ – شارحاً الحديث الأول -: " فيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم "
(شرح صحيح مسلم ٣ / ٧٩) .
هذا وقد حاول بعض أهل العلم الدفاع عن والدي النبي ﷺ والحكم بنجاتهما، وأن الله تعالى أحياهما بعد موتهما، فأسلما وآمنا بالنبي ﷺ ثم ماتا على ذلك، واستدل على هذا بأحاديث موضوعة وضعيفة جداً لا يصح الاستدلال بها.
(انظر: الحاوي للفتاوى ٢ / ٢٠٢)
وقد ردّ العلماء ذلك.
قال العظيم آبادي: " كل ما ورد بإحياء والديه ﷺ وإيمانهما ونجاتهما أكثره موضوع مكذوب مفترى، وبعضه ضعيف جداً لا يصح بحالٍ، لاتفاق أئمة الحديث على وضعه وضعفه كالدارقطني والجوزقاني وابن شاهين والخطيب وابن عساكر وابن ناصر وابن الجوزي والسهيلي والقرطبي وجماعة " (عون المعبود١٢/٤٩٤ باختصار، وانظر: مجموع الفتاوى٤/٣٢٤) .
ويجب علينا أن ندرك أن النسب لا ينجي الإنسان من عذاب الله تعالى، يقول النووي ﵀: " من مات على الكفر فهو في النار ولا تنفعه قرابة المقربين " (شرح صحيح مسلم ٣ / ٧٩) .
ولم يكن حكم والدي النبي ﷺ وجده بدعاً في ذلك، فقد أصرّ والد إبراهيم ﵇ على الكفر حتى مات على ذلك فتبرأ منه إبراهيم ﵇، كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) التوبة / ١١٤، بل إن النبي ﷺ يقرّر هذا الأمر بجلاء، وذلك حين نزلت عليه الآية الكريمة (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) الشعراء / ٢١٤، قال: (يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً) رواه البخاري (٢٧٥٣) ومسلم (٢٠٦)
وينبغي على كل مسلم أن لا يحكّم عاطفته في رسول الله ﷺ وقرابته دونما حجةٍ وبينةٍ من علم فيبوء بالخسارة في الدنيا والآخرة، والله المستعان.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15161
" الحاشر " من أسماء الرسول ﷺ ، وليس من أسماء الله
[السُّؤَالُ]
ـ[من أسماء الرسول ﷺ الحاشر لان الرسول ﷺ قال: (أنا الحاشر تحشر الناس على قدمي) أو كما قال ﷺ . نرجو شرح هذا الحديث من فضلكم فانا اعلم أن الله تعالى يسمى الحاشر وهو الذي يحشر الناس للحساب يوم القيامة فنرجو منكم التوضيح وجزاكم الله خيرا وجعل هذا في ميزان حسناتكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
حديث (أنا الحاشر تحشر الناس على قدمي) هو مما اتفق عليه الشيخان، ولفظ كامل الحديث أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: (إِنَّ لِي أَسْمَاءً أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي وَأَنَا الْعَاقِبُ) رواه البخاري (٤٨٩٦) ومسلم (٢٣٥٤)
فأما قوله: ((أنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي)) فمعناه على أثري أي أنه يحشر قبل الناس، وهو موافق لقوله في الرواية الأخرى: ((يُحشر الناس على عقبي)) .
ويحتمل أن يكون المراد بالقدم الزمان، أي وقت قيامي على قدمي بظهور علامات الحشر، إشارة إلى أنه ليس بعده نبي. هذا مجمل ما ذكره الحافظ في الفتح (٦ / ٥٥٧) .
وقال ابن القيم في زاد المعاد (١ / ٩٤) فكأنه بعث ليحشر الناس.
ثانياً: قولك: إن الله يسمى "بالحاشر" غير صحيح؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية، لا مجال للعقل فيها، والواجب الوقوف على ما ورد في الكتاب والسنة، فلا يزاد فيها ولا ينقص:
١. لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله من الأسماء فوجب الوقوف في ذلك على النص لقوله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء:٣٦) وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (لأعراف:٣٣)
٢. ولأن تسميته تعالى بما لم يسم به نفسه، أو إنكار ما سمى به نفسه جناية في حقه تعالى، فوجب سلوك الأدب في ذلك والاقتصار على ما جاء به النص.
٣. صفات الله أوسع من أسماءه؛ لأن كل اسم متضمن لصفة.
مثال: من أسماء الله "السميع " هذا الاسم يتضمن إثبات السميع اسما لله تعالى، واثبات صفة السمع لله.
وأما صفات الله الفعلية فلا تتضمن أسماء الله؛ لأنها متعلقة بأفعال الله تعالى، وأفعاله لا منتهى لها مثال: من صفات الله المجيء، والإتيان والأخذ والإمساك والبطش، قال تعالى: (وجاء ربك) ، (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) ، (فأخذهم الله بذنوبهم) ، (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه) , (إن بطش ربك لشديد) ...
فَنَصِفُ الله تعالى بهذه الصفات على الوجه الوارد، ولا نسميه بها فلا نقول إن من أسمائه (الجائي) و (الآتي) و (الآخذ) و (الممسك) و (الباطش) .. وإن كنا نخبر بذلك عنه ونصفه به.
انظر رسالة القواعد المثلى للشيخ ابن عثيمين ﵀ (٢/٢٨٣) من مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن عثيمين ﵀.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15162
مراسلة النبي ﷺ للملوك
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد أن أعرف أسماء أشهر الملوك والرؤساء الذين أسلموا بعد أن دعاهم للإسلام الرسول ﷺ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أُمر النبي ﷺ أن يبلغ الدين للناس كافة، قال الله : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ) سبأ /٢٨.
فصدع رسول الله ﷺ بما أمر به، ودعا قومه ومَنْ حوله أولاً، وعندما استتب له الأمر، ودخل العرب في دين الله أفواجاً قام بدعوة غيرهم وأرسل الرسل وبعث البعوث للملوك والأمراء.
روى مسلم (١٧٧٤) عَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِيِّ وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ .
قال الحافظ في الفتح:
وَكَاتَبَ النبي ﷺ النَّجَاشِيّ الَّذِي أَسْلَمَ وَصَلَّى عَلَيْهِ لَمَّا مَاتَ , ثُمَّ كَاتَبَ النَّجَاشِيّ الَّذِي وَلِيَ بَعْده وَكَانَ كَافِرًا اهـ.
فَبَعَثَ النبي ﷺ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة إِلَى كِسْرَى , , وَدِحْيَة إِلَى قَيْصَر ملك الروم، وَسَلِيط بْن عَمْرو إِلَى هَوْذَة بْن عَلِيّ بِالْيَمَامَةِ , وَالْعَلاء بْن الْحَضْرَمِيّ إِلَى الْمُنْذِر بْن سَاوَى بِهَجَر , وَعَمْرو بْن الْعَاصِ إِلَى جَيْفَر وَعَبَّاد اِبْنَيْ الْجَلَنْدِيّ بِعَمَّان, وَشُجَاع بْن وَهْب إِلَى اِبْن أَبِي شَمِر الْغَسَّانِيّ , وَحَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُقَوْقِس. وكتب إِلَى النَّجَاشِيّ فأسلم، ولما مات صلى عليه، ثم كتب إِلَى النَّجَاشِيّ الذي تملك بعده وبعث إليه عَمْرو بْن أُمَيَّة.
فدعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام وإلى عبادة الله وحده.
وانظر: "زاد المعاد" لابن القيم (٣/٦٨٨-٦٩٧) فقد ذكر نصوص كتب النبي ﷺ وما رد به أولئك الملوك.
وكان نص كتاب رسول الله ﷺ إلى هرقل ملك الروم: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ (أي أتباعه ورعاياه الذين يتابعونه على الكفر) . وَ [يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ] ) . رواه البخاري (٧) ومسلم (١٧٧٣) .
ولم يؤمن من هؤلاء الملوك إلا النجاشي ملك الحبشة الأول، وملك عمان وأخوه.
وكاد هرقل أن يسلم، لولا أنه خاف على نفسه من قومه، وخاف على ذهاب ملكه، وهكذا فعل الآخرون آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، فخابوا وخسروا.
فقد ثبت في البخاري ومسلم في الحديث السابق أن هرقل لما سأل أبا سفيان عن صفات النبي ﷺ وما يدعو إليه عرف أنه رسول الله حقا، وقال: (فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ) .
(لَتَجَشَّمْت) أَيْ: تَكَلَّفْت الْوُصُول إِلَيْهِ.
وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَتَحَقَّق أَنَّهُ لا يَسْلَم مِنْ الْقَتْل إِنْ هَاجَرَ إِلَى النَّبِيّ ﷺ , ورُوي عنه أنه قال: (أَعْرِف أَنَّهُ كَذَلِكَ , وَلَكِنْ لا أَسْتَطِيع أَنْ أَفْعَل , إِنْ فَعَلْت ذَهَبَ مُلْكِي وَقَتَلَنِي الرُّوم) ورُوي عنه أيضاً: (وَاَللَّه إِنِّي لأَعْلَم أَنَّهُ نَبِيّ مُرْسَل , وَلَكِنِّي أَخَاف الرُّوم عَلَى نَفْسِي , وَلَوْلا ذَلِكَ لاتَّبَعْتُهُ) .
وذكر ابن القيم في "زاد المعاد" (٣/٦٩٤) أن هرقل لما بلغه إسلام النجاشي قال: والله لولا الضَنُّ بملكي (أي لولا التمسك به) لصنعتُ كما صنع.
فمنعه خوفه على نفسه وملكه من الإسلام والهجرة إلى النبي ﷺ .
لَكِنْ لَوْ تَفَطَّنَ هِرَقْل لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْكِتَاب الَّذِي أَرْسَلَ إِلَيْهِ (أَسْلِمْ تَسْلَم) وَحَمَلَ ذلك عَلَى عُمُومه فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة لَسَلِمَ لَوْ أَسْلَمَ مِنْ كُلّ مَا يَخَافهُ. وَلَكِنَّ التَّوْفِيق بِيَدِ اللَّه تَعَالَى. وقد أسلم النجاشي ملك الحبشة ولم يزل ملكه عنه.
انظر "فتح الباري" شرح حديث رقم (٧) . شرح مسلم للنووي حديث رقم (١٧٧٣) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15163
كيف تزوج النبي ﷺ من خديجة
[السُّؤَالُ]
ـ[سألني الكثير من أصدقائي عن الزنى بالجنس الآخر فقلت لهم بأنه محرم في الإسلام فقالوا بأن خديجة ﵂ كانت تحب الرسول ﷺ وتزوجته، قرأت الكثير من الكتب ومواقع على الإنترنت فلم أجد معلومات عن طريقة زواجهما وكل ما أعلمه أن خديجة ﵂ أرسلت رسالة مع إحدى الإماء وكانت قريبة الرسول ﷺ وأبي طالب عم الرسول بأنها وافقت على عرض الزواج وتزوجته.
الذي أريد أن أعرفه هو: هل قابل الرسول ﷺ خديجة قبل الزواج (حصل بينهما جماع) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تشير روايات السيرة النبوية إلى أن خديجة بنت خويلد ﵂ كانت امرأة حازمة وذكية، وكانت كذلك غنية، ولها تجارات متعددة، وكان رجال قومها يحرصون على الزواج منها، ولم تكن تعمل في التجارة بنفسها، وإنما كانت تستأجر رجالا يعملون لها في مالها.
ووصل إلى خديجة ﵂ خبر الصادق الأمين ﷺ وسمعت من أخبار صدقه وأمانته الكثير، فرغبت في أن تستأجره ليعمل لها في تجارتها، فأرسلت له من يعرض عليه الأمر، فوافق النبي ﷺ على ذلك.
وخرج النبي ﷺ متاجرا بمال خديجة ﵂ وكان معه غلام لخديجة يدعى: ميسرة، وقد رأى ميسرة من الآيات التي حصلت للنبي ﷺ في رحلته ما بهره، وجعله يخبر سيدته خديجة بكل ما رآه.
فمن ذلك أن الرسول ﷺ عندما قدم مدينة بصرى بالشام نزل في ظل شجرة، فقال أحد الرهبان لميسرة: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي، وكان ميسرة يرى ملكين يظلان النبي ﷺ إذا اشتدت حرارة الشمس.
ورجع النبي ﷺ من رحلته تلك، وقد ربحت تجارة خديجة أضعاف ما كانت تربح من قبل، فأعجبت خديجة ﵂ بشخص النبي ﷺ ورغبت في الزواج منه، فأرسلت صديقتها نفيسة بنت منية تعرض على النبي ﷺ الأمر، فوافق ﷺ على ذلك، وتولى أمر زواج خديجة ﵂ أبوها خويلد، في أصح الروايات كما ذكر أصحاب السير.
ومما سبق يعلم أنه لم تكن هناك علاقة تخدش الحياء بين النبي ﷺ وبين خديجة ﵂ قبل الزواج بها.
فأخلاق النبي ﷺ وحسن سيرته وحفظ الله تعالى له قبل كل شيء منعه من كل ما يخدش الرسالة أو ينافي الحياء والمروءة.
ولو حصل هذا - وحاشاه ﷺ لما سكت عنه كفار قريش، ولعدوا ذلك عيبا عظيما، ولتخذوه ذريعة في رد دينه، وتشويه سمعته ﷺ ولكن شيئاً من ذلك لم يكن، بل كانوا يلقبونه ﷺ قبل النبوة بـ (الصادق) و (الأمين) ولم يطعنوا في عفته ﷺ قط.
هذا؛ ولتعلم يا أخي أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام –جميع الأنبياء- هم أكمل البشر وأفضلهم فإن الله تعالى لا يختار للرسالة إلا من هو أهل لها، قال الله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) الأنعام/١٢٤.
قال ابن كثير ﵀:
أي: هو أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه، كقوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ. . . الآية) . الزخرف/٣١، يعنون لو نزل هذا القرآن على رجل عظيم كبير جليل مبجل في أعينهم (من القريتين) أي مكة والطائف، وذلك أنهم قبحهم الله كانوا يزدرون بالرسول صلوات الله وسلامه عليه بغياً وحسداً، وعناداً واستكباراً، كقوله تعالى مخبراً عنه: (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزواً أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون) ، وقال تعالى: (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزواً أهذا الذي بعث الله رسولاً) ، وقال تعالى: (ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون) . هذا وهم معترفون بفضله وشرفه ونسبه، وطهارة بيته ومرباه، ومنشئه صلى اللهُ وملائكتُه والمؤمنون عليه، حتى إنهم يسمونه بينهم قبل أن يوحى إليه "الأمين"، وقد اعترف بذلك رئيس الكفار (أبو سفيان) حين سأله هرقل ملك الرو م: وكيف نسبه فيكم؟ قال: هو فينا ذو نسب، قال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا.. الحديث بطوله الذي استدل ملك الروم بطهارة صفاته ﵇ على صدق نبوته وصحة ما جاء به اهـ.
وقد ذكر العلماء ﵏ أن الأنبياء معصومون من الكبائر ومن كل الذنوب التي تدل على دناءة فاعلها.
قال ابن العربي: " فهذا محمد ﷺ ما عصى قط ربه، لا في حال الجاهلية ولا بعدها، تكرمة من الله وتفضلا وجلالا، أحله به المحل الجليل الرفيع .... وما زالت الأسباب الكريمة، والوسائل السليمة تحيط به من جميع جوانبه " اهـ
وقال النووي ﵀:
اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاء اِخْتَلَفُوا فِي جَوَاز الْمَعَاصِي علَى الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ , وَقَدْ لَخَصَّ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى مَقَاصِد الْمَسْأَلَة فَقَالَ:. . . وَأَمَّا الْمَعَاصِي فَلا خِلاف أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ كُلّ كَبِيرَة. . .
وَكَذَلِكَ لا خِلاف أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ الصَّغَائِر الَّتِي تُزْرِي بِفَاعِلِهَا وَتَحُطّ مَنْزِلَته وَتُسْقِط مُرُوءَته , وَاخْتَلَفُوا فِي وُقُوع غَيْرهَا مِنْ الصَّغَائِر مِنْهُمْ , فَذَهَبَ مُعْظَم الْفُقَهَاء وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف إِلَى جَوَاز وُقُوعهَا مِنْهُمْ وَحُجَّتهمْ ظَوَاهِر الْقُرْآن وَالأَخْبَار وَذَهَبَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّحْقِيق وَالنَّظَر مِنْ الْفُقَهَاء وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَئِمَّتنَا إِلَى عِصْمَتهمْ مِنْ الصَّغَائِر كَعِصْمَتِهِمْ مِنْ الْكَبَائِر , وَأَنَّ مَنْصِب النُّبُوَّة يَجِلّ عَنْ مُوَاقَعَتهَا وَعَنْ مُخَالَفَة اللَّه تَعَالَى عَمْدًا , وَتَكَلَّمُوا عَلَى الآيَات وَالأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ وَتَأَوَّلُوهَا , وَأَنَّ مَا ذُكِرَ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا كَانَ مِنْهُمْ عَلَى تَأْوِيل أَوْ سَهْو أَوْ مِنْ إِذْن مِنْ اللَّه تَعَالَى فِي أَشْيَاء أَشْفَقُوا مِنْ الْمُؤَاخَذَة بِهَا وَأَشْيَاء مِنْهُمْ قَبْل النُّبُوَّة , وَهَذَا الْمَذْهَب هُوَ الْحَقّ. . . هَذَا آخِر كَلام الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَاَللَّه أَعْلَم اهـ
وإجلالاً لمنصب النبوة قال العلماء: إن من قذف نبياً من الأنبياء كفر ووجب قتله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٥/١٢٣) :
اتفق الأئمة على أن من سب نبيا قتل اهـ والرمي بالزنى من أعظم السب. وراجع سؤال (٢٢٨٠٩) .
وقد ذكر ابن قدامة ﵀ في المغني (١٢/٤٠٥) :
أن من قذف أم النبي ﷺ قتل ولو تاب، مسلماً كان أو كافراً، غير أنه إن تاب فتوبته مقبولة عند الله تعالى، ولا يسقط عنه القتل بالتوبة، لحق النبي ﷺ .
ثم قال:
والحكم في قذف النبي ﷺ كالحكم في قذف أمه لأن قذف أمه إنما أوجب القتل لكونه قذفاً للنبي ﷺ وقدحاً في نسبه اهـ
والله أعلم
انظر: زاد المعاد (١/٧٧) ، السيرة النبوية الصحيحة للدكتور أكرم ضياء العمري (١/١١٢-١١٤) ، السيرة النبوية للدكتور مهدي رزق الله (ص ١٣٢) ، أفعال الرسول ﷺ للدكتور محمد سليمان الأشقر (١/١٣٩-١٦٥) ، أحكام القرآن الكريم (٣/٥٧٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15164
محاولات اليهود لقتل النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت الآتي: حاول اليهود قتل الرسول ٣ مرات, آخر مرة كانت قبل وفاة الرسول ب ٦ سنوات بشاة مسمومة. مضغ منها الرسول مضغتين ثم أنطق الله الشاة لتخبر الرسول أنها مسمومة. وعند وفاة الرسول قال إنه: كأنه يشعر بطعم الشاه فهل هذا صحيح؟ لو صح هذا فمعناه أن لنا ثأُُُُُرا شديدا عندهم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أما بعد: فقد أراد اليهود قتل الرسول ﷺ مرات عدة، منها:
١- ما كان في صغره، فقد روى ابن سعد في الطبقات بالسند إلى إسحاق بن عبد الله أن أم النبي ﷺ لما دفعته إلى السعدية التي أرضعته، قالت لها: احفظي ابني وأخبرتها بما رأت. فمرت باليهود فقالت: ألا تحدثوني عن ابني هذا، فإني حملته كذا ووضعته كذا ورأيت كذا، كما وصفت أمه. قال: فقال بعضهم لبعض اقتلوه. فقالوا: أيتيم هو؟ فقالت: لا، هذا أبوه وأنا أمه. فقالوا: لو كان يتيما لقتلناه. قال: فذهبت به حليمة وقالت: كدت أخرب أمانتي.
وهذا مرسل، ورجاله ثقات.
٢- وحاولوا قتله ﷺ بعد بدر، فأرسل بنو النضير إليه أن اخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك، ولنخرج في ثلاثين حبرا حتى نلتقي في مكان كذا وكذا، نِصْف بيننا وبينك، فيسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا. ثم قالوا: كيف تفهم ونفهم ونحن ستون رجلا؟ اخرج في ثلاثة من أصحابك ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا فليسمعوا منك، فاشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله ﷺ فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى ابن أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته، فأخبر النبي ﷺ ، فرجع، فلما كان الغد غدا عليهم بالكتائب فحاصرهم. وتم إجلاء يهود بني النضير. وهذه القصة رواها عبد الرزاق في مصنفه، ورواها أبو داود في سننه (٣٠٠٤) من طريق عبد الرزاق، غير أنه لم يذكر تفاصيل القصة، بل جاء فيه " ... يسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك فقص خبرهم فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله ﷺ بالكتائب فحصرهم ". والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود.
٣- وذكر ابن إسحاق سببا آخر لإجلاء بني النضير، وهو أن النبي ﷺ ذهب إلى بني النضير ليستعين بهم على دفع دية رجلين معاهدين قتلهما خطأ عمرو بن أمية الضمري، فجلس النبي ﷺ إلى جدار لبني النضير فهموا بإلقاء حجر عليه وقتله، فأخبره الوحي بذلك فانصرف عنهم مسرعا إلى المدينة ثم أمر بحصارهم.
٤- ثم كانت حادثة السم، بعد فتح خيبر، فقد روى البخاري (٢٦١٧) ومسلم (٢١٩٠) عن أنس أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها فجيء بها إلى رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك فقالت أردت لأقتلك قال ما كان الله ليسلطك على. قالوا: ألا نقتلها؟ قال: لا. قال فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ ".
واللهوات: جمع لهاة، وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أقصى الحنك.
قال النووي: كأنه بقي للسم علامة وأثر من سواد أو غيره.
واسم هذه المرأة: زينب بنت الحارث، امرأة سلام ابن مشكم أحد زعماء اليهود.
وقد اختلفت الروايات في قتلها، والظاهر أن النبي ﷺ لم يقتلها أولا، فلما مات بشر بن البراء بن معرور متأثرا بهذا الطعام، قتلها قصاصاً.
وروى البخاري (٥٧٧٧) عن أبي هريرة أنه قال لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم فقال رسول الله ﷺ اجمعوا لي من كان ها هنا من اليهود فجمعوا له فقال لهم رسول الله ﷺ فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا نعم فقال هل جعلتم في هذه الشاة سما؟ فقالوا نعم فقال ما حملكم على ذلك؟ فقالوا أردنا إن كنت كذابا نستريح منك وإن كنت نبيا لم يضرك".
وقد كان النبي ﷺ يعاوده المرض من هذه الأكلة، وكان يحتجم لذلك.
روى أحمد (٢٧٨٤) عن ابن عباس أن امرأة من اليهود أهدت لرسول الله ﷺ شاة مسمومة فأرسل إليها فقال ما حملك على ما صنعت قالت أحببت أو أردت إن كنت نبيا فإن الله سيطلعك عليه وان لم تكن نبيا أريح الناس منك قال وكان رسول الله ﷺ إذا وجد من ذلك شيئا احتجم قال فسافر مرة فلما أحرم وجد من ذلك شيئا فاحتجم". وصححه محققو المسند.
وأثر ذلك عليه في وفاته، فمات شهيدا ﷺ كما قال ابن مسعود ﵁:
لأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ تِسْعًا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُتِلَ قَتْلا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ وَاحِدَةً، وَذَلِك بِأَنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ نَبِيًّا، وَجَعَلَهُ شَهِيدًا. رواه أحمد (٣٦١٧) . وقال المحقون: إسناده صحيح على شرط مسلم اهـ
قال السندي: قوله: (قتل قتلا) بسُمِّ ما تناول من الذراع بأن ظهرت آثاره عند الوفاة اهـ. نقلا من حاشية المسند ٦/١١٦.
روى البخاري في صحيحه معلقا والحاكم في مستدركه موصولا عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أَبهري من ذلك السم".
والأبهر عرق مستبطن بالظهر متصل بالقلب، إذا انقطع مات صاحبه.
وفتح خيبر كان في المحرم أو ربيع الأول من السنة السابعة من الهجرة، فيكون هذا الحادث قبل وفاة النبي ﷺ بأربع سنوات.
وهذا يضاف إلى سجل جرائم اليهود التي لا حصر لها في القديم والحديث، وستبقى العدواة بيننا وبينهم حتى نقاتلهم ونقتلهم في آخر الزمان كما أخبرنا بذلك النبي ﷺ .
ينظر: اليهود في السنة المطهرة، د. عبد الله بن ناصر الشقاري، وزاد المعاد ٣/٢٧٩
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15165
النبي الأمي
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك دليل على أن النبي محمد ﷺ كان لا يقدر على القراءة والكتابة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)
قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية:
قوله تعالى: "الأمي".. قال ابن عباس ﵁: كان نبيكم ﷺ أميا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب ; قال الله تعالى: "وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك " [العنكبوت: ٤٨] .
وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الأخيرة:
ثم قال تعالى "وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك" أي قد لبثت في قومك يا محمد من قبل أن تأتي بهذا القرآن عمرا لا تقرأ كتابا ولا تحسن الكتابة بل كل أحد من قومك وغيرهم يعرف أنك رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب وهكذا صفته في الكتب المتقدمة كما قال تعالى "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر" الآية وهكذا كان رسول الله ﷺ دائما إلى يوم الدين لا يحسن الكتابة ولا يخط سطرا ولا حرفا بيده بل كان له كُتّاب يكتبون بين يده الوحي والرسائل إلى الأقاليم. .. قال الله تعالى "وما كنت تتلو" أي تقرأ "من قبله من كتاب" لتأكيد النفي "ولا تخطه بيمينك" تأكيد أيضا.. وقوله تعالى "إذا لارتاب المبطلون" أي لو كنت تحسنها لارتاب بعض الجهلة من الناس فيقول إنما تعلم هذا من كتب قبله مأثورة عن الأنبياء مع أنهم قالوا ذلك مع علمهم بأنه أمي لا يحسن الكتابة "وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا".
وقال :
(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) الجمعة
قال القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية:
قيل: الأميون الذين لا يكتبون. وكذلك كانت قريش. وروى منصور عن إبراهيم قال: الأمي الذي يقرأ ولا يكتب. "رسولا منهم" يعني محمدا ﷺ .. وكان أميا لم يقرأ من كتاب ولم يتعلم ﷺ . قال الماوردي: فإن قيل ما وجه الامتنان في أن بعث نبيا أميا؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء. الثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم , فيكون أقرب إلى موافقتهم. الثالث: لينتفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعا إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها. قلت: وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوته. انتهى ملخصا من تفسير القرطبي ﵀
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15166
هل ولد الرسول ﷺ مختوناً
[السُّؤَالُ]
ـ[هل ولد الرسول ﷺ مختوناً أم ختن كسائر الناس؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فقد ذكر ابن القيم ﵀ في ختان النبي ﷺ ثلاثة أقوال، فقال:
وقد اختلف فيه على أقوال:
أحدها: أنه ولد مختونا
والثاني: أن جبريل ختنه حين شق صدره
الثالث: أن جده عبد المطلب ختنه على عادة العرب في ختان أولادهم.
" تحفة المولود " (ص ٢٠١) .
أما الرأي الأول: فقد أورد ابن القيم في كتابه المذكور أحاديث كثيرة تدل على ذلك ولكنه حكم عليها كلها بالضعف، ثم ذكر أن الصبي إذا ولد مختوناً: فإن هذه نقيصة وليست منقبة لصاحبها كما يظنه بعض الناس.
قال رحمه الله تعالى:
وقيل: إن قيصر ملك الروم الذي ورد عليه امرؤ القيس وُلد كذلك [يعني غير مختون] ، ودخل عليه امرؤ القيس الحمَّام فرآه كذلك فقال يهجوه:
إني حلفت يمينا غير كاذبة لأنت أغلف إلا ما جنى القمر
يعيره أنه لم يختتن، وجعل ولادته كذلك نقصا، وقيل: إن هذا البيت أحد الأسباب الباعثة لقيصر على أن سمَّ امرء القيس فمات.
وكانت العرب لا تعتد بصورة الختان من غير ختان وترى الفضيلة في الختان نفسه وتفخر به.
قال ابن القيم: وقد بعث الله نبيَّنا من صميم العرب، وخصَّه بصفات الكمال من الخلق، والنسب فكيف يجوز أن يكون ما ذكره من كونه مختوناً مما يميز به النبي ويخصص، وقيل: إن الختان من الكلمات التي ابتلى الله بها خليله فأتمهن وأكملهن وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل وقد عد النبي الختان من الفطرة، ومن المعلوم: أن الابتلاء به مع الصبر مما يضاعف ثواب المبتلى به وأجره، والأليق بحال النبي أن لا يسلب هذه الفضيلة وأن يكرمه الله بها كما أكرم خليله فإن خصائصه أعظم من خصائص غيره من النبيين وأعلى.
" تحفة المولود " (٢٠٥ – ٢٠٦) .
أما الرأي الثاني فقد قال فيه:
وحديث شق الملك قلبه قد روي من وجوه متعددة مرفوعاً إلى النبي وليس في شيء منها أن جبريل ختنه إلا في هذا الحديث فهو شاذ غريب.
" تحفة المولود " (ص ٢٠٦) .
وأما الرأي الثالث فقد قال فيه:
قال ابن العديم: وقد جاء في بعض الروايات أن جده عبد المطلب ختنه في اليوم السابع، قال: وهو على ما فيه أشبه بالصواب، وأقرب إلى الواقع.
" تحفة المولود " (ص ٢٠٦)
وقال ابن القيم في زاد المعاد (١/٨٢) :
وقد وقعت هذه المسألة بين رجلين فاضلين صنف أحدهما مصنفا في أنه ﷺ ولد مختونا وأجلب فيه من الأحاديث التي لا خطام لها ولا زمام، وهو كمال الدين بن طلحة، فنقضه عليه كمال الدين بن العديم وبين فيه أنه ﷺ ختن على عادة العرب، وكان عموم هذه السنة للعرب قاطبة مغنيا عن نقل معين فيها والله أعلم اهـ.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15167
لماذا كان النبي ﷺ وأصحابه يخافون من ربهم مع تبشيرهم بالجنة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا كان الصحابة المبشَّرون بالجنة يخافون الله أشد الخوف، على الرغم أن الرسول ﷺ بشرهم بالجنة، بل الرسول ﷺ نفسه كان أخوفهم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن أصحاب النبي ﷺ هم خير هذه الأمة وأفضلها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
ومِن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنَّة , وما اتفق عليه أهل السنَّة والجماعة من جميع الطوائف: أن خير قرون هذه الأمة في الأعمال، والأقوال، والاعتقاد , وغيرها من كل فضيلة: أن خيرها: القرن الأول، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ من غير وجه , وأنهم أفضل من الخلَف في كل فضيلة، من علم وعمل، وإيمان، وعقل، ودين، وبيان، وعبادة , وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل، هذا لا يدفعه إلا مَن كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام , وأضله الله على علم، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: " مَن كان منكم مستنّاً فليستنَّ بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبرُّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ".
وما أحسن ما قال الشافعي ﵀ في رسالته: " هم فوقنا في كل علم، وعقل، ودين، وفضل، وكل سبب ينال به علم، أو يدرك به هدى ".
" مجموع الفتاوى " (٤ / ١٥٧، ١٥٨) .
ثانياً:
عبادة الله تعالى تتضمن الخوف، والرجاء، والمحبة له سبحانه تعالى؛ وهذا هو كمال الإيمان.
قال ابن القيم ﵀:
وسبب هذا: اقتران الخوف من الله تعالى بحبِّه، وإرادته , ولهذا قال بعض السلف: " مَن عبد الله تعالى بالحب وحده: فهو زنديق , ومن عبده بالخوف وحده: فهو حروري – أي: من الخوارج - , ومن عبده بالرجاء وحده: فهو مرجئ , ومن عبده بالحب والخوف والرجاء: فهو مؤمن.
وقد جمع الله تعالى هذه المقامات الثلاثة بقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَه) الإسراء/ ٥٧، فابتغاء الوسيلة هو محبته، الداعية إلى التقرب إليه، ثم ذكر بعدها الرجاء والخوف , فهذه طريقة عباده، وأوليائه.
" بدائع الفوائد " (٣ / ٥٢٢) .
ثالثاً:
لا يستغرب أن يكون الصحابة أشد الناس خوفاً من الله، فكلما ازداد العبد إيماناً: ازداد خوفه من الله، ألا ترى أن الله تعالى أثنى على أنبيائه، ورسله بهذه الصفة، قال تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) الأحزاب/ ٣٩،
وقال عن الملائكة الكرام: (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) الأنبياء/ ٢٨، وقال: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) النحل/ ٥٠.
وعن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِالمَلإ الأَعْلَى وَجِبْريلُ كَالحِلْسِ البَالِي ِنْ خَشْيَةِ الله رواه الطبراني في " الأوسط " (٥ / ٦٤) ، وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢٢٨٩) .
والحلس البالي: الثوب البالي.
وهكذا كان حال نبينا محمد ﷺ ، فقد قال عن نفسه: (إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا) رواه البخاري (٢٠) ومسلم (١١٠٨) .
قال ابن القيم ﵀:
والمقصود: أن الخوف من لوازم الإيمان، وموجباته، فلا يتخلف عنه، وقال تعالى: (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) المائدة/ ٤٤ , وقد أثنى سبحانه على أقرب عباده إليه بالخوف منه، فقال عن أنبيائه بعد أن أثنى عليهم ومدحهم: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) الأنبياء/ ٩٠، فالرغَب: الرجاء , والرغبة، والرهَب: الخوف، والخشية.
وقال عن ملائكته الذين قد أمَّنهم من عذابه: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) النحل/ ٥٠، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية) ، وفي لفظ آخر: (إني أخوفكم لله وأعلمكم بما أتقي) – رواه مسلم -، وكان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء – رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود " -.
وقد قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) فاطر/ ٢٨، فكلما كان العبد بالله أعلم: كان له أخوف، قال ابن مسعود: وكفى بخشية الله علماً.
ونقصان الخوف من الله: إنما هو لنقصان معرفة العبد به؛ فأعرف الناس: أخشاهم لله , ومن عرف الله: اشتد حياؤه منه، وخوفه له، وحبه له , وكلما ازداد معرفة: ازداد حياء، وخوفاً، وحبّاً، فالخوف من أجلِّ منازل الطريق , وخوف الخاصة: أعظم من خوف العامَّة , وهم إليه أحوج، وهم بهم أليق، ولهم ألزم.
" طريق الهجرتين " (٤٢٣، ٤٢٤) .
فعلى ذلك فلما كان الصحابة أعلم، وأتقى لله، وأعرف به: استلزم ذلك عظم خوفهم منه تعالى، مع الرجاء، والمحبة، وهكذا حال الأنبياء الذين هم أعرف، وأعلم، وأتقى لله تعالى من غيرهم من الناس.
ويمكن تلخيص أسباب خوف النبي ﷺ ، وصحابته الكرام ممن بشِّر بالجنة، بما يلي:
١. أنهم عرفوا معنى عبادة ربهم تعالى، وكان خوفهم من الله تعالى هو تحقيق لركن من أركانها، مع تحقيق ركني الرجاء، والمحبة.
٢. أنهم كانوا علماء بالله تعالى، ومن كان بالله أعلم كان منه أخوف.
٣. بحثاً عن مزيد ثواب، وعظيم أجر، من ربهم تعالى، قال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) الرحمن/ ٤٦.
فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الخوف، والرجاء، والمحبة.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15168
هل ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ وأد ابنته في الجاهلية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أردت السؤال عن صحة قصه وأد عمر بن الخطاب ﵁ لابنته؟ أفيدونا تفصيلاً جزيتم الجنة، ونفع بعلمكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يمكننا تأكيد عدم ثبوت القصة التي تروى حول وأد عمر بن الخطاب ﵁ ابنته في الجاهلية، وذلك للأسباب الآتية:
١-عدم ورودها في كتب السنة والحديث أو كتب الآثار والتاريخ، ولا يعرف من مصادرها إلا ما يكذبه الرافضة الحاقدون من غير دليل ولا حجة.
٢-إذا كان وأد البنات منتشراً في بني عدي، فكيف ولدت حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄ له في الجاهلية قبل البعثة بخمس سنوات ولم يئدها؟! لا شك أن ذلك دليل على أن وأد البنات لم يكن من عادة عمر بن الخطاب ﵁ في الجاهلية. انظر ترجمة أم المؤمنين حفصة ﵂ في " الإصابة " للحافظ ابن حجر (٧/٥٨٢)
٣-وقد وقفنا على ما يشير إلى عدم وقوع الوأد من عمر بن الخطاب ﵁، وهو ما يرويه النعمان بن بشير ﵁ يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: وسئل عن قوله: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ) التكوير/٨، قال: جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله ﷺ قال: (إني وأدت ثماني بنات لي في الجاهلية. قال: أعتق عن كل واحدة منها رقبة. قلت: إني صاحب إبل. قال: (أهد إن شئت عن كل واحدة منهن بدنة) رواه البزار (١/٦٠) ، والطبراني في "المعجم الكبير " (١٨/٣٣٧) وقال الهيثمي: " ورجال البزار رجال الصحيح غير حسين بن مهدي الأيلي وهو ثقة " انتهى. " مجمع الزوائد " (٧/٢٨٣) ، وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (رقم/٣٢٩٨) ، يشير هذا الحديث – وهو من رواية عمر بن الخطاب ﵁ – إلى كفارة من وقع منه الوأد في الجاهلية، ولما لم يذكر عمر بن الخطاب عن نفسه ذلك، وإنما رواه من فعل قيس بن عاصم، دل على عدم وقوع الوأد المنسوب إليه ﵁.
٤- ثم على فرض صحة ذلك فأمر الجاهلية مغفور، والإسلام يَجُبُّ ما قبله، وإذا كان الله يغفر الشرك وعبادة الأوثان الذي كان عليه كثير من الصحابة في الجاهلية، فكيف بأمر وأد البنات؟
يقول الدكتور عبد السلام بن محسن آل عيسى:
" وأما عمر ﵁ فقد ذكر عنه أنه وأد ابنة له في الجاهلية، ولم أجد من روى ذلك عن عمر فيما اطلعت عليه من المصادر، ولكني وجدت الأستاذ عباس محمود العقاد أشار إليها في كتابه " عبقرية عمر " (ص/٢٢١) فقال:
وخلاصتها: أنه ﵁ كان جالساً مع بعض أصحابه، إذ ضحك قليلاً، ثم بكى، فسأله مَن حضر، فقال: كنا في الجاهلية نصنع صنماً من العجوة، فنعبده، ثم نأكله، وهذا سبب ضحكي، أما بكائي، فلأنه كانت لي ابنة، فأردت وأدها، فأخذتها معي، وحفرت لها حفرة، فصارت تنفض التراب عن لحيتي، فدفنتها حية.
وقد شكك العقاد في صحة هذه القصة؛ لأن الوأد لم يكن عادة شائعة بين العرب، وكذلك لم يشتهر في بني عدي، ولا أسرة الخطاب التي عاشت منها فاطمة أخت عمر، وحفصة أكبر بناته، وهي التي كني أبو حفص باسمها، وقد ولدت حفصة قبل البعثة بخمس سنوات فلم يئدها، فلماذا وأد الصغرى المزعومة..! لماذا انقطعت أخبارها فلم يذكرها أحد من إخوانها وأخواتها، ولا أحد من عمومتها وخالاتها " انتهى.
" دراسة نقدية في المرويات في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية " (١/١١١-١١٢)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15169
الرد على مَن زعم مِن الرافضة أن أبا بكر وعمر وابنتيهما حاولا قتل النبي !
[السُّؤَالُ]
ـ[يا إخوان، أنا مسلم، سنَّي، ذات يوم جعلت أقلب في موقع " اليوتيوب "، ورأيت مقاطع فيديو لأحد علماء الشيعة، وكان حديثه عن أن عائشة هي مَن قتلت النبيَّ ﷺ والعياذ بالله!! -: وأن هناك ثلاث محاولات لقتل الرسول الكريم ﷺ ! من أبي بكر، وعمر بن الخطاب، رضوان الله عليهم عن طريق ابنتيهما حفصة، وعائشة، زوجات النبي ﷺ المحاولات الثلاثة مذكورة في أحد المنتديات الخاصة بهم على الرابط التالي: (تم حذف الرابط) . وأكثر ما جعلني خائفاً هو حديث عائشة: لددنا رسولَ الله، في معنى الحديث أن النبي ﷺ نهاهم عن لدِّه، ولكنهم لدوه، وحينما استفاق سألهم، أو وبخهم، وغضب من عائشة، وبعدها مرض النبي، وتوفي، فيقول الشيعة: إن عائشة سممته!! لا حول ولا قوة إلا بالله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
قبل الإجابة على سؤالك أخي الفاضل لا بد من التنبه لأمرين:
١. اعلم أن الرافضة أكذب الفرق المنتسبة للإسلام، وأن دينهم بُني على ذلك الكذب، وأنه ليس لهم أعداء يحقدون عليهم، ويسبونهم الليل والنهار أكثر من الصحابة ﵃.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
وقد اتفق أهل العلم بالنقل، والرواية، والإسناد، على أن الرافضة أكذب الطوائف، والكذب فيهم قديم، ولهذا كان أئمة الإسلام يعلمون امتيازهم بكثرة الكذب.
قال الشافعي: لم أر أحداً أشهد بالزور من الرافضة.
وقال محمد بن سعيد الأصبهاني: سمعت شريكاً يقول: احمل العلم عن كل من لقيتَ إلا الرافضة؛ فإنهم يضعون الحديث، ويتخذونه ديناً.
" منهاج السنّة " (١ / ٥٩) .
٢. واعلم أنه لا يجوز للمسلم أن ينظر في مواقع أهل البدع عموماً، وأهل الرفض خصوصاً، ولا أن يقرأ كتبهم، إلا أن يكون متمكناً من دينه، وعلى علم بمداخل، ومخارج أهل الضلال.
وانظر في ذلك جواب السؤال رقم: (١٢٦٠٤١) .
ثانياً:
ما في الرابط المحال عليه في السؤال يؤكد ما قلناه من كون هذه الطائفة أكذب الفرق المنتسبة إلى الإسلام، وقد جمعوا مع كذبهم على دين الله: حقدهم العظيم على أصحاب النبي ﷺ ، وسبهم، وشتمهم، وتكفيرهم، وقذفهم لعائشة الطاهرة ﵂، فلا يعجب من يعلم ذلك عنهم عندما يقرأ مثل ذلك المقال المبني على الجهل، والكذب، والافتراء، فقد زعم كاتبه أن عمر بن الخطاب ﵁ حاول اغتيال النبي ﷺ ، وقتله! وأنه فشل في محاولتين، ونجح في الثالثة! بالاشتراك مع أبي بكر الصدِّيق، وحفصة بنت عمر، وعائشة بنت أبي بكر ﵃ جميعاً، والرد على هذا الزعم الضال يكون من وجوه إجمالية، وأخرى تفصيلية.
أما الرد من الوجوه الإجمالية:
١. ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه قد توفرت فرص كثيرة للصحابيين الجليلين أبي بكر وعمر ﵄ في الخلوة بالنبي ﷺ ، فهما وزيراه، وصاحباه، وقد زوجاه من ابنتيهما، وصاحبه الصدِّيق في الهجرة من مكة إلى المدينة في رحلة استغرقت عشرة أيام، وقد كان هذا معروفاً عند المسلمين والكفار، ولذا فقد اختارهما الصحابة الأجلاء أمراء عليهم بعد وفاة النبي ﷺ ، فأنَّى لعاقل أن يزعم أنه لم تتوفر لمثل هؤلاء الصحابة إلا فرصة أو فرصتان لقتل النبي ﷺ ! بل هي فرص كثيرة؛ فالزعم بأن أبا بكر وعمر أراد قتل النبي ﷺ زعم باطل، يعلم قائله أنه سيصير أضحوكة بين العالَمين بسبب قوله الخبيث هذا، لكن لأنهم فقدوا الدين، والعقل، والحياء: فلم يعد يهمهم ما يقال عنهم، وكل همهم تفريغ حقدهم في أصحاب النبي ﷺ ، والسعي في تشويه صورتهم، وأنَّى لعاقل يرى هؤلاء الرافضة وما فعلوه في المسلمين قتلاً وتشريداً، وما فعله سلفهم من الكيد والمكر في أهل السنَّة، أنَّى لعاقل أن يصدِّق ترهاتهم، وتنطلي عليه أكاذيبهم؟!.
٢. وقد كانت الفرص لقتله ﷺ من قبَل نسائه أكثر، وخاصة عائشة ﵂، والتي كان لها ليلتان مع النبي ﷺ كل تسع ليالٍ؛ فقد وهبتها سودة ﵂ ليلتها، والنبي ﷺ كان زوجاً لهن، يختلي بهن، وينام على فراشهن، وكل تلك السنين لم تتوفر فرصة لهن لقتله ﷺ ؟! هكذا يفكر الرافضة، وهذه هي عقولهم التي رضوا بتأجيرها لأشياخهم الفرس، فراحوا يعبثون بها ذات اليمين، وذات الشمال، وراحوا يزينون لهم الباطل لتصديقه، والخرافة لجعلها حقيقة، والشرك لجعله توحيداً، والحمد لله الذي نزَّه عقول المسلمين من أن تتلوث بمثل هذه الأفكار، وقد أكرم الله عبيده بدين مطهَّر، وخصَّ نبيه ﷺ بأشرف الناس بعد الأنبياء ﵈ لصحبته، وخصَّ أطهر النساء ليكنَّ زوجاتٍ له، وأمهات للمؤمنين، وإن مجرد التفكير بمثل تلك الترهات التي يزعمها الرافضة يبعث على الغثيان، فكيف أن تكون اعتقاداً ينام معها الواحد منهم ويقوم؟! .
وأما وجوه الرد التفصيلية:
١. فقد ذكر الكاتب الرافضي، والذي رضي لنفسه بكنية أخيه وشبيهه: " أبو لؤلؤة "! أن أول محاولة اغتيال للنبي ﷺ من قبَل عمر كانت قبل أن يُسلم! فهل هذا الكاتب المجوسي يعي ما يقول ويكتب؟! إذ كيف يعد نية عمر – حال شركه - قتل النبي ﷺ من " محاولات اغتياله "؟! لقد كان على دين مضاد للإسلام، وهو لمَّا يسلم بعد، فماذا تنتظر ممن هذا حاله؟ لقد اجتمع المشركون على قتاله ﷺ أكثر من مرة، وفي أكثر من غزوة، وهذا من الطبيعي أن يفعله من كان متلبساً بالشرك، وله أرباب كثيرون، مع من يدعو إلى التوحيد، ويسفِّه تلك الأرباب والآلهة.
وهذا كله على فرض صحة القصة الواردة في مقاله! والتي فيها خروج عمر متهددا بقتل النبي ﷺ ، والصواب المقطوع به: أنها قصة منكرة، ليس لها إسناد صحيح سالم من علَّة، وأنَّى للرافضة أن يكون لهم نصيب من علم التحقيق والأسانيد؟! .
فالقصة المذكورة المشهورة في إسلام عمر بعد أن كان يريد قتل النبي ﷺ : رواها ابن سعد في " الطبقات " (٣ / ٢٦٧ – ٢٦٩) ، والدارقطني في " السنن " (١ / ١٢٣) مختصرة، والحاكم في " المستدرك " (٤/٥٩ - ٦٠) من طريق إسحاق بن الأزرق، عن القاسم بن عثمان البصري، عن أنس به.
والقاسم بن عثمان البصري هذا هو علَّة الحديث.
قال الذهبي – ﵀ في ترجمته -:
القاسم بن عثمان البصري، عن أنس، قال البخاري: له أحاديث لا يتابع عليها.
قلت: حدَّث عنه إسحاق الأزرق بمتن محفوظ، وبقصة إسلام عمر؛ وهي منكرة جدّاً.
" ميزان الاعتدال " (٣ / ٣٧٥) .
٢. والمحاولة الثانية لاغتيال النبي ﷺ كما يزعم الرافضي: حدثت بعد عودة النبي ﷺ من " تبوك "، حيث تعرَّض له مجموعة من المنافقين، وأرادوا قتله ﷺ بإلقائه من مكانٍ عالٍ، وقد نجَّاه الله تعالى من هذا، وكان المكان الذي تم فيه تلك المحاولة يقال له " العقَبة ".
قال ابن الجوزي – ﵀:
هذا الحديث يشكل على المبتدئين؛ لأن أهل العقبة إذا أطلقوا: فإنما يشار بهم إلى الأنصار المبايعين له، وليس هذا من ذاك، وإنما هذه عقبة في طريق تبوك، وقف فيها قوم من المنافقين ليفتكوا به.
" كشف المشكل من حديث الصحيحين " (١ / ٢٥٧) .
والقصة صحيحة، لا إشكال فيها، لكن الرافضة الكذَبة زعموا أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا من أولئك المنافقين الذين حاولوا قتله ﷺ ، وهو زعم تافه، والوقت أنفس من أن يضيع في الرد عليه، لولا أننا نطمع بإسلام بعض من اغتر بالدين الرافضي، ونطمع بأن نثبت قلوب عامة أهل السنَّة على الحق الذي وفقهم الله لاتباعه.
روى مسلم (٢٧٧٩) من طريق الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ ثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ قَالَ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ وَبَيْنَ حُذَيْفَةَ بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ؛ كَمْ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ؟ ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: أَخْبِرْهُ إِذْ سَأَلَكَ، قَالَ - يعني حذيفة -: كُنَّا نُخْبَرُ أَنَّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْهُمْ فَقَدْ كَانَ الْقَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَشْهَدُ بِاللهِ أَنَّ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْهُمْ حَرْبٌ للهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ، وَعَذَرَ ثَلاثَةً، قَالُوا: مَا سَمِعْنَا مُنَادِيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلا عَلِمْنَا بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ، وَقَدْ كَانَ فِي حَرَّةٍ، فَمَشَى، فَقَالَ: إِنَّ الْمَاءَ قَلِيلٌ فَلا يَسْبِقْنِي إِلَيْهِ أَحَدٌ، فَوَجَدَ قَوْمَاً قَدْ سَبَقُوهُ، فَلَعَنَهُمْ يَوْمَئِذٍ.
انتهى
هذه خلاصة القصة، كما رواها مسلم ﵀، فهل يمكن لعاقل أن يصدِّق أن يترك أبو بكر وعمر ﵄ رفقة النبي ﷺ ، ثم يتلثمان، ويحاولان قتله؟! ولماذا لم يفعلا هذا قبل ذهابهما معه لـ " تبوك "؟ ولماذا لم يفعلا هذا أثناء خلوتهما بالنبي ﷺ ، وهو عليهما يسير؟! وقد أوحى الله تعالى لنبيه محمد ﷺ بأسماء أولئك، وقد عذر منهم ثلاثة، فكيف يكون أولئك الأجلاء منهم ولا ينبه النبي ﷺ المسلمين منهم؟! وكيف يثني عليهما، ويأمر بتقديمهما، ويرضى صحبتهما ونسبهما؟! وكيف يبايع حذيفة ﵁ ذينك الإمامين أبي بكر وعمر وهو يعلم أنهما من المنافقين؛ بل جزم لعمر ﵁ أنه ليس من المنافقين، وقد كان عنده خبر المنافقين من النبي ﷺ ؟!
أسئلة كثيرة ترد إلى القلب الطاهر، والعقل الصريح، ولا جواب عليها إلا أن ما زُعم من الرافضة هو محض كذب، وافتراء، وإن عقلية المؤامرة التي يعيشون معها، ونفسية المريض التي يحيون بها، والعقيدة الخربة التي يعتقدونها، كل ذلك يدفعهم إلى إنشاء مثل تلك الخرافة غير المحبوكة، والتي يضحك منها العقلاء.
إن ناقل هذه القصة هو حذيفة ﵁، وهو يخبر بأن من قام بتلك الفعلة الشنيعة هم " أهل العقبة "، وأين أبو بكر وعمر منهم؟! وكيف يفعل الرافضة في الروايات التي صرَّحت بأسماء أولئك المنافقين وليس بينهم من ذكروا من الصحابة الأجلاء؟! .
قال ابن كثير – ﵀:
وقد ترجم الطبراني في " مسند حذيفة " تسمية أصحاب " العقبة "، ثم روى عن علي بن عبد العزيز عن الزبير بن بكار أنه قال: هم مُعَتِّب بن قشير، ووديعة بن ثابت، وجد بن عبد الله بن نَبْتَل بن الحارث من بني عمرو بن عوف، والحارث بن يزيد الطائي، وأوس بن قَيْظِي، والحارث بن سُوَيْد، وسعد بن زرارة، وقيس بن فهد، وسويد وداعس من بني الحبلي، وقيس بن عمرو بن سهل، وزيد بن اللصيت، وسلالة بن الحمام، وهما من بني قينقاع أظهرا الإسلام.
" تفسير ابن كثير " (٤ / ١٨٢، ١٨٣) .
وقد لبَّس صاحب المقال على الناس بالنقل عن " ابن حزم " ﵀ مرتين:
الأولى: زعمه أن " الوليد بن جُميع " له رواية يذكر فيها أسماء الصحابة الذين شاركوا في مؤامرة الاغتيال تلك، وبما أن ابن حزم يضعف هذا الرواي: فإنه يلزم قبول الرواية عند من يوثقه، ويحسن حديثه! .
والثانية: ذِكر كتاب ابن حزم المسمى بـ " المحلى " كأحد مصادر وجود تلك الرواية التي احتوت على أسماء أولئك الصحابة.
وهذا نص كلامه:
ابن حزم في " المحلى بالآثار " ج١٢ ح ٢٢٠٣ كتاب الحدود يقول:
" وأما حديث حذيفة: فساقط؛ لأنه من طريق الوليد بن جميع، وهو هالك! ولا نراه يعلم من وضع الحديث؛ فإنه قد روى أخباراً فيها أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، ﵃: أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وآله، وإلقاءه من " العقبة " في " التبوك "!! ".
نرى أن ابن حزم يُسقط الحديث لوليد بن جميع، والحال: أن وليد من رجال البخاري، ومسلم، وسنن أبي داود، وصحيح ترمذي، وسنن نسائي، والحال: أن كثيراً من كتب الرجال صرحوا بواقة! وليد بن جميع.
انتهى
والرد على ذلك من وجوه:
١. " الوليد بن جُميع " ليس من رجال البخاري؛ إذ لم يرو له في الصحيح حديثاً واحداً، بل روى له خارجه، ومثله لا يقال عنه " من رجال البخاري ".
٢. أخطأ ابن حزم ﵀ في وصف الوليد بالهلاك، وأعدل الأقوال فيه أنه " صدوق يهم " كما وصفه به الحافظ ابن حجر في التقريب.
وفي " الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم (٩ / ٨) :
عن الإمام أحمد وأبي زرعة أنهما قال فيه: " ليس به بأس "، وأن يحيى بن معين وثقه، وقال أبو حاتم الرازي: " صالح الحديث ".
٣. لا يُعرف في الدنيا إسناد فيه ذِكر أولئك الصحابة الأجلاء أنهم اشتركوا في محاولة قتل النبي ﷺ ، وابن حزم يضعف ذلك الراوي أصلاً، قبل هذا الحديث، والمفهوم من كلامه ﵀ أن وضع أسماء أولئك الصحابة كان مقحماً في إسناد الوليد الأصلي للحديث، وأنه لا دخل له به، ومما قاله ابن حزم ﵀ في هذا الصدد: " ولا نراه يَعلم مَن وضع الحديث "، فالحديث بذكر أولئك الصحابة مكذوب قطعاً على الوليد بن جُمَيع ﵀، ومن هنا كان لا بدَّ من تبيه المسلمين على ما حذفه ذلك الرافضي من كلام ابن حزم ﵀، فإنه قال بعدها مباشرة:
" وهذا هو الكذب الموضوع، الذي يَلعن الله تعالى واضعَه، فسقط التعلق به، والحمد لله رب العالمين ".
" المحلى " (١١ / ٢٢٤) .
فانظر كيف دلَّس، ولبَّس، في نقله عن ابن حزم ﵀، وهذا الدعاء الذي دعا به ابن حزم ﵀ لا يمكن إلا أن يصيب رافضيّاً؛ لأنهم هم الذين يكذبون مثل هذه الأكاذيب، ويركبونها على أسانيد صحيحة، مشهورة.
٤. ولو أننا جعلنا ذِكر أسماء المنافقين الذين ذكرهم الزبير بن بكار، والواردة أسماؤهم في رواية البيهقي في " دلائل النبوة " من الضعيف غير المقبول: فإننا نقول: إن النبي ﷺ استأمن حذيفة ﵁ على أسمائهم، وهو أمين سر النبي ﷺ ، وكاتمه، فمِن أين عرفوا أسماء أولئك الملثمين من المنافقين الذين هموا بقتله ﷺ ؟! وللإجابة على هذا السؤال كذب الرافضة فزعموا أن حذيفة ﵁ أخبر بأسمائهم! فانظر إليهم كيف جعلوا حذيفة خائناً للسر، وليس المهم عندهم إلا تحقيق مأربهم من الطعن في أجلاء الصحابة ﵃، ولا يهمهم الثمن الذي يبذلونه من أجل ذلك.
قال ذلك الرافضي المجوسي في مقاله:
" وفي زمن حكم عثمان بن عفان صرَّح حذيفة بن اليمان رضوان الله عليه بأسماء الذين حاولوا قتل النبي في العقبة، وكان منها أسماء أبو بكر، وعمر، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبا موسى الاشعري، وأبو سفيان بن حرب، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف.
المصدر: " المحلى " لابن حزم الأندلسي ج ١١ ص ٢٢٥، و" منتخب التواريخ " ص ٦٣ ".
انتهى كلامه بما فيه من أخطاء نحوية وركاكة.
والرد على هذا من وجوه مختصرة:
أ. أنتم بذلك جعلتم حذيفة رضي الله خائناً لسر النبي ﷺ ، ومن كان كذلك فهو حري أن لا يُقبل كلامه! وقد ائتمنه النبي ﷺ عموماً بكتم أسماء المنافقين، وتحديداً أسماء هؤلاء، فكيف تترضون عنه مع خيانته للأمانة؟! وأما نحن فننزه حذيفة ﵁ عن خيانة الأمانة، ونجزم بأنه لم يفعل ما تفترونه عليه.
ب. أين الرواية التي فيها إخبار حذيفة بأسماء من نوى قتل النبي ﷺ ؟! وما هو إسنادها؟ .
ج. ما ذكروه هنا يؤكد ما قلناه من براءة " الوليد بن جمَيع " من الكذب، وذِكر أسماء أولئك الأجلاء من الصحابة، فروايته للحديث كانت خالية من الأسماء، والرافضة قد نسبوا الإخبار بتلك الأسماء لحذيفة ﵁! فليس توثيق الوليد يعني قبول الرواية التي فيها أسماء أولئك الصحابة – كما سبق ذِكره – فهو ليس موجوداً في إسنادها، بل الرواية نفسها ليست موجودة أصلاً! .
د. إحالتهم على " المحلى " من التدليس، والتلبيس، فابن حزم ﵀ كذَّب الرواية التي فيها ذِكر تلك الأسماء، وغير خافٍ على أحد عظيم كذب الرافضة.
هـ. إحالتهم على " منتخب التواريخ " ليس بنافعهم؛ لسبيين:
الأول: الكتاب مؤلفه محمد هاشم الخراساني، وهو رافضي خبيث، متأخر الوفاة (ت: ١٣٥٢هـ) ، فهو قريب العهد جدا من ذلك الكذاب الذي نناقشه.
الثاني: لا يقبل كلام أحد غير مسنَد، ولو كان ثمة إسناد لنقلوه فرحين.
٥. لا يلزم من مخالفة الأئمة لابن حزم في الحكم على " الوليد بن جُميع " أن تكون الرواية التي فيها أسماء: أبي بكر، وعمر، وعثمان، ومن معهم: صحيحة؛ إذ لا وجود لها أصلاً، وإنما يلزم الأئمة قبول رواية مسلم التي فيها ذِكر الحادثة من طريق " الوليد "، ولا نعلم أحداً من المشتغلين بالحديث يقدِّم ابن حزم على مَن ذكرنا مِن أئمة الشأن مِن أهل الحديث.
٦. وعليه: فثمة أمران:
الأول: الرواية الأصلية التي في صحيح مسلم من غير ذِكر أسماء أحد من المنافقين الذين هموا بقتل النبي ﷺ : ضعيفة عند ابن حزم؛ لضعف الوليد بن جُميع عنده، وقد سبق أن ضعفه في حديث حذيفة وأبيه عندما عاهدوا المشركين على عدم قتالهم في " بدر "، والحديث رواه مسلم أيضاً.
والثاني: الرواية التي فيها ذِكر أسماء من قام بتلك المحاولة، والتي فيها ذِكر أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وغيرهم: موضوعة، مكذوبة موضوعة، كما قال ابن حزم ﵀! وقد دعا ﵀ على من افتراها، وجزم بكذبها، وليست علة الرواية هذه وجود الوليد بن جميع، وإنما افتراها كذاب مجهول، وألصقها برواية الوليد، وقد جزم ابن حزم ﵀ بأن الوليد لا يعلم من وَضعها، وهو الذي نجزم به.
٧. والعجيب عندنا هو أنه لا توجد رواية عند الرافضة في إثبات أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، ﵃ حاولوا اغتيال النبي ﷺ في " عقبة تبوك "، ولم يجدوا ما يتعلقوا به غير كلام ابن حزم ﵀، ولنسمل عيونهم، ونرغم أنوفهم بهذا النقل عنه، لعلهم يكفوا عن الاستدلال بكلامه.
قال – ﵀:
وأما قولهم – أي: النصارى - في دعوى الروافض تبديل القرآن: فإن الروافض ليسوا من المسلمين! إنما هي فرَقة حدثَ أولُّها بعد موت رسول الله ﷺ بخمس وعشرين سنة، وكان مبدؤها: إجابة ممن خذله الله تعالى لدعوة مَن كاد الإسلام، وهي طائفة تجري مجرى اليهود والنصارى في الكذب، والكفر!!
وهي طوائف، أشدهم غلوّاً: يقولون بإلهية علي بن أبي طالب، وإلهية جماعة معه، وأقلهم غلوّاً: يقولون إن الشمس رُدَّت على علي بن أبي طالب مرتين، فقومٌ هذا أقل مراتبهم في الكذب: أيُستشنع منهم كذب يأتون به؟! .
وكل مَن لم يزجره عن الكذب ديانة، أو نزاهة نفس: أمكنه أن يكذب ما شاء، وكل دعوى بلا برهان: فليس يَستدل بها عاقل، سواء كانت له، أو عليه، ونحن إن شاء الله تعالى نأتي بالبرهان الواضح الفاضح لكذب الروافض فيما افتعلوه من ذلك.
" الفِصَل في الملل والأهواء والنِّحَل " (٢ / ٦٥) ط الخانجي، و (٢ / ٢١٣) ط الجيل.
فسقط – بفضل الله – تعلق الرافضة المجوس بتلك الرواية غير الموجودة أصلاً، وتبين للناس أن ابن حزم ﵀ يجزم بكذبها، فما نراه في مواقع الرافضة من تعلقهم بكلام ابن حزم ﵀ قد تبين لهم وجهه، وأنه لا يفيدهم في إثبات دعواهم، والحمد لله رب العالمين.
ثالثاً:
أما المحاولة الثالثة لاغتيال النبي ﷺ ، والتي نجحت بزعم الرافضة: فهي زعمهم أن عائشة وحفصة ﵄ قد وضعتا السم في فم النبي ﷺ ، وأنه مات نتيجة لذلك! وأن ذلك الفعل منهما كان بتحريض أبويهما: أبي بكر وعمر، ﵄.
وكان مما قاله ذلك الأفاك الأثيم:
" وهذه الروايات الموثق في كتب الحديث عند أهل السنة تكشف أن هناك مؤامرة كبرى دبرها المخططون لقلب النظام الإسلامي، والسيطرة على دفة الحكم، وذلك لاغتيال الرسول ﵌، وتجريعه سمّاً على أنه دواء للشرب! ".
انتهى
وقال:
" والأرجح! أنَّ من نفذ هذه العملية هي عائشة وحفصة! زوجتا النبي صلى الله عليه وآله، وبتخطيط من عمر بن الخطاب، وأبي بكر، وأمرٍ منهما؛ حيث إن المستفيد الأكبر: هما، وهما اللذان تحققت أهدافهما، ومصالحهما بقتل النبي صلى الله عليه وآله ".
انتهى
وهذا نص الرواية، وكلام العلماء فيها، وأوجه الرد على الرافضة في زعمهم الكاذب:
عن عَائِشَة قالت: لَدَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا (لَا تَلُدُّونِي) ، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ بِالدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: (أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي) ، قُلْنَا: كَرَاهِيَةٌ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ، إِلَّا الْعَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ) .
رواه البخاري (٦٥٠١) ومسلم (٢٢١٣) .
وعن أَبي بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَتَشَاوَرَ نِسَاؤُهُ فِي لَدِّهِ، فَلَدُّوهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: (مَا هَذَا؟) ، فَقُلْنَا: هَذَا فِعْلُ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هَاهُنَا - وَأَشَارَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ - وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فِيهِنَّ قَالُوا: كُنَّا نَتَّهِمُ فِيكَ ذَاتَ الْجَنْبِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (إِنَّ ذَلِكَ لَدَاءٌ مَا كَانَ اللَّهُ لَيَقْرَفُنِي بِهِ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلَّا الْتَدَّ، إِلَّا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – يَعْنِي: الْعَبَّاسَ -) .
قَالَ: فَلَقَدْ الْتَدَّتْ مَيْمُونَةُ يَوْمَئِذٍ، وَإِنَّهَا لَصَائِمَةٌ، لِعَزْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
رواه أحمد (٤٥ / ٤٦٠) وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٣٣٣٩) .
اللّدود: هو الدواء الذي يُصب في أحد جانبي فم المريض، أو يُدخل فيه بأصبع وغيرها ويحنك به، وأما الوُجور: فهو إدخال الدواء في وسط الفم، والسُّعوط: إدخاله عن طريق الأنف.
وذات الجنب: ورمٌ حار يَعْرِضُ فى نواحى الجَنب فى الغشاء المستبطن للأضلاع.
ويلزم ذاتَ الجنب الحقيقى خمسةُ أعراض، وهى: الحُمَّى، والسعال، والوجع الناخس، وضيق النَّفَس، والنبضُ المنشاري.
ينظر: " زاد المعاد في هدي خير العباد " (٤ / ٨١ – ٨٣) .
ولنا مع هاتين الروايتين وقفات:
١. إن مَن نقل هذه الحادثة للعالَم هو عائشة ﵂! فكيف تنقل للناس قتلها لنبيها، وزوجها، وحبيبها، صلى اله عليه وسلم؟! وكذلك روت الحادثةَ أم سلمة، وأسماء بنت عُمَيس، ﵄، وكل أولئك متهمات في دينهن عند الرافضة، ومشاركات في قتله ﷺ ! ومع ذلك قبلوا روايتهن لهذا الحديث؛ فاعجبوا أيها العقلاء!
٢. كيف عرف الرافضة المجوس مكونات الدواء الذي وضعته عائشة للنبي ﷺ ؟! .
٣. النبي ﷺ أمر بأن يوضع الدواء نفسه في فم كل من كان في الغرفة، إلا العباس ﵁، فلماذا مات هو ﷺ منه، ولم يموتوا هم؟! .
٤. لماذا لم يخبر النبي ﷺ عمَّه العباس ﵁ بما فعلوه من وضع السم في فمه ﷺ حتى يقتص ممن قتله؟! إذا قلتم أخبره: فأين الدليل على إخباره، وإن قلتم: لم يخبره: فكيف علمتم أنه سمٌّ وليس دواء، والعباس نفسه لم يعلم؟! .
٥. السم الذي وضعته اليهودية في الطعام الذي قُدِّم للنبي ﷺ كُشف أمره من الله تعالى، وأخبرت الشاةُ النبيَّ ﷺ أنها مسمومة، فلماذا لم يحصل معه ﷺ الأمر نفسه في السمّ! الذي وضعته عائشة في فمه؟! .
٦. لم يُعط الدواء للنبي ﷺ من غير علَّة، بل أعطيه من مرضٍ ألمَّ به.
٧. لم يُعط النبي ﷺ الدواء إلا بعد أن تشاور نساؤه ﵅ في ذلك الإعطاء.
٨. لا ننكر أن يكون النبي ﷺ مات بأثر السم! لكن أي سم هذا؟ إنه السم الذي وضعته اليهودية للنبي ﷺ في طعام دعته لأكله عندها، وقد لفظ ﷺ اللقمة؛ لإخبار الله تعالى بوجود السم في الطعام، فأخبر النبي ﷺ في آخر أيامه أنه يجد أثر تلك اللقمة على بدنه، ومن هنا قال من قال من سلف هذه الأمة إن الله تعالى جمع له بين النبوة والشهادة.
والعجيب أن بعض الرافضة يُنكرون هذه الرواية، ويبرؤون اليهود من تلك الفعلة الدنيئة، مع تواتر الرواية، وصحة أسانيدها، ومع إخبار الله تعالى أن اليهود يقتلون النبيين، ومع ذلك برأتهم الرافضة! وغير خاف على مطلع سبب ذلك الدفاع عن اليهود من قبَل الرافضة، وما ذاك إلا لأن مؤسس هذا المذهب هو " عبد الله بن سبأ " اليهودي! فصار من الطبيعي أن يُبرَّأ اليهود مع صحة الرواية، وتلصق التهمة بأجلاء الصحابة مع عدم وجود مستند صحيح، ولا ضعيف! .
٩. من الواضح في الرواية أن نساء النبي ﷺ لم يفهمن من نهي النبي ﷺ بعدم لدِّه أنه نهي شرعي، بل فهموا أنه من كراهية المريض للدواء، وفهمهم هذا ليس بمستنكر في الظاهر، وقد صرَّحوا بهذا، وإن لم يكن لهم عذر عند النبي ﷺ ؛ لأن الأصل هو الاستجابة لأمره ﷺ ، قد أخطؤوا في تشخيص دائه ﷺ ، لذا فقد ناولوه دواء لا يناسب علته.
قال الحافظ ابن حجر – ﵀:
وإنما أنكر التداوى لأنه كان غير ملائم لدائه؛ لأنهم ظنوا أن به " ذات الجنب "، فداووه بما يلائمها، ولم يكن به ذلك، كما هو ظاهر في سياق الخبر، كما ترى.
" فتح الباري " (٨ / ١٤٧، ١٤٨) .
١٠. وهل اقتص منهم ﷺ ، أم أراد تأديبهم؟ الظاهر أن ما فعله ﷺ من إلزامهم بتناول ذلك اللدود أنه من باب التأديب، ومما يدل على أنه ليس من باب القصاص: أنه لم يلزمهم بالكمية نفسها التي وضعوها له.
قال أبو جعفر الطحاوي – ﵀
فإن قال قائل: فهل كان ما أمر أن يُفعل قصاصاً ممن أمر أن يفعل ذلك به مما فعلوه به؟ قيل له: قد يحتمل أن يكون ذلك كان منه على العقوبة، والتأديب , حتى لا يَعُدن إلى مثله , ومما يدل على أن ذلك ليس على القصاص: أنه لم يَأمر أن يُلدُّوا بمقدار ما لَدُّوه به من الدواء؛ لأنه لو كان قصاصاً: لأمر أن يُلدوا بمقدار ما لَدوه به، لا بأكثر منه.
" شرح مشكل الآثار " (٥ / ١٩٨) .
وقال الحافظ ابن حجر – ﵀:
والذي يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم؛ لئلا يعودوا، فكان ذلك تأديباً، لا قصاصاً، ولا انتقاماً.
" فتح الباري " (٨ / ١٤٧) .
١١. الاشتباه بنوع مرضه ﷺ : محتمل؛ لأن كلاًّ منهما – أي: ما كان فيه ﷺ من مرض، وما ظنوه – له الاسم نفسه، فكلاهما يُطلق عليه " ذات الجنب "، وكلاهما له مكان الألم نفسه، وهو " الجنب ".
قال ابن القيم – ﵀:
وذاتُ الجنب عند الأطباء نوعان: حقيقي، وغيرُ حقيقي، فالحقيقي: ورمٌ حار يَعْرِضُ في نواحي الجَنب، في الغشاء المستبطن للأضلاع، وغير الحقيقي: ألم يُشبهه يَعْرِضُ في نواحي الجنبِ، عن رياح غليظة، مؤذيةٍ، تحتقِن بين الصِّفاقات – وهي الأغشية التي تغلف أعضاء البطن -، فتُحْدِث وجعاً قريباً من وجع ذات الجنب الحقيقي، إلا أن الوجعَ فى هذا القسم ممدودٌ، وفي الحقيقي ناخسٌ.
وقال:
والعلاج الموجود في الحديث: ليس هو لهذا القسم، لكن للقسم الثاني الكائن عن الريح الغليظة، فإنَّ القُسْطَ البحري - وهو العود الهندى على ما جاء مفسَّراً فى أحاديث أُخَر - صِنفٌ من القُسْط، إذا دُقَّ دقاً ناعماً، وخُلِط بالزيت المسخن، ودُلِكَ به مكانُ الريح المذكور، أو لُعِق: كان دواءً موافقاً لذلك، نافعاً له، محلِّلاً لمادته، مُذْهِباً لها، مقويّاً للأعضاء الباطنة، مفتِّحاً للسُّدد، والعودُ المذكور فى منافعه كذلك.
" زاد المعاد في هدي خير العباد " (٤ / ٨١، ٨٢) .
فهنَّ ﵅ اعتقدن أن مرضه ﷺ هو الأول الحقيقي، وهو الذي استبعد النبي ﷺ أن يبتليه الله به، وقد ناولوه دواء المرض الآخر، وكان الدواء هو " القُسط الهندي " وقد دقوه وخلطوه بزيت – كما في رواية الطبراني -، وهو مفيد لمن تناوله حتى لو لم يكن به مرض، لذا فقد أمر النبي ﷺ كل من شارك في إعطائه له، ومن رضي به: أمر أن يلد به! ولو كان فيه ضرر لم يكن ليأمر بذلك ﷺ .
١٢. ليس في الروايتين – ولا في غيرها – ذِكرٌ لأبي بكر وعمر ﵄، وإنما الذي تشاور في الأمر هم نساؤه ﵅، ولا فيهما أن عائشة وحفصة استشارتا أبويهما في ذلك التصرف.
وبما سبق يتبين – بفضل الله وتوفيقه – عدم ثبوت أيٍّ من مزاعم ذلك الرافضي، ومثله ما زعمه من سمِّي " نجاح الطائي " في كتابه الهالك " هل اغتيل النبي محمَّد ".
ولقد تبين لنا، كلما رددنا على الرافضة شبهة من شبهاتهم، ضحالة تفكيرهم، وسوء معتقدهم، كما تبين لنا قوة أهل السنَّة في حجتهم، وصحة أدلتهم، واستدلالاتهم، وهي نعمة عظيمة منَّ الله بها أن أخرجنا من الظلمات إلى النور، وأن رزقنا منهجاً سليماً، وطريقاً مستقيماً، وأبان لنا المحجة، وأنار لنا الدرب، فلا يزيغ عن الطريق بعد ذلك إلا هالك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15170
الذين آمنوا بالنبي ﷺ في حياته ولم يروه يسمون "المخضرمون "
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا يُسَمَّى الناس الذين كانوا أحياء في زمان النبي ﷺ ، وأسلموا لكنهم لم يروا النبي ﷺ ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من لم يتشرف بلقيا النبي ﷺ مباشرة فليس من الصحابة، ولذلك فقد عد المحدثون جميع من أسلم في حياة النبي ﷺ دون أن يروه من التابعين، وأطلقوا عليهم اسم " المخضرمون من التابعين ". لأنهم أدركوا الجاهلية والإسلام.
قال أبو عبد الله الحاكم ﵀:
" فأما المخضرمون من التابعين ـ هم الذين أدركوا الجاهلية وحياة رسول الله ﷺ وليست لهم صحبة ـ فهم: أبو رجاء العطاردي، وأبو وائل الأسدي، وسويد بن غَفَلَة، وعثمان النهدي، وغيرهم من التابعين " انتهى.
" معرفة علوم الحديث " (ص/٤٤) .
وقال الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح ﵀:
" المخضرمون من التابعين: هم الذين أدركوا الجاهلية وحياة رسول الله ﷺ وأسلموا ولا صحبة لهم. واحدهم مخضرَم - بفتح الراء - كأنه خُضْرِم: أي قُطع عن نظرائه الذين أدركوا الصحبة وغيرها. وذكرهم (مسلم) فبلغ بهم عشرين نفسا منهم:
أبو عمرو الشيباني، وسويد بن غفلة الكندي، وعمرو بن ميمون الأودي، وعبد خير بن يزيد الخَيْوَانِي، وأبو عثمان النهدي، وعبد الرحمن بن مل، وأبو الحَلَال العَتَكي ربيعة بن زرارة " انتهى.
" المقدمة " (١٧٩)
والمخضرم مأخوذ من الشيء المتردد بين أمرين.
قال الحافظ العراقي ﵀:
" المخضرم متردد بين الصحابة لإدراكه زمن الجاهلية والإسلام، وبين التابعين لعدم رؤية النبي ﷺ ، فهو متردد بين أمرين " انتهى باختصار.
" التقييد والإيضاح " (ص/٣٢٣)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15171
وجوب الكف عما شجر بين أصحاب النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[هل صحيح أن علي بن أبي طالب وعثمان رضي عنهما قتلهما أشخاص مسلمون؟ وهل يمكن توضيح ما المشكلة التي دارت بين الصحابة في تلك الحقبة وما هي الكتب التي تحدثت عن هذا الموضوع؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اعلم يا أخي – وقانا الله وإياك الفتن، ما ظهر منها وما بطن – أن أصحاب محمد ﷺ هم أفضل أصحاب لأفضل نبي، وخاصة الخلفاء الأربعة الراشدين المهديين.
قال الله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) التوبة/١٠٠.
قال ابن كثير ﵀:
" قد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويل من أبغضهم أو سَبَّهم أو أبغض أو سبَّ بعضهم " انتهى.
"تفسير ابن كثير" (٤/٢٠٣) .
وقال الله تعالى عن المهاجرين: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) الحشر/٨،
وقال سبحانه عن الأنصار: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) الحشر/٩.
وقال عن الذين جاءوا من بعدهم من المؤمنين: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)
الحشر/١٠.
أما ما حصل بين الصحابة من الاختلاف والاقتتال: فيجب علينا الكف عنه، مع اعتقاد أنهم أفضل الأمة، ومحبتهم والترضي عنهم، وعلى هذا تتابعت كلمة أهل السنة والجماعة.
سئل عمر بن عبد العزيز ﵀ عن علي وعثمان والجمل وصفين وما كان بينهم؟
فقال: (تلك دماء كف الله يدي عنها، وأنا أكره أن أغمس لساني فيها) .
"الطبقات الكبرى" (٥/٣٩٤) .
وسأل رجل الإمام أحمد بن حنبل عما جرى بين علي ومعاوية؟ فأعرض عنه، فقيل له: يا أبا عبد الله، هو رجل من بني هاشم، فأقبل عليه فقال: اقرأ: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي (ص١٢٦) .
وقال الإمام أحمد أيضا بعد أن قيل له: ما تقول فيما كان بين علي ومعاوية؟ قال: (
ما أقول فيهم إلا الحسنى) .
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي (ص١٦٤) .
وقال الميموني: " قال لي أحمد بن حنبل: يا أبا الحسن، إذا رأيت رجلا يذكر أحدا من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام. وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل تنقص معاوية وعمرو بن العاص أيقال له رافضي؟ فقال إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحدا من الصحابة إلا وله داخلة سوء " انتهى.
"البداية والنهاية" (٨/١٣٩) .
وقال أبو زرعة الرازي:
" إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة " انتهى.
"الكفاية في علم الرواية" (ص ٤٩) .
وقال القرطبي:
" لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله ، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر، لحرمة الصحبة ولنهي النبي ﷺ عن سبهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم " انتهى.
"تفسير القرطبي" (١٦/٣٢١) .
وقال ابن أبي زيد القيرواني وهو بصدد عرضه لما يجب أن يعتقده المسلم في أصحاب رسول الله ﷺ وما ينبغي أن يذكروا به قال: " وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر، والإمساك عما شجر بينهم، وأنهم أحق الناس أن يلمس لهم أحسن المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب " انتهى.
"عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام" (٢/٧٣٤) .
وقال أبو عبد الله بن بطة ﵀ أثناء عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة: " ومن بعد ذلك نكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فقد شهدوا المشاهد معه وسبقوا الناس بالفضل، فقد غفر الله لهم وأمرك بالاستغفار لهم والتقرب إليه بمحبتهم، وفرض ذلك على لسان نبيه وهو يعلم ما سيكون منهم وأنهم سيقتتلون، وإنما فضلوا على سائر الخلق لأن الخطأ والعمد قد وضع عنهم، وكل ما شجر بينهم مغفور لهم ".
"كتاب الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة" (ص/٢٦٨) .
وقال أبو عثمان الصابوني وهو بصدد عرض عقيدة السلف وأصحاب الحديث:
" ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيباً ونقصاً فيهم، ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم ".
"عقيدة السلف وأصحاب الحديث - ضمن مجموعة الرسائل المنيرية" (١/١٢٩) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
" من أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) الحشر/١٠.
وطاعة النبي ﷺ في قوله: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) .
ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم.
ولا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم.
ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه أو أتى بحسنات تمحوه أو غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد ﷺ الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا فلهم أجر واحد والخطأ مغفور لهم؟
ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح.
ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله به عليهم من الفضائل علم يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم هم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله تعالى " انتهى باختصار.
"مجموع الفتاوى" (٣/١٥٢- ١٥٦) .
وقال الحافظ ابن حجر:
" اتَّفَقَ أَهْل السُّنَّة عَلَى وُجُوب مَنْع الطَّعْن عَلَى أَحَد مِنْ الصَّحَابَة بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ عَرَفَ الْمُحِقّ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا فِي تِلْكَ الْحُرُوب إِلَّا عَنْ اِجْتِهَاد، وَقَدْ عَفَا اللَّه تَعَالَى عَنْ الْمُخْطِئ فِي الِاجْتِهَاد , بَلْ ثَبَتَ أَنَّهُ يُؤْجَر أَجْرًا وَاحِدًا وَأَنَّ الْمُصِيب يُؤْجَر أَجْرَيْنِ " انتهى.
"فتح الباري" (١٣/٣٤) .
ومثل هذا كثير في كلام أهل العلم، وهو المتعين الأخذ به؛ لأن فيه العصمة من الزلل، والتعريف بحق أفضل الناس بعد النبيين.
أما عن مقتل عثمان وعلي ﵄، فلا شك أنهما قتلا مظلومين، ونشهد لهما بالجنة، ونشهد على من تلبس بهذا الأمر أو شارك فيه أو رضيه، أو علمه ولم ينكره بأنه ضال مضل خبيث الطوية، متبع غير سبيل المؤمنين، والله يحاسبه يوم القيامة على صنيعه، وسيحكم الله تعالى بينهم يوم القيامة. (قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15172
سنيَّة ودخلت مواقع الرافضة وحضرت مناقشاتهم مع أهل السنة وحصل عندها اضطراب
[السُّؤَالُ]
ـ[عقيدتي في خطر؛ فأرجوك: إن كان وقتك ضيقا، ولا تستطيع الجواب على رسالتي، فدلني على إيميل شيخ، أو مشايخ، أو أرسلها أنت لمن ينقذني، لا تهملها، أرجوك. دعني أخبرك في البداية عن مذهبي حتى لا تعتقد غيره: أنا فتاة سنيَّة من أسرة متدينة؛ ولكن مشكلتي أني أدخل " النت " في مسائل المذهبين: السني، والشيعي، ودخلت في متاهات الحوارات القائمة دون علم كافي يسندني، وللأسف الشديد وقعت في المتاهة، أنا مقتنعة جدّاً بمذهبي، وأمقت المذهب الشيعي، ولكني أصبت بسهام التجريح لشخصيات أعتبرها أعلاماً شامخة في حياتي، وهم الصحابة رضوان الله عليهم، دون علم يكفيني. سأكون صريحة معك للغاية في طريقة طرحي، فأنا أريد أجوبة مقنعة لي، فأرجوك لا تهملني.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله أن يثبتك على الحق، وأن يرزقك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً متقبَّلاً، وقد رأينا ذِكر بعض الملاحظات لكِ قبل البدء بنقض شبهات أولئك الرافضة، فنقول ـ أيتها السائلة الكريمة ـ:
١. ثمة مواقع متخصصة بالفتاوى، وإجابة السائلين – وموقعنا هذا منها -، فمراسلة هذه المواقع أنفع لك وأجدى، وأسرع في حصول المأمول، فاحرصي – في المستقبل – على مراسلتها لتري جواباً على سؤالك في أسرع وقت إن شاء الله ويسَّر، وندلك على موقع " الشبكة الإسلامية " فهو من المواقع الموثوقة عندنا.
٢. لم يكن ينبغي لك مراسلة المواقع على اختلاف دين أهلها ومناهجهم؛ فإن من شأن هذا أن يزيد في حيرتك، ويولِّد لديك شكوكاً في قواعد دينك، وأصوله، وهو ما حصل من إجابات ذلك الرافضي، والتي كان لها أسوأ الأثر عليك بما فيها من انحراف وضلال.
٤. ولم يكن جائزاً لك ـ من الأصل ـ الدخول في نقاشات أهل السنة مع الرافضة، لا كتابة، ولا صوتاً؛ وقد حذَّر العلماء – قديماً وحديثاً – من السماع والقراءة لأهل البدع، والضلال؛ خشية التأثر بكلامهم، فضلاً عن عدم جواز الدخول معهم في نقاش وجدال في الشرع، وإنما يجوز ذلك – وقد يجب أحياناً – على المتخصصين في الشرع، ممن يعرفون دينهم، ويعرفون مداخل الشبَه على فرق الضلال تلك.
قال الإمام أحمد ﵀:
الذي كنَّا نسمع، وأدركنا عليه مَن أدركنا مِن أهل العلم: أنهم كانوا يكرهون الكلام، والجلوس، مع أهل الزيغ , وإنما الأمور في التسليم، والانتهاء إلى ما كان في كتاب الله، أو سنة رسول الله ﷺ ، لا في الجلوس مع أهل البدع، والزيغ، لترد عليهم , فإنهم يلبِّسون عليك، ولا هم يرجعون , فالسلامة إن شاء الله في ترك مجالستهم، والخوض معهم في بدعتهم، وضلالتهم.
" الإبانة الكبرى " لابن بطة (٢ / ٤٧١، ٤٧٢) .
وقال شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني ﵀ – في بيان اعتقاد أهل السنَّة والجماعة -:
ويجانبون أهل البدع والضلالات، ويعادون أصحاب الأهواء والجهالات، ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم، ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالأذان، وقرّتْ في القلوب: ضرَّت، وجرَّت إليها من الوساوس، والخطرات الفاسدة ما جرَّت، وفيه أنزل الله قوله: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) الأنعام/ من الآية ٦٨.
" عقيدة السلف أصحاب الحديث " (ص ٩٩، ١٠٠) .
وقال الذهبي ﵀:-
أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة، والشبَه خطَّافة.
" سيَر أعلام النبلاء " (٧ / ٢٦١) .
وينظر – لمزيد فائدة – جوابي السؤاليْن: (٩٢٧٨١) و (٩٦٢٣١) .
ثانياً:
الرافضة قومٌ بهت، كذبوا على الله، وعلى نبيه ﷺ ، وعلى آل البيت، وهم يزعمون تعظيمهم، فكيف سيَصْدُقون في أعدائهم، وهم الصحابة ﵃؟! ولذلك كانوا شرَّ أهل الأهواء، وأضلهم، بل وأحمقهم، وهم ـ في حقيقة أمرهم، وآخر مذهبهم ـ أعداء للدين الذي ينتسبون إليه؛ إذ لا دين إلا ما نقله أولئك الصحابة، ولا قرآن إلا ما قرؤوه وأقرؤوه، ولا سنَّة نبوية إلا ما بلغوها، وهذا هو الإسلام الذي طعنوا فيه، وكفروا بتشريعاته بتكفيرهم للصحابة، وتكذيبهم فيما نقلوه، ولم يسمِّهم السلف أهل أهواء عبثاً، بل هو لفظ مطابق لحالهم.
قال الإمام الشعبي – ﵀:
يا مالك – وهو: ابن مغول - إني قد درستُ الأهواء، فلم أرَ فيها أحمق من " الخشبية " - فلو كانوا من الطير لكانوا رَخَماً، ولو كانوا من الدواب لكانوا حُمُراً، يا مالك لم يدخلوا في الإسلام رغبة فيه لله، ولا رهبة من الله، ولكن مقتاً من الله عليهم، وبغياً منهم على أهل الإسلام، يريدون أن يغمصوا دين الإسلام كما غمص بولص بن يوشع ـ ملك اليهود ـ دينَ النصرانية، ولا تجاوز صلاتُهم آذانَهم، قد حرقهم علي ن أبي طالب ﵁ بالنار، ونفاهم من البلاد، مِنهم: عبد الله بن سبأ، يهودي من يهود صنعاء، نفاه إلى ساباط، وأبو بكر الكروس، نفاه إلى الجابية، وحرَّق منهم قوماً أتوه فقالوا: أنت هو، فقال: من أنا؟ فقالوا: أنت ربُّنا، فأمر بنار فأججت، فأُلقوا فيها، وفيهم قال علي ﵁:
لما رأيتُ الأمر أمراً منكرا ... أججتُ ناري ودعوتُ قنبرا
انظري " منهاج السنَّة النبوية " لابن تيمية (١ / ٢٩، ٣٠) .
و" الخشبية " هم الرافضة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " كما كانوا يسمَّون " الخشبية " لقولهم: " إنا لا نقاتل بالسيف إلا مع إمام معصوم، فقاتلوا بالخشب ". " منهاج السنة " (١ / ٣٦) .
واسمعي ما قال أمير المؤمنين علي ﵁ في أصحاب النبي ﷺ ، كما رووه هم في كتاب نهج البلاغة، الذي يثقون فيه، ويتلقونه بالقبول، ويسنبونه إلى أمير المؤمنين ﵁، يقول:
" لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله، فما أرى أحدا يشبههم منكم؛ لقد كانوا يُصْبحون شُعْثا غُبرا، وقد باتوا سجدا وقياما، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى، من طول سجودهم، إذا ذكر الله هَملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفا من العقاب، ورجاء للثواب ". انتهى.
نهج البلاغة، بشرح ابن أبي الحديد (٧/٧٧) .
ويقول أيضا:
" أين القوم الذين دُعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرءوا القرآن فأحكموه، وهُيِّجوا إلى الجهاد فولِهوا ولَهَ اللِّقاح إلى أولادها، وسَلبوا السيوف أَغْمادَها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفا زحفا، وصفا وصفا، بعضٌ هلك، وبعضٌ نجا، لا يبشرون بالأحياء، ولا يعزون عن الموتى، مُرْه العيون من البكاء، خُمص البطون من الصيام، ذُبل الشفاه من الدعاء، صفر الألوان من السهر، على وجوههم غُبرة الخاشعين، أولئك إخوانى الذاهبون، فحق لنا أن نظمأ إإليهم، ونعض الأيدى على فراقهم ". انتهى.
وننصحك بقراءة كتاب: صورتان متضادتان لنتائج جهود الرسول الأعظم، للعالم الهندي الكبير: الشيخ أبو الحسن الندوي، ﵀.
وانظري – لمزيد فائدة – أجوبة الأسئلة: (١١٣٦٧٦) و (١١٤٨) و (٤٥٦٩) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15173
وقفات مهمة مع حديث الحوض، وبيان الطوائف التي تردهم الملائكة عنده
[السُّؤَالُ]
ـ[ما تفسير الحديث القدسي في ما معناه - أن الرسول ﷺ عندما يرِد المسلمون إلى حوضه، يُرجع الله طائفة من الناس فيقول الرسول ﷺ : (يا رب، أمتي، أمتي) فيقول : إنك لا تدري ما فعلوا بعدك؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اصطلح المحدثون على تسمية الحديث الوارد هنا: " حديث الحوض "، وللحديث ألفاظ وروايات متعددة، ليس بينها – بفضل الله – اختلاف.
وهذه بعض الروايات بألفاظها المختلفة:
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا، سُحْقًا، لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي) .
رواه البخاري (٦٢١٢) ومسلم (٢٢٩٠) .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا) قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ) فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: (أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ؛ أُنَادِيهِمْ: أَلَا هَلُمَّ. فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا) .
رواه مسلم (٢٤٩) .
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُهُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، فَلَيُقَطَّعَنَّ رِجَالٌ دُونِي، فَلَأَقُولَنَّ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَلَيُقَالَنَّ لِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) .
رواه أحمد (٤١ / ٣٨٨) وصححه المحققون.
عن أَنَس بْن مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ رِجَالٌ مِمَّنْ صَاحَبَنِي، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُهُمْ وَرُفِعُوا إِلَيَّ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَلَأَقُولَنَّ: أَيْ رَبِّ أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي، فَلَيُقَالَنَّ لِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ) .
رواه البخاري (٦٢١١) ومسلم (٢٣٠٤) .
عن عَبْد اللَّهِ بنِ مسعود قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ لَيُرْفَعَنَّ إِلَيَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ حَتَّى إِذَا أَهْوَيْتُ لِأُنَاوِلَهُمْ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَصْحَابِي يَقُولُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ) .
رواه البخاري (٦٦٤٢) ومسلم (٢٢٩٧) .
ثانياً:
عند التأمل في الأحاديث السابقة نجد أن الكلام قد انحصر في مجموعات ترِد حوض النبي ﷺ لتشرب منه، فتردهم الملائكة، ويناديهم النبي ﷺ بألفاظ هي " أمتي "، " أصحابي "، " أصيحابي "، وليس بينها اختلاف تضاد، بل هي محمولة على أناس تشملهم معاني تلك الكلمات، ويمكننا أن نجملهم بهذه الطوائف:
١. مرتدون عن الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ ، وكانوا أسلموا في حياته ورأوه وهم على الإسلام.
٢. مرتدون عن الإسلام في أواخر حياته ﷺ ، ولم يكن يعلم بكفرهم.
٣. أهل النفاق ممن أظهر الإسلام، وأبطن الكفر.
٤. أهل الأهواء الذين غيَّروا سنَّة النبي صلى الله وسلم وهديه، كالروافض، والخوارج.
٥. وبعض العلماء يُدخل فيهم: أهل الكبائر، وله ما يؤيد من السنَّة، فقد روى الإمام أحمد في مسنده (٩ / ٥١٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَأْمُرُونَكُمْ بِمَا لَا يَفْعَلُونَ فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكِذْبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ وَلَنْ يَرِدَ عَلَيَّ الْحَوْضَ) وصححه المحققون.
ولفظ " أمتي " في الأحاديث يصدق على أهل القول الرابع، والخامس، ولفظ " أصحابي " و " أصيحابي " على الأقوال الثلاثة الأوَل.
ومما يدل على أنهم من أمته ﷺ : أنه عرفهم بالغرة والتحجيل، وهي سيما خاصة بهذه الأمة، ويكون تعرف النبي صلى الله عليهم وسلم هناك بصفاتهم، لا بأعيانهم؛ لأنهم جاءوا بعده.
ومما يدل على دخول المنافقين في اسم " أصحابي ": قوله ﷺ (لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) رواه البخاري (٣٥١٨) ، وهذا معنى لغوي بحت للصحبة، ليس أنهم استحقوا شرفها؛ لأن تعريف الصحابي الاصطلاحي لا يصدق على هؤلاء.
وهذه طائفة من أقوال أهل العلم في تلك الأحاديث:
١. قال النووي ﵀ – في شرح الحديث -:
هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال:
أحدها: أن المراد به المنافقون، والمرتدون، فيجوز أن يُحشروا بالغرة والتحجيل، فيناديهم النبي ﷺ للسيما التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء مما وُعدتَ بهم، إن هؤلاء بدَّلوا بعدك، أي: لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.
والثاني: أن المراد من كان في زمن النبي ﷺ ، ثم ارتد بعده، فيناديهم النبي ﷺ ، وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان يعرفه ﷺ في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك.
والثالث: أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام.
" شرح مسلم " (٣ / ١٣٦، ١٣٧) .
٢. وقال الحافظ ابن حجر – ﵀:
وقال الخطابي: لم يرتد من الصحابة أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة العرب، ممن لا نصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحاً في الصحابة المشهورين، ويدل قوله: (أصيحابي) بالتصغير على قلة عددهم.
" فتح الباري " (١١ / ٣٨٥) .
٣. وقال الشيخ عبد القاهر البغدادي – ﵀:
أجمع أهل السنَّة على أن الذين ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ من كِندة، وحنيفة، وفزارة، وبني أسد، وبني بكر بن وائل، لم يكونوا من الأنصار، ولا من المهاجرين قبل فتح مكة، وإنما أطلق الشرع اسم المهاجرين على من هاجر إلى النبي ﷺ قبل فتح مكة، وأولئك بحمد الله ومنِّه درجوا على الدين القويم، والصراط المستقيم.
وأجمع أهل السنة على أن من شهد مع رسول الله بدراً: من أهل الجنة، وكذلك كل مَن شهد معه بيعة الرضوان بالحديبية.
" الفَرْق بين الفِرق " (ص ٣٥٣) .
٤. وقال الشاطبي – ﵀:
والأظهر: أنهم من الداخلين في غمار هذه الأمة؛ لأجل ما دل على ذلك فيهم، وهو الغرة والتحجيل؛ لأن ذلك لا يكون لأهل الكفر المحض، كان كفرهم أصلاً، أو ارتداداً.
ولقوله: (قد بدلوا بعدك) ، ولو كان الكفر: لقال: " قد كفروا بعدك "، وأقرب ما يحمل عليه: تبديل السنة، وهو واقع على أهل البدع، ومن قال: إنه النفاق: فذلك غير خارج عن مقصودنا؛ لأن أهل النفاق إنما أخذوا الشريعة تقيةً، لا تعبداً، فوضعوها غير مواضعها، وهو عين الابتداع.
ويجري هذا المجرى كل من اتخذ السنَّة والعمل بها حيلةً وذريعةً إلى نيل حطام الدنيا، لا على التعبد بها لله تعالى؛ لأنه تبديل لها، وإخراج لها عن وضعها الشرعي.
" الاعتصام " (١ / ٩٦) .
٥. قال القرطبي – ﵀:
قال علماؤنا رحمة الله عليهم أجمعين: فكلُّ مَن ارتد عن دين الله، أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله: فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه، وأشدهم طرداً: مَن خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدِّلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور، والظلم، وتطميس الحق، وقتل أهله، وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر، المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ، والأهواء، والبدع.
ثم البعد قد يكون في حال، ويقربون بعد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال، ولم يكن في العقائد، وعلى هذا التقدير يكون نور الوضوء، يُعرفون به، ثم يقال لهم (سحقاً) ، وإن كانوا من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ يُظهرون الإيمان، ويُسرون الكفر: فيأخذهم بالظاهر، ثم يكشف له الغطاء فيقول لهم: (سحقاً سحقاً) ، ولا يخلد في النار إلا كافر، جاحد، مبطل، ليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.
" التذكرة في أحوال الموتى والدار الآخرة " (ص ٣٥٢) .
ثالثاً:
مما يبين كذب الروافض في زعمهم أن الصحابة الأجلاء أبا بكر وعمر وعثمان من أولئك المرتدين: أنه قد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه قد حصلت ردة، وقتال للمرتدين، فمَن قاتل مَن؟ إن الذي ارتد هم الذين ذكرنا وصفهم، من بعض قبائل العرب، وإن الذي قاتلهم هو أبو بكر الصدِّيق ﵁، وإخوانه من المهاجرين والأنصار - وقد شاركهم في قتالهم: علي بن أبي طالب ﵁، وسبى من بني حنيفة امرأة، أنجبت له فيما بعد الإمام العلَم " محمد بن الحنفية " -؛ فإذا كان الصحابة الكرام: أبو بكر وعمر، ومن معهما من المهاجرين والأنصار: مرتدين؛ فماذا يكون حال مسليمة وأتباعه، والعنسي وأتباعه؟! إلا إن هذا هو عين النفاق والشقاق، وقول الباطل وشهادة الزور.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
الله أكبر على هؤلاء المرتدين المفترين، أتباع المرتدين، الذين برزوا بمعاداة الله ورسوله وكتابه، ودينه، ومرقوا من الإسلام، ونبذوه وراء ظهورهم، وشاقوا الله ورسوله وعباده المؤمنين، وتولوا أهل الردة والشقاق؛ فإن هذا الفصل وأمثاله من كلامهم: يحقق أن هؤلاء القوم المتعصبين على الصدِّيق ﵁ وحزبه ـ من أصولهم ـ من جنس المرتدين الكفار، كالمرتدين الذين قاتلهم الصدِّيق ﵁.
" منهاج السنة النبوية " (٤ / ٤٩٠) .
وقال – ﵀:
وفي الجملة: فأمر مسيلمة الكذاب، وادعاؤه النبوة، واتباع بني حنيفة له باليمامة، وقتال الصدِّيق لهم على ذلك: أمر متواتر، مشهور، قد علمه الخاص، والعام، كتواتر أمثاله، وليس هذا من العلم الذي تفرد به الخاصة، بل عِلْم الناس بذلك أظهر من علمهم بقتال " الجمَل " و " صفِّين "، فقد ذُكر عن بعض أهل الكلام أنه أنكر " الجمل "، و " صفين "، وهذا الإنكار وإن كان باطلا: فلم نعلم أحداً أنكر قتال أهل " اليمامة "، وأن مسيلمة الكذاب ادعى النبوة، وأنهم قاتلوه على ذلك.
لكن هؤلاء الرافضة مِن جحدهم لهذا، وجهلهم به: بمنزلة إنكارهم لكون أبي بكر وعمر دُفِنَا عند النبي ﷺ ، وإنكارهم لموالاة أبي بكر، وعمر للنبي ﷺ ، ودعواهم أنه نص على " علي " بالخلافة، بل منهم من ينكر أن تكون زينب، ورقية، وأم كلثوم من بنات النبي ﷺ ! ويقولون: إنهن لخديجة من زوجها الذي كان كافراً قبل النبي ﷺ .
" منهاج السنة النبوية " (٤ / ٤٩٢، ٤٩٣) .
وقال – أيضاً -:
وهم – أي: الرافضة - يدَّعون أن أبا بكر وعمر، ومن اتبعهما ارتدوا عن الإسلام! وقد علم الخاص والعام: أن أبا بكر هو الذي قاتل المرتدين، فإذا كانوا يدَّعون أن أهل اليمامة مظلومون، قتلوا بغير حق، وكانوا منكرين لقتال أولئك، متأولين لهم: كان هذا مما يحقق أن هؤلاء الخلف تبع لأولئك السلف، وأن الصدِّيق وأتباعه يقاتلون المرتدين في كل زمان.
وقوله – أي: ابن المطهر الحلي الرافضي – " إنهم سمُّوا بني حنيفة مرتدين لأنهم لم يحملوا الزكاة إلى أبي بكر ": فهذا مِن أظهر الكذب، وأبينِه؛ فإنه إنما قاتل بني حنيفة لكونهم آمنوا بمسيلمة الكذاب، واعتقدوا نبوته، وأما مانعو الزكاة: فكانوا قوماً آخرين، غير بني حنيفة، وهؤلاء كان قد وقع لبعض الصحابة شبهة في جواز قتالهم، وأما بنو حنيفة فلم يتوقف أحد في وجوب قتالهم ... .
" منهاج السنة النبوية " (٤ / ٤٩٣، ٤٩٤) .
رابعاً:
يقال لهؤلاء الروافض: لماذا ارتد الخلفاء الثلاثة دون علي؟! وما الذي استثنى مثل " عمار بن ياسر " و " المقداد بن الأسود " و " أبا ذر " و " سلمان الفارسي " من الردة؟! أم هو التحكم والهوى؟! .
ونحن نعتقد أن المهاجرين والأنصار في الجنة خالدين فيها أبداً، قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة/ ١٠٠.
ونعتقد أن أبا بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وهكذا كل من سماهم النبي ﷺ ، وأن هؤلاء جميعاً سيشربون من حوض النبي ﷺ شراباً هنيئاً، والويل والثبور لمن لعنهم، وكفرهم، فهو أولى أن يكون يوم القيامة في صف المرتدين الذين حاربهم أولئك الأطهار.
خامساً:
هذه الأحاديث حجة على الروافض؛ حيث يثبتون فيها ردة الصحابة ﵃ إلا نفراً قليلاً، ويزعمون أنهم " أحدثوا " بعد وفاة النبي ﷺ ، ومعنى هذا أنهم كانوا على الإيمان قبل ذلك! فأي دين اعتقدوه بعد ذلك؟ وماذا فعلوا ما استحقوا به التكفير؟! فإن قالوا: سلب الخلافة من علي ﵁: فيقال لهم هذه معصية! تكفرها الحسنات، ويكفي الصحابة سبكم ولعنكم لهم حتى توضع أوزارهم عليكم إن شاء الله.
وإن قالوا: قتل جنين فاطمة! : قلنا قد قُتل في زمن علي ﵁ الآلاف! فهل تطبقون عليه القاعدة نفسها في التكفير؟! .
فتبين مما سبق: أن الصحابة الأجلاء هم الذين دافعوا عن دين الله، وهم الذين أوقفوا مدَّ الردة، والتي قام على إذكائها ونشرها سلف أولئك الروافض، من أمثال مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وأن الله تعالى قد أثنى في كتابه الكريم على المهاجرين والأنصار في قرآن يُتلى إلى قيام الساعة، وقد نزههم ربهم عن الوقوع في البدعة، فكيف يقعون في الردة، وهم الذين نشروا الإسلام في الآفاق؟! .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15174
معنى قوله تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ... ) والرد على الرافضة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى تفسير قوله تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) ، قرأت تفسير الشيعة لهذه الآية، وهم يرمون بها الصحابة رضوان الله عليهم، فاحترت لعدم علمي بالتفسير الصحيح، فما تفسير هذه الآية لدينا؟ وهل كان أحد ارتد بعد وفاة الرسول؟ ومن هم؟ وهل ذكر الحديث بقوله " ما تدري ماذا فعلوا من بعدك " يصلح تطبيقه على من ولدوا بعد عهد الرسول، أي: الرسول لم يشهد صلاحهم، فكيف يقال " بعدُ "؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أما قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) آل عمران/ ١٤٤: فإنها آية محكمة، وللوقوف على معناها بتفصيل: نذكر الآتي:
١. أن هذه الآيات أنزلها الله تعالى بعد غزوة " أُحد "، وهي مقدمة، وتهيئة لموت النبي ﷺ ، ففيها التذكير بأن الإسلام لا ينقطع بموت أو قتل نبيكم، كما فيها بيان ما حصل مع أنبياء سابقين حيث لم يؤثر قتلهم على أتباعهم، ولم يستفد من هذا التنبيه والتذكير من ارتدَّ على عقبه من القبائل، فخسروا الدنيا والآخرة.
قال ابن القيم – ﵀:
وقعةَ " أُحُدٍ " كانت مُقَدِّمَةً، وإرهاصاً، بين يدي موتِ رسول الله ﷺ ، فثبَّتهم، ووبَّخهم على انقلابهم على أعقابهم إنْ ماتَ رسولُ الله ﷺ ، أو قُتِلَ، بل الواجبُ له عليهم أن يثبتُوا على دِينه، وتوحِيدهِ، ويموتوا عليه، أو يُقتلُوا، فإنهم إنما يعبدُون ربَّ محمد، وهو حيٌّ لا يموت، فلو ماتَ محمد أو قُتِلَ: لا ينبغي لهم أن يَصْرِفَهم ذلِكَ عن دينه، وما جاء به، فكلُّ نفسٍ ذائِقةُ الموت، وما بُعِثَ محمد ﷺ لِيخلَّد، لا هُوَ، ولا هُم، بل لِيمُوتُوا على الإسلامِ، والتَّوحيدِ، فإن الموت لا بُدَّ منه، سواء ماتَ رسول الله ﷺ ، أو بَقِيَ، ولهذا وبَّخَهُم على رجوع مَن رجع منهم عن دينه لما صرخ الشَّيْطَانُ: إنَّ محمَّداً قد قُتِلَ، فقال: (وَمَا مُحَمَّدٌ إلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَّاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اللهُ الشَّاكِرِينَ) آل عمران/ ١٤٤، والشاكرون: هم الذين عرفوا قدر النعمة، فثبتوا عليها، حتى ماتوا، أو قُتِلُوا، فظهر أثرُ هذا العِتَابِ، وحكمُ هذا الخطاب يومَ مات رسولُ الله ﷺ ، وارتدَّ مَن ارتدَّ على عقبيه، وثبت الشاكِرُون على دينهم، فنصرهم الله، وأعزَّهم، وظفَّرهم بأعدائهم، وجعل العاقبة لهم.
ثم أخبر سبحانه أنه جعل لكل نفسٍ أجلاً لا بُدَّ أن تستوفيه، ثم تلحَقَ به، فيَرِدُ الناسُ كُلُّهم حوضَ المنايا مَوْرِداً واحِداً، وإن تنوَّعت أسبابه، ويصدُرونَ عن موقف القِيامة مصادِرَ شتَّى، فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير.
ثم أخبر سبحانه أن جماعةً كثيرةً من أنبيائه قُتِلُوا، وقُتِلَ معهم أتباعٌ لهم كثيرون، فما وَهَنَ مَنْ بقيَ منهم لِما أصابهم في سبيله، وما ضَعُفُوا، وما استكانُوا، وما وَهَنُوا عندَ القتل، ولا ضعفُوا، ولا استكانوا، بل تَلَقَّوا الشهادةَ بالقُوَّةِ، والعزِيمةِ، والإقْدَامِ، فلم يُسْتَشْهَدُوا مُدَبِرِينَ، مستكينين، أذلةً، بل استُشْهِدُوا أعزَّةً، كِراماً، مقبلينَ، غير مدبرين، والصحيح: أن الآية تتناول الفريقين كليهما.
" زاد المعاد في هدي خير العباد " (٣ / ٢٢٤، ٢٢٥) .
٢. هذه الآية تدل على تزكية أبي بكر الصدِّيق خاصة، والصحابة الأجلاء عامة؛ حيث وصف الله تعالى من يثبت في مثل هذه المصيبة، ويعلم أن نبيه ما هو إلا بشر يبلغ ما أرسله الله تعالى به، ثم يغادر هذه الدنيا، وصفهم الله تعالى بـ " الشاكرين "، وأما ما في الآية من تزكية الصدِّيق: فمن جهتين:
الأولى: استدلاله بها – مع قوله تعالى (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) - عند موت النبي ﷺ .
والثانية: أنه قاتل من ارتد على عقبه.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
وفي هذه الآية الكريمة إرشاد من الله تعالى لعباده أن يكونوا بحالة لا يزعزعهم عن إيمانهم، أو عن بعض لوازمه فقدُ رئيسٍ، ولو عظم؛ وما ذاك إلا بالاستعداد في كل أمر من أمور الدِّين بعدة أناس من أهل الكفاءة فيه، إذا فقد أحدهم قام به غيره، وأن يكون عموم المؤمنين قصدهم إقامة دين الله، والجهاد عنه، بحسب الإمكان، لا يكون لهم قصد في رئيس دون رئيس، فبهذه الحال يستتب لهم أمرهم، وتستقيم أمورهم.
وفي هذه الآية أيضاً أعظم دليل على فضيلة الصدِّيق الأكبر أبي بكر، وأصحابه الذين قاتلوا المرتدين بعد رسول الله ﷺ لأنهم هم سادات الشاكرين.
" تفسير السعدي " (ص ١٥٠) .
وبمعرفة ما مضى يتبين أن الصحابة الأجلاء قد استفادوا من درس " أحد "، وأن ما أصاب بعضهم من صدمة عند موت النبي ﷺ ليست صدمة أعقبتها ردَّة، بل لعدم تحملهم عظَم الخبر، حتى ثبتهم الله تعالى بما تلاه على مسامعهم أبو بكر الصدِّيق من الآيات البينات، وأخبرهم بثبات المؤمن:
( ... فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ وَقَالَ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وَقَالَ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ قَالَ فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ ... )
رواه البخاري (٣٦٧٠) .
فرجعوا إلى صوابهم، وكأنهم لأول مرة تطرق هذه الآية مسامعهم، وقد عصم الله تعالى المهاجرين والأنصار من الردة، وسقط فيها طوائف من العرب تصدَّى لهم الصدِّيق وأصحابه، فعاد من عاد، وبقي منهم على الكفر جماعات.
وانظر جواب السؤال رقم (١٢٥٩١٩) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15175
البيعة والميراث بين أبي بكر وعمر من جهة وعلي وفاطمة من جهة أخرى
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي حقيقة الخلاف الذي وقع ما بين " علي " وزوجته ﵄، مع عمر، وعائشة ﵄؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لم يكن بين الصحابة خلاف في الاعتقاد، بل ولا في منهج الاستدلال، فهم خير القرون، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، ولقد كانت علاقتهم بعضهم مع بعض أسمى، وأعلى مما يكذب بضده الرافضة، ومن أدل شيء على ذلك: ما بينهم من مصاهرة، وما حصل من تسمية أبنائهم بأسماء الكبار العظماء من الصحابة الأجلاء.
فإذا انتقلنا إلى موضوع السؤال، قلنا: لقد تزوج عمر بن الخطاب من ابنة علي بن أبي طالب وفاطمة، وهي " أم كلثوم "! ، وفي أسماء أبناء الحسين: أبو بكر، وعمر! ، فهذا هو الحال، وما حصل من خلافٍ بين فاطمة ﵂، وبين أبي بكر الصدِّيق: فإن الحق فيه مع أبي بكر ﵂، فقد كانت تريد فاطمة ﵂ أن ترث من أبيها، وهو النبي ﷺ ، فأخبرها أبو بكر أن الأنبياء لا يورثون، وهكذا سمع هو من النبي ﷺ ، وليس لأبي بكر حظ نفس في هذا، فقد أغناه الله تعالى بالمال، وقد منع فاطمة أن ترث، كما منع ابنته عائشة – وهي زوج النبي ﷺ – أن ترث هي كذلك، فلم يكن له هوى في ذلك، ولا كان بينه وبين فاطمة ما يجعله يولِّد العداء بينه وبينها، وقد وقف علي ﵁ بجانب زوجه فاطمة؛ ليخفف عنها بوفاة والدها، ويسليها في موقفها من العتب على أبي بكر في منعه إعطاءها من ميراث أبيها ﷺ ،
وقد امتنع عن الذهاب لأبي بكر ﵁ لبيعته طيلة حياة فاطمة بعد النبي ﷺ ، وهي ستة أشهر، لهذا السبب، ولسبب آخر: وهو أنه رأى استعجال الصحابة في الخلافة والبيعة، وأنه كان ينبغي أن يُشاور، ويحضر في الأمر، وكان رأي الصحابة على خلافه، فلما ماتت فاطمة ﵂، ودفنها: راجع نفسه، وطلب حضور أبي بكر لبيته، فحضر فأخبره عذره في التأخر عن البيعة، ثم أصرَّ أبو بكر على صحة موقفه من منع ميراث النبي ﷺ ، فاطمأن قلب علي ﵁، وتواعدا على البيعة في اليوم نفسه ظهراً، وبايعه، ففرح المسلمون فرحاً عظيماً.
هذا ملخص ما جرى، وقد روى هذا البخاري ومسلم، ولم يكن علي ﵁ نازعاً يده من طاعة أبي بكر، ولا شاقّاً عصا المسلمين، وليس شرطاً في صحة بيعة الخليفة أن يبايعه كل المسلمين.
وهذا نص الحديث كاملاً بحروفه:
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ بِنْتَ النَّبِيِّ ﷺ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَ " فَدَكٍ "، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ " خَيْبَرَ "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي هَذَا الْمَالِ) وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ، وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنْ النَّاسِ وَجْهٌ، حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ: اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الْأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ " أَنْ ائْتِنَا وَلَا يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ " - كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ - فَقَالَ عُمَرُ: " لَا وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي؛ وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ فَقَالَ: " إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالْأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَصيبًا "، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ: فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنْ الْخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَتَشَهَّدَ وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنْ الْبَيْعَةِ وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ، وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ. رواه البخاري (٣٩٩٨) ومسلم (١٧٥٩) .
وهذه وقفات مع الحديث من كلام أهل العلم:
أ. قال النووي – ﵀:
أما تأخر علي ﵁ عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر ﵁، ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه، أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس، وأما عدم القدح فيه: فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده، ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا، وهكذا كان شأن علي ﵁ في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب: لم يحضر، وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب، وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي ﷺ ، وغير ذلك: رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف، ونزاع، تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي ﷺ حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء. " شرح مسلم " (١٢ / ٧٧، ٧٨) .
ب. وليس معنى هجران فاطمة ﵂ لأبي بكرٍ ﵁ الهجران المحرَّم، فهي أجنبية عنه أصلاً.
قال بدر الدين العيني – ﵀:
معنى هجرانها: انقباضها عن لقائه، وعدم الانبساط، لا الهجران المحرَّم مِن ترك السلام، ونحوه. " عمدة القاري شرح صحيح البخاري " (١٧ / ٢٥٨) .
وقال – ﵀:
قال المهلب: إنما كان هجرها انقباضاً عن لقائه، وترك مواصلته، وليس هذا من الهجران المحرم، وأما المحرَّم من ذلك: أن يلتقيا، فلا يسلم أحدهما على صاحبه، ولم يَروِ أحدٌ أنهما التقيا وامتنعا من التسليم، ولو فعلا ذلك: لم يكونا متهاجريْن، إلا أن تكون النفوس مظهرة للعداوة، والهجران، وإنما لازمت بيتها، فعبَّر الراوي عن ذلك بالهجران. " عمدة القاري " (١٥ / ٢٠) .
ج. وقال الحافظ ابن حجر – ﵀:
وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها، وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها ﷺ ؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث: رأى على أن يوافقها في الانقطاع عنه. " فتح الباري " (٧ / ٤٩٤) .
هـ. وقال – ﵀ – أيضاً -:
قوله " كراهية ليحضر عمر " في رواية الأكثر: " لمحضر عمر "، والسبب في ذلك: ما ألِفوه من قوة عمر، وصلابته، في القول، والفعل، وكان أبو بكر رقيقاً، ليِّناً، فكأنهم خشوا من حضور عمر كثرة المعاتبة التي قد تفضي إلى خلاف ما قصدوه من المصافاة. " فتح الباري " (٧ / ٤٩٤) .
و. وقال – ﵀
قوله " ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك " بفتح الفاء من ننفس، أي: لم نحسدك على الخلافة.
وقوله " استبددت " أي: لم تشاورنا، والمراد بالأمر: الخلافة.
ز. قوله " لقرابتنا " أي: لأجل قرابتنا من رسول الله ﷺ نصيباً " أي: لنا في هذا الأمر. " فتح الباري " (٧ / ٤٩٤) .
هذا ما جرى بين فاطمة وأبي بكر، وعلي وأبي بكر، ﵃ جميعاً، ومن يسمع ويقرأ للرافضة ير عجباً، وكذباً، فها هو علي يعتذر لأبي بكر، ويعظمه، وعترف له بالخلافة، ويبايعه على رؤوس الأشهاد، وقد سبق من أبي بكر زيارة علي في بيته، والثناء عليه، وعلى آل بيت النبي ﷺ وقرابته، وتفضيلهم على قرابته هو، فأين الحقد، واللعن، والتقية، والخبث، والسوء، والبغض؟! إنه لا وجود له إلا في عقول وقلوب شيعة المجوس، وحلفاء هولاكو، وإخوان العلقمي، وهذه الرواية أصح الروايات في المسألة، وقد اتفق على إخراجها البخاري ومسلم رحمهما الله، ولسنا نخفي شيئاً من ديننا، وقد نقلنا فيها عدم رغبة علي ﵁ أن يأتي مع أبي بكر أحد، ولم تُخف عائشة – أو غيرها – أنه لعله المقصود به عمر ﵁، وقد وافق أبو بكر ﵁ على هذا، ورأى أنه أمر لا ضير فيه، ولا مخافة من ورائه.
قال الحافظ ابن حجر – ﵀:
قال القرطبي: " مَن تأمل ما دار بين أبي بكر وعلي من المعاتبة، ومن الاعتذار، وما تضمن ذلك من الإنصاف: عَرف أن بعضهم كان يعترف بفضل الآخر، وأن قلوبهم كانت متفقة على الاحترام، والمحبة، وإن كان الطبع البشري قد يغلب أحياناً، لكن الديانة ترد ذلك، والله الموفق ".
وقد تمسك الرافضة بتأخر علي عن بيعة أبي بكر إلى أن ماتت فاطمة، وهذيانهم في ذلك مشهور، وفي هذا الحديث ما يدفع في حجتهم. " فتح الباري " (٧ / ٤٩٥) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15176
تقصير المناهج الدراسية في بيان محبة ومنزلة آل البيت
[السُّؤَالُ]
ـ[آل بيت رسول الله ﷺ ، لماذا يقل ذِكرُ فضائلِهم لدينا، حتى إني لم أعرف عن اختصاصهم بالمحبة إلا من خلال تصفحي للإنترنت؟ وأنا فتاة أعيش في بلد مسلم سنِّي يدرس علوم الدين، وبكثافة، لم نفرغ لتعليم حبهم إلا درساً واحداً فقط في الثانوية، فهل هذا يكفي؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
هذا من تقصير القائمين على المناهج الدراسية في العالَم العربي والإسلامي، ومحبة آل بيت النبي ﷺ دِين يُدان الله به، وينبغي الإكثار من بيان ذلك في شرعنا حتى لا يُفتح الباب للرافضة للتلاعب والافتراء، كما هو دأبهم في تلقيب أهل السنَّة، واتهامهم بأنهم " نواصب " – أي: نصبوا العداء لآل بيت النبي ﷺ ، مع أن أهل السنة يرون أن النواصب الذين يبغضون أهل البيت من فرق الزيغ والضلال، كما أن الرافضة الذين يكذبون على أهل البيت ويغلون في شأنهم: هم أشد زيغا وضلالا، وأعظم كذبا.
عن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ) فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: (وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) .
رواه مسلم (٢٤٠٨) .
وإنما عظمُ حق أهل بيته لعظم حقه ﷺ علينا، كما أنه ليس المراد به من أولئك إلا من عُرف بالاستقامة والدِّين، وأما من كان ضالاًّ أو مخرِّفاً: فليس له حق علينا؛ لأنه ليس من آل بيت النبي ﷺ ، قال تعالى لنوح عن ابنه الكافر: (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) هود/ من الآية ٤٦.
وعَن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ يَقُولُ: (إِنَّ آلَ أَبِي فُلَانٍ لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) .
رواه أحمد (٢٩ / ٣٤٠) وصححه المحققون.
وقد نصَّ العلماء على هذه المحبة في كتب العقائد، ومن ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
ويحبُّون أهل بيت رسول الله ﷺ ، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير " خُم " - مكان فيه ماء بين مكة والمدينة -: (أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي) ، وقال أيضا للعباس عمِّه - وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم - فقال: (والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي) ، وقال: (إن الله اصطفى بني إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل كنانة واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم) .
" مجموع الفتاوى " (٣ / ١٥٤) .
غير أننا ننبه هنا إلى أن أهل البيت يدخل فيهم أزواج رسول الله ﷺ جميعا، وأولهن: عائشة أم المؤمنين ﵂، وقد صرح القرآن الكريم بذلك. قال الله : (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) . سورة الأحزاب /٣٢-٣٣، والخطاب هنا موجه لأزواج النبي ﷺ ، ويصفهن بأنهن (أهل البيت) .
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
" وهذا نص في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت هاهنا؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولا واحدا، إما وحده على قول أو مع غيره على الصحيح ". انتهى. تفسير ابن كثير (٦/٤١٠) .
فأين هذا من قول الرافضة في أمهات المؤمنين، وبالأخص: عائشة، الصديقة بنت الصديق؟!
ثانياً:
تتجلى محبة آل بيت النبي ﷺ عند أهل السنَّة في صور، منها:
١. اعتقاد أنهم أشرف النَّاس نسباً.
وأين هذا في دين الرافضة: حيث أنكروا نسب رقية وأم كلثوم ابنتي رسول الله ﷺ ! ، وزعموا أنهما ابنتاه بالتبني! ، وأخرجوا العباس عم رسول الله ﷺ وجميع أولاده، والزبير ابن صفية عمة رسول الله ﷺ ، أخرجوهم من آل البيت، ونفوا عنهم النسب الشريف، وهم يبغضون كثيراً من أولاد فاطمة ﵂، كزيد بن علي، وبنه يحيى، وأيضاً يبغضون إبراهيم، وجعفر ابنيْ موسى الكاظم.
٢. أن تُعظم منزلتهم بما يستحقون، وخاصة: إن كانوا من صحابة النبي ﷺ .
وأين هذا من فعل الروافض، حيث صرّحوا بتكفير بعض كبار أهل البيت وعلمائهم من الصحابة! كالعباس عم الرسول ﷺ الذي ادعوا أنه نزل فيه قوله تعالى (وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً) الإسراء/ ٧٢، وكابنه عبد الله بن عباس العالِم الإمام، فقد جاء في " أصول الكافي " (١ / ٢٤٧) من وصفه بأنه " جاهل سخيف العقل! "، وفي كتاب " رجال الكشي " (ص ٥٣) قوله: " اللهم العن ابني فلان وأعمِ أبصارهما، كما عميت قلوبهما! ، وقد فسَّر ذلك شيخهم حسن المصطفوي فقال: " هما عبد الله بن عباس، وعبيد الله بن عباس ".
٣. أن يقدَّموا في المجالس، ويُكرموا.
٤. أن ينصروا فيما عندهم من حق، وأن تُحفظ لهم كرامتهم، وذلك بكفايتهم من أموال الفيء والغنائم، وإن لم يوجد من هذه المصادر شيء: فيُدفع لهم من الزكاة.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
لو فرض أنه لا يوجد لإنقاذ حياة هؤلاء من الجوع إلا زكاة الهاشميين، فزكاة الهاشميين أولى من زكاة غير الهاشميين.
وقال بعض أهل العلم: يجوز أن يعطوا من الزكاة إذا لم يكن خمس، أو وجد ومنعوا منه.
والخُمس: هو أن الغنائم تقسم خمسة أسهم، أربعة أسهم للغانمين، وسهم واحد يقسم خمسة أسهم أيضاً:
الأول: لله ورسوله ﷺ ، يكون في مصالح المسلمين، وهو ما يعرف بالفيء، أو بيت المال.
الثاني: لذي القربى، هم قرابة الرسول ﵊، وهم بنو هاشم، وبنو عبد المطلب؛ لأن بني عبد المطلب يشاركون بني هاشم في الخمس.
الثالث: لليتامى.
الرابع: للمساكين.
الخامس: لابن السبيل.
فإذا مُنعوا، أو لم يوجد خمس - كما هو الشأن في وقتنا هذا -: فإنهم يعطون من الزكاة دفعاً لضرورتهم إذا كانوا فقراء، وليس عندهم عمل، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح.
وأما صدقة التطوع: فتدفع لبني هاشم، وهو قول جمهور أهل العلم، وهو الراجح؛ لأن صدقة التطوع كمال، وليست أوساخ الناس، فيعطون من صدقة التطوع.
" الشرح الممتع " (٦ / ٢٥٣، ٢٥٤) .
٥. حمايتهم، وصون أعراضهم، عن كل ما يسيء إليهم.
وأين هذا من الطعن في عرض عائشة، واتهامها بالفاحشة، وهي زوجة صاحب البيت، وإمام أهله وغيرهم: محمد ﷺ ، وهي المبرأة من الله في قرآن يتلونه، رغم أنوفهم؟! .
وأين هذا مما فعله الرافضي ابن العلقمي، والطوسي، من جلب التتار إلى بغداد، وقتل الخليفة العباسي، وهو من آل بيت النبي ﷺ ، وسبي النساء الهاشميات، والاعتداء عليهن، من قبَل جنود هولاكو، فهؤلاء الذين يزعمون محبة آل البيت تسببوا في هذا، وفي غيره مما يُبكي العيون دماً، لا دمعاً.
وينظر في تحديد من هم آل البيت: جواب السؤال رقم: (١٠٠٥٥) .
وينظر في بيان فضائلهم: جواب السؤال رقم: (١٢١٩٤٨) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15177
هل ثبت وقوع المغيرة بن شعبة في الزنا؟ وما حكم من يفعل مقدماته في الشرع ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت في موقعكم تحت عنوان: (الشهود الأربعة في حد الزنى فقط) : " أن الشهود على المغيرة بن شعبة بالزنا لما شهدوا به عند عمر ﵁، وهم أبو بكرة، ونافع، ونفيع، وزياد، فصرح بذلك أبو بكرة، ونافع، ونفيع، فأما زياد فقال له عمر: قل ما عندك، وأرجو أن لا يهتك الله صحابيّاً على لسانك، فقال زياد: " رأيت نفساً تعلو، أو استاً تنبو، ورأيت رجليها على عنقه كأنهما أذنا حمار، ولا أدري يا أمير المؤمنين ما وراء ذلك، فقال عمر: الله أكبر، فأسقط الشهادة ولم يرها تامة ". وإني أحب الله، ورسوله، وصحابته، ولكني صدمت بهذا الكلام، فهل يعقل أن صحابيّاً راويا للأحاديث كالمغيرة بن شعبة يقوم بهذا الأمر، وإن لم يثبت أنه زنا، ولكن ثبت أنه قام بمقدمات الزنا على الأقل، كما وصف الشاهد الرابع زياد، أفلا يقدح ذلك بعدالته؟ وضحوا لنا الأمر جزيتم خيراً، فإن الكلام في صحابة رسولنا الكريم قد كثر هذه الأيام كي لا تشوه صورتهم في أعيننا. وثانياً: هل ثبوت مقدمات الزنا عليه عقاب في الإسلام؟ وإن كان نعم فما فعل عمر ﵁ بالمغيرة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الصحابي الجليل " المغيرة بن شعبة " هو أحد أصحاب " بيعة الرضوان " الذين بايعوا النبي ﷺ تحت الشجرة، والذين أثنى الله عليهم بالخير، وأخبر أنه رضي عنهم، قال تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً. وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا. وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) الفتح/١٨، ١٩.
قال ابن كثير – ﵀:
" يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسولَ الله ﷺ تحت الشجرة، وقد تقدم ذكر عدتهم، وأنهم كانوا ألفا وأربعمائة، وأن الشجرة كانت سمرة بأرض " الحديبية ".
وقوله: (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) أي: من الصدق، والوفاء، والسمع، والطاعة.
(فَأَنزلَ السَّكِينَةَ) : وهي الطمأنينة، (عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) : وهو ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر، وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد، والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العز، والنصر، والرفعة في الدنيا، والآخرة، ولهذا قال: (وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) " انتهى.
" تفسير ابن كثير " (٧/٣٣٩، ٣٤٠) .
وقد أثنى عليهم النبي ﷺ ، وشهد لهم بالخيرية، وأخبر أنهم من أهل الجنة:
أ. عن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ: (أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ) رواه البخاري (٢٩٢٣) ومسلم (١٨٥٦) .
قال الحافظ ابن حجر – ﵀: " هذا صريح في فضل " أصحاب الشجرة "، فقد كان من المسلمين إذ ذاك جماعةٌ بمكة، وبالمدينة، وبغيرهما " انتهى.
" فتح الباري " (٧ / ٤٤٣) .
ب. عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبٍ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْكُو حَاطِبًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كَذَبْتَ، لَا يَدْخُلُهَا فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ) رواه مسلم (٢٤٩٥) .
ج. عن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قال: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ مُبَشِّرٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ: (لَا يَدْخُلُ النَّارَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا. قَالَتْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانْتَهَرَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قَدْ قَالَ اللَّهُ (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) رواه مسلم (٢٤٩٦) .
قال النووي – ﵀: " ال العلماء: معناه: لا يدخلها أحدٌ منهم قطعاً، كما صرح به في الحديث الذي قبله - حديث حاطب - وإنما قال: (إن شاء الله) للتبرك لا للشك، وأما قول حفصة بلى، وانتهار النبي ﷺ لها ... فيه دليل للمناظرة، والاعتراض والجواب، على وجه الاسترشاد، وهو مقصود حفصة؛ لا أنها أرادت رد مقالته ﷺ .
والصحيح أن المراد بالورود في الآية المرور على الصراط، وهو جسر منصوب على جهنم فيقع فيها أهلها وينجو الآخرون " انتهى.
" شرح مسلم " (١٦ / ٥٨) .
وقد أسلم " المغيرة بن شعبة " ﵁ عام الخندق، وأول مشاهده: الحديبية، ثم شهد اليمامة، وفتوح الشام، والقادسية، ونهاوند، وهمدان، وغيرها.
قال عنه الحافظ الذهبي – ﵀: " من كبار الصحابة، أولي الشجاعة والمكيدة، شهد بيعة الرضوان، كان رجلا طِوالاً، مهيبا، ذهبت عينه يوم اليرموك، وقيل: يوم القادسية " انتهى.
"سير أعلام النبلاء" (٣/٢١) .
وما جاء في روايات عدة من شهادةٍ عليه ﵁ بالزنا: لم يثبت نصاب الشهادة فيها، ولا يمكن لأحدٍ أن يتهمه ﵁ بتلك الفاحشة البغيضة من غير اعتراف، أو شهادة أربعة رجال، وكلا الأمرين معدوم، وقد جلد عمر ﵁ الثلاثة الذين اتهموه بالزنا؛ لعدم اكتمال نصاب الشهادة، بعد تردد الرابع، وعدم شهادته، ولم يصنع شيئاً مع المغيرة لعدم ثبوت أصل الواقعة شرعاً.
وأما بخصوص المروي في وصف فعله رضي الله مع تلك المرأة: فالجواب عنه من وجوه:
١. سقوط ذلك كله شرعاً، وعدم ثبوت شيء منه؛ لتخلف نصاب الشهادة.
٢. أن كثيراً من تلك الروايات لم تصح أصلاً من حيث إسنادها.
٣. أن ذلك الأمر الذي حصل – إن جزمنا بحصوله واقعاً، وهو ما سبب إشكالاً عند كثيرين – لم يكن مع امرأة أجنبية، بل كان مع زوجةٍ من نسائه تشبه تلك التي ادُّعي عليها فعل الفاحشة مع ذلك الصحابي الجليل.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀: " يظهر لنا في هذه القصة أن المرأة التي رأوا المغيرة ﵁ مخالطاً لها عندما فتحت الريح الباب عنهما: هي زوجته، ولا يعرفونها، وهي تشبه امرأة أخرى أجنبية كانوا يعرفونها تدخل على المغيرة وغيره من الأمراء، فظنوا أنها هي، فهم لم يقصدوا باطلاً، ولكن ظنهم أخطأ، وهو لم يقترف - إن شاء الله - فاحشة؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ يعظم فيهم الوازع الديني الزاجر عما لا ينبغي في أغلب الأحوال، والعلم عند الله تعالى " انتهى.
"مذكرة في أصول الفقه" (ص ١٥٢) .
٤. وأمر آخر يخص الصحابي الجليل المغيرة بن شعبة، وهو أنه كثير الزواج، فأي حاجة ليفعل الحرام، وهو يجد من الحلال الكثير؟! .
قال الذهبي – ﵀: " عن المغيرة بن شعبة قال: لقد تزوجت سبعين امرأة، أو أكثر.
أبو إسحاق الطالقاني: حدثنا ابن المبارك قال: كان تحت المغيرة بن شعبة أربع نسوة، قال: فصفهن بين يديه، وقال: أنتن حسَنات الأخلاق، طويلات الأعناق، ولكني رجل مطلاق، فأنتن الطلاق.
ابن وهب: حدثنا مالك قال: كان المغيرة نكَّاحا للنساء، ويقول: صاحب الواحدة إن مرضت مرض، وإن حاضت حاض، وصاحب المرأتين بين نارين تشعلان، وكان ينكح أربعا جميعاً، ويطلقهن جميعاً " انتهى.
" سير أعلام النبلاء " (٣ / ٣١) .
٥. ومعروف غيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على حرمات الله، وقوته في دينه، ومعروف ـ أيضا ـ تشدده مع ولاته، وقد ولَّى المغيرةَ بعد تلك الحادثة إمرة " الكوفة "! ولو أنه ثبت عنده شبهة تلك المعصية فلعله لا يوليه ولاية قط، وهذا يعني اقتناع عمر بعدم حصول تلك الواقعة أصلاً، أو اقتناعه بأنها كانت زوجته، ولعل الثاني هذا هو الأقرب.
وبما قلناه يسقط السؤال من أصله، وليس ثمة حاجة للبحث في حكم فعله ﵁؛ لأن ذلك السؤال مبني على كون تلك المرأة أجنبية.
ثانياً:
أما من حيث الحكم الشرعي ابتداءً: فإن مقدمات الزنى من الفواحش، وقد سمَّاها الشرع " زنى "، لكن الزنى الذي تترتب عليه الأحكام، ويوجب الحدود: هو زنى الفرج، لا زنى الأعضاء الأخرى.
وقد روى البخاري (٦٢٤٣) ومسلم (٢٦٥٧) عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قال: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَيُكَذِّبُهُ) .
وقد نهى الله تعالى عن مقدمات الزنى، فقال: (وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً) الإسراء/٣٢، وقال: (وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) الأنعام/١٥١.
وللحاكم إن ثبت عنده فعل أحد من المسلمين مثل تلك المقدمات أن يعزره بما يراه مناسباً لحاله، وفعله، فليس في تلك الأفعال حدود، بل فيها التعزير.
وينظر النقل في ذلك عن الأئمة، مع شيء من التفصيل في أصل المسألة: جواب السؤال رقم: (٢٧٢٥٩) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15178
هل يبحث في عدالة الصحابة عند دراسة الأسانيد ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[سؤال: في علم الحديث النبوي الشريف، هل ينظر إلى عدالة الرواة دون الصحابي الذي روى الحديث عن النبي ﷺ ، أم يبحث أيضا في عدالة الصحابي، وتطبق عليه الشروط التي وضعها علماء الحديث للتأكد من الحديث النبوي الشريف.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
إذا أردت البحث في عدالة الصحابة رضوان الله عليهم – بمعنى توفر الدين والتقوى المانع من الكذب في الحديث - فما عليك إلا أن تفتح كتاب الله تعالى، وتقرأ فيه العشرات من الآيات التي جاءت في تزكيتهم والثناء عليهم.
يقول :
(فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الأعراف/١٥٧
(لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة/٨٨-٨٩
(وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة/١٠٠
(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) الفتح/٢٩
(لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الحشر/٨-٩
(لَاّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً) النساء/٩٥
(لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) الفتح/١٨
وكذلك فإن كتب السنة مليئة بالأحاديث التي جاءت في فضائل أعيانهم تارة، وفضائل مجموعهم تارة أخرى، وأسانيدها من أصح الأسانيد على وجه الأرض، ولا يخلو كتاب من كتب الجوامع والسنن والمسانيد والمعاجم منها، وقد جمع بعض أهل العلم ما روي في فضائلهم مجلدات كثيرة، يمكن الرجوع إليها، فإن المقام لا يتسع هنا لذكرها.
إذن فعدالة الصحابة الرواة عن النبي ﷺ مسجلة من السماء، في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ ، وإذا كانت عدالة الراوي تقبل بتزكية واحد من أهل الجرح والتعديل المعتدلين، فمن باب أولى أن تقبل تزكية القرآن والسنة القطعية.
على أنا لو سلكنا في تقرير عدالة عامة الصحابة الرواة عن النبي ﷺ مسلك النظر في صفاتهم وأحوالهم، لوجدنا فيهم ما يستوجب الحكم بالعدالة والديانة، بغض النظر عن الآيات التي جاءت في تزكيتهم، فالقرآن الكريم إنما هو كاشف عن عدالتهم وثقتهم، وليس منشئا لها، والعدالة تقوم في النفس أولا، ثم تظهر في شهادة المزكين.
يقول الخطيب البغدادي:
" على أنّه لو لم يَرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدَّلين والمزكين الذين يجيؤون من بعدهم أبد الآبدين، هذا مذهب كافة العلماء، ومن يعتد بقوله من الفقهاء " انتهى.
"الكفاية" (ص/٤٩)
ثايا:
إذا ثبت ما سبق تبين أن البحث في عدالة كل صحابي عند دراسة إسناد أي رواية إنما هو ضرب من العبث الذي لا طائل تحته، فقد كفانا القرآن الكريم هذه المؤونة، كما كفانا العلماء هذا العمل، وأثبتوا بالدراسات الاستقرائية التامة عدالة جميع من روى عن النبي ﷺ من أصحابه، وخاصة المكثرين منهم.
ونحن ننقل هنا مجموعة من نصوص أهل العلم، من المحدثين والحفاظ والفقهاء في هذا الشأن:
يقول الحافظ ابن عبد البر ﵀:
" لا فرق بين أن يسمي التابعُ الصاحبَ الذي حدثه أو لا يسميه في وجوب العمل بحديثه؛ لأن الصحابة كلهم عدول مرضيون ثقات أثبات، وهذا أمر مجتمع عليه عند أهل العلم بالحديث " انتهى.
"التمهيد" (٢٢/٤٧)
وقال الخطيب البغدادي ﵀:
" (باب ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة، وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم)
كل حديث اتصل إسناده بين مَن رواه وبين النبي ﷺ : لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم، سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ ؛ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن " انتهى.
"الكفاية" (ص/٤٦)
ويقول الإمام القرطبي ﵀:
" الصحابة كلهم عدول، أولياء الله تعالى وأصفياؤه، وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله.
هذا مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة.
وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم، فيلزم البحث عن عدالتهم.
ومنهم من فرق بين حالهم في بداءة الأمر فقال: إنهم كانوا على العدالة إذ ذاك، ثم تغيرت بهم الأحوال فظهرت فيهم الحروب وسفك الدماء، فلا بد من البحث. وهذا مردود " انتهى.
"الجامع لأحكام القرآن" (١٦/٢٩٩)
ويقول الحافظ أبو عمرو بن الصلاح ﵀:
" للصحابة بأسرهم خصيصة، وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق مُعَدَّلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة، قال الله ﵎: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) الآية. قيل: اتفق المفسرون على أنه وارد في أصحاب رسول الله ﷺ ، وقال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس) . وهذا خطاب مع الموجودين حينئذ. وقال : (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار) الآية، وفي نصوص السنة الشاهدة بذلك كثرة منها: حديث أبي سعيد المتفق على صحته: أن رسول الله ﷺ قال: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)
ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة.
ومن لابس الفتن منهم: فكذلك، بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع، إحسانا للظن بهم، ونظرا إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن الله أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة. والله أعلم " انتهى.
"مقدمة ابن الصلاح" (ص/١٧١)
ويقول الإمام النووي ﵀:
" اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم، ورواياتهم، وكمال عدالتهم ﵃ أجمعين " انتهى.
"شرح مسلم" (١٥/١٤٩)
وروى الخطيب البغدادي بسنده إلى أبي بكر الأثرم قال: قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل: إذا قال رجل من التابعين: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ فالحديث صحيح؟ قال: نعم.
وروى أيضا ﵀ بسنده إلى الحسين بن إدريس قال: وسألته ـ يعني محمد بن عبد الله بن عمار ـ: إذا كان الحديث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، أيكون ذلك حجة؟ قال: نعم، وإن لم يسمه؛ فإن جميع أصحاب النبي ﷺ كلهم حجة " انتهى.
"الكفاية" (ص/٤١٥)
وانظر جواب السؤال رقم: (٨٣١٢١)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15179
عدد الصحابة
[السُّؤَالُ]
ـ[كم عدد أصحاب الرسول ﷺ ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يمكن القطع بتحديد عدد أصحاب النبي ﷺ ، لتفرقهم في البلدان والقرى والبوادي، ولأن لم يكن على عهد النبي ﷺ كتاب جامع يكتب فيه اسم من أسلم، ومن ولد في الإسلام. كما قال كعب بن مالك ﵁ في سياق قصة تخلفه عن غزوة تبوك: (وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرٌ وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ) رواه البخاري (٤٤١٨) ومسلم (٢٧٦٩) .
وقد جزم الحافظ أبو زرعة الرازي (شيخ الإمام مسلم) بأن عدد الصحابة (١١٤٠٠٠) مائة وأربعة عشر ألفاً. رواه عنه الخطيب البغدادي في "الجامع" (٢/٢٩٣) .
وقال السفاريني ﵀ في "غذاء الألباب":
"فائدة: ذكر أبو زرعة الرازي أن أصحاب النبي ﷺ يزيدون على المائة ألف.....
وروى أنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وجزم بهذا العدد الجلال السيوطي ﵀ في الخصائص الكبرى" انتهى بتصرف.
وهذا العدد (مائة وأربعة عشر ألفاً، أو مائة وأربعة وعشرون ألفاً) ليس بعيداً عن الصواب، فإن وقائع السنة تدل على أن الصحابة ﵃ كانوا نحو هذا العدد.
ففي غزوة تبوك (وكانت في شهر رجب من السنة التاسعة من الهجرة، أي قبل وفاة النبي ﷺ بعامين إلا شهرين تقريباً) .
خرج الرسول ﷺ ومعه ثلاثون ألف مقاتل، ومعهم عشرة آلاف فرس. "زاد المعاد" (٣/٥٢٦- ٥٢٩) .
ولم يتخلف عن النبي ﷺ في تلك الغزوة ممن يستطيع الجهاد إلا كعب بن مالك وصاحباه.
فإذا انضم إلى هذا العدد النساء والصبيان والعجزة وأهل البوادي والأماكن البعيدة عن المدينة [كمكة والطائف] الذين لم يخرجوا في تلك الغزوة، فلا يبعد أن يتجاوز عدد الصحابة مائة ألفٍ.
وقد وصف جابر بن عبد الله ﵄ كثرة من حجوا مع النبي ﷺ حجة الوداع من المدينة فقال: (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ) رواه مسلم (١٢١٨) .
وهؤلاء هم الذين خرجوا مع النبي ﷺ من المدينة وما حولها، وقد انضم إليهم بشر كثير من الطريق، ومن أهل مكة وما حولها.
وقد نقل السخاوي كلام أبي زرعة أنهم مائة ألف وأربعة عشر ألفاً، واختاره، بعد أن ذكر أقوالاً أخرى للعلماء في ذلك.
وانظر: "فتح المغيث" (٤/٤٩- ٥٤) .
فرضي الله عن الصحابة أجمعين، وجعلنا من أتباعهم بإحسان.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15180
قول كرم الله وجهه لعلي بن أبي طالب
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم عبارة (كرم الله وجهه) لعلي بن أبي طالب؟ هل في ذلك تفضيل له عن الصحابة؟ وإذا قلت: (كرم الله وجوه الصحابة أجمعين) فهل في ذلك بأس؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"تخصيص علي بن أبي طالب ﵁ بالدعاء له بـ: (كرم الله وجهه) – هو من صنيع الرافضة الغالين فيه، فالواجب على أهل السنة: البعد عن مشابهتهم في ذلك، وعدم تخصيص علي بن أبي طالب ﵁ بهذا الدعاء دون سائر إخوانه من الصحابة؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم، رضي الله عن الصحابة أجمعين.
وأما استعمال هذا الدعاء لجميع الصحابة فلا بأس به، لكنه ليس من الأدعية المأثورة، والجاري بين المسلمين الترضي عنهم، ﵃، كما جاء في القرآن الكريم: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة/١٠٠.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ بكر أبو زيد.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/٤٣) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15181
يحب أبا سعيد الخدري وأبا هريرة فوق محبته للخلفاء الراشدين
[السُّؤَالُ]
ـ[من بين أصحاب رسول الله ﷺ أفضل الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري وأحبه حبا جما، وهذا والله لا دخل لي في حبه، فقط من تواتر واستمرار قراءتي للأحاديث النبوية يميل قلبي كثيرا له ويأتي الدور الثاني لأبي هريرة ومن بعد الخلفاء الراشدون وسؤالي ما حكم ما أقوم به من تفضيل صحابي على آخر؟ وجزاكم الله تعالى كل خير.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
حب الصحابة ﵃ دين وإيمان وإحسان، كما قال الطحاوي ﵀ في عقيدته المشهورة: " ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم. ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم. ولا نذكرهم إلا بخير. وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان " انتهى.
والصحابة متفاضلون، وأفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم العشرة المبشرون بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة ﵃، هذا ما عليه أهل السنة والجماعة.
قال الذهبي ﵀: " تواتر عن علي ﵁ أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر؛ وخيرهم بعد أبى بكر عمر، انتهى؛ ثم بعد هؤلاء الأربعة في الفضلية، عند أهل السنة: الستة، بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم بقية الصحابة، ﵃ " انتهى نقلا عن "الدر السنية" (١/٢٠٣) .
وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: " والصحابة يتفاضلون، فأفضلهم الخلفاء الراشدون الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، رضي الله عن الجميع، الذين قال فيهم النبي ﵊: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" ثم باقي العشرة المبشرين بالجنة وهم: أبو عبيدة عامر بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، ﵃.
ثم أهل بدر ثم أهل بيعة الرضوان، قال تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) الفتح/١٨.
ثم الذين آمنوا وجاهدوا قبل الفتح، فهم أفضل من الصحابة الذين آمنوا وجاهدوا بعد الفتح، قال تعالى: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) الحديد/١٠، والمراد بالفتح: صلح الحديبية.
ثم المهاجرون عموماً، ثم الأنصار؛ لأن الله قدّم المهاجرين على الأنصار في القرآن، قال سبحانه: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) التوبة/١٠٠، وقال سبحانه: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) الحشر/٨، وهؤلاء هم المهاجرون.
ثم قال سبحانه في الأنصار: (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الحشر/٩.
فقدّم المهاجرين وأعمالهم على الأنصار وأعمالهم، مما دل على أن المهاجرين أفضل؛ لأنهم تركوا أوطانهم وأموالهم وهاجروا في سبيل الله، فدل على صدق إيمانهم، فجميع الصحابة يجب حبهم وموالاتهم " انتهى من "شرح الطحاوية".
وكونك تحب الصحابي الجليل أبا سعيد الخدري ﵁ حبا جما كما ذكرت، لا حرج فيه، لكن لا تعتقد أفضليته على الخلفاء الراشدين والعشرة.
وأبو سعيد الخدري ﵁ ممن شهد غزوة الخندق ثم بيعة الرضوان، وهو أنصاري ﵁.
قال عنه الذهبي ﵀: " الإمام المجاهد، مفتي المدينة " وقال:" كان أحد الفقهاء المجتهدين " انتهى من "سير أعلام النبلاء" (٣/١٦٨) .
وننصحك أخي الكريم بمطالعة سير الصحابة وأخبارهم، وما ورد في السنة من فضائلهم، وأن تعيش مع ذلك طويلاً، لاسيما سيرة الخلفاء الراشدين، ومناقبهم، فإنك لو قرأت ذلك لأحببتهم أعظم من حبك لأبي سعيد ولأبي هريرة، فإن هؤلاء خيار الأمة، وسادة الصحابة، وصفوة الخلق بعد الأنبياء، اختارهم الله تعالى ليكونوا أقرب الناس إلى نبيه وخليله محمد ﷺ .
ثم جاهد نفسك أن تكون محبتك وهواك تبعاً لما جاء به الشرع وصحّت به السنة، وشهد له التاريخ، وقد جعل الله لكل شيء قدراً!!
نسأل الله أن يزيدنا وإياك حبا لنبيه ﷺ وأصحابه، وأن يثبتنا على طريقهم، ويحشرنا معهم، بمنه وكرمه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15182
تفصيل القول في قوله تعالى (وتُخفي في نفسك ما الله مبديه)
[السُّؤَالُ]
ـ[هل صحيح أن رسول الله صلي الله عليه وسلم عندما رأى زوجة زيد بن حارثة أعجبته، فطلب من زيد أن يطلقها حتى يتزوجها رسول الله ﷺ ؟ الرجاء توضيح هذه القصة واستغفر الله لي ولكم، ولكم جزيل الشكر والتقدير]ـ
[الْجَوَابُ]
أولاً:
تقدمة:
إن مقام النبوة مقام شريف، وقد اختار الله تعالى أنبياءه على علم على العالَمين، وما تتناقله كتب الإسرائيليات، وبعض كتب التفسير – للأسف – يحط من ذلك المقام الشريف للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ومن أمثلة ذلك ما روي عن بعضهم أن النبي ﷺ وقع حب زينب بنت جحش في قلبه، وأنه كان يقول لزوجها – زيد بن حارثة – أمسك عليك زوجك، مع أنه يخفي في قلبه حبها، وهذا لا يليق بمقام النبي ﷺ أن يروى وينسب له ﷺ .
وكل ما روي في كتب التفسير عن أحدٍ من السلف مثل هذا أو قريباً منه: فلا يصح عنهم، ويوجد من اغتر بهذه الروايات فجعلها تفسيراً للآيات الواردة في المسألة.
قال الإمام ابن كثير – ﵀:
ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم هاهنا آثاراً عن بعض السلف ﵃ أحببنا أن نضرب عنها صفحاً؛ لعدم صحتها، فلا نوردها.
" تفسير ابن كثير " (٦ / ٤٢٤) .
وقد جاء عن أنس بن مالك وعائشة ﵄ ما يبين شدة هذه الآيات على النبي ﷺ ، ومن فقه هذين الصحابيين ﵄ أنهما أخبرا أنه ﷺ لو كان كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشْكُو، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: (اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) ، قَالَ أَنَسٌ: لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ، قَالَ: فَكَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ.
رواه البخاري (٦٩٨٤) .
روى مسلم (١٧٧) عن عائشة ﵂ مثل قول أنس ﵁.
ثانياً:
ذِكر الآية وسبب نزولها ومجمل معناها:
قال تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) الأحزاب/٣٧.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
وكان سبب نزول هذه الآيات أن الله تعالى أراد أن يشرع شرعاً عامّاً للمؤمنين، أن الأدعياء ليسوا في حكم الأبناء حقيقة، من جميع الوجوه، وأن أزواجهم لا جناح على من تبناهم في نكاحهن.
وكان هذا من الأمور المعتادة التي لا تكاد تزول إلا بحادث كبير، فأراد أن يكون هذا الشرع قولاً من رسوله، وفعلاً، وإذا أراد الله أمراً جعل له سبباً، وكان زيد بن حارثة يُدعى " زيد بن محمد " قد تبناه النبي ﷺ ، فصار يدعى إليه حتى نزل (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ) فقيل له: " زيد بن حارثة ".
وكانت تحته زينب بنت جحش - ابنة عمة رسول الله ﷺ وكان قد وقع في قلب الرسول لو طلقها زيد لتزوَّجها، فقدَّر الله أن يكون بينها وبين زيد ما اقتضى أن جاء زيد بن حارثة يستأذن النبي ﷺ في فراقها.
قال الله: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ) أي: بالإسلام.
(وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ) بالعتق، حين جاءك مشاوراً في فراقها، فقلت له ناصحاً له ومخبراً بمصلحته مع وقوعها في قلبك: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) أي: لا تفارقها، واصبر على ما جاءك منها، (وَاتَّقِ اللَّهَ) تعالى في أمورك عامة، وفي أمر زوجك خاصة، فإن التقوى تحث على الصبر، وتأمر به.
(وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) والذي أخفاه: أنه لو طلقها زيد: لتزوجها ﷺ .
(وَتَخْشَى النَّاسَ) في عدم إبداء ما في نفسك، (وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) فإن خشيته جالبة لكل خير، مانعة من كل شر.
(فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً) أي: طابت نفسه، ورغب عنها، وفارقها: (زَوَّجْنَاكَهَا) وإنما فعلنا ذلك لفائدة عظيمة، وهي: (لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ) حيث رأوك تزوجت زوج زيد بن حارثة، الذي كان من قبل ينتسب إليك.
" تفسير السعدي " (ص ٦٦٥، ٦٦٦) .
وثمة فرق كبير بين أن يكون ما أخفاه ﷺ في قلبه هو محبة زينب، وبين أن يكون المخفي زواجه منها، ولذا كانت زينب ﵂ تفخر بأن الذي زوَجها هو الله تعالى – كما سبق وذكرنا الرواية في ذلك في " صحيح البخاري " -، وهو يؤكِّد صحة القول الصحيح الذي لا ينبغي غيره، وأن الذي كان يخفيه ﷺ هو زواجه بها، وأنه يخشى من كلام الناس في ذلك.
ثالثاً:
تفصيل الكلام حول الآية:
١. قال الإمام القرطبي – ﵀:
وروي عن علي بن الحسين: أن النبي ﷺ كان قد أوحى الله تعالى إليه أن زيداً يطلق زينب، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها، فلمَّا تشكى زيد للنبي ﷺ خُلُق زينب، وأنها لا تطيعه، وأعلمه أنه يريد طلاقها: قال له رسول الله ﷺ على جهة الأدب والوصية: " اتق الله في قولك، وأمسك عليك زوجك " وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوجها، وهذا هو الذي أخفى في نفسه، ولم يُرد أن يأمره بالطلاق؛ لما علم أنه سيتزوجها، وخشي رسول الله ﷺ أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد، وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدْر من أن خشي الناس في شيء قد أباحه الله له، بأن قال: " أمسك " مع علمه بأنه يطلِّق، وأعلمه أن الله أحق بالخشية، أي: في كل حال.
قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين، والعلماء الراسخين، كالزهري، والقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي، وغيرهم.
والمراد بقوله تعالى: (وتخشى الناس) : إنما هو إرجاف المنافقين بأنه نهى عن تزويج نساء الأبناء وتزوَّجَ بزوجة ابنه.
فأما ما روي أن النبي ﷺ هوي زينب امرأة زيد، وربما أطلق بعض المُجَّان لفظ " عشق ": فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي ﷺ عن مثل هذا، أو مستخف بحرمته.
" تفسير القرطبي " (١٤ / ١٩٠، ١٩١) .
٢- وقال الشيخ الشنقيطي – ﵀ –:
التحقيق إن شاء اللَّه في هذه المسألة: هو ما ذكرنا أن القرآن دلَّ عليه، وهو أن اللَّه أعلم نبيّه ﷺ بأن زيداً يطلّق زينب، وأنه يزوّجها إيّاه ﷺ ، وهي في ذلك الوقت تحت زيد، فلما شكاها زيد إليه ﷺ قال له: " أمسك عليك زوجك واتق اللَّه "، فعاتبه اللَّه على قوله: " أمسك عليك زوجك " بعد علمه أنها ستصير زوجته هو ﷺ ، وخشي مقالة الناس أن يقولوا: لو أظهر ما علم من تزويجه إياها أنه يريد تزويج زوجة ابنه في الوقت الذي هي فيه في عصمة زيد.
والدليل على هذا أمران:
الأول: هو ما قدّمنا من أن اللَّه جلَّ وعلا قال: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) ، وهذا الذي أبداه اللَّه جلَّ وعلا، هو زواجه إياها في قوله: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا) ، ولم يبدِ جلَّ وعلا شيئًا ممّا زعموه أنه أحبَّها، ولو كان ذلك هو المراد: لأبداه اللَّه تعالى، كما ترى.
الأمر الثاني: أن اللَّه جلَّ وعلا صرّح بأنه هو الذي زوّجه إياها، وأن الحكمة الإلهية في ذلك التزويج هي قطع تحريم أزواج الأدعياء في قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ) ، فقوله تعالى: (لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ) : تعليل صريح لتزويجه إياها، لما ذكرنا، وكون اللَّه هو الذي زوّجه إياها لهذه الحكمة العظيمة صريح في أن سبب زواجه إياها ليس هو محبّته لها التي كانت سبباً في طلاق زيد لها - كما زعموا، ويوضحه قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً) الآية؛ لأنه يدلّ على أن زيداً قضى وطره منها، ولم تبقَ له بها حاجة، فطلّقها باختياره، والعلم عند اللَّه تعالى.
" أضواء البيان " (٦ / ٥٨٢، ٥٨٣) .
٣. سئل علماء اللجنة الدائمة:
ما هي قصة زيد بن حارثة وزواجه من زينب التي تزوجها بعده النبي ﷺ ؟ وكيف بدأ زواجهما؟ وكيف انتهى؟ حيث إننا سمعنا من بعض الناس في بعض الدول العربية بأن النبي ﷺ قد عشق زينب وغير ذلك، ولا تسمح نفسي بأن أكتب لكم ما سمعت، فأفيدوني؟ .
فأجابوا:
زيد هو ابن حارثة بن شراحيل الكلبي مولى رسول الله ﷺ ، وقد أعتقه وتبنَّاه، فكان يُدعى " زيد بن محمد "، حتى أنزل الله قوله (ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ) ، فدَعوه زيد بن حارثة، أما زينب فهي بنت جحش بن رباب الأسدية، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، أما قصة زواج زيد بزينب: فإنَّ رسول الله ﷺ هو الذي تولى ذلك له، لكونه مولاه ومُتبنّاه، فخطبها من نفسها على زيد، فاستنكفت وقالت: أنا خير منه حسباً، فروي أن الله أنزل في ذلك قوله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) ، فاستجابت طاعةً لله، وتحقيقًا لرغبة رسوله ﷺ ، وقد عاشت مع زيد حوالي سنة، ثم وقع بينهما ما يقع بين الرجل وزوجته، فاشتكاها زيد إلى رسول الله ﷺ ، لمكانتهما منه؛ فإنه مولاه ومتبناه، وزينب بنت عمته " أميمة "، وكأن زيداً عرَّض بطلاقها، فأمره النبي ﷺ بإمساكها، والصبر عليها، مع علمه ﷺ بوحيٍ من الله أنه سيطلقها، وستكون زوجة له ﷺ ، لكنه خشي أن يُعيّره الناس بأنه تزوج امرأة ابنه، وكان ذلك ممنوعاً في الجاهلية، فعاتب الله نبيه في ذلك بقوله (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) ، يعني - والله أعلم -: تخفي في نفسك ما أعلمك الله بوقوعه من طلاق زيد لزوجته زينب وتزوجك إياها، تنفيذاً لأمره تعالى، وتحقيقًا لحكمته، وتخشى قالةَ الناس وتعييرهم إياك بذلك، والله أحق أن تخشاه، فتُعلن ما أوحاه إليك من تفصيل أمرك وأمر زيد وزوجته زينب، دون مبالاة بقالة الناس، وتعييرهم إياك.
أما زواج النبي ﷺ زينب: فقد خطبها النبي ﷺ ، بعد انتهاء عدتها من طلاق زيد، وزوّجه الله إياها بلا ولي ولا شهود؛ فإنه ﷺ ، وليّ المؤمنين جميعاً، بل أولى بهم من أنفسهم، قال الله تعالى (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ، وأبطل الله بذلك عادة التبنّي الجاهلي، وأحلَّ للمسلمين أن يتزوجوا زوجات مَن تبنوه بعد فراقهم إياهن بموتٍ أو طلاقٍ، رحمة منه تعالى بالمؤمنين، ورفعًا للحرج عنهم.
وأما ما يُروى في ذلك من رؤية النبي ﷺ زينب من وراء الستار، وأنها وقعت من قلبه موقعاً بليغاً ففُتن بها وعشقها، وعلم بذلك زيد فكرهها وآثر النبي ﷺ بها فطلقها ليتزوجها بعده: فكله لم يثبت من طريق صحيح، والأنبياء أعظم شأناً، وأعف نفساً، وأكرم أخلاقاً، وأعلى منزلةً وشرفًا من أن يحصل منهم شيء من ذلك، ثم إن النبي ﷺ هو الذي خطبها لزيد ﵁، وهي ابنة عمته، فلو كانت نفسه متعلقة بها لاستأثر بها من أول الأمر، وخاصة أنها استنكفت أن تتزوج زيداً، ولم ترض به حتى نزلت الآية فرضيت، وإنما هذا قضاء من الله وتدبير منه سبحانه لإبطال عاداتٍ جاهلية، ولرحمة الناس والتخفيف عنهم، كما قال تعالى (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا. مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا. الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا. مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) .
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى إسلامية " (١٨ / ١٣٧ – ١٤١) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15183
هل قتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة كي يتزوج امرأته ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أسأل عن مادة قرأتها في موقع للشيعة وقد ذكر فيه: أن خالدا رأى امرأة مالك - وكانت فائقة الجمال - فقال مالك بعد ذلك لامرأته: قتلتني. يعني: سأقتل من أجلك، وقال الزمخشري وابن الأثير وأبو الفدا والزبيدي: إن مالك بن نويرة ﵁ قال لامرأته يوم قتله خالد بن وليد: أقتلتني؟ أسأل عن مدى صحة هذه الرواية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الصحابي الجليل خالد بن الوليد سيف الله المسلول على المشركين، وقائد المجاهدين، القرشي المخزومي المكي، أسلم سنة سبع للهجرة بعد فتح خيبر وقيل قبلها، وتوفي سنة ٢١هـ، وله من الفضائل الشيء الكثير، ومن أهم ما جاء في فضائله:
١- عن أنس ﵁:
أن النبي ﷺ نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال:
(أَخَذَ الرَّايَةَ زَيدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ) وَعَينَاهُ تَذرِفَانِ (حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيفٌ مِن سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيهِم)
رواه البخاري (٤٢٦٢)
٢- وعَنْ عَمْرِو بن الْعَاصِ ﵁ قَالَ:
(مَا عَدَلَ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبِخَالِدِ بن الْوَلِيدِ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ مُنْذُ أَسْلَمْنَا) رواه الحاكم في "المستدرك" (٣/٥١٥) وأبو يعلى في "المسند" (١٣/٢٧٤) وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/٣٥٠) : ورجاله ثقات.
ثانيا:
قد تعرض هذا الصحابي الجليل لحملات من الطعن والتشويه قام عليها بعض المستشرقين الذين يتلقفون كل رواية من غير بحث ولا تدقيق، وقام عليها طوائف من الشيعة حقدا وغيظا من هذا الصحابي الذي أبلى بلاء حسنا في قتال الكفار، وحماية الدولة المسلمة في عهود الخلافة الراشدة.
ومن بعض تلك الطعون القصة المشهورة في قتل مالك بن نويرة وتزوج خالد من امرأته ليلي بنت سنان.
ومالك بن نويرة يكنى أبا حنظلة، كان شاعرا فارسا من فرسان بني يربوع، وكان النبي ﷺ يستعمله على صدقات قومه.
وقد اتفقت الروايات التاريخية على قدر مشترك، فيه أن مالك بن نويرة قتله بعض جند خالد بن الوليد، وأن خالدا تزوج بعد ذلك زوجته ليلى بنت سنان.
وأما سبب قتل مالك بن نويرة وذكر بعض ملابسات ذلك الحادث فقد تفاوتت الروايات في بيانه، إلا أن معظم قدامى المؤرخين الذين سجلوا تلك الحادثة، مثل الواقدي وابن إسحاق ووُثَيمة وسيف بن عمر وابن سعد وخليفة بن خياط وغيرهم، ذكروا امتناع مالك بن نويرة من أداء الزكاة وحبسه إبل الصدقة، ومنعه قومه من أدائها، مما حمل خالدا على قتله، من غير التفات إلى ما يُظهره من إسلام وصلاة.
قال ابن سلام في "طبقات فحول الشعراء" (١٧٢) :
" والمجمع عليه أن خالدا حاوره ورادَّه، وأن مالكا سمح بالصلاة والتوى بالزكاة " انتهى.
وقال الواقدي في كتاب "الردة" (١٠٧-١٠٨) :
" ثم قدَّم خالدٌ مالكَ بن نويرة ليضرب عنقه، فقال مالك: أتقتلني وأنا مسلم أصلي للقبلة؟! فقال له خالد: لو كنتَ مسلما لما منعت الزكاة، ولا أمرت قومك بمنعها." انتهى.
كما تواتر على ذكر ذلك من بعدهم من المؤرخين كالطبري وابن الأثير وابن كثير والذهبي وغيرهم.
وتتحدث بعض الروايات عن علاقة بين مالك بن نويرة وسجاح التي ادعت النبوة، وتشير أيضا إلى سوء خطابٍ صدر من مالك بن نويرة، يفهم منه الردة عن دين الإسلام، كما ذكر ذلك ابن كثير في "البداية والنهاية" (٦/٣٢٢) فقال:
" ويقال: بل استدعى خالد مالك بن نويرة، فأنَّبَه على ما صدر منه من متابعة سجاح، وعلى منعه الزكاة، وقال: ألم تعلم أنها قرينة الصلاة؟ فقال مالك: إن صاحبكم كان يزعم ذلك. فقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟! يا ضرار اضرب عنقه، فضربت عنقه." انتهى.
إذن فلماذا أنكر بعض الصحابة على خالد بن الوليد قتل مالك بن نويرة، كما فعل عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو قتادة الأنصاري؟
يمكن تلمس سبب ذلك من بعض الروايات، حيث يبدو أن مالك بن نويرة كان غامضا في بداية موقفه من الزكاة، فلم يصرح بإنكاره وجوبها، كما لم يقم بأدائها، فاشتبه أمره على هؤلاء الصحابة، إلا أن خالد بن الوليد أخذه بالتهمة فقتله، ولما كان مالك بن نويرة يظهر الإسلام والصلاة كان الواجب على خالد أن يتحرى ويتأنى في أمره، وينظر في حقيقة ما يؤول إليه رأي مالك بن نويرة في الزكاة، فأنكر عليه من أنكر من الصحابة رضوان الله عليهم.
جاء في البداية والنهاية لابن كثير ﵀ (٦/٣٢٢) :
" فبث خالد السرايا في البطاح يدعون الناس، فاستقبله أمراء بني تميم بالسمع والطاعة، وبذلوا الزكوات، إلا ما كان من مالك بن نويرة، فكأنه متحير في أمره، متنح عن الناس، فجاءته السرايا فأسروه وأسروا معه أصحابه، واختلفت السرية فيهم، فشهد أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري أنهم أقاموا الصلاة، وقال آخرون إنهم لم يؤذنوا ولا صلوا." انتهى.
ولما كان مالك بن نويرة من وجهاء قومه وأشرافهم، واشتبه موقفه في بداية لأمر، شكا أخوه متمم بن نويرة ما كان من خالد إلى أبي بكر الصديق ﵁، فعاد ذلك بالعتاب على خالد، وتخطئته في إسراعه إلى قتل مالك بن نويرة، قبل رفع أمره إلى أبي بكر الصديق وكبار الصحابة رضوان الله عليهم.
روى خليفة بن خياط (١/١٧) قال:
" حدثنا علي بن محمد عن أبي ذئب عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: قدم أبو قتادة على أبي بكر فأخبره بمقتل مالك وأصحابه، فجزع من ذلك جزعا شديدا، فكتب أبو بكر إلى خالد فقدم عليه. فقال أبو بكر: هل يزيد خالد على أن يكون تأول فأخطأ؟ ورد أبو بكر خالدا، وودى مالك بن نويرة، ورد السبي والمال." انتهى.
وقال ابن حجر في "الإصابة" (٥/٧٥٥) :
" فقدم أخوه متمم بن نويرة على أبي بكر، فأنشده مرثية أخيه، وناشده في دمه وفي سبيهم، فرد أبو بكر السبي. وذكر الزبير بن بكار أن أبا بكر أمر خالدا أن يفارق امرأة مالك المذكورة، وأغلظ عمر لخالد في أمر مالك، وأما أبو بكر فعذره." انتهى.
هذا غاية ما يمكن أن يقال في شأن قتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة، أنه إما أن يكون أصاب فقتله لمنعه الزكاة وإنكاره وجوبها بعد وفاة النبي ﷺ ، أو إنه أخطأ فتسرع في قتله وقد كان الأوجب أن يتحرى ويتثبت، وعلى كلا الحالين ليس في ذلك مطعن في خالد ﵁.
يقول ابن تيمية ﵀ في "منهاج السنة " (٥/٥١٨) :
" مالك بن نويرة لا يعرف أنه كان معصوم الدم، ولم يثبت ذلك عندنا، ثم يقال: غاية ما يقال في قصة مالك بن نويرة: إنه كان معصوم الدم، وإن خالداً قتله بتأويل، وهذا لا يبيح قتل خالد، كما أن أسامة بن زيد لما قتل الرجل الذي قال: لا إله إلا الله. وقال له النبي ﷺ : " يا أسامة أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ يا أسامة أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ يا أسامة أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ " فأنكر عليه قتله، ولم يوجب قوداً ولا دية ولا كفارة.
وقدر روى محمد بن جرير الطبري وغيره عن ابن عباس وقتادة أن هذه الآية: قوله تعالى:
(وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً) نزلت في شأن مرداس، رجل من غطفان، بعث النبي ﷺ جيشاً إلى قومه، عليهم غالب الليثي، ففر أصحابه ولم يفر. قال: إني مؤمن، فصبحته الخيل، فسلم عليهم، فقتلوه وأخذوا غنمه، فأنزل الله هذه الآية، وأمر رسول الله ﷺ برد أمواله إلى أهله وبديته إليهم، ونهى المؤمنين عن مثل ذلك.
وكذلك خالد بن الوليد قد قتل بني جذيمة متأولاً، ورفع النبي ﷺ يديه وقال: " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ". ومع هذا فلم يقتله النبي ﷺ لأنه كان متأولاً؛ فإذا كان النبي لم يقتله مع قتله غير واحد من المسلمين من بني جذيمة للتأويل، فلأن لا يقتله أبو بكر لقتله مالك بن نويرة بطريق الأولى والأحرى." انتهى.
أما اتهام خالد بن الوليد ﵁ بأنه قتل مالك بن نويرة من أجل أن يتزوج امرأته لهواه السابق بها، فيبدو أنها تهمة مبكرة رماه بها مالك نفسه وبعض أتباعه بها، وليس لهم عليها دليل ظاهر، إنما يبدو أنه أطلقها ليغطي بها السبب الحقيقي الذي قتل لأجله وهو منع الزكاة، يدل على ذلك: الحوار الذي نقله الواقدي بين خالد ومالك.
قال الواقدي في "كتاب الردة" (١٠٧-١٠٨) :
" فالتفت مالك بن نويرة إلى امرأته، فنظر إليها ثم قال: يا خالد بهذا تقتلني.
فقال خالد: بل لله أقتلك، برجوعك عن دين الإسلام، وجفلك – يعني منعك - لإبل الصدقة، وأمرك لقومك بحبس ما يجب عليهم من زكاة أموالهم. قال: ثم قدمه خالد فضرب عنقه صبرا.
فيقال إن خالد بن الوليد تزوج بامرأة مالك ودخل بها، وعلى ذلك أجمع أهل العلم." انتهى.
يقول الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (٥/٧٥٥) :
" وروى ثابت بن قاسم في "الدلائل" أن خالدا رأى امرأة مالك - وكانت فائقة في الجمال - فقال مالك بعد ذلك لامرأته: قتلتِني! يعني: سأقتل من أجلك.
وهذا قاله ظنا، فوافق أنه قتل، ولم يكن قتله من أجل المرأة كما ظن." انتهى.
ويقول ابن حجر الهيتمي في "الصواعق المحرقة" (١/٩١) :
" الحق عدم قتل خالد؛ لأن مالكا ارتد ورد على قومه صدقاتهم لما بلغه وفاة رسول الله، كما فعل أهل الردة، وقد اعترف أخو مالك لعمر بذلك.
وتزوُّجُه امرأتَه: لعله لانقضاء عدتها بالوضع عقب موته، أو يحتمل أنها كانت محبوسة عنده بعد انقضاء عدتها عن الأزواج على عادة الجاهلية، وعلى كل حال فخالد أتقى لله من أن يظن به مثل هذه الرذالة التي لا تصدر من أدنى المؤمنين، فكيف بسيف الله المسلول على أعدائه، فالحق ما فعله أبو بكر، لا ما اعترض به عليه عمر رضي الله تعالى عنهما، ويؤيد ذلك أن عمر لما أفضت إليه الخلافة لم يتعرض لخالد، ولم يعاتبه، ولا تنقصه بكلمة في هذا الأمر قط، فعلم أنه ظهر له أحقية ما فعله أبو بكر، فرجع عن اعتراضه، وإلا لم يتركه عند استقلاله بالأمر؛ لأنه كان أتقى لله من أن يداهن في دين الله أحدا " انتهى.
ويقول الدكتور علي الصلابي في كتابه "أبو بكر الصديق" (٢١٩) :
" وخلاصة القصة أن هناك من اتهم خالدا بأنه تزوج أم تميم فور وقوعها في يده، لعدم صبره على جمالها، ولهواه السابق فيها، وبذلك يكون زواجه منها - حاش لله - سفاحا، فهذا قول مستحدث لا يعتد به، إذ خلت المصادر القديمة من الإشارة إليه، بل هي على خلافه في نوصها الصريحة، يذكر الماوردي في "الأحكام السلطانية" (٤٧) أن الذي جعل خالدا يقدم على قتل مالك هو منعه للصدقة التي استحل بها دمه، وبذلك فسد عقد المناكحة بينه وبين أم تميم، وحكم نساء المرتدين إذا لحقن بدار الحرب أن يسبين ولا يقتلن، كما يشير إلى ذلك السرخسي في المبسوط (١٠/١١١) ، فلما صارت أم تميم في السبي اصطفاها خالد لنفسه، فلما حلت بنى بها كما "البداية والنهاية".
ويعلق الشيخ أحمد شاكر على هذه المسألة بقوله: إن خالدا أخذها هي وابنها ملك يمين بوصفها سبية، إذ إن السبية لا عدة عليها، وإنما يحرم حرمة قطعية أن يقربها مالكها إن كانت حاملا قبل أن تضع حملها، وإن كانت غير حامل حتى تحيض حيضة واحدة، ثم دخل بها وهو عمل مشروع جائز لا مغمز فيه ولا مطعن، إلا أن أعداءه والمخالفين عليه رأوا في هذا العمل فرصتهم، فانتهزوها وذهبوا يزعمون أن مالك بن نويرة مسلم، وأن خالدا قتله من أجل امرأته وأما ما ذكره من تزوجه بامرأته ليلة قتله، فهذا مما لم يعرف ثبوته. ولو ثبت لكان هناك تأويل يمنع الرجم. والفقهاء مختلفون في عدة الوفاة: هل تجب للكافر؟ على قولين. وكذلك تنازعوا: هل يجب على الذمية عدة وفاة؟ على قولين مشهورين للمسلمين، بخلاف عدة الطلاق، فإن تلك سببها الوطء، فلا بد من براءة الرحم. وأما عدة الوفاة فتجب بمجرد العقد، فإذا مات قبل الدخول بها فهل تعتد من الكافر أم لا؟ فيه نزاع. وكذلك إن كان دخل بها،وقد حاضت بعد الدخول حيضة.
هذا إذا كان الكافر أصلياً. وأما المرتد إذا قتل، أو مات على ردته، ففي مذهب الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد ليس عليها عدة وفاة بل عدة فرقة بائنة، لأن النكاح بطل بردة الزوج، وهذه الفرقة ليست طلاقاً عند الشافعي وأحمد، وهي طلاق عند مالك وأبي حنيفة، ولهذا لم يوجبوا عليها عدة وفاة، بل عدة فرقة بائنة، فإن كان لم يدخل بها فلا عدة عليها، كما ليس عليها عدة من الطلاق.
ومعلوم أن خالدا قتل مالك بن نويرة لأنه رآه مرتداً، فإذا كان لم يدخل بامرأته فلا عدة عليها عند عامة العلماء، وإن كان قد دخل بها فإنه يجب عليها استبراء بحيضة، لا بعدة كاملة، في أحد قوليهم، وفي الآخر: بثلاث حيض، وإن كان كافراً أصلياً فليس على امرأته عدة وفاة في أحد قوليهم. وإذا كان الواجب استبراء بحيضة فقد تكون حاضت. ومن الفقهاء من يجعل بعض الحيضة استبراء، فإذا كانت في آخر الحيض جعل ذلك استبراء لدلالته على براءة الرحم.
وبالجملة فنحن لم نعلم أن القضية وقعت على وجه لا يسوغ فيها الاجتهاد، والطعن بمثل ذلك من قول من يتكلم بلا علم، وهذا مما حرمه الله ورسوله) " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15184
قصة إسلام سلمان الفارسي ﵁
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة الحديث عندما اعتنق نصراني الإسلام، فحكى للرسول ﷺ عن قصة إسلامه، فأخبره أنه التقى عدة رهبان، كل واحد منهم يوصيه بالذهاب للآخر، فكان آخرهم رجل صالح يخرج مرة في العام، يشفي الناس، فلما أدركه نصحه بالذهاب لمكة، وأعطاه أوصاف الرسول ﷺ ، فقال له الرسول ﷺ : إن صدقت القول فهو المسيح عيسى؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحديث الذي يعنيه السائل هو حديث طويل في قصة إسلام الصحابي الجليل سلمان الفارسي ﵁، فقد كان على الديانة المجوسية ثم انتقل إلى النصرانية ثم انتقل إلى الإسلام،
وذلك بعد أن التقى عدة رهبان من رهبان النصارى، وكان آخرهم رجل صالح عنده علم عن نبي آخر الزمان، فنصح الراهب سلمان أن يذهب إلى بلاد العرب التي سيخرج فيها ووصفها له، فكانت هي مدينة النبي ﷺ ، ولكن ليس في الحديث أن النبي ﷺ قال عن هذا الراهب إنه المسيح عيسى بن مريم ﵇، بل عيسى ﵇ في السماء، رفعه الله إليه إلى أجل مسمى، حتى ينزله الله تعالى فيقيم به الدين في آخر الزمان.
وقصة إسلام سلمان قصة عظيمة، فيها العبرة والعظة والفائدة، وأترك السائل الكريم ليقرأ الحديث بكماله، ويستفيد مما فيه:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ حَدِيثَهُ مِنْ فِيهِ قَالَ
(كُنْتُ رَجُلا فَارِسِيًّا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ، مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ مِنْهَا يُقَالُ لَهَا جَيٌّ، وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ قَرْيَتِهِ (أي رئيسها) ، وَكُنْتُ أَحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حُبُّهُ إِيَّايَ حَتَّى حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ، أَيْ مُلازِمَ النَّارِ، كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ، وَأَجْهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى كُنْتُ قَطَنَ النَّارِ (أي خادمها) الَّذِي يُوقِدُهَا لا يَتْرُكُهَا تَخْبُو سَاعَةً، قَالَ وَكَانَتْ لأَبِي ضَيْعَةٌ (أي بستان) عَظِيمَةٌ، قَالَ فَشُغِلَ فِي بُنْيَانٍ لَهُ يَوْمًا فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ، إِنِّي قَدْ شُغِلْتُ فِي بُنْيَانٍ هَذَا الْيَوْمَ عَنْ ضَيْعَتِي فَاذْهَبْ فَاطَّلِعْهَا، وَأَمَرَنِي فِيهَا بِبَعْضِ مَا يُرِيدُ، فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ضَيْعَتَهُ، فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِ النَّصَارَى، فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَكُنْتُ لا أَدْرِي مَا أَمْرُ النَّاسِ لِحَبْسِ أَبِي إِيَّايَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا مَرَرْتُ بِهِمْ وَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُونَ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ أَعْجَبَنِي صَلَاتُهُمْ وَرَغِبْتُ فِي أَمْرِهِمْ، وَقُلْتُ هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدِّينِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا تَرَكْتُهُمْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَتَرَكْتُ ضَيْعَةَ أَبِي وَلَمْ آتِهَا، فَقُلْتُ لَهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا: بِالشَّامِ. قَالَ ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِي وَقَدْ بَعَثَ فِي طَلَبِي وَشَغَلْتُهُ عَنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ، قَالَ فَلَمَّا جِئْتُهُ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ! أَيْنَ كُنْتَ؟ أَلَمْ أَكُنْ عَهِدْتُ إِلَيْكَ مَا عَهِدْتُ؟ قَالَ قُلْتُ: يَا أَبَتِ! مَرَرْتُ بِنَاسٍ يُصَلُّونَ فِي كَنِيسَةٍ لَهُمْ، فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ دِينِهِمْ، فَوَاللَّهِ مَازِلْتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْس، قَالَ: أَيْ بُنَيَّ! لَيْسَ فِي ذَلِكَ الدِّينِ خَيْرٌ، دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْهُ، قَالَ قُلْتُ: كَلا وَاللَّهِ إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ دِينِنَا. قَالَ: فَخَافَنِي، فَجَعَلَ فِي رِجْلَيَّ قَيْدًا، ثُمَّ حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ، قَالَ وَبَعثَتُ إِلَى النَّصَارَى فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَكْبٌ مِنْ الشَّامِ تُجَّارٌ مِنْ النَّصَارَى فَأَخْبِرُونِي بِهِمْ. قَالَ: فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ رَكْبٌ مِنْ الشَّامِ تُجَّارٌ مِنْ النَّصَارَى، قَالَ فَأَخْبَرُونِي بِهِمْ، قَالَ فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَضَوْا حَوَائِجَهُمْ وَأَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلادِهِمْ فَآذِنُونِي بِهِمْ، قَالَ فَلَمَّا أَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلَادِهِمْ أَخْبَرُونِي بِهِمْ، فَأَلْقَيْتُ الْحَدِيدَ مِنْ رِجْلَيَّ ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ، فَلَمَّا قَدِمْتُهَا قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا: الأَسْقُفُّ فِي الْكَنِيسَةِ. قَالَ فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي هَذَا الدِّينِ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ أَخْدُمُكَ فِي كَنِيسَتِكَ وَأَتَعَلَّمُ مِنْكَ وَأُصَلِّي مَعَكَ، قَالَ: فَادْخُلْ. فَدَخَلْتُ مَعَهُ، قَالَ فَكَانَ رَجُلَ سَوْءٍ، يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا فَإِذَا جَمَعُوا إِلَيْهِ مِنْهَا أَشْيَاءَ اكْتَنَزَهُ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُعْطِهِ الْمَسَاكِينَ، حَتَّى جَمَعَ سَبْعَ قِلالٍ مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ، قَالَ وَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا لِمَا رَأَيْتُهُ يَصْنَعُ، ثُمَّ مَاتَ فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ النَّصَارَى لِيَدْفِنُوهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا كَانَ رَجُلَ سَوْءٍ، يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُكُمْ فِيهَا فَإِذَا جِئْتُمُوهُ بِهَا اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئًا. قَالُوا: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟ قَالَ قُلْتُ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزِهِ. قَالُوا: فَدُلَّنَا عَلَيْهِ. قَالَ فَأَرَيْتُهُمْ مَوْضِعَهُ، قَالَ فَاسْتَخْرَجُوا مِنْهُ سَبْعَ قِلَالٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا وَوَرِقًا، قَالَ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: وَاللَّهِ لا نَدْفِنُهُ أَبَدًا. فَصَلَبُوهُ ثُمَّ رَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، ثُمَّ جَاءُوا بِرَجُلٍ آخَرَ فَجَعَلُوهُ بِمَكَانِهِ، قَالَ يَقُولُ سَلْمَانُ: فَمَا رَأَيْتُ رَجُلا لا يُصَلِّي الْخَمْسَ أَرَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَلا أَرْغَبُ فِي الآخِرَةِ وَلا أَدْأَبُ لَيْلا وَنَهَارًا مِنْهُ. قَالَ فَأَحْبَبْتُهُ حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ مَنْ قَبْلَهُ، وَأَقَمْتُ مَعَهُ زَمَانًا، ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ! إِنِّي كُنْتُ مَعَكَ، وَأَحْبَبْتُكَ حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ مَنْ قَبْلَكَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ! وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا الْيَوْمَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، لَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ وَبَدَّلُوا وَتَرَكُوا أَكْثَرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ إِلا رَجُلا بِالْمَوْصِلِ وَهُوَ فُلانٌ، فَهُوَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، فَالْحَقْ بِهِ.قَالَ فَلَمَّا مَاتَ وَغَيَّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلانُ! إِنَّ فُلانًا أَوْصَانِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ أَلْحَقَ بِكَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ عَلَى أَمْرِهِ. قَالَ فَقَالَ لِي: أَقِمْ عِنْدِي. فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ، فَوَجَدْتُهُ خَيْرَ رَجُلٍ عَلَى أَمْرِ صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلانُ! إِنَّ فُلانًا أَوْصَى بِي إِلَيْكَ وَأَمَرَنِي بِاللُّحُوقِ بِكَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مِنْ اللَّهِ مَا تَرَى، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ! وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ رَجُلًا عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ إِلا بِنِصِِّيبِينَ، وَهُوَ فُلَانٌ، فَالْحَقْ بِهِ. وَقَالَ فَلَمَّا مَاتَ وَغَيَّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ نِصِِّيبِينَ، فَجِئْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِي وَمَا أَمَرَنِي بِهِ صَاحِبِي، قَالَ: فَأَقِمْ عِنْدِي. فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى أَمْرِ صَاحِبَيْهِ، فَأَقَمْتُ مَعَ خَيْرِ رَجُلٍ، فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ، فَلَمَّا حَضَرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ! إِنَّ فُلانًا كَانَ أَوْصَى بِي إِلَى فُلانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ! وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا بَقِيَ عَلَى أَمْرِنَا آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ إِلا رَجُلا بِعَمُّورِيَّةَ، فَإِنَّهُ بِمِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَأْتِهِ قَالَ فَإِنَّهُ عَلَى أَمْرِنَا، قَالَ فَلَمَّا مَاتَ وَغَيَّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ عَمُّورِيَّةَ وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي. فَأَقَمْتُ مَعَ رَجُلٍ عَلَى هَدْيِ أَصْحَابِهِ وَأَمْرِهِمْ، قَالَ وَاكْتَسَبْتُ حَتَّى كَانَ لِي بَقَرَاتٌ وَغُنَيْمَةٌ، قَالَ ثُمَّ نَزَلَ بِهِ أَمْرُ اللَّهِ فَلَمَّا حَضَرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلانُ! إِنِّي كُنْتُ مَعَ فُلانٍ، فَأَوْصَى بِي فُلانٌ إِلَى فُلانٍ، وَأَوْصَى بِي فُلانٌ إِلَى فُلانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ! وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ، هُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ، يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُهَاجِرًا إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ (الحرة: الأرض ذات الحجارة السود) ، بَيْنَهُمَا نَخْلٌ، بِهِ عَلامَاتٌ لا تَخْفَى: يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَإِنْ استَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلادِ فَافْعَلْ. قَالَ ثُمَّ مَاتَ وَغَيَّبَ، فَمَكَثْتُ بِعَمُّورِيَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْكُثَ، ثُمَّ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ كَلْبٍ تُجَّارًا، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَحْمِلُونِي إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ وَأُعْطِيكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ وَغُنَيْمَتِي هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَأَعْطَيْتُهُمُوهَا وَحَمَلُونِي، حَتَّى إِذَا قَدِمُوا بِي وَادِي الْقُرَى ظَلَمُونِي فَبَاعُونِي مِنْ رَجُلٍ مِنْ يَهُودَ عَبْدًا، فَكُنْتُ عِنْدَهُ، وَرَأَيْتُ النَّخْلَ، وَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ الْبَلَدَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، وَلَمْ يَحِقْ لِي فِي نَفْسِي، فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنْ الْمَدِينَةِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَابْتَاعَنِي مِنْهُ، فَاحْتَمَلَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ رَأَيْتُهَا فَعَرَفْتُهَا بِصِفَةِ صَاحِبِي، فَأَقَمْتُ بِهَا، وَبَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا أَقَامَ، لا أَسْمَعُ لَهُ بِذِكْرٍ مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ شُغْلِ الرِّقِّ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي رَأْسِ عَذْقٍ لِسَيِّدِي أَعْمَلُ فِيهِ بَعْضَ الْعَمَلِ وَسَيِّدِي جَالِسٌ إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ فُلانُ: قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي قَيْلَةَ، وَاللَّهِ إِنَّهُمْ الآنَ لَمُجْتَمِعُونَ بِقُبَاءَ عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَكَّةَ الْيَوْمَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ، قَالَ فَلَمَّا سَمِعْتُهَا أَخَذَتْنِي الْعُرَوَاءُ (برد الحمى) حَتَّى ظَنَنْتُ سَأَسْقُطُ عَلَى سَيِّدِي، قَالَ: وَنَزَلْتُ عَنْ النَّخْلَةِ فَجَعَلْتُ أَقُولُ لابْنِ عَمِّهِ ذَلِكَ: مَاذَا تَقُولُ مَاذَا تَقُولُ؟ قَالَ فَغَضِبَ سَيِّدِي فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلِهَذَا؟! أَقْبِلْ عَلَى عَمَلِكَ. قَالَ قُلْتُ: لا شَيْءَ، إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَسْتَثْبِتَ عَمَّا قَالَ. وَقَدْ كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ قَدْ جَمَعْتُهُ، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ أَخَذْتُهُ ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِقُبَاءَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ وَمَعَكَ أَصْحَابٌ لَكَ غُرَبَاءُ ذَوُو حَاجَةٍ، وَهَذَا شَيْءٌ كَانَ عِنْدِي لِلصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُكُمْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِكُمْ، قَالَ فَقَرَّبْتُهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا. وَأَمْسَكَ يَدَهُ فَلَمْ يَأْكُلْ، قَالَ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي هَذِهِ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ عَنْهُ فَجَمَعْتُ شَيْئًا، وَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ، فَقُلْتُ إِنِّي رَأَيْتُكَ لا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أَكْرَمْتُكَ بِهَا، قَالَ فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا مَعَهُ، قَالَ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي هَاتَانِ اثْنَتَانِ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ، قَالَ: وَقَدْ تَبِعَ جَنَازَةً مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ شَمْلَتَانِ لَهُ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَدَرْتُ أَنْظُرُ إِلَى ظَهْرِهِ هَلْ أَرَى الْخَاتَمَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَدَرْتُهُ عَرَفَ أَنِّي أَسْتَثْبِتُ فِي شَيْءٍ وُصِفَ لِي، قَالَ فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ فَعَرَفْتُهُ فَانْكَبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَبِّلُهُ وَأَبْكِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَحَوَّلْ. فَتَحَوَّلْتُ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ حَدِيثِي كَمَا حَدَّثْتُكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ فَأَعْجَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ شَغَلَ سَلْمَانَ الرِّقُّ حَتَّى فَاتَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرٌ وَأُحُدٌ، قَالَ ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ. فَكَاتَبْتُ صَاحِبِي عَلَى ثَلاثِ مِائَةِ نَخْلَةٍ أُحْيِيهَا لَهُ بِالْفَقِيرِ (حفرة الفسيلة التي تغرس فيها) وَبِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: أَعِينُوا أَخَاكُمْ. فَأَعَانُونِي بِالنَّخْلِ، الرَّجُلُ بِثَلاثِينَ وَدِيَّةً (أي صغار النخل) ، وَالرَّجُلُ بِعِشْرِينَ، وَالرَّجُلُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ، وَالرَّجُلُ بِعَشْرٍ، يَعْنِي الرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ لِي ثَلاثُ مِائَةِ وَدِيَّةٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَفَقِّرْ لَهَا (أي احفر لها موضع غرسها) ، فَإِذَا فَرَغْتَ فَأْتِنِي أَكُونُ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدَيَّ، فَفَقَّرْتُ لَهَا وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ مِنْهَا جِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعِي إِلَيْهَا: فَجَعَلْنَا نُقَرِّبُ لَهُ الْوَدِيَّ، وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ مَا مَاتَتْ مِنْهَا وَدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَأَدَّيْتُ النَّخْلَ وَبَقِيَ عَلَيَّ الْمَالُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ بَيْضَةِ الدَّجَاجَةِ مِنْ ذَهَبٍ، مِنْ بَعْضِ الْمَغَازِي، فَقَالَ: مَا فَعَلَ الْفَارِسِيُّ الْمُكَاتَبُ؟ قَالَ فَدُعِيتُ لَهُ فَقَالَ: خُذْ هَذِهِ فَأَدِّ بِهَا مَا عَلَيْكَ يَا سَلْمَانُ. فَقُلْتُ: وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّا عَلَيَّ. قَالَ: خُذْهَا فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي بِهَا عَنْكَ. قَالَ فَأَخَذْتُهَا فَوَزَنْتُ لَهُمْ مِنْهَا، وَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، فَأَوْفَيْتُهُمْ حَقَّهُمْ، وَعُتِقْتُ، فَشَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَنْدَقَ، ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مَشْهَدٌ)
رواه أحمد في المسند (٥/٤٤١) وقال المحققون: إسناده حسن.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15185
حكم تسمية الابن معاوية وذِكر من تسمى بهذا الاسم
[السُّؤَالُ]
ـ[زوجتي مسلمة سعودية، وأصلها من فارس، وبعض أهلها لهم حساسية من خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ﵁، فاتفقت أنا وهي أن نسمي مولودنا القادم (معاوية) انتصارا ًله، وحتى يحبوه فيحبوا خال المؤمنين ﵁ , وذلك أن بعض أقاربها من فارس لهم ميول للتشيع المذموم فيقدحون في معاوية، أما أبوها وأمها فلا رأي لهم فيه , فما حكم تسمية الابن بـ (معاوية) ؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نشكر لك ولزوجتك حبَّكما للصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان ﵁، ونشكر لكما جهودكما في تبليغ حبه للآخرين الذين تأثروا بشائعات الروافض حوله.
وقد كان من هدي النبي ﷺ أنه يغيِّر الاسم القبيح لاسم حسن، وقد كان معاوية ﵁ من كتبة الوحي، ولو كان اسمه قبيحاً لغيَّره النبي ﷺ ، وعليه: فلا مانع من تسمية ابنكما " معاوية " وخاصة أنكما تقصدان تحبيب هذا الصحابي لبعض أهل زوجتك، فلعلها مناسبة لكما أن تلمَّا بحياة هذا الصحابي الجليل، وأن تقرآ ما كتبه أهل السنَّة في فضائله والدفاع عنه؛ لتستطيعا مواجهة الخصوم، ونشر فضائل هذا الصحابي الجليل.
والروافض – الشيعة – يكذبون ويفترون على الشرع والتاريخ وحتى اللغة، وهم يتندرون باسم الصحابي الجليل " معاوية " ويتخذونه هزواً، ويزعمون أن معنى اسمه " الكلبة "!
والرد عليهم:
١. أنه حتى لو كان معناه " الكلبة " فإن العرب تسمي بأسماء الحيوانات نظراً إلى ما عندها من صفات لا لكونها بهيمة، فيسمون " جحش " و " صقر " و " ذئب " وهكذا، ولاسم الكلب نصيب كبير من تسمية أبنائهم وقبائلهم وديارهم.
٢. أنهم كذبوا في زعمهم أن اسم " معاوية " يعني " الكلبة "؛ لأن " المعاوية " بأل التعريف هي التي تعني " الكلبة "، وأما من دونها فمعناه " قوة اليد "، و " أبو معاوية " هو الفهْد، وهذا يفسد عليهم – كذلك – الطعن بوالده أبو سفيان ﵁.
قال ابن منظور – ﵀:
وعوى الرجل: بلغ ثلاثين سنة فقَوِيت يدهُ، فعوى يد غيرهِ، أي: عطفها شديداً.
" لسان العرب " (١٥ / ١٠٧) .
وقال الفيروزآبادي:
و" المُعاوَيةُ " الكَلْبَةُ وجِرْوُ الثْعْلَبِ، وبِلا لام: ابنُ أبي سفيانَ الصَحابِيُّ، وأبو مُعاوِيَةَ: الفَهْد.
" القاموس المحيط " (ص ١٦٩٧) .
ثانياً:
وأما إطلاق لقب " خال المؤمنين " – باعتبار أن أخته أم حبيبة أم المؤمنين – فقد ثبت هذا عن بعض أئمة أهل السنَّة، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل ﵀.
عن أبي طالب أنه سأل أبا عبد الله – أحمد بن حنبل - أقول: " معاوية خال المؤمنين " و " ابن عمر خال المؤمنين "؟ قال: نعم، معاوية أخو أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ ورحمهما، وابن عمر أخو حفصة زوج النبي ﷺ ورحمهما، قلت: أقول معاوية خال المؤمنين؟ قال: نعم.
" السنَّة " للخلال (٢ / ٤٣٣) طبعة دار الراية.
وعن هارون بن عبد الله أنه قال لأبي عبد الله – أحمد بن حنبل -: جاءني كتاب من " الرقة " أن قوماً قالوا: لا نقول معاوية خال المؤمنين، فغضب، وقال: ما اعتراضهم في هذا الموضع؟ يُجْفَوْن حتى يتوبوا.
" السنَّة " للخلال (٢ / ٤٣٤) .
وعن محمد بن أبي هارون ومحمد بن أبي جعفر أن أبا الحارث حدثهم قال: وجهنا رقعة إلى أبي عبد الله – أحمد بن حنبل - ما تقول رحمك الله فيمن قال لا أقول إن معاوية كاتب الوحي ولا أقول إنه خال المؤمنين فإنه أخذها بالسيف غصباً؟ قال أبو عبد الله: هذا قول سوء رديء، يجانبون هؤلاء القوم، ولا يجالسون، ونبين أمرهم للناس.
" السنَّة " للخلال (٢ / ٤٣٤) .
وعن أبي بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله – أحمد بن حنبل - أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: معاوية أفضل، لسنا نقيس بأصحاب رسول الله ﷺ أحداً، قال النبي ﷺ " خير الناس قرني الذي بُعثت فيهم ".
" السنَّة " للخلال (٢ / ٤٣٤) .
وكل أسانيد هذه الآثار صحيحة كما تجده في تحقيق الكتاب للدكتور عطية الزهراني.
ثالثاً:
وهذه قائمة في ذِكر من اسمه " معاوية " من الصحابة – وفي بعضهم بحث - من كتاب " الإصابة في تمييز الصحابة " وهو يدل على شهرة التسمي بهذا الاسم:
معاوية بن أنس السلمي، معاوية بن ثور بن عبادة بن البكاء العامري البكائي، معاوية بن جاهمة بن العباس بن مرداس السلمي، معاوية بن الحارث بن المطلب بن عبد المطلب، معاوية بن حديج، معاوية بن حزن القشيري، معاوية بن الحكم السلمي، معاوية بن حيدة بن معاوية بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة القشيري، معاوية بن أبي ربيعة الجرمي، معاوية بن سفيان بن عبد الأسد، معاوية بن سويد بن مقرن المزني، معاوية بن صعصعة التميمي، معاوية بن عبادة بن عقيل، معاوية بن عبد الله، معاوية بن عروة الدئلي، معاوية بن عفيف المزني، معاوية بن عمرو، معاوية بن قرمل، معاوية بن محصن بن علس، معاوية بن مرداس بن أبي عامر، معاوية بن معاوية المزني، معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية الأموي، معاوية بن مقرن المزني، معاوية بن نفيع، معاوية الثقفي، معاوية العذري، معاوية الليثي، معاوية الهذلي.
" الإصابة " للحافظ ابن حجر (٦ / ١٤٥ - ١٦٤) طبعة دار الجيل.
وفي كتاب " سير أعلام النبلاء " جملة من التابعين والسلف ممن تسمى باسم معاوية، فلينظر فهرس " السير " (٢٥ / ٤٤٨) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15186
فضل الصحابة رضوان الله عليهم
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو توضيحاً في فضل الصحابة، وما هي مميزاتهم عن غيرهم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اعتقاد عدالةِ الصحابة وفضلهم هو مذهبُ أهلِ السنة والجماعة، وذلك لما أثنى اللهُ تعالى عليهم في كتابه، ونطقت به السنَّةُ النبويةُ في مدحهم، وتواتر هذه النصوص في كثير من السياقات مما يدل دلالة واضحة على أن الله تعالى حباهم من الفضائل، وخصهم من كريم الخصال، ما نالوا به ذلك الشرف العالي، وتلك المنزلة الرفيعة عنده؛ وكما أن الله تعالى يختار لرسالته المحل اللائق بها من قلوب عباده، فإنه سبحانه يختار لوراثة النبوة من يقوم بشكر هذه النعمة، ويليق لهذه الكرامة؛ كما قال تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) الأنعام/ ١٢٤.
قال ابن القيم ﵀: " فالله سبحانه أعلم حيث يجعل رسالاته أصلا وميراثا؛ فهو أعلم بمن يصلح لتحمل رسالته فيؤديها إلى عباده بالأمانة والنصيحة، وتعظيم المرسل والقيام بحقه، والصبر على أوامره والشكر لنعمه، والتقرب إليه، ومن لا يصلح لذلك، وكذلك هو سبحانه أعلم بمن يصلح من الأمم لوراثة رسله والقيام بخلافتهم، وحمل ما بلغوه عن ربهم " طريق الهجرتين، ص (١٧١) .
وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) الأنعام/٥٣.
قال الشيخ السعدي ﵀: " الذين يعرفون النعمة، ويقرون بها، ويقومون بما تقتضيه من العمل الصالح، فيضع فضله ومنته عليهم، دون من ليس بشاكر. فإن الله تعالى حكيم، لا يضع فضله، عند من ليس له أهل. "
وكما جاءت الآيات والأحاديث بفضلهم وعلو منزلتهم، جاءت أيضا بذكر الأسباب التي استحقوا بها هذه المنازل الرفيعة، ومن ذلك قوله تعالى:
(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) الفتح/٢٩
ومن أعظم موجبات رفعة مكانة الصحابة، ما شهد الله تعالى لهم من طهارة القلوب، وصدق الإيمان، وتلك – والله - شهادة عظيمة من رب العباد، لا يمكن أن ينالها بَشَر بعد انقطاع الوحي.
اسمع قوله : (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) الفتح/١٨
قال ابن كثير ﵀ في "تفسير القرآن العظيم" (٤/٢٤٣) :
" فعلم ما في قلوبهم: أي: من الصدق والوفاء والسمع والطاعة " انتهى.
وما أحسن ما قال عبد الله بن مسعود ﵁: " من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة؛ أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا أفضل هذه الأمة؛ أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم " رواه ابن عبد البر في الجامع، رقم (١٨١٠) .
وقد وعد الله المهاجرين والأنصار بالجنات والنعيم المقيم، وأحَلَّ عليهم رضوانه في آيات تتلى إلى يوم القيامة، فهل يعقل أن يكون ذلك لمن لا يستحق الفضل!؟
يقول : (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة/١٠٠
وقد شهد لهم بالفضل سيد البشر وإمام الرسل والأنبياء، فقد كان شاهدا عليهم في حياته، يرى تضحياتهم، ويقف على صدق عزائمهم، فأرسل ﷺ كلمات باقيات في شرف أصحابه وحبه لهم.
عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : (لا تَسُبُّوا أَصحَابِي؛ فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أَنَّ أَحَدَكُم أَنفَقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدرَكَ مُدَّ أَحَدِهِم وَلا نَصِيفَهُ) رواه البخاري (٣٦٧٣) ومسلم (٢٥٤٠)
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خَيرُ النَّاسِ قَرنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم) رواه البخاري (٢٦٥٢) ومسلم (٢٥٣٣)
يقول الخطيب البغدادي ﵀ في "الكفاية" (٤٩) :
" على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء، لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطعَ على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيؤون من بعدهم أبد الآبدين، هذا مذهب كافة العلماء، ومن يعتد بقوله من الفقهاء " انتهى.
ولو ذهبنا نسرد مواقفهم التي نصروا فيها الدين، وأعمالهم التي استحقوا بها الرفعة والمنزلة العالية، لما كفتنا المجلدات الطوال، فقد كانت حياتهم كلها في سبيل الله تعالى، وأي قرطاس يسع حياة المئات من الصحابة الذين ملؤوا الدنيا بالخير والصلاح.
يقول ابن مسعود ﵁:
" إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئا فهو عند الله سيئ " انتهى
رواه أحمد في "المسند" (١/٣٧٩) وقال المحققون: إسناده حسن.
وسبق التوسع أيضا في تقرير ذلك في جواب السؤال رقم (١٣٧١٣) (٤٥٥٦٣)
ثانيا:
لا بدَّ أن نعلم أن الصحابة ﵃ ليسوا بمعصومين، وهذا هو مذهبُ أهل السنة والجماعة، وإنما هم بشرٌ يجوزُ عليهم ما يجوز على غيرهم.
وما صدر من بعضهم من المعاصي أو الأخطاء، فهو إلى جانبِ شرفِ الصحبة وفضلِها مُغْتَفَرٌ ومَعْفُوٌّ عن صاحبه، والحسناتِ يُذْهِبْنَ السيئات، ومقامُ أَحَدِ الصحابة مع النبي ﷺ لحظة من اللحظات في سبيل هذا الدين لا يعدلها شيء.
يقول شيخ الإسلام ﵀: " وأهل السنة تحسن القول فيهم وتترحم عليهم وتستغفر لهم، لكن لا يعتقدون العصمة من الإقرار على الذنوب وعلى الخطأ في الاجتهاد إلا لرسول الله، ومن سواه فيجوز عليه الإقرار على الذنب والخطأ، لكن هم كما قال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ) الاحقاف/١٦ الآية، وفضائل الأعمال إنما هي بنتائجها وعواقبها لا بصورها " [مجموع الفتاوي ٤/٤٣٤] .
وقد قرر ذلك الكتاب والسنة في أكثر من موقف:
فقد تجاوزَ الله عمن تولى يوم أُحُدٍ من الصحابة، فقال : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) آل عمران/١٥٥
ولما أذنب بعض الصحابة حين أخبر قريشا بمقدم النبي ﷺ بالجيش عام الفتح، وهَمَّ عمر بن الخطاب ﵁ بقتله، قال ﷺ : (إِنَّهُ قَد شَهِدَ بَدرًا، وَمَا يُدرِيكَ؟ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهلِ بَدرٍ فَقَالَ: اعمَلُوا مَا شِئتُم، فَقَد غَفَرتُ لَكُم) رواه البخاري ومسلم (٢٤٩٤)
وغير ذلك من المواقف التي وقع فيها بعض الصحابة بالمعصية والذنب، ثم عفا الله تعالى عنهم، وغفرها لهم، مما يدل على أنهم يستحقون الفضل والشرف، وأنه لا يقدح في ذلك شيء مما وقعوا فيه في زمن النبي ﷺ أو بعد وفاته، فإن الآيات السابقة في فضلهم وتبشيرهم بالجنة، أخبار لا ينسخها شيء.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15187
كيف يوفق المسلمون بين العمل للآخرة والعمل للدنيا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[في هذا العالم إذا كرس المسلمون جميع أوقاتهم وأفعالهم لما ينفع في اليوم الآخر ولم ينخرطوا في أي من الأعمال الدنيوية، فكيف سيساهمون فيما فيه نفع الحضارة والإنسانية مثل التكنولوجيا والعلم والاختراع؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
دين الإسلام هو خاتم الأديان، وإن مِن أهم خصائص هذا الدين أنه دين ينظم الحياة كلها , فالإسلام دين الدنيا والآخرة , قال الله : (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الأنعام/١٦٢، وفي دعاء المسلمين في مواضع متفرقة يقولون: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) ، فهذا دين الله الكامل والشامل والجامع، جمع بين حق الله وحق العبد، وبين أمر الدنيا وأمر الآخرة.
وإن ادِّعاء أن الإسلام جاء بالرهبانية ادعاء باطل، بل الرهبانية في دين النصارى المحرَّف، وأخذها عنهم بعض مبتدعة المسلمين كالصوفية، أما أهل السنة والجماعة الذي أخذوا الدين من نبعه الصافي، وفهموه على وجهه الصحيح فإنهم يعتقدون أن الدنيا معبر إلى الآخرة، وأن الإنسان لا ينبغي له أن يتعلق بالدنيا على حساب الآخرة، فهم جعلوا الآخرة هي محط أنظارهم لأنها الحياة الأبدية الخالدة، فالعمل ينبغي أن يكون من أجلها لا من أجل حياة قصيرة فانية، وليس معنى هذا أن لا يعملوا في الدنيا ولا يعمروا الأرض، بل إن المسلمين بلغوا في مجالات العلم النظرية والعملية أعلى المنازل، وكانت الحضارات تتبع المسلمين في تقدمهم وعلومهم، ولا تزال بعض الجامعات الغربية العريقة تعترف بهذا وتدرِّس كتاباً للمسلمين في مناهجهم.
قال الفيلسوف الفرنسي " جوستاف لوبون " في كتابه " حضارة العرب ":
هل يتعين أن نذكر أن العرب - والعرب وحدهم - هم الذين هدونا إلى العالم اليوناني والعالم اللاتيني القديم، وأن الجامعات الأوربية ومنها جامعة باريس عاشت مدة ستمئة عام على ترجمات كتبهم وجرت على أساليبهم في البحث، وكانت الحضارة الإسلامية من أعجب ما عرف التاريخ " انتهى.
والمسلمون ليسوا كغيرهم، فإنهم لما كانوا متمسكين بدينهم كانوا سابقين – أيضاً – في الدنيا، ولما تركوا دينهم وتخلوا عنه صاروا تبعاً لغيرهم وعالة عليهم، والنصارى لما كانوا متمسكين بدينهم المحرَّف كانوا متخلفين في دنياهم، ولما قاموا على كنائسهم حرقاً وعلى رهبانهم قتلاً وفصلوا الدين عن الدنيا تقدموا في دنياهم وعلومها، فالمسلمون يدفعهم دينهم إلى التقدم، ويتأخرون بتأخرهم عن دينهم، والنصارى تخلفوا لما تمسكوا بدينهم المحرَّف، لأنه لا يمكن لدين حرفه العباد أن يؤدي إلى التقدم، وتقدموا لما تخلوا عنه، فأي المنهجين يدعو لعمارة الدنيا ويسعى في تقدمه في العلوم وإسعاد الناس في الدنيا والآخرة؟
والآيات والأحاديث التي تحث المسلم على عمارة الأرض بالزراعة والصناعة كثيرة، وقد فهم المسلمون ذلك فسارعوا إلى العمل على هذه العمارة دون أن يؤثر ذلك على عبادتهم وطاعتهم، ودون أن يروا أن بين الدين والدنيا تضادّاً وتنافراً، والمحذور في هذه العمارة هو أن ينشغل المسلم بها عن واجبات دينه وطاعة ربه.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) رواه البخاري (٢١٩٥) ومسلم (١٥٥٣) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
وفي الحديث: فضل الغرس والزرع والحض على عمارة الأرض , ويستنبط منه اتخاذ الضيعة والقيام عليها، وفيه فساد قول من أنكر ذلك من المتزهدة، وحُمل ما ورد من التنفير عن ذلك على ما إذا شغل عن أمر الدين , فمنه حديث ابن مسعود مرفوعا: (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا) الحديث , قال القرطبي: يجمع بينه وبين حديث الباب بحمله على الاستكثار والاشتغال به عن أمر الدين , وحمل حديث الباب على اتخاذها للكفاف أو لنفع المسلمين بها وتحصيل ثوابها.
"فتح الباري" (٥/٤) .
والحديث الذي ذكره الحافظ ابن حجر: (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا) رواه الترمذي (٢٣٢٨) وحسَّنه.
قال المباركفوري ﵀:
(الضيعة) هي: البستان والقرية والمزرعة.
(فترغبوا في الدنيا) أي: فتميلوا إليها عن الأخرى , والمراد: النهي عن الاشتغال بها وبأمثالها مما يكون مانعاً عن القيام بعبادة المولى وعن التوجه كما ينبغي إلى أمور العقبى. وقال الطيبي: المعنى لا تتوغلوا في اتخاذ الضيعة فتلهوا بها عن ذكر الله قال تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) .
"تحفة الأحوذي" (٦/٥١١) .
وقد رأينا إنصاف المسلمين ودينهم من بعض الباحثين الغربيين، فاعترفوا بسبق المسلمين في مجالات العلوم الدنيوية المختلفة، وهاهي بعض أقوالهم ليعلم السائل – وغيره – موقع الإسلام من الحضارات الأخرى، وليعلم منهج الإسلام في حثه أتباعه على النظر والتأمل والعمل والإبداع، وسنحرص على تنويع بلدان القائلين واختلاف ثقافاتهم.
١. يقول المفكر الفرنسي " جوستاف لوبون " في كتابه المعروف " حضارة العرب " - ترجمة " عادل زعيتر " -:
" لو أن العرب استولوا على فرنسا: إذن لصارت باريس مثل قرطبة في إسبانيا، مركزاً للحضارة والعلم؛ حيث كان رجل الشارع فيها يكتب ويقرأ، بل ويقرض الشعر أحياناً، في الوقت الذي كان فيه ملوك أوروبا لا يعرفون كتابة أسمائهم "! .
٢. وقالت المستشرقة الألمانية " زيغريد هونكة " - في كتابها المعروف " شمس الله تشرق على الغرب" - انتشار المكتبات في العالم العربي والإسلامي:
" نمت دور الكتب في كل مكان نمو العشب في الأرض الطيبة، ففي عام ٨٩١ م يحصي مسافر عدد دور الكتب العامة في بغداد بأكثر من مئة، وبدأت كل مدينة تبني لها داراً للكتب يستطيع عمرو وزيد من الناس استعارة ما يشاء منها، وأن يجلس في قاعات المطالعة ليقرأ ما يريد، كما يجتمع فيها المترجمون والمؤلفون في قاعات خصصت لهم، يتجادلون ويتناقشون كما يحدث اليوم في أرقى الأندية العلمية ".
وكتاب " شمس الله تشرق على الغرب " في النص الألماني معناه: نور الإسلام يضيء الحضارة الغربية، والكتاب مليء بأسماء مبدعين مسلمين عرب وغير عرب.
٣. واقرأ هذا الكلام لحكيم روسي وهو يبين أن هذا الدين فيه ما خدم الإنسانية، وقاد إلى الرقي والمدنية.
وقال تولستوي الحكيم الروسي:
" ومما لا ريب فيه أن النبي محمداً كان من عظام الرجال المصلحين الذين خدموا المجتمع الإنساني خدمة جليلة، ويكفيه فخراً أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق، وجعلها تجنح للسكينة والسلام وتؤثر عيشة الزهد، ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية، وفتح لها طريق الرقي والمدنية، وهو عمل عظيم لا يقوم به إلا شخص أوتي قوة، ورجل مثل هذا جدير بالاحترام والإكرام ".
٤. وقال الدكتور النمساوي شبرك:
" إنّ البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها، إذ إنّه رغم أُمّيته استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أنْ يأتي بتشريع، سنكونُ نحنُ الأوروبيين أسعد ما نكون إذا توصلنا إلى قمّته ".
٥. وفي باب الطب والجراحة كان للمسلمين دورٌ لا يُنكر.
يقول الكاتب البريطاني هـ. ج. ويلز في كتابه " معالم تاريخ الإنسانية ":
" وتقدموا في الطب أشواطا بعيدة على الإغريق، ودرسوا علم وظائف الأعضاء، وعلم تدبير الصحة، ... ولا يبرح كثير من طرق العلاج عندهم مستعملا بين ظهرانينا إلى اليوم، وكان لجراحيهم دراية باستعمال التخدير، وكانوا يجرون طائفة من أصعب الجراحات المعروفة، وفي ذات الوقت التي كانت الكنيسة تحرم فيه ممارسة الطب انتظاراً منها لتمام الشفاء بموجب المناسك الدينية التي يتولاها القساوسة: كان لدى العرب علم طبي حق " انتهى.
بل ويقول – أيضاً -:
"كل دين لا يسير مع المدنية فاضرب به عرض الحائط، ولم أجد ديناً يسير مع المدنية أنَّى سارت سوى دين الإسلام " انتهى.
والشهادات أكثر من أن تحصى، وأردنا بذكر بعضها التدليل على ما قلناه من كلام غير المسلمين، وقد اخترنا أناساً لا يمكن تواطؤهم على الكذب، فهم من دول مختلفة، ومن ثقافات مختلفة، بل ومن أديان وحضارات مختلفة، وفي كل ما ذكرناه عنهم بيان لما كان عليه المسلمون – ويجب أن يبقوا عليه – من تقدم وازدهار في العلوم المدنية ومن السعي في الإنسانية للرقي بحياتها في مختلف المجالات، وكان المسلمون مع بروزهم في هذه المجالات متقدمين – كذلك – في العلوم الدينية والعبادات والطاعات لربهم ، وتاريخ هذا الدين يشهد بالحركة العظيمة في التأليف في المجال الشرعي المتعلق بالقرآن والسنة، ويشهد بنماذج عالية لعبَّاد وزهَّاد لم تمنعهم عبادتهم ولم يمنعهم زهدهم من أن يكونوا علماء في الشرع أو علماء في علوم دنيوية.
وثمة أسماء لامعة لعلماء مسلمين في مجالات متعددة لا يُنكِر علمَهم وتقدمَهم إلا جاهل أو مكابر، ومنهم: ابن النفيس والزهراوي في الطب، وابن الهيثم في الرؤية والضوء، والخوارزمي في الرياضيات، وغيرهم كثير كثير.
وفي نهاية الجواب نتمنى أن تطلع على هذه المحاضرة والتي هي بعنوان " عمل الدنيا لا ينافي عمل الآخرة " وستجد فيها المزيد مما تستفيد منه وتفيد غيرك به، وهي مفرغة تحت هذا الرابط:
http://www.islamdoor.com/k/٣٦٤.htm
ونسأل الله أن يهدي المسلمين لدينهم، وأن يوفقهم للعمل بما أمروا به، وأن يهدي كل باحث عن الحقيقة ساعٍ في طلبها، راغبٍ في الهداية.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15188
هل أعطى النبي ﷺ وقفاً لتميم الداري في فلسطين ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت أن رسول الله ﷺ قد أعطى الخليل في فلسطين وقف لبني تميم وكتب لهم عقدا" بهذا وكان من الشهود عليه عمر بن الخطاب ﵁، وأنهم ما يزالون يعيشون بالخليل ويتمسكون بحقهم في الوقف، فهل هذا صحيح؟ مع أن فلسطين لم تكن للمسلمين في ذلك الوقت؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جاء في عدة روايات أن النبي ﷺ أقطع تميماً الداري ﵁ " بيت حبرون " وهي " الخليل " الآن.
قال الحافظ ابن حجر – ﵀:
تميم بن أوس بن خارجة أبو رقية الداري.
انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان ونزل بيت المقدس وكان إسلامه سنة تسع.
قال يعقوب بن سفيان: لم يكن له ذَكَر، وإنما كانت له ابنة تسمى رقية.
وجاء من وجوه عديدة أن النبي ﷺ أقطعه بيت حبرون.
" تهذيب التهذيب " (١ / ٤٤٩) مختصراً.
وجاء في معجم البلدان (٢/٢١٢) :
" حَبْرُون اسم القرية التي فيها قبر إبراهيم الخليل ﵇ بالبيت المقدس، وقد غلب على اسمها الخليل.
وقدم على النبي تميم الداري في قومه وسأله أن يقطعه حبرون فأجابه وكتب له كتابا نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى محمد رسول الله لتميم الداري وأصحابه: إني أعطيتكم بيت عينون وحبرون والمرطوم وبيت إبراهيم بذمتهم وجميع ما فيهم، عطية بت، ونفذت وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم بعدهم، أبد الآبدين، فمن آذاهم فيه آذى الله، شهد أبو بكر بن أبي قحافة وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب " اهـ باختصار.
ولم تكن " فلسطين " يومئذٍ بأيدي المسلمين، بل كانت بأيدي الروم، فأقطعهم الرسول ﷺ إياها بعد أن يفتحها الله عليه. فيكون هذا كالبشارة من النبي ﷺ بفتحها.
ولما فتحت في عهد عمر وفّى بوعد رسول الله ﷺ ، وأوقفها تميم على ذريته وعلى خيرات حددها، فهو أول وقف في الإسلام في أرض فلسطين، وقد ذكر المقدسي في كتابه " أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ": " ... وجود دار ضيافة دائمة مع خباز وطباخ وخدام يقدمون العدس بالزيت لكل حاجّ أو زائر يمر بمدينة الخليل، وهذه الضيافة والإطعام من وقف تميم الداري ﵁ ".
وقال القلقشندي:
قال الحمداني: وبلد الخليل ﵇ معمور من بني تميم الداري ﵁ وبيد بني تميم هؤلاء الرقعة التي كتبها النبي ﷺ لتميم وإخوته بإقطاعهم بيت حبرون التي هي بلد الخليل ﵇ وبعض بلادها.
" صبح الأعشى " (١ / ٤٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15189
حكم من قذف عائشة ﵂
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم من قذف عائشة ﵂؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين داخلات في عموم أصحاب النبي ﷺ فكل نص نهى عن سب الأصحاب فعائشة داخلة فيه ومن ذلك:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نصيفه. " رواه البخاري: فتح رقم ٣٣٧٩.
ثم إن علماء الإسلام من أهل السنة أجمعوا قاطبة على أن من طعن في عائشة بما برأها الله منه فهو كافر مكذب لما ذكره الله من براءتها في سورة النور.
وقد ساق الإمام ابن حزم بسنده إلى هشام بن عمار قال: سمعت مالك بن أنس يقول: من سب أبا بكر وعمر جلد ومن سب عائشة قتل، قيل له: لم يقتل في عائشة؟ قال: لأن الله تعالى يقول في عائشة ﵂: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين) .
قال مالك فمن رماها فقد خالف القرآن ومن خالف القرآن قتل.
قال ابن حزم: قول مالك ههنا صحيح وهي ردة تامة وتكذيب لله تعالى في قطعه ببراءتها.
قال أبو بكر ابن العربي: (لأن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة فبرأها الله فكل من سبها بما برأها الله منه فهو مكذب لله ومن كذب الله فهو كافر فهذا طريق مالك وهي سبيل لائحة لأهل البصائر) .
قال القاضي أبو يعلى: (من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم) .
وقال ابن أبي موسى: (ومن رمى عائشة ﵂ بما برأها الله منه فقد مرق من الدين ولم ينعقد له نكاح على مسلمة) .
وقال ابن قدامة: (ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء، أفضلهن خديجة بنت خويلد وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه زوج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم) .
وقال الإمام النووي ﵀: (براءة عائشة ﵂ من الإفك وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز فلو تشكك فيها إنسان والعياذ بالله صار كافرا مرتدا بإجماع المسلمين) .
وقال ابن القيم ﵀: (واتفقت الأمة على كفر قاذفها) .
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: (أجمع العلماء ﵏ قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية فإنه كافر لأنه معاند للقرآن) .
وقال بدر الدين الزركشي: (من قذفها فقد كفر لتصريح القرآن الكريم ببراءتها) .
وقد بنى العلماء كلامهم في حكم من قذف عائشة على عدد من الأدلة ومنها:
١- الاستدلال بما جاء في سورة النور من التصريح ببراءتها فمن اتهمها بذلك بعدما برأها الله فإنما هو مكذب لله وتكذيب الله كفر لا شك فيه.
٢- أن في الطعن في أهل بيت النبي ﷺ إيذاء له ﷺ ولا شك أن إيذاءه ﷺ كفر إجماعا ومما يدل على تأذي النبي بقذف زوجه ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث الإفك عن عائشة قالت: ".. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَذَاهُ فِي أَهْلِي وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلا خَيْرًا ..." الحديث.
فقوله ﷺ "من يعذرني" أي من ينصفني ويقيم عذري إذا انتصفت منه لما بلغني من أذاه في أهل بيتي. فثبت أن النبي ﷺ تأذّى بذلك تأذيا استعذر منه.
قال الإمام القرطبي عند تفسيره لقوله تعالى: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا) : يعني في عائشة.. لما في ذلك من أذية رسول الله ﷺ في عرضه وأهله، وذلك كفر من فاعله) .
٣- كما أن الطعن في عائشة يستلزم الطعن في الرسول ﷺ لأنّ الله سبحانه قد قال: (الخبيثات للخبيثين) ، قال الحافظ ابن كثير ﵀: أي ما كان الله ليجعل عائشة زوجة رسول الله ﷺ إلا وهي طيّبة، لأنه أطيب من كل طيب من البشر ولو كانت خبيثة لما صلحت له شرعا ولا قدرا.
ثم ليعلم ختاما أن أحب الناس إليه ﷺ عائشة الصديقة بنت الصديق كما صح عن عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ قَالَ فَأَتَيْتُهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ عَائِشَةُ قَالَ قُلْتُ فَمِنْ الرِّجَالِ قَالَ أَبُوهَا إِذًا قَالَ قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ عُمَرُ قَالَ فَعَدَّ رِجَالًا.
فمن أبغض حبيبة رسول الله ﷺ فهو حريّ أن يكون بغيضه ﷺ يوم القيامة والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
(انظر عقيدة أهل السنّة والجماعة في الصحابة الكرام ناصر الشيخ ٢/٨٧١، اعتقاد أهل السنة في الصحابة: محمد الوهيبي ص: ٥٨)
стр. 15190
هل طلبت عائشة أن تُدفن ليلا
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت أن عائشة ﵂ طلبت أن تُدفن بالليل، فما السبب إذا كان هذا صحيحاً؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هكذا ذكره محمد بن عمر الواقدي كما أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/٦-٧ وابن سعد في طبقاته ٨/٧٦-٧٧، وسير أعلام النبلاء ٢/١٩٢ وغيرها من المصادر.
والظاهر والله أعلم إما لئلا يؤخر دفنها لأنها كما ورد أنها ماتت ليلة السابع عشر من رمضان بعد الوتر، أو لأنّ ذلك أستر لها أو لعله ظهر في زمنها لا سيما في أواخر عمرها من يكره الدفن ليلا فأرادت أن تبيّن الحكم.. أو لغير ذلك. وعموما فإن الدفن بالليل جائز للحاجة والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15191
من هم آل البيت
[السُّؤَالُ]
ـ[من هم أهل النبي؟
في حديث الثقلين أن فاطمة وعلي والحسن والحسين هم أهل البيت.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في تحديد آل بيت النبي ﷺ أقوالا، فمنهم من قال: أن أهل بيت النبي هم أزواجه وذريته وبنو هاشم وبنو عبد المطلب ومواليهم، ومنهم من قال أن أزواجه ليسوا من أهل بيته، وقال البعض أنهم قريش، ومنهم من قال أن آل محمد هم الأتقياء من أمته، وقال البعض أنهم أمة محمد ﷺ جميعاً.
أما أزواج النبي ﷺ فالقول الراجح أنهم يدخلن في آل بيت النبي ﷺ . لقول الله تعالى بعد أن أمر نساء النبي ﷺ بالحجاب: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) . وقول الملائكة لسارة زوج إبراهيم ﵇: (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) , ولأنه استثنى امرأة لوط من آل لوط ﵇ في قوله تعالى: (إلا آل لوط فإنا لمنجوهم أجمعون * إلا امرأته) فدل على دخولها في الآل.
وأما آل المطلب فقد جاء في رواية عن الإمام أحمد أنهم منهم وهو قول الإمام الشافعي أيضاً، وذهب الإمام أبو حنيفة والإمام مالك أن آل المطلب لا يدخلون في آل النبي ﷺ ، وهذا رواية عن الإمام أحمد أيضاً. والقول الراجح في المسألة أن بنو عبد المطلب من آل بيت النبي ﷺ ، والدليل ما جاء عن جبير بن مطعم ﵁ أنه قال: " مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ وَتَرَكْتَنَا وَنَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ " رواه البخاري برقم ٢٩٠٧، والنسائي برقم ٤٠٦٧ وغيرهما.
ويدخل في آل البيت بنو هاشم بن عبد مناف، وهم آل علي، وآل عباس، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب. جاء ذلك فيما رواه الإمام أحمد عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا خَطِيبًا فِينَا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ؛ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ أَلَا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبُ؛ وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ - فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ - قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي " فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: إِنَّ نِسَاءَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَلَكِنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: " هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ " قَالَ: أَكُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ! قَالَ: نَعَمْ. رواه أحمد برقم ١٨٤٦٤.
وأما الموالي فلما جاء عن مهران مولى النبي ﷺ قال: قال رسول الله عليه وسلم: " إِنَّا آلُ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ وَمَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ " رواه أحمد برقم ١٥١٥٢.
فيصبح آل بيت النبي ﷺ هم: أزواجه وذريته وبنو هاشم وبنو عبد المطلب ومواليهم، والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15192
أين دفن رأس الحسين
[السُّؤَالُ]
ـ[أهل مصر يدعون أن رأس الحسين عندهم، وأهل العراق يدعون مسجداً يسمونه المشهد الحسيني ولا أدري، ما صحة ذلك، وأين يوجد قبر الحسين على أرجح أقوال العلماء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحسين ﵁ قتل في العراق في المحرم سنة ٦١هـ ودفن جسده في العراق، أما دعوى أن رأسه نقل إلى مصر ودفن هناك فلا نعلم له أصلاً، وقد أنكر ذلك بعض المحققين من أهل العلم ولا يضرك جهلك بذلك، وإنما المشروع لك ولغيرك من المسلمين الترضي عنه وعن سائر أصحاب النبي ﷺ ﵃ جميعاً.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى اللجنة الدائمة ٣/٧٠
стр. 15193
رؤيا النبي ﷺ في زواجه من عائشة
[السُّؤَالُ]
ـ[رداً على سؤال قرأته بخصوص زواج النبي ﵇ من السيدة عائشة ﵂ أنني أعرف أن النبي ﷺ رأى في منامه أنه يتزوج عائشة أي أن الله هو الذي أمره بهذا وهي ابنة ٦ أو ٧ سنوات فإن كان الأمر كذلك فعندنا إجابة منطقية ولكن ألا يوجد حديث أو آية تعضد هذا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحديث الذي أشرت إليه في سؤالك قد رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: " أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ أَرَى أَنَّكِ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ (أي رأى صورتها في قطعة من حرير أو رآها في ثوب من حرير) وَيَقُولُ هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَاكْشِفْ عَنْهَا فَإِذَا هِيَ أَنْتِ فَأَقُولُ إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ ". صحيح البخاري ٣٦٠٦
وقد ذكر ابن حجر رحمه الله تعالى في شرح الحديث أنّ هذه الرؤيا كانت بعد البعثة فهي رؤيا وحي لها تعبير، (وتعبيرها هو وقوعها بعد ذلك بزواجه ﷺ منها) .
وظاهر قوله " فإذا هي أنت " مشعر بأنه كان قد رآها وعرفها قبل ذلك. انظر فتح الباري.
وليس في الحديث ما يدلّ على أنّ زواجه ﷺ حصل بتلك الرؤيا بل إنّه ﷺ خطبها من أبيها كما تُخطب النّساء وزوّجه إياها أبو بكر الزّواج المعتاد كما يدلّ عليه الحديث الآتي: عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ عَائِشَةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ إِنَّمَا أَنَا أَخُوكَ فَقَالَ أَنْتَ أَخِي فِي دِينِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ وَهِيَ لِي حَلالٌ رواه البخاري ٤٦٩١
قال ابن حجر ﵀ في الشّرح: وروى ابن أبي عاصم من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة " أن النبي ﷺ أرسل خولة بنت حكيم إلى أبي بكر يخطب عائشة , فقال لها أبو بكر: وهل تصلح له؟ إنما هي بنت أخيه , فرجعت فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال لها: ارجعي فقولي له أنت أخي في الإسلام وابنتك تصلح لي , فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال: ادعي رسول الله ﷺ , فجاء فأنكحه "
.. وقوله ﷺ في الجواب " أنت أخي في دين الله وكتابه " إشارة إلى قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) ونحو ذلك ,.. وقوله " وهي لي حلال " معناه وهي مع كونها بنت أخي يحل لي نكاحها لأن الأخوة المانعة من ذلك أخوة النسب والرضاع لا أخوة الدين. انتهى
أما المرأة التي تزوّجها النبي ﷺ بعقد عُقد في السّماء من الله تعالى ولم يجر على طريقة عقود الزّواج المعتادة فهو زواجه ﷺ من زينب بنت جحش ﵂ كما دلّ عليه حديث أنس ﵁ قال: كَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ البخاري ٦٨٧٠
فليس غير زينب من زوجاته ﷺ التي تزوّجت بتلك الطّريقة الخاصّة، فنرجع في زواج عائشة إلى الجواب المتقدّم في السّؤال المذكور من قبل، وجزاك الله خيرا يا أخي على سؤالك هذا، والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15194
حديث حجاب نساء الأنصار
[السُّؤَالُ]
ـ[ابحث عن الحديث الذي يذكر أن النساء المسلمات ظهرن كالغربان بعد نزول آية الحجاب، وهذا يدل على أن لون الحجاب أسود. هل يمكن إرشادي إلى مكان الحديث بالمرجع والجزء والصفحة؟ . .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحديث الذي تشيرين إليه رواه أبو داود رحمه الله تعالى في سننه عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ خَرَجَ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِنَّ الْغِرْبَانَ مِنْ الْأَكْسِيَةِ. سنن أبي داود: كتاب اللباس: باب في قوله تعالى (يدنين عليهن من جلابيبهن) .
قال صاحب عون المعبود في شرح سنن أبي داود في شرح عبارة:
(كأن على رءوسهن الغربان) : جمع غراب (من الأكسية) : جمع كساء شبهت الخُمُر [جمع خمار] في سوادها بالغراب.
هذا ولا يُشترط اللون الأسود في حجاب المرأة ولكنه قد يكون أجود في السّتر من غيره. يراجع شروط حجاب المرأة المسلمة سؤال رقم (٢١٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15195
قصة أبي محجن ﵁
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت أحد المشائخ يتحدث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه يجب على كل مسلم حتى الواقع في الذنب فانه يجب أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وقال انه لا يشترط العدالة في الآمر كما هو مشهور من قصة أبي محجن السؤال فضيلة الشيخ من هو أبو محجن وما هي قصته؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أهنئك أخي على حرصك على الفائدة، وأسأل الله أن يرزقنا وإياك العلم النافع والعمل الصالح.
وأما أبو محجن فهو صحابي من أصحاب النبي ﷺ ورضي عنهم.
وكان هذا الصحابي مبتلى بشرب الخمر، فكان يجاء به فيجلد، ثم يجاء به فيجلد، ولكنه كان يعلم أن هذا لا يعفيه من العمل لدينه أو القيام بنصرته، فإذا به يخرج مع المسلمين إلى القادسية جنديا يبحث عن الشهادة في مظانها، وفي القادسية يجاء به إلى أمير الجيش سعد بن أبي وقاص وقد شرب الخمر، فيحبسه سعد حتى تنق المعركة؟!.
وكان الحبس عقوبة قاسية آلمت أبا محجن أشد الألم حتى إذا سمع ضرب السيوف ووقع الرماح وصهيل الخيل وعلم أن سوق الجهاد قد قامت، وأبواب الجنة قد فتحت جاشت نفسه وهاجت أشواقه إلى الجهاد فنادى امرأة سعد بن أبي وقاص قائلا: خليني فلله علي، إن سَلِمْتُ أن أجيء حتى أضع رجلي في القيد، وإن قُتِلتُ استرحتم مني. فرحمت أشواقه، واحترمت عاطفته وخلت سبيله، فوثب على فرس لسعد يقال لها: البلقاء، ثم أخذ الرمح وانطلق لا يحمل على كتيبة إلا كسرها، ولا على جمع إلا فرقه، وسعد يشرف على المعركة ويعجب ويقول: الكرُّ كَرُّ البلقاء، والضرب ضرب أبي محجن، وأبو محجن في القيد.
حتى إذا انهزم العدو عاد أبو محجن فجعل رجله في القيد، فما كان من امرأة سعد إلا أن أخبرته بهذا النبأ العجاب وما كان من أمر أبي محجن، فأكبر سعد ﵁ هذه النفس، وهذه الغيرة على الدين، وهذه الأشواق للجهاد وقام بنفسه إلى هذا الشارب الخمر يحل قيوده بيديه الطيبتين ويقول: " قم فوالله لا أجلدك في الخمر أبدا، وأبو محجن يقول: وأنا والله لا أشربها أبداً "
انظر: الإصابة في تمييز الصحابة ٤/١٧٣-١٧٤، والبداية والنهاية ٩/٦٣٢-٦٣٣.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →