Полный текст (16 344 стр.). Показаны 15296–15335 · переход к 15301.
стр. 15296
التربية بالقصة
[السُّؤَالُ]
ـ[من خلال النظر إلى الواقع المؤلم يتبين لنا مدى أهمية التربية كعامل أساسيٍّ في تنشئة جيل يعمل لخدمة الأمة ويدفعها نحو العزة والرفعة ويسمو بها نحو القمة وعندما نتأمل الواقع جيدا وننظر بشفافية أكثر يتضح لنا أن البذور إذا عُني بها خرج الزرع طيبا فكذلك الطفولة إذا عُني بها خرج لنا جيلاً صالحاً.
وهنا وعند تأمل القرآن الكريم والسنة المطهرة يتبادر لنا سؤال مهم وهو هل من الممكن أن يتربى هؤلاء الأطفال من خلال القرآن والسنة وهل يمكن استثمار قصص القرآن أو السنة في هذا المشروع الضخم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أله وصحبه ومن اهتدى بهداه
أما بعد....في ظل البيئة السيئة التي ولدّها التأثر بالغرب وسيطرت وسائله الإعلامية المختلفة على بيوت المسلمين وانهماك الوالدين في الأعمال المختلفة كاضطرار بعض الأسر لخروج الأم للعمل وقد يعمل الأب عملاً إضافياً أصبح الآباء بعيدون عن تربية أبنائهم وإذا جلسوا معهم إما أن يكونوا معكري المزاج فلا يجد الأولاد سوى الصراخ والعويل دون كلمة حانية أو بسمة رفيقة أو مداعبة رقيقة ويظن الأب أو الأم أن التوبيخ والنهر هو الطريقة المثلى للتربية بل قد يكون أصلاً لا يعرف سوى هذه الطريقة
أضرب ولدك يصبح مؤدباً
[أشخط.. أزعق.. زعّق.. كشر.. برطم..] ستكون النتيجة ولداً مهذباً صالحاً وهذا خطأ كبير في التربية
فالتأديب بتعليق العصا ليراه أهل البيت من السنة ولكن أن يكون الوحيد فهذا أمر مرفوض ويجب أن تكون أساليب التربية مستفادة من الوحي العظيم الكتاب والسنة فهذه الشريعة جاءت بكل ما يصلح به البشر شؤونهم، ومن تلك الأساليب المستقاة منها التربية الأبناء بل المجتمع بالقصة وهكذا فإن التربية بالقصة وتوصيل المعنى بالإحساس وتحقيق الهدف بالمثال من أفضل الأساليب وأكثرها نجاحاً وأنجعها نتيجة إن شاء الله.
وهكذا فإننا نجد بأن الموعظة بالقصة تكون مؤثرة وبليغة في نفس الطفل وكلما كان القاصْ ذا أسلوب متميز جذاب استطاع شد انتباه الطفل والتأثير فيه لما للقصة من أثر في نفس قارئها أو سامعها، ولما تتميز به النفس البشرية من ميل إلى تتبع المواقف والأحداث رغبة في معرفة النهاية التي تختم بها أي قصة، وذلك في شوق ولهفة.
فممّا لا شكّ فيه أنّ القصة المحكمة الدقيقة تطرق السامع بشغف، وتنفذ إلى النفس البشرية بسهولة ويسر ... ولذا كان الأسلوب القصصي أجدى نفعاً وأكثر فائدة؛ فالقصة أمر محبب للناس، وتترك أثرها في النفوس والمعهود حتى في حياة الطفولة أن يميلَ الطفل إلى سماع الحكاية، ويصغي إلى رواية القصة ... هذه الظاهرة الفطرية ينبغي للمربّين أن يفيدوا مِنها في مجالات التعليم خاصة وأن إعلامنا أجرم عندما جعل من العاهرة بطلة ومن العاهر بطلا، وإعلامنا أجرم كثيرا في حق أبنائنا فلم يترك عاهرة إلا وصورها وعقد معها لقاء
لذلك لابد أن يربط الولد بأنبياء الله : (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) الأنعام/٩٠، وبرسول الله ﷺ : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) الأحزاب/٢١
وتربيتهم على ما كان عليه صحابة رسول الله ﷺ
إن لم تكونوا مثلهم فتشبهوا إن التشبه بالكرام فلاح
والقصة خير وسيلة للوصول إلى ذلك ولهذا كان النبي ﷺ كثيراً ما يقص على أصحابه قصص السابقين للعظة والاعتبار وقد كان ما يحكيه مقدَّماً بقوله: " كان فيمن قبلكم " ثم يقص ﷺ على مسامعهم القصة وما انتهت إليه.
لقد كان النبي ﷺ يتمثل منهجاً ربانياً (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الأعراف/١٧٦ وأن تلك القصص كانت قصصاً تتميز بالواقعية والصدق، لأنها تهدف إلى تربية النفوس وتهذيبها، وليس لمجرد التسلية والإمتاع حيث كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يأخذون من كل قصة العظة والعبرة، كما يخرجون منها بدرس تربوي سلوكي مستفاد ينفعه وينفع من بعدهم في الدارين: في دار الدنيا والآخرة.
ولكن هل الإعلام الموجه للطفل عموماً استفاد من هذا الأسلوب " التربية بالقصة " لتحصيل أسباب تربوية أم أنه إعلام هدّام أو سلبي على أقل وصف؟
للأسف كثيرٌ منه سلبي فالقصص التي تعرض في أفلام الكرتون فيها محاذير ومنكرات عديدة منها:
١- قصص تثير الفزع والرعب والرهبة
القصص التي يغلب عليها طيف الفزع والرهبة، تترك في الذائقة اشتياقاً ممزوجاً بالجزع، وفي النفس جبناً وعقداً، وأمثال ذلك: قصص (أمناً الغولة، وقصص المردة، والعفاريت) هذه القصص تهدم الشخصية، وتقتل الحس الفكري لدى الطفل، ولا تؤسس الطفل الشجاع، ولكنها تؤسس الطفل الجبان المتخاذل، الذي يتملك الخوف من فرائسه.
فالطفل يظل معايش الفكرة حتى بعد الانصراف، من لحظة المعايشة الفكرية للقصة، يتخيل بالفعل أن هناك عفاريت تحاصره بالظلام، وأن هناك (أمنا الغولة عند البئر) إلخ ... ، ولو نظر كل منا لنفسه، لوجد أنه لا يزال يعيش بوجدانه قصصاً قرأها في صباه، فيجب أن نؤسس الطفل على الشجاعة، لكي نبني أمة شجاعة، لا أن نؤسس الطفل على الجبن فنبني أمة ضعيفة.
٢- القصص الشعبية التي تحتوي على مواقف منافاة الأخلاق:
وأمثلة ذلك: قصص (طرزان- وسوبر مان- والجاسوسية) ، التي لا تحتوي على قيم إنسانية أو أخلاقية، بقدر ما تمجد العنف كوسيلة لحل المشاكل، وتجعل القوة البدنية، هي العامل الأقوى في حسم المواقف.
مثال: طرح شخصية (طرزان) ، الذي تربى بين الحيوانات، ولا يعرف وسيلة لحل مشاكله إلا بالقوة البدنية، هذه الفكرة تسقط سلوك الطفل العقلاني، إلى السلوك العدواني، دون استخدام العقل، فيجب طرح قصص تدرب الناشئة على حل المشاكل بإحلال العقل محل القوة.
٣- قصص تثير العطف على قوى الشر أو تمجيدها:
القصص، التي تثير العطف على قوى الشر، وتمجده مثل انتصار الشر على الخير،.. الظالم على المظلوم ... الشرير على الشرطي ويطرحونها بحجة أنهم يكشفون السلوك الخاطئ للطفل كمن يكذب على أولاده ثم يقول هذا كذب أبيض وفي الحقيقة الولد يتربى على الكذب فليس هناك كذب أبيض ولا أسود، أما عن إثارة العطف على قوى الشر والانتصار له في النهاية قد تجعل الولد يسلك السلوك الخاطئ، ليبقى ضمن طائفة الأقوياء المنتصرين.
مثال ذلك: (قصص الرجل الخارق، وسوبر مان، الرجل الحديدي، جلاندايزر)
٤- قصص التي تعيب الآخرين وتسخر منهم:
القصص القائمة على السخرية من الآخرين وتدبير المقالب لهم وإيقاع الأذى بهم، منها السخرية من علة المعاق أو عيب خلقي في نطق البعض وتدبير المقالب للكبير مثلاً وإيقاع الأذى بالأعمى، بإيقاعه في فخ ما أو غيرها، دون تعظيم الأثر الواقع على المخطئ أو مدبر المقلب، ومن الأمثلة الشهيرة لهذا الفكر الخاطئ تربوياً: الأفلام المتحركة في قصة " توم وجيري "، وهذه القصة رغم ما بلغته من شهرة جماهيرية لدى الأجيال إلا أنها فاسدة تربوياً، ترسِّب هذه الأفلام في وعي الطفل نمطاً سلوكياً خاطئاً، يقلده الطفل ويتمثل به ليحقق ذات المتعة والشقاوة الفكرية على من حوله، ويحس بالتفوق على الآخرين، وكذلك تلك الأفلام التي تسخر من الأسود وتؤدي إلى نبذ الجنس الآخر الأسود فهذا يرسب الضغينة والحقد في نفوس الأطفال، ويؤسس التفرقة والتشرذم لا الوحدة والتآلف.
فهذه مقتطفات من واقع القصص المقدمة للأطفال والتي كان يفترض أن تكون تربوية.
ربما يقول البعض إن القصص المناسب طرحها للأطفال قليلة وغير مفيدة بينما نجد في الكتاب والسنة الكثير من ذلك؟
من القصص المناسبة للأطفال والتي ستناول بعضها:
١. قصة يونس في بطن الحوت
٢. قصة أبي هريرة مع الشيطان
٣. قصة خشبة المقترض
٤. قصة الثلاثة أصحاب الغار
٥. قصة أصحاب الأخدود
٦. قصة أنس مع سر النبي ﷺ
٧. قصة عبد الله بن عمر مع الراعي.. " قل له أكلها الذئب "
٨. قصة أم موسى
٩. قصة عمر واللبن
١٠. قصة يوسف
١١. قصة معاذ ومعوذ
١٢. قصة القُبّرة
١٣. قصة الجمل
١٤. قصة صاحبة الوشاح " ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا "
١٥. قصة ابن عمر والنخل.
كيف نطبق تلك القصص على الواقع؟
كيف نربي أبنائنا على بر الوالدين وطاعتهم بالاستفادة من القصص النبوي الصحيح؟
روى البخاري في صحيحه عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ انْطَلَقَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوْا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ الْغَارَ فَقَالُوا إِنَّهُ لا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَكُنْتُ لا أَغْبِقُ - شُرْب الْعَشِيّ - قَبْلَهُمَا أَهْلا وَلا مَالا فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلا أَوْ مَالا فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا ُ [َ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ - الصِّيَاح بِبُكَاء بسبب الجوع - عِنْدَ رِجْلَيَّ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ] حَتَّى بَرَقَ الْفَجْر فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوج.
َ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ الآخَرُ اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ [كُنْتُ أُحِبُّ امْرَأَةً مِنْ بَنَاتِ عَمِّي كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرَّجُلُ النِّسَاءَ] فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنْ السِّنِينَ فَجَاءَتْنِي [فَقَالَتْ لا تَنَاُ ذَلِكَ مِنْهَا حَتَّى تُعْطِيَهَا مِائَةَ دِينَارٍ فَسَعَيْتُ فِيهَا حَتَّى جَمَعْتُهَا] فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ لا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلا بِحَقِّهِ [قَالَتْ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلا بِحَقِّهِ] فَتَحَرَّجْتُ مِنْ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا [فَقُمْتُ وَتَرَكْتُهَا] وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَانْفَرَجَتْ الصَّخْرَةُ [فَفَرَجَ عَنْهُمْ الثُّلُثَيْنِ]
غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ الثَّالِثُ اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ (أَيْ: ثَمَنه) غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي فَقُلْتُ لَهُ كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنْ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ لا تَسْتَهْزِئُ بِي فَقُلْتُ إِنِّي لا أَسْتَهْزِئُ بِكَ فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَانْفَرَجَتْ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ.
الفوائد من هذه القصة:
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، قال قتادة: تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه.
١- الأعمال الصالحة وقت الرخاء يستفيد منها الإنسان وقت الشدة، قال رسول الله ﷺ (أحفظ الله يحفظك، أحفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة) .
٢- يجب على المسلم أن يلجأ إلى الله وحده دائماً بالدعاء وخاصة حين نزول الشدائد، ومن الشرك الأكبر دعاء الأموات الغائبين، قال الله تعالى: (وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ) - الظالمين: المشركين.
٣- مشروعية التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة، وهي نافعة ومفيدة، ولا سيما عند الشدة، وعدم مشروعية التوسل بالذوات والجاه.
٤- حب الله مقدم على حب ما تهوى النفوس من الشهوات.
٥- من ترك الزنى والفجور خوفاً من المولى نجاه الله من البلوى.
٦- من حفظ حقوق العمال حفظه الله وقت الشدة، ونجاه من المحنة.
٧- الدعاء إلى الله مع التوسل بالعمل الصالح يفتت الصخور.
٨- بر الوالدين وإكرامهما على الزوجة والأولاد.
٩- حق الأجير يحفظ له، ولا يجوز تأخيره، قال رسول الله ﷺ (أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه) .
١٠- استحباب تنمية مال الأجير الذي ترك حقه، وهو عمل جليل، وهو من حق الأجير.
١١- شرع من قبلنا هو شرع لنا إذا أخبر به الله تعالى أو رسوله ﷺ على طريق المدح، ولم يثبت نسخه، وهذه القصة قصها علينا رسول الله ﷺ في مدح هؤلاء النفر الثلاثة لنقتدي بهم في عملهم.
١٢- طلب الإخلاص في العمل حيث قال كل واحد (اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه) .
١٣- إثبات الوجه لله سبحانه من غير تشبيه، قال الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) .
وهذه قصة خشبة المقترض الأمين فلننظر كيف يمكن أن نربي أبنائنا على الأمانة ورد الأمانة من خلال سرد القصص؟
روى البخاري ﵀ في صحيحه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ [في رِوَايَة أَبِي سَلَمَة " أَنَّ رَجُلا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل كَانَ يُسْلِف النَّاس إِذَا أَتَاهُ الرَّجُل بِكَفِيلٍ " وفي رواية بها مجهول أنه النجاشي]
فَقَالَ ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ فَقَالَ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا قَالَ فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ قَالَ كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلا قَالَ صَدَقْتَ [فَقَالَ " سُبْحَان اللَّه نَعَمْ "] . رضي بكفالة الله, مما يدل على إيمان صاحب الدين , وثقته بالله .
فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ [أَيْ الأَلْف دِينَار] إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ [وفِي رِوَايَة: فَرَكِبَ الرَّجُل الْبَحْر بِالْمَالِ يَتَّجِر فِيهِ فَقَدَّرَ اللَّه أَنْ حَلَّ الأَجَل وَارْتَجَّ الْبَحْر بَيْنهمَا]
ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا [زَادَ فِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة " وَغَدَا رَبّ الْمَال إِلَى السَّاحِل يَسْأَل عَنْهُ وَيَقُول: اللَّهُمَّ اُخْلُفْنِي وَإِنَّمَا أَعْطَيْت لَك "]
فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا [أَيْ حَفَرَهَا , وَفِي رِوَايَة " فَنَجَرَ خَشَبَة "] . فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ [وجاء في حديث آخر " فَعَمِلَ تَابُوتًا وَجَعَلَ فِيهِ الأَلْف]
ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا [قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَيْ سَوَّى مَوْضِع النَّقْر وَأَصْلَحَهُ , وَهُوَ مِنْ تَزْجِيج الْحَوَاجِب وَهُوَ حَذْف زَوَائِد الشَّعْر , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَأْخُوذًا مِنْ الزُّجّ وَهُوَ النَّصْل كَأَنْ يَكُون النَّقْر فِي طَرَف الْخَشَبَة فَشَدَّ عَلَيْهِ زُجًّا لِيُمْسِكهُ وَيَحْفَظ مَا فِيهِ , وَقَالَ عِيَاض: مَعْنَاهُ سَمَّرَهَا بِمَسَامِير كَالزُّجِّ , أَوْ حَشَى شُقُوق لِصَاقهَا بِشَيْءٍ وَرَقَعَهُ بِالزُّجِّ , وَقَالَ اِبْن التِّين: مَعْنَاهُ أَصْلَحَ مَوْضِع النَّقْر]
ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلانًا [يعني كما جاء في رواية أخرى " اسْتَسْلَفْت مِنْ فُلَان "] أَلْفَ دِينَارٍ فَسَأَلَنِي كَفِيلا فَقُلْتُ كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلا فَرَضِيَ بِكَ [وفي رواية " فَرَضِيَ بِهِ "]
وَسَأَلَنِي شَهِيدًا فَقُلْتُ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا فَرَضِيَ بِكَ وَأَنِّي جَهَدْتُ
أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا [وَزَادَ فِي حَدِيث " فَقَالَ اللَّهُمَّ أَدِّ حَمَالَتك "]
فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ [أَيْ دَخَلَتْ فِي الْبَحْر]
رماها وهو واثق بالله , متوكل عليه , مطمئن أنه استودعها من لا تضيع عنده الودائع.
ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا فَلَمَّا نَشَرَهَا [قَطَعَهَا بِالْمِنْشَارِ] وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ (وَجَدَ الْمَال) فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ " فَلَمَّا كَسَرَهَا " وَفِي رِوَايَة أَبِي سَلَمَة " وَغَدَا رَبّ الْمَال يَسْأَل عَنْ صَاحِبه كَمَا كَانَ يَسْأَل فَيَجِد الْخَشَبَة فَيَحْمِلهَا إِلَى أَهْله فَقَالَ: أَوْقِدُوا هَذِهِ , فَكَسَرُوهَا فَانْتَثَرَتْ الدَّنَانِير مِنْهَا وَالصَّحِيفَة , فَقَرَأَهَا وَعَرَفَ ".
قال ﷺ : ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ قَالَ هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ قَالَ أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا.
قَوْله: (وَانْصَرَفَ بِالأَلْفِ الدِّينَار رَاشِدًا) وفي حديث آخر " قَدْ أَدَّى اللَّه عَنْك , وَقَدْ بَلَغَنَا الأَلْف فِي التَّابُوت , فَأَمْسِكْ عَلَيْك أَلْفك "
يعني لما تيسرت للمدين العودة إلى بلده ,جاء بسرعة إلى صاحب الدين , ومعه ألف دينار أخرى , خوفا منه أن تكون الألف الأولى لم تصل إليه , فبدأ يبين عذره وأسباب تأخره عن الموعد , فأخبره الدائن بأن الله الذي جعله الرجل شاهده وكفيله , قد أدى عنه دينه في موعده المحدد.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَلَقَدْ رَأَيْتنَا عِنْد رَسُول اللَّه ﷺ يَكْثُر مِرَاؤُنَا وَلَغَطنَا , أَيّهمَا آمَن "؟
وَفِي الحديث فَضْل التَّوَكُّل عَلَى اللَّه وَأَنَّ مَنْ صَحَّ تَوَكُّله تَكَفَّلَ اللَّه بِنَصْرِهِ وَعَوْنه.
فما أحوج الإنسان في زمن طغت فيه المادة , وتعلق الناس فيه بالأسباب إلا من رحم الله , إلى أن يجدد في نفسه قضية الثقة بالله , والاعتماد عليه في قضاء الحوائج , وتفريج الكروب , فقد يتعلق العبد بالأسباب , ويركن إليها , وينسى مسبب الأسباب الذي بيده مقاليد الأمور , وخزائن السماوات والأرض , ولذلك نجد أن الله يبين في كثير من المواضع في كتابه هذه القضية , كما في قوله تعالى: (وكفى بالله شهيدا) الفتح/٢٨ , وقوله: (وكفى بالله وكيلا) الأحزاب/٣ , وقوله: (أليس الله بكاف عبده) الزمر/٣٦ , كل ذلك من أجل ترسيخ هذا المعنى في النفوس , وعدم نسيانه في زحمة الحياة , وجاءتنا السنة بقصة هذين الرجلين من الأمم السابقة , اللذين ضربا أروع الأمثلة لهذا المعنى.
إن هذه القصة تدل على عظيم لطف الله وحفظه , وكفايته لعبده إذا توكل عليه وفوض الأمر إليه , وأثر التوكل على الله في قضاء الحاجات , فالذي يجب على الإنسان أن يحسن الظن بربه على الدوام , وفي جميع الأحوال , والله عند ظن العبد به , فإن ظن به الخير كان الله له بكل خير أسرع , وإن ظن به غير ذلك فقد ظن بربه ظن السوء.
إذا بلغ العبد الغاية من الزهد، أخرجه ذلك إلى التوكل
فإذا اتكلت فكن بربك واثقاً لا ما تحصل عندك الموثوق
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا.
( ... وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) الطلاق/٣ وكذلك من القصص التي تربي على الأمانة
قصة جرة الذهب
كما جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ : اشترى رجل من رجل عقاراً له (أرضاً) فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب!!
المشتري (للبائع) : خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرض، ولم أشتر منك الذهب!!
البائع (ممتنعاً) : إنما بعتك الأرض وما فيها. – يحتكمان إلى رجل -.
الحكم: ألكما ولد؟
أحدهما: لي غلام.
الآخر: لي جارية.
الحكم: أنحكوا (زوجوا) الغلام للجارية وأنفقوا عن أنفسكما منه، وتصدقا.
من فوائد القصة
١- أداء الأمانة مطلوب لقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) .
٢- القناعة كنز لا يفنى تعود بالخير والبركة على صاحبها.
٣- مشروعية الاحتكام إلى عالم بالكتاب والسنة، دون الذهاب إلى المحاكم المدنية التي تضيع الأموال والأوقات عملاً بقول الله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)
٤- من رضي بما أعطاه الله كان من أغنى الناس لقوله ﷺ :-
أ- (وأرضَ بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس) .
ب- ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس.
٥- الرزق مقسوم، لا بد أن يصل إليك في وقته ومقداره قال رسول الله ﷺ : (لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت) قال الشيخ الألباني ﵀: رواه الطبراني في الأوسط والصغير بإسناد حسن.
٦- على المسلم أن يقنع بالحلال، ويترك الحرام والطمع فيما ليس له، ويأخذ بالأسباب المشروعة للرزق، وأن العمل الصالح يكفل له السعادة في الدنيا والآخرة، قال النبي ﷺ : (اتقوا الله وأحملوا في الطلب) .
٧- الحكم العادل يرضي المحتكمين.
٨- عدم الطمع فيما ليس للإنسان.
كيف نربي أبنائنا على مراقبة الله وأن الله معنا ويراقبنا؟
قصة ابن عمر والراعي:
ذكر هذه القصة ابن الجوزي ﵀ في صفة الصفوة (٢ / ١٨٨)
قال نافع: خرجت مع ابن عمر في بعض نواحي المدينة ومعه أصحاب له فوضعوا سفرة فمر بهم راع
فقال له عبد الله: هلم يا راعي فأصب من هذه السفرة.
فقال: إني صائم
فقال له عبد الله: في مثل هذا اليوم الشديد حره وأنت في هذه الشعاب في آثار هذه الغنم وبين الجبال ترعى هذه الغنم وأنت صائم
فقال الراعي: أبادر أيامي الخالية فعجب ابن عمر
وقال: هل لك أن تبيعنا شاة من غنمك نجتزرها ونطعمك من لحمها ما تقطر عليه وتعطيك ثمنها
قال: إنها ليست لي إنها لمولاي
قال: فما عسيت أن يقول لك مولاك إن قلت أكلها الذئب ... ؟ !
فمضى الراعي وهو رافع إصبعه إلى السماء وهو يقول فأين الله؟؟؟
قال: فلم يزل ابن عمر يقول: قال: الراعي فأين الله
فما عدا أن قدم المدينة فبعث إلى سيده فاشترى منه الراعي والغنم فأعتق الراعي ووهب له الغنم ﵀
صفة الصفوة (٢ / ١٨٨)
فهذه القصة احتوت على كثير من الفوائد والعبر منها:
الحث على الكرم فعبد الله بن عمر لم يستأثر بالسفرة مع أصحابه دون الراعي وقد مر بهم بل دعاه ليأكل معهم وهكذا فإن الولد الكريم إذا أحضر طعاماً إلى المدرسة أو الرحلة فإنه يضيّف أصحابه ويعرض عليهم مشاركته فيه
وكذلك الصيام وأن الراعي على الرغم من أنه يعمل عملاً شاقاً وفي يوم حار لكنه يحتسب ذلك ليوم الحساب والجزاء
وكيف أن ابن عمر ﵄ أحب أن يختبر أمانة الراعي فأعجبه جوابه وقيل أنه بكى لقول الراعي وهو رافع إصبعيه إلى السماء فأين الله
وهنا درس عظيم الآخر وهو تنمية الصلة بالله وخشيته في الغيب والشهادة وغرس روح المراقبة في النفوس كالشاعر الذي قال:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليَّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعةً ولا أن ما تُخفي عليه يغيب
ونفس الغرض الذي أراده ابن السّماك:
يا مدمن الذنب أما تستحي واللهُ في الخلوة ثانيكا
غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويكا
وفي القصة العاقبة الحميدة لمن نال هذه الصفات فالراعي الذي سمعنا عنه في هذه القصة كان عاملاً يأكل من تعب يده برعي الغنم وكان مع ذلك عابداً يصوم في النهار حتى في الأيام الحارة وكان أميناً في عمله يراقب الله في نفسه وأن مطلع عليه فصلته بالله قوية ولذلك رفض المكسب الحرام مع أنه قادر عليه ومتمكن منه ولم يستغل عمله وأمانته ولم يسرق منها فأعقبه الله الحسنى فعندما رأى عبد الله بن عمر تلك الصفات أعتقه واشترى له الغنم ووهبه له
فمن عبد يرعى غنم صاحبه إلى حر يملك حلالاً كثيراً
وإنه سنة عظمية يجب تربية الأبناء عليها ((من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه))
إنها قاعدة لو شربها أطفالنا منذ الصغر لجنبتهم الكثير من الحرام والمنكرات في الكبر
تربية الأبناء على تجنب الغش وتحريمه؟
لما نهى عمر ﵁ في خلافته عن خلط اللبن بالماء وخرج ذات ليلة في حواشي المدينة وأسند ظهره إلى جدار ليرتاح فإذا بامرأة تقول لابنتها إلا تمذقين اللبن بالماء فقالت الجارية كيف أمذق وقد نهى أمير المؤمنين عن المذق فقالت الأم فما يدري أمير المؤمنين , فقالت الجارية إن كان عمر لا يعلمه فإله عمر يعلم ما كنت لأفعله وقد نهى عنه.
فوقعت مقالتها من عمر فما أصبح دعا عاصماً ابنه فوصفها له ومكانها وقال اذهب يا بني فتزوجها فتزوجها عاصم بن عمر فولدت له بنتاً فتزوجها عبد العزيز بن مروان بن الحكم فأتت بعمر بن عبد العزيز.
ومن فوائد تلك القصة:
١- أن ما أثبته القرآن والسنة من الكتب السابقة نثبته أما خلافه فلا نصدقه ولا نكذبه إذا لم عرض النصوص.
٢- اجتهاد السلف في تربية أبنائهم.
٣- استشعار مراقبة الله في السر والعلن.
٤- عدم التحرج من تقديم النصيحة للوالدين.
٥- اختيار الزوج والزوجة الصالحة للبنت والابن.
كيف نربي الأطفال على تجنب الظلم؟
روى البخاري - رحمه الله تعالى- عن عائشة ﵂ قالت: [أسلمت امرأة سوداء لبعض العرب، وكان لها حفش في المسجد، قالت: فكانت تأتينا فتحدث عندنا، فإذا فرغت من حديثها قالت:
ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا
ألا إنَّه من بلدة الكفر نجاني
فلما أكثرت قالت لها عائشة: وما يوم الوشاح؟! قالت: خرجت جويرية لبعض أهلي وعليها وشاح من أدم، فسقط منها، فانحطت عليه الحديَّا وهي تحسبه لحماً، فأخذته. فاتهموني به، - أي بسرقة الوشاح- فعذبوني حتى بلغ من أمري أنهم طلبوا في قبلي، وبينما هم حولي وأنا في كربي إذ أقبلت الحديَّا حتى وازت برؤوسنا، ثم ألقته فأخذوه، فقلت لهم: هذا الذي اتهمتموني به وأنا منه بريئة. أخرجه البخاري - الفتح - رقم (٣٨٣٥) .
معنى وازت: أي قابلت.
الحفش: هو البيت الصغير الضيق
انظر فتح الباري (٧/١٨٦) ط: دار الريان للتراث. والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (١/٤٠٧) ط: دار الفكر.
ما يؤخذ من القصة:
وَفِي الحديث من الفوائد الْخُرُوج مِنْ الْبَلَد الَّذِي يَحْصُل لِلْمَرْءِ فِيهِ الْمِحْنَة , وَلَعَلَّهُ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَا هُوَ خَيْر لَهُ كَمَا وَقَعَ لِهَذِهِ الْمَرْأَة. وَفِيهِ إِجَابَة دَعْوَة الْمَظْلُوم وَلَوْ كَانَ كَافِرًا ; لأَنَّ فِي السِّيَاق أَنَّ إِسْلَامهَا كَانَ بَعْد قُدُومهَا الْمَدِينَة.
١. استجابة دعوة المظلوم ولو كان كافراً؛ لأن المرأة ما أسلمت إلا بعد قدومها إلى المدينة.
٢. الخروج من البلد الذي يحصل للمرء فيه المحنة؛ فلعله يتحول إلى ما هو خير منه؛ كما وقع لهذه المرأة وكما أخبر الله: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة) النساء/١٠٠. إرغاماً لأنوف الذين اضطهدوه، وسعة له في الرزق.
٣. الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام.
إباحة المبيت والقيلولة في المسجد لمن لا مسكن له من المسلمين رجلاً كان أو امرأة بشرط أمن الفتنة، وإباحة الاستظلال في المسجد بخيمة ونحوها.
كيف نعلم أولادنا التوقي من الشيطان والتعود على الأذكار؟
قصة أبي هريرة مع الشيطان
قال البخاري ﵀ (باب الوكالة) :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ وَاللَّهِ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ قَالَ فَخَلَّيْتُ عَنْهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّهُ سَيَعُودُ فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ لا أَعُودُ فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ فَجَاءَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهَذَا آخِرُ ثَلاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ قَالَ دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا قُلْتُ مَا هُوَ قَالَ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ مَا هِيَ قُلْتُ قَالَ لِي إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَقَالَ لِي لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ لا قَالَ ذَاكَ شَيْطَانٌ.
وفي رواية انه كان على تمر الصدقة أبو هريرة فوجد أثر كف كأنه أخذ منه وقوله من الطعام المراد منه البر ونحوه مما يزكى به.
قوله: (لأرفعنك) أي لأذهبن بك أشكوك لرسول الله ﷺ ليقطع يدك لأنك سارق.
وقوله: (أني محتاج ولي عيال) يعني فقير في نفسي ولي عيال أظهر حاجة أخرى ثم قال مؤكداً حاجته ولي حاجة شديدة يعني زائدة صعبة كدين أو جوع مهلك ونحو ذلك هذا تأكيد بعد تأكيد.
وقوله: (لا يزال عليك من الله حافظ) يعني لا يزال من عند الله أو أمر الله حافظ من قدرته سبحانه أو من الملائكة لا يقربك شيطان لا إنسي ولا جني لا يقربك شيطان في أمر ديني ولا دنيوي ودليله ﷺ عندما قال له صدقك أي في تعليمه لك وهو كذوب أي في سائر أقواله لأن هذه عادة الشيطان.
وهكذا وجدنا أيها الأخوة والأخوات حلقة من حلقات الصراع بين المسلم والشيطان وقد حصل لعدد من الصحابة مواقف مثل موقف أبي هريرة ﵁ وهذه الوقائع والقصص لها مدلولات كثيرة منها:
١- أن الشيطان قد يعلم ما ينتفع به المؤمن.
٢- أن الحكمة قد يعلمها الفاجر لكنه لا ينتفع بها لأنه لا يعمل بها لكن تؤخذ عنه.
٣- أن الشخص قد يعلم شيئا ولا ينتفع به (يعلم بالشيء ولا يعمل به)
٤- أن الشيطان قد يَصدق وقد يصدق ببعض ما يصدق به المؤمن ومع ذلك لا يكون مؤمنا.
٥- أن الكذاب قد يصدق لقول الرسول ﷺ (صدقك وهو كذوب)
٦- أن عادة الشيطان الكذب الغالب على الشيطان الكذب وأنه نادرا ما يصدق وكذوب صيغه مبالغه
٧- للشيطان قد يتصور في صورة يمكن للإنسي أن يراه لان الله يقول في كتابه (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ..) الأعراف/٢٧، فالشيطان ومن هم من شاكلته من الشياطين يمكنهم أن يرونكم وانتم لا ترونهم فقال الله من حيث لا ترونهم فكيف رآهم أبو هريرة والصحابة؟؟ لما تصور بصورة أخرى غير الصورة التي خلق عليها فيمكننا رؤيته فإذا كان بشكله الحقيقي لا يمكن أن نراه
٨- والشخص الذي يقام بحفظ الأشياء يسمى وكيلا يوكل بحفظ الصدقة وعليه الاهتمام بها وصيانتها.
٩- أن الجن يأكلون من طعام الإنس وقول الله تعالى (وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ..) الاسراء/٦٤ فيدخل الطعام في الأموال فإذا أردت أن لا يشارككم الشيطان في الطعام فسم بالله عند الطعام وغط الإناء وقل بسم الله لان الشيطان يأكل من الإناء المفتوح ويشرب من الإناء المفتوح فالفائدة من تغطيته والتسمية هو منع الشيطان منه وقال الرسول ﷺ (ولو أن تعرض عليه عودا وتسم بالله) فلو وضعت عودا بدلا من الغطاء وقلت بسم الله لا يستطيع الشيطان أن يأكل أو يشرب منه وكذلك أيضا يفيد في منع نزول الداء من السماء فإن في السنة ليلة ينزل بها الداء كما أخبر بها النبي ﷺ فهذا شي غيبي فإذا غطيت الإناء لم ينزل الداء إذا الفائدة من تغطية الإناء:
• منع نزول الداء
• منع الشيطان أن يشركك في مطعومك ومشروبك
١٠- فاسم الله أيضا يمنع الشيطان من النظر إليك فإذا أراد الإنسان أن يخلع ثيابه أو أن يأتي الرجل أهله فما هو الحل أفنبقى نحن نهباً لأعين الجن يرون عوراتنا؟؟ لا لأن النبي ﷺ أخبر بأن الرجل إذا أراد أن يخلع ثيابه فسم الله فان الشيطان لا يستطيع أن ينظر إلى عورته. وكذلك بسم الله تمنع الشيطان من مشاركه في الأولاد فانه ورد في تفسير قوله (وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ..) أن الشيطان يشارك الإنسان في وطئ زوجته فإذا قلت بسم الله قبل الجماع منعت الشيطان من المشاركة.
١١- أن الجن يسرقون ويتكلمون بكلام الأنس كلام تسمعه وباللغة التي عليها الرجل حدثوا أن أبا علقم النحوي وكان رجلا متقعرا في الكلام أنه كان مرة يمشي في الطريق فأصابه شي فسقط فتجمع عليه أهل السوق واحد يعصر إبهامه وواحد يقرأ في أذنه وواحد يؤذن في الأذن الأخرى فقال: ما لكم تكأكأتم علي كتكأكؤكم على ذو جنة افرنقعوا عني فقالوا: شيطانه يتكلم بالفارسية أو الهندية فقوله تكأكأتم علي كتكأكؤكم أي تجمعتم علي كتجمعكم على ذو جنة أي كمن دخل عليه جني وافرنقعوا عني أي انفضوا من حولي.
١٢- أن الجن يسرقون ويخدعون كما في قوله لا أعود فعاد
١٣- فضل آية الكرسي ومن الروايات الأخرى يؤخذ فضل آخر سورة البقرة
١٤- أن السارق لا يقطع في المجاع
١٥- قبول العذر والستر على من يظن به الصدق
١٦- إطلاع النبي ﷺ على المغيبات
١٧- جواز جمع زكاة الفطر قبل ليلة الفطر لتفريقها بعد ذلك
١٨- أن زكاة الفطر تخرج طعاما
١٩- يقين الصحابة بكلام النبي ﷺ وتصديقهم به
٢٠- قراءة آية الكرسي قبل النوم
٢١- أن التشريع على كلام الشيطان أتى من الرسول ﷺ عندما قال:صدقك وليس التشريع من كلام الشيطان.
٢٢- أن آية الكرسي تمنع شياطين الجن والإنس سواء أكان في الأمور الدينية أو الدنيوية (لا يقربنك شيطان حتى تصبح) والشيطان هنا نكرة
٢٣- كرامة الله لأبي هريرة عندما استطاع أن يلقي القبض على الشيطان أي لم يستطع الشيطان أن يفلت منه ففيه إن المؤمن قوي الإيمان يستطيع أن يمسك الشيطان ولا يمكنه من الهروب وذكر ابن القيم في فوائد الذكر انه ربما من كثرة ذكر المؤمن لله ربما أن يقرب منه الشيطان ليمسه بسوء فيصرع الشيطان فتجتمع عليه الشياطين فيقولون ما به فيقولون صرعه الإنسي.
٢٤- أن ذكر الله تعالى هو الذي يحمي المؤمن من الشيطان وعلى رأس الذكر القرآن وأفضل آية في القران هي آية الكرسي
٢٥- أن الإنسان إذا كان صاحب حاجة يجب أن يبين حاجته حتى يعرف عذره ولا يرتاب في أمره
٢٦- رفع الشأن المهم إلى العلماء (وكانوا أبو هريرة ﵁ لأرفعنك إلى رسول الله عليه وسلم
٢٧- حرص أبي هريرة على العلم (وكانوا احرص شي إلى العلم) فأطلق سراحه لأجل الفائدة فهم يحرصون على العلم
٢٨- يمكن أن يثور اعتراض وهو كيف استطاع أبو هريرة أن يمسك الشيطان لان الرسول ﷺ امتنع عن إمساكه لدعوة سلمان (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي..) صّ/٣٥ (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ) صّ/٣٦، (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ) صّ/٣٧ فكيف امسك أبو هريرة بالشيطان الذي رآه وأراد حمله للنبي ﵇؟؟
أجاب الحافظ بن حجر على هذا الإشكال بأن النبي ﷺ هم أن يمسك بالشيطان الأكبر رأس الشياطين فعند ذلك يكون فيه مضاهاه لما حدث لسليمان أما الشيطان الذي في حديث الباب إما أن يكون الشيطان الذي مع الصحابي (لكل إنسان شيطان) أو أن يكون شيطان من الشياطين وليس رأس الشياطين. فإن قال قائل ما هي الميزة التي موجودة في آية الكرسي حتى تمنع الشياطين من إيذائنا؟؟
آية الكرسي هي أعظم آية في القرآن كما قال رسول الله ﷺ لذلك الصحابي وأن هذه الآية إذا قرأها المؤمن في دبر كل صلاة لم يمنعه من الدخول إلى الجنة إلا أن يموت كما قال الرسول ﷺ في الصحيح الذي رواه النسائي ﵀ وغيره فآية الكرسي تقرأ قبل النوم وفي أدبار الصلوات من أسباب فضلها:
• اشتمالها على الاسم الأعظم (الله لا اله إلا هو الحي القيوم) في البقرة وال عمران وطه وعلت في وجوه الحي القيوم على بعض الأقوال على احتمال أنها الاسم الأعظم
• هذه الآية هي عشر جمل مستقلة (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ) متفرد ا
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15297
تأديب صاحب المرض المزمن
[السُّؤَالُ]
ـ[لنا بنت مريضة وأحياناً نضربها ضرباً خفيفاً، لكننا نتألم نفسياً من ذلك، فهل علينا في ذلك شيء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الواجب عليكم مراعاة حالها، وعدم فعل ما يزيد مرضها، وإذا كانت لا تتحمل الضرب لم يجز لكم الضرب، وأما إن كان المرض خفيفاً وهي تخطئ وتعمل بعض الأشياء التي تستحق عليها التأديب الخفيف فلا بأس.
لكن يجب أن تراعوا حالها، فإن كان الضرب يضرها فلا تضربوها، أما إذا كانت لا يضرها هذا الضرب الذي تعملونه معها لأن مرضها خفيف والحاجة ماسة إلى تأديبها حتى ترتدع عما لا ينبغي فلا حرج في ذلك.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٩ ص/٣٤٢.
стр. 15298
زوجها لا يهتم بأولادها ويذهب بهم إلى المبتدعة
[السُّؤَالُ]
ـ[يرسل زوجي ابني إلى مدرسة إسلامية وأعتقد أنها مدرسة متساهلة جدا دينيا. يبلغ ابني من العمر ٧ سنوات ولم يسبق له أن تعلم القرآن أو أي سورة منه. كنت أدرسه من الترجمة إلى الإنكليزية لأني لا أتحدث بالعربية. لقد تكلمت معه في هذا الخصوص لكنه كان يصد عني أو كان يجعل لذلك صلة بإرسال ابني إلى مدرسة معروفة ببدعها ومستحدثاتها. أبناؤه من زوجته الأخرى يدرسون في هذه المدرسة وهم يقرؤون القرآن بالعربية بطلاقة.
ماذا أفعل في هذه الحالة؟ أنا أريد أن يتعلم ابني القرآن لكن المدرسة التي يذهب إليها متساهلة , والمدرسة الأخرى التي تولي ذلك الأمر اهتماما كبيرا تتجنبها الجالية الإسلامية عندنا. والمسجد إلى حد ما يقوم بدور لكن وفق لغة بسيطة في التحدث.
وأيضا, فإن زوجي يذهب إلى هذا المسجد ومعه زوجته الأخرى، أنا أذهب إلى مسجد في حي آخر يتبع السنة ولا يتبع المذاهب. وقد بدأ ذلك يسبب لي مشاكل حيث أن زوجي لا يعي المخاوف التي يحذر منها العلماء بخصوص المذاهب وينكر عليّ إذا دعوته إلى عدم اتباع المذهب.
سأقدر لك، إن شاء الله , تقديمك بعض التوجيهات في هذا الخصوص.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نشكر الأخت السائلة على حرصها على تعليم أولادها القرآن الكريم، فإن هذا من حسن التربية، ونسأل الله لها التوفيق والإعانة على ذلك.
ثانياً:
النصيحة لها أن تحرص أشد الحرص على تعلم اللغة العربية فهي خير وسيلة لها لتزداد معرفة وعلما بهذا الدين العظيم، وبالتالي تعلم أولادها ما تشاء من علوم نافعة، ولأن الأم هي أكثر تأثيراً على أولادها من غيرها.
ثالثاً:
النصيحة للزوج أن يتقي الله تعالى وأن يعدل بين أولاده من حيث الاهتمام والحرص على تعليمهم ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وعلى رأس ذلك كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ؛ ففي حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشهد رسول الله ﷺ ، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أُشهدك يا رسول الله، قال: أعطيتَ سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا، قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، قال: فرجع فردَّ عطيتَه.
رواه البخاري (٢٤٤٧) ومسلم (١٦٢٣) .
والشاهد من الحديث: أن رسول الله ﷺ أنكر على والد النعمان إعطاءه ابنه شيئاً دون إخوته، ويدخل في ذلك أن يخص الرجل أحد أولاده بشيء دون الآخرين كتعليم أو غيره، وكما أن الرجل يحب أن يتساوى أولاده في بره وطاعته فكذلك عليه أن يسوي بينهم في كل شأن، ومن أسباب وقوع الحسد والبغضاء بين الأخوة تفضيل الأب أحد أولاده أو محبته أكثر من إخوته.
وفي قصة يوسف عليه أكبر شاهد على ذلك قال تعالى: ﴿إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين﴾ يوسف / ٨، ٩.
رابعاً:
على الزوج أن يهتم بتعليم أولاده العلوم الشرعية وخصوصا اللغة العربية والقرآن الكريم وخاصة في حال الصغر لأن التعليم في الصغر يبقى في الذهن أكثر من التعليم في الكبر وكما يقال: " العلم في الصغر كالنقش في الحجر "، ويتأكد ذلك إذا كان المسلم يعيش في تلك البلاد التي يكثر فيها الفتن والإغراآت وخصوصا للأطفال مع كثرة الملهيات.
خامساً:
الواجب على المسلم أن يتبع الكتاب والسنة لأنهما هما مصدر التشريع الإلهي قال الله ﵎: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) النساء / ٥٩.
وفي حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله ".
رواه مسلم (١٢١٨) .
فأساس الهداية في اتباع الكتاب والسنة لا في اتباع قول أحد من البشر كائنا من كان، على أننا لا نقلل من شأن الأئمة ﵏، فإننا نستعين بكلامهم في فهم الكتاب والسنة فهماً صحيحاً ومعرفة الأحكام الشرعية، وهذه المذاهب لا ينكرها المسلم ولا يقلل من شأنها، بل لا حرج على المسلم أن يتفقه عليها وأن يستفيد منها، ولكن الذي ينكَر على أصحاب المذاهب هو التعصب للمذهب والتقليد الأعمى والإصرار على العمل بالمذهب ولو خالف حديثا صحيحاً عن النبي ﷺ ، وإن أئمة المذاهب لم يتعمدوا مخالفة قول النبي ﷺ ، ولكن مما هو معلوم أن الصحابة تفرقوا في الأمصار والبلاد، وأصحاب المذاهب أفتوا وتكلموا في الحلال والحرام بحسب ما وصلهم من الأدلة مع أنه قد يكون فاتهم بعض الأحاديث لن تصل إليهم، قليلة كانت أو كثيرة، فاجتهدوا في تلك المسائل التي لم تصلهم أدلتها فجاءت بعض تلك الاجتهادات مخالفة للسنة، والواجب على المسلم في هذا هو اتباع السنة والاعتذار عن الأئمة، واعتقاد أنهم مأجورون على اجهادهم ومترددون بين أجر واحد أو أجرين كما قال النبي ﷺ .
وقد أمرونا ﵏ باتباع السنة وترك أقوالهم المخالفة لها:
قال الإمام أبو حنيفة ﵀: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
وقال: لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه.
وقال: إذا قلت قولا يخالف كتاب الله وخبر رسول الله فاتركوا قولي.
وقال الإمام مالك بن أنس ﵀: إنما أنا بشر أخطىء وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.
وقال الإمام الشافعي ﵀: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلت.
وقال الإمام أحمد ﵀: لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا.
والشاهد: أن الأئمة رفضوا أن يتعصب أحدٌ لأقوالهم من غير دليل، وخصوصا إذا خالف الكتاب والسنة وهم بشر ليسوا بمعصومين، على أننا نعرف قدرهم وفضلهم ومرتبتهم في العلم ونستفيد منهم من غير تعصب لأقوالهم.
سادساً:
وأما المدرسة الأخرى التي وصفتها السائلة بأنها معروفة بالبدع ولكنها تولي القرآن اهتماماً جيداً، فعلى السائلة أن تنظر إلى مصلحة أولادها وتوازن بين المصالح والمفاسد، فإذا أمكن الاستغناء عن هذه المدرسة بإيجاد مدرس خاص للأبناء ونحو ذلك فإن محافظتها على أبنائها تقتضي أنها لا ترسلهم إلى مدرسة يتعلمون فيها البدع، وكذلك إذا كانت هذه البدع من الأمور الكبيرة التي تؤدي إلى انحراف عن منهج أهل السنة والجماعة.
أما إذا كانت البدع يسيرة لا تصل إلى هذا الحد ومن السهل بيانها للأولاد وتحذيرهم منها ولا يوجد البديل لهذه المدرسة فإنه لا حرج إن شاء الله تعالى في إرسال الأولاد إلى هذه المدرسة مع التيقظ الكامل، ثم إذا ظهر أن ذلك سيؤثر على الأولاد يجب منعهم من الذهاب إلى تلك المدرسة فوراً.
سابعاً:
لا شك أن الشيخ الذي يعلِّم الناس من الكتاب والسنة ويتحرى الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أولى من غيره بل على المسلم أن يحرص على الاستفادة منه لنفسه ولزوجته وأولاده، فالنصيحة للزوج أن يسمع من زوجته الحريصة على اتباع الكتاب والسنة، وأن يعلم زوجته وولده اللغة العربية والقرآن الكريم، وأن يعدل بين أولاده في ذلك، وأن يتمسك بالكتاب والسنة، وأن لا يتعصب لشيء من المذاهب والأقوال المخالفة للسنة، وأن يكون لينا سهلا مع زوجته، وأن يجرب ويعمل بنصيحتها ولعل الله أن يشرح صدره ويوفقه لعمل الخير.
ونسأل الله التوفيق للسائلة وأن يمدها من فضله وعونه وأن يثبتها على الحق.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15299
ابنها يقع في الفاحشة، فهل تحاسب على أفعاله ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[يبلغ ابني من العمر ١٥ عاما، وقد ولد في أمريكا ونشأ فيها. ابني له صديقات، وقد اكتشفت مؤخرا أنه يمارس الجنس مع إحداهن. وأنا أشعر بالذنب، لكني لا أعرف كيف أتصرف. هل سيعاقبني الله جراء تصرفاته؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس أعظم من المصيبة في الدين؛ فهي المصيبة حقا، نسأل الله السلامة منها، وليس أكرم على الإنسان ـ بعد نفسه ـ من ولده؛ فبهم سرور القلب وقرة العين، قال الله تعالى:
(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) الفرقان/٧٤، لكن القلب لا يُسَرُّ، والعين لا تَقَرّ إلا بذرية صالحة، طائعة لله؛ قال الحسن البصري: (هي والله أن يُري الله ُ العبدَ من زوجته، من أخيه، من حميمه طاعة الله، لا والله ما شيء أحب من أن يرى ولدا، أو والدا، أو حميما، أو أخا مطيعا لله تحفة المودود لابن القيم ص ٤٢٤
ولا شك أن أعظم ما يُسْأَل عنه الوالدان من حفظ أبنائهما ورعايتهم، تربيتهم على طاعة الله تعالى، وطردهم عن معصيته؛ قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً) التحريم/٦، َقَالَ مُجَاهِد وغيره من السلف: أَوْصُوا أَهْلِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّه وَأَدِّبُوهُمْ، وقال قتادة: مُرُوهُمْ بِطَاعَةِ اللَّه وَانْهَوْهُمْ عَنْ مَعْصِيَته.
وفي الصحيحين من حديث عَبْدِ اللَّهِ بن عمر ﵄،ُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) البخاري ٢٥٥٤ ومسلم ١٨٢٩.
فقد دل هذا الحديث على أَنَّ الْمُكَلَّف يُؤَاخَذ بِالتَّقْصِيرِ فِي أَمْر مَنْ هُوَ فِي حُكْمه، وتحت رعايته.
وقد نص الحديث على دخول الوالدين في هذا الأصل العام: (وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ)
فالوالدان مسئولان عن أبنائهما، لأَنَّهُا أُمِرَا أَنْ يَحْرِصا عَلَى وِقَايَتهمْ مِنْ النَّار , وَامْتِثَال أَوَامِر اللَّه، وَاجْتِنَاب مَنَاهِيه. فإذا قام الوالدان بما يجب عليهما من تربية أولادهما التربية الصحيحة ولم يقصرا في ذلك، فإنه لا إثم عليهما في هذه الحال إذا انحرف أولادهما. قال الله تعالى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) الأنعام/١٦٤
وإذا كان كل أحد يفهم من الشرع، وببديهة عقله، أنه إن فرط في واجب الأدب والتربية نحو أولاده، فإنه مسئول عما وقعوا فيه من انحراف، فإن مسئولية الأسرة التي تعيش في الغرب نحو أبنائها مسئولية من لون آخر، هي أعظم من ذلك كله؛ إنها مسئولية من ألقى ثمرة فؤاده في اليم، مكتوفا!! بل هي والله أعظم؛ إنها نار الله وعذابه، نسأل الله السلامة.
وفي حالة ولدكما، ومثلها كثير، كان ينبغي سد أبواب الفتنة قبل أن تستفحل وتشتعل نارها؛ فليس في الإسلام علاقة صداقة بين رجل وامرأة أجنبية عنه، لاسيما في هذه المرحلة الخطيرة من عمر ابنكما.
لكن السؤال الأهم، الآن، فعلا هو: كيف نتصرف؟
إن عليكما، أنت وأبوه، أن تتحيلا بكل حيلة سريعة لإبعاد ولدكما عن هذه العلاقات الآثمة، وقطع علاقاته بالنساء الأجنبيات، حتى ولو تحققتما من أن هذه العلاقة لم تصل إلى أوحال الزنا؛ فقد ذكرنا أن أصل هذه العلاقة مرفوض في الشرع.
وقد يكون من أهم الوسائل لإبعاده عن تلك العلاقات المحرّمة التعجيل في تحصينه بالزواج، ولذلك قال النبي ﷺ : (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاء ٌ) متفق عليه
الباءة أي: تكاليف الزواج.
ومعنى وجاء أي: وقاية من الوقوع في الإثم.
لكنكما تعلمان أن إبعاد الشاب عن تلك العلاقات المحرمة ليس بالأمر السهل، بل تكاد هذه المهمة تكون مستحيلة في البلاد التي تعيشون فيها؛ فإن المحضن الغربي الذي تنمو فيه قلوب هذه الذرية وعقولها، ملوث بكل لون من فتن الشبهات والشهوات، تلك الفتن التي أحالت، الجيل الثاني والثالث من أبناء المسلمين هناك، إلى أجيال تتفلت يوما بعد يوم من شعائر الإسلام وشرائعه، وتتشرب بدلا منها قِيَم الغرب وأخلاقه، حتى لا يكاد يبقى لها في نهاية الأمر إلا " بركة " النسب!!
فيعود السؤال إليكما مرة ثانية: هل عندكما ن القوة في أمر الله، والخوف من إضاعة الأمانة نحو نفسيكما أولا، ثم نحو ذريتكما ثانيا، والرغبة في إصلاح ما فات، هل عندكما من ذلك كله ما يدفعكما للتضحية بمتاع الدنيا وزينتها في بلاد الغرب، والعودة بأبنائكما إلى بلدكم، أو إلى حيث تكونون أكثر أمنا على دينكم، قبل أن يفوت الأوان، ويأتي الموت على هذه الحال؛ فيقول قائل: (رَبِّ ارْجِعُونِي لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) المؤمنون/٩٩-١٠٠، وقبل أن نرى تأويل ما فعلنا؛ أي: عاقبته: (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) الأعراف/٩٩؟
أم إن المسؤولية لا تستحق هذه التضحية؟!
وقد تقولون: إن أكثر بلاد المسلمين اليوم يعج بالفتن والمنكرات، فلن تتوفر لنا البيئة الصالحة لتنشئة الذرية على الشرع النقي، فما الفائدة من هذه النقلة؟ !
فيقال: نعم، وأنتم محقون إلى حد كبير، لكن إذا لم نستطع جلب الخير كله، فلنكسب أقصى ما نستطيع منه، وإذا لم يمكن دفع الشر كله، فلندفع أقصى ما يمكننا منه، وبعض الشر أهون من بعض!!
والأمر فقط يحتاج إلى صدق مع النفس، وصدق الله العظيم: (بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) القيامة/١٤-١٥
والله يوفقنا وإياكم إلى ما يحب ويرضى.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15300
يضرب طفله ويقرصه وعمره سنة ثم يشعر بالندم
[السُّؤَالُ]
ـ[الحمد لله على المال والذرية، فقد وهبني الله طفلاً جميلاً، وأنا ينتابني شعور غريب تجاه هذا الولد، وهو: عندما يبكى أخرج عن شعورى فأضربه وأقرصه وغيرها من الأشياء، وبعدها أجد نفسي مهزوزاً جسديّاً ونفسيّاً، مع العلم أنني أحبه بشدة، وعندما يحمله الناس يضحك ويلعب معهم، وعندما يراني أنا يبكي ويصرخ، ابني لم يتعدَّ عمره السنة، ماذا أفعل مع العلم أنني أصلي وأصوم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا التصرف تجاه ولدك في غاية العجب، وهذه بعض الوقفات معك لعلَّ الله أن ينفعك بها:
١. يحتاج الطفل إلى طعام وشراب ونوم وهواء، والعطف والحنان من أطيب الأطعمة التي يقدمها الوالدان لطفلهما، فالحرص على الطعام المادي دون ذلك المعنوي تفريط في حاجة الطفل الفطرية لها جميعاً.
٢. ولإعطاء الحنان للطفل نتائجه الإيجابية العالية، ولذلك كانت الوصية بإرضاع الطفل رضاعاً طبيعيّاً حتى يجتمع له طيب الطعام والشراب مع طيب المقام وهو حضن أمه، لذا وُجد في الأبحاث الحديثة عظم تأثير الرضاع من حليب الأم في نمو جسم الطفل وعاطفته.
ووجد – كذلك – العكس، وهو النتائج السلبية لحرمان الطفل من حليب أمه وحجرها، والمجتمعات التي كثر فيها العنف ضد الأطفال أضحت مجتمعات فاسدة انتشرت فيها الجرائم والموبقات.
وقد ذكر بعض المختصين في علم الاجتماع أن ضرب الآباء لأبنائهم وتعنيفهم المستمر لهم يربي عقداً نفسية لدى الأبناء، بل ويزيد من العنف الأسري، إلى أن يتفاقم ويمثل مشكلة من الصعب مواجهتها، إذ تحول العنف من الأسرة إلى المجتمع، ويصبح شكلاً من أشكال السلوكيات الشاذة، وضحاياه مؤهلون نفسيا لممارسة الإرهاب النفسي على الأفراد مما يهدد أمن المجتمع.
٣. والذي يقسو مع أطفاله فإنما يخالف الفطرة والشرع، فقد فطر الله تعالى الناس على حب أولادهم لذا لم يوصِ الله تعالى ولا رسوله ﷺ الآباء بأبنائهم فيما يتعلق بهذا الجانب، وعلى العكس فقد أوصى الأبناء بآبائهم وأمهاتهم، وحذَّرهم من العقوق.
وأما مخالفة الشرع: فإن الضرب وعدم الحنان تجاه الأطفال يدل على نزع الرحمة من قلوب من يفعل ذلك، وهو موجب لحرمانه من رحمة الله تعالى.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قبَّل رسول الله ﷺ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلتُ منهم أحداً! فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: (مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَم) .
رواه البخاري (٥٦٥١) ومسلم (٢٣١٨) .
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَان؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ) رواه البخاري (٥٦٥٢) .
وقد بلغت الرحمة من نبينا صلى الله عليه بالأطفال أن خفَّف الصلاة من أجل بكائهم رحمةً بهم وبأمهم.
عن أَنَس بْن مَالِكٍ حَدَّثَهُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِنِّي لأَدْخُلُ فِي الصَّلاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ) . رواه البخاري (٦٧٧) ومسلم (٤٧٠) .
وجد: حزن.
٤. واعلم أنك مفرِّط في تربية طفلك بفعلك هذا، وأنك قد ترى مساوءه في الدنيا قبل الآخرة،
إذ كيف لهذه المعاملة أن تثمر تربية صالحة وولداً سليماً بارّاً؟!
٥. واعلم أن بكاء الطفل لا يكون من فراغ، بل لكل بكاء سبب، فالواجب عليك أن تأخذك الرحمة تجاه هذا البكاء لتعلم سببه، كأن يكون من مرضٍ أو من جوع، لا أن تبادر لضربه وقرصه والقسوة عليه، فتضيف لبكائه سبباً آخر وهو البكاء من الألم!
يقول أحد المختصين في الطب النفسي: " ويرى علماء النفس أن البكاء شأنه شأن سلوكيات أخرى تستخدم للتنفيس الانفعالي أو تفريغ الشحنة الانفعالية الكامنة في الشخصية فالبكاء والصياح والصوت الحاد المرتفع وتخريب الألعاب أو الممتلكات والتململ كلها وسائل تعبيرية عن حالة انفعالية مرتبطة بالغضب أو الحزن، ولما كان الإحباط الذي يتعرض له الطفل يولد شحنة نفسية عدوانية فإن البكاء يعد بمثابة التعبير عن هذه الشحنة والتخلص منها، وكف البكاء أو عدم البكاء قد يكون مؤشراً لكبت هذه الشحنة الانفعالية في النفس، وقد تنتقل إلى اللاشعور حيث ينساها الطفل لكنها لا تختفي تماما وتبقى لتعبر عن نفسها في الكبر بأساليب رمزية أو مرضية كالقلق والعدوان المدمر الظاهر كلما أتيحت الفرصة للطفل ".
٦. واعلم – أخيراً – أن هزَّ الطفل قد يسبِّب إعاقات عقلية أو جسديَّة فكيف سيكون الأمر لو أنه تعرَّض للضرب؟
" فقد حذر باحثون أمريكيون مختصون من أن هزّ الأطفال قد يؤدي إلى وفاتهم أو إصابتهم بإعاقات عقلية شديدة، وأوضح الباحون أن تلف الدماغ الذي يميز الحالة التي تعرف طبيّاً بمتلازم هزّ الطفل يحدث عندما يتم هزّ الأطفال بعنف , وقد يسبب وفاتهم أو إصابتهم باعتلالات عصبية وعاهات عقلية: كالتخلف العقلي والشلل الدماغي والعمى ونوبات تشنجية شديدة وعسر القراءة واضطراب الانتباه وغيرها من الإعاقات التعليمية.
وقالت إحدى المختصات: إن بكاء الأطفال مزعج وموتر ولكنها طريقتهم في التعبير عن حاجاتهم، لذلك ينبغي أولا معرفة أسباب بكائهم والسعي لحلها بدلا من هزهم، منوهة إلى أن الأولاد أكثر عرضة للإصابة من البنات حيث يكون ٥٧ % من الضحايا من الذكور.
وأشار الباحثون إلى أن هزّ الطفل بعنف عند بكائه أو رميه في الهواء وإمساكه أو هزه على الركبة بعنف أو الهرولة به كلها عوامل قد تؤدي إلى تلف دماغه نتيجة اندفاعه حول الجمجمة فيسبب تفجر الأوعية الدموية التي تغذيه ويحدث نزيف في المخ، ونوه الخبراء إلى أن الأطفال الرضع والحديثي الولادة يعتبرون أكثر الأطفال عرضة للإعاقات الناتجة عن الهز مقارنة بالأطفال الأكبر سنّاً ".
والخلاصة:
عليك بتقوى الله تعالى، وأن لا تخالف الفطرة، ولا تخالف شرع الله تعالى، وأن تكون حنوناً على طفلك الجميل، وأن لا تتسبب في خسارته أو إعاقته فتعيش عمرك كله بتلك الخطيئة، وانظر في حال النبي صلى الله عليه وأصحابه ليكونوا لك قدوة صالحة.
واحرص على الدعاء والرقية لك ولبيتك ولولدك خشية أن تكونوا مصابين بعينٍ أو سحر، والرقية نافعة بكل حال.
راجين لك التوفيق والعفو والعافية، ولطفلك السلامة من الشر، ونسأله تعالى أن يعينك على تربيته تربية صالحة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15301
حكم ضرب التلاميذ
[السُّؤَالُ]
ـ[أعمل مدرساً ولصالح التلاميذ أضربهم ضرباً لا يترك جروحاً بأجسادهم وذلك حتى يرتفع مستواهم، فهل هذا يؤثر على صيامي؟ وهل عليّ إثم في هذا الضرب؟ (علماً بأني عندما أترك الضرب يقل مستواهم بشكل ملحوظ جدّاً) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
ما حكم ضرب الطالبات لغرض التعليم والحث على أداء الواجبات المطلوبة منهن لتعويدهن على عدم التهاون فيها؟ .
فأجاب:
لا بأس في ذلك؛ فالمعلم والمعلمة والوالد كل منهم عليه أن يلاحظ الأولاد، وأن يؤدب من يستحق التأديب إذا قصَّر في واجبه حتى يعتاد الأخلاق الفاضلة وحتى يستقيم على ما ينبغي من العمل الصالح، ولهذا ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرِّقوا بينهم في المضاجع "، فالذَّكر يُضرب والأنثى كذلك إذا بلغ كل منهم العشر وقصَّر في الصلاة، ويؤدَّب حتى يستقيم على الصلاة، وهكذا الواجبات الأخرى في التعليم وشئون البيت وغير ذلك، فالواجب على أولياء الصغار من الذكور والإناث أن يعتنوا بتوجيههم وتأديبهم لكن يكون الضرب خفيفاً لا خطر فيه ولكن يحصل به المقصود. " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٦ / ٤٠٣) .
وينبغي التنبه إلى أنه لا يجوز للمعلم أن يقسوَ في ضربه ولا أن يزيد على عشرة أسواط إلا أن يتعدى الطالب على شرع الله، أما فيما يتعلق بدراسته وتحضيره لها: فلا ينبغي له أن يزيد على ذلك القدر.
عن أبي بردة الأنصاري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " لا يُجلد أحدٌ فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله ". رواه البخاري (٦٤٥٦) ومسلم (٣٢٢٢) .
وفي رواية للبخاري (٦٤٥٧) :
" لا عقوبة فوق عشر ضربات إلا في حدٍّ من حدود الله ".
قال ابن القيم – ﵀:
فقوله ﷺ : " لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله " يريد به الجناية التي هي حق لله.
فإن قيل: فأين تكون العشرة فما دونها إذ كان المراد بالحد الجناية؟ .
قيل: في ضرب الرجل امرأته وعبده وولده وأجيره , للتأديب ونحوه , فإنه لا يجوز أن يزيد على عشرة أسواط ; فهذا أحسن ما خُرِّج عليه الحديث. اهـ. " إعلام الموقعين " (٢ / ٢٣) .
وليس الضرب هو الطريقة الوحيدة لحث الطالب على المذاكرة، وإنما ينبغي أن يجمع المدرس بين الترغيب والترهيب على حسب ما يراه يؤدي إلى المصلحة المقصودة، فيثني على الطالب الجيد ويشجعه عن طريق الهدايا والجوائز وإعطائه درجات عالية لمشاركته وحرصه، ويخوف الطالب المقصر بالضرب تارة وبالحرمان من بعض الدرجات تارة وبالتعنيف بالكلام تارة أخرى أو باستدعاء ولي أمره ونحو ذلك.
وينبغي أن يكون قصد المدرس مصلحة الطالب لا مجرد العقاب.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15302
رقابة الوالدين لأولادهما
[السُّؤَالُ]
ـ[كأم مسلمة أحاول تربية أولادي تربية إسلامية، ما هي نصيحتك إذا ما قمت بتفتيش الممتلكات الشخصية للأولاد؟
وإذا ما وجدت ما هو حرام أو ممنوع هل لي الحق بأن أخذ هذه الأشياء وأقوم بإتلافها علماً بأن هذه الأشياء تخص الأولاد وهي في حوزتهم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الذي ننصح به أن تقوم الأم أو يقوم الأب بين الفينة والأخرى بتفتيش ممتلكات أولاده، وذلك لما قد يزينه الشيطان للأولاد باقتناء شيء محرم لا يحل النظر إليه أو لا يحل استماعه، وهذا من المسئولية التي أوجبها الله على الوالدين تجاه أبنائهم.
وكثير من الأبناء والبنات كان السبب في هدايتهم وتركهم ما هم فيه من المنكرات والآثام: يقظة آبائهم وأمهاتهم، وحسن رعايتهم، والقضاء على المنكر في أولِّه، أو لتحُذِّر من صاحب أو صاحبة سوء من أول الطريق أمر سهل، أما لو طالت المدة فإن فكاك الأبناء والبنات من هؤلاء المفسدين يكون أمراً صعباً.
وفي أكثر الأحيان يعرف ما عند الأبناء والبنات من المنكرات بتفتيش حقائبهم أو قراءة كتبهم أو معرفة أصحابهم.
وكم من شاب أو شابة تمنى أن لو راقب أهلهم تصرفاته وفتشوا متاعهم في أول حياتهم قبل تمكن الفساد من قلوبهم.
لذا فإننا ننصح بهذا، وليكن ذلك بين الفترة والأخرى، ومن غير أن يشعروا هم بذلك، خشية الانتباه وعدم وضع ما يرتاب فيه في متاعهم.
وهذه المراقبة إنما تكون إذا ظهر للوالد أمارة على بداية انحراف ولده، أما إذا كان الولد ظاهر حاله الاستقامة والابتعاد عن المنكرات، فليس للوالدين ولا لغيرهما مراقبته ولا تفتيش ممتلكاته الشخصية، لأن ذلك يدخل في سوء الظن، والتجسس وقد نهى الله تعالى عنهما بقوله: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ... ) الحجرات / ١٢
وأما إذا وجدت الأم أو الأب شيئاً محرَّماً فإن الواجب عليهما إتلافه، ومن ثَمَّ نصيحة من وُجد معه هذا المنكر.
عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " مَن رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ".
رواه مسلم (٤٩) .
قال الإمام النووي:
وأما قوله ﷺ " فليغيِّره ": فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة وهو أيضا من النصيحة التي هي الدين.
.. ثم إن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس: سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع: أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف.
ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، وكمن يرى زوجته، أو ولده، أو غلامه على منكرٍ، أو تقصيرٍ في المعروف.. ..
قال القاضي عياض ﵀ هذا الحديث أصل في صفة التغيير فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولا كان أو فعلا فيكسر آلات الباطل ويريق المسكر بنفسه أو يأمر من يفعله وينزع الغصوب (يعني الأشياء المغصوبة) ويردها إلى أصحابها بنفسه أو بأمره إذا أمكنه ويرفق في التغيير جهده بالجاهل وبذي العزة الظالم المخوف شره إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله.
" شرح مسلم " (٢ / ٢٢ - ٢٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15303
كيف يخبر الصغير عن معنى الشيعة
[السُّؤَالُ]
ـ[لي ابن أخت ويبلغ من العمر ٨ سنوات وفاجأني مرة إذ سألني قائلاًًًَ من هم الشيعة؟ لم أدر ما أقول له إلا أني قلت له ستعرف بعد أن تكبر! ولكنه لم يرض بهذه الإجابة , وبعد أن قال له ابن أخي الصغير-عمره ١٠ سنوات- أنا سنة، بادله قائلا: وأنا شيعة. فما هي الإجابة التي تتماشى مع سنه ويقتنع بها؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا سأل الطفل عن الشيعة قيل له هؤلاء أناس غير جيدين، يعملون المعاصي والمخالفات، ويسبون أصحاب نبيّنا ﷺ ، وزوجاته، الذين هم أفضل الناس بعد الأنبياء ونحن لا نحبهم لأجل ذلك، ولو فرض أنه رآهم في التلفاز يتمسحون بالقبور أو يحتفلون بعاشوراء، قيل له: هذا الذي يعملونه لا يجوز، ونحن لا نعبد إلا الله تعالى، ولا نسجد لقبر ولا لغيره من المخلوقات، ولا نضرب أنفسنا ولا أبناءنا، وهكذا يفهم الطفل أن هؤلاء القوم غير مرضيين، بل مخطئون منحرفون، وعلى قدر انتباه الطفل وإدراكه تكون المعلومة الموجهة له.
ولتصحيح ما جرى، يقال له: نحن سنّة، أي نتبع سنة النبي ﷺ ، ولا نبتدع في ديننا، ولا نفعل كما يفعل هؤلاء، ولو أمكن أن يشاهد الطفل شيئا من مخالفات الشيعة، ليقترن التحذير منهم بالصورة الموضحة، كان حسنا، وبإمكانك الوقوف على شيء من ذلك من خلال المواقع الموثوقة التي تحذّر من الشيعة وتبيّن ضلالهم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15304
متى نعلم الولد إزالة شعر العانة
[السُّؤَالُ]
ـ[من المعلوم أن حلق شعر العانة من سنن الفطرة، ولكن متى نعلم أولادنا هذا الحكم الشرعي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يحتاج الولد ذكرا أو أنثى إلى معرفة هذا الحكم إذا قارب البلوغ وقامت مظنة نبات هذا الشّعر الذي جعله الشّارع علامة على البلوغ وأمر بحلقه استكمالا للطّهارة والنّظافة وحفظا للصحّة، ويُمكن أن يُدرج ذكره لمن قارب البلوغ ضمن نقاط أخرى يحتاج إلى معرفتها والتّذكير بها، مثل معنى التّكليف الشّرعي وحقوق الله تعالى والواجبات على الشّخص المكلّف، وتنبيهه إلى تسجيل سيئاته عليه من البلوغ فصاعدا، وأحكام غسل الجنابة ونحو ذلك، وإذا وجد الوالدان حرجا من ذكر هذا الموضوع مباشرة للولد فيُمكن إعطاؤه كتابا أو نشرة حول الأحكام المتعلّقة بالبلوغ، والله الموفّق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15305
يسافر كثيرا ويخشى على أولاده من الانحراف
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا كثير السفر، أسافر بعيداً عن أولادي سنة أو سنتين ثم أعود لأجلس معه شهرا واحدا، ثم أسافر مرة أخرى وهكذا. كل هذا من أجل اكتساب المال، وتوفيره لأولادي. وقد لاحظت في السنوات الأخيرة أن أخلاقهم بدأت تسوء، وأخاف عليهم من الانحراف.
فماذا أفعل؟ هل أبقى مسافراً لأجمع المال من أجلهم، أو أقطع السفر وأرجع إليهم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لتعلم يا أخي أن كل أب قد حمله الله تعالى أمانة في عنقه ومسؤولية سيسأل عنها يوم القيامة. قال النبي ﷺ : (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا) رواه البخاري (٢٤٠٩) ومسلم (١٨٢٩) .
وأولى ما يجب على الأب الاهتمام به نحو أولاده هو الدين والخلق، فبذلك تكون نجاتهم في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم /٦.
قال علي ابن أبي طالب: أي: علموهم وأدبوهم.
فقبل مسؤولية المال والنفقة هناك ما هو أعظم من ذلك وهو الحرص على نجاتهم في الآخرة من عذاب الله.
وهناك نماذج مشرفة لرجال حفظوا الأمانة وقاموا بما أوجب الله عليهم تجاه زوجاتهم وأولادهم
فهذا رجل في الثلث الأخير من الليل يوقظ أهله للصلاة، وفي الفجر يوقظ أبناءه ويأخذهم للمسجد ويجلس معهم يذكرون الله ويقرأون القرآن حتى شروق الشمس.
وآخر اعتاد أن يصحب أبناءه معه للمسجد لتأدية الفروض الخمسة، وحينما ينتهي من صلاة العصر يبقى معهم بالمسجد يتدارس وإياهم القرآن تعلماً وحفظاً وتجويداً، وتفسيراً ثم يعودون سوياً للبيت.
وهناك - للأسف - الكثير من الآباء لا يقوم بما أمر الله عليه من مراعاة أهله في أمور دينهم، ويكون كل همه مراعاتهم في أمور الدنيا!!
فمن الآباء من إذا مرض ولده وارتفعت درجة حرارته ارتفاعاً يسيراً هَبَّ مذعوراً ولم يقر له قرار، يهيم على وجه بحثاً عن الطبيب والدواء. وهذا حسنٌ وجيد، ورحمة بالأولاد. ولكن العجب أنه لا يبالي ما ارتكب ولده من المحرمات، ولا الكبائر الموبقات.
وكم حرارة جهنم؟
فكيف خاف عليه من ارتفاع يسير في درجة حرارته، ولا يخاف عليه من نار جهنم!!
ومن الآباء من إذا تأخر ولده في دراسته أو تخلف عن اللحاق بزملائه طار عقل الأب وذهب نومه وأتاه الأرق فلا يهدأ له بال، ولا يقر له قرار، حتى يأتي بمدرس ليدفع بابنه قدما نحو النجاح.
أما إذا تهاون الأولاد في صلاتهم، أو تركوها، أو أتوا محرماً، وركبوا الكبائر، فلا لوم عليهم إذن.
ومن الآباء من يغضب غضباً عارما إذا انتقص ابنه حقاً من حقوقه، أو تهاون في أمر من أوامره.
ولا يبالي إذا انتقص الولد حقا من حقوق الله تعالى، أو ضيع أمراً من أوامره.
فالأب الذي يهمل أولاده ولا يقودهم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولا ينشئهم على عقائد الإيمان وسلوكيات الإسلام لا شك في انحرافهم وخروجهم للمجتمع بشخصيات ضعيفة منتقمة منحرفة شاذة. وأول من سيصيبه فسادهم وانحرافهم هو ذلك الأب وتلك الأم اللذين قصرا في تربية أولادهم.
ولذلك النصيحة لك –أخي السائل- إن رأيت أن سفرك وبعدك عن الأولاد سيكون سببا في ضعف تربيتهم أو في انحرافهم، فعليك الرجوع إليهم، والسعي في تربيتهم التربية الحسنة.
وماذا تستفيد أنت؟ أو ماذا يستفيد الأولاد إن جمعت لهم الأموال، ولكنهم خرجوا للمجتمع منحرفين؟
ولو قَلَّبت نظرك يميناً وشمالاً لرأيت أمثلة لرجال سافروا عن أولادهم وذاقوا مرارة الغربة والوحدة من أجل جمع المال لأولادهم، ثم رجعوا معهم المال، ولكنهم خسروا ما هو أهم من المال، خسروا أولادهم، فقد انحرف الأولاد نتيجة لغياب الأب، وضعف رقابة الأم.
وتنَكَّر الأولاد لما فعل الآباء من أجلهم، فاستولوا على الأموال التي معهم، وصاروا يسبونهم ويسيئون معاملتهم، بل ويضربونهم أحياناً، فندم الآباء على سفرهم وبُعدهم عن أولادهم أشدَّ الندم.
ولكن. . ماذا ينفع الندم بعد فوات الأوان؟!
وَسُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عَنْ سَفَرِ صَاحِبِ الْعِيَالِ. فَأَجَابَ:
"أَمَّا سَفَرُ صَاحِبِ الْعِيَالِ فَإِنْ كَانَ السَّفَرُ يَضُرُّ بِعِيَالِهِ لَمْ يُسَافِرْ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ) حسنه الألباني في صحيح أبي داود (١٦٩٢) . وَسَوَاءٌ كَانَ تَضَرُّرُهُمْ لِقِلَّةِ النَّفَقَةِ أَوْ لِضَعْفِهِمْ، وَسَفَرُ مِثْلِ هَذَا حَرَامٌ. وَإِنْ كَانُوا لا يَتَضَرَّرُونَ بَلْ يَتَأَلَّمُونَ وَتنْقُصُ أَحْوَالُهُمْ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي السَّفَرِ فَائِدَةٌ جَسِيمَةٌ تَرْبُو (أي تزيد) عَلَى ثَوَابِ مُقَامِهِ عِنْدَهُمْ كَعَلَمٍ يَخَافُ فَوْتَهُ وَشَيْخٍ يَتَعَيَّنُ الاجْتِمَاعُ بِهِ ; وَإِلا فَمُقَامُهُ عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ. وَأَمَّا إنْ كَانَ كَسَفَرِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ إنَّمَا يُسَافِرُ قَلَقًا وَتَزْجِيَةً لِلْوَقْتِ (أي استنفاذاً للوقت) فَهَذَا مُقَامُهُ يَعْبُدُ اللَّهَ فِي بَيْتِهِ خَيْرٌ لَهُ بِكُلِّ حَالٍ، وَيَحْتَاجُ صَاحِبُ هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يَسْتَشِيرَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ رَجُلا عَالِمًا بِحَالِهِ وَبِمَا يُصْلِحُهُ مَأْمُونًا عَلَى ذَلِكَ ; فَإِنَّ أَحْوَالَ النَّاسِ تَخْتَلِفُ فِي مِثْلِ هَذَا اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ" اهـ
باختصار يسير من "مجموع الفتاوى" (٢٨/٢٨) .
نسأل الله تعالى أن يلهمك رشدك، ويوفقك لما فيه الخير لك ولأولادك.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15306
ولدها يمارس العادة السرية يومياً فماذا تفعل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ابني الوحيد يعمل العادة السرية كثيراً ويصارحني بذلك، نبهته أن هذا حرام ثم بدأت بحرمانه حتى الضرب ولكن دون فائدة.
تعبت كثيراً من مراقبته ... فماذا أفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تتحمل الأسرة في كثير من الأحيان مسئولية وقوع أبنائهم في المعاصي؛ وذلك بسبب قلة التوجيه نحو الطاعة، وتوفير سبل الوقوع في المعصية.
ونحن لا ندري عن حقيقة الأمر هنا، إلا أنه من المتوقع أن تكون الظروف المحيطة بهذا الصبي هي التي جعلته يقع في المعصية؛ فهو وحيد أبويه، مما جعله مدلّلاً في الغالب، وهذا التدليل ييسر سبل الوقوع في المعصية، وعلاج هذه المشكلة يكون بعدة أمور:
١. التخفيف من التدليل الزائد، والذي قد يفقد الولد الشعور بالرجولة، ويحاول إظهارها بمثل هذه العادة أو بشرب الدخان – مثلاً -.
٢. عدم توفير سبل الوقوع في المعصية وخاصة تلك التي تساهم في موت القلب مثل توفير أشرطة غنائية ليسمعها، وقنوات فضائية ليراها.
٣. الحرص على البعد عن نوم الولد وحده، أو إغلاق الباب عليه عند النوم، فالخلوة تساهم في التفكير في المعصية، وتشجع على فعلها.
٤. ربط الولد بالمسجد وبحلقاته العلمية، وبالصحبة الصالحة، وهذه من أعظم ما يعين العبد على صلاح قلبه، وتقوية إيمانه.
٥. توفير مكتبة سمعية ومرئية إسلامية نافعة، تنمي فيه حب العبادة، وتعلمه حسن الخلق، وترهبه من الوقوع في المعصية.
٦. تشجيعه على القراءة، وخاصة الكتب المتعلقة بتراجم العلماء والأبطال المجاهدين، فلعله أن يكتسب أخلاقهم ويحذو حذوهم، ويفضل أن يشجع على كتابة تلخيص لما يقرأ ويسمع ويشاهد ويُعطى مكافأة تليق بحاله.
٧. تشجيعه على حفظ القرآن، والصيام، ولا شك أن فيهما إعماراً للقلوب وإحياءً لها.
٨. محاولة تنظيم الوقت بحيث يكون العمل في النهار، والنوم في أول الليل، فالسهر قد يجعله يديم التفكير في المعصية.
٩. تبيين حكم الشرع في هذه العادة، وأثرها الصحي على العقل والقلب والجوارح.
١٠. تجنب إهانته وضربه وإحراجه؛ وليس بالضرب أو الإهانة أو الإحراج يكون ترك تلك المعصية وأخواتها، بل بالتي هي أحسن، وبالموعظة الحسنة.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15307
خطر الدراسة في مدارس الكفّار
[السُّؤَالُ]
ـ[ابنتي تدرس في مدرسة حكومية وكي تشعر بالراحة كونها مسلمة بين غير المسلمين، اقترحت على المدرسة أن أفعل شيئاً لفصلها في رمضان والعيد، هل لديك أي اقتراح لما يمكن أن أفعله لروضة الأطفال؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن الإقامة في بلاد الكفار فيها خطر عظيم على دين المسلم وأخلاقه، ولذلك ينبغي الحذر من ذلك والتحفظ منه، ووضع الشروط التي تمنع من الوقوع في ذلك الخطر المتحتم، فلابدّ لمن يقيم في بلاد الكفر أن يتوفر فيه شرطان هما:
١- أن يأمن على دينه بأن يكون عنده من العلم والإيمان ما يقوى على الثبات على دينه والبعد عن الانحراف والزيغ.
٢- أن يتمكن من إظهار دينه المتمثّل في إقامة شعائر الإسلام دون وجود مانع، وإلاّ لم تجز الإقامة لوجوب الهجرة حينئذ، قال ابن قدامة ﵀ في الكلام على أقسام الناس في الهجرة: (أحدها من تجب عليه، وهو من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه، ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار، فهذا تجب عليه الهجرة لقوله تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) النساء /٩٧، وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب، ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورات الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) . انظر: المغني (٨/٤٥٧) ومجموع فتاوى ابن عثيمين (٣/٢٥–٣٠) .
وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وهناك حالات يجوز فيها للمسلم أن يقيم في بلاد الكفار وللأهمية راجع سؤال رقم (١٣٣٦٣)
ثانياً:
أن الذي يقيم هناك بين الكفار لحاجة كالدراسة مثلاً فإن الخطر أعظم، لأن المتعلم سيشعر بحاجته إلى معلمه مما يؤدي إلى التودد إليه بل ومداهنته فيما هو عليه، وكذلك فإن المتعلم يشعر بدنو مرتبته وعلو مرتبة مدرسه ومعلمه فيحصل تعظيمه والاقتناع بآرائه، ثم إن المتعلم لابد وأن يكون له في مقر دراسته أصدقاء يتخذهم، ولهذا كله كان وجوب التحفظ أكثر والحذر أشد، فيشترط فيه بالإضافة لما سبق شروط منها:
١- أن يكون المتعلم على مستوى كبير من النضوج العقلي، حتى يميز بين الحق والباطل، ولهذا كان بعث صغار السن فيه خطر عظيم على دينهم وأخلاقهم وتصوراتهم ومعتقداتهم.
٢- أن يكون لديه علم بالشريعة يتمكن به من مقارعة الباطل بالحق، لئلا يلتبس عليه وينخدع بهم.
٣- أن يكون عنده دين وإيمان يحميانه من الكفر والفسوق، فضعيفهما لا يسلم.
٤- أن تكون عنده حاجة إلى العلم الذي أقام من أجله، بأن يكون في تعلمه مصلحة للمسلمين ولا يوجد مثله في مدارس المسلمين، وإلا لم تجز الإقامة عندهم.
ومن هنا قال ﷺ : (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) رواه أبو داود (٢٦٤٥) والترمذي (١٦٠٤) وصححه الألباني في الإرواء (١٢٠٧) .
ولهذا كله وجب التحفظ والحذر في هذا الأمر، خاصة في بعث الأحداث وصغار السن للانضمام في مدارسهم أو حتى ما يسمى بروضة الأطفال، إذ فيه خطر على سلوكهم وتصوراتهم وأخلاقهم
ولا يخفى عليك أن الخطر الذي يلحق أولادك غير مقتصر بمشاركتهم لهم في أعيادهم، بل إنه حاصل بمجرد المخالطة والتعايش معهم، فعليك أيها الأب الكريم أن تكون فطناً في ذلك كله مدركاً لهذه الأخطار قائماً على وقاية أبنائك من أن يتلوثوا بأفكارهم ويتأثروا بهم، والله تعالى يقول: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً) التحريم /٦.
وأبناؤك أمانة في عنقك، فإن استطعت ألا يدرسوا إلا بمدرسة إسلامية وألا يتعلموا إلا من معلمين مسلمين فافعل، والسلامة لا يعدلها شيء، فكن حذراً من كل ما يضر دينهم وسلوكهم، وأسأل الله لك الإعانة وأن يسددك وييسر لك الخير أينما كنت.
وبالله التوفيق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15308
معالجة الولد العصبي سريع الغضب
[السُّؤَالُ]
ـ[عندي ولد عصبي جداً وحاد المزاج فكيف أعالج فيه هذه الخصلة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سبق سؤال في علاج الغضب يراجع برقم (٦٥٨) ومن ذلك:
· الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
· السكوت.
· السكون، فإن كان قائماً فليجلس، وإن كان جالساً فليضطجع.
· أن يتذكر جزاء كف الغضب، كما في الحديث الصحيح: لا تغضب ولك الجنة.
معرفة المنزلة العالية والمرتبة الرفيعة لمن ملك نفسه كما في الحديث الصحيح: " ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه _ ولو شاء أن يمضيه أمضاه _ ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة " حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٩٠٦) . معرفة هدي النبي ﷺ عند الغضب. معرفة أن كظم الغيظ من علامات المتقين. كما في الحديث السابق. التذكر عند التذكير، والكف والامتثال للناصح. معرفة مساوئ الغضب. تأمل الغاضب نفسه لحظة الغضب. الدعاء بأن يذهب الله غيظ قلبه.
وفيما يلي قصة جميلة تساعد في علاج الولد المذكورة حالته:
كان هناك ولد عصبي وكان يفقد صوابه بشكل مستمر فأحضر له والده كيساً مملوءاً بالمسامير وقال له:
يا بني أريدك أن تدق مسماراً في سياج حديقتنا الخشبي كلما اجتاحتك موجة غضب وفقدت أعصابك.
وهكذا بدأ الولد بتنفيذ نصيحة والده....
فدق في اليوم الأول ٣٧ مسماراً، ولكن إدخال المسمار في السياج لم يكن سهلاً.
فبدأ يحاول تمالك نفسه عند الغضب، وبعدها وبعد مرور أيام كان يدق مسامير أقل، وفي أسابيع تمكن من ضبط نفسه، وتوقف عن الغضب وعن دق المسامير، فجاء والده وأخبره بإنجازه ففرح الأب بهذا التحول، وقال له: ولكن عليك الآن يا بني استخراج مسمار لكل يوم يمر عليك لم تغضب فيه.
وبدأ الولد من جديد بخلع المسامير في اليوم الذي لا يغضب فيه حتى انتهى من المسامير في السياج.
فجاء إلى والده وأخبره بإنجازه مرة أخرى، فأخذه والده إلى السياج وقال له: يا بني أحسنت صنعاً، ولكن انظر الآن إلى تلك الثقوب في السياج، هذا السياج لن يكون كما كان أبداً، وأضاف:
عندما تقول أشياء في حالة الغضب فإنها تترك آثاراً مثل هذه الثقوب في نفوس الآخرين.
تستطيع أن تطعن الإنسان وتُخرج السكين ولكن لا يهم كم مرة تقول: أنا آسف لأن الجرح سيظل هناك.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15309
مشكلة السرقة عند الأطفال
[السُّؤَالُ]
ـ[أنزعجت كثيراً بعد أن اكتشفت أن أحد أبنائي قام بسرقة شيء ما وأخاف أن يتحول إلى لص في المستقبل فبماذا تنصحونني؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يسرق الطفل الصغير لعدة أسباب:
١- يسرق لأنه لا يفرق بين الاستعارة والسرقة وأن مفهوم الملكية الخاصة غير واضح عنده.
٢- البعض يسرق بسبب الحرمان من أشياء تتوفر للآخرين.
٣- للانتقام من الوالدين أو لفت انتباههما.
ماذا نصنع؟
١- التزام الهدوء: بدلاً من التوبيخ والتعيير حافظ على الهدوء فالموقف فرصة لأن تعلم ابنك.
٢- وعظ الطفل: بيِّن له حكم السرقة في الإسلام، وأن الله قال في كتابه العزيز: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما..) وأن النبي ﷺ أخذ العهد في بيعة النساء أن لا يسرقن كما قال الله تعالى: (ولا يسرقن..) . وذكِّر طفلك بمراقبة الله . قال الله تعالى: (وهو معكم أينما كنتم..) وقال : (والله شهيد على ما تعملون) . وقل له إن الله يراك ولو سرقت خفية بعيداً عن نظر الناس لأنه تعالى (يعلم السر وأخفى) .
٣- واجه الطفل: ينبغي أن تواجه الطفل بالسبب والباعث له على السرقة كأن تقول له أنا أعرف أنك أخذت الحلوى من السوق المركزي وأنت أخذتها لأنك تشعر بالحاجة إليها ولكن سرْقتها ليست الحل، المرة القادمة إذا رغبت في شيء تحدث معي أولاً، أنا أعرف بأنك تحب أن تكون أميناً، وحاول أن تضع الطفل موضع الآخرين لو كنت مكان الشخص الذي سُرقت منه الحلوى كيف ستشعر؟
٤- تشديد الجزاءات: كأن يطلب من الطفل إرجاع الشيء المسروق مع الاعتذار، أو تعويض قيمته في حال إتلافه مع الحرمان من الامتيازات في المنزل.
٥- مراقبة الطفل وعدم إغفاله لفترات طويلة.
والله الهادي إلى سواء الصراط.
[الْمَصْدَرُ]
أنظر كتاب تنوير العباد بطرق التعامل مع الأولاد لـ د. حامد نهار المطيري ٢٧
стр. 15310
حكم ضرب الطالبات لغرض التعليم
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم ضرب الطالبات لغرض التعليم والحث على أداء الواجبات المطلوبة منهن لتعويدهن على عدم التهاون فيها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا بأس في ذلك فالمعلم والمعلمة والوالد كل منهم عليه أن يلاحظ الأولاد وأن يؤدب من يستحق التأديب إذا قصر في واجبه حتى يعتاد الأخلاق الفاضلة وحتى يستقيم على ما يتبقى من العمل الصالح، ولهذا ثبت عن النبي ﷺ قال: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع) فالذكر يُضرب والأنثى كذلك إذا بلغ كل منهم العشر وقصّر في الصلاة ويؤدب حتى يستقيم على الصلاة، وهكذا في الواجبات الأخرى في التعليم وشئون البيت وغير ذلك فالواجب على أولياء الصغار من الذكور والإناث أن يعتنوا بتوجيههم وتأديبهم لكن يكون الضرب خفيفاً ولا خطر فيه ولكن يحصل به المقصود.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ ابن باز في الفتاوى الجامعة للمرأة المسلمة ج/٣ ص ١٠٧٩
стр. 15311
تنمية ثقة الطفلة بنفسها
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد كان تعامل والدتي معي سيئاً لدرجة أنني فقدت الثقة بنفسي وصرت مترددة ومهزوزة لا أحسن الأمور ولا أعرف أن اتخذ قراراً وقد تزوجت ورزقني الله ببنت وأريد أن أتجنب ما حصل لي حتى لا تتكرر هذه التجربة المؤلمة مع ابنتي، ماذا تنصحونني أن أفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الطفلة في سن الثانية تبدأ في تكوين اتجاهاتها نحو العالم من حولها، ويعتقد بعض علماء نفس النمو أن الإحساس بالثقة هو أول تلك الاتجاهات، وتتوقف شدة هذا الشعور في السنة الثانية على نوع العناية التي تلقاها الطفلة، وعلى موقف الوالدين من إرضاء حاجاتها الأساسية، وتتضح ملامح نمو الطفلة في هذه المرحلة في نزعتها إلى الاستقلال، فهي في حاجة لحرية الكلام، والمشي واللعب، وكل ذلك مرتبط بالحاجة إلى تأكيد الذات التي لا تتحقق إلا بالاستقلال الذي يتاح لها، وهذا ما تؤكده نظرية النمو عن طريق النضج التي تدعو إلى احترام فردية الطفل، وتركه ينمو بطبيعته. وتنشأ بعض الفتيات غير واثقات في أنفسهن حيت لا تعتمد على أنفسهن في كثير ولا قليل، وقلما تقوم بعمل ابتداء، ودائماً تنظر من يقول لها: اعملي كذا وكذا، فإذا ما واجهتها مشكلة توقفت فلا تستطيع اتخاذ قرار، وقد تتهرب من المواجهة، وقد تبكي، وهذا جانب من جناية الوالدين عليها، ويكون بسبب أمور منها:
- كثرة الأمر والنهي على كل صغير وكبير حتى ولو كان الأمر لا يستحق مما يفقد الطفلة الإبداع، ويجعلها لا تثق بعملها، بل تنتظر دائماً من يصحح لها، ويمنحها اليقين بأن عملها صواب.
- انتقادها ولومها على كل عمل تعمله، وتتبع عثراتها، وتقريعها إذ قد تجتهد الطفلة فتخطيء فتجني اللوم والعتاب أكثر مما تستحق في حين كانت تنتظر الإشادة على اجتهادها مما يقضي على توجه الطفلة نحو العمل والمنافسة في الإنجاز والإجادة.
- عدم إتاحة الفرصة للطفلة بالحديث أمام الآخرين مخافة أن تخطيء أو تتحدث وتخوض في أمور غير مرغوب فيها، أو الإذن لها بالحديث ولكن يتم تلقينها ما تقول.
- كثرة تحذيرها من الخطر، الأمر الذي يجعلها تتوقع الشر دائماً، وتتصور أن الخطر محيط بها من كل جانب.
- إذلالها ومقارنتها بالآخرين بما يقلل من قيمتها.
- التهكم والسخرية.
- عدم الاهتمام بما توجهه من الأسئلة.
- الرعاية الزائدة التي تظهر في الخوف الشديد على صحتها أو مستقبلها.
ويظهر على الطفلة التي فقدت ثقتها بنفسها عدة آثار سيئة، منها:
١- أنها لا تستطيع أن تقوم بعمل استقلالاً، وإذا طُلب منها أن تحضر شيئاً ووجدته مختلفاً عما وصف لها توقفت، وإذا واجهتها مشكلة لا تتخذ قراراً.
٢- يصيبها التبلد، وعدم الإبداع.
٣- يصيبها التبرم والضيق من كل عمل يسند إليها، لأنها تتصور أن اللوم الحاصل لها على عملها، إذ تتوقع أنها لن تنجزه وفق ما يراد.
٤- يصيبها ضعف في الإرادة وخور في العزيمة، واستكانة ومسكنة في غير موضعها وإهمال وسوء نظام.
٥- يصيبها القلق والإحباط والنزعات العدوانية أو الميل إلى الإنطواء، والعزلة.
ولتجنيب الطفلة تلك الآثار السيئة كان على الوالدين إتباع عدة طرق في تنمية ثقة الطفلة في نفسها ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
- أن يُرسم لها خطوطاً عامة ينبغي عليها إتباعها والسير على نطاقها، فيخبراها بما أحل الله لها فتأخذ به، ويحذراها مما حرم الله عليها فتحذره، ويجعلاها على دراية بالأخلاق الفاضلة، والآداب السامية، ويبثا في نفسها النفور من سيء الأخلاق والأعمال والأقوال والتباعد عن سفاسف الأمور، وتوافهها ثم يتركا لها حرية الإبداع بعد ذلك.
- أن تسند إليها الأم بعض المهام التي في مقدورها القيام بها، وإذا أخطأت شجعتها على مبادرتها، ثم تخبرها كيف ينبغي أن تعمل، وأحياناً تشجعها فقط على عملها، وتكمل عنها العمل بلطف دون أن توجهها توجيهاً مباشراً، وإذا لم تكن المهمة في مقدور الطفلة فإنها تستشيرها فيها، وتطلب منها في بعض الأحيان إبداء رأيها في بعض الأمور، وبيان فسادها من صلاحها، حتى تعلم الطفلة أن الجميع عرضة للخطأ والصواب فتتقوى عزيمتها.
- أن يحرص الوالدان على تشجيعها أمام أقاربها، وعند صديقاتها، ويمنحاها من الجوائز ما يناسب إنجازها، ويشيدا بما تقوم به من عمل تعبُّدي كالمحافظة على الصلاة، وحفظها للقرآن، وتفوقها في دراستها، وعلو أخلاقها ... وهكذا.
- أن يجعلا لها كنية تميزها عن غيرها، ويمنعاها من الألقاب المشينة، وإذا أغضبتهما نادياها باسمها، فتعرف أنها قصرت في حقهما – أو أحدهما – أو أخطأت في حق غيرها فتتنبه.
- تقوية إرادتها، وذلك بتعويدها أمرين اثنين، وهما:
أ - حفظ الأسرار: فهي عندما تتعلم كتم الأسرار ولا تفضحها، فإن إرادتها تنمو وتقوى، ومن ثم تكبر ثقتها بنفسها.
ب - تعويدها الصيام: فهي عندما تصمد أمام الجوع والعطش في الصوم تشعر بنشوة الظفر والانتصار على النفس، وبالتالي فإن إرادتها تقوى على مواجهة الحياة مما يزيد في ثقتها بنفسها.
- تقوية ثقتها الاجتماعية بنفسها: وذلك عن طريق قضائها حاجيات المنزل، وأوامر الوالدين، ومجالستها للكبار، واجتماعها مع الصغار.
- تقوية ثقتها العلمية بنفسها: وذلك بتعليمها القرآن، وسنة رسول الله ﷺ ، وسيرته العظيمة، فتنشأ وقد حملت علماً غزيراً في صغرها فتنمو ثقتها العلمية بنفسها، لأنها تحمل حقائق العلم بعيداً عن الخرافات والأساطير.
وفي مقابل ذلك كان على الوالدين كذلك أن يتخذا الأسباب الوقائية، والوسائل العلاجية لتحرير الطفلة من ظاهرة الشعور بالنقص، ومن العوامل التي تسبب هذه الظاهرة: التحقير، والإهانة، والاستهزاء، كمنادة الطفلة بكلمات نابية، وعبارات قبيحة أمام الإخوة والأقارب، وفي بعض الأحيان أمام صديقاتها، أو أمام غرباء لم يسبق لها أن رأتهم واجتمعت بهم، مما يجعلها تنظر إلى نفسها على أنها حقيرة مهينة، مما يولد لديها العقد النفسية التي تدفعها إلى أن تنظر إلى الآخرين نظرة حقد، وكراهية وأن تنطوي على نفسها فارة من الحياة.
وإذا كانت الكلمات النابية التي تنزلق من الوالدين للطفلة لم تصدر إلا عن غاية تأديبية إصلاحية لذنب كبير، أو صغير وقعت فيه وبدر منها، إلا أن المعالجة لارتكاب هذا الذنب لا تصلح بهذه الوسيلة التي تترك آثاراً خطيرة في نفسية الطفلة وسلوكها الشخصي، وتجعل منها إنسانة متطبعة على لغة السب والشتائم وتحطمها نفسياً وخلقياً.
وخير علاج لهذه الظاهرة هو: تنبيه الطفلة إلى خطئها إذا أخطأت برفق ولين مع تبيان الحجج التي تقنع بها لاجتناب الخطأ، وألا يزجرها الوالدان، أو يوبخاها أمام الحاضرين، وأن يسلكا معها في بادئ الأمر الأسلوب الحسن في إصلاحها، وتقويمها إقتداءً بالرسول ﷺ في الإصلاح والتربية، وتقويم الاعوجاج، فعالم الأطفال دقيق الحس، سريع التأثر شديد الانفعال، قليل الإدراك، ضئيل الحيلة، وبناء الثقة بالنفس لدى الطفلة يعتبر الركيزة الأولى في بناء شخصيتها في جميع أطوار حياتها.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب تنشئة الفتاة المسلمة لـ حنان عطية الطوري الجهني ص ١٦٣
стр. 15312
التربية الإيمانية للطفل
[السُّؤَالُ]
ـ[لدي طفل صغير في الثالثة، وأريد أن ينغرس الإيمان في نفسه فماذا أفعل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ينبغي لطفل الثالثة من العمر أن يرى أمه وأباه وهما يصليان، وينبغي أن يسمعهما يتلوان القرآن، فإن استماع الطفل للقرآن والأذكار اليومية من والديه وإخوانه، وتكرار هذا السماع، يغذي روحه ويحيي قلبه كما يحيي الأرض المجدبة، لأن لسماع الطفل والديه وهما يذكران الله تعالى، ومشاهدته لهما في عبادتهما لذلك أثر في أفعاله وأقواله.
ومن الأمثلة على ذلك قصة هذه الطفلة:
انتهت الأم من الوضوء، وإذا بطفلتها البالغة من العمر ثلاث سنوات تغسل وجهها ويديها مقلدة أمها، وترفع إصبعها السبابة قائلة: لا إله إلا الله، فهذا يدل على أن الطفلة لاحظت والديها أن هناك ذكر مخصصاً يقال بعد الوضوء.
وقصة أخرى: أدت إحدى الأمهات سنة الوضوء في أحد الأيام وقامت لإكمال عملها في المنزل، وقد اعتادت طفلتها أن ترى والدتها بعد الصلاة تجلس في مصلاها حتى تنهي أذكار ما بعد الصلاة، ولكن الطفلة لاحظت على والدتها النهوض من المصلى بعد أداء السنة مباشرة، فقالت لها: لماذا قمت من مصلاك قبل أن تقولي: استغفر الله. وهذا الموقف يدل على شدة مراقبة الأطفال لوالديهم.
الإنسان معرض للأسقام والأمراض وقد يمرض أحد الأبناء، ولذا ينبغي أن يكون مرضه فرصة لتقوية صلته بالله تعالى، وذلك بتذكيره بفضل الصحة والعافية، وأنها من نعم الله تعالى، وأنه يجب شكره عليها، وأن الإنسان ضعيف لا حول له ولا قوة إلا بربه، وعند أخذ الدواء أو الذهاب به إلى المستشفى، نوحي إليه أن الشفاء من الله لكن هذه أسباب أمرنا الله بها، ثم لنربطهم بالرقى الشرعية والعمل بها، ولنضرب له الأمثلة بالأنبياء وأخذهم بالأسباب واتكالهم على الله تعالى، كقصة أيوب ﵇ ومرضه وقصة يعقوب ﵇ حين أمر أبناءه بالدخول من أبواب متفرقة وأنه لا يغني ذلك عنهم من الله شيئاً وتفويضه الأمر إلى الله تعالى، قال سبحانه على لسان يعقوب: (لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء) يوسف/٦٧
ومن أهم الأمور تذكير الأبناء احتساب الأجر، والصبر على المرض، وعلى الدواء، فهذه طفلة تذكر والدتها أن الله أراد لها أن تصاب بمرض كما يسمونها طبياً مرض مزمن وذلك حسب تقدير الطب البشري - ولكن الشفاء بيد الله تعالى - تذكر الأم أن هذه الطفلة اضطرت لأخذ الدواء مرتين يومياً، وكانت أمها تذكرها دائماً بالأجر، فما كان من هذه الطفلة إلا أن قالت لأمها يوماً من الأيام: أنا احصل على الأجر لأنني أخذ هذا الدواء.
تقول ذلك وكأنها تفتخر وتتميز بهذا الأجر والثواب على أهلها وأخواتها.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب أمهات قرب أبنائهن ص ٢١.
стр. 15313
هل تحسب الحسنات للصغير ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أعرف أن الإنسان لا يحاسب على أعماله قبل البلوغ فهل يكافأ على ما يفعله من خير قبل البلوغ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم يؤجر الصبي على فعل الحسنات لما رواه مسلم في "الصحيح" رقم (١٣٣٥) عن ابن عباس ﵄ قال: رفعت امرأة صبياً فقالت يا رسول الله الهذا حج قال: " نعم ولك أجر. "
قال صاحب مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل في مسألة الصبي يؤمر بالصلاة إذا بلغ سبع سنين: قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ الْيَوَاقِيتِ فِي الْمَوَاقِيتِ: الصَّبِيَّ.. يَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ الْمَنْدُوبَاتِ إذَا فَعَلَهَا لِحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ ,..
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ..: إنَّ الصَّغِيرَ لا تُكْتَبُ عَلَيْهِ السَّيِّئَاتُ وَتُكْتَبُ لَهُ الْحَسَنَاتُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الأَقْوَالِ ,
وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ فِي شَرْحِ أَوَّلِ حَدِيثٍ مِنْهُ وَهُوَ حَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ.. عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يُكْتَبُ لِلصَّغِيرِ حَسَنَاتُهُ , وَلا تُكْتَبُ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُهُ وقال صاحب مواهب الجليل تحت مسألة الإحرام بالحج والعمرة من الصبي..:
وَلا خِلافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الصَّبِيَّ يُثَابُ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ مِنْ الطَّاعَاتِ وَيُعْفَى عَمَّا يَجْتَرِحُهُ مِنْ السَّيِّئَاتِ وَإِنَّ عَمْدَهُ كَالْخَطَأِ , وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: وَلا تَجِبُ فَرِيضَةُ الْحَجِّ عَلَى الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ الْحُلُمَ وَالصَّغِيرَةُ الْحَيْضَ وَلَكِنْ لا بَأْسَ أَنْ يُحَجَّ بِهِمَا وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى. ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ: كَانَ مِنْ أَخْلاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحُجُّوا بِأَبْنَائِهِمْ وَيَعْرِضُونَهُمْ لِلَّهِ.
(و) عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ الأَمْرُ بِالْحَجِّ بِالصِّبْيَانِ وَالأَمْرُ بِاسْتِحْسَانِهِ وَاسْتِحْبَابِهِ وَأَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ , وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: غَيْرَ مُسْتَنْكَرٍ أَنْ يُكْتَبَ لِلصَّبِيِّ دَرَجَةٌ وَحَسَنَةٌ فِي الآخِرَةِ بِصَلاتِهِ وَزَكَاتِهِ وَحَجِّهِ وَسَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ الَّتِي يَعْمَلُهَا وَيُؤَدِّيهَا عَلَى سُنَّتِهَا تَفَضُّلا مِنْ اللَّهِ كَمَا تَفَضَّلَ عَلَى الْمَيِّتِ بِأَنْ يُؤْجَرَ بِصَدَقَةِ الْحَيِّ عَنْهُ , أَلا تَرَى أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَمْرِ الصَّبِيِّ بِالصَّلاةِ إذَا عَقَلَهَا. وَصَلَّى ﷺ بِأَنَسٍ وَالْيَتِيمِ , وَأَكْثَرُ السَّلَفِ عَلَى إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَيَسْتَحِيلُ أَنْ لا يُؤْجَرَ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ وَصَايَاهُمْ وَلِلَّذِي يَقُومُ بِذَلِكَ عَنْهُمْ أَجْرٌ لَعَمْرِي كَمَا لِلَّذِي يَحُجُّهُمْ أَجْرٌ فَضْلا مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: يُكْتَبُ لِلصَّغِيرِ حَسَنَاتُهُ وَلا تُكْتَبُ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُهُ وَلا عَلمْت لَهُ مُخَالِفًا مِمَّنْ يَجِبُ اتِّبَاعُ قَوْلِهِ انْتَهَى. وَفِي الإِكْمَالِ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّ الصَّبِيَّ يُثَابُ عَلَى طَاعَةٍ وَتُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتُهُ دُونَ سَيِّئَاتِهِ.. انْتَهَى.
وَقَالَ فِي أَوَائِلِ الْمُقَدِّمَاتِ: وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّهُمَا جَمِيعًا مَنْدُوبَانِ إلَى ذَلِكَ مَأْجُورَانِ عَلَيْهِ (أي الصبي ووليه) . قَالَ ﷺ لِلْمَرْأَةِ: وَلَكِ أَجْرٌ.. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: وَعِنْدَ الأَرْبَعَةِ أَنَّ الصَّبِيَّ يُثَابُ عَلَى طَاعَتِهِ وَتُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتُهُ كَانَ مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ﵁ وَنَقَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ وَيَدُلُّ لَهُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ الْفَضَائِلِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: جِهَادُ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ , وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ الَّتِي رَفَعَتْ صَبِيًّا , انْتَهَى. والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15314
حكم الإسلام في تبني جماعة تبشيرية للأيتام المسلمين
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الإسلام في تبني جماعة تبشيرية للأيتام المسلمين وهل في الإمكان أن تعطونا دليل على ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز تسليم أيتام المسلمين إلى الكفرة من النصارى وغيرهم لما في ذلك من الخطر العظيم على الأيتام، وأن ينشئوهم تنشئة غير إسلامية، وهم أمانة بيد المسلمين فلا يجوز أن يجعلوهم تحت ولاية غيرهم، وقد قال الله سبحانه: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) التوبة/٧١، وقال سبحانه: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) الأنفال/٧٣.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٨ ص/٤٣١.
стр. 15315
تعليم الأولاد
[السُّؤَالُ]
ـ[ما وجهة الإسلام في مسؤولية الأباء في التعليم وما نوعية التعليم أهلي أم حكومي أم ...الخ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا شكّ أنّ تعليم الابن من ضروريات الحياة، وإذا كان من ضروريات الحياة فالنّفقة دفع ضرورة وعلى هذا فيجب أن يعلّمه لكن لا كلّ المراحل لأنّه قد يعيش بمرحلة المتوسطة أو الثانوية.
أمّا عن المدارس الأهلية والمدارس العمومية أيهما أفضل من الناحية الشرعية فلا أظنّ أنّ هناك قاعدة معيّنة فقد يكون التعليم الأهلي أفضل وقد يكون التعليم العمومي أفضل بحسب المناهج وطاقم التدريس والنّظام المتّبع، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤا ل وجواب
стр. 15316
تأديب اليتيم
[السُّؤَالُ]
ـ[مسلم تزوج بأرملة ولها طفلان من زواجها الأول فما هي الحقوق الواجبة على هذا الرجل تجاه الأطفال؟ هل له الحق أن يأمر الأولاد أو أن يجبرهم على الصلاة؟ هل يمكن للولد أن يناديه بأبي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم يأمرهم بالصّلاة. كما قال النبي ﷺ : " مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلاةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ.. " رواه أبو داود في سننه كتاب الصلاة باب متى يُؤمر الصبي بالصلاة.
قال أهل العلم: (ويؤدب الغلام على الطهارة والصلاة إذا تمت له عشر سنين) .
ومعنى التأديب: الضرب والوعيد والتعنيف، ويجب على ولي الصبي أن يعلمه الطهارة والصلاة إذا بلغ سبع سنين ويأمره بها، ويلزمه أن يؤدبه عليها إذا بلغ عشر سنين.
والأصل في ذلك: قول النبي ﷺ «علموا الصبي الصلاة ابن سبع واضربوه عليها ابن عشر» رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وفي رواية: «مروا الصبي بالصلاة لسبع سنين، واضربوه عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» وهذا التأديب المشروع في حق الصبي لتمرينه على الصلاة كي يألفها ويعتادها ولا يتركها عند البلوغ.. ولا فرق بين الذكر والأنثى في مسألة التأديب هذه. يُراجع المغني لابن قدامة: باب صفة الصلاة.
وقد يتحرّج بعض النّاس في تأديب اليتيم ولكنّ الصحيح أن يقوم عليه وليّه بما يُفيده وينفعه ولو قسا عليه أحيانا لمصلحته فلا بأس بذلك كما قال الشّاعر:
فقسا ليزدجروا ومن يك ذا حزم فليقس أحيانا على من يرحم.
قال أهل العلم: وله ضرب اليتيم فيما يضرب ولده. يُنظر الدرّ المختار: باب التعزير.
وأمّا مناداة اليتيم لكافله يا أبي فقد تقدّم الجواب عنه تحت سؤال رقم (١٠٤١) . والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15317
المحافظة على الأبناء وأفكارهم في الغرب
[السُّؤَالُ]
ـ[نواجه - نحن المسلمين في الغرب - صعوبات في المحافظة على أبنائنا من الضياع والانخراط في المجتمع الغربي المنحل، ونريد بعض الخطوات العملية التي نستطيع بها الحفاظ على أبنائنا من الانحراف والضياع. وجزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
للمحافظة على كيان الأسر المسلمة في بلاد الكفر ينبغي توفير عدد من الشروط والمتطلبات داخل المنزل وخارجه:
أ - داخل المنزل:
١- لابد من محافظة الآباء على الصلاة في المسجد مع أولادهم وإن لم يكن ثَمَ مسجد قريب فالصلاة جماعة في البيت.
٢- ولابد لهم من قراءة القرآن والاستماع للتلاوة يوميا.
٣- ولابد لهم من الاجتماع على الطعام بعضهم مع بعض.
٤- ولابد لهم من التحدث بلغة القرآن بقدر الإمكان.
٥- ولابد لهم من المحافظة على الآداب الأسرية والاجتماعية التي نص عليها رب العالمين في كتابه ومنها ما ورد في سورة النور.
٦- وعليهم عدم السماح لأنفسهم أو لأولادهم بمشاهدة الأفلام الخليعة والفاجرة والفاسقة.
٧- ولابد للأولاد من المبيت داخل المنزل والعيش فيه أطول وقت ممكن حماية لهم من تأثير البيئة الخارجية السيئة، والتشديد على عدم السماح لهم بالبقاء خارج المنزل للنوم.
٨- تجنّب إرسال الأولاد إلى الجامعات البعيدة لكي يسكنوا في سكن الجامعة، وإلا سنفقد أولادنا، الذين سينصهرون في المجتمع الكافر.
٩- لا بد من الحرص التام على الطعام الحلال وأن يتجنّب الأبوان تماما تعاطي أيّ نوع من المحرّمات كالسجائر والماريوانا وغيرها مما ينتشر في بلاد الكفر.
ب - خارج المنزل:
١- لابد من إرسال الأطفال إلى مدارس إسلامية منذ الطفولة إلى نهاية الثانوية.
٢- ولا بد من إرسالهم أيضا إلى المسجد بقدر الإمكان وذلك لصلاة الجمعة والجماعة، وحضور الحلقات العلمية والدعوية والوعظية وغيرها.
٣- لا بد من إيجاد النشاطات التربوية والرياضية بين الأطفال والشباب في أماكن يُشرف عليها المسلمون.
٤- إقامة مخيمات تربوية يذهب إليها أفراد العائلة بكاملها.
٥- أن يسعى الآباء والأمهات إلى الذهاب إلى الأراضي المقدسة لأداء مناسك العمرة وفريضة الحج مصطحبين معهم أولادهم.
٦- تدريب الأولاد على التحدث عن الإسلام بلغة مبسطة يفهمها الكبير والصغير، المسلم وغير المسلم.
٧- تدريب الأولاد على حفظ القرآن وإرسال بعضهم - إن أمكن - إلى بلد عربي مسلم لكي يتفقهوا في الدين، ثم يعودوا بعد ذلك ليكونوا دعاة مزودين بالعلم والدين ولغة القرآن الكريم.
٨- تدريب بعض الأبناء على إلقاء خطب الجمعة، وإمامة المسلمين لكي يصبحوا قادة للجاليات الإسلامية.
٩- تشجيع الأبناء على الزواج مبكرا لكي نحفظ لهم دينهم ودنياهم.
٠١- ولا بد من تشجيعهم على الزواج من المسلمات والعائلات والمعروفة بدينها وخلقها.
١١- ترك استعمال رقم (٩١١) ومطالبة الشرطة بالمجيء إلى المنزل لحل الخلاف، فإن حصل خلاف فلا بد من الاتصال بأحد المسؤولين في الجالية الإسلامية أو العقلاء المسلمين للمساعدة على حل الخلاف.
٢١- عدم حضور حفلات الرقص والموسيقى والغناء ومهرجانات الفسق ومشاهد أعياد الكفر ومنع الأولاد بالحكمة من الذّهاب مع طلاب المدرسة النصارى إلى الكنيسة يوم الأحد.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15318
أطفال النساء المغتصبات في البوسنة وكوسوفا
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم أطفال النساء المغتصبات في البوسنة وكوسوفا وهل يتركوا للأب أم يجب أخذهم وتربيتهم عند المسلمين؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أما بالنسبة للأطفال فالواجب على المسلمين العناية بهم وتربيتهم تربية إسلامية وعدم تركهم للنصارى وغيرهم، كما قال الله : (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) التوبة/٧١، وقال ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ، ولأنهم في حكم اليتامى، وقد شرع الله الإحسان إلى اليتيم بصفة خاصة.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٨ ص / ٢٦٥.
стр. 15319
أعمال الطفل الذي لم يبلغ لمن تكتب
[السُّؤَالُ]
ـ[هل أعمال الطفل الذي لم يبلغ - من صلاة وحج وتلاوة تُحسب كلها لوالديه أم تحسب له هو؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أعمال الصبي الذي لم يبلغ - والمقصود أعماله الصالحة - أجرها له هو لا لوالده ولا لغيره ولكن يؤجر والده على تعليمه إياه وتوجيهه إلى الخير وإعانته عليه لما في صحيح مسلم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: رَفَعَتْ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ قَالَ نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ. رواه مسلم ٢٣٧٨
فأخبر النبي ﷺ أن الحج للصبي، وأن أمه مأجورة على حجّها به.
وهكذا غير الوالد له أجر على ما يفعله من الخير كتعليم من لديه من الأيتام والأقارب والخدم وغيرهم من الناس لقول النبي ﷺ : " مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ. " رواه مسلم في صحيحه ٣٥٠٩.. ولأن ذلك من التعاون على البر والتقوى والله سبحانه يثيب على ذلك.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى إسلامية لابن عثيمين /٥٢٦
стр. 15320
كشف كل من الولدين عورته للآخر
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا والد يعاني من الضيق الشديد, فقد أمسكت بطفلي (الابن في السابعة والبنت في الخامسة) وقد كشف كل منها عن عورته للآخر. ومن هول الصدمة, قمت وضربتهما ضربا مبرحا, لكني لا أعلم إن كنت قد تصرفت بشكل صحيح, أم لا. إنهما الآن يشيحان بأنظارهما عني, وهما لا يتحدثان - إن تحدثا - إلا مع والدتهما فقط. أنا وزوجتي في قلق من هذا الوضع. ما هي أفضل الطرق لحل هذه المشكلة؟ أننا بحاجة لمساعدتك ونصحك!.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأولى أن يتعامل الوالد بحكمة واتزان اتجاه أخطاء أولاده، وأن يحذر من أن يؤدي حرصه على علاج خطأ وتلافيه إلى الوقوع في خطأ أكبر منه.
والأطفال في هذه السن قد لا يفقهون مثل هذه التصرفات ولا يدركون مغزاها، والذي يؤدي بهم إلى هذا السلوك هو في الأغلب رؤيتهم لبعض المشاهد في التلفزيون، والواجب السعي لمعرفة مصدر هذا السلوك ومن أين اكتسبه الأطفال وتعلموه، وحمايتهم وإبعادهم عن مصادر هذه السلوكيات وحمايتهم منها.
وهذا الشعور الذي عند أطفالك سيزول في الأغلب بعد فترة، وبخاصة إذا أحسنت إليهم وتعاملت معهم برفق ومودة.
فضيلة الشيخ محمد الدويش.
ولا تنس العناية بتطبيق حديث النبي ﷺ : " وفرّقوا بينهم في المضاجع " رواه أبو داود وصححه الألباني انظر صحيح سنن أبي داود ١/٩٧.
وقم بتبين شناعة هذا الفعل لهما وأن الشيطان يريده كما قال الله: (ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما)
وعن بهز بن حكيمٍ قال حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ قَالَ احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ فَقَالَ الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ قَالَ إِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَافْعَلْ قُلْتُ وَالرَّجُلُ يَكُونُ خَالِيًا قَالَ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ. رواه أبو داود وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم ٣٣٩١.
وأن هذا الفعل الشنيع هو ما يقوم به أهل السوء والفحشاء الذين يُغضبون ربهم أصلح الله ذريتك وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15321
ضرب الولد للتأديب والتلويح بالعقوبة للزوجة
[السُّؤَالُ]
ـ[السؤال: هل من المعصية أن يضرب الرجل ابنه بيده أو بعصى، أنا افعل ذلك فقط عندما اشعر انه قد عصى أوامري وبعد عدة تحذيرات.
وهل رفع اليد على الزوجة معصية؟ بعض الأحيان اشعر انه يجب فعلها ولكنها لم تصل ذلك الحد.
عندما اصفع ولدي اشعر بندم شديد ثم اطلب من الله تعالى المغفرة إذا كان عملي خطأ.
هل هناك دعاء أستطيع قراءته يوميا ليهدي الله أولادي ويبارك فيهم ويقوي عقيدتهم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الواجب على الأب أن يحسن تربية أولاده ورعايتهم، والضرب وسيله تربوية حين يقتضي الموقف ذلك، وقد أمر النبي ﵊ بضرب الأولاد على الصلاة حين يبلغون عشر سنوات، لكنه ينبغي أن يكون الوسيلة الأخيرة، حين لا تنفع سائر الوسائل مع اجتناب القسوة أو ضرب الوجه، ولا يكون الأب في حال هياج غضب ٍ شديد وأن لا يضرب بمحدّد يجرح ولا بشيء يكسر ولا يضرب في مقتل، والتلويح بالعصا قد يكون أجدى من الضّرب نفسه والمقصود أن يطبّق الأب في تأديب الولد قاعدة الأسهل فالأسهل، فلا يلجأ إلى الوسيلة الأصعب والأشدّ إذا كان يمكن تحصيل المقصود بالوسيلة الأسهل والأخفّ.
أما ضرب الزوجة فليس هو الوسيلة الأولى لتقويمها بل لا بدّ أولا أن يعظها وينصحها، فإن لم تنفع النصيحة يهجرها في الفراش، فإن لم ينفع ذلك يضربها ضرباً غير شديد، كما قال الله تعالى: (وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) سورة النساء، وقد أخبر رسول الله أن خيار الناس ليسوا هم الذين يضربون زوجاتهم فقال ﵊: (لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم) . رواه أبو داود/٢١٤٦، وصححه الشيخ الألباني في "صحيح الجامع" برقم/٥١٣٧.
أما هداية الأولاد فالواجب على الوالدين فعل الأسباب المؤدية لذلك، من تعليمهم ونصحهم وإبعادهم عن رفقاء السوء وربطهم بالصحبة الصالحة، وحسن معاملتهم، والمواظبة على الدعاء لهم بالصلاح والهداية، ومما ورد من الدعاء لهم قوله تعالى: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين) ، وقوله (وأصلح لي في ذريتي) ، أو أي دعاء آخر طيّب، لكن لا بد مع الدعاء من بذل الأسباب الأخرى الموصلة إلى استقامتهم، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15322
لعب أولاد العم من الجنسين مع بعضهم
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز لأولاد العم من الجنسين أن يلعبا معاً؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاد العم إذا كانوا ذكوراً وإناثاً وكانوا صغاراً ولم يبلغوا حد الشهوة وأُمِنت عليهم الفتنة فلا بأس أن يلعب بعضهم مع بعض، وإن كانوا كباراً فإنه يحرم عليهم ذلك لأن أبناء العم ليسوا من المحارم بل هم أجانب عن بنات أعمامهم وكذلك أولاد الأخوال فإنهم أجانب. والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15323
هل من المجاهرة أن يفعل المعصية أمام أولاده
[السُّؤَالُ]
ـ[هل من المجاهرة أن يفعل المعصية أمام أولاده؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
وجهت هذا السؤال لشيخنا محمد بن صالح العثيمين فأجاب حفظه الله:
أعوذ بالله. هذا أعظم من المجاهرة (لأن فيه بالإضافة إلى المجاهرة) إساءة تربية.
س: هل كونه فعلها داخل بيته وليس أمام الناس لا زال يعتبر مجاهراً؟
ج: نعم، لأنه لو كان يفعلها في حجرته (وحيداً) ما قلنا (عنها) مجاهرة، لكن هذا (يفعلها) أمام عياله (وفي ذلك إساءة تربية أيضاً) . ولهذا يجب على المدخنين أن لا يشربوا الدخان أمام عوائلهم، لأن (في ذلك) تدريباً لهم على التدخين. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
стр. 15324
نصائح وتوجيهات للشباب المسلم تجاه نفسه ودينه وأمَّته
[السُّؤَالُ]
ـ[ي: ما هو دور الشباب المسلم في بناء المجتمع والأمة الإسلامية؟ يلاحظ أن القرآن الكريم ذكر الشباب في أكثر من موضع، قال تعالى: (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) الأنبياء/ ٦٠، وكذلك السنَّة النبوية الصحيحة، وما هي نصيحتكم للشباب المسلم في العالم كله، تجاه دينه، ومجتمعه، وأمَّته؟ وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
" الشباب في أي أمَّة من الأمم هم العمود الفقري الذي يشكل عنصر الحركة، والحيوية؛ إذ لديهم الطاقة المنتجة، والعطاء المتجدد، ولم تنهض أمَّة من الأمم - غالباً - إلا على أكتاف شبابها الواعي، وحماسته المتجددة ".
ولقد علم أعداء الإسلام هذه الحقيقة، فسعوا إلى وضع العراقيل في طريقهم، أو تغيير اتجاههم، إما بفصلهم عن دينهم، أو إيجاد هوة سحيقة بينهم وبين أولي العلم، والرأي الصائب، في أمتهم، أو بإلصاق الألقاب المنفِّرة منهم، أو وصفهم بصفات ونعوت، غير صحيحة، وتشويه سمعة من أنار الله بصائرهم في مجتمعاتهم، أو بتأليب بعض الحكومات عليهم ".
" فتاوى الشبخ ابن باز " (٢ / ٣٦٥) .
ثانياً:
لما سبق بيانه كان على الشباب المسلم دورٌ مهم، وأعمال بالغة الأهمية؛ لينهضوا بأنفسهم تجاه ما يراد بهم، وليكونوا حرَّاساً للدين تجاه ما يكاد به.
ويمكن أن نلخص ذلك الدور، وتلك الأعمال فيما يلي:
١. العلم الشرعي.
قال تعالى: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) الزمر/ من الآية ٩.
وقال النبي ﷺ (طَلَبُ العِلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلَىْ كُلِّ مُسْلِمٍ) – رواه ابن ماجه، وهو حديث حسن -.
فالعلم واجب شرعي على كل مسلم، ولا يمكن للجاهل أن يفهم دينه، ولا أن يدافع عنه في المحافل، والمنتديات، والجاهل لا تستفيد منه أمته، ولا مدينته، ولا قريته، ولا أهله، فلذا كان على الشباب المسلم أن يسارعوا إلى حلقات العلم، في المساجد، والمراكز الإسلامية، وأن يستثمروا نشاطهم وفراغهم في حفظ القرآن، وقراءة الكتب.
٢. الدعوة إلى الله، وتعليم الناس.
قال تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران/١٠٤.
والدعوة والتعليم: زكاة العلم، وواجب على من تعلَّم العلم الشرعي أن يبلغه لغيره، وأن يساهم في هداية الكفار إلى الإسلام، وهداية العصاة إلى الاستقامة.
٣. الصبر على أذى الناس.
قال تعالى – على لسان لقمان وهو يعظ ابنه -: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) لقمان/ ١٧.
ولا بدَّ – غالباً – للداعية من أن يصاب بأذى قولي، أو فعلي، ولا ينبغي لذلك أن يصده عن الاستمرار في الدعوة إلى الله، وليعلم أن الأنبياء والمرسلين قد أصابهم من ذلك الشيءُ الكثير، وهو يسير على هديهم، وطريقهم، فليصبر، وليحتسب.
٤. الطاعة للأوامر، والاجتناب للنواهي.
والشاب المسلم مطيع لربه تعالى، فلا يسمع أمراً من الشرع إلا ويكون أول المستجيبين له، ولا نهياً إلا ويكون أول المبتعدين عنه، وقد استحق مثل هذا الشاب الثواب الجزيل يوم القيامة في أن يكون في ظل عرش ربِّه تعالى، في وقت تدنو الشمس بلهيبها فوق رؤوس الخلائق.
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ ... ) متفق عليه.
٥. تزكية النفس.
ومما يحتاجه الشاب المسلم، ويجب علينا نصحه به: أن يجعل لنفسه نصيباً من التزكية، فيجتهد على نفسه فيربيها على القيام بما يتيسر من العبادات النوافل، كقيام الليل، وصيام الأيام الفاضلة، وقراءة الأوراد والأذكار اليومية؛ فهي زاد الشاب للثبات على طريق الهداية، مع الالتزام بحفظ البصر عن المحرمات، وصيانة السمع عن المنكرات، وهكذا باقي جوارحه يجعلها مصونة عن ارتكاب ما يبغضه ربه، ولا يرضاه منها.
ومما يحرص عليه الشاب المسلم في هذا الباب: إعفاف النفس؛ تنفيذاً للوصية النبوية منه ﷺ حين خاطب الشباب فقال: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) متفق عليه – و " الباءة ": هي القدرة على تكاليف الزواج، من مهر، ونفقة، و" الوجاء ": الوقاية؛ لأن الصوم يكسر حدّة الشهوة -.
٦. الالتفاف حول العلماء الثقات.
قال تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) النساء/ ٨٣.
والشاب المسلم لا توجهه عاطفته، ولا تقوده حماسته، إنما يسير على طريق الهداية بتوجيه العلماء الثقات، والشيوخ الكبار، ممن لهم علم واسع، وتجارب نافعة، فيهتدي بنصحهم، ويعمل بمشورتهم، ويُرجى أن يكون بعد ذلك أكثر نفعاً لأمته، ودينه، ويكون أكثر حماية ممن يكيد بالشباب لصرفهم عن رسالة الحق، ونشر النور في الأرض.
٧. أن يكونوا قدوة حسنة للناس.
وهذا هو حال طلاب العلم، والدعاة إلى الله، فالشباب المسلم الذي يقوم على تعليم الناس ودعوتهم ليس له أن يخالف فعلُه قولَه، بل هو متحلٍّ بالفضائل التي يدعو إليها، وقائم بالطاعات التي يرغب الناسَ بها، وهو قدوة لغيره في الأمانة، والاستقامة، والصدق، والعفاف، وغير ذلك من الأخلاق الواجبة والفاضلة.
٨. الاعتزاز بدينهم، وترك تقليد الكفار.
قال تعالى – في هذه النقطة والتي قبلها -: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) إلى قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) الممتحنة/ ٤ – ٦.
وأكثر من نراه اليوم في عالَم تقليد الكفار في لباسهم، وهيئاتهم، وحركاتهم: هم طائفة الشباب، وللأسف، لذا كان من الدور المهم للشاب المسلم: أن يكون فخوراً معتزّاً بدينه، لا يخجل من إظهار شعائره، ولا يتوارى من الناس حين يقوم بعبادة خالقه، وهو يبغض في قلبه الكافر، وفعله، فلا يتشبه بهيئته، ولا بلباسه، وهو بهذا يكون قدوة لغيره من الشباب الذي انماع في قبائح الحضارة الغربية الكافرة.
٩. الجهاد، وبذل النفس في سبيل الله.
والأمة الإسلامية تحتاج لكل طاقة في الشباب المسلم، فلذا يبذل الشاب نفسه رخيصة في سبيل إعزاز دينه، فإذا ما غزا كافرٌ بلاد الإسلام سارع للذب عنها، والدفاع عن حرمات المسلمين، وإذا شُرِّدت العائلات: قام على رعايتها، والعناية بها، وهو في كل ذلك جندي للإسلام، يُرَى حيث تكون الحاجة لنشاطه وقوته فيبذلها رخيصة لربه تعالى، وقدوته في ذلك: الشباب المسلم من الصحابة الأجلاء، كعلي بن أبي طالب ﵁ حين نام في فراش النبي ليلة الهجرة، وكعبد الله بن أبي بكر، حيث كان يستمع أخبار قريش، ويزوِّد بها النبي ﷺ ، وأبا بكر ﵁، وكأسامة بن زيد ﵄، حين قاد جيشاً فيه كبار الصحابة ﵃.
ونسأل الله تعالى أن يصلح حال المسلمين، وأن يهدي شبابهم للعمل بما يرضي ربهم، وأن يجعلهم هداة مهتدين.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15325
مقيم في أوروبا ولا يستطيع غض بصره
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب أدرس في بلد أوروبي , لقد تعرفت على السنَّة، وأهلها في هذه البلاد , ومنَّ الله عليَّ بالاستقامة فيها، فبعدما بدأتُ بداية قوية في أول الالتزام: بدأت الآن أتراجع , وأصبحتُ أقترف ذنوباً لم أقترفها حتى في أيام جهلي بالدين، لكن رغم ذلك ما زلت - والحمد لله - أواظب على الصلوات الخمس في المسجد، وعلى بعض النوافل , وألقي درساً أسبوعيّاً في شرح بعض الأحاديث النبوية المهمة، استناداً على شرح أهل العلم لها , ولا ألقي هذا الدرس لأني عندي علم بالأحاديث , وإنما لعدم وجود من يلقي الدروس، وإصرار الإخوة على ذلك؛ فأنا صراحة لا أستحق هذا الفضل، والله أعلم. المهم: أني أشعر بنفاق في قلبي؛ لأني ألقي الدرس فأحث المستمعين على مجاهدة النفس، والصبر , وأنا أخالف ذلك، لأني - مثلاً - لا أستطيع غض بصري عن النساء، وهذه هي مشكلتي الكبرى، فعند ذهابي إلى المسجد - مثلاً - أمرُّ بمئات النساء عاريات كأنهن في الشاطئ، وخصوصاً في الصيف، فلا أصِلْ إلى المسجد إلا وقد جمعتُ ذنوباً كثيرةً، وأصلي وقلبي مريض، فلا أخشع في الصلاة، وأشعر بأني لم أصلِّ , وهذا هو الذي جعلني في حالة نفسية سيئة , فأتوب إلى الله من هذه الذنوب، فأتحسن، ثم بعد مدة تتفاوت كل مرة أرجع لهذه المعاصي، وأولها: إطلاق البصر إلى النساء، ثم أتوب بعد ذلك، وهكذا فأشعر أن توبتي لم تُتقبل. لقد قرأتُ حديث النبي ﷺ الذي قال فيه: (ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا، إن المؤمن خلق مفتَناً تواباً نسَّاء، إذا ذُكِّر ذَكَر) . وقرأتُ عليه تعليقاً أعجبني لكن لا أدري صحته، وهو أنّ النّاظر إلى النّصوص يدرك بجلاء أنّ مراد الله تعالى من العبد ليس مجرّد السّلامة من المخالفة، بل المراد: بقاء العلاقة بين العبد وربّه، بمعنى: أن يطيعه العبد فيُؤجر، ويذنب فيستغفر، وينعم عليه فيشكر، ويقتّر عليه فيدعوه ويطلب منه، ويضيّق أكثر فيلجأ ويضطر، وهكذا، ولذلك ورد في بعض الآثار أنّ العبد الصّالح يغفل، أو ينسى فيضيّق الله عليه ببلاء، حتّى يسمع صوته بالدّعاء والالتجاء، وورد أنّ العبد المؤمن يكثر من الذّكر ولا يستغفر، فيقدّر الله عليه الذّنب ليسمع صوته في الاستغفار، فصراحة: ارتحت قليلاً منه، ولكن عندما أقرأ الحديث الآخر يصيبني الإحباط الذي قال فيه النبي ﷺ : (لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُوراً) ، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ: (أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا) . فهذا الحديث ينطبق عليَّ كاملاً، والله المستعان. الآن أنا أفكر في أن أنتهي عن إلقاء الدرس إلى أن تتحسن نفسي، فما هو الحل يا ترى؟ . أفتوني مأجورين.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله العظيم بمنِّه وكرمه أن يثبتك على الاستقامة , وأن يصرف عنك الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
أولاً:
عندما ينظر المسلم إلى مثل هذه الأسئلة: يزداد يقيناً وإيماناً بالتسليم للشرع، وأنه جاء بالحكمة والمصلحة، ودفع المفسدة.
فلم يأمر إلا بما فيه مصلحة، ولم ينه إلا عما فيه مفسدة، ومن ذلك: نهيه عن إقامة المسلم في بلاد الكفر، فإنها من أخطر الأشياء على دين المسلم وأخلاقه.
وانظر جواب السؤالين: (٤٧٦٧٢) و (١٠١٧٥) .
ثانياً:
كلماتك – أخي السائل - تدل على أنك متضايق من نفسك، وأنك تشعر بالخطأ تجاه نفسك، وتجاه ربك , ولا شك أن هذا علامة صدق، ودليل خير , وأن وازع الإيمان في قلبك لا يزال حيّاً , ولتعلم أن طريق الجنَّة محفوف بالشهوات , وهو طريق يحتاج في سلوكه إلى صبر، ومجاهدة، وتحمل، ولذا لزم الاستعانة بالله , واللجوء إليه، والذل بين يديه؛ ليأخذ بيدك إلى برِّ الأمان، فتصل إلى رضاه من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة.
وإن من أعظم ما يضر المسلم في حياته، ومن أكثر ما يكون سبباً لفتنة قلبه، ودينه: هو معصية إطلاق البصر في المحرمات، وقد صحَّ عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "اإثم حَوَازُّ القلوب، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع" رواه البيهقي في "شُعَب الإيمان" (٤/٣٦٧) .
قال الشيخ محمد السفاريني ﵀:
ومعنى " حَوَّاز " بفتح الحاء وتشديد الواو، وهو: ما يحوزها، ويغلب عليها حتى ترتكب ما لا يحسن.
وقيل: بتخفيف الواو وتشديد الزاي – أي: " حَوَازّ " - جمع حازَّة، وهي الأمور التي تحزُّ في القلوب، وتحك، وتؤثر، وتتخالج في القلوب، فتكون معاصي، وهذا أشهر.
"غذاء الألباب شرح منظومة الآداب" (ص ٦٥) .
ولهذا كان لهذه المعصية نصيب وافر من التحذير منها، والكلام عليها.
فانظر جوابيْ السؤالين: (٢٢٩١٧) و (٢٠٢٢٩) للوقوف على السبل، والوسائل المعينة على غض البصر.
وانظر جواب السؤال رقم (٢٢٩١٧) للوقوف على فوائد غض البصر.
وجواب السؤال رقم: (٢٣٤٢٥) للوقوف على آثار هذه المعصية.
ثالثاً:
أما حديث ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلا وَلَهُ ذَنْبٌ يَعْتادُهُ الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ، أَوْ ذَنْبٌ هُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ لا يُفَارِقُهُ حَتَّى يُفَارِقَ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ خُلِقَ مُفْتَنًا تَوَّابًا نَسِيًّا إِذَا ذُكِّرَ ذَكَرَ) : فقد أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١/٣٠٤) ، وصححه الألباني ﵀ في "السلسلة الصحيحة" (٢٢٧٦) ، ولكن تعقبه الشيخ محمد عمرو بن عبد اللطيف ﵀ في جزئه "حديث (ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة) في الميزان"، وبيَّن أن الحديث ضعيف.
ثم ـ إن صح الحديث ـ فليس فيه التشجيع على فعل المعصية، ولا الإقدام عليها، بل هو لتطمين التائبين بأنه من فعل ذنباً فإنه لا ينبغي له أن يقنط من رحمة ربه، أو يعتقد أن ذنبه أعظم من عفو الله ورحمته، فما على المذنب سوى التوبة الصادقة، والعزم على عدم العود إلى ذنبه مرة أخرى.
وقد قال الشيخ محمد عبد الرحمن المباركفوري ﵀ عند شرحه لحديث: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُم) قال:
"قال الطِّيبي: ليس الحديث تسلية للمنهمكين في الذنوب كما يتوهمه أهل الغرة بالله؛ فإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إنما بعثوا ليردعوا الناس عن غشيان الذنوب، بل بيان لعفو الله تعالى، وتجاوزه عن المذنبين؛ ليرغبوا في التوبة.
والمعنى المراد من الحديث: هو أن الله كما أحب أن يعطي المحسنين أحب أن يتجاوز عن المسيئين , وقد دل على ذلك غير واحد أسمائه: الغفار، الحليم، التواب، العفو , ولم يكن ليجعلَ العباد شأناً واحداً كالملائكة، مجبولين على التنزه من الذنوب، بل يخلق فيهم من يكون بطبعه ميَّالاًَ إلى الهوى، متلبساً بما يقتضيه، ثم يكلفه التوقي عنه، ويحذره من مُدَاناته، ويعرِّفه التوبة بعد الابتلاء، فإن وفَّى: فأجره على الله , وإن أخطأ الطريق: فالتوبة بين يديه، فأراد النبي ﷺ به: أنكم لو كنتم مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة: لجاء الله بقوم يتأتى منهم الذنب، فيتجلى عليهم بتلك الصفات، على مقتضى الحكمة؛ فإن الغفَّار يستدعي مغفوراً، كما أن الرزَّاق يستدعي مرزوقاً.
"تحفة الأحوذي" (٧/١٩٣) .
وأما حديث ثَوْبَانَ ﵁ المذكور في السؤال: فقد رواه ابن ماجه في "سننه" (٤٢٤٥) ، وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه"، فللعلماء حوله كلام كثير، وأحسن ما قيل فيه: أنه في الذين يتكرر منهم انتهاك محارم الله باستمرار، وأن من صفاتهم الاستخفاف بما حرَّم الله، وأنهم لا تنكسر قلوبهم عند فعلهم لتلك المعاصي، بل يتجرأون على فعلها، بل انتهاكها.
قال الشيخ الألباني ﵀:
هؤلاء (إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) لا يعني خلوا مرة واحدة، وإنما هذا ديْدُنهم، وشأنُهم، وهِجِّيراهم، دائماً، فلذلك تطغى هذه المحرمات على تلك السيئات.
" سلسلة الهدى والنور " شريط رقم (٢٢٦) .
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي - حفظه الله -:
أي: أن عندهم استهتاراً، واستخفافاً بالله ، فهناك فرق بين المعصية التي تأتي مع الانكسار، والمعصية التي تأتي بغير انكسار، بين شخص يعصي الله في ستر، وبين شخص عنده جرأة على الله ، فصارت حسناته في العلانية أشبه بالرياء، وإن كانت أمثال الجبال، فإذا كان بين الصالحين: أَحْسَنَ أيما إحسانٍ؛ لأنه يرجو الناس ولا يرجو الله، فيأتي بحسنات كأمثال الجبال، فظاهرها حسنات، (لكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) فهم في السر لا يرجون لله وقاراً، ولا يخافون من الله ، بخلاف من يفعل المعصية في السر وقلبه منكسر، ويكره هذه المعصية، ويمقتها، ويرزقه الله الندم، فالشخص الذي يفعل المعصية في السر وعنده الندم، والحرقة، ويتألم: فهذا ليس ممن ينتهك محارم الله ؛ لأنه - في الأصل - معظم لشعائر الله، لكن غلبته شهوته، فينكسر لها، أما الآخر: فيتسم بالوقاحة، والجرأة على الله؛ لأن الشرع لا يتحدث عن شخص، أو شخصين، ولا يتحدث عن نص محدد، إنما يعطي الأوصاف كاملة.
" شرح زاد المستقنع " (رقم الدرس ٣٣٢) .
وكل مسلم حي القلب يخشى أن يكون من هؤلاء الذين ذكرهم الرسول ﷺ في حديث ثوبان، وتزداد هذه الخشية إذا اتصف ببعض صفاتهم، فينبغي أن تحذر أشد الحذر أن تكون من أولئك الأقوام، أو قريباً من صفاتهم، فانج بنفسك من مستنقعات الرذيلة، وطهِّر بدنك نفسك بالتوبة، واحذر أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) النساء/١٠٨.
قال ابن رجب ﵀:
قال بعض العارفين: اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك.
"جامع العلوم والحَِكم" (ص ١٦٢) .
فالنصيحة لك:
١. أن تقطع سبل التعرض للفتن، بتعجيل الانتهاء من تلك البلاد.
٢. الزواج، فهو الحصن الحصين لك إن شاء الله - , وخصوصاً في مثل تلك البلاد التي يكثر فيها الفتن.
٣. الالتجاء إلى الله تعالى , والتضرع إليه، بأن يصرف عنك تلك الذنوب، قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) البقرة/ ١٨٦.
٤. مجاهدة النفس، ودفع وسوستها، وشرورها، والعناية بتزكيتها بطاعة الله، قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) الشمس/ ٨ – ١١، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت/٦٩، فاحرص على قراءة القرآن ومداومة الذكر، وقيام الليل، وصيام النوافل ... إلخ، فبها يزداد الإيمان وينير الطريق لك.
ومما يعينك على ذلك: أن تكثر من صحبة الصالحين , وأن لا تتعرض للفتن؛ وذلك بالابتعاد عن أماكنها.
٥. وعليك أن تستمر في إعطاء الدروس، واحذر من الشيطان أن يزيد عليك المعاصي بتركها، أو يوهمك أن تركها هو علاج ما أنت فيه من حال.
وقد حذر السلف من مثل ذلك.
قال الحسن البصري ﵀ لمطرف بن عبد الله: " عِظ أصحابك "، فقال: " إني أخاف أن أقول ما لا أفعل "! قال: " يرحمك الله، وأيُّنا يفعل ما يقول! ودَّ الشيطان أنه قد ظفر بهذا، فلم يأمر أحدٌ بمعروف، ولم ينه عن منكر ".
وقال مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخه: سمعت سعيد بن جبير يقول: " لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء: ما أمر أحدٌ بمعروف، ولا نهى عن منكر ".
قال مالك: " وصدق، مَن ذا الذي ليس فيه شيء "! .
وقد أحسن القائل:
لئن لم يعظ العاصين من هو مذنب فمن يعظ العاصين بعد محمد
فكُن أول المستفيدين من دروسك، وكن أول المستجيبين لوعظك، واستعن بالله تعالى ربك أن يعينك على نفسك، وأن يخلصك من شرورها.
ونسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خير، ويعينك على طاعته ونيل رضاه، ويثبتك على الإسلام والسنَّة، وأن يصرف عنك الفتن ما ظهر منها وما بطن.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15326
الحكمة من إقامة الصلاة بكيفيتها المعروفة
[السُّؤَالُ]
ـ[لدي تشكك واحد لا أجد له تفسيرا مناسبا ... لماذا نصلي بتلك الكيفية من تكبير وسجود وقيام؟ أفلا يكفي أن نجلس فنقرأ القرآن وندعو الله عوضا عن ذلك؟ فلماذا صيغ الأمر بتلك الكيفية وبهذا الشكل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اعلم – هداك الله – أن مبنى ديننا الحنيف على وجوب السمع والطاعة، وأن لا نقترح على الله، وكما أننا نثق بكلام الطبيب ولا نعارضه، بل نسمع ونطيع، وإذا قال: هذا الدواء بعد العشاء. لم نقل: لم لا يكون قبله؟
أو قال: سبع قطرات. لم نقل: لم لا تكون خمسا؟ وإنما نذعن لما يقول، ولو كان في ذلك ما نكره من مرارة الدواء أو غلاء ثمنه ونحو ذلك، وهو مع ذلك بشر لا يملك الشفاء، ويخطئ ويصيب، وقد يكون خطؤه أكثر من صوابه.
فالواجب علينا أن يكون تسليمنا للشرع أشد، فإنه تنزيل من حكيم حميد، عليم خبير، (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) الأنبياء/٢٣.
إن الإيمان لا يثبت إلا بالتسليم المطلق لله ولرسوله، قال الله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء/٦٥.
وقال تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) النور/٥١.
وقال الله : (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) البقرة/٢٨٥.
قال السعدي:
" هذا التزام من المؤمنين، عام لجميع ما جاء به النبي ﷺ من الكتاب والسنة، وأنهم سمعوه سماع قبول وإذعان وانقياد " انتهى.
"تفسير السعدي" (ص ٩٦١) .
فمن تأمل هذه الآيات علم أن مبنى الدين على التسليم والخضوع والانقياد لله رب العالمين، وكيف لا يسلم له سبحانه في كل شيء من أمر دينه ودنياه من آمن به ربا خالقا هاديا رازقا مدبرا؟!
وكيف لا يسلم لرسوله ﷺ من آمن به نبيا مرسلا من عند ربه؟!
ولو أن إنساناً انتهج هذا المنهج في السؤال لم يَبْعُدْ أن ينتهي به الأمر إلى الإلحاد، لأنك تقول: لماذا لم تكن الصلاة مجرد قراءة للقرآن والدعاء، فيأتي ثانٍ ويقول: وما الداعي للدعاء أفلا يكفي القرآن؟
ويأتي ثالث ويقول: لماذا الصلاة أصلاً، أفلا يكفي قول لا إله إلا الله، وقل مثل ذلك في الزكاة والصيام والحج جميع الأحكام الشرعية. فينتهي الأمر إلى إنكار الأحكام الشرعية والإلحاد.
ثالثاً:
فرضت الصلاة على هذه الصفة التي هي أحسن ما يكون وأكمل ما يكون حتى تتحقق العبودية لله والذل له، والتلذذ بمناجاته، فيستقبل الرجل القبلة، ويقف ذليلاً بين يدي الله مطأطأ الرأس، ثم يركع لله تذللاً له، ثم يزيد ذله لله بالسجود.
وانظر وصفاً تفصيلاً لصفة الصلاة من التكبير إلى التسليم مع التدبر في أفعالها وأقوالها بما لا مزيد عليه لابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "الصلاة".
ونسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا ويجعل الصلاة قرة عيوننا.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15327
الأسباب المعينة على قيام الليل
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي الأمور التي تساعد على قيام الليل (التهجد) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأسباب المعينة على قيام الليل كثيرة منها:
١- الإخلاص لله تعالى: كما أمر الله تعالى بإخلاص العمل له دون ما سواه: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) ، فكلما قوي إخلاص العبد كان أكثر توفيقاً إلى الطاعات والقربات، وفي حديث أبي بن كعب ﵁ أن النبي ﷺ قال: " بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب " رواه أحمد صحيح الجامع ٢٨٢٥. قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: صلاح العمل بصلاح القلب، وصلاح القلب بصلاح النية. قال ابن القيم ﵀: وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته يكون توفيقه سبحانه وإعانته، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم ونياتهم ورغبتهم ورهبتهم، والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك. ولذا حرص السلف الكرام أشد الحرص على إخفاء الطاعات كقيام الليل؛ سأل رجل تميم بن أوس الداري ﵁ فقال له: كيف صلاتك بالليل؟ فغضب غضباً شديداً ثم قال: والله لركعة أصليها في جوف الليل في السر أحب إلي من أن أصلي الليل كله، ثم أقصه على الناس. وكان أيوب السختياني يقوم الليل كله، فإذا قرب الفجر رجع فاضطجع في فراشه، فإذا طلع الصبح رفع صوته كأنه قد قام تلك الساعة.
٢- أن يستشعر مريد قيام الليل أن الله تعالى يدعوه للقيام: فإذا استشعر العبد أن مولاه يدعوه لذلك وهو الغني عن طاعة الناس جميعاً كان ذلك أدعى للاستجابة، قال تعالى: (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً) ، قال سعد بن هشام بن عامر لعائشة ﵂: أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ فقالت: ألست تقرأ (يا أيها المزمل) قلت: بلى، فقالت: إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة فقام النبي ﷺ وأصحابه حولاً، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة. رواه مسلم.
٢- معرفة فضل قيام الليل: فمن عرف فضل هذه العبادة حرص على مناجاة الله تعالى، والوقوف بين يديه في ذلك الوقت، ومما جاء في فضل هذه العبادة ما ثبت من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم " رواه مسلم. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: " أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يوماً ويفطر يوماً " متفق عليه. وعن عمرو بن عبسة أن النبي ﷺ قال: " أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن " رواه الترمذي والنسائي. وفي حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: " عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحبه إلى صلاته فيقول الله جل وعلا: أيا ملائكتي انظر إلى عبدي ثار من فراشه ووطائه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي " رواه أحمد وهو حسن، صحيح الترغيب ٢٥٨. وقيام الليل يطرد الغفلة عن القلب كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين " رواه أبوداود وابن حبان وهو حسن، صحيح الترغيب ٦٣٥. قال يحى بن معاذ: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتفكر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين.
٤-النظر في حال السلف والصالحين في قيام الليل ومدى لزومهم له: فقد كان السلف يتلذذون بقيام الليل، ويفرحون به أشد الفرح، قال عبد الله بن وهب: كل ملذوذ إنما له لذة واحدة، إلا العبادة، فإن لها ثلاث لذات: إذا كنت فيها، وإذا تذكّرتها، وإذا أعطيت ثوابها. وقال محمد بن المنكدر: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، والصلاة في جماعة. وقال ثابت البناني: ما شيء أجده في قلبي ألذّ عندي من قيام الليل وقال يزيد الرقاشي: بطول التهجد تقر عيون العابدين، وبطول الظمأ تفرح قلوبهم عند لقاء الله. قال مخلد بن حسين: ما انتبهت من الليل إلا أصبت إبراهيم بن أدهم يذكر الله ويصلي، فأَغتمُّ لذلك، ثم أتعزى بهذه الآية (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) . وقال أبو عاصم النبيل: كان أبو حنيفة يسمى الوتد لكثرة صلاته. وعن القاسم بن معين قال: قام أبو حنيفة ليلة بهذه الآية (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) يرددها ويبكي، ويتضرع حتى طلع الصبح. وقال إبراهيم بن شماس: كنت أرى أحمد بن حنبل يُحيي الليل وهو غلام. وقال أبو بكر المروذي: كنت مع الإمام أحمد نحواً من أربعة أشهر بالعسكر ولا يدع قيام الليل وقرآن النهار، فما علمت بختمة ختمها، وكان يسرّ ذلك. وكان الإمام البخاري: يقوم فيتهجد من الليل عند السحر فيقرأ ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند السحر في كل ثلاث ليال. وقال العلامة ابن عبد الهادي يصف قيام شيخ الإسلام ابن تيمية: وكان في ليله منفرداً عن الناس كلهم خالياً بربه، ضارعاً مواظباً على تلاوة القرآن، مكرراً لأنواع التعبدات الليلية والنهارية، وكان إذا دخل في الصلاة ترتعد فرائصه وأعضاؤه حتى يميل يمنة ويسرة. وقال ابن رجب في شيخه الإمام ابن القيم: وكان ذا عبادة وتهجد وطول صلاة إلى الغاية القصوى، ولم أشاهد مثله في عبادته وعلمه بالقرآن والحديث وحقائق الإيمان. وقال الحافظ ابن حجر يصف شيخه الحافظ العراقي: وقد لازمته، فلم أره ترك قيام الليل بل صار له كالمألوف.
٣- النوم على الجانب الأيمن: وقد كان النبي ﷺ يرشد أمته إلى النوم على الجانب الأيمن، كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليفضه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلّفه عليه، ثم ليضطجع على شقه الأيمن، ثم ليقل باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " متفق عليه. وعن البراء بن عازب ﵄ أن النبي ﷺ قال: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن " متفق عليه، وعن حفصة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا أخذ مضجعه جعل يده اليمنى تحت خده الأيمن " رواه الطبراني، صحيح الجامع ٤٥٢٣. قال الإمام ابن القيم ﵀: وفي اضطجاعه ﷺ على شقه الأيمن سر، وهو أن القلب معلّق في الجانب الأيسر، فإذا نام على شقه الأيسر استثقل نوماً، لأنه يكون في دعة واستراحة فيثقل نومه، فإذا نام على شقه الأيمن فإنه يقلق ولا يستغرق في النوم لقلق القلب وطلبه مستقره وميله إليه.
٤- النوم على طهارة: تقدم حديث البراء بن عازب ﵁ وفيه أن النبي ﷺ قال: " إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة " متفق عليه، وعن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: " ما من مسلم يبيت على ذكر طاهراً فيتعارّ من الليل، فيسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه " رواه أبو داود وأحمد، صحيح الجامع ٥٧٥٤. وجاء من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " طهّروا هذه الأجساد طهركم الله، فإنه ليس عبد يبيت طاهراً إلا بات معه في شعاره ملك، لا يتقلب ساعة من الليل إلا قال: اللهم اغفر لعبدك، فإنه بات طاهراً " رواه الطبراني، قال المنذري: إسناد جيد، صحيح الجامع ٣٨٣١.
٦- التبكير بالنوم: النوم بعد العشاء مبكراً وصية نبوية، وخصلة حميدة، وعادة صحية ومما جاء في فضله حديث أبي برزة الأسلمي ﵁ أن النبي ﷺ كان يستحب أن يؤخر العشاء، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها " رواه البخاري، نقل الحافظ ابن حجر عن القاضي عياض في قوله: "وكان يكره النوم قبلها " قال: لأنه قد يؤدي إلى إخراجها عن وقتها مطلقاً، أو عن الوقت المختار، والسمر بعدها قد يؤدي إلى النوم قبل الصبح، أو عن وقتها المختار، أو عن قيام الليل. وقال ابن رافع: كان عمر بن الخطاب ﵁ ينِشّ الناس بدِرّته بعد العتمة ويقول: قوموا لعل الله يرزقكم صلاة. ومما يتعلق بالنوم: اختيار الفراش المناسب، وذلك بعدم المبالغة في حشو الفراش، وتليينه وتنعيمه لأن ذلك من أسباب كثرة النوم والغفلة، ومجلبة للكسل والدّعة، وثبت من حديث عائشة ﵂ قالت: كانت وسادة النبي ﷺ التي ينام عليها بالليل من أدم حشوها ليف. رواه أبوداود وأحمد، صحيح الجامع ٤٧١٤. وعن ابن عباس ﵄ أن عمر بن الخطاب دخل على رسول الله ﷺ وهو على حصير قد أثر في جنبه الشريف فقال عمر: يا نبي الله لو اتخذت فراشاً أوْثر من هذا؟ فقال ﷺ : ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها. رواه أحمد والحاكم، صحيح الجامع ٥٥٤٥. وكان علي بن بكار ﵀ تفرش له جاريته فراشه، فيلمسه بيده ثم يقول: والله إنك لطيب، والله إنك لبارد، والله لا علوتك ليلتي، ثم يقوم يصلي إلى الفجر. ومن ذلك عدم الإفراط في النوم والاستغراق فيه، قال إبراهيم ابن أدهم: إذا كنت بالليل نائماً، وبالنهار هائماً، وفي المعاصي دائماً، فكيف تُرضي من هو بأمورك قائماً.
٧- المحافظ على الأذكار الشرعية قبل النوم: فإن هذه الأذكار حصن حصين يقي بإذن الله من الشيطان، ويعين على القيام، ومن هذه الأذكار، ما ثبت من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فلينفضه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلّفه عليه، ثم ليضطجع على شقّه الأيمن، ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " متفق عليه. وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما يقرأ (قل هو الله أحد) و (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات " متفق عليه.وعن أبي مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " متفق عليه. وعن أنس بن مالك رضي الله أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي له " رواه مسلم. وفي حديث أبي هريرة ﵁ وقصة الشيطان معه قال له: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) حتى تختمها، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فذكر ذلك أبو هريرة للنبي ﷺ فقال له: صدقك وهو كذوب " متفق عليه. وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال لابنته فاطمة ﵂ لما جاءت إليه تطلب منه خادماً، فقال لها ولعلي: ألا أدلكما على خير لكما من خادم،إذا أويتما إلى فراشكما، فسبّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا أربعاً وثلاثين، فإنه خير لكما من خادم " متفق عليه. وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: " اقرأ (قل يا أيها الكافرون) عند منامك، فإنها براءة من الشرك " رواه البيهقي، صحيح الجامع ١١٧٢. وعن حفصة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا أخذ مضجعه جعل يده اليمنى تحت خده الأيمن وقال: رب قني عذابك يوم تبعث عبادك " رواه أبو داود، صحيح الجامع ٤٥٣٢. وعن البراء بن عازب ﵄ أن النبي ﷺ قال: " إذا أتيت إلى مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن متّ متّ على الفطرة، واجعلهن آخر ما تقول " متفق عليه. وينبغي كذلك أن يحافظ المسلم على الأذكار الشرعية عند الاستيقاظ، ومنها: ما ثبت من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم فليقل: الحمد لله الذي رد علي روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره " رواه الترمذي والنسائي، صحيح الجامع ٣٢٦. وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: من تعارّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن توضأ ثم صلى قُبلت صلاته " رواه البخاري. قال الإمام ابن بطال: وعد الله على لسان نبيه ﷺ أن من استيقظ من نومه لَهِجاً بتوحيد ربه، والإذعان له بالملك، والاعتراف بنعمه بحمده عليها، وينزهه عما لا يليق به بتسبيحه والخضوع له بالتكبير، والتسليم له بالعجز عن القدرة إلا بعونه، أنه إذا دعاه أجابه، وإذا صلى قبلت صلاته، فينبغي لمن بلغه هذا الحديث أن يغتنم العمل به، ويخلص نيته لربه . وعن البراء بن عازب ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا استيقظ من نومه قال: " الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور " رواه مسلم. وفي حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا استيقظ من الليل يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم ينظر إلى السماء ويقرأ العشر آيات الخواتم من سورة آل عمران: (إن في خلق السماوات والأرض ...) الآيات. رواه مسلم، قال الإمام النووي: فيه استحباب مسح أثر النوم عن الوجه، واستحباب قراءة هذه الآيات عند القيام من النوم.
٥- الحرص على نومة القيلولة بالنهار: وهي إما قبل الظهر أو بعده، فعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: " قيلوا فإن الشياطين لا تقيل " رواه الطبراني، الصحيحة ٢٦٤٧، قال إسحاق بن عبد الله: القائلة من عمل أهل الخير، وهي مجمة للفؤاد مَقْواة على قيام الليل. ومرّ الحسن البصري بقوم في السوق في وسط النهار فرأى صخبهم وضجيجهم فقال: أما يقيل هؤلاء، فقيل له: لا فقال: إني لأرى ليلهم ليل سوء.
٦- اجتناب كثرة الأكل والشرب: فإن الإكثار منهما من العوائق العظيمة التي تصرف المرء عن قيام الليل، وتحول بينه وبينه كما جاء في حديث المقدام بن معد يكرب ﵁ أن النبي ﷺ قال: " ما ملأ آدمي وعاءاً شراً من بطنه، حسْب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه " رواه الترمذي وابن ماجه، صحيح الجامع ٥٦٧٤. وعن أبي جحيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال لرجل تجشأ في مجلسه: أقصر من جشائك، فإن أكثر الناس شبعاً في الدنيا أكثرهم جوعاً يوم القيامة " رواه الحاكم، صحيح الجامع ١١٩٠. قال سفيان الثوري: عليكم بقلة الأكل، تملكوا قيام الليل. ورأى معقل بن حبيب قوماً يأكلون كثيراً فقال: ما نرى أصحابنا يريدون أن يصلوا الليلة. وقال وهب بن منبه: ليس من بني آدم أحب إلى شيطانه من الأكول النوام.
٧- مجاهدة النفس على القيام: وهذا من أعظم الوسائل المعينة على قيام الليل لأن النفس البشرية بطبيعتها أمارة بالسوء تميل إلى كل شر ومنكر فمن أطاعها فيما تدعو إليه قادته إلى الهلاك والعطب، وقد أمرنا الله تعالى بالمجاهدة فقال: (وجاهدوا في الله حق جهاده) وقال سبحانه: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) وقال تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً) وعن فضالة بن عبيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: " المجاهد من جاهد نفسه في الله " رواه الترمذي وابن حبان، الصحيحة ٥٤٩. وفي حديث عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: " الرجل من أمتي يقوم من الليل يعالج نفسه إلى الطهور وعليه عُقَد، فإذا وضأ يديه انحلت عقدة، وإذا وضأ وجهه انحلت عقدة، وإذا مسح رأسه انحلت عقدة، وإذا وضأ رجليه انحلت عقدة، فيقول الله للذين من وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه، ويسألني، ما سألني عبدي فهو له " رواه أحمد وابن حبان، صحيح الترغيب ٦٢٧. قال محمد بن المنكدر: كابدت نفسي أربعين عاماً حتى استقامت لي. وقال ثابت البناني: كابدت نفسي على قيام الليل عشرين سنة وتلذذت به عشرين سنة. وقال عمر بن عبد العزيز: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس. وقال عبد الله بن المبارك: إن الصالحين فيما مضى كانت تواتيهم أنفسهم على الخير، وإن أنفسنا لا تكاد تواتينا إلا على كره فينبغي لنا أن نكرهها. وقال قتادة: يا ابن آدم: إن كنت لا تريد أن تأتي الخير إلا بنشاط، فإن نفسك إلى السآمة وإلى الفترة وإلى الملل أميل، ولكن المؤمن هو المتحامل.
٨- اجتناب الذنوب والمعاصي: فإذا أراد المسلم أن يكون مما ينال شرف مناجاة الله تعالى، والأنس بذكره في ظلم الليل، فليحذر الذنوب، فإنه لا يُوفّق لقيام الليل من تلطخ بأدران المعاصي، قال رجل لإبراهيم بن أدهم: إني لا أقدر على قيام الليل فصف لي دواء؟ فقال: لا تعصه بالنهار، وهو يُقيمك بين يديه في الليل، فإن وقوفك بين يديه في الليل من أعظم الشرف، والعاصي لا يستحق ذلك الشرف. وقال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد: إني أبِيت معافى، وأحب قيام الليل، وأعِدّ طهوري، فما بالي لا أقوم؟ فقال الحسن: ذنوبك قيدتْك. وقال ﵀: إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل، وصيام النهار. وقال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل، وصيام النهار، فأعلم أنك محروم مكبّل، كبلتك خطيئتك.
٩- محاسبة النفس وتوبيخها على ترك القيام: فمحاسبة النفس من شعار الصالحين، وسمات الصادقين قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) . قال الإمام ابن القيم: فإذا كان العبد مسئولاً ومحاسباً على كل شيء حتى على سمعه وبصره وقلبه كما قال تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً) فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب.
وقيام الليل عبادة تصل القلب بالله تعالى، وتجعله قادراً على التغلب على مغريات الحياة الفانية، وعلى مجاهدة النفس في وقت هدأت فيه الأصوات، ونامت العيون وتقلب النّوام على الفرش. ولذا كان قيام الليل من مقاييس العزيمة الصادقة، وسمات النفوس الكبيرة، وقد مدحهم الله وميزهم عن غيرهم بقوله تعالى: (أمّن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب) .
وقيام الليل سنة مؤكدة حث النبي ﷺ على أدائها بقوله: " عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم مطردة للداء عن الجسد " رواه الترمذي وأحمد.
وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: " أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل "، وقد حافظ النبي ﷺ على قيام الليل، ولم يتركه سفراً ولا حضراً، وقام ﷺ وهو سيد ولد آدم المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر حتى تفطّرت قدماه، فقيل له في ذلك فقا: " أفلا أكون عبداً شكوراً " متفق عليه.
وهكذا كان حال السلف الكرام عليه رحمة الله تعالى؛ قال أبو الدرداء ﵁: صلوا ركعتين في ظلم الليل لظلمة القبور. وقال أحمد بن حرب: عجبت لمن يعلم أن الجنة تزيّن فوقه، والنار تضرم تحته، كيف نام بينهما. وكان عمر بن ذر إذا نظر إلى الليل قد أقبل قال: جاء الليل، وللّيل مهابة، والله أحق أن يهاب، ولذا قال الفضيل بن عياض: أدركت أقواماً يستحيون من الله في سواد الليل من طول الهجعة إنما هو على الجنب فإذا تحرك قال: ليس هذا لكِ، قومي خذي حظك من الآخرة. وقال الحسن: ما نعلم عملاً أشد من مكابدة الليل، ونفقة المال، فقيل له: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوهاً؟ قال: لأنهم خلو بالرحمن فألبسهم نوراً من نوره.
وكان نساء السلف يجتهدن في قيام الليل مشمرات للطاعة، فأين نساء هذه الأيام عن تلك الأعمال العظام. قال عروة بن الزبير أتيت عائشة ﵂ يوماً لأسلم عليها فوجدتها تصلي وتقرأ قوله تعالى: (فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم) ترددها وتبكي، فانتظرتها فلما مللت من الانتظار ذهبت إلى السوق لحاجتي ثم رجعت إلى عائشة فإذا هي على حالتها الأولى تردد هذه الآية في صلاتها وتبكي. وفي حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: قال لي جبريل: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة. رواه الحاكم، صحيح الجامع ٤٢٢٧. وقامت معاذة العدوية من التابعيات الصالحات ليلة زفافها هي وزوجها صلة بن أشيم يصليان إلى الفجر، ولما قتل زوجها وابنها في أرض الجهاد، كانت تحيي الليل كله صلاة وعبادة وتضرعاً، وتنام بالنهار، وكانت إذا نعست في صلاتها بالليل قالت لنفسها: يا نفس النوم أمامك. وكانت حبيبة العدوية إذا صلت العشاء، قامت على سطح دارها وقد شدت عليها درعها وخمارها، ثم تقول: إلهي، غارت النجوم، ونامت العيون، وغلقت الملوك أبوابها، وبابك مفتوح، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك، ثم تقبل على صلاتها ومناجاتها لربها إلى السحر، فإذا جاء السحر قالت: اللهم هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري هل قبلت مني ليلتي فأهني، أم رددتها علي فأعزي. وقامت عمرة زوج حبيب العجمي ذات ليلة تصلي من الليل، وزوجها نائم، فلما دنا السحر، ولم يزل زوجها نائماً، أيقظته وقالت له: قم يا سيدي، فقد ذهب الليل، وجاء النهار، وبين يديك طريق بعيد وزاد قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا، ونحن قد بقينا.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15328
كيفية تهذيب الغريزة بالصيام
[السُّؤَالُ]
ـ[يتعلق سؤالي بالصيام في غير شهر رمضان المبارك. أعني الصيام عندما تكون لدى المسلم رغبة في الزواج لكنه لا يستطيعه في الوقت الراهن. أعلم أنه يُنصح بالصيام في مثل هذه الحالة، لكن ما هو الحكم الصحيح في ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جاء هذا الدين الحنيف بتهذيب الغرائز حتى لا يبقى الإنسان المسلم المتميز بشخصيته أسيراً لشهواته كالحيوان، وشرع له من الشرائع الواجبة والمستحبة ما يحتمي بها من الآثار السيئة التي تنتج عن الانسياق وراء الشهوات، ومن هذه التشريعات مشروعية الصيام لمن لم يستطع الوصول إلى التصريف الطبيعي لهذه الشهوة من خلال الزواج، كما قال عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود ﵁ (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ شَبَابًا لا نَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) البخاري ٥٠٦٦ مسلم ١٤٠٠.والمراد أن الصوم يخفف من تأثير الشهوة على الشاب.
وهذا الحكم وإن كان مشروعاً لعموم الشباب فإن الحاجة إليه تزداد مع زيادة الفتن وتيسُّر أسباب المنكرات وكثرة المغريات، لاسيما لمن يعيش وسط مجتمعات يكثر فيها التبرج والانحلال، فينبغي الحرص على هذه العبادة للمحافظة على العفة والدين، ويستعين الإنسان مع الصيام بدعاء الله تعالى أن يحفظه في دينه وعرضه وأن ييسر له الزواج الذي يحصن به فرجه، ويستعين كذلك بتذكر ما أعدّه الله تعالى في الجنان من الحور العين لمن استقام على أمره تعالى وحفظ نفسه.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15329
علاقة الذنوب والمعاصي والأخلاق بالعقيدة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الوقوع في الذنوب دليل على فساد في العقيدة أو شبهة في العقيدة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأخلاق الحسنة – وهي التي تكون في ذاتها طاعة، أو تؤدي إلى طاعة - من الدِّين، بل هي الدِّين، وقد أثنى الله تعالى على نبيه محمد ﷺ بأنه على خُلُق عظيم، وفسر ابنُ عباس الخلق هنا بالإسلام.
قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم/٤.
قال ابن عباس ﵄:
أي: " إنك على دين عظيم، وهو الإسلام ". رواه الطبري في " تفسيره " (١٢ / ١٧٩) .
فالصحيح أنه لا انفكاك للخلُق عن الدِّين، قال الفيروزآبادي في كتابه " بصائر ذوي التمييز " (٢ / ٥٦٨) : واعلم أن الدين كلّه خلُق، فمن زاد عليك في الخلُق زاد عليك في الدِّين. انتهى.
ومما لا شك فيه أن للعقيدة ارتباطاً وثيقاً بالسلوك والأخلاق، سلباً وإيجاباً، ويتبين ذلك من خلال أمور، منها:
١. أن المسلم الذي يعتقد أن الله تعالى يسمعه ويبصره ويطلع على سريرته، ويقوى هذا الجانب فيه لا يصدر منه من الأخلاق والأفعال ما يفعله من ضعف اعتقاده في هذه الأمور.
ومما يدل على ذلك:
أ. قوله تعالى (وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) النساء/١٢٨.
ب. وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) النساء/١٣٥.
ج. وقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) النساء/٥٨.
٢. ومنها: أن المسلم الذي يؤمن بوعد الله تعالى ووعيده يدفعه اعتقاده ذاك للقيام بما هو محبوب لله تعالى، والابتعاد عن كل ما هو مبغوض له .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) . رواه الترمذي (١١٦٢) وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ وأبو داود (٤٦٨٢) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
ومن المعلوم أن أحبَّ خلقه إليه المؤمنون، فإذا كان أكملهم إيمانا أحسنهم خلقا: كان أعظمهم محبة له أحسنهم خلقا، والخُلُق الدين كما قال الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى? خُلُقٍ عَظِيمٍ) ، قال ابن عباس: على دين عظيم، وبذلك فسره سفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل، وغيرهما، كما قد بيَّناه في غير هذا الموضع. " الاستقامة " (ص ٤٤٢) .
وقال المباركفوري – ﵀:
قوله: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً) بضم اللام ويسكن؛ لأن كمال الإيمان يوجب حسن الخلق والإحسان إلى كافة الإنسان.
" تحفة الأحوذي " (٤ / ٢٧٣) .
٣. ومنها: أن قوة الإيمان تدفع للقيام بالأعمال الصالحة، وتمنع من التدنس برجس المعاصي والآثام.
ومما يدل على ذلك:
أ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) .
رواه البخاري (٢٣٣٤) ومسلم (٥٧) .
ب. عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ) .
رواه البخاري (٥٦٧٠) .
ج. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الإِيمَانِ) .
رواه البخاري (٢٤) ومسلم (٣٦) .
قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ ﵀: الإِيمَانُ يَبْدُو فِي الْقَلْبِ ضَعِيفًا ضَئِيلا كَالْبَقْلَةِ ; فَإِنْ صَاحِبُهُ تَعَاهَدَهُ فَسَقَاهُ بِالْعُلُومِ النَّافِعَةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَأَمَاطَ عَنْهُ الدَّغَلَ وَمَا يُضْعِفُهُ وَيُوهِنُهُ، أَوْشَكَ أَنْ يَنْمُوَ أَوْ يَزْدَادَ وَيَصِيرَ لَهُ أَصْلٌ وَفُرُوعٌ وَثَمَرَةٌ وَظَلَّ إلَى مَا لا يَتَنَاهَى، حَتَّى يَصِيرَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ. وَإِنْ صَاحِبَهُ أَهْمَلَهُ وَلَمْ يَتَعَاهَدْهُ جَاءَهُ عَنْزٌ فَنَتَفَتْهَا، أَوْ صَبِيٌّ فَذَهَبَ بِهَا، وَأَكْثَرَ عَلَيْهَا الدَغَلَ فَأَضْعَفَهَا، أَوْ أَهْلَكَهَا أَوْ أَيْبَسَهَا؛ كَذَلِكَ الإِيمَانُ!!
وَقَالَ خيثمة بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الإِيمَانُ يَسْمَنُ فِي الْخِصْبِ وَيَهْزُلُ فِي الْجَدْبِ؛ فَخِصْبُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَجَدْبُهُ الذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي!! [نقله ابن تيمية في كتاب "الإيمان" ص (٢١٣) ]
٤. ومنها: أن الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره يمنع من أخلاق سيئة كثيرة، ومعاصي توعد الشرع عليها أشد الوعيد، كالتسخط، وشق الثياب، وتمزيق الشعر، والنياحة، كما أن هذا الإيمان يدعو صاحبه للتحلى بفضائل الأخلاق ومعاليها، كالصبر، والرضا، والاحتساب.
عَنْ صُهَيْبٍ الرومي ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) . رواه مسلم (٢٩٩٩) .
وفي سنن أبي داود (٤٧٠٠) : قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ!!
قَالَ: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟!!
قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ!!)
يَا بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي!!) صححه الألباني.
٥. ومنها: أن الشرع حث على كثيرٍ من الطاعات مؤكدا عليها بارتباطها بالإيمان بالله واليوم الآخر، وحرَّم معاصٍ وموبقات مذكِّراً بالإيمان بالله واليوم الآخر.
ومما يدل على ذلك:
أ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) .
رواه البخاري (٥٦٧٢) ومسلم (٤٧) .
ب. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلاثِ لَيَالٍ إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ) .
رواه البخاري (١٠٣٦) ومسلم (١٣٣٨) – واللفظ له -.
ج. عَن أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) .
رواه البخاري (١٢٢١) ومسلم (١٤٨٦) .
٦. ومنها: أن النبي ﷺ بيَّن في سنَّته أن فساد الاعتقاد – كالنفاق – يؤدي إلى فساد الأخلاق والأعمال.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) .
رواه البخاري (٣٣) ومسلم (٥٩) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (المخالفون لأهل الحديث هم مظنة فساد الأعمال؛ إما عن سوء عقيدة ونفاق، وإما عن مرض في القلب وضعف إيمان؛ ففيهم من ترك الواجبات واعتداء الحدود والاستخفاف بالحقوق وقسوة القلب ما هو ظاهر لكل أحد، وعامة شيوخهم يُرمون بالعظائم، وإن كان فيهم من هو معروف بزهد وعبادة، ففي زهد بعض العامة من أهل السنة وعبادته ما هو أرجح مما هو فيه!!
ومن المعلوم أن العلم أصل العمل، وصحة الأصول توجب صحة الفروع، والرجل لا يصدر عنه فساد العمل إلا لشيئين: إما الحاجة وإما الجهل؛ فأما العالم بقبح الشيء الغني عنه فلا يفعله؛ اللهم إلا من غلب هواه عقله، واستولت عليه المعاصي، فذاك لون آخر وضرب ثان!!) مجموع الفتاوى (٤/ ٥٣) .
نسأل الله تعالى أن يصلح شأننا كله، وأن يهدينا لأحسن الأقوال والأفعال والأخلاق.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15330
ترك الصلاة سبب كل ضيق
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة عمري ٢٣ سنة، الصراحة أنا لا أصلي، وإن قمت للصلاة لا أصلي كل الفروض، والصراحة أنا أستمع للأغاني، ولكن - والله شاهد - أن هذا الموضوع يسبب لي حالة نفسية، أريد الصلاة، وأريد أن أطيع الله، وأنا أخافه، أنا أعتز بكوني مسلمة، وربي هو الله وحده لا شريك له، وأحب الحبيب المصطفى وسيرته، وأتأثر عند سماع قصصه، الحمد لله، أكرمني الله بأن ذهبت إلى العمرة هذه السنة، وكنت فرحة لهذا، ولكني أحس أني جاحدة، أو لا فرق بيني وبين الكافرين لأني لا أصلي، حاولت كثيراً أن أداوم على الصلاة، لكن لا أدري لماذا يحدث معي هذا، مع العلم أني كنت لفترة طويلة جدّاً لا أصلي أبداً، وأحس أيضاً أني أجهل أموراً كثيرة بالدِّين، وأشعر أيضاً أن الله لن يتقبل مني أي عمل كان: صلاة أو زكاة أو عمرة أو غير ذلك من أمور الدين الإسلامي، وأن مثواي لا محالة النار، أحتاج إلى من يأخذ بيدي، ينصحني، ينتشلني من حالة الضياع التي أنا فيها، أكره كوني على هذه الحالة!!
وفوق كل هذا هناك مشكلة أخرى، وهي أني أشعر أني لم أصم أياما من رمضان، وأنا لا أعاني من أي شيء، أي لا يوجد هناك مانع من الصوم!!
والصراحة أني لست متأكدة إن كانت أياما من رمضان أو كانت من أيام شوال الستة، فعندنا عادة في منزلنا أن نصوم هذه الأيام الست كل سنة، فاختلطت الأمور علي، وهذه المشكلة حدثت لي في الفتره التي كنت فيها بعيدة عن الله، وأنا أعلم أنه من أفطر رمضان بدون سبب لا يقبل الله له صوما، وعليه كفارة، فماذا أفعل؟
أرجوك ساعدني وأفدني، أرجوك، أنا يائسة جدّاً، جعله الله في ميزان حسناتك إن شاء الله، وجزاك عن المسلمين جميعاً خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا بد – أختي الفاضلة – أن تُحَدِّدِي أولا مكان المشكلة ثم تنطلقي في العلاج، وإن طلبتِ منَّا المساعدة في تحديدها فسنقول لكِ: المشكلة في نفسك أنتِ وليس في شيءٍ آخر! ولن تكون المساعدة التي يقدمها لك الآخرون نافعة حتى تأخذي أنتِ بنفسكِ إلى النجاة.
والمشاعر التي بثثتِيها في سؤالك تدل على أن مقومات الاستقامة والصلاح موجودةٌ فيك، فإن المؤمن هو الذي يحاسب نفسه ويعاتبها، ويبدو أنك تقومين بذلك.
والمؤمن يخاف تقصيره وذنوبه، ويراها كأنها جبل يوشك أن يقع عليه، ويظهر أنك تشعرين بذلك أيضا.
والمؤمن يرتفع بإسلامه وإيمانه، ويعتز بانتسابه إلى هذا الدين العظيم، ويحب نبيه الكريم محمداً ﷺ ، ورسالتك تنضح بذلك؟!!
إذاً فكيف اجتمعت هذه الصفات مع التقصير في أعظم واجبات الدين، وهي الصلاة؟!
ليس عندنا تفسير لذلك سوى سوء إدارة النفس وضعف التحكم فيها، وإلا فأداء الصلاة لا يستغرق جهدا ولا وقتا، ما هي إلا دقائق يخلو فيها المرء بربه، يناجيه بحاجته، ويبث إليه ثقل الدنيا، ويشكو إليه شوقه إليه وإلى رحمته.
فإذا كانت أنفسنا لا تحتمل الالتزام بهذه الدقائق المعدودة، فلا أظننا ننجح في حياتنا أبدا، فإن قيادة النفس تحتاج إلى شيء من العزم والحزم، ونحن المسلمين لم يكلفنا ربنا فوق طاقتنا، بل لم يكلفنا ما يشق علينا، وهو سبحانه يحب أن يتوب علينا ويخفف عنا.
قال : (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) البقرة/١٨٥
وقال سبحانه: (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً. يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً) النساء/٢٦-٢٨
والصلاة رحمة فرضها الله علينا من جوده وكرمه، من حافظ عليها وقام بحق القيام بها: رأى فضل الله تعالى علينا حين كتبها علينا، وعرف أن الإنسان المحروم هو الذي حرم نفسه لذة الصلة بالله سبحانه.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(الصَّلَاةُ خَيرٌ مَوضُوعٌ، فَمَنِ استَطَاعَ أَن يَستَكثِرَ فَلْيَستَكثِرْ)
رواه الطبراني (١ / ٨٤) وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (٣٩٠) .
وانظري كيف عقب الله تعالى آيات فرض الطهارة للصلاة بقوله:
(مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة/٦.
والنبي المصطفى ﷺ ، الذي تحبينه وتحبين سيرته كان يقول:
(جُعِلَت قُرَّةُ عَينِي فِي الصَّلَاةِ) رواه النسائي (٣٩٤٠) وحسنه الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " (٣ / ١١٦) وصححه الألباني في " صحيح النسائي ".
فكيف يرضى المؤمن لنفسه أن تفوته تلك الخيرات والبركات؟.
قال ابن القيم ﵀:
فواأسفاه وواحسرتاه كيف ينقضي الزمان وينفذ العمر والقلب محجوب ما شم لهذا رائحة، وخرج من الدنيا كما دخل إليها، وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيش البهائم، وانتقل منها انتقال المفاليس، فكانت حياته عجزاً، وموته كمداً، ومعاده حسرة وأسفاً، اللهم فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك.
" طريق الهجرتين " (ص ٣٢٧) .
ولا أذكر لك هذا الكلام لأزيد اليأس الذي تشعرين به، إنما كي تسعي جاهدة للتخلص منه، فهو لم يصبك إلا لعجزك عن أداء أسهل الفرائض، فعرفتِ أنكِ عن سواها أعجز.
ويجب أن لا تجعلي في حياتك مجالاً لليأس في جنب الله؛ ويجب أن تعلمي أنه سبحانه يكره القنطين: (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) الحجر/٥٦، ويحب عباده المستبشرين برحمته وفضله، ومن سعة كرمه أنه يغفر السيئات، ويصفح عن الزلات، بل قال : (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً. وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً) الفرقان/٧٠-٧١، وقد قال بعض الحكماء: " لا يأتي بالأمل إلا العمل "، ولن يخرجك من حالة اليأس التي أوقعك الشيطان فيها إلا البدء بالعمل، ومحاولة الالتزام بالاستقامة،
ولو تخللها في البداية بعض النقص.
قال الله تعالى: (وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) ؛ فإن الرجاء يوجب للعبد السعي والاجتهاد فيما رجاه، والإياس: يوجب له التثاقل والتباطؤ، وأولى ما رجا العباد، فضل الله وإحسانه، ورحمته، وروحه.
" إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون "؛ فإنهم ـ لكفرهم ـ يستبعدون رحمته، ورحمته بعيدة منهم، فلا تتشبهوا بالكافرين. ودل هذا على أنه بحسب إيمان العبد، يكون رجاؤه لرحمة الله وروحه." تفسير ابن سعدي.
وأول ما يجب أن تبدئي به أن توجدي في نفسك همّاً كبيراً وحرصا عظيما للمحافظة على الصلاة، كما هو الهم الذي تستشعرينه لأمور الدنيا الأخرى من طعام وشراب ودراسة وزواج ونحو ذلك، فإن كل عمل يسبقه اهتمام وتفكر، وقد كان بعض السلف يجاهد نفسه على الإكثار من نوافل الصلاة مجاهدة عظيمة، حتى قال ثابت البناني ﵀: كَابَدتُ الصلاة [يعني: قيام الليل] عشرين سنة، واستمتعت بها عشرين سنة.
ولا يكفي هذا الفكر والاهتمام حتى يقوم بموازاته فكر واهتمام بوسائل المحافظة على الصلاة، وكيف تحتالين على نفسك حتى تلتزم بما فرض الله تعالى، والإنسان يملك قدرة كبيرة في حسن اختيار الأساليب التي تعينه على ما يريد.
احرصي أن تقومي مباشرة إذا سمعت صوت المؤذن بالتكبير، واستشعري أنه سبحانه أكبر من كل الدنيا التي أنت منشغلة بها، ثم اعمدي إلى محرابك لتصلي ما كتب الله لك، ولا تنسي أن تقولي الدعاء الذي علمنا إياه نبينا ﷺ دبر كل صلاة: (اللهم أعِنِّي على ذِكْرِك وشُكْرِك وحُسْنِ عِبادتِك) .
وقد ذكرتِ أنكم أهل بيت حريصون على صيام الست من شوال، وهذه أمارة صلاح وإحسان تعينك على أداء الصلاة في وقتها، حين ترين الوالدة والإخوة يقيمونها في وقتها، واحمدي الله تعالى على ذلك، فكم من شكاوى تأتي من أبناء يضربهم أهلهم على ترك الصلاة وخلع الحجاب، وأنت قد أكرمك الله تعالى بالأهل الذين يعينونك على تقوى الله تعالى.
صاحبي الفتيات المصليات المستقيمات، واطلبي منهن العون على الصلاة، وتذكيرك بها، والتواصي عليها، وقد يكون ذلك خير معين لك.
وأخيرا احذري المعاصي، فهي أساس كل داء، والمعصية تأتي بأختها وهكذا حتى تجتمع على الإنسان فتهلكه، فتثقل العبد عن صلاته، وتحرمه من نورها وبركتها، نسأل الله السلامة.
قال ابن القيم ﵀:
المعاصي تزرع أمثالها، وتولد بعضها بعضا، حتى يعِزَّ على العبد مفارقتُها والخروج منها، كما قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها.
" الجواب الكافي " (ص ٣٦) .
ثانيا:
أما سؤالك عن صيام رمضان، وأنك تشكين في تركك صيام أيام منه من غير عذر، فنقول لك: لا تلتفتي لهذه الشكوك، إذ يبدو أن الغالب على ظنك أنك أديت تلك العبادة في وقتها مع أسرتكِ، وغلبة الظن كافية لبراءة الذمة، ولا عبرة بالشك بعد ذلك.
وفي " فتاوى اللجنة الدائمة " (٧ / ١٤٣) :
الشك بعد الانتهاء من الطواف والسعي والصلاة لا يلتفت إليه؛ لأن الظاهر سلامة العبادة.
انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
إذا كان الشك بعد انتهاء العبادة: فإنه لا يلتفت إليه، ما لم يتيقن الأمر.
" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (١٤ / السؤال رقم ٧٤٦) .
ثم إن ترك الصيام بغير عذر لا يوجب القضاء ولا الكفارة، وإنما يوجب التوبة والاستغفار، كما سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٥٠٠٦٧) .
أسأل الله تعالى أن يكتب لك أجرك، وأن يثبت قلبك على الحق والدين، وأن يعيذك من الشيطان الرجيم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15331
هل يجوز لمن فاتته بعض الطاعات أن يلزم نفسه بعبادات معينة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل إذا قيدت لنفسي عدداً ما من الاستغفار والصلاة على النبي ﷺ كعقاب لأي معصية أو تفريط، كل حسب حجمه من قبيل محاسبة النفس، ومن باب (إن الحسنات يذهبن السيئات) .
مثال ذلك: إذا فاتني ترديد الأذان أو السنة الراتبة أو الضحى مثلاً فالعقاب من الاستغفار والصلاة على النبي ﷺ ثلاثاً إذا فاتني تكبيرة الإحرام مثلاً فخمساً إذا فاتني الخشوع أو جلسة الإشراق أو الذكر (المقيد أو المطلق) فسبعاً إذا فاتني قيام الليل أو ورد القرآن أو درس العلم، فعشراً إذا فاتني الفرض، فمائة، وهكذا هل يعد ذلك بدعة؟ وإذا كان ذلك كذلك فما البديل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قد ذكر الله تعالى في كتابه " النفس اللوامة "، وهي النفس التي تلوم صاحبها إن قصَّر في طاعة، وتلومه إن فعل محذوراً.
وقد وقع لكثير من السلف أن فاتهم خير فلاموا أنفسهم، ورأوا أن يهذبوا تلك النفوس بمزيد من الطاعة والعبادة، ومنهم من وقع في محذور ففعل الأمر نفسه.
ومن خلال النظر في فعلهم يتبين لنا أنهم لم يخالفوا الشرع في ذلك، فبعضهم من الصحابة، وفعل ذلك في عهد التنزيل، وبعضهم من أئمة العلم والفتوى وقد رأوا أن ذلك غير مخالف لشرع الله تعالى.
وبالتأمل في تهذيبهم لأنفسهم بطاعة وعبادة نجد أنهم لم يقعوا فيما وقع فيه غيرهم من غير أهل العلم من أهل السنة، فهم لم يُحِّملوا أنفسهم فوق طاقتهم، ولم يتسببوا في أذى أو ضرر أبدانهم بحرق أو كسر، وكان فعلهم أشبه بنذر التبرر، وهو أن يلزم المسلم نفسه بعبادة لم يأمره الله تعالى بها، دون أن يكون ذلك معلَّقاً بشفاء أو نجاح أو غيرهما.
ومن أمثلة ذلك:
١. ما رواه الإمام أحمد (١٨٩٣٠) – وحسنه شعيب الأرناؤط (٤ / ٣٢٣) - في قصة صلح الحديبية، ومراجعة عمر بن الخطاب ﵁ للنبي ﷺ في بنود الصلح، وعلمه بأنه لم يكن له أن يفعل ذلك، فقد قال ﵁: (ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة من كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيراً) .
٢. ما رواه البخاري (٥٧٢٥) عن عائشة ﵂ من نذرها أن لا تكلم عبد الله بن الزبير، وقد شفع له المِسوَر بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود، فأدخلاه عليها – وهي خالته – فاعتنق عائشة وطفق يناشدها ويبكي، وما زالا بها حتى كلمته، وأعتقت في نذرها أربعين رقبة.
٣. وكان ابن عمر ﵄ إذا فاتته صلاةٌ في جماعة أحيا تلك الليلة.
٤. وفاتت ابنَ أبي ربيعة ركعتا سنة الفجر فأعتق رقبة.
٥. وقال حرملة: سمعت عبد الله بن وهب يقول: نذرتُ أني كلما اغتبت إنسانا أن أصوم يوماً، فأجهدني، فكنت أغتاب وأصوم، فنويت أني كلما اغتبت إنساناً أن أتصدق بدرهم، فمِن حب الدراهم تركت الغيبة.
قال الذهبي – معلقاً -: هكذا والله كان العلماء، وهذا هو ثمرة العلم النافع.
" سير أعلام النبلاء " (٩ / ٢٢٨) .
٦. وعن عبد الله بن عون أن أمه نادته فأجابها فعَلا صوتُه صوتَها، فأعتق رقبتين.
" سير أعلام النبلاء " (٦ / ٣٦٦) .
وقد ذكرنا فوائد أخر في هذه المسألة في جواب السؤال رقم (٢٧٠٨٢) فلينظر.
ونرى أنه لا ينبغي تحديد عدد معين من الذكر لكل عبادة مما ذكر في السؤال والالتزام بهذا العدد دائما، وأما تحديد ذلك لمرة فلا بأس، وهو يشبه من نذر صوم عدد معين من الأيام أو الصدقة بمبلغ معين، وأما جعل ذلك فعلاً مستمراً: فالظاهر عدم جوازه، وينبغي لك الإكثار من ذكر الله تعالى والاستغفار والصلاة على النبي ﷺ على كل حال، ولا يكون ذلك مقيداً بالتقصير في طاعة من الطاعات.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15332
تريد النصيحة للمسلمات اللاتي يعشن في الغرب
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا امرأة مسلمة أعيش في دولة أجنبية مع زوجي لطلب العيش، أرجو أن تذكروا الالتزامات والقواعد والواجبات التي يجب على المرأة المسلمة الالتزام بها وتحافظ عليها؛ وذلك لكثرة عدد المسلمات في الدول الأجنبية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١. أول ما يجب عليكم هو ترك تلك الديار الكافرة؛ لأن النبي ﷺ بَرِئ ممن أقام بين أظهر المشركين، ولذلك فإنه يحرم عليكم البقاء في بلاد الكفر، وخاصة أنكم فيها من أجل العمل، وليس هذا من الأعذار الشرعية التي تجيز لكم البقاء فيها.
انظر السؤال (١٣٣٦٣) و (٢٧٢١١) عن تحريم الإقامة في بلاد الكفر، وشروط جواز ذلك في بعض الحالات.
٢. وعليكم أن تختاروا من البلاد الإسلامية الأقرب إلى الستر والعفاف والاستقامة على الدين، ومن المعلوم أن البلاد الإسلامية تتفاوت فيما بينها في هذه الأمور، وليست كل البلاد يمكنكم الإقامة فيها – للأسف – بل يتبع هذا لجنسيتكم وقوانين البلد.
٣. فإن لم يحصل منكم مغادرة لتلك البلاد: فعليكن بتقوى الله تعالى، والاستقامة على أمره في كل شئونكن، وأول ذلك: الحرص على أسركن من التفكك والضياع في تلك البلاد التي تساهم في هذا، فيجب عليكن الاهتمام بأولادكن ذكوراً وإناثاً وتربيتهم تربية إسلامية وربطهم بالتاريخ الإسلامي وتعليمهم الأحكام الشرعية، وتقوية اللغة العربية عندهم.
٤. يجب أن يكون مكان سكن الأسر المسلمة بعيداً عن أماكن الفجور والانحلال، ولا بدَّ من اجتماع الأسر المسلمة المحافظة في مكان واحد من أجل أن يقوِّي أحدهم الآخر، ويعين بعضهم بعضاً على طاعة الله تعالى، ويساهمون بالتالي في حسن تربية أنفسهم وأبنائهم.
٥. يحرم عليكن ترك الحبل على غاربه في علاقات أولادكم بأولاد الكفار، ولا يجوز لكم تمكينهم من مشاهدة البرامج والأفلام الهابطة التي تدمر الأخلاق، كما يجب الاهتمام بقراءاتهم ومراقبتها حتى لا تضل أفكارهم أو يفقدوا دينهم.
٦. ينبغي أن يكون لكم في أسرتكم أوقات محددة ولو كانت قصيرة تلتقي فيها الأسرة جميعها لمتابعة بعضهم بعضا، وللوقوف على مشاكل كل واحد من الأسرة قبل تفاقمها وصعوبة أو استحالة حلها.
٧. كما يجب عليكن حسن اختيار الصحبة للأسر التي تختلطون بها؛ خشية أن يكون لبعضهم تأثير سلبي على أفراد أسرتكم فتضيع جهودكم في التربية والتوجيه.
٨. عليكن تبغيض هذه الحضارة وأخلاقها في نفوس أولادكم، وإعلامهم بمخالفتها للشرائع والفطَر السليمة، وضرب الأمثلة على ذلك، وربطهم بالحضارة الإسلامية وأخلاقها، وتنبيههم على أن بقاءكم في تلك الديار لن يطول.
٩. وعليكن بكثرة زيارة البلد الله الحرام مكة المكرمة، فاحرصوا على الحج كل عام، وعلى العمرة أكثر من مرَّة في العام الواحد إن تيسر تقويةً لإيمانكم وتعليقاً لقلوب أولادكم بالإسلام والمسلمين، وللأسف نرى تقصيراً واضحاً من الجاليات المسلمة في بلاد الكفر في هذا الجانب.
١٠. تكوين مكتبة إسلامية من كتب وأشرطة وأقراص إسلامية لربط أفراد الأسرة بدينهم، وتسهيل الرجوع إلى معرفة الأحكام الشرعية، وإغلاق طرق التضليل التي تساهم في تجهيلهم وإفسادهم، وحبذا أن يكون لقناة " المجد " حضور في بيوتكم لما تقدمه من علم نافع، ولحرصهم أن لا يكون فيها نساء ولا موسيقى، وكذا ربطهم بالمواقع المفيدة في الإنترنت.
والحقيقة أن النصائح كثيرة، وكثرتها إنما هو بسبب كثرة ما في تلك الديار الكافرة من ضلال وانحلال وتفسخ وتهتك، وتحتاج كل جوانب الحياة لنصح وتوجيه وإرشاد، ولكن ما قلناه أولاً يوفر كثيراً من النصائح وهو الخروج من تلك الديار إلى بلاد الإسلام، ومن بقي في تلك الديار فليعلم أن الله تعالى سائله عن رعيته يوم القيامة، فليعد للسؤال جواباً، ونسأل الله تعالى أن يسهل لكم الخروج من تلك الديار، وأن يثبتكم على الإسلام والهداية والتوفيق والرشاد، وأن يصلح لكم ذريتكم، ويجعلهم دعاة للإسلام.
ونرجو الرجوع إلى السؤال رقم (٤٢٣٧) : ففيه زيادة بيان حول المحافظة على الأبناء وأفكارهم في الغرب.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15333
كيف يوفق المسلمون بين العمل للآخرة والعمل للدنيا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[في هذا العالم إذا كرس المسلمون جميع أوقاتهم وأفعالهم لما ينفع في اليوم الآخر ولم ينخرطوا في أي من الأعمال الدنيوية، فكيف سيساهمون فيما فيه نفع الحضارة والإنسانية مثل التكنولوجيا والعلم والاختراع؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
دين الإسلام هو خاتم الأديان، وإن مِن أهم خصائص هذا الدين أنه دين ينظم الحياة كلها , فالإسلام دين الدنيا والآخرة , قال الله : (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الأنعام/١٦٢، وفي دعاء المسلمين في مواضع متفرقة يقولون: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) ، فهذا دين الله الكامل والشامل والجامع، جمع بين حق الله وحق العبد، وبين أمر الدنيا وأمر الآخرة.
وإن ادِّعاء أن الإسلام جاء بالرهبانية ادعاء باطل، بل الرهبانية في دين النصارى المحرَّف، وأخذها عنهم بعض مبتدعة المسلمين كالصوفية، أما أهل السنة والجماعة الذي أخذوا الدين من نبعه الصافي، وفهموه على وجهه الصحيح فإنهم يعتقدون أن الدنيا معبر إلى الآخرة، وأن الإنسان لا ينبغي له أن يتعلق بالدنيا على حساب الآخرة، فهم جعلوا الآخرة هي محط أنظارهم لأنها الحياة الأبدية الخالدة، فالعمل ينبغي أن يكون من أجلها لا من أجل حياة قصيرة فانية، وليس معنى هذا أن لا يعملوا في الدنيا ولا يعمروا الأرض، بل إن المسلمين بلغوا في مجالات العلم النظرية والعملية أعلى المنازل، وكانت الحضارات تتبع المسلمين في تقدمهم وعلومهم، ولا تزال بعض الجامعات الغربية العريقة تعترف بهذا وتدرِّس كتاباً للمسلمين في مناهجهم.
قال الفيلسوف الفرنسي " جوستاف لوبون " في كتابه " حضارة العرب ":
هل يتعين أن نذكر أن العرب - والعرب وحدهم - هم الذين هدونا إلى العالم اليوناني والعالم اللاتيني القديم، وأن الجامعات الأوربية ومنها جامعة باريس عاشت مدة ستمئة عام على ترجمات كتبهم وجرت على أساليبهم في البحث، وكانت الحضارة الإسلامية من أعجب ما عرف التاريخ " انتهى.
والمسلمون ليسوا كغيرهم، فإنهم لما كانوا متمسكين بدينهم كانوا سابقين – أيضاً – في الدنيا، ولما تركوا دينهم وتخلوا عنه صاروا تبعاً لغيرهم وعالة عليهم، والنصارى لما كانوا متمسكين بدينهم المحرَّف كانوا متخلفين في دنياهم، ولما قاموا على كنائسهم حرقاً وعلى رهبانهم قتلاً وفصلوا الدين عن الدنيا تقدموا في دنياهم وعلومها، فالمسلمون يدفعهم دينهم إلى التقدم، ويتأخرون بتأخرهم عن دينهم، والنصارى تخلفوا لما تمسكوا بدينهم المحرَّف، لأنه لا يمكن لدين حرفه العباد أن يؤدي إلى التقدم، وتقدموا لما تخلوا عنه، فأي المنهجين يدعو لعمارة الدنيا ويسعى في تقدمه في العلوم وإسعاد الناس في الدنيا والآخرة؟
والآيات والأحاديث التي تحث المسلم على عمارة الأرض بالزراعة والصناعة كثيرة، وقد فهم المسلمون ذلك فسارعوا إلى العمل على هذه العمارة دون أن يؤثر ذلك على عبادتهم وطاعتهم، ودون أن يروا أن بين الدين والدنيا تضادّاً وتنافراً، والمحذور في هذه العمارة هو أن ينشغل المسلم بها عن واجبات دينه وطاعة ربه.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) رواه البخاري (٢١٩٥) ومسلم (١٥٥٣) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
وفي الحديث: فضل الغرس والزرع والحض على عمارة الأرض , ويستنبط منه اتخاذ الضيعة والقيام عليها، وفيه فساد قول من أنكر ذلك من المتزهدة، وحُمل ما ورد من التنفير عن ذلك على ما إذا شغل عن أمر الدين , فمنه حديث ابن مسعود مرفوعا: (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا) الحديث , قال القرطبي: يجمع بينه وبين حديث الباب بحمله على الاستكثار والاشتغال به عن أمر الدين , وحمل حديث الباب على اتخاذها للكفاف أو لنفع المسلمين بها وتحصيل ثوابها.
"فتح الباري" (٥/٤) .
والحديث الذي ذكره الحافظ ابن حجر: (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا) رواه الترمذي (٢٣٢٨) وحسَّنه.
قال المباركفوري ﵀:
(الضيعة) هي: البستان والقرية والمزرعة.
(فترغبوا في الدنيا) أي: فتميلوا إليها عن الأخرى , والمراد: النهي عن الاشتغال بها وبأمثالها مما يكون مانعاً عن القيام بعبادة المولى وعن التوجه كما ينبغي إلى أمور العقبى. وقال الطيبي: المعنى لا تتوغلوا في اتخاذ الضيعة فتلهوا بها عن ذكر الله قال تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) .
"تحفة الأحوذي" (٦/٥١١) .
وقد رأينا إنصاف المسلمين ودينهم من بعض الباحثين الغربيين، فاعترفوا بسبق المسلمين في مجالات العلوم الدنيوية المختلفة، وهاهي بعض أقوالهم ليعلم السائل – وغيره – موقع الإسلام من الحضارات الأخرى، وليعلم منهج الإسلام في حثه أتباعه على النظر والتأمل والعمل والإبداع، وسنحرص على تنويع بلدان القائلين واختلاف ثقافاتهم.
١. يقول المفكر الفرنسي " جوستاف لوبون " في كتابه المعروف " حضارة العرب " - ترجمة " عادل زعيتر " -:
" لو أن العرب استولوا على فرنسا: إذن لصارت باريس مثل قرطبة في إسبانيا، مركزاً للحضارة والعلم؛ حيث كان رجل الشارع فيها يكتب ويقرأ، بل ويقرض الشعر أحياناً، في الوقت الذي كان فيه ملوك أوروبا لا يعرفون كتابة أسمائهم "! .
٢. وقالت المستشرقة الألمانية " زيغريد هونكة " - في كتابها المعروف " شمس الله تشرق على الغرب" - انتشار المكتبات في العالم العربي والإسلامي:
" نمت دور الكتب في كل مكان نمو العشب في الأرض الطيبة، ففي عام ٨٩١ م يحصي مسافر عدد دور الكتب العامة في بغداد بأكثر من مئة، وبدأت كل مدينة تبني لها داراً للكتب يستطيع عمرو وزيد من الناس استعارة ما يشاء منها، وأن يجلس في قاعات المطالعة ليقرأ ما يريد، كما يجتمع فيها المترجمون والمؤلفون في قاعات خصصت لهم، يتجادلون ويتناقشون كما يحدث اليوم في أرقى الأندية العلمية ".
وكتاب " شمس الله تشرق على الغرب " في النص الألماني معناه: نور الإسلام يضيء الحضارة الغربية، والكتاب مليء بأسماء مبدعين مسلمين عرب وغير عرب.
٣. واقرأ هذا الكلام لحكيم روسي وهو يبين أن هذا الدين فيه ما خدم الإنسانية، وقاد إلى الرقي والمدنية.
وقال تولستوي الحكيم الروسي:
" ومما لا ريب فيه أن النبي محمداً كان من عظام الرجال المصلحين الذين خدموا المجتمع الإنساني خدمة جليلة، ويكفيه فخراً أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق، وجعلها تجنح للسكينة والسلام وتؤثر عيشة الزهد، ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية، وفتح لها طريق الرقي والمدنية، وهو عمل عظيم لا يقوم به إلا شخص أوتي قوة، ورجل مثل هذا جدير بالاحترام والإكرام ".
٤. وقال الدكتور النمساوي شبرك:
" إنّ البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها، إذ إنّه رغم أُمّيته استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أنْ يأتي بتشريع، سنكونُ نحنُ الأوروبيين أسعد ما نكون إذا توصلنا إلى قمّته ".
٥. وفي باب الطب والجراحة كان للمسلمين دورٌ لا يُنكر.
يقول الكاتب البريطاني هـ. ج. ويلز في كتابه " معالم تاريخ الإنسانية ":
" وتقدموا في الطب أشواطا بعيدة على الإغريق، ودرسوا علم وظائف الأعضاء، وعلم تدبير الصحة، ... ولا يبرح كثير من طرق العلاج عندهم مستعملا بين ظهرانينا إلى اليوم، وكان لجراحيهم دراية باستعمال التخدير، وكانوا يجرون طائفة من أصعب الجراحات المعروفة، وفي ذات الوقت التي كانت الكنيسة تحرم فيه ممارسة الطب انتظاراً منها لتمام الشفاء بموجب المناسك الدينية التي يتولاها القساوسة: كان لدى العرب علم طبي حق " انتهى.
بل ويقول – أيضاً -:
"كل دين لا يسير مع المدنية فاضرب به عرض الحائط، ولم أجد ديناً يسير مع المدنية أنَّى سارت سوى دين الإسلام " انتهى.
والشهادات أكثر من أن تحصى، وأردنا بذكر بعضها التدليل على ما قلناه من كلام غير المسلمين، وقد اخترنا أناساً لا يمكن تواطؤهم على الكذب، فهم من دول مختلفة، ومن ثقافات مختلفة، بل ومن أديان وحضارات مختلفة، وفي كل ما ذكرناه عنهم بيان لما كان عليه المسلمون – ويجب أن يبقوا عليه – من تقدم وازدهار في العلوم المدنية ومن السعي في الإنسانية للرقي بحياتها في مختلف المجالات، وكان المسلمون مع بروزهم في هذه المجالات متقدمين – كذلك – في العلوم الدينية والعبادات والطاعات لربهم ، وتاريخ هذا الدين يشهد بالحركة العظيمة في التأليف في المجال الشرعي المتعلق بالقرآن والسنة، ويشهد بنماذج عالية لعبَّاد وزهَّاد لم تمنعهم عبادتهم ولم يمنعهم زهدهم من أن يكونوا علماء في الشرع أو علماء في علوم دنيوية.
وثمة أسماء لامعة لعلماء مسلمين في مجالات متعددة لا يُنكِر علمَهم وتقدمَهم إلا جاهل أو مكابر، ومنهم: ابن النفيس والزهراوي في الطب، وابن الهيثم في الرؤية والضوء، والخوارزمي في الرياضيات، وغيرهم كثير كثير.
وفي نهاية الجواب نتمنى أن تطلع على هذه المحاضرة والتي هي بعنوان " عمل الدنيا لا ينافي عمل الآخرة " وستجد فيها المزيد مما تستفيد منه وتفيد غيرك به، وهي مفرغة تحت هذا الرابط:
http://www.islamdoor.com/k/٣٦٤.htm
ونسأل الله أن يهدي المسلمين لدينهم، وأن يوفقهم للعمل بما أمروا به، وأن يهدي كل باحث عن الحقيقة ساعٍ في طلبها، راغبٍ في الهداية.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15334
الامتناع عن عمل الخير خوفاً من الرياء
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي حدود الامتناع عن عمل الخير خوفا من الرياء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجب أن يُعلم أن الشيطان حريص على إيقاع المسلم في أحد أمرين: إما أن يجعله يعمل العمل رياءً وسمعة، ولا يخلص فيه لله، وإما أن يجعله يترك العمل بالكلية.
والمسلم الصادق في نيته لا يهمه ما يلقيه الشيطان من وساوس في عمله وأنه لغير الله، ولا يهمه ما يلقيه الشيطان من وساوس ليترك الطاعة تخويفاً له من الرياء، فإن القلب الصادق المطمئن يستوي عند صاحبه العمل في السر والعمل في العلن.
سئل الشيخ ابن باز ﵀:
امرأة تسأل فتقول: إني أخاف من الرياء وأحذره لدرجة أنني لا أستطيع أن أنصح بعض الناس أو أنهاهم عن أمور معينة مثل الغيبة والنميمة ونحو ذلك، فأخشى أن يكون ذلك رياء مني، وأخشى أن يظن الناس فيّ ذلك ويعدوه رياء فلا أنصحهم بشيء، كما أني أقول في نفسي: إنهم أناس متعلمون، وليسوا في حاجة إلى نصح، فما هو توجيهكم؟
فأجاب:
" هذا من مكايد الشيطان، يخذل بها الناس عن الدعوة إلى الله وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك أن يوهمهم أن هذا من الرياء، أو أن هذا يخشى أن يعده الناس رياء فلا ينبغي لك أيتها الأخت في الله أن تلتفتي إلى هذا، بل الواجب عليك أن تنصحي لأخواتك في الله وإخوانك إذا رأيت منهم التقصير في الواجب أو ارتكاب المحرم كالغيبة والنميمة وعدم التستر عند الرجال ولا تخافي الرياء، ولكن أخلصي لله واصدقي معه وأبشري بالخير، واتركي خداع الشيطان ووساوسه، والله يعلم ما في قلبك من القصد والإخلاص لله تعالى والنصح لعباده، ولا شك أن الرياء شرك ولا يجوز فعله، لكن لا يجوز للمؤمن ولا للمؤمنة أن يدع ما أوجب الله عليه من الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفا من الرياء، فعليه الحذر من ذلك، وعليه القيام بالواجب في أوساط الرجال والنساء، والرجل والمرأة في ذلك سواء، وقد بين الله ذلك في كتابه العزيز حيث يقول سبحانه: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) التوبة/٧١.
"فتاوى ابن باز" (٦/٤٠٣) .
وعن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت ... .
رواه مسلم (٢٢٠) .
قال الشيخ ابن عثيمين:
" قال هذا ﵀ لئلا يظن أنه قائم يصلي فيُحمد بما لم يفعل، وهذا خلاف ما عليه بعضهم، يفرح أن الناس يتوهمون أنه يقوم يصلي، وهذا من نقص التوحيد.
وقول حصين ﵀ ليس من باب المراءاة، بل هو من باب الحسنات، وليس كمن يترك الطاعات خوفاً من الرياء؛ لأن الشيطان قد يلعب على الإنسان، ويزين له ترك الطاعة خشية الرياء، بل افعل الطاعة، ولكن لا يكن في قلبك أنك ترائي الناس.
"مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (٩/٨٥، ٨٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15335
ذبل الإيمان في قلبه فماذا يصنع
[السُّؤَالُ]
ـ[نعيش في بلاد عربية إسلامية لكنّا عندنا لم نذق طعم الإيمان فنشكو قلّة أهل الخير الذين يذكّرونا بالله، فجزاكم الله خيراً انصحونا بوصية ننتفع بها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١- عليك بقراءة القرآن كثيراً، والإكثار من الاستماع لتلاوته وتدبر معاني ما تقرأ وما تسمع بقدر استطاعتك، وما أشكل عليك فهمه فاسأل عنه أهل العلم ببلدك أو مكاتبة غيرهم من أهل العلم من علماء السنة.
ويعينك على التدبر قراءة تفسير لما تقرأه من القرآن، وما أخصر التفاسير وأحسنها تفسير السعدي ﵀.
٢- وعليك بالإكثار من ذكر الله بما ورد من الأذكار في الأحاديث الصحيحة مثل " لا إله إلا الله " ومثل " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " ونحو ذلك، وارجع في ذلك إلى كتاب " الأذكار النووية " للنووي وأمثالها.
فإن ذكر الله يزداد به الإيمان وتطمئن به القلوب، قال الله تعالى: (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) سورة الرعد/ ٢٨
وحافظ على الصلاة والصيام وسائر أركان الإسلام مع رجاء رحمة الله، والتوكل عليه في كل أمورك، قال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) سورة الأنفال/٢-٤
واعلم بأن الإيمان يزيد بطاعة الله، وينقص بمعصيته، فحافظ على ما أوجب الله من أداء الصلوات في وقتها جماعة في المسجد، وأداء الزكاة طيبةً بها نفسك طهرة لك من الذنوب ورحمة بالفقراء والمساكين.
وجالس أهل الخير والصلاح ليكونوا عوناً لك على تطبيق الشريعة، وليرشدوك إلى ما فيه السعادة في الدنيا والآخرة.
وجانب أهل البدع والمعاصي لئلا يفتنوك ويضعفوا عزيمة الخير فيك.
وأكثر من فعل نوافل الخير، والجأ إلى الله واسأله التوفيق.
إنك إن فعلت ذلك: زادك الله إيماناً، وأدركت ما فاتك من المعروف، وزادك الله إحساناً واستقامة على جادة الإسلام.
[الْمَصْدَرُ]
" اللجنة الدائمة " (٣/١٨٧) .
следующие страницы →