Полный текст (16 344 стр.). Показаны 15331–15370 · переход к 15336.
стр. 15331
هل يجوز لمن فاتته بعض الطاعات أن يلزم نفسه بعبادات معينة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل إذا قيدت لنفسي عدداً ما من الاستغفار والصلاة على النبي ﷺ كعقاب لأي معصية أو تفريط، كل حسب حجمه من قبيل محاسبة النفس، ومن باب (إن الحسنات يذهبن السيئات) .
مثال ذلك: إذا فاتني ترديد الأذان أو السنة الراتبة أو الضحى مثلاً فالعقاب من الاستغفار والصلاة على النبي ﷺ ثلاثاً إذا فاتني تكبيرة الإحرام مثلاً فخمساً إذا فاتني الخشوع أو جلسة الإشراق أو الذكر (المقيد أو المطلق) فسبعاً إذا فاتني قيام الليل أو ورد القرآن أو درس العلم، فعشراً إذا فاتني الفرض، فمائة، وهكذا هل يعد ذلك بدعة؟ وإذا كان ذلك كذلك فما البديل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قد ذكر الله تعالى في كتابه " النفس اللوامة "، وهي النفس التي تلوم صاحبها إن قصَّر في طاعة، وتلومه إن فعل محذوراً.
وقد وقع لكثير من السلف أن فاتهم خير فلاموا أنفسهم، ورأوا أن يهذبوا تلك النفوس بمزيد من الطاعة والعبادة، ومنهم من وقع في محذور ففعل الأمر نفسه.
ومن خلال النظر في فعلهم يتبين لنا أنهم لم يخالفوا الشرع في ذلك، فبعضهم من الصحابة، وفعل ذلك في عهد التنزيل، وبعضهم من أئمة العلم والفتوى وقد رأوا أن ذلك غير مخالف لشرع الله تعالى.
وبالتأمل في تهذيبهم لأنفسهم بطاعة وعبادة نجد أنهم لم يقعوا فيما وقع فيه غيرهم من غير أهل العلم من أهل السنة، فهم لم يُحِّملوا أنفسهم فوق طاقتهم، ولم يتسببوا في أذى أو ضرر أبدانهم بحرق أو كسر، وكان فعلهم أشبه بنذر التبرر، وهو أن يلزم المسلم نفسه بعبادة لم يأمره الله تعالى بها، دون أن يكون ذلك معلَّقاً بشفاء أو نجاح أو غيرهما.
ومن أمثلة ذلك:
١. ما رواه الإمام أحمد (١٨٩٣٠) – وحسنه شعيب الأرناؤط (٤ / ٣٢٣) - في قصة صلح الحديبية، ومراجعة عمر بن الخطاب ﵁ للنبي ﷺ في بنود الصلح، وعلمه بأنه لم يكن له أن يفعل ذلك، فقد قال ﵁: (ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة من كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيراً) .
٢. ما رواه البخاري (٥٧٢٥) عن عائشة ﵂ من نذرها أن لا تكلم عبد الله بن الزبير، وقد شفع له المِسوَر بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود، فأدخلاه عليها – وهي خالته – فاعتنق عائشة وطفق يناشدها ويبكي، وما زالا بها حتى كلمته، وأعتقت في نذرها أربعين رقبة.
٣. وكان ابن عمر ﵄ إذا فاتته صلاةٌ في جماعة أحيا تلك الليلة.
٤. وفاتت ابنَ أبي ربيعة ركعتا سنة الفجر فأعتق رقبة.
٥. وقال حرملة: سمعت عبد الله بن وهب يقول: نذرتُ أني كلما اغتبت إنسانا أن أصوم يوماً، فأجهدني، فكنت أغتاب وأصوم، فنويت أني كلما اغتبت إنساناً أن أتصدق بدرهم، فمِن حب الدراهم تركت الغيبة.
قال الذهبي – معلقاً -: هكذا والله كان العلماء، وهذا هو ثمرة العلم النافع.
" سير أعلام النبلاء " (٩ / ٢٢٨) .
٦. وعن عبد الله بن عون أن أمه نادته فأجابها فعَلا صوتُه صوتَها، فأعتق رقبتين.
" سير أعلام النبلاء " (٦ / ٣٦٦) .
وقد ذكرنا فوائد أخر في هذه المسألة في جواب السؤال رقم (٢٧٠٨٢) فلينظر.
ونرى أنه لا ينبغي تحديد عدد معين من الذكر لكل عبادة مما ذكر في السؤال والالتزام بهذا العدد دائما، وأما تحديد ذلك لمرة فلا بأس، وهو يشبه من نذر صوم عدد معين من الأيام أو الصدقة بمبلغ معين، وأما جعل ذلك فعلاً مستمراً: فالظاهر عدم جوازه، وينبغي لك الإكثار من ذكر الله تعالى والاستغفار والصلاة على النبي ﷺ على كل حال، ولا يكون ذلك مقيداً بالتقصير في طاعة من الطاعات.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15332
تريد النصيحة للمسلمات اللاتي يعشن في الغرب
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا امرأة مسلمة أعيش في دولة أجنبية مع زوجي لطلب العيش، أرجو أن تذكروا الالتزامات والقواعد والواجبات التي يجب على المرأة المسلمة الالتزام بها وتحافظ عليها؛ وذلك لكثرة عدد المسلمات في الدول الأجنبية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١. أول ما يجب عليكم هو ترك تلك الديار الكافرة؛ لأن النبي ﷺ بَرِئ ممن أقام بين أظهر المشركين، ولذلك فإنه يحرم عليكم البقاء في بلاد الكفر، وخاصة أنكم فيها من أجل العمل، وليس هذا من الأعذار الشرعية التي تجيز لكم البقاء فيها.
انظر السؤال (١٣٣٦٣) و (٢٧٢١١) عن تحريم الإقامة في بلاد الكفر، وشروط جواز ذلك في بعض الحالات.
٢. وعليكم أن تختاروا من البلاد الإسلامية الأقرب إلى الستر والعفاف والاستقامة على الدين، ومن المعلوم أن البلاد الإسلامية تتفاوت فيما بينها في هذه الأمور، وليست كل البلاد يمكنكم الإقامة فيها – للأسف – بل يتبع هذا لجنسيتكم وقوانين البلد.
٣. فإن لم يحصل منكم مغادرة لتلك البلاد: فعليكن بتقوى الله تعالى، والاستقامة على أمره في كل شئونكن، وأول ذلك: الحرص على أسركن من التفكك والضياع في تلك البلاد التي تساهم في هذا، فيجب عليكن الاهتمام بأولادكن ذكوراً وإناثاً وتربيتهم تربية إسلامية وربطهم بالتاريخ الإسلامي وتعليمهم الأحكام الشرعية، وتقوية اللغة العربية عندهم.
٤. يجب أن يكون مكان سكن الأسر المسلمة بعيداً عن أماكن الفجور والانحلال، ولا بدَّ من اجتماع الأسر المسلمة المحافظة في مكان واحد من أجل أن يقوِّي أحدهم الآخر، ويعين بعضهم بعضاً على طاعة الله تعالى، ويساهمون بالتالي في حسن تربية أنفسهم وأبنائهم.
٥. يحرم عليكن ترك الحبل على غاربه في علاقات أولادكم بأولاد الكفار، ولا يجوز لكم تمكينهم من مشاهدة البرامج والأفلام الهابطة التي تدمر الأخلاق، كما يجب الاهتمام بقراءاتهم ومراقبتها حتى لا تضل أفكارهم أو يفقدوا دينهم.
٦. ينبغي أن يكون لكم في أسرتكم أوقات محددة ولو كانت قصيرة تلتقي فيها الأسرة جميعها لمتابعة بعضهم بعضا، وللوقوف على مشاكل كل واحد من الأسرة قبل تفاقمها وصعوبة أو استحالة حلها.
٧. كما يجب عليكن حسن اختيار الصحبة للأسر التي تختلطون بها؛ خشية أن يكون لبعضهم تأثير سلبي على أفراد أسرتكم فتضيع جهودكم في التربية والتوجيه.
٨. عليكن تبغيض هذه الحضارة وأخلاقها في نفوس أولادكم، وإعلامهم بمخالفتها للشرائع والفطَر السليمة، وضرب الأمثلة على ذلك، وربطهم بالحضارة الإسلامية وأخلاقها، وتنبيههم على أن بقاءكم في تلك الديار لن يطول.
٩. وعليكن بكثرة زيارة البلد الله الحرام مكة المكرمة، فاحرصوا على الحج كل عام، وعلى العمرة أكثر من مرَّة في العام الواحد إن تيسر تقويةً لإيمانكم وتعليقاً لقلوب أولادكم بالإسلام والمسلمين، وللأسف نرى تقصيراً واضحاً من الجاليات المسلمة في بلاد الكفر في هذا الجانب.
١٠. تكوين مكتبة إسلامية من كتب وأشرطة وأقراص إسلامية لربط أفراد الأسرة بدينهم، وتسهيل الرجوع إلى معرفة الأحكام الشرعية، وإغلاق طرق التضليل التي تساهم في تجهيلهم وإفسادهم، وحبذا أن يكون لقناة " المجد " حضور في بيوتكم لما تقدمه من علم نافع، ولحرصهم أن لا يكون فيها نساء ولا موسيقى، وكذا ربطهم بالمواقع المفيدة في الإنترنت.
والحقيقة أن النصائح كثيرة، وكثرتها إنما هو بسبب كثرة ما في تلك الديار الكافرة من ضلال وانحلال وتفسخ وتهتك، وتحتاج كل جوانب الحياة لنصح وتوجيه وإرشاد، ولكن ما قلناه أولاً يوفر كثيراً من النصائح وهو الخروج من تلك الديار إلى بلاد الإسلام، ومن بقي في تلك الديار فليعلم أن الله تعالى سائله عن رعيته يوم القيامة، فليعد للسؤال جواباً، ونسأل الله تعالى أن يسهل لكم الخروج من تلك الديار، وأن يثبتكم على الإسلام والهداية والتوفيق والرشاد، وأن يصلح لكم ذريتكم، ويجعلهم دعاة للإسلام.
ونرجو الرجوع إلى السؤال رقم (٤٢٣٧) : ففيه زيادة بيان حول المحافظة على الأبناء وأفكارهم في الغرب.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15333
كيف يوفق المسلمون بين العمل للآخرة والعمل للدنيا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[في هذا العالم إذا كرس المسلمون جميع أوقاتهم وأفعالهم لما ينفع في اليوم الآخر ولم ينخرطوا في أي من الأعمال الدنيوية، فكيف سيساهمون فيما فيه نفع الحضارة والإنسانية مثل التكنولوجيا والعلم والاختراع؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
دين الإسلام هو خاتم الأديان، وإن مِن أهم خصائص هذا الدين أنه دين ينظم الحياة كلها , فالإسلام دين الدنيا والآخرة , قال الله : (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الأنعام/١٦٢، وفي دعاء المسلمين في مواضع متفرقة يقولون: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) ، فهذا دين الله الكامل والشامل والجامع، جمع بين حق الله وحق العبد، وبين أمر الدنيا وأمر الآخرة.
وإن ادِّعاء أن الإسلام جاء بالرهبانية ادعاء باطل، بل الرهبانية في دين النصارى المحرَّف، وأخذها عنهم بعض مبتدعة المسلمين كالصوفية، أما أهل السنة والجماعة الذي أخذوا الدين من نبعه الصافي، وفهموه على وجهه الصحيح فإنهم يعتقدون أن الدنيا معبر إلى الآخرة، وأن الإنسان لا ينبغي له أن يتعلق بالدنيا على حساب الآخرة، فهم جعلوا الآخرة هي محط أنظارهم لأنها الحياة الأبدية الخالدة، فالعمل ينبغي أن يكون من أجلها لا من أجل حياة قصيرة فانية، وليس معنى هذا أن لا يعملوا في الدنيا ولا يعمروا الأرض، بل إن المسلمين بلغوا في مجالات العلم النظرية والعملية أعلى المنازل، وكانت الحضارات تتبع المسلمين في تقدمهم وعلومهم، ولا تزال بعض الجامعات الغربية العريقة تعترف بهذا وتدرِّس كتاباً للمسلمين في مناهجهم.
قال الفيلسوف الفرنسي " جوستاف لوبون " في كتابه " حضارة العرب ":
هل يتعين أن نذكر أن العرب - والعرب وحدهم - هم الذين هدونا إلى العالم اليوناني والعالم اللاتيني القديم، وأن الجامعات الأوربية ومنها جامعة باريس عاشت مدة ستمئة عام على ترجمات كتبهم وجرت على أساليبهم في البحث، وكانت الحضارة الإسلامية من أعجب ما عرف التاريخ " انتهى.
والمسلمون ليسوا كغيرهم، فإنهم لما كانوا متمسكين بدينهم كانوا سابقين – أيضاً – في الدنيا، ولما تركوا دينهم وتخلوا عنه صاروا تبعاً لغيرهم وعالة عليهم، والنصارى لما كانوا متمسكين بدينهم المحرَّف كانوا متخلفين في دنياهم، ولما قاموا على كنائسهم حرقاً وعلى رهبانهم قتلاً وفصلوا الدين عن الدنيا تقدموا في دنياهم وعلومها، فالمسلمون يدفعهم دينهم إلى التقدم، ويتأخرون بتأخرهم عن دينهم، والنصارى تخلفوا لما تمسكوا بدينهم المحرَّف، لأنه لا يمكن لدين حرفه العباد أن يؤدي إلى التقدم، وتقدموا لما تخلوا عنه، فأي المنهجين يدعو لعمارة الدنيا ويسعى في تقدمه في العلوم وإسعاد الناس في الدنيا والآخرة؟
والآيات والأحاديث التي تحث المسلم على عمارة الأرض بالزراعة والصناعة كثيرة، وقد فهم المسلمون ذلك فسارعوا إلى العمل على هذه العمارة دون أن يؤثر ذلك على عبادتهم وطاعتهم، ودون أن يروا أن بين الدين والدنيا تضادّاً وتنافراً، والمحذور في هذه العمارة هو أن ينشغل المسلم بها عن واجبات دينه وطاعة ربه.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) رواه البخاري (٢١٩٥) ومسلم (١٥٥٣) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
وفي الحديث: فضل الغرس والزرع والحض على عمارة الأرض , ويستنبط منه اتخاذ الضيعة والقيام عليها، وفيه فساد قول من أنكر ذلك من المتزهدة، وحُمل ما ورد من التنفير عن ذلك على ما إذا شغل عن أمر الدين , فمنه حديث ابن مسعود مرفوعا: (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا) الحديث , قال القرطبي: يجمع بينه وبين حديث الباب بحمله على الاستكثار والاشتغال به عن أمر الدين , وحمل حديث الباب على اتخاذها للكفاف أو لنفع المسلمين بها وتحصيل ثوابها.
"فتح الباري" (٥/٤) .
والحديث الذي ذكره الحافظ ابن حجر: (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا) رواه الترمذي (٢٣٢٨) وحسَّنه.
قال المباركفوري ﵀:
(الضيعة) هي: البستان والقرية والمزرعة.
(فترغبوا في الدنيا) أي: فتميلوا إليها عن الأخرى , والمراد: النهي عن الاشتغال بها وبأمثالها مما يكون مانعاً عن القيام بعبادة المولى وعن التوجه كما ينبغي إلى أمور العقبى. وقال الطيبي: المعنى لا تتوغلوا في اتخاذ الضيعة فتلهوا بها عن ذكر الله قال تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) .
"تحفة الأحوذي" (٦/٥١١) .
وقد رأينا إنصاف المسلمين ودينهم من بعض الباحثين الغربيين، فاعترفوا بسبق المسلمين في مجالات العلوم الدنيوية المختلفة، وهاهي بعض أقوالهم ليعلم السائل – وغيره – موقع الإسلام من الحضارات الأخرى، وليعلم منهج الإسلام في حثه أتباعه على النظر والتأمل والعمل والإبداع، وسنحرص على تنويع بلدان القائلين واختلاف ثقافاتهم.
١. يقول المفكر الفرنسي " جوستاف لوبون " في كتابه المعروف " حضارة العرب " - ترجمة " عادل زعيتر " -:
" لو أن العرب استولوا على فرنسا: إذن لصارت باريس مثل قرطبة في إسبانيا، مركزاً للحضارة والعلم؛ حيث كان رجل الشارع فيها يكتب ويقرأ، بل ويقرض الشعر أحياناً، في الوقت الذي كان فيه ملوك أوروبا لا يعرفون كتابة أسمائهم "! .
٢. وقالت المستشرقة الألمانية " زيغريد هونكة " - في كتابها المعروف " شمس الله تشرق على الغرب" - انتشار المكتبات في العالم العربي والإسلامي:
" نمت دور الكتب في كل مكان نمو العشب في الأرض الطيبة، ففي عام ٨٩١ م يحصي مسافر عدد دور الكتب العامة في بغداد بأكثر من مئة، وبدأت كل مدينة تبني لها داراً للكتب يستطيع عمرو وزيد من الناس استعارة ما يشاء منها، وأن يجلس في قاعات المطالعة ليقرأ ما يريد، كما يجتمع فيها المترجمون والمؤلفون في قاعات خصصت لهم، يتجادلون ويتناقشون كما يحدث اليوم في أرقى الأندية العلمية ".
وكتاب " شمس الله تشرق على الغرب " في النص الألماني معناه: نور الإسلام يضيء الحضارة الغربية، والكتاب مليء بأسماء مبدعين مسلمين عرب وغير عرب.
٣. واقرأ هذا الكلام لحكيم روسي وهو يبين أن هذا الدين فيه ما خدم الإنسانية، وقاد إلى الرقي والمدنية.
وقال تولستوي الحكيم الروسي:
" ومما لا ريب فيه أن النبي محمداً كان من عظام الرجال المصلحين الذين خدموا المجتمع الإنساني خدمة جليلة، ويكفيه فخراً أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق، وجعلها تجنح للسكينة والسلام وتؤثر عيشة الزهد، ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية، وفتح لها طريق الرقي والمدنية، وهو عمل عظيم لا يقوم به إلا شخص أوتي قوة، ورجل مثل هذا جدير بالاحترام والإكرام ".
٤. وقال الدكتور النمساوي شبرك:
" إنّ البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها، إذ إنّه رغم أُمّيته استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أنْ يأتي بتشريع، سنكونُ نحنُ الأوروبيين أسعد ما نكون إذا توصلنا إلى قمّته ".
٥. وفي باب الطب والجراحة كان للمسلمين دورٌ لا يُنكر.
يقول الكاتب البريطاني هـ. ج. ويلز في كتابه " معالم تاريخ الإنسانية ":
" وتقدموا في الطب أشواطا بعيدة على الإغريق، ودرسوا علم وظائف الأعضاء، وعلم تدبير الصحة، ... ولا يبرح كثير من طرق العلاج عندهم مستعملا بين ظهرانينا إلى اليوم، وكان لجراحيهم دراية باستعمال التخدير، وكانوا يجرون طائفة من أصعب الجراحات المعروفة، وفي ذات الوقت التي كانت الكنيسة تحرم فيه ممارسة الطب انتظاراً منها لتمام الشفاء بموجب المناسك الدينية التي يتولاها القساوسة: كان لدى العرب علم طبي حق " انتهى.
بل ويقول – أيضاً -:
"كل دين لا يسير مع المدنية فاضرب به عرض الحائط، ولم أجد ديناً يسير مع المدنية أنَّى سارت سوى دين الإسلام " انتهى.
والشهادات أكثر من أن تحصى، وأردنا بذكر بعضها التدليل على ما قلناه من كلام غير المسلمين، وقد اخترنا أناساً لا يمكن تواطؤهم على الكذب، فهم من دول مختلفة، ومن ثقافات مختلفة، بل ومن أديان وحضارات مختلفة، وفي كل ما ذكرناه عنهم بيان لما كان عليه المسلمون – ويجب أن يبقوا عليه – من تقدم وازدهار في العلوم المدنية ومن السعي في الإنسانية للرقي بحياتها في مختلف المجالات، وكان المسلمون مع بروزهم في هذه المجالات متقدمين – كذلك – في العلوم الدينية والعبادات والطاعات لربهم ، وتاريخ هذا الدين يشهد بالحركة العظيمة في التأليف في المجال الشرعي المتعلق بالقرآن والسنة، ويشهد بنماذج عالية لعبَّاد وزهَّاد لم تمنعهم عبادتهم ولم يمنعهم زهدهم من أن يكونوا علماء في الشرع أو علماء في علوم دنيوية.
وثمة أسماء لامعة لعلماء مسلمين في مجالات متعددة لا يُنكِر علمَهم وتقدمَهم إلا جاهل أو مكابر، ومنهم: ابن النفيس والزهراوي في الطب، وابن الهيثم في الرؤية والضوء، والخوارزمي في الرياضيات، وغيرهم كثير كثير.
وفي نهاية الجواب نتمنى أن تطلع على هذه المحاضرة والتي هي بعنوان " عمل الدنيا لا ينافي عمل الآخرة " وستجد فيها المزيد مما تستفيد منه وتفيد غيرك به، وهي مفرغة تحت هذا الرابط:
http://www.islamdoor.com/k/٣٦٤.htm
ونسأل الله أن يهدي المسلمين لدينهم، وأن يوفقهم للعمل بما أمروا به، وأن يهدي كل باحث عن الحقيقة ساعٍ في طلبها، راغبٍ في الهداية.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15334
الامتناع عن عمل الخير خوفاً من الرياء
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي حدود الامتناع عن عمل الخير خوفا من الرياء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجب أن يُعلم أن الشيطان حريص على إيقاع المسلم في أحد أمرين: إما أن يجعله يعمل العمل رياءً وسمعة، ولا يخلص فيه لله، وإما أن يجعله يترك العمل بالكلية.
والمسلم الصادق في نيته لا يهمه ما يلقيه الشيطان من وساوس في عمله وأنه لغير الله، ولا يهمه ما يلقيه الشيطان من وساوس ليترك الطاعة تخويفاً له من الرياء، فإن القلب الصادق المطمئن يستوي عند صاحبه العمل في السر والعمل في العلن.
سئل الشيخ ابن باز ﵀:
امرأة تسأل فتقول: إني أخاف من الرياء وأحذره لدرجة أنني لا أستطيع أن أنصح بعض الناس أو أنهاهم عن أمور معينة مثل الغيبة والنميمة ونحو ذلك، فأخشى أن يكون ذلك رياء مني، وأخشى أن يظن الناس فيّ ذلك ويعدوه رياء فلا أنصحهم بشيء، كما أني أقول في نفسي: إنهم أناس متعلمون، وليسوا في حاجة إلى نصح، فما هو توجيهكم؟
فأجاب:
" هذا من مكايد الشيطان، يخذل بها الناس عن الدعوة إلى الله وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك أن يوهمهم أن هذا من الرياء، أو أن هذا يخشى أن يعده الناس رياء فلا ينبغي لك أيتها الأخت في الله أن تلتفتي إلى هذا، بل الواجب عليك أن تنصحي لأخواتك في الله وإخوانك إذا رأيت منهم التقصير في الواجب أو ارتكاب المحرم كالغيبة والنميمة وعدم التستر عند الرجال ولا تخافي الرياء، ولكن أخلصي لله واصدقي معه وأبشري بالخير، واتركي خداع الشيطان ووساوسه، والله يعلم ما في قلبك من القصد والإخلاص لله تعالى والنصح لعباده، ولا شك أن الرياء شرك ولا يجوز فعله، لكن لا يجوز للمؤمن ولا للمؤمنة أن يدع ما أوجب الله عليه من الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفا من الرياء، فعليه الحذر من ذلك، وعليه القيام بالواجب في أوساط الرجال والنساء، والرجل والمرأة في ذلك سواء، وقد بين الله ذلك في كتابه العزيز حيث يقول سبحانه: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) التوبة/٧١.
"فتاوى ابن باز" (٦/٤٠٣) .
وعن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت ... .
رواه مسلم (٢٢٠) .
قال الشيخ ابن عثيمين:
" قال هذا ﵀ لئلا يظن أنه قائم يصلي فيُحمد بما لم يفعل، وهذا خلاف ما عليه بعضهم، يفرح أن الناس يتوهمون أنه يقوم يصلي، وهذا من نقص التوحيد.
وقول حصين ﵀ ليس من باب المراءاة، بل هو من باب الحسنات، وليس كمن يترك الطاعات خوفاً من الرياء؛ لأن الشيطان قد يلعب على الإنسان، ويزين له ترك الطاعة خشية الرياء، بل افعل الطاعة، ولكن لا يكن في قلبك أنك ترائي الناس.
"مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (٩/٨٥، ٨٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15335
ذبل الإيمان في قلبه فماذا يصنع
[السُّؤَالُ]
ـ[نعيش في بلاد عربية إسلامية لكنّا عندنا لم نذق طعم الإيمان فنشكو قلّة أهل الخير الذين يذكّرونا بالله، فجزاكم الله خيراً انصحونا بوصية ننتفع بها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١- عليك بقراءة القرآن كثيراً، والإكثار من الاستماع لتلاوته وتدبر معاني ما تقرأ وما تسمع بقدر استطاعتك، وما أشكل عليك فهمه فاسأل عنه أهل العلم ببلدك أو مكاتبة غيرهم من أهل العلم من علماء السنة.
ويعينك على التدبر قراءة تفسير لما تقرأه من القرآن، وما أخصر التفاسير وأحسنها تفسير السعدي ﵀.
٢- وعليك بالإكثار من ذكر الله بما ورد من الأذكار في الأحاديث الصحيحة مثل " لا إله إلا الله " ومثل " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " ونحو ذلك، وارجع في ذلك إلى كتاب " الأذكار النووية " للنووي وأمثالها.
فإن ذكر الله يزداد به الإيمان وتطمئن به القلوب، قال الله تعالى: (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) سورة الرعد/ ٢٨
وحافظ على الصلاة والصيام وسائر أركان الإسلام مع رجاء رحمة الله، والتوكل عليه في كل أمورك، قال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) سورة الأنفال/٢-٤
واعلم بأن الإيمان يزيد بطاعة الله، وينقص بمعصيته، فحافظ على ما أوجب الله من أداء الصلوات في وقتها جماعة في المسجد، وأداء الزكاة طيبةً بها نفسك طهرة لك من الذنوب ورحمة بالفقراء والمساكين.
وجالس أهل الخير والصلاح ليكونوا عوناً لك على تطبيق الشريعة، وليرشدوك إلى ما فيه السعادة في الدنيا والآخرة.
وجانب أهل البدع والمعاصي لئلا يفتنوك ويضعفوا عزيمة الخير فيك.
وأكثر من فعل نوافل الخير، والجأ إلى الله واسأله التوفيق.
إنك إن فعلت ذلك: زادك الله إيماناً، وأدركت ما فاتك من المعروف، وزادك الله إحساناً واستقامة على جادة الإسلام.
[الْمَصْدَرُ]
" اللجنة الدائمة " (٣/١٨٧) .
стр. 15336
يشكو من الانطوائية والعزلة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا مسلم والحمد لله، لكن مشكلتي أني أعيش داخل نفسي، فلا أجد من يفهمني من الناس إلا القليل ولذا أفضل العزلة والسرية في كل أموري. فلا أخبر من هم حولي عن نفسي ولا عن صفات شخصيتي، فأنا أحب أن أكون أنا بنفسي.
على سبيل المثال إن أردت فعل شيء ما فلا أخبر به أي أحد مهما كان قريبًا مني ولو كان من إخواني المؤمنين. وهذا لا ينفي أني حقًا أحب من يتّبعون القرآن والسنة. وأحب علماء الإسلام أمثال الإمام البخاري ومسلم والشافعي والألباني ومن على شاكلتهم، وأود أن أكون يومًا مثلهم. فأرجو منكم نصحي ماذا أفعل لعلاج شخصيتي هذه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه الحالة التي تعاني منها تتعلق بنمط شخصيتك، وهي لا تعتبر مرضا نفسيا حقيقيا، والأمر الضروري في علاج مثل هذه الحالات هو تطوير المهارات الاجتماعية، وهذا من الممكن جداً، ولكن يتطلب المثابرة والصبر والتدريب الاجتماعي المتواصل.
ويتلخص البرنامج التدريبي في:
أولاً: أن تهيئ نفسك من الناحية العقلية والذهنية والجسدية لمخالطة الناس، والصبر عليهم، والتجانس معهم قدر الاستطاعة.
ثانيًا: مارس أي نوع من الرياضة الجماعية مثل كرة القدم - مثلاً – حيث يحدث فيها نوع من الاحتكاك والتخاطب الشعوري واللاشعوري
ثالثا: انضم للجمعيات والأعمال الخيرية والتطوعية، واحضر حلقات التلاوة ومدارسة القرآن الكريم.
رابعا: حاول أن تعرض نفسك على أحد الأطباء النفسيين الثقات، لكي يرشدك إلى بعض السلوكيات العلاجية المفيدة.
خامسا: تجنب الإحساس بالبعد عن المجتمع، وحاول نسيان كل ما من سببه أن يقوي هذا الإحساس لديك، فقد يكون سبب الانطوائية موقفاً تعرضت له، أو محنة مررت بها، فاستعن بالله على علاجها ونسيانها.
وبالله التوفيق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15337
نصيحة لمن يقدح في إخوانه المسلمين ويتهمهم بلا بيّنة
[السُّؤَالُ]
ـ[شيخنا إني أحبكم في الله، رجائي أن تجيبني كي ألجم أفواه الطاعنين في أهل العلم، فهناك من يتهمكم بالتكفير والقطبية ـ كما يسمونها ـ ?.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أحبك الله الذي أحببتنا فيه، وجمعنا الله في مستقر رحمته، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وبخصوص ما ورد في سؤالك، فننصحك بالابتعاد عن كل من يتكلم في إخوانك المسلمين أو يقدح فيهم أو يتهمهم ويطعن في نياتهم، وقد قال النبي ﷺ : (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته) رواه أبو داود برقم ٤٨٨٠، وصححه الألباني
ثم إن عليك واجب النصيحة لهؤلاء أن يتقوا الله ، وأن يكفوا عن مثل تلك الألقاب التي تفرق المسلمين، وما كان من واجب النصيحة لبعض الأخطاء فإنها لا تكون بالتشهير والطعن في النيات ونحو ذلك.
أما مسألة التكفير ففيها تفصيل. فتكفير من كفره الله تعالى أو كفره رسوله ﷺ واجب حتمي، والله قد كفر طوائف في كتابه، كما قال تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) ، وقال تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) ، وتكفير من لم يكفره الله تعالى أو يكفره رسوله ﷺ محرم.
وقد قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " وكما لا يجوز أن نطلق الكفر على شخص معين حتى يتبين شروط التكفير في حقه، يجب أن لا نجبن عن تكفير من كفره الله ورسوله، ولكن يجب أن نفرق بين المعين وغير المعين " شرح كتاب التوحيد ٢/٢٧١
وانظر سؤال (٢١٥٧٦) ، والله أعلم
ثم إن كل من اتهم شخصاً بتهمة فعليه الدليل (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
(فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ)
والمشكلة المنتشرة بين بعض المنتسبين إلى الدين هداهم الله أنهم يرمون الناس بتهم لا تعتبر أصلاً في الشرع من الأمور القادحة والمخلّة بالدين.
ثم لا يأتون على ذلك بدليل ويتابعون هوى أنفسهم، فالنفس تحب أن تنصب نفسها حكماً على العباد تجرح وتعدل وترفع وتخفض وتنبز.
والواجب مخالفة هوى النفس في هذا وميزان الناس بميزان الشرع وتذكر حسناتهم والمناصحة لأخطائهم.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15338
كيف يعاقب نفسه لحثها على الخير ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أعلم ما لمعاقبة النفس وحرمانها من الأثر في الحث على العمل , ولكن كيف أعاقب نفسي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المؤمن الحريص على نجاة نفسه هو الذي يسعى لسلامتها من كل ما يهلكها، ويرفق بها، ومن الرفق بها مراقبة سيرها إلى الله لتنجو من عذاب الآخرة، ومجاهدتها للقيام بما أُمرت به واجتناب ما نهيت عنه ابتغاء رضوان الله، فيبدأ بالتوبة من سائر الذنوب، ويحثها على المسابقة في العمل الصالح، والارتقاء بها إلى المقامات العلى في الإيمان ويسعى إلى ذلك بالأسباب المعينة كمعرفة ثواب الأعمال وآثارالذنوب وأسبابها والابتعاد عن المخذلين وضعيفي الهمم، وسماع أخبار المجتهدين في الطاعات ثم إذا ضعفت عن الصالحات أو بدرت منها المعاصي، وجنحت إليها، فهذا مقام المعاقبة.
فالمعاقبة تكون بعد معرفة الحق ثم الميل عنه، ولا يبدأ بالمعاقبة إذ لا عقاب قبل معرفة؛ وحتى يكون ذلك أقطع للعذر عنها.
وتنبه ـ بارك الله فيك ـ إلى أن المعاقبة غير مقصودة لذاتها، بل هي وسيلة إلى تهذيب النفس وتربيتها،
وهي مثل الكي للمريض تستعمل بقدر الحاجة.
وليس من المعاقبة المحمودة تعذيب النفس وتكليفها بما لا تطيقه، أو بما يؤذي البدن كالحرق بالنار أو القيام في الشمس، أو ما يشبه ذلك بل بزيادة في الأعمال الصالحة بلا مشقة زائدة، أو حرمانها مما ترغب، وأنت طبيب نفسك، وتعلم ما يساعدها على الفتور والعصيان فتتركه.
قال المقدسي ﵀:
إعلم أن [المؤمن] إذا حاسب نفسه فرأى منها تقصيراً أو فعلت شيئاً من المعاصي فلا ينبغي أن يهملها، فإنه يسهل عليه حينئذ مقارفة الذنوب ويعسر عليه فطامها بل ينبغي أن يعاقبها عقوبة مباحة كما يعاقب أهله وولده، وكما روي عن عمر أنه خرج إلى حائط له - أي: بستان - ثم رجع وقد صلى الناس العصر، فقال: إنما خرجت إلى حائطي، ورجعت وقد صلى الناس العصر، حائطي صدقة على المساكين.
وروي أن تميماً الداري ﵁ نام ليلة لم يقم يتهجد فيها حتى طلع الفجر فقام الليل سنة لم ينم فيها عقوبة لنومه تلك الليلة.
ومرَّ حسان بن سنان بغرفة فقال: متى بنيت هذه؟ ثم أقبل على نفسه فقال: تسألين عما لا يعنيك لأعاقبنك بصوم سنة، فصامها.
أما العقوبات التي فيها إضرار بالبدن أو ارتكاب منهي عنه: فلا تجوز، كما روي أن رجلاً نظر إلى امرأة فقلع عينيه، وآخر عصى الله بيده فوضعها في النار حتى شُلت، فمثل هذا لا يجوز، فإنه ليس للإنسان أن يتصرف في نفسه بمثل هذا. أ. هـ بتصرف من " مختصر منهاج القاصدين ".
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15339
لماذا شعرت سارة بالغيرة مع جلالة قدرها من هاجر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل أحست سارة بالغيرة من " هاجر " عندما ولدت إسماعيل ﵇ ؟ إذا كان الجواب بنعم: فلماذا تشعر امرأة رفيعة المنزلة مثل " سارة " بالغيرة؟ وهل كان شعورها بالغيرة هو السبب الذي من أجله أمِرَ إبراهيم ﵇ بإرسال " هاجر " و " إسماعيل " ﵇ إلى الصحراء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
غيرة المرأة من ضرائرها أمرٌ جُبلت عليه، وهو غير مكتسب، ولذا فإنها لا تؤاخذ عليه إلا أن تتعدى، وتقع بسبب الغيرة فيما حرم الله عليها من ظلم أختها، فتقع في غيبة أو نميمة أو تؤدي بها غيرتها إلى طلب طلاق ضرتها أو الكيد لها وما شابه ذلك.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
وأصل الغيرة غير مكتسب للنساء، لكن إذا أفرطت في ذلك بقدر زائد عليه تلام، وضابط ذلك ما ورد في الحديث عن جابر بن عتيك الأنصاري رفعه: (إِنَّ مِنْ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ ، وَمِنْهَا مَا يَبْغُضُ اللَّهُ ، فَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ، وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يَبْغُضُ اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ) حسنه الشيخ الألباني في "الإرواء" (٧/٨٠) -، فالغيرة منهما – أي: من الزوج والزوجة - إن كانت لما في الطباع البشرية التي لم يسلم منها أحد من النساء، فتعذر فيها، ما لم تتجاوز إلى ما يحرم عليها من قول أو فعل، وعلى هذا يحمل ما جاء من السلف الصالح عن النساء في ذلك. " فتح الباري " (٩ / ٣٢٦) .
وقال ابن مفلح ﵀:
قال الطبري وغيره من العلماء: الغيرة مسامح للنساء فيها لا عقوبة عليهن فيها لما جُبِلن عليه من ذلك. " الآداب الشرعية " (١ / ٢٤٨) .
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ شرحاً لحديث كسر عائشة لإناء إحدى ضرائرها:
وقالوا: أي جميع من شرحوا الحديث: فِيهِ إِشَارَة إِلَى عَدَم مُؤَاخَذَة الْغَيْرَاء بِمَا يَصْدُر مِنْهَا، لأَنَّهَا فِي تِلْكَ الْحَالَة يَكُون عَقْلهَا مَحْجُوبًا بِشِدَّةِ الْغَضَب الَّذِي أَثَارَتْهُ الْغَيْرَة. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ لا بَأْس بِهِ عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا: (أَنَّ الْغَيْرَاء لا تُبْصِر أَسْفَل الْوَادِي مِنْ أَعْلاهُ) . " فتح الباري " (٩ / ٣٢٥) .
وما وقع من فضليات النساء من الغيرة إنما هو مما لم يسلم منه أحد، وهنَّ غير مؤاخذات عليه لأنه ليس في فعلهن تعدٍّ على شرع الله تعالى.
وما حصل من غيرة " سارة " من هاجر هو من هذا الباب، فطلب الزوجة من زوجها أن لا ترى ضرتها أو أن لا تجاورها أمرٌ غير مستنكر، مع أن الذي ذكره أهل العلم أن إبراهيم ﵇ هو الذي خرج بهاجر وابنه لا أن سارة زوجه طلبت منه ذلك.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
ويقال: إن سارة اشتدت بها الغيرة فخرج إبراهيم بإسماعيل وأمه إلى مكة لذلك. " فتح الباري " (٦ / ٤٠١) .
ويدل عليه قول هاجر: " يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: أالله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا " - رواه البخاري (٣١٨٤) -.
عن ابن عباس ﵄ قال: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان: خرج بإسماعيل وأم إسماعيل ومعهم شنة فيها ماء ... رواه البخاري (٣١٨٥) .
قال الحافظ:
قوله – أي: ابن عباس -: " لما كان بين إبراهيم وبين أهله " يعني: سارة " ما كان " يعني: من غيرة سارة لما ولدت هاجر إسماعيل. " فتح الباري " (٦ / ٤٠٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15340
يشعر بنقص إيمانه واستثقال العبادة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شخص متدين منذ عدة سنوات ومنذ عدة شهور أشعر أن عقلي وقلبي سلب منهما الإيمان والإرادة وهذا الأمر يعذبني فقلت في نفسي لعله مس أو شيء من هذا وسيذهب عندما يأتي شهر رمضان ولكن الأمر لم يذهب حتى إني كنت أتحمل صلاة القيام بصعوبة بالغة وأحاول الإكثار من قراءة القرآن على الرغم من الوساوس والضيق الذي ينتابني وبدأت حالتي تتدهور الاجتماعية والعملية والعائلية والدينية وحتى الآن فإني أعيش في عذاب لهذا السبب وأنى لا أجد إيماني الذي أشعر أنه سُلِب مني وأشعر أن هذه هي سوء خاتمتي وأن إيماني لن يرجع إليَّ وأن قلبي قد طُبع عليه، وعندما أذهب إلى المسجد للصلاة والتي لم أقطعها أشعر أنني لست مثل المصلين وأنى أحسدهم على إيمانهم، وأيضاً أشعر بنفور غير عادى عن الدين وأحياناً كثيرة لا أستطيع سماع القرآن ولا الأحاديث أو الشرائط إلا بصعوبة وضيق، وهذا الأمر يعذبني لأني لا أريد ذلك وأريد أن أكون كما كنت مؤمناً محباً للدين لأنه هو الحق ولكني أشعر أني لا أستطيع أن أتحكم في عقلي أو قلبي وبدأت أسترجع ذنوبي التي أعتقد أنها السبب فبدأت أجد من الذنوب التي كنت أنساها الكثير وكأنها أمامي واحداً تلو الأخر وحتى الآن أعيش في هذا العذاب والحسرة والضيق ولا أعرف ما الذي أصابني وما هو الحل والعلاج وهل سيرجع إلى إيماني أم أنها سوء الخاتمة وعقاب من الله - أخيراً لا تنسوني من الدعاء.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أخي في الله ليكن أملك في الله تعالى عظيماً، ولا تجعل للشيطان عليك سبيلاً بالقنوط من رحمة الله الواسعة التي أوجبها لعباده المؤمنين، وما يراود نفسك من كون هذه هي خاتمتك على غير ما يريد الله إنما هي من وساوس الشيطان ونزغاته التي ينزغ بها عباد الله ليفتنهم عن دينهم، فهو يأتي العبد الصالح ويوسوس له بأن عمله حابط أو أنه يعمل لغير الله ويرائي الناس بعمله ليظنوا به خيراً، وكل هذا من أساليب الشيطان المتكررة مع عباد الله خاصة الذين ظهرت منهم آثار الاستقامة والصلاح – أحسبك من هؤلاء ولا أزكي على الله أحداً – ليعيقهم عن ذلك أعاذنا الله منه.
ولكنك أخي محتاج لأن تُعظِمَ الرجاء والأمل في الله الذي يغفر الذنوب جميعاً، ويَقْبَل العبد الذي لاذ بحماه واستجار بجاهه فإنه الرحيم الغفور الودود.
ولعلك أن تكثر من الأعمال الصالحة: من قراءة قرآن , وصدقة , وذكرٍ لله، وصلة أرحام ... الخ، وهذا الضعف الذي ينتابك ينتاب غيرك، وهو أمرٌ طبيعي فكم من الأشخاص كانوا مثالاً يُقتدى بهم في علو الهمة ثم فترت همتهم مدةً طويلة، ثم عادت إليهم همتهم بفضل الله، وتذكر قول النبي ﷺ : " إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ فَلا تَعُدُّوهُ " رواه الترمذي ٢٤٥٣ وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (١٩٩٥) .
ومعنى (إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً) أَيْ حِرْصًا عَلَى الشَّيْءِ وَنَشَاطًا وَرَغْبَةً فِي الْخَيْرِ ...
(وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً) أَيْ وَهَنًا وَضَعْفًا وَسُكُونًا.
(فَإِنْ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ) أَيْ جَعَلَ صَاحِبُ الشِّرَّةِ عَمَلَهُ مُتَوَسِّطًا وَتَجَنَّبَ طَرَفَيْ إِفْرَاطِ الشِّرَّةِ وَتَفْرِيطِ الْفَتْرَةِ.
(فَاَرْجُوهُ) أَيْ ارْجُوا الْفَلاحَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ الدَّوَامُ عَلَى الْوَسَطِ , وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدُومُهَا.
(وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ) أَيْ اِجْتَهَدَ وَبَالَغَ فِي الْعَمَلِ لِيَصِيرَ مَشْهُورًا بِالْعِبَادَةِ وَالزُّهْدِ وَسَارَ مَشْهُورًا مُشَارًا إِلَيْهِ (فَلا تَعُدُّوهُ) أَيْ لا تَعْتَدُّوا بِهِ وَلا تَحْسَبُوهُ مِنْ الصَّالِحِينَ لِكَوْنِهِ مُرَائِيًا , وَلَمْ يَقُلْ فَلا تَرْجُوهُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ قَدْ سَقَطَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ تَدَارُكُ مَا فَرَّطَ. انتهى من تحفة الأحوذي.
فتأمل هذا الحديث واربطه بواقعك وواقع كثير من الناس غيرك، وستجد تقارباً واضحاً، ففي هذا الحديث بيانٌ واضح على أن الإنسان يمر بمرحلة حماس منقطع النظير، وإقبالٍ عظيم، وهمةٍ عالية، وفجأة يضعف ويتراجع إقباله وحماسه، وتفتر همته، فإذا وصل إلى هذه المرحلة فعليه أن يحرص غاية الحرص على فعل الواجبات واجتناب المحرمات، فإن فعل فإنه يُرجى له الفلاح والاستمرار، وإن وقع في المحظورات , وترك الواجبات فقد خاب وخسر.
فعليك بكثرة اللجوء إلى الله، واستغفاره وسُؤاله الثبات حتى الممات، كما أُوصيك بالبعد عن المحرمات، غفر الله ذنبك، ويسرَّ أمرك..
وإلى لقاء قريب والسلام.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15341
مفتون بالقنوات ومواقع الإنترنت الإباحية
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب مفتون مع الأسف بالدشوش ومواقع الانترنت لدرجة أصبحت مقصر جدا في أمور ديني، أرجو منكم المساعدة والدعاء لي بالهداية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله تعالى أن يهديك، وأن يصرف عنك السوء والفحشاء، وأن يجعلك من عباده المخلَصين.
وخير ما نوصيك به هو تقوى الله تعالى، والحذر من نقمته وغضبه، وأليم عقابه، فإن الله تعالى يمهل ولا يهمل، وما يؤمنك أن يطلع الله عليك وأنت على معصيته فيقول: وعزتي وجلالي لا غفرت لك.
وانظر إلى هذه الجوارح التي تسعى بها إلى المعصية، ألا ترى الله قادرا على أن يسلبك نعمتها، وأن يذيقك ألم فقدها؟
ثم انظر إلى ستر الله تعالى لك، وحلمه عليك، وأنت تعلم غيرته على عباده، فما يؤمّنك أن يغضب عليك، فينشكف أمرك، ويطلع الناس على سرك، وتبوء بفضيحة الدنيا قبل الآخرة.
وهل ستجني من النظر المحرم إلا الحسرة، والشقاء، وظلمة القلب؟
وهب أنك شعرت بمتعة أو لذة، يوما أو يومين، أو شهرا أو سنة.. فماذا بعد؟
موت.. ثم قبر.. ثم حساب، فعقاب ... ذهبت اللذات وبقيت الحسرات.
وإذا كنت تستحيي من أن يراك أخوك على هذه المعصية، فكيف تجعل الله تعالى أهون الناظرين إليك؟!
أما علمت أن الله يراك، وأن ملائكته تحصي عليك، وأن جوارحك غدا ستنطق بما كان؟
واعتبر بما أصبح عليه حالك بعد المعصية: هم في القلب، وضيق في الصدر، ووحشة بينك وبين الله.
ذهب الخشوع.. ومات قيام الليل.. وهجرك الصوم ... فقل لي بربك ما قيمة هذه الحياة؟
كل نظرة تنظرها إلى هذه النوافذ الشيطانية، تنكت في قلبك نكتة سوداء، حتى يجتمع السواد فوق السواد، ثم الران الذي يعلو القلب، فيحرمك من لذة الطاعة، ويفقدك حلاوة الإيمان.
قال النبي ﷺ : " إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) " رواه الترمذي (٣٢٥٧) وابن ماجة (٤٢٣٤) وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه ٣٤٢٢.
صقل: أي نُقي وطُهر.
فكن ممن نزع واستغفر وتاب، وأكثر من التضرع لله تعالى أن يُطهر قلبك وأن يُحصن فرجك، وأن يُعيذك من نزغات الشيطان.
واجتنب كل وسيلة تدعوك أو تذكرك بالحرام، إن كنت صادقا راغبا في التوبة.
فبادر بإخراج هذا الدش من بيتك، واقطع صلتك بمواقع السوء في الانترنت، واعلم أن خير وسيلة تعينك على ترك ما اعتدته من الحرام، أن تقف عند الخاطرة والهم والتفكير، فادفع كل خاطرة تدعوك للمشاهدة، قبل أن تصبح رغبة وهمّا وقصدا ثم فعلا.
قال الغزالي ﵀: (الخطوة الأولى في الباطل إن لم تدفع أورثت الرغبة، والرغبة تورث الهم، والهم يورث القصد، والقصد يورث الفعل، والفعل يورث البوار والمقت، فينبغي حسم مادة الشر من منبعه الأول وهو الخاطر، فإن جميع ما وراءه يتبعه) إحياء علوم الدين ٦/١٧
وهذا مأخوذ من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر) النور/٢١
وإن أمكنك الاستغناء التام عن الانترنت فافعل، إلى أن تشعر بثبات قلبك، وقوة إيمانك.
واحرص على الرفقة الصالحة، واحرص على أداء الصلوات في أوقاتها، وأكثر من نوافل العبادة، وتجنب الخلوة والتفكير في الحرام ما أمكن.
والخلاصة في العلاج فتح منافذ الخير، وسد منافذ الشر.
نسأل الله أن يوفقنا وإياك للتوبة الخالصة النصو.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15342
كيفية تربية المسلم لنفسه
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف يربي الإنسان نفسه تربية إسلامية خصوصاً وأن فيه من قصور الدين ما الله به عليم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اكتشاف الشخص لقصوره من أوائل خطوات تربية النفس.
ومن عرف من نفسه قصوراً فقد سار في سبيل تربية النفس، وهذه المعرفة مما يدعونا إلى تربية أنفسنا وإلى السير في تلكم السبيل سيراًً حثيثاً فليست هذه المعرفة صارفة عن تربية المرء لنفسه، وإن من توفيق الله للعبد سعيَه للتغير والتطوير كما قال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فمن غيّر لله غيّر الله له.
والإنسان مسؤول عن نفسه مسوؤلية فردية ذاتية وسيحاسب ويُسأل فرداً كما قال تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَانِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥) سورة مريم، والإنسان لا يمكن أن يستفيد مما يقدَّم له من خير ما لم يكن منه مبادرة ذاتية، ألا ترى إلى امرأة نوح وامرأة لوط كانتا في بيت نبيين أحدهما من أولى العزم، وتصور – أخي – ذلك الجهد الذي سيبذله نبي مع زوجته فهي قد تلقت قدرأً كبيراً من التربية لكن لما لم يكن منهما مبادرة ذاتية قيل لهما (ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِين) التحريم/١٠ بينما امرأة فرعون ـ مع أنها في بيت أحد أكابر المجرمين ـ ضربها الله مثلاً للذين آمنوا لما كان منها من تربية ذاتية.
ومن وسائل تربية المسلم نفسه:
١- التعبد لله والصلة به والاستسلام له. وذلك من خلال العناية بالفرائض وتطهير القلب من التعلق بغير الله.
٢- كثرة قراءة القرآن وتدبره والتفكر في أسراره.
٣- قراءة الكتب الوعظية النافعة التي تصف دواء القلوب وعلاجها مثل مختصر منهاج القاصدين وتهذيب مدارج السالكين ونحو ذلك، ومطالعة سير السلف وأخلاقهم وينظر في ذلك صفة الصفوة لابن الجوزي وكتاب (أين نحن من أخلاق السلف) لبهاء الدين عقيل وناصر الجليل.
٤- التفاعل مع البرامج التربوية: كالدروس والمحاضرات.
٥- الحفاظ على الوقت وشغله بما ينفع العبد في دنياه وآخرته.
٦- عدم الإكثار من المباحات وإيلائها العناية الكبيرة.
٧- الصحبة الصالحة والبحث عن الجلساء الصالحين،الذين يعينون على الخير،أما من يعيش في عزله فإنه يفقد كثيراً من المعاني الأخوية كالإيثار والصبر.
٨- العمل والتطبيق وترجمة المعلوم عملياً.
٩- المحاسبة الدقيقة للنفس.
١٠- الثقة بالنفس ـ مع الاعتماد على الله تعالى ـ: لأن فاقد الثقة لا يعمل.
١١- مقت النفس في ذات الله وهذا لا ينافي ما قبله فعلى الإنسان أن يعمل مع ظنه أن في نفسه الخلل.
١٢- العزلة الشرعية: أي لا يكون مخالطاً للناس في جميع أوقاته بل يجعل لنفسه أوقاتا يخصها بالعبادات والخلوات الشرعية.
نسأل الله أن يعيننا على أنفسنا ويجعلها منقادة لما يحبه الله ويرضاه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15343
ماذا نفعل لمذابح المسلمين في فلسطين والعالم
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو موقفنا مما يحدث الآن من المذابح للمسلمين في فلسطين وفي أنحاء أخرى في العالم، من تخريب بيوت وجرف مزارع وقتل أطفال وحبس الجرحى في الشوارع، وقصف البيوت ومنع الناس من شراء ما يحتاجونه من الطعام والشراب من قبل اليهود وغيرهم، ماذا يمكنني كمسلم أن أفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١- عليكم بالدعاء، ومنه: القنوت في الصلاة. والدعاء من أعظم الأسباب التي ينصر الله بها المؤمنين على عدوهم، قال النبي ﷺ : (هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ) رواه البخاري (٢٨٩٦) ، ولفظ النسائي (٣١٧٨) : (إِنَّمَا يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا: بِدَعْوَتِهِمْ، وَصَلَاتِهِمْ، وَإِخْلَاصِهِمْ) وصححه الألباني في صحيح النسائي.
٢- جمع الصدقات وإيصالها عن طريق الثقات.
٣- مناصرة المستضعفين بكل الطرق ومنها وسائل الإعلام المتنوعة، بإيضاح الحقائق وإيقاف العالم على صور الظلم والعدوان التي تمارس ضد أهل فلسطين، وغيرهم من المسلمين.
٤- استثارة واستنهاض همم العلماء والدعاة والخطباء والكُتَّاب لبيان الظلم الواقع، والتقصير في رفعه، وتجييش الأمة للدفاع عن المقدسات.
٥- محاسبة النفس على التقصير في الغزو، وفي نيته عند العجز عنه، وقد قال النبي ﷺ : (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ) رواه مسلم (٣٥٣٣) .
٦- تربية الأبناء على عداوة اليهود وأعداء الدين ووجوب جهادهم عند القدرة.
٧- الأخذ بجميع أسباب إعداد القوة المادية والمعنوية استعداداً لملاقاة العدو، قال الله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) الأنفال/٦٠.
٨- تذكير النفس والناس بفضل الشهادة في سبيل الله والإلمام بأحكام الجهاد، وترك التعلق بالدنيا.
٩- الاستفادة من شبكة الإنترنت في مواجهة اليهود إعلامياً وثقافياً بإنشاء المواقع التي تبين جرائمهم وتكشف زيفهم، والمشاركة في المواقع الحوارية التي يبثون فيها أفكارهم لدحضها وبيان باطلها، إلى غير ذلك من صور المواجهة.
١٠- مراسلة الجمعيات الحقوقية العالمية والمنظمات الدولية بأنواعها، وإيقافهم على الجرائم التي يرتكبها اليهود في فلسطين، والمطالبة بمحاكمة من يقف وراءها.
١١- على المسلمين المقيمين في الدول الغربية أن يطالبوا تلك الحكومات أن يكون لها دور إيجابي تجاه هذه الأزمات، والضغط عليها نحو العدالة والإنصاف.
١٢- المطالبة بتفعيل دور المؤسسات والجمعيات الخيرية في العالم الإسلامي بقوة، لكي تنشط في إغاثة إخواننا، وإيصال المساعدات إليهم.
١٣- على المسلم أن يعمل على تحريك المجتمع من حوله للتفاعل مع الأحداث، وحث الناس على أن يقدم كل واحد منهم ما يستطيع أن يقدمه.
١٤- التأكيد على أن القضية قضية إسلامية، يتحمل مسؤوليتها جميع المسلمين، حكومات وشعوباً، ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، ولا العرب، بل هي قضية المسلمين جميعاً.
١٥- الحديث عن التطبيع وخطورته، وبيان أضرار ذلك على الدول التي بدأت به، لعلهم يتوبون ويرجعون، ويَحْذَرُ غيرُهم.
١٦- التواصل مع الإعلاميين الشرفاء ـ من العرب وغيرهم ـ وحثهم على الكتابة وتقديم البرامج التي تدفع الرأي العام والحكومات إلى التعامل مع هذه الأزمات بشيء من العدل، والوقوف مع المظلوم.
نسأل الله العلي القدير أن ينصر دينه ويعلي كلمته.
الشيخ محمد صالح المنجد
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15344
كيف أحدد موقفي ؟!!
[السُّؤَالُ]
ـ[تمر على المسلم مواقف لا يعرف كيف يحدد موقفه منها سواء كانت سياسية أو دعوية أو اجتماعية أو حتى شخصية.. فكيف أعرف التصرف المناسب في موقف مر علي؟؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أخي الكريم أشكر لك وأسأل الله تعالى لنا ولك التوفيق والسداد والرشاد.. وأن يرينا جميعا الحق حقا ويرزقنا اتباعه والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه وألا يجعله ملتبسا علينا فنضل.. أما عن استشارتك فتعليقي عليها ما يلي:-
لتعلم يا عزيزي أننا لسنا ملزمين أن نحدد موقفا أو رأيا حول كل أمر أو حادث يمر علينا.. لسبب بسيط وهو أن الكثير مما يمر علينا لا يعنينا بأي حال..!! أما المواقف التي تعنينا وتهمنا ويلزمنا تكوين رأي حولها.. فهي أنواع:
أولا: مواقف تتعدى في عمقها وبعدها حدود علمنا وإدراكنا وهذه نستنير فيها بآراء بعض أهل الاختصاص من علماء شرعيين أو باحثين أو متابعين حسب الاستطاعة.
ثانيا: مواقف تكون من الوضوح والتأثير بحيث أنها أصبحت حديث المجالس ووسائل الإعلام المختلفة.. وهذه نستطيع من خلال التوفيق بين آراء من نثق فيهم وبعض التقارير المختلفة.. أن نكون رؤية حولها.
ثالثا: أمور ومواقف تكون في نطاقنا ودائرتنا الخاصة وهذه نحتاج لكي نكون حولها رؤية إلى وضع جميع بدائلها وإيجابياتها وسلبياتها.. ثم مقارنتها بموضوعية وبالتالي وضع تصور مبدئي حولها قد ندعمه بالاستشارة لمن سبقنا في مجالها.. أو من نثق برأيه حولها فمن شاور الرجال شاركهم في عقولهم. ومع مرور الأيام ووقوع الأخطاء والاستفادة من التجارب يصبح لدى الإنسان رصيد من الخبرة التراكمية ودراية أكبر يقيم من خلالها الأشياء والمواقف ويحدد على ضوء خبراته وتجاربه العملية والنظرية موقفه منها.
وفقك الله وحماك وسدد على طريق الخير والحق خطاك.
[الْمَصْدَرُ]
أحمد المقبل: الإسلام اليوم
стр. 15345
عداوة الشيطان للإنسان
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد أن أعرف بعض المعلومات عن الشيطان. فهل لك أن تساعدني؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لما امتنع إبليس من السجود لآدم طرده الله من السماء وحقت عليه لعنة الله إلى يوم القيامة فقال الله له: (فاخرج منها فإنك رجيم، وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) ص/٧٧-٧٨.
ثم سأل الله أن ينظره إلى البعث فأنظره الله: (قال أنظرني إلى يوم يبعثون، قال إنك من المنظرين) الأعراف/١٤-١٥.
فلما أمِنَ إبليس من الهلاك تمرد وطغى وعاند: (قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) الأعراف/١٦-١٧.
ولما قال إبليس ذلك قال الله له: (اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاءً موفوراً، واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعِدهم , وما يعدهم الشيطان إلا غروراً، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان , وكفى بربك وكيلاً) الإسراء/٦٢-٦٤.
ومن هنا أعلن الشيطان عن خبث عداوته لبني آدم فبدأ يزين لهم المعاصي ويغريهم بالمحرمات والخبائث ويأمرهم بالسوء والفحشاء فانخدع بذلك أكثر الناس , ووقعوا في تلك المعاصي والمحرمات: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين) سبأ/٢٠.
وكل ما يقع بين بني آدم من الكفر والقتل والعداوة والبغضاء وانتشار الفواحش والزنا , وتبرج النساء وشرب الخمور وعبادة الأصنام واقتراف الكبائر فذلك كله من عمل الشيطان ليصد عن سبيل الله ويفسد الناس ويجرهم معه إلى نار جهنم: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) المائدة/٩٠-٩١.
وقد حذرنا الله من السير خلف الشيطان واتباع خطواته فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر) النور/٢١.
وإذا أعرض الإنسان عن الله تولاه الشيطان وجره إلى الفساد والطغيان: (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً) مريم/٨٣.
وكل من أعرض عن الله وسار خلف الشيطان فإنما يهلك نفسه وخسر ديناه وآخرته: (ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً) النساء/١١٩.
وقد سلك الشيطان طرقاً عجيبة في الإغواء فأفسد كثيراً من الناس وزين لهم سوء أعمالهم فأوردهم جهنم وبئس المصير: (يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً، أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصاً) النساء/١٢٠ - ١٢١.
وعداوة الشيطان لآدم وذريته قديمة فقد أسكن الله آدم وزوجته في الجنة فجاء الشيطان إلى آدم وزين له المعصية فأطاعه آدم يظنه صادقاً فعصى آدم ربه وأخرج من الجنة ثم تاب الله عليه وقد حذرنا الله من طاعة الشيطان فقال: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة) الأعراف/٢٧.
ولما كانت عداوة الشيطان للإنسان ظاهرة بينة أمرنا الله بالحذر منه , وإعلان الحرب عليه ونصب العداوة له فقال: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) فاطر/٦.
وقد أرشدنا الله إلى أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم كلما هممنا بمعصية فقال: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغٌ فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير) فصلت/٣٦.
وفي يوم القيامة يوم الصدق والعدل يعترف الشيطان بجريمته فيعلن أمام الخلائق أن الله صادق وأنه كاذب وأنه لا لوم عليه وإنما الملامة على من اتبعه فيندم كل من اتبعه ولكن حينذاك لا ينفع الندم: (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمونِ من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم) إبراهيم/٢٢.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب أصول الدين الإسلامي للشيخ محمد بن إبراهيم التويجري.
стр. 15346
كيف يُعالج الإنسان نفسه إذا دعته إلى الرياء
[السُّؤَالُ]
ـ[كلما فعلت شيئاً جيداً أنظر للناس لكي يقدروا عملي، وبعبارة أخرى فأنا أرائي، أعلم بأن الرياء غير مسموح به في الإسلام ولكن كيف أستطيع أن أتخلص من الرياء وهذا الشعور؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
على الراغب في التخلص من الرياء أن يسلك هذه السبل في علاج نفسه منه، ومن ذلك:
١. استحضار مراقبة الله تعالى للعبد.
وهي منزلة " الإحسان " التي ذكرها النبي ﷺ في حديث جبريل، وهي " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك ". رواه مسلم (٩٧) .
فمن استشعر رقابة الله له في أعماله يهون في نظره كل أحد، ويوجب له ذلك التعظيم والمهابة لله تعالى.
٢. الاستعانة بالله تعالى على التخلص من الرياء
قال الله تعالى عن المؤمنين ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة ٥] ، ومن الأشياء التي تنفع في هذا الباب الاستعانة بالله في دعائه، قال ﷺ : "أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل فقال له من شاء الله أن يقول:وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال قولوا اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلم ". رواه أحمد (٤/٤٠٣) ، وصححه الشيخ الألباني في " صحيح الجامع " (٣٧٣١) .
٣. معرفة آثار الرياء وأحكامه الأخروية.
حيث أن الجهل بذلك يؤدي إلى الوقوع أو التمادي فيه، فليعلم أن الرياء مُحبط للأعمال، وموجب لسخط الله، والعاقل لا يتعب نفسه بأعمال لا يكون له أجر عليها، فكيف إذا كانت توجب سخط الله وغضبه.
ومن أعظم الأحاديث في عقوبة المرائين في الآخرة ما أخبرنا به ﷺ : " أَنَّ اللَّهَ ﵎ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى الْعِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ وَرَجُلٌ يَقْتَتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَرَجُلٌ كَثِيرُ الْمَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي قَالَ بَلَى يَا رَبِّ قَالَ فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عُلِّمْتَ قَالَ كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ كَذَبْتَ وَتَقُولُ لَهُ الْمَلائِكَةُ كَذَبْتَ وَيَقُولُ اللَّهُ بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ إِنَّ فُلَانًا قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ الْمَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ قَالَ بَلَى يَا رَبِّ قَالَ فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ قَالَ كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ كَذَبْتَ وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ كَذَبْتَ وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلانٌ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ فِي مَاذَا قُتِلْتَ فَيَقُولُ أُمِرْتُ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ كَذَبْتَ وَتَقُولُ لَهُ الْمَلائِكَةُ كَذَبْتَ وَيَقُولُ اللَّهُ بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلانٌ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". رواه الترمذي (٢٣٨٢) وحسّنه، وصححه ابن حبان (٤٠٨) ، وابن خزيمة (٢٤٨٢) .
٤. النظر في عقوبة الرياء الدنيوية.
وكما أن للرياء عقوبة أخروية، فكذلك له عقوبة دنيوية، وهي أن يفضحه الله تعالى، ويظهر للناس قصده السيّئ، وهو أحد الأقوال في تفسير قوله ﷺ " من سمَّع: سمَّع الله به، ومَن راءى: راءى الله به " رواه البخاري (٦١٣٤) ومسلم (٢٩٨٦) . قال ابن حجر: قال الخطابي معناه: من عمل عملا على غير إخلاص وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه ويظهر ما كان يبطنه.
وقيل: من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس ولم يرد به وجه الله فإن الله يجعله حديثا سيئا عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم ولا ثواب له في الآخرة. أ. هـ " فتح الباري " (١١ / ٣٣٦) .
٥. إخفاء العبادة وعدم إظهارها.
وكلما ابتعد الإنسان عن مواطن إظهار العبادة: كلما سَلِم عمله من الرياء، ومن قصد مواطن اجتماع الناس: حرص الشيطان عليه أن يظهر العبادة لأجل أن يمدحوه ويُثنوا عليه.
والعبادة التي ينبغي إخفاؤها هنا هي ما لا يجب أو يُسنُّ الجهر به كقيام الليل والصدقة وما أشبههما، وليس المقصود الأذان وصلاة الجماعة وما أشبههما مما لا يُمكن ولا يُشرع إخفاؤه.
نسأل الله الإخلاص في القول والعمل وأن يغفر لنا ما وقعنا فيه من الرّياء والسمعة وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15347
علاج الغضب
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف يمكن أن يتحكم الإنسان في أعصابه؟ إنني متضايق جداً وحين أغضب أترك المكان وقد تلوت بعض الأذكار وقلت (لا حول ولا قوة إلا بالله) ولكن لا فائدة. فما الحل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الغضب نزغة من نزغات الشيطان، يقع بسببه من السيئات والمصائب مالا يعلمه إلا الله، ولذلك جاء في الشريعة ذكرُ واسع لهذا الخلق الذميم، وورد في السنة النبوية علاجات للتخلص من هذا الداء وللحدّ من آثاره، فمن ذلك:
١- الاستعاذة بالله من الشيطان:
عن سليمان بن صرد قال: كنت جالساً مع النبي ﷺ ، ورجلان يستبّان، فأحدهما احمرّ وجهه واتفخت أوداجه (عروق من العنق) فقال النبي ﷺ : إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد رواه البخاري، الفتح ٦/٣٣٧ ومسلم/٢٦١٠.
وقال ﷺ : إذا غضب الرجل فقال أعوذ بالله، سكن غضبه صحيح الجامع الصغير رقم ٦٩٥.
٢- السكوت: قال رسول الله ﷺ : (إذا غضب أحدكم فليسكت) رواه الإمام أحمد المسند ١/٣٢٩ وفي صحيح الجامع ٦٩٣، ٤٠٢٧.
وذلك أن الغضبان يخرج عن طوره وشعوره غالباً فيتلفظ بكلمات قد يكون فيها كفر والعياذ بالله أو لعن أو طلاق يهدم بيته، أو سب وشتم - يجلب له عداوة الآخرين. فبالجملة: السكوت هو الحل لتلافي كل ذلك.
٣- السكون: قال رسول الله ﷺ : (إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع) .
وراوي هذا الحديث أبو ذر ﵁، حدثت له في ذلك قصة: فقد كان يسقي على حوض له فجاء قوم فقال: أيكم يورد على أبي ذر ويحتسب شعرات من رأسه؟ فقال رجل أنا فجاء الرجل فأورد عليه الحوض فدقّه أي كسره أو حطّمه والمراد أن أبا ذر كان يتوقع من الرجل المساعدة في سقي الإبل من الحوض فإذا بالرجل يسيء ويتسبب في هدم الحوض.
، وكان أبو ذر قائماً فجلس ثم اضطجع فقيل له: يا أبا ذر لم جلست ثم اضطجعت؟ قال فقال: إن رسول الله ﷺ .... وذكر الحديث بقصته في مسند أحمد ٥/١٥٢ وانظر صحيح الجامع رقم ٦٩٤.
وفي رواية كان أبو ذر يسقي على حوضٍ فأغضبه رجل فقعد.... فيض القدير، المناوي ١/٤٠٨.
ومن فوائد هذا التوجيه النبوي منع الغاضب من التصرفات الهوجاء لأنه قد يضرب أو يؤذي بل قد يقتل - كما سيرد بعد قليل - وربما أتلف مالاً ونحوه، ولأجل ذلك إذا قعد كان أبعد عن الهيجان والثوران، وإذا اضطجع صار أبعد ما يمكن عن التصرفات الطائشة والأفعال المؤذية. قال العلامة الخطابي ﵀ في شرحه على أبي داود: (القائم متهيء للحركة والبطش والقاعد دونه في هذا المعنى، والمضطجع ممنوع منهما، فيشبه أن يكون النبي ﷺ إنما أمره بالقعود والاضطجاع لئلا يبدر منه في حال قيامه وقعوده بادرة يندم عليها فيما بعد. والله أعلم سنن أبي داود، ومعه معالم السنن ٥/١٤١.
٤- حفظ وصية رسول الله ﷺ : عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً قال للنبي ﷺ أوصني قال لا تغضب. فردّد ذلك مراراً، قال لا تغضب رواه البخاري فتح الباري ١٠/٤٥٦.
وفي رواية قال الرجل: ففكرت حين قال النبي ﷺ ، ما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله مسند أحمد ٥/٣٧٣.
٥- لا تغضب ولك الجنة حديث صحيح: صحيح الجامع ٧٣٧٤. وعزاه ابن حجر إلى الطبراني، انظر الفتح ٤/٤٦٥.
إن تذكر ما أعد الله للمتقين الذين يتجنبون أسباب الغضب ويجاهدون أنفسهم في كبته ورده لهو من أعظم ما يعين على إطفاء نار الغضب، ومما ورد من الأجر العظيم في ذلك قوله ﷺ ومن كظم غيظاً، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رضاً يوم القيامة رواه الطبراني ١٢/٤٥٣ وهو في صحيح الجامع ١٧٦.
وأجر عظيم آخر في قوله ﵊: (من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ماشاء رواه أبو داود ٤٧٧٧ وغيره، وحسنّه في صحيح الجامع ٦٥١٨.
٦- معرفة الرتبة العالية والميزة المتقدمة لمن ملك نفسه
قال رسول الله ﷺ ، (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) رواه أحمد ٢/٢٣٦ والحديث متفق عليه.
وكلما انفعلت النفس واشتد الأمر كان كظم الغيظ أعلى في الرتبة. قال ﵊: (الصرعة كل الصرعة الذي يغضب فيشتد غضبه ويحمر وجهه، ويقشعر شعره فيصرع غضبه) رواه الإمام أحمد ٥/٣٦٧، وحسنه في صحيح الجامع ٣٨٥٩.
وينتهز ﵊ الفرصة في حادثة أمام الصحابة ليوضّح هذا الأمر، فعن أنس أن النبي ﷺ مرّ بقوم يصطرعن، فقال: ماهذا؟ قالوا: فلان الصريع ما يصارع أحداً إلا صرعه قال: أفلا أدلكم على من هو أشد منه، رجلٌ ظلمه رجلٌ فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه رواه البزار قال ابن حجر بإسناد حسن. الفتح ١٠/٥١٩.
٧- التأسي بهديه ﷺ في الغضب:
وهذه السمة من أخلاقه ﷺ ، وهو أسوتنا وقدوتنا، واضحة في أحاديث كثيرة، ومن أبرزها: عن أنس ﵁ قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ ، وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ (ما بين العنق والكتف) وقد أثرت بها حاشية البرد، ثم قال: يا محمد مُر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه ﷺ فضحك، ثم أمر له بعطاء متفق عليه فتح الباري ١٠/٣٧٥.. ومن التأسي بالنبي ﷺ أن نجعل غضبنا لله، وإذا انتهكت محارم الله، وهذا هو الغضب المحمود فقد غضب ﷺ لما أخبروه عن الإمام الذي يُنفر الناس من الصلاة بطول قراءته، وغضب لما رأى في بيت عائشة ستراً فيه صور ذوات أرواح، وغضب لما كلمه أسامة في شأن المخزومية التي سرقت، وقال: أتشفع في حد من حدود الله؟ وغضب لما سُئل عن أشياء كرهها، وغير ذلك. فكان غضبه ﷺ لله وفي الله.
٨- معرفة أن رد الغضب من علامات المتقين:
وهؤلاء الذين مدحهم الله في كتابه، وأثنى عليهم رسوله، ﷺ ، وأعدت لهم جنات عرضها السماوات والأرض، ومن صفاتهم أنهم: ﴿ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾ وهؤلاء الذين ذكر الله من حسن أخلاقهم وجميل صفاتهم وأفعالهم، ماتشرئبّ الأعناق وتتطلع النفوس للحوق بهم، ومن أخلاقهم أنهم: ﴿إذا ما غضبوا هم يغفرون﴾ .
٩- التذكر عند التذكير:
الغضب أمر من طبيعة النفس يتفاوت فيه الناس، وقد يكون من العسير على المرء أن لا يغضب، لكن الصدّيقين إذا غضبوا فذكروا بالله ذكروا الله ووقفوا عند حدوده، وهذا مثالهم.
عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً استأذن على عمر ﵁ فأذن له، فقال له: يا ابن الخطاب والله ما تعطينا الجزل (العطاء الكثير) ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر ﵁ حتى همّ أن يوقع به، فقال الحر بن قيس، (وكان من جلساء عمر) : يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه، ﷺ : (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر ﵁ حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله رواه البخاري الفتح ٤/٣٠٤. فهكذا يكون المسلم، وليس مثل ذلك المنافق الخبيث الذي لما غضب أخبروه بحديث النبي ﷺ وقال له أحد الصحابة تعوذ بالله من الشيطان، فقال لمن ذكره: أترى بي بأس أمجنون أنا؟ اذهب رواه البخاري فتح ١/٤٦٥. نعوذ بالله من الخذلان.
١٠- معرفة مساوئ الغضب:
وهي كثيرة، مجملها الإضرار بالنفس والآخرين، فينطلق اللسان بالشتم والسب والفحش وتنطلق اليد بالبطش بغير حساب، وقد يصل الأمر إلى القتل، وهذه قصة فيها عبرة: عن علقمة بن وائل أن أباه ﵁ حدّثه قال: إني لقاعد مع النبي ﷺ إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة (حبل مضفور) فقال: يا رسول الله هذا قتل أخي. فقال رسول الله ﷺ ، أقتلته؟ قال: نعم قتلته. قال: كيف قتلته؟ قال: كنت أنا وهو نختبط (نضرب الشجر ليسقط ورقه من أجل العلف) من شجرة، فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه (جانب الرأس) فقتلته ... إلى آخر القصة رواه مسلم في صحيحه ١٣٠٧ ترتيب عبد الباقي.
وقد يحصل أدنى من هذا فيكسر ويجرح، فإذا هرب المغضوب عليه عاد الغاضب على نفسه، فربما مزق ثوبه، أو لطم خده، وربما سقط صريعاً أو أغمي عليه، وكذلك قد يكسر الأواني ويحطم المتاع.
ومن أعظم الأمور السيئة التي تنتج عن الغضب وتسبب الويلات الاجتماعية وانفصام عرى الأسرة وتحطم كيانها، هو الطلاق. واسأل أكثر الذين يطلقون نساءهم كيف طلقوا ومتى، فسينبئونك: لقد كانت لحظة غضب.
فينتج عن ذلك تشريد الأولاد، والندم والخيبة، والعيش المرّ، وكله بسبب الغضب. ولو أنهم ذكروا الله ورجعوا إلى أنفسهم، وكظموا غيظهم واستعاذوا بالله من الشيطان ما وقع الذي وقع ولكن مخالفة الشريعة لا تنتج إلا الخسارة.
وما يحدث من الأضرار الجسدية بسبب الغضب أمر عظيم كما يصف الأطباء كتجلّط الدم، وارتفاع الضغط، وزيادة ضربات القلب، وتسارع معدل التنفس، وهذا قد يؤدي إلى سكته مميتة أو مرض السكري وغيره. نسأل الله العافية.
١١- تأمل الغاضب نفسه لحظة الغضب.
لو قدر لغاضب أن ينظر إلى صورته في المرآة حين غضبه لكره نفسه ومنظره، فلو رأى تغير لونه وشدة رعدته، وارتجاف أطرافه، وتغير خلقته، وانقلاب سحنته، واحمرار وجهه، وجحوظ عينيه وخروج حركاته عن الترتيب وأنه يتصرف مثل المجاني لأنف من نفسه، واشمأز من هيئته ومعلوم أن قبح الباطن أعظم من قبح الظاهر، فما أفرح الشيطان بشخص هذا حاله! نعوذ بالله من الشيطان والخذلان.
الدعاء:
هذا سلاح المؤمن دائماً يطلب من ربه أن يخلصه من الشرور والآفات والأخلاق الرديئة، ويتعوذ بالله أن يتردى في هاوية الكفر أو الظلم بسبب الغضب، ولأن من الثلاث المنجيات: العدل في الرضا والغضب صحيح الجامع ٣٠٣٩ وكان من دعائه ﵊: (اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي، اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الإخلاص في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرّ ة ولا فتنة مضلّة الله زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين.
والحمد لله رب العالمين.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15348
يشعر بنقص الإيمان إذا فارق الإخوة الصالحين
[السُّؤَالُ]
ـ[استقمت بحمد الله على دين الله منذ شهر تقريباً، وأشعر بالثبات إذا كنت مع بعض الإخوة الصالحين، وحين أفارقهم بسبب انشغالي وأعمالي أجد نقصاً في الإيمان، بماذا تنصحونني؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نوصيك بالاستقامة على صحبة الأخيار، وإذا فارقتهم لبعض أشغالك فاتق الله وتذكر أنه سبحانه رقيب عليك، وهو أعظم منهم، قال تعالى: (إن الله كان عليكم رقيباً) النساء /١، وقال سبحانه: (الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين) الشعراء/٢١٨-٢١٩، وقال تعالى: (لا تحزن إن الله معنا) التوبة/٤٠، فالله مراقبك فاتق الله، وتذكر أنك بين يديه، وأنه يراك على الطاعة والمعصية جميعاً، فاحذر عقاب الله، واحذر أن تعمل ما يغضبه سبحانه، قال جل وعلا: (ويحذركم الله نفسه) آل عمران/٣٠، وقال سبحانه: (وإياي فارهبون) البقرة/٤٠.
فعليك بالصدق مع الله والاستقامة على دين الله سبحانه في خلوتك ومع أصحابك وفي كل مكان فأنت في مسمع من الله ومرأى، يسمع كلامك ويرى أفعالك، فعليك أن تستحي من الله جل وعلا أعظم من حيائك من أهلك ومن غير أهلك.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٩ ص / ٣٩.
стр. 15349
يحسّ بالتقصير والشيطان يثبّطه عن تحسين حاله
[السُّؤَالُ]
ـ[الحمد لله أنا مسلم ولكنني لا أشعر بأنني مؤمن، لا أشعر بالراحة للطريقة التي أعيش بها وأشعر بهذا من وقت لآخر، وأسأل نفسي (أين مكاني يوم القيامة؟) لا أشعر بالسعادة في حياتي بسبب هذا الإحساس..
أشعر بالندم إذا ضيعت الصلاة، أشعر بالرغبة في أن أفعل الكثير من الأشياء التي يريد مني الله أن أفعلها وبهذا أدخل الجنة مع الرسول ﷺ ولكن ينتهي الأمر بأنني لا أفعل شيئا. والذي أريده منك أن تخبرني ما هي طريقة البداية.. شكرا وجزاك الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه المشاعر التي ذكرتها في سؤالك يا أخي دوافعها طيبة إن شاء الله وناتجة عن شعورك بالتقصير والرغبة في تزكية نفسك ورفع مستواها الإيماني ولكن المهمّ أن لا تقودك إلى الإحباط بل تكون دافعا عمليا للتحسين فاستثمر الشعور بالتقصير في الاندفاع للعمل وليس الاستسلام للمستوى المتدني والانكفاء على الحال وعدم التغيير.
إن النبي ﷺ كان يستعيذ في دعائه من العجز والكسل وهو الذي علمنا السعي لعمل ما ينفعنا في دنيانا وأخرانا فقال: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) رواه مسلم برقم ٤٨١٦ فاجعل أيها الأخ الكريم تقوى الله نصب عينيك لقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ وأن تتذكر وعده ووعيده، وعده لأوليائه الصالحين بالمغفرة والأجر الكريم ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كريم﴾ المائدة ٩، ووعيده لمن حادوا عن الصراط المستقيم وخالفوا أمره وضيعوه ﴿وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم﴾ التوبة ٦٨ لكي تكون دائما بين الخوف والرجاء ولتعلم أن وعد الله حق فلا تغتر بهذه الحياة ولتعد العدة ليوم تلقاه ﴿يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾ فاطر: ٥ ولتكثر من ذكر الله فإن فيه طمأنينة للقب وراحة للنفس ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ الرعد: ٢٨، وعليك بالاستغفار مما ضيعت من أوامر الله فقد جعل الله سبحانه باب التوبة مشرعاً أمام سائر المذنبين: روى مسلم في الصحيح عن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها. صحيح مسلم ٤٩٥٤
وعنه ﷺ أنه قال، قال الله تعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة رواه الترمذي بإسناد حسن سنن الترمذي برقم ٣٤٦٣. فإذا عمل المسلم بطاعة الله تعالى جعل الله له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا، قال تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ الطلاق: ٣
وابدأ بالفرائض وألزم نفسك بها وبالامتناع عن المحرمات ثم التفت إلى المستحبّات وتدرّج في القيام بها والزيادة في عملها شيئا فشيئا حتى لا تنفر نفسك ولا تملّ.
وأخيراً إياك والتسويف فإنه محبط للقيام بالعمل فإذا شرعت بطاعة فسارع بها ولا تتوانى فيها والمسارعة في مثل هذا الباب أمر محمود ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ وداوم على العمل وإن قلّ فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قَلّ، والله ولي التوفيق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15350
حماية النفس من الاغراءات في بلاد الإباحية
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي الوسائل - غير الزواج - التي تمكن الشباب المسلمين الذين تركوا بلادهم المسلمة للدراسة في أمريكا من حماية أنفسهم من الاغراءات الموجودة هناك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ينبغي أن نعلم أن الزواج هو الحل الطبيعي، وحين نفكر في البديل نفكر به على أنه مؤقت، والذي يعين على مواجهة أثر الشهوة أمران:
الأول:
تقوية المانع في النفس، ويشمل ذلك: تقوية الإيمان، والخوف من الله ومراقبته، وتقوية الإرادة والعزيمة في النفس، وإدراك المرء لعواقب اتباع الشهوة في الدنيا والآخرة.
الثاني:
إضعاف الدافع، ويتمثل ذلك في الصيام، وفي البعد عن كل ما يثير الشهوة وعلى رأسه النظر الحرام، والصحبة السيئة.
الشيخ محمد الدويش
وإن ممارسة العبادات المشروعة بكافة أنواعها وانشغال النفس بها من أعظم ما يعين على حماية النفس من الاغراءات المحرمة فإذا انشغل هؤلاء الشباب بالتلاوة والذكر والدعاء والصيام والدعوة إلى الله وأقاموا لأنفسهم مجتمعاً خاصاً يعبدون الله فيه ويلتقون على الخير والبر وعكف كل منهم على عبادة ربه في وقت فراغه واستمر يذكر ربه في وقت شغله حتى في المكاتب وفصول الدراسة حتى يصير قلبه مع ربه ولو كان جسده مع الكفار فإن ذلك من أعظم أسباب سلامته، والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15351
أسماء كتب إسلامية في علم النّفس
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك كتب في علم النفس تنصح بها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن كنت تسأل عن أسماء مؤلفات في علم النفس الإسلامي فالجواب أنّ الكتابات الحديثة في الموضوع لا تزال قليلة مع الأسف وهذا المجال بحاجة إلى من درس الكتاب والسنّة وله بصيرة بالنّفس البشرية وتجارب واقعية وخبرة بما لدى غير المسلمين من تجارب وكتابات في الموضوع حتى يستطيع الكتابة النّقية المفيدة في الموضوع، وعلى أية حال فلا يخلو الأمر من وجود بعض الكتابات الجيّدة في هذا الموضوع ومن ذلك:
١- علم النفس الدعوي عبد العزيز محمد النغميشي
٢- مدخل إلى التربية الإسلامية عبد الرحمن اليامي
٣- أسس الصحة النفسية للطفل المسلم مالك بدري
٤- التفكر من المشاهدة إلى الشهود: دراسة نفسية إسلامية مالك بدري
٥- علم النفس التعليمي محمد خليفة بركات
٦- آراء ابن القيم التربوية حسن علي حسن الحجاجي
٧- دراسات في النفس الإنسانية محمد قطب
٨- منهج التربية الإسلامية ١-٢ محمد قطب
٩- علم النفس في حياتنا اليومية محمد عثمان نجاتي
١٠- علم النفس التكويني عبد الحميد محمد الهاشمي
١١- المراهقون عبد العزيز محمد النغميشي
١٢- أصول علم النفس العام عبد الحميد محمد الهاشمي
ولعلك تجد في المرجع الأول بعض التفاصيل عن هذه المراجع، نسأل الله لك التوفيق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15352
ماذا يفعل من رأى في نفسه الشر وأن الشر يغلب الخير ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا يفعل من رأى في نفسه الشر وأن الشر يغلب الخير؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الإنسان كائن ضعيف، يتعرض لنوازع الخير والشر، وقد يضعف وينساق إلى طريق الرذيلة والانحراف، ويدفعه الشر إلى طريق الظلم والتعدي، ويزين له الشيطان فعل المنكرات، ويبرر له كل تصرف منحرف.
لكن عنصر الخير يحرك فيه ضميره، ويُشعره بالندم، ويحثه على الرجوع إلى الحق، والاستجابة لنداء العقل.
وتختلف قدرات الناس، وقوة إرادتهم، وصفاء نفوسهم، وشفافية أرواحهم، فمنهم من يروض نفسه على السير على طريق الفضائل والمكرمات، ويربيها على المبادئ والأخلاق، ويقاوم الشهوات، والميول المنحرفة، ويلزم نفسه بالاستقامة والإنصاف، فهذا يستطيع أن يواجه الشر، ويحتمل في سبيل ذلك كل أمر عسير، ولا يفقد الأمل بتغلب الخير، واندحار الشر، وزواله.
ومنهم من ينساق وراء الشهوات، ويعجز عن إلزام نفسه بالفضائل، ويتخلى عن كثير من أوامر الله ورسوله، ويضعف أمام المواجهة، ويفقد الأمل في تغلب الخير.
فالسرّ في المسألة كلها أن يُجاهد العبد هواه ونفسه الأمّارة بالسوء لينال الهداية من الله قال الله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلنا) .
وفيما يلي عبارات جميلة في المجاهدة لابن القيم ﵀
" يا أقدام الصبر احملي بقي القليل تذكّر حلاوة (العبادة) يَهُن عليك مُرّ المجاهدة " الفوائد
" اخرج إلى مزرعة المجاهدة واجتهد في البذر واسق شجرة الندم بساقية الدمع فإذا عاد العود أخضر فَعُد لما كان. " بدائع الفوائد ٣/٧٤٢
" وقيل: المحبة صدق المجاهدة في أوامر الله وتجريد المتابعة لسنة رسول الله ﷺ " طريق الهجرتين ١/٤٦٠
" من ترك المجاهدة بالكلية ضعف فيه باعث الدين وقويَ فيه باعث الشهوة ومتى عود نفسه مخالفة الهوى غلبه متى أراد " عدة الصابرين ص/٤٦
والمؤمن المجاهد يعلم أن الخير باقٍ، وأن الغلبة له، مهما اشتدت الظلمة، وعظمت المصيبة وتحكم الشر واستبد، وتجاوز كل حد، والله المستعان.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15353
مواجهة التفكير بالزنا
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا يمكن للمسلمة أن تفعل إذا وجدت نفسها تفكر في الزنا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
التفكير بالزنا له صورتان:
أولا: أن يكون مجرد خواطر غير مستقرة في النفس، فهذا لا يؤاخذ الإنسان عليه، لكن الأولى أن يتخلص منه لئلا يقود إلى ما بعده.
ثانيا: أن يكون تفكيرا مقرونا بالعزيمة والنية، فهذا ينبغي أن يبادر الشخص إلى علاجه من خلال عدة أمور منها:
١- التفكير الجاد بالزواج فهو التحصين الشرعي والفطري للمسلم والمسلمة.
٢- الصيام إذا لم يستطع الزواج.
٣- حرص المسلم والمسلمة على تقوية إيمانهما من خلال تلاوة القرآن، وصلاة النفل، والعبادات بينه وبين الله.
٤- الاعتناء باختيار الرفقة الصالحة.
٥- البعد عن كل ما يثير الشهوة، ومن أبرز ذلك النظر الحرام.
٦- تذكر عواقب الزنا في الدنيا والآخرة، وأن آثاره السيئة لا توازي أبدا اللذة العاجلة التي يجدها صاحبها.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد الدويش.
стр. 15354
اكتشفت أن زوجها يمارس اللواط وتريد الطلاق ولا تريد فضحه
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد تزوجت من رجل، ولقد اتضح أنه ليس من أهل الصلاح وأنه يأتي ما حرمه الله ويتعدى حدوده، أولا اكتشفت أنه يشاهد القنوات الإباحية، وعند مناصحته ينكر وجودها في المنزل ويقوم بسحب كرت التشفير من الريسيفر، وبعد عدة أيام كنت خارج المنزل عند جارات لي وأخبرني أن لا نزل إلى المنزل إلا أن يتصل علي!! ولما تأخر عن الاتصال نزلت ودخلت المنزل وفوجئت به يخرج من غرفة اسقبال الضيوف وهو في حال لا يعلم به إلا الله، ولما رأيت حالتة أسرعت إلى غرفة استقبال الضيوف، قلت: إذن سأجد امرأة في الغرفة، فوجدت إنه والعياذ بالله كان يمارس اللواط مع أحد أصدقائه وعندما واجهته بأني أريد الطلاق، قال إن شاء الله بكره راح أوصلك عند أمك. وخرج وعندما أتى في الصباح قام يصرخ في وجهي ويقذفني بالسوء ويقول إني أنا فضحته وأدخلت رجال في منزله أثناء غيابه ((لما كان في العمل)) . وأنا والدي متوفى، وكنت أعتبر أباه في مقام والدي، وعندما أخبرت والده بما رأيت من ولده. صرخ في وجهي، وقال لا تتدخلي أبداً حتى لو رأيتيه يفعل بأحد أو يفعل به فقلت له قل لولدك يطلقني، فقال: خليك كذا معلقة لغاية ما ولدي يموت وأنت على ذمته. ويقول لي: حتى لو رحتي المحكمة عندك إثبات ملموس على أفعال ولدي!! وأنا الآن أريد أطلب الطلاق، ولا أريد الموضوع يوصل المحكمة، ولا أريد أفضحه، بحكم العشره اللي كانت بيننا، وأنا أخاف الله فيه!! هل يجوز أن أذهب للمحكمة وأقول ما يفعله، وآخذ حقي في الطلاق؟ ولا أريد أن يتعلق برقبتي دم أحد ولا روح أحد؟!]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله ﷻ أن يثبتك على الهدى والصلاح، وأن يجبر كسرك، ويعظم أجرك في مصابك.
ولا شك أن ما حدث هو مصيبة بكل المقاييس، مصيبة في هذا الزوج الذي أعرض عن الطيب الطهور الذي أحله الله له من أهله، وراح يتلوث بالنجس والقاذورات، وانتكست فطرته حتى راح يفعل ما يفعل مع الرجال.
ثم كانت المصيبة مضاعفة بالعصبية الجاهلية من والده؛ وبدلا من أن يأنف أن يكون ولده بهذه الحال، تعصب له، وقال ما قال؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
ولو كانت هذه الفعلة زلت عارضة لرجل سيرته تدل على الصلاح، لقلنا: لعله أن يتوب وينيب، لكن الرجل مغموس في الخنا والقاذورات، كما يبدو من حاله. هذا مع أن من ابتلي بهذه الفعلة الشنعاء، فعلة قوم لوط، قلما يوفق لخير أو صلاح بعدها.
قال ابن القيم ﵀، في ذكره لمفاسد تلك الفعل الشنعاء:
" فَإِنّهُ يُحْدِثُ الْهَمّ وَالْغَمّ وَالنّفْرَةَ عَنْ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ. وَأَيْضًا: فَإِنّهُ يُسَوّدُ الْوَجْهَ وَيَظْلِمُ الصّدْرَ وَيَطْمِسُ نُورَ الْقَلْبِ وَيَكْسُو الْوَجْهَ وَحْشَةً تَصِيرُ عَلَيْهِ كَالسّيمَاءِ يَعْرِفُهَا مَنْ لَهُ أَدْنَى فِرَاسَةٍ. وَأَيْضًا: فَإِنّهُ يُوجِبُ النّفْرَةَ وَالتّبَاغُضَ الشّدِيدَ وَالتّقَاطُعَ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَلَا بُدّ. وَأَيْضًا: فَإِنّهُ يُفْسِدُ حَالَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ فَسَادًا لَا يَكَادُ يُرْجَى بَعْدَهُ صَلَاحٌ، إلّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ بِالتّوْبَةِ النّصُوحِ " انتهى.
"زاد المعاد" (٤/٢٣٥) .
وأما عن طلبك للطلاق منه: فلا حرج عليك فيه؛ وإنما الممنوع للمرأة أن تطلب الطلاق من غير بأس بزوجها، أما وقد منه، ووجد فيه البأس، كل البأس، فلا حرج عليك في سعيك للطلاق منه؛ فمثل هذا غير أمين عليك وعلى دينك وعرضك، ويخشى أن يجلب لك السوء والأمراض من أفعاله الخبيثة.
فإن قبل طلاقك هكذا، من غير محكمة ولا مشكلات: فبها ونعمت، وإلا فارفعي أمرك للقاضي الشرعي، وإن استدعى طلب طلاقك أن تقصي ما حدث: فلا حرج عليك فيه إن شاء الله؛ فإن الشكاية إلى القاضي، والتظلم، ممن المواضع التي نص أهل العلم على جواز ذكر الخصم بما فعل، وإباحة غيبته، فيما يتعلق بأمر الخصومة.
قال الإمام النووي ﵀:
"اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهو ستة أسباب:
الأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم للسلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية، أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: فلان ظلمني بكذا.
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد العاصي إلى الصواب؛ فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا، فازجره، ونحو ذلك، ويكون مقصوده التوصل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان حراما. " انتهى.
"رياض الصالحين" (٤٣٢) .
وأما تنفيذ الحكم فيه، وإقامة الحد عليه، فهذا يرجع إلى رأي المحكمة، وما يقوم عندها من البينة بذلك، وإذا كنت قد شهدت بما علمت، فلا تعلق لدمه برقبتك، إن شاء الله، هذا إذا ثبت ذلك لدى القاضي، وأقام حكم الله فيه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15355
هل البقاء مع الزوجة الزانية حرام
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا عمري ٣٣ سنة متزوج ولدي أربعة بنات، ومشكلتي هي عندما تزوجت وجدت زوجتي غير بكر، واعترفت بخيانتها فسامحتها وتابت، ومع مرور السنين وجدتها على غفلة تحادث في الانترنت مع عدة رجال، وبكت كثيرا واعترفت أنها لم تلتق بأي أحد منهم، فسامحتها مرة أخرى، لأن قلبي كبير وأسامح كل من يأخذ حقي، وكل من يظلمني أسامح الكل، ومع مرور بعض من الوقت بدأ حلم يراودني في المنام على أن زوجتي تخونني، فقلت لها ماذا تفعلي؟ فقالت على أنه حلم فقط، لكن أنا متأكد من هذا الحلم على أنه حقيقة، وبدأ نفس الحلم يراودني كل يوم، حتى بين لي الله حقي، فوجدت في هاتفها شخص باسم فتاة فلما واجهتها اعترفت على أنها على علاقة مع شخص آخر. والله حسيت كأن الموت جاءني، فبدأت تبكي وندمت ندما شديدا فسامحتها من أجل بناتي، ولكن الآن لا أحبها ولا أثق بها لقد حطمت حياتي. علما أن القانون عندنا أنها هي التي تأخذ البنات إن طلقتها. فمن أجل بناتي ضحيت بحياتي، من أجل أن لا يمسهم شر. وسؤالي هل علي إثم على هذه المسامحة؟ هل لا تزال هذه المرأة تصلح للزواج؟ هل لي أمل في الحياة مرة اخرى؟ وجزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
إن من أعظم ما تجنيه المرأة على زوجها، وترتكبه في حقه أن تفسد فراشه بزناها، فتخلط ماءه بماء نجس خبيث من الزنا، ولهذا كان زنا الزوجة عارا على الزوج وشينا له، وسوءا في حقه.
قال ابن القيم ﵀:
" الزِنى من المرأة أقبحُ منه بالرجل، لأنها تزيد على هتكِ حقِّ الله: إفسادَ فراشِ بعلها، وتعليقَ نسبٍ من غيره عليه، وفضيحةَ أهلها وأقاربها، والجناية على محض حق الزوج، وخيانته فيه، وإسقاط حرمته عند الناس، وتعييره بإمساك البغى، وغير ذلك من مفاسد زناها". انتهى. زاد المعاد (٥/٣٧٧) .
ثانيا:
قد استقر في الفطر أنفة الرجل من أن يتزوج زانية، ولأجل ذلك حرم نكاح الزانية حتى تتوب من زناها. جاء في الإقناع وشرحه:
" وَتَحْرُمُ الزَّانِيَةُ إذَا عُلِمَ زِنَاهَا عَلَى الزَّانِي وَغَيْرِهِ حَتَّى تَتُوبَ وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ .. " انتهى. " كشاف القناع" (٥/٨٢) .
فإذا تبين الزوج زنا زوجته، بعد أن تزوجها، وتبين له أنها لم تتب من ذلك؛ حرم عليه إمساكها، بل كان إمساكها ـ حينئذ ـ دياثة، يأنف منها كل ذي مروءة.
سُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَمَّنْ طَلَعَ إلَى بَيْتِهِ، وَوَجَدَ عِنْدَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَجْنَبِيًّا فَوَفَّاهَا حَقَّهَا وَطَلَّقَهَا؛ ثُمَّ رَجَعَ وَصَالَحَهَا وَسَمِعَ أَنَّهَا وُجِدَتْ بِجَنْبِ أَجْنَبِيٍّ؟
فَأَجَابَ:
" فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ ﷺ ﴿أَنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ الْجَنَّةَ قَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا يَدْخُلُك بَخِيلٌ وَلَا كَذَّابٌ وَلَا دَيُّوثٌ﴾ " وَالدَّيُّوثُ " الَّذِي لَا غَيْرَةَ لَهُ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ وَإِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْعَبْدُ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ﴾ وَقَدّ قَالَ تَعَالَى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ . وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الزَّانِيَةَ لَا يَجُوزُ تَزَوُّجُهَا إلَّا بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَزْنِي لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ بَلْ يُفَارِقُهَا وَإِلَّا كَانَ دَيُّوثًا ". انتهى. " مجموع الفتاوى (٣٢/١٤١) .
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ أيضا عَمَّنْ كَانَ لَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ غَيْرَهُ يَطَؤُهَا وَلَا يُحْصِنُهَا؟ فَأَجَابَ:
" هُوَ دَيُّوثٌ " وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ دَيُّوثٌ ". وَاَللَّهُ أَعْلَم. انتهى.
"مجموع الفتاوى" (٣٢/١٤٣) .
ثالثا:
ما ذكرته من مسامحتك في حقك، وعفوك عمن ظلمك: هو صفة طيبة حسنة، لكن ذلك إنما يحمد حيث لا يكون هناك هناك انتهاك لحرمات الله، ولا قبول بالخنا والفساد في نفسك وأهل بيتك، فإن هذا مما استقر في الفطر النفور منه، وذم فاعله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ الْآيَةُ: نَهَى تَعَالَى عَمَّا يَأْمُرُ بِهِ الشَّيْطَانُ فِي الْعُقُوبَاتِ عُمُومًا، وَفِي أَمْرِ الْفَوَاحِشِ خُصُوصًا؛ فَإِنَّ هَذَا الْبَابَ مَبْنَاهُ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالشَّهْوَةِ وَالرَّأْفَةِ الَّتِي يُزَيِّنُهَا الشَّيْطَانُ، بِانْعِطَافِ الْقُلُوبِ عَلَى أَهْلِ الْفَوَاحِشِ وَالرَّأْفَةِ بِهِمْ، حَتَّى يَدْخُلَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ بِسَبَبِ هَذِهِ الْآفَةِ فِي الدِّيَاثَةِ وَقِلَّةِ الْغَيْرَةِ، إذَا رَأَى مَنْ يَهْوَى بَعْضَ الْمُتَّصِلِينَ بِهِ، أَوْ يُعَاشِرُهُ عِشْرَةً مُنْكَرَةً، أَوْ رَأَى لَهُ مَحَبَّةً أَوْ مَيْلًا وَصَبَابَةً وَعِشْقًا، وَلَوْ كَانَ وَلَدُهُ رَأَفَ بِهِ، وَظَنَّ أَنَّ هَذَا مِنْ رَحْمَةِ الْخَلْقِ، وَلِينِ الْجَانِبِ بِهِمْ، وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ دياثة وَمَهَانَةٌ، وَعَدَمُ دِينٍ وَضَعْفُ إيمَانٍ، وَإِعَانَةٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَتَرْكٌ لِلتَّنَاهِي عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَتَدْخُلُ النَّفْسُ بِهِ فِي الْقِيَادَةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ الدياثة " انتهى.
"مجموع الفتاوى (١٥/٢٨٧-٢٨٨) .
ولتعلم يا عبد الله أنه ليس كل عفو عن الناس يكون خيرا، فقد كان النبي ﷺ أعظم الناس حلما وعفوا، لكن كان ذلك ينتهي عند حدود الله، فلا عفو فيها، ولا عدوان عليها.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ .
رواه البخاري (٦٨٥٣) ومسلم (٢٣٢٨) .
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" العفو المندوب إليه ما كان فيه إصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى: ٤٠] ؛ فإذا كان في العفو إصلاح، مثل أن يكون القاتل معروفاً بالصلاح؛ ولكن بدرت منه هذه البادرة النادرة؛ ونعلم، أو يغلب على ظننا، أنا إذا عفونا عنه استقام، وصلحت حاله، فالعفو أفضل، لا سيما إن كان له ذرية ضعفاء، ونحو ذلك؛ وإذا علمنا أن القاتل معروف بالشر والفساد، وإن عفونا عنه لا يزيده إلا فساداً وإفساداً: فترك العفو عنه أولى؛ بل قد يجب ترك العفو عنه ". انتهى. " تفسير القرآن " (٤/٢٤٧) .
ولا شك أن التجارب السابقة لهذه المرأة تدل على أنها فاسدة، غير مأمونة على بيتك وعرضك، وعلى تربية أولادك، فلا يحل لك أن تمسكها، وهي على هذه الحال؛ وإذا كانت قد أظهرت الندم والتوبة، فلا نرى لك أن تأمنها بعدما أظهرت، ثم عادت وخانت، وأمرها ـ في صدق توبتها ـ بينها وبين ربها.
وأما بناتك: فاجتهد أن تأخذهم منها بأي طريقة، ولو بتهديدها، ورفع الأمر إلى أهلها، أو بالصلح معها على مقابل، أو ما يتيسر لك. المهم أن تسعى في الخلاص منها، واستبقاء بناتك معك أنت. ونسأل الله أن يخلف لك خيرا منها.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15356
وافقتْ على شرطِه بسكنى قريبته معها وحصل منها إيذاء فهل يسقط شرطُه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا امرأة متزوجة منذ سنَة، وقد اشترط زوجي عليَّ قبل الزواج أن ابنة خالة أمه سوف تقيم معنا، وهي امرأة كبيرة في السن، ووافقتُ، وبعد الزواج اكتشفتُ أن أثاث البيت نصفه يعود لها، لا أستطيع أن أحرك شيئاً من مكانه، بالإضافة إلى أنها توجه إليَّ كافة أنواع الشتائم، تسبني، وتسب أهلي، وزوجي لا يرد عليها، وبعد ذلك قالت لي: إن أبي حرامي! وإني أنا قليلة أدب! لأني أوصل زوجي للباب وهو خارج، فاتصلت على أهلي، وأخذوني. هل يحق لي أن أطلب منه سكناً مستقلاًّ؟ وما حكم إقامة هذه المرأة معنا؟ . وشكراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أوجب الله تعالى على الزوج توفير إسكان زوجته بمسكن شرعي، تتوفر فيه المرافق الضرورية لقيام حياتها فيه، ومن أهم شروط هذا السكن: عدم إسكان أحدٍ من أهله معها.
وانظري تفصيل هذه المسائل في جواب السؤال رقم (٧٦٥٣) .
ثانياً:
يسقط حق الزوجة في سكن تنفرد به وحدها، وعدم سكن أحدٍ من أهل زوجها معها: بالشرط، فإن اشترط عليها سكنى أحدٍ من أهله معها، ورضيت به: لزمها الشرط، وسقط حقها في الانفراد، ووجب عليها الوفاء بالشرط.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
الأصل في الشروط: الحل، والصحة، سواءً في النكاح، أو في البيع، أو في الإجارة، أو في الرهن، أو في الوقف، وحكم الشروط المشروطة في العقود إذا كانت صحيحة: أنه يجب الوفاء بها، في النكاح، وغيره؛ لعموم قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) المائدة/ ١، فإن الوفاء بالعقد يتضمن: الوفاء به، وبما تضمنه من شروط، وصفات؛ لأنه كله داخل في العقد.
" الشرح الممتع على زاد المستقنع " (١٢ / ١٦٤) .
وعليه:
فالواجب عليكِ – أيتها السائلة – تحقيق الشرط، والرضى بسكنى ابنة خالة أم زوجك؛ لأنك رضيتِ بالشرط قبل العقد.
ثالثا:
يسقط اعتبار هذا الشرط، ولا يلزم الوفاء به في حال:
١. أن يُسقطه المشترط، وهو زوجك، فإذا أسقطه: صار كعدمه.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
شروط الشيء موضوعة من قبل الشرع، فلا يمكن لأحد إسقاطها، والشروط في الشيء موضوعة من قبل العبد فيجوز لمن هي له أن يسقطها.
" الشرح الممتع على زاد المستقنع " (٥ / ٢٥) .
٢. أن يتحقق ضرر عليكِ من سكنى من رضيت به، كقريب له يصير بالغاً، أو كسيء الأخلاق يطلع على عورتك، أو كمن يؤذيك بالسب، والشتم، والتحقير، أو يضرك بالضرب، وغيره.
وبما أن زوجك لم يُسقط شرطه: فليس أمامك إلا الأمر الآخر، ولكن يحتاج إثباته لبيِّنة، فإن ثبت: فلك الحق في إخراجها من بيتكم، أو إخراجك لبيت آخر تنفردين به عنها.
جاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية" (٢٥ / ١٠٩) :
الجمع بين الأبوين والزوجة في مسكن واحد: لا يجوز (وكذا غيرهما من الأقارب) ولذلك يكون للزوجة الامتناع عن السكنى مع واحد منهما؛ لأن الانفراد بمسكن تأمن فيه على نفسها ومالها حقها، وليس لأحد جبرها على ذلك.
وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة.
وإذا اشترط الزوج على زوجته السكنى مع الأبوين فسكنت، ثم طلبت الانفراد بمسكن: فليس لها ذلك عند المالكية، إلا إذا أثبتت الضرر من السكن مع الوالدين.
انتهى
وهذا الذي سبق إنما هو بيان لأصل المسألة، وما العمل في مثل حالكم، غير أن حل المشكلة التي بينكما لا يكون بمجرد الكلام النظري، وإنما يحتاج إلى سعي جاد من الطرفين للخروج منها، ومتى عجز الزوج عن الإصلاح بينكما، وتوفير السكن اللازم للحياة الطبيعية بين الزوجين، وجب عليه أن يفرق بينكما في المسكن، فإن لم يفعل فحاولي أن توسطي من يصلح بينكما، ويقنعه بالحفاظ على بيته، وأن بإمكانه أن يستأجر لك، أو لقريبته مسكنا ميسرا، يكون قريبا من المسكن الآخر، حتى يتمكن من مراعاة قريبته العجوز، ويتمكن أيضا من القيام بحق بيته وأهله. فإن لم يفعل، ولم تتمكني من تحمل الوضع القائم: فلك أن ترفعي أمرك للقضاء الشرعي، كحل أخير للمشكلة بينكما.
نسأل الله أن يصلح ذات بينكما، وأن يلهمكما رشدكما.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15357
مصابة بالوسواس، وتشك في صيامها
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة عمري٢٤ عندما كان عمري ١٧ كنت مصابة بمرض الوسواس القهري وتعالجت منه بعد فترة من الزمن ولكن مازال موجودا في ومتعبني كثيرا..حيث طرأ علي هذه الأيام أفكار تقول: لما كنت في الصف الثاني الثانوي كنت مفطرة عمداً، وأنني الآن مفطرة عمداً أيضاً. مع أنني لا أذكر أنني أفطرت، وبسبب هذا المرض صرت أنسى أشياء كثيرة ولا أتذكرها، فهل صحيح أني ربما أكون مفطرة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ما دمت لا تذكرين أنك أفطرت في رمضان، فهذا الشك الذي حصل عندك هو وسوسة من الشيطان، ولا يلزمك شيء، وقد ذكر العلماء قاعدة وهي: أن المسلم إذا فعل عبادة ثم شك بعد الانتهاء منها هل فعلها صحيحة أم لا؟ فإنه لا يلتفت إلى هذا الشك، ويكون فعلها صحيحة.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
"هذه قاعدة مهمة جداً، الشك بعد فراغ العبادة لا يؤثر في العبادة، بعض الناس إذا انتهى من الصلاة وسلم جاءه الشيطان: ما قرأت الفاتحة، ما سجدت إلا مرة. يُطرح الشكُ هنا؛ لأن الشك بعد فراغ العبادة لا أثر له.
وكثير من الناس كثير الشكوك، لا يكاد يفعل عبادة إلا شك، هذا أيضاً يطرح الشك، ولا يلتفت إليه لأن هذا هو وسواس" انتهى.
"دروس وفتاوى الحرم المدني" (ص / ١٥٣) .
وعلى هذا، فإذا جاءك الشيطان يوسوس لك أنك كنت أفطرت، فلا تلفتي إلى هذا الشك، ولا تشغلي نفسك به.
ومن طرائف ما يذكر في ذلك ما ذكره ابن الجوزي ﵀، قال:
"وبلغنا أن رجلاً جاء إلى أبي حازم فقال له: إن الشيطان يأتيني فيقول: إنك قد طلقت زوجتك، فيشككني. فقال له: أو ليس قد طلقتها؟ قال: لا، قال: ألم تأتني أمس فطلقتها عندي؟ فقال: والله ما جئتك إلا اليوم ولا طلقتها بوجه من الوجوه؟ قال: فاحلف للشيطان إذا جاءك كما حلفت لي، وأنت في عافية" انتهى.
"الأذكياء" (ص٣١) .
وخير علاج لهذا الوسواس هو كثرة ذكر الله تعالى ودعائه والاستعاذة به من الشيطان، ثم بعد ذلك: الإعراض عن هذه الوساوس وعدم الالتفات إليها، فلابد من قطع هذه الأفكار، وعدم الاسترسال والتمادي معها، وهذا وإن كان صعباً على النفس إلا أن هذا هو العلاج.
وللأهمية يراجع جواب السؤال رقم: (٦٢٨٣٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15358
طالب علم يعلم النساء، وتربطه بإحداهن علاقة خاصة !!
[السُّؤَالُ]
ـ[في بلدنا طالب علم له قدم في العلم وهو يحثنا على العلم والتقوى واتباع السنة والتأدب مع أهل العلم ونحسبه على منهج سلفي حق، وما يعلمنا في الدين شيئا إلى وله سند من كتاب أو سنة ويذم التقليد وإن كان تقليدنا له، ونحسبه يتقي الله في التعامل معنا كنساء سواء في الفتاوى أو غيرها، ويمكننا أن نخدم دعوتها بعض الخدمات من نشر علمه وكذا، لكن وللأسف علمت من امرأة أحسبها صادقة أنه كان على علاقة غير صحيحة بها وذلك في السر، أؤكد ذلك في السر، وحكت أنه يحاول أن يجعل الأمر يأخذ شكلا شرعيا من الزواج لكن ظروفه تمنعه لكنه وللأسف على الرغم من ذلك لم يقطع كلامه معها ويقول انه يحاول أن يهيء الظروف فهل نمتنع عن طلب العلم عنه وعن التعامل معه خاصة وقد أخذ الشيطان يوسوس لي ويقول لي أنه يقول ما لا يعمل ويشككني في كل شيء يقوله، أم نقول أن لكل إنسان خطأ وقد يكون مغلوب على هذا الذنب خاصة وقد علمناه يتقي الله في تعامله معنا، وخاصة أن هذا سر لا يعلمه إلا أشخاصا معدودين وأظن أنه لا يعلم بعلمي بهذا أصلا وليس معصوم إلا الأنبياء.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من الحق أن نقول إنه لا أحد من معصوم من المعاصي جميعها، بل لكل أحد خطؤه وذنبه فيما بينه وبين ربه، وهكذا حال بني آدم:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ) رواه مسلم (٢٧٤٩) .
لكن من الحق أيضا أن نقول: إن شأن عباد الله ليس كالذي يعمله هذا الطالب الذي يعلم النساء دينهن!!
إن الله تعالى قال عن عباده المتقين: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ) الأعراف /٢٠٠-٢٠٢.
قال الشيخ ابن سعدي ﵀:
" ولما كان العبد لا بد أن يغفل وينال منه الشيطان، الذي لا يزال مرابطا ينتظر غرته وغفلته، ذكر تعالى علامة المتقين من الغاوين، وأن المتقي إذا أحس بذنب، ومسه طائف من الشيطان فأذنب بفعل محرم أو ترك واجب، تذكر من أي باب أُتِيَ، ومن أي مدخل دخل الشيطان عليه، وتذكر ما أوجب الله عليه، وما عليه من لوازم الإيمان، فأبصر واستغفر الله تعالى، واستدرك ما فرط منه بالتوبة النصوح والحسنات الكثيرة، فرد شيطانه خاسئا حسيرا، قد أفسد عليه كل ما أدركه منه.
وأما إخوان الشياطين وأولياؤهم، فإنهم إذا وقعوا في الذنوب، لا يزالون يمدونهم في الغي ذنبا بعد ذنب، ولا يقصرون عن ذلك، فالشياطين لا تقصر عنهم بالإغواء، لأنها طمعت فيهم حين رأتهم سلسي القياد لها، وهم لا يقصرون عن فعل الشر " انتهى.
"تفسير السعدي" (٣١٣) .
فأي الصنيعين فعل هذا الطالب يا ترى؛ هل فعل ما يفعله المتقون إذا أذنبوا؛ لقد كان عليه أن يتذكر، ويبصر نفسه وما جنت يداه، أن يكون هو معلم الناس الخير، ويعطيه الناس الأمان على بناتهم، ويستأمنه النساء على أديانهن، ثم هو يفعل ما يفعل:
وراعي الشاةِ يحمي الذئب عنها فكيف إذا الرعاة لها ذئابُ؟!!
لقد كان عليه أن يعلم من أين أتي، وبأي شيء افتتن، فيغلق عن نفسه باب الفتنة، ويسد على الشيطان مسالكه إليه؛ لقد كان عليه أن يشتغل بدعوة الرجال وتعليمهم، ويدع ذلك لغيره، لكنه مع ذلك استمر، واستمر في علاقته واتصالاته، وكل هذه منكرات، كان عليه أن يدعها، وأن يدع ذلك الباب كله: باب تعليم النساء، والاتصال بهن ما دام قد أصابته الفتنة:
عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ) رواه البخاري (٤٨٠٨) ومسلم (٦٨٨١)
لقد كان على هذا الطالب أن يبصر مواقع الفتن، وأن يعلم من أين أتي، وأن استمراره في التعرض لذلك تغرير بنفسه، ومخاطرة بدينه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" لما قدم المهاجرون المدينة كان العزاب ينزلون دارا معروفة لهم متميزة عن دور المتأهلين، فلا ينزل العزب بين المتأهلين، وهذا كله لأن اختلاط أحد المصنفين بالآخر سبب الفتنة، فالرجال إذا اختلطوا بالنساء كان بمنزلة اختلاط النار والحطب " انتهى.
"الاستقامة" (١/٣٦١) .
وأما أن ذلك كان سرا؛ فهل كان يسعه غير ذلك؛ أم تريدينه أن يتمشى في الشوارع مع فتاته التي تعلق بها؟!!
فاسمعي هذا الحديث، فما أخوفنا عليه من أن يصيبه ما فيه:
عَنْ ثَوْبَانَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
(لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا) . رواه ابن ماجة (٤٢٤٥) وصححه الألباني.
وليس من شك في أن النصيحة لك الآن، وقد علمت بذلك الأمر، أن تقطعي علاقتك بدرسه، وتدعي الحضور له، وبأمكانك أن تعوضي ما فاتك منه بدروس أهل العلم الثقات، ولو كان ذلك عن طريق المواقع الإلكترونية الموثوقة، والأشرطة، والكتب النافعة..، وسبل العلم كثيرة وميسرة والحمد لله.
بل يجب عليك أن تنصحي صديقتك بقطع علاقته بهذا الطالب، والتوبة إلى الله تعالى مما يفعلان؛ فإن أراد بعد ذلك زواجا شرعيا، فليقدم عليه في وضح النهار، كما يفعل أهل الدين والمروءات، من غير أن يتلصص على الحرمات، وأن يفعل ما يفعله أهل الهوى والغواية.
ولو أمكن أن تصله رسالة بأن يتوقف عن درسه للنساء بالمرة، ولو بالإشارة إلى أن بعض الناس قد عرف أمره، من أجل أن يكف عما يفعل، وأن ينتبه إلى خطورة ما يأتيه فهو أمر طيب؛ لكن شريطة ألا يكون في ذلك نشر للخبر عند من لا يعرفه، ولا إشاعة للقيل والقال، بل ستر المؤمن على أخيه واجب شرعي، لا سيما إذا كان يترتب على ظهور ذلك وانتشاره مفاسد عديدة، وإساءة لأهل الدين والالتزام.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15359
زوجها يسيء عشرتها، ولا ينفق عليها، وتريد أن تختلع منه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا متزوجة من شاب لا يحبني، ولا ينفق علي، ويسيء معاملتي، ويكره التزامي بالسنة، ويجبرني على العمل، وأريد أن أخالعه، ولكن والداي يرفضان ذلك، فما رأي الشرع؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
إن حصول المودة والسكن بين الزوجين مقصد شرعي من أهم مقاصد الزواج، ومتى استقامت العشرة بينهما، وأمكن أبقاء ما بينهما من العقد الشرعي، والالتئام الطبيعي: لم يكن للمرأة أن تطلب فك ذلك الرباط الوثيق، ولا أن تتحلل مما ألزمها الشرع به من ذلك الميثاق. عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ) رواه أبو داود (٢٢٢٦) وغيره، وصححه الألباني.
وقوله في الحديث: (من غير بأس) أي: لغير شدة تلجئها إلى سؤال المفارقة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" الطلاق منهي عنه مع استقامة حال الزوجين باتفاق العلماء " انتهى.
"القواعد النورانية" (٢٦٥) .
ثانيا:
دل قوله ﷺ : (من غير بأس) على أنه إذا كان في بقاء المرأة مع زوجها بأس وشدة تلحقها، فإن لها أن تختلع منه، أو تطلب منه أن يطلقها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" إذَا تَعَذَّرَ أَنْ يُعَاشِرَهَا بِالْمَعْرُوفِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ". انتهى. " الفتاوى الكبرى " (٣/١٥٠) .
وما ذكر في السؤال من امتناع الزوج عن النفقة على زوجته، وإساءة معاملتها ... ، إلى آخر ما ذكر، كل واحد منها يبيح لها أن تطلب الطلاق، أو تختلع منه؛ فكيف إذا اجتمعت جميعا؟!
وينظر جواب السؤال رقم (١٢٤٦٥) ، ورقم (١٨٥٩) .
وليُعلم أنه ليس للوالدين ولاية على المرأة في الخلع؛ لا سيما إذا كانت بالغة راشدة، فليس لهما أن يجبراها على أن تختلع، وليس لهما أن يمنعاها منه، إذا احتاجت إليه، بخلاف ولاية الأب على ابنته في النكاح.
ينظر: "الموسوعة الفقهية الكويتية" (١٩/٢٤٨-٢٥٠) .
على أننا ننصحك ـ قبل الإقدام على هذه الخطوة ـ أن توسطي من ينصح الزوج، ويحاول أن يصلح بينكما، ولو إلى القدر الذي يمكن معه استمرار العشرة، مع التأكيد على أنه ليس من حقه أن يأمرك بما فيه معصية، كعمل مختلط، أو يتوقف عما يجب عليه من النفقة وحسن العشرة.
فإن لم ينفع ذلك معه: فحاولي أن تقنعي والديك بذلك، ولو أن توسطي من يشرح لهم حالك معه، وكيف أن استمرارك معه مشقة زائدة عليك، ومضرة في دينك ونفسك؛ فمن المهم قبل أن تتركي بيتك الذي أنت فيه مع هذا الزوج، أن تفكري في تهيئة بيتك الذي تنتقلين إليه، لهذه الخطوة.
نسأل الله أن يلهمك رشدك، ويصلح زوجك، وييسرك لليسرى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15360
شكوى مدرِّسة من عدم استجابة الطلاب لدعوتها ونصحها لهم
[السُّؤَالُ]
ـ[إنني أتأسف لطول سؤالي ولكن الأمر جد خطير، أرجو أن تصبروا عليَّ، إنني أعمل مدرِّسة في مَدرَسة ابتدائية إسلامية , وهي مقامة داخل مسجد , وأقوم بتعليم أطفال ما بين ١٠ - ١٢ عاماً، وسؤالي هو: أنهم عندما أقوم بتعليمهم الأحاديث، والتربية، ودروس السيرة: فإنهم يكونون سعداء جدّاً بالاستماع إليها , ولكنني لا أجد النتيجة المأمولة منهم، على سبيل المثال: لا أجدهم يطبقونها، مع العلم أنهم يعرفون أنه لا يجب عليهم أن يشربوا واقفين، ويعرفون الحديث الذي يتحدث عن الشرب واقفاً ومع ذلك مصرين على ما يفعلون، إلا إذا أخبرتهم وذكرتهم بالحديث. إنني أريد أن أقوِّي من إيمانهم , وأن يطبقوا ما أعلِّمهم إياه , ولكنني لا أعرف ما أفعل أكثر من ذلك , وأظن أنني قد أهملت بعض المواضيع الحيوية، لذلك فإنهم يجدون صعوبة في التطبيق، وفي بعض الأحيان أرى أنه تقصير مني , وإنني أريد منهم أن يحبون الدين كما أحبه، كما أنني آخذ في الاعتبار أن بعض الأطفال من مدارس عامة، والبيئة الإسلامية جديدة عليهم. فما هي أفضل المواضيع التي أبدأ بتعليمها للأطفال خطوة بخطوة في هذا العمر، فيخافون الله، ويحبون العمل لأجله؟ وكيف يمكنني أن أجمِّل الدين لهم وأن أشرح جماله لهم؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
سؤالكِ هذا دليل على حسن قيامك بواجب المسؤولية في عملك كمدرِّسة، وموجهة، وداعية , فنسأل الله سبحانه أن يبارك فيك، وفي همتك، وجهدك.
فالمدرِّس في مدرسته مؤتمن، ومسؤول على ما اؤتمن عليه , من نصح الطلاب، وتوجيههم , والأخذ بأيديهم لما فيه خيرهم، ونفعهم , وفي الحديث عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) رواه البخاري (٨٥٣) ومسلم (١٨٢٩) .
ولو أن المدرِّسين والمدرِّسات حملوا همكِ وهمتكِ , وهذه الرغبة الصالحة: لنشأ - بإذن الله - جيل صالح , وبذرة طيبة.
ثانياً:
على المسلم أن يقوم بالتعليم والنصح والإرشاد وهو غير مسؤول عن النتيجة، وعن عدم استجابة الناس له، قال الله تعالى: (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ) المائدة/ ٩٩.
ونجاح الدعوة ليس بالكثرة، والعدد , ففي الحديث عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عُرِضَتْ عَلَىَّ الأُمَمُ، فَجَعَلَ النَّبِيُ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِي لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ) رواه البخاري (٥٣٧٨) ومسلم (٢٢٠) .
ولا يعني عدم التطبيق المباشر للمدعوِّين فشل الدعوة، أو انتكاسها , فربَّ كلمة، أو نصيحة، أو موعظة أثَّرت بعد حين.
فهذا النبي ﷺ أخبر أنه: (لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ) رواه أحمد (٢٨/١٥٥) ، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٣) .
وهو ﷺ لم يشهد ذلك في حياته.
فليس من لازم نجاح الدعوة أن يلمس الإنسان آثارها مباشرة.
أما السبيل الذي ننصح أن يسلكه المعلِّم في نصحه وتوجيهه لطلابه: فكما يلي:
أ. لا بد من التواصل البيتي المدْرسي، فإذا كانت المدرسة تبني والبيت يهدم أو العكس: فلن نحصل على الثمرة المرجوة , فلا بد من التواصل مع أولياء أمور الطلاب , فمثلاً إذا حثَّ المعلم على المحافظة على الصلاة: فلا بد من متابعة الأهل للأولاد، وتذكيرهم بموعد الصلاة.
ولو حث المعلمُ الطفلَ - مثلاً - على آداب الطعام من التسمية، والأكل باليمين: فلا بد من متابعة الأهل لهذا الأمر، وهكذا في باقي الآداب، والأحكام.
ب. التركيز على التربية الإيمانية , وتقوية الوازع الإيماني في نفس الطف.
وانظري جواب السؤال رقم: (٢٢٩٥٠) .
ج. التربية بالقصة , وتربية الأولاد على حب الأنبياء، والصالحين من الصحابة، والتابعين، والاقتداء بهم فهذا الأسلوب من أعظم مواطن التأثير في الطلاب.
وانظري جواب السؤال رقم: (٢٢٤٩٦) .
د. التربية بالقدوة , فظهور المعلم – والمعلمة - أمام الطلبة – والطالبات - بمظهر الصدق، والأمانة، وحسن المنطق , وحسن الخُلق: له أكبر الأثر الإيجابي في نفوسهم , فكيف يقبل طالب من معلِّم حثه له على الصدق , والوفاء بالوعد: وهو يكذب في حديثه، أو يعدهم، ولا يوفي؟!.
هـ. التربية بالتطبيق العملي، فأداء الصلاة أمامهم , والتوضؤ أمامهم: من شأن ذلك أن يطبع في أذهانهم تلك العبادة بهيئاتها.
وأما أول ما يبدأ به المعلم في غرسه في نفوس الطلبة:
أ. أركان الإيمان: من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدَر، خيره وشرِّه؛ وتسهيل الأمر إلى مستواهم، مع ضرب المثال، والتكرار.
ب. الأحكام المتعلقة بأهم العبادات، كالصلاة، ومعها الوضوء، وكذا آداب الطهارة، والحث على النظافة.
ج. الآداب العامة: من الكلمة الطيبة واجتناب الألفاظ السيئة، وحب الوالدين , واحترام الكبير، والإحسان إلى الصديق، إلى غير ذلك.
د. التحذير من الأمور السيئة، كالسب والشتم والكذب؛ والاعتداء على الآخرين ... إلخ.
وأهم الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المربي: الصبر، والمتابعة، وعدم اليأس.
ونسأل الله أن يعينك ويوفقك وأن يجزيك على همتك وجهدك خير الجزاء.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15361
حلف بالطلاق من أمها إن هي لم تخلع نقابها فماذا تصنع ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[صديقتي فتاة منتقبة , وحدث لها بعض التعثر في دراستها , فاتهم والدها أن سبب ذلك هو ارتداء النقاب , وحلف على والدتها بالطلاق إن لم تخلعه , فما تفعل؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله أن يثبت صديقتك على الحق، وأن يهدي والدها ويلهمه رشده.
أولاً:
يجب على المرأة أن تستر وجهها عن الأجانب؛ لأدلة كثيرة، وقد سبق بيانها في جواب السؤال رقم (١١٧٧٤) فلينظر.
ثانياً:
يجب على ذلك الأب أن يتقي الله , وأن لا يمنع ابنته من لبس النقاب , وقد فعلت ابنته ما أوجبه الشرع عليها، وهو علامة الاستقامة، والعفاف.
ولبس النقاب ليس سبباً للتعثر في دراسة، أو غيرها، وإلقاء اللوم على لبس النقاب دليل على ضعف إيمان الأب , وتهديد ابنته بتطليق أمها لا شك في خطئه؛ فإنه لا علاقة للأم بهذا، ولم يوجد منها ما يقتضي طلاقها، فتعليق طلاق الأم على استمرار ابنتها في لبس النقاب دليل على العجز والضعف، فأي عاقل يمكن أن يهدم بيته وأسرته من أجل التزام ابنته بلباسها الشرعي، ومنع الرجال الأجانب من النظر إليها؟! .
ثالثاً:
تعليق الطلاق على شيء ما ـ كما فعل والد هذه الفتاة ـ: قد اختلف أهل العلم في حكمه، فذهب أكثرهم إلى أنه يقع به الطلاق متى حصل الشرط المعلق عليه الطلاق.
ورأى آخرون أن فيه تفصيلاً، فإن أراد الطلاق وقع الطلاق، وإن أراد التهديد والتخويف فهو يمين وليس طلاقاً.
وينظر جواب السؤال رقم: (٨٢٤٠٠) .
وأما هل تطيع هذه الفتاة أباها وتخلع نقابها وتكون مضطرة لهذا، أو تستمر على ما هي عليه ولو وقع الطلاق على أمها؟
فهذا فيه تفصيل:
فإن كانت هذه هي الطلقة الأولى، أو الثانية، للأب: فنرى أنها لا تطيعه، وإن كانت طلقته هي الثالثة: فهي في حكم المضطرة لفعل تلك المعصية، فتكشف عن وجهها، وتحاول الستر قدر الاستطاعة، وأن لا تخرج من بيتها لغير ضرورة، إلى أن ييسر الله لها، وقد قال النبي ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) رواه ابن ماجه (١٦٦٢) ، وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه".
ولينظر جواب السؤالين: (١١٧١٦٩) و (١٣٦٠٧٠) .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
لو قال الأب لابنه: خذ يا بني هذه العشر ريالات اشتر لي بها " علبة " دخان! فهل يلزمه طاعته؟
الجواب: لا، لا يلزمه طاعته، بل يحرم عليه؛ لأن الله تعالى قال: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا) لقمان/١٥.
إذا قال له: اشتر لي وإلا طلقت أمك! - والمسألة هذه تقع من بعض السفهاء! يلجئ الولد إلى هذا - فهل هذا ضرورة؟ .
الظاهر: أن هذا ضرورة؛ لأنه ربما يتجرأ هذا الغشيم (الأب) ويطلِّق الأم، وتكون هذه آخر ثلاث تطليقات، فتنفصم عرى الأسرة.
فالمهم إذاً: إذا دعت الضرورة إلى ذلك: فهو كغيره من المحرمات التي تبيحها الضرروة، أما إذا لم تكن ضرورة فيجب عليه أن يعصي والده في ذلك.
" شرح بلوغ المرام " (كتاب البيوع، شريط رقم ٢) ، " فتح ذي الجلال شرح بلوغ المرام " (٣ / ٤٧٢) المكتبة الإسلامية.
ولينظر جواب السؤال رقم (١٢٠٩٤) ففيه فتوى للشيخ العثيمين ﵀ في التفصيل السابق بين كون الطلاق رجعيّاً، أو أنه آخر ثلاث طلقات، وفي المسألة عينها.
والنصيحة لأختنا أن تلجأ إلى الله تعالى بالدعاء أن يهدي والدها، ويصلحه، ويلهمه رشده.
ثم إن عليها أن تترفق في إقناعه أن النقاب ليس له دخل في تعثر الدراسة , وأن لبسه إنما هو سبب لحصولها على مرضاة الله , وتحاول إقناعه أنها ستبذل جهدها في تحسين أدائها الدراسي , ولو استعانت في إقناعه بأولي الأحلام والنهى من أهلها، أو أقاربها، أو من بطانته: لكان أفضل.
ثم عليها بعد ذلك أن تبحث عن أسباب تعثرها في الدراسة , وأن تعمل على حلها، وتجاوزها , وتستعين بالله في ذلك، مع بذل الأسباب من الجد، والاجتهاد.
ونسأل الله أن يهدي والدها ويصلحه، وأن يثبت أختنا على طاعته، والعمل بمرضاته.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15362
هل زواج الأقارب سبب لإنجاب أولاد غير طبيعيين ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا خاطب ابنة خالتي ونحن سنتزوج عن قريب وأنا أحبها كثيرا وسيادتكم تعلمون أن زواج الأقارب ممكن أن ينتج عنه أولاد غير طبيعيين وهذا كله بيد الله وحده. ولا أستطيع أن أطلب منها أن نقوم بالتحاليل اللازمة الآن قبل الزواج، فهل ممكن أن نتزوج ونؤجل الخلفة إلى ما بعد أن نقوم بالتحاليل اللازمة؟ وماذا أفعل إن كانت التحاليل نتيجتها غير إيجابية وأننا سنجب أطفال غير طبيعيين. فهل يجوز لي أن أمتنع عن الخلفة. وأكرر ثانية لا ينفع أن أقوم بفسخ خطبتي عليها بأي حال من الأحوال لأمور كثيرة ومن ضمنها أني أحبها فماذا افعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
شرع الله تعالى النكاح، وجعله من سنن المرسلين، وذلك لما يترتب عليه من المصالح العظيمة، كتكثير الأمة، وخروج العلماء والمجاهدين والصالحين والمتصدقين ... إلخ، وتقوية أواصر الروابط والمحبة بين المسلمين بالنسب والمصاهرة، مع ما فيه من السكن والمودة والرحمة التي تكون بين الزوجين.
ولم تأت آية أو حديث صحيح في المنع من زواج الأقارب.
بل قد جاءت الأدلة الشرعية بخلاف هذا، قال الله : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ) الآية ... الأحزاب /٥٠
وقد تزوج النبي ﷺ من زينب بنت جحش ﵂، وهي ابنة عمته، وزَوَّج ابنته فاطمة من ابن عمه علي بن أبي طالب ﵄، مما يدل على أنه لا حرج من زواج الأقارب.
وعلى هذا، فمنع زواج الأقارب، أو القول بأنه سبب لانتشار الأمراض أو وجود جيل مشوه أو مريض، كلام غير صحيح.
نعم، قد يوجد في زواج الأقارب ـ أو غيرهم ـ ما يسبب شيئاً من ذلك، ولكنه ليس أمراً غالباً، بل يبقى في حدود القليل أو النادر.
وفي هذا يقول د. أحمد شوقي إبراهيم استشاري الأمراض الباطنية والقلب، ورئيس لجنة الإعجاز العلمي بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.
" إذا نظر أي عالم نظرة متأنية في أبعاد هذا الموضوع لوجد أن القول " بأن زواج الأقارب يعطي الفرصة لزيادة الأمراض الوراثية في الذرية " ليس قولا صحيحا في كل الأحوال. قد يكون صحيحا في حالات معينة، ولكنه ليس صحيحا في كل الحالات، وبالتالي لا ينبغي أن يكون قانونا عاما أو قاعدة عامة ".
إلى أن قال:
" وهكذا نجد في النهاية حتى في الأمراض المحكومة بجينات متنحية لا تفضيل لزواج الأقارب على زواج الأباعد، ولا لزواج الأباعد على زواج الأقارب.
ولو كان في زواج الأقارب ضرر أكيد ما أحله الله تعالى لرسوله، وأشار إليه صراحة في الزواج من بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته " انتهى.
ولكن إذا ثبت شيء من ذلك بالتحاليل الطبية أو الكشوفات والأشعات، أو بمعرفة الجينات الوراثية وطبيعة المرض ونحو ذلك، وأوصى الأطباء بالمنع من الزواج من القريبة في صورة مخصوصة، وليست قاعدة عامة – فلا حرج في ترك نكاح هذه المرأة القريبة بعينها.
أما أن يتخذ ذلك قاعدة عامة، ينهى بها عن كل نكاح الأقارب، خشية الأمراض الوراثية المتوهمة، فهذا تصرف غير صحيح.
وقد سئل الشيخ صالح بن حميد حفظه الله:
ما رأيكم فيمن يرى منع زواج الأقارب، ويرى أن الزواج بالأقارب يسبب أمراضاً عديدة تصيب الجيل الجديد، منها التخلف العقلي، وهل يعرض الرجل والمرأة اللذان يريدان الزواج نفسيهما على الطبيب ليحدد ما إذا كان يمكن الزواج أو لا؟
فأجاب:
" لا شك أن الأصل هو الجواز والإباحة، بل في نبينا محمد ﷺ أسوة وأعظم بها من أسوة! حينما زوج ابنته علياً ﵄ وعن نسلهما، فهي بنت ابن عمه وهم أقارب، ولا شك طبعاً في الجواز ولا أحد يقول إنه غير جائز، لكن القضايا الطبية أو المعينة وهذه تبدو لي قضايا عينية، أما أن القاعدة كلها: منع زواج الأقارب فهذا ليس جائزاً، والفقهاء لهم كلمة قريبة من هذه، فهم يقولون: الزواج من القريبة أصبر، ومن البعيدة أنجب. هكذا يقولون: الزواج من القريبة أصبر؛ لأنها تصبر عادة وتتحمل كثيراً، والمحافظة على الرحم والمحافظة على القرابة تجعلها تتحمل كثيراً، ومن الغريبة أنجب، بمعنى أن الولد يكون أكثر نجابة.
وأيضاً: ابن عمر أمر بالإغراب، أن يُغرب بمعنى يتزوج من البعيدة.
فعلى كل حال، لا شك أن الأصل هو الجواز، وأما إذا كانت هناك قضية خاصة، على معنى أنه إذا كان هناك فعلاً مرض معين أو حالة معينة يُخشى منها، كما لو كان في الأسرة مرض معين، مثلاً مرض وراثي: فهذا شيء آخر.
ولا شك أن العلم الحديث توصل إلى ما لم يتوصل إليه الأقدمون، والأشياء المدركة بحس أو المدركة بشيء بشرط أن تكون فعلاً مقاييس معينة ليست تخمينية، فهذه لا مانع من الأخذ بها " انتهى.
audio.islamweb.net/audio/index.php?page ... –
فالذي ننصحك به أن تستخير الله تعالى وتعزم على ما يوفقك الله إليه، وإذا لم يكن هناك سبب ظاهر لمخاوفك هذه، فهي وساوس من الشيطان، فإذا لم تكن عائلتكم قد ظهرت فيها الأمراض بسبب زواج الأقارب؛ فليس هناك ما يدعو إلى الاحتمالات التي تذكرها، ماذا أفعل.... وماذا أفعل....؟ فعليك أن تتوكل على الله، وتحسن الظن به، وتعرض عن هذه الوساوس، فإن الله تعالى يقول في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي، إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر) رواه الطبراني في "الأوسط" (٧٩٥١) ، صححه الألباني في "الصحيحة" (١٦٦٣) .
وأخيراً ... ننقل لك هذه الفتوى:
قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
"ليس هناك أحاديث صحيحة تمنع من الزواج بين الأقارب، وحصول الإعاقة إنما يكون بقضاء الله وقدره، وليس من أسبابه الزواج بالقريبات كما يشاع، ولا يجوز منع الإنجاب خوفا من الإعاقة، بل يجب التوكل على الله سبحانه وإحسان الظن به" انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١٨/١٤) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15363
مقيم في أوروبا ولا يستطيع غض بصره
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب أدرس في بلد أوروبي , لقد تعرفت على السنَّة، وأهلها في هذه البلاد , ومنَّ الله عليَّ بالاستقامة فيها، فبعدما بدأتُ بداية قوية في أول الالتزام: بدأت الآن أتراجع , وأصبحتُ أقترف ذنوباً لم أقترفها حتى في أيام جهلي بالدين، لكن رغم ذلك ما زلت - والحمد لله - أواظب على الصلوات الخمس في المسجد، وعلى بعض النوافل , وألقي درساً أسبوعيّاً في شرح بعض الأحاديث النبوية المهمة، استناداً على شرح أهل العلم لها , ولا ألقي هذا الدرس لأني عندي علم بالأحاديث , وإنما لعدم وجود من يلقي الدروس، وإصرار الإخوة على ذلك؛ فأنا صراحة لا أستحق هذا الفضل، والله أعلم. المهم: أني أشعر بنفاق في قلبي؛ لأني ألقي الدرس فأحث المستمعين على مجاهدة النفس، والصبر , وأنا أخالف ذلك، لأني - مثلاً - لا أستطيع غض بصري عن النساء، وهذه هي مشكلتي الكبرى، فعند ذهابي إلى المسجد - مثلاً - أمرُّ بمئات النساء عاريات كأنهن في الشاطئ، وخصوصاً في الصيف، فلا أصِلْ إلى المسجد إلا وقد جمعتُ ذنوباً كثيرةً، وأصلي وقلبي مريض، فلا أخشع في الصلاة، وأشعر بأني لم أصلِّ , وهذا هو الذي جعلني في حالة نفسية سيئة , فأتوب إلى الله من هذه الذنوب، فأتحسن، ثم بعد مدة تتفاوت كل مرة أرجع لهذه المعاصي، وأولها: إطلاق البصر إلى النساء، ثم أتوب بعد ذلك، وهكذا فأشعر أن توبتي لم تُتقبل. لقد قرأتُ حديث النبي ﷺ الذي قال فيه: (ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا، إن المؤمن خلق مفتَناً تواباً نسَّاء، إذا ذُكِّر ذَكَر) . وقرأتُ عليه تعليقاً أعجبني لكن لا أدري صحته، وهو أنّ النّاظر إلى النّصوص يدرك بجلاء أنّ مراد الله تعالى من العبد ليس مجرّد السّلامة من المخالفة، بل المراد: بقاء العلاقة بين العبد وربّه، بمعنى: أن يطيعه العبد فيُؤجر، ويذنب فيستغفر، وينعم عليه فيشكر، ويقتّر عليه فيدعوه ويطلب منه، ويضيّق أكثر فيلجأ ويضطر، وهكذا، ولذلك ورد في بعض الآثار أنّ العبد الصّالح يغفل، أو ينسى فيضيّق الله عليه ببلاء، حتّى يسمع صوته بالدّعاء والالتجاء، وورد أنّ العبد المؤمن يكثر من الذّكر ولا يستغفر، فيقدّر الله عليه الذّنب ليسمع صوته في الاستغفار، فصراحة: ارتحت قليلاً منه، ولكن عندما أقرأ الحديث الآخر يصيبني الإحباط الذي قال فيه النبي ﷺ : (لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُوراً) ، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ: (أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا) . فهذا الحديث ينطبق عليَّ كاملاً، والله المستعان. الآن أنا أفكر في أن أنتهي عن إلقاء الدرس إلى أن تتحسن نفسي، فما هو الحل يا ترى؟ . أفتوني مأجورين.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله العظيم بمنِّه وكرمه أن يثبتك على الاستقامة , وأن يصرف عنك الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
أولاً:
عندما ينظر المسلم إلى مثل هذه الأسئلة: يزداد يقيناً وإيماناً بالتسليم للشرع، وأنه جاء بالحكمة والمصلحة، ودفع المفسدة.
فلم يأمر إلا بما فيه مصلحة، ولم ينه إلا عما فيه مفسدة، ومن ذلك: نهيه عن إقامة المسلم في بلاد الكفر، فإنها من أخطر الأشياء على دين المسلم وأخلاقه.
وانظر جواب السؤالين: (٤٧٦٧٢) و (١٠١٧٥) .
ثانياً:
كلماتك – أخي السائل - تدل على أنك متضايق من نفسك، وأنك تشعر بالخطأ تجاه نفسك، وتجاه ربك , ولا شك أن هذا علامة صدق، ودليل خير , وأن وازع الإيمان في قلبك لا يزال حيّاً , ولتعلم أن طريق الجنَّة محفوف بالشهوات , وهو طريق يحتاج في سلوكه إلى صبر، ومجاهدة، وتحمل، ولذا لزم الاستعانة بالله , واللجوء إليه، والذل بين يديه؛ ليأخذ بيدك إلى برِّ الأمان، فتصل إلى رضاه من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة.
وإن من أعظم ما يضر المسلم في حياته، ومن أكثر ما يكون سبباً لفتنة قلبه، ودينه: هو معصية إطلاق البصر في المحرمات، وقد صحَّ عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "اإثم حَوَازُّ القلوب، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع" رواه البيهقي في "شُعَب الإيمان" (٤/٣٦٧) .
قال الشيخ محمد السفاريني ﵀:
ومعنى " حَوَّاز " بفتح الحاء وتشديد الواو، وهو: ما يحوزها، ويغلب عليها حتى ترتكب ما لا يحسن.
وقيل: بتخفيف الواو وتشديد الزاي – أي: " حَوَازّ " - جمع حازَّة، وهي الأمور التي تحزُّ في القلوب، وتحك، وتؤثر، وتتخالج في القلوب، فتكون معاصي، وهذا أشهر.
"غذاء الألباب شرح منظومة الآداب" (ص ٦٥) .
ولهذا كان لهذه المعصية نصيب وافر من التحذير منها، والكلام عليها.
فانظر جوابيْ السؤالين: (٢٢٩١٧) و (٢٠٢٢٩) للوقوف على السبل، والوسائل المعينة على غض البصر.
وانظر جواب السؤال رقم (٢٢٩١٧) للوقوف على فوائد غض البصر.
وجواب السؤال رقم: (٢٣٤٢٥) للوقوف على آثار هذه المعصية.
ثالثاً:
أما حديث ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلا وَلَهُ ذَنْبٌ يَعْتادُهُ الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ، أَوْ ذَنْبٌ هُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ لا يُفَارِقُهُ حَتَّى يُفَارِقَ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ خُلِقَ مُفْتَنًا تَوَّابًا نَسِيًّا إِذَا ذُكِّرَ ذَكَرَ) : فقد أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١/٣٠٤) ، وصححه الألباني ﵀ في "السلسلة الصحيحة" (٢٢٧٦) ، ولكن تعقبه الشيخ محمد عمرو بن عبد اللطيف ﵀ في جزئه "حديث (ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة) في الميزان"، وبيَّن أن الحديث ضعيف.
ثم ـ إن صح الحديث ـ فليس فيه التشجيع على فعل المعصية، ولا الإقدام عليها، بل هو لتطمين التائبين بأنه من فعل ذنباً فإنه لا ينبغي له أن يقنط من رحمة ربه، أو يعتقد أن ذنبه أعظم من عفو الله ورحمته، فما على المذنب سوى التوبة الصادقة، والعزم على عدم العود إلى ذنبه مرة أخرى.
وقد قال الشيخ محمد عبد الرحمن المباركفوري ﵀ عند شرحه لحديث: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُم) قال:
"قال الطِّيبي: ليس الحديث تسلية للمنهمكين في الذنوب كما يتوهمه أهل الغرة بالله؛ فإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إنما بعثوا ليردعوا الناس عن غشيان الذنوب، بل بيان لعفو الله تعالى، وتجاوزه عن المذنبين؛ ليرغبوا في التوبة.
والمعنى المراد من الحديث: هو أن الله كما أحب أن يعطي المحسنين أحب أن يتجاوز عن المسيئين , وقد دل على ذلك غير واحد أسمائه: الغفار، الحليم، التواب، العفو , ولم يكن ليجعلَ العباد شأناً واحداً كالملائكة، مجبولين على التنزه من الذنوب، بل يخلق فيهم من يكون بطبعه ميَّالاًَ إلى الهوى، متلبساً بما يقتضيه، ثم يكلفه التوقي عنه، ويحذره من مُدَاناته، ويعرِّفه التوبة بعد الابتلاء، فإن وفَّى: فأجره على الله , وإن أخطأ الطريق: فالتوبة بين يديه، فأراد النبي ﷺ به: أنكم لو كنتم مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة: لجاء الله بقوم يتأتى منهم الذنب، فيتجلى عليهم بتلك الصفات، على مقتضى الحكمة؛ فإن الغفَّار يستدعي مغفوراً، كما أن الرزَّاق يستدعي مرزوقاً.
"تحفة الأحوذي" (٧/١٩٣) .
وأما حديث ثَوْبَانَ ﵁ المذكور في السؤال: فقد رواه ابن ماجه في "سننه" (٤٢٤٥) ، وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه"، فللعلماء حوله كلام كثير، وأحسن ما قيل فيه: أنه في الذين يتكرر منهم انتهاك محارم الله باستمرار، وأن من صفاتهم الاستخفاف بما حرَّم الله، وأنهم لا تنكسر قلوبهم عند فعلهم لتلك المعاصي، بل يتجرأون على فعلها، بل انتهاكها.
قال الشيخ الألباني ﵀:
هؤلاء (إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) لا يعني خلوا مرة واحدة، وإنما هذا ديْدُنهم، وشأنُهم، وهِجِّيراهم، دائماً، فلذلك تطغى هذه المحرمات على تلك السيئات.
" سلسلة الهدى والنور " شريط رقم (٢٢٦) .
وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي - حفظه الله -:
أي: أن عندهم استهتاراً، واستخفافاً بالله ، فهناك فرق بين المعصية التي تأتي مع الانكسار، والمعصية التي تأتي بغير انكسار، بين شخص يعصي الله في ستر، وبين شخص عنده جرأة على الله ، فصارت حسناته في العلانية أشبه بالرياء، وإن كانت أمثال الجبال، فإذا كان بين الصالحين: أَحْسَنَ أيما إحسانٍ؛ لأنه يرجو الناس ولا يرجو الله، فيأتي بحسنات كأمثال الجبال، فظاهرها حسنات، (لكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) فهم في السر لا يرجون لله وقاراً، ولا يخافون من الله ، بخلاف من يفعل المعصية في السر وقلبه منكسر، ويكره هذه المعصية، ويمقتها، ويرزقه الله الندم، فالشخص الذي يفعل المعصية في السر وعنده الندم، والحرقة، ويتألم: فهذا ليس ممن ينتهك محارم الله ؛ لأنه - في الأصل - معظم لشعائر الله، لكن غلبته شهوته، فينكسر لها، أما الآخر: فيتسم بالوقاحة، والجرأة على الله؛ لأن الشرع لا يتحدث عن شخص، أو شخصين، ولا يتحدث عن نص محدد، إنما يعطي الأوصاف كاملة.
" شرح زاد المستقنع " (رقم الدرس ٣٣٢) .
وكل مسلم حي القلب يخشى أن يكون من هؤلاء الذين ذكرهم الرسول ﷺ في حديث ثوبان، وتزداد هذه الخشية إذا اتصف ببعض صفاتهم، فينبغي أن تحذر أشد الحذر أن تكون من أولئك الأقوام، أو قريباً من صفاتهم، فانج بنفسك من مستنقعات الرذيلة، وطهِّر بدنك نفسك بالتوبة، واحذر أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) النساء/١٠٨.
قال ابن رجب ﵀:
قال بعض العارفين: اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك.
"جامع العلوم والحَِكم" (ص ١٦٢) .
فالنصيحة لك:
١. أن تقطع سبل التعرض للفتن، بتعجيل الانتهاء من تلك البلاد.
٢. الزواج، فهو الحصن الحصين لك إن شاء الله - , وخصوصاً في مثل تلك البلاد التي يكثر فيها الفتن.
٣. الالتجاء إلى الله تعالى , والتضرع إليه، بأن يصرف عنك تلك الذنوب، قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) البقرة/ ١٨٦.
٤. مجاهدة النفس، ودفع وسوستها، وشرورها، والعناية بتزكيتها بطاعة الله، قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) الشمس/ ٨ – ١١، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت/٦٩، فاحرص على قراءة القرآن ومداومة الذكر، وقيام الليل، وصيام النوافل ... إلخ، فبها يزداد الإيمان وينير الطريق لك.
ومما يعينك على ذلك: أن تكثر من صحبة الصالحين , وأن لا تتعرض للفتن؛ وذلك بالابتعاد عن أماكنها.
٥. وعليك أن تستمر في إعطاء الدروس، واحذر من الشيطان أن يزيد عليك المعاصي بتركها، أو يوهمك أن تركها هو علاج ما أنت فيه من حال.
وقد حذر السلف من مثل ذلك.
قال الحسن البصري ﵀ لمطرف بن عبد الله: " عِظ أصحابك "، فقال: " إني أخاف أن أقول ما لا أفعل "! قال: " يرحمك الله، وأيُّنا يفعل ما يقول! ودَّ الشيطان أنه قد ظفر بهذا، فلم يأمر أحدٌ بمعروف، ولم ينه عن منكر ".
وقال مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخه: سمعت سعيد بن جبير يقول: " لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء: ما أمر أحدٌ بمعروف، ولا نهى عن منكر ".
قال مالك: " وصدق، مَن ذا الذي ليس فيه شيء "! .
وقد أحسن القائل:
لئن لم يعظ العاصين من هو مذنب فمن يعظ العاصين بعد محمد
فكُن أول المستفيدين من دروسك، وكن أول المستجيبين لوعظك، واستعن بالله تعالى ربك أن يعينك على نفسك، وأن يخلصك من شرورها.
ونسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خير، ويعينك على طاعته ونيل رضاه، ويثبتك على الإسلام والسنَّة، وأن يصرف عنك الفتن ما ظهر منها وما بطن.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15364
ترفض السفر مع زوجها؛ لأنها تتضايق بالعيش في بلاد الغربة، بعيدا عن أهلها
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا مصري أعمل في السعودية وتزوجت واتفقت مع أهل زوجتي على أنها سوف تقيم معي بالسعودية ووافقوا ومضى على ذلك الأمر ثلاث سنوات ولكن مع الوقت بدأت زوجتي بالضيق من حياة الغربة وطلبت مني العودة إلى مصر بحجة أنها لا تحتمل المعيشة بمفردها بعيداً عن أهلها وبلدها، ولا تستطيع التأقلم رغم محاولاتها على المعيشة بالسعودية، وكررت في طلبها للعودة إلى مصر. فما هو حكم الدين إذا أصرت زوجتي على طلبها إذا نزلت أجازة ولم تعد مرة أخرى للإقامة معي بالسعودية رغم رفضي؟ وماذا أفعل حتى لا أظلمها ملحوظة: زوجتي تقضي أجازة سنوية بمصر لا تقل عن ثلاث أشهر متصلة ولي منها بنت عمرها ستة أشهر.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا سافر الزوج وأراد اصطحاب زوجته وجب عليها مرافقته والانتقال معه، ما دام سيوفر لها الحياة المناسبة، ولا ضرر عليها في هذا السفر.
قال الإمام مالك ﵀:
" وللزوج أن يظعن [أي: يسافر] بزوجته من بلد إلى بلد وإن كرهت، وينفق عليها " انتهى.
"تهذيب المدونة" (١/٤٢١) .
وقال ابن قدامة في "المغني" (٨/١٨١) :
"تَسْتَحِقُّ الْمَرْأَة النَّفَقَةَ عَلَى زَوْجِهَا بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ كَبِيرَةً يُمْكِنُ وَطْؤُهَا
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَبْذُلَ التَّمْكِينَ التَّامَّ مِنْ نَفْسِهَا لِزَوْجِهَا , فَأَمَّا إنْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا أَوْ مَنَعَهَا أَوْلِيَاؤُهَا , فَلَا نَفَقَةَ لَهَا , وَإِنْ أَقَامَا زَمَنًا , فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ عَائِشَةَ وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ سَنَتَيْنِ , وَلَمْ يُنْفِقْ إلَّا بَعْدَ دُخُولِهِ , وَلَمْ يَلْتَزِمْ نَفَقَتَهَا لِمَا مَضَى. وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ الْمُسْتَحَقِّ بِعَقْدِ النِّكَاحِ , فَإِذَا وُجِدَ اسْتَحَقَّتْ , وَإِذَا فُقِدَ لَمْ تَسْتَحِقَّ شَيْئًا.
وَلَوْ بَذَلَتْ تَسْلِيمًا غَيْرَ تَامٍّ , بِأَنْ تَقُولَ: أُسَلِّمُ إلَيْك نَفْسِي فِي مَنْزِلِي دُونَ غَيْرِهِ. أَوْ فِي الْمَوْضِعِ الْفُلَانِيِّ دُونَ غَيْرِهِ. لَمْ تَسْتَحِقَّ شَيْئًا , إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ اشْتَرَطَتْ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَبْذُلْ التَّسْلِيمَ الْوَاجِبَ بِالْعَقْدِ , فَلَمْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ" انتهى باختصار.
ويتأكد هذا الحق لك بأنك قد أخبرتهم بذلك ووافقوا.
فيجب على المرأة طاعة زوجها بالسفر معه، والاستقرار معه في البلد التي فيها معاشه، مادام أنها تعيش بها حياة كريمة.
وعليها أن تتحلى بالصبر، وتحاول التأقلم مع البيئة الجديدة التي تعيش فيها، فتكوّن صداقات مع أخواتها المسلمات، وتشاركهن في الطاعات وصنائع المعروف، من حفظ القرآن والتزاور ونحو ذلك.
وعليها أن تتذكر دائما عظيم حق زوجها عليها، وأن عليها طاعته، والقيام على أمره، ومحبة صحبته، والرضا بالعيش معه على كل حال، فبذلك تقوم البيوت المسلمة على أواصر المحبة والوئام، وبه تتم المعاشرة بالمعروف، والتي بها تتم مقاصد النكاح.
ولتعلم أن هذا الإحساس الذي تشعر به هو مؤقت وسيزول بإذن الله تعالى مع الصبر والتحمل والاستعانة بالله تعالى، كما وقع ذلك لكثيرات غيرها.
وعلى الزوج أن يعلم أن هذه الشكوى ليست شكوى زوجته وحدها، بل كثيرات يشتكين الشكوى نفسها، بسبب الشعور بالغربة والوحدة، فعلى الزوج معالجة الأمر بالحكمة والتروي، وبذل كل ما يمكنه في سبيل إعانتها على تجاوز هذه المشكلة، فيعطيها جزءاً من وقته على قدر استطاعته، فلا يتأخر في رجوعه إلى البيت بعد انتهاء العمل، ولا يخرج من البيت بعد انتهاء عمله، إلا لحاجة ملحة، وإذا أمكن أن يصطحب زوجته معه فليفعل، ويساعدها في إيجاد صديقات لها يساعدنها على ألم الوحدة والغربة، وليستعن بالعقلاء من أهلها لنصحها وترشيدها، وإغرائها بالعيش في السعودية، حيث تتمكن من الحج والعمرة والصلاة في الحرم ونحو ذلك.
ونسأل الله تعالى أن يجمع بينكما في خير.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15365
عمل عند والده سنوات كثيرة بأجرة زهيدة ويرغب بالاستقلال بعملٍ فهل هو عقوق ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[مشكلتي تكمن باعتمادي على والدي منذ الصغر؛ فكان هو من يصرف عليَّ، وهو من كان يتكفل بكل شيء – ولم أوفق في إكمال تعليمي فقد توقفت عن التعليم بالصف الثاني متوسط، وبعد هذا كله أصر عليَّ والدي بالعمل معه بالتجارة، فوافقت، رغم عدم رغبتي بالعمل معه، إلا أني مع الوقت اعتدت على العمل، وأحببته بنسبة ٦٠ %، وعملت معه بما يقارب (١٦) سنة متواصلة، دون انقطاع، وأيضاً: دون تطور واضح، أو أني أشعر أني أبليت بلاء حسناً، فكان والدي - جزاه الله خيراً - يصرف عليَّ كما يقال " بالقطارة "، وكنت أعمل في السنوات الأولى بلا راتب محدد، فقد كان يعطيني ما يكفي لمدة أسبوع، أو كي أكون منصفاً وصادقاً: ما يكفي (لشهر) ، ولكن هذا العطية لا تمكنِّي من التوفير أبداً. مرَّت الأيام، وقررت الزواج، وجزاه الله خيراً - والدي - تكفل بالزواج، وأسكنني في شقة في منزله، وهذا لا أنكره أبداً، ثم حدد لي مرتباً شهريّاً مقداره (٢٠٠٠) ريال , وبعد سنوات رفعه لي إلى ٣٠٠٠ ريال، ولكن كنت أشعر بعدم الرضا بعملي؛ وذلك بأن المرتب لا يفي بمتطلباتي الشخصية، والعائلية، وبعد مرور ٣ سنوات بدأت أشعر بالإحباط؛ وذلك جرَّاء الإهانات من والدي، تصل في بعض الأحيان إلى الشتم، وتفضيل الغير عليَّ، وأن فلاناً أفضل منِّي، و: انظر إلى فلان أفضل منك ... الخ، أيضاً: الشعور بالإحباط بأن أرى أبي يهتم بالآخرين، ويحرص على إرضائهم، أما أنا: فلا تغيير واضح بالتعامل، غير ذلك يقوم والدي بتكليفي بمهمة في العمل، ويعدني بمكافأة إلا أنه يتراجع بقراره، ولا يفي لي بوعد، ويتحجج بعدم تذكره بهذا الوعد، أو يقول: إني كنت مقصراً بعملي، ويختلق الحجج ... الخ، وبعد هذا كله: قام بتخفيض مرتبي الشهري من ٣٠٠٠ إلى ٢٠٠٠ ريال، رغم أني رجل أبلغ من العمر الآن ٣٧ سنة، ومتزوج، ولدي أبناء، ولدي مسؤوليات، وأنتم - بلا شك - تعلمون جيِّداً غلاء المعيشة في هذا الوقت، وكيف أن ٢٠٠٠ ريال شهريّاً لا تؤمِّن متطلبات شهر واحد، فكيف ستؤمِّن مستقبلاً واعداً؟ وكيف ستؤمن مستقبل الأبناء بالحاضر والمستقبل؟ . تراودني أفكار بالبحث عن عمل آخر، ولكن كلما أتذكر والدي أحزن عليه، وأخاف عليه أن يبقى وحده، حتى هو أشعر بتأثره، وأيضاً أشعر بغضبه حينما يعلم أني سوف أبحث عن عمل، فهو معتمد عليَّ بكل شيء، سواء بالعمل، أو بالمنزل، أو بما يتعلق بالعائلة، فأنا - كما يقول كل من يعرفنا - المحور الرئيسي بهذه العائلة، ويعتقدون أني أجني من وراء عملي هذا الخير الوفير، إلا أن الواقع غير ذلك، بل أشعر أن الخير الوفير فيه أني أُحسن - بإذن الله - لوالدي بما أستطيع، وأبره، ورغم كل ذلك لا أجني ما يجني إخوتي، فجميع إخوتي الذكور - وهم أصغر مني، وأنا الأكبر - بوظائف طيبة، وأقل مرتب فيهم ٥٠٠٠ ريال شهريّاً، وغير متزوجين، أما أنا فراتبي: ٢٠٠٠ ريال. أعلم أن هذا مقدر لي، وأن الله قدر أرزاق العباد، وأن لكل إنسان رزقه، وقدره، وأجله ... الخ، والله يشهد عليَّ أني مؤمن بذلك، وقابل، وراض بما كتب الله لي، ولا يكتب الله للإنسان إلا كل خير، والحمد الله على كل حال، ولكن الإنسان بطبعه ضعيف، وينحني، أو يميل في بعض الأحيان إلى أمور الدنيا، بحيث ينظر إلى الصديق، أو القريب، أو جميع من حوله، ويقول: لماذا لا أكون بمثل صفاتهم: يلبسون أحسن الثياب، ويركبون أفضل السيارات، ويجلبون لأبنائهم كل ما يرغبون ... الخ إلا أنا؟! فأنا اشعر في بعض اللحظات أني استسلمت للأمر الواقع، فليس لديَّ وظيفة مرموقة، وليس لدي شهادة دراسية تؤهلني للعمل بمرتب طيب أعيل به أسرتي على أكمل وجه، ولا مال - أو سيولة = أبدأ به مشروعاً طيِّباً. الخلاصة: الآن وقد زاد الأمر سوءً، ومتطلبات عائلتي زادت، وأشعر بأن الدنيا فوق رأسي، لا أكاد أتحمل وزنها، وأصبح الهمُّ رفيقي، والقلق، والاكتئاب، والإحباط يتناوبون عليَّ، ويتناوبون على زيادة همي، ومع هذا كله قررت أن أعمل بعمل آخر، وأن أبحث عن عمل يغيِّر واقع هذا الزمان: فإني أشعر بأي لحظة قد أفقد زوجتي فهيَ دائماً تحثني على العمل، والبحث عن العمل وهي موظفة، وتجني راتباً طيباً يعادل مرتبي ٣ مرات، وتساعدني بأمور المنزل، بل تصرف على المنزل أكثر مما أصرف أنا فيه، ولكن لا بد أن يكون للرجل كرامته، وعزته بنفسه، أعلم بأنه لا مانع من مساعدة الزوجة زوجها بأمور هذه الدنيا، ولكن الأمر يختلف إن كنت أنا مَن يعيل الأسرة، ويلبي حاجاتها، وبعد فترة من الزمن ذهبتْ زوجتي إلى بيت أسرتها هرباً من فقر زوجها، ولعدم رضاها بهذا الواقع، وأشعر بداخلي أنها على حق، وهي كذلك، وكيف لا تذهب لبيت أسرتها؟ وهي ترى جميع أخواتها الفتيات المتزوجات، ويسكنون بمنزل ملك، ويركبون أفضل السيارات، ويقتنون أفضل الوسائل للراحة، وهي لا تملك ذلك. المهم في الاستشارة: كلما أردت - أو عزمت - على البحث عن عمل أشعر بخوف، ورهبة، من المستقبل، وخوف من الإخفاق، وعدم التوفيق، وذلك - كما ذكرت سابقاً - أني أعتمد منذ السابق على والدي، ولم يسبق لي العمل باستقلالية، بل إن والدي جعلني أعتمد عليه بكل شي، واستخدم هذه النقطة - والله أعلم - لصالحه، والآن وجدت مشروعاً طيِّباً، وبعد السؤال عن هذا المشروع وجدت فيه خيراً كثيراً، ولله الحمد، ولكن أشعر برهبة قوية بداخل أعماقي، وقمت بالاستخارة، واستخرت الله سبحانه علام الغيوب بأمري، وشعرت بالراحة له بنسبة ٥٠ %، والباقي أجد الهم، والحيرة، والخوف، والرهبة من الإخفاق، وكي أوضح لكم الصورة هي أن العمل هو: سيارة نقل، بأن أنقل البضائع، أو السيارات، وكل ما يُحمل، وأوصله إلى المناطق المجاورة، أو لمناطق بعيدة، فالبعض - حتى إخوتي - يعايروني بهذا المهنة، حتى والدي كان من أوائل قائمة المستهزئين بي لهذا العمل، ويقولون: كيف تعمل بمهنة لا يعمل بها إلا العمالة الوافدة؟ إلا أني أجدها مهنه شريفة، أكسب منها رزقي، وأعيل بها أسرتي، وأسأل الله بها التوفيق والسداد، فما رأيكم بها كمهنة؟ وما هو الحل من وجهة نظركم بحالي ووضعي؟ وماذا أفعل وكيف أتصرف؟ وهل أكون عاقّاً لوالدي إذا عملت بعمل آخر بعيداً عنه؟ فإني أخاف الله من ذلك بان أكون عاقّاً له، وأسأل الله أن أكون خير من يبر بوالديه؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
مِن كمال الإيمان: أن يرضى المسلم بما قسم الله له من أمر دنيوي، كرزق، وعمل، ووظيفة ,، ومن تمام شكر النعمة: أن لا ينظر المسلم إلى من فوقه، ومن فضِّل عليه في أمر الدنيا، حتى لا يزدري نعمة الله عليه.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِى الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ) .
رواه البخاري (٦١٢٥) ومسلم (٢٩٦٣) .
وفي لفظ: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) .
رواه البخاري (٦٤٩٠) ومسلم (٢٩٦٣)
ولا يعني ذلك أن يستسلم لأمره الواقع إن كان لا يرضاه، أو يمكنه تحصيل ما هو خير منه لدينه ودنياه، بل عليه أن يدفع قدر الله بقدر الله، فيبحث عن وسائل سعة الرزق، ويدفع الفقر بأسباب الغنى، من عمل، وتجارة، ووظيفة.
ثانياً:
برُّ الوالدين حسنة عظيمة , وقربة جليلة، ينال بها العبد رضى الله، وتوفيقه في الدنيا والآخرة , ويصرف الله بها عن العبد من البلاء، والشرور، والرزايا، والبلايا، ما الله به عليم , ولذلك عظم الله حق الوالد، ففي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلَاّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ) .
رواه مسلم (١٥١٠) .
قال النووي – ﵀:
أي: لا يكافئه، بإحسانه، وقضاء حقه، إلا أن يعتقه.
" شرح مسلم " (١٠ / ١٥٣) .
وليس من العقوق أن تخرج من العمل من عند والدك لتبحث عن عمل أفضل، ووظيفة أحسن؛ ما دمت تحسن إلى والدك، ولا تقصر تجاهه , خاصة إذا كانت أسرتك بحاجة إلى ذلك، وكان العمل الآخر أصلح لك وأنفع. ولعل بحثك عن وظيفة يغير من اتجاه الوالد نحوك؛ فيشعر بحاجته إليك، فيزيد في راتبك، ويحسِّن من وضعك المعيشي.
ثالثاً:
الخوف من المستقبل: من علامة ضعف التوكل على الله تعالى , والمؤمن قوي الإيمان لا يعطي من عمره وقتاً ليحمل هموم ما يأتي في غد، وليس يعني هذا عدم الأخذ بالأسباب لبناء مستقبل مريح، فقد كان النبي صلى الله عليه يدَّخر أحياناً قوت سنَة لأهله، وإنما أردنا أن يتحلى المؤمن بقوى الإيمان ليدفع عن نفسه وقلبه الخوف، والقلق، مما يأتيه في المستقبل.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّى فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) .
رواه مسلم (٢٦٦٤) .
فالمؤمن قي بتوكله، وقوي باستعانته بالله تعالى خالقه , وما يشعر به المسلم من ضعف، أو خوف: إنما هو من وسوسة الشيطان، وتثبيطه له , والواجب على المؤمن دفع هذه الوسوسة بدعائه، واستعانته بالله، وحسن توكله عليه.
فاستخر الله تعالى في العمل الذي ترغب بالالتحاق به , فإن انشرح صدرك، وتيسر أمر ذلك العمل: فأقدم، ولا تتردد، واستعن بالله تعالى.
وانظر جواب السؤال رقم: (٢٠٠٨٨) .
رابعاً:
العمل كسائق في نقل البضائع ليس من المهن الدنيئة , وليس عيباً على الرجل العمل بها , وإن اختص بها الوافدون في بلدكم؛ فالرعي يستنكف عنها كثير من الناس , وقد عمل بها الأنبياء والمرسلون، ففي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَاّ رَعَى الْغَنَمَ) ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: (نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ) .
رواه البخاري (٢١٤٣) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – أيضاً - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّاراً) .
رواه مسلم (٢٣٧٩) .
وقد أخبر الله تعالى عن داود ﵇ أنه كان يعمل في صنع الدروع للمحاربين، وأن هذا من تعليم الله له، قال تعالى: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) الأنبياء/ ٨٠.
بل لعل ما تنوي العمل به أن يكون من أفضل المكاسب؛ لأنها كسب من عمل يدك , وفي الحديث عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ خَيْراً مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) .
رواه البخاري (١٩٦٦) .
فالنصيحة لك أخي الفاضل:
أ. أن تحاول أن تكلِّم والدك بالحسنى، والكلمة الطيبة، أن يرفع راتبك , وأن يحسن وضعك، ما دمت تؤدي الذي عليك، ولا تقصر فيه , وأن تلجأ إلى الله تعالى أن يشرح صدره ويهديه لذلك،
فإن لم يستجب لذلك، ووجدت أن ما تتقاضاه لا يكفيك: فلا بأس أن تعمل بأي عمل آخر، كسائق، أو غير ذلك؛ لتحسين وضعك المعيشي، وليس هذا من العقوق , ولا تستنكف عن العمل كسائق ما دام العمل لا يدخل فيه حرام، أو شبهة , فأكل المرء من عمل يده من أطيب الكسب، وأفضله، وإن وجدت عملاً أنسب لك، ويوافق عليه والدك وإخوتك: فنرى أن تلتحق به، وأن يكون هو اختيارك؛ لتجمع بين العمل، ورضى أهلك عنك، فمن الممكن أن يسبب لك العمل سائقاً إحراجاً بين أولادك، وأقربائك، وقد لا تستطيع دفعه، فتتعقد أمورك النفسية، أما من حيث الجواز الشرعي: فهو جائز، وهو ليس معيباً بحد ذاته، ولا هو بمهنة دنيئة، لكن نرى أن مراعاة رضى أهلك، وعرف المكان الذي تعيش فيه أمرا مهما، وأنت لا تريد مخالفتهم، بل تريد عملاً تقتات منه، ويحسِّن من وضعك، فابحث عن عمل يتناسب مع بيئتك، ولك أن تتملك سيارات نقل – لا سيارة واحدة – وتستأجر أجراء ليقوموا عليها، ويكون دخلها محسِّناً لوضعك، دون الحاجة لأن تباشر سياقتها بنفسك.
وإن أمكنك أن تستفيد من خبرتك في العمل مع والدك، وأن تعمل بالتجارة: فلعل هذا أن يكون أنسب لك.
ب. ادفع خوفك من المستقبل بحسن توكلك، وإقبالك على الله تعالى، وأكثر من التضرع، والالتجاء إليه، فهو حسبك، وكافيك.
ونسأل الله أن يعافيك وأن يوسع لك في الرزق , ويصرف عنك الخوف , وأن يوفقك لما يحبه ويرضاه , وأن يشرح صدر والدك لتحسين وضعك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15366
لديه الرغبة في دراسة الشريعة، ومتخوف من مستقبلها الوظيفي
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا الآن على مشارف اختبارات الثانوية العامة، وحقيقة: أني محتار جدّاً في تخصص دراستي الجامعية، أنا لديَّ الرغبة جدّاً في دراسة العلوم الشرعية، وأحبها، وأستمتع بها، وأطمح أن أكون عالماً، مفتياً، خطيباً، حصولي على شهادة الدكتوراة، لكني أواجه ردود أفعال كثيرة، منهم: من يقول إذا تخرجت أين تعمل؟ مدرس مثلاً؟ مرتبها قليل، اذهب إلى كلية الإدارة، أو الهندسة للحصول على مقعد ممتاز في العمل، ومِن ثمَّ خذ شهادة الشريعة انتساباً، مثل عدة مشايخ ... وإلخ من هذا الكلام، وبعضهم يقول: اذهب إلى الشريعة، الأمة محتاجة إلى علماء، ومفتين، علماً أن أبي مهندس، وأمي مدرِّسة رياضيات، واثنين من إخواني مهندسين، واثنين من أخواني - أيضاً - من كلية الإدارة الصناعية، ووضعنا المادي ممتاز - ولله الحمد -، لكن أخاف مستقبلاً إذا تخرجت من الشريعة أكون أقلَّ منهم ماديّاً، فلذلك أود أن تنصحني؛ لأنني بين أمرين مهمين في حياتي، وشكراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله تعالى أن يكتب لك النجاح والتوفيق في دراستك، واختباراتك وأمورك كلها.
أولاً:
لاشك أن أعظم ما صرفت فيه الأوقات , وبذلت فيه الأموال: طلب العلم الشرعي؛ فإن الله ﵎ لم يثن في شيء من كتابه كما أثنى على العلم، وأهله، قال تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ) الزمر/ ٩، وقال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) فاطر/ ٢٨.
قال ابن كثير ﵀:
أي: إنما يخشاه حق خشيته: العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم، القدير، العليم، الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء الحسنى , كلما كانت المعرفة به أتمّ، والعلم به أكمل: كانت الخشية له أعظم، وأكثر.
" تفسير ابن كثير " (٦ / ٥٤٤) .
وعن معاوية ﵁ قال: سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقُولُ: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ) رواه البخاري (٧١) ومسلم (١٠٣٧) .
وعَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ أَتَيْتُكَ مِنَ الْمَدِينَةِ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُ بِهِ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: فَمَا جَاءَ بِكَ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَلَا جَاءَ بِكَ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) رواه الترمذي (٢٦٨٢) وأبو داود (٣٦٤١) وابن ماجه (٢٢٣) ، وحسَّنه الألباني في " صحيح الترغيب " (١/١٧) .
قال ابن القيم ﵀ في وصف العلم الشرعي -:
وهو الحاكم، المفرق بين الشك واليقين , والغي والرشاد , والهدى والضلال , وبه يُعرف الله، ويُعبد، ويُذكر، ويُوحد، ويُحمد، ويُمجد , وبه اهتدى إليه السالكون , ومن طريقه وصل إليه الواصلون , ومن بابه دخل عليه القاصدون، به تُعرف الشرائع والأحكام، ويتميز الحلال من الحرام , وبه توصل الأرحام , وبه تعرف مراضي الحبيب، وبمعرفتها ومتابعتها يوصل إليه من قريب , وهو إمام، والعمل مأموم , وهو قائد، والعمل تابع , وهو الصاحب في الغربة والمحدث في الخلوة، والأنيس في الوحشة , والكاشف عن الشبهة , والغني الذي لا فقر على من ظفر بكنزه , والكنف الذي لا ضيعة على من آوى إلى حرزه؛ مذاكرته تسبيح , والبحث عنه جهاد , وطلبه قُربة , وبذله صدة , ومدارسته تعدل بالصيام والقيام , والحاجة إليه أعظم منها إلى الشراب والطعام، قال الإمام أحمد ﵁: " الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين , وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه " , وروِّينا عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: " طلب العلم أفضل من صلاة النافلة ".
" مدارج السالكين " (٢ / ٤٦٩، ٤٧٠) .
فلا ريب أن العلم الشرعي هو أفضل العلوم وأوْلاها , وبه يتحصل الإنسان خير الدنيا والآخرة , وهو مقدَّم على سائر العلوم، لا سيما إذا خلصت فيه نية الإنسان , وكان له رغبة وهمَّة في تحصيله وطلبه.
وانظر جواب السؤال رقم: (١٠٤٧١) .
ثانياً:
حثَّ الإسلام على طلب الكفاية في العلوم الدنيوية , وجعل طلبها واجباً كفائيّاً , وخصوصاً إذا احتاجت الأمة لتلك العلوم , كالعلوم العصرية المتقدمة.
فمَن تعلم العلوم الدنيوية ونيته أن يُصلح للمسلمين أمورَهم في معاشهم , ورفع مكانتهم، والاكتفاء عن الأمم الكافرة: فلا شك أن أجره عظيم، ويثاب على هذا العلم الذي يتعلمه , مع بيان أن الجمع بين العلوم الدينية والدنيوية أمر مقدور عليه , ولا يتنافيان , وقد كان كثير من العلماء السابقين يجمعون بين تخصصات مختلفة، فابن قيم الجوزية ﵀ كان مبرزاً في العلوم الشرعية، ولا تخفى مكانته فيه , وكذلك كان مبرزاً في علوم الطب , ولا أدل على ذلك من كتابه " الطب النبوي " – وهو الجزء الرابع من كتابه " زاد المعاد " -، وهكذا الحال مع علماء آخرين.
وانظر جواب السؤال رقم: (٢٩٩٩) .
ثالثاً:
يجب أن يُعلم أنه لا بد للمسلم من أن يجرد نيته عن الحظوظ الدنيوية في طلبه للعلم الشرعي , وأن يكون هدفه الأجر والثواب من الله , فهذا أدعى لبقاء العلم، وانتفاع صاحبه به , وقبول الناس له، ولعلمه , فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوا الْعِلْمَ وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ لَسَادُوا بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ , وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لأَهْلِ الدُّنْيَا لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ، فَهَانُوا عَلَيْهِمْ، سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ) رواه ابن ماجه (٢٥٧) ، وحسَّنه الألباني في " صحيح ابن ماجه ".
وعن أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَاّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه أبو داود (٣٦٦٤) وابن ماجه (٢٥٢) ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
عَرفها: يَعْنِي: رِيحَهَا.
وطلب العلم الشرعي لا يتوقف على الدراسة النظامية في الكليات الشرعية، غير أن الحصول على تلك الشهادة صار مهماً حتى يتمكن طالب العلم من التدريس والإمامة والخطابة ... ونفع الناس.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ في بيان آداب طلب العلم -:
"الأمر الأول: إخلاص النية لله : بأن يكون قصده بطلب العلم وجه الله، والدار الآخرة ...
وإذا نوى الإنسان بطلب العلم الشرعي أن ينال شهادة ليتوصل بها إلى مرتبة، أو رتبة: فقد قال رسول الله ﷺ : (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عَرَضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) - يعني: ريحها -، وهذا وعيد شديد.
لكن لو قال طالب العلم: أنا أريد أن أنال الشهادة لا من أجل حظ من الدنيا، ولكن لأن النظُم أصبح مقياس العالم فيها شهادته، فنقول: إذا كانت نية الإنسان نيل الشهادة من أجل نفع الخلق تعليماً، أو إدارة، أو نحوها: فهذه نية سليمة، لا تضره شيئاً؛ لأنها نية حق" انتهى باختصار.
" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٢٦ / ٦٥، ٦٦) ، و " كتاب العلم " (ص ٢١) .
رابعاً:
من المقرر في كتاب الله تعالى , وفي سنَّة النبي ﷺ : أن من اتقى الله تعالى: كفاه الله ما أهمه، وأشغله , قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب) الطلاق/ ٢، ٣.
وقد تكفل الله تعالى برزق البلاد التي يتقي أهلها ربهم تعالى، فكيف بآحادهم، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ) الأعراف/ ٩٦، وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) المائدة/ ٦٦.
فالشاهد: أن أهل الخير والتقوى والصلاح: يكفيهم الله أمر دنياهم، فلا تخش - أخي السائل - من المستقبل , وتأكد أن الله سيكفيك أمر دنياك، وآخرتك، إن كانت نيتك في طلب العلم لله.
ولو ابتلي المؤمن بنقص في ماله، أو دنياه: فهو يحتسب ذلك لجنَّة عرضها السموات والأرض، أعدها الله للمتقين , ولتعلم أن المقياس في السعادة، والطمأنينة، والراحة، ليس في كثرة الأموال، أو الجاه، وإنما في طاعة الله تعالى , فخير الأعمال التي يندب الاشتغال لها: تعليم الناس الخير , فمعلِّم الناس الخير يستغفر له مَن في السموات، ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء , وهم أهل الخشية والتقوى , ولهم المنزلة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة.
فالنصيحة لك ما دامت همتك، ومحبتك، ورغبتك أن تطلب العلم الشرعي: أن تسعى في تحصيل ذلك , ولا بأس أن تطلب الشهادة مع ذلك , ولكن مع تجريد النية والإخلاص لله تعالى في طلب العلم نفسه , وأن تكون هذه الشهادة عندك وسيلة لنيل العلم، وتعليم الناس، والدعوة إلى الله تعالى , ووسيلة للعمل الذي تفرضه كثير من القوانين لكثير من الوظائف، ولا تخف من المستقبل من قلة مال، أو دنيا، أو عدم إيجاد وظيفة؛ فالله سبحانه سيكفيك هموم ذلك كله , فمن صدق الله صدق الله معه.
وبما أن أهلك من المثقفين، والعقلاء: فيمكنك إقناعهم بدراسة الشريعة بسهولة، وذلك بإخبارهم
أن هذه رغبتك، وهم يعلمون أن دراسة ما لا رغبة فيه: فاشلة، ولا تؤتي ثمارها، وأن دراسة ما فيه رغبة: فيها النجاح، والإبداع، والراحة.
ونسأل الله أن يعطيك ما تتمنى، وأن يجعلك من أهل العلم، وطلبته.
وانظر – للأهمية – جواب السؤال رقم: (١١٠٤١٩) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15367
هل يجوز الاستعانة بمن يستعين بالجن في استرجاع المفقود ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب مؤمن بالله وملتزم بما مكنني الله به من الالتزام وقعت بمشكلة مالية خطيرة جدا وعويصة وسدت بوجهي جميع أبواب السماء والأرض فأصبحت أمام خيارين كلاهما سيء الأول: استرجاع النقود بمساعدة شخص يتعامل مع الجن والثاني: الانتحار فأي الطريقين أسلك؟؟؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
هون عليك أيها المسلم، فما بعد الضيق إلا الفرج، وإن مع العسر يسرا، وكلما أغرق الليل في ظلامه اقتربت تباشير الصباح، وسيأتي الفجر حتما ليمحو كل آثار الظلام الدامس، وستشرق الشمس فعلا، لينتشر النور في أرجاء الأرض، وتظهر الحياة، وجثوم الهم على قلب المسلم لا ينبغي أبدا أن يحيد به عن حسن الظن بالله، وضرورة اللجوء إليه، فما خاف غيره إلا ليأمن به، وما اضطرته البلايا إلا إلى اللجوء إليه.
ولا تقل: سدت في وجهي أبواب السماء.
من ذا الذي سدها في وجهك؟
ومن أين لك خبر السماء؟
وكيف تسيء الظن بربك؟ وهو الجواد الكريم سبحانه القائل – كما في الحديث القدسي الصحيح -:
(يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ) .
رواه مسلم (٢٥٧٧) .
كيف تسيء الظن بمن بيده ملكوت السموات والأرض؟ يدبر الأمر، يصرف الآيات، كل يوم هو في شأن، يجيب داعيا، ويعطي سائلا، ويفك عانيا، ويشفي سقيما، ويكشف كربا، ويجيب مضطرا، ويغفر ذنبا، ويحيي حيا، ويميت ميتا، ويربي صغيرا، ويعتق رقابا، ويعطي رغابا، ويقحم عقابا.
وهو أجود الأجودين وأكرم الأكرمين، يعطي عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمله، يشكر على القليل من العمل وينميه، ويغفر الكثير من الزلل ويمحوه، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، يستحي من عبده حيث لا يستحي العبد منه ويستره حيث لا يستر نفسه، ويرحمه حيث لا يرحم نفسه، دعاه بنعمته وإحسانه، وناداه إلى كرامته ورضوانه، فأبي، فأرسل في طلبه وبعث معهم إليه عهده، ثم نزل سبحانه بنفسه وقال: من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟
وكيف لا تحب القلوب من لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ولا يجيب الدعوات ويقيل العثرات ويغفر الخطيئات ويستر العورات ويكشف الكربات ويغيث اللهفات وينيل الطلبات سواه؟
فهو أحق من ذكر، وأحق من شكر، وأحق من حمد، وأحق من عبد، وأنصر من ابتغى، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطي، وأرحم من استرحم، وأكرم من قصد، وأعز من التجيء اليه، وأكفي من توكل عليه.
أرحم بعبده من الوالدة بولدها، وأشد فرحا بتوبة عبده التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامها وشرابه في الأرض المهلكة إذا يئس من الحياة فوجدها، وهو الملك فلا شريك له، والفرد فلا ند له، كل شيء هالك إلا وجهه، لن يطاع إلا بإذنه، ولن يعصي إلا بعلمه.
يطاع فيشكر، ويعصي فيغفر، أقرب شهيد وأدنى حفيظ، حال دون النفوس، وأخذ بالنواصي وكتب الآثار ونسخ الآجال، فالقلوب له مفضية، والسر عنده علانية، عنت الوجوه لنور وجهه، وعجزت القلوب عن إدراك كنهه.
أكف جميع العالم ممتدة إليه بالطلب والسؤال، ويده مبسوطة لهم بالعطاء والنوال، يمينه ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، وعطاؤه وخيره مبذول للأبرار والفجار، له كل كمال، ومنه كل خير، له الحمد كله، وله الثناء كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، فتبارك اسمه، وتباركت أوصافه، وتباركت أفعاله، وتباركت ذاته، فالبركة كلها له ومنه، لا يتعاظمه خير سئله، ولا تنقص خزائنه على كثرة عطائه وبذله.
"تفسير ابن كثير" (٧/٤٩٥) ، "الجواب الكافي" (ص ١٦٦) ، "شفاء لعليل" (ص ١٨٤) .
فلا تقنط من رحمة الله، ولا تيأس من روح الله، وأحسن الظن به، وتوكل حق التوكل عليه، والجأ إليه في كل ما أهمك وألمّ بك، واستعن به ولا تعجز، واعلم أنه عند ظن عبده به: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
واعلم أن البلاء رحمة، والمؤمن بين خيري مقدورين: نعماء يشكرها، أو ضراء يصبر عليها.
وقد روى الترمذي (٢٣٩٨) عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: (الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ: فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) .
صححه الألباني في "صحيح الترمذي".
ثانيا:
الانتحار باب من أبواب العذاب، وكبيرة من كبائر الذنوب، ومسلك القانطين اليائسين من رحمة رب العالمين، وهو القائل سبحانه على لسان خليله إبراهيم ﵇: (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) [الحجر/٥٦]
روى البخاري (٥٧٧٨) ومسلم (١٠٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
(مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا.
وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا.
وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) .
وروى البخاري (٣٤٦٣) ومسلم (١١٣) عن جُنْدَب بْن عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) .
فاحذر يا عبد الله من تلك الجريمة، والفعلة البائسة الضالة، فإنك مهما أصابك من ألم وضر في الدنيا، ومهما بلغت بك شدتك، فهي أهون مرات ومرات من ذلك الجرم العظيم، بل لا مقارنة بينهما أصلا؛ أين تعب الدنيا ونصبها، من جهنم وجحيمها؟!
نسأل الله أن يفرج كربك، ويهدي قلبك، ويشرح صدرك.
ثالثا:
قد ذكرت طريقين، وتسأل عن أيهما تسلك؟ ونسيت طريقا ثالثة هي أهدى سبيلا، وأرشد دليلا: صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض.
إنها طريق الأمن في أرض المخاوف، وسبيل الرشد المنقذ من الضلال، ونهج الراغبين الذين لا يزيدهم البلاء إلا رغبة فيما عند الله من الخير، ورهبة مما عنده من العذاب.
يقول الله : (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الأعراف/١٦٨
أي: اختبرناهم بالخير والشدة، والرغبة والرهبة، والعافية والبلاء، ليرجعوا إلى طاعة ربهم وينيبوا إليها، ويتوبوا من معاصيه.
فكثيرا ما يكون البلاء أرحب أبواب التوبة والإنابة، وأوضح طريق للرجوع إلى الله.
رابعا:
أكثر أهل العلم على أنه لا يجوز الاستعانة بالجن في الوصول إلى المفقود، أو غير ذلك من المباحات؛ لأنهم غالبا لا يعينون شخصا إلا إذا وصلوا لمأربهم منه، من الخضوع لهم، والوقوع في أنواع من الشرك والضلالات. نسأل الله العافية. قال الله تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الِْنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) الجن/٦
قال الشيخ السعدي ﵀:
" أي: كان الإنس يعبدون الجن ويستعيذون بهم عند المخاوف والأفزاع، فزاد الإنس الجن رهقا أي: طغيانا وتكبرا لما رأوا الإنس يعبدونهم، ويستعيذون بهم، ويحتمل أن الضمير في زادوهم يرجع إلى الجن ضمير الواو؛ أي: زاد الجن الإنس ذعرا وتخويفا لما رأوهم يستعيذون بهم ليلجئوهم إلى الاستعاذة بهم، فكان الإنسي إذا نزل بواد مخوف قال: " أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ". انتهى. "تفسير السعدي" (٨٩٠) .
قال علماء اللجنة الدائمة:
" الاستعانة بالجن أو الملائكة والاستغاثة بهم لدفع ضر أو جلب نفع أو للتحصن من شر الجن شرك أكبر يخرج عن ملة الإسلام والعياذ بالله - سواء كان ذلك بطريق ندائهم أو كتابة أسمائهم وتعليقها تميمة أو غسلها وشرب الغسول أو نحو ذلك، إذا كان يعتقد أن التميمة أو الغسل تجلب له النفع أو تدفع عنه الضر دون الله " انتهى.
"فتاوى اللجنة" (١/١٣٤-١٣٥) .
وسئل علماء اللجنة:
ما حكم الإسلام في الذي يستعين بالجن في معرفة المغيبات كضرب المندل؟
فأجاب علماء اللجنة:
" لا يجوز الاستعانة بالجن وغيرهم من المخلوقات في معرفة المغيبات لا بدعائهم والتزلف إليهم ولا بضرب مندل أو غيره، بل ذلك شرك؛ لأنه نوع من العبادة، وقد أعلم الله عباده أن يخصوه بها فيقولوا: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وثبت عن النبي ﷺ أنه قال لابن عباس: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ... الحديث) انتهى.
"فتاوى اللجنة" (١/٣٤٥-٣٤٨)
وسئل الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك حفظه الله:
ترك جدنا تركة مخفية في بيت لنا قديم بحثنا عنها ولم نجدها، وتعرفت على شخص أكد وجودها وأنه يستطيع إخراجها، علماً أنه يستخدم الجن، لكنه أقسم بالله أنه لا يشرك بالله عندما يستخدمهم وأنه لم يشرك بالله، هل يجوز لي أن أستخدمه في إخراجها؟ علماً أنه قال لي: أنا وأنت نذهب لأحد المشايخ ونسأله عن جواز ذلك من عدمه، ولكنني لم أفعل، علماً أنني سمعت أنه يجوز ذلك إذا لم يكن فيه إضرار بالآخرين، وهو كذلك إذ التركة خاصة بنا وهي كبيرة جداً.
فأجاب الشيخ:
" ثبت عن النبي ﷺ في أحاديث عدة أن من أتى كاهناً أو عرافاً فسأله عن شيء فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ، والمعروف أن الكهان إنما يتلقون ما يخبرون به عن الشيطان مما يسترقه الشيطان من السماء ومما يطلعون عليه من أحوال الناس، وعلى ذلك فهذا الذي يدعي أنه يعرف مكان ذلك المال، وأنه يستعين بالجن في معرفة مكان هذا المال أو غيره من الأمور المخفية الظاهر من حاله أنه كاهن، بل هو كاهن ولو زعم أنه لا يشرك، ولو أقسم على ذلك، فلا يجوز إذاً الاستعانة به على معرفة مكان هذا المال، ولكن ابحثوا عن أسباب أخرى وتحروا لعلكم تعثرون على هذه التركة دون أن تتوسلوا بما حرم الله، ولهذا نص بعض أهل العلم في تعريف الكاهن أنه الذي يخبر بالمغيبات في المستقبل ويدل على مكان المسروق وعلى الضالة، فهذا مما يحترفه الكهان ويسألهم الناس فيه، فالواجب على المسلم أن يحرص على سلامة دينه ولو فاته ما فاته من أمر الدنيا، والله أعلم " انتهى.
وقال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله:
" الاستعانة بالجن سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين وسيلة من وسائل الشرك، والاستعانة معناها: طلب الإعانة؛ ولهذا فمن المتقرر عند أهل العلم أنه لا يجوز طلب الإعانة من مسلمي الجن؛ لأن الصحابة - رضوان الله عليهم - لم يطلبوا ذلك منهم، وهم أولى أن تخدمهم الجن، وأن تعينهم.
وأصل الاستعانة بالجن: من أسباب إغراء الإنسي بالتوسل إلى الجني، وبرفعة مقامه، وبالاستمتاع به، وقد قال - جل وعلا -: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا) الأنعام / ١٢٨، فحصل الاستمتاع - كما قال المفسرون - من الجني بالإنسي: بأن الإنسي يتقرب إليه، ويخضع له، ويذل، ويكون في حاجته، ويحصل الاستمتاع من الإنسي بالجني بأن يخدمه الجني، وقد يكن مع ذلك الاستمتاع ذبح من الإنسي للجني، وتقرب بأنواع العبادات، أو بالكفر بالله - جل وعلا - والعياذ بالله، بإهانة المصحف، أو بامتهانه أو نحو ذلك؛ ولهذا نقول: إن تلك الاستعانة بجميع أنواعها لا تجوز، فمنها ما هو شرك -كالاستعانة بشياطين الجن- يعني: الكفار - ومنها ما هو وسيلة إلى الشرك، كالاستعانة بمسلمي الجن " انتهى.
"التمهيد لشرح كتاب التوحيد" (٢/ ٣٧٣-٣٧٤) - ترقيم الشاملة.
والله أعلم.
راجع إجابة السؤال رقم: (١١١٩٣٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15368
متزوجة حديثا، وتشتكي من عدم محبتها لزوجها، وتريد الطلاق
[السُّؤَالُ]
ـ[أختي متزوجة من ٨ أشهر وتشتكي من عدم محبتها لزوجها وتريد الطلاق منه علماً بأنه من أفضل الشباب خلقاً وعلماً، فسؤالي هنا: ماذا تنصحني في الإصلاح مثلاً أو إن كان لا يناسبهم إلا الطلاق؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ما دمت تذكر أن زوجها من أفضل الشباب خلقاً وعلماً، فالنصيحة لها أن تصبر، ولا تتعجل في طلب الطلاق، فقد تتغير الأحوال إلى ما تحب.
وعليها أن تبحث في أسباب ذلك وتحاول علاجها، فقد يكون ذلك بسبب بعض تصرفات زوجها، أو انشغاله عنها..
فتحاول معه شيئاً فشيئاً، فقد يكون لا ينتبه إلى خطأ ما يفعله، فيحتاج من ينبهه عليه.
وإذا كان في زوجها بعض الصفات أو التصرفات التي لا تحبها فينبغي أن تتحمل ذلك في مقابلة ما فيه من الخير الكثير، فإنه لا يوجد شخص كامل في كل شيء.
ولهذا قال النبي ﷺ : (لَا يَفْرَكْ [أي: لا يبغض] مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ) . رواه مسلم (١٤٦٩) .
قال النووي ﵀:
" أَيْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْغِضهَا , لِأَنَّهُ إِنْ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا يُكْرَه وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا مَرْضِيًّا بِأَنْ تَكُون شَرِسَة الْخُلُق لَكِنَّهَا دَيِّنَة أَوْ جَمِيلَة أَوْ عَفِيفَة أَوْ رَفِيقَة بِهِ أَوْ نَحْو ذَلِكَ " انتهى.
وقال ابن الجوزي ﵀:
" المراد من الحديث أن المؤمنة يحملها الإيمان على استعمال خصال محمودة يحبها المؤمن فيحتمل ما لا يحبه لما يحبه " انتهى.
"كشف المشكل" (ص ١٠٤٤) .
وهذا الحديث ينطبق أيضا على الزوجة مع زوجها، والصاحب مع صاحبه.
قال القاري ﵀ في "مرقاة المفاتيح" (١٠ / ١٨١) :
"فيه إشارة إلى أن الصاحب لا يوجد بدون عيب، فإن أراد الشخص بريئا من العيب يبقى بلا صاحب، ولا يخلو الإنسان سيما المؤمن عن بعض خصال حميدة فينبغي أن يراعيها" انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
"وهذا من الموازنة بين الحسنات والسيئات، بعض الناس ينظر إلى السيئات والعياذ بالله فيحكم بها وينسى الحسنات، وبعض الناس ينظر للحسنات وينسى السيئات، والعدل: أن يقارن الإنسان بين هذا وهذا، وأن يميل إلى الصفح والعفو والتجاوز؛ فإن الله تعالى يحب العافين عن الناس، فإذا وجدت في قلبك بغضاء لشخص فحاول أن تزيل هذه البغضاء وذكر نفسك بمحاسنه، ربما يكون بينك وبينه سوء عشرة أو سوء معاملة لكنه رجل فاضل طيب محسن إلى الناس يحب الخير، تذكر هذه المحاسن حتى تكون المعاملة السيئة التي يعاملك بها مضمحلة منغمرة في جانب الحسنات" انتهى.
"شرح رياض الصالحين" (ص ١٨٢٧) .
وقال أيضا: "الحاصل: أن الإنسان ينبغي له أن يعامل من بينه وبينه صلة من زوجية أو صداقة أو معاملة في بيع أو شراء أو غيره أن يعامله بالعدل، إذا كره منه خلقا أو أساء إليه في معاملة أن ينظر للجوانب الأخرى الحسنة حتى يقارن بين هذا وهذا؛ فإن هذا هو العدل الذي أمر الله به ورسوله" انتهى.
"شرح رياض الصالحين" (ص ٣٢٤) .
هذا.. وقد قال الله تعالى:
(وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) البقرة / ٢١٦. وقال تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) النساء/ ١٩.
فالإنسان لا يدري أين الخير له؟ وكثيراً ما يأتي الخير من حيث يظن الإنسان أنه شر.
قال ابن القيم ﵀: "العبد لا يريد مصلحة نفسه من كل وجه ولو عرف أسبابها، فهو جاهل ظالم، وربه تعالى يريد مصلحته ويسوق إليه أسبابها، ومن أعظم أسبابها: ما يكرهه العبد؛ فإن مصلحته فيما يكره أضعاف أضعاف مصلحته فيما يحب" انتهى.
"مدارج السالكين" (٢/ ٢٠٥) .
فعليها أن تصبر وتدعو الله تعالى أن يوفق بينها وبين زوجها ويجمع بينهما في خير، ولتستعذ بالله من الشيطان الرجيم، فقد يكون ما تجده من نفسها وسوسة منه، وليس له سبب صحيح، فإن الشيطان حريص على التفريق بين الزوجين.
نسأل الله تعالى أن يشرح صدرها وأن يجمع بينها وبين زوجها في خير.
ولمزيد الفائدة ينظر جواب السؤال رقم: (١٠٢٦٣٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15369
كيف يتصرف من يعلم بعلاقة محرمة لامرأة متزوجة مع أجنبي عنها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك امرأة متزوجة، وهي على علاقة برجل آخر غير زوجها، تكلمه وتخرج معه، وهناك امرأة أخرى تعرف بهذا، وهي تعرف أقارب زوج تلك المرأة، فماذا تفعل؟ هل تخبر والدة الزوج؟ أو الزوج نفسه بما تعرف عن زوجته؟ أم ماذا تفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
في مثل هذه المسائل نشدد على وجوب الجزم قبل الحكم، ونعني به: الجزم بوجود علاقة محرَّمة قبل الحكم على المرأة بالخيانة، فكثيراً ما يحدث إساءة للظن بوجود علاقات محرمة، ولا يكون الأمر كذلك، فالأصل في المسلم: البراءة، ولا يحل وصفه بما لا يليق، ولا الحكم عليه بالفجور والخيانة إلا أن يثبت ذلك ببينة شرعية، أو يعترف الشخص بفعل تلك المحرَّمات.
فإذا ثبت على تلك المرأة ما ورد في السؤال فالذي ينبغي فعله معها هو:
١- تذكيرها بالله، ونصحها بترك الحرام، وتخويفها بالفضيحة في الدنيا والآخرة – إن أمكن ذلك - فإن تركتْ ما هي عليه من حال سيء، وانقلبت إلى حال الهداية والعفاف فقد حصل المقصود.
٢- فإن أصرَّت على ما هي عليه، فلابد من إخبار زوجها بذلك، ولكننا نختار أن يُخبَر أهلُها أولاً، فلعلَّ ذلك يردعها عن معصيتها، وتحافظ به على بيتها، وأولادها.
٣- فإن لم ينفع ذلك، أو لم يكن لها أهل يستطيعون التأثير عليها فينبغي إخبار زوجها، ودون تردد، ثم ينظر هو في الأصلح له ولها ويفعله.
وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
أنا سائق مصري، محتار في تصرف زوجة كفيلي؛ حيث إنها تأخذ حاجات من المنزل، وتأمرني - أنا السائق - أن أنزل بها إلى السوق، ثم تدخل بعض الدكاكين، ثم تدخل إلى المكاتب الداخلية، وتتصل بالتلفونات ساعة ونصف، أو أكثر، أو تستخدم تلفون الشارع، ويقول: إنها تهدده بالطرد، وبإلصاق التهم به، فهل يخبِر زوجَها بذلك؛ لأنه لا يرضى هذا التصرف منها، وهو رجلٌ مسلم؟ .
فأجاب:
"حقيقة الأمر: أن هذا التصرف الذي أشرتَ إليه إذا كان حقّاً: فإنه تصرفٌ سيء، ولا يرضاه أحدٌ من المسلمين، ونحن نشكرك على هذه الغيرة على صاحبك الذي أنت عنده، بل وعلى هذه الغيرة على زوجته أيضاً؛ لأن النبي ﷺ يقول: (انصُر أخاكَ ظالماً أو مظلوماً، قالوا: يا رسول الله، هذا الظالم فكيف نصْرُ المظلوم؟ فقال: أن تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه) فأنت ناصحٌ لكفيلك، ولزوجته أيضاً، وعليك في هذه الحال - إذا لم يُفِد معها النصح -: أن تخبر زوجها بذلك؛ لتخرج من المسئولية، وأنت إذا أخبرته بذلك: فلن يضيرك شيءٌ إن شاء الله؛ لأن الله تكفل بأنَّ مَن اتقى الله تعالى جعل له مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب" انتهى.
"فتاوى نور على الدرب" (شريط رقم ٤٣) .
وسئل الشيخ عبد الله بن جبرين ﵀:
تقبض " الهيئة " أحياناً على رجل وامرأة في خلوة محرمة، وتقوم " الهيئة " بالستر على المرأة، وإحالة الرجل إلى الجهات المختصة , فهل الستر على المرأة هذا أمرا جائز أم لا؟ مع ذكر ما يدل على ذلك , جزاكم الله خيراً.
فأجاب:
"إذا كان هذه المرأة لأول مرة عثر عليها، ولم يُسمع عنها إلا سمعة حسنة , قد خدعها هذا الرجل – مثلاً -، أو احتاجت إلى من يُركبها، فأركبها ليوصلها إلى بيتها، ولكنه تجاوز ذلك، وذهب بها، ولم ترض: عُرف بذلك أنها ليست من أهل هذه المنكرات: يعفى عنها.
وكذلك إذا كان عُرف أنها صاحبة منكر، وأنها تريد الفاحشة، ولكن هذا لأول مرة: ترتب على الرفع بأمرها وإخبار زوجها طلاق، أو مفاسد: فيؤخذ عليها التعهد، ويُستر عليها، ويبيَّن لها أنها إذا عادت مرة ثانية: يحصل فضيحتها، ونحو ذلك.
وأما إذا كانت ذات عادة متكررة: فنرى أن إبلاغ زوجها، أو إبلاغ أبيها بذلك هو الأولى؛ حتى لا تفسد زوجها، ولا تفسد نفسها، ولا تفسد سمعة أهلها" انتهى.
http://ibn-jebreen.com/book.php?cat=٩&book=١٦٢&toc=٧٨٩٤&page=٦٩١٤
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15370
أب يجاهر بفجوره أمام أسرته ولا ينفق عليهم، فكيف يتصرفون معه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الدين في أب له من الأولاد اثنان من سن ١٥ - ١٨، ولا يصرف عليهم، ولا على منزله منذ أكثر من عشر سنوات؛ حيث إن الأم هي المتكفلة بهم، رغم أنه يعمل، ويعيش معهم في نفس المنزل، وقد أفسد في ابنه الصغير ١٥ سنة ما لا يمكن إصلاحه، ويقيم علاقات غير شرعية مع سيدات، ووصل به الأمر إلى إرسال ابنه الصغير لهم بالنقود، ومحادثتهن أمام أبنائه على الهاتف، وحيث إنه حاولت أخواته، والكثير من الأقارب محادثته، لكنه لا يرضي أن يسمع لأي شخص، كبير، أو صغير، فما حكم المعاملة بينه وبين أبنائه، وزوجته؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أساء هذا الأب لنفسه حين فرَّط في الأمانة التي أوكل الله تعالى له حفظها، ورعايتها، والعناية بها، فزوجته وأولاده من رعيته التي سيسأله الله تعالى عنها، حفظها، أم أضاعها، والويل له – ولغيره ممن هو مثله – إن لم يتدارك نفسه، ويرجع إلى دينه، ويعتني بهذه الأمانة لينجو يوم القيامة من إثم التضييع، والتفريط.
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ: الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ... ) رواه البخاري (٨٥٣) ومسلم (١٨٢٩) .
وعن مَعْقِلِ بْنِ يسار المُزنيِّ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّة يَموتُ يَوْمَ يَمُوتُ وهو غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلا حَرَّمَ اللهُ عليه الجَنَّةَ) وفي رواية: (فَلَمْ يَحُطْها بِنَصِيحَةٍ إِلا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ) رواه البخاري (٦٧٣١) ومسلم (١٤٢) .
ثم إن ذلك الأب لم يكتف بالإهمال في الإنفاق على أسرته – وهو أمر أوجبه الله عليه – بل إنه جعل نفقته تلك على المحرمات من شهواته الدنيَّة، فبدلاً من إنفاقها على زوجته التي أحلها الله له، وأوجب نفقتها عليه: جعل تلك النفقة في النساء الساقطات، وبدلاً من أن يضع المال في نفقة أبنائه: جعله في الفواحش، والمحرمات.
ثانياً:
الواجب على أسرة ذلك الأب بذل الوسع في نصحه، ووعظه، وعدم تركه فريسة للشيطان، وأن يصحب ذلك تلطف في الأسلوب، ولين في الكلام، وها هو إبراهيم ﵇ يضرب لنا أروع الأمثلة في خطاب الابن الصالح مع الأب الكافر الفظ الغليظ، فاستمع لإبراهيم ﵇ يقول لأبيه: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيّاً. يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً. يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً) مريم/ ٤٣ - ٤٥، واستمع لرد ذلك الوالد الفظ كيف كان، (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) مريم/ ٤٦، فماذا كان رد الابن الصالح على هذه الغلظة، وذلك التهديد؟ (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً) مريم/ ٤٧.
وإننا لنرجو أن يكون استعمال الأسلوب الحسن نافعاً مع ذلك الأب، مع كثرة الوعظ، والتذكير له؛ لأنه يعيش في غفلة مهلكة، ولا يمكن لمثله أن يكون سعيداً في قلبه، فلعله يأتيه وقت يجد لكلامكم أثراً طيِّباً في تغيير حاله للأحسن.
ولا يجوز لأبنائه وزوجته أن يطيعوه فيما حرَّم الله تعالى، وعليهم بذل الوسع في القضاء على كل طريق يصل من خلالها لارتكاب المحرمات، وما لا يستطيعونه من ذلك: فلا إثم عليهم فيه وهم غير مكلفين إلا بما في وسعهم.
وإذا لم يُجْدِ النصح معه نفعاً، وكان له تأثير سيء على أبنائه، ويُخشى من تعدي السوء إلى أفراد أسرته: فالذي ننصح به هو الانفصال عنه بالكلية ـ إن أمكن ـ، وخاصة أنه لا ينفق على أسرته، فليس هناك حاجة للبقاء معه إذا انغلقت طرق إصلاحه، وأوصدت أبواب هدايته، بل لا يصدر منه إلا الشر المتعدي لتلك الأسرة.
قال ابن مفلح الحنبلي ﵀:
قال الإمام أحمد: يأمر أبويه بالمعروف، وينهاهما عن المنكر.
وقال أيضاً: إذا رأى أباه على أمر يكرهه: يعلِّمه بغير عنف، ولا إساءة، ولا يغلظ له في الكلام، وإلا تركه، وليس الأب كالأجنبي.
وقال أيضاً: إذا كان أبواه يبيعان الخمر: لم يأكل من طعامهم، وخرج عنهم.
وقال أيضاً: إذا كان له أبوان لهما كرم يعصران عنبه ويجعلانه خمراً يسقونه: يأمرهم، وينهاهم، فإن لم يقبلوا: خرج من عندهم، ولا يأوي معهم.
"الآداب الشرعية" (١/٤٧٦) .
نسأل الله أن يهدي والدهم للحق، وأن يجمع بينه وبين أسرته على خير.
وانظر – لمزيد فائدة – أجوبة الأسئلة: (١٢٠٠٧٠) و (١٠٤٩٧٦) و (٩٥٥٨٨) و (٢٧٢٨١) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →