Полный текст (16 344 стр.). Показаны 15471–15510 · переход к 15476.
стр. 15471
تطيب المرأة عند خروجها إلى المسجد
[السُّؤَالُ]
ـ[نلاحظ في صلاة التراويح أن عددا من النساء القادمات إلى المسجد يضعن طيبا له رائحة قويّة بحيث يشمها الرجال الذين يمشون خلفها أو بجانبها وقد قمن بنصيحة بعضهن فقلن إن وضع الطّيب عند الإتيان إلى المسجد من احترام المسجد، فما الحكم في ذلك..]ـ
[الْجَوَابُ]
يجب أن يكون المرجع في الأحكام الشرعية إلى نصوص الكتاب والسنّة وليس إلى الآراء والأمزجة والأهواء والاستحسانات، وفي هذه المسألة بالذات وردت نصوص عديدة ومغلّظة في النهي ومن ذلك هذه الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ في نهي النساء عن التطيب إذا خرجن من بيوتهن:
١-عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ :"أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية "
٢-عن زينب الثقفية أن النبي ﷺ قال: " إذا خرجت إحداكن إلى المسجد فلا تقربنّ طيبا ".
٣-عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة ".
٤-عن موسى بن يسار عن أبي هريرة: " أن امرأة مرت به تعصف ريحها فقال: يا أمة الجبار المسجد تريدين؟ قالت: نعم، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم، قال: فارجعي فاغتسلي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من امرأة تخرج إلى المسجد تعصف ريحها فيقبل الله منها صلاة حتى ترجع إلى بيتها فتغتسل ".
وسبب المنع منه واضح وهو ما فيه من تحريك داعية الشهوة وقد ألحق به العلماء ما في معناه كحسن الملبس والحلي الذي يظهر والزينة الفاخرة وكذا الاختلاط بالرجال، انظر " فتح الباري " (٢/٢٧٩) .
وقال ابن دقيق العيد:
وفيه حرمة التطيب على مريدة الخروج إلى المسجد لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال. نقله المناوي في "فيض القدير" في شرح حديث أبي هريرة الأول.
فلم يَعُد بعد الأدلّة الشرعية الصحيحة أي مجال للجدال والمخالفة، ويجب على المرأة المسلمة أن تعي خطورة القضية والإثم المترتّب على مخالفة هذا الحكم الشرعي، وأن تتذكّر أنها خرجت لطلب الأجر لا للوقوع في الإثم، نسأل الله السلامة والعافية.
وبالمناسبة فقد قرأنا في أخبار الاكتشافات العلمية مؤخّرا أن علماء البيولوجيا قد اكتشفوا في الأنف غدّة جنسية، بمعنى أنّ هناك ارتباطا مباشرا بين حاسّة الشمّ وإثارة الشهوة فإذا صحّ هذا فيكون آية من الآيات التي تبيّن حتى للكفّار دقّة أحكام الشّريعة الإسلامية المباركة التي جاءت بالعفّة وسدّ الطّرق المؤدية إلى الوقوع في الفحشاء.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15472
وساوس الشيطان
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك وساوس تزعجني بأن أحكام الشرك التي نطبقها في عالمنا قد لا تكون قيد التطبيق في جميع الكون، وأن هناك أماكن في هذا الكون يسمع فيه الموتى وبإمكانهم أن يساعدوا الناس، وأن الذهاب للقبور هو نوع من العبادة، أرجو أن تساعدني في محاربة هذه الوساوس.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من أساليب الشيطان في الإضلال إلقاء الشكوك والوساوس في قلوب العباد وقد حذرنا رسول الله ﷺ من بعض ما يلقيه فقد جاء في الحديث (يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته) رواه البخاري رقم (٣٢٧٧)
فأرشد ﷺ هنا إلى أمرين هامين:
١- الالتجاء إلى الله سبحانه والاعتصام بحبله، والإنطراح بابه، فهو الكريم سبحانه (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله) الأعراف / ٢٠٠.
٢- الانتهاء والإعراض عن هذا الأمر والاشتغال بغيره من الأمور النافعة.
وقد جاء أصحاب النبي ﷺ يشكون ما يعانون من تشكيكه ووسوسته ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: (أوقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: (ذلك صريح الإيمان) (٢/١٥٣) .
ومراده ﷺ بقوله (صريح الإيمان) أي أن كراهيتهم لتلك الوسوسة ودفعهم لها صريح الإيمان.
فيا أيها السائل الكريم الشيطان لا يوسوس إلا لأهل الإيمان وأما الكافر فيأتيه من حيث شاء ولا يقتصر على الوسوسة بل يتلاعب به كما يريد.
والاعتقاد الذي لا شك فيه ولا ريب أن الكون كله علويه وسفليه مدبرّ ومربوب لله سبحانه لا يملك أحد فيه شيئاً، قال سبحانه: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن آذن له) سبأ / ٢٢-٢٣.
أيها الأخ الكريم: هذا العدو الماكر حريص كل الحرص على الإضلال والتشكيك وبقدر استعانتك بالله وعلمك بعدوك واستعدادك له تنتصر عليه فإذا عرفت عدوك الحقيقي فهذه الأسلحة بين يدك:
أولاً:
الالتزام بالكتاب والسنة علماً وعملا والبعد عن طرق الضلال فإن على كل طريق شيطان يدعو إليها فيتبع الإنسان ما جاءه من عند الله من عقائد وأقوال وعبادات وتشريعات ويترك ما نهى عنه قال سبحانه: (ادخلوا في السلم كافة) البقرة / ١٠٨، والسلم هو الإسلام وفسره مقاتل بأنه العمل بجميع الأعمال ووجوه البر.
فمن ترك شيئا من الإسلام فقد اتبع بعض خطوات الشيطان.
إن الالتزام بالكتاب والسنة قولاً وعملاً يطرد الشيطان ويغيظه أعظم إغاظة، فقد روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ (إذا قرأ ابن أدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويلتي أمر ابن أدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار) رواه مسلم رقم (١٣٣)
ثانياً:
الاستعاذة بالله من جميع الشرور والالتجاء إليه ، وقد نبه الشرع على مزيد العناية بالاستعاذة بالله تعالى في مواضع وأحوال معينة منها:
عند دخول مكان قضاء الحاجة (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)
عند الغضب (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) .
عند الجماع (بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا)
عند نزول المكان (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)
عند سماع نهيق الحمار (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)
عند قراءة القرآن (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) .
بعد استفتاح الصلاة: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه) .
وخير ما تعوذ به المتعوذون سورتا الفلق والناس فعن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ألم تر آيات أنزلت عليّ الليلة لم ير مثلهن قط: قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس) أخرجه مسلم ٨١٤
ثالثاً:
الاشتغال بالذكر فإنه أعظم ما ينجي العبد وفي الحديث أن الله تعالى أمر يحيى ﵇ أن يأمر بني إسرائيل بخمس خصال منها: (وآمركم أن تذكروا الله تعالى، فإن مثل ذلك مثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً حتى إذا أتى إلى حصن حصين فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر) أخرجه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب الترغيب في الخصال الحميدة، والترهيب من الخلال المردية،، قال ابن القيم وكان شيخ الإسلام قدس الله روحه يعظم هذا الحديث، وبلغني عنه أنه كان يقول: شواهد الصحة عليه. الوابل الصيب (٦٠)
رابعاً:
لزوم جماعة المسلمين بأن يعيش الإنسان في ديار الإسلام ويختار لنفسه الفئة الصالحة التي تعينه على الخير قال ﷺ (من أراد منكم بحبوحة الجنة فليلزم جماعة المسلمين فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد) رواه الترمذي (٢٢٥٤) قال القارئ إسناده صحيح وقال المباركفوري: (فالحديث بكماله إما صحيح أو حسن، تحفة الأحوذي: (٦/٣٢٠) .
خامساً:
مخالفة الشيطان فإنه يأتي في صورة ناصح فلواجب مخالفته فإنه لو كان ناصحاً لنصح نفسه فقد أوقع نفسه في النار، فإذا جاءك وأنت تصلي فقال لك أنت مراء فزدها طولاً وإذا قال لك أحدثت فقل كذبت وإذا قال لك الموتى يسمعون وينفعون أو يضرون فقل له كذبت وإذا أكلت فخالفه فكل بيمينك وأشرب بها وخذ بها بل حتى في القيلولة كما في الحديث: (قيلوا فإن الشياطين لا تقيل) رواه أبو نعيم بإسناد صحيح (صحيح الجامع (٤/١٤٧)
بل حتى في اللقمة التي تقع في الأرض قال ﷺ : (فليأخذها ولا يدعها للشيطان..) أخرجه مسلم ١٢ الآداب.
سادساً:
التوبة والاستغفار وفي الحديث قال ﷺ : قال الشيطان لرب العزة (وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الرب وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني) رواه أحمد في المسند وصححه الألباني في (صحيح الجامع ٢/٣٢) .
فحال الإنسان دائماً التوبة والإنابة إلى الله سبحانه ولهم أسوة في أبيهم أدم ﵇ (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) الأعراف / ٢٣.
هذه بعض الأسباب التي تعينك أخي المسلم على دفع هذه الوساوس ونسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يعيذنا من همزات الشياطين ونزغاتهم ووساوسهم والحمد لله رب العالمين.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15473
همومنا تشغلنا كثيراً !!
[السُّؤَالُ]
ـ[في مشكلة أعاني منها أنا وزوجي وهي أننا نفكر كثيراً في كل شيء ونحمل الكثير من الهم وذلك يؤثر على عباداتنا فنفكر في كل وقتنا بما يمر بنا من هموم ومشاكل فهل من حل لذلك..؟؟!]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أختي الكريمة أشكر لك ثقتك واسأل الله تعالى لنا ولك التوفيق والسداد والرشاد وأن يرينا وإياك الحق حقاً ويرزقنا اتباعه والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه وألا يجعله ملتبساً علينا فنظل.. أما عن استشارتك فتعليقي عليها ما يلي:-
أولاً: إعمال الفكر في أمورنا الحياتية وشؤوننا الخاصة والعامة مطلب ضروري وهام لكي نتعامل معها كما يجب ونستفيد منها أيضاً كما يجب!! وقد حث القرآن الكريم – وهو كلام الله تعالى – على إعمال الفكر في أكثر من آية (ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً..) (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) (أفلا تتفكرون) (أفلا تعقلون) وغيرها من الآيات التي تحثنا على إعمال الفكر في أمورنا وشؤوننا.. بل والحياة والخلق حولنا.
إذاًَ فالتفكير بحد ذاته لا يمثل مشكلة.. بل هو مطلب هام وضروري.. يأمرنا به ديننا ويحثنا عليه قرآننا.
ثانياً: قد يتحول هذا الأمر " التفكير" إلى مشكلة نفسية أو اجتماعية.. إذا أصبح عائقاً للإنسان عن تأدية دوره الطبيعي والمأمول منه في الحياة..!
كأن يحمل الأمور أكثر مما تحتمل.. ويشغل نفسه في التفكير في أمور لا يقدم فيها كثرة التفكير ولا يؤخر!! بل يصبح لصاحبه هماً مزعجاً ومعيقاً له عن التقدم والإبداع والمبادرة!!! ودافعاً له للتردد والحيرة.. والفشل في اتخاذ أي قرار!!!
وقد يصبح التفكير مشكلة شرعية إذا تجاوز فيها الإنسان حدود قدراته العقلية والاستيعابية في التفكير فيما وراء الغيب.. مما لا يمكنه الإحاطة به.. بل ويفتح من خلاله للشيطان الرجيم أبواباً كثيرة للتأثير عليه.
ثالثاً: أما ما يتعلق بتفكير كما الكثير في كل شيء.. وحملكما هماً لكل مشكلة.. فهو إلى حدٍ ما شيء طبيعي.. بشرط ألا يعيقكما عن ممارسة حياتكما بشكل طبيعي.. وأعني هنا.. هل هذا التفكير يقودكما إلى إيجاد حلول لهذه المشكلات التي تواجهكما..؟! وهل تستحق هذه المواقف الحياتية كل ما تقتطعونه لها من وقت للتفكير..؟! إذا كانت الإجابة بنعم.. فلا توجد هناك أي مشكلة..! وإن كانت الإجابة بـ لا.. فقد قطعتما بإدراككما أنها لا تستحق نصف الطريق للعلاج.. وهو تشخيص المشكلة والإقرار بها..!! لأننا متى ما عرفنا نوع المشكلة سهل علينا إيجاد الطريقة المناسبة للتعامل معها.
رابعاً: التغلب على هذه المشكلة يحتاج إلى بعض التدريب.. وبعض الوقت.. وأنتما تملكان القرار للبدء.. وتملكان – بعون الله وتوفيقه – القدرة على ذلك.. ويجب أن تثقا بأنفسكما في هذا الجانب!
خامساً: أقترح عليكما.. أن تقسما مشاغلكما ومشاكلكما إلى ثلاثة مستويات:-
• المستوى الأول: مشاغل أو مشاكل تؤثر تأثيراً مباشراً على حياتكما الزوجية والاجتماعية بشكل كبير قد يؤدي إلى القطيعة.. فهذه يجب إعطاءها حقها من التفكير الموضوعي.. وحسمها والتفاهم حولها.. وعدم تركها لتتراكم مع الوقت حتى يصعب التعامل معها.
• المستوى الثاني: مشاغل أو مشاكل تتساوى فيها الإيجابيات والسلبيات.. وأنتما في النهاية طرف فيها.. فهذه استخيرا الله فيها ولا بأس من التشاور حولها.. ومقارنة البدائل ثم اتخاذ ما ترونه حيالها.. مراعين في ذلك المسائل الشرعية والعرفية.. دون مبالغة في التحري والاهتمام.
• المستوى الثالث: مشاغل أو مشاكل لا تعنيكما بأي حال لأنها تتعلق بالآخرين.. وهذه من الأولى عدم الخوض فيها وإشغال النفس واستهلاك الوقت حولها.. لأنها ببساطة لا تعنيكما..!! ولن يقدم فيها رأيكما أو يؤخر.
سادساً: أمورنا وقضايانا الحياتية لا تخرج عن ثلاثة أقسام:-
• أمور قد مضت وانقضت.. وهذه يجب ألا ننشغل فيها كثيراً.. إلا بالقدر الذي يجعلنا نستفيد منها من أخطاءنا وتجاربنا للمستقبل.. فالماضي لا يعود ولا داعي للانشغال بأمور قد ذهبت.
• أمور مستقبلية.. وهذه من الأولى ألا ننشغل فيها كثيراً قبل أوانها.. لأن المستقبل في علم الغيب.. وكل ما علينا هنا هو أن نضع مجموعة من الخيارات لهذا الأمر.. وعندما يحين أوانه.. نتكل على الله ونتخذ القرار.
• أمور حالية نعيشها.. وهذه هي التي نحاول أن نوازن فيها بين جميع البدائل المتاحة.. ولا بأس من التشاور حولها.. وتبادل الرأي دون مبالغة أو قلق كبير.. ففي النهاية ستسير الأمور كما نتمنى بإذن الله.. وما دمنا فعلنا الأسباب من استخارة واستشارة فإن الخيرة فيما اختاره الله.
سابعاً: تعويد النفس على هذا الأمر يحتاج إلى تدريب ويمكن أن تتفقي أنت وزوجك على أن تتعاونا في هذا الأمر ويذكر بعضكما بعض عندما يسرف على نفسه في الاهتمام بأي موضوع أكثر من اللازم وشيئاً فشيئاً ستجدان أنفسكما وقد أصبحتم تتعاملون مع الأمور الحياتية بموضوعية كبيرة.
ثامناً: هناك كتاب جميل في موضوع القلق.. وبه طرق عملية جيدة للتعامل مع هذا الموضوع أنصحكم بقراءته وهو كتاب (دع القلق وابدأ الحياة) لمؤلفه " ديل كارنجي".
تاسعاً: وقبل هذا وبعده إحضار النية والدعاء الصادق بأن يوفقكم الله ويعينكم ويسدد خطاكم.
[الْمَصْدَرُ]
أحمد المقبل: الإسلام اليوم
стр. 15474
لا تزور أخاها ولا ابنة عمها خشية الأذى منهما فهل هذا من قطيعة الرحم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ي عن صلة الرحم لي أخ أكبر مني أخاف منه لأنه يحاول التحرش بي ولم يستطع، وتحرش بأختي الصغرى، والآن أخاف على ابنتي البالغة من العمر ١٤ سنة، لذلك لا أزوره في بيته أبداً، وهو متزوج، ولا أختلي به، ولا أدع ابنتي تختلي به، صلة رحمي معه هو سلامي عليه حين زيارته لمنزلنا، وعندما أصادفه في بيت أحد من إخواني، وأنا مطلقة وأعيش في منزل والدي، فهل أكون بذلك وصلت رحمي معه ولم أقطعه؟ لأني لا أريد الذهاب لمنزله. ولي ابنة عم شقيق لوالدي ولا أزورها لأني أتأذى منها، ولكن أسلم عليها في الاجتماعات العائلية والمناسبات، فهل وصلت رحمي؟ وهل هي من رحمي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ما ذكرته من تحرش أخيك بك وبأختك الصغرى، أمر تقشعر منه الأبدان، وتنفر منه النفوس، لما فيه من مخالفة الفطرة، والارتكاس إلى عالم البهيمية بل أضل؛ إذ كثير من البهائم لا تفعل هذا ولا تقبله.
وقد أحسنت وأصبت في عدم زيارتك له وعدم اختلائك به، ومنع ابنتك من الخلوة به؛ لأنه شخص غير مؤتمن.
وما ذكرت من السلام عليه عند لقائه، كافٍ في صلة رحم أمثاله من أهل الشذوذ والانحراف، نسأل الله العافية.
ثانياً:
ابنة عمك من جملة الأرحام الذين ينبغي صلتهم والإحسان إليهم، وبذل المودة لهم، لكن هل هي من الرحم التي يجب صلتها أو لا؟ خلاف بين الفقهاء، وبيان ذلك أن الرحم نوعان: رحم مَحْرَم، ورحم غير مَحْرَم.
وضابط الرحم المَحرَم: كل شخصين لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى لم يجز لهما أن يتناكحا، كالآباء والأمهات والإخوة والأخوات والأجداد والجدات وإن علوا، والأولاد وأولادهم وإن سفلوا، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات.
وأما أولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات، فليسوا من الرحم المَحرَم، لجواز التناكح بينهم.
والرحم غير المَحرَم: ما عدا ذلك من الأقارب، كبنت عمك وعمتك، وابن عمك وعمتك، وابن خالك، وبنت خالك، وهكذا.
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن الرحم التي يجب صلتها: هي الرحم المحرم فقط، وأما غير المَحْرَم، فتستحب صلتها ولا تجب، وهذا قول للحنفية، وغير المشهور عند المالكية، وقول أبي الخطاب من الحنابلة، وحجتهم أنها لو وجبت لجميع الأقارب لوجب صلة جميع بني آدم، وذلك متعذر، فلم يكن بد من ضبط ذلك بقرابة تجب صلتها وإكرامها ويحرم قطعها , وتلك قرابة الرحم المحرم.
والقول الثاني في المسألة: أنه يجب صلة الرحم كلها، لا فرق بين المحرَم وغيره، " وهو قول للحنفية , والمشهور عند المالكية , وهو نص أحمد , وهو ما يفهم من إطلاق الشافعية , فلم يخصصها أحد منهم بالرحم المحرم ". "الموسوعة الفقهية الكويتية" (٣/٨٣) .
وينظر: "غذاء الألباب" للسفاريني (١/٣٥٤) ، "بريقة محمودية" (٤/١٥٣) .
قال في "سبل السلام" (٢/٦٢٨) : " واعلم أنه اختلف العلماء في حد الرحم التي تجب صلتها فقيل: هي الرحم التي يحرم النكاح بينهما بحيث لو كان أحدهما ذكرا حرم على الآخر. فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام ولا أولاد الأخوال. واحتج هذا القائل بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها في النكاح لما يؤدي إليه من التقاطع.
وقيل: هو من كان متصلا بميراث، ويدل عليه قوله ﷺ : (ثم أدناك أدناك) .
وقيل: من كان بينه وبين الآخر قرابة سواء كان يرثه أو لا.
ثم صلة الرحم كما قال القاضي عياض: درجات بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام , ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة، فمنها واجب ومنها مستحب، فلو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لم يسم قاطعا، ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له، لم يسم واصلا.
وقال القرطبي: الرحم التي توصل الرحم عامة وخاصة، فالعامة رحم الدِّين , وتجب صلتها بالتوادد والتناصح والعدل والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة.
والرحم الخاصة تزيد بالنفقة على القريب وتفقِّد حاله والتغافلِ عن زلته " انتهى.
وينظر جواب السؤال رقم (٧٢٨٣٤) .
وسواء كانت ابنة العم من الرحم التي يجب صلتها، أو كانت من الرحم التي يستحب صلتها فقط، فإن كان يلحقك الأذى بمخالطتها وزيارتها، واقتصرت على السلام عليها في الاجتماعات العائلية والمناسبات، فلا حرج عليك، ولا تعدين بذلك قاطعة للرحم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15475
عاشق هائم يبحث عن حل لمشكلاته ويريد النصح والتوجيه
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا في حيرة من أمري، وأحسب نفسي مريضاً نفسيّاً بالحب، هذه ليس كلمة أستحي منها؛ لأنها واقعية، وما سأكتبه لا يهمني من يعرفه، المهم أن أجد حلاًّ على يد أحد المشايخ الفضلاء، لأني والله يعلم مدى ما أقاسية من ألم، ووحشة، وحرقة قلب، أريد حلاًّ، أريد من يسمعني. حكايتي تبدأ عندما كنت في الثانوية العامة وكنت وقتها أعيش خارج بلدي, عرفت فتاة رقيقة، وأحسب أنها جميلة، كلمتها كثيراً جدّاً، حتى تعلقت بها بصورة لا أحسن وصفها؛ لأنني لا أظن أنني أستطيع ذلك، ثم تطور الأمر إلى أن أحببتها، وعشقتها بشدة، وصارحتها بذلك، لكنها صدتني بقوة وقسوة وقالت: إنها ليست للحب، وإنها فتاة جدية، ومع ذلك بقيتْ معي تحاكيني، وكل يوم يزداد ما بداخلي لها من مشاعري التي لم أستطع التحكم فيها إطلاقاً، وبعد مرور شهرين تقريباً، وبعدما ذاب قلبي فيها، وعلقت كل آمالي وأحلامي بها مع علمي التام أنها لا تهتم بذلك - كل الحكاية أنها كانت تجد تسلية معي فتتحدث، هذا ما فيها - المهم: بعد هذه الفترة: انتهت امتحانات الفصل الدراسي الأول، ويوم النتيجة أعلنتْ الحرب على قلبي بصورة شديدة الاحترام، اتصلت بها حتى أعرف نتيجتها، وكنت مشتاقاً لها بشدة، فقالت: إنها حصلت على ٩٩,٩٥، فباركت لها من قلبي لأني والله يعلم فرحت لها، وسألتني عن نتيجتي لكنها لم تكن بعد قد ظهرت في مدرستي، ثم نطقتْ بكلمة كانت هي السم الزعاف الذي أتجرعه كل يوم لمدة سنتين، بعد هذه الحكاية ولا أكاد أسيغه، قالت: إننا لا يمكن أن نستمر هكذا، ولا بد أن ينتهي ما بيننا من هذه المكالمة، وأنها ليست على استعداد أن تتكلم معي؛ لأنها تعلم أنه محرَّم شرعاً، وبكل قوة قلب عندها وانعدام الرحمة! أنهت ما بيننا، وتركتني هائماً على وجهي، وبقيت - والله يعلم بحالي وبؤسي وسقمي - كل يوم أرسل لها رسالة استعطاف على المحمول، بالإضافة للكلام الذي قلته لها في تلك المكالمة الأخيرة الذي لو سمعه الصخر لعطف عليَّ، ومسح دموعي، لكنها لم تكن تأبه بكل هذا، وفي نهاية الأمر أغلقت محمولها، وأغلقت معه طرق الاتصال بها، وبقيت بحال بائسة لا يعلمها إلا الله، وفي هذا الفصل الدراسي حصلت على ٨٦ في المائة، ومع صدمتي فيها: انصدمت بالنسبة التي لم أتوقعها أساساً، كل هذه المصائب جعلتني أعلن الانسحاب، وأنني لن أكمل السنة الدراسية، ومع محاولات من أهلي أيضاً لم أوافق، فلم يكن أحد يعرف بهذه المشكلة غيري، لكنني تحججت بالنسبة السيئة، بقيت في حال سيئة جدّاً أحاكي ورقتي، وقلمي، وأستمع لأغاني الحب والهيام! التي أذابت قلبي أكثر، المهم: ومرَّت السنتان بهذه الحال، وأكثر، من الألم، وعندما جئت إلى مصر من فترة كنت كالجائع الذي يبحث عن شيء يأكله، أبحث بكل الصور عن فتاة كي أحبها، كنت بغبائي أحسب الحب يأتي هكذا، لكنني كنت أبحث عن حل للماضي، وأقنعت نفسي أني أحب فتاة زميلة لي في الكلية، لكنني بعدها بأيام قليلة أحسست نحوها بملل عجيب، واكتشفت أنني لا أحبها أبداً، ولا أشعر نحو أحد بالحب، إلا تلك التي عرفتها من سنتين، واليوم عرفت فتاتين عبر الإنترنت، إحداهن من مصر، والأخرى من فلسطين، التي من مصر أحسست تجاهها بحب جارف؛ لأنها واجهت حكاية أقسى ألماً مني، أحسست نحوها بالحب، بعد مرور ثلاثة شهور كنت أحارب نفسي كي لا أحبها، لكنها جرفتني معها في تيار رياح الحب، بعد ذلك عرفت فتاة فلسطين، التي تمكنت مني في أسبوع واحد، وهي أشدهن ألما على قلبي، أتعرفون لماذا؟ لأنها الوحيدة التي أوهمتني بحبها لي، كانت تكلمني من عنوان بريدي ليس لها، تكلمني على أنها فلانة، وهي قريبتها، وبعدما ذبت فيها بكل الصور الممكنة لأنني محتاج أساسا لتلك الكلمات التي أمطرتني بها: إذ بها البارحة فقط تخبرني الحقيقة، قالت: إنها أحبتني فعلا، ولكن لا تعرف ما دفعها لخداعي في شخصيتها، أبكت قلبي دماً، وناراً، جعلتني أموت كمداً، وفارقتني ولا أعرف هل سأحاكيها أم لا بعد اليوم، المشكلة في بنت مصر أنها أكبر مني بأربعة أعوام كوامل، وفي بنت فلسطين أنها خدعتني، والمشكلة الأساسية فيَّ أنا، كل ما كتبتُ هو حقيقي فعلاً، وحدث، ولا أتأول منه شيء، أفتوني، جزاكم الله خيراً، هذه حكايتي بأكثر من إيجاز، أتمنى الرد منكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لعلَّ الله أراد بك خيراً حيث يسَّر لك أن تراسل موقعاً إسلاميّاً يُعنى بالفتوى، والمشكلات الاجتماعية، لتعرض عليه قصص حبِّك وغرامك، وانتقالك من معشوقة لأخرى! فنرجو الله تعالى أن تكون أنت مريداً للخير لنفسك، وأن تعقل ما نقول، وأن تعمل به في خاصة نفسك.
ثانياً:
اعلم ـ يا عبد الله ـ أن الشيطان يزيِّن للناس حب الشهوات، وخاصة في النساء، والمؤمن يعلم أن هذا ابتلاء واختبار من الله، الفائز فيه من صرَّف شهوته فيهن بالحلال، فتزوج، والخاسر فيه من صرَّفها بالعشق والغرام والزنا، ونرجو منك التأمل في هذه الآية، وتتفكر جيِّداً في كلام مفسِّرها، فإن فيما سننقله لك تعلقاً كبيراً بحالك.
قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) آل عمران / ١٤، ١٥.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀ –:
يُخبر تعالى أنه زيِّن للناس حب الشهوات الدنيوية، وخص هذه الأمور المذكورة لأنها أعظم شهوات الدنيا، وغيرها تبع لها، قال تعالى: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها) فلمَّا زينت لهم هذه المذكورات بما فيها من الدواعي المثيرات، تعلقت بها نفوسهم، ومالت إليها قلوبهم، وانقسموا بحسب الواقع إلى قسمين:
قسم: جعلوها هي المقصود، فصارت أفكارُهم، وخواطرُهم، وأعمالُهم الظاهرة والباطنة لها، فشغلتهم عما خُلقوا لأجله، وصحبوها صحبة البهائم السائمة، يتمتعون بلذاتها، ويتناولون شهواتها، ولا يبالون على أي وجه حصَّلوها، ولا فيما أنفقوها وصرفوها، فهؤلاء كانت زاداً لهم إلى دار الشقاء، والعناء، والعذاب.
والقسم الثاني: عرفوا المقصود منها، وأن الله جعلها ابتلاءً وامتحاناً لعباده، ليعلم من يقدِّم طاعته ومرضاته على لذاته وشهواته، فجعلوها وسيلةً لهم، وطريقاً يتزودون منها لآخرتهم، ويتمتعون بما يتمتعون به على وجه الاستعانة به على مرضاته، قد صحبوها بأبدانهم، وفارقوها بقلوبهم، وعلموا أنها كما قال الله فيها (ذلك متاع الحياة الدنيا) ، فجعلوها معبراً إلى الدار الآخرة، ومتجراً يرجون بها الفوائد الفاخرة، فهؤلاء صارت لهم زاداً إلى ربهم.
وفي هذه الآية تسلية للفقراء الذين لا قدرة لهم على هذه الشهوات التي يقدر عليها الأغنياء، وتحذير للمغترين بها، وتزهيد لأهل العقول النيرة بها، وتمام ذلك: أن الله تعالى أخبر بعدها عن دار القرار، ومصير المتقين الأبرار، وأخبر أنها خير من ذلكم المذكور، ألا وهي الجنات العاليات، ذات المنازل الأنيقة، والغرف العالية، والأشجار المتنوعة المثمرة بأنواع الثمار، والأنهار الجارية على حسب مرادهم، والأزواج المطهرة من كل قذر، ودنَس، وعيب ظاهر وباطن، مع الخلود الدائم الذي به تمام النعيم، مع الرضوان من الله الذي هو أكبر نعيم، فقس هذه الدار الجليلة بتلك الدار الحقيرة، ثم اختر لنفسك أحسنهما، واعرض على قلبك المفاضلة بينهما.
(والله بصير بالعباد) أي: عالم بما فيهم من الأوصاف الحسنة، والأوصاف القبيحة، وما هو اللائق بأحوالهم، يوفق من شاء منهم، ويخذل من شاء، فالجنة التي ذكر الله وصفها، ونعتها بأكمل نعت: وصف أيضا المستحقين لها، وهم الذين اتقوه بفعل ما أَمر به، وترك ما نهى عنه.
" تفسير السعدي " (ص ١٢٣) .
فكن على حذر من شيطانك، ومن نفسك، ومن هواك، وقارن بين حال السعداء بطاعة الله والأشقياء بمعصيته في الدنيا، وقارن بين حاليهم في الآخرة، ولا نراك إلا ستسير في درب الصالحين، وطريق الأتقياء الطائعين.
واعلم أن فتنة النساء ما كانت لتُحدث في قلب المؤمن من الشر والفساد لولا أنه أطلق بصره في النظر إليهن، والتأمل في زينتهن، ولهذا فإن المسلم مأمور بغض البصر عن المحرمات، كما قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) النور/ ٣٠.
قال الإمام ابن القيم – ﵀:
أما اللحظات: فهي رائد الشهوة، ورسولها، وحفْظها أصلُ حفظ الفرج، فمن أطلق نظره: أورده موارد الهلاك ... .
والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان؛ فإن النظرة تولِّد خطرة، ثم تولِّد الخطرة فكرة، ثم تولِّد الفكرة شهوة، ثم تولِّد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصبر عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد، ما لم يمنع منه مانع، وفي هذا قيل: " الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألِمِ ما بعده " ...
ومن آفاته: أنه يورث الحسرات، والزفرات، والحرقات، فيرى العبد ما ليس قادراً عليه، ولا صابراً عنه، وهذا من أعظم العذاب: أن ترى ما لا صبر لك عنه، ولا عن بعضه، ولا قدرة لك عليه.
" الجواب الكافي " (ص ١٠٦) ، وهو وصف دقيق لحالتك، وننصحك بقراءة هذا الكتاب، فهو مؤلَّف لهذه المسألة دون غيرها.
وانظر جواب السؤال رقم: (٢٠٢٢٩) ففيه بيان الوسائل المعينة على غض البصر.
وتجد فوائد غض البصر في جواب السؤال رقم: (٢٢٩١٧) .
وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم: (٣٣٦٥١) طرق مواجهة فتنة النساء.
وفي جواب السؤل رقم: (٢٠١٦١) بيان حل مشكلة الشهوة وتصريفها.
ثالثاً:
أخي السائل: هل تريد السعادة؟ هل ترجو الطمأنينة؟ وهل ترنو نحو الفرح والسرور؟ هل تريد استبدال ما بك من شقاء وبؤس ونكد إلى أضدادها؟ إن كان الجواب في كل ذلك: نعم - وهو ما نرجوه منك: فعندنا ما ننصحك به لذلك، فتأمل معنا الآية وتفسيرها.
قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) الرعد/ من الآية ١١.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀ –:
الآية الكريمة آية عظيمة، تدل على أن الله ﵎ بكمال عدله، وكمال حكمته، لا يغيِّر ما بقوم من خيرٍ إلى شرٍّ , ومن شرٍّ إلى خير، ومن رخاء إلى شدة , ومن شدة إلى رخاء: حتى يغيروا ما بأنفسهم , فإذا كانوا في صلاح واستقامة وغيروا: غيَّر الله عليهم بالعقوبات، والنكبات، والشدائد، والجدب، والقحط , والتفرق، وغير هذا من أنواع العقوبات، جزاءً وفاقاً ... .
وقد يكونون في شرٍّ، وبلاء، ومعاصي، ثم يتوبون إلى الله، ويرجعون إليه، ويندمون، ويستقيمون على الطاعة: فيغيِّر الله ما بهم من بؤس، وفرقة، ومن شدة، وفقر، إلى رخاء، ونعمة، واجتماع كلمة، وصلاح حال، بأسباب أعمالهم الطيبة، وتوبتهم إلى الله .
" فتاوى الشيخ ابن باز " (٩ / ٢٩٧ , ٢٩٨) .
وانظر في تحريم الموسيقى والغناء المصاحب لها: أجوبة الأسئلة: (٥٠٠٠) و (٥٠١١) و (٤٣٧٣٦) و (٩٦٢١٩) .
وأخيراً:
نوصيك بتقوى الله تعالى، ومراقبته في الصغيرة والكبيرة، واحرص على أن يراك حيث أمرك، وأن لا يراك حيث نهاك، وعجِّل بالزواج؛ فإنه السبيل الوحيد لحفظ شهوتك من وضعها في غير مكانها، والجأ إلى الله بالدعاء أن يخلصك من شرور نفسك، وسيئات أعمالك.
ونسأل الله أن يطهر سمعك وبصرك وجوارحك من الحرام، وأن يحبب إليك الإيمان ويزينه في قلبك، وأن يكرِّه إليك الكفر والفسوق والعصيان.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15476
شاب يعاني من الشهوة في يقظته واحتلامه بشقيقته في منامه !
[السُّؤَالُ]
ـ[أحاول دائماً أن أكون أفضل مسلم، قدر استطاعتي، فأصلِّي، وأصوم، وأتلو القرآن بقدر ما أستطيع، إلخ، إنني في ال ١٦ من عمري، وفي هذا العمر الولد يخرج منه المني كثيراً، والذي يخرج بطريقة أو بأخرى، مثل: الاستمناء باليد، والأحلام، وغيرها (هذا يحدث مرة أو مرتين في الأسبوع، هذا إذا لم يخرج بطرق أخرى) ، والآن في الأحلام يحلم الشخص بامرأة فاتنة، وكما قلت إنني أحاول أن أكون مسلماً جيِّداً فلا أنظر إلى جمال الفتيات (لأنه حرام) ، وأنظر، وأرى، وأتكلم فقط إلى محارمي (وبدون شهوة طبعاً) ، وإحداهن أختي، وهي فتاة جميلة، وفاتنة! أراها كل يوم لأننا أخ وأخت، أحلم بها في منامي، وهذا يجعلني أشعر بمرض لا أدري كيف أتخلص منه؛ لأنها موجودة معي في نفس البيت، والأحلام لا يمكن تفاديها؛ لأن المني لا بد أن يخرج بسبب ذلك، أحاول إيجاد حلول وسأكون شاكراً لكم إذا استطعتم عوني في هذا الشأن، هناك حلَاّن وجدتهما، ولكنهما حرام - وهما أفضل من أن تحلم بأختك – أحدهما: أنني أنظر إلى امرأة مثل ممثلة، أو أخرى، أُعجب بجمالها، فيحل ذلك محل أختي في الأحلام، هل هذا حسن؟ وإذا كان لا: فلماذا؟ فأنا متأكد أن هذا أحسن من رؤية أختي في منامي، وثانيهما: أن أستمني بيدي بدون تخيل أحد ما أو صورة ما في مخيلتي، فقط مرة واحدة لكي يخرج المني بالاستمناء (وهذا يعني أنني سأتخلص من الأحلام بقدر المستطاع) ، أعلم أن الاستمناء حرام، لكني أجده أفضل من أن أحلم بأختي، وهذا بحق محرج، هل هذا ابتلاء من الله؟ أرجو إخباري: أيّا منها ينبغي عليَّ أن أفعل، وإذا كانت الإجابة بلا: فما ينبغي عليَّ فعله؟ أرجو الإجابة سريعاً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
من فضل الله تعالى عليك - أخي السائل – أن وفقك في هذا السن إلى عبادته، وطاعته، ومن فضله عليك أن رزقك نفساً لوَّامةً تلومك على التقصير في طاعته، وتلومك على فعل ما لا ينبغي لك فعله، وتلك النعَم من الرب تعالى تحتاجان لشكر قلبي، وقولي، وعملي، وخاصة وأنت ترى حولك الشباب في مثل سنِّك كيف جرفهم تيار الشهوات، وغرقوا في بحار الهوى والضلال والانحراف.
ثانياً:
يجب أن تعلم أن الاحتلام يحصل للنساء والرجال، وللعزاب والمتزوجين، ويحصل لمن قرأ الأذكار قبل نومه، ولمن لم يفعل، وأنه لا إثم على ما يراه الإنسان في نومه؛ لأنه لا يملك إيجاده، ولا دفعه، ومثل ذلك لا يحاسَب عليه المسلم، كما أنه لا يُثاب على ما يفعله في منامه من طاعات وعبادات، وقد صحَّ الحديث عن النبي ﷺ برفع قلم التكليف عن " النائم حتى يستيقظ ".
فلا ينبغي لك القلق من هذا الذي تراه في منامك، والذي عليك القلق من جهته، والاهتمام له هو ما تفعله وقت يقظتك، وهو ما اقترحته من علاج لمشكلة احتلامك بأختك، وكلا الاقتراحين منك محرَّم، لا يحل لك فعله، فلا النظر إلى صور الممثلات، والمغنيات، وغيرهن من الفاتنات مباح – انظر في تحريم ذلك جواب السؤال رقم: (١٧٧٤) -، ولا كذلك ممارستك للعادة السرية – انظر في تحريمها جواب السؤال رقم: (٣٢٩) -، ومع كون الفعلين من المحرمات فهما لن يغنيا عنك شيئاً، ولن يمنعا من أن ترى في منامك احتلاماً، وقد سبق أن ذكرنا لك أن الاحتلام يحصل مع المتزوجين، والذين يفرغون شهوتهم في الحلال.
واعلم أن نظرك لأختك نظر شهوة محرَّم أشد التحريم، وهو مع كونه محرَّماً فإن له علاقة قوية بما تراه في منامك، ومن المعلوم أن بعض ما يُرى في المنام هو نتيجة لحديث النفس الذي يراود المستيقظ في يقظته، وهذا يعني أن نظرك المحرَّم لأختك – أو غيرها – والتفكير في الجنس قبل نومك: يمكن أن يؤدي إلى رؤية ذلك في منامك، ولذا كان من وصايا أهل العلم لمن ابتلي بهذا: أن يتطهر لنومه، وأن يقرأ آية الكرسي، وأن يقطع التفكير في الجنس والشهوة، وإذا رأى بعد ذلك شيئاً في منامه مما يكرهه فلا يلوم نفسه على تفريط حصل منه في يقظته، فانتبه لهذا، وكن متفطناً له.
ومما يذكره بعض أهل الاختصاص في تعبير الرؤى وتفسير الأحلام: أن مثل تلك الأحلام التي تراها إنما هي من الشيطان ليسهِّل لك فعل الفاحشة في اليقظة! وهذا أمر خطير ينبغي عليك التنبه له، وقد يتلاعب الشيطان في الطرف الآخر فيريها مثل ما ترى أنت في منامك للقصد نفسه! وهذا يتمشى تماماً مع من يقول إن للشيطان علاقة بالاحتلام، وشتان شتان بين من يرى في حلمه نفسه يفعل الفاحشة في أخته وهو عفيف شريف في يقظته معها، ومن يرى ذلك وهو ينظر إليها في يقظته نظر شهوة وفتنة، فإن الأول هو الذي يخاف ويقلق في منامه، وهو الذي يستبعد حصول مثل ذلك في واقع الحال، بخلاف من كان مفتوناً في يقظته، فإن الشيطان لا يتركه في نومه، كما لم يتركه في يقظته.
ثالثاً:
قد ذكر بعض أهل الاختصاص من الأطباء أن الإنسان قد يفعل في يقظته ما يسبِّب له الاحتلام في نومه – مع التسليم بوجود خلاف بين العلماء في تفسير هذه الظاهرة -، وذلك مثل: النظر المحرَّم للنساء، والتفكير بالجنس والشهوة، وعدم التبول قبل النوم، وامتلاء المعدة من الطعام، فيًرجى إن تخلصتَ من ذلك كله، ونمت على طهارة وذِكر أن تتخلص مما يقلقك في منامك.
رابعاً:
الحل الجذري لمشكلتك: هو الزواج، فإن عجزت عنه: فالصيام الذي يهذب النفس، ويسبب التقوى التي تحجزك عن فعل الحرام، وهذا هما وصية نبيك محمد ﷺ لمن هم مثلك من الشباب.
عن عَبْدِ اللَّهِ بن مسْعُود قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) .
رواه البخاري (٤٧٧٩) ومسلم (١٤٠٠) .
وانظر جواب السؤال رقم: (٩٢٠٨) ففيه بيان أن الاحتلام أمر طبيعي لا يؤاخذ عليه الإنسان.
ويمكنك الاطلاع على جواب السؤال رقم: (٢٠٢٢٩) ففيه بيان الوسائل التي تعين على غض البصر، وجواب السؤال رقم: (٢٠١٦١) وفيه بيان حل مشكلة الشهوة وتصريفها، وفي جواب السؤال رقم: (٣٩٨٦٧) ذكرنا الآثار الصحية للعادة السيئة على الجسم، والعقل، والوجه، والذاكرة، وذكرنا فيه طرق التخلص منها، وعدم الوقوع فيها.
خامساً: إذا كنت ـ أخي الكريم ـ قد عانيت من هذه الشكوى، وألقى الشيطان في قلبك طرفا من ذلك الفكر في أختك، فينبغي عليك أن تحتاط لنفسك جيدا، فقلل من النظر إليها، والخلوة بها، وهي أختك!! وأْمُرها بألا تتساهل في ملابسها أمامك، فالمحارم ليسوا على درجة واحدة في حكم إبداء الزينة أمامهم؛ أما الزوج فإنها تبدي له كل شيء من زينتها، وأما غيره، كالأب والأخ ونحوهما، فلا تظهر أمامهم إلا ما يظهر منها غالبا، كالساعد والعنق، ونحو ذلك، وهذا حكم أصلي، بغض النظر عن مشكلة عارضة كمشكلتك.
وأما حين يوجد عارض آخر، كالذي نتحدث فيه، فينبغي أن يكون التحرز أشد، والتستر أكمل، لكن دون أن تلفت نظرها إلى شيء مما وقع في بالك، وإنما حاول إرشادها إلى ذلك، عن طريق الوالدين ـ إن أمكن ـ ودون إشارة لما يجول في خاطرك، أو تراه في منامك.
قال العلامة ابن القطان ﵀ "النظر في أحكام النظر" (٣١٢) ـ:
" مسألة: فإن كان إنما ينظر منها، أعني ذلك من ذات محرمه، إلى الوجه والكفين والقدمين، صغيرة كانت أو كبيرة؛ فهذا جائز بلا خلاف، لأنه شيء يبدو في حال المهنة ... ، اللهم إلا أن ينظر إلى ذلك من ذات محرمه بقصد اللذة، فهذا لا شك في تحريمه، وأظن أنه لا خلاف فيه. وابن عبد البر قد نص على تحريمه، ولم يحك عن أحد فيه شيئا.. ". انتهى.
وقال أبو بكر الحصني الشافعي ﵀ "كفاية الأخيار" (١/٤٦٠) ـ:
" يحرم النظر إلى المحارم بشهوة بلا خلاف ". انتهى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15477
رجعت لها وساوس الصلاة، فلا تخشع فيها
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت أعاني من وساوس الشيطان، لكن الحمد لله تخلصت منها، لكن الآن أصبحت مختلفة , أصبحت الوساوس في الصلاة , يعني أنني لا أخشع , وأستعيذ بالله، وأحاول أبعدها , لكن بدون فائدة، والمشكلة أن إيماني يقل لدرجة كبيرة , وإذا قلَّ الإيمان تقل الأعمال الصالحة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من علامات صلاح العبد وحياة القلب أن لا يزال في مراجعة تامة لأحواله، وأعماله، وخطراته، فالحساب يوم القيامة عسير، والناقد بصير، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
غير أننا نخطئ حين نظن أن حياة القلب أمر يسير، يمكن استجلابه في أي حين، أو يمكن تحصيله بأي سبب، ولو كان الأمر كذلك لما وجدت درجات الجنة ولا دركات النار، ولما تفاضل الناس في الإيمان، بل لصافحتنا الملائكة بالطرقات.
كلنا يعلم – أختي الكريمة – مكامن الضعف في نفسه، ومواضع الزلل في قلبه، ومتى يزداد الإيمان في قلوبنا، ومتى يهن اليقين في عزائمنا، نَجِدُّ ونكبو، ونسعى ونتعثر، ونحن في ذلك كله متعلقون برحمة الله وعطفه وإحسانه، لا لفضلنا ومنزلتنا، وإنما لكرمه وجوده وواسع فضله سبحانه، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، يعلم ضعفنا وعجزنا، وخطأنا وجهلنا، وكل ذلك عندنا، بل جعل جميع تلك الخواطر والأحوال من آياته التي يقسم بها، فقال : (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) القيامة/١-٢.
يقول الحافظ ابن كثير ﵀: " أما النفس اللوامة: فقال قرة بن خالد، عن الحسن البصري في هذه الآية: إن المؤمن - والله - ما نراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قُدُما ما يعاتب نفسه " انتهى باختصار.
"تفسير القرآن العظيم" (٨/٢٧٥) .
تأكدي أختي الكريمة أن الذي يظن أنه يجد الطمأنينة التامة في الدنيا، والخشوع الكامل، أو أنه لا يتعرض لوساوس الشيطان ونفثات النفس الأمارة بالسوء، فقد أخطأ ظنه، ولم يفلح في تجاوز ما يواجه من ذلك، فالخطوة الأولى في العلاج هي تقبل الأمر، واحتساب الأجر عند الله ، وبهذا تتخلص النفس من أرق كبير يسببه شعورها بالتفرد بالمعاناة، والشذوذ عن جميع الناس.
ولا يعني ذلك القعود والتكاسل عن تحصيل معالي الأمور، بل طلب الخشوع من الواجبات باتفاق العلماء، لكن الذي نعنيه من ذلك الحث على المصابرة والمجاهدة في استجلاب اليقين التام، والتذلل الكامل لله ، في الصلاة وخارجها، والله سيكتب لكل من جاهد في سبيل ذلك الأجر العظيم عنده، قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت/٦٩، وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) آل عمران/٢٠٠.
والمسلم الذي يؤمن بهذه الآيات الكريمات، لا يصيبه اليأس من تحصيل ما وعده الله تعالى من النجاح والفلاح، فالمهم هو سلوك الطريق الصحيح إلى الله ، وطلب أسباب الخشوع والطمأنينة، وتحمل العناء في سبيل ذلك، فإذا أصاب بعد ذلك المطلوب فهنيئا له جنة الدنيا قبل جنة الآخرة، وإلا فثوابه في الآخرة عند الله تعالى ثواب الصابرين، وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.
ونرجو من الأخت السائلة أن تستعين بما سبق نشره في موقعنا من نصائح مفيدة في أمر الخشوع ودرء الوساوس وعلاجها، لم نشأ أن نكررها هنا خشية الإطالة أو الإملال، وهي تحمل الأرقام الآتية: (٢٥٧٧٨) ، (٣٩٦٨٤) ، (١٠٦٤٢٦) .
كما ننصح بمراجعة قسم " الكتب " في موقعنا، وقراءة رسالة بعنوان (٣٣ سببا للخشوع في الصلاة) ، ففيها أمور مفيدة إن شاء الله تعالى.
ومع ذلك فلا نخلي جوابنا هنا من فائدة جديدة، ننقلها عن واحد من أكثر العلماء عناية بهذه الأبواب، وهو الإمام الغزالي ﵀، فنرجو قراءة هذا النص الذي ننقله عنه بمزيد عناية وتأمل.
يقول ﵀:
" لا يلهي عن الصلاة إلا الخواطر الواردة الشاغلة، فالدواء في إحضار القلب هو دفع تلك الخواطر، ولا يدفع الشيء إلا بدفع سببه.... فمن تشعبت به الهموم في أودية الدنيا لا ينحصر فكره في فن واحد، بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب.
فهذا طريقه أن يرد النفس قهرا إلى فهم ما يقرؤه في الصلاة، ويشغلها به عن غيره، ويعينه على ذلك أن يستعد له قبل التحريم، بأن يجدد على نفسه ذكر الآخرة، وموقف المناجاة، وخطر المقام بين يدي الله سبحانه، وهو المطلع، ويفرغ قلبه قبل التحريم بالصلاة عما يهمه، فلا يترك لنفسه شغلا يلتفت إليه خاطره.
فإن كان لا يسكن هوائج أفكاره بهذا الدواء المسكن، فلا ينجيه إلا المسهل الذي يقمع مادة الداء من أعماق العروق، وهو أن ينظر في الأمور الصارفة الشاغلة عن إحضار القلب فيعاقب نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات، وقطع تلك العلائق، فكل ما يشغله عن صلاته فهو ضد دنه، وجند إبليس عدوه، فإمساكه أضر عليه من إخراجه، فيتخلص منه بإخراجه، كما أنه ﷺ لما لبس الخميصة التي أتاه بها أبو جهم وعليها علم وصلى بها نزعها بعد صلاته، وقال ﵊: (اذهبوا بها إلى أبي جهم فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي، وائتوني بأنبجانية أبي جهم) ، وكان ﷺ في يده خاتم، وكان على المنبر، فرماه وقال: (شغلني هذا، نظرة إليه، ونظرة إليكم) ......، ومن انطوى باطنه على حب الدنيا حتى مال إلى شيء منها، لا ليتزود منها، ولا ليستعين بها على الآخرة، فلا يطمعن في أن تصفو له لذة المناجاة في الصلاة، فإن من فرح بالدنيا لا يفرح بالله سبحانه وبمناجاته.
وهمة الرجل مع قرة عينه، فإن كانت قرة عينه في الدنيا انصرف لا محالة إليها همه، ولكن مع هذا فلا ينبغي أن يترك المجاهدة، ورد القلب إلى الصلاة، وتقليل الأسباب الشاغلة، فهذا هو الدواء المر، ولمرارته استبشعته الطباع، وبقيت العلة مزمنة، وصار الداء عضالا.. وليته سلم لنا من الصلاة شطرها أو ثلثها من الوسواس لنكون ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا.
وعلى الجملة فهمة الدنيا وهمة الآخرة في القلب مثل الماء الذي يصب في قدح مملوء بخلٍّ، فبقدر ما ندخل فيه من الماء يخرج منه من الخلِّ لا محالة، ولا يجتمعان " انتهى باختصار.
"إحياء علوم الدين" (١/١٦١-١٦٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15478
دراسته مختلطة في بلد أجنبي ويسأل عن حضور مادة "الثقافة الجنسية "!
[السُّؤَالُ]
ـ[أدرس مادة في الثانوية العامة تسمَّى " إدارة الحياة "، تناقش فيه مواضيع عن الجنس، وعوازل القضيب، وحبوب الحمل، الجنس في الدبر، ومواضيع متعلقة بالجنس، إنني شخص لا أستطيع ضبط نفسي، وأتهيج إذا نوقِشت مثل هذه المواضيع، ما أسأل عنه هو: هل دخولي مثل هذه المواد حلال؟ هل أسقط هذه المادة وأغيِّر إلى فصول لا يوجد فيها مثل هذه المادة " إدارة الحياة "؟ هل يجوز أن نناقش الجنس، واللواط في فصول مختلطة؟ ماذا عليَّ لو لم أشارك في المناقشة؟ إنني في مدرسة عامة، ومجبر أن أذهب إليها من قبل أمِّي، أحاول أن أقنعها أن أدرس من البيت، إلا أنها ستتعصب، وترفض، إذاً هل يجوز لي أن أذهب إلى هذه المدرسة؟ ما الذي عليَّ عمله إذا لم أستطع تغيير المدرسة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
المجتمعات الغربية أصبحت وصمة عار في تاريخ الإنسانية بما فيها من شذوذ في الأخلاق، وانحرافات في السلوك، وانتكاس للفطرة السليمة، وأصبح " السعار الجنسي " الشغل الشاغل لكافة طبقات المجتمع، ولم يسلم منهم حتى الأطفال في بيوتهم، ولا في مدارسهم، فعقدت المؤتمرات، وصدرت المراسيم والقرارات بضرورة نشر " الثقافة الجنسية " في مدراس تلك المجتمعات المنحلة، ولم يكتفوا بالفساد لأنفسهم حتى سارعوا لنشره في الدول العربية والإسلامية لتحذو حذوهم في الفتن والشذوذ، فانصاع لهم من اغتر بهم، وسلَّم الله من شاء له الهداية والتوفيق.
ومن أراد النجاة لنفسه وأهله: فلا ينبغي له الرضا بأن يكون جزء من تلك المجتمعات، ولا أن يعيش بين أظهرهم، ويتحتم عليه المنع إن شاركهم فيما يفعلونه من محرَّمات ومفاسد وشذوذ.
وقد نادى عقلاء تلك المجتمعات بضرورة فصل الطلاب عن الطالبات في الدراسة، وقد تبين لهم وجود مفاسد كثيرة جرَّاء ذلك الاختلاط، وبعضهم أرجع المفاسد للأخلاق، وآخرون أرجعوه للتحصيل الدراسي، وبكل حال: فإن الاختلاط في مثل هذه الأماكن جاء شرعنا بتحريمه، وقد جاءت شريعتنا الإسلامية المطهَّرة بما فيه صلاح الفرد والمجتمع، في دينه ودنياه.
ثانياً:
فيما تذكره أخي السائل من حال سبق أن نبهنا على أكثره مراراً وتكراراً، وهو يشمل أموراً ثلاثة:
أ. الإقامة في دول الكفر.
ب. الاختلاط في التعليم.
ج. دراسة ما يسمَّى بـ " الثقافة الجنسية ".
وقد سبق الكلام عن النقطتين الأولى والثانية، وأما النقطة الثالثة: فنقف معها ها هنا وقفة يسيرة، فنقول:
تدريس مسائل الجنس وما يتعلق به من أمور للطلاب والطالبات في مراحل مبكرة من عمرهم فيه مفاسد كثيرة، منها:
١. تعجيل النمو الجنسي عند الطلاب والطالبات، وقد ثبت أن كثيراً من الطلاب والطالبات لا ينتظرون حتى يصلوا إلى المرحلة التي تدرَّس فيها تلك المواد، بل يسارعون إلى استعارتها من زملائهم وزميلاتهن قبل الوصول لتلك المرحلة! ولك أن تتصور مدى الفساد الذي يُمكن أن ينشأ نتيجة هذا الأمر، وبخاصة إذا استغل الكبارُ الصغارَ للتطبيق العملي عليهم! كما يحصل في تلك المجتمعات المنحلة أخلاقياً ودينياً.
٢. انتشار حمل الطالبات سفاحاً في المراحل الثانوية والجامعية، وقد وصلت الأعداد إلى حدٍّ ملفتٍ للنظر، حتى دعا هذا الأمر للتدخل من بعض عقلاء التربويين لوضع حدٍّ لهذا الأمر، وأنَّى لمثل هؤلاء العقلاء أن يصلحوا في مجتمع مجنون بالسعار الجنسي؟! .
وقد زادت نسبة أولاد الزنى إلى درجة كبيرة تنذر بالخطر، فقد ذكر مكتب الإحصاء الحكومي في فرنسا أن نسبة أولاد الزنى تجاوزت نصف عدد المواليد في فرنسا في عام ٢٠٠٦ م (٥٠.٥%) ، وذلك لأول مرة في تاريخ البلاد.
وهكذا الحال في بريطانيا وأمريكا.
٣. ازدياد حالات الاغتصاب بين الطلاب والطالبات، وهناك قضايا مشتهرة، ومنتشرة، ولم يعُد الأمر خافياً على أحد، بل صار كابوس " الاغتصاب " يراود الطالبات ويعيش معهن، وتنتظر كل طالبة الوقت الذي سيحصل معها.
٤. كثرة حوادث القتل بين الطلاب بعضهم مع بعض، والطلاب لمدرسيهم، وكل ذلك من أجل التنافس على عشق طالبة، والفوز بقلبها! .
٥. نزع الحياء من الطلاب والطالبات، وترى هذا في واقع حالهم بعد تلك الدروس، ويظهر ذلك في حوارهم مع أهليهم، وفي مجالسهم العامة.
٦. السعي نحو التطبيق العملي لتلك الدروس النظرية؛ لأنه من المعلوم أن تدريس هذه المواد مما يثير الشهوة – كما جاء في السؤال -، وخاصة إن كان مع التدريس النظري صورٌ ترى، وأفلام تُشاهد، وهو ما يجعل الطلاب والطالبات يحرصون على تطبيق ذلك على أرض الواقع العملي، ولو من أجل اكتشاف المجهول، ثم سرعان ما يتحول ذلك إلى سعار، وإن لم يتمكن أحدهم من ممارسة الجنس مع الطرف المغاير له: مارسه مع أهل جنسه، فينتشر الشذوذ، وهو واقع كثير من تلك المجتمعات، بل أصبحت لهم مؤسسات ونقابات تدافع عنهم، وتطالب لهم بمزايا وحقوق.
ثالثاً:
من أجل ذلك كله: لا نرى لك، ولا لأي مسلم أن يكون في تلك المجتمعات المنحلة، فضلا أن يكون طالباً في مدارسهم المختلطة، فضلاً أن يحضر تلك الدروس الجنسية المثيرة والمفسدة.
وإذا كان هذا هو علمهم اذي يتعلمونه، فلبئس العلم.
واستمع لشهادة طبيبة أمريكية عملت في بعض الدول العربية، ورأت واقع حال بلدها، واعترفت بخطأ نشر مادة " الثقافة الجنسية " بين الطلاب والطالبات في المدارس، تقول:
" ... ولئن كانت نساؤكم في الشرق لا يعرفن عن أسرار الحياة الجنسية بعض ما تعرفه فتيات أمريكا: فإني أقول - بضمير مرتاح -: إنه خير لكم أن تئنوا تحت وطأة الجهل، من أن تنعموا بهذه المعرفة، إننا نلقي على فتياتنا الدروس؛ لتعريفهن دقائق الحياة الجنسية، فلا تلبث الواحدة منهن أن تخرج من قاعة المحاضرات، باحثة عن أول صديق، وأقرب زميل؛ لتمارس معه النظريات الجنسية التي تعلمتها، في غير مبالاة، كأنها تشترك معه في رواية تمثيلية، أو تتفرج على لعبة " فولي بول "، وتكون النتيجة الطبيعية لذلك مزيداً من العبث، ومزيداً من الانحلال ".
انظر: " مكانكِ تحمدي " أحمد محمد جمال (ص ٩٣، ٩٤) ، بواسطة " قضايا المرأة في المؤتمرات الدولية " للدكتور فؤاد بن عبد الكريم.
وعلى هذا، فلا يجوز لك أن تحضر تلك الدروس، وأقل ما يجب عليك فعله أن تنتقل إلى فصول أخرى لا تدرس هذه المادة.
هذا أقل ما تفعله، مع أن أصل الإقامة في دول الكفار والدراسة في المدارس المختلطة كل ذلك محرم يجب عليك تركه، لا سيما وقد تأثرت أخلاقك بذلك.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15479
وسائل إزالة الغموم والهموم وضيق الصدور، ووصايا لبناء الشخصية والثقة في النفس
[السُّؤَالُ]
ـ[نشأت في بيئة محطمة، بين والداي، حيث كبرت ولم يعطوني من حنان الوالدين شيئاً، وأسلوبهم بالتربية معي كان قاسياً ومحطماً، والآن ليس لدي طموح، وأشعر بضيقة صدر غالباً، والتفاؤل عندي ضعيف جدّاً، وكلما حاولت أن أبني لي طموحاً، وأتفاءل يتراجع وينهدم، فكيف أبني فيَّ التفاؤل وأثبته كي لا يتراجع؟ وكيف أعيد الثقة في نفسي؟ وكيف أُذهب عني ضيقة الصدر التي أعاني منها كثيراً، مع العلم أني حافظ لكتاب الله؟ فكيف أوظف هذا الحفظ لأبني نفسي؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله تعالى أن يفرِّج كربك، وأن يمتعك متاعاً حسناً، وأن يحبِّب إليك الإيمان ويزينه في قلبك، وأن يكرِّه إليك الكفر والفسوق والعصيان.
وبما أنك من حفظة كتاب الله تعالى فإن الخطب سهل، وأنت تملك مفتاح حلول مشكلات العالَم بأسره، ولن يعجزك حل ما أنت فيه من كرب، وجلاء ما بك من هم.
وسيكون حديثنا معك في مسألتين: الأولى: علاج الهموم، وضيق الصدر، والثانية: بناء التفاؤل، والثقة بالنفس.
ثانياً:
أما علاج ضيق الصدر، وإزالة الغموم والهموم فلا حل لهذه المعاناة إلا باللجوء إلى الأدوية الربانية الشرعية، ولا يزال المسلم يبتلى من ربه تعالى بالهم، والغم، والحزَن، والمؤمن العاقل هو من يعلم أن في هذا التقدير أحد أمرين:
الأول: أن يكون ذلك عقوبة على معاصٍ يرتكبها، وآثام يفعلها، وإنما يقدِّر الله تعالى عليه ذلك حتى يرجع، ويتوب، ويدع ما هو فيه من فعل للسيئات، وتركٍ للواجبات.
والثاني: أن يكون ذلك ابتلاءً لرفع الدرجات، وتكفير السيئات، وليس أمام المؤمن ما يفعله هنا إلا الصبر، والاحتساب، والحرص على إزالة تلك الهموم والغموم بمزيد من الطاعة، وكثير من العمل الصالح.
ولن نطيل معك في هذا الباب، فقد ذكر الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ وسائل كثيرة يمكن للمؤمن أن يستعين بها لحياة قلب سعيدة، وسعادة نفس فسيحة، وقد جمع الشيخ ﵀ هذه الوسائل في رسالة لطيفة سمَّاها " الوسائل المفيدة للحياة السعيدة "، وقد قال في مقدمتها:
" فإنَّ راحة القلب، وطمأنينته، وسروره، وزوال همومه، وغمومه: هو المطلب لكل أحدٍ، وبه تحصل الحياة الطيبة، ويتم السرور، والابتهاج، ولذلك أسباب دينية، وأسباب طبيعية، وأسباب عملية، ولا يمكن اجتماعها كلها إلا للمؤمنين، وأما من سواهم: فإنها وإن حصلت لهم من وجه وسبب، يجاهد عقلاؤهم عليه: فاتتهم من وجوه أنفع، وأثبت، وأحسن حالاً، ومآلاً.
ولكني سأذكر برسالتي هذه ما يحضرني من الأسباب لهذا المطلب الأعلى، الذي يسعى له كل أحدٍ.
فمنهم من أصاب كثيراً منها فعاش عيشة هنيئة، وحيى حياة طيبة، ومنهم من أخفق فيها كلها فعاش عيشة الشقاء، وحيي حياة التعساء، ومنهم من هو بيْن بيْن، بحسب ما وفق له، والله الموفِّق، المستعان به على كل خيرٍ، وعلى دفع كل شر ".
انتهى
وإذا رمتَ الاطلاع على هذه الوسائل كاملة: فاقرأها هنا:
http://www.kalemat.org/sections.php?so=va&aid=١١٤
وإن أردتَ ما وصفه الإمام ابن القيم ﵀ لعلاج هذه الأدواء: فانظر جواب السؤال (٢٢٧٠٤) في موقعنا هذا، وفي الجواب نفسه رابط يوصلك لكتاب " علاج الهموم ".
وانظر جواب السؤال رقم: (٣٠٩٠١) ففيه إجابة لشاب مستقيم يعاني من تسلط الهم والضيق.
وبما ذكرناه لك، وأحلناك عليه: يتم الجواب، ويكتمل البناء، ولم يبق لك إلا الدخول فيه، وتطبيق ما تقرؤه على أرض واقعك.
ثالثاً:
أما بخصوص بناء الثقة، والتفاؤل في هذه الحياة: فمثلك من حفظة كتاب الله هو من ينبغي أن يدل الناس على ما يفعلونه من أجل ذلك، ففي صدرك الشفاء، وبين يديك العلاج، لا لهذه الأدواء فقط، بل لكل أدواء الدنيا، فكتاب الله تعالى ليس للمسلمين فحسب، بل هو هدى للناس، ودلالة للعالَمين.
وقد جاء في السنَّة النبوية ما يبين بجلاء أن الإسلام راعى جانب غرس الثقة في نفوس أهل الإسلام منذ الصغر، وربَّاهم على الرجولة، وبناء الشخصية منذ نعومة أظفارهم، ونضرب لذلك مثلين:
الأول:
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحٍ فَشَرِبَ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، هُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ قَالَ: (يَا غُلَامُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِىَ الأَشْيَاخَ؟) ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِى مِنْكَ أَحَداً يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. رواه البخاري (٢٢٣٧) ومسلم (٢٠٣٠) .
فالغلام هنا – وهو ابن عباس – صاحب حق في أن يشرب بعد النبي ﷺ ؛ لأنه عن يمينه، فاستأذنه النبي ﷺ في أن يؤثر بنصيبه غيره، فلم يأذن! لأنه صاحب قرار، والحق له، فقرَّر أن لا يؤثر أحداً على نصيبه، وهذا لا شك مما يسهم في بناء شخصية الطفل، ويغرس فيه الثقة.
والثاني:
عَنْ َمْرِو بْنِ سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ، فَنَسْأَلُهُمْ: مَا لِلنَّاسِ؟! مَا لِلنَّاسِ؟! مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ أَوْحَى إِلَيْهِ، أَوْ: أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ وَكَأَنَّمَا يُقَرُّ فِي صَدْرِي، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِمْ الْفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًّا، فَقَالَ: صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا، فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنْ الرُّكْبَانِ فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ - أَوْ سَبْعِ سِنِينَ -. رواه البخاري (٤٠٥١) .
وهذه غرس للثقة عظيم في نفس ذلك الطفل، وتلك تربية عظيمة في الإسلام لأولئك النشء الذين سيكونون في المستقبل بناة لهذا الدين، ودعاة لهذا الحق.
ونحن – أخي السائل – نشعر معك بالأسى، والحزن، والهم والغم، والذي أصابك بسبب ما فعله أهلك، لكن هذا ليس هو نهاية الأمر، بل هي كانت البداية، وكانت بداية سيئة، ويحتاج الأمر إلى تقويم، ومعالجة، وهذا ما ستفعله أنت، مستعيناً بالله تعالى، متوكلا عليه وحده لا شريك له، وفي صدرك كتاب الله، فلن تجد الأمر إلا سهلاً يسيراً، وسنذكر لك بعض النصائح والوصايا، ونرجو أن تكون لك نافعة، ونرجو أن يكون منك تطبيق لما نقوله لك.
١. احرص على تثبيت الإيمان في قلبك؛ فإن القلب الذي يعمر بالإيمان الثابت فيه من القوة ما يحطم كل ماضٍ أليم، وشر مستطير، ويتحطم على هذا القلب القوي الثابت كل ضلال مبين.
٢. ابذل من وقتك ما تتعلم به العلم الشرعي النافع، وانظر لشخصية العلماء كيف هي قوية متينة، وانظر لطموحهم في طلب العلم كيف هو عالٍ كبير، فبالعلم تستطيع بناء الثقة في نفسك، وتكون به طموحاً لأن تكون في مصاف العلماء.
ولا تنس العمل بالعلم، ولا خير فيمن يعلم ولا يعمل، بل علمه سيكون حجة عليه، والعلماء العاملون من أكثر الناس انشراحاً للصدور، ومن أكثر الناس طموحاً، فهم يحرصون أشد الحرص على تعليم الناس، ودعوتهم، وإيصال الإسلام إلى أقاصي الدنيا.
٣. لا تنشغل بماضيك الأليم، ومزِّق ورقته، وتقدَّم للأمام، ولا تنظر إلى الوراء، وكل ذلك نافعك إن شاء الله، وفي عكسه الضرر والألَم، فما فات لن ينفعك تذكره، ولا العيش على آلامه، بل اجعله دافعاً لك لأن تعوضه بالأمل، والطموح، والحياة الجديدة السعيدة، واجعله عبرة لك أن تسلك الطريق ذاته مع أولادك.
٤. اغفر لوالديك صنيعهم معك، وتجاوز عن أخطائهم في حقك، ولا بدَّ من هذا حتى يكون قلبك أبيض كالثلج، وحتى لا تجعل للشيطان طريقاً إلى قلبك ليبغضك بهم، وقدِّر حالهم من الضعف، والجهل، حتى تجد لهم أعذاراً في فعل ما فعلوه.
واعلم أن الله تعالى أمر ببر والديك والإحسان إليهما، حتى وإن جاهداك على أن تشرك بالله تعالى.
قال الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) لقمان / ١٤، ١٥.
قال ابن كثير ﵀:
أي: إن حَرَصَا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما، فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعنَّك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفاً، أي: محسنًا إليهما.
(وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) يعني: المؤمنين.
" تفسير ابن كثير " (٦ / ٣٣٧) .
٥. لا تقارن نفسك بمن هم أحسن منك حالاً، حتى لا تزدري نعمة الله عليك، وانظر لمن هم دونك؛ حتى تعلم عظيم فضل الله عليك.
٦. اقرأ سيرة نبيك محمد ﷺ ، واتخذه لك قدوة حسنة، وانظر كيف كانت طفولته مليئة بالآلام، والأحزان، فقد ولد فقيراً يتيم الأبوين، ثم لم يلبث أن مات جده، ولم يكن هذا مانعاً من أن يكون إماماً للناس يقود الجيوش، ويسير السرايا، ويفتح البلدان، ويعلم الجاهل، وينصر المظلوم.
وقد امتن الله تعالى عليه بذلك فقال: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) الضحى/٦- ١١.
٧. خالط أصحاب الهمم العالية، وتجنب أصحاب الهمم الدنيئة، فللصحبة أثرها الحسن والسيئ، فاحرص على صحبة من ينفعك.
٨. تذكَّر أن الشيطان يحرص أشد الحرص على إحزانك، وتكدرك، وتثبيط عزائمك، فقابل ذلك بقوة اليقين بالله تعالى، وبالطاعات، ولا تنس أن تستعيذ بالله دوماً من الشيطان الرجيم.
٩. أخيراً: الزم الدعاء، وتحيَّن أوقات الإجابة، تسأل ربك من فضله العظيم، وتعوذ به من كل هم، وغم، وحزَن، وتسأله أن يوفقك لمعالي الأمور.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15480
دراستها مختلطة، ووالدها يرفض أن تتركها ؟!
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا طالبة في جامعة مختلطة مع العلم أنه هنا في الجزائر كل الجامعات مختلطة بعد أن من الله علي بالحجاب أصبحت أرى أنني أسيء للمتحجبات لأن الجامعة مختلطة، ولأن فرعنا أساسا يحوي على تقريبا٧٠ بالمائة ذكور، والباقي إناث، وأحيانا يلزم علينا الأستاذ التعامل مع الذكور في المشاريع، مما يحتم علي الكلام معهم وأحيانا أحتاج إلى أشياء فاطلبها منهم، مع العلم أنني لا أستطيع الانقطاع عن الدراسة وهذا بسبب رفض الوالدين. فأرجو من فضيلتكم أن تبين لي: ما هي حدود التعامل مع الرجال أي الحدود التي بينتها الشريعة؟ وهل أنا في حكم المضطر نظرا لرفض الوالد والوالدة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سبق الحديث في أجوبة عديدة عن حكم الاختلاط في العمل وفي أماكن الدراسة، ويمكنك مراجعة ذلك في جواب السؤال رقم (١٢٠٠) و (١٠٣٠٤٤) .
وأما بالنسبة إلى مشكلتك، فإن لم يمكنك ترك الدراسة بسبب ظروفك الاجتماعية، فالواجب عليك أن تبحثي عن فرع آخر للجامعة، أو كلية أخرى في نفس الفرع تكون فرص التعامل فيها مع الذكور، والاختلاط بهم أقل؛ فقاعدة الشرع أنه إذا لم يمكن دفع المفسدة تماماً، فالواجب التقليل منها بقدر الإمكان.
وأما إذا لم يكن بإمكانك ذلك التحويل الذي أشرنا عليك به، فالواجب عليك مع محافظتك على الحجاب التام، وغض البصر، وعفة الكلام في كل الأحوال – أن تقللي من فرص الاختلاط بالذكور، وإذا احتجت شيئاً، فاطلبيه من الإناث , وحاولي أن تتفاهمي مع أستاذك أن يجعل مشروعك مع زميلات لك.
فإن لم يكن ذلك ممكنا، فسوف تكون مسؤوليتك في التحفظ والتقلل من الاختلاط بالذكور أكثر، فإياك والخلوة مع أحد، ولو من أجل الدراسة، وليكن تعاملك مع الذكور في أضيق الحدود.
وإذا أمكنك الامتناع عن هذه المخالطة في بعض الأوقات أو في بعض الأعمال فافعلي، وليكن تعاملك جاداً لا يسمح بالتعارف، ولا الخروج عن موضوع الدراسة.
فإن وجدت في نفسك ميلاً إلى أحد أو وجدت من أحدٍ ميلاً إليك، فانتقلي عن هذه المجموعة إلى مجموعة أخرى، ولو نقصت درجاتك، أو قل تحصيلك الدراسي بصورة يمكن احتمالها.
وافتقري إلى الله أن يحميك ويجنبك الفتن ما ظهر منها وما بطن، واستعيني بالصبر والصلاة والصيام وذكر الله.
ويمكنك مراجعة جواب السؤال (٧٢٤٤٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15481
مشكلة شاب مع والديه في البحث عن زوجة وما ترتب على تأخره في الزواج من آفات
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أعمل بوظيفة مرموقة، وراتبي جيد، منظري جذاب، ومن عائلة أصيلة ومحترمة، وسمعتي أكثر من جيدة، عمري ٢٩ سنة، وعلى قدر من الثقافة والعلم، مشكلتي أنني أعزب، وإذا سألتني لماذا أعزب سأجيبك بالتالي: منذ أن كنت طالباً في الجامعة (في مدينة أخرى) كنت أطلب من والدتي أن تخطب لي، فتقابل طلبي بالابتسامة، وقليل من الضحك الذي لا أستطيع تفسيره، ولا أعلم هل معناه أنها موافقة أم أنها غير موافقة، أو أن معناه أنني مازلت طالباً وانتظر حتى تتخرج، اخترت فتاة ذات دين، وقلت لوالدتي: اخطبيها، ولم تفعل - وربما كانت تخشى من عدم موافقة والدي؛ لأنها كانت هناك بعض المشاكل بينهما، مع أنها لم تناقشه في الموضوع - تعثرت قليلاً في الدراسة بسبب بعض المشاكل النفسية من جراء مشاكل أسرتي، وعدم الزواج، على الرغم من رغبتي الصادقة , ومرت السنون وتخرجت من الجامعة، ثم طلبت من والدتي الجدية في البحث عن الزوجة، وكانت تقابل طلبي بذات الابتسامة السابقة، ولا تزيد، ولأنني أعلم أنني معرض للفتن: قررت الإسراع والبحث بنفسي، فاخترت فتاة ذات دين، ونسب، وجمال، وطلبت من والدتي أن تخطبها بعد أن بدا من تصرفاتي بعض الغضب على ما فات من عمري وأنا لم أتزوج بعد , فخطبتْها والدتي لي، ولكنها لم توافق، فحمدت الله، ثم عادت والدتي إلى الصمت، وعندما أسألها عن الموضوع تقول: لم أجد المناسبة بعدُ، وتمر الشهور تلو الشهور، ولا أحد يبادرني من أهلي بالحديث عن الموضوع، ولم تقترح عليَّ والدتي أي فتاة لأتزوجها، وإذا تكلمت أنا معهم أشعر وكأن الحديث في موضوع الزواج عيب فلا أستطيع أن أتحدث مع والدتي عن موضوع الزواج حتى أهيئ نفسي لهذا الحديث لمدة أسبوع أو أكثر، ومع هذا سرعان ما تقفل والدتي هذا الحديث بسرعة بقولها: لم أجد المناسبة، ثم طلب مني أحد زملائي أن يزوجني شقيقة زوجته، وبعد إصرار مني سألتْ والدتي عنهم، وبعد أن ذهبت إليهم وجدت أن فيهم مرضاً وراثيّاً خبيثاً - أجارنا الله وإياكم - فرفض والدي، فقررت في نفسي أن أبحث عن الزوجة بنفسي، فلجأت إلى مواقع " الانترنت "، ووجدت فتاة من جنسية عربية، وأخذت عنوانها، وأضفتها لديَّ في " الماسنجر "، وتفاهمت معها على الأساسيات، وأعطيت والدتي العنوان، ورقم هاتف منزلهم، وبعد تحقيق من والدتي من أين عرفتهم، وما اسم الشخص الذي دلك عليهم، واضطررت إلى الكذب حتى أقنعتُها فخطبتْها لي، وذهبت لرؤية الفتاة، ولكن الخوف من شؤم الطريقة، وأن الوالدة ليست هي التي اختارتها، وأصابني شيء من الوسواس أنها لن تصلح لي، ورأيت في ملامحها شيئاً من اللؤم، ولم أسترح: فقررت الانسحاب، لأعود إلى الانتظار من جديد، مشكلتي: أن والدتي تبحث بصمت وببطء، وأنها لا تعرف ماذا أريد أنا، فهي تبحث ولم تعرف شروطي بعدُ، كنت أرغب بجميلة تصغرني سنّاً، حافظة لكتاب الله، أو متدينة، ومن نسب طيب، ولكن بدأت شروطي تتساقط مع مرور الزمن، ثم عادت أمي إلى الصمت من جديد، فأصبحت ألومها بطريق مباشر وغير مباشر أنها سبب في تأخري عن الزواج، تعايرني بتلك الفتاتين أنها خطبتْهما وما صار النصيب، وأصبحت أقول لها: إن ذنبي عليها، فتفسر الكلمة أنني سأفعل معصية وإذا فعلتُها سيكون الذنب عليها، فتقول: ذنبك على جنبك، مع أنني أقصد أن ذنب مكوثي بدون زواج وضياع عمري عليها، ثم وقعت بحب النظر إلى المواقع الخليعة، وكثرة الاستمناء ليل نهار، حتى أثر ذلك على أداء عملي الوظيفي، ثم قررت العودة إلى طريق " النت " مرة أخرى، وكانت هناك فتاة أعرفها منذ زمن عن طريق أحد مواقع " التشات "، وكان يظهر أنها محترمة، انقطعت علاقتي بها منذ ٣ سنين، فأضفتها إلى بريدي، وبدأت تحبني، ثم طلبت مني أن أتصل على هاتفها، فرفضتُ، ولكنها أصرَّت، ففعلتُ وليتني لم أفعل، فإذا بالمصيبة تكبر، والشق يتسع، فأصبحت أكلمها كل يوم، أحاول أن لا أكلمها ولكن لا أستطيع لسببين: الأول: أنني ضعيف إيمان، وتوهمت بتعلقي بها، والثاني: أنها هي متعلقة بي لدرجة جنونية، فطلبتُ منها رقم أهلها لكي أخطبها، وخطبتها عن طريق أحد أقربائي، طبعا دون الرجوع إلى أهلي؛ لأنني أعلم أن أهلي سيحققون معي، وربما يرفضون، وبعد ذلك أخبرتهم، ثم بعد ذلك ندمتُ، وشعرتُ أنني تهورتُ، خصوصاً أنه بدأ يظهر لي من صفات الفتاة مالا يعجبني، فطلبت منها أن إذا سألها أهلها أن ترفض، وبصعوبة تخلصت منها خصوصاً أنني كنت حريصاً على أن لا أجرح مشاعرها، ثم عدت إلى قائمة الانتظار من جديد، عرضت عليَّ والدتي فتاة لأتزوجها ليس فيها المواصفات التي أريدها، فرفضت، ثم طلبتْ والدتي أن تخطب ابنة جار لنا أراه في المسجد، وعلى خلُق ودين، وأحببته في الله، وهو كذلك أحبني في الله، ثم سألت والدتي عنهم بعد إصرار مني بذلك، فوجدت أن فيهم مرضاً وراثيّاً خبيثاً - شفاهم الله - فصرفت النظر، ثم عدت إلى قائمة الانتظار من جديد، فقررت أن ألتحق بصحبة؛ لأنني دائما ما أعيش وحيداً، وأن أعيش حياتي كما يعيشها الشباب، فالتحقت باستراحة فيها قنوات خليعة، وشيشة، ومعسل، ودخان، وبلوت، صحيح أنني لا أشاهد القنوات الخليعة معهم، ولكنني أصبحت أحاول أن أجاريهم، فأتظاهر أنني أشجع النادي الفلاني، وأجلس في الاستراحة طويلاً، وأحياناً يصيبني الملل، ولكني أحاول أن أُشعر أهلي أنني لن أقعد في البيت، وأصبحت أغضب إذا سألتْني والدتي أين كنت؛ لأنها غير متعودة على عودتي متأخراً إلى البيت، على الرغم من أن أشقائي الأكبر والأصغر مني يعودون في ساعات متأخرة دون أن يسألهم أحد أين كنتم، ثم اعتاد أهلي على عودتي إلى البيت في وقت متأخر جدّاً، آخر ما طلبتُ من والدتي فتاة من أسرة طيبة، وجميلة، ولكن لا أعرف كثيراً عن أخلاقها، فسألت والدتي عن أخلاقها فقالت: والدك لا يوافق عليهم، كنا سنخطب شقيقتها لأخيك ولم يوافق، فقلت: جربي، فرفضتْ، فقمت وأنا غاضب وفي اليوم التالي فور دخول والدي وأمام إخوتي، قالت والدتي لأبي: ولدك يريد أن يتزوج " فلانة " هذا هو أمامك فقال والدي: لا، هم يسرفون في الزواجات، دون أن يسأل أو يتأكد، فقامت والدتي تبرر، فقال والدي: أفكر، وفي الليل لمتُ والدتي على الأسلوب لأنني أعرف أن والدتي لو تحدثتْ معه بأسلوب آخر ربما وافق، ثم إنه لماذا هذا الإحراج أمام إخوتي وأمامي، وكأنني عبء عليكم، قالت: أنت زهقتني، كل يوم تقول زوجوني فقلت: أنا لم أكلمك عن هذه الفتاة سوى هذه المرة ولم أصر عليك، وعندما رفضتْ قمت ولم أطلب منكِ أن تكلمي والدي وأنت مرغمة، ومع هذا أنا لا أكلمك بموضوع الزواج كل يوم، ولماذا لا تريدون أن تزوجونني؟ حتى تكسروا كبريائي؟ فآليت أن لا أحدثهم بموضوع الزواج بعدها، ومنذ ذلك اليوم لم أحدثهم بموضوع الزواج لا أعلم هل تقدمتْ والدتي لتلك الفتاة أم لا؛ لأنني سمعتها تبحث عن شقيقتها، ولكن ربما تقدمت لها ولم توافق، وربما لم تتقدم لها، وربما تكون خطوبة، المهم أن والدتي لم تفاتحني بالموضوع، وأنا لم أتكلم معها، وهاأنذا أجلس على دكة الاحتياط لأرى وريقات عمري تتهاوى في فصل الربيع، بل في آخره لأنني لم يبق عليَّ شيء حتى أبلغ الثلاثين، مشكلتي أنه لا يوجد لديَّ صديق لأبوح له عما في نفسي، فأصدقائي في الاستراحة أجلس معهم لقضاء الوقت فقط، وأشقائي وأهلي أجد بيني وبينهم حاجزاً يمنعني، أما أصدقاء الطفولة: فكل واحد مشغول بنفسه، حتى صديقي الصالح الذي كنت أجلس معه تزوج، وانشغل بأهله، ولم أكن أستطيع أن أبوح له بمشكلتي لأنني أخجل، في الليل كنت نائماً على الرغم من شدة التعب لم أستطع النوم أكثر من ساعتين من شده التعب النفسي، على الرغم من أنني عدت متأخراً من الاستراحة، فاستيقظت قبيل صلاة الفجر، ولم ألحق بالصلاة؛ لأنني استمنيت قبل أن أنام، ففاتت علي صلاة الفجر ثم صليت الفجر وأخذت أدعو، وأشتكي إلى الله، ثم أخذت بكتابة هذه الرسالة، وأنا أعلم أن كتابة الرسالة وحدها خطوه لفضفضة ما في النفس والتنفيس، أشعر بشيء من الراحة الآن، أريد تنفسي أكثر عمقاً وراحة، ربما إذا وضعت رأسي على الوسادة سأنام قليلا. وآسف على إزعاجكم (أرسلت هذه الرسالة إلى موقع لم يرد علي فأضفت عليها قليلا وأرسلتها إليكم) ماذا أفعل؟ أرجوكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يجب عليك أولاً وقبل كل شيء ترك الصحبة السيئة؛ فإنها لا خير فيها لك، لا لدينك، ولا لدنياك، وانظر لنفسك أين أوصلتك تلك الصحبة الفاسدة، وقارن بحالك قبل أن تتعرف إليها، وتختلط بها.
قال الله تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا. يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا. لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا) الفرقان/ ٢٧ – ٢٩.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀ –:
وهذه الآية الكريمة تدل على أن قرين السوء قد يُدخل قرينه النار، والتحذير من قرين السوء مشهور معروف، وقد بيَّن جل وعلا في سورة " الصافات ": أن رجلاً من أهل الجنة أقسم بالله أن قرينه كاد يرديه، أي: يهلكه بعذاب النار، ولكن لطَف الله به، فتداركه برحمته وإنعامه، فهداه، وأنقذه من النار، وذلك في قوله تعالى: (قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ. يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ المصدقين) إلى قوله تعالى: (فاطلع فَرَآهُ فِي سَوَآءِ الجحيم قَالَ تالله إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ المحضرين) الصافات/ ٥١ – ٥٧.
" أضواء البيان " (٦ / ٨٢) .
وانظر جوابي السؤالين: (٨٢٢٨٧) و (٢٦١١٨) .
ثانياً:
وجودك في أماكن فعل المعاصي يجعلك شريكاً في كل إثم يُفعل فيها، فلا يعفيك من الإثم قولك إنك لا تشاهد مع أصحابك الأفلام الخليعة، وكل ما يفعلونه من محرمات، كتلك المشاهدات المحرمة للأفلام الساقطة، والتدخين، والشيشة، ولعب الورق، وغير ذلك مما يفعلونه من محرمات فأنت شريك معهم في كل هذه المنكرات؛ لأن الله تعالى قد أمرك بهجر هذه الأماكن التي يُعصى فيها، وتنتهك فيها محارمه، وقد حكم الله تعالى على من اختلط بهم لا للنصيحة، ولا كونه مكرها: بأنه مثلهم! ، قال تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ للَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) النساء/ ١٤٠.
قال الإمام الطبري – ﵀:
وقوله: (إنكم إذًا مثلهم) ، يعني: وقد نزَّل عليكم أنكم إن جالستم من يكفر بآيات الله، ويستهزئ بها، وأنتم تسمعون: فأنتم مثله، يعني: فأنتم إن لم تقوموا عنهم في تلك الحال: مثلُهم في فعلهم؛ لأنكم قد عصيتم الله بجلوسكم معهم وأنتم تسمعون آياتِ الله يكفر بها، ويستهزأ بها، كما عصوه باستهزائهم بآيات الله، فقد أتيتم من معصية الله نحو الذي أتَوْه منها، فأنتم إذًا مثلهم في ركوبكم معصية الله، وإتيانكم ما نهاكم الله عنه.
وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع، من المبتدعة، والفسَقة، عند خوضهم في باطلهم.
وبنحو ذلك كان جماعة من الأئمة الماضين يقولون، تأوُّلا منهم هذه الآية أنه مرادٌ بها النهي عن مشاهدة كل باطل عند خوض أهله فيه.
" تفسير الطبري " (٩ / ٣٢٠) .
ثالثاً:
الاستمناء حرام، وهو مؤثر سلباً على النفس، والبدن، وقد حذَّر العلماء والأطباء من تلك الآثار السيئة.
انظر جواب الأسئلة (٣٢٩)
رابعاً:
نحمد الله أن وفقك لكتابة هذه الرسالة، فبكتابتها قد حصل لك نوع من التنفيس لهمك وغمك، ونرجو من الله أن يمن عليك بالفرج التام، والراحة والنعيم، وأن تكون نصائحنا التالية عونا لك على ذلك:
١. الصبر على الطاعة، والاستعفاف عن فعل الحرام، حتى ييسر الله أمرك، وإياك أن تبارز الله بالمعاصي والآثام، وإلا صارت حياتك نكداً وازدادت همومك وغمومك، بل تقرَّب إلى الله بالطاعات، وداوم على الدعاء، واجتنب كل ما لا يحبه الله، تُدخل السعادة إلى قلبك، ومن صلح قلبه صلحت جوارحه.
قال تعالى: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) النور/ من الآية ٣٣.
قال الإمام الطبري – ﵀:
يقول تعالى ذكره: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ) ما ينكحون به النساء، عن إتيان ما حرَّم الله عليهم من الفواحش، حتى يغنيهم الله من سعة فضله، ويوسِّع عليهم من رزقه.
" تفسير الطبري " (١٩ / ١٦٦) .
٢. السعي بشدة وقوة في أمر تزوجك، وعدم تأخير ذلك، فبالزواج يحفظ المسلم بصره وفرجه من الوقوع في الحرام.
٣. احرص على بر والديك، واسع في كسب رضاهما، وخاصة الوالدة، وما ذكرتَه عنها إنما هو لها لا عليها، فهي لم تقصر في البحث عن زوجة، وقد ذهبت بالفعل للخطبة لك، وما فهمتْه من جملتك " إن ذنبي عليها ": هو الفهم الصحيح لها، وتأويلك لها بعيد، فهي معذورة في فهمها، وردها كان صحيحاً وهو " ذنبك على جنبك "؛ فأنت من يتحمل الإثم إن فعلتَ معصية، أو ارتكبت محرَّماً.
واقطع مقاطعتك لوالديك في أمر الزواج، فهو قرار خطأ منك، ولن يزيدك إلا عناء، فأعد الكرة عليهم مرات ومرات، وابحث أنت بنفسك عن زوجة صالحة، ولا نظن بوالديك إلا أنهما يريدان الخير لك.
وانظر جواب السؤال رقم: (٥٠٥٣) ففيه بيان حق أمك عليك، وحقك عليها، وبيان مدى استقلاليتك عن والديك.
٣. امتنع عن السهر، واحرص على ما ينفعك، ولا تهدر طاقتك ونشاطك فيما لا يرجع عليك إلا بالضرر.
٤. اتق الله تعالى في بصرك أن يُطلق في الحرام، وتوقف عن ممارسة العادة السرية السيئة، واعلم أن الله تعالى يراك، ويسمعك، فلا تفعل ما لا يحب الله منك أن تفعله، ولا تتكلم بما لا يحب الله منك قوله.
وانظر جواب السؤال رقم: (٣٣٦٥١) ففيه بيان وسائل مواجهة فتنة النساء.
٥. داوم على الأذكار الشرعية، والأوراد الصباحية والمسائية، والجأ إلى الله بصدق وإخلاص أن يفرج كربك، وييسر لك زوجة صالحة.
٠٦ أخشى ما نخشاه عليك، ونصدقك، أمران:
الأول: أن تكون لك مواصفات مبالغ فيها في المرأة التي تريدها، فالذي ننصحك به، أيها الأخ الكريم: اظفر بذات الدين، كما نصحك رسول الله ﷺ ، وليس من شرط ذات الدين أن تكون حافظة لكتاب الله، أو كذا أو كذا، بل أن تكون مأمونة على دينها وعرضها، واحرص أن تكون من بيت طيب، دع أن تكون أسرة غنية أو كبيرة، أو..
وأما الأمر الثاني: أن تصاب بوسواس فيمن تختارها للزواج، أو يكون لأسرتكم نظرة استعلائية (ارستقراطية) للناس؛ فليس من السهل أن تقابل، في هذا العدد القيل الذي خطبته، اثنتين مصابتين بمرض وراثي.
فننصحك أن تدفع عنك باب الوساوس، وأن تستعين بأهل الخير والنصيحة، لإزالة هذه النظرة من عند أهلك، إن كنت تشعر بوجودها فيكم، وأنت أدرى بما تراه في أهل بيتك.
عبد الله، أقدم على الخير، واستعن بالله ولا تعجز.
نسأل الله أن يهديك لما يحب ويرضى، ونرجو أن تبشرنا إن يسر الله زواجاً تحفظ به نفسك، وأن تبشرنا بتغير حالك إلى ما هو أحسن وأفضل.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15482
أظهر أنه مسلم وتزوجها عرفيّاً وأنجبت منه، فما حكم فعلها وحال ابنها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة مسلمة عمري ٢٧ عاماً كنت لا أعرف شيئاً عن الالتزام، أو حتى الطريق إليه، المهم أنني أحببت شابّاً نصرانيّاً، وأخبرني بأنه أسلم ليتزوجني، ولكنه لا يستطيع إشهار إسلامه الآن حتى لا تقتله الكنيسة، وكتبنا ورقة بما يسمى " بالسفاح العرفي "، أو النكاح - كما يسمونه - ولم أكن أعرف وقتها معنى " نكاح "، ودخل بي بدون علم أهلي، وكنت سعيدة جدّاً بإسلامه من أجلي، وحملت منه، وانتظرت أن يعلن الأمر، ولكنه كان خسيساً، وفاجأني بأنه لم يسلم، ولن يشهر زواجي، وسافر إلى أمريكا، وبعدها أحسست بأن نهايتي قد اقتربت، وأن الله سوف ينتقم منى جراء ما فعلت، ولكن فعلا ستر الله كان أعظم، حاولت أن أنزل هذا الجنين بكل الطرق، ولم أستطع، هربت من البيت قبل موعد الولادة، وولد الجنين، وأخذته، وتركته مع أناس فقراء، وأعطيتهم ما يكفي من المال للإنفاق عليه، ووالله، ثم والله إني تبت إلى الله من كل ذنب، ولبست النقاب، وأصوم، وأصلي كل الأوقات، وتقدم لي بعدها بأربع سنوات شاب ملتزم جدّاً، فصارحته بالحقيقة، وكانت المفاجأة أنه لم يتركني، ووقف بجانبي، وستر عليَّ، وتزوجته، وهو الآن يعاملني معاملة طيبة جدّاً؛ لأنه متدين، وحياتنا الآن مليئة بالإيمان، والتقوى، والدين، والآن لا أعرف ما حكم هذا الطفل، وهل هو ابني فعلاً أم ماذا؟ وكيف ذلك؟ وما هو الحكم الشرعي لحالتي هذه؟ وهل هو أخ لأبنائي من زوجي الحالي؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
مثل هذه القصص والحكايات التي تحدث مع المخالفين للشرع تعزز ثقتنا بأحكام الإسلام التي جاءت بما فيه صلاح الإنسان والمجتمع، فالعلاقات المحرَّمة بين الجنسين جرَّت ويلات على المجتمعات، فترك بعضهم دينه بسببها، وآخرون تركوا التزامهم وفقدوا استقامتهم، وإذا كانت هذه السائلة قد احتفظت بابنها عند أسرة: فإن غيرها قد باشرت قتل الجنين وهو في بطنها، أو بعد ما تلده، وقد تكون طرقهم في القتل غاية في الشناعة، كإلقائه في حاوية قمامة يموت من البرد والجوع والاختناق، ثم الكبس والتقطيع بالآلات المخصصة للقمامة! وكل ذلك من شؤم المعصية التي تهاون بها أولئك حتى جرَّت تلك الفظائع والآثام.
ومن أحكام الإسلام الحكيمة جعل موافقة ولي الزوجة شرطا في صحة عقد الزواج، فالولي أقدر على حسن الاختيار من المرأة التي تغلب عاطفتها – غالباً – على عقلها وحسن تصرفها، ولا تستطيع تمييز الماكر من الرجال من الصادق، فجُعل الولي شرطاً في عقد النكاح لمصالح جليلة، وها نحن نرى مخالفة الناس لهذه الأحكام، وماذا يعقب تلك المخالفة من أسى بالغ، وندم قاهر، وحزن عميق.
ثانياً:
نحمد الله تعالى أن وفقك لتوبة، ونسأله تعالى أن يتقبل منك، ويزيدك هدى، فإن الله تعالى يتوب على من تاب، وعليك بالإكثار من الأعمال الصالحة، والتصدق بالمال، فإن الله تعالى يقول: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
ثالثاً:
نكاحك من هذا النصراني نكاح باطل، فإن المسلمة لا يحل لها أن تتزوج غير مسلم بأي حال من الأحوال، وقد أصبت في وصفك له بأنه "سفاح".
ثم على فرض أنه كان قد أسلم بالفعل، فإن النكاح الذي يتم بلا ولي ولا شهود ويتواصى الزوجان على كتمانه: نكاح باطل عند عامة العلماء.
وانظري جواب السؤال رقم (١١١٧٩٧) فقد ذكرنا فيه فتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك.
رابعاً:
أما ابنك من هذا النصراني فهو ابنك حقيقة وينسب إليك، ويكون أخاً لجميع أولادك من الأم، ولكن لا يجوز أن ينسب إلى زوجك الحالي لأنه ليس ابناً له.
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
ما حال ولد الزنا في الإسلام في عصرنا هذا؟ .
فأجابوا:
"حكمه حكم أمه، فهو تابع لها، على الصحيح من قولي العلماء، فإن كانت مسلمة: فهو مسلم، وإن كانت كافرة: فهو كافر، وينسب إليها، لا إلى الزاني، ولا يضره ما جرى من أمه ومَن زنا بها؛ لقول الله سبحانه: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٠ / ٣٤٣) .
خامساً:
ما فعله زوجك الحالي أمر يُشكر عليه، ويُرجى أن يكون من المستور عليهم في الدنيا والآخرة؛ لوعد الله تعالى بذلك لمن ستر على مسلم.
وعليك أن تسارعي بإحضار ابنك من تلك الأسرة، وتقومي أنتي بتربيته، ورعايته.
وعلى زوجك أن يكمل معروفه بتشجيعك على إحضار ابنك، وعلى رعايته والعناية به، ونسأل الله أن يعظم له الأجر، وأن يزيده من فضله.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15483
زوجها يلزمها بلبس النقاب وتريد النصيحة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا ألبس الحجاب ولكنني لا ألبس النقاب، قال زوجي بأنني إذا لم أغط وجهي فسوف يطلقني، يقول بأنني يجب أن أطيعه في كل شيء يطلبه مني، أنا لا أريد أن أعصيه ولكن لبس النقاب سيسبب لي الضيق والشدة، ويحزنني كثيراً، أظن بأنني أشعر بهذا الإحساس بسبب ضعف إيماني ولكنني أشعر بأنه يريد أن يغصبني على فعل شيء لا أريد فعله. أرجو أن تنصحني في هذا الموضوع.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قد دلت الأدلة من الكتاب ومن السنة على أنه يجب على المرأة أن تستر وجهها، فمن هذه الأدلة قول الله : (يأأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يُدْنِينَ عليهن من جَلابِيبِهِنَّ) الأحزاب / ٥٩، والجلباب هو ما تجعله المرأة على رأسها مُرْخِيَةً له على وجهها.
وعليكِ أيتها الأخت أن تتقي الله تعالى في هذا الأمر لتجمعي بين الاستجابة لأمرين: أمر الله تعالى، وأمر زوجك، ولا شك أن في هذا خيراً لكِ وصلاحاً وعفافاً، وهذا الأمر سيُدخل السعادة على زوجكِ والهناء على بيتكِ، والشعور بالضيق يزول مع الصبر والتعود عليه، كما أن هذا الضيق سنقلب إلى فرحٍ عندما ترين أثر لبسك له، فأنت بذلك تستجيبين للأوامر الشرعية، ولأمر زوجك الذي وافق شرع الله تعالى بأمره، وتقطعين الطريق على شيطان الناظرين إليك، وتحفظين نظر العفيفين أهل الخير عن النظر كذلك إلى ما لا يحل لهم، وفوائد أخرى ترينها وتحسينها عندما تستجيبين لهذا الأمر.
وكثيراً ما تحسَّرت الأخوات المنتقبات على السنوات اللاتي كنَّ يكشفن فيها وجوههن بعد أن أكرمهن الله بالنقاب، ولو دُفع لواحدةٍ منهن الآن مال الدنيا على أن تخلعه ما فعلت، بل رأينا الكثيرات من العفيفات من تركت زوجها لأنه أراد أن يجبرها على خلع النقاب، فتأملي الفرق العظيم بين حالكِ وحالهن، وأين نجد الآن من يحرص على عفاف وستر أهل بيته؟ إنهم قليل، فهل نفرط في هذا القليل أم نشكره على فعله ذلك الذي يصب في نشر الخير في المجتمعات؟ .
فنذكركِ بتقوى الله تعالى، ونذكركِ بفعل المؤمنات اللاتي استجبن لأمر الله تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: لما نزلت هذه الآية أخذ النساء المهاجرات أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها.
وانظري جواب السؤال: (٢١١٣٤) ففيه بيان وجوب تغطية المرأة وجهها.
ولينظر زوجكِ جواب السؤال: (٢٠٣٤٣) ففيه: وجوب نصيحة الزوج لزوجته وطرق ذلك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15484
زوجها عمها بغير رضاها وزوجها يشرب الخمر ويضربها
[السُّؤَالُ]
ـ[أود أن أقص لكم قصتي ومشكلتي. راجيا منكم الإجابة. قبل سنة تعرفت مع فتاة طيبة الخلق وتواعدنا على الزواج بعد إكمال الدراسة. ولكن في يوم من الأيام جاءني الخبر أنه عرضت لها خطبة من قبل إنسان غير معروف لديها وأن عمها وافق بل تعهد أن يزوجها منه مع وجود الأب والأخ، والأب كان ساكتا لم يقل شيئا مع أنه وابنته غير موافقين على هذا الزواج والكلمة الأخيرة عند العم لأنه هو الأكبر في العائلة جميعا. وبعد المخاصمة الطويلة أجبرها عمها بدون إذنها على النكاح مع كونها بكرا. وبعد مضي شهر تبين أن زوجها يشرب الخمر وكثيرا ما يأتي إلى البيت وهو سكران ويضربها ويسبها. ولا يتمسك بأحكام الدين تماما. مع كوني متمسك متدين والحمد لله حتى قلت لها لو تزوجتك ستلبسين الحجاب وشرحت لها كل واجبات المرأة فكانت راضية بذلك. عندما رجع أخوها الأكبر من السفر كان غائبا حينذاك علم أن أخته تزوجت مجبرة من دون إذنها وأن زوجها يشرب خمرا ويضربها فأعادها إلى البيت وهي غير مطلقة -الآن هي في البيت-. السؤال الأول: هل يعتبر هذا النكاح صحيحا بدون إذنها؟ وهل كان العم مستحقا أن يزوجها مع وجود الأب والأخ؟ السؤال الثاني: لو عرض له الطلاق لن يوافق على الطلاق لأنه يعرف أنني أريد زواجها، الآن بعدما أعادها الأخ إلى البيت هل يجوز للقاضي أو الإمام أن يطلقها؟ لو رفض زوجها الطلاق؟ وهل في الإسلام تكافئ في الدين؟ ألست أحقا بها منه مع كوني الآن طالب علم في الجامعة الإسلامية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا يجوز إجبار المرأة على الزواج ممن لا تريد؛ لقول النبي ﷺ : (الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها) رواه مسلم (١٤٢١) .
وقوله: (لا تُنْكَح الأيم حتى تُسْتَأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن. قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت) رواه البخاري (٤٨٤٣) ومسلم (١٤١٩) .
فإن زُوجت بغير رضاها فالنكاح لا يصح، على الراجح، وأولى إذا زوجت بغير كفء.
قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٧/٣١) : " إذا زوجها من غير كفء , فنكاحها باطل. وهو إحدى الروايتين عن أحمد , وأحد قولي الشافعي لأنه لا يجوز له تزويجها من غير كفء , فلم يصح. كسائر الأنكحة المحرمة , ولأنه عقد لموليته عقدا لا حظ لها فيه بغير إذنها , فلم يصح , كبيعه عقارها من غير غبطة ولا حاجة , أو بيعه بدون ثمن مثله , ولأنه نائب عنها شرعا , فلم يصح تصرفه لها شرعا بما لا حظ لها فيه كالوكيل " انتهى.
والأصل في ذلك ما جاء عن خنساء بنت خذام الأنصارية: أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ فرد نكاحه. رواه البخاري (٤٨٤٥) .
وعن ابن عباس ﵄: أن جارية بكرا أتت النبي ﷺ ، فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي ﷺ . رواه أبو داود (٢٠٩٦) وصححه الألباني.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " ولكن القول الراجح في هذه المسألة أنه لا يحل للأب ولا لغيره أن يجبر المرأة على التزوج بمن لا تريد وإن كان كفئاً لأن النبي ﷺ قال (لا تنكح البكر حتى تستأذن) وهذا عام لم يستثن منه أحد من الأولياء بل قد ورد في صحيح مسلم (البكر يستأذنها أبوها) فنص على البكر ونص على الأب وهذا نص في محل النزاع فيجب المصير إليه، وعلى هذا فيكون إجبار الرجل ابنته على أن تتزوج بشخص لا تريد الزواج منه يكون محرماً والمحرم لا يكون صحيحاً نافذاً لأن إنفاذه وتصحيحه مضاد لما ورد فيه من النهي، وما نهى الشرع عنه فإنه يريد من الأمّة ألا تتلبس به أو تفعله ونحن إذا صححناه فمعناه أننا تلبسنا به وفعلناه وجعلناه بمنزلة العقود التي أباحها الشارع وهذا أمر لا يكون، وعلى هذا القول الراجح يكون تزويج والدك ابنته هذه بمن لا تريد يكون تزويجاً فاسداً والعقد فاسد فيجب النظر في ذلك من قبل المحكمة " انتهى من "فتاوى نور على الدرب".
وعليه فلهذه الفتاة أن تراجع المحكمة وتطلب فسخ النكاح؛ لعدم رضاها بالزوج ابتداء، ولسوء عشرته وضربه لها أيضا.
ثانيا:
الأحق بتزويج المرأة أبوها ثم جدها وإن علا، ثم أخوها الشقيق، ثم لأب، ثم أبناؤهما، وكل هؤلاء مقدمون على العم، ولا تصح ولاية الأبعد كالعم، مع وجود الأقرب.
ثالثا:
ما دام النكاح قائما لم يفسخ، فليس لك التقدم لخطبة هذه المرأة، فإذا فسخ النكاح، وانقضت العدة جاز لك خطبتها من وليها.
رابعا:
قد علم مما سبق أن النكاح مع عدم رضى المرأة لا يصح عند بعض أهل العلم، وذهب بعضهم إلى أنه يوقف على إجازة المرأة، وعليه فإذا رفضت المرأة الاستمرار في الزواج، طلقها القاضي، دون التفات لرأي الزوج. وكذلك للقاضي أن يطلق على الزوج إذا ثبت لديه وقوع الضرر على المرأة لفسق الرجل وسوء معاملته لها.
فإذا لم يكن القاضي في بلدها يطلقها بمثل ذلك، فبإمكانها أن تختلع من هذا الزوج وتفدي نفسها منه، ولو اسقطت حقها كله، أو بعضه، صيانة لنفسها ودينها من مثل هذا الزوج.
خامسا:
الكفاءة معتبرة في النكاح، وهي كفاءة الدين، فلا يزوج كافر من مسلمة، ولا فاسق من عفيفة.
وينظر: سؤال رقم (٨٤٣٠٦) .
قال في "زاد المستقنع": " فلو زوج الأب عفيفة بفاجر فلمن لم يَرْضَ من المرأة أو الأولياء الفسخ " انتهى مختصرا.
ورجح الشيخ ابن عثيمين ﵀ أن النكاح لا يملك الأولياء فسخه بكل فسق، وأن لهم فسخه في حال شرب الزوج للخمر لأنه ضرره متعد للزوجة وأولادها.
قال ﵀: " فإذا عُرف أن هذا الزوج يشرب الخمر فللبعيد من الأولياء أن يطالب بفسخ النكاح " انتهى من "الشرح الممتع" (١٢/١٠٥) .
وننبه على أنك أجنبي عن هذه المرأة فليس لك الاتصال بها أو الحديث معها في أمر الزواج أو غيره، سدا للذريعة وبعدا عن أسباب الفتنة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15485
البيت لأمها وأخيها ويريد والدها طردهم منه وتسجيله باسمه
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجوك أن تعطيني من وقتك، وتسمع مصيبتي، وتجيب عليها، فمصير عائلتي متوقف على فتواك. إن أمي عاشت مع أبي حياة سعيدة لمدة ٣٠ سنة، شاركته فيها في بناء بيتين لأنها عملت كمدرسة لمدة ١٥ سنة، وشاركته بإيفاء مؤخر زوجته الأولى، أعطته الراتب كاملا دون أي مقابل، وهو كان طيِّباً، ولم يحرمنا شيئاً، فقام بتسجيل أحد البيتين باسمها، وقال: هذا مقابل راتبها وسعيها معي , أبي رجل غير ملتزم، وكذلك نحن، حتى سافر، وقبل سفره باع بيته وتركنا لمدة ١٠ سنين، وخلالها أنار الله حياتي، وحياة أمي، وحصل تغيير كامل على حياتنا، وأخذنا نسمع المحاضرات، وصار رضا الله غايتنا , صانته في غيابه، واقتصدت بماله، واتصل بها وقال: بيعي بيتك لنشتري بيتاً جديداً في منطقة راقية، وبدون تردد باعته، كما دفع أخي سعر ربع البيت الجديد من ماله الخاص، حيث هو يعمل بالغربة، وسجلوا البيت باسمي - ابنتهم الكبرى - بسبب قوانين تخص البيع، وجاء الوالد ليرى التغيير والحجاب، والقرآن، وهو يكفر بالله كل جمعة تقريباً، وأخذ كلما حصلت مشكلة يطرد أمي، ويطردني، ونحن نتجرع الهوان، والآن طردني وأمي، ويقول: " لا تدخلوا البيت حتى تحولي ملكية البيت باسمي "، ويقول لأمي: " أنا سجلت البيت القديم باسمك فقط بسبب الضرائب "، وأنا أخاف الله، هل أحول له الدار كلها وأخي له فيه حصة؟ وأمي ألا تستحق ما يعادل راتبها؟ الآن عمرها ٦٣ سنة، ونحن نقيم ببيت زوج أختي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله لك ولوالدتك الثبات على الدين، وأن ييسر أموركم، ويوفقكم لما فيه رضاه.
ثانياً:
كفر والدك بالله تعالى يعني خروجه من الملة، وسواء كان ذلك بسب الله تعالى أو سب دينه، أو بترك الصلاة: فإن كفره هذا يُحبط أعماله، ويخلده في نار جهنم إن مات على حاله تلك، ويوجب فسخ النكاح بينه وبين والدتك، وقد حرَّم الله تعالى تزوج المسلمة بالكافر، أيّاً كانت ملته، ومذهبه، واعتقاده، وإن كان مسلماً بالأصل فخرج من الملة بقولٍ أو فعلٍ أو اعتقاد يُخرج صاحبه من الملة: فلا يحل له تزوج مسلمة، ولا أن يبقى مع زوجة مسلمة.
سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
ما حكم من شتم الرسول ﷺ ، ولعنه، وشتم الرب ، ولم تصدر منه توبة حتى اليوم، وحصل ذلك منه أمامنا وأمام مجلس كبير من أهل العلم والإيمان
وأفادتنا زوجته بأن هذه المرة ليست الأولى، إنما يتجرأ باستمرار على مثل هذا الشتم، وهي اليوم تريد أن تعرف منا هل هي أمام الشرع ما زالت تعتبر زوجته، أم أن زواجهما انتهى بعد هذا الارتداد؟ وللعلم فإن الزوج لا يصلي على الإطلاق، ويعمل بالغناء والطرب في الأعراس والحفلات المختلطة، وما هي نصيحتكم لهذه الزوجة المسكينة؟ .
فأجابوا:
"سبُّ الله سبحانه: كفر أكبر، وردة عن الإسلام إذا كان الساب ينتسب إلى الإسلام، وهكذا سب الرسول ﷺ ، بإجماع أهل العلم، وهكذا ترك الصلاة كفر أكبر، وإن لم يجحد وجوبها في أصح قولي العلماء، والواجب رفع أمره إلى المحكمة الشرعية.
وأما الزوجة: فعليها أن تمتنع من تمكينه من نفسها إذا كانت تعلم ما ذكرتم، حتى ينتهي أمره من المحكمة" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
" فتاوى اللجنة الدائمة " ٢ (١ / ٤٠٣، ٤٠٤) .
وانظري جوابي السؤالين: (٤٢٥٠٥) و (٩١٤٠٨) .
ثالثاً:
بخصوص البيت الأول: فهو حق لوالدتك، وقد دفعت فيه مبلغاً من المال، وإذا أعطاها والدك البيت مقابل سعيها معه – كما ذكرتِ – وبذلك يكون البيت كلّه ملكاً لها، ولا يحل لوالدك أن يأخذه منها بعد ذلك إلا برضاها.
وبخصوص البيت الثاني: فإنه قد اشتُري بثمن البيت الأول، وبمبلغ آخر شارك به أخوك، وشارك فيه أبوك أيضاً كما يفهم من كلامك.
وبهذا يكون البيت ملكاً للثلاثة (أمك وأخوك وأبوك) كل واحد منهم يملك من البيت بمقدار ما دفع.
وعلى هذا؛ فإذا كانت أمك وأخوك لا يرضيان بالتنازل عن حقهما للأب، فلا يجوز لك كتابته باسم الأب، لأنك بذلك تضيعين حقهم.
والذي ننصحكم به أن تحاولي إدخال بعض الكبراء والعقلاء لينصحوا والدكم لعله يتوب ويرجع إلى الإسلام أولاً، وهذا هو الأهم، ولئلا يأكل حق أمك وأخيك.
نسأل الله تعالى أن يصلح أحوالكم.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15486
لديه عيب خلقي جعله يتحاشى الناس ويفرط في الصلوات
[السُّؤَالُ]
ـ[أكتب إليكم هذه الرسالة وأنا أتقطع ألما وحرقة لعلي أجد الجواب الشافي عندكم. سؤالي كالتالي: أنا شاب مَنَّ الله علي بالالتزام وأنا أصر على بعض المعاصي وأتهاون في الصلوات مؤخرا وذلك لأن لدي حركة لا إرادية مزعجة بجانب الفم تظهر كلما ضحكت أو تعرضت لموقف محرج، وهذا سبب لي رهبة اجتماعية ومشاكل نفسية، والعجيب أني حاولت في إحدى المرات أن أذهب لأحد الرقاة ولكن ينتابني خوف شديد لأني قد ذهبت مرة ورأيت نطق الجان على لسان بعض المرضى فبعدها صرت أخاف من الرقية مع أني أقرأ آية الكرسي والمعوذات ولا أتأثر، فو الله إنها ضاقت بي الأرض بما رحبت وبدأ يتسلل إلى قلبي اليأس وأخاف أن أقنط من رحمة الله وأخشى أن تؤثر على وظيفتي فأفقد عملي وتنقلب حياتي رأسا على عقب. فما الحل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
ينبغي أن تحمد الله تعالى وتشكره على نعمة الالتزام، فهي أجل النعم، وأن تعلم أن الشكر هو باب المزيد، كما قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) إبراهيم/٧.
ثانيا:
تأمل فيمن حولك من الناس، كم فيهم من مريض، ومبتلى، وذي حاجة، لتعلم أن ما تعاني منه لا يعد شيئا بالنسبة لمعاناة كثير من الناس، فاحمد الله تعالى، واصبر ولا تجزع.
وفي الحديث: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ) رواه مسلم (٢٩٦٣) .
ولو أنك زرت إحدى المستشفيات، وتأملت ما يعانيه الناس؛ لأدركت أنك في خير عظيم، ونعمة سابغة، وأنك مقصر في شكر ربك ومولاك، بل وتخشى من القنوط من رحمته، عجبا لك، لو تأملت في بدنك لرأيت مئات النعم تتوالى عليك، نعمة النظر، والسمع والنطق، والمشي، وسلامة الجوارح، وأهمها هداية القلب، ثم تتأذى من حركة لا إرادية تظهر أحيانا، فكيف لو كنت أخرس أو أعمى أو أعرج أو مقعدا، فاحمد الله تعالى، واحذر أن تسلب النعم بكفرانها وجحودها.
قال ابن القيم ﵀: " حبس السلطان رجلا فأرسل إليه صاحبه: اشكر الله، فضُرب، فأرسل إليه: اشكر الله، فجيء بمحبوس مجوسي مبطون في قيد، وجعل حلقة من قيده في رجله وحلقة في الرجل المذكور، فكان المجوسي يقوم بالليل مرات [أي لقضاء حاجته] ، فيحتاج الرجل أن يقف على رأسه حتى يفرغ، فكتب إليه صاحبه: اشكر الله، فقال له: إلى متى تقول: اشكر الله، وأي بلاء فوق هذا؟ فقال: ولو وضع الزنار الذي في وسطه في وسطك كما وضع القيد الذي في رجله في رجلك ماذا كنت تصنع؟! فاشكر الله " انتهى من "عدة الصابرين" ص ١٢٣، والزنار كان يلبسه الكفار تمييزا لهم عن المسلمين.
والمقصود من هذه القصة: أنه مهما ابتلي المؤمن في بدنه، فلا تزال نعم الله تعالى عليه لا يستطيع إحصاءها، وأعظمها نعمة الهداية إلى هذا الدين.
فانظر في حال من هو دونك، وتأمل ما منحك الله من النعم، فذلك من أعظم الوسائل التي تعين على الصبر، بل تجلب الرضى، وتساعد على الشكر.
ثالثا:
من ابتلي بمصيبة من المصائب فهو بين أمرين: أن يصبر ويحتسب، فينال الأجر العظيم والثواب الكريم، كما قال تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) البقرة/١٥٥- ١٥٧، وقال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) الزمر/١٠.
أو أن يجزع ويتسخط، فينال الإثم والعقاب، مع بقاء مصيبته، فلا يفيده الجزع شيئا، وإذا خُيِّر العاقل بين الأمرين اختار الأول ولا شك، فإن المصيبة موجودة على كل حال، فلم لا يكسب الثواب، ويجني الحسنات؟ وأي مصلحة في جلب السيئات، وتعريض النفس للعقاب، بل أي مصلحة في الجمع بين مصيبة الدنيا وعقاب الآخرة؟
رابعا:
لا وجه للتخوف من الرقية، فإنها نافعة في كل حال، سواء كنت مصابا بعين ونحوها أو لم تكن مصابا، والحالة التي تشكو منها قد تكون بسبب شيء من ذلك.
وأهم ما نوصيك بك أن تتجاوز هذه المرحلة، وأن تعرض عن التفكير في هذا الأمر، وأن لا تلتفت إلى نظر الآخرين ورأيهم، فإنهم سيرونك مهما حاولت إخفاء عيبك – إن كان هناك عيب – فلا تبال بذلك، فأنت أفضل من عشرات ممن هم في سنك أو مجتمعك، وكم من صاحب عيب وعاهة هو محبوب محترم بين الناس، قد زكّاه إيمانه، وقدّمه اجتهاده، وجمّله خلُقه.
وهذا عطاء بن أبي رباح إمام من أئمة التابعين، قال عنه الذهبي ﵀: "الإمام شيخ الإسلام، مفتي الحرم".
ثم قال في وصفه: " قال ابن سعد: هو مولى لبني فهر أو بني جمح، انتهت فتوى أهل مكة إليه وإلى مجاهد، وأكثر ذلك إلى عطاء.
سمعت بعض أهل العلم يقول: كان عطاء أسود أعور أفطس أشل أعرج، ثم عمي، وكان ثقة، فقيها، عالما، كثير الحديث.
قال أبو داود: أبوه نوبي، وكان يعمل المكاتل، وكان عطاء أعور أشل أفطس أعرج أسود، قال: وقطعت يده مع ابن الزبير " انتهى من "سير أعلام النبلاء" (٥/٧٨) .
فانظر.. هل منعته هذه الأوصاف من طلب العلم، وإمامة الناس، والتصدي للتدريس والإفتاء، والبذل والعطاء؟
وهل كانت هذه الأوصاف مانعة من إقبال الناس عليه، وإجلالهم له، وأخذهم العلم عنه؟
وانظر.. كم أعطاك الله من نعمة في بدنك حُرمها ذلك الإمام الكبير؟
قال الذهبي في تتمة ترجمة هذا الإمام: " قال الأصمعي: دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك [الخليفة] ، وهو جالس على السرير، وحوله الأشراف، وذلك بمكة في وقت حجه في خلافته، فلما بصر به عبد الملك، قام إليه فسلم عليه، وأجلسه معه على السرير، وقعد بين يديه، وقال: يا أبا محمد: حاجتك؟ قال: يا أمير المؤمنين! اتق الله في حرم الله، وحرم رسوله، فتعاهده بالعمارة، واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار، فإنك بهم جلست هذا المجلس، واتق الله في أهل الثغور، فإنهم حصن المسلمين، وتفقد أمور المسلمين، فإنك وحدك المسؤول عنهم، واتق الله فيمن على بابك، فلا تغفل عنهم، ولا تغلق دونهم بابك، فقال له: أفعل، ثم نهض وقام، فقبض عليه عبد الملك وقال: يا أبا محمد! إنما سألتنا حوائج غيرك، وقد قضيناها، فما حاجتك؟ قال: مالي إلى مخلوق حاجة، ثم خرج، فقال عبد الملك: هذا وأبيك الشرف، هذا وأبيك السؤدد " انتهى.
فنوصيك بالتوبة إلى الله تعالى، والإقبال عليه، والاجتهاد في طاعته، والإكثار من شكره وحمده، وعدم الالتفات إلى ذلك الأمر، والاجتهاد في عملك ووظيفتك، والإحسان وبذل المعروف للناس، فإنك تنال بذلك الأجر والرفعة في الدنيا والآخرة.
نسأل الله تعالى لك التوفيق والسداد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15487
ألجأته أمه إلى التقصير في حق إحدى زوجتيه
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كان لرجل زوجتان، فألجأته أمه إلى التقصير في حق إحداهما، فخير زوجته بين أن تبقى عنده، وتصبر على التقصير، وبين الفراق، فاختارت البقاء، فهل يجوز له ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"هذا لا حرج عليه إذا خيرها واختارت البقاء، ولا إثم عليه، وإنما الإثم والحرج على أمه التي ألجأته إلى هذه الحال، فإن تمكن من نصيحة أمه بنفسه، أو بواسطة من تقبل منه، وأنه لا يحل لها هذا، ويخشى عليها من العقوبة الدنيوية والأخروية، فهو اللازم، وإلا فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها" انتهى.
فضيلة الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀.
"فتاوى المرأة المسلمة" (٢/٦٥٦) . ترتيب أشرف بن عبد المقصود.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15488
يمنعها والدها من الزواج بحجة إكمال تعليمها
[السُّؤَالُ]
ـ[طرق بابنا بعض راغبي الزواج مني فرفض والديّ بحجة إكمال تعليمي، وقد حاولت إقناعهما كثيراً برغبتي في الزواج وأن ذلك لن يتعارض مع دراستي، ولكنهما أصرا على موقفهما، فهل يجوز لي أن أتزوج دون رضاهما؟ وإلا ماذا أفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا شك أن منع والدك من تزويجك لمن هو كفء أمر محرم، والزواج أهم من الدراسة، وهو لا ينافي الدراسة، لأنه من الممكن الجمع.
وفي الحال الذي وقعت يجوز لكي أن تتصلي بالمحكمة الشرعية لإبداء ما جرى ثم بعد ذلك يكون النظر الأخير لها أي المحكمة الشرعية" انتهى.
فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀.
"فتاوى المرأة المسلمة" (٢/٧٠٤) . ترتيب أشرف بن عبد المقصود.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15489
طلب المرأة الطلاق من زوجها المدمن للمخدرات
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق من زوجها الذي يدمن شرب المخدرات؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأصل أنه لا يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق إلا إذا وجد سبب لذلك، قَالَ رَسُولُ ﷺ : (أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ) رواه أحمد (٢١٨٧٤) وأبو داود (٢٢٢٦) والترمذي (١١٨٧) وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (٢٠٣٥) .
وقوله ﷺ : (مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ) أي: من غير شدة تلجئها إلى سؤال المفارقة.
وقال الحافظ بن حجر ﵀ في "فتح الباري":
"الأخبار الواردة في ترهيب المرأة من طلب طلاق زوجها، محمولة على إذا لم يكن بسبب يقتضي ذلك، لحديث ثوبان..... ثم ذكر الحديث المتقدم" انتهى.
ولا شك أن إدمان الرجل شرب المخدرات نقص كبير، يضر المرأة في دينها ودنياها، فإنه لا يؤمن أن يدخل عليها زوجها وهو سكران فيضربها أو يشتمها، وقد يطلب منها في ذلك الوقت فعل ما لا يجوز لها فعله.
ومثل هذا يعتبر عذراً يبيح للمرأة أن تطلب الطلاق، لكن الذي ينبغي للمرأة أن تصبر على زوجها، وتحاول إصلاحه بقدر ما تستطيع فإن عجزت عن ذلك ووجدت أن الإقامة معه تضرها، فلا حرج عليها حينئذ في طلب الطلاق.
وقد سئل الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
ما حكم طلب المرأة للطلاق من زوجها الذي يستعمل المخدرات؟ وما حكم بقائها معه؟ علماً بأنه لا يوجد أحد يعولها وأولادها سواه.
فأجاب:
"طلب المرأة من زوجها المدمن على المخدرات الطلاق جائز، لأن حال زوجها غير مرضية، وفي هذه الحال إذا طلبت منه الطلاق فإن الأولاد يتبعونها إذا كانوا دون سبع سنين، ويلزم الوالد بالإنفاق عليهم وإذا أمكن بقاؤها معه لتصلح من حاله بالنصيحة فهذا خير" انتهى.
"فتاوى المرأة المسلمة" (٢/٧٤٥، ٧٤٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15490
اشترطت على زوجها أن لا يشرب الدخان ولم يلتزم بالشرط
[السُّؤَالُ]
ـ[هل للمرأة أن تشترط على من يريد الزواج بها أن يترك التدخين؟ وماذا تفعل لو لم يلتزم بهذا الشرط؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
شرب الدخان محرم، لما فيه من تضييع المال والإضرار بالصحة، والإضرار بالآخرين.
وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (١٠٩٢٢) .
ثانياً:
ما يشترطه الزوجان عند العقد أحدهما على الأخر، فالأصل صحة هذه الشروط ووجوب الوفاء بها، ما لم تكن مخالفة للشرع، لقول النبي ﷺ : (أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ) رواه البخاري (٢٧٢١) ومسلم (١٤١٨) .
وإذا لم يقم الزوج بما اشتُرط عليه والتزم به، فللمرأة الحق في فسخ العقد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"ولو شرط عليها أن تحافظ على الصلوات الخمس، أو تلزم الصدق والأمانة فيما بعد العقد، فتركته فيما بعدُ فَلَكَ الفسخ" انتهى.
"الاختيارات الفقهية" (ص ٢١٩) .
فمثله لو اشترطت المرأة على زوجها ترك الدخان، ولم يتركه، فلها فسخ العقد.
وقد سئل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀:
عن امرأة خطبها رجل فاشترطت عليه أن لا يشرب الدخان، فوافق، فتزوجته، ثم تبين لها أنه يشرب الدخان، فماذا يكون أمرها؟
فأجاب:
"الحمد لله. إذا كان الأمر كما ذكر فإن للمرأة المذكورة الخيار في فسخ نكاحها منه، أو البقاء معه" انتهى.
"فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم " (١٠/١٤٩) .
ولكن النصيحة لها قبل أن تفسخ العقد أن تحاول إصلاح زوجها، وإعانته على ترك هذا المحرم، فإن استقام، فالحمد لله، وإن أصر على ما هو عليه، فإنها تقارن بين المصالح والمفاسد، فقد يكون بقاؤها معه أصلح، من أجل تربية الأولاد ونحو ذلك....
ولعل الله أن يهديه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15491
أصابها الوساوس، وتريد حلاً له
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد حلا رجاء؛ تعبت من الوسواس وأتمنى من الله أن يرسل شفائي على أيديكم فأرجو أن تساعدوني، لقد تعبت من مرضي، وكرهت نفسي، استمريت بالعلاج المذكور للحالات البسيطة المذكور لمدة خمسة أيام، ولكني تغيرت قليلا، ولكن أريد أن أتخلص من هذا الوسواس الذي هي وسوسة الملعون الشيطان الرجيم، بحيث إني كلما دخلت دورة المياه أغسل كامل يدي وقدمي وأتطهر لعدة مرات، مما يسبب لي كراهية الدخول للمغاسل لهذا السبب، وأرى أني أتنجس من كل شيء حولي، وأحس بالألم على نفسي، لأن الكل بدأ يشك في، ويعرف أفعالي، كما أني أعاني الكثير في حياتي العائلية والخارجية أيضا، بسبب هذا الوسواس، وأنا والحمد لله أصلي صلاة الليل وفي بعض الأحيان تفوتني بعض الفروض للسبب نفسه.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أيتها السائلة، لقد وقفنا على كل كلمة من كلمات السؤال، وقد وجدنا فيه كثيراً من المعاناه، ومع هذه المعاناة الكثيرة، فالحل سهل وبسيط، لكن يحتاج إلى عزيمة وصبر، واعلمي أن ما أصابك يسمى بالوسواس القهري، وعلاج ذلك يكون بأمور:
الأول: الاستمرار والمداومة على ذكر الله تعالى.
الثاني: اللجوء إليه سبحانه وسؤاله الشفاء والعافية من هذا البلاء.
الثالث: الإعراض التام عما يدعو إليه الوسواس، فإذا قضيت حاجتك، واستنجيت، فقومي، ولا تلتفتي إلى كون يدك لمست مكانا طاهرا بعد لمس النجاسة، ولا إلى تطاير ماء الاستنجاء على قدمك أو جسمك، لأن الأصل الطهارة، والشك في تنجس جسمك أو ملابسك، لا يؤثر، ومن قواعد الفقه الكبرى: اليقين لا يزول بالشك.
وحصول الإنقاء يكون بغسل الفرج، ولا يلزم غسل ما حوله، ولا تلتفتي إلى الماء المتطاير كما سبق، وكوني على يقين من أنك طاهرة والحمد لله، وأن صلاتك بهذه الطهارة صحيحة مقبولة بإذن الله، فإن الله رحيم كريم، يرحم عباده المذنبين، فكيف بالطائعين المحبين.
فاعملي بهذه النصيحة، واستمري عليها، ودعي عنك الوسواس فإنه من كيد الشيطان، وكيده ضعيف كما أخبر ربنا سبحانه، وثقي بأنك إن أعرضت عن الوسوسة زالت عنك، بحول الله وقوته.
نسأل الله تعالى أن يشفيك ويعافيك مما أنت فيه، وأن يصرف عنك ما تجدين.
وللفائدة راجعي جواب السؤال رقم (٤١٠٢٧) ، (١٠١٦٠) .
وننصحك ـ أيضا ـ أن تراجعي طبيبا مختصا، من أهل الثقة والأمانة، فربما احتاجت حالتك إلى مراجعة طبية، تساعد في شفائك، إن شاء الله.
على أننا، نصدقك القول، أن مثل هذه المشكلات والأمراض، تحتاج إلى عزيمة قوية، كما قلنا سابقا، وتحتاج ـ أيضا ـ إلى صبر طويل، لأن الشفاء التام فيها، غالبا ما يستغرق وقتا طويلا، ويأتي بالتدريج.
فليكن صبرك جميلا، ونفسك طويلا، واحتسبي ما تلاقينه من تعب ومشقة:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) آل عمران/٢٠٠
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15492
مصاب بالوساوس في إيمانه، ومحاسبته على ماضيه السيء ؟!
[السُّؤَالُ]
ـ[لدي استفساران، وأتمنى أن أجد لهما إجابة: الأول: وهو أنني كنت شديد البعد عن الله ، وكنت من مرتكبي الذنوب والمعاصي بشتى أنواعها، حتى تاب الله تعالى علي في شهر رمضان الحالي، وشعرت فيه بسعادة لم أشعرها بحياتي من قبل، وأصبحت - وبفضل الله - من المحافظين على صلاة الجماعة، وأقوم بما يقدرني الله من الليل، لكن تأتيني بعض الهواجس بأن الله لن يغفر لي مهما فعلت، إضافة لبعض الهواجس التي تراودني عن الذات الإلهية، وعن الرسول محمد ﷺ ، والتي أتمنى الموت على أن أفكر فيها، وأصبحت تراودني بشدة لدرجة أني أصبحت أظن بأني لست مسلما؟ خاصة بعد أن وقعت - بحكم عملي - في بعض المجادلات مع أحد القساوسة من النصارى الذي كان يحاول تشويه ديننا، وبعد أن تجاهلته خوفا على نفسي من أي فتنة، اتهمني بالهزيمة، وأنه على الحق، وأننا - المسلمين - على الباطل، لزمت الاستغفار والدعاء والبكاء لكن بلا فائدة. فبالله عليكم ماذا أفعل، لأني أشعر أنه قد أصابني الإحباط واليأس، وكيف أتفقه في الدين؟ وكيف أجادل هذا القسيس وأقنعه أنه جاهل، وأنه يفتري على الله تعالى. أفيدوني أفادكم الله، وجعل هذا المجهود الطيب في ميزان حسناتكم، وأعانكم على فعل الخير.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
والله، يا عبد الله، إن حالك لعجب من العجب!!
تَصِفُ الدَّواءَ لِذي السَّقامِ وَذي الضَّنا كيما يَصحّ بِهِ وَأَنتَ سَقيمُ
أنت مبتلى بالوساوس في أعظم أمرك، وأجل شأنك، مبتلى في أمر فيه نجاتك، إن شككت فيه هلكت، وإن تزعزع في قلبك لم ينفعك شيء، ثم أنت تفتح على نفسك أبوابا من الشبهات الجديدة، بمجادلتك مع هذه الكافر؛ أنت مهزوز، فكيف تثبت غيرك، ابحث عن نفسك أولا، وداو مرضك، قبل أن تفكر في علاج غيرك.
فاعلم ـ يا عبد الله ـ أنك إن لم تشغل نفسك بالحق، شغلتك بالباطل، وإن لم تحملها على الهدى، حملتك على الضلال؛ فانظر يا عبد الله ماذا تختار لنفسك، وترضه لدينك؟!
ونحيلك في موقعنا إلى أجوبة سابقة فيها حل لإشكال الخطرات والوساوس، سبق بيان الجواب عنه في الأرقام الآتية: (١٢٣١٥) ، (٢٥٧٧٨) ، (٩٨٢٩٥) .
كما ننقل لك هنا كلاما للعلامة ابن قيم الجوزية ﵀، فنرجو أن تتأمل فيه، ففيه بيان شاف لهذه المسألة، يقول ﵀:
" معلوم أنه لم يعط الإنسان أمانة الخواطر، ولا القوة على قطعها، فإنها تهجم عليه هجوم النفس، إلا أن قوة الإيمان والعقل تعينه على قبول أحسنها، ورضاه به، ومساكنته له، وعلى دفع أقبحها، وكراهته له، ونفرته منه، كما قال الصحابة: يا رسول الله! إن أحدنا يجد في نفسه ما إن أن يحترق حتى يصير حممة أحب إليه من أن يتكلم به؟ فقال: أوقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذلك صريح الإيمان. أخرجه مسلم في باب الإيمان، وأبو داود في كتاب الأدب.
وفيه قولان:
أحدهما: أن رده وكراهته صريح الإيمان. والثاني: أن وجوده وإلقاء الشيطان له في النفس صريح الإيمان، فإنه إنما ألقاه في النفس طلبا لمعارضة الإيمان وإزالته به.
وقد خلق الله سبحانه النفس شبيهة بالرحى الدائرة التي لا تسكن، ولا بد لها من شيء تطحنه، فإن وضع فيها حَب طحنته، وإن وضع فيها تراب أو حصى طحنته، فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحَب الذي يوضع في الرحى، ولا تبقى تلك الرحى معطلة قط، بل لا بد لها من شيء يوضع فيها، فمن الناس من تطحن رحاه حَبًّا يخرج دقيقا ينفع به نفسه وغيره، وأكثرهم يطحن رملا وحصى وتبنا ونحو ذلك، فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحينه.
فأنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون ما لا يعنيك، فالفكر فيما لا يعني باب كل شر، ومَن فكَّر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه، واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه، فالفكر والخواطر والإرادة والهمة أحق شيء بإصلاحه من نفسك، فإن هذه خاصتك وحقيقتك التي لا تبتعد بها أو تقرب من إلهك ومعبودك الذي لا سعادة لك إلا في قربه ورضاه عنك، وكل الشقاء في بعدك عنه وسخطه عليك، ومن كان في خواطره ومجالات فكره دنيئا خسيسا لم يكن في سائر أمره إلا كذلك.
وإياك أن تمكن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك، فإنه يفسدها عليك فسادا يصعب تداركه، ويلقي إليك أنواع الوساوس والأفكار المضرة، ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك، وأنت الذي أعنته على نفسك بتمكينه من قلبك وخواطرك فملكها عليك، فمثالك معه مثال صاحب رحى يطحن فيها جيد الحُبوب، فأتاه شخص معه حمل تراب وبعر وفحم وغثاء ليطحنه في طاحونته، فإن طرده ولم يمكنه من إلقاء ما معه في الطاحون استمر على طحن ما ينفعه، وإن مكنه من إلقاء ذلك في الطاحون أفسد ما فيها من الحَب، وخرج الطحين كله فاسدا.
" انتهى باختصار.
"الفوائد" (ص/١٩١-١٩٤)
أما عن شأن مناقشة القس النصراني، فنصيحتنا لك ألا تشتغل بذلك، فذلك علم واسع لم تتخصص أنت فيه، فكيف تريد الخوض فيه، بل وإقناع ذلك النصراني الذي قد يكون متخصصا في هذا الأمر، أرأيت لو أردت أن تناقش طبيبا لتقنعه بعلاج معين لمرض خطير فهل تراه يسمع منك، أو يأخذ عنك، أو يقتنع بكلامك؟! ، فلماذا تسعى للخوض في علم واسع - وهو علم الفرق والأديان والعقائد - وأنت لست من العلماء به، بل وتحمل بسببه هما تلوم به نفسك، ونحن نصدقك القول أننا نراك مخطئا في هذا الشعور، وإن كنا نرجو أن يثيبك الله تعالى على حرصك على إفحام ذلك النصراني المجادل، ولكن عليك أن تسلك سبيل التعلم بالمطالعة والدراسة والاستماع سنوات عديدة، ثم بعد ذلك تتصدى للدفاع عن الإسلام، ودعوة غير المسلمين إليه.
فإن كان قد وقع في قلبك شيء من شبه هذه القسيس، أعاذك الله من ذلك، فبإمكانك أن تستعين بمن عنده علم في هذا الباب أن يحلها لك، ويزيل عنك الإشكال.
وإن كنت بحمد الله على بنية من أمرك، كما يبدو من سؤالك؛ فاعلم أن هذا الرجل كاذب، ويعلم أنه كاذب.
قال الله تعالى لنبيه ﷺ : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) المائدة /٤١.
قال الشيخ السعدي ﵀ في تفسيره (٢٣١) : " كان الرسول ﷺ من شدة حرصه على الخلق يشتد حزنه لمن يظهر الإيمان، ثم يرجع إلى الكفر، فأرشده الله تعالى، إلى أنه لا يأسى ولا يحزن على أمثال هؤلاء؛ فإن هؤلاء لا في العير ولا في النفير، إن حضروا لم ينفعوا، وإن غابوا لم يفقدوا، ولهذا قال مبينا للسبب الموجب لعدم الحزن عليهم - فقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ فإن الذين يؤسى ويحزن عليهم، من كان معدودا من المؤمنين، وهم المؤمنون ظاهرا وباطنا، وحاشا لله أن يرجع هؤلاء عن دينهم ويرتدوا، فإن الإيمان -إذا خالطت بشاشته القلوب- لم يعدل به صاحبه غيره، ولم يبغ به بدلا.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ أي: اليهود ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أي: مستجيبون ومقلدون لرؤسائهم، المبني أمرهم على الكذب والضلال والغي. وهؤلاء الرؤساء المتبعون ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ بل أعرضوا عنك، وفرحوا بما عندهم من الباطل وهو تحريف الكلم عن مواضعه، أي: جلب معان للألفاظ ما أرادها الله ولا قصدها، لإضلال الخلق ولدفع الحق، فهؤلاء المنقادون للدعاة إلى الضلال، المتبعين للمحال، الذين يأتون بكل كذب، لا عقول لهم ولا همم. فلا تبال أيضا إذا لم يتبعوك، لأنهم في غاية النقص، والناقص لا يؤبه له ولا يبالى به.
﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أي: هذا قولهم عند محاكمتهم إليك، لا قصد لهم إلا اتباع الهوى.
يقول بعضهم لبعض: إن حكم لكم محمد بهذا الحكم الذي يوافق أهواءكم، فاقبلوا حكمه، وإن لم يحكم لكم به، فاحذروا أن تتابعوه على ذلك، وهذا فتنة واتباع ما تهوى الأنفس.
﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ .
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ أي: فلذلك صدر منهم ما صدر.
فدل ذلك على أن من كان مقصوده بالتحاكم إلى الحكم الشرعي اتباع هواه، وأنه إن حكم له رضي، وإن لم يحكم له سخط، فإن ذلك من عدم طهارة قلبه، كما أن من حاكم وتحاكم إلى الشرع ورضي به، وافق هواه أو خالفه، فإنه من طهارة القلب، ودل على أن طهارة القلب، سبب لكل خير، وهو أكبر داع إلى كل قول رشيد وعمل سديد.
﴿لَهُم فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي: فضيحة وعار ﴿وَلَهُم فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هو: النار وسخط الجبار." انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15493
تعاني من تأخر زواجها وتريد النصيحة
[السُّؤَالُ]
ـ[فضيلة الشيخ أنا عمري ٢٩ سنة، ولحد الآن لم أتزوج، أنا دائماً أدعو الله أن يرزقني الزوج الصالح الذي يعينني على ديني ودنياي، وثقتي بالله كبيرة بأنه سيستجيب لي عاجلاً غير آجل، أنا أعرف كل الأوقات المناسبة التي تجاب فيها الدعوات، المشكلة أني بدأت أحس أن كل ما أفعله من عبادات الغاية منه أن يستجيب الله دعائي، يعني أصوم لأن دعاء الصائم مستجاب، أقوم الليل لأن الدعوة في الثلث الأخير مستجابة، أصلي السنن والنوافل حتى أتقرب إلى الله ويستجيب دعائي، باختصار: أحس أن ما أقوم به من عبادات ليست خالصة لوجه الله، وهذا الإحساس يخنقني، ماذا أفعل؟ . شيء آخر: أنا تعبانه جدّاً بسبب تأخري في الزواج، أنا أدعو الله دائماً وأبداً وأنا موقنة بأن الله أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، ولكني أخاف ذنوبي، أخاف أن تكون ذنوبي حاجزاً تمنع استجابة الدعاء، ماذا أفعل؟ انصحني يا شيخ وادع لي، أرجوك، أرجوك، أن يرزقني الله زوجاً صالحاً خيراً مما أستحق، رزقاً من عنده يليق بفضله، وجوده، وكرمه. جزاكم الله خيراً، ورزقكم الفردوس الأعلى.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الله ﵎: (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) النساء/١٩
وقال سبحانه: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) البقرة/٢١٦
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: (يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) رواه الترمذي (٢٥١٦)
اعلمي أيتها الأخت المسلمة أن الواجب عليك أن ترجعي لنفسك هنيهة، وتعلمي أن ما أختاره الله لك هو الأصلح والأحسن، وأن ماتفقدينه قد يكون فيه خير، وخير كثير جدا.
ولا تجعلي وساوس الشيطان الرجيم وأمواجه تلاطمك فتأخذك يميناً وشمالاً، شرقاً وغرباً حيث ما يشتهي الرجيم يتلاعب بك، بل كوني كما يحب ربنا ويرضى، وارضَيْ بقضائه واشكريه على نعمائه، وتأملي نعم الله عليك، ولا تضجري ولا تسأمي، واشغلي نفسك بطاعة الله ، وضعي لك برنامجاً يوقظك لصلاة الفجر ثم تلاوة القرآن والأذكار والدعوة إلى الله وحضور المحاضرات والمواعظ والندوات الإسلامية، فتستطيعين من خلال هذا البرنامج أن تجدي الراحة والطمأنينة، ولتجعلي سلوتك الدائمة، قول رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) رواه مسلم (٢٩٩٩)
(خففي عن نفسك، وتذكري أن هناك ملايين كثيرة من النساء مثلك لم يتزوجن، ولعل كثيرات منهن أسعد من كثيرات من المتزوجات.
شرحَ الله صدرك للرضا بقضائه، والاطمئنان إلى ما أنت عليه، وملأ قلبك سعادة.
أنت أسعد من كثيرات!
هل تزداد معاناتك من عدم زواجك حين ترين امرأة مع زوجها وأولادها يخرجون في نزهة؟!
أيجعلك هذا تتذكرين وحدتك، وحرمانك الزوج ومساندته، والأولاد وبراءتهم؟!
أيثير فيك إحساسا بأنك مظلومة، أو أنك تعيسة، أو أنك محرومة؟
تمهلي قليلا، ولا تدعي هذه المشاعر السلبية، والأحاسيس المحبطة؛ تملأ عليك نفسك، وتزرع فيك الحزن.
لقد رأيتِ جانبا واحدا من حياة هذه الأسرة؛ لكن هناك جوانب كثيرة أخرى لم ترها عينك.
لعلك لو رأيت الزوجة المبتلاة بزوج قاس لا يرحم، واستمعت إلى شكواها من معاناتها الدائمة منه؛ لربما حمدت الله على أن نجاك من الزواج،..
لو جلست مع مطلقة تندب حظها، وتعلن ندمها على زواجها، واستمعت إليها وهي تشكو لك كم احتملتْ وعانت حتى حصلت على الطلاق، واستعادت أمنها؛ لربما حمدت الله على أنك لم تتزوجي ولم تعاني مثل ما عانت.
إن تفكرك، أختي الغالية، بما تعانيه آلاف الزوجات، وما احتملته كثيرات غيرهن انتهى زواجهن بالطلاق، يخفف عنك كثيرا مشاعر الأسى التي تثور في نفسك بسبب عدم زواجك.
إن ذاك التفكر يبدد إحساسك بأنك مظلومة، ويحل محله إحساسا جميلا بالرضا. الرضا الذي يجلب لك رضا الله، كما حدثتك في الرسالة السابقة.
تذكري شكوى صديقتك من صراخ زوجها المستمر، وغضبه الدائم، ونجاتك أنت من هذا.
واستعيدي مشهد جارتك التي خرجت من بيتها باكية بعد أن ضربها زوجها فألحق بها ضررا وأذى................
بلغت الأربعين من عمري ولم أتزوج، وأحمد الله على كل حال ارتضاه لي. في بداية أمري كنت أشعر بالحسرة والألم كلما خلوت بنفسي، وأندب حظي كلما تزوجت واحدة من صديقاتي. لم تكن لي شروط أو مواصفات محددة في الرجل الذي أرتضيه زوجا" فقد كنت مستعدة للقبول بأي رجل صالح. لكن السنين مرت دون أن يأتي هذا الرجل. صرت أعتزل الناس لأتحاشى نظرات الشفقة ... ولم أنج منها تماما فقد كنت أراها في عيون والدي وإخوتي الذين كانوا يدعون لي كلما رأوني ". "وفي يوم من أواخر أيام شهر شعبان، ونحن نستعد لشهر رمضان المبارك، هداني الله إلى اقتناء مصحف خاص بي. صممت على ختمه. وجدت صعوبة كبيرة في قراءته بسبب انقطاعي عن القراءة طوال عشر سنين مضت ". "وجدت صعوبة كذلك في فهم بعض الآيات، فاشتريت كتاب تفسير، وصرت أقرأ فيه تفسير ما أتلوه من آيات الكتاب الحكيم. انتهى رمضان ولم ينته تعلقي بكتاب الله، فواصلت تلاواتي آيات الله وقراءة تفاسيرها ".
"وجاء اليوم الذي استوقفتني فيه آية في سورة الكهف (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً) تساءلت: ما معنى (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) وجدت في التفسير أنها كل عمل صالح ".
"عشقت الأعمال الصالحة من صلاة وصيام وصدقة وتسبيح وتحميد وتهليل وتكبير. وبدأت السعادة تملأ قلبي، والرضا يستقر في نفسي. حمدت الله حمدا كثيرا أن هداني إلى هذا الطريق وأرشدني إلى معالمه ".
تستدرك الأخت أم يمان فتقول:
"لكن هذه ليست دعوة للرهبانية، بل هي دعوة للرضا بقضاء الله وقدره ".
غير متزوجات ... ولكن سعيدات (١ /٤-٧) محمد رشيد العويد
(ولكن، لتعلم كل فتاة أن الغاية من الحياة هي العبودية بمعناها الخاص ومعناها العام، فإذا توفر المناخ المناسب لبناء بيت مسلم.. قامت الفتاة بعبادة ربها من خلال الزواج وتربية الأولاد، وقد تنشئ لنا الجيل الذي نريد.
.. فإن لم يكن؛ فإن طرق العبادة العامة كثيرة وعلى رأسها الدعوة إلى الله . فلتلتفت إلى المنحرفات عن طريق الله لتجعل منهن بنات لها وتهديهن إلى صراط الله السوي (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا)
ولتجعلي من المجتمع الإسلامي بيتا كبيرا هي فيه شمس هداية، ونبراس حق وعدل ومعرفة وعلم. ولنتواص بالحق والصبر: (إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) التوبة/١٢٠)
غير متزوجات ... ولكن سعيدات (١ / ١٢) محمد رشيد العويد
أنظري جواب الأسئلة (٢١٢٣٤) , (٧٢٢٥٧)
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15494
حكم الانتحار بسبب الاكتئاب
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الانتحار في حالة الاكتئاب الشديدة والتي لا يعي فيها المريض عواقب ما يفعل؟ وهل سيغفر له الله هذا الفعل؟ . وهل يمكن تكون المعاناة التي يتجرعها المريض بسبب هذا المرض كفارة لذنوبه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الانتحار كبيرة من كبائر الذنوب، وفاعلها متوعد بالخلود في نار جهنم أبداً، ويعذبه الله تعالى بالوسيلة التي انتحر بها، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (مَن تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً، ومَن تحسَّى سمّاً فقتل نفسه فسمُّه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومَن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها [أي يطعن] في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) رواه البخاري (٥٤٤٢) ومسلم (١٠٩) .
وعن ثابت بن الضحاك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (مَن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة) رواه البخاري (٥٧٠٠) ومسلم (١١٠) .
وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكيناً فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات. قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة) رواه البخاري (٣٢٧٦) ومسلم (١١٣) .
فعلى المؤمن أن يتصبر ويستعين بالله تعالى، ويعلم أن كل شدة تصيبه في الدنيا ـ مهما كانت شديدة ـ فإن عذاب الآخرة أشد منها، ولا يصح عند أحد من العقلاء، أن يستجير الإنسان من الرمضاء بالنار، فكيف يفر من ضيق وشدة مؤقتة ـ لابد لها من نهاية ـ إلى عذاب دائم لا نهاية له.
وليتأمل المسلم أنه ليس هو الوحيد في الدنيا الذي يصيبه البلاء والشدة، فقد أصاب البلاء سادات البشر وهم الأنبياء والرسل والصالحون، وأصاب أيضاً شر البشر وهم الكافرون والملحدون.
فالبلاء سنة كونية، لا يكاد يسلم منها أحد.
فإذا أحسن المؤمن التعامل معها، فصبر، وجعل ذلك سبباً لرجوعه إلى الله واجتهاده في العبادات والأعمال الصالحة، كان البلاء خيراً له، وكان مكفراً لذنوبه، حتى لعله يلقى الله تعالى وليس عليه خطيئة.
فقد قال ﷺ : (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) رواه البخاري (٥٦٤٢) ومسلم (٢٥٧٣) .
وروى الترمذي (٢٣٩٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٢٨٠) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15495
والدها بخيل، ويكره زيارتها له، ويعاقب أمها إن جاءت للزيارة
[السُّؤَالُ]
ـ[والدي حريص جدّاً على المال، إلى درجة أنه يكره الضيف، لكنه في الأيام الأخيرة صار يكره قدومنا نحن - بناته - إلى البيت، رغم أننا كنا نزوره، ونطلب من والدتنا أن لا تضيفنا شيئاً؛ لأنه بعد ذلك سيعاقبها! بمنع النفقة عليها، وعلى أختي، ورغم ذلك كنا نذهب إلى زيارته، وفي يوم من الأيام طردني أنا وأختي (نحن متزوجتان، وزوجانا يحترمانه) وهو يسبب لنا الحرج معهما.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
قد أحسنت أنت وأختك بصلة والديكما، وزيارتهما، والسعي نحو الأكمل في برِّهما، وهي وصية الله للأولاد، وهذه الوصية تشمل الوالدين اللذين بلغا من السوء والشر والفساد أن يجاهدا أولادهم حتى يتركوا دينهم، فكيف من كان أقل من ذلك سوء وشرّاً وفساداً؟! وقد أحسن من عمل بما يعلم.
قال الله ﵎: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) لقمان/ ١٤، ١٥.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀ –:
(وَإِنْ جَاهَدَاكَ) أي: اجتهد والداك، (عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا) ولا تظن أن هذا داخل في الإحسان إليهما؛ لأن حق الله مقدَّم على حق كل أحد، و " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ".
ولم يقل: " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فعقهما " بل قال: (فَلا تُطِعْهُمَا) أي: بالشرك، وأما برُّهما: فاستمر عليه، ولهذا قال: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) أي: صحبة إحسان إليهما بالمعروف، وأما اتباعهما وهما بحالة الكفر والمعاصي: فلا تتبعهما.
" تفسير السعدي " (ص ٦٤٨) .
فعلى الأولاد – ذكوراً وإناثاً – أن يعقلوا وصية الرب تعالى، وأن يعلموا أن اتصاف والديهم بالدعوة إلى الكفر ليس بمبيح لهم العقوق، والإيذاء بالقول والفعل، فأن يكون عندهما من الأخلاق والصفات دون ذلك: أولى أن تبقى صلتهم بهم، ويستمر برهم لهم.
ثانياً:
مما لا شك فيه أن البخل صفة ذميمة، وأن الحرص على جمع المال بِنَهم، وعدم إنفاقه في وجوهه الشرعية: من الصفات القبيحة التي لا يليق بمؤمن أن يتخلق بها، وقد يصيبه من الإثم ما يصيبه إن كانت تلك الوجوه من النفقة واجبة عليه، كالزكاة، والإنفاق على الزوجة، وعلى الأولاد قبل أن يصيروا مكتسبين.
وقد جاء ذم البخل وأهله في هذه الشريعة المطهرة، ومن ذلك:
١. قال : (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) النساء/ ٣٧.
٢. وقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) الليل/ ٥ – ١٠.
٣. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَاّ مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفاً) .
رواه البخاري (١٣٧٤) ومسلم (١٠١٠) .
قال الحافظ ابن حجر – ﵀:
وأما الدعاء بالتلف: فيحتمل تلف ذلك المال بعينه، أو تلف نفس صاحب المال، والمراد به: فوات أعمال البر بالتشاغل بغيرها.
قال النووي: الإنفاق الممدوح: ما كان في الطاعات، وعلى العيال، والضيفان، والتطوعات.
وقال القرطبي: وهو يعم الواجبات، والمندوبات، لكن الممسك عن المندوبات: لا يستحق هذا الدعاء، إلا أن يغلب عليه البخل المذموم، بحيث لا تطيب نفسه بإخراج الحق الذي عليه، ولو أخرجه.
" فتح الباري " (٣ / ٣٠٥) .
فاتصاف والدك بالبخل والحرص على فتات الدنيا: خلق ذميم، وكراهيته لبناته من أجل ذلك البخل والحرص: يدل على تمكن تلك الصفات القبيحة فيه، ومنعه النفقة على زوجته وابنته: من المحرَّمات، وهو أمر يبيح لوالدتك الأخذ من ماله دون علمه وإذنه؛ فقد قال النبي ﷺ لهند بنت عتبة - زوج أبي سفيان، وقد اشتكت عدم نفقته عليها -: (خُذُي مَا يَكْفِيكِ وَوَلدَكِ بِالمَعْرُوف) رواه البخاري (٥٠٤٩) ومسلم (١٧١٤) .
وأنتِ وأختكِ عليكما مراعاة صفات البخل والحرص عند والدكما، وعدم التسبب لوالدتك بالأذى والضرر، ومثل هذه الصفات عنده تقتضي منكما عدم تكليفه نفقات الضيافة، والتي تسبب لهم الحمى والقهر، والمعلوم عن هؤلاء البخلاء والحريصين محبة الأخذ وليس الإعطاء، فلو أحضرتما معكما ند الزيارة من الهدايا، والأطعمة، وما تيسر من الأغراض: لرأى في زيارتكما سعداً وفرحاً وسروراً، ولتمنى أن تكثر منكما هذه الزيارات، وفي الوقت نفسه: تعالجون ما عنده من حرص وبخل، بالكلمة الحسنة، والرفق، واللِّين، وبذلك تجمعون بين صلته، وصلة والدتكما، وعدم التسبب بالقطيعة لكما، ولا بمنع النفقة عن أمكما وأختكما، لكن بحيث لا يشق ذلك على زوجيكما، أو يسبب لكما حرجا معهما.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15496
تحلم بالموت وتخاف منه
[السُّؤَالُ]
ـ[كثيراً ما يأتي لي تذكر الموت، فأخاف خوفا شديدا..، وأحلم أني مت.. وأصبح خائفة جدا. وجزاك الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الخوف من الموت شعور يصيب أكثر الناس، فقد فطر الله سبحانه الإنسان على حب الحياة والخوف من المجهول، وجعل الموت من عالم الغيب الذي لا يدرك حقيقته إلا من انتقل إليه، فإذا فكر الإنسان فيه لم يملك إلا أن يصيبه شعور الوحشة أو الخشية أو القلق من ذلك المستقبل المجهول.
هذا هو التفسير الطبيعي للخوف من الموت لدى الإنسان بوجه عام.
ولكن المؤمن المسلِّمَ لقضاء الله وقدره، الذي غرسَ حبَّ الله في قلبه، وزرعَ حسنَ الظن بالله في نفسه، يدرك أنه إنما يقبل بموته على رب كريم، وإله رحيم، يجزي بالحسنات إحسانا، ويتجاوز عن السيئات صفحا وغفرانا، وذلك للمؤمن المتعلق بالله فقط، المنكسر قلبه بين يديه سبحانه، التواب الأواب الذي
يقول الله تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) يونس/٦٢-٦٣.
يقول الحافظ ابن كثير ﵀:
" يخبر تعالى أن أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، كما فسرهم ربهم، فكل مَن كان تقيا كان لله وليا: أنه (لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) أي: فيما يستقبلون من أهوال القيامة، (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) على ما وراءهم في الدنيا " انتهى.
"تفسير القرآن العظيم" (٤/٢٧٨)
وهكذا ينبغي أن تكوني أختي الكريمة ...
يجب علينا جميعا أن نسعى في ولاية الله تعالى، لننال محبته ورضوانه، ويكون حبه أجمل ما في قلوبنا، فيصبح الموت حينئذ نقلة إلى نزل الكريم الرحيم سبحانه، وتحررا من آصار الدنيا وأغلالها إلى سعة الآخرة ونعيمها.
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ: (مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ) رواه البخاري (٦٥١٢) ومسلم (٩٥٠)
وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ. قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ: إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ. قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَىْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَىْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ)
رواه البخاري (٦٥٠٧) ومسلم (٢٦٨٣)
يقول القرطبي ﵀:
" هذه الكراهة للموت هي الكراهية الطبيعية التي هي راجعة إلى النفرة عن المكروه والضرر، واستصعاب ذلك على النفوس، ولا شك في وجدانها لكلِّ أحد، غير أن مَن رزقه الله تعالى ذوقًا من محبته، وانكشف له شيء من جمال حضرته، غلب عليه ما يجده من خالص محبته، فقال عند أزوف رحلته، مخاطبًا للموت وسكرته، كما قال معاذ ـ رضى الله عنه ـ: " حبيبٌ جاء على فاقة، لا أفلح اليوم من ندم "، وكان يقول عند اشتداد السكرات: "اخْنُقْنِي خنْقَك، فوَحقِّكَ إن قلْبي ليحبّك ".
"المفهم" (٢/٦٤٤)
فإذا استحضرت هذه المعاني في قلبك ونفسك، وعملت الأعمال الصالحة استعدادا ليوم الرحيل عن هذه الحياة الفانية، لم يضرك الموت بإذن الله، ولن يكون خوفك منه إلا سببا لكل خير وإقبال على الله، وليس سببا للهلاك أو القلق أو الفزع أو الإحباط لا قدر الله.
سئل الشيخ ابن باز ﵀ السؤال الآتي:
" هل يجب على المؤمن عدم الخوف من الموت؟ وإذا حدث هذا فهل معناه عدم الرغبة في لقاء الله؟
فأجاب:
يجب على المؤمن والمؤمنة أن يخافا الله سبحانه ويرجواه؛ لأن الله سبحانه قال في كتابه العظيم: (فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، وقال : (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) ، وقال سبحانه: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) ، وقال : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ) ، وقال : (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) ، في آيات كثيرة.
ولا يجوز للمؤمن ولا للمؤمنة اليأس من رحمة الله، ولا الأمن من مكره، قال الله سبحانه: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ، وقال تعالى: (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) ، وقال : (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ)
ويجب على جميع المسلمين من الذكور والإناث الإعداد للموت والحذر من الغفلة عنه، للآيات السابقات، ولما روي عنه ﷺ أنه قال: (أكثروا من ذكر هادم اللذات - الموت)
ولأن الغفلة عنه وعدم الإعداد له من أسباب سوء الخاتمة، وقد ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. فقلت: يا نبي الله: أكراهية الموت فكلنا نكره الموت، قال: ليس كذلك ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله فكره الله لقاءه) متفق عليه.
وهذا الحديث يدل على أن كراهة الموت والخوف منه لا حرج فيه، ولا يدل ذلك على عدم الرغبة في لقاء الله؛ لأن المؤمن حين يكره الموت أو يخاف قدومه، يرغب في المزيد من طاعة الله والإعداد للقائه، وهكذا المؤمنة حين تخاف من الموت وتكره قدومه إليها، إنما تفعل ذلك رجاء المزيد من الطاعات والاستعداد للقاء ربها.
" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٦/٣١٣-٣١٤)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15497
مشكلة أبوين مع ابنتهم التي ترفض الزواج وتأخر بها العمر
[السُّؤَالُ]
ـ[نحن أسرة تتقي الله، ومشكلتي أن ابنتي الصغرى البالغة من العمر ٣٤ عاماً لم تتزوج حتى الآن، وهي إنسانة متميزة ذات جمال ومال وحسب ونسب، وناجحة في كل مجالات الحياة، وعلى خلق ودين وملتزمة، وتقوم بكثير من الأعمال الصالحة من مساعدة الغير وقيام الليل وحفظ القرآن وحضور مجالس علم ولذلك فقد تقدم لها أعداد لا حصر لها من العرسان من خيرة الشباب على مدى يزيد عن ١٠ سنوات وفي كل مرة تقابل الموضوع بفتور وليس بفرحة كما يفعل أقرانها، ثم تعمل استخارة وتخبرنا بعدها أن نفسها غير منشرحة لهذا الشخص وأنها تحس بالاختناق منه، وإنه ليس الشخص المناسب الذي ترغب فيه، وليس لها أي اعتراض موضوعي على معظمهم، ونفشل أنا ووالدها البالغ من العمر ٧٠ عاماً في إقناعها بكل الوسائل الممكنة إبتداءاً من التوسل والملاطفة إلى المشاجرة وإظهار عاقبة الأمور، وقد تم عرضها - بناءاً على رغبتها - على دكتورة أمراض نفسية التي أقرت أنها سليمة معافاة وليس بها شيء، مما جعلنا في حالة حزن وحسرة شديدة تلف أيامنا على مدى العشر سنوات وفي حيرة وحرج من أمرها مما جعلها مختارة تحلف على المصحف أن ليس هناك سبب تعلمه أو يشينها يمنعها من الزواج وإنها تصدقنا القول، ولأنني أكثر حساسية بهذا الموضوع فقد تأثرت نفسيّاً وصحيّاً وغضب قلبي عليها – والعياذ بالله – غضباً شديداً بحيث أنني لا أطيق النظر إليها أو التحدث معها، وحياتنا أصبحت جحيماً وبلغت ذروتها هذا العام بعد رفضها شابّاً كان حلم حياتنا أنا ووالدها وبنفس الأسلوب ولكل منا رأي سأعرضه على فضيلتكم لتحكم بيننا بالشرع، فأنا أرى أنها بعدم طاعتها لوالدها ولي أمرها وتسببها لنا في كل هذا الأذى وحرماننا من ثمرة جهدنا في تربيتها - وهي الفرحة بها - عقوق لنا لن يجدي معه كل ما تفعل من أعمال صالحة، وأن آفتها الكِبر بسبب تميزها والتعامل مع الموضوع باستغناء وعدم تقدير لنعمة الله عليها – فغيرها لا يجد هذه النعمة– وأعتبره بطراً للنعمة، ونصحتها أن تطرح موضوع الانشراح والقبول أولاً هذا جانباً وإنها لو توكلت على الله حق توكله وارتبطت بمن ارتضاه لها والدها فببركة التوكل وإعمال سنة الله في خلقه لإعمار الأرض بالتزاوج والتكاثر وببركة رضانا ودعائنا لها وتقوى الله في معاملتها زوجها مستقبلاً سيجعل الله بينهما المودة والرحمة والسكينة، بمعنى يأتي الانشراح والقبول الذي تسعى إليه، وهي ترى أنها تتبع السلوك الشرعي السليم من عمل الاستخارة ولكن الله لم يرزقها حتى الآن بمن ينشرح له صدرها، وأن هذا بلاؤها، وأن النصيب لم يأت بعد وعندما يأتي سيسهل كل شيء، وأنها غير عاقة لوالديها إنما هي تمارس حقها الشرعي في القبول أو الرفض، وأنها حرة أن تتزوج أو لا تتزوج فهذا شأنها وأنها سبق أن جربت الارتباط بخطوبة ٣ مرات – مرتان باختيارها ومرة باختيارنا – وفشلت، وهي التي فسخت هذه الخطب جميعاً. أرجو من فضيلتكم أن تجيب علينا أنا وهي بوضوح تام على هذه الأسئلة: ١. هل هي ابنة عاقة لوالديها أم لا؟ ٢. هل الزواج من الأمور الاختيارية ومن يتركه مع قدرة عليه لا إثم عليه؟ ٣. أينا رأيه هو الصواب الذي يرضاه الله، رأيي في أن تتوكل على الله وتقبل الزواج ممن يرضاه لها أبوها أم رأيها بأن تنتظر حتى يأتي من ينشرح له صدرها أولا؟ . نحن في انتظار حكم الله لنقول سمعنا وأطعنا،]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الزواج من هدي النبي صلى الله وسلم وسنَّته، وقد أنكر نبيُّنا ﷺ على مَن أراد ترك النكاح وقال: " أما أنا فأتزوج النساء، مَن رغب عن سنَّتي فليس مني " – رواه البخاري (٤٧٧٦) ومسلم (١٤٠١) – والمقصود بـ " سنتي " أي: الهدي والطريقة، لا أنه مستحب؛ والصحيح أن الزواج تجري فيه الأحكام الخمسة، فقد يكون حراماً ومكروهاً ومستحبا وواجبا ومباحاً، ويصبح واجباً عند جمهور الفقهاء في حالة واحدة وهي إذا خاف الرجل أو المرأة من الزنا إذا لم يتزوجا، فهنا يجب على كل من ملك القدرة المالية منهما على النكاح أن يتزوج، أما إذا كان غير راغب في النكاح، وكان قادراً على حفظ نفسه – رجلا كان أو امرأة -: فلا يجب في حقه الزواج عند جمهور الفقهاء، بل هو مستحب في حقه، ويكون حراماً إذا علم الزوج أنه لن يؤدي حقوق زوجته ولن يستطيع إعفافها، وهكذا هو حكم الزوجة.
قال ابن قدامة:
والناس في النكاح على ثلاثة أضرب: منهم من يخاف على نفسه الوقوع في محظور إن ترك النكاح: فهذا يجب عليه النكاح في قول عامة الفقهاء؛ لأنه يلزمه إعفاف نفسه، وصونها عن الحرام، وطريقه النكاح.
الثاني: من يستحب له، وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور: فهذا الاشتغال له به أولى من التخلي لنوافل العبادة، وهو قول أصحاب الرأي، وهو ظاهر قول الصحابة ﵃، وفعلهم ...
القسم الثالث: من لا شهوة له , إما لأنه لم يُخلق له شهوة كالعنين , أو كانت له شهوة فذهبت بكبر أو مرض ونحوه , ففيه وجهان ; أحدهما: يستحب له النكاح ; لعموم ما ذكرنا، والثاني: التخلي له أفضل ; لأنه لا يحصل مصالح النكاح , ويمنع زوجته من التحصين بغيره , ويضر با , ويحبسها على نفسه , ويعرض نفسه لواجبات وحقوق لعله لا يتمكن من القيام بها , ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه.
" المغني " (٧ / ٥، ٦) .
وبما سبق يتبين أن ابنتكِ إن تركت الزواج رغبةً عنه مع وجود الشهوة: ففعلها حرام لأنه رغبة عن هدي النبي ﷺ وسنَّته، وإن كان تركها له لعدم رغبتها به، وتستطيع ضبط نفسها: فقد تركت مستحبّاً، وإن لم يكن لها شهوة ولا يمكنها أداء حقوق الزوج ولا إعفافه فزواجها دائر بين الكراهة والحرام، وهذا الحكم نذكره لكم ولها، لكم لتعلموا أنها قد يكون فعلها صحيحاً، ولها لنذكِّرها بأنها قد تكون مرتكبة لمحرَّم وهي لا تدري.
ثانياً:
هدي النبي ﷺ أكمل هدي، ولم تمنعه أعباء الدعوة التي يقوم بها من أن يتزوج بل إنه مات عن تسع نسوة، ولم يمنع العلماء علمهم من الزواج، وهكذا العبَّاد والمجاهدون، فلا يجوز لمسلم أن يوجِد تضادّاً بين النكاح وبين قيامه بالدعوة أو طلبه للعلم أو خروجه للجهاد، فالجيل الأول المزكَّى ومعهم نبيهم ﷺ كانوا دعاة وعلماء ومجاهدين وعابدين، وهم – في الوقت نفسه – متزوجون وبأكثر من واحدة في الغالب.
والنكاح آية من آيات الله تعالى امتنَّ الله بها علينا فقال: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم / ٢١] ، وهو من هدي وسنن المرسَلين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ... ﴾ [الرعد / ٣٨] ، وعزة الأمة الإسلامية وقوتها إنما تكون بتكثير نسلها المتربي على الخير والطاعة، وقد رغَّب النبي ﷺ بالنكاح من أجل أن تكثر هذه الأمة ويفاخر بها الأمم السابقة.
فندعو أختنا للتأمل في هذه الحِكَم والأحكام، فلعلَّها أن تترك الترفع عن هذا الهدي الكامل، وتكون لبِنَة رئيسة في بيتٍ مسلم، لتنجب ذرية طيبة صالحة.
ثالثاً:
إذا لم يكن ثمة سبب شرعي لأختنا في ترك الزواج: فإنه يجب عليها طاعة والديها فيه، ويكون عصيانهم عقوقاً، وإذا كان ثمة سبب شرعي: فلا يكون تركها للزواج عقوقاً، ويحرم على والديها إجبارها على النكاح، فرضاها وقبولها شرطٌ لصحة عقد الزواج.
قال الإمام أحمد ﵀ في رواية صالح وأبي داود ـ: " إذا كان له [يعني: للمرء] أبوان يأمرانه بالتزويج: أمرته أن يتزوج، أو كان شابا يخاف على نفسه العنت: أمرته أن يتزوج " انتهى.
الآداب الشرعية، لابن مفلح (١/٤٣٤) .
وقال المرداوي ﵀: " على القول باستحبابه: هل يجب بأمر الأبوين، أو بأمر أحدهما به؟ "
فذكر كلام الإمام أحمد السابق، ثم قال:
" فجعل أمر الأبوين له بذلك بمنزلة خوفه على نفسه العنت [يعني: أنه واجب في الحالين]
قال الإمام أحمد ﵀: والذي يحلف بالطلاق لا يتزوج أبدا، إن أمره أبوه: تزوج "
"الإنصاف في بيان الراجح من الخلاف" (٨/١٤) .
ثالثاً:
وندعو أختنا – كذلك – لأن تفكِّر في حال والدَيها، ولتعلم أنه بإدخالها السرور إلى قلبيْهما أنها تكون أدَّت طاعة من أعظم الطاعات لربها تعالى، ففي زواجها موافقة للفطرة، وسنة النبي ﷺ ، وسنن المرسلين، وفيه برٌّ لوالديها، وفيه إدخالٌ للسرور عليهما، فأي شيء تقوم به – الآن – من الطاعات يعدل هذا ويماثله؟! .
ولتتفكَّر – ولو قليلاً – بحال والديْها وما يعانيه كل واحدٍ منهما بسبب تأخير زواج ابنتهما، ولتعلم أن الناس الذين لا يتقون الله فيكم كثير، وفي تأخيرك للزواج أو امتناعك عنه فتح باب لإطلاق السفهاء ألسنتهم طعناً في أعراضكم واتهامكم بما أنتم بريئون منه.
يقول الدكتور محمد حسن غانم – محللا مشاعر الأم التي يتأخر زواج ابنتها -:
إنها تعيش هذه المشكلة بكامل طاقتها وعصبيتها وقلقها واكتئابها، لأنها كأم تشعر بعمق أحاسيس ابنتها.
وتعيش على حلم أن سعادتها القصوى أن ترى ابنتها في عش الزوجية، وترى أحفادها، ولذا فقد تنتاب الأم حالات من الاكتئاب، وقد تلجأ إلى السحرة والدجالين ظنا منها أن ابنتها " معمول لها عمل بوقف الحال "، وقد تلجأ إلى الدلالات في الأماكن الشعبية وعرض مشكلة ابنتها عليهن، ووعدهن بمكافأة سخية إذا أحضرن لابنتها عريس المستقبل، وعلى العكس من ذلك قد يكون إيمان الأم قويّاً بحيث تقول كلاماً تكون سببا في التخفيف عن ابنتها وحثها على الرضا بقضاء الله.
انتهى
ويقول الدكتور رامز طه:
إن الفتاة التي ترفض الزواج من كل رجل يتقدم لها تجعل نفسها محلا لإثارة الأقاويل والشائعات التي تسيء إلى سمعتها، ومع الوقت لا تجد من يطرق بابها، والشيء نفسه بالنسبة إلى الرجل حتى لو كان ذا مركز مرموق ...
انتهى
ولتنتبه أختنا الفاضلة إلى ما يترتب على تأخير الزواج من مضاعفات خطيرة في جسمها، ومنه ضعف الرحم وعدم القدرة على الإنجاب.
قال الدكتور محمد الرواشدة - أستاذ العلاج الطبيعي -:
" إن الزواج المتأخر يترافق معه عدة مشكلات متعددة في الولادة وصحة الجنين "، وقال: " إن بعض الدراسات أكدت أن الحمل المتأخر بعد سن الأربعين يؤدي إلى ولادات مشوهة، أما الإنجاب بعد سن الـ ٣٥ يؤدي إلى طفل منغولي لكل ٢٦٠ ولادة، فيما تزداد النسبة بعد هذا العمر ".
وقد وجِّه سؤال للدكتور فلاح الخطيب - استشاري ورئيس قسم علاج الأورام - عن أهم العوامل والأسباب التي تساهم في حدوث سرطان الثدي، فذكر عدة عوامل ومنها: احتمالات الإصابة به عند المرأة التي تحمل بالطفل الأول لها بعد سن الثلاثين.
رابعاً:
وما قالتْه الأم من عدم قبول الله تعالى لأعمال ابنتها إذا هي أصرَّت على فعلها: قول غير صحيح، ولا تحبط الأعمال كلها إلا بالشرك والردَّة، ولا يجوز أن يكون فعل ابنتكم سبباً للقسوة عليها والغلظة في التعامل معها، ويجب عليكم التلطف في العبارة والمعاملة، لعلَّ الله تعالى أن يهديها ويوفقها.
كما ننصح أختنا الفاضلة أن تتواضع لربها تعالى، ولا يجوز لها التكبر على خلق الله تعالى، ويجب عليها شكر نعمة الله عليها، ولا يكون الشكر بالتعالي على الناس واحتقارهم، ولتعلم أن مِن الناس مَن يكون قليل العلم لكنه عالي الأخلاق قوي الدين، فلا تغتر بنفسها على غيرها ولْتتواضع لربها ليرفع منزلتها في الدنيا والآخرة، ولا يجوز لها أن ترفض صاحب الخلق والدين، ولا نظن أن كل من جاء لخطبتها يستحق الرفض شرعاً، فلتنتبه لهذا ولتسعَ في تغيير ما هي عليها للأصلح والأفضل والأعلى والأكمل.
ولتعلم الأخت الفاضلة أن انشراح الصدر بعد الاستخارة ليس هو العلامة الوحيدة على رد الزوج، وعدم القبول به، بل هو من العلامات، فنرجو مراجعة إجابة السؤال رقم (٥٨٨٢) .
ونحب أن نذكرك ـ أختنا الكريمة ـ أن ما جاء في جوابنا، هو بحسب ما أداه إليه اجتهادنا، ومبلغ علمنا، لا أن كل رأي نراه، أو حكم نحكم به هو حكم الله، إلا أن يكون فيما نقوله أو نراه نص بيِّن من كتاب الله أو سنة نبيه، ﷺ ؛ فلقد كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: ( ... وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا!!) رواه مسلم (١٧٣١) .
قال النووي ﵀: " هذا النهي على التنزيه والاحتياط ".
وقال ابن القيم ﵀: " قال بعض السلف: ليتق أحدكم أن يقول: أحل الله كذا، وحرم كذا، فيقول الله له: كذبت ح لم أحل كذا، ولم أحرم كذا.
فلا ينبغي أن يقول لما لا يعلم ورود الوحي المبين بتحليله وتحريمه: أحله الله وحرمه الله، لمجرد التقليد أو بالتأويل " إعلام الموقعين (١/٣٩) .
ونسأل الله تعالى أن يشرح صدرك للحق والصواب، وأن يهديك لما يحب ويرضى، وأن يرزقك زوجاً صالحاً وذرية طيبة، وأن يؤلف بين قلوبكم جميعاً.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15498
يرغمها على العمل ويريد الزواج من غيرها فهل تطلب الطلاق ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إن زوج خالتي] أو زوج عمتي [طلب منها أن تأذن له بالزواج من زوجة ثانية وأخبرها قريباً بأمر الزفاف، المشكلة أن خالتي] أو عمتي [لم تستطع العمل السنوات القليلة الماضية لمرضها لكن زوجها أجبرها على العمل في عمل تنظيفي، وهو يعمل أيضًا لكنه يأخذ كل مالها التي تعمل به ويعطيها القليل، وأخبرها أنه لن يدفع مصاريف الإيجار ولا الطعام لذا عليها أن تعمل أكثر، والعمل يتسبب في مرضها، وخالتي] أو عمتي [هي التي تدفع مصاريف كل شيء، وهو يدّعي أنه ليس لديه أي مال، والواقع أنه ينفق جميع ماله على بيت زوجته الثانية وعلى زفافه، أخبرْنا خالتَنا] أو عمتنا [أن تأتي وتقيم معنا هربًا منه، وهذه ليست أول مرة يتزوج فيها زوجة ثانية ويهمل خالتي] أو عمتي [لكن خالتي] أو عمتي [تقول إنها ستعطيه فرصة أخرى، هل حرام أن نشجع خالتنا] أو عمتنا [أن تبقى مقيمة معنا لمدة ونحثها على الطلاق منه؟ نحن خائفون على صحتها، فهي مريضة أليس لها حق في الطلاق؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أوجب الله تعالى على الزوج أن يُسكن زوجته ويكسوها وينفق عليها، وقد جعل الله ذلك – كله – حقّاً للزوجة.
قال تعالى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق / ٦] .
قال ابن حزم ﵀:
ويلزمه – أي: الزوج - إسكانها على قدر طاقته؛ لقول الله تعالى ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ [الطلاق / ٦] .
" المحلى " (٩ / ٢٥٣) .
وقال ابن قدامة ﵀:
ويجب لها مسكن بدليل قوله ﴿أسكنوهن...﴾ فإذا وجبت السكنى للمطلقة، فللتي في صلب النكاح أولى، قال الله تعالى ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ ، ومن المعروف أن يسكنها في مسكن، ولأنها لا تستغني عن المسكن للاستتار عن العيون، وفي التصرف والاستمتاع وحفظ المتاع." المغني " (٩ / ٢٣٧) .
وعن معاوية بن حيدة عن النبي ﷺ أنه سأله رجل: ما حق المرأة على زوجها؟ قال: " تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت ".
رواه أبو داود (٢١٤٢) وابن ماجه (١٨٥٠) ، وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (١٩٢٩) .
قال الخطابي – ﵀:
في هذا إيجاب النفقة والكسوة لها، وليس في ذلك حد معلوم، وإنما هو على المعروف، وعلى قدر وسع الزوج وَجِدَتِه، وإذا جعله النبي ﷺ حقاً لها فهو لازم للزوج، حضر أو غاب، وإن لم يجده: كان ديناً عليه إلى أن يؤديه إليها كسائر الحقوق الزوجية. " معالم السنن على هامش المنذري " (٣ / ٦٧، ٦٨) .
وعن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ " فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ". رواه مسلم (١٢١٨) .
قال النووي ﵀:
فيه وجوب نفقة الزوجة وكسوتها، وذلك ثابت بالإجماع. " شرح مسلم " (٨ / ١٨٤) .
ثانياً:
يجب على المعدِّد أن يتقي الله تعالى ويعدل في النفقة والكسوة والمبيت، ولا يحل له أن يجور في قسمته بين نسائه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وأما العدل في النفقة والكسوة: فهو السنَّة أيضاً، اقتداء بالنبي ﷺ ، فإنه كان يعدل بين أزواجه في النفقة، كما كان يعدل في القسمة، مع تنازع الناس في القَسم، هل كان واجباً عليه أو مستحباً له؟ وتنازعوا في العدل في النفقة هل هو واجب؟ أو مستحب؟ ووجوبه أقوى وأشبه بالكتاب والسنة.
" مجموع الفتاوى " (٣٢ / ٢٦٩) .
وقد حذَّر النبي ﷺ المعدَِّد من أن يظلم إحدى نسائه.
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل ".
رواه الترمذي (١١٤١) وأبو داود (٢١٣٣) والنسائي (٣٩٤٢) وابن ماجه (١٩٦٩) ، وصححه الحافظ ابن حجر في " بلوغ المرام " (٣ / ٣١٠) ، والألباني في " إرواء الغليل " (٧ / ٨٠) .
قال الشافعي ﵀:
ودلَّت سنة رسول الله ﷺ ، وما عليه عوام علماء المسلمين: أن على الرجل أن يقسم لنسائه بعدد الأيام والليالي، وأن عليه أن يعدل في ذلك لا أنه مرخص له أن يجوز فيه. " الأم " (٥ / ١٥٨) .
وقال: ولم أعلم مخالفا في أن على المرء أن يقسم لنسائه فيعدل بينهن. " الأم " (٥ / ٢٨٠) .
وقال البغوي ﵀:
إذا كان عند الرجل أكثر من امرأة واحدة يجب عليه التسوية بينهن في القسم إن كُنَّ حرائر، سواء كن مسلمات أو كتابيات ... فإن ترك التسوية في فعل القَسم: عصى الله ، وعليه القضاء للمظلومة. " شرح السنة " (٩ / ١٥٠، ١٥١) .
ثالثاً:
لا يجوز للزوج أن يأخذ راتب زوجته إلا أن عن طيب نفسٍ منها، وقد أباحت لها الشريعة أن تعمل عملاً مباحاً – دون إلزام، لأن النفقة واجبة على زوجها – وأباحت لها التملك لهذا المال، فإن أعطت منه زوجَها جاز، وإن أخذه عن غير طيب نفسٍ منها كان سحتاً عليه.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
لا حرج عليك في أخذِ راتب زوجتك برضاها إذا كانت رشيدة، وهكذا كل شيء تدفعه إليك من باب المساعدة لا حرج عليك في قبضه، إذا طابت نفسها بذلك وكانت رشيدة؛ لقول الله في أول سورة النساء ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء / ٤] ، ولو كان ذلك بدون سند، لكن إذا أعطتْك سنداً بذلك فهو أحوط إذا كنت تخشى شيئاً من أهلها وقراباتها أو تخشى رجوعها. " فتاوى المرأة المسلمة " (٢ / ٦٧٢، ٦٧٣) .
رابعاً:
إذا علمت الزوجة أن الزوج يجب عليه أن يؤمن لها المسكن والنفقة والكسوة، وعلمت أن العدل واجب عليه بين نسائه، وعلمت أنه لا يحل له أن يجبرها على العمل ولا على أن تعطيه راتبها، ثم رأت من زوجها مخالفة لكل ما ذُكر أو لبعض منه: فهي بالخيار: إما أن تصبر على هذا الظلم رجاء أن يتغير زوجها وأن يُصلَح حاله، وإما أن تطالب بحقها عن طريق المحاكم الشرعية، فإن لم يُصلَح زوجُها، أو لم تحصِّل حقَّها من المحاكم الشرعية، ولم تستطع الصبر على ظلم زوجها: فإن لها حق طلب الطلاق، واستيفاء حقِّها كاملاً منه.
ومع أن المرأة كلما استطاعت الصبر على ما تجده من ظلم زوجها وأذاه، وحافظت على بيتها، فهو أفضل لها وأولى من الطلاق منه؛ فإن لكل حالة من الخصوصية ما يوجب النظر في ملابساتها مجتمعة، قبل إبداء الرأي فيها، ويمكنها ـ هنا ـ أن تستشير عقلاء أهلها وأقربائها في موضوعها، فإما أن يصلَح الحال وتمضي حياتها على خير، وإما أن تختار لنفسها أحد الأمرين: الصبر أو الطلاق، والتحذير من طلب الطلاق إنما هو في حال أن يكون من غير سبب شرعي.
عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة"
رواه الترمذي (١١٨٧) وحسَّنه، وأبو داود (٢٢٢٦) وابن ماجه (٢٠٥٥) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15499
استغاثة من أم كان ابنها مستقيماً فوقع في الإلحاد !
[السُّؤَالُ]
ـ[فضيلة الشيخ أرجو أن يتسع صدرك لاستغاثتي في مصيبتي في ابني، وترشدني إلى الرأي الصواب بأسرع وقت ممكن: أنا عندي أربعة ذكور، أكبرهم عنده ٢٨ سنة، وآخرهم ٢١ سنة، ولقد ربيتهم على الالتزام والشرع، فنحن أسرة ملتزمة، وبيتنا وعمل زوجي أيضا منارة للدعوة الإسلامية، ولكن للأسف كان ابتلاؤنا في ابننا، ومصيبتنا في دينه، فالابن الكبير مهندس مرموق، وطموح جدّاً، وذكي جدّاً، ولكن للأسف فوجئنا به يكره الدين، والتزاماته، وتكاليفه الشرعية، ويتهمنا بأننا شاذون عن المجتمع؛ لحرصنا على عدم الاختلاط، وبدأ بإنكار السنَّة، والتهكم على أوامر الدين، وأتم كل هذا، وكانت الطامة الكبرى عندما اصطحبناه للعمرة عسى أن يهديه الله أنه لم يقم بها! ولا الصلاة في المسجد الحرام، وامتنع عن الصلاة نهائيّاً إلا صلاة الجمعة، يؤديها فقط إرضاء لنا، عرفنا وقتها أن ابننا ملحد، وعرفنا أنه أيضا ثقف نفسه من مواقع الإلحاد على النت، وهذا بحكم عمله أنه يعمل على الكمبيوتر، وحاولنا كثيراً معه بالإقناع، وجلس مع شيخ، وأدخلناه موقع " طريق الإيمان " ليحاور إخوة عندهم خبرة ودراية بالرد على الشبهات، واستمر معهم حوالي ٦ أشهر، ولكن لا فائدة، وعلمنا أنه يدرس هذا الأمر من أربع سنوات! والآن كلما واجهناه بالكفر ينكر ويقول: أنا مسلم اسماً وأمام الناس، ولا أشيع هذا الأمر، وهذا أمر يخصني، وأنا الذي سأحاسب، ويريد أن يتزوج مسلمة، ونحن أوقفنا زواجه، وامتنعنا أن نشاركه فيه، ولو حتى الخطبة؛ لأن الناس تنخدع بنا كملتزمين ويحسبوه كذلك، وهو يتهمنا بأننا السبب في هذا الحال الذي هو عليه من تشددنا، ويقول: أين دعاؤكم المستجاب؟ وأين الله الذي سيهديني؟ وقد عمل عمرة قبل ذلك ودعا الله فيها أن يهديه، هو يقول: لكل شيء سبب ملموس وعلمي، وأنا لا أرى الله وينكر.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله تعالى أن يُعظم لكم المثوبة، وأن يجزيكم خيراً على ما تقدمونه لأولادكم من عناية ورعاية، وتربية إسلامية، وقد لمسنا من خلال رسالتكم قيامكم بما أوجب الله تعالى عليكم تجاه الأمانة التي ائتمنكم عليها.
وخروج ابنكم عن طاعة ربه تعالى، ورضاه لنفسه بطريق الانحراف والضلال والإلحاد: لا ينبغي أن يسبب لكم قلقاً في أنكم مقصرون، أو تربيتكم لأولادكم هي السبب، كما قال ذلك الابن المنحرف، بل أنتم على خير عظيم، إن شاء الله، وغيركم ممن لم يفعل فعلكم هو المقصِّر في حق نفسه، وفي حق أولاده، فلا تلتفتوا لوساوس الشيطان، ولا يصدنكم كلام ابنكم عن الاستمرار في التربية الإسلامية لأولادكم، وفي البقاء على الالتزام بشرع الله تعالى.
واعلموا أنكم غير آثمين على ما وصل له حال ابنكم؛ لأنكم لم تقصروا في توجيهه، وتربيته على الإسلام، ومن كان هذا حاله: فإنه لا يأثم إن خرج بعض أفراد أسرته عن جادة الصواب، وإنما يأثم من كان مقصِّراً، أو مهملاً في رعاية أولاده والعناية بهم.
وها هو نوح ﵇ فقد رأينا ماذا حلَّ بابنه وامرأته، فقد هلكا مع الهالكين، ولم يألُ نوح ﵇ جهداً في دعوتهم وهدايتهم، ولم يستجيبا له، فعاقبهما الله، وكانا من المغرَقين.
ومثله يقال في امرأة لوط ﵇، ووالد إبراهيم ﵇، وأبي طالب عم النبي ﷺ ، فكل أولئك الأنبياء والرسل قد أدوا ما أمرهم الله تعالى به من الأمانة على أكمل وجهها، ولم يقصروا في حق أهليهم، ولكن القلوب بيد الله تعالى يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وما يضل إلا الفاسقين، قال الله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) البقرة/ ٢٧٢، وقال سبحانه: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) القصص/ ٥٦.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀ –:
يُخبر تعالى أنك يا محمد - وغيرك من باب أولى - لا تقدر على هداية أحد، ولو كان من أحب الناس إليك، فإن هذا أمر غير مقدور للخلق: هداية التوفيق، وخلق الإيمان في القلب، وإنما ذلك بيد الله سبحانه تعالى، يهدي من يشاء، وهو أعلم بمن يصلح للهداية فيهديه، ممن لا يصلح لها فيبقيه على ضلاله.
وأما إثبات الهداية للرسول في قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) : فتلك هداية البيان والإرشاد، فالرسول يبين الصراط المستقيم، ويرغِّب فيه، ويبذل جهده في سلوك الخلق له، وأما كونه يخلق في قلوبهم الإيمان، ويوفقهم بالفعل، فحاشا وكلا. " تفسيرالسعدي " (٦٢٠) .
وانظري جواب السؤال رقم: (١٢٠٥٣) .
واعلمي أيتها الأخت الفاضلة أن الحجة مقامة على ولدك، وليس هو في سن تستطيعون توجيهه والتحكم به، فليس أمامكم إلا الدعاء له بالهداية، فألحوا على ربكم تعالى، وأكثروا الدعاء له في أوقات السحَر، وفي السجود، فلعلَّ الله تعالى أن يستجيب لكم
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ / قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ثَلَاثُ دَعَوَات مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ) .
رواه الترمذي (١٩٠٥) وأبو داود (١٥٦٣) وابن ماجه (٣٨٦٢) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
قال العظيم آبادي – ﵀ –:
(دعوة الوالد) أي: لولده، أو عليه، ولم يذكر الوالدة؛ لأن حقها أكثر، فدعاؤها أولى بالإجابة.
" عون المعبود " (٤ / ٢٧٦) .
وقال المناوي – ﵀:
(ودعوة الوالد لولده) لأنه صحيح الشفقة عليه، كثير الإيثار له على نفسه، فلما صحت شفقته: استجيبت دعوته، ولم يذكر الوالدة مع أن آكدية حقها تؤذن بأقربية دعائها إلى الإجابة من الوالد؛ لأنه معلوم بالأولى.
" فيض القدير " (٣ / ٣٠١) .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀
(دعوة الوالد) في بعض ألفاظ الحديث (على ولده) ، وفي بعض ألفاظه مطلقة (الوالد) أي: سواء دعا لولده، أو عليه، وهذا هو الأصح، دعوة الوالد لولده، أو عليه مستجابة، أما دعوته لولده: فلأنه يدعو لولده شفقة، ورحمة، والراحمون يرحمهم الله ، وأما عليه: فإنه لا يمكن أن يدعو على ولده إلا باستحقاق، فإذا دعا عليه وهو مستحق لها: استجاب الله دعوته.
هذه ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، والمسافر، والوالد، سواء الأم، أو الأب.
" شرح رياض الصالحين " (٣ / ١٥٧) طبعة دار ابن الهيثم.
وقد بينا شروط الدعاء لكي يكون مستجاباً مقبولاً عند الله في جواب السؤال رقم (١٣٥٠٦)
وذكرنا أماكن وأوقات إجابة الدعاء في جواب السؤال رقم: (٢٢٤٣٨) .
فلينظرا.
وأما ما أنكم لا تساعدونه في أمر زواجه، ولا تذهبون معه إلى أحد، فهذا هو الواجب عليكم، ولو بقي على هذه الحال إلى آخر عمره؛ فالناس، كما قلت ـ أيتها السائلة الكريمة ـ سوف يغترون بحالكم، ويظنون أن ابنكم مثلكم، أو ـ على أقل حال ـ إن اختلف، أو ساء أمره، فلن يتصور أحد أنه قد بلغ هذا المبلغ.
نسأل الله أن يهدينا وإياكم سواء السبيل، وأن يصلح لنا أزواجنا وذرياتنا.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15500
ضربها زوجها وأخذ مهرها وامتنع عن رؤية ولدها
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت أحب أن أقول عن تجربتي وهي تتنافى مع أي حق من حقوق المرأة، والإنسان: فأنا أبلغ من العمر ٢٢ عاماً , تقدم لخطبتي رجل كان من وجهة نظري ناجحاً، وعنده دِين، وخلق. وبعد أربعة شهور من الزواج كان يضربني - وأنا حامل - ضرباً مميتاً، وطلب أبي الطلاق منه، بعدما رأينا منه ما لم ير أحد على الإطلاق من كل أنواع السوء، وأخذ كل شيء، وطلب الإبراء، وإلى الآن لم يطلب أن يرى ابنه، وهو يبلغ من العمر ٤ أشهر، فأين هو الإسلام؟ أين هو حقي؟ فهو أخذ كل شيء ولم يترك أي شيء حتى ابنه، لا يسأل عنه، ولا يبعث له بمال، والحمد لله أن أبى ميسور الحال، ويصرف علينا، الحمد لله، فأين حق المرأة في الإسلام؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أوجب الله تعالى على الزوجين أن يعاشر بعضهم بعضاً بالمعروف، وكما أن للزوج حقوقاً فإن للزوجة حقوقاً كذلك، قال تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) البقرة/من الآية٢٢٨.
وعلى الزوج أن يراعي طبيعة خلق المرأة، وأنه لن يجد زوجة يستمتع بها إلا ومعها من الخطأ ما معها، ومتى أراد أن يؤدبها على كل شيء، وأن يقومها من كل نقص أو خطأ، فلن يجد ـ في نهاية المطاف ـ إلا طلاقها!!
ولذا نبهه النبي ﷺ أنه إن كره منها خُلُقاً فإنه سيرضى منها آخر.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ) .
رواه البخاري (٣١٥٣) ومسلم (١٤٦٨) وفي لفظ عنده:
(إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – أيضاً - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ - أَوْ قَالَ: غَيْرَهُ -) . رواه مسلم (١٤٦٩) .
ومعنى " لا يفرَك " أي: لا يبغض.
ثانياً:
إننا لفي غاية العجب منك ومن زوجك، أما من زوجك: فلتلك المعاملة السيئة التي ذكرتيها لنا في سؤالك: من قسوة القلب، وسوء المعاملة، والضرب المبرح، فهذه ليست من أخلاق المسلمين، ولا من أخلاق ذوي المروءة من الرجال ولو كانوا كفاراً، فكيف وأنتِ تزعمين أنه ملتزم، ومستقيم على الطاعة؟! وإننا نسأله: مَنْ قُدوتك في هذه المعاملة؟ من هو أسوتك في تلك الأخلاق؟ من يملك مثل قلبك من الأنبياء والصحابة والتابعين وعلماء الإسلام الأجلاء وأهل الديانة والصيانة؟!!
وهل تعلم أنك لا تسيء لنفسك بتلك المعاملة الفظة فقط، بل تسيء لدينك واستقامتك وإخوانك الملتزمين بطاعة الله؟! هل تعلم أنك من المنفرين عن دين الله؟ .
يجب عليك أن تتقي الله ربك، وأن تعلم ما أوجب الله عليك فتفعله، وما نهاك عنه فتكف عنه، وأن تقف على أخلاق الإسلام فتتخلق بها، ومما أوجبه الله عليك: عشرة زوجتك بالمعروف، ونفقة ولدك التي تهربت منها، ومما نهاك عنه: ضربُ زوجتك المبرح، وأخذُك لمهرها من غير حق، ومن أخلاق الإسلام: الرأفة والرحمة بالأطفال عموما فكيف بأولادك؟! فأين أنت عن هذا كله؟ .
وأما عجبنا منكِ أيتها الأخت الكريمة: فهو سؤالك " أين الإسلام؟ "، " أين حق المرأة؟ "، فهل تظنين أن زوجك هو الإسلام؟ هل زوجك نبي من الأنبياء – حاشاهم من ذلك -؟ إنه فرد من المسلمين، يصيب ويخطئ، يطيع ويعصي، يضل ويهتدي، ليس هو معصوماً من الخطأ، ولا مبرأً من الإثم، ولا منزَّهاً عن الظلم والعدوان، فخطؤه على نفسه، وظلمه وعدوانه لم يأمره به الشرع، بل نهاه عنه وتوعده عليه بالعقوبة الشديدة. فليس هو الإسلام، ولا هو القرآن، ولا هو ممثل للإسلام، ولا ناطق باسمه، على حد تعبير الناس!!
وحق المرأة مكفول في شرع الله تعالى، ولن تجد النساء خيراً لهن من الإسلام يحفظ حقوقهن، ويرعى مشاعرهنَّ، ويكرمهن بناتٍ وأخوات وأمهات وجدات وزوجات، وهذه شرائع الأرض حولك، وهذه الأديان المحرفة أمامك انظري فيها لتعلمي الفرق العظيم بين المرأة في الإسلام وفي غيره.
وأما مخالفة هدي الإسلام من قبَل بعض أهله فهذا لا شأن له بالإسلام، إنما هي أخلاقهم وسلوكهم وانحرافاتهم، والإسلام منها براء
والظن بك أن سؤالك: أين الإسلام في تصرفات هذا المسكين؟!!
وأنت محقة في هذا السؤال، وإنه لمسكين والله، يستحق أن يرحم؛ ذلك الذي يُحَمِّل نفسه الضعيفة، فوق أوزارها وتفريطها في جنب ربها، مظالم العباد، وحقوق الخلق، ليوافي بها ربه يوم القيامة!!
وإذا كان ثمة ادعاء عندك على زوجك فيجب أن يثب ذلك أمام القضاء الشرعي، لتحصلي بعدها على حقوقك كاملة مستوفاة.
ولا يُقبل كلام أحد الطرفين دون سماع الآخر، وإذا استمع القاضي للشرعي لطرفي النزاع حكم بينهما بشرع الله تعالى بما لا يمكن أن يوجد له مثيل في الأرض في تحقيق العدل، وإعطاء أصحاب الحقوق حقوقهم.
فالذي ننصحك به هو:
١. الاستمرار في التفاهم مع زوجك من قبلك وقبَل أهلك لردعه عن باطله، والقيام بما أوجبه الله تعالى من حقوق.
٢. فإن لم ينفع هذا معه: فابحثوا عن شيخ له، أو رجل يحترمه ويقدِّره، واجعلوه واسطة بينكم وبينه للتحكيم بينكما.
٣. فإن لم ينفع هذا: فارفعي شكوى ضده في المحاكم الشرعية؛ لإثبات وقوع الضرر عليك منه؛ ولاستيفاء كامل حقوقك التي كفلها لك الشرع المطهَّر.
فإن كان لك حق عليه، كما هو ظاهر من رسالتك، وكان للولد الصغير حق على أبيه، كما هو مقرر في الشرع، بل وفي كل عقل وفطرة، ثم عجزت ـ رغم كل ذلك ـ عن أخذ حقك في الدنيا؛ فاعلمي ـ يا أمة الله ـ أن للعباد يوما يقفون فيه بين يدي اللملك الديان، ليعطي كل ذي حق حقه.
روى الإمام أحمد في مسنده (١٥٦١٢) من حديث عبد الله بن أُنيس، ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
(يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ قَالَ الْعِبَادُ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا قَالَ قُلْنَا وَمَا بُهْمًا قَالَ لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مِنْ قُرْبٍ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَةُ قَالَ قُلْنَا كَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا قَالَ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ!!) .
صححه الألباني في ظلال الجنة (٥١٤)
وفي صحيح البخاري (٢٤٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ، فحُمِلَ عَلَيْهِ) .
ونسأل الله تعالى أن يهديه ويصلحه، ونسأله تعالى أن يوفقكِ لما فيه رضاه، وأن يجمع بينكما على خير، إن كان في اجتماعكما خير لكما ولذريتكما، وأن يأجرك في مصابك هذا، ويخلف لك خيرا منه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15501
إذا سكن بجوار أهله ستقع مشاكل بينهم وبين زوجته
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الحكم في الذي يريد أن يسكن بجوار أهله مع علمه أن هذا سيجر مشاكل كبيرة بينهم وبين زوجته وكذلك سينغص على زوجته حياتها حيث إنهم كثيرو التدخل والعلاقة بينهم وبين زوجته ليست جيدة؟ وهل للزوجة الحق في اختيار مسكنها ومكانه ومن تجاور؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
سكنى الزوجة واجبة على زوجها؛ لأن الله تعالى جعل ذلك حقّاً للمطلقة الرجعية، فقال تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ) الطلاق/٦، فوجوب السكنى لمن هي في صلب النكاح أولى.
ولا يجوز للزوج أن يسكن زوجته مع امرأة أخرى، ولا مع أبويه إلا بإذنها، ولها أن تمتنع عن السكنى معهم إن لم ترض بذلك، إلا أن يكون قد اشترط عليها ذلك في عقد النكاح.
وفي جواب السؤال رقم (٧٦٥٣) تفصيل مفيد لكل ما سبق.
ثانياً:
الواجب على الزوج أن يهيئ لزوجته سكناً خاصّاً بمرافقه الكاملة، ولا يهم إن كان قريباً من أهله أم بعيداً.
لكن ... إذا كان الزوج يعلم أن سكنه قرب أهله سيسبب له ولزوجته ولأهله الأذى فالواجب عليه إبعاد الأذى عن الجميع بأن يسكن هو زوجته بعيداً عن أهله، فإن كان والداه كبيريْن وعاجزيْن ويحتاجان لأن يكون قريباً منهما: فليفعل ذلك دون أن يلزم زوجته بخدمتهما أو زيارتهما إن كان يترتب على الزيارة مشاكل وأذى لأحد الأطراف.
وينبغي على الزوج أن يستعمل حكمته في التعامل مع هذا الأمر إذ يمكنه الجمع بين القرب من والديه مع عدم حصول مشاكل بينهم وبين زوجته؛ وذلك بوضع ضوابط في الزيارة والمعاملة والتعامل بين جميع الأطراف، كما يمكنه أن يكون بعيداً عن أهله من غير أن يكون ذلك مؤذياً لوالديه؛ وذلك بكثرة التردد عليهم والنظر فيما يحتاجون وتلبية ما يستطيع تلبيته من مطالبهم.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15502
هل يأثم بطلاق زوجته التي كان لها علاقات سابقة قبل التوبة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب متزوج منذ ٣ سنوات بزوجة أقل مني سنّاً بسنة، ورزقت منها - والحمد لله - منذ سنتين ببنت، المشكلة أنه ليس هناك تفاهم بيننا، فنحن دائما في تصادم، حيث إنها عصبية وغالباً لا يعجبها أي شيء، وكثيرة الشكوى، ولا تتفاهم مع عائلتي، زد على ذلك أني أشكُ في ماضيها، فقد كانت قبل زواجنا تدخن، ومِن رواد الملاهي الليلية حين كانت طالبة جامعية، وقد اعترفت لي بذلك قبل الزواج وأكدت بأنها لم تتجاوز تلك الأمور، ومنذ سنة اكتشفت بالصدفة في أوراقها الخاصة شهادة طبية (يرجع تاريخها إلى سنة قبل الزواج) تثبت بأنها بكر فواجهتها وطلبت منها تبرير ذهابها للطبيب للحصول على هذه الشهادة إن كانت لا تشكُ في عذريتها فقالت: إنه قيل لها من قبَل بعض صديقاتها إنه إجراء روتيني تقوم به الفتاة لتفادي المشاكل التي قد تحصل ليلة الدخلة من قبل بعض الأزواج، ولكني لم أقتنع وبقيت أشكٌ بالأمر رغم تأكدي من عذريتها، وبسبب كثرة المشاكل التي بيننا وصعوبة التفاهم إلى جانب الشكٌ أصبحت أفكر جديّاً في الطلاق تجنباً للفتنة ورحمة لي ولها. وسؤالي هو: هل الطلاق في كل الأحوال حرام أم حلال؟ وفي حالتي هل أعتبر آثما إذا طلقت؟ . أرجو الإجابة الشافية، مع الشكر الجزيل لسعة صدوركم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الأصل في الطلاق أنه يخالف مقصود الشرع من الاجتماع بين الزوج وزوجته في بيتٍ واحدٍ بألفة ومودة، وقد امتن الله تعالى على الناس بهذه الألفة والمودة، وجعل ذلك من آياته ، بالإضافة إلى ما ينتج عن هذا الزواج من ذرية طيبة.
وقد دلَّت نصوص شرعية على أن التفريق بين الزوجين هو من أخس أفعال السحرة، قال تعالى – عن السحرة -: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) البقرة /، وهو من أعظم أفعال الشياطين التي تقربهم إلى إبليس، فعن جابر عن النبي ﷺ قال: " إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئاً، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقتُ بينه وبين أهله، فيدنيه منه، ويقول: نِعْم أنتَ ". رواه مسلم (٢٨١٣) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الأصل في الطلاق الحظر وإنما أبيح منه قدر الحاجة" اهـ مجموع الفتاوى (٣٣/٨١) .
لكن هذا لا يعني المنع من الطلاق أو حرمته، بل قد يكون واجباً، أو مستحبّاً، أو مباحاً، أو مكروهاً.
فيكون واجبا في أحوال، منها: إذا كان الدافع له أموراً تهدم الحياة الزوجية كتهاونها في عرضها وشرفها، أو عند العجز عن الإصلاح بينهما في حال وجود الشقاق، أو كان بالزوج عيبٌ يحول بين الحياة الزوجية وبين أدائها وظيفتها ككونه عنِّيناً أو مجبوباً، والزوجة تحتاج إلى العفاف. ويكون واجباً إن كان إمساكها بغير معروف، ولا يؤدي ما أوجبه الله عليه تجاهها.
ويكون الطلاق مستحباً: إذا كان الدافع له سوء أخلاق الزوجة، وتسببها في إيذاء زوجها أو أقاربه أو جيرانه بالقول أو بالفعل، أو كان الطلاق بسبب نفورها منه.
ويكون مباحاً: إذا أراد طلاقها للتزوج بأخرى وليس عنده قدرة على التعدد، أو بسبب نفورٍ طبيعي.
ويكون مكروهاً: إذا كان مع استقامة حالها وخلقها، وكان بينهما أولاد يخاف ضياعهم، أو كانت فقيرة أو غريبة عن بلدها.
ثانياً:
إننا نتعجب منك – أخي الفاضل – حيث تقول إن زوجتك قد اعترفت لك أنها كانت – قبل الزواج – من رواد الملاهي الليلية، وقد قبلتَ بها بعد أن تابت، ثم أغاظك أنك رأيت شهادة تثبت عذريتها! بل إن هذا يؤكد كلامها أنها لم تقع في الفاحشة الكبرى، وقد تكون صادقة في قولها أنها فحصت من أجل إثبات عذريتها لليلة الدخلة.
وعلى كل حال: إن كنتَ قبلتَ كلامها في أنها تابت وتركتْ جاهليتها خلف ظهرها: فإن هذه الشهادة لا ينبغي أن تغير من نظرتك لها، وهي – في أسوأ الأحوال – كانت في تلك الفترة التي كانت فيها ترتاد أماكن الفساد والانحراف.
وإن كنت لا زلت في شك من صدق توبتها، وترى أنه لا يمكن لحالك أن تستقيم معها، وسوف يبقى الشك ينغص عليك عيشك معها، لا سيما مع وجود المشاكل الأسرية، فالذي نراه لك أن تطلقها، وتحسن إليها، كما أمرك الله: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) البقرة/٢٢٩، ونسأل الله أن يغني كلا منكما من سعته، وأن يبدلك خيراً منها، ويبدلها خيراً منك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15503
اتهمه بعض زملائه بعِرضه فما عقوبتهم؟ وكيف يتصرف ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا مضاف في أحد القطاعات العسكرية، ولي فيه تقريبا ١٣ سنة، وفي أحد الأيام إذا أفاجأ وأندهش، وتصيبني الرعشة، ولم أستطع أن أصدِّق الذي يجري من حولي، حيث أطلق عليَّ إشاعة - والعياذ بالله العظيم منه، ومن أن أكون منهم – مفادها: (أني خنيث) !! ولا حول ولا قوة إلا بالله، مرَّت الأيام، والأشهر، وأنا لم أستطع أن أحرِّك ساكناً، والله العظيم أنني أتحسر على نفسي كل ثانية، وعلى ما وصلت إليه سمعتي التي كانت أعظم شيء في حياتي، علماً أنه كل يوم تنتشر الإشاعة، وتزيد إلى حد أني لا أستطع أن أتكلم مع الغير، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أين أجد الحل؟ وأنا كل ما كلمت أحداً يقول: تصبر، أو لا تجيب، وكيف العمل علماً أن عمري ٣٣ عاماً، ومتزوج، ولدي أولاد، ... وأقسم بالله العظيم قسماً أحاسب عليه يوم القيامة أني بريء من كل هذا، والله على ما أقول شهيد.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال بعض السلف: " ما على وجه الأرض شيء أَحوج إلى طول حَبْس من اللسان "! والحقيقة أنه محبوس في الفم، داخل بوابة الأسنان، وتطبق عليه بوابتان أخريان وهما الشفتان! ومع ذلك فإنه ينطلق رغم تلك الحراسة الشديدة فيوقع صاحبه في الإثم، وقد يوقعه في الكفر.
ومن نفائس الحكَم: " الكلام أسيرُك، فإذا خرج من فيكَ: صرتَ أنت أسيره ".
وقد جاء التحذير من إطلاق اللسان فيما حرَّم الله تعالى من الولوغ في أعراض الناس، وفي الغيبة، والنميمة، والسب، والقول على الله بغير علم، وعموم معاصي اللسان وآفاته.
قال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق/ ١٨.
وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ) .رواه البخاري (٦١٠٩) .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ) رواه البخاري (٦١١٣) .
وبخصوص الطعن في عرضكَ أخي السائل: اعلم أن الله تعالى يملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلته، وأنك تؤجر على صبرك وتحملك للأذى، وأنهم يأثمون، ويستحقون الحدَّ في الدنيا على قذفهم لك، ويستحقون العذاب في الآخرة، وهم من المفلسين الذين تؤخذ حسناتهم فتُعطى للمظلوم، ويؤخذ من سيئاته فتُلقى عليهم.
فما فعله أولئك من اتهامك بالفحشاء منكر من القول وزور، وقد ارتكبوا آثاماً عظيمة، ومن أبرزها: البهتان والقذف، والغِيبة، وكلها من كبائر الذنوب:
١. أما البهتان: فقد قال الله تعالى في التحذير منه: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) الأحزاب/ ٥٨.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ) رواه مسلم (٢٥٩٨)
وفي " الموسوعة الفقهية " (٢١ / ٢٧٠) :
البهتان في اللّغة: القذف بالباطل، وافتراء الكذب، وهو اسم مصدرٍ، فعله: بهَتَ، من باب نَفَع.
وفي الاصطلاح: أن يتكلّم خلف إنسانٍ مستورٍ بما ليس فيه.
انتهى
وفي (٣١ / ٣٣٠، ٣٣١) :
البهتان في اللّغة: القذف بالباطل وافتراء الكذب..، وفي الاصطلاح: ذكرك أخاك بما ليس فيه.
والفرق بين الغيبة والبهتان هو: أنّ الغيبة: ذِكر الإنسان في غَيبته بما يكره، والبهتان: وصفه بما ليس فيه، سواء أكان ذلك في غيبته أم في وجوده.
انتهى
٢. وأما القذف: فهو من كبائر الذنوب، وفيه الحد ثمانون جلدة، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) النور/٤-٥.
قال ابن كثير ﵀:
فأوجب على القاذف إذا لم يقم البينة على صحة ما قال ثلاثة أحكام: أحدها: أن يُجلد ثمانين جلدة، الثاني: أنه ترد شهادته أبداً، الثالث: أن يكون فاسقاً ليس بعدل لا عند الله، ولا عند الناس.
" تفسير ابن كثير " (٣ / ٢٩٢) .
وقال الحافظ ابن حجر ﵀:
وقد انعقد الإجماع على أن حكم قذف المحصن من الرجال حكم قذف المحصنة من النساء.
" فتح الباري " (١٢ / ١٨٨) .
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ. رواه مسلم (٢٥٨١) .
٣. وأما الغيبة: فتحريمها بيِّن في كتاب الله تعالى وفي سنة النبي ﷺ .
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
لي صديق كثيراً ما يتحدث في أعراض الناس , وقد نصحته ولكن دون جدوى , ويبدو أنها أصبحت عادة عنده , وأحيانا يكون كلامه في الناس عن حسن نية، فهل يجوز هجره؟ .
فأجاب:
الكلام في أعراض المسلمين بما يكرهون: منكر عظيم , ومن الغِيبة المحرمة، بل من كبائر الذنوب؛ لقول الله سبحانه: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) الحجرات / ١٢؛ ولما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أتدرون ما الغيبة؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم , فقال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: يا رسول الله إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته , وإن لم يكن فيه فقد بهَتَّه) .
وصح عنه ﷺ أنه (لما عرج به مر على قوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم , فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم) أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد جيد عن أنس ﵁ , وقال العلامة ابن مفلح: إسناده صحيح , قال: وخرَّج أبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة مرفوعا أن (من الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق) .
والواجب عليك وعلى غيرك من المسلمين عدم مجالسة من يغتاب المسلمين مع نصيحته والإنكار عليه؛ لقول النبي ﷺ : (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم في صحيحه، فإن لم يمتثل: فاترك مجالسته؛ لأن ذلك من تمام الإنكار عليه) .
" فتاوى الشيخ ابن باز " (٥ / ٤٠١، ٤٠٢) .
والذي ننصحك به: هو احتساب هذه المصيبة عند الله، والدفاع عن نفسك بتبرئتها أمام من سمعها، وبيان كذب وافتراء أولئك الأفاكين، ونظن أن ابتعادك عن مكان عملك وسكوتك عن بيان كذبهم قد يؤكد صحة كلامهم عند كثير من زملائك، وإذا رغبت بالانتقال من مكان عملك بعد تبرئة نفسك وتبيين كذبهم فلك ذلك، لكن لا تنتقل قبل ذلك، وننصحك أيضاً بتثبيت اتهامهم لك أمام القضاء الشرعي، والمطالبة بإقامة الحد عليهم.
سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – حفظه الله -:
شخصان اغتاب أحدهما الآخر، ليقع اللوم عليه، ويبرئ نفسه أمام الآخرين، لكن الشخص الثاني يخشى الله من آثام الغيبة، فمثلاً زوجان تشاجرا، واختلفا، فذهبت الزوجة لأهلها واغتابت زوجها بما حصل منه، وما فعله، وذلك أمام أهلها، ثم قام أهلها بدورهم يغتابون الرجل - زوج ابنتهم - أمام الآخرين، وهكذا إلى أن يفضحوا الرجل، سواء كان فيه هذا الشيء أو لم يكن فيه، لكن الرجل زوج المرأة لما سمع عن زوجته ما حصل منها من الغيبة والظلم منها ومن أهلها أمام الناس وسماعهم: أراد أن يدافع عن نفسه بالمثل، ويخبر الناس بما حصل منها، لكن خشي الله من آثام الغيبة والظلم، فهل يسكت ويسلم أمره إلى الله، ولا يبالي بما حصل؟ .
فأجاب:
لا شك أن الغيبة حرام، وهي ذكرك أخاك بما يكره، ولو كنت صادقاً فيما تقول، أما إن كذبت عليه بما ليس فيه: فهذا من البهتان العظيم، والظلم الكبير، وإثمه أكبر من إثم الغيبة، فعلى هذا يجوز للزوج أن يبرئ نفسه مما كذبوا عليه أمام الناس، حتى يعلم الجمهور عدم صحة ما قيل فيه، وتبرأ ساحته، ويصون عرضه عن الكذب؛ فإنه لو سكت: لصدَّق الناس ما نُسب إليه، وظنوه حقّاً، وانتشرت له سمعه سيئة، كما أن على من علم ذلك نصح الزوجة وأهلها عن مجرد الغيبة والكذب والبهتان، وعن إفشاء الأسرار بين الزوجين، وبيان أن هذا من الظن، والظن أكذب الحديث، وهكذا يجب السعي في الإصلاح بينهما، وجمع الكلمة، وإزالة ما في القلوب من الشحناء والعداوة والبغضاء، رجاء أن تصلح الحال، وتعود الصحبة كما كانت.
" اللؤلؤ المكين من فتاوى الشيخ ابن جبرين " (النكاح / السؤال ٣٥٩) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15504
كيف يتصرف مع زوجته التي وقعت في الحرام
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا متزوج منذ ١٠ سنوات، وعندي طفلان، وفي آخر أسبوع من رمضان الماضي استلمت رسالة بطريق الخطأ على هاتفي المحمول وعند قراءة الرسالة وجدتها مبعوثة من هاتف زوجتي لرجل آخر وبسؤال زوجتي أنكرت بشدة عجيبة لدرجة أنني كنت على وشك تصديقها ولكن بحثت بوسائلي الخاصة واستطعت الحصول على معلومات كاملة عن هذا الشخص وبمواجهتها بكل المعلومات التي لدى اعترفت لي ولوالدتها بمعرفتها بهذا الشخص منذ شهر ونصف وأنها كانت تجري معه اتصالات هاتفية أثناء تواجدي في عملي وأنها أحضرته إلى منزلي مرتين، في المرة الأولى لم يحدث سوى قبلات لكن المرة الثانية هي التي حدث فيها حيث إنها قالت إن الرجل قال لها إنه يعاني من عجز جنسي وإنه يريد أن يجرب نفسه معها ليطمأن على نفسه فوافقت وعندما تقابلا معا كان بالفعل عاجزا جنسيا حيث لم يحدث انتصاب وأمضيا الوقت في الملامسة والمداعبة. كل ذلك هي روته في حضور والدتها ثم في حضور والدي ووالدتي وهي الآن تقول إن هذا الحدث لم يتم إلا مرة واحدة فقط وإنها تابت توبة نصوحا لله وهي الآن محافظة على الصلوات الخمس حيث إنها تقضي ما يقارب ٣٠ دقيقة في صلاة العشاء وتطلب مني أن أسامحها وتبقى معي مع أولادها وهي تقسم أن ما حدث حدث وهى مشلولة العقل وأنها تحبني وما تحب رجلا سواي. أنا الآن في حيرة لا أستطيع تصديقها وكلما ذهبت إلى عملي تقتلني الظنون والشكوك. دلني دلكم الله على الخير ماذا أفعل؟ هل أطلقها أم ماذا أفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله تعالى أن يأجرك في هذا المصاب العظيم، وأن يحفظك ويحفظ أهلك من كل سوء، وأن يرد عنكما أهل الشر والفساد، العابثين بالأعراض، المستهترين بالحرمات.
ولكَم شعرنا بالمرارة والألم ونحن نقرأ هذه الحادثة الأليمة، والمصيبة العظيمة، نسأل الله أن يلطف بك، ويخفف عنك، ويجعل لك من هذا الضيق مخرجا وفرجا.
وأما سؤالك عن المخرج من هذه الحيرة، والخلاص من هذه الظنون والشكوك، فإن جوابنا: أن تلجأ إلى الله تعالى، وأن تنطرح بين يديه، ليدلك على الصواب، ويرشدك إلى السداد، وأن تفتش في حالك، فربما أذنبت ذنبا كبيرا عوقبت به، فبادر بالتوبة والأوبة، وأقبل على عبادتك وطاعتك، فإن الله تعالى ولي المؤمنين، يدافع عنهم وينصرهم، ويرد عنه كيد الكائدين ومكر الماكرين.
وتأمل في حال زوجك، فإن رأيت فيها صلاحا وانكسارا وتوبة وندما، فأمسكها، فلعل الله أراد بها خيرا، وعجَّل فضيحتها، لتتوب إليه، وتزداد تقربا منه. وكم من عاص، تاب فحسنت توبته، وتُقبلت أوبته، فبدل الله سيئاته حسنات، وغفر له الزلات والخطيئات، رحمةً منه وفضلا، وجوداً منه وكرما، سبحانه ما أعظمه، وما أحلمه، وما أكرمه. وهو القائل: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
والقائل: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) النساء/٢٧.
والقائل: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) الشورى/٢٥.
والقائل: (يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ) حديث قدسي رواه مسلم (٢٥٧٧) .
فإن أمسكتها، فاحبس عنها وسائل الشر والفساد التي قد تعيدها إلى ما كانت عليه، أو تفتح لها باب الفساد مرة أخرى، ولك أن تمنعها من الاتصال في غيبتك، أو أن يكون لها جوال خاص، حتى تطمئن إلى حالها، وصدق توبتها.
وإن لم تطمئن إلى صدقها، أو شعرت أن الظنون تفسد عليك عيشك، وتشتت عليك أمرك، وأن الحياة لن تستقيم بينكما بالمعروف بعدها، فسرحها بإحسان، ولا تفضح لها سرا، ولا تهتك لها سترا: (وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) رواه مسلم (٢٦٩٩) .
نسأل الله أن يحفظنا وإياك والمسلمين من كل سوء.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15505
تأمر الناس بالصلاة وهي لا تصلي إلا أمامهم فقط !
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا معلمة وأحرص على تعليم طالباتي الصلاة ولكني لا أصلي إلا أمام الناس مع يقيني بأهمية الصلاة وكذلك دائماً أقول للخادمة إذا دخل وقت الصلاة اتركي العمل، واذهبي صلِّي، وأنا لا أصلي! وأتكاسل فبماذا تنصحني]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا نستطيع توصيف حالتك بما يطابق واقعها، لكننا نأمل أن لا يستمر حالك كما هو الآن، ونرى أن عندكِ خيراً عظيماً، ولا بدَّ لك من تنميته واستثماره؛ لئلا تضيع حياتك فتلقي ربك تعالى ولم تصلحي من شأنك وحالك.
وخير ما ننصحك به في إهمالك للصلاة هو كتاب الله تعالى وسنَّة نبيه ﷺ ، فتنبهي لما سنذكره من الآيات والأحاديث وكلام أهل العلم لتعلمي عِظم الإثم الذي يلحقك ويثقل كاهلك.
واعلمي أن ترك الصلاة كفر مخرج من الإسلام، فكيف ترضين لنفسك أن تكوني في سلك أولئك الذين استحقوا غضب الله تعالى وسخطه؟ واحذري من تزيين الشيطان لفعلك بأن تركك للصلاة ليس جحوداً، إذ لا فرق بين من يتركها كسلاً أو يتركها جحوداً، فكلاهما تارك وجاحد، والجحود ليس بالقلب فقط، بل هو بالقلب والجوارح، وليس ترك الصلاة معصية يُستغفر من تركها ويُتاب من عدم أدائها، بل يلزم من تركها الدخول في الإسلام بالشهادتين، أو تجديد إسلامه بأداء الصلاة، ومن أذكار الصلاة الواجبة: الشهادتان.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
الذي كان يصلي ثم يترك الصلاة لشهر أو شهرين أو أكثر، ثم يهديه الله تعالى إلى سبيل الهدى والحق- هل عليه القضاء أم لا؟ .
فأجابوا:
مَن ترك الصلاة لشهر، أو شهرين، أو أقل، أو أكثر: فعليه أن يجدد إسلامه، وأن يتوب إلى الله توبةً نصوحاً، ويندم على ما فات؛ لأن ترك الصلاة بالكلية كفر أكبر، ويشرع له أن يكثر من نوافل الطاعات، والتضرع بين يدي الله سبحانه، لعل الله أن يعفو عنه، ويتجاوز عما سلف، وأن يقبل توبته، فالتوبة تجب ما قبلها، ولا يلزمه القضاء.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٥ / ٤٤) المجموعة الثانية.
وقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -:
الصلاة ركن من أركان الإسلام، بل هي آكدُ أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي عمود الإسلام، وهي الفارقة بين المؤمن والكافر، كما قال ﷺ : (بين العبد وبينَ الكُفرِ والشِّركِ: تركُ الصلاة) .
والمرأة التي لا تصلِّي: إن كانت لا ترى وجوب الصلاة عليها: فهي كافرة بإجماع أهل العلم، وإن كانت ترى وجوبها وتركتها تكاسُلاً: فإنها تكفر على الصحيح من قولي العلماء.
فعلى هذا لا يصحُّ للمسلم أن يتزوَّجها، وإذا كان قد تزوَّجها: فلا يجوز له إمساكها؛ لقوله تعالى: (وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) الممتحنة/ ١٠، وقوله تعالى: (وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) البقرة/ ٢٢١.
" المنتقى من فتاوى الفوزان " (١ / ١٠٢، السؤال ٥٣) .
وقد تكلمنا على تارك الصلاة وحكمه في أجوبة عديدة، وبإمكانك الاطلاع على تفاصيلها في قسم تارك الصلاة، من التصنيف الموضوعي.
ثانياً:
قد وقعتِ في أمرٍ آخر جلل، وهو ترك العمل بما تنصحين به غيرك! وكان الواجب عليك الالتفات لنفسك لإنقاذها من النار، ومن سخط العزيز القهَّار.
قال الله ﵎: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) البقرة/٤٤.
قال ابن كثير – ﵀ –:
قال ابن جريج: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ) أهل الكتاب، والمنافقون، كانوا يأمرون الناس بالصوم، والصلاة، وَيَدَعُونَ العملَ بما يأمرون به الناس، فعيَّرهم الله بذلك، فمن أمر بخير: فليكن أشد الناس فيه مسارعة.
" تفسير ابن كثير " (١ / ٢٤٦) .
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀ –:
(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ) أي: بالإيمان، والخير، (وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) أي: تتركونها عن أمرها بذلك، والحال: (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) وأسمى العقل عقلاً؛ لأنه يعقل به ما ينفعه من الخير، وينعقل به عما يضره؛ وذلك أن العقل يحث صاحبه أن يكون أول فاعل لما يأمر به، وأول تارك لما ينهى عنه، فمَن أمر غيره بالخير ولم يفعله، أو نهاه عن الشر فلم يتركه: دل على عدم عقله، وجهله، خصوصا إذا كان عالِماً بذلك، قد قامت عليه الحجة.
وهذه الآية وإن كانت نزلت في سبب بني إسرائيل: فهي عامة لكل أحد؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) ، وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به أنه يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين، وإلا فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمر غيره، ونهيه، وأمر نفسه، ونهيها، فترك أحدهما لا يكون رخصة في ترك الآخر، فإن الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين، والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر: فليس في رتبة الأول، وهو دون الأخير، وأيضاً فإن النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قولُه فعلَه، فاقتداؤهم بالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة.
" تفسير السعدي " (ص ٥١) .
وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : (يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ، مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ) .
رواه البخاري (٣٠٩٤) ومسلم (٢٩٨٩) .
(فتندلق) : تخرج وتنصب بسرعة، (أقتابه) : جمع قتب، وهي الأمعاء والأحشاء، (برحاه) : حجر الطاحون التي يديرها.
والذي نوصيك به هو الاستمرار بنصح الناس في أمر الصلاة، مع الاهتمام بإقامتها من قبَلك، وأدائها في وقتها، بصدق وإخلاص.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
أضطر أحيانا إلى إمامة أهل قريتي، وأكثر الأحيان أخطب الجمعة من كتاب خطابة، ولي - والحمد لله - مكانة في قلوب الناس، ومع ذلك يتغلب عليَّ شيطاني وأتبع هوى نفسي، وأشعر بضيق عندما أرتكب أي معصية؛ لأنني أعرف الخطأ، ورغم ذلك أقع فيه، وآمر الناس بالبعد عن الخطيئة، وأنا أفعلها، وأنا أعرف جيِّداً قول الله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) .
فأجابوا:
نوصيك بالاستمرار في وعظ أهل قريتك، والاستزادة من العلم الشرعي ما أمكنك ذلك، والبعد عن المعاصي، ومجاهدة النفس على ذلك، والحرص على أن يطابق قولُك عملَك ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، والله سبحانه يقول: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت/ ٦٩، مع التوبة النصوح مما سبق.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ٢٦٩، ٢٧٠) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15506
كيف يكمل أعماله ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[مشكلتي أني لا أستطيع إكمال أي عمل أبدأ به، سواء كنت شرعت فيه فعلا، أم نويته، وسواء كان هذا العمل متعلقا بعباداتي، أم بحياتي الدنيوية، دائما في منتصف الطريق أقطع ما كنت أقوم به. أرجو الإفادة، وشكرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليست المشكلة في التوجيه والإرشاد، فالأمر الذي تعاني منه أمر سلوكي، يقتضي حلا وعلاجا عمليا، لا يُكتفى فيه بالكلمات الوعظية أو النصيحة اللفظية.
فأول ما ينبغي عليك سلوكه لتجاوز هذا الخلل هو بكل وضوح: " الاستمرار حتى إكمال العمل "، ولعل تجربة أولى ناجحة تحفزك نحو إنجاز جميع أعمالك على وجه الكمال، ويمكنك أن تستعين على ذلك بأمرين اثنين:
١- تقسيم العمل إلى مراحل صغيرة متقاربة، كي يكون ذلك أنشط لإتمام كل مرحلة على حدة، والمجاهدة حتى بلوغ المرحلة الأخيرة، فالنفس تستثقل الأعمال الكبيرة الطويلة، ولا بد أن تستعين عليها بالتقسيم والتجزئة والمرحلية في الإنجاز.
٢- اختيار الأعمال القصيرة السريعة والبدء بها لإنجازها، فالنبي ﷺ يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ! خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ) رواه البخاري (٥٨٦١) ومسلم (٧٨٢) ، ويقول ﷺ : (أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ) رواه البخاري (٦٤٦٤) ، ومسلم (٧٨٣) ، يقول الإمام النووي ﵀: " أي: تطيقون الدوام عليه بلا ضرر، وفيه دليل على الحث على الاقتصاد في العبادة، واجتناب التعمق، وليس الحديث مختصا بالصلاة، بل هو عام في جميع أعمال البر " انتهى.
"شرح النووي على مسلم" (٦/٧٠-٧١) .
وننصحك بمراجعة بعد الكتب والدراسات التربوية، والاستفادة منها في هذا المجال، ومنها:
الفتور: أسبابه وعلاجه، للشيخ د. ناصر العمر، عجز الثقات للشيخ د. محمد موسى الشريف.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15507
أخته تحادث رجلاً أجنبيّاً ووالداها لا ينكران عليها فماذا يفعل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[شخص له أخت تكلم شابّاً على الهاتف، ونصحها، فلم تستجب، فقال لأبويهما، فلم يُنكرا عليها، وهو لا يحب الدياثة، وهو غيور جدّاً، فماذا يمكن أن يفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
"الغيْرة من الغرائز البشريّة الّتي أودعها الله في الإنسان تبرز كلّما أحسّ شركة الغير في حقّه بلا اختيار منه، أو يرى المؤمن حرمات الله تنتهك.
والغيرة على حقوق الآدميّين الّتي أقرّها الشّرع مشروعة، ومنها غيرة الرّجل على زوجته أو محارمه، وتَرْكُها مذمومٌ، قال النّبيّ ﷺ : (أتعجبون من غيْرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير منّي) وفي رواية: (إنّه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير منّي) .
وإنّما شرعت الغيرة لحفظ الأنساب، وهو من مقاصد الشّريعة، ولو تسامح النّاس بذلك لاختلطت الأنساب، لذا قيل: كلّ أمّة وُضعَت الغيْرة في رجالها: وُضعَت الصّيانة في نسائها، واعتبر الشّارع من قتل في سبيل الدّفاع عن عرضه شهيداً، ففي الحديث: (من قتل دون أهله فهو شهيد) .
ومَن لا يغار على أهله ومحارمه: يُسمَّى: " ديّوثاً "، والدّياثة من الرّذائل الّتي ورد فيها وعيد شديد، وما ورد فيه وعيد شديد يعدّ من الكبائر عند كثير من علماء الإسلام، جاء في الحديث: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاقّ لوالديه، والمرأة المترجّلة، والدّيّوث) - رواه النسائي (٢٥٦١) وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي.
انتهى من " الموسوعة الفقهية " (٣١ / ٣٢١ - ٣٢٣) مختصراً.
وقال ابن القيم ﵀:
"أصل الدِّين: الغيرة، ومَن لا غيْرة له: لا دين له، فالغيرة تحمي القلب، فتحمي له الجوارح، فتدفع السوء والفواحش، وعدم الغيرة: تميت القلب، فتموت الجوارح، فلا يبقى عندها دفع البتة، ومَثَل الغيرة في القلب مَثَل القوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة وَجد الداءُ المحلَّ قابلاً، ولم يجد دافعاً، فتمكَّن، فكان الهلاك" انتهى.
" الجواب الكافي " (ص ٤٥) .
فنحن مع هذا الأخ السائل الذي لا يزال قلبه حيّاً، ولا تزال الغيرة تجد مكاناً لها في قلبه، ونحثه على التمسك بها.
ثانياً:
حتى ينجح في حل مشكلة أخته: عليه أولاً أن يبحث في الأسباب الدافعة لها لأن تفعل هذه المعصية، وتتجرأ على محادثة رجل أجنبي في بيت أهلها، ونحن نرى أن من أسباب فعل تلك المعصية:
١. الفراغ العاطفي، فقد تكون محرومة من عطف أمها، أو والدها، أو منهما جميعاً، ثم وجدت ذلك الذئب الذي أوهمها بأنه من يستطيع إشباع تلك العاطفة.
٢. ضعف الإيمان، ولو أن هذه الأخت عرفت الله تعالى بأسمائه وصفاته، وعرفت ما يترتب على المعاصي من أوزار: لتوقفت عن المعصية، أو لكان ذلك حائلاً بينها وبين فعلها ابتداء.
٣. فراغ الوقت، فكثير من الفتيات تجد الفراغ في يومها وليلتها لأن تقرأ روايات الحب والعشق، ولأن تطالع الفضائيات، وتحادث في الهاتف، ولو أنها شُغلت بما ينفعها من أعمال: لضاقت عليها ساعات يومها.
٤. النظر إلى المحرمات، وهو ما يهيِّج الشهوة، ويدعو لتقليد تلك الممثلة الفاجرة، أو تجرب تلك التجربة المفعمة بعاطفة الحب والغرام.
٥. الخلوة، وهي الداء القاتل، والتي تمكِّن الشيطان من أن يكون أنيسها، وونيسها، في وحدتها.
٦. التمكين من أجهزة الاتصالات، وهو سبب مباشر لفعل معصية المحادثة والتعرف على ذلك الرجل الأجنبي.
وعلاج المشكلة يحتاج من ذلك الأخ أن يفكِّر في هذه الأسباب – وقد يكون هناك غيرها – ويحاور عقلاء أهله لعلاجها أو القضاء عليها، من غير إحداث شرٍّ أكبر منه.
ثالثاً:
ننصح الأخ السائل أن يوجِّه رسائل تذكرة لأخته، كتابية كانت أو شفوية، ولتكن محتوية على المسائل التالية:
١. أنها ستصبح بتلك المحادثات المحرَّمة سلعة رخيصة عند ذلك الذئب، وأنه لا يتزوج هؤلاء بمثلك؛ لأنهم يخافون من خيانتك لهم! .
٢. أنك بتلك المحادثات تلطخين سمعتك وسمعة ومكانة أهلك في المجتمع.
٣. أنها بتلك المحادثات سيزداد عندها بغض الخير والطاعة، وسيزداد عندها حب الشر والمعصية.
٤. أنها ستصل لمرحلة كراهية الأهل والتفكير في هجرهم.
٥. وليوجَّه لها هذا السؤال: " هل تقبلين هذا لابنتك؟ "، ماذا لو أن ابنتك أحبَّت شخصاً، وبدأت بمراسلته والحديث معه، هل تعلمين كيف ستكون حياتك لو أن ذلك الذئب سلبها عرضها – لا قدَّر الله – فتفكري في نفسك أن تكوني أنت الضحية، وتفكري في حال أهلك كيف سيكون لو أنك تستمرين في الحديث مع ذلك الذئب.
والذي ننصح بفعله في مثل هذه الحالة:
١. مداومة النصح لها، وعدم اليأس من هدايتها.
٢. تعريفها على صاحبات الخير والصلاح من بنات جنسها.
٣. تحريك الوالدين تجاهها، لنصحها، وتذكيرها، والأخذ على يدها.
٤. مكالمة ذلك الذئب الفاسد، وتخويفه، وتهديده.
٥. التعجل في تزويجها.
٦. الحرص على دعاء الله تعالى أن يهديها، ويجنبها الفتن.
هذا ما نراه، ونسأل الله تعالى أن يوفق أخاها لما فيه رضاه، وأن يهدي أخته لما يحب ويرضى، وأن يحبب إليا الإيمان ويزينه في قلبها، وأن يبغِّض إليها الكفر والفسوق والعصيان، وأن يجعلها من الراشدين.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15508
هل يزوج ابنته لمن يريد حفل زفاف بالموسيقى ولا يصلي جماعة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز لأب تزويج ابنته لرجل صاحب سلوك حسن، يصر على إقامة حفل زفافه بالموسيقى، مع أنه عالم بتحريمها، وهو من المصلين الذين لا يحرصون على أداء الصلاة جماعة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جاء الشرع وأمر المسلم أن يحسن عبادته لله، ويحسن معاملته للناس.
وصاحب السلوك الحسن هو الذي يقوم بالأمرين معاً، فيعبد الله تعالى وحده لا شريك له، ويطيعه ولا يعصيه، ويحسن إلى الناس، فيصدق معهم، ويكرمهم ولا يظلمهم ... إلخ.
فوصف هذا الرجل بأن سلوكه حسن غير صحيح، حتى وإن كان سلوكه حسناً مع الناس، فالله تعالى أحق بأن يطاع ولا يعصى، وأحق بأن يستحيا منه، فكيف يكون هذا الرجل صاحب سلوك حسن وهو يصر على معصية الله تعالى!
أما الموسيقى فقد حرمها الله تعالى، وانظر أدلة تحريمها في جواب السؤال رقم (٥٠٠٠) وأما صلاة الرجل جماعة في المسجد، فهي واجبة، ما لم يكن له عذر من شغل ضروري لا يمكن تأجيله أو مرض أو نوم ونحو ذلك.
والواجب على ولي المرأة أن يختار لها زوجاً صالحاً، صاحب دين وخلق.
قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
"إذا كان الخاطب مرضيّاً في دينه وخُلُقه، بأن كان متمسكاً بدينه، متحليّاً بآداب الإسلام وأخلاقه: فينبغي إتمام الخطوبة، وإن كان غير ذلك: فلا يجوز إتمام الخطوبة، ويجب فسخها" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٨ / ٦٨) .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
إذا كان الخاطب لا يصلي مع الجماعة: فهذا فاسقٌ، عاصٍ الله ورسوله، مخالفٌ لما أجمع المسلمون عليه من كون الصلاة جماعة من أفضل العبادات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (ص ٢٢٢ ج ٢٣) من " مجموع الفتاوى ": اتفق العلماء على أنها - أي: صلاة الجماعة - من أوكد العبادات، وأجلِّ الطاعات، وأعظم شعائر الإسلام " ا. هـ كلامه رحمه الله تعالى، ولكن هذا الفسق لا يخرجه من الإسلام، فيجوز أن يتزوج بمسلمة، لكن غيره من ذوي الاستقامة على الدين والأخلاق: أولى منه، وإن كانوا أقلَّ مالاً وحسباً، كما جاء في الحديث: (إذا أتاكم من ترضون دِينه وخلُقه فأنكحوه) قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه؟ قال: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه) ثلاث مرات، أخرجه الترمذي، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) .
ففي هذين الحديثين دليل على أنه ينبغي أن يكون أولى الأغراض بالعناية والاهتمام: الدِّين، والخلُق، من الرجل والمرأة، واللائق بالولي الذي يخاف الله تعالى ويرعى مسؤوليته أن يهتم ويعتني بما أرشد إليه النبي ﷺ ؛ لأنه مسؤول عن ذلك يوم القيامة، قال الله تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) ، وقال: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ. فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) " انتهى.
" فتاوى الشيخ العثيمين " (١٢ / جواب السؤال رقم ٣١) .
وعلى هذا؛ ينصح الأب بأن يبحث لابنته عن زوج أحسن حالاً من هذا الرجل الذي يصر على المحرم.
لكن إذا كانت البنت محتاجة للزواج وخشي الأب أن لا يتقدم لابنته أفضل من هذا الرجل، لاسيما مع تقدم سن البنت، فزواجها من هذا الرجل خير لها من بقائها بلا زوج، أو قد تضطر بعد ذلك لقبول من هو أسوأ حالاً من هذا الرجل، فلا مانع في هذه الحال من قبول ذلك الرجل وتزويجه، لكن مع استمرار نصحه بتقوى الله تعالى، والصلاة جماعة في المسجد، والإصرار على عدم إقامة حقل الزفاف بالموسيقى أو غير ذلك مما حرم الله.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15509
دخل بزوجته فوجدها ثيباً
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد تزوجتُ على أساس أنها بكر، فدخلتُ بها ووجدتها ثيباً، فطلقتُها، وأخذت منهم المهر الذي أعطيتهم إياه، مع العلم أنها أقرَّت في تلك الليلة أن أباها وأمها يعلمون هذا، ويريدون أن يدلسوا عليَّ لعله لن ينتبه لذلك، وأقرت بأن زوج خالتها هو الذي فعل بها تلك الفعلة الشنيعة، وهو الذي توسط لنا بينهم. هل عليَّ شيء في هذا؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن فاحشة الزنا من أعظم الفواحش التي جاءت الشريعة الإسلامية بالتحذير منها، وقد شرع الله تعالى أحكاماً كثيرة ليُحال دون الوصول إلى تلك الفاحشة، فحرَّم النظر إلى الأجنبيات، ومسهن، والخلوة بهن، وحرَّم سفر المرأة وحدها، وغير ذلك مما يقطع الطريق على الشيطان أن يزيِّن تلك الفاحشة لأحدٍ من المسلمين، ثم شرع الله تعالى حدوداً عظيمة بحق مرتكب هذه الفاحشة، فشرع الجلد مائة جلدة للزاني والزانية غير المحصنين، وشرع الرجم بالحجارة حتى الموت لمن أُحصن منهما.
وقد ارتكبت تلك الزوجة وزوج خالتها إثماً عظيماً بزناهما، واستحقا الإثم والوعيد الوارد في حق الزناة، فعليهما التوبة والاستغفار والندم على ما فات.
ثانياً:
أما بخصوص كتمان الزوجة وأهلها لذهاب بكارتها: فهو غير مخالف للشرع؛ لأن الله تعالى يحب السِّتر، ويجازي خيراً عليه، ولا يلزم الزوجة أن تخبر زوجها بذهاب بكارتها إن كانت قد فقدتها بوثبة أو حيضة شديدة أو بزنا تابت منه.
وهذه بعض فتاوى لعلماء اللجنة الدائمة، والشيخ ابن باز ﵀ في هذه المسألة:
١. سئل علماء اللجنة الدائمة:
مسلمة تعرضت لحادثة في الصغر فقد منها غشاء البكارة، وقد تم عقد زواجها، ولم يتم البناء بعد، وحالة أخرى تعرضت لنفس الحادث، والآن يتقدم لها إخوة ملتزمون للخطبة والزواج، وهما في حيرة من أمرهما، أيهما أفضل: المتزوجة تخبر زوجها قبل البناء، أو تكتم هذا الخبر، والتي لم تتزوج بعد هل تستر هذا الأمر خشية أن ينتشر عنها ويظن بها سوء، وهذا كان في الصغر، وكانت غير مكلفة، أم هذا يعتبر من الغش والخيانة، هل تخبر من تقدم إليها أم لا لأجل العقد؟ .
فأجابوا:
لا مانع شرعا من الكتمان، ثم إذا سألها بعد الدخول أخبرته بالحقيقة.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٩ / ٥) .
٢. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
فإذا ادَّعت أنَّها زالت البكارة في أمر غير الفاحشة: فلا حرج عليه، أو بالفاحشة ولكنها ذكرت له أنها مغصوبة ومكرهة: فإن هذا لا يضره أيضاً، إذا كانت قد مضى عليها حيضة بعد الحادث، أو ذكرت أنها تابت وندمت، وأن هذا فعلته في حال سفهها وجهلها ثم تابت وندمت: فإنه لا يضره، ولا ينبغي أن يشيع ذلك، بل ينبغي أن يستر عليها، فإن غلب على ظنه صدقها واستقامتها: أبقاها، وإلا طلقها مع الستر، وعدم إظهار ما يسبب الفتنة والشرّ.
" فتاوى الشيخ ابن باز " (٢٠ / ٢٨٦، ٢٨٧) .
ثالثاً:
إذا اشترط الزوج أن تكون الزوجة بكراً وبانت بخلاف ذلك فله الحق في فسخ العقد، فإن كان ذلك قبل الدخول فلا شيء لها من المهر، وإن كان بعد الدخول، فإن كانت هي التي خدعته ردَّت إليه المهر، وإن كان الذي خدعه هو وليها أو غيره دفع المهر للزوج.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
لو شرط أحد الزوجين في الآخر صفةً مقصودة، كالمال، والجمال، والبكارة، ونحو ذلك: صح ذلك، وملك المشترِط الفسخ عند فواته في أصح الروايتين عن أحمد، وأصح وجهي الشافعي، وظاهر مذهب مالك، والرواية الأخرى: لا يملك الفسخ إلا في شرط الحرية والدِّين.
" مجموع الفتاوى " (٢٩ / ١٧٥) .
وقال ابن القيم ﵀:
إذا اشترط السلامة، أو شرط الجمال: فبانت شوهاء، أو شرطها شابة حديثة السن: فبانت عجوزاً شمطاء، أو شرطها بيضاء: فبانت سوداء، أو بكراً: فبانت ثيِّباً: فله الفسخ في ذلك كله.
فإن كان قبل الدخول: فلا مهر لها، وإن كان بعده: فلها المهر، وهو غُرم على وليِّها إن كان غرَّه، وإن كانت هي الغارَّة سقط مهرها، أو رجع عليها به إن كانت قبضته، ونص على هذا أحمد في إحدى الروايتين عنه، وهو أقيسهما، وأولاهما بأصوله فيما إذا كان الزوج هو المشترِط.
" زاد المعاد " (٥ / ١٨٤، ١٨٥) .
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
إذا زالت بكارة المرأة بوطء مشروع أو غير مشروع، فما الحكم الشرعي إذا عَقَدَ رجلٌ عليها في حالتين:
الحالة الأولى: إذا اشترط البكارة.
والحالة الثانية: إذا لم يشترط البكارة، فهل له حق الفسخ أم لا؟ .
فأجاب:
المعروف عند الفقهاء: أن الإنسان إذا تزوج امرأة على أنها بكر، ولم يشترط أن تكون بكراً: فإنه لا خيار له؛ وذلك لأن البكارة قد تزول بعبث المرأة بنفسها، أو بقفزة قوية تُمَزِّق البكارة، أو بإكراه على زنا، فما دام هذا الاحتمال وارداً: فإنه لا فسخ للرجل إذا وجدها غير بكر.
أما إذا اشترط أن تكون بكراً: فإن وجدها غير بكر: فله الخيار.
" لقاءات الباب المفتوح " (٦٧ / السؤال رقم ١٣) .
وعلى هذا؛ فإذا كنت اشترطت عليهم أن تكون بكراً، فلك لحق في استرداد المهر.
أما إذا كنت لم تشترط ذلك، فلك أن تطلقها إن شئت إذا لم تطب نفسك بالعيش معها، ولكن لا حق لك في المهر.
وإن كنا نختار لك أن تبقيها وتستر عليها إن كانت قد تابت توبة نصوحا واستقامت.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15510
تحرَّش بها أخوها جنسيّاً! وأهلها يريدونها قبول اعتذاره، فماذا تفعل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة عمري ٢٠، مرة من المرات وثبت من نومي ووجدت أخي الذي يصغرني بثلاث سنوات يتلمس جسدي! ولما رأيته طردته، وأخذت أبكي وأرتجف لمدة ساعة، ثم نمت، واستيقظت الظهر، وبلَّغت أختي، وأختي بلغت والدي، وكان عقاب أبي لأخي أن ترك له الدور الثالث، وكان يطلع ويروح كل مكان، وعنده الكمبيوتر، والتلفزيون، والتلفون، لا أعتقد أن هذا العقاب سيردعه، وأمي تقول: أنا مالي شغل فيه، هذا أبوه وهو يربيه، وكان قراري الذي أتعب أمي وأبي وأهلي أني لا أكلمه، ولا أجلس معه، ولا أركب معه في السيارة ولا حتى أنظر في وجهه، والنتيجة: أبي وأمي قالوا لي: " أخوكِ راح يعتذر منك، وأنت لازم تسامحينه ". أنا في صراع مع نفسي، هل أوافق وأقبل اعتذاره؟ علماً أنه إلى الآن لم يتب، ولا يصلي، ويسمع الأغاني، والله أعلم بما أخفى. أنا أستحي أشوف أبي، وأمي، وأخواتي، وعلى طول أنا في داري وأبكي. أرشدني يا شيخي ماذا أعمل؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن أشد ما يؤلم النفس ويقض مضجعها: أن يأتي الشرُّ والبلاء ممن يؤمن جانبه، وأن يَفتح باب المنكر مَن كان مكلفاً بإغلاقه، ويتحول الحامي - والمفترض أن يكون أميناً - إلى خائن آثم، والسبب في هذا كله: هو انتكاس الفطرة، والابتعاد عن الالتزام بشريعة الرب .
فمما لا يخفى على كل عاقل أن الأخ مطالب بحماية أخته، والذود عنها، وحماية عرضها وشرفها، وربما يكون ذلك سبباً لفقدان حياته في الدفاع عن عرض أخته وشرفها، فكيف يُتصور أو يُعقل أن يكون ذئباً يهتك عرضها؟ ! .
إن ما ذكرتيه أمر خطير، والواجب عليك الحذر من أخيك، ومن وقوعه فيما هو أشد مما فعل!
والذي ننصح أهلك – أولاً - بفعله:
١. أن يبيِّنوا شناعة جرمه، وأنه من المفترض أن يكون حامياً لعرضه، مدافعاً عنه، لا هاتكاً له، وأن عقوبة هذا الفعل – لو أنه لا قدَّر الله وقع -: القتل على كل حال.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
"ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن الرجل إذا زنى بمحارمه: وجب قتله بكل حال، يعني لو زنى الإنسان - والعياذ بالله - بأخته: وجب أن يقتل بكل حال، وإن زنى بابنته: فكذلك، وإن زنى بزوجة أبيه: وجب قتله، ولو لم يتزوج، يعني: ولو كان بكراً؛ لأن هذا أعظم من الزنى بغير ذوات المحارم" انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٧ / ٢٩٦) .
وقال ابن قيم الجوزية ﵀ في التعليق على عقوبة قتل من وقع على ذات محرَم -:
"وهذا الحكم على وِفق حكم الشارع؛ فإن المحرَّمات كلما تغلظت: تغلظت عقوباتها، ووطء من لا يباح بحال: أعظم جُرماً مِن وطء مَن يباح في بعض الأحوال، فيكون حدُّه أغلظ" انتهى.
" زاد المعاد " (٥ / ٣٦) .
٢. وعلى أهلك – وبخاصة والدك – مسئولية عظيمة تجاه ترك أخيك للصلاة، فترك الصلاة كفر أكبر، وكيف يقبل أهل يلتزمون الإسلام بوجود ابن لهم يجمع بين الكفر وارتكاب المنكرات في أعراضهم ثم يكون موقف الأم إلقاء التبعة على الأب، ويكون موقف الأب الاكتفاء بالاعتذار؟! فالواجب عليهما أن يأخذا الأمر بجدية أكبر، وأن يعلما أن الأمر ليس بالهزل، وهم لو رأوا ابنهم يحترق رأس أصبعه بالنار لفدوه بأنفسهم! فما بالهم يرضون له نار جهنم خالداً فيها أبداً إن مات على حاله هذا؟! .
٣. الحرص على تزويجه، وتعجيل ذلك ما أمكن، وهي وصية النبي ﷺ للشباب، وبالزواج يحفظ المسلم بصره، ويحفظ فرجه.
٤. اختيار صحبة صالحة له، تدله على الخير وتعينه عليه، وتحذره من الشر وتمنعه منه.
٥. تشجيعه على الإكثار من الصوم؛ وإبعاده عن كل ما يثير الشهوة، كمشاهدة الأفلام، والنظر في المجلات التي تحتوي صور نساء فاتنات.
وأما أنتِ فننصحك بما يلي:
١. احرصي على ألا تجتمعي به منفردة في مكان واحد، إلا أن يتوب توبة نصوحاً، فيندم، ويعزم على عدم العود لفعله.
٢. عدم التهاون في لباسك أمامه، وردعه بقوة إن نظر إليك نظر ريبة، وعدم السماح له بذِكر ألفاظ تزيل الحواجز بينك وبينه، وعدم السماح له بالممازحة المريبة.
٣. احرصي على التزوج؛ لتعجلي من خروجك من البيت الذي هو فيه.
٤. أكثري من الدعاء والالتجاء إلى الله أن يصرف عنك كل شر.
٥. ليست المسألة مسألة اعتذار، فلا تقبلي منه هذا حتى لو كان هذا طلب والديك، بل الواجب عليه التوبة، والندم، وأن يظهر ذلك عليه في سلوكه، فإن حصل منه هذا: فيقبل اعتذاره، وإلا فلا.
ونحن نشعر بالألم الذي أصابك، فاستعيني بالله تعالى على تجاوزه، وليكن درساً لك ولغيرك بضرورة الالتزام بالشرع في اللباس، والنوم، واليقظة، وفي كل حياة المسلم، ولا تعيشي مع هذا الألم فتتركي الطاعة، وتضيعي وقتك بالبكاء، بل جدِّي واجتهدي في العبادة، وطلب العلم، وحفظ القرآن، وعسى الله أن ييسر لك زوجاً صالحا عمَّا قريب.
وانظري أجوبة الأسئلة: (١٠٣٦٢) و (١٣٨٠٩) و (٢٧١٥٢) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →