Полный текст (16 344 стр.). Показаны 15506–15545 · переход к 15511.
стр. 15506
كيف يكمل أعماله ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[مشكلتي أني لا أستطيع إكمال أي عمل أبدأ به، سواء كنت شرعت فيه فعلا، أم نويته، وسواء كان هذا العمل متعلقا بعباداتي، أم بحياتي الدنيوية، دائما في منتصف الطريق أقطع ما كنت أقوم به. أرجو الإفادة، وشكرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليست المشكلة في التوجيه والإرشاد، فالأمر الذي تعاني منه أمر سلوكي، يقتضي حلا وعلاجا عمليا، لا يُكتفى فيه بالكلمات الوعظية أو النصيحة اللفظية.
فأول ما ينبغي عليك سلوكه لتجاوز هذا الخلل هو بكل وضوح: " الاستمرار حتى إكمال العمل "، ولعل تجربة أولى ناجحة تحفزك نحو إنجاز جميع أعمالك على وجه الكمال، ويمكنك أن تستعين على ذلك بأمرين اثنين:
١- تقسيم العمل إلى مراحل صغيرة متقاربة، كي يكون ذلك أنشط لإتمام كل مرحلة على حدة، والمجاهدة حتى بلوغ المرحلة الأخيرة، فالنفس تستثقل الأعمال الكبيرة الطويلة، ولا بد أن تستعين عليها بالتقسيم والتجزئة والمرحلية في الإنجاز.
٢- اختيار الأعمال القصيرة السريعة والبدء بها لإنجازها، فالنبي ﷺ يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ! خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ) رواه البخاري (٥٨٦١) ومسلم (٧٨٢) ، ويقول ﷺ : (أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ) رواه البخاري (٦٤٦٤) ، ومسلم (٧٨٣) ، يقول الإمام النووي ﵀: " أي: تطيقون الدوام عليه بلا ضرر، وفيه دليل على الحث على الاقتصاد في العبادة، واجتناب التعمق، وليس الحديث مختصا بالصلاة، بل هو عام في جميع أعمال البر " انتهى.
"شرح النووي على مسلم" (٦/٧٠-٧١) .
وننصحك بمراجعة بعد الكتب والدراسات التربوية، والاستفادة منها في هذا المجال، ومنها:
الفتور: أسبابه وعلاجه، للشيخ د. ناصر العمر، عجز الثقات للشيخ د. محمد موسى الشريف.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15507
أخته تحادث رجلاً أجنبيّاً ووالداها لا ينكران عليها فماذا يفعل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[شخص له أخت تكلم شابّاً على الهاتف، ونصحها، فلم تستجب، فقال لأبويهما، فلم يُنكرا عليها، وهو لا يحب الدياثة، وهو غيور جدّاً، فماذا يمكن أن يفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
"الغيْرة من الغرائز البشريّة الّتي أودعها الله في الإنسان تبرز كلّما أحسّ شركة الغير في حقّه بلا اختيار منه، أو يرى المؤمن حرمات الله تنتهك.
والغيرة على حقوق الآدميّين الّتي أقرّها الشّرع مشروعة، ومنها غيرة الرّجل على زوجته أو محارمه، وتَرْكُها مذمومٌ، قال النّبيّ ﷺ : (أتعجبون من غيْرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير منّي) وفي رواية: (إنّه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير منّي) .
وإنّما شرعت الغيرة لحفظ الأنساب، وهو من مقاصد الشّريعة، ولو تسامح النّاس بذلك لاختلطت الأنساب، لذا قيل: كلّ أمّة وُضعَت الغيْرة في رجالها: وُضعَت الصّيانة في نسائها، واعتبر الشّارع من قتل في سبيل الدّفاع عن عرضه شهيداً، ففي الحديث: (من قتل دون أهله فهو شهيد) .
ومَن لا يغار على أهله ومحارمه: يُسمَّى: " ديّوثاً "، والدّياثة من الرّذائل الّتي ورد فيها وعيد شديد، وما ورد فيه وعيد شديد يعدّ من الكبائر عند كثير من علماء الإسلام، جاء في الحديث: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاقّ لوالديه، والمرأة المترجّلة، والدّيّوث) - رواه النسائي (٢٥٦١) وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي.
انتهى من " الموسوعة الفقهية " (٣١ / ٣٢١ - ٣٢٣) مختصراً.
وقال ابن القيم ﵀:
"أصل الدِّين: الغيرة، ومَن لا غيْرة له: لا دين له، فالغيرة تحمي القلب، فتحمي له الجوارح، فتدفع السوء والفواحش، وعدم الغيرة: تميت القلب، فتموت الجوارح، فلا يبقى عندها دفع البتة، ومَثَل الغيرة في القلب مَثَل القوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة وَجد الداءُ المحلَّ قابلاً، ولم يجد دافعاً، فتمكَّن، فكان الهلاك" انتهى.
" الجواب الكافي " (ص ٤٥) .
فنحن مع هذا الأخ السائل الذي لا يزال قلبه حيّاً، ولا تزال الغيرة تجد مكاناً لها في قلبه، ونحثه على التمسك بها.
ثانياً:
حتى ينجح في حل مشكلة أخته: عليه أولاً أن يبحث في الأسباب الدافعة لها لأن تفعل هذه المعصية، وتتجرأ على محادثة رجل أجنبي في بيت أهلها، ونحن نرى أن من أسباب فعل تلك المعصية:
١. الفراغ العاطفي، فقد تكون محرومة من عطف أمها، أو والدها، أو منهما جميعاً، ثم وجدت ذلك الذئب الذي أوهمها بأنه من يستطيع إشباع تلك العاطفة.
٢. ضعف الإيمان، ولو أن هذه الأخت عرفت الله تعالى بأسمائه وصفاته، وعرفت ما يترتب على المعاصي من أوزار: لتوقفت عن المعصية، أو لكان ذلك حائلاً بينها وبين فعلها ابتداء.
٣. فراغ الوقت، فكثير من الفتيات تجد الفراغ في يومها وليلتها لأن تقرأ روايات الحب والعشق، ولأن تطالع الفضائيات، وتحادث في الهاتف، ولو أنها شُغلت بما ينفعها من أعمال: لضاقت عليها ساعات يومها.
٤. النظر إلى المحرمات، وهو ما يهيِّج الشهوة، ويدعو لتقليد تلك الممثلة الفاجرة، أو تجرب تلك التجربة المفعمة بعاطفة الحب والغرام.
٥. الخلوة، وهي الداء القاتل، والتي تمكِّن الشيطان من أن يكون أنيسها، وونيسها، في وحدتها.
٦. التمكين من أجهزة الاتصالات، وهو سبب مباشر لفعل معصية المحادثة والتعرف على ذلك الرجل الأجنبي.
وعلاج المشكلة يحتاج من ذلك الأخ أن يفكِّر في هذه الأسباب – وقد يكون هناك غيرها – ويحاور عقلاء أهله لعلاجها أو القضاء عليها، من غير إحداث شرٍّ أكبر منه.
ثالثاً:
ننصح الأخ السائل أن يوجِّه رسائل تذكرة لأخته، كتابية كانت أو شفوية، ولتكن محتوية على المسائل التالية:
١. أنها ستصبح بتلك المحادثات المحرَّمة سلعة رخيصة عند ذلك الذئب، وأنه لا يتزوج هؤلاء بمثلك؛ لأنهم يخافون من خيانتك لهم! .
٢. أنك بتلك المحادثات تلطخين سمعتك وسمعة ومكانة أهلك في المجتمع.
٣. أنها بتلك المحادثات سيزداد عندها بغض الخير والطاعة، وسيزداد عندها حب الشر والمعصية.
٤. أنها ستصل لمرحلة كراهية الأهل والتفكير في هجرهم.
٥. وليوجَّه لها هذا السؤال: " هل تقبلين هذا لابنتك؟ "، ماذا لو أن ابنتك أحبَّت شخصاً، وبدأت بمراسلته والحديث معه، هل تعلمين كيف ستكون حياتك لو أن ذلك الذئب سلبها عرضها – لا قدَّر الله – فتفكري في نفسك أن تكوني أنت الضحية، وتفكري في حال أهلك كيف سيكون لو أنك تستمرين في الحديث مع ذلك الذئب.
والذي ننصح بفعله في مثل هذه الحالة:
١. مداومة النصح لها، وعدم اليأس من هدايتها.
٢. تعريفها على صاحبات الخير والصلاح من بنات جنسها.
٣. تحريك الوالدين تجاهها، لنصحها، وتذكيرها، والأخذ على يدها.
٤. مكالمة ذلك الذئب الفاسد، وتخويفه، وتهديده.
٥. التعجل في تزويجها.
٦. الحرص على دعاء الله تعالى أن يهديها، ويجنبها الفتن.
هذا ما نراه، ونسأل الله تعالى أن يوفق أخاها لما فيه رضاه، وأن يهدي أخته لما يحب ويرضى، وأن يحبب إليا الإيمان ويزينه في قلبها، وأن يبغِّض إليها الكفر والفسوق والعصيان، وأن يجعلها من الراشدين.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15508
هل يزوج ابنته لمن يريد حفل زفاف بالموسيقى ولا يصلي جماعة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز لأب تزويج ابنته لرجل صاحب سلوك حسن، يصر على إقامة حفل زفافه بالموسيقى، مع أنه عالم بتحريمها، وهو من المصلين الذين لا يحرصون على أداء الصلاة جماعة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جاء الشرع وأمر المسلم أن يحسن عبادته لله، ويحسن معاملته للناس.
وصاحب السلوك الحسن هو الذي يقوم بالأمرين معاً، فيعبد الله تعالى وحده لا شريك له، ويطيعه ولا يعصيه، ويحسن إلى الناس، فيصدق معهم، ويكرمهم ولا يظلمهم ... إلخ.
فوصف هذا الرجل بأن سلوكه حسن غير صحيح، حتى وإن كان سلوكه حسناً مع الناس، فالله تعالى أحق بأن يطاع ولا يعصى، وأحق بأن يستحيا منه، فكيف يكون هذا الرجل صاحب سلوك حسن وهو يصر على معصية الله تعالى!
أما الموسيقى فقد حرمها الله تعالى، وانظر أدلة تحريمها في جواب السؤال رقم (٥٠٠٠) وأما صلاة الرجل جماعة في المسجد، فهي واجبة، ما لم يكن له عذر من شغل ضروري لا يمكن تأجيله أو مرض أو نوم ونحو ذلك.
والواجب على ولي المرأة أن يختار لها زوجاً صالحاً، صاحب دين وخلق.
قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
"إذا كان الخاطب مرضيّاً في دينه وخُلُقه، بأن كان متمسكاً بدينه، متحليّاً بآداب الإسلام وأخلاقه: فينبغي إتمام الخطوبة، وإن كان غير ذلك: فلا يجوز إتمام الخطوبة، ويجب فسخها" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٨ / ٦٨) .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
إذا كان الخاطب لا يصلي مع الجماعة: فهذا فاسقٌ، عاصٍ الله ورسوله، مخالفٌ لما أجمع المسلمون عليه من كون الصلاة جماعة من أفضل العبادات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (ص ٢٢٢ ج ٢٣) من " مجموع الفتاوى ": اتفق العلماء على أنها - أي: صلاة الجماعة - من أوكد العبادات، وأجلِّ الطاعات، وأعظم شعائر الإسلام " ا. هـ كلامه رحمه الله تعالى، ولكن هذا الفسق لا يخرجه من الإسلام، فيجوز أن يتزوج بمسلمة، لكن غيره من ذوي الاستقامة على الدين والأخلاق: أولى منه، وإن كانوا أقلَّ مالاً وحسباً، كما جاء في الحديث: (إذا أتاكم من ترضون دِينه وخلُقه فأنكحوه) قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه؟ قال: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه) ثلاث مرات، أخرجه الترمذي، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) .
ففي هذين الحديثين دليل على أنه ينبغي أن يكون أولى الأغراض بالعناية والاهتمام: الدِّين، والخلُق، من الرجل والمرأة، واللائق بالولي الذي يخاف الله تعالى ويرعى مسؤوليته أن يهتم ويعتني بما أرشد إليه النبي ﷺ ؛ لأنه مسؤول عن ذلك يوم القيامة، قال الله تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) ، وقال: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ. فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) " انتهى.
" فتاوى الشيخ العثيمين " (١٢ / جواب السؤال رقم ٣١) .
وعلى هذا؛ ينصح الأب بأن يبحث لابنته عن زوج أحسن حالاً من هذا الرجل الذي يصر على المحرم.
لكن إذا كانت البنت محتاجة للزواج وخشي الأب أن لا يتقدم لابنته أفضل من هذا الرجل، لاسيما مع تقدم سن البنت، فزواجها من هذا الرجل خير لها من بقائها بلا زوج، أو قد تضطر بعد ذلك لقبول من هو أسوأ حالاً من هذا الرجل، فلا مانع في هذه الحال من قبول ذلك الرجل وتزويجه، لكن مع استمرار نصحه بتقوى الله تعالى، والصلاة جماعة في المسجد، والإصرار على عدم إقامة حقل الزفاف بالموسيقى أو غير ذلك مما حرم الله.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15509
دخل بزوجته فوجدها ثيباً
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد تزوجتُ على أساس أنها بكر، فدخلتُ بها ووجدتها ثيباً، فطلقتُها، وأخذت منهم المهر الذي أعطيتهم إياه، مع العلم أنها أقرَّت في تلك الليلة أن أباها وأمها يعلمون هذا، ويريدون أن يدلسوا عليَّ لعله لن ينتبه لذلك، وأقرت بأن زوج خالتها هو الذي فعل بها تلك الفعلة الشنيعة، وهو الذي توسط لنا بينهم. هل عليَّ شيء في هذا؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن فاحشة الزنا من أعظم الفواحش التي جاءت الشريعة الإسلامية بالتحذير منها، وقد شرع الله تعالى أحكاماً كثيرة ليُحال دون الوصول إلى تلك الفاحشة، فحرَّم النظر إلى الأجنبيات، ومسهن، والخلوة بهن، وحرَّم سفر المرأة وحدها، وغير ذلك مما يقطع الطريق على الشيطان أن يزيِّن تلك الفاحشة لأحدٍ من المسلمين، ثم شرع الله تعالى حدوداً عظيمة بحق مرتكب هذه الفاحشة، فشرع الجلد مائة جلدة للزاني والزانية غير المحصنين، وشرع الرجم بالحجارة حتى الموت لمن أُحصن منهما.
وقد ارتكبت تلك الزوجة وزوج خالتها إثماً عظيماً بزناهما، واستحقا الإثم والوعيد الوارد في حق الزناة، فعليهما التوبة والاستغفار والندم على ما فات.
ثانياً:
أما بخصوص كتمان الزوجة وأهلها لذهاب بكارتها: فهو غير مخالف للشرع؛ لأن الله تعالى يحب السِّتر، ويجازي خيراً عليه، ولا يلزم الزوجة أن تخبر زوجها بذهاب بكارتها إن كانت قد فقدتها بوثبة أو حيضة شديدة أو بزنا تابت منه.
وهذه بعض فتاوى لعلماء اللجنة الدائمة، والشيخ ابن باز ﵀ في هذه المسألة:
١. سئل علماء اللجنة الدائمة:
مسلمة تعرضت لحادثة في الصغر فقد منها غشاء البكارة، وقد تم عقد زواجها، ولم يتم البناء بعد، وحالة أخرى تعرضت لنفس الحادث، والآن يتقدم لها إخوة ملتزمون للخطبة والزواج، وهما في حيرة من أمرهما، أيهما أفضل: المتزوجة تخبر زوجها قبل البناء، أو تكتم هذا الخبر، والتي لم تتزوج بعد هل تستر هذا الأمر خشية أن ينتشر عنها ويظن بها سوء، وهذا كان في الصغر، وكانت غير مكلفة، أم هذا يعتبر من الغش والخيانة، هل تخبر من تقدم إليها أم لا لأجل العقد؟ .
فأجابوا:
لا مانع شرعا من الكتمان، ثم إذا سألها بعد الدخول أخبرته بالحقيقة.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٩ / ٥) .
٢. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
فإذا ادَّعت أنَّها زالت البكارة في أمر غير الفاحشة: فلا حرج عليه، أو بالفاحشة ولكنها ذكرت له أنها مغصوبة ومكرهة: فإن هذا لا يضره أيضاً، إذا كانت قد مضى عليها حيضة بعد الحادث، أو ذكرت أنها تابت وندمت، وأن هذا فعلته في حال سفهها وجهلها ثم تابت وندمت: فإنه لا يضره، ولا ينبغي أن يشيع ذلك، بل ينبغي أن يستر عليها، فإن غلب على ظنه صدقها واستقامتها: أبقاها، وإلا طلقها مع الستر، وعدم إظهار ما يسبب الفتنة والشرّ.
" فتاوى الشيخ ابن باز " (٢٠ / ٢٨٦، ٢٨٧) .
ثالثاً:
إذا اشترط الزوج أن تكون الزوجة بكراً وبانت بخلاف ذلك فله الحق في فسخ العقد، فإن كان ذلك قبل الدخول فلا شيء لها من المهر، وإن كان بعد الدخول، فإن كانت هي التي خدعته ردَّت إليه المهر، وإن كان الذي خدعه هو وليها أو غيره دفع المهر للزوج.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
لو شرط أحد الزوجين في الآخر صفةً مقصودة، كالمال، والجمال، والبكارة، ونحو ذلك: صح ذلك، وملك المشترِط الفسخ عند فواته في أصح الروايتين عن أحمد، وأصح وجهي الشافعي، وظاهر مذهب مالك، والرواية الأخرى: لا يملك الفسخ إلا في شرط الحرية والدِّين.
" مجموع الفتاوى " (٢٩ / ١٧٥) .
وقال ابن القيم ﵀:
إذا اشترط السلامة، أو شرط الجمال: فبانت شوهاء، أو شرطها شابة حديثة السن: فبانت عجوزاً شمطاء، أو شرطها بيضاء: فبانت سوداء، أو بكراً: فبانت ثيِّباً: فله الفسخ في ذلك كله.
فإن كان قبل الدخول: فلا مهر لها، وإن كان بعده: فلها المهر، وهو غُرم على وليِّها إن كان غرَّه، وإن كانت هي الغارَّة سقط مهرها، أو رجع عليها به إن كانت قبضته، ونص على هذا أحمد في إحدى الروايتين عنه، وهو أقيسهما، وأولاهما بأصوله فيما إذا كان الزوج هو المشترِط.
" زاد المعاد " (٥ / ١٨٤، ١٨٥) .
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
إذا زالت بكارة المرأة بوطء مشروع أو غير مشروع، فما الحكم الشرعي إذا عَقَدَ رجلٌ عليها في حالتين:
الحالة الأولى: إذا اشترط البكارة.
والحالة الثانية: إذا لم يشترط البكارة، فهل له حق الفسخ أم لا؟ .
فأجاب:
المعروف عند الفقهاء: أن الإنسان إذا تزوج امرأة على أنها بكر، ولم يشترط أن تكون بكراً: فإنه لا خيار له؛ وذلك لأن البكارة قد تزول بعبث المرأة بنفسها، أو بقفزة قوية تُمَزِّق البكارة، أو بإكراه على زنا، فما دام هذا الاحتمال وارداً: فإنه لا فسخ للرجل إذا وجدها غير بكر.
أما إذا اشترط أن تكون بكراً: فإن وجدها غير بكر: فله الخيار.
" لقاءات الباب المفتوح " (٦٧ / السؤال رقم ١٣) .
وعلى هذا؛ فإذا كنت اشترطت عليهم أن تكون بكراً، فلك لحق في استرداد المهر.
أما إذا كنت لم تشترط ذلك، فلك أن تطلقها إن شئت إذا لم تطب نفسك بالعيش معها، ولكن لا حق لك في المهر.
وإن كنا نختار لك أن تبقيها وتستر عليها إن كانت قد تابت توبة نصوحا واستقامت.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15510
تحرَّش بها أخوها جنسيّاً! وأهلها يريدونها قبول اعتذاره، فماذا تفعل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة عمري ٢٠، مرة من المرات وثبت من نومي ووجدت أخي الذي يصغرني بثلاث سنوات يتلمس جسدي! ولما رأيته طردته، وأخذت أبكي وأرتجف لمدة ساعة، ثم نمت، واستيقظت الظهر، وبلَّغت أختي، وأختي بلغت والدي، وكان عقاب أبي لأخي أن ترك له الدور الثالث، وكان يطلع ويروح كل مكان، وعنده الكمبيوتر، والتلفزيون، والتلفون، لا أعتقد أن هذا العقاب سيردعه، وأمي تقول: أنا مالي شغل فيه، هذا أبوه وهو يربيه، وكان قراري الذي أتعب أمي وأبي وأهلي أني لا أكلمه، ولا أجلس معه، ولا أركب معه في السيارة ولا حتى أنظر في وجهه، والنتيجة: أبي وأمي قالوا لي: " أخوكِ راح يعتذر منك، وأنت لازم تسامحينه ". أنا في صراع مع نفسي، هل أوافق وأقبل اعتذاره؟ علماً أنه إلى الآن لم يتب، ولا يصلي، ويسمع الأغاني، والله أعلم بما أخفى. أنا أستحي أشوف أبي، وأمي، وأخواتي، وعلى طول أنا في داري وأبكي. أرشدني يا شيخي ماذا أعمل؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن أشد ما يؤلم النفس ويقض مضجعها: أن يأتي الشرُّ والبلاء ممن يؤمن جانبه، وأن يَفتح باب المنكر مَن كان مكلفاً بإغلاقه، ويتحول الحامي - والمفترض أن يكون أميناً - إلى خائن آثم، والسبب في هذا كله: هو انتكاس الفطرة، والابتعاد عن الالتزام بشريعة الرب .
فمما لا يخفى على كل عاقل أن الأخ مطالب بحماية أخته، والذود عنها، وحماية عرضها وشرفها، وربما يكون ذلك سبباً لفقدان حياته في الدفاع عن عرض أخته وشرفها، فكيف يُتصور أو يُعقل أن يكون ذئباً يهتك عرضها؟ ! .
إن ما ذكرتيه أمر خطير، والواجب عليك الحذر من أخيك، ومن وقوعه فيما هو أشد مما فعل!
والذي ننصح أهلك – أولاً - بفعله:
١. أن يبيِّنوا شناعة جرمه، وأنه من المفترض أن يكون حامياً لعرضه، مدافعاً عنه، لا هاتكاً له، وأن عقوبة هذا الفعل – لو أنه لا قدَّر الله وقع -: القتل على كل حال.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
"ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن الرجل إذا زنى بمحارمه: وجب قتله بكل حال، يعني لو زنى الإنسان - والعياذ بالله - بأخته: وجب أن يقتل بكل حال، وإن زنى بابنته: فكذلك، وإن زنى بزوجة أبيه: وجب قتله، ولو لم يتزوج، يعني: ولو كان بكراً؛ لأن هذا أعظم من الزنى بغير ذوات المحارم" انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٧ / ٢٩٦) .
وقال ابن قيم الجوزية ﵀ في التعليق على عقوبة قتل من وقع على ذات محرَم -:
"وهذا الحكم على وِفق حكم الشارع؛ فإن المحرَّمات كلما تغلظت: تغلظت عقوباتها، ووطء من لا يباح بحال: أعظم جُرماً مِن وطء مَن يباح في بعض الأحوال، فيكون حدُّه أغلظ" انتهى.
" زاد المعاد " (٥ / ٣٦) .
٢. وعلى أهلك – وبخاصة والدك – مسئولية عظيمة تجاه ترك أخيك للصلاة، فترك الصلاة كفر أكبر، وكيف يقبل أهل يلتزمون الإسلام بوجود ابن لهم يجمع بين الكفر وارتكاب المنكرات في أعراضهم ثم يكون موقف الأم إلقاء التبعة على الأب، ويكون موقف الأب الاكتفاء بالاعتذار؟! فالواجب عليهما أن يأخذا الأمر بجدية أكبر، وأن يعلما أن الأمر ليس بالهزل، وهم لو رأوا ابنهم يحترق رأس أصبعه بالنار لفدوه بأنفسهم! فما بالهم يرضون له نار جهنم خالداً فيها أبداً إن مات على حاله هذا؟! .
٣. الحرص على تزويجه، وتعجيل ذلك ما أمكن، وهي وصية النبي ﷺ للشباب، وبالزواج يحفظ المسلم بصره، ويحفظ فرجه.
٤. اختيار صحبة صالحة له، تدله على الخير وتعينه عليه، وتحذره من الشر وتمنعه منه.
٥. تشجيعه على الإكثار من الصوم؛ وإبعاده عن كل ما يثير الشهوة، كمشاهدة الأفلام، والنظر في المجلات التي تحتوي صور نساء فاتنات.
وأما أنتِ فننصحك بما يلي:
١. احرصي على ألا تجتمعي به منفردة في مكان واحد، إلا أن يتوب توبة نصوحاً، فيندم، ويعزم على عدم العود لفعله.
٢. عدم التهاون في لباسك أمامه، وردعه بقوة إن نظر إليك نظر ريبة، وعدم السماح له بذِكر ألفاظ تزيل الحواجز بينك وبينه، وعدم السماح له بالممازحة المريبة.
٣. احرصي على التزوج؛ لتعجلي من خروجك من البيت الذي هو فيه.
٤. أكثري من الدعاء والالتجاء إلى الله أن يصرف عنك كل شر.
٥. ليست المسألة مسألة اعتذار، فلا تقبلي منه هذا حتى لو كان هذا طلب والديك، بل الواجب عليه التوبة، والندم، وأن يظهر ذلك عليه في سلوكه، فإن حصل منه هذا: فيقبل اعتذاره، وإلا فلا.
ونحن نشعر بالألم الذي أصابك، فاستعيني بالله تعالى على تجاوزه، وليكن درساً لك ولغيرك بضرورة الالتزام بالشرع في اللباس، والنوم، واليقظة، وفي كل حياة المسلم، ولا تعيشي مع هذا الألم فتتركي الطاعة، وتضيعي وقتك بالبكاء، بل جدِّي واجتهدي في العبادة، وطلب العلم، وحفظ القرآن، وعسى الله أن ييسر لك زوجاً صالحا عمَّا قريب.
وانظري أجوبة الأسئلة: (١٠٣٦٢) و (١٣٨٠٩) و (٢٧١٥٢) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15511
مرحلة " المراهقة " كيف وقى الإسلام من شرها، وكيف يُعامل المراهق ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أبعث إليك سؤالي وشكواي، وأرجو منك التأمل فيه، وإفادتي بجواب موسع، وشافٍ - بإذن الله -: أنا امرأة متزوجة، رزقني الله بابن واحد، هو الآن في الرابعة عشر من عمره، ولدي ٤ بنات، وابتلى الله زوجي بالسجن في دَيْن لحق به، وقد يمضي عليه سنوات قبل الخروج منه، ومشكلتنا مع ابني - هداه الله - حيث إنه في سنِّ المراهقة، فبدأ: أولاً: بالخروج - غالباً - عن طور الطاعة. ثانياً: لديه رفقاء سوء، بحكم إقامتنا في الحي. ثالثاً: بحكم عدم وجود والده: اضطررنا بالإجماع - من قبَل والده وأعمامه - إعطاءه جوالاً؛ لأن مدرسته كانت بعيدة؛ ولأنه عندما ينزل للصلاة يتأخر في العودة إلى البيت، مما أضطر إلى الاتصال به وطلب أغراض للبيت، والمطالبة بعودته سريعاً، ولكي يطمئن عليه أعمامه باستمرار، وبعدها طلب ولدي جوالاً بكاميرا وبلوتوث، ورفضت، وأصررت على رفضي، فعارضني أعمامه وعماته، وأعطوه مبلغاً، واشترى جوالاً بكاميرا، ومنها بدأت المعاناة، حيث بعد فترة اكتشفت مقاطع سيئة في جواله، فكلمت والده، واستشار بعض الفضلاء: فأشاروا عليه بسحب الجوال منه، وإعطائه جوالاً عاديّاً من غير بلوتوث، ثم استشار زوجي بعضاً من كبار السن - وهم فضلاء، وعلى خير، ومحفِّظين لكتاب الله، ولديهم أبناء، ومروا بتجارب سابقة - فقالوا: " خطأ فعلك، أعد عليه الجوال بطريقة ما، وقم بنصحه، وأعطه الثقة بنفسه "، فأعدنا إليه جواله، وأصبح يضع فيه رمزاً للقفل، ونهرته عن هذا التصرف، إذ كان يدعي أن جواله نظيف، ولا يوجد به أي سوء، إلا وأني - للأسف - عدت بعد فترة طويلة واكتشفت فيه بعض المقاطع السيئة. رابعاً: بدأ يتفلت من الصلوات، ويكذب في أبسط الأمور، حتى أصبح مشهوراً بالكذب بين أفراد الأسرة وأقاربنا. خامساً: بقدر ما نسعى للتقرب إليه ومحاولة جعل ما بيننا وبينه تعاملاً أخويّاً، بقدر ما يبتعد عنَّا. سادساً: هناك أمر آخر يقلقني ولم يعلم به بعد الله سواي أنا وزوجي فقط، حتى ابني لم يبلغني بما حدث: ألا وهو أنه كان في رحلة مع شباب ... وهم في الباص للاستعداد للانطلاق سمعوا ولداً يصرخ، وقال: إنهم كانوا يريدون أن..... لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال: إن ولدي كان منهم. سابعاً: أعمامه متعاونون معي، ولكنهم يسكنون بعيداً عنَّا، فلا يستطيعون مراقبته في كل الأحوال، ولديه خال واحد فقط، ودائماً يقول لي: لا تشددي عليه، اتركيه، وأعطيه الثقة، بدون أي تصرف آخر. آمل منك إرشادي، وتوجيهي، والدعاء لي، ولولدي بأن يصلحه الله، ويهديه.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
المراهقة هي مقاربة البلوغ.
ومرحلة " المراهقة " مرحلة خطرة، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بأحكام غاية في الحكمة للوقاية من خطرها قبل وقوعها، ومن ذلك:
١. التربية على حسن الأخلاق، وتحفيظ الطفل القرآن في أوائل عمره.
وإدخال كلام الله تعالى في صدر الطفل في أوائل عمره من شأنه أن يطهِّر قلبه وجوارحه، وخاصة إن صار حافظاً لكتاب الله تعالى قبل بلوغه فترة المراهقة، ولا شك أنه سيكون متميزاً بذلك الحفظ في المجالس، والمساجد.
قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله:
"فإذا بلغ الطفل سن التمييز فإنه حينئذ يؤمر والده بأن يعلمه وأن يربيه على الخير بأن يعلمه القرآن، وما تيسر من الأحاديث، ويعلمه الأحكام الشرعية التي تناسب سن هذا الطفل بأن يعلمه كيف يتوضأ وكيف يصلي، ويعلمه الأذكار عند النوم وعند الاستيقاظ وعند الأكل والشرب؛ لأنه إذا بلغ سن التمييز فإنه يعقل ما يؤمر به وما ينهى عنه، وكذلك ينهاه عن الأمور غير المناسبة ويبين له أن هذه الأمور لا يجوز له فعلها كالكذب والنميمة وغير ذلك، حتى يتربى على الخير وعلى ترك الشر من الصغر، وهذا أمر مهم جدًّا غفل عنه بعض الناس مع أولادهم" انتهى.
" المنتقى من فتاوى الفوزان " (٥ / ٢٩٧، السؤال ٤٢١) .
٢. تعليمه الصلاة في سن السابعة، وضربه على تفريطه فيها في سن العاشرة.
وما قلناه في القرآن نقوله في الصلاة، فهي تطهر قلب وأفعال الشاب الناشئ على طاعة الله، وخاصة إن كان يؤدي الصلاة في المسجد جماعة مع والده أو مع وليه كأخ أو عم.
٣. التفريق بين الأولاد في المضاجع عند النوم عند بلوغهم سن العاشرة.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ) .
رواه أبو داود (٤٩٥) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وفي هذا السن يبدأ ميل الذكر للأنثى، والأنثى للذكر، وهذا الحكم من شأنه أن يُبعد الأولاد عن المهيجات الجنسية، وأن يقطع فرص الاحتكاك التي تولد الشهوة.
وفي " فتاوى اللجنة الدائمة " (١٧ / ٤٠٨) :
" لا يجوز للأولاد الذكور إذا بلغوا الحلُم، أو كان سنُّهم عشر سنوات: أن يناموا مع أمهاتهم، أو أخواتهم في مضاجعهم، أو في فرشهم، احتياطاً للفروج، وبُعدا عن إثاة الفتنة، وسدّاً لذريعة الشرِّ " انتهى.
٤. اختيار الصحبة الصالحة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ) رواه أبو داود (٤٨٣٣) والترمذي (٢٣٧٨) وحسَّنه، وحسَّنه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وقد قيل: " الصاحب ساحب "، فإذا اعتنى الوالدان بصحبة أولادهم وأحسنا اختيارها: وفَّر ذلك عليهما وقتاً وجهداً عظيمين، فالصحبة الصالحة لن تؤدي إلا إلى خير، فالصاحب الصالح يقضي وقته في طاعة الله، يدله على الخير، ويمنعه من الشر، والصاحب الفاسد يدله على الشر، ويمنعه من الخير، ويزين له المعصية، ويقوده إليها.
٥. إلزام الأولاد في تلك المرحلة بالاستئذان عند الدخول على والديهم في أوقات التخفف من الثياب، ومظنة كشف العورات أو الجماع، حتى لا تقع أعينهم على ما يهيجهم، أو يمارسونه تطبيقاً عمليّاً.
وفي " فتاوى اللجنة الدائمة " (١٧ / ٤٠٨) :
"أمر الله تعالى الذين لم يبلغوا الحلُم أن يستأذنوا عند دخول البيوت في الأوقات الثلاثة التي هي مظنة التكشف وظهور العورة، وأكد ذلك بتسميتها عورات، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) النور/ ٥٨.
وأمر الذين بلغوا الحلُم أن يستأذنوا في كل الأوقات عند دخول البيوت، فقال تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) النور/ ٥٩، كل ذلك من أجل درء الفتنة، والاحتياط للأعراض، والقضاء على وسائل الشر" انتهى.
٦. المبادرة بالزواج.
وقد خاطب نبينا محمد ﷺ الشباب بذلك، ومخاطبتهم بذلك الاسم وهم في تلك المرحلة له دلالته الواضحة أن في الزواج حفظاً لنظرهم من أن يُطلق في الحرام، وحفظاً لفرجهم أن يوضع في حرام.
فعن عَبْدِ اللَّهِ بن مسْعُود ﵁ قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) . رواه البخاري (٤٧٧٩) ومسلم (١٤٠٠) .
ثالثاً:
ما ذكرناه سابقاً يبين مدى تحمل الوالدين لما يصل إليه ولدهم من حال في فترة المراهقة، أو البلوغ، وبحسب تقصيرهم وعدمه يكون استحقاق العقاب والثواب، وقد يبذل المسلم كل سبب يستطيعه لهداية ولده ولا تكون النتيجة مرضية، وهذا لا إثم عليه فيه، وهداية التوفيق بيد الله تعالى. والذي ننصحك به تجاه تصرفات ابنك:
١. عدم معاملته بغلظة، وعدم التهاون معه؛ وذلك أن الغلظة في التعامل قد تسبب له ردة فعل، يخرج بسببها من البيت، ويفعل ما يحلو له، كما أن التهاون معه يفتح الطريق أمامه لفعل المنكرات، وأن لا يبالي بأحد، فينبغي التوسط في التعامل معه، والغلظة في أمور، والتهاون في أخرى.
٢. اختيار صحبة صالحة من الشباب المستقيم على طاعة الله تعالى ليكونوا أصدقاء له، ويكون ذلك بطريقة لا يشعر بها أنكم تريدونه ترك أصحابه الفاسدين، فيتم التنسيق مع رجال فضلاء لهم أبناء مستقيمون ليزوروكم – مثلا – أو ليجتمعوا به في مناسبة عامَّة، ويتم التعارف بينه وبين الشباب الذين هم في سنِّه، وهؤلاء – غالباً – فيهم ما يجذب الآخرين من حُسن خلق، وسمتٍ طيب، كما أن أوقاتهم فيها الشيء الكثير الذي يمكن أن يستهويه، كالرحلات، والسفر للعمرة، واللقاءات مع أهل العلم.
٣. الحد من خروجه من البيت قدر الاستطاعة، وإشغاله في أعمال البيت، كتدريس أخواته، أو القيام بواجباته المدرسية وعدم القيام بها خارجه.
٤. لا بأس بإشغاله ببعض الألعاب المباحة، والتي يمكنه القيام بها في البيت.
٥. كثرة زيارته لوالده، وهذه قد تحد من أفعال كثيرة يمكنه فعلها، مع إعلام والده ببعض تصرفاته – لا كلها – ليشعره بأنه متابع لوضعه وحاله.
٦. إشعاره بالمسئولية على البيت، وأخواته، وهذا السن الخطير يرى فيه الشاب أنه رجل، ولا يريد لأحدٍ أن ينتقد تصرفاته، فيستثمر غياب الوالد بإفهامه أنه رجل البيت الآن، وأنه مطلوب منه العناية به، ورعاية أخواته، وأنه مسئول عنهنَّ، ولعل هذا يفيد كثيراً من جهة تعلقه بالبيت وأهله، ومن جهة أن يكون قدوة في تصرفاته أمامكم.
٧. توثيق صلته بأعمامه، وصلة أعمامه به، وينبغي لوالده أن يكلِّم أشقاءه – أعمام ابنك – بضرورة الاهتمام بابنك، والعناية به، ومراقبة تصرفاته، ونصحه، وتوجيهه، ووجود رجل كبير عاقل بجانب ابنك هو حوج ما يكون له.
٨. التفكير جديّاً بتزويجه، وعدم ترك الشهوات تعبث به، وتتحكم فيه، بل اضبطي ذلك بتزويجه، ففيه حفظ لنفسه من الهلكة والضياع، وحتى لو سكن عندكم – مؤقتاً – وليس عندك إلا بناتك، فلن يكون في سكناه معكم ما يُحذر منه.
٩. أكثري من الدعاء له، بأن يُصلحه الله، ويهديه، واختاري الأوقات التي هي مظنة استجابة الدعاء، وأفضلها: الثلث الأخير من الليل فهي وقت نزول الرب وهي الوقت الذي يستجاب فيها للدعاء، وكذا الدعاء له في سجودك في صلاتك.
ونسأل الله تعالى أن يصلح ابنك، وأن يوفقه لمرضاته، وأن يفرِّج عن زوجك، وأن يخرجه عاجلاً غير آجل، وأن يكتب لك أجر العناية بأولادك، والحرص على تربيتهم.
ويمكنك الاستفادة من كتاب " فن التعامل مع مرحلة المراهقة " للدكتور محمد الثويني.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15512
طرد زوجته من بيته ويريد منعها من الخروج من بيت أهلها للعمل فهل له ذلك ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا متزوج منذ ٩ سنوات، وعندي ٤ أطفال - الحمد لله -، أصغرهم: سنة ونصف، مشاكلي مع زوجتي ابتدأت منذ أن اتهمتني زوراً بعلاقة مع زوجة أخي الذي يجاورني، يشهد الله عليَّ أني بريء، فإن كلمتُها كشَّرت، وغضبت، وإن دخلتُ بيت أخي: أسمعتني كلاماً جارحاً، أقسمتُ لها مراراً أني بريء دون جدوى، خفتُ من الفضيحة، ولم يكن أمامي سوى التوجه الى أخيها الأكبر - أبوها متوفى -، ثم أمُّها، ثم أختها، ولكن كلما واجهتها: كذبتني، وبحثت عن سترة بيتي وهدوئه بأي ثمن؛ اعتقاداً مني أنها ستنسى وتكف، صرت أتفادى المشاكل، والتقليل من الاحتكاك مع زوجة أخي، أو حتى أخي، إلى أن أصيب أخي بوعكة صحية منذ شهرين - وحتى هذه اللحظة يرقد في مشفى بعيد -، وبطبيعة الحال فلا بد من زيارته، وفي أحد الأيام رافقتني امرأته، ومعي أمي، وأخي الأصغر إلى المشفى، حين عدت بدأ الشجار، حينها فقدت أعصابي، ولم أعد قادراً على السكوت على هذا الوضع، فصرخت، وناديت أخي الأكبر، وحكيت مشكلتي، وما يدور في رأس امرأتي، حصل كل هذا أمامها، وسألها عن صحة ما أدَّعي فأجابت: " نعم، لا أطيقها؛ لأنها لا تغطي رأسها أحياناً، فأكيد أغار "، لم أتوقع سماع اعترافها، وشعرت بالخزي، والعار، وشفقة أخي المريض، تعذب ضميري، شعرت كم هي ظالمة، ومستهترة بأعراض الناس الذي هو عرضي، فثرت، وطردتها من بيتي، بعد دقائق جاء أخوها يهدد، ويتوعَّد، ورد عليه إخوتي بأن لحقوه حتى بيته، وضربوه، في اليوم التالي بعثتُ لها ابنتي الصغيرة - سنة ونصف - لأني لا أجيد التعامل معها مثل إخوانها، لم ينتهِ اليوم وإذا بي أسمع أنها أعادتها مع ولد صغير إلى بيت أهلي، والطفلة تصرخ مرتعبة، لم أصدق ما سمعت، واتصلت أسألها إن كانت فعلا رمت بنتها في الشارع أم لا، فقالت: " نعم، لا أريدك، ولا أريد أولادك "، وكررت هذه الجملة، بعد أسبوع اتصل بي أخوها يطلب الجلوس معي للتفاهم، وفعلا ذهبت، وتكلم معي بحذاقة، ودبلوماسية، يقصد هدفاً أنا أدركه أصلاً، فهذا الأخ يناديني كي أحضر له حقيبتها المدرسية لتذهب الى عملها – معلمة - بحجة تغيير جو، ثم بعد ذلك بيوم أحضر أنا، وأرجعها إلى بيتها، قمت من مكاني مباشرة وقلت له: " مستحيل، هذا بدل أن تسأل عن أولادها؟ هذا ما يهمها؟ المدرسة؟ يا خسارة!! "، وخرجت، فقال: " لا تعقد الأمور علينا، حلها؛ خوفاً من كلام الناس "، قلت له: " من لا يخشى الله لا يخشى كلام الناس، أما أنا وأولادي: فلنا الله يرحمنا برحمته، ويصبرنا على مصيبتنا ". آسف للإطالة، ولكني أردت سرد ألمٍ يكتم أنفاسي منذ زمن، والاستعانة بالله ، وسنَّة رسوله ﷺ ، كي لا أضل طريقي. سؤالي عن حكم الإسلام والدين في هذا الوضع، وهل يحق للزوجة الخروج من بيت أهلها، حتى وإن كان للعمل؟ . أرجوكم، انصحوني، ماذا أفعل؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن ما فعلتُه زوجتك من الطعن في عرضك وعرض زوجة أخيك مما لا يحل لها، والطعن في أعراض الناس من كبائر الذنوب، فالواجب عليها التوبة من هذا الطعن وذاك الاتهام، وأن تحفظ عليها لسانها، وإلا أوردها المهالك.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) الأحزاب/ ٥٨.
وفي الوقت نفسه فإننا ننبه إلى أن تساهل الناس في بعض الأحكام الشرعية، أو تهاونهم في التمسك بها يفتح عليهم أبواباً مغلقة لطائفتين: الأولى: شياطين الجن، ليكيدوا لهم، ويوقعوهم في المعاصي وفعل الآثام، والثانية: شياطين الإنس، لقذفهم، والطعن في أعراضهم، واتهامهم بما ليس فيهم.
وعليه: فإن الواجب عليك عدم التساهل – أو التهاون – في أحكام غض البصر، والاختلاط، والخلوة، وهو ما لعله كان السبب في وجود الريبة عند زوجك – وهذا ليس عذراً لها -، ومثله يقال لزوجة أخيك، فإنه يجب عليها الالتزام بأحكام الشرع من التزامها بالحجاب، ومن غض البصر، وغير ذلك مما وقع الناس فيه بسبب خلطة الأقرباء دون الالتزام بضوابط الشرع.
ولو تأملنا حق التأمل في قصتك: لوجدنا مخالفات شرعية وقع فيها الجميع، وأدَّت إلى هذا الذي قصصته علينا في سؤالك هذا.
ثانياً:
ما كان ينبغي لك طرد زوجتك من المنزل، وكان الواجب عليك الالتزام بما شرعه الله للأزواج في حال حصول النشوز من الزوجة، وهو الوعظ، ثم الهجر في الجماع، ثم الضرب غير المبرح، وقد أمر الله تعالى الأزواج بإسكان زوجاتهم حيث سكنوا، قال تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ) الطلاق/ ٦.
وقد نهى الله تعالى الأزواج في حال الطلاق أن يُخرجوا زوجاتهم من بيوتهم، إلا في حال ارتكاب فاحشة الزنا، بل إن الله تعالى نسب البيت لها فقال: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ) ، فكيف والطلاق لم يحصل، ولم ترتكب ما يستوجب طردها؟! .
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً) الطلاق/ ١.
قال القرطبي – ﵀:
(لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ) أي: ليس للزوج أن يخرجها من مسكن النكاح، ما دامت في العدة، ولا يجوز لها الخروج أيضاً لحق الزوج إلا لضرورة ظاهرة، فإن خرجت: أثمت، ولا تنقطع العدة.
والرجعية والمبتوتة في هذا سواء، وهذا لصيانة ماء الرجل.
وهذا معنى إضافة البيوت إليهن، كقوله تعالى: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) الأحزاب/ ٣٤، وقوله تعالى: (وقرن في بيوتكن) الأحزاب/ ٣٣، فهو إضافة إسكان، وليس إضافة تمليك.
" تفسير القرطبي " (١٨ / ١٥٤) .
وعندما رغب النبي ﷺ في تأديب نسائه، وتربيتهن: هجرهن، وبات في المسجد شهراً كاملاً.
عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِى مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ آلَيْتَ شَهْرًا، فَقَالَ: (إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ) .
رواه البخاري (١٨١٢) .
وخروج الزوجة من بيت الزوجية له آثار سيئة عليها، وعلى أولادها، وعلى أهلها، فكان الواجب الالتزام بما شرعه الله تعالى لك عند حصول النشوز منها، وإن لم ينفع شيء منها: فتأتي بحكَم من أهلك وحكَم من أهلها، ويضع هؤلاء الحكام العقلاء الأمور في نصابها، وقد يكون الطلاق في نهاية الأمر هو الخير لك، ولها، والمهم أن يكون ذلك بعد سلوك الطريق الشرعي لمثل هذه الخصومات.
ثالثاً:
أما بخصوص خروج زوجتك من عند أهلها لعملها في التدريس: فإنه لا حرج عليها في ذلك، بشرط أن يكون مجال عملها مباحاً، ليس فيه اختلاط، وأن يكون الوصول إلى العمل والرجوع منه مأموناً، ولا سلطة لك عليها في المنع من الذهاب؛ لأنها الآن في رعاية أهلها ومسئوليتهم، والمنع من الخروج إلا بإذن الزوج إنما هو في خروجها من بيت " زوجها "، لا " أهلها "، إلا أن يكون هو أرسلها لبيت أهلها، فتجب عليه الطاعة مطلقاً، ثم إنها كانت تعمل وهي عندك، فليس خروجا جديدا، أو شيئا لم تعهده وهي عندك.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
أنا متزوجة، ولله الحمد، وأعمل في إحدى المدارس معلمة رياض أطفال، وزوجي موافق على هذه الوظيفة، ومن شروط العمل أن يوقع ولي أمري (زوجي) عقداً بالموافقة على العمل بدون انقطاع مفاجئ عن العمل، وفي إحدى الأيام حدث خلاف بيني وبين زوجي، فقال لي: اذهبي إلى أهلك، وأمرني أن أذهب، وعندما أوصلني لم يخبرني، ولم يأمرني بأن ألزم بيت أهلي بدون خروج، فقمت أنا وأمرت أخي الكبير أن يأخذني عنده ريثما أنهي تدريسي، وخاصة كانت فترة امتحانات نهائية (أسبوعين) ومن الصعب إحضار معلمة بديل تجلس مكاني، وعندما علم زوجي بأني ذهبت عند أخي غضب غضباً شديداً، وقال: أنت خرجت من غير إذني، رغم أنني خرجت من بيت أهلي إلى بيت أخي؛ لأن المدرسة كانت قريبة من عند أخي، وتمشياً مع العقد الذي وقعه زوجي بالموافقة على التدريس والاستمرار فيه بدون انقطاع، وطلب مني أن أرجع إلى بيت أهلي، وأن أمكث فيه ريثما تنتهي المشكلة، ولكن رفضت بحكم عملي الذي لا يسمح لي بالغياب، وهكذا انتهيت من التدريس حيث كانت الفترة فقط أسبوعين، وتأتي الإجازة، هذه المدة (١٤) يوماً رجعت من عند أخي إلى بيت أهلي، وانتهت المشكلة بتوسيط أهل الخير، وعدت إلى منزلي.
ولكن سؤالي: هل أنا أعتبر عاصية لأني خرجت من غير إذنه (أي: زوجي) رغم أنه ملزم بعقد المدرسة لمدة سنة كاملة، وهو يعاتبني كثيراً، ويقول بأني من المفروض أن أطيعه وأعود إلى منزل أهلي حتى لو كان ملزماً بعقد، وإنني محتارة في أمري جدّاً، وهل يجوز له أن يخل بعقد نظام العمل؟ .
فأجابوا:
إذا كان الواقع كما ذكرت في السؤال، من موافقته على عملك في التدريس: فلا حرج عليك في ذلك؛ لقول الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) المائدة / ١؛ ولقوله ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف) – متفق عليه -.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٩ / ١٦٦ – ١٦٨) .
وتجد في جواب السؤال رقم: (٨٧٨٣٤) تفصيل القول في مسألة خروج الزوجة من بيت زوجها.
على أنه إذا كان مرادك من منعها من الخروج إلى المدرسة وهي عند أهلها، أن تضيق عليها، حتى تعود إلى بيتها وأولادها، وتأديبها على ما حصل منها من الإساءة في حقك وحق أهلك، فإننا لا نرى مانعا من ذلك، خاصة إذا كان خروجها سيزيدها أشرا وبطرا، ويوهمها أنها سوف تستغني براتبها عن قوامة زوجها ونفقته، وتستغني بخلطتها وعملها عن أنس الزوج والأولاد والبيت.
رابعاً:
لا ندري كيف هو قلبها حتى تلقي بابنتها الصغيرة هكذا، وقد جبل الله تعالى الأمهات على العطف والحنان على أولادهن، بل حتى الإناث من البهائم تحن على أولادها، بما صار بعض صور ذلك من الأمثال السائرة الدارجة، فكيف هات عليها ابنتها، بل كل أولادها أن تتخلى عنهم؟! .
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَبْيٍ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ تَبْتَغِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلْنَا: لَا وَاللَّهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا.
رواه البخاري (٥٦٥٣) ومسلم (٢٧٥٤) .
ومن أحكام الشريعة المطهرة أن قدم الزوجة في حضانة الأولاد، حتى تتزوج، أو يصلوا سن التمييز فيخيرون – على خلاف في التفريق بين الأنثى والذكر – وكل ذلك من أجل ما جبلها الله عليها من عطف وحنان، ومن قدرتها على رعاية أولادها في هذا السن دون زوجها.
قال ابن القيم – ﵀:
ولما كان النساء أعرف بالتربية وأقدر عليها وأصبر وأرأف وأفرغ لها: لذلك قدمت الأم على الأب.
ولما كان الرجال أقوم بتحصيل مصلحة الولد والاحتياط له في البُضع: قدِّم الأب فيها على الأم.
فتقديم الأم في الحضانة من محاسن الشريعة والاحتياط للأطفال والنظر لهم.
وتقديم الأب في ولاية المال والتزويج: كذلك.
" زاد المعاد " (٥ / ٥٣٧، ٥٣٨) .
والخلاصة:
١. ننصحك أخي السائل أن ترجع زوجتك لبيتك وبيتها، وأن تسعى في إيقاف طعنها واتهامها لك، ولزوجة أخيك، وذلك بالتفاهم معها، وبيان تحريم فعلها، ولا بأس أن تستعين على ذلك بأهلها.
٢. ننصحك بترك ما يمكن أن يكون قد وقع منك في تساهلك في التعامل مع زوجة أخيك، من الخلطة، والخلوة، والمحادثة، وغير ذلك مما يحرم عليك، حتى لو لم تكن لك زوجة تنتقد عليك أفعالك.
٣. ننصحك أن تصبر على ما ترى من زوجتك، وأظهر لها خطأ ظنها وريبتها بما تظهره من حقيقة الالتزام بطاعة الله، والوقوف عند حدوده.
٤. اجعل الطلاق آخر ما تفكِّر به، واعلم أن الشيطان أكثر ما يفرحه انهدام أعمدة بيت مسلم، فلا تفرحه بهذا.
ونسأل الله أن يهديكما لما يحب ويرضى، وأن يجمع بينكما على خير.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15513
الأم لها حقوق عظيمة في الشرع على ابنتها لكن الزوج حقه على زوجته أعظم
[السُّؤَالُ]
ـ[أمي لحوحة، وذات مطالب لا تنتهي، وتتشاجر معي طوال الوقت حول زوجي الذي يعاملني وأولادي وإياها معاملة طيبة، فتريد منه أخذها في رحلات، وتريد منه أشياء أخرى، تنفق مصروفات كبيرة، وهو لا يحب ذلك؛ لأن عمله كطبيب لا يترك له الوقت لهذا؛ ولأنه يشعر أنهما لن ينسجما معاً، وهي تزورنا في بيتنا على الأقل ٤ أو ٥ مرات سنويّاً، وتجعلني أصطحبها يوميّاً في نزهة خارجيَّة، لا يهمها في ذلك أن أهمل بيتي، وأطفالي، وهي مشغولة جدّاً بأعمالها التجارية الخاصة، بل حاولت معي، وتشاجرت كي تترك لي أخي، أو أختي يعيشان معي أنا (عمرهما ١٦ و ١٨ سنة) وترى أن هذا واجب عليَّ، ولا يستلزم مني أخذ إذن من زوجي، ورفضت دفع قرض جعلتني هي ووالدي (المتوفى من سنتين) أقترضه حين كنت في الجامعة للدراسة، وكان عمري وقتها ١٦ عاماً، هذا القرض الذي شوه اسمي وسمعتي، وجعل من المستحيل أن أشتري أي شيء تحت اسمي الخاص، وقد كررتْ هي ذلك مع عديد من الذين تدين لهم بفلوس، وفوق هذا كله: قبل رحيل أبي كتب كل أملاكه، وأمواله باسمها؛ لتسهيل توزيعها علينا (نحن أربع بنات وولد واحد) بدلاً من إدخال جهة خارجية في التوزيع، وبعد وفاته قالت: إن كل شيء باسمها، وإنها دفعت كثيراً في الماضي لسداد ديون أعماله التجارية قبل أن يصلا إلى النجاح الذي حققاه معاً، وبالتالي فإنها ستحتفظ بكافة الأموال لها وحدها حتى تموت، بل إني أعطيتها حوالي ١٠٠ ألف دولار (كل المال الذي ادخرته وعملت به) ؛ لأنها تظاهرت أنها سوف تستخدم هذا القرض في سداد ديون أبي المتوفى، ثم استخدمته في شراء منزل صيفي لها، بدلاً من سداد الديون، وأنكرت أني أعطيتها فلساً واحداً؛ لأني لم أخبر أحداً سوانا، فقد أردت جعل هذا العمل سرّاً بيني وبينها، والله ؛ رغم علمي بأن لديها الكثير من المال، وقد سئم زوجي كل هذه التصرفات (ولم أذكر لكم العديد من مواقفها الأخرى السيئة) ولذا واجهها بأقل هذه المشكلات: وهي مشكلة قرض الدراسة القديم، الذي تم أخذه من ٦ سنوات قبل زواجنا، وظل هذا الدين يتراكم، ويتضاعف باسمي أنا، ثم واجهها بأفعالها الخطأ الكثيرة التي ورطت أسرتي فيها، فغضبتْ غضباً شديداً، وخاصمتنا جميعاً أنا وزوجي، وطبيعي أردت أن ألتزم بحقها نحوي كأمي، فنجحتُ في استمرار العلاقات المتبادلة بيني وبينها على نحو طيب حتى لا تنقطع صلة الرحم، وساد بيننا معظم الأوقات الكلام الحسن، لكن بعد أسبوعين عادت إلى سبِّ زوجي، وأخبرتني أن أتحداه وأعصي كلامه؛ كي أجبره على الاعتذار لها، بل أخذت تسبُّني، وزوجي، بألفاظ محرجة جدّاً ومخزية، وهذه العلاقة تؤثر على زواجي سلباً، ووقتي في بيتي وسط أولادي، فلا أستطيع التفكير في أي شيء آخر، ولا يريد زوجي الاعتذار؛ لأنه على صواب، ويشعر أن أمي لم تغير أساليبها السيئة، ولن تسدد القرض القديم، وفي نفس الوقت من الصعب للغاية الوصول معها إلى حل وسط يوفق الأمور، نحن نعيش في بلدين مختلفين (مصر وأمريكا) ، وهي تقول لي أني إذا كنت فعلا أحبها ولا أريد معصية الله : فينبغي لي إحضار أولادي الثلاثة، وزيارتها، لكن زوجي لا يوافق أن أتركه وحده، وهي تعلم هذا، وتصر وتقول لي أني بذلك مسلمة عاصية، وأن الله سوف يعاقبني لمعصيتي أمي، وكلما حاولت نصحها أن تخشى الله جنَّ جنونها، وتقول: بل الواجب ألا أسمع أنا كلام الزوج، وأسمع كلام الأم، وزوجي يخبرني أن أظل على علاقة طيبة معها قدر المستطاع، وفي الحقيقة هو زوج صالح جدّاً، وفي نفس الوقت أب ناجح جدّاً، الحمد لله أحيا معه حياة زوجية سعيدة جدّاً في وجود ٣ من الأبناء الأصحاء ما شاء الله. وسؤالي الآن: ١. ما واجباتي نحو أمي في مثل هذا الموقف المزعج؟ مع العلم أنها تسب زوجي باستمرار في مكالماتنا الهاتفية (نحن نعيش في بلدين مختلفين بعيدين) ، وتطلب مني معصيته، وتحديه، وافتعال المشكلات معه كي يعتذر لها، وهذه المكالمات أثرت على نفسيتي بالغ الأثر، فصار هذا الأمر كل ما يشغل بالي، ويعوقني عن الدراسة، أو الاعتناء ببيتي، فما الحد الأدنى بخصوص زيارة أمي والتحدث معها حتى لا يغضب الله عليَّ، وفي نفس الوقت ألتزم بحقها عليَّ، وبالتالي لا أقلق من كلمتها لي دومًا أن الله غير راضٍ عني بسبب معصيتي لها؟ . ٢. من المسئول عن هذا القرض؟ مع العلم أني أجبرت على حضور الدراسة في هذه الجامعة، فقد كان عمري فقط من ١٦ إلى ١٨ عاماً، ولم يعلم زوجي عن هذا القرض شيئاً قبل الزواج، وكذلك تملك أمي من المال ما يكفي وزيادة لسداد هذا القرض.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إن للأم منزلة في شرع الله تعالى لا تُنكر، وقد أوجب الله على أولادها برَّها، وحرَّم عقوقها، وجعلها أولى الناس بحسن الصحبة، كما في الحديث المعروف، لما قال رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: (أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ) رواه مسلم (٢٥٤٨) .
وهذا الحق للأم، وتلك المنزلة التي لها: لا تبيح لها أكل مال أولادها بغير حق، بل يجب عليها أداء الحقوق لأصحابها، وتقسيم التركة وفق شرع الله تعالى، كما لا يبيح للأم أن تخبب ابنتها على زوجها، وتفسد ما بينهما من حسن عشرة، وهذه الأفعال من تلك الأم منكرة يأباها الشرع المطهر، ويتوعدها عليها بالإثم والعقوبة.
ولعلَّ من أعظم البر الذي تقدمينه لأمك هو ردعها عن أكل الحرام وفعله، والأخذ على يدها أن تظلم الناس بغير حق، وأن تذكريها بإثم الإفساد بين الزوجين، وإثم الغيبة، والسب والشتم، وغير ذلك مما تفعله من المحرمات، كالتبرج، والسفر من غير محرم – إن وُجدا منها -.
وبخصوص أشقائك الذين ترغب والدتك بأن يسكنا معكِ وزوجك: فإنكِ لستِ مكلفة بهذا شرعاً، بل التكليف لازم لوالدتك، والحق هنا لزوجك، فإن وافق على ذلك: فذاك، وإلا فليس الأمر يلزمك، بل إننا لا ننصح زوجك بقبول هذا الوضع، لأنهم ليسوا ضياعا يضطرون إلى مثل ذلك، وليسوا فقراء يحتاجون من ينفق عليهم، وليست أمك عاجزة عن القيام بشأنهم، ففي حملهم عنها: إعانة لها على ما هي فيه من المخالفات الشرعية، والإهمال لواجبها، وتحميل لزوجك، وإرهاق لك ولبيتك بأمر لا يلزمكم أصلا، فضلا عما يترتب من عيش أختك في بيت واحد مع رجل أجنبي عنها (زوجك) من المخالفات الشرعية؛ إننا لا ننصحكم بقبول هذا الوضع بأي حال!!
ثانياً:
تلك المنزلة للأم، وذلك الحق الذي لها: لا يفوق حق زوجك، بل إن حق زوجك أعظم، وهو يقدم على حق والدتك، وطاعتك له تقدَّم على طاعتها، والزوجة العاقلة تحاول إرضاء زوجها بما يرغب به مما لا يخالف الشرع، وتسعى إلى بر والدتها بما لا يخالف أمر زوجها، فإذا تعارض الأمران والإرادتان: فإنها تقدم أمر وإرادة زوجها.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ –:
في امرأة تزوجت، وخرجت عن حكم والديها، فأيهما أفضل: برها لوالديها؟ أم مطاوعة زوجها؟ .
فأجاب: " المرأة إذا تزوجت: كان زوجها أملك بها من أبويها، وطاعة زوجها عليها أوجب، قال الله تعالى: (فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله) ، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك) ، وفي صحيح أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا صلَّت المرأة خمسها وصامت شهرها وحصنت فرجها وأطاعت بعلها دخلت من أي أبواب الجنة شاءت) ، وفي الترمذي عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة) أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن، وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن، وأخرجه أبو داود ولفظه: (لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحقوق) ، وفي المسند عن أنس أن النبي ﷺ قال: (لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحه تجري بالقيح والصديد ثم استقبله فلحسته ما أدت حقه) ... .
– وساق ﵀ أحاديث في فضل طاعة الزوج -.
والأحاديث في ذلك كثيرة عن النبي ﷺ ، وقال زيد بن ثابت: الزوج سيِّدٌ في كتاب الله، وقرأ قوله تعالى: (وألفيا سيدها لدى الباب) ، وقال عمر بن الخطاب: النكاح رق، فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته، وفي الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (استوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عندكم عوانٍ) .
فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق، والأسير، فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه، سواء أمرها أبوها، أو أمها، أو غير أبويها، باتفاق الأئمة.
وإذا أراد الرجل أن ينتقل بها إلى مكان آخر مع قيامه بما يجب عليه، وحفظ حدود الله فيها، ونهاها أبوها عن طاعته في ذلك: فعليها أن تطيع زوجها، دون أبويها؛ فإن الأبوين هما ظالمان، ليس لهما أن ينهياها عن طاعة مثل هذا الزوج، وليس لها أن تطيع أمها فيما تأمرها به من الاختلاع منه، أو مضاجرته حتى يطلقها، مثل أن تطالبه من النفقة والكسوة والصداق بما تطلبه ليطلقها، فلا يحل لها أن تطيع واحداً من أبويها في طلاقه إذا كان متقيّاً لله فيها.
ففي السن الأربعة وصحيح ابن أبي حاتم عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة) ، وفي حديث آخر: (المختلعات والمتبرعات هن المنافقات) .
وأما إذا أمرها أبواها أو أحدهما بما فيه طاعة لله، مثل المحافظة على الصلوات، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، ونهوها عن تبذير مالها، وإضاعته، ونحو ذلك مما أمرها الله ورسوله، أو نهاها الله ورسوله عنه: فعليها أن تطيعهما في ذلك، ولو كان الأمر من غير أبويها، فكيف إذا كان من أبويها؟ .
وإذا نهاها الزوج عما أمر الله، أو أمرها بما نهى الله عنه: لم يكن لها أن تطيعه في ذلك؛ فإن النبي ﷺ قال أنه: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ، بل المالك لو أمر مملوكه بما فيه معصية لله: لم يجز له أن يطيعه في معصيته، فكيف يجبر أن تطيع المرأة زوجها أو أحد أبويها في معصية؛ فإن الخير كله في طاعة الله ورسوله، والشر كله في معصية الله ورسوله " اتهى. " مجموع الفتاوى " (٣٢ / ٢٦١ – ٢٦٤) .
وهذا جواب علمي متين، كافٍ لبيان المقصود، وهو أنه لا يحل لوالدتك الإفساد بينك وبين زوجك، وأنه لا يحل لك طاعتها في هذا، وأن حق الزوج وطاعته أعظم من حق والدتك وطاعتها.
ثالثاً:
وكما أنك لستِ ملزمة بأحدٍ من أشقائك بسبب حبسك على زوجك، واشتراط موافقته: فإن الأمر كذلك في زيارتك لوالدتك مع أوالدك، فإن هذا لا يجوز أن يتم إلا بأمر الزوج وموافقته، وقد أحسنتِ في رفضك طلب والدتك، ونحن نؤكد على أنه رفض شرعي، وخاصة إن لم يكن معك محرَم في سفرك.
وأما بخصوص تقدير عدد زيارات والدتك لكم: فهذا أمر يرجع كذلك إلى زوجك، ويمكنك التفاهم معه على تحديد ذلك لوالدتك، وللزوج حق في منع دخول بيته لكل من يراه مفسداً لبيته، حتى لو كان هؤلاء أهلك، وبما أنكما متوافقان، وبينكما من حسن العشرة الشيء الكثير: فالأمر سهل يسير، فما عليكما إلا الاتفاق على تحديد عدد معيَّن، ووقت محدد لزيارتها لكم، وتشترطون ذلك عليها، ولزوجك الحق كل الحق في هذا، بل نرى أنه لو منعها بالكلية كان مصيباً، ولكن يرجى أن زياراتها إن كانت قليلة محدودة، وغير مؤثرة على سعادتكم الأسرية: أنه لا مانع منها، ولا بأس بالسماح بها، ويكون تحديد ذلك راجعاً إليكما عن تشاور وتراض.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: " (لا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون) يعني: لا يدخلْنَّ أحداً البيت وأنت تكره أن يدخل حتى، لو كانت أمها، أو أباها، فلا يحل لها أن تُدخل أمَّها، أو أباها، أو أختها، أو أخاها، أو عمها، أو خالها، أو عمتها، أو خالتها إلى بيت زوجها، إذا كان يكره ذلك، وإنما نبهت على هذا: لأن بعض النساء - والعياذ بالله - شرٌّ حتى على ابنتها، إذا رأت حياة ابنتها مستقرة وسعيدة مع زوجها: أصابتها الغيْرة - والعياذ بالله - وهي الأم، ثم حاولت أن تفسد ما بين ابنتها وزوجها، فللزوج أن يمنع هذه الأم من دخول بيته، وله أن يقول لزوجته: لا تدخل بيتي، له أن يمنعها شرعاً، وله أن يمنع زوجته من الذهاب إليها؛ لأنها نمَّامة، تفسد، وقد قال النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة قتَّات) أي: نمام " انتهى. " شرح رياض الصالحين " (٢ / ٩١ الحديث رقم: ٢٧٦) ط البصيرة.
رابعاً:
الذي يظهر أن القرض الربوي الذي جاء في سؤالك: إنما إثمه ورده عليك؛ لأنك كنتِ بالغة، ومسئولة عن تصرفاتك، فاحرصي على إرجاع حقك من والدتك، وأوقفي مضاعفة المبالغ الربوية المترتبة على تأخير إرجاع المبلغ، وحاولي أن لا ترجعي إلا أصل المبلغ دون زيادته الربوية، فإن عجزتِ: فلا حرج عليك فيما زاد، مع ضرورة التوبة الصادقة؛ لأن الربا من كبائر الذنوب.
ونسأل الله أن يهدي والدتك، وأن يجمع بينك وبين زوجك على خير.
وانظري جواب السؤال رقم: (٩٦٦٦٥) ففيه بيان أسباب تدخل الأم في حياة ابنتها المتزوجة، وطريقة علاج ذلك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15514
تختلف طباعها عن طباعه وتفكيرها عن تفكيره فهل يطلقها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[فإني أود أولاً أن أوجه الشكر لكل القائمين على هذا العمل، راجياً الله أن يكون في ميزان حسناتهم، اللهم آمين. متزوج منذ ٣ سنوات، ولدي طفلتان، عمرهما (سنتان / ٦ شهور) ، وتأتى عليَّ الكثير من الأوقات لا أطيق زوجتي، رغم زواجنا عن حب (أدعو الله ليل نهار أن يغفر لي ولها هذه العلاقة) ؛ وذلك للاختلاف التام بيني وبينها، من حيث النشأة، والتربية، والتفكير، والطباع، أفكر كثيراً في أن أطلقها، ولكن أفكر في عدة أمور، منها: أني مأجور - بإذن الله - على صبري عليها، وأنها يتيمة لا يوجد لها عائل سواي، والأهم من هذا كله - وهو ما يثنيني فعلا في أضيق الأوقات ذرعا بها - أن الله رزقني بنات، وإذا تركتهم لها لن يربوا التربية التي ترضي الله ورسوله (ليس انحرافاً - والعياذ بالله - ولكن ليس بالالتزام المطلوب) ، وهذا التفكير يجعل بدني يقشعر حيث إني محاسب عليهم أمام ربى، تأتي عليَّ الأوقات التي لا أطيق فيها العيش معها، ليس لضعف بي - والحمد لله - حيث إن الكل يشهد لي بقوة الشخصية والشكيمة، خاصة معها! ولكن لاختلاف طباعها، وتفكيرها، وقد حاولت مراراً وتكراراً أن أفهمها العلاقة السليمة بين الزوج والزوجة، إلا أنها بعد فترة تعود لما كانت عليه. السؤال: ماذا يجب عليَّ أن أفعل؟ وهل إذا لم أطق العيش معها وطلقتها وضمت الطفلتين أكون محاسباً عن الخلل في تربيتهما؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا يمكن تخيل حياة زوجية دون مشكلات فيها، وهذه أشرف بيوت على وجه الأرض وهي بيوت الأنبياء انظر كم فيها من اختلاف، فإن شئت ذكَّرناك ببيت أبينا إبراهيم ﵇ وخلافه مع والده، أو بيت نوح وخلافه فيه مع زوجته وابنه، أو بيت لوط ﵇ وخلافه فيه مع زوجته.
وإن شئتَ ذكَّرنا ببيت نبينا محمد ﷺ ، وكم حصلت فيه من مشكلات حتى وصل الحال بنبينا محمد ﷺ أن يهجر نساءه شهراً كاملاً، ويعتزل في المسجد! .
لا تخلو بيوت المسلمين من هذه المشكلات، وهي تقل بحسب رجحان عقل الزوج، وقوة شخصيته، وحكمته في معالجة الأمور، وتكثر بحسب تهور الزوج، وشدته، وغلظته.
ولا يوجد زوجة تطابق ما في مخيلة زوجها من صفات الكمال البشرية، بل لا بدَّ من النقص والقصور، وعلى الزوج تحمل ذلك إن أراد أن تستقيم حياته، ولن يكون استمتاع بينه وبينها إلا على عوَج، كما قال النبي ﷺ .
ثانياً:
وقبل أن تقرر الطلاق: نرجو منك التأمل سريعاً في هذه النقاط:
١. قد تكون أنت السبب في أخطاء زوجتك! نعم، إما بسوء خلقك في تعاملك معها، أو بمعاصٍ ترتكبها، ويكون ما يصدر منها عقوبة لك عليها، فقف على السبب، وأصلح حالك مع ربك تعالى بالطاعة وترك المعصية، ومع زوجتك بتوفير سبل الهداية من الصحبة الصالحة، وسماع المحاضرات النافعة، وبتعليمها حقوق الزوج عليها، وسترى أثر ذلك قريباً إن شاء الله.
٢. وإذا كنتَ على علاقة غير شرعية مع زوجتك قبل الزواج – ونحمد الله أن وفقك للتوبة منها – ويزعمون أنهم في هذه العلاقة يتعرف بعضهم على بعض! ويخططون لحياة مستقبلية سعيدة: فأنت إذن من بنى هذا البيت، وأنت من اختار شريكة حياته، فما الذي سيتغير في زواجك الثاني؟! سيجمعك الزواج الجديد بامرأة جديدة، وقد يكون لها من الصفات والأخلاق ما هو أسوأ من الأولى، فأصلح الأولى واصبر عليها فهو أفضل لك.
ولتعلم ـ أيها الأخ الكريم ـ أنه إذا كان الذي ينفرك من امرأتك قلة عقلها، وضعف تفكيرها، فاعلم ـ يا عبد الله ـ أن النساء كلهن كذلك: ناقصات العقل؛ وربما كان ذلك ممدحة لهن في كثير من الأحوال، وكم رأينا وسمعنا من يشتكي من امرأته المتعبة المجادلة في كل صغير وكبير، والتي تضع رأسها برأس زوجها في البيت؛ أفتريد رجلا آخر يا عبد الله؟!
٣. في كثيرٍ من الأحيان يصبر الزوج العاقل على تصرفات زوجته الحمقاء من أجل أولاده، فهو لا يريد لهم التشتت والضياع، ويريد لهم التوفيق والرشاد، وهذا لا يكون – البتة – في الطلاق، فيصبر على زوجته رجاء أن يكون بقاؤه في بيت الزوجية سبب إصلاح لأولئك الأولاد.
٥. لن تندم – إن شاء الله – إن صبرتَ على زوجتك، وفي ظننا أنك سوف تندم على تطليقك لها، فافهم هذا، وليكن على بالك، فلا تتعجل، واصبر وتصبَّر.
٤. وقبل أن تطلِّق عليك التفكير في آثار هذا الطلاق، ومن تلك الآثار:
أ. قلة أو انعدام فرص تزوج امرأتك من آخر، بسبب أنها مطلقة، وأنها ذات أولاد، ولا يخفاك ما يمكن أن يترتب على هذا الأمر.
ب. تشتت الأولاد، وضياعهم، فطاقتهم البدنية ستضيع في التنقل بيت بين أمهم وبيت أبيهم، وطاقتهم الذهنية ستضيع في التفكير في حال والديهم، وطاقتهم العاطفية ستجف أو تخف بسبب فقدانهم لحنان الأم المحلى بقوة شخصية الأب.
وقد أحسنتَ جدّاً في جعل هذا الأمر مما يثنيك عن الطلاق، والحقيقة أنهم سبب مهم، وأن وجود مثل هؤلاء الأولاد في المجتمعات إنما هو نذير شرٍّ، فلا تهدم بناءك، وتشتت أولادك بأمرٍ يمكنك المبادرة بإصلاحه دون هدمه.
إننا نوافقك كل الموافقة على أن التفكير في مصير أولادك، مسئوليتك عنهم أمام الله ، بل ومصير هذه الزوجة اليتيمة، أم أولادك، جدير بأن يقشعر جلدك حين يرد عليك هاجس الطلاق!!
ثالثاً:
وما ذكرناه لك من الصبر عليها من أجل إصلاح حالها، أو من أجل أولادك: لا يجيز لك إساءة عشرتها، والوصية لك: إما أن تمسكها بمعروف، أو تسرحها بإحسان.
ولتتذكر ـ أخيرا ـ وصية نبيك الكريم، ﷺ ، وأدبه لك:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً؛ إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ) رواه مسلم (١٤٦٩) .
قال النووي ﵀: (أَيْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْغِضهَا , لِأَنَّهُ إِنْ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا يُكْرَه، وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا مَرْضِيًّا، بِأَنْ تَكُون شَرِسَة الْخُلُق لَكِنَّهَا دَيِّنَة أَوْ جَمِيلَة أَوْ عَفِيفَة أَوْ رَفِيقَة بِهِ أَوْ نَحْو ذَلِكَ) .
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15515
تزعم أن زوجها ملتزم وقد اعترف لها بأنه يزني! فماذا تفعل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا سيدة متزوجة منذ ١٦ سنة، ولدي ٣ أطفال، زوجي يصلي الصلاة في أوقاتها، ويقوم لصلاة الفجر، ويقرأ القرآن، ويصوم التطوع، باختصار: تصرفاته تبين لي أنه رجل ملتزم، وأنا أثق فيه ثقة عمياء، نكوِّن بيتاً يضرب به المثل في التفاهم والتعاون، وفجأة تأتيني صاعقة، وهو أنه زاني من الدرجة الأولى! وأنه حاول عدة مرات مع الخادمة عندنا في البيت، ولكنها كانت ترفض، وحاول مع صديقات أختي عندما نذهب إلى بيت الوالدين، وكانت له علاقة مع سيدة متزوجة، وزوجها بأرض المهجر، وكل هذه الأخبار صحيحة لأنه اعترف. أنا لا أعرف كيف أتصرف، ولكني أصبحت أكرهه، ولا أتصور أنني سأقدر على العيش معه، أفكر كثيراً في الطلاق، ولكن أولادي، ماذا أفعل؟ . ملحوظة: أنا مالكة البيت، والسيارة، ولي راتب شهري لا بأس به، ملتزمة أكثر منه، لا أستمع للموسيقى، وكنت أمنعه كذلك، ومتحجبة، وأوقظ أولادي - ١٤ و ١١ سنة - لصلاة الفجر، ولله الحمد، ولا نتفرج إلا على القنوات الإسلامية، والحمد لله، ونحن بيت ملتزم على قدر المستطاع، وما فعلته هو أني طردته من المنزل، وأخذت السيارة، وأريد أن أعرف التصرف الذي يرضي الله في هذا الموقف، لقد سبق لي أن أرسلت سؤالاً، ولم أتوصل بالجواب، وهو يتعلق بمنزلي لأنني اشتريته بقرض ربوي، ولم أكن وقتها على علم بحرمته، فالمدة المتبقية لاستكمال القرض هي ٧ سنوات، هل يجب أن أبيعه وأكتفي بكراء منزل آخر، أو ماذا، خصوصا وأنا في هذه الظروف؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا بدَّ من تبيين حقيقة مهمة، وهي أن بعض من يدَّعي الالتزام لا يكون له حظ منه إلا في مظهره الخارجي فقط، بل وحتى هذا المظهر الخارجي فإنك تجد التساهل الكبير فيه، فراحوا يتوسعون بالصبغ بالسواد، والتخفيف من اللحية، وإسبال الإزار...... إلخ.
ولو فُرض أن أولئك استقاموا على الشريعة في منظرهم الخارجي فإنك تجد الخواء في الداخل والباطن، وإذا علمتَ هذا لم تتعجب من أن تجد مثل هؤلاء يأكلون أموال الناس بالباطل، أو يعاملون نساءهم بوحشية، أو تراهم يمدون أبصارهم وأسماعهم نحو الحرام من النساء والغناء، وكل هذا بسبب النقص في استقامة قلوبهم على دين الله.
ثانياً:
فتنة النساء هي أضر فتنة على الرجال، وهي أول فتنة كانت لبني إسرائيل، لذا فإن الشريعة المطهرة قد جاءت أحكامها واضحة وصريحة في تحريم الخلوة بالنساء الأجنبيات، وتحريم النظر إليهن، وتحريم مصافحتهن، والاختلاط بهنَّ، وغير ذلك من الخطوات التي تؤدي بالمسلم للوقوع في فاحشة الزنا، ومن تجرأ على شرع الله فأطلق لنفسه العنان في أن تفعل ما تشتهي وتهوى وقع على أم رأسه، وقادته الخطوة إلى أختها، حتى تصل به إلى الهاوية.
عن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ) . رواه البخاري (٤٨٠٨) ومسلم (٢٧٤٠) .
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ) رواه مسلم (٢٧٤٢) .
وعلى الزوجة التي تعلم من زوجها وقوعه فيما حرَّم الله مع النساء الأجنبيات أن تسارع إلى تذكيره بتقوى الله، وأن تخوفه من أليم عذابه، وأن تقطع الطريق على الشيطان أن يقوده إلى الرذائل والفواحش، وأن تبحث عن الأسباب التي أدَّت به إلى الوقوع في هذه المحرمات فتعالجها، فلا تبق خادمة في بيتها، ولا تمكنه من النظر إلى صاحباتها، أو الخلوة بهن، أو الحديث معهن، كما عليها أن تبحث في نفسها فقد تكون مقصرة في حقه في الفراش، ولا تشبع رغبته بسبب عملها، أو انشغالها، أو ضعف شهوتها، وهذا كله لا يعني أنه يحل له ما فعله – إن ثبت عنه – فالزنا من كبائر الذنوب، وهو متزوج، وعقوبته الرجم حتى الموت، وإنما نريد علاج واقع أمامنا، وليس هناك من يعين الأمة على حفظ أعراضها من قوانين وأنظمة وأحوال، بل كل ما في الدنيا يصب في تأجيج الشهوة، وإطلاق العنان لأهلها لتفريغها حيث شاءوا، ونظرة إلى الفضائيات، وعامة وسائل الإعلام تعرِّف الجاهل صدق قولنا.
ومن المهم أن تنظري في جواب السؤال رقم (٧٦٦٩) ففيه بيان كيف تتعامل الزوجة مع زوج يشاهد الأفلام الجنسية ولا يُعطيها حقّها.
ثالثاً:
اتخاذ خادمات في البيوت له مفاسد لم تعد تخفى على أحد، وكم تسبب وجود الخادمات في كثير من المشكلات في بيوت المسلمين، ووقع كثيرون في المعاصي الصغيرة والكبيرة بسبب ذلك.
ويرجى النظر في جواب السؤال رقم (٢٦٢٨٢) ففيه زيادة بيان حول مفاسد إحضار الخادمات، وشروط جواز ذلك.
رابعاً:
الذي ننصحك به تجاه زوجك بعد أن اعترف لك أنه وقع في الزنا:
١. أن تعظيه، وتخوفيه بالله تعالى أن يتوب ويستغفر ويندم على ما فات من فعاله القبيحة.
٢. فإن لم يستجب لهذا، ولم يكف عن ملاحقة النساء، ويترك الزنا: فاطلبي الطلاق منه، فإن لم يرض به: فارفعي أمرك للقضاء ليتم تطليقك منه، فإن لم يتم هذا الفراق إلا بالخلع: فخالعيه، وادفعي ما يطلبه للفكاك منه، وتخليص نفسك من سوئه وشرِّه.
واعلمي أن خطر الزوج الزاني لا يلتصق به وحده، بل يتعداه إلى أولاده، وإليك أنتِ! إلى أولاده بسكوته عما يفعلونه من محرمات ومنكرات، وقد يكون بإشراكهم في أفعاله القبيحة، ويتعداه إليكِ أنتِ بما يمكن أن يؤثر زناه على حالك.
فقد يتلاعب الشيطان بالمرأة ويزين لها أن تقع في الحرام هي الأخرى مغايظةً لزوجها، ومقابلة له على فعله.
فإن هي استجابت للشيطان في ذلك فقد خسرت خسراناً مبيناً.
وانظري كلاماً لشيخ الإسلام ﵀ في ذلك في "مجموع الفتاوى" (٣٢/١٢٠، ١٢١) .
وخلاصة القول: إما أن يتوب توبة صادقة، وإما أن تسعي لمفارقته، بطلاق، أو خلع.
واستعيني بالله تعالى دعاءً، وتضرعاً لهدايته أو التخلص منه، واستعيني بعقلاء أقاربك لتخليصك منه إن لم يتب من ذنبه، وإياكِ أن تجعلي أولادكِ مانعاً من فراقه، فبفراقه تحافظين عليهم، وتحمينهم من سوئه وشرِّه، وبفراقه تستطيعين تربيتهم بعيداً عن مكامن الشر ودواعي الفتنة.
خامساً:
وأما بخصوص بيتك الذي اشتريتيه بقرضٍ ربوي: فكلما تعجلت في سداد هذا القرض والتخلص منه فهو الأولى، ولكن لا يجب عليك ذلك، فلا يلزمك بيع الشقة لتعجيل سداد القرض، وتكفيك التوبة والندم على ما فات والعزم على عدم العودة إلى ذلك.
وانظري جواب السؤالين (٨٥٥٦٢) و (٢٢٩٠٥) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15516
غير مرتاح مع زوجته مع أنها قائمة بجميع واجباتها !
[السُّؤَالُ]
ـ[تزوجت - ولله الحمد - قبل ٦ أشهر، ولكن أشعر بأنني غير مرتاح مع زوجتي، ليس بسبب تقصيرها في حقي، بل هي قائمة بكل واجباتها من ناحيتي ومن ناحية البيت، وأهلي، ولكن المشكلة أنها ليست المرأة التي تمنيتها، حيث إنني أعجب جدّاً بالمرأة الفارعة الطول، وزوجتي قصيرة تقريباً طولها " ١٥٢سم "، وأنا طولي " ١٦٠ سم"، ولكن أحس أنني أنجذب إلى حد الجنون للمرأة التي تفوقني في الطول، مما يجعلني أفكر في بعض الأحيان أن أطلق زوجتي أو أن أتزوج امرأة تكون أطول مني، وهذا جعلني غير مركِّز في عملي، وشارد الذهن، وقليل الإنتاج، على عكس ما كنت عليه في الجامعة، حيث كنت من الطلبة المتفوقين. ألوم نفسي كثيراً عندما أنزل مع زوجتي السوق، وأشاهد امرأة جدّاً طويلة، أحس أنني متندم على زواجي من زوجتي ويتعكر مزاجي، وعلى قولهم " أفك خلقي في زوجتي". في بعض الأحيان أقوم بالدخول على مواقع في الإنترنت تعرض صوراً ومقاطع فيديو لنساء جدا طويلات فأعجب بهن جدّاً، بل إني في بعض الأحيان أجامع زوجتي، وأنا أتخيل صورهن في عقلي. زوجتي هذه جدّاً طيبة، وتقدر لي ظروفي الصعبة، وطباخة ماهرة، وتحسن القيام بأمور البيت وهي التي دائماً، تبدأ بالمصالحة عندما نتخالف، حتى عندما أكون المخطئ، وتحاول دائماً أن تلبس الكعب العالي لتشبع رغبتي في الطول، ولكن أحس الكعب العالي لا ينفع معها لأنها جدّاًَ قصيرة. أنا الآن محتار، فزوجتي غمرتني بطيبتها وافتخارها بي بين صاحباتها وأقاربها، لا أدري ماذا أفعل، أريد أن أركز في عملي، وأصبح متميزاً، كما كنت عليه أيام الجامعة، أريدك أن ترشدني وأن تدعو الله لي بأن يدخل حب زوجتي في قلبي، وأن أجدها أجمل امرأة في عيني.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
هذه المشكلة من أغرب المشكلات التي وصلتنا! ولا ندري ما هو الذي جعلك تقدِّم الطول على الدين، والخلق، وحسن العشرة، وحسن التدبير، وجودة الطبخ من زوجتك الفاضلة، ونخشى أن يبتليك الله تعالى فتطلق هذه المرأة الفاضلة فتتزوج بامرأة طويلة لا تتصف بأي صفة من صفات زوجتك هذه فتندم أشد الندم.
واعلم أن الله تعالى قد أوجب عليك عشرة زوجتك بالمعروف، وإمساكها بإحسان، فلا يحل لك ما تفعله بها، ولا يجوز لك اختراع مشكلات لتتحرش بها فتضايقها أو تهينها بالقول أو الفعل، فإما إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، ولعلك تبحث عن ضالتك في امرأة طويلة، وتترك هذه المرأة الفاضلة لتتزوج بمن يقدِّر دينها وخلقها وحسن تدبيرها لبيت الزوجية، فاحذر من ابتلاء الله، أو عقوبته.
ثانياً:
عليك أن تتأمل هذه الأحاديث:
١. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ) رواه مسلم (١٤٦٧) .
ولم يقل: " خير متاعها المرأة الطويلة "!
٢. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) رواه البخاري (٤٨٠٢) ومسلم (١٤٦٦) .
ولم يقل: " تنكح المرأة لطولها "! ولا قال: " فاظفر بذات الطول "!
ثالثاً:
تأمل معنا كلام أهل العلم فيمن تزوج بالمرأة الصالحة:
١. قال المناوي ﵀:
"قال القاضي: المرأة الصالحة أنفع من الذهب؛ فإن الذهب لا ينفع إلا بعد الذهاب، وهي ما دامت معك رفيقتك، تنظر إليها تسرك، وتقضي إليها عند الحاجة وطرك، وتشاورها فيما يعن لك فتحفظ سرك، وتستمد منها في حوائجك فتطع أمرك، وإذا غبتَ تحامي مالك، وترعى عيالك، ولو لم يكن إلا أنها تحفظ بَذرك، وتربي زرعك: لكفى به فضلاً" انتهى.
" فيض القدير " (١ / ٤٦٥) .
٢. وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
"فقوله ﷺ : (الدنيا متاع) يعني: شيء يُتمتع به، كما يَتمتع المسافر بزاده، ثم ينتهي.
(وخير متاعها المرأة الصالحة) إذا وفق الإنسان لامرأة صالحة في دينها، وعقلها: فهذا خيرُ متاع الدنيا؛ لأنها تحفظه في سره، وماله، وولده، وإذا كانت صالحة في العقل أيضاً: فإنها تدبر له التدبير الحسن في بيته، وفي تربية أولادها، إنْ نظر إليها: سرَّته، وإن غاب عنها: حفظته، وإن وَكل إليها أمرَه: لم تخنه، فهذه المرأة هي خير متاع الدنيا، ولهذا قال النبي ﷺ : (تنكح المرأة لأربع: لمالها، وحسبها، وجمالها، ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) يعني: عليك بها؛ فإنها خير من يتزوجه الإنسان، فذات الدين وإن كانت غير جميلة الصورة: لكن يجمِّلها خلُقها، ودِينُها.
(فاظفر بذات الدين تربت يداك) " انتهى.
" شرح رياض الصالحين " (٢ / ١٢٧، ١٢٨) طبعة ابن الهيثم.
رابعاً:
انظر كيف أثَّر مرضك هذا على نفسك ودينك، فبالإضافة إلى احتقار ما تتصف به زوجتك من أخلاق فاضلة: فإن أضفت إليه إهانتها والتحرش بها، وأضفت إليه النظر المحرَّم إلى النساء الأجنبيات، ولم تكتف بذلك حتى دخلتَ مواقع فاسدة فاجرة لتقضي نهمتك لا من النظر إلى الطويلات بل إلى ذات المنكر والفاحشة، ثم رحت تتخيل تلك الفاجرات أثناء جماعك لزوجتك العفيفة الطاهرة! .
فلا ندري – حقيقة – كيف تمكن الشيطان منك، وكيف سوَّل لك الوقوع في هذه المحرمات من أجل توهم وخيال لا قيمة له عند العقلاء، أرباب الفطر السليمة.
وفي اعتقادنا أنك لا تقبل الزواج بامرأة مفتونة بالرجال الطوال، وتفعل مثل فعلك في كل تفاصيله، فتخيل ذلك للحظة أن يقع من امرأة متزوجة، فكيف تحكم عليها؟ وهو الحكم نفسه الذي تحكم به على نفسك.
والذي يظهر لنا أن ما تشعر به هو من تلاعب الشيطان بك، يريد أن يوقع كره امرأتك في قلبك ليفرق بينكما، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا تطعه فيما يوسوس به لك.
فاحذر من عقوبة الله، واحذر من سخطه، واحذر من أن تفقد زوجتك العفيفة الطاهرة بسبب أفعالك ومعاصيك، واعلم أن الجمال جمال الدين والخلق، وأن فتنتك هذه لو عرضت على عقلاء قومك لسخروا منك، فلا تجعل نفسك ألعوبة بيد الشيطان، واقطع النظر إلى النساء في الشارع، وفي وسائل الإعلام، واقطع النظر في المواقع الفاجرة، واحذر من خاتمة السوء أن تموت عليها.
ونسأل الله أن يُطهِّر قلبك، وأن يهديك لأحسن الأخلاق والأفعال، وأن يحبب إليك الإيمان ويزينه في قلبك، وأن يكرِّه إليك الكفر والفسوق والعصيان.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15517
اشترطت عليه للرجوع له أن يطلق الثانية وهو يحب الأولى وأهله يحبون الثانية !
[السُّؤَالُ]
ـ[تزوجت من فترة ستة شهور على زوجتي الأولى، وبدون علمها، وعرفتْ بعدها عن طريق أناس لا نعرفهم، ولي من زوجتي الأولى بنتان ٤ سنوات، وسنتان , لكن زوجتي الأولى على خلاف كبير مع أهلي منذ فترة، وهي ساكنة في بيت مستقل، وأهلي لا يكنون لها المحبة بسبب الخلاف الكبير، وعدم احترامها لهم. السؤال يا شيخي: زوجتي الأولى مصممة على الطلاق، ورفعت دعوى في المحكمة، وشرطها لكي ترجع هو أن أطلق زوجتي الثانية، مع العلم أن الزوجة الثانية على حب كبير مع أهلي , ومشكلتي هي أني أحب زوجتي الأولى أم بناتي لحكم العشرة، وقرارها غير قابل للنقاش، إما أن أطلق الزوجة الثانية، أو تستمر هي في المحكمة حتى تحصل على الطلاق , وبالنسبة لي: أميل للأولى أكثر من الثانية بكثير، وأخشى أن أظلمها، أي: الثانية لكوني متعلقاً بالأولى، فانصحني، جزاك الله كل خير؛ لأني – والله - تعبت، ولا أعرف ماذا أفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا يحل لزوجتك الأولى أن تسألك طلاق ضرتها، وقد جاء تحريم ذلك نصّاً في سنَّة النبي ﷺ .
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تَسْأَلُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا) . رواه البخاري (٤٨٥٧) ومسلم (١٤١٣) .
وفي لفظ: (وَلَا تَسْأَلْ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ مَا فِي إِنَائِهَا - أَوْ مَا فِي صَحْفَتِهَا -) . رواه البخاري (٢٥٧٤) ومسلم (١٤١٣) .
وقال الحافظ ابن حجر ﵀:
"قوله: (لا يحل) ظاهر في تحريم ذلك " انتهى. " فتح الباري " (٩ / ٢٢٠) .
وقال ابن عبد البر ﵀:
"لا ينبغي أن تسأل المرأةُ زوجَها أن يطلق ضرتها لتنفرد به، فإنما لها ما سبق به القدر عليها، لا ينقصها طلاق ضرتها شيئاً مما جرى به القدر لها، ولا يزيدها" انتهى.
" التمهيد " (١٨ / ١٦٥) .
وقال الشيخ عبد الله البسام ﵀ في بيان فوائد الحديث -:
"تحريم سؤال المرأة زوجَها أن يطلِّق ضرتَها، أو توغير صدره عليها، أو الفتنة بينهما، ليحصل بينهما الشر، فيفارقها، فهذا حرام؛ لما يحتوى عليه من المفاسد الكبيرة، من توريث العداوات، وجلب الإحن، وقطع رزق المطلقة الذي كنَّى عنه بِكَفْءِ ما في إنائها من الخير، الذي سببه النكاح، وما يوجبه من نفقة، وكسوة، وغيرها من الحقوق الزوجية.
فهذه أحكام جليلة، وآداب سامية، لتنظيم حال المجتمع، وإبعاده عما يسبب الشر، والعداوة، والبغضاء، ليحل محل ذلك المحبة، والمودة، والوئام، والسلام" انتهى.
" تيسر العلام شرح عمدة الأحكام " (٢ / ٣٠٥) .
ثانياً:
أما نصيحتنا لك: فهي أن تسعى بكل جهدك لإرجاع الأولى، وعدم طلاق الثانية، ولا تحرص على غير ذلك، فالزوجة الأولى هي أم أولادك، وهي محبوبتك، ويُخشى على أولادك من الضياع بعد الطلاق، ويمكنك إصلاح ما بينها وبين أهلك فيما بعد، والزوجة الثانية هي محبوبة أهلك، ولا ذنب لها بكونك تميل للأولى حبّاً وتعلقاً، فهي زوجتك، ولها حقوق عليك، فاحرص أشد الحرص على الجمع بينهما، واحذر من العجلة في التطليق.
وأما قولك: إنك تخشى أن تظلم الثانية لأنك تميل إلى الأولى.
فإذا كان الأمر كذلك فلماذا تزوجت الثانية؟ والله تعالى يقول: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) النساء/٣.
فلا يجوز لمن يخشى من نفسه ألا يعدل بين زوجتيه أن يتزوج الثانية.
فعليك أن تحرص على الجمع بينهما، والعدل بينهما، لا ننصحك بغير هذا.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15518
ظاهرة " وحم " الحوامل كيف يُتصرف معها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[مشكلتي تبتدئ من الوحم، بحيث إنني كنت حاملاً، وبهذا الحمل أصبحت فجأة لا أطيق ابنتي الكبرى , عمرها ست سنوات , كما أني لا أحتمل صوتها، ولا كلامها، ولا حتى حركتها , فعندما تكون موجودة في المنزل: أكون في حالة يرثى لها، بحيث أحس بالصداع، وأكون قلقة، وعصبية إلى أقصى حد، على أتفه الأسباب , وبالعكس في غيابها، أكون مرتاحة، وهادئة , أقوم بواجبي المنزلي كما يجب، إضافة لهذا تأتيني في المنام أحلام مزعجة، حيوانات تطاردني، فأختبئ في أماكن الخلاء , وهذا الشيء يتكرر معي كثيراً، بحيث أرى أيضا في منامي مياهاً جوفيةً - أو غيرها - عكرة لا تصلح للشرب , ولهذا فإنني أذهب لأطباء كثيرين، ويقولون: إنها حالة عصبية لا غير، فوجدت نفسي أشرب الدواء بدون فائدة، والحال على ما هو عليه، فأرجو أن تتلقى رسالتي هذه باهتمام بالغ؛ لأنني أتعذب كثيراً، وجزاك الله عنَّا كل خير.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الوحم الذي يصيب المرأة الحامل، وخاصة أول حملها: ثابت طبيّاً كأحد أعراض الحمل، واسمه بالإنجليزية " longing "، وهو ثابت في واقع حال كثيرات، وللنساء الحوامل طبائع غريبة في تلك الفترة، فمنهنَّ من تحب زوجها ورائحته، ومنهن العكس، ومنهنَّ من تأكل الثلج، ومنهن من تأكل الفحم! وتعدى الأمر ذلك إلى قضم الأحذية الرياضية للأطفال! وهكذا في طبائع غريبة كثيرة يصعب حصرها، وعلى ضوء ذلك فإننا لا نعجب مما حصل مع الأخت السائلة تجاه ابنتها، وينبغي على أهل بيتها مراعاة حالتها، والعمل على عدم تصعيب الأمر عليها، أو التسبب في حدوث أزمة نفسية مع ابنتها، أو حصول ضرر لها من أمها، ولذا فقد يكون من الحلول لأهل بيتها البحث عن مكان مناسب لهذه الابنة لتقضي فترة وحام أمها فيه.
وقد حيَّر هذا الوحم من النساء الحوامل الأطباء، فذهبت بهم الأقوال يمنة ويسرة، ولم يستطيعوا فهم هذه الظاهرة، والوقوف على حقيقتها، ويذكر بعض الأخصائيين ما يمكن أن يكون بعض علاج لهذه الحالة، وهو: " تجنب التفكير الدائم أو توقع الوحم ".
وعلى كل حال: فهذا أمر واقع لا يُنكر في حياة النساء الحوامل، ولا في واقع الطب، وعلى أهل البيت أخذ التدابير المناسبة لوحم المرأة الحامل، مع التنبيه لعدم تمكينها من أكل المحرَّم والضار، كالفحم والشعر والأحذية! وتحمل تصرفاتها تجاه بعض أنواع الطعام، أو تصرفاتها مع زوجها وأولادها، وقد ثبت حصول حالات طلاق كثيرة في هذه الفترة، وما ذاك إلا لعدم فهم الزوج لطبيعة وحم زوجته، أو لعدم تحمله لتصرفاتها وأفعالها.
ثانياً:
خير ما نوصي به المرأة وزوجها وأهلها علاجاً لهذه الحالة وغيرها من الأمراض النفسية والبدنية: القرآن الكريم، فقد جعل الله تعالى فيه الهداية، والشفاء.
قال الله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً) الإسراء/ ٨٢.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀:
"وقوله في هذه الآية (مَا هُوَ شِفَآءٌ) يشمل كونه شفاء للقلب من أمراضه، كالشك، والنفاق، وغير ذلك، وكونه شفاء للأجسام إذا رقى عليها به، كما تدل له قصة الذي رقى الرجل اللديغ بالفاتحة، وهي صحيحة مشهورة" انتهى.
" أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن " (٣ / ٢٥٣) .
وهذه الأحلام المزعجة التي تأتيك هي من الشيطان، وليس هناك شيء لطرد الشيطان أنفع من ذكر الله تعالى، فعليك بالإكثار من قراءة القرآن، لاسيما سورة البقرة والفاتحة والمعوذات، وأكثري من ذكر الله تعالى، وحافظي على الأذكار الواردة عن النبي ﷺ في الأوقات والأحوال المختلفة كأذكار الصباح والمساء، وعند النوم، وبعد الاستيقاظ وعند دخول المنزل والخروج منه..إلخ.
ولا بأس أن تطلبي من أحد الثقات المأمونين أن يرقيك، ونرجو أن يكون في ذلك شفاؤك من هذه الأحلام والصداع والقلق والعصبية الزائدة، إن شاء الله تعالى.
ونسأل الله تعالى أن يشفيك من كل داء.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15519
هل تخلع النقاب، لأنه يعيقها في حركتها، ولا تشعر أنها تلبسه لله ؟!
[السُّؤَالُ]
ـ[ٍأنا ملتزمة بلبس الإسلام، الإسدال، والنقاب، سؤالي هو: أني أعلم أن النقاب أمر يختلف فيه العلماء في أنه فرض أو سنَّة، أنا ألبسه منذ تسعة شهور، ولكنه يعيقني في الحركة كثيراً، ولكني طول هذه المدة حاولت أن أجعل نفسي تأخذ عليه كثيراً حتى لا أرجع في هذه الخطوة، لله، وحتى يوفقني الله دنيا وآخرة، ولكنه يضايقني كثيراً في التنفس، فأنا أتنفس دائماً زفير خارجاً من فمي، أو من أنفى، وفي السفر للدراسة يكون الجو حارّاً أغلب السنة الدراسية، فأنا أسافر مائة كيلو كل يوم، غير المعهد الآخر الذي أدرس فيه مساءً، فيعيقني في النفس، ولا أعرف أن أكتب منه؛ فإنه يتعبني كثيراً عندما أكتب، وعند النظر في المحاضرات، وأنا دائماً لا ألبس القفاز؛ لأني لا أعرف أكتب به، ولا آكل به في السفر، وإن المعهدين دراستهم عملي فأنا أنوي أن أترك النقاب، ولكني أخاف أن يعاقبني الله، ولكني أرجو من الله أن يسامحني عليه، ويبدلني بطاعته، والتقرب إليه في شيء آخر أفضل، فماذا أفعل؟ مع العلم أنه أتعبني كثيراً، ولا أريده، فأنا الآن تعبت من كثرة إرغام نفسي على طاعتي لله فيه؛ لأنه يعيقني حركيّاً كثيراً، ويضايقني في التنفس، فأغلب الوقت أكون فيه عصبية بسبب عدم التنفس بطريقة صحيحة، فأخرج غضبي على أصحابي! فهل حرام عليَّ أخلعه لأنتبه لدراستي لأنه يعيقني في النظر غير أنى طول الوقت أحس أني لا ألبسه لله فقط، ولكن يوجد داخلي نية لأتزوج من خلاله بشخص ملتزم، وهكذا فلن آخذ عليه الثواب فماذا أفعل؟ فأنا أخاف أن أخلعه ويعاقبني الله فماذا أفعل؟ وهل الله سوف يغضب عليَّ ولا يوفقني أم سيسامحني وسيوفقني في شيء أفضل؟ لأني أخاف. آسفة على الإطالة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اعلمي – يا أمة الله – أن للشيطان مداخل على ابن آدم متنوعة، وليس من همٍّ لإبليس إلا إغواء الناس، وإيقاعهم في مخالفة أمر ربهم تعالى، فاحذري كيده، وإياك أن تقعي في حبائله، ومن ذلك: إيهامك أن لبسك للنقاب ليس لله تعالى! وأن عليك خلعه! وهذا كله من تلبيسه ومكره، فكيف تصدقينه في وسوسته أن لبسك للنقاب ليس لله؟! وهذا يعني أن خلعك له سيكون لله! فهل رأيت شبهة أسقط من هذه؟! فكان عليك التفكير في النتيجة، وليس في الفعل وحده؛ لأنه إن كان الستر والحجاب هو لغير الله: فإن عدمهما هو لله! وهذا ما لا يمكن أن يفوت على مسلم يعلم ما يحب ربه وما يُسخطه، فلا تلتفتي لمكر الشيطان، ولا تصغي له سمعاً.
ثم ما العيب في أن تطلبي زوجا صالحا، وأن تهيئي نفسك لذلك، فالطيور على أشكالها تقع، والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات، فإن أوهمك ذلك، أو افترضنا أنك لبستيه في أول الأمر بهذه النية، فاجتهدي الآن على أن تصححي نيتك وتجعليها لله، ولا يضرك كيد الشيطان ووسواسه.
واعلمي أن الكتاب والسنَّة قد دلَاّ على وجوب تغطية وجهك وكفيك أمام الأجانب، وانظري أدلة ذلك في أجوبة الأسئلة (٤٥٨٦٩) و (٢١٥٣٦) و (٢٧١٠٧) و (١١٧٧٤) و (١٤٩٦) و (٢١٩٨) .
ثانياً:
بخصوص تأثير لبس النقاب على صحتك وتنفسك: فيمكنك معالجة هذه المسألة إما بعلاج نفسك إن كان السبب هو مرض عندك، ويمكنك معالجتها بلبس غطاء للوجه يكون فضفاضاً واسعاً لا يؤثر على تنفسك عند لبسه، ولا تظنين أن الإسلام يشرِّع ما فيه ضرر ومشقة بالغة على المكلَّف، وبخصوص اللباس فإن الشرع المطهَّر لم يأتِ إلا بما فيه خير وصلاح الرجال والنساء، ولكِ أن تستعيني بأخواتك المنتقبات المحجبات لدلالتك على لباس يستر وجهك مع عدم مشقة وحرج، أو يدلونك على طريقة لبس نقابك بما لا يؤثر على بدنك، ولا تجعلي هذا الأمر سبباً لخلعك له، ولا سبيلاً للتخلص من سترك لوجهك والالتزام بما أمرك به ربك تعالى.
وانظري جواب السؤال رقم: (٣٤٥٤٤) .
ثالثاً:
كما أن كشفك لوجهك من المحرَّمات: فإن اختلاطك بالرجال في أماكن الدراسة أيضاً من المحرَّمات.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
ما حكم الإسلام في خروج المرأة لتعلم العلم الدنيوي، مع أنها تتحمل في هذا الخروج بعض المعاصي مثل: خلع النقاب، والاختلاط بالرجال، وتضيع الوقت فيما لا ينفع، مع العلم أن والدي يأمرني بالذهاب إلى الجامعة، فلما أصريت على عدم الذهاب غضبوا عليَّ غضباً شديداً جدّاً، فهل عليَّ أن أطيعهم في هذا الأمر، وإذا لم أطعهما فهل في هذه الحالة إثم؟ .
فأجابوا:
خلع الحجاب محرَّم، والاختلاط بالرجال في التعليم محرَّم، ولا تجب طاعة الوالدين في معصية الله تعالى، ولا إثم عليك في ذلك.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٧ / ٢٦٣) .
رابعاً:
وقد لفتَ نظرنا في السؤال سفرك من غير محرَّم! وهذا أيضً من المحرَّمات.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) . رواه البخاري (١٧٦٣) ومسلم (١٣٤١) .
ومحرَم المرأة، المراد به: من لا يحل له نكاحها.
قال النووي – ﵀:
فالحاصل: أن كل ما يسمَّى سفراً: تُنهى عنه المرأة، بغير زوج، أو محرم، سواء كان ثلاثة أيام، أو يومين، أو يوماً، أو بريداً.
" شرح مسلم " (٩ / ١٠٣) .
قال ابن حجر – ﵀:
(واستدل به على عدم جواز السفر للمرأة بلا محرم، وهو إجماع في غير الحج، والعمرة، والخروج من دار الشرك، ومنهم من جعل ذلك من شرائط الحج.
" فتح الباري " (٢ / ٥٦٨) .
وانظري أجوبة الأسئلة: (٨٢٣٩٢) و (٤٧٠٢٩) و (٩٣٧٠) .
والخلاصة:
تغطية وجهك مما أوجبه الله عليك، والوهم أنك لا تلبسينه لله إنما هو من كيد الشيطان ليصدك عن فعل الخير والستر والعفاف، ولا يحل لك السفر من غير محرَم، ولا الدراسة، ولا العمل في أماكن مختلطة بالرجال، وابحثي عن مكان قريب منك ليس فيه إلا نساء، وادرسي ما شئت من العلوم المباحة، ولا تعملي في مكان يعمل فيه رجال، وابقي على خوفك من الله؛ ففي الخوف من الله حياة لقلبك، وإصلاح لأعمالك، وإتقان لطاعاتك له ، ونسأل الله أن يوفقك لما فيه رضاه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15520
كيف تتخلص من سارقي الأعمار
[السُّؤَالُ]
ـ[ابتليت - والله تعالى المستعان- بصحبة الفارغات اللاتي لا يحسبن للوقت حسابا، فيتحدثن في الهاتف لفترات طويلة، ويتصلن في اليوم أكثر من مرة , وأنا أحيانا أجاريهن في انتظار أن ينهين المكالمات ولكن دون فائدة، فأنا من ينهيها غالبا , المشكلة أنني محتارة جدا بين أن أتعامل معهن بحسن خلق، أو أن أحافظ على وقتي الذي هو عمري , كثيرا ما أشغلني هذا الموضوع إذا صارحتهن أو تجاهلت مكالماتهن أو أصررت على إنهائها رغما عنهن، أظل خائفة من أن أكون سيئة الخلق، وسوء الخلق كما تعلمون يفسد العمل , وإذا جاريتهن وأرضيتهن نوعا ما أظل خائفة ماذا سأقول لربي في ساعاتي التي أضعتها دون فائدة , مع العلم أني حاولت كثيرا أن أصارح مرة بلطف ومرة بعنف، ولكن دون جدوى، كما لا أستطيع قطع هذه العلاقات التي تزيد مدة بعضها عن السبع سنوات. أشيروا علي جزاكم الله خيرا، فقد طالت معاناتي.. وحول نفس الموضوع: كيف أتعامل مع الأهل في المنزل، أو كثرة الضيوف الذين لا يعرفون للوقت قيمة، ويطالبونني بالجلوس معهم لساعات، أو ربما أيام دون عمل ترجى فائدته؟ وفقكم الله لما يحب.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نصيحتنا لك نوجزها في أمور ثلاثة:
الأول: نثني على حرصك ومحافظتك على وقتك، والحق كل الحق فيما تشعرين؛ لأن عُمُر الإنسان هو أيامه التي تُطوى، وساعاته التي تُقضى، والعاقل هو الذي يحفظ رأس ماله من الضياع، والخاسر هو الذي يفرط في أثمن ما يملك، فلا يرعى له حرمة، ولا يعرف له قدرا.
جاء في تفسير الرازي "مفاتيح الغيب" (٢٢/٨٣) :
" أقسم الله تعالى بالعصر – الذي هو الزمن – لما فيه من الأعاجيب؛ لأنه يحصل فيه السراء والضراء، والصحة والسقم، والغنى والفقر؛ ولأن العمر لا يُقَوَّمُ بشيء نفاسة وغلاء، فلو ضيعت ألف سنة فيما لا يعني، ثم تبت وثبتت لك السعادة في اللمحة الأخيرة من العمر بقيت في الجنة أبد الآباد، فعلمت أن أشرف الأشياء حياتك في تلك اللمحة، فكان الزمان من جملة أصول النعم، فلذلك أقسم الله به، ونبه سبحانه على أن الليل والنهار فرصة يضيعها الإنسان، وأن الزمان أشرف من المكان فأقسم به، لكون الزمان نعمة خالصة لا عيب فيها، وإنما الخاسر المعيب هو الإنسان " انتهى.
ثانيا: ثم نوصيك بعدم المبالغة في الزهد بالحديث مع الناس والأصحاب، والمحافظة على قدرٍ مِن مجالستهم وملاطفتهم، خاصة الأقارب منهم، فقد كان من هدي النبي ﷺ زيارة أصحابه، والأنس بهم، والحديث معهم، ولكن المحذور هو المبالغة في ذلك حتى تنقضي الساعات الطوال، أو حتى يقع التفريط في الواجبات الأخرى التي تنتظر قضاءها، من عبادة، وتعلم، وعمل، ونحوها، وخير الأمور أوساطها، ومن قصد الخير وفقه الله إليه.
ولتحرصي أثناء محادثة أصدقائك وأقاربك على مدارسة المواضيع الجادة المهمة، ومناقشة ما ينفع في الدين أو الدنيا، ليكتب لك الأجر في إفادتهم، ولتكسبوا مجلسكم ذلك حجة لكم يوم القيامة، لا حجة عليكم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
(مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ وَيُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ لِلثَّوَابِ)
رواه أحمد (٢/٤٦٣) ، وصححه المحققون على شرط الشيخين. والشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم/٧٦)
ثالثا: أحسني التخلص والاعتذار من سارقي الأعمار والأوقات، وتأملي في الوسائل التي تعينك على ذلك، فأنت أدرى بظرفك وحالك، ومن ذلك مثلا:
أن تعتذري بانشغالك بالتحضير لامتحان الجامعة أو المدرسة أو الدورة العلمية إن كنت مرتبطة بشيء منها، أو بانشغالك بتجهيز مشروع معين لتلك الجهة، فالناس غالبا ما يعذرون في هذه الأشياء، بل ويشجعون على استغلال الوقت لها، ولو اضطرك الأمر للارتباط فعليا بإحدى الجهات العلمية كي يقتنع الناس بعذرك، فإن لم يكن عليك اختبارٌ أو واجبٌ لتلك الجهة فاقصدي في حديثك ما سيأتي منها؛ لأن التحضير والإعداد يكون سابقا دائما، وبهذا تصدقين معهم، وتجدين العذر منهم.
ويمكنك استعمال هذا العذر مع الضيوف الحاضرين، كما يمكنك الاعتذار به من صديقاتك المتصلات، وإن كان التخلص على الهاتف أسهل وأيسر، إذ لا يرى المتصل حقيقة ما تفعلين في البيت، فلك أن تعتذري منها برغبتك في الصلاة قبل فوات وقتها، ولتكن نيتك صلاة النافلة إن كنت صليت الفريضة، أو اطلبي من والدتك مناداتك أثناء حديثك على الهاتف لطلب مساعدتها في العمل، فإذا سمعت المتحدثة نداء الوالدة قطعت اتصالها بك، وهكذا يستطيع المرء أن يجد ما يتخلص به من نزيف الأوقات الذي يحدثه كثير من الناس.
وننقل لك هنا شكوى أحد العلماء من سارقي الأعمار، وكيف كان علاجه لهذه المشكلة، مع كلام جميل في أهمية الوقت، وضرورة حفظه واستغلاله.
يقول ابن الجوزي في "صيد الخاطر" (ص/٢٤٠-٢٤١) :
" أعوذ بالله من صحبة البطَّالين! لقد رأيت خلقًا كثيرًا يجرون معي فيما قد اعتاده الناس من كثرة الزيارة، ويسمون ذلك التردد خدمة، ويطلبون الجلوس، ويجرون فيه أحاديث الناس، وما لا يعني، وما يتخلله غيبة!
وهذا شيء يفعله في زماننا كثير من الناس، وربما طلبه المزور، وتشوق إليه، واستوحش من الوحدة، وخصوصًا في أيام التهاني والأعياد، فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض، ولا يقتصرون على الهناء والسلام، بل يمزجون ذلك بما ذكرته من تضييع الزمان.
فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء، والواجب انتهابه بفعل الخير، كرهت ذلك، وبقيت معهم بين أمرين: إن أنكرت عليهم وقعت وحشة، لموضع قطع المألوف! وإن تقبلته منهم ضاع الزمان! فصرت أدافع اللقاء جهدي: فإذا غلبت قصرت في الكلام لأتعجل الفراق.
ثم أعددت أعمالًا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم، لئلا يمضي الزمان فارغًا، فجعلت من المستعد للقائهم: قطع الكاغد – ورق الكتابة -، وبري الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لا بد منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع شيء من وقتي.
نسأل الله أن يعرفنا شرف أوقات العمر، وأن يوفقنا لاغتنامه.
ولقد شاهدت خلقًا كثيرًا لا يعرفون معنى الحياة: فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ماله، فهو يقعد في السوق أكثر النهار، ينظر إلى الناس، وكم تمر به من آفة ومنكر! ومنهم من يخلو بلعب الشطرنج! ، ومنهم من يقطع الزمان بكثرة الحديث عن السلاطين، والغلاء والرخص، إلى غير ذلك: فعلمت أن الله تعالى لم يُطلِع على شرف العمر، ومعرفة قدر أوقات العافية، إلا مَن وَفَّقه وألهمه اغتنام ذلك، (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) فصلت/٣٥" انتهى.
نسأل الله تعالى لنا ولك التوفيق والسعادة في الدنيا والآخرة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15521
ترك صلاة الجماعة في الشركة تجنبا لأذى الموظفين
[السُّؤَالُ]
ـ[أعمل موظفا في شركة، وصل أذى عمالها لي إلى حد اتهامي بالكبائر والنفاق، وأصبح سبي وسب أهلي شيئا محببا لهم، فما حكم ترك صلاة الجماعة معهم، وما حكم ترك العمل لهذا السبب، مع العلم أنه يصعب إيجاد عمل آخر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله أن يكفيك شرار الخلق، وأن يكف عنك الظلم والأذى.
ثم نوصيك أخانا السائل بالحكمة في الحل، والحكمة لا تكون إلا مع التأني والتروي، وليس بالعجلة والتسرع، وذلك لتأخذ فرصتك في تقليب الأمر ومشورة أهل الفضل والرأي مِن حولك.
والذي نراه لك أمران:
أولا: فيما يتعلق بالصلاة: فليس ما ذكرته عذرا لترك صلاة الجماعة معهم؛ فإن من أصول أهل السنة: حضور صلاة الجماعة خلف كل بر وفاجر، إلا إن كانت تتيسر لك جماعة أخرى أمثل منهم، فلا بأس أن تصلي مع الجماعة الفاضلة، وأما أن تترك صلاة الجماعة لتصلي وحدك، فهذا لا يجوز لك، ثم إن لن يحل من مشكلتك شيئا، لأنك سوف تبقى تلتقي بهم في عملك، وذهابك ومجيئك.
اللهم إلا أن تكون صلاتك معهم لها مدخل في حصول هذا الأذى، أو أنهم يتعمدون إظهاره في مكان الصلاة، فالذي يظهر ـ حينئذ ـ أنه لا بأس بألا تصلي معهم، دفعا لأذاهم عن نفسك.
قال السيوطي ﵀ في "الأشباه والنظائر" (ص/٦٨٤) :
" الأعذار المرخصة في ترك الجماعة نحو أربعين ... - فعدها وذكر منها -: أو في طريقه من يؤذيه بلا حق، ولو بشتم، ولم يمكن دفعه نقله الأذرعي " انتهى.
ثانيا: أما أذاهم لك، فاستعن ـ أولا ـ بمولاك: أن يكف عنك شرهم وكيدهم وأذاهم، وأن يسلمك منهم.
ثم إن كان لك رئيس، أو كان عندك ذو سلطان تستعين به في كف شرهم عنك، فافعل.
فإن لم يكن عندك من يدفع عنك الأذى، وكان لعملك مقر آخر، فاطلب نقلك إليه، فما ينبغي للمسلم أن يبقى في مكان تنتهك فيه حرمته، ويتعرض فيه للأذى، وهو لا يستطيع الدفع عن نفسه.
عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ قَالُوا وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ قَالَ يَتَعَرَّضُ مِنْ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ) .
رواه الترمذي (٢٢٥٤) ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
على أنه ينبغي لك أن تدبر لك عملا آخر، تنفق منه على نفسك وعيالك قبل أن تترك عملك هذا فعلا.
واعلم أن الله ناصر المظلومين، ومجير المستضعفين، فالجأ إليه سبحانه، واسأله دائما العصمة من الأذى والحفظ من الضرر، وأن يظهر الحق ويذب عن عرضك، ولتعز نفسك بمن قبلك من المؤمنين الذين اتهموا بالباطل في دينهم وعرضهم، وأولهم الأنبياء، ثم الصحابة والصالحون، حتى تجرأ بعضهم على اتهام أم المؤمنين عائشة ﵂، فأنزل الله براءتها من عنده في آيات تتلى إلى يوم القيامة.
وليحذر أولئك الذين يقعون في أعراض المسلمين ويأكلون لحومهم سخطَ الله ومقته وعقابه، فهو سبحانه يمهل ولا يهمل، يقول الله : (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) الأحزاب/٥٨
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَقَالَ:
(يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ.
قَالَ: وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى البَيْتِ أَوْ إِلَى الكَعْبَةِ فَقَالَ: مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللهِ مِنْكِ)
رواه الترمذي (٢٠٣٢) وقال حسن غريب. وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب"
والحاصل أنه ينبغي لك المحافظة على صلاة الجماعة، مع اعتزال من يتهمونك بالباطل، فإن لم تستطع الجمع بينهما، وبلغ بك من الأذى الشيء الكثير، جاز لك ترك صلاة الجماعة معهم، إن كان ينفعك ذلك في دفع الأذى عن نفسك، أو تقليله.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15522
علاج وسواس الشك
[السُّؤَالُ]
ـ[أخي يعاني من مرض الشك ... فهل من دواء لهذا المرض؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يشفي كل مريض، ويعافي كل مبتلى بهذا المرض، وأن يعيذ المسلمين من الشيطان الرجيم.
ثم نوصيك بحث أخيك على سلوك سبيلين مهمين للعلاج، وهما:
الأول: العلاج الشرعي: ويبدأ هذا العلاج بترك الاسترسال مع الشك والوسواس، فالشريعة لا تأمر الناس بما يسقمهم، وقد نص الفقهاء على أن صاحب الوسواس والشك الكثير لا يلتفت إلى شيء من الشكوك التي تعرض له، وعبادته صحيحة إن شاء الله، فمن بدأ بهذه القناعة الشرعية قطع على الشيطان سبيله الذي دخل منه، وخطا خطوة أولى نحو الشفاء والعلاج إن شاء الله تعالى.
يقول ابن القيم ﵀ في "إغاثة اللهفان" (١/١٣٥)
" فمن أراد التخلص من هذه البلية فليستشعر أن الحق في اتباع رسول الله ﷺ في قوله وفعله، وليعزم على سلوك طريقته عزيمة من لا يشك أنه على الصراط المستقيم، وأن ما خالفه من تسويل إبليس ووسوسته، ويوقن أنه عدو له، لا يدعوه إلى خير، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، وليترك التعريج على كل ما خالف طريقة رسول الله ﷺ كائنا ما كان، فإنه لا يشك أن رسول الله ﷺ كان على الصراط المستقيم، ومن شك في هذا فليس بمسلم، ومن علمه فإلى أين العدول عن سنته، وأي شيء يبتغي العبد غير طريقته، ويقول لنفسه: ألست تعلمين أن طريقة رسول الله ﷺ هي الصراط المستقيم؟! فإذا قالت له: بلى. قال لها: فهل كان يفعل هذا؟ فستقول: لا. فقل لها: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟! وهل بعد طريق الجنة إلا طريق النار، وهل بعد سبيل الله وسبيل رسوله إلا سبيل الشيطان، فإن اتبعت سبيله كنت قرينه، وستقولين: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين " انتهى.
ثم عليه بالمحافظة على الأذكار والأوراد الشرعية في الصباح والمساء وأذكار الطعام ودخول الخلاء ونحوها، فهي وقاية من الشيطان، وحصن حصين من خطرات النفس السيئة، ولتكن مداومته عليها مداومة تفكر وتعقل وتدبر، وليست مداومة نطق مجرد باللسان.
كما أن في قراءة القرآن الكريم أثراً بالغاً في النفس، في تهذيبها وتقويمها، وخاصة سورة البقرة التي ينفر منها الشيطان، فليحرص أحدنا على ورده اليومي من كتاب الله تعالى.
وخلال ذلك لا يمل من الدعاء والسؤال والتوجه إلى الله بحاجته، فالرب سبحانه كريم جواد، لا يرد سائلا صادقا، ولا تنفد خزائن كرمه وجوده، يحب الملحين في الدعاء، وقد وعد بالإجابة ما لم يعجل أحدنا فيقول: دعوت ولم يستجب لي.
الثاني: العلاج الحسي السلوكي: وهذا لا بد فيه من مراجعة الطبيب أو المستشار النفسي المختص، فهو أدرى بالأساليب التي يمكن أخذ النفس عليها كي تعتدل في تفكيرها وتتخلص من اضطرابها، وقد يساعده ببعض الأدوية النافعة في هذا الشأن، فليتشجع لمراجعة أهل الاختصاص، ولا يتردد في ذلك، فإن للوسواس مضاعفات بالغة، ينبغي عليه تداركها قبل فوات الأوان.
وفي موقعنا مجموعة من الإجابات المفيدة في هذا الموضوع: (١١٧٤) ، (١١٤٤٩) ، (١٠١٦٠) ، (٢٠١٥٩) ، (٣٩٦٨٤) ، (٦٢٨٣٩)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15523
تبكي دائماً بسبب وفاة أمها
[السُّؤَالُ]
ـ[لدي صديقة توفيت أمها وهي تبكي دائماً ماذا عليها أن تفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
مصيبة الموت مصيبة لا مفر منها وهي امتحان لنا لنعمل الصالحات ونحسن أعمالنا لننال جزاءنا فيرضى الله عنا، والحزن والبكاء على فقد قريب أمر جائز، إذا كان على وجه العادة، ولم يصحب بنياحة أو تسخط، فقد بكى النبي ﷺ على موت ابنه إبراهيم، وقال: (إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ) روه البخاري (١٢٢٠) ومسلم (٤٢٧٩) .
والمصائب في الدنيا تكفر الذنوب، فقد قال ﷺ : (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) رواه البخاري (٥٢١٠) ومسلم (٤٦٧٠) .
لكن.. ينبغي أن يكون هذا البكاء والحزن بقدر، بحيث لا يضيع الإنسان مصالحه في الدنيا أو في الآخرة، ويشتغل بذلك عن أعماله وواجباته، وطاعته لله، بل يجب عليه أن يصبر ويتحمل، حتى يفوز بثواب الصابرين، فيكفر الله سيئاته، ويرفع درجاته.
والنصيحة لصديقتك أن تنشغل عن مصيبتها بعمل جاد كتعلم وقراءة وتلاوة القرآن واللهو المباح، وأن تستعيذ بالله من الهم والحزن، وأن تبتعد عن الانفراد والخلوة بالنفس، فإن ذلك مما يسلط الشيطان عليها.
ولتعلم أن الرسول ﷺ حَرَّم على المرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث ليالٍ إلا على الزوج، فقال ﷺ : (لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) رواه البخاري (١٢٨٠) ومسلم (١٤٨٦) .
فلا يجوز للمرأة أن تستمر حزينة مجتنبة للزينة بسبب موت أحد أكثر من ثلاث ليال، إلا على زوجها، فتستمر مجتنبة للزينة فترة العدة كلها.
نسأل الله تعالى أن يلهمها الصبر، ويستعملها في طاعته.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15524
عاش معها بالحرام فتاب وأسلمت وتزوجها ويريد أهله أن يطلقها
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو منكم قراءة رسالتي هذه، وإرسال الجواب بأسرع وقت؛ لأنني تعبت وأنا أبحث عن مواقع الفتوى، وإرسال الرسائل، وانتظار الجواب، وكل المواقع التي راسلتُها لم ترد لي الجواب , فتغيرت نظرتي تجاه تلك المواقع، وعندما قرأت بعض الفتاوى في موقعكم هذا ارتحت له كثيراً وأصبحتُ يوميّاً أقرأ بعض فتاواكم، فهي تريحني، ووجدت فيها الكثير من الأجوبة الشافية لبعض أسئلتي، أرجو منكم إيجاد حل لكل أسئلتي فهي لا تدعني أنام، وأنا بأمسّ الحاجة للجواب الشافي؛ لأنني جدّاً متعب، ومشرد الذهن، وأنا أخاف أن أقع في الخطأ الذي أحاول الابتعاد عنه كل الابتعاد. قصتي هي أنني كنتُ في بلد أجنبي للدراسة، وأنتم تعرفون كيف يعيش المجتمع الغربي، كي لا تطول القصة أكثر: أنا ارتكبت الفواحش: مِن شرب خمر، وزنا، وأفطرت شهر رمضان، وارتكبت الزنا في شهر رمضان، وأخطائي كانت كثيرة، والحمد لله الذي هداني للتوبة التي نوَّرت لي حياتي، ونقلتني من الظلمات إلى النور، توبتي كانت في شهر رمضان، وكانت تسكن معي فتاة أجنبية، ديانتها مسيحية، وعندما رأتني هذه الفتاة تائباً أقرأ القرآن، وأصلي، وأصوم، بدأت هذه الفتاة الاقتراب إلى الإسلام، وفي العاشر من رمضان أسلمت هذه الفتاة، وارتدت اللباس الشرعي، والحجاب، وبدأت تتعلم القرآن، وتصلي الفرض، والسنَّة، وتصوم، ودرست السيرة النبوية، والكثير من الدروس في الإسلام، ولقد تزوجتها في أول يوم أشهرت فيه إسلامها، وعشنا أجمل أيام حياتنا، وذات يوم عرفتُ حقيقةً مرَّة غيَّرت مسار حياتي، وأصبحتُ دائم الهم والحزن، عرفت تاريخ هذه الفتاة، وكان تاريخها كأي تاريخ فتاه أجنبية (الحرية والخيانة) عرفت منها أنها كانت قد خانتني أكثر من مرة، هي خانتني، ولكن قبل أن تسلم، وقبل أن أتزوجها، ولكن كونها أصبحت زوجتي، وكوني عربيا: لا أستطيع نسيان الماضي، وأنا خنت ديني، وربي، وابتعدت عن الإسلام، وأنا مسلم منذ ولدتني أمي، هي لم تكن تعرف شيئاً عن الإسلام، وأنا كنت أعرف الكثير عن الإسلام، هي أفضل مني بكثير أليس كذلك؟ والإسلام يجبّ ما قبله، والتائب من الذنب كما لا ذنب له، أنا أحترمها وأقدِّرها جدّاً لأنها أسلمت عن يقين، وهي تبكي كثيراً، خصوصاً عند قراءتها للقرآن، والأحاديث النبوية، هي كانت قد أخطأت، ولم تكن على علم بالإسلام، وأنا أخطأت وكنت أعرف أن الزنا من الكبائر، وأن الله شديد العقاب، ولكن الإنسان معرَّض للخطأ، ويبقى تفكيره محدوداً، والذي يضايقني عندما عرفت حقيقة الماضي: انفعلتُ، وغضبتُ جدّاً جدّاً، وطلقتها مرة، وبعد يومين: انفعلت وضربتُها، وغضبتُ جدّاً، وطلقتها ثانية، وكثرت المشاكل بيننا، وكثر غضبي، وأنا عندما أغضب أصبح كالمجنون، لا أفكر، ولا أفهم ما أقول، وكل ما أقوله يخرج بشكل عفوي، وفي المرتين راجعتها بعد الاستفسار والسؤال، وبعد مرور عدة أيام حصلت بيننا مشاحنة وصلت إلى الضرب، وهي أهانتني، والبادئ كان أنا، وطلقتها ثالثة، وبعد كل المرات التي حصل فيها الطلاق كنت أندم، وأبكي، وأشفق عليها؛ لأن هذه الفتاة بعد إسلامها أصبحت جدّاً صالحة، وكنت أخاف عليها من الضياع، ولكن الغضب والشيطان جعلوني أرتكب الأخطاء، وبعد طلاق المرة الثالثة صليت ركعتين، وبكيت، ودعوت الله تعالى إذا وقع الطلاق بأن أبتعد عنها مباشرةً، وإن لم يقع بأن أراجعها بأسرع وقت، وهذا الذي حدث، راجعتها في تلك الليلة بتيسير من الله، وأنا قرأت أن طلاق الغضبان لا يقع، وعندما انتهت دراستي رجعت إلى بلدي، وكنت وعدتها أن أفاتح أهلي بالموضوع لكي تلحق بي، ولكن هنا الوضع مختلف، ووجدت الفرق الكبير بين الفتاة العربية التي لم يلمسها أحد قط، وبين الأجنبية التي نامت مع الكثير من قبلي، وهذا الشيء يضايقني بشكل كبير، وأحياناً أفكر بتركها، ولكن أخاف الله؛ لأني كنت مثلها، وهي أصبحت الآن أفضل مني، والآن عقلي وفكري دائما مشغول بالمقارنة بين العربية والأجنبية، وأهلي لم يقبلوا بزواجي، وبدأت أسألتهم لي: من هي؟ هل هي كانت فتاة قبل أن أتزوجها؟ قلت: نعم وهي لم تكن كذلك، أنا تزوجتها لأنها أسلمت، وأحسنت إسلامها , وتزوجتها لإرضاء الله تعالى، ولكي أكفِّر عن ذنبي، وهي الآن بانتظار دعوتي لها، وهي تتمنى أن تصوم شهر رمضان في بلدي المسلم، أهلي رافضون، وأنا أريد أن تلحق بي لكي لا تضيع هناك، وهي إنسانة رائعة الأخلاق، وخصوصاً بعد إسلامها، أصبحت المرأة الأولى الملتزمة بالدين الإسلامي في نظري، أنا الآن أتعذب جدّاً، عندما أتذكر تاريخها وتاريخي وأنا أقول في نفسي إن هذه الفتاه بعثها الله لي كفارة للتكفير عن ذنوبي الكثيرة. - هل الطلاق وقع؟ وإذا وقع هل يحق لي إرجاعها للحفاظ عليها من الضياع والوحدة في البلاد الفاسقة؟ . - ماذا يجب عليَّ فعله، البقاء مع زوجتي الأجنبية المسلمة حديثاً أم الزواج من فتاة عربية مسلمة؟ . - ماذا أفعل مع أهلي؟ هم يريدون أن أطلقها، وإذا طلقتها لإرضائهم: هل هذا حرام؟ . - هل الزنا دين في رقبتي وسيأتي يوم أدفع ثمنه؟ . وكيف لي أن أنسى ماضيها الذي يأكل ويشرب وينام ويستيقظ معي وأعيش معها كزوجين مسلمين؟ . أرجو إرسال أدلة تساعدني في ذلك، أرجو منكم كل الرجاء إرسال الجواب الشافي الذي انتظره منذ زمن، ولكي لا يخيب ظني بهذه المواقع التي أنشأت لمساعدة المسلمين، وخصوصا التائهون، الضائعون مثلي، المحتاجون للمساعدة، ولو حتى بنصيحة (الغريق يتعلق بقشة) إذا انتم لن تساعدوني فإلى أين أذهب يا علماء المسلمين؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إننا وإن كنا نرجو أن نكون عند حسن ظنك: إلا أنه لا يسرنا أن تكون لك نظرة سلبية تجاه مواقع الفتوى الأخرى لأهل السنَّة، ونحب منك أن تحسن الظن بالقائمين عليها، وأن تعذرهم، ولو أنك ترى كمية الأسئلة التي ترد لنا ولهم لعذرتنا، ولست وحدك من يطلب التعجل في إجابته، ولا يمكن تحقيق رغبة كل سائل في هذا الباب، فالعذر لنا ولإخواننا في المواقع الأخرى قائم، والكريم هو الذي يَعذر غيره.
ثانياً:
ما حصل معك في ذلك البلد الأجنبي يؤكد ما نقوله دوماً أنه لا يجوز السفر إلى تلك البلاد، وبخاصة إذا كان المسافر شابّاً أو شابَّة في مقتبل العمر، وفي فورة شهوتهم، وعلى الآباء والأمهات أن يعلموا أن أحوال أولادهم في تلك البلاد غالباً ما تكون مؤسفة، من البعد عن الدين، والفعل للفواحش، والتخلي عن السلوك المستقيم، وهم في النهاية من يدفع ضريبة هذه المخالفات الشرعية.
فالواجب على الآباء والأمهات أن يتنبهوا لأولادهم، وأن لا يكون حرصهم على تعليمهم على حساب دينهم وسلوكهم.
ثالثاً:
نهنئك على توبتك، ونحمد الله أن أنقذك من الكفر والفسوق والعصيان، وكم يتخبط غيرك في ظلمات الجهل والمعصية، وكم يغرق غيرك في أوحال الآثام، وكم يتردى غيرك من قمم الأخلاق وأعالي الفضائل، فالواجب عليك العض على شجرة التوبة، والتمسك بحبال التقوى، وإياك والتفريط والرجوع إلى سالف الحال؛ فإنك في نعمة حُرمها كثيرون، فلا تكفر النعمة بترك طريق التوبة.
رابعاً:
ونهنئ أختنا على إسلامها، ونحمد الله أن وفقها وهداها للإسلام، وهي لا شك تعلم الآن عِظَم الفرق بين حالها أولاً وحالها الآن، وتعلم الفرق بين أن يكون الإنسان كافراً وبين أن يكون مؤمناً، وتعلم الفرق بين حال قلبها أولاً من حيث الضيق والضنك، وبين حال قلبها الآن من حيث السعة والانشراح، فنسأل الله أن يزيدها هدى وتوفيقاً، وأن يجعلها هادية مهديَّة.
خامساً:
إن الذي يعيش بعيداً عن الهداية والرشاد يتخبط في القول والفعل والفكر، ويلتزم منهجاً لا يرضى به إلا شياطين الإنس والجن، ويعيش على مبادئ لا توافق نصّاً صحيحاً، ولا تلتقي مع عقلٍ صريح، وخذ على ذلك مثالاً مصطلح " الخيانة "! فإنه عند هؤلاء معناه أن يخون العشيق عشيقته، والعكس! فقد تكون المرأة ذات زوج، وتخون زوجها مع عشيقها، ثم إذا رأت ذلك العشيق مع امرأة أخرى: بكت، وناحت، وأهانته، وقد تضربه! لماذا؟ لأنه خانها!! وكأنها لم تخن زوجها، وكأنه لا عتب عليها، بل جعلت العتب على ذلك العشيق الخائن! فأي مبادئ يعيش عليها هؤلاء؟ وأي منطق يسيرون عليه؟ .
وإن تأسف فاجعل أسفك على المسلم الذي لا يعرف خيانة الله، ولا خيانة رسوله، ولا خيانة دينه، وراح يحصر الخيانة بخيانة محبوبته وعشيقته! وهو يمارس معها كبيرة من كبائر الذنوب، وهو الذي خان الله ورسوله ودينه من قبلُ.
وأنت أخي السائل:
تلوم امرأة كانت تنام معك ومع غيرك وهي كافرة! ولم تلُم نفسك أنك فعلت ما لا يحل لك وأنت تزعم الإسلام وتنتسب إليه؟! .
تلوم امرأة أسلمت وحسُن إسلامها كانت على الفجور والفواحش وهي كافرة؟! .
إن موقفك أضعف ما يكون، وليس لك وجه في الإنكار والعتب والملامة، لا وهي كافرة، ولا وهي مسلمة، فهي عندما كانت كافرة كان كفرها أعظم من كل ذنبٍ فعلته، وهي عندما كانت كافرة ليس ثمة شيء يردعها عن فعل الفواحش والمنكرات.
وهي عندما أسلمت فإن إسلامها كفَّر عنها ذنوبها وآثامها، وهي عندما أسلمت بدَّل الله تعالى سيئاتها حسنات! فأي وجه لك في الإنكار عليها كافرة أم مسلمة؟! .
روى مسلم (١٢١) عن عمرو بن العاص ﵁ قال: فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: (مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟) قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: (تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟) قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ) .
وروى البخاري (٤٤٣٦) ومسلم (١٧٤) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَنَزَلَ: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ) ، وَنَزَلَتْ: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) .
فهؤلاء من أهل الشرك قتلوا وأكثروا القتل، وزنوا وأكثروا الزنا، وانظر ماذا أنزل الله تعالى لهم، أنزل لهم أن سيئاتهم تبدَّل حسنات، وفي الحديث السابق بين أن الإسلام يهدم ما كان قبله، فأي عذرٍ لك بعد هذا في محاسبتها على شيء فعلته في جاهليتها؟!
قال علماء اللجنة الدائمة:
إذا صدق الإنسان في توبته من ذنبه، ولو كان شركاً بالله، أو زناً، أو قتلاً، أو أكل مال بالباطل، وندم على ما مضى من ذنبه، ورد الحقوق إلى أهلها أو سامحوه، وأتبع ذلك عملاً صالحا: تاب الله عليه، وغفر ذنبه، بل يبدل سيئاته حسنات، قال الله تعالى في صفة عباده الصالحين: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا. وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) الفرقان/ ٦٨ – ٧١، وقال: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) الأنفال/ ٣٨، وقال: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/ ٥٣، وقرر قول يعقوب لبنيه: (وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) يوسف/ ٨٧، إلى غير ذلك من الآيات وما في معناها من الأحاديث التي وردت في الحث على التوبة والرجاء في رحمة الله ومغفرته، وإن باب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، أو حالة الاحتضار ومعالجة سكرات الموت.
فعلى من ارتكب ذنباً أن يتوب إلى الله، ويندم على ما مضى، ويرد الحقوق لأربابها، أو يستبيحهم منها، ويظن بالله خيراً ويرجو رحمته، وإن كان ذنبه أكبر الذنوب فرحمته سبحانه أوسع، ومغفرته أشمل، وعليه أن يستتر بستر الله رجاء أن يستره الله، ولا يفضحه، والله المستعان.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٤ / ٢٩٦، ٢٩٧) .
فلم يكن ثمة داعٍ لانفعالك وغضبك وضربك لها بعد أن عرفت عنها ما عرفت، فقد أسلمت، وطلَّقت دينها وتاريخها، فلأي شيء يتم محاسبتها على جاهليتها، وبخاصة أنك أنت جزء من تاريخها؟! وفعلك أنت أقبح من فعلها، حيث كنت تنتسب إلى الإسلام الذي يحرِّم عليك أفعالك تلك، وهي لم تكن تنتسب لدينك الذي ينهاها عن أفعالها، بل رضيتَ بها على عاداتهم وتقاليدهم، وهي لم تخالف في ذلك! .
سادساً:
الذي يظهر لنا من خلال كلامك عنها أنها أسلمت وحسن إسلامها، ولعلَّها أن تكون خيراً منك في جوانب كثيرة، فالواجب عليك بعد أن رضيتها زوجة أن تحسن معاملتها، وأن تقوي عزيمتها، وأن تقف بجانبها ناصراً ومؤيداً ومعيناً.
سابعاً:
وبخصوص طلاقكِ لها: يجب عليك مراجعة من تثق به من أهل العلم لإيقافه على حقيقة حالكِ عندما صدر منك الطلاق، فإن الغضب درجات، وليس كل الغضب يقع معه الطلاق، ولا كله لا يقع معه الطلاق، وإنما لا يقع طلاق الغضبان الذي أُغلق عليه بالكلية.
عَنْ عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ) .
رواه أبو داود (٢١٩٣) وابن ماجه (٢٠٤٦) ، وحسَّنه الألباني في " صحيح أبي داود ".
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀
والإغلاق معناه: أنه يُغلق على الإنسان حتى يفعل الشيء بدون إرادة.
" لقاءات الباب المفتوح " (١٣٠ / السؤال رقم ٢٠) .
وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:
ويقع الطلاق من الغضبان الذي يتصور ما يقول، أما الغضبان الذي أخذه الغضب، فلم يدر ما يقول: فإنه لا يقع طلاقه.
" الملخص الفقهي " (٢ / ٣٠٨) .
وينظر تفصيل حكم طلاق الغضبان في أجوبة الأسئلة: (٢٢٠٣٤) و (٤٥١٧٤) و (٦١٢٥) و (٧٢٤٣٩) .
فإن كان وقع طلاقك لها في المرات الثلاث السابقة: فقد حرمت عليك، ولا يحل لك إرجاعها لعصمتك إلا بعد أن تتزوج هي زواج رغبة من آخر فيدخل بها، ثم يفارقها بطلاق أو موت، وإن لم تقع إحدى الطلقات الثلاث: فإنه يتبقى لك باقيها، ولك أن ترجعها لعصمتك، ومعرفة ذلك تتم بلقائك من تثق بعلمه ودينه لتطلعه على تفصيل ما حصل منك في تلك المرات.
ثامناً:
الذي ننصحك به تجاه تلك الزوجة – إن كنت لا تزال لها زوجاً -: أن تسعى لإحضارها لبلدك؛ لتخلصها من بيئة الكفر والفساد التي تعيش فيها الآن، ولكن على شرط أن تعاهد نفسك على الإحسان لها، وأن تعاشرها بالمعروف، وأن لا تعيرها بتاريخها قبل الإسلام، وأن لا يكون لما عرفته عنها أثر عليك، فإن كنتَ تستطيع فعل ذلك: فأحضرها لبلدك، وكوِّن معها أسرة إسلامية، وإلا فدعها في بلدها، لعلَّ الله أن يرزقها خيراً منك، ولعلَّ الله أن يرزقك خيراً منها.
وقولك: " وكيف لي أن أنسى ماضيها الذي يأكل ويشرب وينام ويستيقظ معي وأعيش معها كزوجين مسلمين؟ " فدعنا نهمس في أذنك ـ أيها الأخ الكريم المسلم ـ: وكيف ستنسى أنت ماضيك؟! بل: وبأي وجه تسأل الله العفو عنك، والصفح عن ماضيك، وأنت غير قادر على العفو عن عباده، والصفح عن ماضيهم؟!
على أنك إن كنت تعنيه حقّاً، وسيبقى معك: فلا ننصحك بإحضارها من بلدها، بل سرِّحها بإحسان، وأعطها حقوقها، وإن كنت مستعدّاً لنسيان ذلك، والعيش مع إسلامها وتوبتها: فهي أولى لك من غيرها.
تاسعاً:
أما بخصوص طلب أهلك منك أن تطلقها: فلا يجب عليك طاعتهما في هذا، وعلى أهلك أن يتقوا الله في التفريق بينك وبين زوجتك، وإذا أصررت على بقائك زوجاً لها: فإنك لا تكون عاقّاً لوالديك، وإنما الإثم عليهما لسعيهما في القطيعة بينك وبين زوجتك.
وانظر جواب السؤال رقم: (٤٧٠٤٠)
عاشراً:
وأما سؤالك: " هل الزنا ديْنٌ في رقبتي وسيأتي يوم أدفع ثمنه؟ ": فالجواب: إن كنت صدقت التوبة مع الله ، كما قلت عن نفسك، فعسى ألا يكون ديْناً، وألا تؤاخذ به؛ وقد سبق بيان الوعد للتائبين بمغفرة الذنوب، وتبديلها حسنات.
ونسأل الله تعالى أن يغفر لك ذنبك، وأن يقدِّر لك الخير حيث كان، وأن يهديك لما فيه صلاح حالك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15525
أجبرها أهلها على زواج صوري ليحصل الزوج على إقامة وجنسية !
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة أبلغ من العمر ٢٣ سنة، أعيش في ألمانيا منذ ١٥ سنة مع والدتي وأخي، وذلك أثر طلاق والداي، قبل سنة أرغمتني والدتي على الزواج برجل ادَّعت أنه في حاجة ماسة للإعانة، وأمام غطرستها، وتهديدها الدائم لي بالغضب عليَّ، وانعدام المسؤولية عند أخي: لم يكن لي أي خيار، منذ قليل اكتشفت حماقتي، وجهلي , إذ إن أمي تبرر كل أوامرها بحجج تدَّعي أنها من الدين، وتم الزواج لدى المحاكم الألمانية , زواج صوري، يمكِّن هذا الرجل الذي لم أره سوى عند كتابة العقد من البقاء في ألمانيا والحصول على الجنسية الألمانية بعد سنتين، بعد محاولات عديدة أمكن لي الحصول على موافقة والدتي للبداية في إجراءات الطلاق، الرجل الذي أصبح اليوم قادراً على البقاء في ألمانيا موافق على طلاق التراضي، كما كان اتفاقه مع والدتي منذ البداية. سؤالي هو الآتي: كيف أكفِّر عن ذنبي؟ هل عليَّ عدة المطلقات؟ لقد تقدم شاب لي، ويود الزواج بي، وأنا حائرة، إن أعلمته أخشى أن يتركني، وإن لم أفعل أكون خدعته، ثم متى أحل له، أبعد الطلاق من الزواج الباطل أم قبل ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا يجوز لأحدٍ أن يُكره موليته على النكاح ممن لا ترغب، والعقد الذي يثبت أن المرأة البالغ زُوِّجت فيه بغير إرادتها: باطل عند بعض العلماء، ومتوقف عليها لإمضائه عند آخرين، وفي كل الأحوال لا يجوز أن تُجبر البالغ على الزواج.
وتفصيل ذلك في جواب السؤال رقم: (٤٧٤٣٩) .
ولا نرى أنك صغيرة بحيث يتحكم في تزويجك والدتك وأخوك، فكان الأجدر بك الوقوف في وجوههم، والاعتراض على مثل هذا الزوج والزواج، وبخاصة أنكم في بلد يدَّعي أهله أنهم ينصرون النساء! .
ثانياً:
العقود التي تُجرى في محاكم الدول الكافرة: قد تكون عقوداً باطلة، وقد تكون صحيحة، فإن كان سبقها عقد شرعي، اشتمل على إيجاب، وقبول، وموافقة ولي، وشهود أو إعلان: كانت العقود أمام تلك المحاكم للتوثيق، والتثبيت، لا للإنشاء، وإن لم يسبقها عقود شرعية: فلا قيمة لها، ولا يُبنى عليها أحكام؛ لأنها باطلة أصلاً.
وينظر جواب السؤال رقم: (٤٤٥٨) .
ثالثاً:
ثمة عقود زواج تُبرم في دول الكفر لا لأجل العفاف والستر وإنشاء أسرة، بل لغايات الإقامة والجنسية! وليُعلم أن الزواج هو " كلمة الله " وهو " الميثاق الغليظ "، وأنه لا يجوز الاستهانة بهذه العقود، وجعلها مجالاً للعبث.
وليُعلم أن هذه العقود " الصُّورية " أو " الشكلية " إذا تمَّت وفق الشرع فإنه تترتب عليها آثارها الشرعية، من المهر، والعدَّة، وغير ذلك، وأما إذا لم تتم وفق الأحكام الشروط الشرعية: فإنه لا تترتب عليها آثارها الشرعية، مع وجود الإثم.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
نحن شباب مسلم - والحمد لله -، من مصر، ولكننا نقيم في هولندا، ونسأل عن حكم الإسلام في بعض الشباب المسلم الذي يلجأ للزواج من الأوربية، أو بعض النسوة الأجنبيات اللاتي معهن أوراق الإقامة، وذلك للحصول على الإقامة في هولندا، مع العلم أن هذا الزواج صوري، أي: حبر على ورق - كما يقولون – أي: أنه لا يعيش معها، ولا يعاشرها كزوجة، هو فقط يذهب معها إلى مبنى الحكومة، ومعه شاهدان، ويتم توثيق العقد، وبعد ذلك كل ينصرف لطريقه؟ .
فأجابوا:
عقد النكاح من العقود التي أكد الله عِظم شأنها، وسمَّاه " ميثاقاً غليظاً "، فلا يجوز إبرام عقد النكاح على غير الحقيقة من أجل الحصول على الإقامة.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٨ / ٩٨، ٩٩) .
وفي جواب السؤال رقم: (٢٨٨٦) فتوى أخرى بالتحريم والمنع، فلتنظر.
فالذي يظهر لنا أن والدك موجود وعلى قيد الحياة، وهو في هذه الحال وليك في الزواج، ولو كان مطلِّقاً لأمك، وأخوك ليس وليّاً لك مع وجود والدكِ، فإذا تمَّ الزواج بموافقة والدك، وحضور شهود، مع رضاكِ به: فهو عقد شرعي تترتب عليه آثاره، ولو لم يكن من أجل العيش معه؛ لأن واقعه – والحالة هذه – أنه عقد شرعي مكتمل الأركان، فلا يحل لك الزواج بغيره إلا بعد أن تحصلي على الطلاق، وتنتهي عدتك.
وأما إن تمَّ العقد في الدوائر الرسمية فقط، ودون موافقتك أو موافقة والدك: فهو عقد غير شرعي، ولا تترتب عليه آثاره، ولا حاجة للحصول على الطلاق، إلا من أجل أنك زوجة في الأوراق الرسمية، لا من أجل أنك زوجة شرعاً، مع استحقاق من ساهم في وجوده للإثم؛ لاستهانته بالعقد الشرعي، وجعله مجالاً للعبث.
والخلاصة: أن الواجب عليك الاحتياط في أمر زواجك الجديد، على الأقل، وألا تقدمي على إتمام الخطبة الجديدة، إلا بعد طلاقك من الأول، وبإمكانك إتمام الخطبة والزواج الجديد بمجرد إنهاء الطلاق من الأول، وليس عليك عدة تنتظرينها، ولا فاصل زمني بين الزواجين.
وأما بخصوص إعلام الخاطب الجديد، فإن كان يغلب على ظنك أنه لن يعلم بما حدث، فلا ننصحك بإخباره، وأتمي زواجك به، كأن شيئاً لم يكن.
وإن كنت تظنين أنه سوف يعلم ذلك، فليعلمه منك أفضل وأكرم، والقلوب بيد الرحمن يقلبها كيف شاء، فاستعين بربك سبحانه، على صرف قلبه إليك، إن كان في زواجك منه خير لك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15526
يختلف مع زوجته كثيراً حتى ساءت العشرة بينهما
[السُّؤَالُ]
ـ[يوجد تشاكس في الآراء بيني وبين زوجتي، وفي مرة من المرات أثناء نشوزها علي ضربتها على خذها وندمت لذلك واستغفرت الله لضربي للوجه وربما دخولي في الضرب المبرح، وصليت صلاة توبة على الفور، وتذكرت أن ذلك من عمل الشيطان، فبالرغم من أنها حرضتني على ضربها ولكن يجب أن أكون أكبر نفساً منها، مما جعلها تقول لي إني لا أسوى بصقة عندها، وهذا يضايقني كثيراًً عندما أتذكر كلمتها هذه لي، وأفكر في طلاقها بسبب ذلك، ولي منها أربع أطفال وهي حامل الآن موجودة في بيت أهلها، فماذا ترون في ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
العلاقة الزوجية علاقة عظيمة سماها الله تعالى ميثاقا غليظا حين قال: (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) النساء/٢١. فينبغي سهر كل من الزوجين على حماية هذه العلاقة.
ولا يجوز أبدا أن تكون مناقشات الزوجين وحياتهما قائمة على الاختلاف في كل شيء، كبير وصغير، والمشاكسة في الآراء والتنازع، بل الواجب عليهما أن تكون معاشرتهما معاً بحسن الخلق، والمعروف، والإحسان.
ثانيا:
لا شك أن ما قمت به من ضرب الوجه محرم، قد نهى عنه النبي ﷺ .
فالواجب عليك: التوبة إلى الله تعالى، والندم على ما فعلت، والعزم على عدم العود إلى ذلك مرة أخرى، ويجب عليك أن تعتذر لزوجتك وتسترضيها، ويجب عليها إذا رأت منك الصدق في ذلك أن تقبل اعتذارك.
وكل إنسان تحصل منه هفوات وزلات، والعاقل هو الذي يعرف ما أخطأ فيه فيجتنبه ولا يعود إليه.
ثالثا:
عليك أن تحسن معاشرة زوجتك وأن تنتصح بما نصح به النبي ﷺ الرجال حين قال: (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ) رواه البخاري (٣٠٨٤) ومسلم (٢٦٧١) .
وقال أيضا: (أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ [أي: أسيرات] عِنْدَكُمْ) رواه الترمذي (١٠٨٣) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
ثم إننا ننصحك بالإبقاء على زوجتك وأن تحاول أن تترضاها لترتدع عما هي عليه من النشوز والسكنى مع أهلها حفاظا على التئام شملكم وقيامكم بالمسؤولية المشتركة تجاه أولادكم.
وأما الكلمة التي قالتها لك، فلاشك أنها قد أخطأت فيه، ولكن لا تنسى أنك أنت السبب فيها بضربك إياها، ومهما يكن الأمر فالواجب على الزوجين أن يكون حل خلافاتهم بشيء من التعقل والتروي لا بالضرب والسب، فإن هذا لا يزيد الخلافات إلا حدة.
فعليك بالتفاهم مع امرأتك، وتناسي ما بدر منكما، وليكن كل منكما حريصاً على احترام وراحة صاحبه.
وفقكم الله لما فيه الخير
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
стр. 15527
يعاني من الأرق
[السُّؤَالُ]
ـ[أعاني من عدم القدرة على النوم، يصيبني أرق، فما الحل؟ وهل من طريقه تساعد على النوم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله تعالى لنا ولك العافية من كل بلاء، والشفاء من كل داء.
ونوصيك – أخانا السائل – بالصبر واحتساب الأجر عند الله ، فهو سبحانه يحب الصابرين، ويثيب الشاكرين، والابتلاء سنته في الحياة الدنيا، وهو رحمة للمؤمنين، ونقمة على الكافرين، وقد قال النبي ﷺ : (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) رواه مسلم (٢٩٩٩) .
ثم اعلم أن الأمر يحتاج إلى شيء من المجاهدة والمصابرة، وهكذا هو الشأن في جميع المشكلات النفسية أو الاجتماعية، فالنفس تؤخذ بالتربية المتدرجة كي تعتاد أمرا جديدا أو تنصرف عن أمر قبيح، ولها في ذلك بعض الأسرار التي يعرفها كل واحد في نفسه، فلا بد أن يستفيد منها كي يبلغ مراقي النجاح والفلاح والعافية التي يريد.
والأرق حالة نفسية تسبب استعصاء النوم أو تَقَطُّعَهُ أو خِفَّتَه، وهو مرض عصري يصيب الكثير من الناس لأسباب مختلفة، منها أسباب نفسية: كالضغوط، والهموم، والقلق، والوسواس، ونحوها، وبعض أسبابه عضوية بسبب اختلال في أداء بعض الأعضاء لوظائفها، أو تأثير بعض المواد المنبهة عليها كـ " النيكوتين " الموجود في الدخان، والقهوة والشاي وغيرها من المنبهات.
وتبعا للأسباب التي تؤدي إلى هذا المرض، يمكننا تقسيم أنواع العلاج إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: العلاج الشرعي:
ونعني به تحصيل طمأنينة القلب التي تدفع عن النفس كل هم أو غم أو وسواس، فالقلب الذي يعمره حب الله ورجاؤه والخوف منه والإنابة إليه أثبت من القلوب المنغمسة في الدنيا، المعرضة عن الآخرة.
وتحقيق هذه الطمأنينة يكون بالمحافظة على الفرائض، واجتناب المعاصي التي لا تزال تنخر في القلب حتى يسقط في أوديةٍ مُرديةٍ مُظلمةٍ وهو لا يشعر، ثم بالإحسان إلى الناس بالخُلُقِ الحسن والمعاملة الطيبة، وبالحرص على تلاوة القرآن الكريم، والتعلق بكتاب الله ، فقد قال الله في وصفه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) يونس/٥٧، ومن ذلك أيضا المحافظة على الأذكار والأوراد الشرعية، كأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم والاستيقاظ والطعام ونحوها، والله يقول: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد/٢٨
ثم لا بد أن يصحب ذلك كله تذلل القلب لله سبحانه، واستشعار محبته وقربه، والإخلاص له في السر والعلن رجاء تحقيق العبودية التي هي سر النجاح والفلاح يوم القيامة.
وفي موقعنا مجموعة من الأجوبة التي تعينك – إن شاء الله – على تحقيق العلاج الشرعي، فانظر الأجوبة الآتية: (٤٥٨٤٧) ، (٢٠١٣٠) ، (٢١٥١٥) ، (٢١٦٧٧) ، (٢١٨٤٣) ، (٢٢٧٠٤) ، (٣٠٩٠١) .
النوع الثاني: العلاج النفسي.
وذلك بالسعي لتخليص النفس من اضطرابها وقلقها، ولن يتم لك ذلك – أخانا السائل – إلا حين تؤمن إيمانا صادقا بضعة الدنيا وتفاهتها وصغر شأنها، وأنها (لو كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء) ، فهي أحقر من أن يهتم المسلم لما فقد منها أو يخاف على ما حَصَّلَ فيها، وينبغي أن يصاحب ذلك القناعة التامة بما قسم الله، والرضى بقضائه وقدره، فهي أسباب عزة المؤمن وسعادته، وإدخال هذه المعاني إلى النفس يحتاج إلى شيء من المجاهدة، بتكرار الحديث مع النفس بها، وقراءة الكتب التي تقررها، وتدبر آيات القرآن الكريم التي تفيض بتقريرها، حتى تغدو سجية في النفس لا تفارقها في حلها وترحالها.
النوع الثالث: العلاج السلوكي.
وهذا ما ينبغي أن تطلب فيه نصيحة الطبيب أو المستشار النفسي، فإن بعض الجوانب السلوكية أو الأسباب العضوية قد تخفى على الناس، في حين يعرفها الطبيب الحاذق بما علمه الله تعالى من شأن النفس البشرية، فقد يجد لك علاجا في بعض الأطعمة التي تساعد على النوم الصحي، كما قد يكتشف في بعض العادات التي تمارسها أخطاء تؤدي إلى القلق والأرق، وفي الحالات المزمنة والمستعصية من الأرق يمكن للطبيب الاستعانة بشيء من الأدوية المهدئة التي تخفف الضرر وتدفع الأذى.
يقول الشيخ ابن عثيمين في "فتاوى نور على الدرب" (فتاوى متفرقات/الوساوس والأمراض النفسية) :
" إن هذه الحال التي قصها السائل قد تعرض لكثير من الشباب، بسبب الإرهاق الفكري أو البدني، والدواء لذلك أن يعطي الإنسان نفسه من الراحة ما تستريح به، وأن يكثر من ذكر الله وقراءة القرآن، وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم دائماً، وأن يلزم الاستغفار؛ لأن الاستغفار من أسباب حصول الخير واندفاع الشر، وأن يحرص على مصاحبة الأخيار من بني جنسه، فإن الجليس الصالح كحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن يبيعك وإما أن تجد منه رائحة طيبة، وليُعرض عن تذكر هذه الحال؛ لأن تذكر الشيء ينتقل به المتذكر من الخيال إلى الحقيقة، فإذا أعرض عنه وتناساه فإنه بإذن الله يزول عنه " انتهى.
ولا يفوتنا التنبيه هنا إلى ضعف ما رواه بعض أهل العلم من أذكار قبيل النوم للتخلص من الأرق، فقد عقد الإمام النووي في كتابه "الأذكار" (ص/٧٠) بابا قال فيه:
" باب ما يقول إذا قلق في فراشه فلم ينم:
روينا في كتاب ابن السني عن زيد بن ثابت ﵁ قال:
(شكوت إلى رسول الله ﷺ أرقا أصابني، فقال: " قل: اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حي قيوم لا تأخذك سنة ولا نوم، يا حي يا قيوم أهدئ ليلي، وأنم عيني، فقلتها، فأذهب الله عني ما كنت أجد)
وروينا فيه عن محمد بن يحيى بن حبان - بفتح الحاء والباء الموحدة - أن خالد بن الوليد ﵁ أصابه أرق، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ ، فأمره أن يتعوذ عند منامه بكلمات الله التامات من غضبه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون " هذا حديث مرسل، محمد بن يحيى: تابعي.
وروينا في كتاب الترمذي بإسناد ضعيف، وضعفه الترمذي، عن بريدة ﵁ قال: (شكا خالد بن الوليد ﵁ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ما أنام الليل من الأرق، فقال النبي ﷺ : إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم رب السموات السبع وما أظلَّت، ورب الأرضين وما أقلَّت، ورب الشياطين وما أضلَّت، كن لي جارا من شر خلقك كلهم جميعا أن يفرط علي أحد منهم أو أن يبغي علي، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك، ولا إله إلا أنت) " انتهى.
وهذه أحاديث ضعيفة: حكم عليها أهل العلم بذلك، كابن حجر في "نتائج الأفكار" (٣/١١٤) وفي "المطالب العالية" (٤/٢٠) والألباني في "السلسلة الضعيفة" (٢٤٠٣) وغيرهم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15528
ضربها وأهانها بعد الزواج ويريدها أن تتنازل عن مهرها ليطلقها
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا متزوجة تزوجت لمدة ٥ أشهر لم أطلق، ولكنى في منزل أهلي منذ أول أسبوع ابتدأت المشاكل لا أجد لها أسبابا، في أول خروج لنا من المنزل مشاكل بداخل المنزل مشاكل ببيت أهله مشاكل ٥ أشهر فقط كرهته وكرهت حياتي، إنسان بخيل جدا في كل شيء نقود وعواطف، على أتفه سبب يريد أن يضربني أنا لا أنكر أنى مخطئة أنا لم أتعلم أي شيء عن الحياة الزوجية عندي ولكنى في حقي كنت أريد أشياء تافهة في بداية زواجي كنت أريد أشعر أني عروسة لا أكثر ولا أقل، لم أكن أريد لا رحلة ولا سفر إلى أي بلد، كنت أريد أن أخرج معه إلى أي مكان فقط لأعلن للناس جميعاً وافتخر به كان يرفض ويتحجج أنه لا يخرج مع نساء كنت أريد أن نذهب أنا وهو لمنزل أهلي لأفتخر به، ولكن كان ذهابي كأنني سأذهب إلى مرقص، كنت أبكي وأتوسل إليه في أول فترة من زواجنا، لأني أريد أن أرى أمي أسالها عن أشياء، كان يرفض وكنت أخجل من أسأل والدته، وكنت أفتقد أهلي واستغرب أهلة لأنه كنت عروسا فقط أيام على زواجي، ويجبرني أنى أبيت معهم لسفره لعنده فقط أختي كانت تجرى جراحة وكنت أبكي له في التليفون ولكنة يرفض ولا يوافق إلا بعد أن تحدثت أخته. كرهت إذلاله تعمد أن يهينني يرفض أي شيء أنا أريده لمجرد أنى أريده كان يمنع عنى التليفون لأني اكلم أهلي بحجة أني احكي لهم كل شيء كل مشاكلنا أنا حكيت لأهلي لأنه ضربني ضربا كأنني قتلت له قتيلا، أكيد تعتقد أني فعلت شيئا أنا كنت نائمة أصلاً وأيقظني، نمنا متأخرا كانت عندنا طفلة وظلت تبكى لـ ٤ صباحاً وعند الـ١٢ أول ما استيقظ ظل يوقظني بطريقة كأنه يوقظني ليضربني فثرت، أي زوج آخر كان يلتمس العذر لزوجته ولكنه لو جاء يوم ولم استطع أن أعطية حقه، انتظر مشكلة ثاني يوم وأتوقع ضربي لا يلتمس لي أي عذر، فقط شهوته، كرهت نفسي منه، كنت أشعر أنه يحبسني في البيت، وهذه ليست معاشرة كنت أشعر أني أغتصب، وقالها لي: أنا لم أتزوجك إلا لأعف نفسي فقط، وفعلا بدون أن يقوله كان عندما يأتي من العمل لا يتكلم، يريد أن يأكل وان نذهب إلى الغرفة بدون أي كلام، كنت أترجاه أن يجلس معي ٥ دقائق لا أكثر، وكان يرفض أغلب الوقت. أنا مقصرة في ديني، أنا كنت أدعو الله أن التزم، أقسم بالله أني أشعر أني ما بي شيء، أريد أن ألتزم، أحب الالتزام، أنا مقصرة في لبسي وصلاتي، وكنت أقول له هذا، ولكن نادرا، مرة تقريبا، كان يحثني على أي شيء بالخناق، فكنت أقول له أنت لو شيخ كانت الناس كرهت الدين منك، أنا كرهته منذ ضربني بلا رحمة كأني عدوته، وضربني أمام أهلي فقط ليثبت نفسه ورجولته، ووالده ضربه لما فعله معي وأمامي، ولكنه إنسان ظالم، رغم أننا في الزواج لم نطلب أي شيء، ولم نكلفه فوق مقدرته، أشعر أني رخيصة، كأنني بنت شارع عاشرني أياما ويرميني إلى الشارع، أنا كنت مصرة على الطلاق من كثرة مشاكله وبخله، ولكنى تراجعت لعل الله يهديني ويهديه، واتصلت به وحدثته ولكنة ظل يملي على شروطه، هو الذي يشترط وهو المخطئ، وقتها لم أتحمل انهرت، بعد فترة كبيرة نسيت كل شي، وقلت: هذا زوجي لازم أحدثه، أنا كنت خائفة أيضا من الطلاق، لذا كلمته حدثته وسألته: ماذا يريد؟ ولكن من كلامه هو لا يريدني، هو يريد كل شيء تكلفه في الزواج، من ذهب وأثاث، وحتى أثاثي طمع فيه لأنني تركت له المنزل ولم آخذ سوى ملابس قليلة، يريد أن يأخذ أشيائي التي اشتريتها، أشعر فعلا أني رخيصة، لا قيمة لي ولا قيمة لشرفي، أشعر كأني تركت نفسي لرجل أهدر عذريتي وليس كزوج، لا قيمة لي، كل همه الأثاث والذهب، يريد أن نرسل له الذهب ليطلقني، تزوجني ولم يخسر شيئا، ويريد أن يطلقني ولا يخسر شيئا، ومع ذلك فقائمة كل شيء في المنزل باسمى، ممكن أن أرفع قضية، ولكننا لا نحب المشاكل، ولكن إذا وصل لذلك لن أتردد، ماذا أفعل؛ تمنيت ألا أنجب إلا لو تحسنت طباعه، ولم يتغير، ولم أنجب أطفال لن يكن معي من أعود لزوجي بسببه مجبرة؛ دلوني ماذا أفعل، أنا عشت معه تقريباً حوالي شهرين بدون سفرياته، وإقامتي في بيته وبيت أهله تقريبا ٥ شهور، وأنا الآن أكملت عام زواج، أي منذ سبعة شهور وأكثر وأنا في بيت أهلي، لم يأت إلا مرة، وقال لي: إنه لم يأتي ليأخذني، بل لأن والده أجبره أن يأتي ليحكى زوجي في آخر مشكلة، ما جعلني أترك له المنزل: أنه أثناء المشكلة أعطاني سكينا لأقتل نفسي، توقع أن أتخلص من نفسي، ويرث كل شيء؛ إنسان دنيء، وأنكر فعلته أمام أهله، وقال: إنه مجرد هزار؟!!]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن ما ذكرتِ من سوء المعاملة، وقبح العشرة، لشيء محزن مؤلم، يدل على ضعف الإيمان، وفساد التربية، ونقص الرجولة، وإنه لعار على الرجل أن تكون هذه أخلاقه مع زوجته التي لم يمكث معها إلا نحوا من شهرين.
وقد يتزوج الرجل المرأة فلا يحصل بينهما انسجام ومودة، فيشرع له أن يفارقها بإحسان، وأما اللجوء إلى الضرب أو الإذلال وسوء المعاملة فهذا مما لا يباح شرعا، وفاعل ذلك آثم متعد على حدود الله.
وإذا كان سوء المعاملة من قبله، فليس له أن يلجئ زوجته إلى الخلع لتفتدي منه بالمهر أو غيره.
ولا نرى أن يُجاب إلى هذا الطلب، لأن هذا مما يجرئ الأزوا من سيئي العشرة أمثاله على التمادي في أفعالهم، لأنه لا يجد خسارة في الزواج ولا كلفة، مادام مهره سيرجع إليه.
وإن من حقك أن تطالبي بما هو مسجل في القائمة وأن تلجئي إلى القضاء لإنصافك، فإن أظهر الرجوع والندم، وغلب على ظنك استقام حاله فهذا هو المطلوب، وإلا فخذي حقك ولا تتنازلي عنه.
ونحن نشير هنا إلى أن الزوج قد يكون له أسباب وأعذار في بعض تصرفاته، وقد يشعر بالندم، ويدرك خطأه، فإن بعض الأزواج يظن أن هذا هو الأسلوب الذي يحفظ هيبته في مبدأ الزواج، وهو ظن خاطيء. لكن المقصود أن الزوج إن وجد من يعظه وينصحه، فربما عاد إلى رشده، وأدرك خطأه، وتغير حاله، فلا تدعي هذا الباب، فإن الطلاق قد لا يكون مصلحة لك. فابحثي عمن يوجه له النصيحة، ويبين له الصواب، ولا تلجئي إلى القضاء إلا في نهاية المطاف.
وينظر – للاستزادة -: جوابي السؤالين: (٤١١٩٩) و (١٠٦٨٠) .
على أننا نصدقك القول أنه من الملابسات التي قصصتيها علينا، لا نظن أن عنده استعدادا داخليا لإصلاح نفسه، والاستقامة في عشرته؛ إنه المعدن الذي يظهر من صاحبه، مهما حاول التجمل والمواراة: والناس معادن، كما قال النبي ﷺ ، وقديما قال الشاعر:
يا أَيُّها المُتَحَلِّي غَيرَ شِيمَتِهِ وَمَن خَلائِقُهُ الإقصارُ وَالمَلَقُ
اِرجِع إِلى الحَقِّ إِمّا كُنتَ فاعِلَهُ إِنَّ التَخَلُّقَ يَأتي دُونَهُ الخُلُقُ
وَلا يُواتِيكَ فيما نابَ مِن حَدَثٍ إِلّا أَخو ثِقَةٍ فَاِنظُر بِمَن تَثِقُ
فلعل الله تعالى ابتلاك بهذا المصاب لترجعي إليه، وتحسني صلتك به، وتقبلي على طاعته، ولهذا ينبغي أن تحافظي على صلاتك وحجابك، وتدعي كل ما يخالف أمر خالقك.
قال سبحانه: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل/٩٧، وقال: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) الطلاق/٢، ٣
وقال > عليه وسلم: (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ) رواه ابن ماجه (٤٠٢٢) وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه.
أبشري يا أمة الله بالفرج: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً.
وتأملي معنا وصية النَّبِيِّ ﷺ لابن عمه عبد الله بن عباس:
(احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ؛ فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ؛ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) .
رواه أحمد (٢٨٠٠) والترمذي (٢٥١٦) ، وصححه الألباني.
فاحفظي وصية النبي ﷺ ، فهي لك ـ أنت ـ أيضا، ولا تضيعيها.
نسأل الله تعالى أن يحفظك من كل مكروه وسوء، وأن ييسر أمرك، ويفرج كربك، ويقضي لك الخير حيث كان.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15529
الخوف من الموت والعذاب، ووساوس الشيطان في العقيدة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة عمري ٢٥ عاماً، محجبة، وأحافظ على الصلاة، وأقرأ القرآن، ولكني منذ فترة وأنا أعاني، حيث أني وبمجرد أن أستيقظ من النوم أبدأ أفكر في جهنم، وأني سوف أموت في النهاية، وسيكون مصيري النار، ثم تطور الأمر إلى أن بدأت أشك في مصداقية الدِّين، والقرآن، والرسول ﷺ ، وأن كل هذا قد يكون غير حقيقي، وأني قد أدخل النار حتى لو لم أقترف جرماً، وبالرغم من أني أعرف أن هذا التفكير كفر بالله، ورغم أني أستغفر الله دائماً، وأجتهد في ديني أكثر حتى أثبت: إلا أني لا أستطيع طرد هذه الأفكار، خاصة بمجرد الاستيقاظ من النوم مباشرة، حيث أشعر بعدها بتعب، وإرهاق، وارتخاء بالأعصاب.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله تعالى أن يبارك فيك أيتها الأخت الفاضلة، وأن يزيدك إيماناً، ويثبتك على دينه.
واعلمي أن الخوف من الموت والعذاب أمران مطلوبان شرعاً، وعواقبهما حميدة، إذا كان هذا الخوف دافعاً لصاحبه للإكثار من الأعمال الصالحة، وللتزود لما بعد الموت، وأما إن كان هذا الخوف دافعاً لليأس والفتور والقنوط وترك العمل: فإنه من الوسواس - والعياذ بالله – ليزرع الشيطان في قلب صاحبه الشك من الآخرة، ثم الإنكار والجحود!
وما الذي يجعل الإنسان يكره الموت؟ إنهما – غالباً – أمران، أحدهما مذموم، والآخر محمود، فأما المذموم فهو تعلقه بالدنيا، وأما المحمود فهو الرغبة بالازدياد من الخير، والشعور بالتقصير في حال أنه لقي ربه على حاله تلك.
ولكي يعالج السبب المذموم: فإن عليه أن يعلم أن الدنيا متاع زائل، وأن الآخرة هي دار القرار، والسعادة الأبدية، وبذا لن يتعلق قلبه بفانٍ على حساب دائم، ولن يركن إلى زائل على حساب باقٍ.
قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) آل عمران/ ١٨٥.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
هذه الآية الكريمة فيها التزهيد في الدنيا بفنائها، وعدم بقائها، وأنها متاع الغرور، تفتن بزخرفها، وتخدع بغرورها، وتغر بمحاسنها، ثم هي منتقِلة، ومنتقَل عنها إلى دار القرار، التي توفَّى فيها النفوس ما عملت في هذه الدار، من خير وشرٍّ.
(فمن زحزح) أي: أُخرج.
(عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) أي: حصل له الفوز العظيم من العذاب الأليم، والوصول إلى جنات النعيم، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
ومفهوم الآية: أن مَن لم يزحزح عن النار ويدخل الجنة: فإنه لم يفز، بل قد شقي الشقاء الأبدي، وابتلي بالعذاب السرمدي.
" تفسير السعدي " (ص ١٥٩) .
فلا تجعلي خوفك من الموت سبباً لتدهور حالتك الصحية، وازدياد قلقك ويأسك؛ فإن هذا عين ما يريد الشيطان أن يناله منكِ، ويحب أن يراه فيكِ، وهو انتصار له على إرادتك، وإيمانك بالله.
وكل مخلوق فهو لا يدري متى تُختم حياته بالموت، ولذا فإن الواجب على المسلم أن يتزود بالتقوى، ويستعد للرحيل، فربما حانت ساعته أو قربت وهو في غفلة:
روى البخاري (٦٤١٦) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) .
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ!!
وقال الشاعر:
تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جن ليل هل تبقى إلى الفجر
ثانياً:
أما ما يراودك من أفكار سيئة في التوحيد والعقيدة: فهذا من الوسوسة، وهو من كيد الشيطان، يريد صرفك عن الاعتقاد السليم، ويريد صدك عن العمل والطاعة، وقولك " لا أستطيع طرد هذه الأفكار ": غير مقبول منكِ، بل أنت تستطيعين، وما عليك سوى اللجوء إلى الله، والاستعانة به، لطرد تلك الأفكار، وللتخلص من تلك الوساوس، واعلمي أن كيد الشيطان ضعيف، كما قال ربك تعالى (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) النساء/ من الآية ٧٦، لكنه – للأسف – يجد محلا ضعيفاً، ومستقراً هزيلاً، فيحط رحله فيه، ولو أنك حافظتِ على الأذكار الصباحية والمسائية، وعلى ورد من القرآن، وحافظت على الفرائض، وأكثرت من النوافل: فلن يجد هذا الشيطان المريد مكاناً يحط رحله فيه، بل سيجد ما يخزيه ويسوؤه، لذا فعليك أن تباشري بذكر الله تعالى بعد استيقاظك من النوم، بذكر الدعاء الوارد في ذلك، وأعقبي ذلك بالاستغفار والاستعاذة، ولو جعلتِ بجانبك مسجلاً فيه شريط لقارئ يقرأ القرآن تشغلينه بعد استيقاظك ودعائك: لرأيتِ خيراً إن شاء الله، ولدُفع عنك كيد الشيطان ووسوسته.
فإياك أن تستسلمي للأفكار المردية، وإياك أن تسترسلي معها، وقوِّي قلبك بالإيمان قبل أن تأتيك، فإن جاءت فاطرديها بالذكر والاستعاذة.
وبشارة لك أختي الفاضلة: أن مجيء الشيطان بتلك الأفكار السيئة لك، وتألمك منها: فيه تزكية لك، وهو يدل على تحليك بالإيمان، وأن الشيطان ما جاء لك إلا لصرفك عنه.
وهذا سؤال وجوابه لأخت لك، وفي مثل عمرك تقريباً:
سئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -:
أنا فتاة في العشرين من العمر، مؤمنة، ولله الحمد، أعاني من مشكلة الوساوس، وعلى وشك الجنون من هذا المرض النفسي الذي عانيت منه ثلاث أو أربع سنوات، ولم أفلح أن أدفعه عني، أريد أن أعرف: هل يسلط الله على عباده هذا الشيطان الرجيم امتحانًا لهم أم ماذا؟ والذي لا يستطيع دفعه؛ ماذا عليه أن يفعل؟ .
فأجاب:
في الحقيقة أن الوسوسة مرض خطير، وهي من كيد الشيطان لبني آدم، يريد بذلك مضايقتهم، وتضليلهم، وإشغالهم عن طاعة ربهم، ولهذا أمر الله نبيه ﷺ أن يستعيذ من هذه الوسوسة، وأنزل في ذلك سورة كاملة.
قال تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. مَلِكِ النَّاسِ. إِلَهِ النَّاسِ. مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ. الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النَّاسِ. مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) الناس / ١ إلى آخرها.
فهذا الشيطان له وسوسة مع بني آدم، ويشتد ذلك في حق المؤمنين، ولكن يعالج بأمرين:
١. أن المؤمن لا يلتفت لهذه الوسوسة، بل يرفضها رفضاً تامّاً؛ لأنها من الشيطان، ولا تضره.
٢. أن يشتغل بذكر الله ؛ لأن المؤمن إذا اشتغل بذكر الله ابتعد عنه الشيطان، ولهذا قال في حقه: (الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) الناس/ ٤؛ أي: أنه يوسوس للعبد مع غفلته عن ذكر الله، ويخنس - أي: يبتعد - عنه عندما يذكر العبد ربه ، ولهذا وصفه أنه وسواس خناس.
والذي أنصح به للسائلة ولأمثالها أن تعمل بهاتين الخصلتين، وهما:
أولاً: عدم الالتفات لهذه الوسوسة، وعدم الاكتراث بها والانفعال معها، ثم تزول بإذن الله؛ لأن الإنسان إذا أعطاها اهتماماً والتفت إليها: زادت، وتمكن منه الشيطان.
الثاني: الإكثار من ذكر الله ، وتلاوة القرآن، والاستعاذة بالله من الشيطان، وقراءة آية الكرسي والمعوذتين، وتكرار ذلك، وبهذا يزول بإذن الله.
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (٣ / ٣٤٢، ٣٤٣، السؤال رقم ٥٠٩) .
وانظري ـ أيتها الأخت للأهمية ـ جواب السؤال رقم (٩٨٢٩٥) .
على أنه، إذا قدر بقاء تلك الوساوس بعد اجتهادك في الأذكار والرقى الشرعية، وشغل نفسك بطاعة الله، وما تحتاجين إلى عمله من أمر الدنيا، بحيث لا يبقى عندك فراغ لهذه الوساوس، إذا قدر أنك فعلت ذلك، وبقيت معك تلك الوساوس أو شيء منها، فيمكنك هنا أن تعرضي حالك على طبيب مسلم ثقة، ولعله يعالج لك ـ بإذن الله ـ ما بقي من دائك.
وانظري تفصيلات مهمَّة في هذا الباب في أجوبة الأسئلة: (١٠١٦٠) و (٣٩٦٨٤) و (٦٢٨٣٩) و (٢٥٧٧٨) و (١٢٣١٥) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15530
هجرت صاحباتها فأثَّر ذلك على دينها، وصايا ونصائح
[السُّؤَالُ]
ـ[عندي مشكلة، لا أستطيع أن أتخذ فيها قراراً، لكن القرار لا بدَّ أن يكون خلال هذه الأيام، لدي صحبة، أحسبها والله حسيبها أنها صالحة، أنا فتاة عمري ٢٢ سنة، منذ ٤ سنوات ماضية تعرفت عليهن منذ دخول الجامعة، نتعاون على الخير، حفظنا سوية ١٥ جزءاً من كتاب الله، حررنا مجلة عن الرسول ﷺ أكثر من رائعة، وقفن معي في وجه عاصفة رهيبة شنها عليَّ المحيط بأجمعه في الجامعة التي نحن فيها، لدينا حلقة يومية نتدارس فيها كتاب الله!! لكن المشكلة هي أني لم أعد أطيقهن، أشعر أنهن أمامي بوجه، ومن خلفي بوجه آخر، بعض المواقف السخيفة ولَّدت هذه الأفكار لدي، منعت اتصالي بهن، أو لقاءهن، واعتذرت لهن عن ذلك، جعلت حديثنا على البريد فقط، بكلمات بسيطة: كيف الحال، الحمد لله، انتهى، أما الحفظ، والذكر، والمشاريع الباقية: كلها أوقفتها، كرهتهن بمعنى الكلمة - والله - إلى الآن لم أكمل حفظي، وعندي فتور رهيب في العبادة، ولا قيام، ولا صيام، ولا أدري أهو شيطان حل بداخلي أم ماذا؟ هنَّ يردن الآن أن نقر ما الذي أريده لأني قررت أن أنعزل عن البشر كلهم، أصبحت حقودة، حسودة، قلبي أشد سواداً من الليل، وكله لأني أشعر أن صحبتي هذه فيهن قليل من التعلق المنبوذ بالدنيا، مظاهر، وما إلى ذلك من أشياء البنات، ماذا أفعل؟ حتى رسائل التذكير منهن تحديداً لا أقبلها، والله أني أمسحها من قبل أن أقرأها! . أخشى أن أقول لهن إني سأتركهن للأبد فأنكت سواداً في قلوبهن؛ لأنهن جعلنني قدوة، بعضهن يحلف بالله أن لولا الله ثم أنا ما كنّ يؤدين الصلاة بالمرة، وصلاة الليل، وإفطار يوم وصيام يوم، والحفظ، والتسميع، والجوال لإيقاظ بعضنا لصلاة الفجر، والقيام، لكن قلبي أصبح يكرههن كرهاً حقيقيّاً، أعلم أنه من الشيطان، لكن والله ما قدرت أدفعه، كيف أعيش معهم، أضغط على نفسي، وأترك مشاريع العزلة، وأعود، رسائلهن قتلتني من شدة الإلحاح علي بالعودة، ويسألنني بالله أن أرد، حتى دراستي أشعر أنهن أثَّرن عليَّ، وأي مصيبة تصيبني أقول: هذا عذاب من ربي؛ لأني فعلت لفلانة كذا، ما أبغي أحس أن ربي يفضل أحداً عليَّ، ليس في الدنيا، لكن في كل شيء، أظن عذابي أشد من عذاب الرسل؛ لأن الرسول يعلم يقيناً أن الله يحبه، وأن الله معه، أما أنا: أخشى أن عذاب ربي قد حلَّ بي، لأي سبب؟ لا أعرفه، أعتزلهن أم أعود؟ ماذا أقول لهن؟ من يقع في مشكلة يراها كبيرة ولا يعلم أين المخرج، أرشدني بخبرتك لأني سأتوكل على ربي، ثم سآخذ مشورتك. جزيت الجنة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن ما تشعرين به – يا أمة الله – تجاه أخواتك إنما هو بسبب الشيطان، ومكره، وكيده، ولم يحدث من هؤلاء الأخوات ـ على حسب ما جاء في رسالتك ـ ما يجيز لك تلك التصرفات معهنَّ، بل لو وقع منهم بعض الخطأ أو التقصير والذنب، فكل الناس كذلك، ومن ذا الذي ما ساء قط؟!!
وهو يدل على أن الأمر محض مكيدة من الشيطان ليوقعك فيما وصل حالك إليه، ونأسف أنه نجح في هذا، فبغَّض إليك تلك الصحبة، فحصل الفتور في الطاعة والعبادة.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) النور/ ٢١.
واعلمي أن من خطوات الشيطان التي يسلكها مع الطائعين ربهم تعالى:
١. التحريش بين المسلمين، وبالأخص بين الصحبة الصالحة.
عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ) رواه مسلم (٢٨١٢)
قال النووي – ﵀:
هذا الحديث من معجزات النبوة، ... ، ومعناه: أيس أن يعبده أهل جزيرة العرب، ولكنه سعى في التحريش بينهم، بالخصومات، والشحناء، والحروب، والفتن، ونحوها.
" شرح مسلم " (١٧ / ١٥٦) .
٢. أن يبغض إليهم الصحبة الصالحة، ويحبب إليهم العزلة الضارَّة.
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ إِلَّا قَدْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ) .
رواه أبو داود (٥٤٧) والنسائي (٨٤٧) ، وحسَّنه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ وَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ) .
القاصية: المنفردة عن القطيع البعيدة عنه
رواه أحمد (٢٢٠٢٩) ، وحسَّنه محققو المسند.
قال المناوي – ﵀:
(إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم) أي: مُفسد للإنسان، أي: بإغوائه، ومُهلك له، كذئب أرسل في قطع من الغنم.
(يأخذ الشاة القاصية) أي: البعيدة عن صواحباتها، ... وهو تمثيل، مثَّل حالة مفارقة الجماعة، واعتزاله عنهم، ثم تسلط الشيطان عليه: بحالة شاة شاذة عن الغنم، ثم افتراس الذئب إياها بسبب انقطاعها، ووصف الشاة بصفات ثلاث: فالشاذة هي النافرة، والقاصية هي التي قصدت البعد لا عن تنفير، (والناحية) بحاء مهملة التي غفل عنها، وبقيت في جانبٍ منها؛ فإن الناحية هي التي صارت من ناحية الأرض.
ولما انتهى التمثيل حذَّر فقال: (وإياكم والشعاب) أي: احذروا التفرق، والاختلاف.
(وعليكم بالجماعة) تقرير بعد تقرير، وتأكيد بعد تأكيد، أي: الزموها، وكونوا مع السواد الأعظم؛ فان من شذَّ شذَّ إلى النار.
(والعامة) أي: السواد الأعظم من المؤمنين.
(والمسجد) أي: لزومه؛ فإنه مجمع الأخيار، وموطن الأبرار، وأحب البقاع إلى الله تعالى، ومنه ينفر الشيطان.
" فيض القدير " (٢ / ٣٥٠) .
فاحرصي على إغلاق الطريقين أمام الشيطان، ولا تفتحي على نفسك أبواباً من الشر، ولم يصبك الفتور، وقلة العزم على الطاعة إلا بعد أن تمكن الشيطان من السير بك على الطرق التي أرادها لك، ولعلَّ نظرة لحالك الآن مع مقارنة بحالك من قبل أن يتبين لك أن الأمر مكيدة ومكر من الشيطان، فاحذري، وتنبهي.
والصحبة الصالحة من أعظم ما يثبت المسلم على دينه، فاجتهدي في إقامتها على شرع الله تعالى.
عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ.
رواه البخاري (٤٦٧) ومسلم (٢٥٨٥) .
قال عمر بن الخطاب ﵁: " عليكَ بإخوان الصدق؛ فإنهم زينة في الرخاء، وعدة في البلاء ".
واحرصي على الطاعات والأعمال الصالحة، فهي خير زادٍ للثبات، كما قال تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) إبراهيم/ ٢٧، وقال : (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً) النساء/ ٦٦.
واحرصي على المداومة على الدعاء، والتضرع إلى الله تعالى أن يثبتك على دينه، وأن يزيدكِ هدى وتوفيقاً وصلاحاً، فهكذا كان حال المؤمنين، كما حكى الله تعالى عن حالهم، في قوله : (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) آل عمران/ ٨.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: (يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) .
رواه الترمذي (٢١٤٠) وابن ماجه (٣٨٣٤) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
ولإصلاح ما بينكِ وبينهم لا يحتاج الأمر لكثير عناء، فأرجعي تلك العلاقة الطيبة بالرد على رسائلهنَّ، ومكالماتهنَّ، وأخبريهنَّ أنكِ مررتِ بظروفٍ خاصة، ولا داعي لذِكر تفصيلاتها، ويكفي أن تكون درساً لكِ لمستقبل الأيام.
ثانياً:
احذري أشد الحذر من العزلة والانفراد، فهما بداية الانحدار والسقوط للهاوية، ولو كانت عزلتك عزلة عبادة وطاعة لكان لها وجه من الشرع، أما تلك العزلة التي تؤدي إلى الفتور: فهي عزلة محرَّمة، وتصير خلطتك مع صاحباتك واجبة، فتنبهي لهذا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وأما قوله " هل الأفضل للسالك العزلة أو الخلطة ": فهذه المسألة وإن كان الناس يتنازعون فيها إمَّا نزاعاً كليّاً، وإمَّا حاليّاً، فحقيقة الأمر: أن الخلطة تارة تكون واجبة، أو مستحبة، والشخص الواحد قد يكون مأموراً بالمخالطة تارة، وبالإنفراد تارة، وجماع ذلك: أن المخالطة إن كان فيها تعاون على البر والتقوى: فهي مأمور بها، وإن كان فيها تعاون على الإثم والعدوان: فهي منهي عنها، فالاختلاط بالمسلمين في جنس العبادات كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحو ذلك: هو مما أمر الله به ورسوله ﷺ ، وكذلك الاختلاط بهم في الحج، وفي غزو الكفار، والخوارج المارقين، وإن كان أئمَّة ذلك فجاراً، وإن كان في تلك الجماعات فجَّارٌ.
وكذلك الاجتماع الذي يزداد العبد به إيمانا: إما لانتفاعه به، وإما لنفعه له، ونحو ذلك.
ولا بد للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسه في دعائه، وذكره، وصلاته، وتفكره، ومحاسبة نفسه، وإصلاح قلبه، وما يختص به من الأمور التي لا يشركه فيها غيره؛ فهذه يحتاج فيها إلى إنفراده بنفسه، إما في بيته - كما قال طاووس " نِعْم صومعة الرجل بيته، يكف فيها بصره ولسانه " - وإما في غير بيته.
فاختيار المخالطة مطلقا: خطأ، واختيار الانفراد مطلقا: خطأ، وأما مقدار ما يحتاج إليه كل إنسان من هذا، وهذا، وما هو الأصلح له في كل حال: فهذا يحتاج إلى نظر خاص - كما تقدم -.
" مجموع الفتاوى " (١٠ / ٤٢٥، ٤٢٦) .
ولتعلمي ـ يا أمة الله ـ أن البلايا التي نزلت بقلبك: من الحقد والحسد، هي كلها، مع حالك هذه حلقة واحدة؛ فإن من ثواب الحسنة: الحسنة بعدها، ومن عقاب السيئة: السيئة بعدها.
لو كنت عاقلة للأمر كما ينبغي لعلمت أن الله تعالى أعلم بخلقه، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، بعلمه في خلقه سحانه، وحكمته التي أرادها لهم:
قال الله تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً) (الاسراء:٢١) وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) (الأنعام:٥٣) . قال الشيخ ابن سعدي ﵀: " أي: هذا من ابتلاء الله لعباده، حيث جعل بعضهم غنيا؛ وبعضهم فقيرا، وبعضهم شريفا، وبعضهم وضيعا، فإذا مَنَّ الله بالإيمان على الفقير أو الوضيع؛. كان ذلك محل محنة للغني والشريف، فإن كان قصده الحق واتباعه، آمن وأسلم، ولم يمنعه من ذلك مشاركه الذي يراه دونه بالغنى أو الشرف، وإن لم يكن صادقا في طلب الحق، كانت هذه عقبة ترده عن اتباع الحق؛ وقالوا محتقرين لمن يرونهم دونهم: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ ؛ فمنعهم هذا من اتباع الحق، لعدم زكائهم. قال الله مجيبا لكلامهم المتضمن الاعتراض على الله في هداية هؤلاء، وعدم هدايتهم هم. ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ الذين يعرفون النعمة، ويقرون بها، ويقومون بما تقتضيه من العمل الصالح، فيضع فضله ومنته عليهم، دون من ليس بشاكر، فإن الله تعالى حكيم، لا يضع فضله عند من ليس له بأهل، وهؤلاء المعترضون بهذا الوصف، بخلاف من مَنَّ الله عليهم بالإيمان، من الفقراء وغيرهم فإنهم هم الشاكرون. " تفسير السعدي (٢٥٨) .
لقد كان الواجب عليك ـ يا أمة الله ـ أن تسارعي في فعل الخيرات، وترك المنكرات، وأن تسبقي الناس إلى ذلك، كما قال رب العالمين: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) المائدة /٤٨.
قال الحسن البصري ﵀: " نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره ".
وأما أن تقعدي عن الخيرات، وتشغلي قلبك بالأمراض، ونفسك بالسوآت، فليس هذا من فعل العقلاء في شيء.
نسأل الله تعالى أن يهديك لما يحب ويرضى، وأن يصلح بالك وحالك، وأن يثبت قلبك على الإيمان والطاعة، ونرجو أن تعملي بما ذكرنا لك من الرجوع عن مقاطعتك لأخواتك، ومن الحرص على تلك الصحبة الطيبة، ومن إبعاد كيد الشيطان ووسوسته عنك، ونرجو الله أن يوفقك للعمل بذلك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15531
كيف يتصرف الأهل مع الولد العاصي ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[يدعي بعض الآباء أن دورهم ينتهي عند تبيين الحلال والحرام لأطفالهم، وعلى أطفالهم (١٣ - ١٨ سنة) عندئذ الاختيار، فهل على الآباء منع الحرام بكل الطرق أم عليهم فقط التوضيح؟ وإلى أي حد يجب على الآباء منع أبنائهم من ارتكاب ما هو حرام؟ . ويظن بعض الآباء أنه بوصول الطفل لسن البلوغ تنتهي مسئوليتهم عنهم، ويكون الابن حينها مسئولاً عما اكتسب من ذنوب وآثام، ولا شيء عليهم أن يبينوا لأبنائهم ما هو حرام وفعله الأبناء، فهل هذا صحيح؟ أم أن على الآباء مسئولية لا تنتهي عن أبنائهم، وعن منعهم من فعل الحرام حتى لو كان بعد النصح والتبيين؟ . جزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
ذكرنا في أجوبة عديدة، المسؤلية الكبيرة الملقاة على عاتق الآباء تجاه أبنائهم، وأنها ليست فقط في البيان والتعليم، وإنما هي بالتأديب والتربية، والرعاية والعناية، بشتى الوسائل الممكنة للوالدين.
انظر أجوبة الأسئلة رقم (١٠٠١٦) ، (٢٠٠٦٤) ، (١٠٣٥٢٦) .
فإذا قدِّر أن كان أحدٌ من الأولاد – ذكوراً أو إناثاً – على خلاف الشرع في تطبيق الأوامر، أو فعل النواهي، وكان عاصياً لوالديه فيما يأمرانه به من الشرائع والأخلاق: فإن على الوالدين بذل مزيد من الجهد في هدايته، بالترغيب تارة، وبالترهيب أخرى، وبسلوك سبيل النصح له بتكليم من يثقون به من الأساتذة، أو الأقرباء ليشاركوهم في توجييهم ونصحهم، كما ينبغي لهما المداومة على الدعاء لهذا العاصي بالهداية، وعدم الملل من ذلك.
سئل علماء اللجنة:
" أفيدكم أنني طاعن في السن، ولي ولدان (توءم) ، ويدرسان في الصف الثالث المتوسط، وأرغب أن يكونا مستقيمين، ويذهبا معي إلى المسجد لأداء الصلاة، إلا أنهما أحيانا يرفضان ذلك، وأطلب الدعاء لهما، وما هي الطريقة التي يمكن استخدامها لإصلاحهما؟ علماً أنني أبلغت إدارة المدرسة عن هذا الموضوع، حفظكم الله، ورعاكم.
فأجابوا:
نوصيك بالاستمرار في مناصحة أبنائك، وعدم اليأس، وأن تستعمل الطرق النافعة في تربيتهم وتوجيههم، فتارة بالترغيب، وتارة بالترهيب، وغرس محبة الله ورسوله في قلوبهم، وإبعادهم عن جلساء السوء، وترغيبهم في مجالسة الصالحين، وتحذيرهم من وسائل الإعلام المفسدة، وقبل ذلك وبعده كثرة اللجوء إلى الله سبحانه بالدعاء بصلاحهم واستقامتهم، وهذا مما مدح الله به عباده الصالحين فقال جل وعلا: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) الفرقان/ ٧٤.
الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٥ / ٢٨٨) .
وكما ترين فإن ما ذكره العلماء الأفاضل واضح بيِّن في أنه يجب العناية بالأولاد وتربيتهم وتعليمهم، ونهيهم عن المنكر، وعد تمكينهم من فعله، وأن هذا ليس من التشدد في شيء، وأنه يجب التلطف مع العاصي منهم، وبذل السبل المتعددة في توجيهه ونصحه وإرشاده، ولو بلغت معاصيه ما بلغت؛ فإنه جزء من الأسرة لا يمكن التخلي عنه بسهولة.
ثانيا:
متى تنتهي مسئولية الأهل عن أولادهم؟
فرَّق العلماء بين ولاية الابن والابنة، وقال جمهورهم باستمرار ولاية أهلها، ووجوب العناية بها حتى بعد بلوغها، وبعد زواجها.
وفي " الموسوعة الفقهية " (٨ / ٢٠٤، ٢٠٥) :
عند الحنفيّة: تنتهي ولاية الأب على الأنثى إذا كانت مسنّةً، واجتمع لها رأي، فتسكن حيث أحبّت حيث لا خوف عليها، وإن ثيّباً لا يضمّها إلاّ إذا لم تكن مأمونةً على نفسها، فللأب والجدّ الضّمّ، لا لغيرهما كما في الابتداء.
وتنتهي ولاية الأب على الغلام إذا بلغ وعقل واستغنى برأيه، إلاّ إذا لم يكن مأموناً على نفسه، بأن يكون مفسداً مخوفاً عليه، فللأب ولاية ضمّه إليه لدفع فتنةٍ أو عارٍ، وتأديبه إذا وقع منه شيء.
وعند المالكيّة: تنتهي الولاية على النّفس بالنّسبة للصّغير ببلوغه الطّبيعيّ، وهو بلوغ النّكاح، فيذهب حيث شاء، ولكن إذا كان يخشى عليه الفساد لجماله مثلاً، أو كما إذا كان يصطحب الأشرار وتعوّد معهم أخلاقاً فاسدةً، يبقى حتّى تستقيم أخلاقه.
وإذا بلغ الذّكر رشيداً ذهب حيث يشاء، لانقطاع الحجر عنه بالنّسبة لذاته، وإذا بلغ الذّكر - ولو زمناً أو مجنوناً - سقطت عنه حضانة الأمّ على المشهور.
وبالنّسبة للأنثى، فتستمرّ الحضانة عليها والولاية على النّفس حتّى تتزوّج، ويدخل بها الزّوج.
وعند الشّافعيّة: تنتهي الولاية على الصّغير - ذكراً كان أو أنثى - بمجرّد بلوغه.
وعند الحنابلة: لا تثبت الحضانة إلاّ على الطّفل أو المعتوه، فأمّا البالغ الرّشيد فلا حضانة عليه، فإن كان رجلاً فله الانفراد بنفسه لاستغنائه عن أبويه، وإن كانت أنثى لم يكن لها الانفراد، ولأبيها منعها منه، لأنّه لا يؤمن أن يدخل عليها من يفسدها، ويلحق العار بها وبأهلها، وإن لم يكن لها أب فلوليّها وأهلها منعها من ذلك.
انتهى
هذه أقوال المذاهب في وقت انتهاء مسئولية الأهل عن أولادهم، وقد ميزنا الموقف من الابن الذكر عن الابنة الأنثى، لبيان الفرق بينهما، وكلمة العلماء تكاد تكون متفقة على أن مسئولية الأهل على ابنتهم تستمر حتى لو بلغت، ومنهم من جعل زواجها نهاية تلك المسئولية؛ وذلك من أجل وجود مسئول آخر عنها، ومنهم من اشترط كونها في مكانٍ آمن لا خوف عليها فيه، وتفريقهم بين الذكر والأنثى واضح بيِّن، والقاسم المشترك بين الذكر والأنثى: أنه إن كان لا تُؤمن أخلاقهم إذا انفردوا، أو كان يُخشى عليهم من الصحبة الفاسدة، أو عدم حسن التصرف: فإن مسئولية الأهل تبقى متصلة، غير منقطعة، ولو وصلوا سن البلوغ.
وفي " فتاوى نور على الدرب " قال الشيخ العثيمين – ﵀:
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد جعل الرجل راعياً في بيته، وأخبر أنه مسئولٌ عن رعيته، ولم يحدد النبي ﷺ هذا بسنٍّ دون سن، فما دام الرجل قادراً على رعاية بيته: فإن الواجب عليه رعايته، وهو مسئولٌ عن أهله.
انتهى
ثالثاًً:
هل يُسكت عن فعل الأولاد للمعاصي في البيت؟
وما يفعله الأولاد من منكرات في البيت: فإنه لا يُسكت عليه، بل يُنصح فاعله، ويُوجَّه لفعل الخير، ولا ينبغي للوالدين أن يعينا فاعل ذلك المنكر على فعله، كأن يعطوه من المال ما يشتري به ذلك المحرَّم، ولا أن يمكناه من فعله، ولهما السكوت عنه وعدم التصرف العملي حيال فاعله بالطرد: في حال أن يكون تصرفهما يسبب مفاسد أكثر وأكبر من تلك المعصية، فقد يسكت الوالدان على سماع الموسيقى، أو النظر المحرَّم، ويكون ذلك خشية التصرف العملي بالطرد والضرب الذي يؤدي إلى الإكثار من تلك المعاصي خارج نطاق البيت والأسرة، ومن المعلوم أنه من يُطرد من بيته فإنه سيتمكن من فعل ما لا يستطيع فعله في البيت، فتزداد المفاسد والمشكلات التي يسببها ذلك الولد العاصي العاق.
بل حتى لو لم يصل الأمر إلى الطرد والقطيعة أو الهجر، فإن كثيرا من الأبناء، إذا حرم من مشاهدة التلفاز، أو سماع الأغاني في البيت، ولم يكن قد هدى الله قلبه، وشرح صدره للالتزام بذلك، فإنه يتحيل إلى قضاء شهوته، وإشباع رغبته مع رفقة السوء، أو في أي مكان خارج البيت خارج البيت، وهنا يخلو له الجو بلا رقيب على تصرفاته، وهو أمر يوشك أن يفتح عليه أبوابا مضاعفة من الفساد.
فحينئذ؛ إذا عجز الوالد عن تقويم ولده، ومنعه من هذه المنكرات المعتادة في التلفاز وغيره، فإن المصلحة تقتضي أن يتغافل عن بعض ذلك من ولده، اتقاء لشر أكبر منه، يتوقع حصوله متى منع من ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
فإنَّ الأمرَ والنَّهيَ وإن كان مُتضمِّناً لتحصيلِ مصلحةٍ ودفعِ مَفْسدةٍ: فيُنظرُ في المُعَارضِ له، فإن كان الذي يَفُوتُ من المصالحِ أو يحصلُ من المَفاسدِ أكثر: لم يكن مأموراً به، بل يكون مُحرَّماً إذا كانت مفْسَدتُه أكثرُ من مصلحتِه.
" مجموع الفتاوى " (٢٨ / ١٢٩) .
وقد طبَّق شيخ الإسلام هذا الأمر عمليّاً، فقد قال:
مررتُ أنا وبعضُ أصحابي في زمنِ التتارِ بقومٍ منهم يشربون الخمرَ، فأنكرَ عليهم من كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلتُ له: إنَّما حرَّمَ الله الخمرَ لأنَّها تصدُّ عن ذكرِ الله والصَّلاةِ، وهؤلاء يصدُّهم الخمرُ عن قتلِ النَّفُوسِ، وسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ، وأخذِ الأموالِ فدعهم.
نقله عنه ابن القيم في " إعلام الموقعين " (٣ / ٥) .
وهكذا يقال في حال الأبناء والبنات، فإن طردهم خارج البيت لا شك أنه سيسبب فعلاً للمنكر أزيد مما كان عليه، وأشنع من الذي قبله، حيث تتوفر فرص فعل تلك المنكرات بعيداً عن رقابة البيت وأهله، فعلى الآباء تقدير هذا الأمر وإلا كانت خسارتهم فادحة.
رابعا:
أما بخصوص طرد المخالف منهم للشرع: فينبغي التنبه لأمرين اثنين:
الأول: التفريق بين الذكر والأنثى.
والثاني: طبيعة المخالفة وحجمها.
فليس كل معصية تستحق المفاصلة، وينبغي معرفة أن المعاصي منها ما هو من الكبائر، ومنها ما هو من الصغائر، وأن الكبائر درجات، وأن بعض المعاصي منها ما يتعدى فاعلها لغيره من الناس، ومنها ما لا يتعدى.
كما أنه ثمة فرقا بين كون الواقع في هذه المعاصي الابن الذكر، أو الابنة الأنثى، والذي ينبغي على الوالدين التنبه له وعدم إغفاله: أنه إن بلغ الشر بالابن ما بلغ، وتعدى شره، ووصل لدرجة لم تُعد تطاق: فإنه يمكن لهما طرده من البيت حفاظاً على باقي الأسرة، وذلك بعد استنفاد كافة الوسائل لهدايته وتقويم أمره، وأن الابنة الأنثى لا ينبغي طردها تحت أي ظرف من الظروف، ومهما بلغت معاصيها؛ فهي عرضهم، ويجب عليهم الحفاظ عليه، وحمايته من الذئاب البشرية التي تنتظر مثل هذه الفرائس.
والخلاصة في هذه النقطة:
أنه قد يصل الأمر في بعض الأحوال لأن يُطرد الابن من المنزل، ويقدَّر ذلك بحسب المصلحة والمفسدة، وأن الأنثى لا تُطرد مهما بلغت معاصيها.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15532
اهتدى حديثاً ويسخر منه أهله وأصدقاؤه، فكيف يتصرف ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد كنت من المسرفين في الذنوب والمعاصي، وكان أهون شيء عندي فعل المعصية، كنت من المتعاطين للمخدرات (الحشيش، الحبوب الكبتاجون، الخمر) كنت ممن يزنون، من الله عليَّ فتزوجت، وقبل الزواج تبت من معصية الزنا، ولله الحمد، بقي معي تعاطي المخدرات، وكان سببها الصحبة الفاسدة، وفي يوم من الأيام توفي لي ابن عم يقربني سنّاً، ولكن لم يتزوج، ففكرت في حالي وأنه أصغر مني قد توفي، وكنا في نفس المعصية تعاطي المخدرات، فمنَّ الله عليَّ بالهداية، وتركت كل شيء، حتى الدش - يا شيخ - كسرته، وتغيرت حياتي ١٨٠ درجة، أصبحت: أتصدق، أصلي، أدعو للخير، أوزع أشرطة، كتيبات، مطويات، أحضر محاضرات، آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر. المشكلة: واجهت كثيراً من الانتقادات، أولها من الأهل - الوالدة والأخوات - بأنني متشدد، متزمت، يريدون أن يسمعوا الأغاني، وينظروا إلى المسلسلات، وإذا نصحتهم وقلت لهم هذه حرام ما يجوز يردون علي: " لماذا شرع الاستغفار؟ إذا لا تريد تسمع أغاني وتتفرج على التلفزيون اطلع نحن نريد نتفرج ونسمع "، ونفس المشكلة تحصل معي في العمل، طلعت مرة، ومرتين، زوجتي تقعد معهم، وإذا خرجت أخذتها معي، ويطلبون مني أني أخليها تجلس معهم، وأنا أرفض، وزوجتي تستحي من الأهل، وتخاف يصير مشاكل، وإذا تركتها تجلس معهم تقوم تجلس بعيده عن التلفزيون تجلس لحالها وأحيانا أسمع دعوة من الوالدة تقول: " ليت الله ما هداك، آذيتنا! " أعوذ بالله مشكلتي في العمل / أنا أعمل في القطاع العسكري، أصحابي كلهم من الصحبة السيئة، الملتزمون ٣ فقط، الملتحون ٦، ممن يتغاضون عن أشياء كثيرة، وأن هذا ليس من الدين في شيء، والبقية منهم يشرب الحشيش ويستخدم المخدرات، ومن يغازل النساء، طبعاً الغالبية مدخنون. يا شيخ اتفقوا على الإساءة إليّ، فلا أدخل في مجلس إلا يذكروني بالماضي، ويستهزئون بالملتحين، ويسبونهم، وينعتونهم بـ " الكذابين " و " الإرهابيين "، وأنا تصيبني الغيرة، وأقول لهم: أنتم تسبون إخوانكم، يعني: مسلمين، ما يجوز، حرام تستهزئون باللحية لأنها سنة. يا شيخ أساؤوا لسمعتي، في أغلب المجالس يكثر الانتقادات على الملتحين، ولا يذكرونهم بخير. يا شيخ أحس أني أجرمت في حق إخواني الملتزمين، هل معنى هذا أن التزامي بالشريعة وإطلاق اللحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا الزمان: أصبح جريمة لا بد أدفع ثمنها، أو أصير منحرفا مثلهم؟ يا شيخ حتى مديري يقول: أنتم الملتحون حاطكم تحت المجهر، والله أي غلطة ما أغفرها لكم. عملت بعض الحلول: أولاً: قدمت نقل من نفس الإدارة لإدارة أخرى، ولكنها ستطول قليلاً. ثانياً: كل من أساء الأدب بقول أو فعل قطعت علاقتي معه نهائيّاً، وهذا حد من المشكلة كثيراً جدّاً، ولكنه لا يعجبني؛ فقد أصبح الناس تحذر من التعامل معي والخوف من أن يغلطوا عليَّ، فأصبحوا ينفرون منِّي، وينفِّرون الناس. أرجو من فضيلتكم أن تجدوا لي الحل المناسب؛ لأني والله تعبت نفسيّاً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
هنيئا لك هذه التوبة، يا عبد الله، وهنيئا لك رجوعك إلى ربك، وحمدا لله على سلامتك من طريق الضلال والغواية، ورجوعك إلى طريق الإنابة والهداية، زادك الله هدى، وبرا وتقى، وثبتك على صراطه المستقيم، إلى أن تلقاه على خير ما يحب ويرضى!!
واعلم أخي الفاضل أن الشيطان لن يستسلم بعد توبتك بسهولة، ولن يدعك لحال سبيلك؛ لأنك كنت من جنوده، وخرجت من غير إذنه ولا رضاه! فصرت من جنود الرحمن، وكنت في عصابة أوليائه، وانتقلت إلى طائفة أعدائه، فمنَّ الله عليك بالهداية، وغظتَه وكبتَّه، فمن المنطقي أن يحاول ـ بكل الوسائل ـ أن يعود بك إلى سابق عهدك، فعليك بالمثابرة، والثبات، والصحبة الخيرة الصالحة التي تعينك على الحق.
ونسأل الله أن يتقبل منك غيرتك على الدين، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وحب هداية الناس.
ثانياً:
اعلم أخي الفاضل أنه ينبغي النظر إلى قضيتك باعتبارين:
الأول: كونك تائباً مهتدياً.
والثاني: كونك داعياً إلى الله.
١. أما الاعتبار الأول:
فالوصية لك فيه: الصبر على الأذى، والتحمل للسفاهة، مع جواز استعمال الشدَّة إذا لزم الأمر، وذلك إذا تعلَّق الاستهزاء بالدين، وقدرت على منعه وإيقافه.
والشيطان له جنود يرسلهم للكيد والمكر وصد الناس عن الدين، وهؤلاء الجنود ليسوا من الجن كلهم، بل له جنود كذلك من الإنس، وهم الذين يقومون بمهامه في صرف الناس عن الطاعة، ودفعهم لفعل المعاصي، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) الأنعام/ ١١٢.
وقد طمأنك ربك تعالى، وبشرك بالثواب الجزيل يوم القيامة إن صبرت على أذى هؤلاء السفهاء في الدنيا، وذلك بالرفعة في الدرجات يوم القيامة، وقد توعدهم ربنا تعالى بالعقوبة البالغة إن هم ماتوا على سفهاتهم واستهزائهم بالمؤمنن.
قال تعالى: (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) البقرة/ ٢١٢.
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ. وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ. وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ. وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ. فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ. عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ. هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) المطففين/ ٢٩ – ٣٦.
قال ابن كثير – ﵀:
يُخبر تعالى عن المجرمين أنهم كانوا في الدار الدنيا يضحكون من المؤمنين، أي: يستهزئون بهم ويحتقرونهم، وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم، أي: محتقرين لهم.
(وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ) أي: إذا انقلب، أي: رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم، انقلبوا إليها فاكهين، أي: مهما طلبوا وجدوا، ومع هذا ما شكروا نعمة الله عليهم، بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحتقرونهم ويحسدونهم.
(وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّون) أي: لكونهم على غير دينهم.
قال الله تعالى: (وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِين) أي: وما بُعث هؤلاء المجرمون حافظين على هؤلاء المؤمنين ما يصدر من أعمالهم وأقوالهم، ولا كلفوا بهم، فلم اشتغلوا بهم وجعلوهم نصب أعينهم، كما قال تعالى: (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ. إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ. فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ. إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) المؤمنون/ ١٠٨ – ١١١.
ولهذا قال هاهنا: (فَالْيَوْمَ) يعني: يوم القيامة.
(الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) أي: في مقابلة ما ضحك بهم أولئك.
(عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ) أي: إلى الله ، في مقابلة من زعم فيهم أنهم ضالون، ليسوا بضالين، بل هم من أولياء الله المقربين، ينظرون إلى ربهم في دار كرامته.
وقوله: (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) ؟ أي: هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقص أم لا؟ يعني: قد جوزوا أوفر الجزاء، وأتمه، وأكمله.
" تفسير ابن كثير " (٨ / ٣٥٣، ٣٥٤) .
فاصبر أخي الفاضل واحتسب الأجر على سفاهة هؤلاء، وداوم على تذكيرهم بحكم فعلهم، وأنهم إن تعرضوا للدين باستهزاء وسخرية فقد خرجوا من ملة الإسلام، ولحقوا بإخوانهم من الكفار والمجرمين، الذين سبق ذكر حالهم في الآيات السابقة.
٢. وأما الاعتبار الثاني:
فالوصية فيه أن تسلك الطرق المناسبة لعلاج هؤلاء المرضى، فأنت بهذه الاعتبار لست رجلاً عرف الطريق فسلكه، بل أنت الآن داعية إلى الله، تريد أن تعبر بهؤلاء بحر الظلمات ليصلوا إلى بر الأمان والسلامة، فالوصية لك أن تزيد من العلم الشرعي، والطاعات التي تقربك لخالقك ، وأن تكون حكيماً في تبليغ رسالة رب العالمين لهؤلاء المرضى، والحكمة هي وضع الشيء في مكانه المناسب، فالأصل في التعامل معهم الرفق واللين، ولا مانع من استعمال الشدة مع بعضهم إن رأيت أن ذلك يردعه.
قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) آل عمران/ ١٥٩.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
فالأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح، والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم، والعقاب الخاص، فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول، فكيف بغيره؟! .
أليس من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، الاقتداء بأخلاقه الكريمة، ومعاملة الناس بما يعاملهم به ﷺ ، من اللين، وحسن الخلق، والتأليف، امتثالاً لأمر الله، وجذباً لعباد الله، لدين الله.
ثم أَمَرَه الله تعالى بأن يعفو عنهم ما صدر منهم من التقصير في حقه ﷺ ، ويستغفر لهم في التقصير في حق الله، فيجمع بين العفو والإحسان.
" تفسير السعدي " (ص ١٥٤) . وانظر: " تفسير الطبري " (٧ / ٣٤١) .
وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ! قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا، فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَهْلًا يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ.
رواه البخاري (٥٦٧٨) ومسلم (٢١٦٥) .
قال النووي – ﵀:
هذا مِن عظيم خلُقه ﷺ ، وكمال حلمه، وفيه: حث على الرفق، والصبر، والحلم، وملاطفة الناس، ما لم تدع حاجة إلى المخاشنة.
" شرح النووي على مسلم " (١٤ / ١٤٥) .
وقال الشوكاني – ﵀:
في الحديث استحباب تغافل أهل الفضل عن سفه المبطلين، إذا لم يترتب عليهم مفسدة.
" نيل الأوطار " (٨ / ١٤٦) .
ثالثاً:
وبخصوص أهلك:
عليك أن تصبر على أذاهم، وتداوم النصح والتذكير، ولا تيأس من ذلك، واحرص أشد الحرص على هدايتهم، ونوِّع في الأساليب، وتلطف معهم، ولا ترخ الحبل لزوجتك إذا كان في جلوسها مع أهلك معاصٍ أو منكرات، إلا أن تكون تستطيع تغييرها، ولا ينبغي أن يدفعها خجلها منهم إلى أن تُغضب ربها بسماع أو مشاهدة المحرَّمات، كما أن عليها مسئولية كبيرة في الوقوف مع زوجها، ونصرته، وتثبيته على الهداية والطاعة.
ونأسف لقول والدتك تلك المقولة الشنيعة، ولا ندري كيف قالتها ولعلها لا تعلم ما فعله بعض أصحاب المخدرات مع أمهاتهم وأخواتهم! ولا تدري ما فعلوه في إفساد الأسر، والمجتمعات، ولا تدري كم تبذل الأسر من مال ووقت وجهد حتى يصلح الله ولداً من أولادها يتعاطى المخدرات والمسكرات؛ لما رأوه من الأذى والضرر والشر منه.
وبخصوص عملك:
فإن رأينا أنك أحسنت في طلبك النقل إلى مكان آخر خير منه، وخاصة أنك في أول طريق الهداية والتوبة، وتحتاج لصحبة صالحة تدلك على الخير، وتحثك على فعله، وتحذرك من الشر، وتحثك على تركه.
ونعيد أن الأصل في التعامل هو الرفق واللين مع أهلك، وزملاء العمل، وغيرهم، ولا مانع من المخاشنة والشدة مع من يستحقها، إن رأيت في ذلك مصلحة لكف لسانه عن الدين والاستهزاء به.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15533
كانت متدينة فتزوجت وانقلب حالها فتركت الصلاة !
[السُّؤَالُ]
ـ[منذ صغري وأنا مولعة بالدين، كثيرة الصلاة، دائمة التعبد، لدرجة الإدمان، لكن بعد زواجي تركت الصلاة لكثرة الجماع ومشقة الغسل، وقد مرَّ على زواجي ٦ سنوات، وأصبح لي بنتان، وكثرت المسؤولية، وكرهت نفسي، لا تعلم كم أنا ضائعة، أستحلفك بالله أن تساعدني. جزاك الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
بل نعلم كم أنتِ ضائعة! ونعلم أنكِ أوبقتِ نفسك، وسلكتِ طريق المهالك، ولا ندري كيف وصل الحال بك لهذا وأنت تصفين نفسك بأنكِ كنتِ مولعة! بالدين، ومدمنة! على العبادة، والأصل فيمن كان هذا حاله أن يزداد قرباً من ربه، وأن يتعلق قلبه بالإسلام أكثر، وأن يصبح ويمسي وهو يشتاق للجنة ولقاء الله تعالى، لا أن ينقلب على عقبيه، وينتكس بعد الهداية.
وما تذكرينه من أعذار ليس بشيء، فكثرة الجماع والاغتسال لا تمنع من إقامة الصلاة، وكثرة المسئوليات لا تجعل المرء يرضى لنفسه الخروج من الإسلام لأجل تحملها، ولو تأملتِ في النساء حولك لرأيت من عندها عشرة من الأولاد أو أقل أو أكثر، ولم يعقها ذلك عن إقامة الصلاة، والقيام بحقوق الزوج، وتربية أولادها، والأمر يرجع إلى الإنسان نفسه، فأي طريق رضي سلوكها فقد رضيها طريقاً، ورضي بعواقبها، وهل كنتِ تعتقدين أن من ترك الصلاة أنه سيثاب، ويُعان، وتَدخل السعادة لحياته؟! بل لا ينتظر هذا إلا الشقاء والبؤس والحرمان من السعادة والتخلي عن إعانته، ولن يكون مصيره في الآخرة إذا مات على هذا إلا النار – والعياذ بالله -.
إنهما صورتان متضادتان، في الفعل، وفي الحكم، الأولى: لمن آمن وعمل صالحاً، والثانية لمن أعرض عن ذكر الله، فالأولى: وعد الله تعالى أصحابها بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، والثانية: توعَّد الله تعالى عليها بالشقاء والضنك في الدنيا والآخرة.
في الأولى قال ربنا ﵎: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل/ ٩٧
وفي الثانية قال ربنا ﵎: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) طه/ ١٢٤.
وأنتِ قد اخترتِ بملء إرادتك الطريق الثانية، فرأيتِ الضياع، والضنك، وهذا كله يهون في مقابل ما توعدك الله عليه في الآخرة!
قال ابن القيم – ﵀:
والمقصود: أن الله سبحانه أخبر أن من أعرض عن ذكره - وهو الهدى الذي من اتبعه لا يضل ولا يشقى -: بأن له معيشة ضنكاً، وتكفل لمن حفظ عهده أن يحييه حياة طيبة، ويجزيه أجره في الآخرة، فقال تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) فأخبر سبحانه عن فلاح من تمسك بعهده علما وعملا، في العاجلة بالحياة الطيبة، وفي الآخرة بأحسن الجزاء، وهذا بعكس من له المعيشة الضنك في الدنيا، والبرزخ، ونسيانه في العذاب بالآخرة، وقال سبحانه: (ومَن يَعشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين. وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) فأخبر سبحانه أن من ابتلاه بقرينه من الشياطين، وضلاله به: إنما كان بسبب إعراضه وعشوه عن ذكره الذي أنزله على رسوله، فكان عقوبة هذا الإعراض أن قيَّض له شيطاناً يقارنه، فيصده عن سبيل ربه، وطريق فلاحه، وهو يحسب أنه مهتد، حتى إذا وافى ربه يوم القيامة مع قرينه، وعاين هلاكه وإفلاسه: قال: (يا ليت بيني وبينك بُعد المشرقين فبئس القرين) وكل مَن أعرض عن الاهتداء بالوحي الذي هو ذكر الله: فلا بدَّ أن يقول هذا يوم القيامة.
" مفتاح دار السعادة " (١ / ٤٣، ٤٤) .
فها هما الطريقان أمامكِ، اختاري أيهما شئتِ، وعلى حسب اختيارك تكون العاقبة، في الدنيا والآخرة.
واعلمي أن ترك الصلاة كفر مخرج من الملة، ويترتب على ذلك فسخ عقد الزوجية، وعدم توريثك من أهلك المسلمين شيئاً، وعدم الصلاة عليكِ بعد الموت، ولا دفنك في مقابر المسلمين، نعم، هذه هي أحكام المرتدين، الذين أنعم الله عليهم بالهداية للإسلام، فذاقوا طعم الإسلام، وحلاوة الإيمان، ثم رضوا لأنفسهم بالكفر والردة عن الدين.
ولا نجد ما ننصحك به إلا سلوك طريق الإيمان، وهو طريق السعادة في دنياكِ وأخراكِ، واستعيني بالله تعالى على القيام بواجباتك تجاه زوجك وأسرتك، ونظمي مع زوجك أوقات الجماع، وارجعي لسالف عهدك من الطاعة والعبادة، قبل أن يُختم لك بشر خاتمة، فتلقي ربك تعالى وأنت بأسوأ حال – والعياذ بالله -، وهو ما لا نتمناه لكِ.
واعلمي ـ أنت وهو، يا أمة الله ـ أن الحياة الزوجية ليست انهماكا في شوات البطن والفرج، كما قد يظن بعض الغافلين، بل هي زيادة أعباء، وتحمل أمانات، والموفق من يُعان على الموازنة بين الحقوق، وإعطاء كل ذي حق حقه.
آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟
قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا!!
فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ [يعني: قال: سلمان لأبي الدرداء] : كُلْ!!
قَالَ [أبو الدرداء] : فَإِنِّي صَائِمٌ!!
قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ؛ قَالَ: فَأَكَلَ!!
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ، فَنَامَ!! ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمْ الْآنَ، فَصَلَّيَا.
فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ!!
فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (صَدَقَ سَلْمَانُ)
رواه البخاري (١٩٨٦)
وانظري – للأهمية – جواب السؤال رقم (١٤٢٩٦) ، ورقم (٨٢٨٦٦) .
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15534
متزوج، وله مواهب متعددة، ويعاني من التخبط والفوضوية
[السُّؤَالُ]
ـ[مشكلتي أنني لا أعرف ما هي مشكلتي بالضبط!!!! أنا شاب قاربت الثلاثين من العمر، متزوج ولدي بنت واحدة - ولله الحمد – المشكلة هي أنني شخص فوضوي لأبعد حدٍّ، متخبط جدّاً، والمشكلة أني - ولله الحمد - متعدد المواهب، فأنا شاعر، وقاص، ومبدع في التأليف، والإخراج المسرحي والتلفزيوني، وبارع في مجال الأدب والشعر، وفي مجال التاريخ، وكذلك الثقافة العامة، وفهم الواقع، سريع الحفظ، قوي الذاكرة , ومع ذلك فقد كنت مهملاً جدّاً في دراستي، مع العلم أني كنت أستطيع التفوق ولكن! أعشق النوم والكسل، نادراً ما أنجز شيئاً، أحيانا طموحاتي تتجاوز حدود الخيال، فأنا أريد أن أكون كل شيء، فعندما أجد كتاباً في التاريخ - مثلاً -: أجزم أني سأكون مؤرخاً كالطبري، وعندما أشاهد عالِماً في التلفاز - مثلا - ويعجبني: أقرر بعدها أن أكون طالب علم يشار إليه بالبنان، وبعد فترة أطالع قصيدة فأقول: سأكون شاعر الأمة الكبير، وهكذا تجدني في اليوم الواحد أقرر أن أكون أعظم رجل في العالم، وأصل إلى كل شي، وأكون، وأكون، والعجيب أني أحياناً أرسم، وأضع خططاً وبرامج وأنا مبدع في ذلك، ولكنها حبر على ورق، مع يقيني أني لو عملت ربع هذه الخطط لأصبحت أفضل بكثير مما أنا عليه الآن، والأغرب من كل هذا أني متميز في مجال التربية، والشباب، والمراكز الصيفية، ولا يستطيع أحد أن يجاريني، فالأسرة التي أكون أنا رئيسها في المركز: تكون الأولى في كل شيء، ولكني لم أستطع أن أربي نفسي. أغراضي وملابسي دائما في فوضى، كل شي بعدي يكون فوضويّاً، لا أعرف الترتيب، ولا النظام، أحس أن الأشخاص المنظمين أناس لا يستمتعون في حياتهم، أحسهم كـ " الربورتات " التي تؤدي مهامها فقط. أنا كثير الأحلام والخيال، أما في الواقع: فلا شيء، بصراحة وأنا الآن عاطل، تركت الجامعة بعد سنوات طويلة، فأنا متخرج من الثانوية قبل عشر سنوات تقريبا، دخلت الجامعة وتنقلت بين عدة أقسام فيها ... وفي مجال الأعمال الخيرية والتطوعية كنت الأبرز من بين الشباب، وإذا استلمت عمل: أُبدع فيه، ولكن سرعان ما أتركه حتى عُرف عني هذا الأمر، وأصبحت لا أُكلف بشي، مع علمهم أنني أفضل من يقوم بأي أمر. عمري يقارب الثلاثين، ولا يوجد لديَّ دخل، مع أني متزوج، ولم أتعظ، ولكني متضايق جدّاً من حالتي المزرية، وأنا جاد في البحث عن الحل. والله المستعان.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله تعالى أن يوفقك لما يحب ويرضى، ونسأله تعالى أن ييسر أمرك، ويفرِّج كربك، ورسالتك تحمل في طياتها شعوراً صادقاً للبحث عن حلٍّ لما تعيشه من اضطرابٍ في التفكير، وخلل في التصور للأهداف الحياتية، ولذا فسنحاول جهدنا الوصول بك إلى برِّ الأمان، ونرجو أن تتعاون معنا بتحقيق ما نقوله لك في واقع العمل، بعد أن تقرأه في واقع النظر.
١. إذا كنتَ مضطرباً في تحديد الهدف لحياتك فترى نفسك متنقلاً من مهنة إلى أخرى، ومن عملٍ لآخر، ومن موهبة لأختها: فلا ينبغي لك أن تتجاهل الغاية التي من أجلها خُلقت، بل خلق الإنس والجن من أجلها، وهي توحيد الله وعبادته، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات/ ٥٦، ومعرفتك لغاية واحدة خُلقت لأجلها، وسيرك في هذه الحياة الدنيا من أجل تحقيقها هو أيضاً عامل مساعد قوي في حل مشكلتك، فإن نسيت أو غفلت أو ضيعتك هموم الدنيا فإياك أن تغفل عن غاية خلقك، واعمل جاهداً لتحقيقها، وسترى السعادة في الدنيا قبل الآخرة.
قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل/ ٩٧. قال ابن القيم – ﵀:
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدَّس الله روحه - يقول: إن في الدنيا جنَّة مَن لم يدخلها: لا يدخل جنة الآخرة.
وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنَّتي وبستاني في صدري، إن رحتُ فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
" الوابل الصيب " (ص ٦٧) .
ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن غيره في " مجموع الفتاوى " (١٠ / ٦٤٧) قوله: لقدْ كنت في حال أقول فيها: إن كان أهل الجنة في الجنة في مثل هذا الحال: إنهم لفي عيش طيب. انتهى
٢. ونرى أن عندك جوانب إيجابية ينبغي لك استثمارها، وجوانب سلبية ينبغي لك التخلص منها.
ومن الجوانب الإيجابية عندك:
أ. أنك متعدد المواهب، فمثلك لا يجد صعوبة في الاستقرار على شيء، والإبداع فيه.
ب. أنك سريع الحفظ، وقوي الذاكرة، وهاتان الميزتان لم تُذكرا إلا في تراجم قليلة من أهل العلم والأدب والإبداع، فتستطيع أن تملأ صدرك بكتاب الله تعالى، وتستطيع أن تطلب العلم الشرعي فتكون من الحاملين لسنة النبي ﷺ ، والذابين عنه وعن دينه.
ج. أنك تملك طموحاً قويّاً، وهذا يعني قوة الشخصية، وقوة الإرادة.
د. تميزك في جانب الدعوة إلى الله، وحفظ القرآن، والقيام بالأعمال الخيرية، وهذا يمكنك استثماره في تحقيق هدك في الحياة؛ لأن مثلك وقف على جوانب من الشرع من الآيات والأحاديث.
وأما الجوانب السلبية التي ينبغي لك التخلص منها فوراً، ودون تردد:
أ. عشقك للنوم والكسل، وهذا أمرٌ محزن أن يكون من مثلك، فأنت مفعم بالحيوية والطاقة، وتملك مواهب متعددة، وعندك طموح قوي، وكل ذلك لا يتناسب مع الكسل والنوم، وقد ذم الأطباء والعلماء والعقلاء كثرة النوم، وجعلوها في سلسلة الأمراض التي تقتل الهمة والعمل وتمرض البدن.
قال الفضيل بن عياض ﵀: خصلتان تقسيان القلب: كثرة النوم، وكثرة الأكل.
وقال ابن القيم ﵀:
وأما مفسدات القلب الخمسة: فهي التي أشار إليها: من كثرة الخلطة، والتمني، والتعلق بغير الله، والشبع، والمنام، فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب.
" مدارج السالكين " (١ / ٤٥٣) .
وشرح ما يتعلق بالنوم فقال ﵀:
المُفسد الخامس: كثرة النوم؛ فإنه يميت القلب، ويثقل البدن، ويضيع الوقت، ويورث كثرة الغفلة والكسل، ومنه المكروه جدّاً، ومنه الضار غير النافع للبدن ... .
وبالجملة: فأعدل النوم وأنفعه: نوم نصف الليل الأول، وسدسه الأخير، وهو مقدار ثمان ساعات، وهذا أعدل النوم عند الأطباء، وما زاد عليه أو نقص منه أثر عندهم في الطبيعة انحرافا بحسبه.
" مدارج السالكين " (١ / ٤٥٩) .
فانتبه لهذا الأمر، والتزم بأنفع النوم وأعدله، ودع عنك النوم الزائد عن الحاجة، وانظر لما يسببه من آثار سيئة، ولا ترضى لنفسك إلا بالكمال.
ب. يظهر لنا من رسالتك أنك تبحث عن المجد والشهرة، ولا يهمك تحقيق ما تصبو إليه نفسك إلا من أجل أن تكون مميزاً ويشار إليك بالبنان – على حد تعبيرك -، وهذا أمرٌ خطير، ويجب عليك التوقف عن هذه النية، والتوقف عن السعي لتحقيق مجد وشهرة؛ فإن هذا من كبائر الذنوب، وهو مُحبط للأعمال، وهو مسبب للقلق والكآبة حتى وإن تعلق بأمر غير شرعي؛ لأن سعيك لأن تكون شاعر الأمة، أو عالِماً، أو أعظم رجلٍ في الدنيا: لن يأتي من مواهب متعددة، وطموح جامح، مع كثرة نوم، بل يحتاج لكد وتعب وجد واجتهاد، وسترى نفسك مع واقعك أنك لن تصبح كذلك، فتصاب بالإحباط والكآبة، وهذا هو الواقع، وأنت قد أخطأت خطأ عظيماً، وإياك أن تبحث عن مجد نفسك وشهرتها؛ فإن ذلك سيكون على حساب الأجور والثواب إن كان في أعمالك طاعات، وسيكون على حساب صحتك وعقلك وبدنك ووقتك إن كان في أعمالك أمور دنيوية، فاحذر هذا المرض الخطير، وليكن طلبك للعلم وحفظك للقرآن من أجل الأجور التي عند الله، وليكن تنافسك مع غيرك داعياً لك للعمل والاجتهاد، دون نية إزاحة غيرك والجلوس مكانه.
ج. التخبط في الاستقرار على عملٍ معيَّن، وأنت قد حباك الله مواهب متعددة، وتملك مواصفات مميزة، وهذا التخبط سببه هو: عدم الاستقرار على شيء واحد من مواهبك وأعمالك، فالذي ننصحك به: أن تنظر أي الأشياء أقرب لقلبك من الأعمال التي تتقنها، اخترها ودع غيرها، واعمل في حقلها، وأبدع في صناعتها وإنتاجها وقيامها، على شرط أن تكون موافقة للشرع، فوضوح الهدف عندك لتحقيق عمل معيَّن سيجعلك تصرف النظر عن غيره، واستقرارك على عملٍ واحد دون غيره: سيريح بالك، ويجعلك تبدع في تحقيقه، ولك أن تتصور كم سيكون ذلك مساهماً في حل مشكلتك، وكم سيفرح ذلك زوجتك الصابرة على أفعالك وكسلك ونومك!
د. الفوضوية في ملابسك وترتيب أغراضك: أمر مخالف للفطرة والعقل، ولا يمكن لإنسان حباه الله تعالى عقلاً سليماً ويستمتع بالفوضى وعدم الترتيب، وهب أنك جئت مطعماً لتأكل فيه، ووجدته فوضويّاً كما هو حالك: فهل ستستمتع بالأكل فيه؟ وهب أنك جئت محلا للبقالة لتشتري غرضاً فلم تجد رفوفاً ولا ترتيباً للمواد، ولا تصنيفاً لها، وسألت صاحب المحل عن شيء منها، فقال لك: ابحث في كل أغراض المحل فستجده بينها! فأي عاقل يمكن أن يقول إن هذه الفوضى خير من الترتيب والتنظيم والتصنيف للمواد؟! وقل مثل ذلك في شئون حياتك كلها، فالاستمتاع – أخي الفاضل – هو بوضع كل شيء في مكانه المناسب، والاستمتاع بالنظافة، والطهارة، والترتيب، وليس بعكس ذلك.
أخي الفاضل:
احرص على ما عندك من أمور إيجابية، ونمِّها، وقوِّها، وتخلص مما عندك من سلبيات، واعلم أنك مسئول عن نفسك، وعن زوجتك، وابنتك، فأي زوج تحب أن تكون؟ وأي أبٍ تود أن تراه ابنتك؟ الأمر يرجع إليك في الانطلاق نحو الكمال، وأن تدع عنك الكسل، وتنهض لتقوم بعملٍ واحد شرعي، تبدع فيه، وتحقق آمالك بالعمل المستقر، والحياة الهانئة، فتسعد، وتسعد زوجتك، وابنتك، ولا تنس الهدف الأسمى الذي خُلقت من أجله، وهو توحيد الله وعبادته، فأكثر من الأعمال الصالحة، واستثمر ذاكرتك وقوة حفظك في إتمام حفظ كتاب الله تعالى، والالتزام بحلقات العلم، واسأل ربك تعالى أن يوفقك، وأن يهديك لما فيه صلاح، وصلاح أسرتك.
ننصحك بأن تبحث عن عمل وظيفي تلتزم به، يكون متناسبا مع أقرب مواهبك إلى نفسك، وأولاها عندك بالعطاء والإبداع، ولو أمكن أن تعرض شيئا من أعمالك على بعض المجلات الإسلامية، أو المواقع الإلكترونية الإسلامية، فربما تجد فرصة للعمل والعطاء عندهم، وربما يجدون هم ـ أيضا ـ عندك من الموهبة والعطاء، ما يمكن أن ينفع الناس بما عندك من الخير، وتستثمر فيه النعمة التي رزقك الله، شريطة أن تكون جادا في الالتزام، عازما على إصلاح نفسك وتغييرها.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15535
كره الحياة ويتمنى الموت
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الشرع في رجل كره هذه الحياة الدنيا أشد كراهية، وسأل الله أن يميته إن كان ذلك خيراً له، وانتظر الموت؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا يجوز للمسلم أن يكره الحياة وييأس فيما عند الله تعالى من فرج وخير، والواجب عليه أن يصبر على ما يلاقيه من أقدار الله ويحتسب ما يصاب به من مصائب عنده تعالى، ويسأله سبحانه أن يصرفها عنه، ويعينه ويأجره على ما يقدر عليه منها، وينتظر الفرج منه تعالى، قال سبحانه: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) الشرح /٥، ٦، ويكره للمسلم تمني الموت لضر نزل به من مرض أو ضيق دنياً أو غير ذلك، وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي) ، وفي الصورة المذكورة في الحديث نوع تفويض وتسليم للقضاء. وما يصيب المسلم في هذه الدنيا من مصائب كفارة له، إذا احتسبها عند الله تعالى ولم يتسخط، وفيها إيقاظ لقلبه من الغفلة، وموعظة في المستقبل.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.. الشيخ عبد العزيز آل الشيخ.. الشيخ صالح الفوزان.. الشيخ بكر أبو زيد.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٥/٣٩٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15536
هل تحرم عليه زوجته إذا زنى بأختها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل إذا زنى الرجل بأخت زوجته تحرم عليه زوجته؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
حرم الله تعالى على الرجل أن يجمع بين الأختين، قال الله تعالى في ذكر المحرمات من النساء: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) النساء/٢٣، واختلف العلماء فيمن زنى بأخت امرأته هل يكون الزنا كالزواج بها أم لا؟
قال ابن قدامة في "المغني": " فإن زنى بأخت امرأته فقال أحمد: يمسك عن وطء امرأته حتى تحيض ثلاث حيض.
ويحتمل أن لا تحرم بذلك أختها , ولا أربع سواها ; لأنها ليست منكوحة , ومجرد الوطء لا يمنع, بدليل الوطء في ملك اليمين لا يمنع أربعا سواها" انتهى.
واستدل من منعه من جماع امرأته حتى تنقضي عدة المزني بها، بحديثين:
١. ما رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْمَعْ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ) .
٢. وما رُْوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: (مَلْعُونٌ مَنْ جَمَعَ مَاءً فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ) .
والحديثان لا أصل لهما، فهما موضوعان.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
"لا أصل له باللفظين.
وقد ذكر ابن الجوزي اللفظ الثاني، ولم يعزه إلى كتاب من كتب الحديث، وقال ابن عبد الهادي: لم أجد له سنداً بعد أن فتشت عليه في كتب كثيرة" انتهى.
" التلخيص الحبير " (٣ / ٣٤٣) .
والقول الصحيح: أن زناه لا أثر له في تحريم زوجته، والعدة واجبة عليها إن أرادت النكاح بعد توبتها، ولا تعلق لعدتها بجماعه لزوجته.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
"قال في "الروض المربع" لمؤلفه الشيخ منصور البهوتي الحنبلي: " ومَن وطئ أخت زوجته بشبهة، أو زنا: حرمت عليه زوجته، حتى تنقضي عدة الموطوءة ".
يعني: لو أن رجلاً زنا بأخت زوجته - والعياذ بالله - قلنا له: إن زوجتك حرام عليك حتى تنقضي عدة المزني بها، فلو قدر أن المزني بها حملت من هذا الوطء: فلا تحل له زوجته حتى تضع المزني بها حملها، ولو بقي في بطنها أربع سنوات!! لكن تقدم لنا القول الراجح أن الزنا لا أثر له، ولا يمكن أن نجعل السفاح مثل النكاح الصحيح" انتهى.
" الشرح الممتع " (١٢ / ١٣٣، ١٣٤) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15537
أختها لا تصلي ولا تحسن التصرف
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا أفعل لأختي الصغرى، فهي لا تصلي ودائماً تكذب وتتشاجر، وجميع من في البيت سئم من تصرفاتها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نشكر لك تواصلك معنا، ونسأل الله أن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا.
أما حال أختك فهو حال كثير من الشباب في هذا الزمان نسأل الله لنا ولهم الهداية، وواجبنا نحوهم - فيما يظهر - كما يلي:
أولا: ينبغي التوجه إلى الله بطلب الهداية لهم، فهو مقلب القلوب، ولربما دعوة خرجت من القلب تكون سببا في سعادتها في الدنيا والآخرة.
ثانيا: ينبغي ترك التعامل معها على أنها صغيرة، أو أنها لا تدرك مصلحتها فالإنسان – لاسيما في سن المراهقة – يحب ممن حوله أن يشعروه بأهميته، ولا يحب أن يعامله الناس على أنه لا يزال صغيراً.
ثالثا: محاولة ربطها بفتيات صالحات، وإبعادها عن صديقاتها الغير صالحات، حتى لو استدعى ذلك مثلاً نقلها من المدرسة التي تدرس بها، وينبغي أن يكون ذلك بحيث لاتنتبه هي؛ لأنها ربما تتصرف تصرفا عناديا يزيد من المشكلة.
رابعا: ينبغي أن لا تكون نظرتكم لها هي نظرة التضايق فقط، بل ينبغي إظهار الفرح بما تفعله من الأشياء الطيبة وتقديم الهدايا لها إذا فعلت أمرا طيبا.
خامسا: يمكنكم مناصحتها من خلال شخص تحبه كمدرستها أو صديقة لها أو غير ذلك.
سادسا: احرصوا على محاولة إيصال الشريط أو الكتاب الذي فيه موعظة بطريق غير مباشر، كوضعه قريبا منها أو الاستماع للشريط في السيارة في حال ركوبها.
وأما كونها لا تصلي فهذا أمر في غاية الخطورة، فمنزلة الصلاة في الإسلام بمنزلة العمود الذي يقوم عليه البناء، ولهذا قال النبي ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) رواه الترمذي (٢٦٢١) ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٢١١٣) .
وقال ﷺ : (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) رواه مسلم (٨٢) .
فالواجب عليكم مناصحتها ووعظها وحملها على الاستقامة، لتجمعوا في ذلك بين أسلوبي الترغيب والترهيب، واللين والشدة، فإن احتاج الأمر إلى الشدة أحياناً فلا بأس من استعمالها.
وقد قال النبي ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع) رواه أبو داود (٤٩٥) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٤٦٦) .
وهذه الشدة والقسوة إنما هي لمصلحتها.
قال الشاعر:
قسا ليزدجروا ومن يك راحماً فليقسُ أحياناً على من يرحمُ
نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15538
مصابة بمرض الخوف، وينتابها الهم والغم، فكيف تقي نفسها وتعالجها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أعاني منذ وقت قليل من مخاوف عديدة، وأولها هي: أني أخاف من الأمراض، وخاصة من مرض السرطان، فأجد نفسي أنظر إلى جسدي لا ألاحظ أشياء تدلني على أني مريضة، أو أخاف بمجرد إحساسي بأي وجع، وصل بي الحد إلى أني لا أصلي بخشوع، ولا أستطيع التسبيح من كثرة الخوف والفزع الذي يمنعني من العيش، أحب ربي، وثقتي في كرمه وجوده ورحمته كبيرة، لكني وبعد محاولات عديدة للتخلص من هذا: أجد نفسي أغرق. أرجوكم ساعدوني بالدعاء لي بالصحة، وهل هذا مرض نفسي، أم وساوس من الشيطان؟ وهل هناك أدعية للتخلص من الهموم؟ . ادعوا لي أرجوكم، وحتى أهلي قلقون كثيراً عليَّ.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اعلمي أن مصدر هذا التخويف لك هو الشيطان، فعليك أن تستعيني بربك تعالى عليه، وتحذري كيده ومكره، وتكثري من الاستعاذة بالله تعالى منه.
قال الله تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) آل عمران/ ١٧٥.
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
"أي: فإذا سوَّل لكم، وأوهمكم: فتوكلوا عليَّ، والجؤوا إليَّ، فأنا كافيكم، وناصركم عليهم، كما قال تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) الزمر/ ٣٦ – ٣٨، وقال تعالى: (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) النساء/ ٧٦، وقال تعالى: (أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) المجادلة/ ١٩، وقال تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) المجادلة/ ٢١، وقال تعالى: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) الحج/ ٤٠، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) محمد/ ٧، وقال تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ. يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) غافر/ ٥١، ٥٢" انتهى.
" تفسير ابن كثير " (٢ / ١٧٢) .
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀:
"وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، وأنه من لوازم الإيمان، فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله، والخوف المحمود: ما حجز العبد عن محارم الله" انتهى.
" تفسير السعدي " (ص ١٥٧) .
ثانياً:
من جعل الله وليّاً له: لم يكن للشيطان عليه سبيل، ومن تخلى عن ولاية الله فقد جعل الشيطان وليّاً له.
قال الله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) النحل/ ٩٨ – ١٠٠.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀:
"أي: فإذا أردت القراءة لكتاب الله الذي هو أشرف الكتب، وأجلُّها، وفيه صلاح القلوب والعلوم الكثيرة: فإن الشيطان أحرص ما يكون على العبد عند شروعه في الأمور الفاضلة، فيسعى في صرفه عن مقاصدها، ومعانيها.
فالطريق إلى السلامة من شرِّه: الالتجاء إلى الله، والاستعاذة به من شرِّه، فيقول القارئ: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " متدبراً لمعناها، معتمداً بقلبه على الله في صرفه عنه، مجتهداً في دفع وساوسه، وأفكاره الرديئة، مجتهداً على السبب الأقوى في دفعه، وهو التحلي بحلية الإيمان، والتوكل؛ فإن الشيطان (لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ) أي: تسلط (عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ) وحده لا شريك له (يَتَوَكَّلُونَ) فيدفع الله عن المؤمنين المتوكلين عليه شرَّ الشيطان، ولا يبقى له عليهم سبيل.
(إِنَّمَا سُلْطَانُهُ) أي: تسلطه (عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ) أي: يجعلونه لهم وليّاً، وذلك بتخليهم عن ولاية الله، ودخولهم في طاعة الشيطان، وانضمامهم لحزبه، فهم الذين جعلوا له ولاية على أنفسهم، فأزَّهم إلى المعاصي أزًّا، وقادهم إلى النار قَوْدًا" انتهى.
" تفسير السعدي " (ص ٤٤٩) .
ثالثاً:
علَّمنا نبينا ﷺ ما نقي به أنفسنا من الهموم والغموم، وعلَّمنا ما نزيل به ما يصيبنا مهما.
أما الوقاية: فهي في الإيمان، والعمل الصالح، قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل/ ٩٧.
وأما العلاج: فبالأدعية الثابتة في السنَّة النبوية، ومنها:
١. عن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا) . رواه أحمد (٣٧٠٤) ، وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (١٨٢٢) .
٢. عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنتُ أخدم رسول الله ﷺ فكنت أسمعه كثيراً يقول: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) رواه البخاري (٢٧٣٦) .
ضَلع الدَّين: غلبته وثقله.
٣. عَنْ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ) رواه الترمذي (٣٤٢٧) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
يصاب الإنسان أحياناً بهموم وغموم، فما الأشياء التي تزيل الهموم والغموم التي تصيب المسلم؟ وهل يشرع أن يرقي الإنسان نفسه؟ .
فأجاب:
"أولاً: يجب أن تعلم أن الهموم والغموم التي تصيب المرء: هي من جملة ما يُكفّر عنه بها، ويُخفّف عنه من ذنوبه، فإذا صبر واحتسب: أثيب على ذلك، ومع هذا فإنه لا حرج على الإنسان أن يدعو بالأدعية المأثورة لزوال الهم والغم، كحديث ابن مسعود ﵁ -وذكر الحديث المتقدم....، فإن هذا من أسباب فرج الهم والغم.
وكذلك قوله تعالى: (لَاّ اله إِلَاّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) ، فإن يونس ﵊ قالها، قال الله تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذالِكَ نُنجِى الْمُؤْمِنِينَ) ، ولا حرج أن يرقي الإنسان نفسه، فإن الرسول ﵊ كان يرقي نفسه بالمعوذات عند منامه، ينفث بيديه، فيمسح بهما وجهه، وما استطاع من جسده" انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (١٧ / جواب السؤال رقم ٤٩٣) .
ولمزيد الفائدة انظري جواب السؤال (٢١٦٧٧) .
رابعاً:
الخوف مصدره الشيطان، يمكر بك، ويكيد لك؛ ليصدك عن دين الله تعالى، فيفسد عليك صلاتك، وعموم طاعتك لربك تعالى، فاحذري مكره، وكيده، وتوكلي على ربك تعالى أشد التوكل، والجئي إليه ليصرف عنك كيد الشيطان وفتنته.
وحضور قلبك في صلاتك، وخشوعك فيها مرجعه لقوة إيمانك، وثقتك بربك تعالى، وهو ما يعينك على صرف الموانع التي تحول بينك وبين الخشوع وحضور القلب في الصلاة.
وما يوسوس لك به الشيطان: فاصرفيه عنك، ولا تستسلمي له، فكيد الشيطان ضعيف، ومن كان الله معه فهو منصور دائماً.
ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن ييسر لك الخير حيث كان.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15539
هل تحذر أولادها من عمتهم ؟!!
[السُّؤَالُ]
ـ[أخت زوجي لها سوابق في الزنا بالمحرمات، وقطعنا عنهم فترة ١٥ سنة، ثم رجع زوجي يكلمهم، فخفت على أولادي فطعنت بشرفها أمامهم ليبعدوا عنها، قلت: إن عمتكم مارست الجنس مع خالها، فهل يجوز ذلك لأبعد أطفالي - مع أن أطفالي منقطعون عنها، ولكن خفت من زوجي يؤثر عليهم -؟ فتكلمت على شرفها، هل يجوز؟ . وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
حفظت الشريعة المطهرة أعراض الناس من أن تنال بالسوء، فشرعت لذلك حدَّ الزنى، وحدَّ القذف، حتى لا يجرؤ أحد على انتهاك أعراض الناس بالفعل وهو يعلم أن مصيره الجلد، أو الرجم حتى الموت، إلا أن يكون مفضلاً للخزي والعار والموت، على الطهارة والنقاء والسلامة، كما لا يجرؤ أحد على انتهاك أعراض الناس بالقول وهو يعلم أنه سيقام عليه حدُّ القذف، وسترد شهادته، ويكون من الفاسقين، إلا أن يكون متجرِّئا على الباطل، راضياً بالسوء والمنكر، على طهارة اللسان وعفته.
وأنت أيتها الأخت السائلة: لا يخلو ما قلتيه في حق أخت زوجك من أمرين:
الأول: أن تكون الجريمة منها غير ثابتة عليها شرعاً، وإنما هي أقاويل وافتراءات.
والثاني: أن تكون تلك الجريمة ثابتة عليها.
وثبوت تلك الجريمة لا يكون بادعاء الناس، ولا بأقاويلهم المفتراة، بل لا بدَّ من ثبوتها بإحدى الطرق الشرعية؛ حماية للأعراض؛ وحفظاً لها من طعن السفهاء، ومن طرق ثبوت جريمة الزنى – بالمحارم وبغيرهم -:
١. شهادة أربعة رجال، يرون الفرج في الفرج – الميل في المكحلة -.
٢. اعتراف الزانية على نفسها أنها فعلت تلك الجريمة.
ولا يعد اعتراف الطرف الآخر بينة على طرفه المقابل حتى يعترف هو بفعله.
وعليه:
فلو أن تلك الجريمة المدعاة على أخت زوجتك لم تكن ثابتة بشهادة الشهود، ولا باعترافها: فإن قولك لأبنائك عنها: يعد قذفاً تستحقين عليه الحدَّ الشرعي، فيلزمك أن تتوبي وتستغفري ربك تعالى، وتكذِّبي نفسك أمام أولادك.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) النور/ ٤، ٥.
وقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) النور/ ٢٣.
قال الإمام ابن جرير الطبري – ﵀:
والذين يَشْتمون العفائف من حرائر المسلمين، فيرمونهنّ بالزنا، ثم لم يأتوا على ما رمَوْهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول يشهدون عليهنّ أنهنّ رأوهن يفعلن ذلك: فاجلدوا الذين رموهن بذلك ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وأولئك هم الذين خالفوا أمر الله وخرجوا من طاعته ففسقوا عنها.
" تفسير الطبري " (١٩ / ١٠٢) .
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀:
قوله تعالى في هذه الآية: (يرمون) معناه: يقذفون المحصنات بالزنا صريحاً، أو ما يستلزم الزنا، كنفي نسب ولد المحصنة عن أبيه؛ لأنه إن كان مِن غير أبيه: كان مِن زنى، وهذا القذف هو الذي أوجب الله تعالى به ثلاثة أحكام:
الأول: جلد القاذف ثمانين جلدة.
والثاني: عدم قبول شهادته.
والثالث: الحكم عليه بالفسق.
فإن قيل: أين الدليل من القرآن على أن معنى (يرمون المحصنات) في هذه الآية: هو القذف بصريح الزنى، أو بما يستلزمه كنفي النسب؟ .
فالجواب: أنه دلت عليه قرينتان من القرآن:
الأولى قوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) بعد قوله (يَرْمُونَ المحصنات) ، ومعلوم أنه ليس شيء من القذف يتوقف إثباته على أربعة شهداء إلا الزنى، ومن قال: إن اللواط حكمه حكم الزنى: أجرى أحكام هذه الآية على اللائط.
القرينة الثانية: هي ذكر (المحصنات) بعد ذكر الزواني في قوله تعالى (الزاني لَا يَنكِحُ إِلَاّ زَانِيَةً) النور/ ٣، وقوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) النور/ ٢، فذِكْر المحصنات بعد ذكر الزواني: يدل على إحصانهن، أي: عفتهن عن الزني، وأّن الذين يرمونهن إنما يرمونهن بالزنى.
" أضواء البيان " (٥ / ٤٣١) .
وأما إن كانت تلك الجريمة المنكرة قد ثبتت على أخت زوجك أنها فعلتها بشهادة أربعة عدول، أو باعترافها: فإنها تكون مرتكبة لجريمة نكراء، وإذا كان الزنى من كبائر الذنوب: فإن الزنى بالمحارم أقبح منه، وأشد إثماً، وأعظم جرماً.
قال ابن نجيم الحنفي – ﵀:
والزنا محرم بجميع أنواعه، وحرمة الزنا بالمحارم أشد، وأغلظ، فيجتنب الكل.
" البحر الرائق شرح كنز الدقائق " (٨ / ٢٢١) .
وقال ابن حجر الهيتمي – ﵀:
وأعظم الزنا على الإطلاق: الزنا بالمحارم.
" الزواجر عن اقتراف الكبائر " (٢ / ٢٢٦) .
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن من زنى بمحرم من محارمه قتل، سواء أكان محصناً أم غير محصن، وذهب جمهر الفقهاء إلى أن عقوبة الزنى بالمحارم هي عقوبة الزاني بالأجنبية، فيجلد مئة جلدة إن كان غير محصن، ويرجم حتى الموت إن كان محصناً.
قال الإمام ابن القيم ﵀:
قد اتفق المسلمون على أن من زنا بذات محرم فعليه الحد، وإنما اختلفوا في صفة الحد هل هو القتل بكل حال، أو حده حد الزاني، على قولين، فذهب الشافعي، ومالك، وأحمد - في إحدى روايتيه -: إلى أن حدَّه حد الزاني، وذهب أحمد، وإسحق، وجماعة من أهل الحديث إلى أن حدَّه القتل بكل حال.
" الجواب الكافي " (ص ١٢٣) .
ومن آثار ثبوت تلك الجريمة على أخت زوجك: أنه لا يعد ما قلتيه في حقِّها قذفاً، إلا إن كانت قد تابت من ذلك الفعل توبة نصوحاً، أو أقيم عليها الحد الشرعي – إن كان الحد هو الجلد -، فإن ثبتت جريمتها، ولم تتب منها، ولم يقم عليها حد الجلد: جاز تحذير أولادك وغيرهم ممن يمكن أن يتأثروا بها، أو تسوء أخلاقهم بمصاحبتها وزيارتها، وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل هو من الغيبة الجائزة.
قال النووي – ﵀:
اعلم أنَّ الغيبةَ وإن كانت محرّمة: فإنها تُباح في أحوال، للمصلحة، والمُجوِّزُ لهَا غرض صحيح شرعي، لا يمكن الوصولُ إليه إلا بها، وهو أحد ستة أسباب:
...
الرابع: تحذير المسلمين من الشرّ، ونصيحتهم.
" الأذكار للنووي " (ص ٧٩٢) .
على أن يكون ذلك التحذير لا يكون دافعه وجود خلاف شخصي، بل يجب أن يكون على وجه النصح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ –:
وهذا كله يجب أن يكون على وجه النصح، وابتغاء وجه الله تعالى، لا لهوى الشخص مع الإنسان، مثل أن يكون بينهما عداوة دنيوية، أو تحاسد، أو تباغض، أو تنازع على الرئاسة، فيتكلم بمساويه مظهراً للنصح، وقصده في الباطن الغض من الشخص، واستيفاؤه منه، فهذا مِن عمل الشيطان، و (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) ، بل يكون الناصح قصده أنَّ الله يصلح ذلك الشخص، وأن يكفي المسلمين ضرره في دينهم، ودنياهم، ويسلك في هذا المقصود أيسر الطرق التي تمكنه.
" مجموع الفتاوى " (٢٨ / ٢٢١) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15540
تابت من علاقة محرمة وفقدت بكارتها فهل تتزوج من زنى بها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا على علاقة بشاب أفقدني عذريتي، وأنا الآن لست بكراً، وأنا تبت من هذا الفعل، أدعو الله أن يتقبل التوبة، وهذا الشاب تقدم لخطبتي، ولكن هو ليس ملتزماً، ومثل أي شاب في شرب الحشيش، والسجاير، والخمر، ماذا أفعل هو أولى بي بعد فعلته، أم أتركه وأعمل عملية ترقيع غشاء وأتزوج بآخر ملتزم؟ علماً بأني كنت حامل منه وأجهضت نفسي، ويعلم الله صدق توبتي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الزنا من كبائر الذنوب، وقد حرَّم الله تعالى فعل الأسباب المؤدية له، وشرع الحد على فاعله، وتوعد الزناة بالعذاب في الآخرة.
قال الله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) الإسراء/ ٣٢.
قال ابن جرير الطبري – ﵀ –:
(لا تَقْرَبُوا) أيها الناس.
(الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً) يقول: إِن الزّنا كان فاحشة.
(وَساءَ سَبِيلاً) يقول: وساء طريق الزنا طريقاً؛ لأنه طريق أهل معصية الله، والمخالفين أمره، فأسوئ به طريقاً، يورد صاحبه نار جهنم.
" تفسير الطبري " (١٧ / ٤٣٨) .
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀ –:
والنهي عن قربانه أبلغ من النهي عن مجرد فعله؛ لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه فإن: (من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه) خصوصاً هذا الأمر الذي في كثير من النفوس أقوى داع إليه، ووصف الله الزنى وقبحه بأنه (كَانَ فَاحِشَةً) أي: إثما يستفحش في الشرع، والعقل، والفِطَر؛ لتضمنه التجري على الحرمة في حق الله، وحق المرأة، وحق أهلها، أو زوجها، وإفساد الفراش، واختلاط الأنساب، وغير ذلك من المفاسد.
وقوله: (وَسَاءَ سَبِيلا) أي: بئس السبيل سبيل من تجرأ على هذا الذنب العظيم.
" تفسير السعدي " (ص ٤٥٧) .
وانظري أجوبة الأسئلة: (٧٦٠٦٠) و (٢٠٩٨٣) و (٩٥٧٥٤) .
ثانياً:
أما بخصوص الإجهاض: فإن كان الجنين قد نفخت فيه الروح: فتكون هذه جريمة أخرى غير جريمة الزنا، وإن لم ينفخ فيه الروح: فالأمر أهون.
وانظري تفصيل هذا في أجوبة الأسئلة: (١١١٩٥) و (١٣٣١٩) و (١٣٣٣١) و (٩٠٠٥٤) .
ثالثاً:
نحمد الله أن وفقك للتوبة، ونرجو أن تكون توبة صادقة، ومن شروط التوبة الصادقة: الندم على ما اقترفتِ من جرم، والإقلاع المباشر عن تلك الفاحشة، وعن كل ما يؤدي إليها، من اتصال، أو مراسلة، أو مواعيد، ومن شروط التوبة – كذلك -: العزم على عدم الرجوع لهذا الفعل المبتذل.
كما أنه عليكِ الإكثار من الأعمال الصالحة، من صلاة، وقراءة للقرآن، وصيام، حتى يتقوى جانب الإيمان والتقوى في نفسك، والحسنات يذهبن السيئات، والتوبة الصادقة تجبُّ ماقبلها، وتبدل السيئات حسنات، قال تعالى – بعد أن ذكر جرائم الشرك، والقتل، والزنا -: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) الفرقان/ ٧٠.
رابعاً:
أما بخصوص زواجك من ذلك المجرم: فاعلمي أنه يشترط لصحة زواج الزاني والزانية التوبة الصادقة، والذي ظهر لنا من سؤالك أنه ليس تائباً من فعله، بل زاد على بلائه الأول أنه ما عليه من سوء الحال، وتناول الحشيش، وشرب المسكرات، والذي نظنه – كذلك – فيمن هذه حاله: أنه لا يصلي، فإن صدق هذا الظن: فإنه يُجزم بعدم جواز القبول به زوجاً؛ لأن ترك الصلاة كفر مخرج من الإسلام، ولا يحل للمسلمة نكاح الكافر.
وانظري تفصيل القول في مسألة نكاح الزاني: أجوبة الأسئلة: (٨٥٣٣٥) و (٨٧٨٩٤) و (٩٦٤٦٠) .
خامساً:
أما بخصوص إجراء عملية رتق لغشاء البكارة: فهو أمر محرَّم، وفيه غش وتدليس على الزوج الذي يتقدم للزواج منك.
وانظري تفصيل المسألة في جوابي السؤالين: (٨٤٤) .
وبخصوص إخبار زوجك عن فقدانك غشاء البكارة من تلك العلاقة المحرمة: لا يجوز؛ لما فيه من الفضح لنفسك، والمسلم مأمور بالستر على نفسه، ويمكنك استعمال التورية في كلامك، والمعروف أن غشاء البكارة يُفقد من غير جماع في بعض الأحيان، فيمكن استثمار ذلك في التورية.
وانظري – في ذلك – جوابي السؤالين: (٤٢٩٩٢) .
على أنه إذا أمكن أن يوجه هذا الشخص إلى التوبة النصوح، وإقام الصلاة، وظهر على حاله أن جاد في ذلك، وأنه أظهر التوبة، وأقام الصلاة؛ فلا بأس من قبوله زوجا؛ وهذا الحل لا شك أنه أيسر الأمر لك، وأستره عليك، لكن من لنا بصدق هذا؟!
نسأل الله أن يتقبل توبتك، ويصلح أمرك، ويستر علينا وعليك في الدنيا والآخرة.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15541
خطيبها يرفض أن تتحجب
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا بنت تونسية متدينة، بس عندي مشكلة أن خطيبي رافض أن أتحجب - ولو الحجاب العصري - أسأل هل أرتبط به أو أرفضه؟ علما أن أغلبية التونسيين هكذا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
وصيتنا لك – أختنا الكريمة – هي وصية الله تعالى للناس أجمعين، للأولين والآخرين، وصية جامعة لخيري الدنيا والآخرة، يقول الله تعالى فيها: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) النساء/١٣١
أي خير في الدنيا إذا كانت في سخط الرب تعالى، وأي سعادة فيها إن لم تكن في طريق مرضاة الله ، وهل يرضى المؤمن أن يعمر دنياه ويهدم آخرته.
يقول الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) الحشر/١٨-٢٠.
وإذا كان الرسول ﷺ أمر الرجل أن يختار المرأة صاحبة الدين، فقد أمر المرأة وأولياءها أن يختاروا الرجل صاحب الدين أيضاً.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ) رواه الترمذي (١٠٨٤) وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٠٢٢) .
والذي يمنع امرأته من ارتداء الحجاب، ليس هو صاحب الخلق والدين الذي يستحق أن يزوج، بل غالب الظن أنَّ مَن يمنع امرأته من ارتداء الحجاب فإنه يتساهل في غير ذلك من الكبائر والموبقات، وأكل الحرام، وعدم تعظيم أحكام الله تعالى.
ومثل هذا، كيف يحافظ على امرأته وبيته، أم كيف يربي أولاده على طاعة الله وهو يعصيه ويأمر بمعصيته؟
جاء في "الموسوعة الفقهية" (٢٤/٦٢) :
" ولا ينبغي للوليّ أن يزوّج موليته إلاّ التّقيّ الصّالح " انتهى.
وقال الشيخ صالح الفوزان في "المنتقى" (٤/سؤال رقم/١٩٨) :
" يجب عند الزواج اختيار الأزواج الصالحين المتمسكين بدينهم، الذين يرعون حرمة الزواج وحسن العشرة، ولا يجوز أن يتساهل في هذا الأمر، وقد كثر التساهل في زماننا هذا، في هذا الأمر الخطير، فصار الناس يزوجون بناتهم ومولياتهم برجال لا يخافون الله واليوم الآخر، وصرن يشتكين من مثل واقع هذا الزوج، ووقعن في حيرة من أمر هؤلاء الأزواج، ولو أنهم تحروا قبل الزواج الرجل الصالح ليسر الله ، ولكن هذا في الغالب ينشأ من التساهل وعدم المبالاة بالأزواج الصالحين، ورجل السوء لا يصلح أبدًا، ولا يجوز التساهل في شأنه لأنه يسيء إلى المرأة، وربما يصرفها عن دينها، وربما يؤثر على ذريتها" انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين في "فتاوى نور على الدرب" (النكاح/اختيار الزوج/سؤال رقم ١٦) :
"الواجب على ولي المرأة إذا تقدم إليها خاطب أن يبحث عن دينه وخلقه، وإذا كان مرضيا فليزوجه، وإذا كان غير مرضي فلا يزوجه، وسيسوق الله إلى موليته من يرضى دينه وخلقه إذا علم الله من نية الولي أنه إنما منعها هذا الخاطب من أجل أن يتقدم إليها من هو مرضي في دينه وخلقه، فإن الله تعالى يوفر له ذلك " انتهى.
فالذي نراه لك عدم قبول هذا الخاطب، وسيعوضك الله تعالى خيراً منه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15542
خطر الإعجاب بين الجنسين، وعلاجه، وكيفية تصرف المعجَب فيه
[السُّؤَالُ]
ـ[عندما يُعجب شخص في شخصيتك، وينجذب لها، ثم يتعدى الحد المعقول (مثل الإعجاب بين الفتيات) في هذه الحالة ماذا علينا أن نعمل؟ وما هي الأساليب لعلاج هذا الشخص بدون ضرر لك وله؟ علما أن الإنسان لا يأمن نفسه من الفتنه، وبماذا تنصحون هذا الشخص المصاب بهذه الحالة (من ناحية الدين والدنيا) ؟ . أثابكم الله الموضوع جدّاً مهم، رزقكم الله الفردوس الأعلى]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إن الميل الفطري الطبيعي هو ميل الرجل للمرأة، وميل المرأة للرجل، وأما ميل الشخص لواحد من بني جنسه فهو مخالف للفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولا تجده حتى عند البهائم، فهو ـ بالإضافة إلى انتكاس فطرته ـ متردٍّ إلى ما هو أسوأ حالا من البهيمية.
وقد هذَّب الإسلام الميل الفطري وجعل له نهاية شرعية وهي الزواج، ومن لم يرض هذه النهاية الشرعية فإنه يكون مختاراً لفاحشة الزنا، وأما العلاقة المنحرفة من ميل الفتاة لمثيلتها، والرجل للرجل: فهو شذوذ، وانحراف عن الفطرة السليمة الصحيحة، وتنتهي تلك العلاقات الآثمة بما هو أقبح من الزنا وهو اللواط بين الذكور، وتنتهي علاقات النساء غير السوية بالسحاق، وهو من المحرمات أيضاً.
وتبدأ العلاقة الآثمة بين أفراد الجنسين بما يسمَّى " الإعجاب "، وهو مرض خطير تفشى في المجتمعات؛ نتيجة للفراغ الإيماني، والعلمي، ونتيجة لتقليد المجتمعات الكافرة المنتكسة في فطرتها، ويتطور هذا الإعجاب حتى يصير " عشقاً " لا تستطيع الفتاة التخلي عن رؤية عشيقتها، وإن لم تتمكن فتسمع صوتها، أو ترى صورتها، ثم تنتهي تلك العلاقة الآثمة بالسحاق المحرَّم، ولا ترى تلك الشاذات في الرجل ما تراه في تلك العشيقة من إطفاء الشهوة، وملء القلب بعاطفة الحب، وقل الأمر ذاته في العلاقات الآثمة بين الذكور، فالعشق بينهما يصل لشغاف القلب، حتى لا يرى في الدنيا غيرَه، ولو طلب المعشوق من عاشقه السجود له لفعل! نسأل الله الستر والسلامة. وتنتهي تلك العلاقة الآثمة بالفاحشة الشنيعة وهي اللواط، ولا يُرى في أولئك الشاذين ميلٌ لامرأة، ولو كانت من أجمل النساء.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
ما حكم المساحقة والاستمناء؟ .
فأجابوا:
المساحقة بين النساء حرام، بل كبيرة من كبائر الذنوب لكونها عملا يخالف قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) المؤمنون/ ٥ – ٧.
وكذا الاستمناء محرم؛ لهذه الآية الكريمة؛ ولما فيه من الضرر العظيم.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٢ / ٦٨) .
ثانياً:
مَن علم من نفسه أنه يوجد من هو معجب فيه من المقربين منه أن يبادر لعلاجه بالحكمة، ولا نعني بالحكمة التساهل معه في النظر والزيارة والملامسة، فهذا مما يزيد في مرضه، وبالتالي يزيد في ألمه، بل الحكمة تعني تقديم العلاج المناسب بالطريقة المناسبة، ومن ذلك:
١. تقوية جانب الإيمان فيه، من خلال حثه على الطاعات، واجتناب المنكرات.
٢. غرس حب الله ورسوله ﷺ في قلبه.
٣. تعليمه معاني الحب في الله، وأن ميزانه هو إيمان المحبوب بربه وفعله للطاعات، لا لهيئته، ولا لصورته، ولا لجاهه.
٤. عدم فسح المجال له بالاتصال المتكرر، ولا بالزيارة المستمرة، والتبيين له بأن العلاقة شرعية فإذا تعدت حدودها حرمت، ووجب قطعها.
٥. عدم تمكينه عند اللقاء من مداومة النظر، أو العناق، أو التقبيل.
٦. تكليفه بمهام علمية ودعوية، كتجميع أدلة مسألة، أو تلخيص كتاب،أو سماع أشرطة، وكذا القيام بأعمال دعوية كدعوة الناس، وتوزيع كتيبات وأشرطة، وغير ذلك مما فيه إشغال وقته بما يفيده من الطاعات والمباحات.
ثالثاً:
والمسلم إذا رأى من نفسه إعجاباً بغيره، وخشي أن يكون هذا من خطوات الشيطان: فليسارع للتخلص منه، وليبادر لعلاج نفسه، قبل أن يستفحل أمره ويصل للعشق المحرم، وإذا أراد التخلص من ذلك فعليه بفعل أمور، منها:
١. أن يعلق قلبه بربه تعالى، فهو المنعم والمتفضل عليه بالنعم الجليلة، فليوجه حبَّ قلبه للخالق .
٢. أن يقطع صلته بكل من يرى نفسه قد تعلق به، فلا يداوم على سماع صوته، ولا رؤية صورته، وليحرص على عدم لقائه، ولو كان المحبوب معلِّماً أو مربيّاً أو رحماً، وهذا من خير ما يعالج به نفسه ويداويها به.
٣. أن يداوم النظر في سير الصالحين والعلماء والمجاهدين، ليعلم موقعه من أولئك الذين قدَّموا أوقاتهم وأنفسهم في سبيل عز الإسلام والمسلمين، وهو منشغل بنظر في صورة محبوبه، أو التلذذ بسماع صوته، أو التمايل بقراءة كلماته، وهذا مما لا يليق بالمسلمين فعله ولو لمرة واحدة، فكيف أن تكون تلك هي حياته!
٤. وينبغي له كذلك أن يقف على الآثار الخطيرة والعظيمة لهذين المرضين المهلكين وهما الإعجاب المرَّم، والعشق المتلف، ومن هذه الأضرار:
١. انصراف الإنسان عن ربه وخالقه إلى مخلوق ضعيف يضره ولا ينفعه.
٢. جلب الهم، والغم، والحُزن، والولَه، والكآبة في الدنيا، والعذاب في الآخرة.
٣. ومن الأضرار: تخيل صور من الحرام مع محبوبه ومعشوقه، كالنظر، واللمس، والتقبيل بشهوة، وربما يوصل ذلك المرأة إلى السحاق، والرجل إلى اللواط لتحقيق تلك الصور من عالم الخيال في عالم الوجود.
٤. ومن الأضرار: تلوث الفطرة السليمة بضعف الرغبة الجنسية الطبيعية، مما يؤدي هذا إلى فشل المرأة في علاقتها مع زوجها، ورغبتها لما اعتادته من الحرام، وكذا بالنسبة للرجل.
رابعاً:
العلاقة بين المسلمين يجب أن يكون مبناها على الشرع، وتأسيسها على التقوى، ومن التقى بغيره في الدنيا على معصية: انقلبت علاقتهما يوم القيامة إلى عداوة.
قال الله : (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) الزخرف/ ٦٧.
قال الإمام ابن جرير الطبري – ﵀:
يقول تعالى ذكره: المتخالون يوم القيامة على معاصي الله في الدنيا، بعضهم لبعض عدوّ، يتبرأ بعضهم من بعض، إلا الذين كانوا تخالّوا فيها على تقوى الله.
" تفسير الطبري " (٢١ / ٦٣٧) .
وقال ابن كثير – ﵀ –:
أي: كل صداقة وصحابة لغير الله: فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة، إلا ما كان لله ، فإنه دائم بدوامه.
" تفسير ابن كثير " (٧ / ٢٣٧) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
فالمُخَالّة - أي: الصداقة والمحبة - إذا كانت على غير مصلحة الاثنين: كانت عاقبتها عداوة، وإنما تكون على مصلحتهما: إذا كانت في ذات الله، فكلٌّ منهما وإن بذل للآخر إعانة على ما يطلبه، واستعان به بإذنه فيما يطلبه: فهذا التراضي لا اعتبار به، بل يعود تباغضاً، وتعادياً، وتلاعناً، وكل منهما يقول للآخر: لولا أنت ما فعلت أنا وحدي هذا، فَهَلاكِي كان مني ومنك.
والرب لا يمنعهما من التباغض والتعادي والتلاعن، فلو كان أحدهما ظالماً للآخر فيه: لنُهيَ عن ذلك، ويقول كل منهما للآخر: أنت لأجل غرضك أوقعتني في هذا، كالزانيين كل منهما يقول للآخر: لأجل غرضك فعلتَ معي هذا، ولو امتنعتَ لم أفعل أنا هذا، لكن كل منهما له على الآخر مثل ما للآخر عليه، فتعادلا.
" مجموع الفتاوى " (١٥ / ١٢٩) .
وباب التوبة مفتوح لمن أراد ولوجه، والنعيم بالإيمان والطاعة موجود لمن رغب بالدخول في ناديه، والله تعالى يغفر الذنب، ويقبل التوب، ويبدل السيئات حسنات، قال تعالى: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/ ٧٠، وقال سبحانه: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) طه/ ٨٢.
وللمزيد من الفائدة: تنظر: أجوبة الأسئلة: (١٠٠٥٠) وفيه بيان لماذا حرَّم الإسلام السحاق واللواط، و (٢١٠٥٨) وفيه بيان: عقوبة السحاق، و (٦٠٣٥١) و (٣٦٨٣٧) وفيهما التعليق على ظاهرة التقبيل اليومي والتقبيل على الفم بين طالبات المدارس، و (٥٩١) وفيه بيان حكم حب المرأة للمرأة لدرجة عدم القدرة على الفراق.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15543
اعترف رجل أنه زنى بها وعند زوجها قرائن على ذلك فهل يطلقها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا متزوج منذ ١٣ سنة، ولي بنتان: ١١ سنة، و ٩ سنوات، قبل - عدة أسابيع - أكتشف بالصدفة حدوث مكالمات تليفونية طويلة المدة، ومجهولة، على هاتف المنزل، ثم علمت فيما بعد أن مع زوجتي هاتفاً محمولاً سرّاً، والأخطر هو خروجها من المنزل بدون علمي، وعندما أواجهها إما أن تنكر، أو ترد بتبريرات واهية، اشتكيت لأهلها دون جدوى؛ نظراً لإصرارها الدائم على نفي حدوث أي خطأ؛ وعدم وجود شخص قوي محايد، أخيراً تلقيت عدة مكالمات تليفونية على محمولي تفيد أنها سرقت مبلغاً كبيراً من المال من عشيقها، ثم قابلني هذا الشخص، وادعى أنه زنى بها مرات عديدة داخل منزلي! ووصف لي البيت بدقة، وأدق الأسرار الزوجية التي لا يعرفها ألا أنا وهي - أسرار عني، وعن البنات، وعن أسرتها، وفَرش حجرة النوم , وكذلك رقم هاتفها المحمول الذي لم أكن أعلم أنها تمتلكه أصلاً، وتفاصيل خلافاتنا الزوجية، وصفات كاذبة عني، وعن أهلي، ثم ادعى أنها في إحدى المرات سرقت منه المال بعد أن زنى بها، الأدهى أنها لا تزال على الإنكار دون إبداء أي تفسير عن تلك المعلومات السليمة والمفصلة!! وترفض الطلاق على اعتبار أنها ضحية مكيدة من هذا الرجل اللعين!! أحيانا تُظهر التوبة، وقراءة القرآن والصلاة، أمامي، وأحيانا أخرى تنهال عليَّ بالشتائم لأتفه الأسباب!! المشاكل بيننا تتفاقم، واستمرار الحياة الزوجية مستحيل، البنات في حالة انهيار كامل، حالتي النفسية سيئة جدّاً، وكذلك مستوى أدائي في العمل الآن , وبعد أدائي صلاة الاستخارة عشرات المرات لا أريد الإبقاء عليها كزوجة، وعليه: ليس أمامي إلا التفاهم معها على الطلاق بالتراضي، ولكن شروطها المادية مبالغ فيها جدّاً؛ على اعتبار أنها بريئة، وترفض الطلاق، وطلباتها كالآتي: ٣٠٠٠٠ نفقة متعة، وحسبتها كالآتي: (٥٠٠ شهريّاً - ١٢ شهر، ٥ سنوات -) + نفقة عدة ٣٠٠٠ (١٠٠٠، ٣ شهور) + ٥٠٠٠ مؤخر صداق + ١٢٠٠ نفقة شهرية للبنات!! + كل محتويات شقة الزوجية + مصاريف العلاج والدراسة والكسوة + شقة تمليك جديدة لحضانة البنات!! . الأسئلة: ١. هل من حق تلك المرأة أن تطلب مثل تلك الطلبات، خصوصاً نفقة المتعة؟ ٢. هل من حقي طلب اللعان بيننا؟ . ٣. هل من حقي طردها من شقة الزوجية الحاليَّة أو نقل مسكن الزوجية إلى مكان آخر؟ . ٤. فما هو رأي الدين والقانون فيما حدث، وبماذا تنصحوني أن أفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
من الواضح أن الحياة مع تلك الزوجة أضحت مستحيلة الاستمرار، وسواء صدقت أم كذبت فإن القرائن التي تملكها كافية لتجعلك تطلقها، وتبحث عن امرأة صالحة مطيعة، ولا ندري كيف تطيب لك حياة لدقيقة واحدة معها وأنت قد علمت بتلك المكالمات، والسرقة، والخروج من البيت دون إذنك، وكل ذلك قد يتحمله المرء، لكن أن يأتيك من يزعم أنه زنى بزوجتك! ويصف لك البيت وغرفة النوم بدقة! : فهذا ما لا يتحمله المرء، ولأن يموت أهون عليه من سماع هذا لو كان كذباً، فكيف وقد اجتمعت ـ مع ذلك ـ قرائن كثيرة على صدقه؟!! .
ثانياً:
جاءت الشرائع السماوية بما يحفظ الأعراض من انتهاكها، ومن قذفها واتهامها بالباطل، وقد رتبت الشريعة المطهرة الحد على من قذف امرأة أو رجلاً، واتهم أحدهما بارتكاب فاحشة الزنا، وشرع الله تعالى أن يُجلد القاذف ثمانون جلدة، وأن لا تُقبل شهادته، وهو من الفاسقين، إلا أن يشهد أربعة واقعة الزنى، ويرون الميل في المكحلة.
وقد استثني الزوج من هذا الحكم، وذلك أن تقوم أيمان أربعة يحلفها أنها زانية مقام الشهود الأربعة، فإن حلف تلك الأيمان فإنها تستحق الرجم، ويمكنها أن تدفع الرجم عنها بأربعة أيمان تحلفها أنه من الكاذبين، وهنا يفرَّق بينهما، ولا يلتقيان بعدها، وهذا هو ما يسمى " اللعان "، ويكون بالشهادة عليها بالزنى، وبنفي الحمل أن يكون منه، وبنفي الولد الذي تنجبه.
قال ابن قدامة ﵀:
إذا قذف زوجته المحصنة: وجب عليه الحد , وحُكم بفسقه , وردِّ شهادته , إلا أن يأتي ببيِّنة أو يلاعن , فإن لم يأت بأربعة شهداء , أو امتنع من اللعان: لزمه ذلك كله، وبهذا قال مالك، والشافعي ...
ولنا: قول الله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ، وهذا عام في الزوج وغيره , وإنما خص الزوج بأن أقام لعانه مقام الشهادة في نفي الحد والفسق ورد الشهادة عنه.
وأيضا: قول النبي ﷺ : (البيِّنة وإِلَاّ حدٌّ في ظَهْركِ) ، وقوله لما لاعن: " عَذابُ الدنْيا أَهْونُ مِنْ عَذابِ الآخِرَة) ؛ ولأنه قاذف يلزمه الحد لو أكذب نفسه , فلزمه إذا لم يأت بالبينة المشروعة، كالأجنبي.
" المغني " (٩ / ٣٠) .
ثالثاً:
وزنى الزوجة لا يوجب فسخ النكاح، ولا يُسقط مهرها، وقد فرَّقت الشريعة بين ابتداء نكاح الزانية فلم يكن جائزاً، وبين دوام النكاح فلم يكن محرَّماً عليه إمساكها، فإن تابت وحسنت توبتها: فخير تقدمه لنفسها، وإن أصرَّت على زناها: فلا خير فيها، ويحل له أن يطلقها، كما يحل له أن يضيق عليها لتفتدي نفسها منه.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) النساء/١٩.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
الزوج له أن يستوفي حد الفاحشة من البغي، الظالمة له، المعتدية عليه، كما قال النبي ﷺ في حق الرجل على امرأته (وأن لا يوطئن فرشكم من تكرهونه) فلهذا كان له أن يقذفها ابتداء، وقذفها إما مباح له، وأما واجب عليه إذا احتاج إليه لنفي النسب، ويضطرها بذلك إلى أحد أمرين: إما أن تعترف، فيقام عليها الحد، فيكون قد استوفى حقه، وتطهرت هي أيضاً من الجزاء لها، والنكال في الآخرة بما حصل، وإما أن تبوء بغضب الله عليها، وعقابه في الآخرة الذي هو أعظم من عقاب الدنيا؛ فإن الزوج مظلوم معها، والمظلوم له استيفاء حقه إما في الدنيا وإما في الآخرة، قال الله تعالى (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) بخلاف غير الزوج، فإنه ليس له حق الافتراش، فليس له قذفها، ولا أن يلاعن إذا قذفها؛ لأنه غير محتاج إلى ذلك مثل الزوج، ولا هو مظلوم في فراشها، لكن يحصل بالفاحشة من ظلم غير الزوج ما لا يحتاج إلى اللعان؛ فإن في الفاحشة إلحاق عار بالأهل، والعار يحصل بمقدمات الفاحشة.
فإذا لم تكن الفاحشة معلومة بإقرار، ولا بينة: كان عقوبة ما ظهر منها كافياً في استيفاء الحق، مثل الخلوة، والنظر، ونحو ذلك من الأسباب التي نهى الله عنها، وهذا من محاسن الشريعة.
" قاعدة في المحبة " (ص ٢٠٢، ٢٠٣) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في عدم سقوط المهر -:
ولا يسقط المهر بمجرد زناها، كما دلَّ عليه قول النبي ﷺ للملاعن لما قال " مالي، قال: لا، مال لك، عندها إن كنت صادقا عليها فهو بما استحللتَ من فرجها، وإن كنت كاذباً عليها فهو أبعد لك "؛ لأنها إذا زنت قد تتوب، لكن زناها يبيح له إعضالها، حتى تفتدي منه نفسها إن اختارت فراقه أو تتوب.
" مجموع الفتاوى " (١٥ / ٣٢٠) .
وانظر جوابي السؤالين: (٨٣٦١٣) و (٤٢٥٣٢) .
رابعاً:
وعليه: فقد علمتَ أنه يجوز لك أن تلاعنها لما عندك من قرائن على وقوعها في الزنا، وعليك تحمل آثار أيمانك، وإن أردت السلامة فطلقها من غير ملاعنة، وإن لاعنتها: فلها مهرها، وليس لها نفقة ولا سكنى إلا أن تكون حاملاً ولم ينف حملها.
قال ابن القيم – ﵀:
لا نفقة لها عليه، ولا سكنى، كما قضى به رسول الله ﷺ ، وهذا موافق لحكمه في المبتوتة التي لا رجعة لزوجها عليها، وأنه موافِق لكتاب الله، لا مخالف له، بل سقوط النفقة والسكنى للملاعَنة أولى من سقوطها للمبتوتة؛ لأن المبتوتة له سبيل إلى أن ينكحها في عدتها، وهذه لا سبيل له إلى نكاحها، لا في العدة، ولا بعدها، فلا وجه أصلاً لوجوب نفقتها وسكناها وقد انقطعت العصمة انقطاعاً كليّاً.
فأقضيته ﷺ يوافق بعضُها بعضاً، وكلها توافق كتاب الله والميزان الذي أنزله ليقوم الناس بالقسط، وهو القياس الصحيح كما ستقر عينك إن شاء الله تعالى بالوقوف عليه عن قريب.
" زاد المعاد " (٥ / ٣٥٦) .
وقال ابن قدامة – ﵀:
فأما الملاعَنة: فلا سكنى لها، ولا نفقة، إن كانت غير حامل؛ للخبر، وكذلك إن كانت حاملاً فنفى حملها وقلنا: إنه ينتفي عنه، أو قلنا: إنه ينتفي بزوال الفراش.
وإن قلنا لا ينتفي بنفيه، أو لم ينفه، وقلنا: إنه يلحقه نسبه: فلها السكنى، والنفقة؛ لأن ذلك للحمل، أو لها بسببه، وهو موجود، فأشبهت المطلقة البائن.
فإن نفى الحمل فأنفقت أمه، وسكنت من غير الزوج، وأرضعت، ثم استلحقه الملاعِن: لحقه، ولزمته النفقة، وأجرة المسكن، والرضاع؛ لأنها فعلت ذلك على أنه لا أب له، فإذا ثبت له أب: لزمه ذلك، ورجع به عليه.
" المغني " (٩ / ٢٩١) .
وبه تعلم أن ما تطلبه زوجتك من نفقة وسكنى أنه لا يلزمك منهما شيء إن لاعنتها، إلا أن تكون حاملاً، فتنفق عليها من أجل حملها، وإن طلقتَها طلاقاً باتّاً: فليس لها إلا مهرها، ولا يلزمك نفقتها، ولا سكناها، إلا أن تكون حاملاً، أو يكون معها أولادك، فتنفق عليهم، وعلى ما في بطنها، لا عليها.
قال تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) الطلاق/ من الآية ٦.
خامساً:
وأما " متعة الطلاق " - وهو مال أو متاع يُعطى للمطلقة بعد طلاقها -: فقد اختلف أهل العلم في المطلقة التي تستحقه، فمنهم من ذهب إلى العموم فقال: تعطى المتعة لكل مطلقة وجوباً، قبل الدخول أو بعده، سمي المهر أم لم يسمَّ.
وذهب آخرون إلى أنه في المطلقة قبل الدخول ممن لم يسمَّ لها مهر، وفي قول ثالث: أنها للمطلقة قبل الدخول، ولو سمي لها مهر.
والأخذ بالقول الأول هو الأحوط، وقد رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن المعاصرين: الشيخ الشنقيطي، والشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵏، لكن الشيخ العثيمين قيَّد الوجوب فيما لو طالت مدة زواجهما.
وهذه المتعة المفروضة لا ينبغي أن تكون مرهقة للمطلِّق، بل على قدر وسعه وطاقته، ولذا لم يأت لها تحديد في الشرع.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀:
والتحقيق أن قدر المتعة لا تحديد فيه شرعاً لقوله تعالى: (عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ) البقرة/٢٣٦، فإن توافقا على قدر معين: فالأمر واضح، وإن اختلفا: فالحاكم يجتهد في تحقيق المناط، فيعين القدر على ضوء قوله تعالى: (عَلَى الموسع قَدَرُهُ) الآية البقرة/٢٣٦، هذا هو الظاهر، وظاهر قوله: (ومَتِّعُوهُنَّ) البقرة/٢٣٦ وقوله: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ) البقرة/٢٤١ يقتضي وجوب المتعة في الجملة، خلافاً لمالك ومن وافقه في عدم وجوب المتعة أصلاً.
" أضواء البيان " (١ / ١٩٢) .
وقد ذكرنا لك من قبل أن زناها يبيح لك أن تعضلها وتضيق عليها حتى تفتدي منك، وتختار الطلاق، مقابل التنازل عن حقوقها المادية أو بعضها، وبإمكانك أن تهددها بإطلاع أهلها، أو من تهابه منهم، على ما حدث. فإن أبت الافتداء والتنازل عن حقوقها المالية بعد ذلك كله، فالذي نختاره لك أن تطلق هذه المرأة، مهما كانت تكلفة طلاقها، لكن لا تمكنها من الحصول على مال زائد عما يحكم لها به، إن وصلت المسألة بينكما للقضاء، ولك أن تحتال على ذلك، أعني على منعها من ظلمك، وأخذ أكثر من المهر المسمى لها (مؤخر الصداق) ، والحقوق الثابتة لها شرعا، على ما أشرنا إليه من قبل، وليس لك أن تحتال على إسقاط حقها.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15544
معنى (الخبيثات للخبيثين) وهل يمكن العثور على زوجة صالحة ظاهراً وباطناً ؟!
[السُّؤَالُ]
ـ[كتبت هذه الرسالة بعد قراءتي لمقال وفي آخر المقال ذكر الموقف التالي: ساق اللالكائي بسنده أن الحسن بن زيد لما ذَكَرَ رجل بحضرته عائشة بذكر قبيح من الفاحشة، فأمر بضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله، هذا رجل طعن على النبي ﷺ ، قال الله : (الخبيثاتُ للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطّيِّباتُ للطّيِّبين والطَّيِّبون للطَّيِّبات أولئك مُبرَّئون ممّا يقولون لهم مَّغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ) ، فإن كانت عائشة رضي الله تعالى عنها خبيثة فالنبي ﷺ خبيث، فهو كافر، فاضربوا عنقه، فضربوا عنقه. فما هو تفسير آية (الخبيثاتُ للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطّيِّباتُ للطّيِّبين والطَّيِّبون للطَّيِّبات أولئك مُبرَّئون ممّا يقولون لهم مَّغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ) ؟! وقد حدثت لي تجربة شخصية من عهد قريب، حيث تزوجت من فتاة كنت أعتقد فيها الصلاح، وكان هدفي هو إقامة بيت مسلم أحاول فيه بكل جهدي أن أسير على نهج رسولنا الكريم ﵊، ومن بعده صحابته الكرام ﵃ أجمعين، وبدون الكثير من التفاصيل فقد قصَّرت في حق نفسي، ولم أُحسن السؤال عنها وعن أخلاقها، ووجدتها - غفر الله لي ولها - على جانب عظيم من الخبث، وأكثر حديثها كذب وخداع، ولم أشعر أن عندها أي حب للدين أو للالتزام، وقد طلقتها بعد أن أنجبتُ منها مرة واحدة بعدما يئستُ تماماً من الإصلاح، وأنا في قلبي حب شديد للدِّين، ولمن أراه من الصالحين، وفي المقابل عندي بغض شديد لمن أراه غير ملتزم، وبالذات إن كان يصر على المعصية أو يجاهر بها، المهم كانت تجربة زواجي وطلاقي أقسى وأمرّ ما مررت به في حياتي، وأنا الآن خائف من تكرار التجربة، وهل سأجد من تعينني على الصلاح، وكيف أطمئن طالما تعوَّد الناس على إظهار غير حقيقتهم وبالذات عند هذه الأمور؟ لأني قبل أن أتزوج تلك الفتاة كنت قد استخرت الله كثيراً، وكنت أحيانا أبكي أثناء الصلاة ليرشدني الله، وبالذات لما كنت أرى علامات منها، أو من أسرتها لا تدل على الالتزام الحقيقي، أنا لا أبرئ نفسي من الخطأ والتقصير، ولا أزكى نفسي، ولكني - والله - أحب دينه، وأغار عليه بشدة، وأبغض الكذب بغضاً شديداً، باختصار: فإني لست أظن مهما سألت أو جمعت المعلومات أو حاولت دراسة شخصية الفتاة قبل الارتباط بها - مع الضوابط الشرعية بالطبع - أني سأحسن الاختيار، إلا برحمة وفضل من الله، كما أن الزواج أصبح شديد الصعوبة هذه الأيام، وأصعب وأشد ما فيه هو كيف أجد هذه الزوجة الصالحة، فوالله إني لأظنه الآن من أصعب الأمور، وأكاد أظنه من المستحيلات إلا بقدر الله وتوفيقه ، وعندما أسمع أو أقرأ هذه الآية فإني بدون إرادتي أشعر بالحزن الشديد، فهل تعني هذه الآية أنني ما تزوجت هذه الفتاة إلا لأني أستحقها؟ أعلم أنه بلاء من الله، ولكني أبغي سماع رأي واضح في تفسير الآية، وإن أمكن الرد على باقي ما ذكرته من الاستفسارات.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) النور/ ٢٦، فقال بعضهم: هو الخبث والطِّيب في الأقوال، فيكون معنى الآية: الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من القول، وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول.
وقال آخرون: هو الخبث والطيب من الأفعال، فيكون معنى الآية: الأفعال الخبيثات للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من الأفعال، وكذا الأفعال الطيبات للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الأفعال.
والقول الثالث في الآية: أن الخبث والطيب هو من الأشخاص في النكاح، فيكون معنى الآية: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء.
ولا مانع من حمل الآية على المعاني جميعها، وإن كان أظهر الأقوال هو القول الأول، وعليه الجمهور من المفسرين، ويليه: القول الثاني.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
(الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ) أي: كل خبيث من الرجال والنساء، والكلمات، والأفعال مناسب للخبيث، وموافق له، ومقترن به، ومُشاكِل له، وكل طيِّب من الرجال والنساء، والكلمات والأفعال مناسب للطيب، وموافِق له، ومقترن به، ومشاكِل له، فهذه كلمة عامة وحصر، لا يخرج منه شيء، من أعظم مفرداته: أن الأنبياء - خصوصا أولي العزم منهم، خصوصا سيدهم محمد ﷺ ، الذي هو أفضل الطيبين من الخلق على الإطلاق - لا يناسبهم إلا كل طيب من النساء، فالقدح في عائشة ﵂ بهذا الأمر قدح في النبي ﷺ ، وهو المقصود بهذا الإفك من قصد المنافقن، فمجرد كونها زوجة للرسول ﷺ يُعلم أنها لا تكون إلا طيبة طاهرة من هذا الأمر القبيح.
فكيف وهي هي؟ صدِّيقة النساء، وأفضلهن، وأعلمهن، وأطيبهن، حبيبة رسول رب العالمين، التي لم ينزل الوحي عليه وهو في لحاف زوجة من زوجاته غيرها، ثم صرح بذلك بحيث لا يُبقي لمُبطل مقالاً، ولا لشك وشبهة مجالاً فقال:
(أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) والإشارة إلى عائشة ﵂ أصلا، وللمؤمنات المحصنات الغافلات تبعا.
(لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) تستغرق الذنوب.
(وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) في الجنة صادر من الرب الكريم.
" تفسير السعدي " (ص ٥٦٣) .
ثانياً:
ما نقلتَه بشأن قتل من قذف عائشة ﵂ صحيح، وهذا هو الذي ينبغي على الحكام المسلمين أن يفعلوه، وهو قتل كل من قذف عائشة ﵂؛ لأن الطعن في عرض عائشة تكذيب للقرآن، وطعن في النبي ﷺ ، وكل واحدٍ من هذين يوجب الكفر المخرج من الملة، ويستحق فاعله القتل على الردة.
وفي " الموسوعة الفقهية " (٢٢ / ١٨٥) :
اتّفق الفقهاء على أنّ من قذف عائشة ﵂: فقد كذّب صريح القرآن الّذي نزل بحقّها، وهو بذلك كافر، قال تعالى - في حديث الإفك بعد أن برّأها الله منه -: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) ، فمن عاد لذلك: فليس بمؤمنٍ.
وهل تعتبر مثلها سائر زوجات النّبيّ ﷺ ورضي الله عنهنّ؟ .
قال الحنفيّة والحنابلة في الصّحيح واختاره ابن تيميّة: إنّهنّ مثلها في ذلك، واستدلّ لذلك بقوله تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) .
والطّعن بهنّ يلزم منه الطّعن بالرّسول والعار عليه، وذلك ممنوع.
والقول الآخر وهو مذهب الشّافعيّة والرّواية الأخرى للحنابلة: أنّهنّ - سوى عائشة - كسائر الصّحابة، وسابّهنّ يجلد، لأنّه قاذف.
انتهى
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
قذْف عائشة بما برأها الله منه: كفر؛ لأنه تكذيب للقرآن، وفي قذف غيرها من أمهات المؤمنين قولان لأهل العلم، أصحهما: أنه كفر؛ لأنه قدح في النبي ﷺ ، فإن (الخبيثات للخبيثين) .
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٥ / ص ٨٦) .
وانظر جواب السؤال رقم: (٩٥٤) .
ثالثاً:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (تُنكَحُ المرأةُ لأربَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظفَر بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَدَاكَ) .
رواه البخاري (٤٨٠٢) ومسلم (١٤٦٦) .
ليس من المستحيل أن يجد الرجل امرأة صالحة تعينه على طاعة الله، وتقوم بخدمته، وتربي أولاده، وتحفظ ماله وبيته، وقد أوصى النبي ﷺ بنكاح ذات الدِّين، ولولا أنه بمقدور الرجل واستطاعته أن يجد تلك المرأة المتدينة لما أوصاه نبيه ﷺ بتزوجها، وهو الذي أخبر في الحديث نفسه أن من الرجال من ينكح المرأة لجمالها، ومنهم من ينكحها لحسبها، ومالها، فالرجال يختارون من النساء كلٌّ حسب رغبته، وعادته، وعرفه، والوصية لجميع المسلمين بأن يكون البحث عن ذات الدين، والاقتران بها؛ لأن في التزوج منها خيراً يراه الرجل في نفسه، وفي بيته، وعلى أولاده.
ولا ينبغي لك أخي السائل قطع الأمل من وجود امرأة صاحبة دين وخلق، فما تزال أمة الإسلام بخير، وما تزال بيوت المسلمين تربي أجيالاً من النساء يحملن أخلاق الإسلام، ويتربين عليه.
ولا يعني فشل تجربة في الزواج أن الحكم سينساق ليشمل كل زواج بعده، فلا يخرج ما حصل معك أولاً عن كونه عقوبة لك بسبب تقصيرك في السؤال والاستفصال عن المرأة التي تزوجتها.
والناس يعرف بعضهم بعضاً، ويختلط بعضهم ببعض، فلا يخفى حال الأسرة وأفرادها عن أقربائهم، وجيرانهم، كما أن أفراد الأسرة يختلطون في المسجد، والمدرسة، والزيارات، فتُعرف المرأة الصالحة من عكسها، ويُعرف الرجل المتدين من عكسه؛ وذلك بمحافظتهما على الصلاة، والالتزام بالشرائع الظاهرة، والأخلاق في التعامل مع الآخرين، وما يخفيه أحدهم في باطنه: فهذا مما لا يمكن لأحد معرفته، ولا يلام من اغتر بصلاح الظاهر وخفي عليه فساد الباطن؛ إذ لم يكلفنا ربنا بشق بواطن الناس والاطلاع عليها.
ثم إن ما يجري على النساء اللاتي تبحث بينهن عن شريكةٍ لحياتك يجري عليك أيضاً! فما الذي يُدري الناس بحقيقة أمرك، وعلم باطنك؟! وقد أوصي الأولياء بأن يزوجوا أهل الدين والخلُق من الرجال، وذلك بحسب ما يظهر منهم، مع السؤال والاستفصال من المقربين لهذا الخاطب، وما قد يقع من الإيهام والخديعة من قبَل المرأة فإنه قد يقع مثله – بل وأضعافه – من الرجال، فلا ينبغي لك أخي السائل أن تقلق وأن تغتم بسبب زواجك الأول، وكل ما عليك الآن هو البحث بأناة، وسؤال أهل الخير عن الأسر الفاضلة الكريمة التي ربَّت بناتها على طاعة الله تعالى، وعلى الأخلاق الفاضلة، ومن ثمَّ تخصص سؤالك عمن ترغب نكاحها من تلك الأسرة بسؤال صديقاتها وزميلاتها عن التزامها واستقامتها وعن أخلاقها وتعاملها، وبذلك تكون حققت وصية النبي صلى الله ليه وسلم، والمرجو أن لا يخيب ظنك بها، وأن لا تخيِّب أنت ظنهم بك.
ونسأل الله تعالى أن يوفقك لحسن الاختيار، وأن يرزقك زوجة صالحة، تعفُّك، وتعفها، وتُحسن إليها وتُحسن إليك، وأن يرزقكم ذرية طيبة.
ولمعرفة مواصفات الزوجة انظر جوابي السؤالين: (٢٦٧٤٤) و (١٠٣٧٦) .
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15545
يريد أن يتزوج من مسلمة حديثا لمساعدتها ووالداه يرفضان
[السُّؤَالُ]
ـ[السلام عليكم، أنا شاب أبلغ من العمر ٢٤ عامًا وأعمل في أبو ظبي بالإمارات العربية المتحدة في شركة محترمة والحمد لله، أنا من جنوب الهند، ومنذ ٧ أشهر اعتنقت الإسلام إحدى زميلاتي التي كانت هندوسية وتنتمي إلى نفس بلدتي وذلك بمساعدة المحكمة الشرعية هنا في أبو ظبي، وهي ملتزمة جدًا الآن وتؤدي الفروض الخمس في وقتها، وقد أعلمت والديها بإسلامها، إلا إن والديها، وهم هندوس متشددون، يرفضون ما قامت به بشدة، وهي الآن تشعر بوحدة شديدة، وهي كمسلمة لا تستطيع أن تتزوج إلا مسلمًا، ومن المستحيل أن يقوم والداها وهم معترضون على إسلامها بالبحث عن زوج مسلم لها، وقد عرضت علي أن أتزوجها ونحيا معًا في ظل الإسلام، وبدافع إعانة مسلمة على الحياة الإسلامية فقد وافقت على الزواج منها، وقد حاولت هي دعوة والديها إلى الإسلام إلا إن كل جهودها باءت بالفشل، وهي الآن في الهند وحدها وفي خطر شديد وأنا في أبو ظبي، وقد وافق والدي على هذا الزواج شريطة موافقة والديها، ومنطقهم في ذلك أنني أنا الأخ الأكبر وأحد دعائم أسرتي، وهم يظنون أن زواجي من هذا الفتاة دون موافقة والديها سوف يثير الإشاعات مما قد يؤثر على سمعة أختي الأصغر مني، كما أنهم يخشون أن يقوم والداها بالانتقام مني وقتلي، وأنا لا يرتابني أي من هذه الهواجس، وأتمنى حقًا إنقاذ هذه الفتاة، إلا أنني محتار بين الزواج من تلك الفتاة دون موافقة والديها وبين رغبة والدي، أرجو منكم إخواني المساعدة بالنصيحة للوصول إلى قرار صائب. [مسلم - ٢٤ سنة - الإمارات العربية المتحدة]]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
رغبتك في الزواج من هذه الفتاة لإعانتها على الحياة الإسلامية، أمر محمود يرجى لك به الأجر والثواب من الله تعالى، وهو من باب التعاون على البر والتقوى، والحفاظ على المسلمة، أن تؤذى في نفسها، أو تفتن في دينها، وهو ـ أيضا ـ من تمام موالاة المسلم لأخيه.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ) رواه أبو داود (٤٩١٨) وحسنه الألباني.
والمعنى أنه يَمْنَع تَلَفه وَخُسْرَانه , يَحْفَظهُ وَيَصُونَهُ وَيَذُبّ عَنْهُ بِقَدْرِ الطَّاقَة. [انظر: عون المعبود] .
وعن عبد الله بن عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه البخاري (٢٤٤٢) ومسلم (٢٥٨٠) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀: َقَوْله: " وَلَا يُسْلِمُهُ " أَيْ لَا يَتْرُكُهُ مَعَ مَنْ يُؤْذِيه وَلَا فِيمَا يُؤْذِيه , بَلْ يَنْصُرُهُ وَيَدْفَعُ عَنْهُ , وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ وَاجِبًا وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا بِحَسَبِ اِخْتِلَاف الْأَحْوَالِ , وَزَادَ الطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ سَالِم " وَلَا يُسْلِمُهُ فِي مُصِيبَةٍ نَزَلَتْ بِهِ ".
انتهى من فتح الباري مختصرا.
لكن ينبغي أولا أن تحتال لإقناع أسرتها بهذا الزواج، وألا تقابل تشددهما بتشدد مثله، بل حاول أن تلين لهم الكلام، وتحسن إليهم في المعاملة والصلة، واحتسب ما تنفقه من أجل إنقاذ المسلمة من الأذى الذي يحيط بها.
وإذا لم يمكن إقناعهما، فبالإمكان أن تعقدا نكاحكما في المحكمة الشرعية، في الدولة التي تعملان فيها، وأن تبتعد أنت وزوجك عن مكان الخطر الذي يتوقع أن يلحق بك أو بها، من جراء هذا الزواج، مع أنه من الممكن أن تستغلا عملكما في الخارج، وتكثرا من الصلة لأهلها بالمال والهدايا، لعل الله أن يلين قلوبهم لكما، أو على الأقل أن تتقي شرورهم بذلك.
على أنه يلزمك أن تستصلح قلب والديك للموافقة على هذا الزواج، وما فيه من الخير والأجر إن شاء الله، فإن قدر أنهما لم يقتنعا قبل إتمامه، فسوف تتضاعف مسؤوليتك في استصلاح قلوب أهلك وأهلها، لكن نرجو الله أن يجعل لكما فرجا ومخرجا، ببركة النية الصالحة، والرغبة في الخير الذي تقدمان عليه.
وهذا كله، فيما إذا كانت الأخطار التي تتحدث عنها أسرتك، هي مجرد هواجس وظنون
لكن إذا كان والداك لا يرغبان في هذا الزواج ويتخوفان من عاقبته عليك أو على بقية الأسرة، وكانت المخاوف المذكورة لا حقيقة لها، وإنما هي مجرد هواجس وظنون، كما بدا لنا من رسالتك.
وأما أن كانت الأخطار محققة، عليك، أو على أسرتك، أو على الفتاة، والتجارب في بلادكم لعلها تعطيك مؤشرا لذلك، فلا ننصحك أن تحمل نفسك من البلاء فوق ما تطيق، وهي ـ إن كانت صادقة مع الله، فسوف يجعل لها فرجا ومخرجا، ولتصبر ولتحتسب:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) لأنفال/٢٩
نسأل الله أن ييسر لكما أمركما، وأن يحفظكما من كل مكروه وسوء.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →