← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 15541–15580 · переход к 15546.

стр. 15541

خطيبها يرفض أن تتحجب [السُّؤَالُ] ـ[أنا بنت تونسية متدينة، بس عندي مشكلة أن خطيبي رافض أن أتحجب - ولو الحجاب العصري - أسأل هل أرتبط به أو أرفضه؟ علما أن أغلبية التونسيين هكذا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله وصيتنا لك – أختنا الكريمة – هي وصية الله تعالى للناس أجمعين، للأولين والآخرين، وصية جامعة لخيري الدنيا والآخرة، يقول الله تعالى فيها: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) النساء/١٣١ أي خير في الدنيا إذا كانت في سخط الرب تعالى، وأي سعادة فيها إن لم تكن في طريق مرضاة الله ، وهل يرضى المؤمن أن يعمر دنياه ويهدم آخرته. يقول الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) الحشر/١٨-٢٠. وإذا كان الرسول ﷺ أمر الرجل أن يختار المرأة صاحبة الدين، فقد أمر المرأة وأولياءها أن يختاروا الرجل صاحب الدين أيضاً. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ) رواه الترمذي (١٠٨٤) وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٠٢٢) . والذي يمنع امرأته من ارتداء الحجاب، ليس هو صاحب الخلق والدين الذي يستحق أن يزوج، بل غالب الظن أنَّ مَن يمنع امرأته من ارتداء الحجاب فإنه يتساهل في غير ذلك من الكبائر والموبقات، وأكل الحرام، وعدم تعظيم أحكام الله تعالى. ومثل هذا، كيف يحافظ على امرأته وبيته، أم كيف يربي أولاده على طاعة الله وهو يعصيه ويأمر بمعصيته؟ جاء في "الموسوعة الفقهية" (٢٤/٦٢) : " ولا ينبغي للوليّ أن يزوّج موليته إلاّ التّقيّ الصّالح " انتهى. وقال الشيخ صالح الفوزان في "المنتقى" (٤/سؤال رقم/١٩٨) : " يجب عند الزواج اختيار الأزواج الصالحين المتمسكين بدينهم، الذين يرعون حرمة الزواج وحسن العشرة، ولا يجوز أن يتساهل في هذا الأمر، وقد كثر التساهل في زماننا هذا، في هذا الأمر الخطير، فصار الناس يزوجون بناتهم ومولياتهم برجال لا يخافون الله واليوم الآخر، وصرن يشتكين من مثل واقع هذا الزوج، ووقعن في حيرة من أمر هؤلاء الأزواج، ولو أنهم تحروا قبل الزواج الرجل الصالح ليسر الله ، ولكن هذا في الغالب ينشأ من التساهل وعدم المبالاة بالأزواج الصالحين، ورجل السوء لا يصلح أبدًا، ولا يجوز التساهل في شأنه لأنه يسيء إلى المرأة، وربما يصرفها عن دينها، وربما يؤثر على ذريتها" انتهى. وقال الشيخ ابن عثيمين في "فتاوى نور على الدرب" (النكاح/اختيار الزوج/سؤال رقم ١٦) : "الواجب على ولي المرأة إذا تقدم إليها خاطب أن يبحث عن دينه وخلقه، وإذا كان مرضيا فليزوجه، وإذا كان غير مرضي فلا يزوجه، وسيسوق الله إلى موليته من يرضى دينه وخلقه إذا علم الله من نية الولي أنه إنما منعها هذا الخاطب من أجل أن يتقدم إليها من هو مرضي في دينه وخلقه، فإن الله تعالى يوفر له ذلك " انتهى. فالذي نراه لك عدم قبول هذا الخاطب، وسيعوضك الله تعالى خيراً منه. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15542

خطر الإعجاب بين الجنسين، وعلاجه، وكيفية تصرف المعجَب فيه [السُّؤَالُ] ـ[عندما يُعجب شخص في شخصيتك، وينجذب لها، ثم يتعدى الحد المعقول (مثل الإعجاب بين الفتيات) في هذه الحالة ماذا علينا أن نعمل؟ وما هي الأساليب لعلاج هذا الشخص بدون ضرر لك وله؟ علما أن الإنسان لا يأمن نفسه من الفتنه، وبماذا تنصحون هذا الشخص المصاب بهذه الحالة (من ناحية الدين والدنيا) ؟ . أثابكم الله الموضوع جدّاً مهم، رزقكم الله الفردوس الأعلى]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إن الميل الفطري الطبيعي هو ميل الرجل للمرأة، وميل المرأة للرجل، وأما ميل الشخص لواحد من بني جنسه فهو مخالف للفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولا تجده حتى عند البهائم، فهو ـ بالإضافة إلى انتكاس فطرته ـ متردٍّ إلى ما هو أسوأ حالا من البهيمية. وقد هذَّب الإسلام الميل الفطري وجعل له نهاية شرعية وهي الزواج، ومن لم يرض هذه النهاية الشرعية فإنه يكون مختاراً لفاحشة الزنا، وأما العلاقة المنحرفة من ميل الفتاة لمثيلتها، والرجل للرجل: فهو شذوذ، وانحراف عن الفطرة السليمة الصحيحة، وتنتهي تلك العلاقات الآثمة بما هو أقبح من الزنا وهو اللواط بين الذكور، وتنتهي علاقات النساء غير السوية بالسحاق، وهو من المحرمات أيضاً. وتبدأ العلاقة الآثمة بين أفراد الجنسين بما يسمَّى " الإعجاب "، وهو مرض خطير تفشى في المجتمعات؛ نتيجة للفراغ الإيماني، والعلمي، ونتيجة لتقليد المجتمعات الكافرة المنتكسة في فطرتها، ويتطور هذا الإعجاب حتى يصير " عشقاً " لا تستطيع الفتاة التخلي عن رؤية عشيقتها، وإن لم تتمكن فتسمع صوتها، أو ترى صورتها، ثم تنتهي تلك العلاقة الآثمة بالسحاق المحرَّم، ولا ترى تلك الشاذات في الرجل ما تراه في تلك العشيقة من إطفاء الشهوة، وملء القلب بعاطفة الحب، وقل الأمر ذاته في العلاقات الآثمة بين الذكور، فالعشق بينهما يصل لشغاف القلب، حتى لا يرى في الدنيا غيرَه، ولو طلب المعشوق من عاشقه السجود له لفعل! نسأل الله الستر والسلامة. وتنتهي تلك العلاقة الآثمة بالفاحشة الشنيعة وهي اللواط، ولا يُرى في أولئك الشاذين ميلٌ لامرأة، ولو كانت من أجمل النساء. سئل علماء اللجنة الدائمة: ما حكم المساحقة والاستمناء؟ . فأجابوا: المساحقة بين النساء حرام، بل كبيرة من كبائر الذنوب لكونها عملا يخالف قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) المؤمنون/ ٥ – ٧. وكذا الاستمناء محرم؛ لهذه الآية الكريمة؛ ولما فيه من الضرر العظيم. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٢ / ٦٨) . ثانياً: مَن علم من نفسه أنه يوجد من هو معجب فيه من المقربين منه أن يبادر لعلاجه بالحكمة، ولا نعني بالحكمة التساهل معه في النظر والزيارة والملامسة، فهذا مما يزيد في مرضه، وبالتالي يزيد في ألمه، بل الحكمة تعني تقديم العلاج المناسب بالطريقة المناسبة، ومن ذلك: ١. تقوية جانب الإيمان فيه، من خلال حثه على الطاعات، واجتناب المنكرات. ٢. غرس حب الله ورسوله ﷺ في قلبه. ٣. تعليمه معاني الحب في الله، وأن ميزانه هو إيمان المحبوب بربه وفعله للطاعات، لا لهيئته، ولا لصورته، ولا لجاهه. ٤. عدم فسح المجال له بالاتصال المتكرر، ولا بالزيارة المستمرة، والتبيين له بأن العلاقة شرعية فإذا تعدت حدودها حرمت، ووجب قطعها. ٥. عدم تمكينه عند اللقاء من مداومة النظر، أو العناق، أو التقبيل. ٦. تكليفه بمهام علمية ودعوية، كتجميع أدلة مسألة، أو تلخيص كتاب،أو سماع أشرطة، وكذا القيام بأعمال دعوية كدعوة الناس، وتوزيع كتيبات وأشرطة، وغير ذلك مما فيه إشغال وقته بما يفيده من الطاعات والمباحات. ثالثاً: والمسلم إذا رأى من نفسه إعجاباً بغيره، وخشي أن يكون هذا من خطوات الشيطان: فليسارع للتخلص منه، وليبادر لعلاج نفسه، قبل أن يستفحل أمره ويصل للعشق المحرم، وإذا أراد التخلص من ذلك فعليه بفعل أمور، منها: ١. أن يعلق قلبه بربه تعالى، فهو المنعم والمتفضل عليه بالنعم الجليلة، فليوجه حبَّ قلبه للخالق . ٢. أن يقطع صلته بكل من يرى نفسه قد تعلق به، فلا يداوم على سماع صوته، ولا رؤية صورته، وليحرص على عدم لقائه، ولو كان المحبوب معلِّماً أو مربيّاً أو رحماً، وهذا من خير ما يعالج به نفسه ويداويها به. ٣. أن يداوم النظر في سير الصالحين والعلماء والمجاهدين، ليعلم موقعه من أولئك الذين قدَّموا أوقاتهم وأنفسهم في سبيل عز الإسلام والمسلمين، وهو منشغل بنظر في صورة محبوبه، أو التلذذ بسماع صوته، أو التمايل بقراءة كلماته، وهذا مما لا يليق بالمسلمين فعله ولو لمرة واحدة، فكيف أن تكون تلك هي حياته! ٤. وينبغي له كذلك أن يقف على الآثار الخطيرة والعظيمة لهذين المرضين المهلكين وهما الإعجاب المرَّم، والعشق المتلف، ومن هذه الأضرار: ١. انصراف الإنسان عن ربه وخالقه إلى مخلوق ضعيف يضره ولا ينفعه. ٢. جلب الهم، والغم، والحُزن، والولَه، والكآبة في الدنيا، والعذاب في الآخرة. ٣. ومن الأضرار: تخيل صور من الحرام مع محبوبه ومعشوقه، كالنظر، واللمس، والتقبيل بشهوة، وربما يوصل ذلك المرأة إلى السحاق، والرجل إلى اللواط لتحقيق تلك الصور من عالم الخيال في عالم الوجود. ٤. ومن الأضرار: تلوث الفطرة السليمة بضعف الرغبة الجنسية الطبيعية، مما يؤدي هذا إلى فشل المرأة في علاقتها مع زوجها، ورغبتها لما اعتادته من الحرام، وكذا بالنسبة للرجل. رابعاً: العلاقة بين المسلمين يجب أن يكون مبناها على الشرع، وتأسيسها على التقوى، ومن التقى بغيره في الدنيا على معصية: انقلبت علاقتهما يوم القيامة إلى عداوة. قال الله : (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) الزخرف/ ٦٧. قال الإمام ابن جرير الطبري – ﵀: يقول تعالى ذكره: المتخالون يوم القيامة على معاصي الله في الدنيا، بعضهم لبعض عدوّ، يتبرأ بعضهم من بعض، إلا الذين كانوا تخالّوا فيها على تقوى الله. " تفسير الطبري " (٢١ / ٦٣٧) . وقال ابن كثير – ﵀ –: أي: كل صداقة وصحابة لغير الله: فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة، إلا ما كان لله ، فإنه دائم بدوامه. " تفسير ابن كثير " (٧ / ٢٣٧) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: فالمُخَالّة - أي: الصداقة والمحبة - إذا كانت على غير مصلحة الاثنين: كانت عاقبتها عداوة، وإنما تكون على مصلحتهما: إذا كانت في ذات الله، فكلٌّ منهما وإن بذل للآخر إعانة على ما يطلبه، واستعان به بإذنه فيما يطلبه: فهذا التراضي لا اعتبار به، بل يعود تباغضاً، وتعادياً، وتلاعناً، وكل منهما يقول للآخر: لولا أنت ما فعلت أنا وحدي هذا، فَهَلاكِي كان مني ومنك. والرب لا يمنعهما من التباغض والتعادي والتلاعن، فلو كان أحدهما ظالماً للآخر فيه: لنُهيَ عن ذلك، ويقول كل منهما للآخر: أنت لأجل غرضك أوقعتني في هذا، كالزانيين كل منهما يقول للآخر: لأجل غرضك فعلتَ معي هذا، ولو امتنعتَ لم أفعل أنا هذا، لكن كل منهما له على الآخر مثل ما للآخر عليه، فتعادلا. " مجموع الفتاوى " (١٥ / ١٢٩) . وباب التوبة مفتوح لمن أراد ولوجه، والنعيم بالإيمان والطاعة موجود لمن رغب بالدخول في ناديه، والله تعالى يغفر الذنب، ويقبل التوب، ويبدل السيئات حسنات، قال تعالى: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/ ٧٠، وقال سبحانه: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) طه/ ٨٢. وللمزيد من الفائدة: تنظر: أجوبة الأسئلة: (١٠٠٥٠) وفيه بيان لماذا حرَّم الإسلام السحاق واللواط، و (٢١٠٥٨) وفيه بيان: عقوبة السحاق، و (٦٠٣٥١) و (٣٦٨٣٧) وفيهما التعليق على ظاهرة التقبيل اليومي والتقبيل على الفم بين طالبات المدارس، و (٥٩١) وفيه بيان حكم حب المرأة للمرأة لدرجة عدم القدرة على الفراق. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15543

اعترف رجل أنه زنى بها وعند زوجها قرائن على ذلك فهل يطلقها ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا متزوج منذ ١٣ سنة، ولي بنتان: ١١ سنة، و ٩ سنوات، قبل - عدة أسابيع - أكتشف بالصدفة حدوث مكالمات تليفونية طويلة المدة، ومجهولة، على هاتف المنزل، ثم علمت فيما بعد أن مع زوجتي هاتفاً محمولاً سرّاً، والأخطر هو خروجها من المنزل بدون علمي، وعندما أواجهها إما أن تنكر، أو ترد بتبريرات واهية، اشتكيت لأهلها دون جدوى؛ نظراً لإصرارها الدائم على نفي حدوث أي خطأ؛ وعدم وجود شخص قوي محايد، أخيراً تلقيت عدة مكالمات تليفونية على محمولي تفيد أنها سرقت مبلغاً كبيراً من المال من عشيقها، ثم قابلني هذا الشخص، وادعى أنه زنى بها مرات عديدة داخل منزلي! ووصف لي البيت بدقة، وأدق الأسرار الزوجية التي لا يعرفها ألا أنا وهي - أسرار عني، وعن البنات، وعن أسرتها، وفَرش حجرة النوم , وكذلك رقم هاتفها المحمول الذي لم أكن أعلم أنها تمتلكه أصلاً، وتفاصيل خلافاتنا الزوجية، وصفات كاذبة عني، وعن أهلي، ثم ادعى أنها في إحدى المرات سرقت منه المال بعد أن زنى بها، الأدهى أنها لا تزال على الإنكار دون إبداء أي تفسير عن تلك المعلومات السليمة والمفصلة!! وترفض الطلاق على اعتبار أنها ضحية مكيدة من هذا الرجل اللعين!! أحيانا تُظهر التوبة، وقراءة القرآن والصلاة، أمامي، وأحيانا أخرى تنهال عليَّ بالشتائم لأتفه الأسباب!! المشاكل بيننا تتفاقم، واستمرار الحياة الزوجية مستحيل، البنات في حالة انهيار كامل، حالتي النفسية سيئة جدّاً، وكذلك مستوى أدائي في العمل الآن , وبعد أدائي صلاة الاستخارة عشرات المرات لا أريد الإبقاء عليها كزوجة، وعليه: ليس أمامي إلا التفاهم معها على الطلاق بالتراضي، ولكن شروطها المادية مبالغ فيها جدّاً؛ على اعتبار أنها بريئة، وترفض الطلاق، وطلباتها كالآتي: ٣٠٠٠٠ نفقة متعة، وحسبتها كالآتي: (٥٠٠ شهريّاً - ١٢ شهر، ٥ سنوات -) + نفقة عدة ٣٠٠٠ (١٠٠٠، ٣ شهور) + ٥٠٠٠ مؤخر صداق + ١٢٠٠ نفقة شهرية للبنات!! + كل محتويات شقة الزوجية + مصاريف العلاج والدراسة والكسوة + شقة تمليك جديدة لحضانة البنات!! . الأسئلة: ١. هل من حق تلك المرأة أن تطلب مثل تلك الطلبات، خصوصاً نفقة المتعة؟ ٢. هل من حقي طلب اللعان بيننا؟ . ٣. هل من حقي طردها من شقة الزوجية الحاليَّة أو نقل مسكن الزوجية إلى مكان آخر؟ . ٤. فما هو رأي الدين والقانون فيما حدث، وبماذا تنصحوني أن أفعل؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: من الواضح أن الحياة مع تلك الزوجة أضحت مستحيلة الاستمرار، وسواء صدقت أم كذبت فإن القرائن التي تملكها كافية لتجعلك تطلقها، وتبحث عن امرأة صالحة مطيعة، ولا ندري كيف تطيب لك حياة لدقيقة واحدة معها وأنت قد علمت بتلك المكالمات، والسرقة، والخروج من البيت دون إذنك، وكل ذلك قد يتحمله المرء، لكن أن يأتيك من يزعم أنه زنى بزوجتك! ويصف لك البيت وغرفة النوم بدقة! : فهذا ما لا يتحمله المرء، ولأن يموت أهون عليه من سماع هذا لو كان كذباً، فكيف وقد اجتمعت ـ مع ذلك ـ قرائن كثيرة على صدقه؟!! . ثانياً: جاءت الشرائع السماوية بما يحفظ الأعراض من انتهاكها، ومن قذفها واتهامها بالباطل، وقد رتبت الشريعة المطهرة الحد على من قذف امرأة أو رجلاً، واتهم أحدهما بارتكاب فاحشة الزنا، وشرع الله تعالى أن يُجلد القاذف ثمانون جلدة، وأن لا تُقبل شهادته، وهو من الفاسقين، إلا أن يشهد أربعة واقعة الزنى، ويرون الميل في المكحلة. وقد استثني الزوج من هذا الحكم، وذلك أن تقوم أيمان أربعة يحلفها أنها زانية مقام الشهود الأربعة، فإن حلف تلك الأيمان فإنها تستحق الرجم، ويمكنها أن تدفع الرجم عنها بأربعة أيمان تحلفها أنه من الكاذبين، وهنا يفرَّق بينهما، ولا يلتقيان بعدها، وهذا هو ما يسمى " اللعان "، ويكون بالشهادة عليها بالزنى، وبنفي الحمل أن يكون منه، وبنفي الولد الذي تنجبه. قال ابن قدامة ﵀: إذا قذف زوجته المحصنة: وجب عليه الحد , وحُكم بفسقه , وردِّ شهادته , إلا أن يأتي ببيِّنة أو يلاعن , فإن لم يأت بأربعة شهداء , أو امتنع من اللعان: لزمه ذلك كله، وبهذا قال مالك، والشافعي ... ولنا: قول الله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ، وهذا عام في الزوج وغيره , وإنما خص الزوج بأن أقام لعانه مقام الشهادة في نفي الحد والفسق ورد الشهادة عنه. وأيضا: قول النبي ﷺ : (البيِّنة وإِلَاّ حدٌّ في ظَهْركِ) ، وقوله لما لاعن: " عَذابُ الدنْيا أَهْونُ مِنْ عَذابِ الآخِرَة) ؛ ولأنه قاذف يلزمه الحد لو أكذب نفسه , فلزمه إذا لم يأت بالبينة المشروعة، كالأجنبي. " المغني " (٩ / ٣٠) . ثالثاً: وزنى الزوجة لا يوجب فسخ النكاح، ولا يُسقط مهرها، وقد فرَّقت الشريعة بين ابتداء نكاح الزانية فلم يكن جائزاً، وبين دوام النكاح فلم يكن محرَّماً عليه إمساكها، فإن تابت وحسنت توبتها: فخير تقدمه لنفسها، وإن أصرَّت على زناها: فلا خير فيها، ويحل له أن يطلقها، كما يحل له أن يضيق عليها لتفتدي نفسها منه. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) النساء/١٩. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الزوج له أن يستوفي حد الفاحشة من البغي، الظالمة له، المعتدية عليه، كما قال النبي ﷺ في حق الرجل على امرأته (وأن لا يوطئن فرشكم من تكرهونه) فلهذا كان له أن يقذفها ابتداء، وقذفها إما مباح له، وأما واجب عليه إذا احتاج إليه لنفي النسب، ويضطرها بذلك إلى أحد أمرين: إما أن تعترف، فيقام عليها الحد، فيكون قد استوفى حقه، وتطهرت هي أيضاً من الجزاء لها، والنكال في الآخرة بما حصل، وإما أن تبوء بغضب الله عليها، وعقابه في الآخرة الذي هو أعظم من عقاب الدنيا؛ فإن الزوج مظلوم معها، والمظلوم له استيفاء حقه إما في الدنيا وإما في الآخرة، قال الله تعالى (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) بخلاف غير الزوج، فإنه ليس له حق الافتراش، فليس له قذفها، ولا أن يلاعن إذا قذفها؛ لأنه غير محتاج إلى ذلك مثل الزوج، ولا هو مظلوم في فراشها، لكن يحصل بالفاحشة من ظلم غير الزوج ما لا يحتاج إلى اللعان؛ فإن في الفاحشة إلحاق عار بالأهل، والعار يحصل بمقدمات الفاحشة. فإذا لم تكن الفاحشة معلومة بإقرار، ولا بينة: كان عقوبة ما ظهر منها كافياً في استيفاء الحق، مثل الخلوة، والنظر، ونحو ذلك من الأسباب التي نهى الله عنها، وهذا من محاسن الشريعة. " قاعدة في المحبة " (ص ٢٠٢، ٢٠٣) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في عدم سقوط المهر -: ولا يسقط المهر بمجرد زناها، كما دلَّ عليه قول النبي ﷺ للملاعن لما قال " مالي، قال: لا، مال لك، عندها إن كنت صادقا عليها فهو بما استحللتَ من فرجها، وإن كنت كاذباً عليها فهو أبعد لك "؛ لأنها إذا زنت قد تتوب، لكن زناها يبيح له إعضالها، حتى تفتدي منه نفسها إن اختارت فراقه أو تتوب. " مجموع الفتاوى " (١٥ / ٣٢٠) . وانظر جوابي السؤالين: (٨٣٦١٣) و (٤٢٥٣٢) . رابعاً: وعليه: فقد علمتَ أنه يجوز لك أن تلاعنها لما عندك من قرائن على وقوعها في الزنا، وعليك تحمل آثار أيمانك، وإن أردت السلامة فطلقها من غير ملاعنة، وإن لاعنتها: فلها مهرها، وليس لها نفقة ولا سكنى إلا أن تكون حاملاً ولم ينف حملها. قال ابن القيم – ﵀: لا نفقة لها عليه، ولا سكنى، كما قضى به رسول الله ﷺ ، وهذا موافق لحكمه في المبتوتة التي لا رجعة لزوجها عليها، وأنه موافِق لكتاب الله، لا مخالف له، بل سقوط النفقة والسكنى للملاعَنة أولى من سقوطها للمبتوتة؛ لأن المبتوتة له سبيل إلى أن ينكحها في عدتها، وهذه لا سبيل له إلى نكاحها، لا في العدة، ولا بعدها، فلا وجه أصلاً لوجوب نفقتها وسكناها وقد انقطعت العصمة انقطاعاً كليّاً. فأقضيته ﷺ يوافق بعضُها بعضاً، وكلها توافق كتاب الله والميزان الذي أنزله ليقوم الناس بالقسط، وهو القياس الصحيح كما ستقر عينك إن شاء الله تعالى بالوقوف عليه عن قريب. " زاد المعاد " (٥ / ٣٥٦) . وقال ابن قدامة – ﵀: فأما الملاعَنة: فلا سكنى لها، ولا نفقة، إن كانت غير حامل؛ للخبر، وكذلك إن كانت حاملاً فنفى حملها وقلنا: إنه ينتفي عنه، أو قلنا: إنه ينتفي بزوال الفراش. وإن قلنا لا ينتفي بنفيه، أو لم ينفه، وقلنا: إنه يلحقه نسبه: فلها السكنى، والنفقة؛ لأن ذلك للحمل، أو لها بسببه، وهو موجود، فأشبهت المطلقة البائن. فإن نفى الحمل فأنفقت أمه، وسكنت من غير الزوج، وأرضعت، ثم استلحقه الملاعِن: لحقه، ولزمته النفقة، وأجرة المسكن، والرضاع؛ لأنها فعلت ذلك على أنه لا أب له، فإذا ثبت له أب: لزمه ذلك، ورجع به عليه. " المغني " (٩ / ٢٩١) . وبه تعلم أن ما تطلبه زوجتك من نفقة وسكنى أنه لا يلزمك منهما شيء إن لاعنتها، إلا أن تكون حاملاً، فتنفق عليها من أجل حملها، وإن طلقتَها طلاقاً باتّاً: فليس لها إلا مهرها، ولا يلزمك نفقتها، ولا سكناها، إلا أن تكون حاملاً، أو يكون معها أولادك، فتنفق عليهم، وعلى ما في بطنها، لا عليها. قال تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) الطلاق/ من الآية ٦. خامساً: وأما " متعة الطلاق " - وهو مال أو متاع يُعطى للمطلقة بعد طلاقها -: فقد اختلف أهل العلم في المطلقة التي تستحقه، فمنهم من ذهب إلى العموم فقال: تعطى المتعة لكل مطلقة وجوباً، قبل الدخول أو بعده، سمي المهر أم لم يسمَّ. وذهب آخرون إلى أنه في المطلقة قبل الدخول ممن لم يسمَّ لها مهر، وفي قول ثالث: أنها للمطلقة قبل الدخول، ولو سمي لها مهر. والأخذ بالقول الأول هو الأحوط، وقد رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن المعاصرين: الشيخ الشنقيطي، والشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵏، لكن الشيخ العثيمين قيَّد الوجوب فيما لو طالت مدة زواجهما. وهذه المتعة المفروضة لا ينبغي أن تكون مرهقة للمطلِّق، بل على قدر وسعه وطاقته، ولذا لم يأت لها تحديد في الشرع. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: والتحقيق أن قدر المتعة لا تحديد فيه شرعاً لقوله تعالى: (عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ) البقرة/٢٣٦، فإن توافقا على قدر معين: فالأمر واضح، وإن اختلفا: فالحاكم يجتهد في تحقيق المناط، فيعين القدر على ضوء قوله تعالى: (عَلَى الموسع قَدَرُهُ) الآية البقرة/٢٣٦، هذا هو الظاهر، وظاهر قوله: (ومَتِّعُوهُنَّ) البقرة/٢٣٦ وقوله: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ) البقرة/٢٤١ يقتضي وجوب المتعة في الجملة، خلافاً لمالك ومن وافقه في عدم وجوب المتعة أصلاً. " أضواء البيان " (١ / ١٩٢) . وقد ذكرنا لك من قبل أن زناها يبيح لك أن تعضلها وتضيق عليها حتى تفتدي منك، وتختار الطلاق، مقابل التنازل عن حقوقها المادية أو بعضها، وبإمكانك أن تهددها بإطلاع أهلها، أو من تهابه منهم، على ما حدث. فإن أبت الافتداء والتنازل عن حقوقها المالية بعد ذلك كله، فالذي نختاره لك أن تطلق هذه المرأة، مهما كانت تكلفة طلاقها، لكن لا تمكنها من الحصول على مال زائد عما يحكم لها به، إن وصلت المسألة بينكما للقضاء، ولك أن تحتال على ذلك، أعني على منعها من ظلمك، وأخذ أكثر من المهر المسمى لها (مؤخر الصداق) ، والحقوق الثابتة لها شرعا، على ما أشرنا إليه من قبل، وليس لك أن تحتال على إسقاط حقها. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15544

معنى (الخبيثات للخبيثين) وهل يمكن العثور على زوجة صالحة ظاهراً وباطناً ؟! [السُّؤَالُ] ـ[كتبت هذه الرسالة بعد قراءتي لمقال وفي آخر المقال ذكر الموقف التالي: ساق اللالكائي بسنده أن الحسن بن زيد لما ذَكَرَ رجل بحضرته عائشة بذكر قبيح من الفاحشة، فأمر بضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله، هذا رجل طعن على النبي ﷺ ، قال الله : (الخبيثاتُ للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطّيِّباتُ للطّيِّبين والطَّيِّبون للطَّيِّبات أولئك مُبرَّئون ممّا يقولون لهم مَّغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ) ، فإن كانت عائشة رضي الله تعالى عنها خبيثة فالنبي ﷺ خبيث، فهو كافر، فاضربوا عنقه، فضربوا عنقه. فما هو تفسير آية (الخبيثاتُ للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطّيِّباتُ للطّيِّبين والطَّيِّبون للطَّيِّبات أولئك مُبرَّئون ممّا يقولون لهم مَّغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ) ؟! وقد حدثت لي تجربة شخصية من عهد قريب، حيث تزوجت من فتاة كنت أعتقد فيها الصلاح، وكان هدفي هو إقامة بيت مسلم أحاول فيه بكل جهدي أن أسير على نهج رسولنا الكريم ﵊، ومن بعده صحابته الكرام ﵃ أجمعين، وبدون الكثير من التفاصيل فقد قصَّرت في حق نفسي، ولم أُحسن السؤال عنها وعن أخلاقها، ووجدتها - غفر الله لي ولها - على جانب عظيم من الخبث، وأكثر حديثها كذب وخداع، ولم أشعر أن عندها أي حب للدين أو للالتزام، وقد طلقتها بعد أن أنجبتُ منها مرة واحدة بعدما يئستُ تماماً من الإصلاح، وأنا في قلبي حب شديد للدِّين، ولمن أراه من الصالحين، وفي المقابل عندي بغض شديد لمن أراه غير ملتزم، وبالذات إن كان يصر على المعصية أو يجاهر بها، المهم كانت تجربة زواجي وطلاقي أقسى وأمرّ ما مررت به في حياتي، وأنا الآن خائف من تكرار التجربة، وهل سأجد من تعينني على الصلاح، وكيف أطمئن طالما تعوَّد الناس على إظهار غير حقيقتهم وبالذات عند هذه الأمور؟ لأني قبل أن أتزوج تلك الفتاة كنت قد استخرت الله كثيراً، وكنت أحيانا أبكي أثناء الصلاة ليرشدني الله، وبالذات لما كنت أرى علامات منها، أو من أسرتها لا تدل على الالتزام الحقيقي، أنا لا أبرئ نفسي من الخطأ والتقصير، ولا أزكى نفسي، ولكني - والله - أحب دينه، وأغار عليه بشدة، وأبغض الكذب بغضاً شديداً، باختصار: فإني لست أظن مهما سألت أو جمعت المعلومات أو حاولت دراسة شخصية الفتاة قبل الارتباط بها - مع الضوابط الشرعية بالطبع - أني سأحسن الاختيار، إلا برحمة وفضل من الله، كما أن الزواج أصبح شديد الصعوبة هذه الأيام، وأصعب وأشد ما فيه هو كيف أجد هذه الزوجة الصالحة، فوالله إني لأظنه الآن من أصعب الأمور، وأكاد أظنه من المستحيلات إلا بقدر الله وتوفيقه ، وعندما أسمع أو أقرأ هذه الآية فإني بدون إرادتي أشعر بالحزن الشديد، فهل تعني هذه الآية أنني ما تزوجت هذه الفتاة إلا لأني أستحقها؟ أعلم أنه بلاء من الله، ولكني أبغي سماع رأي واضح في تفسير الآية، وإن أمكن الرد على باقي ما ذكرته من الاستفسارات.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) النور/ ٢٦، فقال بعضهم: هو الخبث والطِّيب في الأقوال، فيكون معنى الآية: الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من القول، وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. وقال آخرون: هو الخبث والطيب من الأفعال، فيكون معنى الآية: الأفعال الخبيثات للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من الأفعال، وكذا الأفعال الطيبات للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الأفعال. والقول الثالث في الآية: أن الخبث والطيب هو من الأشخاص في النكاح، فيكون معنى الآية: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء. ولا مانع من حمل الآية على المعاني جميعها، وإن كان أظهر الأقوال هو القول الأول، وعليه الجمهور من المفسرين، ويليه: القول الثاني. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ) أي: كل خبيث من الرجال والنساء، والكلمات، والأفعال مناسب للخبيث، وموافق له، ومقترن به، ومُشاكِل له، وكل طيِّب من الرجال والنساء، والكلمات والأفعال مناسب للطيب، وموافِق له، ومقترن به، ومشاكِل له، فهذه كلمة عامة وحصر، لا يخرج منه شيء، من أعظم مفرداته: أن الأنبياء - خصوصا أولي العزم منهم، خصوصا سيدهم محمد ﷺ ، الذي هو أفضل الطيبين من الخلق على الإطلاق - لا يناسبهم إلا كل طيب من النساء، فالقدح في عائشة ﵂ بهذا الأمر قدح في النبي ﷺ ، وهو المقصود بهذا الإفك من قصد المنافقن، فمجرد كونها زوجة للرسول ﷺ يُعلم أنها لا تكون إلا طيبة طاهرة من هذا الأمر القبيح. فكيف وهي هي؟ صدِّيقة النساء، وأفضلهن، وأعلمهن، وأطيبهن، حبيبة رسول رب العالمين، التي لم ينزل الوحي عليه وهو في لحاف زوجة من زوجاته غيرها، ثم صرح بذلك بحيث لا يُبقي لمُبطل مقالاً، ولا لشك وشبهة مجالاً فقال: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) والإشارة إلى عائشة ﵂ أصلا، وللمؤمنات المحصنات الغافلات تبعا. (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) تستغرق الذنوب. (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) في الجنة صادر من الرب الكريم. " تفسير السعدي " (ص ٥٦٣) . ثانياً: ما نقلتَه بشأن قتل من قذف عائشة ﵂ صحيح، وهذا هو الذي ينبغي على الحكام المسلمين أن يفعلوه، وهو قتل كل من قذف عائشة ﵂؛ لأن الطعن في عرض عائشة تكذيب للقرآن، وطعن في النبي ﷺ ، وكل واحدٍ من هذين يوجب الكفر المخرج من الملة، ويستحق فاعله القتل على الردة. وفي " الموسوعة الفقهية " (٢٢ / ١٨٥) : اتّفق الفقهاء على أنّ من قذف عائشة ﵂: فقد كذّب صريح القرآن الّذي نزل بحقّها، وهو بذلك كافر، قال تعالى - في حديث الإفك بعد أن برّأها الله منه -: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) ، فمن عاد لذلك: فليس بمؤمنٍ. وهل تعتبر مثلها سائر زوجات النّبيّ ﷺ ورضي الله عنهنّ؟ . قال الحنفيّة والحنابلة في الصّحيح واختاره ابن تيميّة: إنّهنّ مثلها في ذلك، واستدلّ لذلك بقوله تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) . والطّعن بهنّ يلزم منه الطّعن بالرّسول والعار عليه، وذلك ممنوع. والقول الآخر وهو مذهب الشّافعيّة والرّواية الأخرى للحنابلة: أنّهنّ - سوى عائشة - كسائر الصّحابة، وسابّهنّ يجلد، لأنّه قاذف. انتهى وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: قذْف عائشة بما برأها الله منه: كفر؛ لأنه تكذيب للقرآن، وفي قذف غيرها من أمهات المؤمنين قولان لأهل العلم، أصحهما: أنه كفر؛ لأنه قدح في النبي ﷺ ، فإن (الخبيثات للخبيثين) . " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٥ / ص ٨٦) . وانظر جواب السؤال رقم: (٩٥٤) . ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (تُنكَحُ المرأةُ لأربَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظفَر بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَدَاكَ) . رواه البخاري (٤٨٠٢) ومسلم (١٤٦٦) . ليس من المستحيل أن يجد الرجل امرأة صالحة تعينه على طاعة الله، وتقوم بخدمته، وتربي أولاده، وتحفظ ماله وبيته، وقد أوصى النبي ﷺ بنكاح ذات الدِّين، ولولا أنه بمقدور الرجل واستطاعته أن يجد تلك المرأة المتدينة لما أوصاه نبيه ﷺ بتزوجها، وهو الذي أخبر في الحديث نفسه أن من الرجال من ينكح المرأة لجمالها، ومنهم من ينكحها لحسبها، ومالها، فالرجال يختارون من النساء كلٌّ حسب رغبته، وعادته، وعرفه، والوصية لجميع المسلمين بأن يكون البحث عن ذات الدين، والاقتران بها؛ لأن في التزوج منها خيراً يراه الرجل في نفسه، وفي بيته، وعلى أولاده. ولا ينبغي لك أخي السائل قطع الأمل من وجود امرأة صاحبة دين وخلق، فما تزال أمة الإسلام بخير، وما تزال بيوت المسلمين تربي أجيالاً من النساء يحملن أخلاق الإسلام، ويتربين عليه. ولا يعني فشل تجربة في الزواج أن الحكم سينساق ليشمل كل زواج بعده، فلا يخرج ما حصل معك أولاً عن كونه عقوبة لك بسبب تقصيرك في السؤال والاستفصال عن المرأة التي تزوجتها. والناس يعرف بعضهم بعضاً، ويختلط بعضهم ببعض، فلا يخفى حال الأسرة وأفرادها عن أقربائهم، وجيرانهم، كما أن أفراد الأسرة يختلطون في المسجد، والمدرسة، والزيارات، فتُعرف المرأة الصالحة من عكسها، ويُعرف الرجل المتدين من عكسه؛ وذلك بمحافظتهما على الصلاة، والالتزام بالشرائع الظاهرة، والأخلاق في التعامل مع الآخرين، وما يخفيه أحدهم في باطنه: فهذا مما لا يمكن لأحد معرفته، ولا يلام من اغتر بصلاح الظاهر وخفي عليه فساد الباطن؛ إذ لم يكلفنا ربنا بشق بواطن الناس والاطلاع عليها. ثم إن ما يجري على النساء اللاتي تبحث بينهن عن شريكةٍ لحياتك يجري عليك أيضاً! فما الذي يُدري الناس بحقيقة أمرك، وعلم باطنك؟! وقد أوصي الأولياء بأن يزوجوا أهل الدين والخلُق من الرجال، وذلك بحسب ما يظهر منهم، مع السؤال والاستفصال من المقربين لهذا الخاطب، وما قد يقع من الإيهام والخديعة من قبَل المرأة فإنه قد يقع مثله – بل وأضعافه – من الرجال، فلا ينبغي لك أخي السائل أن تقلق وأن تغتم بسبب زواجك الأول، وكل ما عليك الآن هو البحث بأناة، وسؤال أهل الخير عن الأسر الفاضلة الكريمة التي ربَّت بناتها على طاعة الله تعالى، وعلى الأخلاق الفاضلة، ومن ثمَّ تخصص سؤالك عمن ترغب نكاحها من تلك الأسرة بسؤال صديقاتها وزميلاتها عن التزامها واستقامتها وعن أخلاقها وتعاملها، وبذلك تكون حققت وصية النبي صلى الله ليه وسلم، والمرجو أن لا يخيب ظنك بها، وأن لا تخيِّب أنت ظنهم بك. ونسأل الله تعالى أن يوفقك لحسن الاختيار، وأن يرزقك زوجة صالحة، تعفُّك، وتعفها، وتُحسن إليها وتُحسن إليك، وأن يرزقكم ذرية طيبة. ولمعرفة مواصفات الزوجة انظر جوابي السؤالين: (٢٦٧٤٤) و (١٠٣٧٦) . والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15545

يريد أن يتزوج من مسلمة حديثا لمساعدتها ووالداه يرفضان [السُّؤَالُ] ـ[السلام عليكم، أنا شاب أبلغ من العمر ٢٤ عامًا وأعمل في أبو ظبي بالإمارات العربية المتحدة في شركة محترمة والحمد لله، أنا من جنوب الهند، ومنذ ٧ أشهر اعتنقت الإسلام إحدى زميلاتي التي كانت هندوسية وتنتمي إلى نفس بلدتي وذلك بمساعدة المحكمة الشرعية هنا في أبو ظبي، وهي ملتزمة جدًا الآن وتؤدي الفروض الخمس في وقتها، وقد أعلمت والديها بإسلامها، إلا إن والديها، وهم هندوس متشددون، يرفضون ما قامت به بشدة، وهي الآن تشعر بوحدة شديدة، وهي كمسلمة لا تستطيع أن تتزوج إلا مسلمًا، ومن المستحيل أن يقوم والداها وهم معترضون على إسلامها بالبحث عن زوج مسلم لها، وقد عرضت علي أن أتزوجها ونحيا معًا في ظل الإسلام، وبدافع إعانة مسلمة على الحياة الإسلامية فقد وافقت على الزواج منها، وقد حاولت هي دعوة والديها إلى الإسلام إلا إن كل جهودها باءت بالفشل، وهي الآن في الهند وحدها وفي خطر شديد وأنا في أبو ظبي، وقد وافق والدي على هذا الزواج شريطة موافقة والديها، ومنطقهم في ذلك أنني أنا الأخ الأكبر وأحد دعائم أسرتي، وهم يظنون أن زواجي من هذا الفتاة دون موافقة والديها سوف يثير الإشاعات مما قد يؤثر على سمعة أختي الأصغر مني، كما أنهم يخشون أن يقوم والداها بالانتقام مني وقتلي، وأنا لا يرتابني أي من هذه الهواجس، وأتمنى حقًا إنقاذ هذه الفتاة، إلا أنني محتار بين الزواج من تلك الفتاة دون موافقة والديها وبين رغبة والدي، أرجو منكم إخواني المساعدة بالنصيحة للوصول إلى قرار صائب. [مسلم - ٢٤ سنة - الإمارات العربية المتحدة]]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: رغبتك في الزواج من هذه الفتاة لإعانتها على الحياة الإسلامية، أمر محمود يرجى لك به الأجر والثواب من الله تعالى، وهو من باب التعاون على البر والتقوى، والحفاظ على المسلمة، أن تؤذى في نفسها، أو تفتن في دينها، وهو ـ أيضا ـ من تمام موالاة المسلم لأخيه. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ) رواه أبو داود (٤٩١٨) وحسنه الألباني. والمعنى أنه يَمْنَع تَلَفه وَخُسْرَانه , يَحْفَظهُ وَيَصُونَهُ وَيَذُبّ عَنْهُ بِقَدْرِ الطَّاقَة. [انظر: عون المعبود] . وعن عبد الله بن عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه البخاري (٢٤٤٢) ومسلم (٢٥٨٠) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: َقَوْله: " وَلَا يُسْلِمُهُ " أَيْ لَا يَتْرُكُهُ مَعَ مَنْ يُؤْذِيه وَلَا فِيمَا يُؤْذِيه , بَلْ يَنْصُرُهُ وَيَدْفَعُ عَنْهُ , وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ وَاجِبًا وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا بِحَسَبِ اِخْتِلَاف الْأَحْوَالِ , وَزَادَ الطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ سَالِم " وَلَا يُسْلِمُهُ فِي مُصِيبَةٍ نَزَلَتْ بِهِ ". انتهى من فتح الباري مختصرا. لكن ينبغي أولا أن تحتال لإقناع أسرتها بهذا الزواج، وألا تقابل تشددهما بتشدد مثله، بل حاول أن تلين لهم الكلام، وتحسن إليهم في المعاملة والصلة، واحتسب ما تنفقه من أجل إنقاذ المسلمة من الأذى الذي يحيط بها. وإذا لم يمكن إقناعهما، فبالإمكان أن تعقدا نكاحكما في المحكمة الشرعية، في الدولة التي تعملان فيها، وأن تبتعد أنت وزوجك عن مكان الخطر الذي يتوقع أن يلحق بك أو بها، من جراء هذا الزواج، مع أنه من الممكن أن تستغلا عملكما في الخارج، وتكثرا من الصلة لأهلها بالمال والهدايا، لعل الله أن يلين قلوبهم لكما، أو على الأقل أن تتقي شرورهم بذلك. على أنه يلزمك أن تستصلح قلب والديك للموافقة على هذا الزواج، وما فيه من الخير والأجر إن شاء الله، فإن قدر أنهما لم يقتنعا قبل إتمامه، فسوف تتضاعف مسؤوليتك في استصلاح قلوب أهلك وأهلها، لكن نرجو الله أن يجعل لكما فرجا ومخرجا، ببركة النية الصالحة، والرغبة في الخير الذي تقدمان عليه. وهذا كله، فيما إذا كانت الأخطار التي تتحدث عنها أسرتك، هي مجرد هواجس وظنون لكن إذا كان والداك لا يرغبان في هذا الزواج ويتخوفان من عاقبته عليك أو على بقية الأسرة، وكانت المخاوف المذكورة لا حقيقة لها، وإنما هي مجرد هواجس وظنون، كما بدا لنا من رسالتك. وأما أن كانت الأخطار محققة، عليك، أو على أسرتك، أو على الفتاة، والتجارب في بلادكم لعلها تعطيك مؤشرا لذلك، فلا ننصحك أن تحمل نفسك من البلاء فوق ما تطيق، وهي ـ إن كانت صادقة مع الله، فسوف يجعل لها فرجا ومخرجا، ولتصبر ولتحتسب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) لأنفال/٢٩ نسأل الله أن ييسر لكما أمركما، وأن يحفظكما من كل مكروه وسوء. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15546

اتهمت زوج أختها بتحرشه الجنسي بها وهو يكذبها فما تصنع الزوجة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أشعر باليأس، وأسألكم النصيحة في موقف حدث منذ عدة شهور بين زوجي وأختي التي ادَّعت أن زوجي قد تحرش بها جنسيّاً، باستخدام القوة بالطبع، وقد حدث هذا أيضاً من قبل، من عدة سنين، لقد صدمت وحاولت أن أفهم الأمر وتحدثت مع كل منهما على حدة، إلا أن زوجي حلف بالله العظيم أنه لم يفعل ذلك، وأقسمت أختي أن ذلك قد حدث، لا أعرف ماذا أفعل؟ لقد تزوجنا منذ ١٥ عاماً، وقد قال زوجي لي: إنه إذا كان قد فعل ذلك فزواجنا بطل، فهل هذا صحيح؟ لقد كانت مشاعري له قويَّة جدّاً، ولكني الآن أشعر بالحيرة من أمري، ولا أعرف ماذا أفعل، أن أصبر: أمر صعب للغاية، أشعر أن إيماني ليس كما كان، أشعر بالضعف، ولا أستطيع أن أفكر، لا أريد أن أفقد زوجي، ولكني لا أستطيع العيش معه، أبكي كل يوم بكاءً شديداً، فبما تنصحونني؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: أخت الزوجة أجنبية عن الزوج، ويظن بعض الناس أن معنى الحرمة المؤقتة أنه يجوز له النظر إليها، والخلوة بها، ومصافحتها، وهذا بعيد عن الحق والصواب، وليس الأمر كذلك، بل هي أجنبية عن زوج أختها، ومعنى الحرمة المؤقتة أنه لا يحل له الجمع بينها وبين أختها في النكاح؛ لقوله تعالى – في سياق بيان المحرمات من النساء في النكاح: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ ... وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) النساء/ ٢٣. وبسبب هذا الفهم المغلوط صارت أخت الزوجة جزء من حياة أختها، تدخل البيت، وتسهر مع أختها وزوجها، ويراها وتراه، وهو ما مَهَّد طريقاً لإبليس للإيقاع في الفحشاء، فتولدت العلاقات المحرَّمة، وصرنا نسمع عن موبقات وفواحش في بيت الزوجية. وكما يحدث هذا مع أخت الزوجة فإنه يحدث – كذلك – مع أخي الزوج، ولو تأمل المسلم مشكلات بيوت الزوجية ومآسيها من حيث الوقوع في فاحشة الزنا لوجد كثيراً منها سببه: أخت الزوجة، أو أخو الزوج. وانظري كلاماً مهمّاً للشيخ العثيمين في هذا الباب في جواب السؤال رقم: (١٣٢٦١) . ثانياً: الاتهامات المتبادلة بين زوجك وأختك لا يمكنك معرفة الصادق منهما من الكاذب، فاتهامها له بالتحرش الجنسي بها، واتهامه لها بالكذب: كل ذلك لا ينبغي أن يجعلك تحكمين على أحدهما بما يسوؤه، ما لم تكن هناك بيِّنة أو قرينة قوية يُحكم بها لأحد الطرفين، أو يكون اعتراف من أحدهما. والذي ينبغي عليكِ فعله تحذيرهما من الوقوع فيما حرَّم الله من الأفعال المشينة، ومن الكذب والافتراء، والاتهام بالباطل، فإن كانت أختك كاذبة ردعها ذلك عن اتهامه، ووجب عليها التوبة من اتهام زوجك، وإن كان زوجك كاذباً وجب عليه التوبة الصادقة. وإن لم تكن بينة، ولا اعتراف: لم يكن في يدك ما تفعلينه سوى الاحتياط للمستقبل أن لا يقع مثل ذلك، ويجب عليك الحيلولة دون لقاء أختك بزوجك، ورؤيتها له، واعلمي أن تهاونكم في العمل بأحكام الشريعة، وتساهلكم في الاختلاط هو الذي سهَّل الطريق لهذا الفعل المحرم، - إن كان وقع _ ولهذه الاتهامات المتبادلة. كما نوصيك بستر الأمر عن الناس، وعدم ذِكره لأحدٍ؛ لأنه ليس هناك فاعل لمنكر ببينة شرعية؛ ولأن الإسلام يوصي بالستر، إلا من كان فاعلاً لمنكر ولم يتب منه، ويُخشى أن يُكرِّر فعله مع أناسٍ آخرين. ثالثاً: وأما ما قاله زوجك من أنه لو حصل منه هذا الأمر لكان عقد الزوجية باطلاً: فهذا القول غير صحيح، وإنما قال بعض العلماء فيمن زنى بأخت امرأته: إنه تحرم عليه امرأته ولا يقربها حتى تنتهي عدة أختها التي زنى بها، وقد سبق بيان هذا في جواب السؤال رقم (١٠٥٤٦٨) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15547

اكتشف أن زوجته على علاقة بآخر ويشك في نسب الطفل [السُّؤَالُ] ـ[اكتشفت أن زوجتي على علاقة محرمة بشاب آخر، وبعد ما اكتشفت خيانتها صار عندي شك بأن يكون الجنين الذي تحمله ليس من صلبي، فماذا إن كتبت الحياة لهذا الجنين، هل أستطيع أن أعتمد التحاليل الطبية لإثبات النسب؟ وإن كان غير ذلك: فما هو الحل الشرعي لهذه الحالة؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله: الأصل أن ما تلده الزوجة أنه لزوجها، ولا يحل لك أخي السائل قذفها – كما سبق – من غير رؤيتك لزناها، كما لا يحل لك نفي الحمل أو الولد عنك إلا ببينة، كرؤيتك لزناها، أو استحالة أن يكون الحمل منك كأن تكون غائبا عنها، أو لم تجامعها في طهرها، وما يشبه هذه الحالات، وما لم يكن من ذلك شيء: فلا يحل لك نفي الحمل، أو الولد بمجرد الشك والوهم، وكما قلنا سابقاً لا يعني وجود علاقة محرمة أنه يحصل زنا، ونضيف هنا: أنه لا يعني حصول زنا، أنها حملت من ذلك الزنا. وعليه: فلو أنك رأيتها تزني: لكان لك وجه في نفي الحمل، ونفي الولد، أما وقد بنيت ذلك على الشك: فلا يجوز لك نفي الجنين الذي تحمله امرأتك عنك، ولا تستسلم لوساوس الشيطان، واحذر أن يجعلك تعيش في عالم الاتهامات والخيانات والوساوس، وإلا أفسد عليك دينك ودنياك. ولا ينبغي لك اللجوء إلى التحليل لإثبات نسب ولدك، وهذا باب وسوسة وريبة، ولو فتح الباب لاعتمد الناس على هذه التحاليل القابلة للخطأ والوهم على ما يعتقدونه في قرارة أنفسهم من عفاف نسائهم، ولذا فإن الشريعة المطهرة تعتمد أدنى الأدلة لإثبات النسب، وأقواها في نفيه. قال ابن قدامة المقدسي – ﵀: " النسب يُحتاط لإثباته، ويَثبت بأدنى دليل، ويلزم من ذلك التشديد في نفيه، وإنه لا يُنتفى إلا بأقوى الأدلة ". " المغني " (٦ / ٤٢٠) . واعلم أن تشريع اللعان لا يقوم مقامه التحاليل الطبية؛ لأن المرأة تستطيع دفع تهمة زوجها والستر على نفسها باللعان، والله تعالى يعلم أن أحد الزوجين كاذب، ومع ذلك شرع اللعان، فلا يجوز إعطاء الحق للزوج بتلك التحاليل، وحرمان المرأة منه، وقد أصدر " مجلس المجمع الفقهي " التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته السادسة عشر المنعقدة بمكة المكرمة قراراً بشأن البصمة الوراثية (DNA) ، ومجالات الاستفادة منها، يؤكد ما قلناه من عدم جواز التحاليل لمثل حالتك، ولا كونه يقوم مقام اللعان، وهذا نص القرار: القرار السابع بشأن البصمة الوراثية ومجالات الاستفادة منها الحمد لله وحده والصلاة والسلام علي من لا نبي بعده، أما بعد: فإن " مجلس المجمع الفقهي الإسلامي " في دورته السادسة عشر المنعقدة بمكة المكرمة، في المدة من ٢١ – ٢٦ / ١٠ / ١٤٢٢ هـ الذي يوافقه ٥ – ١٠ / ١ / ٢٠٠٢ م، وبعد النظر في التعريف الذي سبق للمجمع اعتماده في دورته الخامسة عشر، ونصه " البصمة الوراثية هي البُنية الجينية، (نسبة إلي الجينات أي المورثات) التي تدل علي هوية كل إنسان بعينه، وأفادت البحوث والدراسات العلمية أنها من الناحية العلمية وسيلة تمتاز بالدقة لتسهيل مهمة الطب الشرعي، ويمكن أخذها من أي خلية (بشرية) من الدم، أو اللعاب، أو المني، أو البول، أو غيره ". وبعد الإطلاع على ما أشتمل عليه تقرير اللجنة التي كلفها المجمع في الدورة الخامسة عشر بإعداده من خلال إجراء دراسة ميدانية مستفيضة للبصمة والإطلاع على البحوث التي قدمت في الموضوع من الفقهاء والأطباء والخبراء، والاستماع إلي المناقشات التي دارت حوله: تبيَّن من ذلك كله: أن نتائج البصمة الوراثية تكاد تكون قطعية في إثبات نسبة الأولاد إلى الوالدين، أو نفيهم عنهما، وفي إسناد العينة (من المني أو الدم أو اللعاب) التي توجد في مسرح الحادث إلى صاحبها، فهي أقوي بكثير من القيافة العادية (التي هي إثبات النسب بوجود الشبه الجسماني بين الأصل والفرع) ، وأن الخطأ في البصمة الوراثية ليس وارداً من حيث هي، وإنما الخطأ في الجهد البشري أو عوامل التلوث، ونحو ذلك، وبناء على ما سبق قرر ما يأتي: أولاً: لا مانع شرعاً من الاعتماد علي البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي واعتبارها وسيلة إثبات في الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولا قصاص لخبر (ادرؤوا الحدود بالشبهات) وذلك يحقق العدالة والأمن للمجتمع، ويؤدي إلي نيل المجرم عقابه وتبرئة المتهم، وهذا مقصد مهم من مقاصد الشريعة. ثانياً: أن استعمال البصمة الوراثية في مجال النسب لابد أن يحاط بمنتهي الحذر والحيطة السرية، ولذلك لابد أن تقدم النصوص والقواعد الشرعية على البصمة الوراثية. ثالثاً: لا يجوز شرعاً الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، ولا يجوز تقديمها على اللعان. رابعاً: لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعاً، ويجب على الجهات المختصة منعه، وفرض العقوبات الزاجرة؛ لأن في ذلك المنع حماية لأعراض الناس وصوناً لأنسابهم. خامساً: يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب في الحالات الآتية: ١. حالات التنازع على مجهول النسب بمختلف صور التنازع التي ذكرها الفقهاء، سواء أكان التنازع على مجهول النسب بسبب انتفاء الأدلة أو تساويها، أم كان بسبب الاشتراك في وطء الشبهة ونحوه. ٢. حالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات ومراكز رعاية الأطفال ونحوها، وكذا الاشتباه في أطفال الأنابيب. ٣. حالات ضياع الأطفال واختلاطهم، بسبب الحوادث أو الوارث أو الحروب، وتعذر معرفة أهلهم، أو وجود جثث لم يمكن التعرف على هويتها، أو بقصد التحقق من هويات أسرى الحروب والمفقودين.... .انتهى وهو قرار قوي واضح، ونأمل أن يكون ما ذكرناه لك كافياً للامتناع عن نفي نسب ولدك عنك. ونسأل الله تعالى أن يوفقها للتوبة الصادقة، وأن ييسر لك الخير حيث كان، وأن يصبرك على ابتلائك، ونوصيك بنفسك خيراً، فلا توبقها، ولا توردها المهالك، ويسعك أن تطلقها وتعطيها حقوقها، ويسعك أن تبقيها في ذمتك إن رأيت صدق توبتها، ونرجو التأمل فيما فصلناه لك في النقاط السابقة، واستعن بالله تعالى على تيسير أمورك. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15548

لا تجزع من عدم إجابة الدعاء !! [السُّؤَالُ] ـ[أود أن أسأل فضيلتكم سؤالاً، وأرجو أن يتسع صدركم لي، أنا مسلم عادي، لا أنا بعظيم الإيمان، ولا بضعيف الإيمان , فأنا أؤدي الفرائض مع بعض التقصير- أرجو الله أن يسامحني عليه - وأدرك اليسير من السنن، وأؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره , منذ حوالي سبع سنين أصابني همٌّ عظيم بسبب مصيبة ما - لا أشغل فضيلتكم بها - وأصدقكم القول أني في البداية جزعت، وأصابني اليأس والإحباط، ولكن بعد عام تقريباً هداني الله , وأعلمني أهل الخير أن ذلك فيه الخير بأمر الله، وأخبروني إما أن تكون المصيبة بذنب ارتكبته، أو ابتلاء من الله , ونصحوني بالدعاء والاستغفار , وأن أسأل الله من فضله , وأن أتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وأن أكثر من عمل الخير , وبإذن الله لن يردَّ سؤالي، فإن الله يستحيي من ذلك , وها أنا ذا قمت بكل هذا، لا أقول على وجه الكمال، ولكن على قدر استطاعتي، فأكثرتُ من الدعاء، وأعمال الخير، وتبت إلى الله توبة نصوحاً من جميع الذنوب، وسألت الله أن يفرج كربي، ويزيل همي , وقد استخرت الله في القيام ببعض الأمور في حياتي لكي أعيد تصحيح الأوضاع , ولكن بعد القيام بكل هذه الأمور ما ازددت إلا همّاً وغمّاً، فزادت المصائب، وكثرت الأحزان، وفشلت كل خطواتي التي استخرت الله فيها، بل وألحقت بي الأذى , وغلقت كل الأبواب في وجهي , حاشا لله أن أكون أشكو الله لفضيلتكم إنما أشكو بثي وحزني إلى الله , ولكنى أريد أن أعرف لماذا لا يستجيب الله لي؟ ولماذا لا أوفق في أي أمر من أمور الدنيا - رغم أني آخذ بالأسباب، وأتوكل على الله، ولا أقوم بشيء إلا وقبله الاستخارة , فالله يوفق الكافر في دنياه الذي يأخذ بالأسباب , ولا آكل الحرام، ولا أضمر الشرَّ لأحدٍ وأدعو للجميع بالتوفيق -؟ وقد سمعت من أحد المشايخ وهو يحكي قصه فرعون أن الله قال لموسى: " وعزتي وجلالي لو استنجد بي لنجدته "، وبدأت بعض الأسئلة تدور في نفسي، هل أنا أهون عند الله من فرعون رغم أني لم أرتكب ذنوبه؟ وإذا لم أكن كذلك لماذا يبتليني الله بهذا الابتلاء رغم أني لست بعظيم الإيمان؟ وإذا كان السبب هو الذنوب فإني تبت من جميع الذنوب، وأكثرت الدعاء، وإن كان الله يريد أن يرفع به درجاتي في الجنة فكيف ذلك والله يعلم أني ليس لي طاقة بهذا البلاء؟ . أسئلة كثيرة تدور في رأسي , أتعبتني وأرهقتني ولم أجد لها إجابة , والحقيقة لقد بدأت عزيمتي تفتر، وقوة إيماني تضعف، وضاقت نفسي بالدنيا، ولم أعد أقوى على تحمل هذه الكوارث , فقد طالت المدة، وأصابني اليأس الشديد، وتسرب الشك إلى قلبي , ولولا أن الله حرم قتل النفس لكنت فعلت وأرحت نفسي، معذرة أني أطلت على فضيلتكم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نسأل الله تعالى أن يقبل توبتك، ويغفر حوبتك، وأن يوفقك لما يحب ويرضى. ثانياً: لا شك – أخي الفاضل – أن ثمة خللاً في تصورك لمسائل الدعاء والإجابة والابتلاء، وما تعاني منه طبيعي إن كنتَ على غير بصيرة في تلك المسائل وغيرها مما يتعلق بها، ونحن شعرنا معك برسالتك، وأحسسنا بآلامك، فنرجو منك التنبه لما سنبينه لك، والعمل به، فنحن رأينا في رسالتك من الاستعداد للقبول ما شجعنا على أن نرد عليك، ونوجهك لما فيه الخير لك دنيا وأخرى. ثالثاً: يتصور كثير من الناس أنه بمجرد أن يعلن توبته وإنابته لربه تعالى، أنه سينتقل مباشرة إلى النعيم، فيرتفع عنه البلاء، وتأتيه الأموال، ويعيش في رغد من العيش! وكل ذلك غير لازم البتة، بل إنه ثمة اختبار وابتلاء لتوبة هذا العبد، هل هي صادقة أم لا، وهل هي لله أم ليست له، وكل ذلك سيجعله في ابتلاء جديد؛ بل إن مختصر هذه الحياة وحكمتها: أنها تجربة ابتلاء واختبار. قال الله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً) (الانسان:٢) ؛ فإذا فهم هذه الحقيقة، فهو حري أن يسلم له قلبه، وإن لم تسلم له جوارحه، وظاهر عيشه، أما بدون وعي ذلك والتنبه إليه، فهو حري ألا يسلم له قلبه، حتى وإن سلمت جوارحه؛ ومن هنا جاء عن بعض السلف قولهم " لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف " وأي نعيم يقصد أولئك العظام؟ إنه نعيم القلب، يقينه بربه تعالى، وفرحه بطاعته، وسعادته بالتقرب إليه، ولو عاش في ضيق من الدنيا، وهذا هو مقياس الحياة الطيبة، كما ذكره الله تعالى في كتابه الكريم حين قال: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل/ ٩٧. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀: فمَن جمع بين الإيمان والعمل الصالح: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) وذلك بطمأنينة قلبه، وسكون نفسه، وعدم التفاته لما يشوش عليه قلبه، ويرزقه الله رزقاً حلالاً طيِّباً من حيث لا يحتسب، (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ) في الآخرة (أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) من أصناف اللذات مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيؤتيه الله في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة. " تفسير السعدي " (ص ٤٤٨) . وأما الآخرون من الكفار والعصاة: فاسمع لقول الله تعالى في حقيقة حالهم حين قال: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) طه/ ١٢٤. قال ابن كثير – ﵀: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي) أي: خالف أمري، وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه، وأخذ من غيره هداه: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) أي: في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حَرَج لضلاله، وإن تَنَعَّم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى: فهو في قلق وحيرة، وشك، فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة. " تفسير ابن كثير " (٥ / ٣٢٢، ٣٢٣) . فهل من الحكمة في شيء، أو من العقل الصريح أن تترك ما فتح الله تعالى لك من أبواب العبودية، وشرفك به من الإيمان به، لأجل اغترارك بحال أهل الكفر من السعة في الدنيا والرزق: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ) ثم أنت تترك البينات الواضحات في كتاب الله وسنة رسوله في شأن الدعاء، وعظم قدره، وأسباب إجابته، وتعلق حالك بمثل هذا الخبر: " وعزتي وجلالي لو استنجد بي لنجدته " ـ الذي يشبه كلام القصاص وأخبار بني إسرائيل. وهب أنه صحيح ثابث، هل مجرد حصول مطلوب العبد من الدنيا، وسعة عيشه، ووفور رزقه، علامة على قبوله عند ربه. قال الله تعالى: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) الآيات، سورة الفجر. وهب ـ أيضا ـ أن هذا الرزق إنما أتاه بعد دعاء دعاه؛ أفيدل هذا ـ يا عبد الله ـ على أن هذا العبد مقبول مرضي الحال عند مولاه؟!! (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (يونس: ٢٢-٢٣) قال الشيخ ابن سعدي ﵀: " عرفوا أنه الهلاك، فانقطع حينئذ تعلقهم بالمخلوقين، وعرفوا أنه لا ينجيهم من هذه الشدة إلا الله وحده، فدَعَوُه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ووعدوا من أنفسهم على وجه الإلزام، فقالوا: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: نسوا تلك الشدة وذلك الدعاء، وما ألزموه أنفسهم، فأشركوا بالله، من اعترفوا بأنه لا ينجيهم من الشدائد، ولا يدفع عنهم المضايق، فهلا أخلصوا لله العبادة في الرخاء، كما أخلصوها في الشدة؟!! ولكن هذا البغي يعود وباله عليهم، ولهذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: غاية ما تؤملون ببغيكم، وشرودكم عن الإخلاص لله، أن تنالوا شيئًا من حطام الدنيا وجاهها النزر اليسير الذي سينقضي سريعًا، ويمضي جميعًا، ثم تنتقلون عنه بالرغم؛ ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ﴾ في يوم القيامة ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وفي هذا غاية التحذير لهم عن الاستمرار على عملهم " انتهى، تفسير السعدي (٣٦١) . وتأمل معي قول الله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) الإسراء: ١٨-٢١ لتعلم ـ يا عبد الله ـ أن القضية ليست بالحساب الذي تظنه: من نال حظه، أو أجيب دعاؤه فهو أفضل، ومن لم ينل فهو أقل وأرذل!! كلا، ليست المسألة هكذا. رابعاً: ويخطئ كثير من الناس في مسألة الدعاء من وجوه كثيرة، ويهمنا في سؤالك أخي الفاضل أن ننبهك على خطئين اثنين: الأول: ظنك أن الدعاء يستجاب بمجرد أن تدعو، وهو خطأ؛ إذ للدعاء شروط لاستجابته، وموانع تمنع من استجابته. وانظر تفصيل ذلك بتمامه وكماله في جواب السؤال رقم (٥١١٣) . وفي ذلك التفصيل بيان مانع من موانع الاستجابة عندك، وهو تعجل الإجابة، وااستحسار بعده. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ قَالَ يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ) رواه مسلم (٢٧٣٥) . والثاني: ظنك أن الاستجابة نوع واحد وهي تحقيق المطلوب في الدعاء من مال أو ولد أو وظيفة، أو غير ذلك، وهو خطأ؛ إذ الاستجابة ثلاثة أنواع، فهي إما أن تكون بتحقيق المطلوب في الدعاء، أو أن يصرف عنه من السوء والشر بقدر دعائه، أو يدَّخر ذلك له أجراً وثواباً يوم القيامة. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ؟ قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ) . رواه أحمد (١٠٧٤٩) ، وصححه الألباني في " صحيح الترغيب والترهيب (١٦٣٣) . خامساً: تقصير المسلم في طاعته وعبادته ينبغي أن يُشعره بأنه ليس أهلاً لإجابة دعائه، ولعل ذلك أن يدفعه لأن يعمل بطاعة الله أكثر، ويزداد تقرباً إليه ، فإذا اعتقد الداعي أنه جاء بما يحب الله ويرضى عنه، وأنه أهلٌ للإجابة ولَّد ذلك عنده سوء ظنٍّ بربه تعالى! وولَّد عنده شعور بالإحباط، واليأس، حتى إنه ليود التخلص من الحياة بالانتحار! وكل ذلك – وللأسف – رأيناه – أخي الفاضل – في كلامك. وهذا بخلاف من علم تقصيره في جانب ربه تعالى، فإن مثل هذا يتولد عنده سوء ظنٍّ بنفسه لا بربه ، ويدفعه ذلك للابتعاد عن المنهيات، والإتيان بالواجبات، ويأخذ بالورع، ويترك التوسع بالمباحات التي قد تلهيه عن طاعة ربه تعالى. قال ابن رجب الحنبلي - رحمه الله تعالى -: وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " بالورع عما حرَّم الله يقبل الله الدعاء والتسبيح "، وعن أبي ذر ﵁ قال: " يكفي مع البِرِّ من الدعاء، مثل ما يكفي الطعام من الملح "، وقال محمد بن واسع: " يكفي من الدعاء مع الورع اليسير " ... وقال بعض السلف: " لا تستبطئ الإجابة وقد سددتَ طرقها بالمعاصي "، وأخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال: نحن ندعو الإله في كل كرب ... ثم ننساه عند كشف الكروب كيف نرجو إجابة لدعاء ... قد سددنا طريقها بالذنوب " جامع العلوم والحكم " (١ / ١٠٧، ١٠٨) . وقال القرطبي – ﵀: وقيل لإبراهيم بن أدهم: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ قال: لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه، وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به، وأكلتم نعم الله فلم تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس. " تفسير القرطبي " (٢ / ٣١٢) . وتأمل ـ أخي الكريم ـ هذا الفصل البديع من كلام ابن الجوزي في هذه المسألة، قال ﵀: " رأيت من البلاء أن المؤمن يدعو فلا يجاب، فيكرر الدعاء وتطول المدة ولا يرى أثرا للإجابة؛ فينبغي له أن يعلم أن هذا من البلاء الذي يحتاج إلى الصبر!! وما يعرض للنفس من الوسواس في تأخير الجواب مرض يحتاج إلى طب؛ ولقد عرض لي من هذا الجنس؛ فإنه نزلت بي نازلة فدعوت فلم أر الإجابة، فأخذ إبليس يجول في حلبات كيده، فتارة يقول: الكرم واسع، والبخل معدوم، فما فائدة التأخير؟!! فقلت له: اخسأ يا لعين، فما أحتاج إلى تقاضي، ولا أرضاك وكيلا!! ثم عدت إلى نفسي فقلت: إياكِ ومساكنةَ وسوسته، فإنه لو لم يكن في تأخير الإجابة إلا أن يبلوك المقدر في محاربة العدو، لكفي في الحكمة. قالت: فسلِّني عن تأخير الإجابة في مثل هذه النازلة!! فقلت: قد ثبت بالبرهان أن الله مالك، وللمالك التصرف بالمنع والعطاء؛ فلا وجه للاعتراض عليه. والثاني: أنه قد ثبتت حكمته بالأدلة القاطعة، فربما رأيتِ الشيء مصلحةً، والحكمة لا تقتضيه، وقد يخفى وجه الحكمة فيما يفعله الطبيب من أشياء تؤذي في الظاهر، يقصد بها المصلحة، فلعل هذا من ذاك. والثالث: أنه قد يكون التأخير مصلحة، والاستعجال مضرة، وقد قال النبي ﷺ : (لا يزال العبد في خير ما لم يستعجل، يقول دعوت فلم يستجب لي) . الرابع: أنه قد يكون امتناع الإجابة لآفة فيكِ؛ فربما يكون في مأكولك شبهة، أو قلبك وقت الدعاء في غفلة، أو تزاد عقوبتك، في منع حاجتك، لذنبٍ ما صدقتِ في التوبة منه. فابحثي [يا نفس] عن بعض هذه الأسباب لعلك تقعين بالمقصود ... والخامس: أنه ينبغي أن يقع البحث عن مقصودك بهذا المطلوب؛ فربما كان في حصوله زيادة إثم، أو تأخيرٌ عن مرتبة خير، فكان المنع أصلح!! وقد روي عن بعض السلف أنه كان يسأل الله الغزو، فهتف به هاتف: إنك إن غزوت أُسرت، وإن أُسرت تنصرت!! والسادس: أنه ربما كان فقد ما فقدته سببا للوقوف على الباب واللجْء [أي: اللجوء إلى الله] ، وحصوله سببا للاشتغال به عن المسؤول، وهذا الظاهر؛ بدليل أنه لولا هذه النازلة ما رأيناك على باب اللجء ... وإنما البلاء المحض ما يشغلك عنه، فأما ما يقيمك بين يديه ففيه جمالك!! وإذا تدبرت هذه الأشياء تشاغلت بما هو أنفع لك من حصول ما فاتك؛ من رفع خلل، أو اعتذار من زلل، أو وقوف على الباب إلى رب الأرباب!! " انتهى. صيد الخاطر (٥٩-٦٠) . والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15549

ترك الصلاة بسبب معاناته من وسواسه بسلس البول [السُّؤَالُ] ـ[مشكلتي في الصلاة، أنا للأسف أهملت صلواتي، وتقريباً لي سبعة أشهر لم أصلِّ! مع علمي بعظم هذه المعصية، وأنا أذكر إخواني دائما بالصلاة، وأحذر من التهاون فيها، وبكل أسف أنا لا أصلي! أنا لست منافقاً أبدا، وأنا والله أتمنى أني أستطيع أن أصلي وأنا أكون كباقي الناس، لكن والله أنا ما تهاونت فيها إلا بسبب الوساوس القهرية في الوضوء والغسل وقد يكون هذا الأمر هيناً، لكن المصيبة التي كرهتني في كل شيء هي " سلس البول " , وهو ليس سلساً مستمراً بل هو مجرد إحساس بعد قضاء الحاجة بخروج نقاط من البول، وكم وكم قرأت من استشارات لكن قد يكون الأمر سهلاً عند من يفتيك لأنه لم يعان مما يعانيه غيره، وأنا والله العظيم لولا هذه المشكلة ما كنت فرطت في صلواتي , وأنا كنت سابقا لا ألتفت لها وكنت أسمع من البعض يقول إنه لا يجب عليك أن تلتفت لها، وأن تستنجي، ثم تتوضأ ولا عليك من أي شي يخرج منك بعد ذلك , كنت على هذا طيلة حياتي , لكن بعد أن بدأت أبحث في المواقع الدينية وأسال وجدت أنني كنت مخطئاً. أنا عندي عدة أسئلة وأتمنى تريحوني من هذا العذاب لأن أعظم البلاء أن يبتلي الإنسان في دينه وأنا ابتليت في أنني لا أستطيع أن أصلي. سؤالي: الآن هل أُعتبر أنا كافراً كفراً يُخرج من الملة بسبب إهمالي لصلواتي طيلة السبعة شهور؟ وماذا يجب عليَّ أن أفعل؟ وكيف أجدد إيماني؟ وهل يجب أن أتلفظ بالشهادتين؟ أريد منكم التوضيح بشكل مفصل. السؤال الآخر: ماذا أفعل بخصوص سلس البول (هل يجب عند قضاء الحاجة أن أنتظر فترة قد تصل إلى نصف ساعة في دورة المياه لكي أتأكد أنني لا أحس بخروج شيء، ثم أتحفظ بقماش ومعاناة تثبيت القماش أو غيره على العضو ثم أبدأ الوضوء وتبدأ معاناة الوسواس بل أيضا تنتظرني معاناة الوسواس في الصلاة وإعادتها) ، أنا أعلم أن الدين يسر ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وأنا لا أعلم ماذا أفعل في مصيبتي هذه. بارك الله فيكم، لا تحيلوني لأي استشارات أخرى، وأغيثوني، أغاثكم الله.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: سبحان الله، كيف تمكَّن الشيطان من الكيد لك، والإيقاع بك! فتختار ترك الصلاة بالكلية! تختار الردة! تختار حبوط الأعمال جميعها! نعم، ترك الصلاة كفر مخرج من الملة، ولا يُعذر المسلم بترك الصلاة في أي ظرف أو حال كان فيه، ففي الحرب يصلي، وفي المرض يصلي، وفي السجن يصلي، ولا يُعذر بترك الصلاة إن فقد الماء والتراب، ولا يعذر إن جهل القبلة، ولا يعذر في تركها إن لم يكن عنده ثياب يستر عورته بها. وقد شرع الله تعالى لكل من ذكرنا أحكاماً تتناسب مع حاله وظرفه، من الجمع بين الصلاتين، وسقوط شرط الطهارة، واستقبال القبلة، وستر العورة، والصلاة جالساً أو مضطجعاً، بل والصلاة بالنية في حال عدم قدرته على الحركة! وكل ذلك يدل على عظم هذه الفريضة، وعظم شأنها في شرع الله تعالى. ومما يدل على عظيم شأنها: أن الله تعالى فرضها على المسلمين في السماء ليلة المعراج من غير واسطة بينه تعالى ونبيه محمد ﷺ . فالحذر الحذر، وإياك أن تهون ما عظمه ربك ، وإياك أن ترضى لنفسك الدخول في عصابة العاصين المرتدين، فالحكم واضح بيِّن، وليس لك عذر عند الله تعالى البتة، فلم يبق لك إلا المسارعة إلى الصلاة – وتغنيك الصلاة عن التلفظ بالشهادتين - ولتعوض ما فات من عمرك بالاستغفار والطاعات، ولتصدق في توبتك، واحذر أن تموت وأنت تارك للصلاة وإلا حبط عملك الصالح، ولقيتَ الله كافراً مرتدّاً. وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: كيف يقضي من فاتته صلاة يومين بسبب مرض؟ ومتى يكون القضاء؟ فأجاب: "هذا المريض إما أن يكون قد غاب عقله – أي: أغمي عليه -: فهذا لا قضاء عليه؛ لأنه مغمى عليه، فاقد العقل، وليس كالنائم الذي إذا أيقظته استيقظ، وأما إذا كان عقله معه: فلا يحل له أن يؤخر الصلاة، يصلي على حسب حاله، ولو بالنية، حتى لو – فرضنا - أنه لا يستطيع أن يتحرك: فعليه أن ينوي بقلبه التكبير والقراءة والركوع والسجود، لكن بعض المرضى لضيق أنفسهم، وكونهم في حرج: تجده إذا قيل له: صلِّ: قال: إذا عافاني الله صليت! هذا غلط، خطر عظيم جدّاً، لو مات على هذا يخشى أن يكون كافراً، ولهذا يجب على الممرضين الذين يمرضون أقاربهم إذا قالوا هذا أن يحذروهم، يقول: صلِّ ولو بالنية، ما دام العقل ثابتاً هل يمكن أن يفقد الإنسان النية؟ لا يمكن أن يفقدها، ولا لسانه....، أو كما يفعل بعض المرضى تكون ثيابه متنجسة ويقول: لا أستطيع أن ألبس ثوباً طاهراً، ولا أغسل النجاسة، أنتظر حتى يعافيني الله وأتطهر: نقول: هذا أيضاً حرام، صلِّ ولو بالثوب النجس؛ لأن الله يقول: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن/ ١٦. بقدر ما يستطيع، إن قدر على الطهارة: تطهر، وإن لم يقدر: فإنها تسقط عنه" انتهى. " لقاءات الباب المفتوح " (١٦٣ / السؤال رقم ٩) . ثانياً: وأما حكم ما تركته من صلوات: فليس عليك قضاؤها وتكفيك التوبة والمحافظة على الصلاة. ثالثاً: الذي تعاني منه أنت سببه، فلست مريضاً بسلس البول، فأنت من جعل الخيال حقيقة، وجعل الوهَم واقعاً، فمجرد الإحساس بوجود نقاط بول تخرج منك – كما تقول – ليس لها حكم البول الخارج بالقطع والجزم، فلا تلتفت لهذا الوهم، ولا تبني حكما على ذلك الخيال، وإذا استجبت لهذا ارتحت، وإذا استسلمت له جاءك الوسواس القهري، وجعل حياتك نكداً. وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: بعدما أنتهي من الوضوء أشعر بأنه يخرج مني نقاط من البول , فهل يجب عليَّ إعادة الوضوء , علماً أنني كلما أعدت الوضوء حصل نفس الشعور , فماذا أفعل؟ . فأجاب: "هذا الشعور عند السائل بعد الوضوء يعتبر من وساوس الشيطان , فلا يلزمه أن يعيد الوضوء , بل المشروع له: أن يُعرض عن ذلك , وأن يعتبر وضوءه صحيحاً لم ينتقض ; لقول النبي ﷺ لما سئل عن الرجل يجِد الشيء في الصلاة , قال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) متفق على صحته. ولأن الشيطان حريص على إفساد عبادات المسلم من الصلاة والوضوء وغيرهما , فتجب محاربته، وعدم الخضوع لوساوسه , مع التعوذ بالله من نزغاته ومكائده" انتهى. " فتاوى الشيخ ابن باز " (١٠ / ١٢٤) . وليس لك أن تنتظر فترة من الزمان في الحمام لتنتظر خروج شيء، وليس لك أن تمشي أو تقفز أو تعصر فرجك، فكل ذلك وما يشبهه من تلبيس إبليس، وإنما يوسوس بذلك للناس ليصرفهم عن الطاعة، وليقذف في قلوبهم الحزن، فإياك أن تستجيب لوسوسته، وكل ما عليك فعله إنما هو التبول ثم الاستنجاء بعده، ثم نضح الفرج والثياب بقليل من الماء لتذهب به كيد الشيطان وتتخلص من وسوسته، والبول ينقطع بطبعه إذا فرغ الإنسان منه، ولو أنه انتظر عدم نزول شيء جديد منه، أو راح يعصره لينشفه لم ينته، فإنه كلما عصره استمر في النزول! سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: عن الاستنجاء هل يحتاج الى أن يقوم الرجل ويمشي ويتنحنح يستجمر بالأحجار وغيرها بعد كل قليل في ذهابه ومجيئه لظنه أنه خرج منه شيء؟ فهل فَعَل هذا السلف ﵃ أو هو بدعة أو هو مباح؟ فأجاب: "الحمد لله، التنحنح بعد البول، والمشي، والصعود في السلم، والتعلق في الحبل، وتفتيش الذَّكَر بإسالته، وغير ذلك: كل ذلك بدعة، ليس بواجب، ولا مستحب عند أئمة المسلمين، بل وكذلك نتْر الذَّكَر بدعة على الصحيح، لم يشرع ذلك رسول الله ﷺ ، والبول يخرج بطبْعه، وإذا فرغ: انقطع بطبعه، وهو كما قيل: كالضرع، إن تركته: قرَّ، وإن حلبتَه: درَّ. وكلما فتح الانسان ذكَره: فقد يخرج منه، ولو تركه: لم يخرج منه، وقد يخيل إليه أنه خرج منه، وهو وسواس، وقد يحس من يجده برداً لملاقاة رأس الذكر فيظن أنه خرج منه شيء، ولم يخرج. والبول يكون واقفاً محبوساً في رأس الذكرلا يقطر، فاذا عُصر الذكَر أو الفرج أو الثقب بحجر أو أصبع أو غير ذلك: خرجت الرطوبة، فهذا أيضا بدعة، وذلك البول الواقف لا يحتاج الى إخراج، باتفاق العلماء، لا بحجَر، ولا أصبع، ولا غير ذلك، بل كلما أخرجه جاء غيره؛ فإنه يرشح دائماً. والاستجمار بالحجر كافٍ لا يحتاج الى غسل الذكر بالماء، ويستحب لمن استنجى أن ينضح على فرجه ماء، فإذا أحس برطوبته قال: هذا من ذلك الماء. وأما مَن به سلس البول، وهو أن يجري بغير اختياره لا ينقطع: فهذا يتخذ حفاظاً يمنعه، فإن كان البول ينقطع مقدار ما يتطهر ويصلي وإلا صلى وإن جرى البول، كالمستحاضة تتوضأ لكل صلاة، والله أعلم" انتهى. " مجموع الفتاوى " (٢١ / ١٠٦، ١٠٧) . وفي جواب شيخ الإسلام تفصيل لحالتك، والجواب عليها، فعليك التأمل في كلام أهل العلم، وإظهار الاحترام والتقدير لهم، فهم نجوم يهتدي بهم من ضلَّ طريقه، فما عندك إنما هو وهم وخيال لا ينبغي لك الالتفات له، ولا الاهتمام به، وليس لك أن تنتظر خروج شيء من البول بعد انتهائك من التبول، وليس عليك أن تتحفظ بقماش أو غيره. والذي يظهر لنا أنك لست مريضاً بسلس البول، وإنما أنت استسلمت لوسوسة الشيطان فتمكن منك. فاسأل ربك تعالى العون والتأييد والتثبيت، وتوكل على الله تعالى في صرف الشيطان وكيده، فإنه (لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) النحل/٩٩. وانظر للفائدة أجوبة الأسئلة: (٢٧٢٣) و (١١٤٤٩) و (١١٧٤) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15550

اساءات إليها أختها فهل تهجرها [السُّؤَالُ] ـ[أنا فتاه عمري ١٩ عاماً فقدت والدي ووالدتي وأصبحت انطوائية جدا والكل يخبرني بأني تغيرت كثيرا. وأنا دائما أجلس في غرفتي ولا أجلس مع أخواتي.. ولي أخت تكبرني بسنة في البيت ولكنني لا أكلمها لأسباب كثيرة لولا الحياء لذكرتها.. علماً أنها تجرحني بكلمات كبيره لا أتحملها فقطعت علاقتي بها ونحن في بيت واحد ومرت على حالتنا شهور ... ونحن لا نجتمع على طعام أو غيره فكل واحدة منا تعيش وحدها.... س: هل قطيعتها قطيعه للرحم ولي ذنب في ذلك.. علما أنني مرتاحة بعدها وهذه هي رغبتي..؟؟ س: لدينا خادمه كافرة وإذا طلبت منها شيء ترميه لي بطريقه تأفف وهذه الحركات معي فقط فهل زجري لها وعتابها يحملني أي ذنب؟؟ س: ما هي صلاه الوتر وكم ركعاتها وصفتها ووقتها؟؟ س: كم عدد ركعات صلاه التراويح وهل يجوز أن أمسك المصحف وأنا أصليها أو دفتر فيه أدعيه ... ؟؟؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد: فنسأل الله أن يعوِّضك خيرَ ما يعوِّض به عباده الصابرين، وأن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويصلح شأنك مع أهلك.. إنه سميع قريب. وأما هجرك لأختك، فإن كان هذا الهجر لأنها ترتكب بعض المخالفات الشرعية، وهجرك لها سيحقق مصلحة لكِ، بأن تسلمي من شرها وأذاها،أو يحقق مصلحة لها بأن تتأثر وترتدع عن معاصيها، فهذا لا بأس به. وإن كان الهجر لحظوظ شخصية، أو خلاف على أمور دنيوية كبعض المشاكل العائلية، فهنا لا يجوز الهجر ولا القطيعة، ويندفع هذا الهجر بالسلام عليها، ولا يشترط كثرة الجلوس معها أو محادثتها، خاصة إذا لم يحصل من هذا الجلوس فائدة لكِ أو لها. ونوصيك أيتها الأخت بالحرص على التعرف على بعض الصالحات الخيِّرات، من خلال حضور المجامع النسائية الخيِّرة كجمعيات تحفيظ القرآن الكريم، وما شابهها، ليكُنَّ خير معين لك على الخير، وسبباً لدفع هذه الإنطوائية التي تشتكين منها، ولتستفيدي منهن العلم والعمل. كما نوصيكِ بالحرص على الاستفادة من أوقات الفراغ باستماع الأشرطة النافعة، وقراءة الكتب المفيدة؛ التي تزيدك إيماناً وعلماً. وأما الخادمة التي تقصر في عملها أو تسيء إليك؛ فلا بأس من زجرها وتأديبها على قدر إساءتها، وبما يصلحها، من غير بغي ولا تعدٍّ عليها. وأما ما يتعلق بأحكام الوتر وصلاة التراويح فتجدين في زاوية (مواضيع في المناسبات < فضل قيام ليالي رمضان) . إجابة لكثير من أسئلتك. وإذا أردت المزيد فراجعي زاوية: (فقه < عبادات < الصلاة < صلاة النافلة < قيام الليل) من مكتبة الإجابات. وفي السؤال (١٢٥٥) تجدين جواب عن حكم حمل المصحف في صلاة الليل. وأما حمل دفتر للأدعية في أثناء صلاة التراويح فلا بأس به، على أن الأفضل أن تحرصي على حفظ بعض الأدعية , والدعاء بها في صلاتك، فهو أدعى للتفكر في الدعاء، وقلة الحركة في الصلاة. نسأل الله أن يوفقك لما فيه الخير وأن يصرف عنك الشر وأهله.. آمين. والحمد لله رب العالمين. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 15551

تحبُّ رجلاً عن طريق الإنترنت وتقدَّم لها صاحب دِين للزواج وتطلب المشورة [السُّؤَالُ] ـ[أولاً أريد أن أحييكم على مجهوداتكم الجبارة من خلال موقعكم المميز، جزاكم الله خيراً، وجعل هذا في ميزان حسناتكم يوم القيامة. لقد لجأت إليكم لا لأشكو همِّي فالشكوى لغير الله مذلة، وإنما لأطلب النصح من أب، وأخ، وشيخ فاضل، وأتمنى أن توجهوني لما فيه رضا الله ، ولما فيه صلاحي في الدنيا والآخرة، أنا فتاة مطلقة، تعرفت منذ ٧ أشهر إلى شاب عن طريق الانترنت، حسب ما أعرفه عنه خلال هذه المدة أنه إنسان محترم، ذو خلق، ومتدين، يعيش في بلد أوربية، أحس أنني أحبه، وهو أيضا، لكنه لا يستطيع التقدم لخطبتي حاليّاً؛ نظراً لظروفه، حيث إنه ما زال غير مستقر في البلد الذي يعيش فيه، حيث إنه ومنذ أكثر من ٥ سنوات يعيش في هذه البلاد بإقامة طالب، وهذا ما يمنعه من الزواج؛ لأنه إن تزوج فليس له الحق في اصطحاب زوجته معه، ولا يعرف إلى أي مدى قد يطول هذا الأمر، ربما لسنوات، الله أعلم. حدث مؤخراً أن تقدم لخطبتي شاب على مستوى من الأخلاق والدِّين، لا نسأل عنه أحداً إلا قال فيه خيراً. انصحني شيخنا الفاضل ماذا يتوجب عليَّ فعله، أحس أنني أحب الشخص الذي أعرفه منذ مدة، وأهلي يريدون تزويجي من الشاب المتقدم لخطبتي، هم لم يفرضوه عليَّ، لكنهم لا يجدون سبباً مقنعا لأرفضه، ولا أستطيع إخبارهم عن علاقتي بالشخص الآخر. أرجو يا شيخنا الفاضل أن توجهني وتنصحني بما آتاكم الله من علم، لما فيه مرضاة الله ، وجزاكم الله عنا كل خير.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ينبغي أن تعلمي أنكِ وقعتِ في آثام متعددة من المراسلة والمحادثة المتكررة مع رجل أجنبي عنكِ، ومعرفتكِ عنه أنه متدين، ومحترم، وذو خلق، وكذا معرفة ظروفه المعيشية: كل ذلك يؤكد أن هذه العلاقة المحرَّمة قد استمرت لفترة طويلة، ولا ندري ما هو التدين الذي يتحلى به ذلك الشاب، ولا ندري كيف تصفينه بأنه محترم وصاحب خلُق، وهو يرضى لكِ ما لا يرضاه لأخته ولا ابنته! والواجب عليكِ – وعليه بالطبع – الآن التوبة من تلك العلاقة، والمبادرة الفورية بقطعها، وحتى تكون توبتك صادقة فإنه يجب عليك الكف فوراً عن تلك العلاقة، والندم على ما حصل منكِ، والعزم على عدم العودة لها أو لمثلها. وتجدين حكم هذه العلاقة في أجوبة متعددة، وانظري – مثلاً -: (٣٤٨٤١) و (٢٣٣٤٩) و (٢١٩٣٣) . ثانياً: وبما أنكِ قد علمتِ ظروف ذلك الشاب، وأنه لا يستطيع التقدم لخطبتكِ: فهذا يحتِّم عليك قطع العلاقة معه؛ لأنها – بالإضافة لحكمها الشرعي – فليس مأمولا منها أن تنتهي بالزواج، على الأقل في المستقبل المنظور، وإنما هي مجرد أوهام، يضيع العمر بالجري وارءها: كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً!! قال الإمام أحمد ﵀: " من أحالك على غائب فما أنصفك ". نقله ابن تيمية في الفتاوى (٢٧/١٠٢) . ثالثاً: لا نظن عاقلاً على وجه الأرض يمكن أن ينصحك بعدم قبول المتقدم لخطبتكِ على (أمل) ! أن تتحسن ظروف ذلك الشاب ليخطبكِ؛ وذلك لأمور، منها: أ. أن ذلك الشاب مجهول، ولا يَعرف أحد حقيقته، وأما الثاني فإنه معلوم لكِ ولأسرتكِ. ب. أن ظرف الأول قطعي في عدم قدرته على خطبتك، وتحسن أحواله مظنون، وفي عالم الغيب، وأما الثاني: فإن ظرفه الحالي مقطوع به بقدرته على التزوج. ج. أن الأول يعيش في دولة كافرة، ولا يحل لك الذهاب إليها، والعيش بها، والأمر كذلك بالنسبة له، وأما الثاني: فهو يعيش في بلد عربي مسلم، وبينهما فروق من حيث الحكم الشرعي، ومن حيث صلاحية البلديْن لإقامة شعائر الدين، وسلامة الاعتقاد، والحفاظ على الأسرة والأولاد. رابعاً: اعلمي أنه ليس لكِ عذر في عدم الموافقة على الخاطب الذي تقدم لخطبتك، فلا تتردي بالموافقة، والعمر تمر ساعاته عليكِ ـ وأنت في هذه الأوهام ـ بما يضرك لا بما ينفعك، وبما يؤثمك لا بما يؤجرك، فصد هذا الخاطب يعني رضاك بالبقاء على علاقة آثمة لا يعلم إلا الله تعالى: متى تنتهي، وإلى أي حال تنتهي؟!! وهذا ما لا نتمنى حصوله منك، وقد رضيتِ برأينا ومشورتنا، ونحن نشكرك على ثقتك بنا، فلا تردي نصيحتنا، واقبليها طيبة بها نفسك، وسترين أثر ذلك على قلبك وبدنك، ويكفيك أنك تتخلصين بذلك من إثم تلك العلاقة، وسترين معنى العلاقة الشرعية بعد عقدك وقبولك بالخاطب، وستتذوقين طعم الحب الشرعي الطاهر، وسترين أي جناية كنتِ ترتكبينها بحق نفسك، وسيتبين لك أن تلك " العلاقة الإلكترونية " مع ذلك الشاب لا قيمة لها، وليست حبّاً، إنما هي أوقات تصرف في المعصية والتسلية، وعندنا مئات بل آلاف النماذج من تلك العلاقات الإلكترونية التي ضيعت نساء كثيرات أعراضهن من خلالها! ومَن تزوجت منهن فقد باء زواجها بالفشل، فلا تفكري في حبٍّ موهوم، ولا تعيشي في خيالات، واجعلي همَّك في طاعة ربك تعالى، وفي العيش في الواقع المرئي، لا الخيال المتهم، واتركي ذلك الماضي بسوآته، ولا يشغلنك منه إلا التوبة النصوح إلى الله تعالى، وإصلاح العمل فيما بقي: ونسأل الله تعالى أن ييسر لك أمرك، وأن يخلصك من الآفات والشرور، وأن يطهر قلبك، وأن يعجل لك بالخير. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15552

هل يُنصح بالتزوج من امرأة غير متحجبة وتربت في بلد أجنبي ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا شاب مقبل على الزواج من فتاة مسلمة، ولكنها تربت في بلد أجنبي، وهي غير محجبة، وأنا في حيرة، وخوف، وقلق، ولا أعلم ماذا أفعل، والسبب: أنه إذا حصل الزواج أن تبقى على ما هي عليه - أقصد " الحجاب " - وسؤالي هو: ما الذي يترتب علي؟ هل هذا الزواج حرام؟ وهل أأثم؟ وماذا أفعل؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله للزوجة دور بالغ الأهمية في بيتها، وبصلاحها تصلح – إن شاء الله – ذريتها، ولا يمكن تخيل مدى السوء الذي سيكون في بيت الزوجية في حال فساد تلك الزوجة، فالزوج لن يجد في بيته السكن، ولا المودة والمحبة، كما أنها ستؤثر سلباً على أولادها، من ذكور وإناث، وهذا مشاهد لا يخالف فيه أحد. وقد وجدت حالات كثيرة سعى أبطالها للتزوج بامرأة ناقصة الدين، بل وفي أحيان أخرى تكون كافرة يطمع في إسلامها، أو مبتدعة يطمع بإرجاعها لأهل السنَّة، ولكن تبوء مشاريعهم بالفشل؛ وقد رأينا كثيرين غرقوا في تلك البحار، وما استطاعوا النجاة بأنفسهم. وقد أوصانا الناصح الأمين ﷺ بالتزوج بذات الدِّين، فقَالَ: (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) رواه البخاري (٤٨٠٢) ومسلم (١٤٦٦) ، فعليك بهذه الوصية المباركة، ولا تفرِّط فيها، واعلم أن الزوجة ستكون عرض الإنسان وشرفه، وستكون مربيةً لأولاده، ومؤتمنة على ماله وبيته، ولا خير في امرأة لا تحفظ هذه الوظائف ولا تقوم عليها حق القيام، والإنسان ابن بيئته، وابن بيته، وإذا كان هذا الأمر يظهر في الرجال فإن ظهوره في الإناث آكد وأقوى، فمن تربت في بلد أجنبي، وفي بيت لا يعرف الاستقامة والالتزام فإنه ستظهر آثار تلك البيئة وذلك البيت على المرأة ولا شك، إلا أن يرحم الله تعالى بعض الأفراد فيوفقهم للهداية والاستقامة، ولو أنها كانت مقبلة على الهداية، وترغب بالتخلص من ماضيها، وتريد من يأخذ بيدها للاستقامة: لنصحناك بها، ولرغبناك في التزوج منها، أما وحالها ليس كذلك: فإننا لا ننصحك بالتزوج منها، وابحث عن غيرها، ولعلك أن توفق لذات الدين عاجلاً غير آجل. وهذه فتاوى من علمائنا تؤيد ما قلناه لك، ونصحناك به: ١. سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: لي أخ سيتزوج من فتاة متبرجة، فما واجبي نحوه؟ وبماذا تنصحه بعد أن خطبها؟ وما الواجب عليَّ فعله إذا استعملت آلات اللهو والغناء داخل البيت احتفالاً بالعرس؟ فأجابوا: " عليك أن تنصحه أن يتزوج بذات الدين؛ امتثالا لقول النبي ﷺ : (فاظفر بذات الدِّين) ولا تحضر حفلة الزواج التي تستعمل فيها آلات اللهو والغناء إلا إذا كنت قادراً على إنكار المنكر، فإن لم تكن قادراً على ذلك: وجب عليك اجتناب المنكر على الأقل " انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " (١٧ / ١٨٢، ١٨٣) . ٢. وسئلوا – أيضاً -: ما حكم الإسلام في رجل تزوج بامرأة لا ترتدي الزي الإسلامي، وهل يحمل سيئات أم لا على أنها متبرجة، وبالرغم أنه نصحها وأمرها به هل يجوز له أن يطلقها؛ لأنها لا ترتدي هذا الزي؟ بالرغم أنها معترفة به وتقول: إنه فرض. فأجابوا: " على الزوج أن يستمر في نصحها وحسن توجيهها؛ لعل الله أن يهديها ويوفقها، وإذا بذل وسعه في نصحها: فليس عليه إثم، فإن أصرَّت على البقاء على المنكر: فواجب عليه أن يطلقها " انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " (١٧ / ١٨١) . ٣. وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ وهو يذكر صفات الزوجة: (ديِّنَةٍ) ، أي: صاحبة دين، لقول النبي ﷺ : (تُنكح المرأة لأربع: لمالها وحسبها وجمالها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) ، فالديِّنة تعينه على طاعة الله، وتُصلح مَن يتربى على يدها من أولاده، وتحفظه في غيبته، وتحفظ ماله، وتحفظ بيته، بخلاف غير الديِّنة فإنها قد تضره في المستقبل، ولهذا قال النبي ﵊: (فاظفر بذات الدين) ، فإذا اجتمع مع الدِّين جمالٌ ومالٌ وحسبٌ: فذلك نور على نور، وإلا فالذي ينبغي أن يختار الديِّنة. فلو اجتمع عند المرء امرأتان: إحداهما جميلة، وليس فيها فسق أو فجور، والأخرى دونها في الجمال لكنها أدين منها، فأيهما يختار؟ يختار الأدين. ... وقد يقول بعض الناس: أتزوج امرأة غير ديِّنة لعل الله أن يهديها على يدي، ونقول له: نحن لا نكلَّف بالمستقبل، فالمستقبل لا ندري عنه، فربما تتزوجها تريد أن يهديها الله على يدك، ولكنها هي تحولك إلى ما هي عليه فتشقى على يديها " انتهى. " الشرح الممتع " (١٢ / ١٣، ١٤) . ولمزيد الفائدة راجع جواب السؤال رقم (٩٦٥٨٤) . ونسأل الله تعالى أن ييسر لك زواجاً بامرأة صالحة، وأن يعينك وإياها على إنشاء أسرة طيبة صالحة. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15553

تعرف إلى فتاة ويسأل عن إتمام الزواج [السُّؤَالُ] ـ[هذه قصتي مع الهاتف، أنا شاب تعرفت على فتاة عن طريق الهاتف، وتكلمت معها فترة طويلة لمدة خمسة شهور، وبعد مرور خمسة شهور قالت لي الفتاة إنها تخاف من كلامي معها؛ لأنه حرام، وعرضت عليها أن أتزوجها عبر الهاتف بأنها تقول لي: زوجتك نفسي، وأنا أقول لها: وأنا قبلت الزواج منك. وكان شرطها أنه زواج مع إيقاف التنفيذ؛ لأن شروطه غير مكتملة، وبعد ذلك تحدد يوم لمقابلة أمها وزوج أمها، وذهبت وطلبت الفتاة من أمها ووافقت الأم، ولكن زوج الأم رفض، وبعد فترة رفضت الأم هي الأخرى، وفي بعض الأحيان تقول انتظر حتى تنتهي البنت من الجامعة، وتطورت المسألة بيني وبين الفتاة في الهاتف، وبدأ الحديث يأخذ مجرًى آخر، أصبحنا نتحدث مثل الأزواج، وما زلت متمسكا بها أكثر من الأول؛ لأنها إنسانة طيبة والله أعلم، وبعد ذلك ندمنا على كل هذا، وبدأنا نحفظ القرآن، وهو شرطنا الآن حتى نتزوج، وفي يوم تحكى لي الفتاة قصة غريبة، أن أمها تركت أباها وهو في المستشفى في آخر أيام عمره، وطلبت منه الطلاق، وقالت له إنها تحب رجلا ثانيا، وبعدها توفي الزوج، وبدأت تدخل الرجل الثاني البيت، وسألتها الفتاة: من هذا؟ قالت لها: إنها متزوجة عرفيا، سألتها الفتاة عن شهور العدة. قالت لها: أنا منفصلة عن أبيك من أكثر من سنة، وبعد فترة انفصلت عن هذا الرجل، وتزوجت صديقه، والغريب أنه كان عنده علم، وبعد زواجها من هذا الرجل انشغلت أكثر من الأول عن أولادها بهذا الزوج الجديد، الذي يأخذ من أموال اليتامى لكي يرسل الأموال إلى الزوجة الأولى وأولاده، وبعد فترة أنجب منها. ملحوظة: حتى وقتي هذا لم أقابل هذه الفتاة، وهى تعرض علي أن أقابلها وأنا أرفض. هل هذا الزواج صحيح أم لا؟ هل أكمل الطريق مع هذه الفتاة أم أبتعد عنها؟ هل البنت لها ذنب في موضوع أمها؟ هل البنت ممكن أن تكون مثل أمها في يوم من الأيام؟ ماذا أفعل؟ دلوني بعد أن بدأت الفتاة في حفظ القرآن، وتعرف الصواب من الخطأ.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لقد كان الأحرى بك – أخانا الكريم – أن تسأل عن الحكم الشرعي قبل أن تُقدم على ما عملت، وليس أن تبدأ بالخطأ والمعصية ثم تسعى في التفتيش عن مخرج ينجيك مما قدمت يداك. ونحن نوجهها لك نصيحة ولجميع أبنائنا وإخواننا من شباب المسلمين أن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يتقوا الله في قلوبهم وقلوب فتيات المسلمين، وألا يميلوا عن الصراط المستقيم الذي شرعه الله تعالى، حيث أمر باجتناب الفتن، والبعد عن طرق الهوى والشيطان. يقول الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) النور/٢١ ويقول تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) البقرة/٢٦٨ وقال سبحانه: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) النساء/٦٠ ويقول الحق : (إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ) القصص/١٥ وأعظم الغفلة حين يعمى القلب عن مراقبة الله، وحين يفقد الحسَّ الإيماني الذي يلوم نفسه الخطاءة على معصيتها ويحثها إلى الطاعة، أو حين تقع النفس في المعصية فتشغلها الغفلة عن حقيقة معصيتها ببعض الرسوم والعوارض التي لا أهمية لها. يقول ابن الجوزي في "تلبيس إبليس" (ص/٣٣) : " فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم ﵊، وقد بذل عمره ونفسه في فساد أحوال بني آدم " انتهى. إن الزواج الشرعي الذي أحله الله تعالى لعباده معروف معلوم، لا تسأل أحدا عنه إلا أخبرك: كيف يتزوج الناس في النور، ويفرحون، ويفرح لهم إخوانهم وأهلوهم: فالحلال بيِّن، والحرام بين!! وأما ما فعلته ـ أنت وهي ـ من الزواج الهاتفي: تزوجيني، زوجتك..، فهذا كله ـ أيها السائل ـ لعب بآيات الله، وتعد لحدوده سبحانه: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة: من الآية٢٣١) . أين ولي الفتاة – وهو أخوها الأكبر، ثم عمها، وليس زوج أمها -.. وأين الشهود، وأين المهر، وأين الإعلان، أين هي علامات الزواج الشرعي وأماراته؟!!! الطريق الصحيح أن تكرر طلب الزواج من الفتاة من ولي أمرها، وتنظر إليها النظر الشرعي كي يطمئن قلبك إلى صورتها ومظهرها، وتقطع خلال ذلك وقبله الحديث معها في أي موضوع حتى يتم الإيجاب والقبول بينك وبين ولي أمرها برضاها، ويحضر الشهود، ويدون العقد في السجلات الرسمية، فإن لم تُفلح في نيل رضى وليها فعليك بالمحاولة مرات أخرى بواسطة أهل الخير والفضل، والله يقدر لك الخير إن صدقت في طلب الحلال وأخلصت في الدعاء والاستخارة. ولكن يجب قبل ذلك كله تقديم التوبة الصادقة بين يدي الله تعالى، وسؤاله العفو عما سلف من الزلل، ومعاهدته سبحانه على عدم العود. وحين يتم الزواج بشروطه وأركانه فهو زواج صحيح، ووقوع والدتها في الإثم والخطيئة لا يعني بالضرورة مشابهة ابنتها لها، فكثير من الأسر العاصية يخرج من بينها أبناءٌ بررةٌ صالحون، والعكس كذلك، فإن كنت ترى فيها بوادر الخير والصلاح فاسْعَ في الزواج بها، ولا تترفع عنها بخطيئة والدتها، وأمر الهداية في يد الله ، ونحن لا نحكم إلا على الظواهر، والله يتولى السرائر. وإلى أن يتم بينكم الزواج الحقيقي الذي شرعه الله، لا اللعب بآياته، والعدوان على حرماته، يجب أن يتوقف كل حديث بينكما، ولو في الهاتف، ولو كان ذلك الحديث عن القرآن الكريم؛ ومن يخادع الله يخدعه!! والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15554

زوجها يحبها وصاحب دين ولكن هي لا تنجذب إليه [السُّؤَالُ] ـ[تزوجت منذ فترة قصيرة، ولكني لست سعيدة بهذا الزواج , ولا يوجد في زوجي عيب أو شيء منفِّر بل هو يحافظ على الصلاة في المسجد، وصاحب أخلاق، ويحاول أن يتقي الله , المشكلة أنني لا أحبه، مع أني كنت دائما أرغب بالزوج الملتزم، قد أكون تسرعت في الموافقه لأنني لم أتعرف عليه جيداً قبل الزواج وكنت أحيانا وقت العقد أشعر بعدم القبول، أخاف من أن انفصل عنه من المستقبل المظلم، ولكني مترددة، الشيء الوحيد الذي يطمئني أنني استخرت الله قبل الموافقة عليه، أنا لا أعلم ما أنا فيه وهل هذا ابتلاء حقا أم أنا التي صنعت هذا الهم لنفسها، وهل يمكن أن أكمل في زواجي هذا بهذا الشعور الداخلي وأنجب أولادا منه، ويكبرون، وتكون هذه حياتي مع شخص لست راضية به، أم عليَّ أن أتناسى وأعيش هكذا بلا شعور مع زوجي! .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إن نعَم الله تعالى على الإنسان كثيرة وعظيمة، وهو يعجز عن إحصائها، فأنَّى يستطيع شكرها؟! ولذلك وَصف الله تعالى الإنسان بالظلم والجهل بعد بيان عظيم نعَم الله، قال تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) إبراهيم/ من الآية ٣٤، فاعلمي أيتها الأخت أنك تتقلبين في نعم الله تعالى، حيث رزقك الله بزوج صالح، وبيت تأوين إليه، في الوقت الذي ترتفع آهات كثيرة من نساء لا يجدن زوجاً، ومن وجدت فقد يكون ظالماً أو فاجراً، وفي الوقت الذي تتشرد فيه الآلاف من النساء بسبب الفقر والحروب، فاحرصي على شكر النعمة بالمحافظة عليها، وأداء حقها، واحذري من كفرانها، وإلا سلبها الله منك، قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) إبراهيم/ ٧. وحتى تعلمي عظم تلك النعم عليك انظري في حال من فقدها، أو نقصت منه، وهي وصية النبي ﷺ لنا حتى لا يزدري أحدنا نعمة الله عليه. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ) رواه مسلم (٢٩٦٣) . ثانياً: مما نعجب منه في رسالتك قولك " فأنا لم أتعرف على زوجي جيِّداً قبل الزواج "! وهل تعتقدين أن ما يحدث قبل الزواج بين الرجل والمرأة هو شرعي أولاً؟ وهل تظنين أنه بتلك العلاقة يتعرف الرجل على المرأة والعكس؟ إن أكثر ما يحدث في فترة التعارف تلك ليس بشرعي، بل هو مخالف للشرع؛ حيث يكون التوسع في النظر والحديث، والاختلاط المستهتر، والخلوة المحرمة، وغير ذلك من المنكرات الشرعية، وهي مشهورة بين الناس. وفي هذه الفترة لا يَظهر الرجل على حقيقته، ولا المرأة كذلك، بل يحاول كل واحد منهما أن يُظهر صفاتٍ جميلة، وأخلاق عالية راقية، ولا تظهر الحقائق إلا فيما بعد الزواج، وفي إحصائيات متعددة في دول مختلفة تبين أن الزواج الذي تسبقه علاقة " حب محرَّم " أفشل من ذلك الذي خلا من تلك العلاقة، وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال (٨٤١٠٢) ، وحسبنا تنبيهك أنه ليس ثمة حاجة لتلك الفترة لتتعرفي على زوجك، وقد ذكرت من صفاته وأخلاقه ما يغنيك عن تلك الفترة للتعرف عليه. إن الحب قبل الزواج قائم على المخادعة العاطفية؛ إذ ليس في المرأة ما يجعلها محبوبة لزوجها إلا مظهرها الخارجي! بخلاف الحب بعد الزواج فإن سببه المخالطة والمعاشرة، ولذا فإن الله تعالى يجعل بين الزوجين مودة ورحمة بعد زواجهما الشرعي، لا قبله، كما قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الروم/ ٢١. ثالثاً: تقولين في رسالتك: " فأنا دائما كنت دائما أرغب بالزوج الملتزم الذي يعيشني حياة الالتزام بالدين.. "، ونقول لك: ها هي أمنيتك قد تحققت، وها هي رغبتك قد تحصلت، فقد رزقك الله زوجاً لا تعيبين عليه خلُقاً ولا دِيناً. فاتقي الله في نفسك، واحذري من عقوبة الله لك، ويُخشى عليك سلب تلك النعمة، والعقوبة بزوج آخر لا يتقي الله تعالى فيك، ولا يربي أولادك كما ترغبين، وساعتها سيفوت وقت الندم. أيتها السائلة الكريمة: لقد استخرت الله ﵎ قبل إقدامك على هذا الزواج، وهذا من أعظم أسباب توفيقك، إن شاء الله، شريطة أن ترضي بما قسم الله تعالى وقدره لك، وتعلمي أن الله تعالى قد اختار لك الخير: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢١٦) . إننا معك أيتها السائلة الكريمة في الخوف من المستقبل المجهول إذا ما فكرت في الانفصال عن هذا الزوج الصالح، وأنت تعلمين نظرة المجتمع إلى المرأة المطلقة، ول كانت امرأة صالحة، وظلمت في زواجها الأول، وهي نظرة يشوبها كثير من الجاهلية؛ فكيف إذا عرف أنك انفصلت عن هذا الزوج الصالح، من غير ما بأس، ولا عيب فيه!! بل إننا نخاف عليك ما هو أشد من ذلك والله!! ألم تسمعي إلى قول النبي ﷺ : (أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ) رواه أبو داود (٢٢٢٦) وصححه الألباني. وانظري جوابي السؤالين: (٢٣٤٢٠) و (٢٠٩٤٩) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15555

كيف يتعامل مع زوجته المريضة نفسيا [السُّؤَالُ] ـ[أنا متزوج منذ ٥ أعوام ولي طفلة عمرها عام ونصف. زوجتي عنيدة ولا تتفاهم مطلقا. وعنادها أدى إلى مشكلة نفسية تأصلت عندها بحيث أني لو لم ألبي مطالبها فإنها تبدأ في البكاء وقد يمتد ذلك أحيانا إلى وقت متأخر من الليل ثم تدخل في الاكتئاب تدريجيا. منذ البداية وزوجتي لا تحب أهلي. وهي لا تترك لي المجال لأقضي وقتا ممتعا مع أهلي. لقد أساءت إلى والدي عدة مرات. ولأنها تصاب بالاكتئاب فلم أتخذ خطوات تصحيحية معها حتى الآن. لكني لا أستطيع تحمل تصرفاتها تلك. أريد أن أهتم بوالدتي وأن أسعدها هي الأخرى. لقد أخفق والداها في جعلها تحسن من تصرفاتها. كما نصحاها بالذهاب إلى طبيب نفساني، لكنها لا تريد الذهاب. أعلم أنها مصابة إلى حد ما بمرض عقلي. أرجو نصحي.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أخي نشكرك لك ثقتك بنا ونسأل الله أن يوفقنا جميعاً للصواب. قرأت رسالتك أكثر من مرة وأشعر أنه من الصعب أن أدرك الأمور على تفاصيلها؛ لأنها تبدو معقدة إلى حد ما ولا أستطيع أن أتوجه بالاتهام لأحدكما، ولكن أشعر أن لكل منكما نصيباً من المشكلة. ولكن هذه بعض التوجيهات التي أنصحك بفعلها، وأسأل الله أن يجعلها عونا لك في تخطي مشكلتك: أولا: لابد من رجوع كل منكما إلى الله ، وذلك لأن المعصية لها أثر على حياة الإنسان في أهله وعلاقته كلها، ولهذا قال بعض السلف: إني لأفعل المعصية فأجد أثرها في أهلي ودابتي. وهذا مصداق قول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانا فأحبه. قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه. فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا، فأبغضه. قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا، فأبغضوه. قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض. ثانيا: أن يتوجه الإنسان إلى ربه، فيدعوه ويتوجه إلى مولاه : (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) النمل / ٦٢، ألح عليه بالدعاء، وتحرَّ أوقات الإجابة، من ثلث الليل الآخر، والذي ينزل فيها ربنا فينادي: من يدعوني فأستجيب له، من يستغفرني فأغفر له، من يسألني فأعطيه، من يتوب فأتوب عليه. وينبغي أن تدعو ربك وأنت موقن بالإجابة ولا تستعجل، فإن الله يستجيب للعبد ما لم يستعجل، يقول دعوت فلم يستجب لي. ثالثا: إن النبي ﷺ قال: (إن الله ما أنزل داء إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله) أخرجه أحمد (٣٣٩٧) وصححه الألباني في السلسة الصحيحة (١٦٥٠) ، فعليك بالأدعية الشرعية من الرقية وقراءة القرآن وغير ذلك، قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) الإسراء / ٨٢، وإذا كانت ترفض أن تعرض نفسها على الأخصائي النفسي، فلا يمنع هذا أن تكون الواسطة بينهما. رابعا: أكثر ما تحتاجه منك زوجتك أن تكون معها عاطفيا، خذها مثلا في نزهة بالسيارة إلى أي مكان مريح للأعصاب، أو سافر معها إلى بلد آخر للنزهة، أصر عليها بلطف على ذلك إذا رفضت، واختر النشاطات التي كانت تألفها وتسر منها مثل الذهاب إلى مكان ما تحبه أو ممارسة هواياتها. خامسا: لا تصر بقوة إذا رفضت التعاون، فالمكتئب يحب جلب نظره إلى الأشياء، وليس إلى مطالبته بها، لأنه سوف يزيد من شعوره بالفشل. سادسا: أوصيك بالرفق، فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه. أخيرا أخي السائل لاحظ أن المريض بالاكتئاب كسول ولا يقبل أن يحسن من حاله، بأن يخرج من حالة الاكتئاب من تلقاء نفسه، وتذكر أن معظم حالات الاكتئاب يمكن أن تعالج لكنها قد تحتاج إلى وقت طويل وصبر جميل، وتذكر أنه ربما تكون أنت من أسباب مرضها فلا تستعجل بالاستغناء عنها وعليك أن تساعدها على الخروج مما هي فيه، وتذكر أن الصبر مهما كانت مرارته إلا أن عوقبه حميدة. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15556

يخاف من المستقبل [السُّؤَالُ] ـ[أواجه هذه المشكلة منذ شهرين تقريباً، ذهبت للطبيب ولكنهم قالوا بأنني بخير وصحة جيدة، لا أدري كيف أشرح ولكنني أحسن حالاً الآن. أفكر بالموت كل يوم وكل دقيقة وهذا حقاً يخيفني مع أنني أدعو الله، أفكر بحادث وكيف مات الناس فيه، ولا أدري ما الذي سيحصل لي ولعائلتي في المستقبل. أدعو الله أن أعيش في سلام في هذه الدنيا وأن أفكر فيه كل ساعة. أشعر بالصداع بعد ذلك، لا أستطيع العمل كما كنت أعمل من قبل، أشعر بأنني في عالم آخر. أحياناً أسأل نفسي لماذا بعض الناس يموتون بهذه الطريقة المأساوية، هل لأنهم سيئون أم ماذا؟ أرجو أن تساعدني إجابتك على أن يتحسن شعوري وأن أعيش حياة سعيدة مع عائلتي.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أخي الحبيب كم نحن نفتقر في كثير من الأحيان إلى النظرة المتوازنة للأشياء والحقائق، وكم نجد في حياتنا اليومية من المشكلات التي تعود في أصل تكوينها إلى إفراط جامح، أو تفريط فاضح، ولاغنى لطالب السعادة والنجاح في هذه الدنيا أن يسير معتدلاً، دون أن يغلب جانباً على آخر، وبذلك يعمر قلبه الإيمان، ويطمئن في عمل ما يطلب منه، وإن ما تشكو منه ليس عائداً إلى جهل بأصل القضية، وإنما هو عائد إلى تغليبك لجوانب الخوف وتكثيرك لأسبابها، وتجاهلك لجوانب الفأل والتقصير في أخذها. أخي المسلم ... لقد علمت أن الموت حقيقة قادمة لكل حي موجود، لا يتخلف عن ذلك أحد مهما شرفت منزلته عند الله، فهذا نبي الله تعالى أشرف الخلق قال الله له: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) الزمر/٣٠، وقال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ) آل عمران/١٨٥ وقال الشاعر: كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول إن الخوف المحمود من الموت هو ذلك الذي يدعو الإنسان للبحث عن حاله، ومراقبة نفسه ومحاسبتها عن أعمالها السيئة، فإن هذا الخوف هو الذي يدعو المرء إلى البعد عن المعاصي ومداومة الاستغفار والتوبة، وأما الخوف الذي يكوّن لدى الإنسان حالة هلع وتوجس وترقب لخطر قادم، يجعله يعيش مكتوف الأيدي، ويثنيه عن العمل ويؤخره عن واجباته فهذا خوف مذموم، وصاحبه بحاجة لأن يجد ويجتهد في العمل على إزالته والحد منه، ولعلك أخي السائل تشعر بهذا، وتظن أن هذه الوسوسة هي أجراس الخطر ومؤشرات النهاية، وليس الأمر كذلك، غاية ما في الأمر أن هذه وسوسة من الشيطان الرجيم، ليوهن قلب المؤمن، وينغص عليه حياته، ليس من ورائها أي حقيقة تذكر، ولهذا تجد أن ذهابك إلى المستشفى لإجراء الفحوصات أكد لك أنك بخير، الأمر الذي أدى لتحسنك وطمأنينتك، ولعلنا نساعدك بما يعينك على التخلص من هذه الوسوسة وذلك في النقاط التالية: الأولى: تحريك جذوة الإيمان التي في فؤادك بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، قال تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) التكوير/٢٩، وما الموت إلا من قضاء الله وقدره الذي لا حيلة لابن آدم في دفعه، أو الحيلولة دون وقوعه، قال تعالى: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) يونس /٤٩، وقال تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) النساء / ٧٨ وإذا كان كذلك فإن الخوف من الموت لا يؤخر ولا يقدم، ولن تجني منه سوى النكد والأسى، فلن يأتيك أجلك إلا إذا أراد الله في وقته المعلوم، لن يتقدم عن ذلك، سواءً خفت من الموت أو لم تخف، وسواءً فكرت في نهايتك كيف ستكون أم لا، كل مافي الأمر أنك لن تجني من خوفك هذا إلا ضيق الصدر ونكد المعاش، وهذا خلاف ما أراد الله للمؤمنين من الحياة الهانئة المستقرة المطمئنة قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل /٩٧. الثانية: تذكر لطف الله بعباده المؤمنين ورحمته بهم، فإنه الودود الرحيم الغفور، الذي سبقت رحمته غضبه، يمن على العاصين بالمغفرة الواسعة، قال تعالى: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً) النساء /١٤٧ والمؤمن موعود بالجنة إذا مات، فلا يحول بينه وبين الجنة إلا الموت، قال النبي ﷺ : (ما من عبد يشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار) رواه مسلم ٤٧ الثالثة: كن دائم التوكل على الله تعالى في كل أمورك، واعلم أن في التوكل قطعاً لدابر الوسوسة وحسماً لمادتها، وإذا عزمت على فعل فلا تلتفت إلى الخلف، وإذا شعرت بهذه الهواجس فاجأ إلى الله تعالى بالاستعاذة قال تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الأعراف/٢٠٠ الرابعة: ارفع رأسك للأمام وابدأ حياتك اليومية بكل ثبات ويقين، وباشر كل أعمالك بنشاط وطمأنينة، فكم في هذه الدنيا من المبشرات التي تبعث الأنس والطمأنينة في النفوس لتألف نظرة مشرقة متفائلة، تعيد للإنسان الأمل وتزرع في النفس اليقين. وأما سؤالك: مالذي سيحصل لك ولعائلتك في المستقبل؟ فسبحان الله! أأنت الذي خلقتهم؟ أو أنت الذي رزقتهم؟ أو أنت الذي تتكفل بتدبير حوائجهم؟ لا ولكنه الله تعالى، الذي هو أرحم بهم منك، وثق تماماً أن الله لن يضيعهم سبحانه وبحمده، فهذا الأمر ليس إليك ابتداؤه ولا منتهاه، ولو فكر الناس بمثل هذه الطريقة ما عاش أحد مرتاح الفكر والبال، ولكن الحمد الله الذي ضمن الرزق لكل أحد قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) هود /٦ فاطرد عنك هذا التفكير. الخامسة: عليك بكثرة الدعاء أن يطرد الله عنك هذه الوساوس، ادعه بكل خشوع وتضرع، مظهراً له العجز والفقر، وثق تماماً أنه يجيبك على ذلك، قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) البقرة /١٨٦ وأما الذين يموتون بسبب الحوادث؛ فلا يدل موتهم بهذه الطريقة على سوئهم أبداً، بل ربما مات بهذه الطريقة من هو في عداد الصالحين، وتأمل هذا الحديث النبوي الشريف الذي سيعينك على إزالة هذا الإشكال، قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِيقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) رواه البخاري برقم ٦١٥ فانظر إلى من يموت بالغرق، أو يموت بالحرق، أو من يموت بالهدم أليس كل ذلك مما يفزع، ولكن ذلك لم يدل على سوئهم، بل سماهم الرسول ﷺ شهداء، وهي قمة الكرامة والشرف، فليس طريقة الموت مؤشراً على سوء الميت، ولكن الله تعالى بحكمته يقضي أن يموت بعض الناس بهذا،ربما لكي يرفع منازلهم في الجنة، أو ليكفر عنهم ذنوبهم، أو لحِكم أخرى لا نعلمها. نسأل الله أن يوفقك لحسن العمل، وحسن التفكير. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15557

خسرت حُسن عشرة زوجها بسبب علاقتها بغيره [السُّؤَالُ] ـ[باختصار أنا لي علاقة مع شاب تعرفت عليه عن طريق المنتدى ثم الماسنجر ثم الجوال، وقد كشف زوجي الأمر وغضب عليَّ، وقال لي: لولا الأبناء لأصبحت مطلقة، ولكن أصبر وأتزوج بأخرى، أنا أدركت ذنبي وتبت، وبدأت حياتي من جديد، وأصبحت أُكثر الاستغفار والحمد والشكر على النعمة، لكن زوجي كل يوم يسمعني كلاما يهز الجبال، كرهته ولكن صبرت، وحاولت أن أحبه، وألبي جميع طلباته التي كنت في السابق لا ألبيها، تعبت من كثر الطلبات، ولم أقل شيئا، بل برحب وسعة، لكن لا أجد إلا السب والشتم وتذكيري بالعلاقة السابقة، وبعد عدة أشهر رجع الشاب واتصل عليَّ، واستمر بذلك وبإرسال الرسائل، ولكن خشيت من زوجي؛ لأنه إذا رن جوالي برقم غريب يطلب مني أرد، وأرفض، قال لي: ردي لعله ذلك الشاب، وإذا رديت أصبح الشخص غلط، قال لي أكيد بينكم رموز، ماذا أفعل؟ أصبحت أخاف من الجوال، وأخفيه عن زوجي دائما خوفا أن يرن رقم غريب، ويشك بي. ماذا أعمل مع ذلك الشاب، مللت الحياة، تمنيت الموت كل الذي أستطيع عمله قراءة القرآن.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يزال الطمع في قلب ابن آدم حتى يهلكه، وما حرم القناعة إنسان إلا تاه في أودية الهم والاضطراب، يتلفت يمنة ويسرة لعله يجد ما يملأ به نفسه التي تمنى وتشتهي، ولا يملأ قلب ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. وأسوأ الطمع ما تُقتَحَمُ به الحرمات، وتضيع فيه الأعراض: كالطمع في زوجات المسلمين وأعراضهم، أو طمع النساء في شباب المسلمين، وعدم القناعة بالزوج الذي مَنَّ الله به عليها، وقد علم المسلمون جميعا أن اللذات لا تنال بمعصية الله تعالى، وأن السعادة إنما تتوافر في طريق الطاعة وحفظ حدود الله . أختي السائلة: لقد كانت المعصية سببا في هلاك أمم سابقة، فهل تظنين أنها ستكون سببا في سعادة إنسان؟! كما كانت المعصية أيضا طريقا إلى النقم، فهل تريدينها أن تكون مجلبة للنعم؟! والله يقول: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) الشورى/ ٣٠. قد يكون من السهل الوقوع في الخطأ؛ فالنفس تندفع برغبات اللذة والشهوة نحو المعصية، لكن من الصعب تحمل التبعات، والتعامل مع آثار تلك الأخطاء. قال ابن القيم ﵀: " الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة؛ فإنها إما أن توجب ألما وعقوبة، وإما أن تقطع لذة أكمل منها، وإما أن تضيع وقتا إضاعته حسرة وندامة، وإما أن تثلم عرضا توفيره أنفع للعبد من ثلمه، وإما أن تُذهب مالا بقاؤه خير له من ذهابه، وإما أن تضع قدرا وجاها قيامه خير من وضعه، وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة، وإما أن تطرق لوضيع إليك طريقا لم يكن يجدها قبل ذلك، وإما أن تجلب هما وغما وحزنا وخوفا لا يقارب لذة الشهوة، وإما أن تنسى علما ذكره ألذ من نيل الشهوة، وإما أن تشمت عدوا وتحزن وليا، وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة، وإما أن تحدث عيبا يبقى صفة لا تزول، فإن الأعمال تورث الصفات والأخلاق " انتهى. " الفوائد " (ص ١٣٩) . وأنت اليوم في المشكلة التي تعرضين إنما تواجهين نتائج أخطاء تراكمت، ومعاص تساهلت بها، ثم لم تحسني التوبة منها: - أما محادثتك مع ذلك الشاب فمن أقبح ما يمكن أن يصدر من امرأة أنعم الله عليها بالزوج والمنزل والولد، وكفاها بؤس الحياة الذي يواجهه كثير ممن حرموا البيوت السعيدة والحياة الهانئة. وقد كفانا زوجك مؤونة اللوم والعتاب، فهو يسمعك كل يوم كلاما " يهز الجبال " - على حد وصفك -، والمقصود هو أن تدركي من قرارة قلبك عظيم الخطأ الذي ارتكبت. - وأما ما ذكرت بشأن عدم تلبيتك رغبات الزوج وحاجاته في السابق، فهي معصية أخرى كان لها أثر كبير في تحويل حال أسرتك إلى هذا العناء. ألم تعلمي أن طاعة الزوج واجبة، وأن خدمته وتلبية طلباته من أفضل ما تقدمه الزوجة عند الله وعند الناس، وقد جاء عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ بِابْنَةٍ لَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ ابْنَتِى قَدْ أَبَتْ أَنْ تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ ﷺ : أَطِيعِى أَبَاكِ، فَقَالَتْ: وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَتَزَوَّجُ حَتَّى تُخْبِرَنِى مَا حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ، قَالَ: حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَوْ كَانَتْ لَهُ قُرْحَةٌ فَلَحِسَتْهَا مَا أَدَّتْ حَقَّهُ) رواه النسائي في " السنن الكبرى " (٣ / ٢٨٣) ، وقال المنذري في " الترغيب والترهيب " (٣ / ٩٨) : إسناده جيد، وصححه الألباني في " صحيح الجامع " (٣١٤٨) . ونحن نصارحك القول: بأن العلاج يبدأ من هذه الفكرة: يبدأ من حيث طاعة الله ورضاه سبحانه؛ لأن المصيبة بدأت من معصيته ومخالفته، وقد وعد الله التائب بتبديل السيئات إلى حسنات، ووعده فضلا منه وأجرا. التوبة تبدأ من الحزم والعزم بترك ما فرط من معصية، وقطع كل صلة محرمة، وفي قصتك تبدأ من إلغاء الهاتف الجوال بالكلية، وعدم العودة إليه حتى تطيب نفس الزوج بشراء رقم جديد لك، إذا فعلت هذا فقد أثبت لزوجك ولنفسك صدق توبتك والرغبة الجادة في الإصلاح. وكيف تريدين من زوجك أن يتجاوز ما مضى وأنت لم تتجاوزيه وعدت إليه؟! لقد حفظ لك زوجك حقا عظيما وطوقك بمنة كبيرة حين أعطاك فرصة جديدة للعيش معه، ولعل سبب ذلك الحقيقي رغبته فيك ومحبته لك، وإلا فقد كان التسلسل المنطقي للأحداث أن تتجه نحو الفضيحة والفراق والطلاق، لكن الله مَنَّ ولطف وأنعم عليك بالستر والبيت والأسرة، فالواجب أن تبادلي زوجك بالإحسان إحسانا، وتحفظي حدود الله فيه، فتقطعي فعليا كل وهم وسبيل إلى عودة اتصال ذلك المعتدي بك، ولكن الذي حصل منك هو تكرار للخطأ، وإصرار على المعصية، وتساهل في تحقيق التوبة. فهل تنتظرين بعد ذلك توفيقا وإصلاحا؟ كيف تسمحين لنفسك تكرار سماع صوت ذلك الشاب، واستقبال الرسائل منه مرة أخرى، وكيف عدت إلى تحميل زوجك همَّ الوسواس الذي يصيب كل إنسان حين يرى ريبة من زوجته، كيف تريدينه أن يثق بك من جديد وأنت لم تمنحيه الثقة الكافية، ونحن نؤكد لك أن استمرارك على هذه الحال سيؤدي إلى خسران أعظم مما أنت فيه، تأملي حالك لو أن زوجك أخبر أهلك بما تفعلينه، لا شك أن ما ستكونين فيه من هموم وغموم أعظم مما أنت فيه الآن. نحن ندعوك – أختنا السائلة – إلى ضرورة الاستدراك والإصلاح، وقد قطعت شوطا جيدا، ليبقى لك الكثير أيضا، فنوصيك بتقوى الله ، والحرص على البيت والزوج والأبناء، ولا تلتفتي إلا إلى رضوان الله تعالى، ليكن هذا همك وسعيك، واثبتي ولا تيأسي من المحاولة، واستمري على حسن العشرة والطاعة بالمعروف، ولا يُقعدك ما تجدينه من نفور الزوج وسوء معاملته، فإِنْ صَدَقْتِ اللهَ في التزامك بشرعه صدقك هو سبحانه فأصلح لك زوجك ولو بعد حين، وأعاد حاله إلى السعادة المرجوة، ودرء عنك كل فتنة وتعاسة، وماذا يبتغي الإنسان من دنياه سوى حياة هادئة صفوها العافية، وسرها العبودية، فإذا أكرم الله العبد بشيء من ذلك فليحافظ على النعمة بشكرها وتقوى الله فيها، والقناعة كنز لا يفنى. نسأل الله تعالى لك الهداية والتوفيق والسعادة. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15558

والده يؤخر زواجه وهو في أشد الحاجة له [السُّؤَالُ] ـ[السلام عليكم موقع " الإسلام سؤال وجواب " العزيز آمل فى أن تتمكنوا من مساعدتى فى حل مشكلة حرجة تزعجنى منذ سنوات، وأنا أسألكم بالله ألا تتجاهلوني، وأن تردوا بحق على سؤالى، فاتقوا الله وساعدونى بإبداء النصح إن شاء الله. كرجل يبلغ من العمر ٢٧ عاماً فإنى امتنعت عن الزنا مخافة الله تعالى، طوال هذا الوقت وأنا أبذل كل مابوسعى لإيجاد زوجة، لكني عاجز عن ذلك لأسباب كثيرة، كعدم توافق الشخصيات، وقلة ذات اليد، وخلافات أسرية حول الزواج (يعتقد والداي أنه ليس بوسعك الزواج إلا عندما تتجاوز ٣٠ عاماً) ... إلخ. موقع " الإسلام سؤال وجواب " العزيز ليس بوسعى السيطرة على نفسي أكثر من ذلك، فهذا الأمر بالغ الصعوبة عليَّ، وأنا مشتت الفكر للغاية، وأفكر فى النساء طوال الوقت، وقد قرأت رسائلكم السابقة، وبذلت كل ما بوسعى للصلاة، وقضاء الوقت بصحبة إخوة صالحين، وتذكر الله ، وطلب مساعدته ... إلخ لكنه من الواضح أننى لن أتمكن من أظل على هذا الحال للأبد، برجاء تقديم النصح حول مايجب عليَّ القيام به، وماهى الخيارات المتاحة أمامي الآن، وما الذي يمكن لأي شخص بمكاني القيام به إن شاء الله؟ برجاء تقديم يد العون لي فلم يعد بوسعي الاستمرار أكثر على هذا الوضع؛ فإن هذه الرغبة ترهقني كثيراً. وجزاكم الله خيراً، برجاء مساعدتي، وتذكروا أن الله سيعلم إذا قمتم بتجاهل سؤالي ورفضتم مساعدتي بتقديم النصح. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نحمد الله تعالى الذي وفقك للتوبة، ونسأله أن يثبتك على طاعته، والثبات لا بد له من الاستمرار والتواصل حتى تنال رضا الله، فالنفس تميل للشهوة والدنيا، والقلب يتقلب، ويحتاج المسلم للثبات على الطاعة وتثبيت القلب، وليس لك إلا الله تدعوه ليثبت قلبك على دينه، ويصرفه لطاعته. عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: (يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) . رواه الترمذي (٢١٤٠) وابن ماجه (٣٨٣٤) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". فهذا خير خلق الله يسأل الله الثبات، فنحن أولى بهذا الدعاء. عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ) . رواه مسلم (٢٦٥٤) . واعلم أخي الفاضل أن النفس إن لم تملأها بالحق: مُلئت بالباطل، وإن لم تشغلها بحب الله وحب رسوله: شغلتك بحب الشهوات والملذات المحرمة، وإن لم تعوِّدها على الطاعة: عوَّدتك على المعصية. ثانياً: نحن سنجتهد إن شاء الله في إبداء ما عندنا من النصيحة لك، والوقوف معك في محنتك، ونسأل الله تعالى أن يثبتك، ويحفظنا وإياك من الفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن. إن الحل الأول والأمثل لك هو الزواج، فبه تغض بصرك، وتحفظ فرجك، وليس عندنا، ولا نظن أن عاقلا سوانا عنده أفضل ولا أعلى من أن يدفعك للزواج دفعا: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَابٌ لَا نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ فقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) رواه البخاري (٤٧٧٩) ومسلم (١٤٠٠) . قال الإمام أحمد ﵀: ((إنْ خَافَ الْعَنَتَ أَمَرْتُهُ يَتَزَوَّجُ)) نقله في الفروع (٥/١٤٧) . وأما قلة ذات اليد: فاعلم أن الراغب بالعفاف موعود بالعون من الله تعالى، والأمثلة أكثر من أن تحصر على إخوة فقراء توةجوا فأعانهم الله، ويسر أمرهم. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ: الْمُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِى يُرِيدُ الأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِى يُرِيدُ الْعَفَافَ) . رواه الترمذى (١٦٥٥) ، وقال: حسن، والنسائى (٣١٢٠) ، وابن ماجه (٢٥١٨) ، وحَّسنه الألباني في " صحيح الترمذي ". واعلم أنه ليس من حق والدك أن يمنعك الزواج بحجة السن، أو عدم التوافق الأسري، أو غير ذلك من الأعذار الواهية، وليس عليك أن تطيعه في ذلك أيضا؛ فابحث لك يا عبد الله عن امرأة تريد العفاف، مثل ما تريده، وتخشى الله، كما تخشاه أنت أن تقع في الفاحشة، فإن أبى والدك أن يساعدك، فاجتهد في أن تدبر أي عمل يوفر لك القوت وحد الكفاف، واستغن عن نفقته. وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: ((هل ترون أن طاعة الوالدين عليَّ لازمة إذا منعاني من الزواج بغير عذر مقبول، عذرهم في ذلك أني صغير مع العلم أني أبلغ العشرين من عمري، فما هي الطريقة إذا أصرا على رفضهما مع حاجتي الشديدة للزواج جزاك الله خيراً؟)) فأجاب ﵀: ((إذا كنت قادراً على النكاح فتزوج ولو منعك أبوك وأمك؛ لأن أمامك أمر الرسول ﵊ وهو مقدم على أمر والديك. أما إذا كنت عاجزاً ليس عندك مال وعند أبيك مال، فإن الواجب على أبيك أن يزوجك وإذا امتنع فإنه آثم. فإن كان أبوك فقيراً فقد أرشد النبي ﵊ الشباب إذا لم يستطيعوا الباءة أن يصوموا، قال: (فعليه بالصوم فإنه له وجاء) أي: قطع؛ لأن الصوم يقلل الشهوة)) لقاءات الباب المفتوح (١٥/١٦) . وأما إشكالية عدم توافق الشخصيات التي ذكرتها؛ فاعلم أن هذه حجة مطاطة هلامية، إلى حد كبير؛ واعلم أن يكفيك ـ لكي تقدم على الارتباط بفتاة كزوجة، وأم ولد لك إن شاء الله؛ أن ترى فيها من الدين ما يطمئنك في العيش معها على عرضها وعرضك، وتأمنها على ولدها وولدك. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) رواه البخاري (٥٠٩٠) مسلم (١٤٦٦) وبعيدا عن المثاليات التي ربما ترهق الكثيرين في البحث والنظر قبل الزواج، حدد النبي ﷺ ، إطارا عامة للشخصية المرضية للمرأة: أن تصون نفسها، وتطيع ربها، وتؤدي فراض الله عليها: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ!!) رواه أحمد (١٦٦٤) وقال الألباني والأرناؤوط: حسن لغيره. ثالثاً: إذا لم يتيسر لك الآن أمر الزواج فاعلم أن وصية الله لك هي أن تستعفف، وذلك بفعل الأسباب التي تصبرك عن التزوج كالطاعة عموما والصيام خصوصاً، وبالابتعاد عن الدواعي التي تهيج الشهوة كالنظر والسماع المحرَّمين. قال تعالى: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) النور/ ٣٣. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) هذا حكم العاجز عن النكاح، أمره الله أن يستعفف، أن يكف عن المحرم، ويفعل الأسباب التي تكفه عنه، من صرف دواعي قلبه بالأفكار التي تخطر بإيقاعه فيه، ويفعل أيضاً كما قال النبي ﷺ : (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) . وقوله: (الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً) أي: لا يقدرون نكاحاً، إما لفقرهم، أو فقر أوليائهم وأسيادهم، أو امتناعهم من تزويجهم وليس لهم من قدرة على إجبارهم على ذلك ... . (حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) وعدٌ للمستعفف أن الله سيغنيه وييسر له أمره، وأمرٌ له بانتظار الفرج، لئلا يشق عليه ما هو فيه. " تفسير السعدي " (ص ٥٦٧) . فهذا هو الذي نوصيك به، ويوصيك به كل من يعرف الشرع، ويريد الخير لك، وهو النكاح، فإن لم تستطع فالاستعفاف. سئل علماء اللجنة الدائمة: إنني في مرحلة المراهقة، وأبلغ من العمر ١٩ عاماً، وإنه ينتابني بعض الأمور من الجنس، وإنني بحق أعيش في قلق وعدم المبالاة بالدروس؛ لأنني دائما أفكر في الجنس وغير ذلك، مما يراودني الشيطان - لعنه الله - أن أرتكب جريمة الزنا - أعاذنا الله منها وإياكم - علماً أنني لا أقدر على الزواج؛ لأنني في مرحلة الدراسة في الصف الثاني ثانوي، وإنني أصبر دائما اليوم، والذي بعده، ولكنني لا أصبر الثالث، أرجو أن تعينوني على ذلك بما أفعل في تلك القضية، علماً أن حلها في رأيي الزواج، ولا أستطيع ذلك، وأنا في حالتي هذه نحيل الجسم بما فعلته بي تلك القضية، وهي في بعض الأيام حينما أصلي لا أعقل ماذا صليت، وكم صليت، وذلك لأنني أفكر في تلك القضية، أرجو وأكرر: أعينوني على ذلك. فأجابوا: إذا كان حالك كما ذكرت: فأكثر من صيام التطوع قدر الاستطاعة؛ فإن هذا مما يساعد على ضبط نفسك، وكبح جماح شهوتك، وكسب العفة، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) . وإن تيسر لك أن تستدين وتتزوج مع القدرة مستقبلا على تسديد الدين: فافعل، إعفافا لفرجك، وارج الله أن يعينك على ذلك، وننصحك بالبعد عن مثار الشهوة، فغُضَّ البصر، واجتنب الاختلاط بالفتيات ومجالستهن والحديث معهن قدر الاستطاعة، واسأل الله تعالى أن يعفك، ويحفظك من غائلة الشهوات، وزلات الفتن. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " (١٨ / ٢١، ٢٢) . ولا مانع من تناول أدوية مأمونة لتخفيف حدة الشهوة، واجعل هذا الحل آخراً وليس أولاً. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: " قال الله : (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) النور/ ٣٣، يعني: يتصبر، ومن يتصبر: يصبِّره الله ، والله تعالى قد وعد: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي: إلى أن يغنيهم الله من فضله، (حتى) هنا للغاية وليست للتعليل، لكنها تشير إلى أن الله سيجعل لهم فرجاً ومخرجاً إذا استعفوا، فإن لم يصبر، وعجز، وخاف على نفسه من الزنا: فلا حرج عليه أن يتناول ما يهدئ الشهوة من الأدوية، ونحوها؛ حتى لا يقع في الحرام. " لقاءات الباب المفتوح " (١٥٩ / مقدمة اللقاء) . وانظر أجوبة الأسئلة: (٢٠١٦١) , (١٠٢٥) , (٢٠٢٢٩) , (٢١٨٣١) , (٢٦٨١١) والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15559

متردد في الزواج من هذه الفتاة بسبب نقص دينها [السُّؤَالُ] ـ[أنا شاب، أبلغ من العمر ٢٧ عاماً، لدى رغبة جامحة في الزواج، مما دفعني للتفكير في الزواج بأي فتاة مهما كان شكلها، ومهما كانت ظروفها، ما دام متوفراً فيها شرط الدين، ولي ابنة عمة متدينة جدّاً، عرضتْ عليَّ ابنتها، عمرها ١٥ عاما، وهي غير ملتزمة بالدين على الوجه الذي يرضيني، لكنها تؤدى الصلاة في وقتها، لبستْ النقاب بعد خطبتي لها، وبناء على طلب مني، لكنها تشاهد التلفاز، وتضع نغمات لأغاني على الجوال الخاص بها، وفي يوم الرؤية الشرعية قالت لي إنها لا تحب الملتزمين، وبعد أن تحدثت إليها بدأت الفكرة عن الملتزمين تتغير عندها، وبعد ٤ شهور من الخطبة اتصلت بي وقالت لي إنها أخبرت أمها أنها لا تحبني وليست قادرة على أن تعرفني، وذلك بحكم أني عندما أذهب إليهم أجلس مع أهلها ولا أجلس معها، لأنها لا تزال أجنبية عني، وقالت لي هل تستطيع أن تعوضني عن الجامعة، حيث إن الزواج بعد ٣ سنوات، أي بعد نهاية المرحلة الثانوية، وقبل الجامعة؟ فقلت لها: لا أفهم ماذا تريدين، قالت: يعني أنا وأصحابي نريد أن نذهب للجامعة لنحب شباب، ونعيش فترة الجامعة، هكذا نحب شباب ويحبونا، ولا أفكر في الزواج قبل هذه المرحلة، المهم تعاملت مع الموقف على أنها لا تزال صغيرة ولا تعرف شيئاً، وتريد أن تقلد زميلاتها، وتقلد ما تراه في التلفاز ليلا نهارا من قصص العشق والغرام، وحاولت إقناعها أني أستطيع أن أعوضها عن الجامعة وما يدور برأسها، ولكني خائف جدّاً من كلامها هذا، وأنا أكتب لك بعد المكالمة التي كانت بيننا بساعتين فقط، وأنا في حيرة من أمري، فأبوها وأمها وكافة أهلها متمسكون بي جدّاً، وأنا كنت أشعر بميل تجاهها، ولكني الآن خائف أن تكون ليست الزوجة الصالحة التي عشت عمري أحلم بها، وفى نفس الوقت أقول: لا تظن بها السوء، فهي لا تزال صغيرة ولا تعي ما تقول. أرجو من فضيلتكم النصيحة ما أفعل لكي أحافظ على ديني؟ مع العلم أن ظروفي المادية سيئة، ولن يرضى بي أحد على وضعي هذا، فهم رضوا بي لأنهم أهلي ويعرفونني جيداً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: هناك خطأ كبير يقع فيه كثير من المقبلين على الزواج، والباحثين عن شركاء الحياة من الرجال والنساء، كثيرا ما أودى بمشاريعهم نحو الفشل، ليترك كلا الطرفين نُهبةً للهموم والأحزان، ويُحمِّلَ المجتمعَ وزرا جديدا تجره أعباء الطلاق وسلبياته. وسبب هذا الخطأ هو " الخيال "! ، حين يمني أحد الطرفين نفسه بأن شريكه سيتغير ويتبدل في مستقبل الأيام حتى تكتمل فيه صفات شريك الأحلام الذي كان يداعب شبابه، وأن كل نقص فيه سيعوضه كمالا يملأ وجدان شريكه ومشاعره بكل جديد وجميل. يحاول هؤلاء تجاوز الحاضر نحو المستقبل المجهول، هربا من الحقيقة، ورغبة في التخلص من مواجهة قريبة، ونسي هؤلاء أن الواجب على كل مقبل على الزواج – إذا أراد نجاحا وتوفيقا – أن يكون " واقعيا " في شرطه واختياره، " واقعيا " في قبوله أو رفضه، لا يبني على الأوهام، ولا يشطح في " الخيال "، بل يرى الحاضر بواقعية ثم يبني حكمه على أساسه، ليتحمل بعد ذلك المسؤولية المباشرة. فواقع هذه الفتاة ينادي عليها بعدم التدين، وعدم صلاحيتها لك، ووصية نبيك ﷺ لك هي أن تنكح ذات الدِّين، وهو اللائق بك أن تفعله دون غيره، وعذرك في قبول أهلها لك لا ينفعك؛ لأنك ستعيش مع الفتاة لا مع أهلها، ولن يكون منهم إلا تصبيرك عليها، ولو رأيت منها ما رأيت، ولو سمعت منها ما سمعت. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) . رواه البخاري (٤٨٠٢) ومسلم (١٤٦٦) . قال الحافظ ابن حجر – ﵀ والمعنى: أن اللائق بذي الدين والمروءة أن يكون الدِّين مطمحَ نظره في كل شيء لا سيما فيما تطول صحبته، فأمره النبي ﷺ بتحصيل صاحبة الدِّين الذي هو غاية البغية ... " فتح الباري " (٩ / ١٣٥) . وقال الصنعاني – ﵀: ودلَّ الحديث على أن مصاحبة أهل الدِّين في كل شيء هي الأولى؛ لأن مصاحبَهم يستفيد من أخلاقهم، وبركتهم، وطرائقهم، ولا سيما الزوجة، فهي أولى مَن يُعتبر دينُه؛ لأنها ضجيعته، وأم أولاده، وأمينته على ماله ومنزله وعلى نفسها. " سبل السلام " (١ / ١٤٦) . ثانياً: نوصيك بالاستعانة بخالقك تعالى على إعانتك على الزواج، ولا تظنن أن زواجك بتلك الفتاة لن يكلفك مبالغ طائلة؛ لأن الظاهر من حالها أنها ستُكثر من المطالب ولو أدى لفقرك! ولا تقلق إن تركتها لتتزوج غيرها؛ فإن الله تعالى قد تكفَّل بإعانة الناكح الذي يريد العفاف. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ) . رواه الترمذي (١٦٥٥) والنسائي (٣٢١٨) وابن ماجه (٢٥١٨) ، وحسَّنه الألباني في " صحيح الترمذي ". قال المباركفوري – ﵀: (والناكح الذي يريد العفاف) أي: العفة من الزنى، قال الطِّيبي: إنما آثر هذه الصيغة إيذاناً بأن هذه الأمور من الأمور الشاقة التي تفدح الإنسان، وتقصم ظهره، لولا أن الله تعالى يعينه عليها لا يقوم بها، وأصعبها: العفاف؛ لأنه قمع الشهوة الجبلية المركوزة فيه، وهي مقتضى البهيمية النازلة في أسفل السافلين، فإذا استعف وتداركه عون الله تعالى: ترقَّى إلى منزلة الملائكة، وأعلى عليين. " تحفة الأحوذي " (٥ / ٢٤٢) . والخلاصة: أن حال تلك الفتاة لا يصلح لأن تتزوجها، فإن عزمَتْ على التغير إلى الأفضل عزماً أكيداً، وسعت في ذلك فعلاً فتزوجها، وإن أبت إلا الاستمرار على حالها، أو لم تصدق في تغيرها: فدعها إلى غيرها، ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما يحب ويرضى. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15560

يعانون من تمرد الأبناء ورفضهم للدراسة النظامية [السُّؤَالُ] ـ[قمنا بإرسال بعض أطفالنا لما يسمى بدار العلوم بناء على رغبة زوجى، بالرغم من أن دار العلوم تبعد عن مدينتنا مسافة رحلة جوية تستغرق ٦ ساعات، وكان رأيي أن إرسالهم بعيدا سيؤدى إلى عدم قدرتنا على رؤيتهم كثيرا، وخاصة الفتيات، بالإضافة إلى كونها مكلفة للغاية، ونحن أسرة تنتمى للطبقة المتوسطة وقد قمنا بصرف جميع مواردنا المالية عليهم حتى وإن كان ذلك قد أدى إلى قيامنا بالإقتطاع من ميزانيتنا فى بعض الأوقات. وبعد ذلك بأربع أو خمس سنوات حدث أمر بالغ السوء لابنتنا من قبل القائمين على دار العلوم، وعندما اكتشفنا ذلك كادت أرواحنا تفارق أجسادنا لأننا حتى لم نستطع التفكير فى قيام من يدعون التقوى بهذه الأفعال، وكان علينا أن نسحب جميع أطفالنا من دار العلوم ونعيدهم إلى المنزل ورغبنا فى أن نرسلهم للتعليم النظامى. وقد عاد جميعهم للمدارس النظامية ويبلون هناك بلاء حسنا عدا أحدهم، وهو حافظ ورافض لأن يذهب إلى مدرسة نظامية، وقد أمضى الخمس سنوات الأخيرة بحجرته يلعب الألعاب على الكمبيوتر. كما أن جميعهم متمردون ويشعرون بالمرارة لدرجة عدم تمكننا من الحديث إليهم أو نصحهم فى أى أمر، حيث إنهم يؤذوننا كلاميا وجسديا ولومنا (والديهم) بأننا قمنا بتدمير حياتهم بإعادتهم إلى المنزل، وعدم تركهم يتمون التعليم الإسلامى. والآن وبعد انقضاء خمس سنوات علينا نحن والديهم فإننا نعانى من الإحباط والعجز والقلق والضغط العصبى، ونشعر بالندم كل ثانية فى حياتنا على إرسالهم إلى هذه الأماكن التى يديرها أشرار، لا يفكرون بأن أفعالهم الشريرة ستؤثر على الأسر وتدمرها. ونحن قلقان على مستقبلهم، فكيف سيعيشون ويصرفون على أنفسهم دون الحصول على تعليم مناسب. وقد حاولنا الحصول على مساعدة احترافية، لكنهم رفضوا التعاون كما أنهم غير مهتمين بأمر الزواج. هذا بالإضافة إلى أنهم لايكادون يساعدون فى تنظيف المنزل والواجبات المنزلية والجو بالمنزل متوتر للغاية دائما مما كان له أثر على أطفالنا الأصغر سنا. ونحن نطلب نصحكم وعونكم فى ضوء الإسلام، فما الذي علينا القيام به وما الذى أخطأنا فيه؟ وجزاكم الله خيرا لإستجابتكم لهذا الطلب.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ما قمتم به من إرسال بعض الأطفال إلى تلك الدار لتعلم العلوم الإسلامية، أمر يدل على حرصكم على تربية الأبناء وتعليمهم أمر دينهم، فنسأل الله تعالى لكم الأجر والثواب. وما جرى لابنتكم هناك من الأمر السيئ الذي أشرتم إليه، مما يؤسف له ويحزن لأجله، لأن هذه الدور ينتظر منها أن تكون مثالا للأمانة والرعاية والخلق الحسن، لكن هكذا يكون الحال حينما تكون الذئاب هي الرعاة!! وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ. مع أن بداية المشكلة كانت ـ فعلا ـ في إرسال الأبناء بعيدا عن أنظاركم ورعايتكم، أيا كان نوع الدراسة التي سوف يدرسونها، وأيا كان المسؤول عنها، خاصة إذا كان فيهم إناث، فهذا الذي لا يجوز بحال، لكن قدر الله وما شاء فعل، ولنأخذ من الماضي عبرة ودرسا، وإن كان قاسيا مرا، بالطعم الذي ذقتموه!! وأمام المشكلة التي ذكرت نشير عليك ببعض الأمور: أولا: التقرب من الأبناء، والجلوس معهم، ومصارحتهم، والتعرف على رغباتهم وميولهم، وطلب الاقتراحات المناسبة منهم، ليشعروا أنهم جزء من حل المشكلة، ويلزمهم اتخاذ القرار الذي ينبني عليه مستقبلهم. وهذا من أهم وسائل العلاج، فإن الحب إذا شاع في البيت أمكن أن يحل معه قدر كبير من المشاكل والأزمات، لا سيما وهم يشعرون بتقصيركم وخطئكم نحوهم، فابذلوا الوسع في تصحيح هذه الصورة، وإبداء الرغبة في تحقيق ما يريدون مما يمكن تحقيقه. ثانيا: محاولة دمجهم مع الجالية المسلمة في المكان الذي تعيشون فيه، وإيجاد الأصدقاء الصالحين لهم. ثالثا: الاستمرار في تعليمهم العلوم الإسلامية، عن طريق المراكز الإسلامية، أو الجامعات المفتوحة، أو جلب من يعلمهم ويوجههم. رابعا: إرسال الابن المتمرد إلى دار أخرى للتعليم، ليحقق رغبته، ويخفف من حدوث التوتر في البيت، والتأثير على بقية إخوانه. خامسا: البحث عن وسيلة للتعليم في غير المدارس النظامية التي يحبونها، كالدراسات عن بعد، بواسطة الإنترنت وغيره. سادسا: الدعاء المستمر لهم بالصلاح والتوفيق، فإن الله سبحانه يهدي من يشاء، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. وإذا تطلب الأمر أن تنتقل الأسرة بكاملها من مكان الإقامة، إلى حيث يتمكن الأبناء من مواصلة دراستهم، والخروج من الأزمة التي يعيشون فيها، والتي تربك الأسرة بكاملها، فلا تبخلوا على أنفسكم وأبنائكم بذلك، وعلى الرغم من صعوبة التضحية في مثل هذه الحال، وعلى الرغم ـ أيضا ـ من أنها كثيرا ما تكون مكلفة جدا، فإن أي تضحية أهون من التضحية بالأبناء ومستقبلهم، وإن أي تكلفة سوف تكون أخف مما تعانونه وتعيشون فيه. ونوصيكم باستشارة أهل الخير والصلاح ممن هو قريب منكم، ويعلم واقع أبنائكم وطبائعهم. نسأل الله لكم العون والتوفيق والسداد. نسأل الله أن ييسر لكم أمركم، وأن يصلح لنا ولكم ذرياتنا، وأن يجعلهم ذخرا لدينه. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15561

يجبرها زوجها على نقل كل ما تسمعه من أهلها والناس له ! [السُّؤَالُ] ـ[زوجي يجبرني على أن أخبره بكل ما تحدثتُ به مع أمي، وإخوتي، أو أي إنسان آخر؛ بحجة أن أمي – مثلاً - تقول كلاماً ممكن أن يؤدي إلى خراب البيت، وإذا لم أقل له تحصل مشكلات بيني وبينه، فهل أستجيب له؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ١. الواجب على هذا الزوج – إن صح ما تقوله زوجته عنه – أن يتقي ربه تعالى في طلبه ذلك من زوجته، وأن يعلم أنه آثم بفعله هذا، وأنه لا يحل لزوجته أن تطيعه في طلبه هذا. ٢. ونوصي هذا الزوج أن يشتغل بنفسه عن الناس، وينظر لعيوبه فيصلحها، ولتقصيره فيجد ويجتهد في بلوغ كمال نفسه الأمارة بالسوء، فهو خير له وأولى من الاشتغال بالناس ماذا قالوا، وماذا فعلوا، قال ابن القيم ﵀: " أخسر الناس صفقة: مَن اشتغل عن الله بنفسه، بل أخسر منه: مَن اشتغل عن نفسه بالناس ". "الفوائد" (ص ٥٨) . ٣. ولا ينبغي له إساءة الظن بالناس، واعتقاد الكمال في نفس، وليس كل ما يقوله الناس يهمه ويتعلق به، وإنما هي الشهوة في سماع قصص الناس وأحوالهم، والتفكه بأعراضهم. ٤. وكان المرجو من ذلك الزوج ألا يقبل من زوجته إن نقلت هي ما يقوله أهلها ويقوله الناس لها، حتى لو كان الكلام فيه، لأنها بذلك تكون نمَّامة، وقد قال بعض السلف: " يُفسد النمَّام والكذَّاب في ساعة ما لا يُفسد الساحر في سنَة "، فكيف له أن يقبل لنفسه أن يكون هو الموصي لها بذلك، بل الآمر، بل والمتوعد بالعقوبة إن لم تفعل!؟ . قال النووي – نقلا عن أبي حامد الغزالي رحمهما الله: " وكل من حُملت إليه نميمة، وقيل له: فلان يقول فيك، أو يفعل فيك كذا: فعليه ستة أمور: الأول: أن لا يصدِّق؛ لأن النمام فاسق. الثاني: أن ينهاه عن ذلك، وينصحه، ويقبح له فعله. الثالث: أن يبغضه في الله تعالى؛ فإنه بغيض عند الله تعالى، ويجب بغض مَن أبغضه الله تعالى. الرابع: أن لا يظن بأخيه الغائب السوء. الخامس: أن لا يحمله ما حكي له على التجسس، والبحث عن ذلك. السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه، فلا يحكي نميمته عنه، فيقول: فلان حكى كذا، فيصير به نمَّاماً، ويكون آتياً ما نهى عنه " انتهى. " الأذكار " (٢٧٥) . ٥. ما يريده الزوج من زوجته هو من " النميمة "، وهي من كبائر الذنوب، ومما لا شك فيه أن هذا النقل سيسبب مفسدة وقطيعة وبغضاً وعداوة، ولا شك أن أهل الزوجة يكرهون نقل كلامهم، وليعلم أن النميمة ليست فقط نقل الكلام من أجل الإفساد، بل قد تكون للاستمتاع. قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: " مما ينبغي اجتنابه، والابتعاد عنه، والتحذير منه: " النميمة "، التي هي نقل الكلام من شخص إلى آخر، أو من جماعة إلى جماعة، أو من قبيلة إلى قبيلة، لقصد الإفساد، والوقيعة بينهم، وهي كشف ما يُكره كشفه، سواء أكره المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو كره ثالث، وسواء أكان ذلك الكشف بالقول، أو الكتابة، أو الرمز، أو بالإيماء , وسواء أكان المنقول من الأقوال، أو الأعمال , وسواء كان ذلك عيباً، أو نقصا في المنقول عنه، أو لم يكن، فيجب أن يسكت الإنسان عن كل ما يراه من أحوال الناس، إلا ما في حكايته منفعة لمسلم أو دفع لشر. والباعث على النميمة: إما إرادة السوء للمحكي عنه، أو إظهار الحب للمحكي عليه، أو الاستمتاع بالحديث والخوض في الفضول والباطل، وكل هذا حرام. ... وأدلة تحريم النميمة كثيرة من الكتاب والسنة، منها: قوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) القلم/ ١٠، ١١، وقوله تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) الهمزة/ ١، وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة نمَّام) متفق عليه، وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ألا أنبئكم ما العَضْهُ؟ هي النميمة، القالة بين الناس) رواه مسلم. والنميمة من الأسباب التي توجب عذاب القبر؛ لما روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مرَّ بقبرين فقال: (إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير) ، ثم قال: (بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة) متفق عليه. وإنما حرمت الغيبة والنميمة لما فيهما من السعي بالإفساد بين الناس، وإيجاد الشقاق، والفوضى، وإيقاد نار العداوة، والغل، والحسد، والنفاق، وإزالة كل مودة، وإماتة كل محبة، بالتفريق، والخصام، والتنافر بين الإخوة المتصافين، ولما فيهما أيضا من الكذب، والغدر، والخيانة، والخديعة، وكيْل التهم جزافاً للأبرياء، وإرخاء العنان للسب والشتائم وذكر القبائح، ولأنهما من عناوين الجبن والدناءة والضعف، هذا إضافة إلى أن أصحابهما يتحملون ذنوباً كثيرة، تجر إلى غضب الله وسخطه وأليم عقابه ". " فتاوى الشيخ ابن باز " (٣ / ٢٣٧ – ٢٣٩) باختصار. و" العَضَّة " قيل: هو السحر بلسان قريش. وقيل: هو الكذب والبهتان. وسئل الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله: زوجي ينقل كلامي لأهله، ثم يأتي إليَّ بكلامهم، فيترتب على ذلك مشاكل كثيرة، ولقد طلبت منه كثيراً ترك ذلك لكنه لم متثل، فكيف أصنع؟ . فأجاب: " هذا الفعل يسمَّى نميمة، وهي نقل الكلام على وجه التحريش والإفساد ... وأما الوعيد: فقد قال تعالى (همَّاز مشَّاء بنميم) القلم/ ١١، هذا في وصف بعض أهل النار، وقال تعالى: (ويل لكل همزة لمزة) الهمزة/ ١، وهو النمَّام، وقال النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة نمَّام) ، وفي الأثر: " إن النمام يفسد في الساعة ما لا يفسد الساحر في السنة "، وأخبر النبي ﷺ (أن النمام يعذب في قبره) ، ولا شك أن التحريم يكون أشد إذا كان بين الرجل وزوجته وأقاربه، فعليه الخوف من الله تعالى والمراقبة له، والبعد عن الأسباب التي توقعه في العذاب العاجل والآجل، وعليه أن يجتنب الكذب، والغيبة، والنميمة، والبهتان، والتحريش بين الناس، وأن يعدل إلى الصدق، وصيانة الأعراض، والخوف من الله، ومراقبته، فهو شديد العقاب " انتهى. " الحلول الشرعية للخلافات والمشكلات الزوجية والأسرية " للشيخ عبد الله بن جبرين (فتوى رقم ٤٢) . فعلى الزوج أن يتراجع عن طلبه هذا من زوجته، فإن أصرَّ فلا يحل للزوجة الاستجابة لطلبه، ففي الموافقة على نقل الكلام استمرار للمعصية والسماع لها، وفي الامتناع كف عنها وقطع لوجودها. وإذا خشيت الزوجة من حصول مشكلات بينها وبين زوجها، فلا حرج عليها إن أصرّ زوجها على أن تنقل له كلام أهلها، أن تقول له: إنهم يثنون عليك ويذكرونك بخير، ونحو ذلك من الكلمات التي تنشر المحبة والألفة وتطفئ نار الفتنة والخلافات بين زوجها وأهلها. ونسأل الله تعالى أن يُصلح لك زوجك ويجمع بينكما في خير. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15562

خرجت من بيت زوجها وطلب منها عشيقها التزوج منه وهي على ذمة الأول !! [السُّؤَالُ] ـ[أنا فتاة عمري ٢٦ سنة، تطلقت منذ فترة أسبوع، بعد أن تركت منزل الزوجية منذ سنة، وأنا عند أهلي مع طفلي، وعمره سنتان الآن، وفي بداية زواجي الذي كان عن حب سكنت معه في منزل والدته، وبدأتْ والدته بالتدخل في كل شيء، وطلب مني العمل لأساعده على أعباء الحياة وتسديد القرض الذي أخذه لزواجنا، وبالفعل وجدت وظيفة، وعملت، وساعدته، وكان شَرطي الوحيد أن نسكن وحدنا بعيداً عن تدخل والدته المستمر، ووعدني بذلك، وكانت والدته هي من يتحكم بكل شيء في البيت، وزوجي كان لا يستطيع أن يعترض وإلا فإنها ستطلب منه الخروج من المنزل، وهي تعمل كذلك، أما بالنسبة لزوجي فقد جربته وعشت معه سنتين وجدته خلالها شخصاً آخر غير الذي عرفته في البداية، كان مجرد قناع، أصبح يأخذ راتبي كله ويعطيني مصروفاً يوميّاً، وكذلك كلما احتاج للنقود أو ترك عمله يطلب مني أن أبيع من ذهبي، وبالفعل قمت بذلك، وهو قام بذلك في بعض الأحيان، وكان يطلب مني أن أستدين من أهلي، وكنت أفعل، وبالمقابل هو لم يكن يعطيني شيئاً، وكنت محرومة من كل شيء، وكانت جملته لي دوماً (أنتي تعرفين وضعنا، وتحملي) وكان يخفي محفظته في السيارة، ويقول بأنه لا يحق لي أن أعرف ما معه، أو ليس معه، وأصبحت المشاكل بيننا تزداد، وكذلك استمررت بطلبي منه بأن يكون لي بيت مستقل لأني لست معتادة أن أكون في بيت الداخل داخل والخارج خارج منه، حيث له أخت مطلقة، تعمل، وتبيت في مكان عملها في فندق خارج (منطقتنا) وتأتي للزيارة، وخلال زيارتها تخرج للسهر كل ليلة وتعود بعد منتصف الليل، وكان هذا الوضع لا يرضيني ولا يعجبني، وكنت أقول لزوجي المحترم: ماذا سيقول الجيران عن سكان هذا المنزل الذي نحن فيه؟ هذا عيب، وكان يجيب: أنا سأتحدث معهم، أنا لا يعجبني هذا، وبقي يصبِّرني بكلامه، وفي النهاية قال لي: هذه عاداتنا وطباعنا (كونهم من قومية غير عربية) وأنا لا أستطيع أترك أمي وأختي وحدهما وأسكن بعيداً عنهما، وبقيت مترددة في إخبار أهلي لأنهم جميعاً عارضوا زواجي منه في البداية ولكن أصررت لأني رأيت فيه طيبة الخلق والقلب، وكم كنت عمياء، وفي النهاية أخبرت أهلي بناء على آخر كلام سمعته وهو يتحدث لوالدته يشكي لها مني وهي تخبره بأن يضربني، وأن يأخذ الولد مني، وهذا كان آخر ما حصل، وتركته، وذهبت لمنزل أهلي، وحضر بعد أسبوعين ليعرف لماذا تركت المنزل، ولم أخبره بأني سمعت شيئاً، وكان ما طلبته منزلاً شرعيّاً وحدي وليس مع أهله، ووافق، وبعد أن رأينا المنزل وذهب هو لرؤية المنزل غيَّر رأيه، وبقي الموضوع سنتين خلالها اتهمني بأني على علاقة بأحد ما، وبأنه يلعب بعقلي عندما شاهد معرفة لوالدي يوصلني من مكان عملي، وجدته يومها صدفة في مكان عملي، ووجدت زوجي ينتظرني أسفل مكان عملي، وخوفا من أن يؤذيني طلبت منه أن يوصلني، وبعدها أرسل أناساً للتشهير بي، وإما أن أعود لمنزل والدته، أو أطلَّق، وأن أتنازل عن حقوقي، فرفضت طبعا، وعندها أصررت على الطلاق منه، لم أعد أريد منزلاً، ورفع عليَّ قضية الطاعة مرتين، وفي النهاية رفعت أنا قضية الطلاق، ولكن خلال آخر خمسة أشهر كنت قد تحدثت بالصدفة إلى نفس الشخص الذي أوصلني الذي يعرفه والدي، وهو يكبرني بحوالي ١٤ سنة، وكنت قد أخبرته بما حصل معي، ووقف إلى جانبي، وأفهمني أموراً عن الحياة والناس، وأن هناك أموراً لا يجب السكوت عنها، وأن هذا الشخص اقتراني به من الأساس كان خاطئاً وبأني لم أسمع نصيحة ورأي الجميع، وأني أنا المخطئة، وفيما بعد بدأت أشعر بانجذاب نحوه، وأنا بداخلي أعرف أن هذا خطأ، وهذا الشعور يؤنبني دوماً، خاصة وأني أصبحت أحبه، وأعرف أنه يحبني أيضا، وهذا أمر لم يكن مخططا له، والتقينا عدة مرات، وتقابلنا، وجلسنا، وتحدثنا كثيراً، حتى إنه طلب مني أن يتزوجني قبل أن أتطلق، وأنا أود ذلك لكن أخاف مما قد يحصل فيما بعد من معارضة، خاصة في الظروف التي نشأتْ فيها هذه العلاقة، وأنا خوفي من الله أن أكون قد أخطأت كوني أحببتُ شخصاً آخر، وأنا على ذمة رجل آخر، مع العلم أني تركت زوجي منذ سنة و ٣ شهور، وأنا تطلقت منذ أسبوعين تقريباً. أرشدوني فيما فعلتُ، هل أنا على خطأ؟ وهل ما فعلت هو حرام؟ فأنا في خلاف دائم مع نفسي، وفي حيرة شديدة؛ لأني لا أريد أن أغضب الله، وأن لا أكون قد فعلت معصية.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لقد وقعتِ في جملة من المخالفات الشرعية الواضحة البيِّنة، ولذا فقد عجبنا من نهاية رسالتك والتي تقولين فيها " لأني لا أريد أن أغضب الله، وأن لا أكون قد فعلت معصية "!! وعلى كل حال: فإن هذا من شؤم المعصية، ومن آثارها، وهو حجب العقل، وحجب نوره الذي يقود صاحبه للطريق الصحيح المستقيم. قال ابن القيم – ﵀ – في بيان آثار المعاصي -: ومنها: أن المعاصي تُفسد العقل، فإن للعقل نوراً، والمعصية تطفئ نور العقل، ولا بد، وإذا طُفئ نوره: ضعف، ونقص، وقال بعض السلف: " ما عصى اللهَ أحدٌ حتى يغيب عقلُه "، وهذا ظاهر، فإنه لو حضر عقله: لحجزه عن المعصية، وهو في قبضة الرب تعالى، أو يجهر به، وه مطلع عليه، وفي داره، على بساطه، وملائكته شهود عليه، ناظرون إليه، وواعظ القرآن نهاه، ولفظ الإيمان ينهاه، وواعظ الموت ينهاه، وواعظ النار ينهاه، والذي يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة: أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها، فهل يُقدم على الاستهانة بذلك كله والاستخفاف به ذو عقل سليم؟! . ومنها: أن الذنوب إذا تكاثرت: طُبع على قلب صاحبها فكان من الغافلين، كما قال بعض السلف في قوله تعالى (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) المطففين/ ١٤، قال: " هو الذنب بعد الذنب "، وقال الحسن: " هو الذنب على الذنب، حتى يعمي القلب "، وقال غيره: " لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم: أحاطت بقلوبهم ". وأصل هذا: أن القلب يصدأ من المعصية، فإذا زادت: غلب الصدأ حتى يصير راناً، ثم يغلب حتى يصير طَبعاً، وقفلا، وختماً، فيصير القلب في غشاوة وغلاف، فإذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة: انتكس، فصار أعلاه أسفله، فحينئذ يتولاه عدوه ويسوقه حيث أراد. " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي " (ص ٣٩) . ونأسف أن نقول لكِ: إن المعاصي التي فعلتيها كل واحدة منها جرَّت أختها، فأثَّرت على العقل والقلب فأطفأت نورهما. ثانياً: وهذه المخالفات التي حصلت منكِ هي: ١. العلاقة المحرَّمة التي أنشأتيها مع زوجك الأول قبل زواجك به، وهو واضح من خلال قولك إنه كان زواجاً عن حبٍّ! ومن خلال وقوفك في وجه أهلك الرافضين لتزوجه بكِ، وها أنتِ تعيدين الأمر مع آخر وأنت على ذمة زوج! . وقد بيَّنا حكم المراسلة بين الجنسين في أجوبة الأسئلة: (٣٤٨٤١) و (٢٦٨٩٠) و (٢٣٣٤٩) . وانظري – في العلاقات المحرَّمة -: أجوبة الأسئلة (١١١٤) و (٩٤٦٥) و (٢١٩٣٣) و (١٠٥٣٢) . ٢. الظاهر أن وظيفتك فيها اختلاط مع الرجال الأجانب، فإن كان ظنُّنا في مكانه: فهي معصية، وإن كانت غير مختلطة – أو ليست في مجال محرَّم كالبنوك وشركات التأمين -: فليس عليك شيء. قال ابن القيم – ﵀: ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال: أصلُ كل بليَّة وشرٍّ، وهو مِن أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء: سببٌ لكثرة الفواحش، والزنا، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة. " الطرق الحُكمية " (ص ٤٠٧) . وانظري جواب السؤال رقم (١٢٠٠) . وللوقوف على حكم عمل المرأة، وشروط جوازه: انظر جواب السؤال رقم (٢٢٣٩٧) . وفي جواب السؤال رقم (٦٦٦٦) وصايا مهمة فيما يتعلق بعمل المرأة المختلط. ٣. خروجك من بيت الزوجية دون إذن من الزوج، وكان هذا الخروج مبنيّاً على كلام سمعتيه من أمه، ومن شكوى منه بثها لها، وهذا لا يجعلك في حلٍّ من خروجك من بيت الزوجية دون إذن زوجك، وأنتِ لك الحق في بيت خاص مستقل مع زوجك، لكن يظهر أنك تنازلتِ عن هذا في أول زواجكِ ورضيتِ بالسكن معه في بيت والدته، فكان الأولى التفاهم معه على الوفاء بشرطه عندما رضيتِ بمساعدته في أعباء الحياة وفي سداد قرضه، وإلزامه بذلك عن طريق القضاء الشرعي، أو الحكَّام بينكما من أهل الخير والعلم، وأما تصرفك هذا وخروجك دون استئذان منه: فهو غير جائز، وقد منع الله تعالى المطلقات الرجعيات من أن يخرجن من بيوتهن بعد الطلاق، فكيف المتزوجات؟! قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً) الطلاق/ ١. ٤. وأشنع هذه المخالفات الشرعية وأقبحها: هو علاقتك الآثمة بذلك المجرم الآثم؛ الذي أظهر نفسه على أنه المخلِّص لك من مشكلات الدنيا، ولبس لباس الناصح الحكيم، فظهر في صورة الحمَل الوديع، وفي داخله طبعُ الذئاب الكاسرة، والثعالب الماكرة!! فكيف رضي هذا المجرم بأن يلتقي بكِ ويحادثك، ويجالسك ويتبسط معكِ، بل إنه وبكل وقاحة وخساسة يطلب منك الزواج وأنت على ذمة زوج آخر! والعجيب أنك ذكرتِ عن نفسك أن زوجك الأول قد كان يلبس قناع الطيبة، وأنك كنت عمياء عندما قبلتِ به زوجاً، فهل تظنين نفسك الآن مبصرة؟! لا والله لستِ كذلك، وإنَّ عماكِ مع زوجك الأول أهون من عماكِ الآن، فأنتِ لم تكوني متزوجة حين كنت على علاقة معه، أما الآن فإنك وأنت متزوجة كنتِ على علاقة محرمة بذلك المجرم، والذي لم يكتفِ بالإيقاع بينك وبين زوجك، وتقسية قلبك عليه، وتبغيضك في الرجوع لبيت الزوجية، حتى أضاف إلى ذلك كله طلب الزواج منكِ وأنت على ذمة زوج آخر. فما فعلتيه حرام، بلا أدنى شك، وهو قبيح شنيع حتى عند غير أهل الإسلام، ولا يرضى زوج أن تكون زوجته على مثل حالك، ولا يمكن لعاقل – فضلا عن مسلم عالم بأحكام الشرع – أن يوافقك على التزوج من هذا المجرم الذي أبان عن سوء خلقه قبل الزواج! وهذا يوفر عليك سلوك تجربة أخرى مريرة معه! وهل تظنين أنه سينسى لك خيانة زوجك معه؟ وهل تظنين أنه سيثق بك أن لا تعيدي الكرة معه؟! لا تترددي في قطع العلاقة معه، فهي علاقة محرمة من جهة، ومن جهة أخرى فهو لا يصلح أن يكون زوجاً مأموناً وقد صدرت منه تلك الأفعال القبيحة المحرَّمة. ولمعرفة مواصفات الزوج الصالح فلينظر جوابي السؤالين: (٥٢٠٢) و (٦٩٤٢) . ثالثاً: نرجو أن يكون ندمك، ومحاسبتك لنفسك دليلَ خيرٍ على رجوع للحق، وعلى حياة نفسكِ اللوامة التي تلومك على القبيح، وتلومك على التقصير في الطاعات. وإياك واتباع خطوات الشيطان، فإنه يورد المهالك، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا) النور/ ٢١. ولا تفرطي بفرصة الندم والتوبة، قبل أن يأتي يوم لا ينفع الإنسان درهم ولا دينار، ولا حميم، ولا شفيع، وقبل أن يعض أصبع الندم، قال سبحانه: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا. يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا. لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا) الفرقان/ ٢٧ – ٢٩. ولتطهير نفسك من الذنوب، وللحافظ على دينك وإيمانك وعفافك، احرصي على: ١. الصلاة في وقتها بخشوع وخضوع. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ قَالُوا لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا قَالَ فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا) . رواه البخاري (٥٠٥) ومسلم (٦٦٧) . ٢. الرفقة الصالحة من النساء المستقيمات على طاعة الله. عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً) . رواه البخاري (١٩٩٥) ومسلم (٢٦٢٨) . قال الأمام النووي – ﵀ وفيه: فضيلة مجالسة الصالحين، وأهل الخير، والمروءة، ومكارم الأخلاق، والورع، والعلم، والأدب، والنهي عن مجالسة أهل الشر، وأهل البدع، ومن يغتاب الناس، أو يَكثر فجوره وبطالته، ونحو ذلك من الأنواع المذمومة. " شرح مسلم (١٦ / ١٧٨) . ٣. عدم الاستماع للغناء والمعازف واللهو المحرم. قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ. وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) لقمان/ ٦،٧. قال ابن القيم – ﵀: فأهل الغناء ومستمعوه لهم نصيب من الذم بحسب اشتغالهم بالغناء عن القرآن وإن لم ينالوا جميعه ... يوضحه: أنك لا تجد أحداً عني بالغناء وسماع آلاته إلا وفيه ضلال عن طريق الهدى علماً وعملاً، وفيه رغبة عن استماع القرآن إلى استماع الغناء بحيث إذا عرض له سماع الغناء وسماع القرآن عدل عن هذا إلى ذاك، وثقل عليه سماع القرآن، وربما حمله الحال على أن يُسكت القارئ، ويستطيل قراءته، ويستزيد المغني، ويستقصر نوبته. " إغاثة اللهفان " (١ / ٢٤٠، ٢٤١) . وأخيراً: قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله –: يجب على المسلم أن يتوب من الذنوب، ويبادر بذلك امتثالاً لأمر الله سبحانه، ومن أجل إنقاذ نفسه من عذاب الله وغضبه، ولا يجوز له أن يستمر على المعصية، أو يؤخر التوبة بسبب طاعة النفس والشيطان، ولا ينظر إلى لوم الناس، بل يجب عليه أن يخشى الله ولا يخشى الناس، ولو كانوا يفعلون المعاصي، فلا يجوز له أن يقتدي بهم، ويجب عليه أن يلزم أهله بالتوبة؛ لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) التحريم/ ٦، ولا يداريهم فيما يسخط الله . " المنتقى من فتاوى الفوزان " (٢ / ص ٢٩٣) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15563

يعاني من الشذوذ ويخشى أن يتزوج [السُّؤَالُ] ـ[أنا شاب تقدمت لخطبة فتاة وقبل بي أهلها وقبلت هي بي وبقي حوالي ٣ أشهر على الزفاف ولكن الآن أنا في حيرة من أمري ومشكلتي هي في أني شاذ جنسيا وميولي الجنسي إلى الرجال أكثر من النساء ولحد الآن لا أحد يعلم بهذا الأمر. فهل علي كتمان هذا السر للأبد أم ينبغي علي أن أخبر الفتاة بهذا الأمر لأن ضميري يؤنبني وأحس بأن هذا خداع وخيانة في حقها وهي فتاة طيبة وتستحق من هو أفضل مني بكثير. وحتى لو تم الزفاف سيأتي يوم لا محالة وتكتشف فيه الأمر الذي أخفيته عنها وربما يحدث ما لا تحمد عقباه وخاصة إذا كان هناك أولاد وأنا لا أريد أن أظلم أحدا؟ ترون نحن الشاذين جنسيا خياراتنا محدودة في عالمنا الإسلامي ومنبوذون في كل مكان ولا نستطيع أن نتزوج كبقية الناس العاديين فما عسانا أن نفعل وهل هو خطؤنا إذا كنا كذلك؟ وما هي الحكمة في أن يخلق الإنسان هكذا؟ فما العمل يا من يهمكم أمرنا ومعاناتنا ... ؟؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: الشذوذ الجنسي مرض عظيم، وبلاء كبير، وإذا صاحبه الفاحشة الكبرى كان أعظم وأعظم، لما في هذه الفاحشة من الإثم والوزر والقبح، وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة. ولهذا كان ينبغي أن يكون انشغالك بكيفية العلاج من هذا الشذوذ، والنجاة من هذا الشر الماحق، أعظم من انشغالك بمسألة كتمانه أو إفشائه لمخطوبتك. واعلم أن هذا البلاء له أسباب، وهذه الأسباب من كسبِ المبتلى نفسه، فمن أراد النجاة مما هو فيه: فليقف على هذه الأسباب، وليتخلَّص منها، وليفعل ما نوصيه به، وإلا فهو راضٍ عن حاله، ولا يريد تحولاً إلى ما هو خير، ومن هذه الأسباب التي هي من فعله: ١. ضعف الإيمان، وبُعد القلب عن حب الله تعالى، وقلة الخوف من عقابه. ٢. إطلاق النظر للمردان، والتمتع بجمالهم وهيئتهم. وهذا هو أول طريق المعصية التي يسلكها المبتلى بهذا الداء، وقد أمره ربه تعالى بغض بصره عن المحرمات، وكذا أمره نبيه ﷺ ، فلما ترك الأمر ووقع في النهي: أدخل إبليس سهمه المسموم في قلبه، فقضى عليه. قال ابن القيم ﵀:" والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان؛ فإن النظرة تولِّد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولِّد الفكرة شهوة، ثم تولِّد الشهوة إرادة، ثم تَقوى فتصبر عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد، ما لم يمنع منه مانع، وفي هذا قيل: " الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده " انتهى من "الجواب الكافي" (ص ١٠٦) . ومن هنا فإن كلمة العلماء قد اتفقت على حرمة النظر إلى الأمرد، بل إن بعضهم جعله أكثر حرمة من النظر للنساء. قال الإمام النووي ﵀: " وكذلك يحرم على الرجل النظر إلى وجه الأمرد إذا كان حسن الصورة، سواء كان بشهوةٍ أم لا، سواء أمن الفتنة أم خافها، هذا هو المذهب الصحيح المختار عند العلماء المحققين، نص عليه الشافعي، وحذاق أصحابه - رحمهم الله تعالى -، ودليله: أنه في معنى المرأة، فإنه يُشتهى كما تشتهى، وصورته في الجمال كصورة المرأة، بل ربما كان كثيرٌ منهم أحسن صورةً من كثيرٍ من النساء، بل هم في التحريم أولى لمعنى آخر: وهو أنه يتمكن في حقهم من طرق الشر ما لا يتمكن مثله في حق المرأة " انتهى من "شرح مسلم " (٤ / ٣١) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " والنظر إلى وجه الأمرد لشهوة كالنظر إلى وجه ذوات المحارم، والمرأة الأجنبية بالشهوة، سواء كانت الشهوة شهوة الوطء، أو شهوة التلذذ بالنظر، فلو نظر إلى أمِّه، وأخته، وابنته يتلذذ بالنظر إليها كما يتلذذ بالنظر إلى وجه المرأة الأجنبية: كان معلوماً لكل أحدٍ أن هذا حرام، فكذلك النظر إلى وجه الأمرد باتفاق الأئمة " انتهى من "مجموع الفتاوى " (١٥ / ٤١٣) و (٢١ / ٢٤٥) . وقال أيضاً: " ومن كرَّر النظر إلى الأمرد ونحوه، أو أدامه، وقال: إني لا أنظر لشهوة: كذب في ذلك، فإنه إذا لم يكن معه داع يحتاج معه إلى النظر: لم يكن النظر إلا لما يحصل في القلب من اللذة بذلك، وأما نظرة الفجأة فهي عفو إذا صرف بصره " انتهى من "مجموع الفتاوى" (١٥ / ٤١٩) و (٢١ / ٢٥١) . ومن النظر الذي ابتلي به هؤلاء المرضى: ما يشاهدونه في القنوات الفضائية، والصحف والمجلات، ومواقع الإنترنت من صور الأطفال والشباب المردان، وهو ما يهيجهم على الفاحشة. ٣. التقصير في الواجبات والنوافل. ولو أن هذا المبتلى أدى الصلوات في أوقاتها، وبشروطها وواجباتها: لكانت ناهية له ورادعة عن الوقوع في الفحشاء والمنكر، قال تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) العنكبوت/من الآية٤٥، فكيف إذا حافظ على الرواتب والنوافل؟! . ٤. هجر القرآن، وهجر قراءة كتب سير الصالحين وتراجم الأئمة. وكتاب الله تعالى فيه الهدى والنور والشفاء، فهو خير وقاية للمسلم من الوقوع في الآثام والمعاصي، وهو خير علاج لمن وقع فيها. وإذا قرأ في كتب الأئمة وتراجم العلماء: اتخذهم قدوة له، وأنس بصحبتهم، وترفع عن الرذائل والقبائح. ٥. التقصير في طلب العلم. فالعلم نور، وبه يعرف الحلال فيفعله، والحرام فيجتنبه، وبه يتعرف على ربه تعالى، على أسمائه وصفاته وأفعاله، فيولِّد ذلك في قلبه حياء من ربه، وحياء من ملائكته أن يقع في فاحشة قبيحة، وبه يتعرف على أحوال العصاة وما أعده الله لهم من العقوبة. ٦. كثرة الفراغ في حياة هؤلاء المبتلين. ولو أنهم شغلوا أوقاتهم بالطاعة، والرياضة، والأعمال المباحة، وطلب العلم: لما وجدوا أوقاتاً يصرفونها في التفكير في المحرمات فضلا عن فعلها. ٧. اتخاذ أصدقاء السوء، وجلساء الشر. ٨. ترك الزواج. وقد خلق الله تعالى في الرجال شهوة طبيعية، وجعلها تصريفها في النساء، والطريق المباح لذلك هو الزواج أو مِلك اليمين، ومن انتكست فطرته فإنها يصرفها في أمثاله من الذكور، وها هي البهائم التي خلقها الله تعالى أمامنا فهل رأينا ذكراً يعلو ذكراً، أو ينظر إليه نظر شهوة؟! فانظر لهذا وقارنه بحال من ينظر للمردان من جنسه بشهوة، ومن يفعل معهم الفاحشة، بل إن ذلك يجعله يعزف عن تزوج النساء! وانظر جواب السؤال رقم (٢٠٠٦٨) ففيه بيان المخرج والعلاج من هذا الداء. وقال ابن القيم ﵀ في بيان علاج العشق والتعلق المحرم: " ودواء هذا الداء القتَّّال: أن يعرف أن ما اُبتُليَ به من هذا الداء المضاد للتوحيد إنما هو مِن جهله وغفلة قلبه عن الله، فَعَلَيْهِ أن يعرف توحيد ربِّه وسُننه وآياته أولاً، ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بما يشغل قلبه عن دوام الفكرة فيه، ويُكثر اللجأ والتضرع إلى الله سبحانه في صرف ذلك عنه، وأن يرجع بقلبه إليه وليس له دواء أنفع من الإخلاص لله، وهو الدواء الذي ذكره الله في كتابه حيث قال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ، فأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء من العشق والفحشاء من الفعل بإخلاصه؛ فإن القلب إذا خلص وأخلص عمله لله: لم يتمكن منه عشقُ الصور؛ فإنه إنما تمكن من قلب فارغ، كما قيل: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا" انتهى من " الجواب الكافي " (ص ١٥٠، ١٥١) . ثانيا: من أكبر الخطأ أن تظن أن هذا المرض ليس له علاج، وأن الشاذ لا يمكن أن يعود مستقيما، ولو كان الأمر كذلك لما أمر الله تعالى قوم لوط بالتوبة، ولما دعاهم نبي الله لوط ﵇ إلى ترك الشذوذ، والله سبحانه هو خالق الإنسان، وهو يعلم ما يمكن أن يتغير فيه أو لا يتغير، فلا تلتفت لكل دعوى تخالف ذلك. وكم من شاذ أقبل على ربه وتاب وأناب، فتغير حاله، وذهب عنه ما كان يجد من الشهوة المحرمة. وقد دعا لوط ﵇ قومه للزواج، لأنه علاج نافع، يتمكن منه المبتلى من تصريف شهوته على الوجه المباح. ثالثا: وقد تبين مما سبق أن ما يقع فيه الشاذ من تعلق بصور المردان، أو من الفاحشة المنكرة، هو من فعله وبكسبه، وأنه مطالب بترك ذلك، وأنه يمكنه الخلاص من ذلك. ولو فرض أنه شعر بالميل نحو الرجال، فإن عليه أن يقاوم ذلك، وأن يتجنب أسباب الوقوع في الحرام، كما أن الرجل السوي يميل بطبعه للنساء، لكنه مطالب بغض البصر، وعدم الخلوة، وترك جميع أسباب الفتنة. رابعا: أما قولك: " فما عسانا أن نفعل؟ "؛ فقد بينا لك ما عساك أن تفعل، وما يجب عليك من تقوى الله تعالى، وإجلال مقامه أن يراك في مقام السوء والقذر الذي يكرهه منك، ويعاقب أهل عليه العقاب الأليم. لكن الذي أفزعنا فعلا هو قولك بعد ذلك: " وهل هو خطؤنا إذا كنا كذلك؟ وما هي الحكمة في أن يخلق الإنسان هكذا؟ " نعم يا عبد الله، اللوم والعتاب، والوعيد والعذاب إنما يقع على فاعل الذنب، وهو يستحقه بما قدم لنفسه من سوء، وبما اقترفت يداه: قال الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) . وقال تعالى أيضا: (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) . قال الشيخ السعدي ﵀: ".. فأخبر هنا أن ﴿الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ بالحجج الباطلة، والشبه المتناقضة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أي: من بعد ما استجاب لله أولو الألباب والعقول، لما بين لهم من الآيات القاطعة، والبراهين الساطعة، فهؤلاء المجادلون للحق من بعد ما تبين ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ أي: باطلة مدفوعة ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ لأنها مشتملة على رد الحق وكل ما خالف الحق، فهو باطل. ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ لعصيانهم وإعراضهم عن حجج الله وبيناته وتكذيبها. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ هو أثر غضب الله عليهم، فهذه عقوبة كل مجادل للحق بالباطل " انتهى. وقال الله تعالى عن أعدائه المكذبين: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) . قال الشيخ السعدي ﵀: " يقول تعالى مبينا لقبح حال المشركين الذين يفعلون الذنوب، وينسبون أن الله أمرهم بها: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ وهي: كل ما يستفحش ويستقبح، ومن ذلك طوافهم بالبيت عراة ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ وصدقوا في هذا. ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ وكذبوا في هذا، ولهذا رد الله عليهم هذه النسبة فقال: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: لا يليق بكماله وحكمته أن يأمر عباده بتعاطي الفواحش لا هذا الذي يفعله المشركون ولا غيره ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ وأي افتراء أعظم من هذا؟ " انتهى. عبد الله؛ إن هذا الذي قلته هو فرع مقالة أعداء الله المشركين به، والمكذبين لرسله؛ يقعون في المعاصي، ثم يحتجون عليها بالقدر: أن الله خلقهم على ذلك، أو أمرهم به، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وهكذا فليقل الزاني: ما ذنبي، والله خلقني كذلك، والسارق، والقاتل، و....، ونهاية هذه الحجة الباطلة أن تبطل كل الشرائع، ويبطل الأمر والنهي، ويبقى الناس سدى، يتهارجون تهارج الحمر، حتى ليوشك أحدهم أن يواقع الفاحشة في طريق الناس، كما يكون في آخر الزمان، بل كما وقع في بعض بلاد الكفر والعصيان!! أعلمت أنك الذي فتحت على نفسك الباب، وأن الحجة لله عليك، وليس لك على الله تعالى حجة!! فاشتغل الآن يا عبد الله بإغلاق باب الشر والفساد عنك، قبل ألا تستطيع أن تغلقه؛ بدلا من أن تشغل نفسك بمن صنع الباب، كيف لم يجعله مغلقا دائما؛ فيبدو أنك لم تعرف الفرق بين الباب والحائط!! فإذا أردته حائطا كله، لا باب فيه، ولا مشكاة؛ فما قيمة التكليف، وما قيمة الأمر والنهي والحلال والحرام، والثواب والعقاب، والجنة والنار؟!! وخلاصة ما ننصحك به أن تبادر الزواج، لتضع نطفتك في الطهر الحلال، وتصون نفسك عن النجس الحرام!! لكن، وحتى لا تغرر بمن وثق فيك، وتغش من أمنك، وتجني على من لم يظلمك؛ لا بد أن تبدأ أولا بالتوبة النصوح لله تعالى مما أصابك من بلاء الشذوذ، وتجتهد في أبواب الطاعة، وتشغل نفسك بالله تعالى ومرضاته؛ حتى إذا أنست منها بدء السير في طريق الهداية، ولاحت عليها علامات الصلاح، فقوِّ دواعي الخير والطهر في نفسك بالزواج ممن تعفك؛ وأما قبل البدء في العلاج، والإحساس بصدق التوبة، فلا تجنِ على غيرك، ولا تخدع من وثق فيك. نسأل الله تعالى أن يعافيك، وأن يطهر قلبك، ويحصّن فرجك. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15564

تريد المبيت في بيت أهلها وزوجها يريده في بيت أهله هو [السُّؤَالُ] ـ[أنا هنا في غربتي مع زوجي، ولنا إجازة لمدة شهر في العام، نقضيها مع أهلنا، يطلب مني زوجي أن أقضي هذا الشهر في بيت أهله، والذهاب لأهلي في زيارات، في حين أنا أريد أن أذهب هناك يوميا، والمبيت هناك، فهو شهر واحد، فلو صممت على ذلك ولم يقبل زوجي فماذا أفعل؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ننصحك بالالتزام بما يطلبه زوجك، ففي ذلك الخير والفضل من وجوه كثيرة: - ففي طاعة الزوج طاعة للرسول الكريم ﷺ ، وفي ذلك الأجر الكبير عند الله تعالى، وأجر طاعة المرأة زوجها لا يكاد يَعدِلُه عمل آخر. عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ) رواه أحمد (١/١٩١) حسنه السخاوي في "البلدانيات" (١٦١) والألباني في "صحيح الترغيب" (١٩٣٢) وعَنِ الْحُصَيْنِ بْنِ مِحْصَنٍ أَنَّ عَمَّةً لَهُ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَفَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: كَيْفَ أَنْتِ لَهُ؟ قَالَتْ: مَا آلُوهُ إِلَّا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ. قَالَ: فَانْظُرِي أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ) رواه أحمد (٤/٣٤١) قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٣/٩٧) : إسناده جيد. وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" (١٩٣٣) - وفي طاعتك زوجك في هذا الأمر خلاصٌ من المنازعات والخصومات التي قد تحصل بعصيانك لزوجك. - ونذكرك أيضا بأن الزوجة الصالحة هي التي لا تفارق زوجها، تحرص على خدمته وراحته وتسعى في إسعاده. - واعلمي أن في طاعتك له في هذا الأمر حفظا للسعادة بينكما، وتأكيدا لرابطة المحبة والمودة، وأن في مخالفتك له فتحا لسبيل الشيطان، وإثارة لما في النفوس من النزاع والشقاق، وإن لم يظهر أثرها العاجل، فلا بد أن أثر المخالفة سيظهر عن قريب، وخاصة إذا تراكمت المخالفات والمنازعات. ويمكنك التفاهم مع زوجك بهدوء في هذا الأمر، ولو أن تبقي عند أهله نصف المدة وعند أهلك نصفها الآخر، أو تذهبي إليهم عدة أيام. والذي ينبغي للزوج أن يكون رفيقاً بأهله فلا يضيّق عليهم ولا يتعسف، فإن الزوجة من أحق الناس بالرفق واللين معها، حتى قال النبي ﷺ : (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي) رواه الترمذي (٣٨٩٥) وصححه الألباني في صحيح الترمذي. ونسأل الله لكم التوفيق والسداد. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15565

مدرِّس ويعاني من كثرة الهموم والتفكير ويطلب النصح [السُّؤَالُ] ـ[دائماً مهموم، أفكر كثيراً، أقل موقف مؤلم يدمرني، لا أستطيع النوم في الليل، أقرأ بعض آيات القرآن لكنني أشعر باختناق، ماذا تنصحونني؟ وأعمل مدرساً، لكنني مكره على هذه المهنة، وصلت في المرحلة بالتفكير بالسفر وترك عملي وبلدي لأبحث عن عمل في مجالي ويريحني.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نسأل الله تعالى أن يفرِّج همك، وأن ييسر أمرك، وأن يختار لك ما هو خير لدينك ودنياك، وأما نصيحتنا لك: فهي: أولاً: ننصحك بتقوية إيمانك، ويكون ذلك بمحافظتك على الواجبات فتؤديها على أحسن وجه، وتبتعد عن المنهيات، وتكف عنها على الفور إن كنت تقترفها، واعلم أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل/ ٩٧. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ) فإن الإيمان شرط في صحة الأعمال الصالحة وقبولها، بل لا تسمَّى أعمالاً صالحة إلا بالإيمان، والإيمان مقتضٍ لها؛ فإنه التصديق الجازم المثمر لأعمال الجوارح من الواجبات والمستحبات، فمن جمع بين الإيمان والعمل الصالح: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) وذلك بطمأنينة قلبه، وسكون نفسه، وعدم التفاته لما يشوش عليه قلبه، ويرزقه الله رزقاً حلالاً طيِّباً من حيث لا يحتسب. (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ) في الآخرة. (أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) من أصناف اللذات، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيؤتيه الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. " تفسير السعدي " (ص ٤٤٨) . وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: ونِعمٌ أخرى يختص بها الإنسان، وهي الشرائع التي أنزلها الله على الرسل لتستقيم حياة الخلق؛ لأنه لا يمكن أن تستقيم حياة الخلق أو تطيب حياة الخلق إلا بالشرائع (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) المؤمن العامل بالصالحات هو الذي له الحياة الطيبة في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، والله لو فتشت الملوك، وأبناء الملوك، والوزراء، وأبناء الوزراء، والأمراء، وأبناء الأمراء، والأغنياء، وأبناء الأغنياء، لو فتشتهم وفتشت مَن آمن وعمل صالحاً: لوجدت الثاني أطيب عيشة، وأنعم بالاً، وأشرح صدراً؛ لأن الله الذي بيده مقاليد السموات والأرض، تكفَّل فقال: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) تجد المؤمن العامل للصالحات مسرور القلب، منشرح الصدر، راضياً بقضاء الله وقدره، إن أصابه خير شكر الله على ذلك، وإن أصابه ضده صبر على ذلك واعتذر إلى الله مما صنع، وعلم أنه إنما أصابه بذنوبه فرجع إلى الله ، قال النبي ﵊: (عجباً للمؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سَّراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضَّراء صبر فكان خيراً له) ، وصدق النبي ﵊. " تفسير جزء عمَّ " (ص ٧٧، ٧٨) . ثانياً: ننصحك بجمع همومك كلها وجعلها همّاً واحداً، وهو هم الآخرة، وكيف تلقى ربك وهو عنك راضٍ. واعلم – يا أخانا الفاضل – أن الدنيا لا تسوى عند الله جناح بعوضة، ولو تسوى ذلك ما سقى كافراً شربة ماء، فمهما بلغت هموم المسلم لهذه الدنيا فهي هموم لدنيا زائلة، ولو أن المسلم يعلم أن الانشغال بالهم والقلق يسبب له أمراضاً نفسية وبدنية: لتركها على الأقل حفاظاً على صحته، فكيف إذا علم قبل ذلك أن إيمانه بالقدر يجعله غاية في الطمأنينة، وأنه لا بدَّ من حصول المقدور؟ . عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ: كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا: لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ) . رواه ابن ماجه (٢٥٧) وحسَّنه الألباني في " صحيح ابن ماجه ". وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ: جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ: جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ) . رواه الترمذي (٢٤٦٥) وأبو داود (١٦٦٨) وابن ماجه (٤١٠٥) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". قال ابن القيم – ﵀ –: إذا أصبح العبد وأمسى وليس همُّه إلا الله وحده: تحمَّل الله سبحانه حوائجه كلها، وحمَل عنه كل ما أهمَّه، وفرَّغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته، وإن أصبح وأمسى والدنيا همُّه: حمَّله الله همومها، وغمومها، وأنكادها، ووكله إلى نفسه فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم، فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره، كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره، فكل من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بُلي بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته قال تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) الزخرف/ ٣٦. " الفوائد " (ص ٨٤) . ثالثاً: ننصحك أن تغتنم حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وأن تغتنم فراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، فالحياة متقلبة، وكل يوم يمر في حياتك فأنت تتقدم فيه خطوة إلى قبرك، وكل يوم يمضي من عمرك لا يرجع، فانشغاله بالهموم والتفكير يقتل وقتك، ويتلف بدنك، ويعجِّل هرمك، فمتى تؤدي ما أمرك الله به؟ وما النتيجة التي سترجوها لنفسك بتلك الهموم وتلك التفكيرات؟ . رابعاً: ننصحك باستثمار وظيفتك، فهي وظيفة رائعة، تستطيع فيها الاستفادة فيها لنفسك، ولغيرك، فكم من معلِّم تلتقي بهم كل يوم، وكم مِن فائدة ونصيحة يمكن أن تكون منك لهم، وكم من طالب تواجهه في مدرستك كل يوم، فلمَ لا تستثمر ذلك كله بإشغال نفسك بطاعة الله في الدعوة والتوجيه والنصح؟ لذا فإننا نصحك باستثمار وظيفتك، والتوصل بها لتحقيق أهدافٍ سامية عالية. خامساً: ننصحك بالاستعانة بالله تعالى بدعائه، وذِكره، كما علَّمنا ذلك نبينا ﷺ ، ومن ذلك: أ. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ يَقُولُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) . رواه البخاري (٥٩٨٥) ومسلم (٢٧٣٠) . ب. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ (يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ) . رواه الترمذي (٣٥٢٤) وحسَّنه الألباني في " صحيح الترمذي ". ج. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا) قَالَ: فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: (بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا) . رواه أحمد (٣٧٠٤) وصححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١٩٩) . سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الهموم والمشاكل والقلاقل التي تهز الإنسان وتصيبه من الزمن، فما الأشياء التي تزيل الهموم والغموم التي تصيب المسلم؟ وهل يشرع أن يرقي الإنسان نفسه؟ . فأجاب: أولاً: يجب أن نعلم أن الهموم والغموم التي تصيب المرء هي من جملة ما يكفَّر عنه بها، ويخفف عنه من ذنوبه، فإذا صبر واحتسب: أثيب على ذلك، ومع هذا فإنه لا حرج على الإنسان أن يدعو بالأدعية المأثورة لزوال الهم والغم، كحديث ابن مسعود ﵁ الذي أخرجه أهل السنن بسند صحيح (اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي) فإن هذا من أسباب فرج الهم والغم. وكذلك قوله تعالى: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) الأنبياء/ ٨٧، فإن يونس ﵊ قالها، قال تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) الأنبياء/ ٨٨. ولا حرج أن يرقي الإنسان نفسه؛ فإن الرسول ﵊ كان يرقي نفسه بالمعوذات عند منامه، ينفث بيديه، فيمسح بهما وجهه، وما استطاع من جسده. " فتاوى إسلامية " (٤ / ٤٦٧) . وقد يحاول الشيطان صدك عن القرآن، وعن الدعاء، وعن الذِّكر، فاحذر أن تستجيب لما يوسوس لك به، واحذر من ترك ذلك إن شعرت بضي أو اختناق، واعلم أن الترك ليس هو العلاج ولا الحل، بل الاستمرار في القراءة، والمداومة على الأدعية والأذكار هما العلاج والحل لمشكلته بإذن الله تعالى. سادسا: إذا كنت تشعر بضيق في وقتك الحالي، فننصحك بأخذ إجازة قصيرة من عملك، إن كانت ظروفك المادية تسمح بذلك، يمكنك فيها أن تخفف عنك الهموم والمتاعب، فإن تمكنت من السفر لزيارة بيت الله الحرام، في حج أو عمرة، فسوف تنتفع بذلك إن شاء الله تعالى في حالك ومآلك، وإن لم تسمح ظروفك بالسفر أو أخذ إجازة فحاول أن تزور صديقا أو قريبا محببا أمينا يرجو لك الخير ويدلك عليه، فاستأنس به وقتا ما، ريثما تهدأ نفسك. وعلى كل حال، فنحن لا ننصحك بالمرة، كما أشرنا بترك عملك، فإن تيسرت لك فرصة للعمل في الخارج، في مهنة تناسبك، فهو أمر طيب إن شاء الله، لكن مع الاحتفاظ بوظيفتك في بلدك، حتى إذا رجعت إليها لم تكن عالة على غيرك. سادساً: ننصحك بالاطلاع على كتاب " علاج الهموم " وهو هنا في موقعنا، وستجد فيها ما يزيل عنك الهم والغم، ويشرح صدرك، ويُطمأن قلبك، بإذن الله تعالى. http://www.islam-qa.com/index.php?pg=article&ln=ara&article_id=٣٦ والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15566

الخوف من الموت: خيرُه وشرُّه، وهل يُدعى بطول العمر ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لدي بعض الأسئلة أرجو الإجابة عليها: ١. لقد مررت بفترة عصيبة فلم أعد أفكر سوى بالموت في كل تصرفاتي، فلم أعد أستطيع النوم بسبب هذه الوساوس، وأصبحت أفكر في كل من مات، وكيف مات، وأصبحت صور الموتى ممن أعرفهم تراودني بين لحظة ولحظة، فلم أعد أحتمل هذه الحالة، فأصبحت أخاف من كل شيء، لم يعد للحياة طعم، فهل هذا إنذار باقتراب الأجل، وأني سأموت في فترة قريبة؟ أرجوكم أفيدوني، في الواقع هذه الحالة انتابتني بعد ذنب ارتكبته، فهل لهذا الذنب علاقة؟ . ٢. أحد أقاربي أخبرني بأنه رآني في المنام أني ميت، وسأل أحد شيوخ البلدة وقال: إنه يدل على طول العمر، فهل هذا صحيح أم أنه غير ذلك؟ . ٣. هل الدعاء بطول العمر مستجاب أم إنه قد كتبت الأعمار وانتهى الأمر؟ وما الذي يبارك في العمر من أعمال؟ . وجزاكم الله خيراً. نرجو الإجابة على الأسئلة بأسرع وقت؛ لأنني بحاجه إليها.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أخي الفاضل أولاً: أرجو منك أن تعي ما أكتبه لك، وأن تعمل به، فلعل ما أصابك أن يكون خيراً لك: ١. كلُّ نفس ذائقة الموت: وهذه حقيقة يجب أن تعلمها، فليس أحدٌ بناجٍ من الموت، طال عمره أو قصر، صحيحاً كان أو مريضاً، غنيّاً كان أو فقيراً. قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) آل عمران/ ١٨٥، وقال سبحانه: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) العنكبوت/ ٥٧. وقال : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) الأنبياء/ ٣٥. ولو كانت الدنيا تدوم لأحدٍ: لأدامها الله لأنبيائه وأوليائه وأصفيائه، فأين هم الأنبياء والرسل؟ وأين هم الصدِّيقون والشهداء؟ وأين هم الصحابة والتابعون؟ كلهم ذاقوا الموت – إلا عيسى ﵇ وسيذوقه في آخر المطاف -. قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) الأنبياء/ ٣٤. وقال تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) الزمر/ ٣٠. ٢. لا مهرب من الموت: ومهما بذل الإنسان من أسباب الصحة والنشاط فهو ميت، وأينما كان فإن الموت يدركه، وحيثما فرَّ من الموت فإنه سيجده مقابل وجهه. قال تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) الجمعة/ ٨. وقال تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) النساء/ ٧٨. قال ابن كثير- ﵀: أي: أينما كنتم يدرككم الموت، فكونوا في طاعة الله، وحيث أمركم الله فهو خير لكم، فإن الموت لا بد منه، ولا محيد عنه، ثم إلى الله المرجع، فمن كان مطيعا له جازاه أفضل الجزاء، ووافاه أتم الثواب. " تفسير ابن كثير " (٦ / ٢٩١) . وقال- ﵀ –: أنتم صائرون إلى الموت لا محالة، ولا ينجو منه أحد منكم، كما قال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وِالإكْرَامِ) . " تفسير ابن كثير " (٢ / ٣٦٠) . وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀ – في تفسير قوله تعالى (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) ق/ ١٩ -: وقوله (بِالْحَقِّ) : أي: أن الموت حق، كما جاء في الحديث: " الموت حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ " – متفق عليه -، فهي تأتي بالحق، وتأتي أيضاً بحق اليقين، فإن الإنسان عند الموت يشاهد ما تُوُعِّد به، وما وُعِدَ به؛ لأنه إن كان مؤمناً: بُشِّر بالجنة، وإن كان كافراً: بُشِّر بالنار- أعاذنا الله منها -. (ذَلِكَ) أي: الموت. (مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) اختلف المفسرون في " ما " هل هي نافية فيكون المعنى: ذلك الذي لا تحيد منه، ولا تنفك منه، أو أنها موصولة فيكون المعنى: ذلك الذي كنت تحيد منه، ولكن لا مفر منه، فعلى الأول يكون معنى الآية: ذلك الذي لا تحيد منه، بل لابد منه، وقد قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) . وتأمل يا أخي: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) ولم يقل " فإنه يدرككم "، وما ظنك بشيء تفر منه وهو يلاقيك؟ إن فرارك منه يعني دنوك منه في الواقع، فلو كنت فارّاً من شيء وهو يقابلك، فكلما أسرعت في الجري أسرعت في ملاقاته، ولهذا قال: (فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) ، وفي الآية الأخرى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) النساء/ ٧٨؛ لأنه ذكر في هذه الآية أن الإنسان مهما كان في تحصنه فإن الموت سوف يدركه على كل حال، وهنا يقول تعالى: (ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) . وعلى المعنى الثاني، أي: ذلك الذي كنت تحيد منه وتفر منه في حياتك، قد وصلك وأدركك، وعلى كل حال: ففي الآية التحذير من التهاون بالأعمال الصالحة، والتكاسل عن التوبة، وأن الإنسان يجب أن يبادر؛ لأنه لا يدري متى يأتيه الموت. " تفسير القرآن من الحجرات إلى الحديد " (ص ٩٥، ٩٦) . قالَ الشاعر: الموت بابٌ وكل الناسِ داخله الا ليت شعري بعد الموت ما الدار الدارُ جَنَّةُ خُلدٍ إِن عَمِلتَ بِما يُرضي الإِلَهَ وَإِن قَصَّرتَ فَالنارُ ٣. تذكر الموت خير لا شر. وما لي أراك – أخي الفاضل – قلقاً من الموت، خائفاً من ذِكره؟! ألم تعلم أن النبي ﷺ أوصانا بالإكثار من ذِكر الموت؟! ألم تعلم أن في ذلك خيراً عظيماً لمن فعل ذلك حتى يكون مستعدّاً للقاء ربه، ويكثر من الأعمال الصالحة قبل أن يفجأه الموت؟! وهل تعلم أن نسيان الموت والغفلة عنه تؤدي إلى التعلق بالدنيا، وتسويف التوبة، والتكاسل عن الطاعات؟! . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ - يَعْنِي: الْمَوْتَ) رواه الترمذي (٢٣٠٧) والنسائي (١٨٢٤) وابن ماجه (٤٢٥٨) وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". على أننا ننبهك هنا ـ أخانا الكريم ـ إلى أن المراد بذكر الموت هو الذكر القاطع عن الانهماك في لذات الدينا وشواغلها، والحامل على الاستعداد للموت والقبر، وليس المراد بالذكر هنا الذكر السلبي الذي يوشك أن يقطع الإنسان عن مصالحه في معاشه ومعاده، ويصيبه بالإحباط أو الجبرية في أفعاله. قال الشيخ عطية سالم ﵀: " المراد بذلك أن تكثر من ذكر الموت لتستعد له، لا لتكدر صفوك في الدنيا وتقول: أنا سأموت، لماذا اعمل؟!! ثم يضيق صدرك؛ لا، المراد: أكثروا من تذكُّره في نفوسكم، من أجل أن تستعدوا له " شرح بلوغ المرام (٤/٢) . وقال بعض العلماء: " مَن أكثر ذكر الموت أكرمه الله بثلاث: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي ذكر الموت ابتلي بثلاث: تسويف التوبة، وترك الرضا، والتكاسل بالعبادة ". فينبغي أن يكون تذكرك للموت سبباً لقيامك بالطاعات، ومحفِّزاً على سرعة التوبة، ولا تجعل خوفك من الموت يسبب لك قلقاً، ولا وساوس، ولا يُقعدك عن العمل والطاعات، ولا يمنعك من الكسب، ولا يجعلك تقوم بحقوق نفسك وأسرتك، وإلا كان هذا التذكر عليك، لا لك. ولا تنس مع ذِكرك للموت، بل إكثارك منه، أن تحسن الظن بربك تعالى، وأنه لا يظلم الناس شيئاً، وأنه تعالى يضاعف الحسنات، ويعفو ويصفح، ويقبل من عباده المسيئين توبتهم وإنابتهم، فاحذر أشد الحذر من القنوط من رحمة الله، واجمع في قلبك بين الخوف من الله وبين رجائه تعالى، فالخوف والرجاء للمؤمن كالجناحين للطائر، فلا يغني أحدهما عن الآخر ، وهذا هو حال الأنبياء والأولياء والصالحين. قال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) الأنبياء/ ٩٠. وقال سبحانه: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) السجدة/ ١٦. وقال تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) الزمر/ ٩. فلا تسأل نفسك متى تموت؟ بل على أي شيء تموت؟ على خير أم شر؟ على طاعة أم معصية؟ على الإسلام أم على الكفر؟ وبما أن الإنسان لا يدري متى يموت فإن هذا يدفعه لأن يكون متأهباً دائما للموت استعداداً للقاء ربه على أحسن حال. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: ولهذا نقول: أنت لا تسأل متى تموت، ولا أين تموت؛ لأن هذا أمر لا يحتاج إلى سؤال، أمر مفروغ منه، ولابد أن يكون، ومهما طالت بك الدنيا، فكأنما بقيت يوماً واحداً، بل كما قال تعالى هنا: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) النازعات/ ٤٦، ولكن السؤال الذي يجب أن يرِد على النفس، ويجب أن يكون لديك جواب عليه هو: على أي حال تموت؟! ولست أريد على أي حال تموت هل أنت غني أو فقير، أو قوي أو ضعيف، أو ذو عيال أو عقيم، بل على أي حال تموت في العمل، فإذا كنت تسائل نفسك هذا السؤال، فلابد أن تستعد؛ لأنك لا تدري متى يفجَؤُك الموت، كم من إنسان خرج يقود سيارته ورجع به محمولاً على الأكتاف، وكم من إنسان خرج من أهله يقول هيئوا لي طعام الغداء أو العشاء ولكن لم يأكله، وكم من إنسان لبس قيمصه وزر أزرته ولم يفكها إلا الغاسل يغسله، هذا أمر مشاهد بحوادث بغتة، فانظر الآن وفكِّر على أي حال تموت، ولهذا ينبغي لك أن تكثر من الاستغفار ما استطعت، فإن الاستغفار فيه من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً. " لقاءات الباب المفتوح " (اللقاء رقم ١٧) . ثانياً: وأما بالنسبة لرؤيا قريبك وأنه رآك في المنام ميتاً: فقد سبق بيان أن الموت حق، وأن الإنسان لا يدري متى يموت ولا في أي أرض، فليس في الرؤيا ما ينافي الواقع لك عاجلاً أم آجلاً، ولم يبق لك إلا الاستعداد له – كما سبق -، مع التنبيه أن رؤية الشخص من قبَل غيره أنه ميت قد تعني أنه يرزق بولد أو حفيد كما أفاده بعض إخواننا المشتغلين بتعبير الرؤى، ولو فرِض أن رؤيا قريبك ستتحقق قريبا: فهذا يجعلك تسارع في العمل الصالح، ولسنا نشتغل هنا بتعبير رؤى الناس، لكننا ننصحهم ونبين لهم ما ينتفعون به من أحكام ومسائل شرعية واجتماعية وتربوية. ثالثاً: الدعاء بطول العمر جائز، على أن يكون معه الدعاء بأن يكون في طاعة الله، أو حُسن العمل؛ إذ طول العمر من غير توفيق لأعمال صالحة فيه ضرر على صاحبه؛ لأنه تكثر أعماله السيئة وتكثر معاصيه، وها هو إبليس له عمر طويل، وهو يقضيه في الوسوسة والكيد. وقد سبق في جواب السؤال رقم: (١٢٣٧٢) جواز الدعاء بطول العمر، مع الزيادة التي نبهنا عليها وهي " في طاعة الله " وما يشبهها. والأعمار والأرزاق مكتوبة مقدَّر في اللوح المحفوظ لا تتبدل ولا تتغير، لكن الله تعالى جعل لها أسباباً تطول بها الأعمار – أو يبارك فيها – ويكسب بها رزقاً، ومن ذلك: صلة الرحم؛ فإنها تطيل في العمر وتزيد في الرزق، وقد علم الله تعالى أزلاً أن فلاناً سيصل رحمه فقدَّر له عمُراً ورزقاً بسببه، والمسلم لا يدري ما كُتب له، لكنه يبذل أسباب الحفاظ على حياته، ويبذل أسباب تحصيل الرزق. وبعض العلماء يرى أن التبديل والتغيير يكون بما في أيدي الملائكة من صحف، وأما ما في اللوح المحفوظ فلا يمكن؛ لأن النبي ﷺ قال: " رُفعَت الأَقلام وجفَّت الصحف". رواه أحمد (٢٦٦٤) والترمذي (٢٥١٦) وصححه الألباني. قال تعالى: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) فاطر/من الآية ١١. وقال تعالى: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) الرعد/ ٣٩. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ) من الأقدار. (وَيُثْبِتُ) ما يشاء منها، وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه، وكتبه قلمه؛ فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير؛ لأن ذلك محال على الله أن يقع في علمه نقص أو خلل، ولهذا قال: (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) أي: اللوح المحفوظ، الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع له وشُعب. فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسباباً، ولمحوها أسباباً، لا تتعدى تلك الأسباب ما رسم في اللوح المحفوظ، كما جعل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصي سبباً لمحق بركة الرزق والعمر، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب سبباً للسلامة، وجعل التعرض لذلك سبباً للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته، وما يدبره منها لا يخالف ما قد علِمه وكَتَبه في اللوح المحفوظ. " تفسير السعدي " (ص ٤١٩) . وسواء كانت الزيادة حقيقية في صحف الملائكة، كما هو الصحيح، أو أنها بالبركة في عمُر المسلم: فإن المطلوب من المسلم بذل الأسباب التي تطيل عمره أو تبارك له فيه، كما يبذل الأسباب في الرزق والبركة فيه. عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ: فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) . رواه البخاري (١٩٦١) ومسلم (٢٥٥٧) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: " وقد تأول بعضهم أنه يبارك له في عمره حتى قد يعمل فيه من الخير في العمر القصير ما يعمل في العمر الطويل، والصحيح: أنه يزيد وينقص فيما في أيدي الملائكة من الصحف كما تقدم، وليس لأحد اطِّلاع على اللوح سوى الله ". " مختصر الفتاوى المصرية " (١ / ٢٢٧) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15567

حصل لها كثير من المصائب فأصابها اليأس من الحياة، وتسأل عن الحل ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ابتليت منذ فترة ببعض الآلام الجسدية التي زاد من حدتها بلاء " السحر " الذي كدر علي حياتي وتقدم سني مع عدم الزواج!! أكاد أشعر باليأس والإحباط، فحياتي في شقاء، وليس فيها شيء من مظاهر التوفيق أو النجاح، ولا أقوم بواجباتي الدينية كما ينبغي، فلا أنا ارتحت في الدنيا، ولا أنا أشعر بحلاوة الإيمان. فكيف أقوى على الاستمرار في حياتي؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أختي السائلة من خلال كلامك وعرضك للمشكلة القائمة لديك يتبين لنا أمور هامة لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار منها: أولاً: أن عندك من الخير ما لا يقدَّر بثمن، وعلى رأس هذا الخير: الإسلام، فهذه نعمة عظمى ومنة كبرى منَّ الله بها على كل مسلم، مهما حصل له من البلاء والهم والغم والاكتئاب فلا بد له أن يتذكر أنه مسلم، وأن الله يحب من عباده أن يكونوا مسلمين مع غناه عنهم وعدم ضره لو كفروا، ولو وقعت منه بعض المنكرات، فبقاؤه في دائرة الإسلام من نعم الله العظيمة عليه. وتصوري - أختنا الفاضلة - أن لديك من الدنيا أجمل ما فيها: المال، والمكانة، والزوج، والأولاد، والبيت الهادئ المستقر، والثقافة، والسعادة تملأ حياتك، وكل ما تمنيتيه فهو موجود لديك، ولكن ذلك كله مع اعتناقكِ لليهودية، أو النصرانية، أو البوذية، أو أنك تقدسين بقرة، كملايين من الناس، أو أنك تعبدين فأراً، أو الشمس، أو أي مخلوق آخر، أو أنك من الحيارى التائهين: فهل سيكون ذلك خير أم ما أنت عليه من الهموم والغموم مع الإسلام؟! . وثانيها: السنَّة: وتخيلي - أختنا الفاضلة - لو أنك تنتسبين إلى الإسلام ولكن على منهج غير قويم، تصوري أنك شيعية رافضية تعتقدين أن القرآن محرّف ناقص وتقدِّسين عليّاً، وتسبين الصحابة – رضوان الله عليهم جميعاً -، وتكفِّرين عمومهم، وتتعبدين الله بلعن أبي بكر وعمر ﵄، وتتهمين أم المؤمنين عائشة بالزنا - كما هو حال الملايين ممن ينتسب للإسلام والإسلام منهم براء -؟! أو تصوري أنك ممن ينتسب إلى الإسلام ويعتقد أن الأولياء في قبورهم ينفعون ويضرون، فيدعونهم، ويستغيثون بهم، ويذبحون لهم، ويقدمون لهم القرابين، وهذا لا شك أنه الكفر الصريح. وهذه إشارة إلى فرقتين من بين اثنتين وسبعين فرقة تنتسب إلى الإسلام كلها في النار إلا واحدة كما أخبر بذلك الذي لا ينطق عن الهوى ﵊. أيهما أحب إليك؟ أن تكون الدنيا وما فيها من متاع تحت قدميك مع هذا الضلال والانحراف أم تكوني مسلمة سنية وفطرة وتوحيد مع كثير من الهموم والمتاعب؟ . ثالثها: واحمدي الله تعالى على الهداية للصلاة والتوفيق للعمل الصالح؛ فإن كثيراً من الناس يعدُّ نفسه مسلماً سنيّاً، ولكنه لا يصلي، والنبي ﷺ يقول: (العَهدُ الذِي بَينَنَا وَبَينَهُمُ الصَّلاةُ، فَمَن تَرَكَهَا فَقَد كَفَرَ) رواه الترمذي (٢٦٢١) والنسائي (٤٦٣) وابن ماجه (١٠٧٩) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". ومن التوفيق للعمل الصالح: حب الله ورسوله والصحابة كما ذكرت ذلك في رسالتكِ، وقد ثبت عن نبينا ﵊ قوله: (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) رواه البخاري (١٦) ومسلم (٤٣) . وكذلك فإن حب النبي ﷺ وأصحابه من أعظم القربات التي حُرم منها أكثر البشر، فقد صحَّ عنه ﵊ أنه قال: " (المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ) رواه البخاري (٦١٦٩) ومسلم (٢٦٤٠) من حديث عبد الله بن مسعود، ورواه مسلم (٢٦٣٩) من حديث أنس بن مالك ﵁. فهذه الخيرات العظيمة التي لا تستبدل واحدة منها بالدنيا وما فيها من الملذات والنعيم، وفي الواقع أنتِ لا تشعرين بقيمتها الحقيقية؛ لأنك لم تجربي فقدها يوماً ولم تري شيئاً من ثمارها في الدنيا إلا القليل. أختنا الفاضلة: إننا لا نقلِّل من حجم المشكلة التي تعانين منها، ولكن تضخيم الأمور قد يجعل من مشكلة واحدة مشكلات متعددة، وأنت عندك في الواقع مشكلات متعددة، فكيف لو ضخمتِ كل واحدة منها حتى أصبحت عدة مشكلات؟! . إن النظر إلى المشكلات من زاوية واحدة يُورث الهم والغم والاكتئاب، وإن كانت صغيرة تعظم في نظر صاحبها حتى يرى أن هموم الدنيا كلها على كاهله، ولا يمكن أن تكون هنالك مشكلة لدى مسلم ليس فيها إلا الشر المحض، وفي أكثر الأحيان يكون الخير في المصيبة أضعاف السوء الذي فيها. أولاً: هل تعلمين أن الله يبتلي المؤمنة لأنه يحبها ويحب الخير لها، ففي الصحيح عن نبينا ﵊ (مَنْ يُرِد الله بِهِ خَيْراً يُصِبْ مِنْهُ) رواه البخاري (٥٣٢١) . فأي فضل أعظم من أن يغسل الله عبده الذي يحبه من الذنوب أولاً بأول، بالبلاء والمصائب ليلقاه يوم يلقاه نقيّاً لا ذنب عليه، فتكون الفرحة عنده عظيمة، ويعلم حينها أن البلاء الذي كان به من أعظم نعَم الله عليه. والنبي صلوات الله وسلامه عليه يقول: (يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ) . رواه الترمذي (٢٤٠٢) ، وحسَّنه الألباني في " صحيح الترمذي ". فجددي نظرتك أختي الكريمة للحياة التي تعيشين، وللمصائب التي تعانين، وأحسني الظن بربك، فهو أحكم الحاكمين سبحانه. حاولي أختي قدر استطاعتك أن تنظري للجانب الطيب الجميل لكل مشكلة تعانينها: نفسيَّة كانت أو ماديَّة، فمثلاً: تأخر الزواج: كم من الفتيات تأخر سن الزواج بالنسبة لهن فكان ذلك لهن خير عظيم. فهذه امرأة بلغت الأربعين من العمر، تزوجت أخواتها وتزوج إخوانها، وتوفي والداها، وبقيت في البيت وحدها، وهي ذات دين وصلاح، قالت لها امرأة: أعانك الله على هذه الوحدة، بقيتِ وحدك بعدما ذهب كل أهلك، وجعلتْ تصبِّرها، فردت بجواب يعجز عنه كثير من الخاصة لو كانوا مكانها، وصعقت المستمعات بإجابتها، قالت: ومن قال لكِ إنني أعيش وحدي؟ أبداً؛ أنا ما عشتُ يوماً إلا مع من أحب! فهو معي في الليل والنهار، لا يفارقني طرفة عين، أأناجيه في الأوقات الفاضلة، إنه ربي. مثال آخر: في مصيبة عدم الإنجاب: إحدى الأخوات تزوجت ومكثت سنوات ولم تنجب، ثم علمت من الفحوصات أنها هي سبب عدم الإنجاب، فخيَّرت زوجها بين أن يطلقها أو تُزوِّجه امرأة أخرى تعيش معها كأختين في بيت واحد، وكان يحبها لدينها، وصلاحها، فاختار أن يتزوج، ويبقيها معه زوجة ثانية بكامل حقوقها الزوجية، وتم ذلك فصار لديها وقت فراغ، فالتزمت مع مجموعة من النساء في حفظ القرآن، حتى أتمت حفظه، ثم أخذت سنداً، وإجازةً في القراءة، والحفظ، ثم بدأت تطالع وتدرس فأخذت دورة فقهية، ودورة في العقيدة، وهي الآن مدرسة للنساء في عدة مراكز نسائية، وكان لها الفضل بعد الله في إدخال السنَّة في كثير من المناطق التي طالما عاشت على البدع والخرافات، وكان لها أثر عظيم في رفع الجهل عن نساء طالما عبدن الله على جهالة، فهي قد صبرت على برئها، فأكرمها ربها؛ لما ترى لتفرغها من الأثر العظيم على نفسها وغيرها من العلم والتعليم. مثال ثالث: وهذا المثال يتعلق بمشكلة من أكبر المشاكل التي تعانين منها وهي السحر، وتأثير الجن والسحرة على الناس، وفي هذا المثال إجابات على أكثر تساؤلاتك المتعلقة بالموضوع. فتاة من عائلة طيبة متدينة، ابتليت الأسرة بزوجة أحد الأبناء أنها تتعامل بالسحر، فحصل بينها وبين أخت زوجها خلاف فسحرت لها سحراً ليعزف الخطاب عنها، وليروها قبيحة عند أول رؤية، فلا يرجع الخاطب، وقد حصل ذلك مرات عديدة رغم أن عندها نسبة جمال ملحوظة، وبقيت على ذلك مدة طويلة، ثم عرضت نفسها على الرقية الشرعية من السحر فظهرت آثار السحر عليها، وبقيت تتعالج مدة فلم تستفد، كلما ظنت أن المشكلة عندها قد انتهت تتفاجأ بأنها مازالت تعاني من نفس السحر، فأصيبت بما تصابين أنت به الآن من هم وغم واكتئاب. وبدأت تتساءل، ألهذه الدرجة يكره الناس بعضهم ويؤذون بعضهم بلا مبرر، وأصبح السحر والجن يسبب لها الرعب في الليل والنهار ... ثم عرضت مشكلتها على أحد أهل الاختصاص، فقال لها: عشر نقاط، التزمي بها، وبإذن الله ألا تستمر هذه المشكلة إذا صبرتِ وتحملتِ مدة يسيرة، ولا تحتاجين فيها أن تعرضي نفسك على رجل ليرقيك، بل تعالجي نفسك بنفسك، فقالت: أصبر، وأبذل كل جهدي بإذن الله فكُتب لها عشر نقاط، والتزمت بها وحافظت عليها بقوة، وها هي النقاط العشر نكتبها لك، ونسأل الله أن يوفقك للمحافظة عليها كجزء من علاج عدة مشكلات عندك، والسحر واحدة منها، وهذه النقاط هي: ١. قراءة ما تيسر من القرآن في كل يوم. ٢ الدعاء في الثلث الأخير من الليل بإلحاح أن يفرج الله عنك. ٣. تحري أوقات الإجابة، والدعاء فيها، مثل السجود، وبين الأذان والإقامة، وقبل التسليم من الصلاة. ٤. المحافظة على أذكار الصباح والمساء، حتى في أيام الحيض. ٥. العناية بالأذكار المخصوصة، كالذكر عند دخول المنزل، ودخول الخلاء، والخروج منه، والنوم، والاستيقاظ، ومختلف مناسبات الأذكار، وهي مفصلة في رسالة صغيرة الحجم عظيمة النفع، وهي " حصن المسلم " للشيخ سعيد بن وهف القحطاني. ٦. البعد عن المعاصي، وترك الغفلة ومواطنها؛ لأنها مواطن تجمع الشياطين، وفيها يُستغل الغافلون، فيُسيطر عليهم بالشهوات. ٧. محاولة إعانة مكروب، وتفريج كربته، عسى الله أن يفرج كربتك بذلك، فمن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج كربة أخيه فرَّج الله كربته. ٨. الدعاء لأصحاب الكربات أن يفرج الله عنهم؛ لأن ذلك مظنة دعاء الملائكة لك بمثل ما دعوتِ. ٩. كثرة الاستغفار. ١٠. الإكثار من دعاء الكرب في مختلف الأوقات وهو: " لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم ". وبعد شهر تقريباً من محافظتها على هذه الأمور – مع اختلاف يسير -: أذهب الله بلاءها، وكتب لها الشفاء والعافية، وما هي إلا أيام بعد ذلك حتى جاءها خاطب وتزوجت، وعندها الآن ثلاثة أبناء، وتعيش حياة هادئة مستقرة، تتقلب بين النعم الدينية والدنيوية. المثال الأخير، وأسأل الله أن يجعل فيه عبرة وأسوة لك. فتاة من عائلة غير متدينة، تزوجت بشاب عامي يميل إلى التدين مع شيء من التهاون والتفريط في بعض الأمور الشرعية، حملت بعد أشهر من الزواج، ومكث الحمل مدة ثم سقط ميتاً، حزنت هي وزوجها كثيراً، ثم بعد عدة أشهر حملت ثانية، ومكث الحمل عدة أشهر ثم سقط كالأول، فكان الحزن للثاني أعظم، فأصبحا يراجعان الأطباء لمعرفة الأسباب، وتم تشخيص العلة، وفي الحمل الثالث أخذت الأدوية اللازمة لتثبيت الحمل إلا أنه بعد أشهر سقط ميتاً مع أخذ كل الاحتياطات لتثبيته، وكان الحزن هذه المرة أضعاف الأوليين، وفقدا الثقة بالطبيب فبحثوا عن آخر أمهر منه لكن الأمر تكرر، وأسقطت مرة أخرى، فبدأ كل منهما يبحث عن علاج ويسأل فأرشدوا إلى شيخ يعالج بالرقية فقال لها عندك سحر قوي، وهو الذي يسبب الإسقاط، ويحتاج عدة جلسات، وتم ذلك، ولكن لم تستفد شيئا، ثم إلى شيخ آخر، وثالث، ورابع، وفي كل مرة يحصل علاج جزئي ثم تعود أعراض السحر إليها ثانية. فضاقت الدنيا على الزوجين بما رحبت، واقتربا من اليأس، وأصبحت الحياة بلا طعم، وكثير من التساؤلات التي طرحتيها - أختنا الفاضلة - في رسالتك كانا يطرحانها، لماذا خلق الله الجن؟ ولماذا يتمكن من أذيتنا دون أن نقدر على فعل شيء؟ ولماذا؟ ولماذا؟ فأصيبا باكتئاب، وكاد ذلك يعصف بحياتهما الزوجية. ثم يسَّر الله لزوجها لقاء أحد طلبة العلم الأفاضل، فقال له: ألا أدلك على خير دينك ودنياك؟ فقال الزوج: هذا ما أبحث عنه، فكتب له قريبا مما ذكرنا من النقاط العشر، فالتزمها هو وزوجته، ويسَّر الله أمرهما، وفرَّج كربهما، ورزقا بطفلة غاية في الجمال. لقد مرت هذه المرأة بابتلاء عظيم، ومات أطفالها بفعل السحر، وأنفقت الأموال على العلاج، ولكن انقلب البلاء في النهاية إلى نعمة، بل نعَم كثيرة، فقد كانت تؤخر الصلاة عن وقتها فأصبحت تحافظ عليها، وكانت تسمع الأغاني وتشاهد المسلسلات والأفلام وتحضر الأعراس المختلطة بما فيها من منكر، فامتنعت هي وزوجها عن ذلك إلى هذه اللحظة، وكانت لا تعرف قيام الليل ولا تلاوة القرآن ولا حفظه ولا طلب العلم ولا صيام النوافل، ثم أصبحت من أهل ذلك كله، حتى وإن انتهت المشكلة التي كانت تعاني منها قبل سنة، إلا أنها ذاقت طعم الطاعة، ولذة العبادة والمناجاة، فقررت أن تحافظ عليها طيلة عمرها، نعم كانت في مشكلة ومصيبة: فأصبحت مشكلتها سبباً لرفعتها في الدنيا والدين، نسأل الله لنا ولها ولك أختنا الفاضلة الثبات على الدين والاستقامة. والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15568

علاج الوسوسة في الاستنجاء والصلاة [السُّؤَالُ] ـ[أنا مصابة بوسوسة شديدة في كل عباداتي خاصة في الاستنجاء..فعندما أقضي حاجتي أكرمكم الله أطيل في دورة المياه وصرت أكره دخولها مهما كانت الحاجة وكلما دخلت أبكي وأتألم من شدة الوسوسة..فلا أقتنع أبدا أنني طاهرة وأتعرض لحوادث كثيرة مثل ملامسة يداي بعد غسل المكان النجس فتلامس مكان طاهر واضطر لغسله أيضا..وأتعرض لتطاير ماء الاستنجاء على قدمي أو جسمي فأشك واضطر لغسلهما كلما فرغت.. فما هو الحل؟ الكثير يقولون الإعراض عن الوسواس هو الحل..لكني لا أعلم حقا متى يحصل الإنقاء ومتى أنا طاهرة وهل تعدى البول المخرج وعلي غسل باقي الأعضاء أم لا..وإن تركتها اشك أقول ماذا ولو كان قد تعداها وأنا نجسة والله لا يقبل صلاتي..وإن غسلتها أحس أنني أكلف على نفسي. وسؤال آخر: ماذا لو عزمت في صلاتي على قطعها ... أو وضوئي أو غسلي , فهذا يراودني كثيرا..تارة أقول انه لا يضرني وأكمل وتارة أقول أن العزم على قطع العبادة يبطلها لما فيه من قطع في النية فأقطعها وأعيدها من جديد لكن دون جدوى يحصل معي نفس الشيء ولا استطيع التحكم فيه ... فماذا علي أن افعل؟ هل أكمل صلاتي أو وضوئي أو غسلي مهما عزمت على قطعها؟ أم هل هذا يبطلها وعلي الإعادة؟ فهذا الإحساس يراودني طيلة الصلاة من بدايتها إلى التشهد الأخير أو التسليم ... شيئا يقول لي أعيديها أم اقطعيها أم أعيديها بعد فراغك وأنا لا أريد لأنني تعبت وأصبح يشق علي كثيرا..فهل صلاتي صحيحة إذا راودتني هذه الأفكار طيلة الصلاة؟ فما هو الحل؟ أفيدونا أفادكم الله]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ما ذكرته السائلة الكريمة يرجع إلى نوع من الوسواس، وإلا فالطهارة والصلاة أمرهما يسير، ولا تحتاجان هذا العناء، فدين الله تعالى يسر لا حرج فيه، كما قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) الحج/٧٨، وقال: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) البقرة/١٥ وقال النبي ﷺ : (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا) رواه البخاري (٣٩) . وعلاج ما تعانين منه بثلاثة أمور: الأول: الاستمرار والمداومة على ذكر الله تعالى. الثاني: اللجوء إليه سبحانه وسؤاله الشفاء والعافية من هذا البلاء. الثالث: الإعراض التام عما يدعو إليه الوسواس. فإذا قضيت حاجتك، واستنجيت، فقومي، ولا تلتفتي إلى كون يدك لمست مكانا طاهرا بعد لمس النجاسة، ولا إلى تطاير ماء الاستنجاء على قدمك أو جسمك، لأن الأصل الطهارة، والشك في تنجس جسمك أو ملابسك، لا يؤثر، ولتعلمي أن بدنك وثيابك، ومكان صلاتك، بل وغير ذلك من الأشياء طاهرة، فتبقى على حكم الطهارة حتى نتأكد من تنجّسها، وأما الشك والأوهام والوساوس فلا يلتفت إليه وانظري جواب السؤالين (٦٢٨٣٩) ، (٢٥٧٧٨) . وحصول الإنقاء وزوال النجاسة يكون بغسل الفرج، ولا يلزم غسل ما حوله، ولا تلتفتي إلى الماء المتطاير كما سبق، وكوني على يقين من أنك طاهرة والحمد لله، وأن صلاتك بهذه الطهارة صحيحة مقبولة بإذن الله، فإن الله رحيم كريم، يرحم عباده المذنبين، فكيف بالطائعين المحبين. وأما العزم على قطع الوضوء أو الصلاة، فلا يضرك ذلك أيضا، بل تجاهلي هذا الخاطر، واستمري في وضوئك وصلاتك؛ لأنه لا مبرر لقطع العبادة، وإنما هذا من الوسوسة، وهي لا تؤثر على عبادتك والحمد لله. فمهما جاءك الخاطر بقطع العبادة أو إعادتها فلا تلتفتي لذلك، واستمري فيها، وسلي الله تعالى قبولها، لأنك بذلت ما في وسعك، وأديت ما عليك، والله سبحانه لا يكلف نفسا إلا وسعها. فاعملي بهذه النصيحة، واستمري عليها، ودعي عنك الوسواس فإنه من كيد الشيطان، وكيده ضعيف كما أخبر ربنا سبحانه، وثقي بأنك إن أعرضت عن الوسوسة زالت عنك، بحول الله وقوته. نسأل الله تعالى أن يوفقك لطاعته، وأن يسعدك بعبادته، وأن يصرف عنك ما تجدين. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15569

متحجبة! دخلت جامعة مختلطة وتصادق الشباب وتفعل الزنا على الهاتف ! [السُّؤَالُ] ـ[يا ليت يكون لك معي صبر وافر لسماع حكايتي، وأن تنصحني بما فيه خير لي، وسوف أكون إن شاء لله مطيعة لنصائحك. قصتي لا أعرف كيف أبدأها ولكنها كالآتي: أنا متحجبة، وألبس الجلباب، وأصادق في الجامعة بنات في مثل تديني، بل أكثر مني، ولكن لا أعرف ما الذي يحدث لي بين الفترة والأخرى، بل وأحيانا لا أمتّ لديني بأي صلة، فأُصبح أتكلم مع الشباب في أمور غير لائقة، ونمارس أفعالاً غير محتشمة، وذلك بمجرد بُعد صديقاتي عنِّي، وأحياناً يصل الأمر إلى الزنا! والقصد هنا زنا عن طريق الهاتف! إذ لم يمسسني أي شخص مباشرة، وصدقني عندما ينتهي الأمر أكره نفسي، وأكره ما فعلت، وأتذكر الباري الذي يراني، ويسمعني، وأقول في نفسي إن هذه المرة هي آخر مرة، وإني سوف أتوب للباري، وتمر الأيام وأنا تائبة ونادمة، ولكن سرعان ما أعود لنفس القصة، وعندما تنتهي أندم مرة أخرى، وهكذا، والمشكلة في الأمر: لا أعرف لمن أشتكي، ومن ينصحني، لا أعرف إذا كان هذا مرضاً أو انفصاماً في الشخصية، أو حتى هل بإمكاني أن أرجع مثل الأول، وأعود لحياتي الطبيعية، علماً بأن هذه المسألة بدأت معي منذ دخولي إلى الجامعة، وما مراسلتي لك إلا لأنني أريد فعلا أن أتبدل، وأغير نمط حياتي، فهل لي من عطفك وإرشادك لي على الطريق الصحيح، وأن أبدأ حياتي نظيفة تائبة، حياة لا رجوع فيها إلى الوراء؟ أتمنى أن ترشدني إلى ما هو صحيح برأيك.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله آلمتنا رسالتك أشد الألم، وأصابنا الغم والهم بسببها، وإننا لفي عجبٍ من كل من يرضى على عرضه أن يكون بين ذئابٍ بشرية، وكم نادينا بما نادت به الشريعة الغراء من ضرورة الفصل بين النساء والرجال، وكم بَيَّنا تحريم الاختلاط بين الجنسين، وكم نبهنا على أن الشريعة لم تأذن للمرأة أن تؤذن ولا أن تؤم وتخطب الجمعة، ورغبت في صلاتها في بيتها، وحرَّمت على المرأة أن تسافر من غير محرَم، ومن أن تخلو برجل أجنبي عنها، ومن أن تخضع بالقول وتلين فيه، أو تصافح الرجال الأجانب عنها أو تمازحهم، وكل ذلك – وغيره - من أجل الحفاظ على الأعراض، ومن أجل سلامة القلوب من الفتنة. وها هم المسلمون وللأسف – إلا من رحم الله – يفرطون في تلك الأوامر، ويرتكبون تلك النواهي، حرصاً منهم على مشابهة الغرب في تصرفاتهم، أو حرصاً على تحصيل شهادة، ولو دُفع مقابلها أغلى الأثمان، وهو العِرض! نعم، العِرض هو الثمن في حالات كثيرة، ونحن نتلقى مئات الرسائل والاتصالات والحالات لشباب وشابات على الطاعة والاستقامة سرعان ما يذوب أحدهم في مجتمعه المختلط، ويتأثر بالبيئة الفاسدة التي حوله، فينسى استقامته، ويتخلى عن طاعته، ويبيعها بثمن بخسٍ، إرضاءً لشهوته البهيمية الزائلة. وانظري لنفسكِ أيتها السائلة، أين تدينكِ؟ أين استقامتك وطاعتك لربك؟ وضعتِ على رأسك حجاباً استجابة لأمرِ الله وفرَّطتِ في عرضك تسلمينه للذئاب تنهش به؟! وهل الزنا على الهاتف هو نهاية المطاف وآخر الأمر؟! لا، ولن تزال الشهوة تلتهب وتحرق قلبك وبدنك حتى تطفئيها بما هو أشد إثماً وفحشاً وسوءً! كيف رضيتِ لنفسك وأنت على هذه الحال من التدين والحجاب أن تكلمي أجانب عنك بكلمات غير لائقة؟! وأين أنتِ عن رقابة الله تعالى لك وسماعه وإبصاره لك وأنت تمارسين الزنا على الهاتف؟! ماذا لو رآكِ أهلك وأنت تفعلين هذا؟ وماذا لو قبض الله تعالى روحك وأنت تفعلين هذا فكانت هذه خاتمة حياتك؟ هل تضمنين الحياة بعد تلك الأفعال المشينة؟ وهل تضمنين التوفيق للتوبة بعدها؟! . وإذا كنتِ تتوقعين منا حلاًّ لمشكلتك ينهيها لك: فليس عندنا حل إلا في الاستجابة لأوامر الله تعالى، والكف عن نواهيه، ليس عندنا حل لك إلا بخروجك من الجامعة فوراً ودون تردد أو تأخر والانتقال إلى جامعة أخرى ليس فيها اختلاط محرم، فهذه بيئة موبوءة، وقعتِ بسببها في معاصٍ وارتكبتِ فيها آثاماً، فكيف تكون النجاة من غضب الله وسخطه؟ لا نجاة إلا بترك البيئة الفاسدة، ولا نجاة إلا بالتوبة الصادقة، والإقبال على الطاعات. إن باب التوبة مفتوح أمامكِ أيتها السائلة، وفضل الله ورحمته على عباده عظيمة جليلة، فسارعي إلى إرضاء ربك بتوبة صادقة، وأعمال يحبها ويرضاها، وتجنبي سخطه ، ولا تقدِّمي شيئاً على نعيم الآخرة، ولا تجعلي لك همّاً غير أن يرضى عنك ربك . ولقد لمسنا من رسالتك تنازع جوانب الخير والشر، فتغلبك الشهوة ويغلبك الشيطان فتفعلين المحرمات، ثم يأتيك داعي الخير ليُحدث عندك ندماً وأسفاً على الحال التي وصلتِ لها، فاستثمري داعيَ الخير، وأخرجي داعي الشر من نفسك ومن حياتك، فالنفس اللوامة التي تلومك على فعل المنكرات والآثام خير من النفس الأمَّارة بالسوء، لكن إن لم تتداركي نفسك لتكون نفسك نفساً خيِّرة مطمئنة فإنها ستصير نفساً أمَّارة بالسوء، وهنا سيكون الهلاك والفضيحة والخزي في الدنيا والآخرة، وهو ما لا نتمنى حصوله، ونثق بكِ أنك ستنقذين نفسك من الآثام والمعاصي، وستسارعين إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدَّت للمتقين الذين يتقون الله بفعل الطاعات وترك المنكرات. ومع تخلصك من الجامعة وخروجكِ منها: اقطعي كل صلة لك بكل من تعرفين من الشباب والشابات الذين سهلوا لك الوقوع في المنكر، ولا يحل لك الاتصال بشاب أجنبي عنك، ولا تتصلي بأي صديقة يمكن أن تجرك لمعصية أو فاحشة، واحرصي على الصحبة الصالحة من النساء المتدينات، والزمي كتاب الله تعالى قراءة وحفظا وتدبراً، واحرصي على طلب العلم من الأشرطة والكتب وحلقات العلم، وتداركي نفسك قبل فوات الأوان. وفي حال عدم خروجك من الجامعة – بسبب ضغط أهلك -: فاعلمي أنه لا يحل مصادقة أحد من الشباب، وأن عليك البحث عن الأخوات المستقيمات الملتزمات لصحبتهن، وتعاهدي إيمانك بتقويته بأوراد يومية من القرآن والأذكار، وألزمي نفسك بالاستقامة على أمر الله تعالى، واسأليه أن يعينك ويوفقك لما يحب ويرضى. وعليك أن تقللي ذهابك إلى الكلية بقدر الإمكان، وألا تنفردي فيها عن أخواتك المستقيمات، حتى لا تتركي مجالاً للشيطان أو النفس الأمارة بالسوء، أن تزين لك المعصية، فعليك بمعالجة أسباب المعصية، واستحضري دائماً، اطلاع الله عليك، وسمعه وبصره، وهل إذا اطلع عليك أحد من أهلك، أكنت تفعلين ما تفعلين أمامه! فهل يكون نظر الله وسمعه واطلاعه عليك أهون عندك من نظر أهلك؟! وأكثري من دعاء الله تعالى الثبات والاستقامة والهداية (اهدنا الصراط المستقيم) وكان من دعاء النبي ﷺ (اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكني الإسلام حتى ألقاك عليه) رواه الطبراني وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٨٢٣) (اللهم يا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) رواه الترمذي (٢١٤٠) وصححه الألباني في صحيح الترمذي. فالمشكلة منكِ، والحل عندكِ، وما تختارينه لنفسك يدل على صدقك أو كذبك، فإن اخترتِ التوبة الصادقة: فأنت صادقة في ندمك وأسفك، وصادقة في رسالتك أنك تريدين النجاة والخلاص من المعاصي والآثام، وإن اخترتِ الصحبة الفاسدة: فأنت لستِ صادقة في ندمك وأسفك، ولستِ صادقة في البحث عن النجاة من همومك وغمومك ومعاصيك، ونرجو أن تكوني من الصادقات. وأما عن سؤالك أنه هل يمكن أن ترجعي لحالك الأول: فنبشرك بأنه يمكن أن ترجعي لأحسن منه! لكن على أن تصدقي في التوبة والإنابة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لكن قد يفعل الإنسانُ المحرَّمَ ثم يتوب، وتكون مصلحته أنه يتوب منه، ويحصل له بالتوبة خشوع ورقّة وإنابة إلى الله تعالى، فإن الذنوب قد يكون فيها مصلحة مع التوبة منها؛ فإن الإنسان قد يحصل له بعدم الذنوب كِبْر وعُجب وقَسوة، فإذا وقع في ذنب أذله ذلك وكسر قلبه وليَّن قلبَه بما يحصل له من التوبة. " مجموع الفتاوى " (١٤ / ٤٧٤) . وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: وما أكثر ما يكون الإنسان منَّا بعد المعصية خيراً منه قبلها، وفي كثير من الأحيان يخطئ الإنسان ويقع في معصية، ثم يجد مِن قلبه انكساراً بين يدي الله وإنابة إلى الله، وتوبة إليه حتى إن ذنبه يكون دائما بين عينيه يندم عليه ويستغفر، وقد يرى الإنسان نفسه أنه مطيع، وأنه من أهل الطاعة فيصير عنده من العجب والغرور وعدم الإنابة إلى الله ما يفسد عليه أمر دينه، فالله حكيم قد يبتلي الإنسان بالذنب ليصلح حاله، كما يبتلي الإنسان بالجوع لتستقيم صحته، وهل حصل لآدم الاجتباء إلا بعد المعصية والتوبة منها، كما قال: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) طه/ ١٢٢، أي: بعد أن أذنب وتاب؛ اجتباه ربه فتاب عليه وهداه، وانظر إلى الذين تخلفوا في غزوة تبوك ماذا حصل لهم؟ لا شك أنه حصل لهم من الإيمان، ورفعة الدرجات، وعلو المنزلة ما لم يكن قبل ذلك، وهل يمكن أن تنزل آيات تتلى إلى يوم القيامة في شأنهم لولا أنهم حصل منهم ذلك ثم تابوا إلى الله. " الشرح الممتع " (٣ / ٥١، ٥٢) . فلا تستعظمي ذنوبك مقابل رحمة الله، واعلمي أن الله تعالى يقبل التوبة عن عباده، ويحب التوابين. قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ) الزمر/ ٥٣،٥٤. وقال : (إنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) البقرة/ ٢٢٢. ونسأل الله تعالى أن يطهر سمعك وبصرك وجوارحك من الآثام والمنكرات، ونسأله تعالى أن يحبب إليكِ الإيمان وأن يزينه في قلبك، وأن يكرِّه إليك الكفرَ والفسوق والعصيان. وانظري كلاماً مفصلاً حول التوبة وشروطها في جواب السؤال رقم: (١٣٩٩٠) . وللوقوف على كيفية التخلص من المعاصي: انظري جواب السؤال رقم: (١٠٢٨٠) . والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15570

أحب فتاة ولم تقبل الزواج منه فأصابه المرض والاكتئاب [السُّؤَالُ] ـ[تعرفت على فتاة على الانترنت، وقابلتها وأحببتها وتعلقت بها، وكنا أولا أصدقاء وحين قلت لها إني أحبها وأنوي الارتباط قالت: لا. تولدت لدي صدمة ورسبت في امتحاني، ثم تلقيت صدمة ثانية من صديق لي في أثناء الامتحانات، وكنت قد رافقته وصادقته فلم يرض أن يسكنني معه. ذهبت لطبيب نفسي وقال لي إنني مصاب باكتئاب حاد، والآن وضعي من سيئ لأسوأ، حتى إنني أسبب المشاكل لأهلي!! أحيانا أفكر بأن الحل الوحيد هو الانتقام من هذين الشخصين فأريد أن أفضح هذه الفتاة أمام أخيها في الإنترنت، وذلك بنشر كل ما أعرفه عنها وأنا باسم مستعار، فلن يعرفني علما أن الفتاة نفسها سبق وحكت لي أن هناك شابا كاد أن يموت من أجلها وحاول الانتحار ولكنه لم يمت. أبي رباني على الفطرة وحب العلم وطالما غدر الناس بي فما العمل فقدت تقريبا الثقة بنفسي أريد الإرشاد جزاكم الله خيرا]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: ينبغي أن تحمد الله تعالى أن صرفك عن الزواج من هذه الفتاة، التي تقيم العلاقات مع الرجال عن طريق الإنترنت وغيره، فإن هذه ليست موضع ثقة، فربما استمرت على علاقاتها المحرمة بعد زواجها. وأكثر الزيجات التي بنيت على الحرام، وكان مبدؤها الحرام، يعتريها الفصام والنكد والشك والريبة، كما هو معلوم من النظر في كثير من الوقائع. وأما ما جرى من صديقك، فربما كان السكن معه مضرة عليك، أو عليه، وهو ليس ملزما بأن يسكنك معه، فهو لم يظلمك حين رفض أن تسكن معه، بل إن كثيرا من العقلاء الحريصين على دوام المودة والصحبة، يرفض أن يسكن مع صديقه، لما يحدث كثيرا في السكن من الاحتكاكات والأمور التي تولد المشكلات، وربما فرقت بين الإخوان. " قال ثابت البناني للحسن: إنك تريد الحج، وأنا أريد؛ أفأصحبك؟ فقال الحسن: دعنا نتعايش بعيش الله، إني أكره أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه. " البصائر والذخائر (٣/١٥٥) . وإنا لنرجو أن يكون الله تعالى قد اختارك لك الخير، حينما صرف عنك الزواج بهذه الفتاة اللعوب، وحينما صرف عنك ـ أيضا ـ هذه السكنى مع صديقك، والله سبحانه يقدر لعبده كثيرا من الخير الذي لا يدرك العبد حكمته ومصلحته وعائدته إلا بعد زمن. قال ابنُ مسعود رضي الله: " إنَّ العبد ليهمُّ بالأمرِ من التجارة والإمارة حتى يُيسّر له، فينظر الله إليه فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإني إنْ يسرته له أدخلتُه النار، فيصرفه الله عنه، فيظلُّ يتطيَّرُ يقول: سبقني فلان، دهاني فلان، وما هو إلا فضل الله – " ذكره ابن رجب ﵀ في "جامع العلوم والحكم". فاحمد الله تعالى، وارض بقضائه، وظنّ فيه الخير والنفع، فلعل الله حفظك ورعاك، وصرف عنك ما يضرك ويسوؤك. ثانيا: لا يجوز لك الانتقام من صديقك هذا، فإنه لم يمنعك حقا واجبا، وقد يكون له من الأعذار الصحيحة ما أوجب رفضه لسكنك معه. وليس لك أن تفضح هذه الفتاة، ولا أن تنشر شيئا عنها؛ لقوله ﷺ : (وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه البخاري (٢٤٤٢) ومسلم (٢٥٨٠) . وقوله: (يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ) رواه الترمذي (٢٠٣٢) وأبوداود (٤٨٨٠) . وهذا الذي يحركك الشيطان نحوه، ويدفعك على فعله هو من الفجور في الخصومة، والعياذ بالله، وهي من خصال المنافقين، لا تليق ـ أبدا ـ بالمؤمنين: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) . رواه البخاري (٣٤) ومسلم (٥٨) . فدع عنك أمر هذه الفتاة، وانشغل بعيبك عن عيوب الناس، وتب إلى الله تعالى من تلك العلاقة، واحرص على الزواج من ذات الخلق والدين، العفيفة المصونة، التي تحفظك في حلك وترحالك، وأقبل على طاعة ربك، وانشغل بما ينفعك، وعد إلى دراستك، ولا تدع لليأس والإحباط سبيلاً عليك، فإن المؤمن يمنعه إيمانه ويقينه من اليأس، ويحول بينه وبين العجز، فليس في الدنيا ومتاعها الزائل ما يستحق أن يلهث خلفه الإنسان، ولا أن يبكي على فواته، وقد علم المؤمن أن لا يجري أمر في حياته إلا بقدَر، فما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وهذا مما يهوّن عليه، ويسليه، كما قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) الحديد/٢٢،٢٣ وانظر في علاج الهمّ والحزن والضيق: جواب السؤال رقم (٢٢٧٠٤) نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، وأن يزيل همك، وأن يوفقك لما يحب ويرضى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15571

زوجته تقوم الليل وتفرط في الفرض! وتغير حالها إلى الأسوأ فكيف يتصرف معها ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا شاب متزوج من قرابة العامين والنصف، والحمد لله على ذلك، في أول أيام زواجنا كان كل شيء على ألف خير، والحمد لله، وكان اجتماعنا على كتاب الله ورياض الصالحين، وصيام الاثنين والخميس. ولكن دوام الحال من المحال - كما يقال في المثل الشعبي -، بعد مرور ثلاثة أشهر على زواجنا تغير على هذا حال الزوجة؛ حيث اكتشفت أنها من النساء اللاتي لا يقمن بأداء الصلاة في وقتها، وفي بعض الأحيان تجمع معظم الصلوات مرة واحدة، مع أنها في بعض الأوقات تقوم من الليل للصلاة. وهي أيضاً تعشق السهر بشكل كبير، مما يؤدي إلى النوم طوال النهار، وبعد أن كان البيت لا يوجد به جهاز التلفزيون، اضطررت إلى إدخال قناة إلى المنزل من قرابة ست أشهر بطلب منها. بالإضافة إلى أن اهتمامها بزوجها ليس من الأمور المهمة عندها، كثيرة الرفض للاستجابة إلى زوجها في الفراش، كثيرة التسويف لذلك، مع علمها بعقوبة ذلك الأمر؛ فهي حاملة لشهادة جامعية دارسات إسلامية!! وعندما أغضب عليها لا يؤثر ذلك فيها، وكأنه شيء عادي عندها، كم هي المرات التي تم هجرها في الفراش لكن لا حياة لمن تنادي، وكم عدد المرات التي تم التدخل من الأطراف الأخرى للإصلاح، ولكن للأسف الأمر كما هو من سيء إلى أسوء، بالإضافة إلى أن العناد صفة دائمة لها، شدة التمسك بما تقتنع به حتى لو كان على خطاء، أسلوب الاعتذار غير موجود عندها. ما هو الحل؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نحن في الحقيقة أمام حال غريبة من هذه الأخت، وهي تحمل تناقضات، فلا نستطيع الجمع بين كونها تصلي قيام الليل، وفي الوقت نفسه تترك بعض الصلوات المفروضة، أو تجمعها معاً!! فكيف تحرص على نافلة وتضيع فريضة من جنسها؟! وكيف تتقرب إلى الله بعبادة من أعظم نوافل العبادات – وهي قيام الليل – ثم تعصي ربها في أوجب الواجبات عليها، من تضييع الصلاة في وقتها، وعدم الاستجابة لطلب زوجها لفراشه؟! فأين ما سمعته من آيات وأحاديث وأحكام في دراستها الشرعية؟! إن الحجة مقامة على هذه الأخت أكثر من غيرها، فهي تعرف الخطأ والصواب، وتعرف الطاعة والمعصية، فليس حكمها مثل حكم غيرها من الجاهلات، فلتنتبه لنفسها، ولتحاسب نفسها قبل أن تُحاسب، ولتزن أعمالها قبل أن توزن عليها. ثانياً: والواجب عليك أيها الزوج أن تنصحها وتذكرها بالله، وخاصة في مسألة الصلاة، ويجب أن تعرف أن العلماء قد اختلفوا في حكم من ترك صلاة واحدة حتى خرج وقتها عامداً، وأن من السلف والخلف من كفَّره، بل قد نقل بعضهم إجماعاً للسلف على كفره! فكيف ترضى هي لنفسها أن تكون على حال مختلف فيه بين العلماء، ومثله يقال لك في حال إصرارها على التخلف عن بعض الصلوات والتفريط فيها، فمثلها لا يُحرص على إبقائها في عقد الزوجية، بعد بذل الأسباب في هدايتها. وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀ – عن رجل لا يصلي الفجر جماعة، ولا وحده، وبقية الفروض يصليها على حسب راحته، هل يعتبر كافراً أم لا؟ . فأجاب: " هذه مسألة اختلف فيها العلماء - الذي يترك صلاةً واحدة حتى يخرج وقتها بدون عذر-، مِن العلماء من قال: إنه كافر، وإليه ذهب بعض السلف، وبعض الخلف، وهو رأي الشيخ عبد العزيز بن باز في وقتنا الحاضر أنه إذا ترك صلاةً واحدة بلا عذر حتى خرج وقتها: فهو كافر، لكن الذي أرى: أنه لا يكفر إلا إذا ترك الصلاة نهائيّاً، وأن الذي يصلِّي ويترك مع إقراره بوجوبها: لا يكفر، لكن يعد من أفسق عباد الله؛ ... فذنبه أعظم من الزنا، وشرب الخمر، وقتل النفس ... ". " لقاءات الباب المفتوح " (١٦٨ / السؤال رقم ٦) . ولتعلم هذه الزوجة أن أداء الصلوات في غير وقتها من الكبائر، ولا تقبل هذه الصلوات المؤادة في غير أوقاتها، وهي وعدمها سواء، لذا فالواجب عليك أيها الزوج التشديد عليها في هذا الأمر: إما الاستقامة على الصلاة، وإما أن تفارقها. سئل علماء اللجنة الدائمة: أنا متزوج ابنة خالي، ومعي منها ولد، وهي لا تصلي، ولا تصوم شهر رمضان، وأخاف أن يلحقني بعد ذلك ذنب وإثم، وأنا في الوقت الحاضر محتار من هذا الأمر، أفيدوني جزاكم الله خيراً. فأجابوا: " أنت آثم في عشرتك إياها المدة الماضية وهي تاركة للصلاة والصيام دون أن تجتهد في نصحها وتحزم أمرك معها، أما اليوم: فإذا كان الأمر لا يزال على ما كان من تركها للصلاة والصيام: فاجتهد في أمرها بالصلاة وبالصيام وغيرهما من فرائض الإسلام، واستعن بالله، ثم بالحي من والديك ووالديها ومحارمها على نصحها، فإن أطاعت وتابت إلى الله وصلَّت: فالحمد لله، وعليك أن تحسن عشرتها، وإن أصرت على ترك الصلاة والصيام فطلِّقها، وما عند الله خير لك، والله المستعان؛ لأن ترك الصلاة كفر، وردة عن الإسلام؛ لحديث: (بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ) - روه مسلم -؛ وقوله: (الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ " - رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه -؛ وقال تعالى: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) الممتحنة/ ١٠. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " (١٨ / ٢٨٣، ٢٨٤) . ثالثاً: بعد أن ذكرناها بتقوى الله وطاعته، وخاصة في إقامة الصلاة في وقتها: فإننا نذكِّرها بحقوق الزوج، ووجوب طاعته، وقد قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) النساء/ ٣٤، وأنه لا يحل لها رفض دعوته إذا دعاها للفراش، وقد حذَّر النبي ﷺ المرأة من الامتناع من زوجها إذا دعاها للفراش فقال: (إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَلَمْ تَأْتِهِ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ) رواه البخاري (٣٠٦٥) ومسلم (١٧٣٦) ، كما لا يحل لها النشوز والإعراض، وقد أوجب الله تعالى عليها طاعة زوجها بما لا يخالف الشرع، وما تفعله من السهر الطويل في الليل، وتضييع الواجبات في النهار: أمرٌ منكر، ولا يحل لها الاستمرار عليه. رابعاً: أما ما تفعله أنت تجاهها: فإن عليك أن تتلطف في دعوتها وسلوك السبل الحكيمة في الإنكار عليها دون قسوة ودون غلظة، وقد قال رَسُول اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ) رواه مسلم (٢٥٩٣) ، وقال ﷺ : (إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ) رواه مسلم (٢٥٩٤) . زانه: أي: زيَّنه. شانه: أي: عَيَّبَه. ويمكنك سلوك طرق شتى لإصلاحها وهدايتها، ومن ذلك: ١. الخطاب المباشر معها برفق ولين ومحبة. ٢. الاستعانة بالحي من أهلها أو أقاربها أو صديقاتها لنصحها وتوجيهها. ٣. الذهاب معها للعمرة، والمحافظة على الصلاة في الحرم. ٤. إسماعها الأشرطة المفيدة، وإعطاؤها الكتب النافعة لتعرف ما عليها من حقوق، ولتذكرها بالآخرة. ٥. التخلص من القنوات الفضائية التي أدخلتها بيتك بالكلية، أو الإبقاء على المفيد النافع منها كقناة " المجد "، وقناة " الحكمة ". ٦. البحث عن أسباب أخرى قد تكون غيَّرت من حالها، كصاحبة فاسدة، أو جارة، أو قريبة من شيطانات الإنس، ومنعها من اللقاء بها. ٧. الاستعانة بالدعاء والتضرع لله تعالى لأن يهديها ويصلح حالها. وإذا لم ينفع ذلك كله: فطلِّقها طلقة واحدة لعلها ترعوي بها، وتراجع نفسها، فإن لم ينفع ذلك: فلا تراجعها، ودعها حتى تنقضي عدتها وتبين منك، ولعل الله أن يبدلك خيراً منها. والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15572

هل تقبل أن تكون زوجة ثانية أم تصبر ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا مطلقة وفي الأربعينات وذات حسب ومركز في الحياة العامة أيضاً وتعلمت من تجربتي السابقة درساً قاسياً لأن الاختيار كان قائماً على المظاهر ولم يكن على أساس ميزان الدين والخلق. تقدم إلي الآن من أحسبه على دين وخلق ومشهود له بالصلاح ولكنه متزوج وزوجته صديقة لأسرتي، كما أنه من حيث المكانة الاجتماعية أقل من أسرتي. ويمنعني من القبول خوفي من نظرة المجتمع، ونظرات التأنيب في عيون الزوجة، لمجرد تقدمه إلى أخي للخطبة، فما بالنا بالمضي في الزيجة. أنا من مصر وتعلم يا شيخ نظرة المجتمع المصري للزوجة الثانية. أصلي صلاة استخارة فأشعر بارتياح وأوشك أن أطلب من أخي أن يرد عليه بالقبول، ثم أحسب حساب المجتمع وتساؤل الناس لماذا أقبل بمن هو أقل من حيث الوضع الاجتماعي وكيف أخطف الزوج من زوجته وأولاده وهي صديقة الأسرة فيضيق صدري. علماً أنه لم يتقدم طمعاً في شيء وإنما رغبة منه في ستر بنات المسلمين خاصة إذا كانت البنت مشهوداً لها بالصلاح، بل إنه يشجع غيره على أن يسلك نفس المسلك من أجل عفة النساء ومن ثم المجتمع، ويتضح ذلك من شهادة أخي، كذلك أنا لست الشابة الجميلة ويمكنه أن يتقدم لمن هي أصغر وأجمل إن شاء. هل علي ذنب إذا رفضت؟ وما هو رأيكم يا شيخ هل أرفض وأصبر عسى الله أن يرزقني بغيره؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا شك أن نظرة كثير من المجتمعات الإسلامية (ومنها المجتمع المصري) إلى تعدد الزوجات على أنه خيانة للزوجة الأولى، أو أنه مما يعاب به الزوج أو الزوجة الثانية، لا شك أن تلك النظرة خاطئة، تخالف شرع الله تعالى، حيث أباح للرجل أن يعدد الزوجات إلى أربع. قال تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) النساء/٣. ولا يمكن لمسلم أن يعترض على الله تعالى في حكمه، أو يظن الظلم والعدوان والخطأ في حكمٍ شرعه الله تعالى. ولذلك نحن لا نوافقك على قولك: " وكيف أخطف الزوج من زوجته وأولاده " فهذا الزوج لم تخطفيه أنت، بل هو تقدم إليك باختياره ورضاه. ثم إنه سيتحمل أعباء الأسرتين والبيتين معاً، ولن يترك زوجته الأولى وأولاده من أجلك، فكيف يكون ذلك خطفاً له؟! وأما نظرات الزوجة الأولى، فهذه هي الفطرة التي جُبلت عليها النساء عموماً (الغيرة) وتريد أن تستأثر بزوجها وحدها، ولا يكون لها فيه شريك، وقد كانت أمهات المؤمنين ﵅ وهن أفضل نساء الأمة يحصل منهن أشياء بسبب الغيرة، فيتجاوز عنها النبي ﷺ ولا يقف عندها. ويمكنك معالجة ذلك بشيء من الحكمة في التصرف وحسن الخلق، ولكن لا بد أيضاً من تحمل بعض ما يصدر عنها لأن هذه هي طبيعة النساء. ولا بد أن يكون الزوج حكيماً في التصرف في مثل هذه المواقف حتى لا تزداد الخلافات والنزاعات. وأما نصيحتنا لك: هل تقبلين هذا الزوج أم تصبرين لعل الله أن يرزقك بغيره؟ فالجواب: إن كنت ترجين أن يأتيك من هو أفضل منه فلا مانع من رفضه، لكن إن خشيت – مع تقدم السن – ولظروفك الخاصة أن لا يأتي أفضل منه – أو حتى مثله – فنرى لك – والله أعلم – الموافقة على هذا الزوج. وكون المرأة ترضى أن تكون زوجة ثانية، وتتحمل بعض المضايقات من الزوجة الأولى أو المجتمع حولها أهون بكثير من بقائها بلا زوج. ونسأل الله تعالى أن ييسر لك الخير حيث كان والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15573

كلمة حول قناة " شدا " وحُكم الاشتراك فيها [السُّؤَالُ] ـ[ما رأيك في قناة " شدا " التي تعرض ضمن باقة قنوات المجد، وهي باشتراك شهري، قناة أناشيد إسلامية، وأنا أريد أن أشترك، علماً بأنني لم أشاهدها، ولكني سمعت أناساً يقولون: بأنها حرام، وأهلي يجبرونني أن أشترك بها، فهم يهوون، ويحبون سماع الأناشيد. أريد منكم رأيكم في هذه القناة، هل هي حلال أم حرام؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: قناة " شدا " ليست ضمن باقة قنوات " المجد "، وإنما قناة المجد تسوِّق القناة عن طريقها. ثانياً: النشيد كلام ملحَّن، وإنما يُعرف حكمه إذا عُرف كلام تلك النشيدة، وصفة التلحين، وطريقة الأداء، وهل يصاحبها معازف أم لا؟ وبتأمل كلام العلماء والمشايخ الثقات يمكننا جمع الضوابط والشروط الشرعية التي يجب تحققها حتى يكون النشيد جائزاً، ومن ذلك: ١. أن تكون الكلمات خالية من الكلام المحرم والتافه. ٢. أن لا يصاحب النشيد معازف أو آلات موسيقية، ولم يُبح من المعازف إلا الدف للنساء إلا في أحوال معينة. ٣. أن تخلو من المؤثرات الصوتية التي تشبه صوت الآلات الموسيقية. ٤. أن لا تكون الأناشيد ديدناً للمستمع، وتستهلك وقته، وتؤثر على الواجبات والمستحبات، كتأثيرها على قراءة القرآن، والدعوة إلى الله. ٥. أن لا يكون المنشد امرأة أمام الرجال، ولا يكون المنشد رجلاً أمام النساء. ٦. أن يتجنب سماع أصحاب الأصوات الرقيقة، والمتكسرين في أدائهم، والمتمايلين بأجسادهم، ففيه ذلك كله فتنة، وتشبه بالفساق. ٧. تجنب الصور التي توضع على أغلفة أشرطتهم، وأولى من ذلك: تجنب ظهورهم بالفيديو كليب المصاحب لأناشيدهم، وخاصة ما يكون من بعضهم من حركات مثيرة، وتشبه بالمغنين الفاسقين. ٨. أن يكون القصد من النشيد الكلمات لا الألحان والطرب. وقد سبق بيان ذكر هذه الضوابط وأقوال العلماء الدالة على ذلك في جواب السؤال رقم (٩١١٤٢) . ونأسف عندما نقول إن قناة " شدا " لم تراع أكثر تلك الشروط والضوابط، وحتى تسد الفراغ في وقتها راحت تقدم كل لون، ونوع، من النشيد، حتى لو كان فيه مخالفة شرعية، فجاءوا بفرق نشيد من الذكور يلبسون لباساً موحَّداً، و" يدبكون "، مع استعمال المؤثرات الصوتية التي تؤدي غرض المعازف، وبعض تلك الأناشيد كانت تصوَّر من أعراس، وقد رؤي في الحضور من يجاهر بتدخينه أمام الناس، ويُنقل هذا على أنه نشيد إسلامي! وقد نقلت بعض تلك الأناشيد من مهرجانات واحتفالات، وتسمع فيها التصفيق والتصفير تشجيعاً للمنشد وشكراً له! وأما عن حال بعضهم من حيث حلق اللحية أو قصها للدرجة قبل الأخيرة، أو إسبالهم ثيابهم: فحدِّث عن ذلك كثيراً. وهناك أمر خطير في هذه الأناشيد، وهو فتنة النساء بالمنشدين، فترى الواحد منهم يخرج في أبهى حلة، وبعضهم يضع المكياج! وصاروا يضعون صورهم وأرقام جوالاتهم على أغلفة أشرطتهم! تشبهاً بالفساق من المغنين، وفتنة بعض النساء بالمنشدين أمر واقع لا يمكن إنكاره، فليحذر الراعي في بيته والمسئول عن رعيته من هذا الأمر الخطير. وقد حاول بعض القائمين على القناة أن يسوِّق لها من الناحية الشرعية عن طريق إبراز تزكية الشيخ عبد العزيز الفوزان لهم، ولما علم الشيخ واقع حالها، وأنها ليست ضمن باقة قنوات المجد، وأنها للنشيد فقط – وكان قد قيل له: إنها تابعة للمجد، وإنها قناة شبابية -: تبرأ من تزكيته تلك، وحذَّرهم من نشرها. وقد حذَّر من هذه القناة – أيضاً – مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله. ففي لقاء مع سماحته عصر يوم الخميس ١٣ / ٩ / ١٤٢٧ هـ في قناة " المجد "، في برنامجه " مع سماحة المفتى " سئل حفظه الله عن قناة " شدا " للأناشيد فأجاب: " أما قناة " شدا " وأنها أناشيد: فأنا أرجو من القائمين على قناة " المجد " إغلاق هذه القناة؛ لأنها في الحقيقة أناشيد قد تحمل في طياتها الأناشيد الصوفية، ويكون فيها من الأصوات الرنانة ما يشغل الناس عما هو خير منها، فالأساليب الصوفية، والأناشيد الصوفية، والسماع الصوفي: هذا أمر أنكره العلماء المحققون، وقالوا: هذا يصد الناس عن ذكر الله، هو غناء، لكنهم حسَّنوه بقولهم: إنها أناشيد إسلامية، وإنها ابتهالات، وإنها..، وإنها.. . فالمطلوب: ألا تُدخِل هذه القناة، فأنا لا أراها، وأنصح بتركها، وأرجو مِمَّن سعى في إيجادها: أن يتقي الله، ويبتعد عن هذه القناة، وعن تأييدها، وعن الإنفاق عليها، ولا يغره من حسَّنها، أو مَن دعى إليها، أو حاول إيجاد مخرج لها، هي مجرد أناشيد تشغل الناس عما هو خير منها " انتهى. ومما يؤكد صحة كلام الشيخ عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله أنها قد تحمل في طياتها الأناشيد الصوفية: أ. وجود رؤوس من المتصوفة مشاركين فيها، وهم من عمالقة الأناشيد عندهم! ب. كثرة التغني بالمدينة، وساكنها، وقبر النبي ﷺ . ج. عبارات التصوف الكثيرة في كثير من أناشيدهم، نحو: مولاي، يا سندي، أمرِّغ الخد في الأعتاب! أغثني منك بالمدد!! وغير ذلك! وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: أرجو التفصيل في مسألة الأناشيد، كذلك حكم بيعها؟ . الشيخ: أي أناشيد؟ . السائل: الأناشيد الإسلامية التي تباع في التسجيلات. فأجاب: لا أستطيع أن أحكم عليها؛ لأنها مختلفة , لكن أعطيك قاعدة عامة: ١. إذا كانت الأناشيد مصحوبة بدف فهي حرام؛ لأن الدف لا يجوز إلا في حالة معينة، لا في كل وقت , ومن باب أولى إذا كانت مصحوبة بموسيقى أو طبل. ٢. إذا كانت خالية من ذلك نظرنا: هل أنشدت كأنشودة الأغاني الماجنة، فهذه أيضاً لا تجوز , لأن النفس تعتاد هذا النوع من الغناء , وتطرب له، وربما تتجاوز إلى الأغاني المحرمة. ٣. إذا كانت هذه الأناشيد من فتيان أصواتهم فاتنة , يعني: قد تحرك الشهوة , أو قد يستمتع الإنسان بالصوت دون مضمون القصيدة: فهذه أيضاً لا تجوز. أما إذا كانت أناشيد حماسية على غير الوجه الذي قلت لك: فليس بها بأس , لكن خير من ذلك أن يستمع إلى القرآن , أو يستمع إلى محاضرة جيدة مفيدة , أو يستمع إلى درس من دروس العلماء، هذا أفضل , يستفيد فائدة دينية، وفائدة أخرى أنه يسهل الطريق على الإنسان؛ لأن الإنسان ربما يسافر مثلاً من مكة إلى المدينة فيحتاج إلى أشياء توقظه. السائل: لكن ما حكم بيعها؟ . الشيخ: أعطيك قاعدة: كل ما حرم استعماله حرم بيعه؛ لقول الرسول ﵊: (وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ) - رواه أبو داود، وهو صحيح -. " لقاءات الباب المفتوح " (١١١ / السؤال ٧) . وقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله: ونحن لا ننكر إباحة الإنشاد النزيه وحفظه، ولكن الذي ننكره ما يلي: ١. ننكر تسميته نشيداً إسلاميّاً. ٢. ننكر التوسع فيه حتى يصل إلى مزاحمة ما هو أنفع منه. ٣. ننكر أن يجعل ضمن البرامج الدينية، أو يكون بأصوات جماعية، أو أصوات فاتنة. ٤. ننكر القيام بتسجيله وعرضه للبيع؛ لأن هذا وسيلة لشغل الناس به؛ ووسيلة لدخول بدع الصوفية على المسلمين من طريقه، أو وسيلة لترويج الشعارات القومية والوطنية والحزبية عن طريقه أيضاً " انتهى. " البيان لأخطاء بعض الكتَّاب " (ص ٣٤١) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15574

أحكام ومسائل متعددة لزوج اكتشف علاقة غرامية بين زوجته ورجل أجنبي [السُّؤَالُ] ـ[اكتشفت أن زوجتي على علاقة غرامية بشاب، في بادئ الأمر كان بينهما اتصالات هاتفية، ولكن وصلت فيها الوقاحة أن أحضرته إلى البيت أثناء غيابي، هي إلى الآن لا تعرف أني علمت بالأمر، وأني أنوي طلاقها. سؤالي: هل يحق لي شرعاً أن أستعيد ما دفعت لها من مهر، وأن أجبرها على التنازل عن مؤخر المهر الذي سجلته على نفسي بأوراق مثبتة في المحكمة الشرعية؟ . سؤالي الثاني: سرقت مني زوجتي عدة مبالغ مالية، ولم أكتشف أنها الفاعلة إلا بعد السرقة الأخيرة، فهل يحق لي مطالبة أهلها باستعادة ما سرقته مني بالإضافة إلى استعادة المهر الذي ذكرته في سؤالي السابق؟ . سؤالي الثالث: عندنا طفلتان، الكبيرة عمرها سنتان ونصف، والصغيرة عشرة أشهر، وتوقفت عن الرضاعة من أمها، فهل يحق لي أن أحرم زوجتي بعد أن أطلقها من تربيتهم؛ بسبب ما فعلته من خيانة , فأنا أريد أن أربي بناتي بنفسي؛ خوفا من سوء أخلاقها؟ . سؤالي الرابع: زوجتي الآن حامل، هل أستطيع أن أطلقها وهي حامل؟ . سؤالي الخامس: حسب تقرير الطبيبة: الحمل غير مستقر إلى الآن، وقد تتعرض للإجهاض، إذا حصل ذلك هل يجب أن أنتظر حتى تأتيها الدورة الشهرية لكي أطلقها , ما هو التوقيت الشرعي للطلاق؟ . سؤالي السادس: هل يكفي طلقة واحدة أم يجب أن أطلقها ثلاث مرات متباعدات. أفيدوني، جزاكم الله عني كل خير، فأنا بانتظار فتواكم حتى أبدأ بالطلاق.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا بدَّ من تذكيرك أخي السائل قبل الإجابة على أسئلتك بأنك ترتكب إثماً عظيماً إن كنت تُخبر بخلاف الواقع، وبه تكون قاذفاً، تستحق الحد وهو ثمانون جلدة، وإن كنتَ صادقاً في دعواك فهي مصيبة ولا شك وابتلاء عظيم، ومع ذلك فإن مجرد وجود علاقة محرمة بين زوجتك وبين ذلك المجرم الآثم لا يعني حصول الزنا بينهما، لذا فينبغي لك الانتباه وأن تعلم أن عذاب الدنيا – وهو ثمانون جلدة – أهون من عذاب الآخرة، وهكذا كان النبي ﷺ يفعل مع من يتهم زوجته. عن ابن عمر قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدْ ابْتُلِيتُ بِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) ، فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ، وَوَعَظَهُ، وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَعَاهَا، فَوَعَظَهَا، وَذَكَّرَهَا، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، قَالَتْ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. رواه البخاري (٥٠٠٥) ومسلم (١٤٩٣) – واللفظ له -. قال ابن قدامة ﵀: إذا قذف زوجته المحصنة وجب عليه الحد , وحُكم بفسقه , وردِّ شهادته , إلا أن يأتي ببيِّنة أو يلاعن , فإن لم يأت بأربعة شهداء , أو امتنع من اللعان: لزمه ذلك كله، وبهذا قال مالك، والشافعي ... . ولنا: قول الله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ، وهذا عام في الزوج وغيره , وإنما خص الزوج بأن أقام لعانه مقام الشهادة في نفي الحد والفسق ورد الشهادة عنه. وأيضا: قول النبي ﷺ : (البيِّنة وإِلَاّ حدٌّ في ظَهْركِ) ، وقوله لما لاعن: " عَذابُ الدنْيا أَهْونُ مِنْ عَذابِ الآخِرَة) ؛ ولأنه قاذف يلزمه الحد لو أكذب نفسه , فلزمه إذا لم يأت بالبينة المشروعة، كالأجنبي. " المغني " (٩ / ٣٠) . فإن ثبت بما لا مجال للشك به أنها على علاقة محرَّمة مع أجنبي، أو تبيَّن لك زناها، أو اعترفت هي لك به: جاز لك التضييق عليها لتتنازل عن مؤخر صداقها. وإن كانت ليست على علاقة محرَّمة، ولم يتبين لك زناها، ولم تعترف: لم يجز لك ذلك التضييق. وعلاقاتها المحرمة لا ينبغي لك السكوت عليها، فإما أن تختار البقاء معها بعد استتابتها وتذكيرها بقبح فعلها، وإما أن تختار فراقها، فإن كرهت بقاءها في ذمتك: فلك أن تطلقها مع إعطائها صداقها. فأنت الآن بالخيار: إما أن تطلقها لفعلتها وتعطيها حقوقها، وإما أن تضيِّق عليها لتتنازل عن مؤخر صداقها، ولا يحل لك إبقاءها في ذمتك وهي على معصيتها دون توبة وإنابة منها. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) النساء/ ١٩. والفاحشة ليست هي الزنا فقط، بل ويدخل في لفظها: النشوز والعصيان للزوج، وسبه وسب أهله، ومن باب أولى دخول علاقتها المحرمة مع أجنبي في هذا اللفظ، وفي حكمه. قال ابن كثير ﵀: وقوله: (إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) قال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المُسَيَّب، والشَّعْبِيُّ، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن جُبَيْرٍ، ومجاهد، وعِكْرَمَة، وعَطاء الخراسانيّ، والضَّحَّاك، وأبو قِلابةَ، وأبو صالح، والسُّدِّي، وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي هلال: يعني بذلك الزنا، يعني: إذا زنت: فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها، وتُضَاجرهَا [تضيق عليها] حتى تتركه لك وتخالعها، كما قال تعالى في سورة البقرة: (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) البقرة/٢٢٩. وقال ابن عباس، وعكرمة، والضحاك: الفاحشة المبينة: النُّشوز والعِصْيان. واختار ابن جرير - أي: الطبري - أنَّه يَعُم ذلك كلَّه: الزنا، والعصيان، والنشوز، وبَذاء اللسان، وغير ذلك. يعني: أن هذا كله يُبيح مضاجرتها حتى تُبْرئه من حقها، أو بعضه، ويفارقها، وهذا جيِّد، والله أعلم. " تفسير ابن كثير " (٢ / ٢٤١) . ولا بدَّ أن تعلم أن مجرد زنا الزوجة لا يُسقط مهرها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولا يسقط المهر بمجرد زناها، كما دلَّ عليه قول النبي ﷺ للملاعن لما قال " مالي، قال: لا، مال لك عندها؛ إن كنت صادقا عليها فهو بما استحللتَ من فرجها، وإن كنت كاذباً عليها فهو أبعد ذلك "؛ لأنها إذا زنت قد تتوب، لكن زناها يبيح له إعضالها، حتى تفتدي منه نفسها إن اختارت فراقه، أو تتوب. " مجموع الفتاوى " (١٥ / ٣٢٠) . ثانيا: ما تأخذه المرأة من مال زوجها دون علمه له حالتان: الحالة الأولى: أن يكون ذلك للإنفاق على نفسها، وعلى أولادها، وبيتها، ويكون سبب فعلها ذلك: بخل زوجها، وشحه في النفقة. الحالة الثانية: أن يكون ذلك الأخذ لشراء كماليات، أو لإعطاء المال لأهلها، أو ما شابه ذلك من حالات الإنفاق. وفي الحالة الأولى: لا يحل للزوج مطالبتها بهذا المال؛ لأنها أخذت ما هو حق لها؛ لأن نفقة الزوجة والأولاد واجبة على رب البيت، وإذا قصَّر فيها، أو منعها: جاز لها الأخذ من ماله، ولو دون علمه. عن عائشة ﵂ قالت: قالت هند - امرأة أبي سفيان - للنبي ﷺ : إن أبا سفيان رجل شحيح - (أي: بخيل) -، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، قال: (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ) . رواه البخاري (٥٠٤٩) ومسلم (١٧١٤) . قال النووي ﵀ في ذِكر فوائد الحديث -: ومنها: أنَّ مَن له على غيره حق وهو عاجز عن استيفائه: يجوز له أن يأخذ من ماله قدْر حقه بغير إذنه. " شرح مسلم " (٤ / ٣٧٣) . وفي الحالة الثانية: لا يحل للزوجة أخذ شيء منك لغير ما سبق مما يجب عليك بذله، فإن فعلت أثمت، ولك أن تطالبها بما أخذته، وإن رفضت: فلك أن تستوفي مالك من مؤخر صداقها، أو مما لها من مال في ذمتك، إلا أن تكون أخذت ذلك المال للصدقة على المحتاجين، ففيه تفصيل، لكن ليس لك مطالبتها بما أنفقته. ثالثا: الأصل أن الأم أحق بحضانة أولادها – قبل سن السابعة - ما لم تتزوج، وليس المقصود بالحضانة الطعام والشراب والإيواء المادي فقط، بل – وأيضاً، وهو المهم -: التربية، والتعليم، والرعاية النفسية والخلقية، فإن كانت الأم كافرة أو فاسقة فلا يجوز تمكينها من حضانة أولادها، وليست العبرة في الحضانة كون الحاضن أباً أو أمّاً، بل العبرة بما يقدمه للمحضون من رعاية وتربية على الإسلام، وعليه: فأحق الوالديْن بالحضانة: أحسنهما دِيناً، فإن كانت الأم بعد تطليقها على غيها ومعصيتها: لم يجز تمكينها من حضانة أولادها، وتكون الحضانة للأب، وإن تابت وأنابت: فهي أحق بحضانتهم ما لم تتزوج، و (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) . قال ابن القيم – ﵀: قال شيخنا – أي: ابن تيمية -: وإذا ترك أحدُ الأبوين تعليم الصبي وأمْره الذي أوجبه الله عليه: فهو عاصٍ، فلا ولاية له عليه، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته: فلا ولاية له عليه، بل إما أن تُرفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب، وإما أن يُضم إليه من يقوم معه بالواجب، إذ المقصود: طاعة الله ورسوله بحسب. قال شيخنا: وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم والنكاح والولاء سواء كان الوارث فاسقاً أو صاحاً بل هذا من جنس الولاية التي لا بد فيها من القدرة على الواجب والعلم به وفعله بحسب الإمكان. قال: فلو قُدِّر أن الأب تزوج امرأة لا تراعي مصلحة ابنته، ولا تقوم بها، وأمها أقوم بمصلحتها من تلك الضرَّة: فالحضانة هنا للأم قطعاً. قال: ومما ينبغي أن يعلم أن الشارع ليس عنه نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقاً، ولا تخيير الولد بين الأبوين مطلقاً، والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقاً بل لا يقدم ذو العدوان والتفريط على البَرِّ العادل المحسن، والله أعلم. " زاد المعاد " (٥ / ٤٧٥، ٤٧٦) . وانظر جواب السؤال رقم: (٢٠٧٠٥) . رابعا: طلاق الحامل طلاق شرعي، موافق للسنَّة، ويعتقد كثير من العامة أنه لا يقع، وقولهم لا أصل له في الشرع، بل هو طلاق سنِّي. وقد روى مسلم (١٤٧١) قصة طلاق ابن عمر لامرأته وفيه قول النبي ﷺ " مُرْه فليراجعها ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً ". قال ابن عبد البر – ﵀: وأما الحامل: فلا خلاف بين العلماء أن طلاقها للسنَّة، من أول الحمل إلى آخره؛ لأن عدتها أن تضع ما في بطنها، وكذلك ثبت عن النبي ﷺ في حديث ابن عمر أنه أمره أن يطلقها طاهراً، أو حاملاً، ولم يخصَّ أول الحمل من آخره. " التمهيد " (١٥ / ٨٠) . وقد ذكرنا فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في حكم طلاق الحامل في جواب السؤال رقم (١٢٢٨٧) . وتستطيع ـ حينئذ ـ أن تطلق زوجتك طلقة واحدة رجعية، وأنت بالخيار بعدها، إما أن تراجعها في العدة – وهي هنا وضع حملها – إن رأيت صلاحها واقتنعت بتوبتها، وإما أن تنتظر انتهاء عدتها فتصير بعده بائنة بينونة صغرى، فتصبح حرة نفسها، وتستطيع إرجاعها برغبتها وبموافقة ولي أمرها بعقد ومهر جديدين؛ لأنها أجنبية عنك. ولا تستطيع تطليقها ثلاث طلقات في مجلس واحد، ولا بلفظ واحد؛ لأنه تطليق مخالف للسنَّة. وانظر جواب السؤال رقم (٣٦٥٨٠) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15575

زوجها مريض نفسيّاً ويؤذي زوجته فكيف تتصرف معه؟ وهل له حقوق ؟ [السُّؤَالُ] ـ[امرأة تسأل عن حق زوجها، حيث إن زوجها مريض نفسيّاً، ومختل، وهو لا يتدخل في أمور الحياة المنزلية، ودائماً يتهمها بالإثم، وهي بعيدةٌ عنه، وهو أب لـ ١٠ أفراد، تزوج أولاده من دون معاونته لهم، مما يؤدي ذلك لانفعال زوجته من هذا الأمر، ولا تطيقه في الكلام معه. راجين منكم حكم الشرع في هذا الأمر؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نسأل الله تعالى أن يشفي زوجك عاجلاً غير آجل، ونسأل الله أن يُعظم لك الأجر على صبرك وتحملك، وهذه المصيبة التي ابتلاكم الله تعالى بها تؤجرون عليها لو أنكم صبرتم واحتسبتم الأجر عليها. عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) . رواه مسلم (٢٩٩٩) . وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ وَلَا أَذى وَلَا غمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكَها إِلَاّ كفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطَايَاه ". رواه البخاري (٥٣١٨) ومسلم (٢٥٧٣) . ثانياً: مرض زوجكِ إما أن يكون معه مُدرِكاً لأفعاله وتصرفاته، أو لا يكون مُدرِكاً، فإن كان مدركاً: فهو مؤاخذ بما يقول، وبما يفعل، ولا يحل له قذفك، ولا التخلي عن تربية أولاده، ويجب عليه القيام بما أوجبه الله تعالى عليه من الطاعات، وعدم فعل ما نهاه الله تعالى عن فعله. وفي هذه الحال يجب عليكِ أداء حقوقه الزوجية، ولا يحل لك التهاون بها. وإن كان مرضه لا يُدرِك معه تصرفاته وأفعاله: فقد سقط عنه التكليف، ولا يؤاخذ بما يقول، ولا بما يفعل، إلا إن تعلق فعله بحق غيره، فلصاحب الحق أن يأخذ حقه من مال زوجك، أو من أوليائه، كما لو تعدى على غيره بالقتل، أو حطَّم له سيارته، أو ما يشبه ذلك من الأفعال. عن عائشة عن النبي ﷺ قال: (رُفِعَ القَلَمُ عن ثلاثةٍ: عن النائمِ حتى يستيقظَ، وعَن الصبِيِّ حَتى يَحتلمَ، وعَن المجنونِ حتى يَعْقل - أو يفيق -) . رواه أبو داود (٤٣٩٨) والنسائي (٣٤٣٢) وابن ماجه (٢٠٤١) . وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". قال ابن حزم – ﵀: وأما من لم يبلغ , أو بلغ وهو لا يميز، ولا يعقل، أو ذهب تمييزه بعد أن بلغ مميزاً: فهؤلاء غير مخاطَبين، ولا ينفذ لهم أمر في شيءٍ من مالهم؛ لما ذكرنا من قول رسول الله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاث , - فذكر: - الصبي حتى يبلغ , والمجنون حتى يبرأ) . " المحلى " (٧ / ٢٠٠) . وقال الشيخ ابن عثيمين – ﵀: وأما العاقل فضده: المجنون الذي لا عقل له، ومنه الرجل الكبير، أو المرأة الكبيرة إذا بلغ به الكبر إلى حد: فقد التمييز، وهو ما يًعرف عندنا بـ " المهذري ": فإنه لا تجب عليه الصلاة حينئذ لعدم وجود العقل في حقه. " مجموع الفتاوى " (١٢ / السؤال الأول) . وينظر كلام أهل العلم في تصرفاته وأثرها في جواب السؤال رقم (٧٣٤١٢) . وبالنسبة لاتهامك بالإثم: فإن كنتِ تعنين " الزنا ": ففي حاله الثانية: لا يقع منه قذف؛ لتخلف شرط مهم وهو العقل، ومثله – أيضاً – لا يمكن أن يلاعن. وفي " الموسوعة الفقهية " (٣٣ / ١١) : اتّفق الفقهاء على أنّه يشترط في القاذف: البلوغ والعقل والاختيار، وسواء أكان ذكراً أم أنثى، حرّاً أو عبداً، مسلماً أو غير مسلم. انتهى والخلاصة: إما أن تتحملي ما يجري منه إن كان غير مدرك لتصرفاته وأفعاله بسبب مرضه واختلال عقله، وإما أن ترفعي أمرك للقضاء الشرعي ليحكم القاضي بأهليته للبقاء لك زوجاً، أو يحكم بفسخ النكاح. وإن كان مدرِكاً لتصرفاته: فإما أن تتحملي ما يجري منه، وإما أن تطلبي منه الطلاق، فإن أبى: فترفعين أمرك للقضاء الشرعي ليفصل بينكما. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15576

ما هي حدود تدخل الوالدين في زواج ابنهم؟ وهل يأثم إن خالف رغبتهما ؟ [السُّؤَالُ] ـ[تعرفت على فتاة أسلمت حديثاً (كانت نصرانية) ، واتفقنا على الزواج، لكن أسرتي تمانع ذلك بشدة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نرجو أن تنتبه لما فعلتَه من مخالفات شرعية من التعرف على تلك الفتاة الأجنبية عنك، ومخاطبتك لها، ومصاحبتها، وغير ذلك من التقصير الذي تعترف به، واعلم أن هذه المعاصي تقتضي منك: الإقلاع عنها، والندم عليها، والعزم على عدم العود لها، مع الإكثار من الاستغفار والأعمال الصالحة. وبخصوص علاقتك بتلك الفتاة: فلا يحل لك محادثتها، أو رؤيتها، فضلاً عن مصاحبتها والخلوة بها، ومن الجيد لك ولها أنكما فكرتما في الزواج، فهو الوسيلة الوحيدة لجمعك بها جمعاً شرعيّاً، فابذل وسعك فيه، فإن لم يتيسر لك: فلا تُبقِ لتلك العلاقة أثراً، ولعلَّ الله تعالى أن يعوضك خيراً منها، ويعوضها خيراً منك. وقد سبق ذكرنا لمسألة تحريم المراسلة بين الجنسين في جوابي السؤالين: (٢٦٨٩٠) و (١٠٢٢١) فلينظرا. وفي التعلق المحرم وآثاره والزواج من المتعلَّق به: يُراجع جواب السؤال رقم (٤٧٤٠٥) . ثانياً: بالنسبة لاعتراض أسرتك على التزوج بها: فاعلم أن علاقة الوالدين بزواج ابنهم لها صور متعددة، ومنها: ١. عدم موافقتهم على أي فتاة يختارها لنفسه زوجة. ٢. عدم موافقتهم على فتاة يختارها، لكن عدم موافقتهم تكون لأسباب شرعية، كأن تكون سيئة السمعة، أو تكون على غير دين الإسلام – وإن كان نكاح الكتابية جائز في أصله -. ٣. عدم موافقتهم على فتاة يختارها لا لأسباب شرعية، بل لأسباب شخصية، أو دنيوية، كنقص جمالها، أو حسبها ونسبها، وقلبه غير متعلق بها، ولا يخشى على نفسه لو ترك التزوج بها. ٤. الصورة السابقة نفسها، لكنَّ قلبه متعلق بها، ويخشى على نفسه الفتنة لو أنه ترك التزوج بها. ٥. إجباره على فتاة يختارونها له، ولو كانت ذات دين وجمال. والذي يظهر لنا من حكم تلك الصور السابقة: أنه يجب على الابن طاعة والديه في الصورتين الثانية والثالثة، ويتأكد الوجوب في الصورة الثانية، ففي الصورة الثانية الأمر فيها واضح، وطاعتهما ملزمة؛ لأنه سيقدم على أمرٍ فيه شر لابنهم وقد ينتشر ليصيبهم، وفي الصورة الثالثة: الأمر فيها مباح له، وطاعتهما واجبة، فيقدم الواجب على المباح. وأما الصورة الأولى والرابعة والخامسة: فلا يظهر أنه يجب عليه طاعتهما؛ فاختيار الزوجة من حق الابن، وليس من حق والديه، ويمكنهم التدخل في بعض الحالات، لا فيها كلها، فمنعُه من التزوج بأي فتاة يختارها بغض النظر عن كونها متدينة أم لا: تحكم لا وجه له، ولا يلزمه طاعتهما. وكذا لو تعلق قلبه بامرأة، وخشي على نفسه الفتنة لو أنه لم يتزوج بها: فهنا لا تلزمه طاعتهما إذا أمراه بتركها، وعدم التزوج بها؛ لما يؤدي ذلك إلى شر وفتنة جاءت الشريعة لدرئهما عنه. ويتأكد عدم طاعتهما في الصورة الخامسة، وهي أن يلزماه بفتاة هم يختارونها، وهذا ليس مما يلزمه طاعتهما فيه، وهو بمنزلة الطعام والشراب، فهو يختار ما يشتهي ليأكله ويشربه، وليس لهما التحكم في ذلك. قال ابن مفلح الحنبلي ﵀: ليس للوالدين إلزام الولد بنكاح من لا يريد، قال الشيخ تقي الدين ﵀ (أي: ابن تيمية) : إنه ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد، وإنه إذا امتنع لا يكون عاقا، وإذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر منه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه: كان النكاح كذلك، وأولى، فإن أَكْلَ المكروه مرارة ساعة، وعِشْرة المكروه من الزوجين على طول، تؤذي صاحبه، ولا يمكنه فراقه. انتهى كلامه. " الآداب الشرعية " (١ / ٤٤٧) . وعليه نقول: إذا كانت تلك الفتاة قد أسلمت وحسن إسلامها، وكان قلبك معلَّقاً بها، وكنت تخشى على نفسك الفتنة لو أنك تركتها: فنرى أن تتزوجها، ولو لم توافق أمك، وأولى من هذا أنك تخشى على دينها أن تُفتن فيه، بسبب عدم وجود من يرعى شأنها وأمرها. ونوصيك بمحاولة بذل الجهد لإقناع والديك؛ لتجمع بين الخيرين: طاعتهما، والتزوج بمن تعلق قلبك بها، ولك أن تتزوج دون علم والدتك، مع الحرص على هدايتها، وإرشادها، والدعاء لها ولوالدك. واعلم أنه حيث جاز لك التزوج بمن ترغب، ولم تُلزم بطاعة والديك: فلا تخشَ دعاءهما عليك، وغضبهما منك؛ لأنه دعاء بإثم، ولا يقبله الله منهما، إن شاء الله، إلا أن تكون ظالماً لهما معتدياً عليهما، وحيث جاز لك التزوج دون الالتزام بما يرغبانه فلست آثماً ولا ظالماً. وانظر – للأهمية -: جوابي السؤالين: (٨٢٧٢٤) و (٨٤٠٥٢) . وانظر جوابي السؤالين: (٢١٨٣١) و (٥٥١٢) . وفي تلك الأجوبة بيان لكثير من الصور التي ذكرناها. وانظر جواب السؤال رقم (٥٠٥٣) فيه بيان حقوق أمك عليك، وحقوقك على أمك. ثالثاً: اعلم أنه لا يجوز لك التزوج بتلك الفتاة من غير ولي لها، فإن كان ثمة ولي لها من أهلها من المسلمين: فيجب موافقته على الزواج - ولا ولاية لكافرٍ عليها إن هي أسلمت -، فإن لم يوجد أحد من المسلمين من أوليائها: تولى أمرها أحد المسلمين، كقاضٍ شرعي، أو مفتٍ للمسلمين، أو إمام مركز إسلامي، وبكل حال: لا يحل لها التزوج من غير ولي. وانظر - للأهمية -: جواب السؤال رقم (٧٩٨٩) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15577

هل يتزوج مطلقة، رغم معارضة والديه ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا رجل ملتزم دينيا، وأريد أن أتزوج، وقد تعرفت على سيدة مطلقة، وهي أكبر مني بعدة سنوات، وصاحبة دين ولقد أردت دائما أن أظفر بذات الدين، والحمد لله وجدتها هي ذات الدين والجمال والخلق والنسب والمال كما دلنا الرسول على مواصفات الزوجة الصالحة؛ لقد أحببتها حبا جما لصفاتها الحسنة وعقلها المتزن , وتلك الصفات لا أجدها أبدا فيمن في سني!! عرضت الموضوع على أهلي فرفضوا بشدة، وأنا أعلم أني في حال عدم زواجي بها لن تستقيم حياتي أبدا، وسأكره والدي كرها لم يره بشر من قبل، ولكنى سأعاملهما بالحسنى ابتغاء مرضاة الله فقط. فهل يجوز لي الزواج بغير رضا والدي؟ وما يعاقب والدي لأنهما منعا حلال الله لأسباب دنيويه، وليس لأسباب دينية؟ وفى حال رفض أهلها أيضا؛ بم تنصحونهم؟ وأريد أن أعف نفسي بالزواج، حيث إنى أستطيع الباءة، كما قال الرسول ﷺ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله: فإنك أيها الأخ الكريم قد أبديت شدة احتياجك إلى هذه النصيحة، فنسأل الله تعالى أن يوفقك للانتفاع بها، على قدر ما أبديت من حاجة إليها، وألا يكلك إلى نفسك التي سولت لك أن والديك غير ناصحين لك، وأنك قد تكرههما كرها لم يره بشر إذا حالا بينك وبين هواك؟!! أيها الأخ الكريم؛ أتريد أن نتحدث معك من خلال عقلك الكبير الذي يسبق سنك، ولا يتفهمه والداك؟ أم تريد منا أن نتحدث معك من خلال عاطفتك التي طغت على كل شيء عندك، حتى على نظرتك إلى أبويك؟ أما العقل الكبير، فلن نقول لك هنا: كم من أناس أهلكتهم عقولهم، وأرداهم إعجابهم برأيهم..، لن نحتاج إلى أن نقول لك شيئا من ذلك؛ بل نقول لك، وهذا لا بد أن تعلمه من نفسك، كما يعلمه كل عاقل، وتشهد به التجارب: لقد خسرت قسطا كبيرا من عقلك هذا (الكبير) من جراء ما أنت فيه، وصرت تفكر بعاطفتك الجياشة، التي ملكت عليك حياتك!! فإن كابرت في تلك الحقيقة، نعيذك بالله من هذا، فاستمع الآن، وأنت المتديِّن جدا، على حد قولك، إلى قول رسول اللَّهِ ﷺ للنساء: (مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ) رواه البخاري (٣٠٤) ومسلم (٨٠) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: " قَوْله: (أَذْهَبُ) أَيْ أَشَدّ إِذْهَابًا , وَاللُّبّ أَخَصّ مِنْ الْعَقْل وَهُوَ الْخَالِص مِنْهُ , (الْحَازِم) الضَّابِط لِأَمْرِهِ , وَهَذِهِ مُبَالَغَة فِي وَصْفهنَّ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الضَّابِط لِأَمْرِهِ إِذَا كَانَ يَنْقَاد لَهُنَّ فَغَيْر الضَّابِط أَوْلَى " انتهى. وصدق الأعشى حين قال: وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبْ!! فنرجو منك أن تفتح لما تقرأ الآن قلبك عقلك، واصدق الله وانصح لنفسك: كيف تعرفت على هذه المرأة؟ وكيف وصل بك الحال إلى أن (أحببتها حبا جما) ؟ اعلم أنك لو تعرفت عليها تعرفا أدى بك إلى هذه الحال في مجلس تحفيظ للقرآن الكريم، لكان هذا المجلس آثما ينهى عن مثله، فكيف بغيره من المجالس والملتقيات؟ إنك ما أحببتها حبا جما إلا بعد نظر محرم، استماع محرم، واتباع لخطوات الشيطان حتى جعلك ترى هذه المرأة على تلك الصورة التي ربما لم تكن عليها في واقع الأمر؛ فألقى في قلبك أن ليس في الناس مثلها، حتى آل بك الأمر إلى أن ترى والديك يحولان بينك وبين سعادتك، وإلى أن تكرههما كرها لم يره بشر، يا أيها المتدين العاقل؟!! وحتى رحت تسأل: " وما عقاب والدي عند الله لأنهما منعا حلال الله لأسباب دنيويه.. " أتريد أن تتشفى بما يكون لهما من العقاب عند الله، لتبرد نار الشوق والحرمان في صدرك؟!! أم أنك مشفق عليهما من عقاب الله وعذابه؟!! على أية حال، والله ما نعلم لهما عقابا عند الله، ما داما يجتهدان في النصح لك، والسعي فيما يصلحك، ويصلح لك؛ هذا إن أخطآ، فكيف إن أصابا في ذلك، وإنا لنسأل الله ألا يحرمهما من الأجر على كل حال؛ أجر تربيتك، والصبر عليك، والنصح لك، والاهتمام بأمرك ... ولو سألت عن الاختيار بين الأمرين: أن تبدأ حياتك بطريقة تغضب والديك، وتسبب القطيعة، أو ترضيهما على حساب عاطفتك، واختيارك لنفسك؟!! لقلنا: السؤال خطأ، فرضا الوالدين لا يعدله شيء، فيكف يوزن بمثل ذلك؟!! وإن أردت نصيحتنا، فلا تقدم على شيء لا يرضاه والداك، وإن كنت تريد صاحبة الدين، فصاحبات الدين سواها كثير، فاختر منهن ما تناسبك، وترضي والديك، لتجمع بين الحسنيين، وليست المرأة التي تفوتك هي نهاية العالم، كما يتصور العاشقون، بل أمر الزواج أيسر من ذلك، إنما هو المودة والرحمة والسكن، وهذا من الممكن تحصيله ـ بسهولة ـ بين الأشخاص الأسوياء!! وهذا كله نقوله لك، إن كنت ترضى منا أن نخاطبك من خلال عقلك الكبير، فاحذر أن تكون ما أنت فيه جذوة من الشوق، لا تلبث أن تخبو عند مصادمة الحياة الواقعية. فأما إن أبيت ذلك، ورأيت أنك لن تستقيم حياتك، وسوف تكره ... ، معاذ الله، فلنخاطبك الآن بحكم عاطفتك التي أسكرتك، وغطت على عقلك، حتى لم تقدر لما تقوله وزنا؛ فالهوى والعشق حالة مضية، كما قال ابن القيم ﵀: " فصل: في ذكر حقيقة العشق وأوصافه وكلام الناس فيه: فالذي عليه الأطباء قاطبة أنه مرض وسواسي، شبيه بالماليخوليا، يجلبه المرء إلى نفسه بتسليط فكره على استحسان بعض الصور والشمائل، وسببه النفساني الاستحسان والفكر " انتهى من روضة المحبين (١٣٧) . فلتتزوج هذه المرأة التي تعلقت بها، وليس هناك ما يمنع من ذلك، حتى وإن لم تتقبل أعراف الناس ذلك بسهولة، لكننا ننصحك أن تستشير في ذلك من تثق بعقله ودينه ممن يعرفك ويعرفها، أو على الأقل أن تتحرى عن دينها، من طرف محايد، لا يتأثر رأيه بعاطفة جياشة، ولا بموقف رافض لفكرة زواجك بها من الأساس. فإن صح لك أنها صاحبة الدين التي تبحث عنها لتعف نفسك، فلا يعنينا الآن أن يكون ما قالته عن زوجها صحيحا، لأن مثل هذا الأمر لا يجوز الخوض فيه , ولا قبول رأيها فيها، لأن بينهما خصومة، وليس من اللازم للطلاق أن تقع تلك الجرائم، وليس من اللازم أيضا للزواج بالمطلقة أن تكون ضحية لمثل ذلك، فقد يكون هو زوجا صالحا خيرا، وتكون هي كذلك، لكن الحياة لم تستقم بينهما!! إننا معك في أن نظرة المجتمعات للمطلقات، بل وللأرامل أيضا، هي نظرة جاهلية في المقام الأول، حتى لتكاد تحكم على الواحدة منهن بالإعدام من الحياة الاجتماعية السوية، وأخذ فرصة أخرى للعيش الكريم. وفي هذه الحال ننصح والديك بالتوقف عن معارضة زواجة، مراعاة لما وصل إليه أمرك، ما دام أنه لا يوجد ما يطعن في دين المرأة ولا خلقها، وليس من حقهما حينئذ ـ وقد بذلا نصحهما ـ أن يكرهاك على أمر لا تريده، أو يمنعاك مما تعلقت به نفسك. وانظر جوابي السؤالين رقم (٣٠٧٩٦) ورقم (٢٠١٥٢) . لكن يبقى موافقة أهلها هي على ذلك، فهذا ليس له حل عندنا، بل لا بد من موافقة أهلها، ولا يحل لك أن تنكحها من غير إذن وليها، ولو قدر أن هذا يحل، أفيعقل أن تعيشا في منعزل عن أهلك وأهلها، وأن تعادي أنت أهلك لأجلها، وتعادي هي أهلها لأجلك؟!! هذا ـ فقط ـ في قصص العشاق، وأفلام العواطف الجياشة، وأما الحياة الواقعية، فينبغي أن تكون لها موازينها وضوابطها. وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى، وألهمنا رشدنا، ووقانا شر أنفسنا. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15578

هل فعل أحد أفراد الأسرة لذنب اقترفه والدهم في الماضي من تعجيل العقوبة ؟! [السُّؤَالُ] ـ[هل عندما يعمل شخص ذنب، وبعد ذلك يكتشف أن ابنه أو أي شخص من عائلته عمل ذات الذنب، هل ذلك: كما تدين تدان، أم إنه تعجيل للعقوبة؟ وهل يجب أن يعاقب هذا الشخص الذي تحت مسئوليته وعمل الذنب؟ أم إنه يقول: إن هذا عقاب من الله لظلمه لنفسه، وبما كسبت يداه وإنه خارج إرادة الشخص الذي تحت مسئوليته؟ أرجو إفتاءنا، وجزاكم الله خير]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فإن الإنسان لا يؤاخذ بذنب غيره، كما قال الله سبحانه: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَاّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) الأنعام:١٦٤، قال العلامة الشوكاني ﵀ في فتح القدير عند تفسير الآية: " أي لا يؤاخذ مما أتت من الذنب، وارتكبت من المعصية سواها؛ فكل كسبها للشر عليها لا يتعداها إلى غيرها " انتهى. ثم قال ﵀: " وقد قيل: إن المراد بهذه الآية في الآخرة، والأولى حمل الآية على ظاهرها، أعني العموم. " انتهى. وإذا كان كذلك فإن الله تعالى لا يقدر الذنب على إنسان مؤاخذة له بذنب غيره، ولكنه حكيم فيما يفعل، وهو أعلم أين يضع فضله. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في شفاء العليل (١/٧١) : (فالله أعلم حيث يضع هداه وتوفيقه كما هو أعلم حيث يجعل رسالته.) فهو سبحانه يهدي ويوفق من يشاء فضلا، ويخذل من يشاء عدلاً. ولكن شؤم المعصية قد يسري من شخص لآخر، لمجالسته له وإلفه لعمله؛ إذ ربما جره ذلك إلى موافقته في فعله، والاقتداء به، وربما كان في تقدير الله المعصية على قريب العاصي إساءة له، وتنغيص عليه؛ فكان في ذلك نوع من المجازاة له، ولكن مع اعتقاد أن الله قدر ذلك بتمام عدله وحكمته. ومن الكلام المأثور عن علي ﵁، في كتب الأدب: " من هَتك حجاب أخيه، هُتِك حجاب بنيه!! ". وفي قول الله تعالى: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) مريم: ٢٨ قال قتادة ﵀: " كانت من أهل بيت يُعرفون بالصلاح، ولا يُعرفون بالفساد؛ ومن الناس من يُعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يُعرفون بالفساد ويتوالدون به " تفسير الطبري (١٨/١٨٦) . وقال ابن كثير ﵀: "أي: أنت من بيت طيب طاهر، معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟! " تفسير ابن كثير (٥/٢٢٦) وقال الشيخ السعدي ﵀: " وذلك أن الذرية - في الغالب - بعضها من بعض، في الصلاح وضده " اهـ تفسير السعدي (٤٩٢) . وفي سنن أبي داود (٣٩٦٣) وغيره، وصححه الألباني، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ) ؛ أَيْ الزَّانِيَانِ وَوَلَدهمَا. قال شيخ الإسلام ﵀: " ولد الزنا إن آمن وعمل صالحا دخل الجنة، وإلا جوزي بعمله كما يجازى غيره، والجزاء على الأعمال لا على النسب، وإنما يذم ولد الزنا لأنه مظنة أن يعمل عملا خبيثا، كما يقع كثيرا؛ كما تحمد الأنساب الفاضلة لأنها مظنة عمل الخير؛ فأما اذا ظهر العمل فالجزاء عليه، وأكرم الخلق عند الله أتقاهم " اهـ مجموع الفتاوى (٤/٣١٢) . قال الشاعر: وَأَوَّلُ خبثِ الماءِ خَبثُ تُرابِهِ وَأَوَّلُ لُؤمِ القَومِ لُؤمُ الحَلائِلِ وليس ذلك كما قلنا من مؤاخذة الإنسان بذنب غيره في شيء؛ وإنما الطبع لص، والأيام دُول، والمعاصي ديون!! وكما أن الله تعالى يمن على عبده الصالح، ويُقر عينه بصلاح زوجه وذريته، فقد يكون من عقاب العاصي أن يرى شؤم معصيته فسادا في ذريته، أو معصية في أهله، نعوذ بالله من غضبه وشر عقابه. وأما تأديبه، بل وعقابه لشخص تحت رعايته، وقد وقع في نفس الذنب الذي وقع فيه هو من قبل، فنعم هذا واجب عليه أيضا: أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في بيته فيلزمه أن ينكر على من ولاه الله عليه إذا وقع في المعصية التي هو واقع فيها. قال العلامة السفاريني ﵀ في غذاء الألباب (١/٢١٩) : يجب على كل مؤمن مع الشروط المتقدمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو فاسقاً، حتى على جلسائه وشركائه في المصعية. انتهى. وقال العلامة زكريا الأنصاري ﵀ في أسنى المطالب (٤/١٨٠) : " لا يشترط في الآمر والناهي كونه متمثلاً ما يأمر به، مجتنباً ما ينهى عنه، بل عليه أن يأمر وينهى نفسه وغيره، فإن اختل أحدهما لم يسقط الآخر." انتهى. على أنه سوف يكون عيبا عليه، أي عيب، وشينا في حقه أي شين: أن يأمر الناس بالمعروف وينسى، وينهاهم عن المنكر الذي يأتيه: قال الله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) البقرة:٤٤،وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) الصف: ٢-٣. فليس له من مخرج من تلك الورطة، ولا علاج لذلك الفصام، إلا بالتوبة النصوح، والأخذ بعمل الخير، قبل أن يذوق وبال أمره: (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) . قال الشاعر: يا أَيُّها الرَجُلُ المُعَلِّمُ غَيرَهُ هَلا لِنَفسِكَ كانَ ذا التَعليمُ تَصِفُ الدَّواءَ لِذي السَّقامِ وَذي الضَّنا كيما يَصحّ بِهِ وَأَنتَ سَقيمُ لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتأتيَ مِثلَهُ عارٌ عَلَيكَ إِذا فعلتَ عَظيمُ فابدأ بِنَفسِكَ فانهَها عَن غَيِّها فَإِذا اِنتَهَت عَنهُ فأنتَ حَكيمُ فَهُناكَ يُقبَلُ ما تَقولُ وَيَهتَدي بِالقَولِ منك وَينفَعُ التعليمُ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15579

ضعف إيمانه بعد استقامته، وترك الصلاة لعدة أيام [السُّؤَالُ] ـ[كان عندي مشكلة، وفي نفس الوقت سؤال عن فتوى: أنا وبفضل الله علي التزمت منذ أشهر، ولكن بعد مرور الوقت بدأت أضعف، ولا أعرف السبب، وبدأت الهمة تنقص تدريجيا لدرجة أني جاءت علي فترات تركت فيها الصلاة وأصبحت عزيمتي ضعيفة، ولكن والحمد لله حاولت ألا أقع في المعاصي، غير أني أضعت كثيرا من الصلوات وذلك أثناء فترة التزامي، إما أن أكون نائما أو في الخارج، وبعد مرور الوقت من التزامي تركت الصلاة لأيام ... ، فماذا افعل وأشعر أحيانا أن لدي عقدة في موضوع الصلاة، حيث أضيع الصلوات كثيرا، وأشعر أنني لن أشفي من تلك العقدة؛ فما الحل لها؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ينبغي لك أخي السائل أن تقدر نعمة الله عليك بأن وفقك للتوبة والالتزام بدينك، قبل فجأة الموت فتعظم شكره على هذه النعمة، وهذا سيستدعي منك مزيداً من الاجتهاد في الطاعة. فقد روى البخاري (٤٨٣٦) ومسلم (٢٨١٩) عن المغيرة بن شعبة قال: قَامَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ: (أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا) فكيف ترضى لنفسك أن تقابل الجميل بالقبيح، وتعود من إلى أول الطريق بعد ما قطعت فيه شوطا، بل يا ليتك تعود إلى أول الطريق المستقيم، لقد انحرفت، واعوججت عن الطريق بعد ما من الله عليك بالاستقامة، وقد كان النبي ﷺ يتعوذ بالله من مثل هذا. ففي صحيح مسلم (١٣٤٣) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْنِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ) . وفي رواية النسائي (٥٤٩٨) وغيره: (وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ) . ولقد ضرب الله تعالى في كتابه الكريم لمن عاد إلى سوء الحال، وهدم ما بناه، وانتكس في طريق الهداية، مثلا يبين سوء حاله، وما اختاره لنفسه، ويحذر عباده من ذلك الصنيع من أفعال الحمقى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) النحل ٩١-٩٢ قال الشيخ ابن سعدي ﵀: " وهذا يشمل جميع ما عاهد العبد عليه ربه من العبادات والنذور والأيمان التي عقدها، إذا كان الوفاء بها برا، ويشمل أيضا ما تعاقد عليه هو وغيره كالعهود بين المتعاقدين.. ﴿وَلا تَكُونُوا﴾ في نقضكم للعهود بأسوأ الأمثال وأقبحها وأدلها على سفه متعاطيها، وذلك ﴿كَالَّتِي﴾ تغزل غزلا قويا فإذا استحكم وتم ما أريد منه نقضته فجعلته ﴿أَنْكَاثًا﴾ فتعبت على الغزل ثم على النقض، ولم تستفد سوى الخيبة والعناء وسفاهة العقل ونقص الرأي، فكذلك من نقض ما عاهد عليه فهو ظالم جاهل سفيه ناقص الدين والمروءة. " انتهى. ص (٤٤٧) . فسارع بالتوبة من الحالة التي أنت عليها وبادر بذلك، فإن ترك الصلاة من أعظم الذنوب التي عُصِي الله بها، وقد سمى النبي ﷺ تركها كفراً، فقال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر.) رواه الترمذي (٢٥٤٥) وأحمد وغيرهما وصححه الألباني. فالعجب كيف يقول الأخ السائل: حاولت ألا أقع في المعاصي، ثم يذكر أنه أضاع كثيراً من الصلوات؛ فما هو تصوره للمعاصي إذاً؟!! إن ترك الصلاة هو أعظم ذنبا وخطرا، من كل ذنب حاولت أن تمنع نفسك من، سوى الشرك بالله تعالى. فالبِدارَ البدارَ بالتوبة والندم على ما فات، قبل أن تأتي لحظة يندم فيها الإنسان ولا ينفعه الندم. وأما قولك: " إن لديك عقدة في موضوع الصلاة، وتشعر بأنك لن تشفى من تلك العقدة "، فإن هذا من تزيين الشيطان وتسويله وتخويفه، وأنت الذي أعنت عدوك على نفسك، وتركته يعقد على قلبك تلك العقدة من الأوهام والكسل، وضعف الهمة والعزيمة على الخير؛ فبادر بحلها بطاعة الله تعالى، والحفاظ على الوضوء، والمسارعة إلى الصلوات في أول وقتها. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ مَكَانَهَا عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ) رواه البخاري (٣٢٦٩) ومسلم (٧٧٦) قال ابن عبد البر ﵀: " في هذا الحديث أن الشيطان ينوم المرء ويزيده ثقلا وكسلا، بسعيه وما أعطي من الوسوسة والقدرة على الإغواء والتضليل وتزيين الباطل والعون عليه، إلا عباد الله المخلصين. وفي هذا الحديث دليل على أن ذكر الله يطرد به الشيطان، وكذلك الوضوء والصلاة.. " انتهى. التهميد (١٩/٤٥) . وقال ابن القيم ﵀: " ولا ريب أن الصلاة نفسها فيها من حفظ صحة البدن وإذابة أخلاطه وفضلاته ما هو من أنفع شيء له، سوى ما فيها من حفظ صحة الإيمان وسعادة الدنيا والآخرة. وكذلك قيام الليل من أنفع أسباب حفظ الصحة، ومن أمنع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة، ومن أنشط شئ للبدن والروح والقلب، كما في الصحيحين.. " وذكر الحديث. زدا المعاد (٤/٢٢٥) . فلا تضعف يا عبد الله أمام عدوك، ولا تمكنه من نفسك، واستعن بالله ولا تعجز، كما أمرك نبيك ﷺ ، واعلم أن: (كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) النساء: ٧٦ واعلم أن الصلوات المفروضة يسيرة لا يجد المسلم عناءاً في أدائها والمحافظة عليها. وأما ما ذكرته من فتور الهمة، فقد يكون سببه نوع الجلساء الذين تجالسهم، فاحرص قدر الاستطاعة على حضور مجالس الذكر والعلم ومصاحبة الأخيار، فإن العبادات تسهل على النفس إذا رأى الإنسان من يقتدي به فيها ويعينه عليها، والإنسان معرض لا محالة لحالات يزيد فيها نشاطه ورغبته في الخير، ولحالات أخرى تقل فيها تلك الرغبة، ولكن لا يجوز أن تؤدي به تلك الحال إلى ترك الفرائض، أو ارتكاب المحرمات، فقد قال النبي ﷺ : (إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ فَمَنْ كَانَتْ شِرَّتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ) رواه أحمد (٦٧٢٥) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٢١٥١) . ولذا فالنصيحة لك أيها الأخ الكريم أن تجعل لنفسك برنامجاً ثابتاً لا تنقص عنه؛ مشتملاً على الفرائض والمؤكدات من النوافل، فإن زدت في بعض الأحيان فذاك خير إلى خير، وإذا نقصت فلا تنقص عن الفرائض. وأما ما فاتك من الصلوات فيما مضى، فما كان قد فاتك بسبب النوم، فلا إثم عليك فيه ويجب عليك قضاؤه، وأما ما فاتك من غير عذر، أي تكاسلت عن أدائه حتى خرج الوقت، فإن عليك التوبة، ولا ينفعك ـ حينئذ ـ القضاء، والواجب عليك أن تكثر من النوافل والاستغفار، لعل الله أن يتجاوز عنك. وقد بينا كلام أهل العلم في جواب السؤال رقم (٧٩٦٩) فارجع إليه. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15580

الزواج من أجل الإقامة والجنسية، ومشكلة زوجة مع أحد هؤلاء [السُّؤَالُ] ـ[لقد تزوجت منذ عشر سنوات تقريباً، وعندي أربعة أطفال - والحمد والشكر لله -، وزوجي - والحمد لله - إنسان جيد بكل معنى الكلمة، ونحن نعيش في أمريكا، ولكن مشكلتي تكمن أن زوجي عندما خطبني أخفى عني أشياء من ماضيه، وهو أنه عندما أتى أمريكا ليحصل على الأوراق التي تؤهله للحياة هنا اضطر لأن يتزوج من أمريكيَّة، وبقي معها حتى حصل على الأوراق، ثم هجرها، فطلبت الطلاق بالمحكمة، وجاءته الورقة ليوقعها، ثم بعد شهر أو أكثر بقليل القاضي حكم بالطلاق، وبعد – تقريباً - شهرين أو أكثر أتت إليه طليقته، وعاشرها جنسيّاً، وحسب قوله أنه ليست في نيته أن يعود لها، أو أي شيء، فقد أتته طالبة ذلك، وفعل تلك الليلة، وبعد فتره رآها وسألها إن كانت حاملاً منه؟ وأجابت بالنفي، تكراراً، ثم ذهب زيارة لبلده لمدة ثلاثة أشهر، وعاد، وكان وضعه المادي سيئاً، ففكر بالذهاب إليها، ففعل، وعندها ذهب علم أنها حامل، فسألها عن الحمل، أجابت: منه، ولم يهتم للموضوع فقد كان صغيراً، وطائشاً، مع أنه يعلم أنها تكذب كثيراً بهذه المواضيع، فعندها طفلان من قبله، وأخبرته بنفسها بأن هذين الطفلين ليسا من زوجها الأول، وأن زوجها الأول توفي وهو يعتقد أن الأولاد أولاده، بعد ذلك تركها لفترة إلى أن التقى بها في أحد الأماكن، ووجد معها طفلة صغيرة سألها عنها أجابته: بأنها ابنته، المهم: حسب قوله إنه عاد ليعيش معها فقط بسبب سوء الأحوال المادية، فهو كان طالباً هنا، وكذلك السبب الثاني ليتأكد أن البنت ابنته أم لا، ورفضت طليقته أن تضع البنت باسمه، وطلب منها أن تتركه يقوم بفحص الأبوة كذلك، رفضت وبشدة، وبدأت المشاكل، وتفرقا، وفي البداية لم تعطه المجال ليرى البنت فأقام دعوى بالمحكمة، وسمحوا له برؤية البنت، وعليه أن يدفع مبلغاً من المال شهريّاً لها، وعندما فكَّر وبعض رفاقه نصحوه، أعطى الحضانة للأم، وتخلى عن البنت. سؤالي بخصوص زوجي: هل عليه أي واجب تجاه البنت؟ . أما أنا فمشكلتي: أنه عندما خطبني سمعت بعض الأقاويل عن زواجه، وعن وجود بنت، فأقسم بالله أن ذلك كذب، وأنه لم يمس المرأة، وأنا صراحة كنت متدينة كثيراً فصدَّقته؛ لأنني كنت أعتقد أن من يقسم بالله لا يكذب، المهم كل هذه السنين لم أعرف أي شيء، حتى الآن فهو أخبرني بنفسه كل هذه الأمور، كانت صاعقه لي، فأنا طوال هذه السنين أفكر أنني الأولى في حياة زوجي، صراحة لا أعرف لماذا أنا منزعجة أكثر، من كذبه عليَّ أم من غيرتي منها، مع أنها لا تستحق ذلك، وأنا أعلم علم اليقين أنه لا يفكر فيها، ولكن شعوري أنه كان يتردد عليها في الماضي لمدة أربع سنين تقريباً يتعبني كثيراً، مع أنه لا يكف عن سؤالي بأن أسامحه أحياناً، وأحيانا أخرى يقل لي: احمدي ربك أنني منذ عرفتك لم أعرف غيرك، وأنه ماضٍ بعيد، ولكني لا أستطيع أن أسامحه، حتى إن معظم الأحيان عندما يريد أن يعاشرني أصد منه، وأشعر كأنه معها، ربما تقول إن ردة فعلي مبالغ فيها، ولكن هذا ما يحصل معي، معظم وقتي أقضيه بالبكاء، حتى إنني فكرت بالانتحار عدة مرات، وطبيبتي أخبرتني أن عليَّ أن آخذ دواء نفسيّاً لمعالجة حالتي، ولكني لم أفعل، لن أفعل؛ لأنه إن بدأت به عليَّ أن آخذه سنه كاملة، وإلا حالتي ستسوء؛ وكذلك لأن له ردة فعل في بعض الأحيان تكون سلبيه، قبل معرفتي بتلك القصة كنت أشعر أنني أسعد زوجة في العالم، وأشكر الله دائما على ذلك، ولكن منذ عرفت أصبحت حياتنا جحيماً، فأنا لا أكف عن الأسئلة، مع أنه بعض الأحيان يجيب عليَّ ويعتذر، ويطلب المسامحة؛ لأنه لم يكن صادقاً، ويعلل ذلك بأن الهدف لأوافق عليه، وبعض الأحيان يضيق ذرعاً فينزعج مني، ويكرر أنه لم يفعل شيئاً، وأنه كان ماض بعيد قبل أن يتزوجني، وليس عليَّ محاسبته، أصبِّر نفسي بأنني أفضل بكثير من النساء اللاتي تزوج رجالهم عليهم، ولكن الشيطان يأتيني دائما لأتخيل كيف كانا يعيشان، وأفكر بأنني حرمت من حق الاختيار، فلو علمت لربما انقلبت الأمور، وكذلك وجود بنت مع أنه لم يرها منذ ستة عشر سنة، لقد طلبت منه عدة مرات أن نذهب إلى زوجته الأولى، فهي تعيش بمدينه أخرى أن نذهب لنتأكد هل البنت ابنته أم لا، مع أن عمُر البنت الآن عشرون سنة، وأنا ضمنيّاً أعلم إن كانت البنت ابنته ستدمر حياتي، وإن كانت ليست كذلك ربما يكون ذلك تخفيفاً لي، وهو لا يكف عن إخباري بأنه لا يستطيع التقرب منها؛ لأنه أعطى الحضانة للأم. أرجوك أخبرني ماذا أفعل، فأنا أسال الله دائما أن يصلح وضعي، ولكني أتحسن ليوم أو يومين، ويعود الهمُّ والحزن لي. أرجوك ساعدني، فأنا لا أعتقد أني أستطيع ترك زوجي، فأنا أحبه كثيراً، وكذلك تعبت من التفكير، حتى أعتقد أني سأجن إن بقيت كذلك. أرجوك سامحني، أطلت عليك، ولكن صراحة لم أجد غيرك أشكو له بعد الله. أدامكم الله ذخراً لنا، وللأمة الإسلامية، ودمتم بخير وعافية.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: أفعال زوجك في ماضيه ليست أنه تزوج وأخفى ذلك عنكِ، فقد وقع في مخالفات كثيرة، ولعلَّه لم يهمك من كل ما حدث معه سوى أنه كان متزوجاً! وأنكِ لستِ الأولى في حياته! وهذا عجب منكِ، وقد جعلتِ من هذا الأمر سبباً لتفكيرك بالانتحار! وسبباً لاحتمال إصابتكِ بالجنون! عدا عن القلق والحزن والنكد في حياتكِ، والله المستعان، ولنا معكِ وقفة بعد حين إن شاء الله. ثانياً: زوجكِ وقع في أخطاء كثيرة يحتاج معها التوبة الصادقة، والندم على ما فات، وتعويض ذلك بحسن الطاعة، والإكثار من الأعمال الصالحة، ومن هذه الأخطاء: ١. أنه سعى للإقامة في بلاد الكفر، من غير ضرورة ملجئة. ٢. زواجه المؤقت بتلك الأمريكية لحين الانتهاء من الحصول على الأوراق! وهو زواج المتعة الذي نصَّ نبينا ﷺ على تحريمه، ولا يشترط أن ينص في العقد المكتوب على تحديد مدة انتهاء العقد، بل يكفي التلفظ به، والاتفاق عليه بين الطرفين. ٣. العبث بعقد الزواج لاستعماله في غير ما شُرع من أجله، فقد أصبح هذا العقد الذي تستحل به الفروج، وتعظم فيه الشروط لعبة في أيدي من يرغب بالإقامة في بلاد الكفر، ومن يريد القيام بالحج، ... ! ٤. وأعظم ما وقع فيه زوجكِ هو: الزنا! وهو كبيرة من كبائر الذنوب، وهو محرَّم في كل الشرائع، ومنافٍ للفطرة والعقل. وأما ابنته المزعومة: فعليه أن يتحرى ويتثبت من كونها ابنته، وعليه أن يسلك الطرق المتاحة لتثبيت نسبها له، وإنقاذها من تلك الديار، إن استطاع ذلك. وقد سبق لنا في موقعنا التعرض لهذه الجزئيات، في أجوبة عديدة، يمكن لزوجك الرجوع إليها، إن كانت لديه رغبة في معرفة حكم ما وقع منه. وعلى كل حال: فالتفاصيل فيما فعله زوجك كثيرة، ومسائله تحتاج لمن يسمع ويستفصل منه، وحبذا أن يراجع مركزاً إسلاميّاً موثوقاً، أو يقابل عالماً ليوقفه على أفعاله وأحكامها. ثالثاً: واعلمي أنه لا يشترط في الرجل أن يخبر أنه كان متزوجاً، وإن سئل فلا يكذب، وإن كذب فقد أثم. وانظري أنتِ ماذا فعل زوجكِ، وماذا ترتب على أفعاله، وانظري المخالفات التي وقع فيها، وأنتِ ليس لكِ همٌّ إلا أنه كان متزوجاً! وأخفى ذلك عنك. يا أم الأربعة الأطفال، أبعد ذلك العمر كله، وبعد ذلك البيت المشيد، الذي عماده أربعة أطفال، تبحثين عن ذلك الماضي، وتشعلين نار الغيرة: أن لم تكوني أنت الزوجة الأولى؟! فكان ماذا؟! وما الضرر الذي نالك: أن لم تكوني أنت الزوجة الأولى، سواء كان ذلك برضا منك، أو كرها عنك. لقد كنا نفكر معك، ونبحث معك، ونتشاور معك في أمر تلك الزيجة، وهل تناسبك أولا، لو كان الأمر في إبانه: قبل أن تتزوجي فعلا، فكيف الآن وقد تزوجت، فكيف وأنت أم لأربعة أطفال، تنبشين في خرائب الماضي؟!! وما عسى أن يخرج لك من تلك الخرائب، إلا الشياطين والوساوس التي توشك أن تدمر حياتك؟!! عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّكَ إِنْ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ، أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ!!) . فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا!! رواه أبو داود (٤٨٨٨) وصححه الألباني في صحيح الترغيب. قد فات ـ يا أختاه ـ أوان تلك الغيرة القاتلة: صحا القلبُ عن سلمى وأقصر باطله وعُرِّيَ أفراسُ الصبا ورواحلُه فكيف وقد ذكرت أنت، أن زوجك " - والحمد لله - إنسان جيد بكل معنى الكلمة "؟!! وأنتِ بما تذكرينه من حالكِ بعد أن علمتِ بزواجه من قبل إنما تكتبين نهايتك معه بتلك الأفعال، وإنما تحفرين قبر زواجك منه بتلك الحال، ولن نجامل في الجواب، ولا بدَّ من تنبيهك على عِظَم أخطائك وتصرفاتك معه، فهو في ظنه أنه أراد تحقيق مصلحة لنفسه، وأراد إعفاف نفسه، وهي أمور من الماضي، فلا تكثيري اللوم، وتسيئي معاملته وإلا دفعت ثمن ذلك غالياً! فامتناعك عن الفراش سبب لسخط الرب ﵎، وسبب للعن الملائكة لك، كما صحَّ عن النبي ﷺ ، وسوء عشرتك له قد يجعل الكيل عنده يطفح ولا يرى مجالاً للبقاء معك، حيث لا سعادة ولا هناء، ولا عشرة حسنة، فأي زوج يرضى بأن يطول أمد هذا معه؟ وأي حبٍّ تزعمينه وأنتِ تعاملينه بهذه المعاملة؟ وهل تعلمين أن الانتحار كبيرة من كبائر الذنوب؟ وهل تعلمين أن سوء عشرته من المحرمات عليك؟ . وأنتِ ذكرتِ أنك تجزمين أنه لا يفكِّر فيها، وأن هذا من زمن بعيد، وأنه ليس في حياته إلا أنتِ، فأي سببٍ يجعلك تنكئين الجروح، وتنبشين عن الماضي الغابر الميت؟! . نحن ننصحك بشدة: إن لم تغيري من معاملتك لزوجك، وتحسني له: فستفقدينه، وسترين نفسك تائهة ضائعة، تتنقلين بين مراكز العيادات النفسية، فارجعي لدينك، وحكِّمي عقلك، واتركي عنك القلق والحزن والكآبة، فليس لها أسباب، وأنتِ الملومة في كل ما يجري لك، ويترتب على أفعالك، وبما أن زوجك قد طلب منك المسامحة تكراراً فلم يعد مخطئاً في حقك، وعليك قبول اعتذاره. إن السؤال الذي أجبت عنه أولا، وأنصفت زوجك الذي تشتكينه: كيف حال هذا الرجل الآن مع ربه؟ ثم كيف حاله معك؟ وهل هو جدير بأن يؤتمن عليك، بالنظر إلى واقعه الآن، وبغض النظر عما كان منه في ماضيه؟!! إن كانت إجابتك ـ كما ذكرت أولا ـ: أنه جيد بمعنى الكلمة؛ فالواجب عليك أن تساعديه على تجاوز ذلك الماضي الأسود، بدلا من أن تفتحي عليه أبواب العودة إليه، وليكن همك أن يتوب منه إلى ربه توبة نصوحا، وأن يكثر من الخيرات في حاضره ومستقبله، علَّ الله تعالى أن يتجاوز عنه ويغفر له: (إن الحسنات يذهبن السيئات) . وإن لم تستطيعي العيش مع هذا الزوج، وذلك الماضي فخلِّصي نفسك من هذه الحياة بطلب الخلع، أو افتدي نفسك ليطلقك! لكن عليك أن تسألي نفسك أن تفعلي شيئا من ذلك: هل أنت بذلك تبحثين عن السعادة حقا، وتسلكين طريقها صدقا؟!! أو أنك، والعياذ بالله كعنز السوء التي بحثت عن حتفها بظلفها، وصاحبة المثل في كتاب الله التي نقضت غزلها من بعد ما أحكمت غزله ونسجه، فجعلته خيوطا متناثرة، لا نظام لها!! نحن نجزم أنك لن تكوني مرتاحة ولا سعيدة إن بقيت على حال التفتيش في الماضي وسوآته، أو أخربت بيتك، وهجرت زوجك وأولادك لمجرد كابوس الماضي!! فحافظي على زوجك وأسرتك، وأظهري له الحب والمودة، وأسمعيه ما يحب سماعه منك، واتركي التفكير في ماضيه وما حصل منك. ونسأل الله تعالى أن يوفقكما لما يحب ويرضى، وأن يجمع بينكما على البر والتقوى، وأن يهديك ويصلح بالك. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →