Полный текст (16 344 стр.). Показаны 15576–15615 · переход к 15581.
стр. 15576
ما هي حدود تدخل الوالدين في زواج ابنهم؟ وهل يأثم إن خالف رغبتهما ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[تعرفت على فتاة أسلمت حديثاً (كانت نصرانية) ، واتفقنا على الزواج، لكن أسرتي تمانع ذلك بشدة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نرجو أن تنتبه لما فعلتَه من مخالفات شرعية من التعرف على تلك الفتاة الأجنبية عنك، ومخاطبتك لها، ومصاحبتها، وغير ذلك من التقصير الذي تعترف به، واعلم أن هذه المعاصي تقتضي منك: الإقلاع عنها، والندم عليها، والعزم على عدم العود لها، مع الإكثار من الاستغفار والأعمال الصالحة.
وبخصوص علاقتك بتلك الفتاة: فلا يحل لك محادثتها، أو رؤيتها، فضلاً عن مصاحبتها والخلوة بها، ومن الجيد لك ولها أنكما فكرتما في الزواج، فهو الوسيلة الوحيدة لجمعك بها جمعاً شرعيّاً، فابذل وسعك فيه، فإن لم يتيسر لك: فلا تُبقِ لتلك العلاقة أثراً، ولعلَّ الله تعالى أن يعوضك خيراً منها، ويعوضها خيراً منك.
وقد سبق ذكرنا لمسألة تحريم المراسلة بين الجنسين في جوابي السؤالين: (٢٦٨٩٠) و (١٠٢٢١) فلينظرا.
وفي التعلق المحرم وآثاره والزواج من المتعلَّق به: يُراجع جواب السؤال رقم (٤٧٤٠٥) .
ثانياً:
بالنسبة لاعتراض أسرتك على التزوج بها: فاعلم أن علاقة الوالدين بزواج ابنهم لها صور متعددة، ومنها:
١. عدم موافقتهم على أي فتاة يختارها لنفسه زوجة.
٢. عدم موافقتهم على فتاة يختارها، لكن عدم موافقتهم تكون لأسباب شرعية، كأن تكون سيئة السمعة، أو تكون على غير دين الإسلام – وإن كان نكاح الكتابية جائز في أصله -.
٣. عدم موافقتهم على فتاة يختارها لا لأسباب شرعية، بل لأسباب شخصية، أو دنيوية، كنقص جمالها، أو حسبها ونسبها، وقلبه غير متعلق بها، ولا يخشى على نفسه لو ترك التزوج بها.
٤. الصورة السابقة نفسها، لكنَّ قلبه متعلق بها، ويخشى على نفسه الفتنة لو أنه ترك التزوج بها.
٥. إجباره على فتاة يختارونها له، ولو كانت ذات دين وجمال.
والذي يظهر لنا من حكم تلك الصور السابقة: أنه يجب على الابن طاعة والديه في الصورتين الثانية والثالثة، ويتأكد الوجوب في الصورة الثانية، ففي الصورة الثانية الأمر فيها واضح، وطاعتهما ملزمة؛ لأنه سيقدم على أمرٍ فيه شر لابنهم وقد ينتشر ليصيبهم، وفي الصورة الثالثة: الأمر فيها مباح له، وطاعتهما واجبة، فيقدم الواجب على المباح.
وأما الصورة الأولى والرابعة والخامسة: فلا يظهر أنه يجب عليه طاعتهما؛ فاختيار الزوجة من حق الابن، وليس من حق والديه، ويمكنهم التدخل في بعض الحالات، لا فيها كلها، فمنعُه من التزوج بأي فتاة يختارها بغض النظر عن كونها متدينة أم لا: تحكم لا وجه له، ولا يلزمه طاعتهما.
وكذا لو تعلق قلبه بامرأة، وخشي على نفسه الفتنة لو أنه لم يتزوج بها: فهنا لا تلزمه طاعتهما إذا أمراه بتركها، وعدم التزوج بها؛ لما يؤدي ذلك إلى شر وفتنة جاءت الشريعة لدرئهما عنه.
ويتأكد عدم طاعتهما في الصورة الخامسة، وهي أن يلزماه بفتاة هم يختارونها، وهذا ليس مما يلزمه طاعتهما فيه، وهو بمنزلة الطعام والشراب، فهو يختار ما يشتهي ليأكله ويشربه، وليس لهما التحكم في ذلك.
قال ابن مفلح الحنبلي ﵀:
ليس للوالدين إلزام الولد بنكاح من لا يريد، قال الشيخ تقي الدين ﵀ (أي: ابن تيمية) : إنه ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد، وإنه إذا امتنع لا يكون عاقا، وإذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر منه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه: كان النكاح كذلك، وأولى، فإن أَكْلَ المكروه مرارة ساعة، وعِشْرة المكروه من الزوجين على طول، تؤذي صاحبه، ولا يمكنه فراقه. انتهى كلامه.
" الآداب الشرعية " (١ / ٤٤٧) .
وعليه نقول:
إذا كانت تلك الفتاة قد أسلمت وحسن إسلامها، وكان قلبك معلَّقاً بها، وكنت تخشى على نفسك الفتنة لو أنك تركتها: فنرى أن تتزوجها، ولو لم توافق أمك، وأولى من هذا أنك تخشى على دينها أن تُفتن فيه، بسبب عدم وجود من يرعى شأنها وأمرها.
ونوصيك بمحاولة بذل الجهد لإقناع والديك؛ لتجمع بين الخيرين: طاعتهما، والتزوج بمن تعلق قلبك بها، ولك أن تتزوج دون علم والدتك، مع الحرص على هدايتها، وإرشادها، والدعاء لها ولوالدك.
واعلم أنه حيث جاز لك التزوج بمن ترغب، ولم تُلزم بطاعة والديك: فلا تخشَ دعاءهما عليك، وغضبهما منك؛ لأنه دعاء بإثم، ولا يقبله الله منهما، إن شاء الله، إلا أن تكون ظالماً لهما معتدياً عليهما، وحيث جاز لك التزوج دون الالتزام بما يرغبانه فلست آثماً ولا ظالماً.
وانظر – للأهمية -: جوابي السؤالين: (٨٢٧٢٤) و (٨٤٠٥٢) .
وانظر جوابي السؤالين: (٢١٨٣١) و (٥٥١٢) .
وفي تلك الأجوبة بيان لكثير من الصور التي ذكرناها.
وانظر جواب السؤال رقم (٥٠٥٣) فيه بيان حقوق أمك عليك، وحقوقك على أمك.
ثالثاً:
اعلم أنه لا يجوز لك التزوج بتلك الفتاة من غير ولي لها، فإن كان ثمة ولي لها من أهلها من المسلمين: فيجب موافقته على الزواج - ولا ولاية لكافرٍ عليها إن هي أسلمت -، فإن لم يوجد أحد من المسلمين من أوليائها: تولى أمرها أحد المسلمين، كقاضٍ شرعي، أو مفتٍ للمسلمين، أو إمام مركز إسلامي، وبكل حال: لا يحل لها التزوج من غير ولي.
وانظر - للأهمية -: جواب السؤال رقم (٧٩٨٩) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15577
هل يتزوج مطلقة، رغم معارضة والديه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا رجل ملتزم دينيا، وأريد أن أتزوج، وقد تعرفت على سيدة مطلقة، وهي أكبر مني بعدة سنوات، وصاحبة دين ولقد أردت دائما أن أظفر بذات الدين، والحمد لله وجدتها هي ذات الدين والجمال والخلق والنسب والمال كما دلنا الرسول على مواصفات الزوجة الصالحة؛ لقد أحببتها حبا جما لصفاتها الحسنة وعقلها المتزن , وتلك الصفات لا أجدها أبدا فيمن في سني!! عرضت الموضوع على أهلي فرفضوا بشدة، وأنا أعلم أني في حال عدم زواجي بها لن تستقيم حياتي أبدا، وسأكره والدي كرها لم يره بشر من قبل، ولكنى سأعاملهما بالحسنى ابتغاء مرضاة الله فقط. فهل يجوز لي الزواج بغير رضا والدي؟ وما يعاقب والدي لأنهما منعا حلال الله لأسباب دنيويه، وليس لأسباب دينية؟ وفى حال رفض أهلها أيضا؛ بم تنصحونهم؟ وأريد أن أعف نفسي بالزواج، حيث إنى أستطيع الباءة، كما قال الرسول ﷺ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
فإنك أيها الأخ الكريم قد أبديت شدة احتياجك إلى هذه النصيحة، فنسأل الله تعالى أن يوفقك للانتفاع بها، على قدر ما أبديت من حاجة إليها، وألا يكلك إلى نفسك التي سولت لك أن والديك غير ناصحين لك، وأنك قد تكرههما كرها لم يره بشر إذا حالا بينك وبين هواك؟!!
أيها الأخ الكريم؛ أتريد أن نتحدث معك من خلال عقلك الكبير الذي يسبق سنك، ولا يتفهمه والداك؟
أم تريد منا أن نتحدث معك من خلال عاطفتك التي طغت على كل شيء عندك، حتى على نظرتك إلى أبويك؟
أما العقل الكبير، فلن نقول لك هنا: كم من أناس أهلكتهم عقولهم، وأرداهم إعجابهم برأيهم..، لن نحتاج إلى أن نقول لك شيئا من ذلك؛ بل نقول لك، وهذا لا بد أن تعلمه من نفسك، كما يعلمه كل عاقل، وتشهد به التجارب: لقد خسرت قسطا كبيرا من عقلك هذا (الكبير) من جراء ما أنت فيه، وصرت تفكر بعاطفتك الجياشة، التي ملكت عليك حياتك!!
فإن كابرت في تلك الحقيقة، نعيذك بالله من هذا، فاستمع الآن، وأنت المتديِّن جدا، على حد قولك، إلى قول رسول اللَّهِ ﷺ للنساء:
(مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ) رواه البخاري (٣٠٤) ومسلم (٨٠) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀: " قَوْله: (أَذْهَبُ) أَيْ أَشَدّ إِذْهَابًا , وَاللُّبّ أَخَصّ مِنْ الْعَقْل وَهُوَ الْخَالِص مِنْهُ , (الْحَازِم) الضَّابِط لِأَمْرِهِ , وَهَذِهِ مُبَالَغَة فِي وَصْفهنَّ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الضَّابِط لِأَمْرِهِ إِذَا كَانَ يَنْقَاد لَهُنَّ فَغَيْر الضَّابِط أَوْلَى " انتهى.
وصدق الأعشى حين قال:
وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبْ!!
فنرجو منك أن تفتح لما تقرأ الآن قلبك عقلك، واصدق الله وانصح لنفسك: كيف تعرفت على هذه المرأة؟ وكيف وصل بك الحال إلى أن (أحببتها حبا جما) ؟
اعلم أنك لو تعرفت عليها تعرفا أدى بك إلى هذه الحال في مجلس تحفيظ للقرآن الكريم، لكان هذا المجلس آثما ينهى عن مثله، فكيف بغيره من المجالس والملتقيات؟
إنك ما أحببتها حبا جما إلا بعد نظر محرم، استماع محرم، واتباع لخطوات الشيطان حتى جعلك ترى هذه المرأة على تلك الصورة التي ربما لم تكن عليها في واقع الأمر؛ فألقى في قلبك أن ليس في الناس مثلها، حتى آل بك الأمر إلى أن ترى والديك يحولان بينك وبين سعادتك، وإلى أن تكرههما كرها لم يره بشر، يا أيها المتدين العاقل؟!!
وحتى رحت تسأل: " وما عقاب والدي عند الله لأنهما منعا حلال الله لأسباب دنيويه.. "
أتريد أن تتشفى بما يكون لهما من العقاب عند الله، لتبرد نار الشوق والحرمان في صدرك؟!! أم أنك مشفق عليهما من عقاب الله وعذابه؟!!
على أية حال، والله ما نعلم لهما عقابا عند الله، ما داما يجتهدان في النصح لك، والسعي فيما يصلحك، ويصلح لك؛ هذا إن أخطآ، فكيف إن أصابا في ذلك، وإنا لنسأل الله ألا يحرمهما من الأجر على كل حال؛ أجر تربيتك، والصبر عليك، والنصح لك، والاهتمام بأمرك ...
ولو سألت عن الاختيار بين الأمرين: أن تبدأ حياتك بطريقة تغضب والديك، وتسبب القطيعة، أو ترضيهما على حساب عاطفتك، واختيارك لنفسك؟!!
لقلنا: السؤال خطأ، فرضا الوالدين لا يعدله شيء، فيكف يوزن بمثل ذلك؟!!
وإن أردت نصيحتنا، فلا تقدم على شيء لا يرضاه والداك، وإن كنت تريد صاحبة الدين، فصاحبات الدين سواها كثير، فاختر منهن ما تناسبك، وترضي والديك، لتجمع بين الحسنيين، وليست المرأة التي تفوتك هي نهاية العالم، كما يتصور العاشقون، بل أمر الزواج أيسر من ذلك، إنما هو المودة والرحمة والسكن، وهذا من الممكن تحصيله ـ بسهولة ـ بين الأشخاص الأسوياء!!
وهذا كله نقوله لك، إن كنت ترضى منا أن نخاطبك من خلال عقلك الكبير، فاحذر أن تكون ما أنت فيه جذوة من الشوق، لا تلبث أن تخبو عند مصادمة الحياة الواقعية.
فأما إن أبيت ذلك، ورأيت أنك لن تستقيم حياتك، وسوف تكره ... ، معاذ الله، فلنخاطبك الآن بحكم عاطفتك التي أسكرتك، وغطت على عقلك، حتى لم تقدر لما تقوله وزنا؛ فالهوى والعشق حالة مضية، كما قال ابن القيم ﵀:
" فصل: في ذكر حقيقة العشق وأوصافه وكلام الناس فيه:
فالذي عليه الأطباء قاطبة أنه مرض وسواسي، شبيه بالماليخوليا، يجلبه المرء إلى نفسه بتسليط فكره على استحسان بعض الصور والشمائل، وسببه النفساني الاستحسان والفكر " انتهى من روضة المحبين (١٣٧) .
فلتتزوج هذه المرأة التي تعلقت بها، وليس هناك ما يمنع من ذلك، حتى وإن لم تتقبل أعراف الناس ذلك بسهولة، لكننا ننصحك أن تستشير في ذلك من تثق بعقله ودينه ممن يعرفك ويعرفها، أو على الأقل أن تتحرى عن دينها، من طرف محايد، لا يتأثر رأيه بعاطفة جياشة، ولا بموقف رافض لفكرة زواجك بها من الأساس.
فإن صح لك أنها صاحبة الدين التي تبحث عنها لتعف نفسك، فلا يعنينا الآن أن يكون ما قالته عن زوجها صحيحا، لأن مثل هذا الأمر لا يجوز الخوض فيه , ولا قبول رأيها فيها، لأن بينهما خصومة، وليس من اللازم للطلاق أن تقع تلك الجرائم، وليس من اللازم أيضا للزواج بالمطلقة أن تكون ضحية لمثل ذلك، فقد يكون هو زوجا صالحا خيرا، وتكون هي كذلك، لكن الحياة لم تستقم بينهما!!
إننا معك في أن نظرة المجتمعات للمطلقات، بل وللأرامل أيضا، هي نظرة جاهلية في المقام الأول، حتى لتكاد تحكم على الواحدة منهن بالإعدام من الحياة الاجتماعية السوية، وأخذ فرصة أخرى للعيش الكريم.
وفي هذه الحال ننصح والديك بالتوقف عن معارضة زواجة، مراعاة لما وصل إليه أمرك، ما دام أنه لا يوجد ما يطعن في دين المرأة ولا خلقها، وليس من حقهما حينئذ ـ وقد بذلا نصحهما ـ أن يكرهاك على أمر لا تريده، أو يمنعاك مما تعلقت به نفسك.
وانظر جوابي السؤالين رقم (٣٠٧٩٦) ورقم (٢٠١٥٢) .
لكن يبقى موافقة أهلها هي على ذلك، فهذا ليس له حل عندنا، بل لا بد من موافقة أهلها، ولا يحل لك أن تنكحها من غير إذن وليها، ولو قدر أن هذا يحل، أفيعقل أن تعيشا في منعزل عن أهلك وأهلها، وأن تعادي أنت أهلك لأجلها، وتعادي هي أهلها لأجلك؟!!
هذا ـ فقط ـ في قصص العشاق، وأفلام العواطف الجياشة، وأما الحياة الواقعية، فينبغي أن تكون لها موازينها وضوابطها.
وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى، وألهمنا رشدنا، ووقانا شر أنفسنا.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15578
هل فعل أحد أفراد الأسرة لذنب اقترفه والدهم في الماضي من تعجيل العقوبة ؟!
[السُّؤَالُ]
ـ[هل عندما يعمل شخص ذنب، وبعد ذلك يكتشف أن ابنه أو أي شخص من عائلته عمل ذات الذنب، هل ذلك: كما تدين تدان، أم إنه تعجيل للعقوبة؟ وهل يجب أن يعاقب هذا الشخص الذي تحت مسئوليته وعمل الذنب؟ أم إنه يقول: إن هذا عقاب من الله لظلمه لنفسه، وبما كسبت يداه وإنه خارج إرادة الشخص الذي تحت مسئوليته؟ أرجو إفتاءنا، وجزاكم الله خير]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فإن الإنسان لا يؤاخذ بذنب غيره، كما قال الله سبحانه: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَاّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) الأنعام:١٦٤، قال العلامة الشوكاني ﵀ في فتح القدير عند تفسير الآية: " أي لا يؤاخذ مما أتت من الذنب، وارتكبت من المعصية سواها؛ فكل كسبها للشر عليها لا يتعداها إلى غيرها " انتهى.
ثم قال ﵀: " وقد قيل: إن المراد بهذه الآية في الآخرة، والأولى حمل الآية على ظاهرها، أعني العموم. " انتهى.
وإذا كان كذلك فإن الله تعالى لا يقدر الذنب على إنسان مؤاخذة له بذنب غيره، ولكنه حكيم فيما يفعل، وهو أعلم أين يضع فضله. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في شفاء العليل (١/٧١) : (فالله أعلم حيث يضع هداه وتوفيقه كما هو أعلم حيث يجعل رسالته.) فهو سبحانه يهدي ويوفق من يشاء فضلا، ويخذل من يشاء عدلاً.
ولكن شؤم المعصية قد يسري من شخص لآخر، لمجالسته له وإلفه لعمله؛ إذ ربما جره ذلك إلى موافقته في فعله، والاقتداء به، وربما كان في تقدير الله المعصية على قريب العاصي إساءة له، وتنغيص عليه؛ فكان في ذلك نوع من المجازاة له، ولكن مع اعتقاد أن الله قدر ذلك بتمام عدله وحكمته.
ومن الكلام المأثور عن علي ﵁، في كتب الأدب: " من هَتك حجاب أخيه، هُتِك حجاب بنيه!! ".
وفي قول الله تعالى: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) مريم: ٢٨
قال قتادة ﵀: " كانت من أهل بيت يُعرفون بالصلاح، ولا يُعرفون بالفساد؛ ومن الناس من يُعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يُعرفون بالفساد ويتوالدون به "
تفسير الطبري (١٨/١٨٦) .
وقال ابن كثير ﵀: "أي: أنت من بيت طيب طاهر، معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟! " تفسير ابن كثير (٥/٢٢٦)
وقال الشيخ السعدي ﵀: " وذلك أن الذرية - في الغالب - بعضها من بعض، في الصلاح وضده " اهـ تفسير السعدي (٤٩٢) .
وفي سنن أبي داود (٣٩٦٣) وغيره، وصححه الألباني، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ) ؛ أَيْ الزَّانِيَانِ وَوَلَدهمَا.
قال شيخ الإسلام ﵀: " ولد الزنا إن آمن وعمل صالحا دخل الجنة، وإلا جوزي بعمله كما يجازى غيره، والجزاء على الأعمال لا على النسب، وإنما يذم ولد الزنا لأنه مظنة أن يعمل عملا خبيثا، كما يقع كثيرا؛ كما تحمد الأنساب الفاضلة لأنها مظنة عمل الخير؛ فأما اذا ظهر العمل فالجزاء عليه، وأكرم الخلق عند الله أتقاهم " اهـ مجموع الفتاوى (٤/٣١٢) .
قال الشاعر:
وَأَوَّلُ خبثِ الماءِ خَبثُ تُرابِهِ وَأَوَّلُ لُؤمِ القَومِ لُؤمُ الحَلائِلِ
وليس ذلك كما قلنا من مؤاخذة الإنسان بذنب غيره في شيء؛ وإنما الطبع لص، والأيام دُول، والمعاصي ديون!!
وكما أن الله تعالى يمن على عبده الصالح، ويُقر عينه بصلاح زوجه وذريته، فقد يكون من عقاب العاصي أن يرى شؤم معصيته فسادا في ذريته، أو معصية في أهله، نعوذ بالله من غضبه وشر عقابه.
وأما تأديبه، بل وعقابه لشخص تحت رعايته، وقد وقع في نفس الذنب الذي وقع فيه هو من قبل، فنعم هذا واجب عليه أيضا: أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في بيته فيلزمه أن ينكر على من ولاه الله عليه إذا وقع في المعصية التي هو واقع فيها.
قال العلامة السفاريني ﵀ في غذاء الألباب (١/٢١٩) : يجب على كل مؤمن مع الشروط المتقدمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو فاسقاً، حتى على جلسائه وشركائه في المصعية. انتهى.
وقال العلامة زكريا الأنصاري ﵀ في أسنى المطالب (٤/١٨٠) : " لا يشترط في الآمر والناهي كونه متمثلاً ما يأمر به، مجتنباً ما ينهى عنه، بل عليه أن يأمر وينهى نفسه وغيره، فإن اختل أحدهما لم يسقط الآخر." انتهى.
على أنه سوف يكون عيبا عليه، أي عيب، وشينا في حقه أي شين: أن يأمر الناس بالمعروف وينسى، وينهاهم عن المنكر الذي يأتيه:
قال الله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) البقرة:٤٤،وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) الصف: ٢-٣.
فليس له من مخرج من تلك الورطة، ولا علاج لذلك الفصام، إلا بالتوبة النصوح، والأخذ بعمل الخير، قبل أن يذوق وبال أمره: (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) .
قال الشاعر:
يا أَيُّها الرَجُلُ المُعَلِّمُ غَيرَهُ هَلا لِنَفسِكَ كانَ ذا التَعليمُ
تَصِفُ الدَّواءَ لِذي السَّقامِ وَذي الضَّنا كيما يَصحّ بِهِ وَأَنتَ سَقيمُ
لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتأتيَ مِثلَهُ عارٌ عَلَيكَ إِذا فعلتَ عَظيمُ
فابدأ بِنَفسِكَ فانهَها عَن غَيِّها فَإِذا اِنتَهَت عَنهُ فأنتَ حَكيمُ
فَهُناكَ يُقبَلُ ما تَقولُ وَيَهتَدي بِالقَولِ منك وَينفَعُ التعليمُ
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15579
ضعف إيمانه بعد استقامته، وترك الصلاة لعدة أيام
[السُّؤَالُ]
ـ[كان عندي مشكلة، وفي نفس الوقت سؤال عن فتوى: أنا وبفضل الله علي التزمت منذ أشهر، ولكن بعد مرور الوقت بدأت أضعف، ولا أعرف السبب، وبدأت الهمة تنقص تدريجيا لدرجة أني جاءت علي فترات تركت فيها الصلاة وأصبحت عزيمتي ضعيفة، ولكن والحمد لله حاولت ألا أقع في المعاصي، غير أني أضعت كثيرا من الصلوات وذلك أثناء فترة التزامي، إما أن أكون نائما أو في الخارج، وبعد مرور الوقت من التزامي تركت الصلاة لأيام ... ، فماذا افعل وأشعر أحيانا أن لدي عقدة في موضوع الصلاة، حيث أضيع الصلوات كثيرا، وأشعر أنني لن أشفي من تلك العقدة؛ فما الحل لها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ينبغي لك أخي السائل أن تقدر نعمة الله عليك بأن وفقك للتوبة والالتزام بدينك، قبل فجأة الموت فتعظم شكره على هذه النعمة، وهذا سيستدعي منك مزيداً من الاجتهاد في الطاعة.
فقد روى البخاري (٤٨٣٦) ومسلم (٢٨١٩) عن المغيرة بن شعبة قال: قَامَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ: (أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا)
فكيف ترضى لنفسك أن تقابل الجميل بالقبيح، وتعود من إلى أول الطريق بعد ما قطعت فيه شوطا، بل يا ليتك تعود إلى أول الطريق المستقيم، لقد انحرفت، واعوججت عن الطريق بعد ما من الله عليك بالاستقامة، وقد كان النبي ﷺ يتعوذ بالله من مثل هذا.
ففي صحيح مسلم (١٣٤٣) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْنِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ) .
وفي رواية النسائي (٥٤٩٨) وغيره: (وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ) .
ولقد ضرب الله تعالى في كتابه الكريم لمن عاد إلى سوء الحال، وهدم ما بناه، وانتكس في طريق الهداية، مثلا يبين سوء حاله، وما اختاره لنفسه، ويحذر عباده من ذلك الصنيع من أفعال الحمقى:
(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) النحل ٩١-٩٢
قال الشيخ ابن سعدي ﵀:
" وهذا يشمل جميع ما عاهد العبد عليه ربه من العبادات والنذور والأيمان التي عقدها، إذا كان الوفاء بها برا، ويشمل أيضا ما تعاقد عليه هو وغيره كالعهود بين المتعاقدين..
﴿وَلا تَكُونُوا﴾ في نقضكم للعهود بأسوأ الأمثال وأقبحها وأدلها على سفه متعاطيها، وذلك ﴿كَالَّتِي﴾ تغزل غزلا قويا فإذا استحكم وتم ما أريد منه نقضته فجعلته ﴿أَنْكَاثًا﴾ فتعبت على الغزل ثم على النقض، ولم تستفد سوى الخيبة والعناء وسفاهة العقل ونقص الرأي، فكذلك من نقض ما عاهد عليه فهو ظالم جاهل سفيه ناقص الدين والمروءة. " انتهى. ص (٤٤٧) .
فسارع بالتوبة من الحالة التي أنت عليها وبادر بذلك، فإن ترك الصلاة من أعظم الذنوب التي عُصِي الله بها، وقد سمى النبي ﷺ تركها كفراً، فقال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر.) رواه الترمذي (٢٥٤٥) وأحمد وغيرهما وصححه الألباني.
فالعجب كيف يقول الأخ السائل: حاولت ألا أقع في المعاصي، ثم يذكر أنه أضاع كثيراً من الصلوات؛ فما هو تصوره للمعاصي إذاً؟!!
إن ترك الصلاة هو أعظم ذنبا وخطرا، من كل ذنب حاولت أن تمنع نفسك من، سوى الشرك بالله تعالى.
فالبِدارَ البدارَ بالتوبة والندم على ما فات، قبل أن تأتي لحظة يندم فيها الإنسان ولا ينفعه الندم.
وأما قولك: " إن لديك عقدة في موضوع الصلاة، وتشعر بأنك لن تشفى من تلك العقدة "، فإن هذا من تزيين الشيطان وتسويله وتخويفه، وأنت الذي أعنت عدوك على نفسك، وتركته يعقد على قلبك تلك العقدة من الأوهام والكسل، وضعف الهمة والعزيمة على الخير؛ فبادر بحلها بطاعة الله تعالى، والحفاظ على الوضوء، والمسارعة إلى الصلوات في أول وقتها.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ مَكَانَهَا عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ) رواه البخاري (٣٢٦٩) ومسلم (٧٧٦)
قال ابن عبد البر ﵀: " في هذا الحديث أن الشيطان ينوم المرء ويزيده ثقلا وكسلا، بسعيه وما أعطي من الوسوسة والقدرة على الإغواء والتضليل وتزيين الباطل والعون عليه، إلا عباد الله المخلصين.
وفي هذا الحديث دليل على أن ذكر الله يطرد به الشيطان، وكذلك الوضوء والصلاة.. " انتهى. التهميد (١٩/٤٥) .
وقال ابن القيم ﵀: " ولا ريب أن الصلاة نفسها فيها من حفظ صحة البدن وإذابة أخلاطه وفضلاته ما هو من أنفع شيء له، سوى ما فيها من حفظ صحة الإيمان وسعادة الدنيا والآخرة.
وكذلك قيام الليل من أنفع أسباب حفظ الصحة، ومن أمنع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة، ومن أنشط شئ للبدن والروح والقلب، كما في الصحيحين.. " وذكر الحديث.
زدا المعاد (٤/٢٢٥) .
فلا تضعف يا عبد الله أمام عدوك، ولا تمكنه من نفسك، واستعن بالله ولا تعجز، كما أمرك نبيك ﷺ ، واعلم أن: (كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) النساء: ٧٦ واعلم أن الصلوات المفروضة يسيرة لا يجد المسلم عناءاً في أدائها والمحافظة عليها.
وأما ما ذكرته من فتور الهمة، فقد يكون سببه نوع الجلساء الذين تجالسهم، فاحرص قدر الاستطاعة على حضور مجالس الذكر والعلم ومصاحبة الأخيار، فإن العبادات تسهل على النفس إذا رأى الإنسان من يقتدي به فيها ويعينه عليها، والإنسان معرض لا محالة لحالات يزيد فيها نشاطه ورغبته في الخير، ولحالات أخرى تقل فيها تلك الرغبة، ولكن لا يجوز أن تؤدي به تلك الحال إلى ترك الفرائض، أو ارتكاب المحرمات، فقد قال النبي ﷺ : (إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ فَمَنْ كَانَتْ شِرَّتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ) رواه أحمد (٦٧٢٥) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٢١٥١) .
ولذا فالنصيحة لك أيها الأخ الكريم أن تجعل لنفسك برنامجاً ثابتاً لا تنقص عنه؛ مشتملاً على الفرائض والمؤكدات من النوافل، فإن زدت في بعض الأحيان فذاك خير إلى خير، وإذا نقصت فلا تنقص عن الفرائض.
وأما ما فاتك من الصلوات فيما مضى، فما كان قد فاتك بسبب النوم، فلا إثم عليك فيه ويجب عليك قضاؤه، وأما ما فاتك من غير عذر، أي تكاسلت عن أدائه حتى خرج الوقت، فإن عليك التوبة، ولا ينفعك ـ حينئذ ـ القضاء، والواجب عليك أن تكثر من النوافل والاستغفار، لعل الله أن يتجاوز عنك.
وقد بينا كلام أهل العلم في جواب السؤال رقم (٧٩٦٩) فارجع إليه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15580
الزواج من أجل الإقامة والجنسية، ومشكلة زوجة مع أحد هؤلاء
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد تزوجت منذ عشر سنوات تقريباً، وعندي أربعة أطفال - والحمد والشكر لله -، وزوجي - والحمد لله - إنسان جيد بكل معنى الكلمة، ونحن نعيش في أمريكا، ولكن مشكلتي تكمن أن زوجي عندما خطبني أخفى عني أشياء من ماضيه، وهو أنه عندما أتى أمريكا ليحصل على الأوراق التي تؤهله للحياة هنا اضطر لأن يتزوج من أمريكيَّة، وبقي معها حتى حصل على الأوراق، ثم هجرها، فطلبت الطلاق بالمحكمة، وجاءته الورقة ليوقعها، ثم بعد شهر أو أكثر بقليل القاضي حكم بالطلاق، وبعد – تقريباً - شهرين أو أكثر أتت إليه طليقته، وعاشرها جنسيّاً، وحسب قوله أنه ليست في نيته أن يعود لها، أو أي شيء، فقد أتته طالبة ذلك، وفعل تلك الليلة، وبعد فتره رآها وسألها إن كانت حاملاً منه؟ وأجابت بالنفي، تكراراً، ثم ذهب زيارة لبلده لمدة ثلاثة أشهر، وعاد، وكان وضعه المادي سيئاً، ففكر بالذهاب إليها، ففعل، وعندها ذهب علم أنها حامل، فسألها عن الحمل، أجابت: منه، ولم يهتم للموضوع فقد كان صغيراً، وطائشاً، مع أنه يعلم أنها تكذب كثيراً بهذه المواضيع، فعندها طفلان من قبله، وأخبرته بنفسها بأن هذين الطفلين ليسا من زوجها الأول، وأن زوجها الأول توفي وهو يعتقد أن الأولاد أولاده، بعد ذلك تركها لفترة إلى أن التقى بها في أحد الأماكن، ووجد معها طفلة صغيرة سألها عنها أجابته: بأنها ابنته، المهم: حسب قوله إنه عاد ليعيش معها فقط بسبب سوء الأحوال المادية، فهو كان طالباً هنا، وكذلك السبب الثاني ليتأكد أن البنت ابنته أم لا، ورفضت طليقته أن تضع البنت باسمه، وطلب منها أن تتركه يقوم بفحص الأبوة كذلك، رفضت وبشدة، وبدأت المشاكل، وتفرقا، وفي البداية لم تعطه المجال ليرى البنت فأقام دعوى بالمحكمة، وسمحوا له برؤية البنت، وعليه أن يدفع مبلغاً من المال شهريّاً لها، وعندما فكَّر وبعض رفاقه نصحوه، أعطى الحضانة للأم، وتخلى عن البنت. سؤالي بخصوص زوجي: هل عليه أي واجب تجاه البنت؟ . أما أنا فمشكلتي: أنه عندما خطبني سمعت بعض الأقاويل عن زواجه، وعن وجود بنت، فأقسم بالله أن ذلك كذب، وأنه لم يمس المرأة، وأنا صراحة كنت متدينة كثيراً فصدَّقته؛ لأنني كنت أعتقد أن من يقسم بالله لا يكذب، المهم كل هذه السنين لم أعرف أي شيء، حتى الآن فهو أخبرني بنفسه كل هذه الأمور، كانت صاعقه لي، فأنا طوال هذه السنين أفكر أنني الأولى في حياة زوجي، صراحة لا أعرف لماذا أنا منزعجة أكثر، من كذبه عليَّ أم من غيرتي منها، مع أنها لا تستحق ذلك، وأنا أعلم علم اليقين أنه لا يفكر فيها، ولكن شعوري أنه كان يتردد عليها في الماضي لمدة أربع سنين تقريباً يتعبني كثيراً، مع أنه لا يكف عن سؤالي بأن أسامحه أحياناً، وأحيانا أخرى يقل لي: احمدي ربك أنني منذ عرفتك لم أعرف غيرك، وأنه ماضٍ بعيد، ولكني لا أستطيع أن أسامحه، حتى إن معظم الأحيان عندما يريد أن يعاشرني أصد منه، وأشعر كأنه معها، ربما تقول إن ردة فعلي مبالغ فيها، ولكن هذا ما يحصل معي، معظم وقتي أقضيه بالبكاء، حتى إنني فكرت بالانتحار عدة مرات، وطبيبتي أخبرتني أن عليَّ أن آخذ دواء نفسيّاً لمعالجة حالتي، ولكني لم أفعل، لن أفعل؛ لأنه إن بدأت به عليَّ أن آخذه سنه كاملة، وإلا حالتي ستسوء؛ وكذلك لأن له ردة فعل في بعض الأحيان تكون سلبيه، قبل معرفتي بتلك القصة كنت أشعر أنني أسعد زوجة في العالم، وأشكر الله دائما على ذلك، ولكن منذ عرفت أصبحت حياتنا جحيماً، فأنا لا أكف عن الأسئلة، مع أنه بعض الأحيان يجيب عليَّ ويعتذر، ويطلب المسامحة؛ لأنه لم يكن صادقاً، ويعلل ذلك بأن الهدف لأوافق عليه، وبعض الأحيان يضيق ذرعاً فينزعج مني، ويكرر أنه لم يفعل شيئاً، وأنه كان ماض بعيد قبل أن يتزوجني، وليس عليَّ محاسبته، أصبِّر نفسي بأنني أفضل بكثير من النساء اللاتي تزوج رجالهم عليهم، ولكن الشيطان يأتيني دائما لأتخيل كيف كانا يعيشان، وأفكر بأنني حرمت من حق الاختيار، فلو علمت لربما انقلبت الأمور، وكذلك وجود بنت مع أنه لم يرها منذ ستة عشر سنة، لقد طلبت منه عدة مرات أن نذهب إلى زوجته الأولى، فهي تعيش بمدينه أخرى أن نذهب لنتأكد هل البنت ابنته أم لا، مع أن عمُر البنت الآن عشرون سنة، وأنا ضمنيّاً أعلم إن كانت البنت ابنته ستدمر حياتي، وإن كانت ليست كذلك ربما يكون ذلك تخفيفاً لي، وهو لا يكف عن إخباري بأنه لا يستطيع التقرب منها؛ لأنه أعطى الحضانة للأم. أرجوك أخبرني ماذا أفعل، فأنا أسال الله دائما أن يصلح وضعي، ولكني أتحسن ليوم أو يومين، ويعود الهمُّ والحزن لي. أرجوك ساعدني، فأنا لا أعتقد أني أستطيع ترك زوجي، فأنا أحبه كثيراً، وكذلك تعبت من التفكير، حتى أعتقد أني سأجن إن بقيت كذلك. أرجوك سامحني، أطلت عليك، ولكن صراحة لم أجد غيرك أشكو له بعد الله. أدامكم الله ذخراً لنا، وللأمة الإسلامية، ودمتم بخير وعافية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أفعال زوجك في ماضيه ليست أنه تزوج وأخفى ذلك عنكِ، فقد وقع في مخالفات كثيرة، ولعلَّه لم يهمك من كل ما حدث معه سوى أنه كان متزوجاً! وأنكِ لستِ الأولى في حياته! وهذا عجب منكِ، وقد جعلتِ من هذا الأمر سبباً لتفكيرك بالانتحار! وسبباً لاحتمال إصابتكِ بالجنون! عدا عن القلق والحزن والنكد في حياتكِ، والله المستعان، ولنا معكِ وقفة بعد حين إن شاء الله.
ثانياً:
زوجكِ وقع في أخطاء كثيرة يحتاج معها التوبة الصادقة، والندم على ما فات، وتعويض ذلك بحسن الطاعة، والإكثار من الأعمال الصالحة، ومن هذه الأخطاء:
١. أنه سعى للإقامة في بلاد الكفر، من غير ضرورة ملجئة.
٢. زواجه المؤقت بتلك الأمريكية لحين الانتهاء من الحصول على الأوراق!
وهو زواج المتعة الذي نصَّ نبينا ﷺ على تحريمه، ولا يشترط أن ينص في العقد المكتوب على تحديد مدة انتهاء العقد، بل يكفي التلفظ به، والاتفاق عليه بين الطرفين.
٣. العبث بعقد الزواج لاستعماله في غير ما شُرع من أجله، فقد أصبح هذا العقد الذي تستحل به الفروج، وتعظم فيه الشروط لعبة في أيدي من يرغب بالإقامة في بلاد الكفر، ومن يريد القيام بالحج، ... !
٤. وأعظم ما وقع فيه زوجكِ هو: الزنا!
وهو كبيرة من كبائر الذنوب، وهو محرَّم في كل الشرائع، ومنافٍ للفطرة والعقل.
وأما ابنته المزعومة: فعليه أن يتحرى ويتثبت من كونها ابنته، وعليه أن يسلك الطرق المتاحة لتثبيت نسبها له، وإنقاذها من تلك الديار، إن استطاع ذلك.
وقد سبق لنا في موقعنا التعرض لهذه الجزئيات، في أجوبة عديدة، يمكن لزوجك الرجوع إليها، إن كانت لديه رغبة في معرفة حكم ما وقع منه.
وعلى كل حال:
فالتفاصيل فيما فعله زوجك كثيرة، ومسائله تحتاج لمن يسمع ويستفصل منه، وحبذا أن يراجع مركزاً إسلاميّاً موثوقاً، أو يقابل عالماً ليوقفه على أفعاله وأحكامها.
ثالثاً:
واعلمي أنه لا يشترط في الرجل أن يخبر أنه كان متزوجاً، وإن سئل فلا يكذب، وإن كذب فقد أثم.
وانظري أنتِ ماذا فعل زوجكِ، وماذا ترتب على أفعاله، وانظري المخالفات التي وقع فيها، وأنتِ ليس لكِ همٌّ إلا أنه كان متزوجاً! وأخفى ذلك عنك.
يا أم الأربعة الأطفال، أبعد ذلك العمر كله، وبعد ذلك البيت المشيد، الذي عماده أربعة أطفال، تبحثين عن ذلك الماضي، وتشعلين نار الغيرة: أن لم تكوني أنت الزوجة الأولى؟!
فكان ماذا؟! وما الضرر الذي نالك: أن لم تكوني أنت الزوجة الأولى، سواء كان ذلك برضا منك، أو كرها عنك.
لقد كنا نفكر معك، ونبحث معك، ونتشاور معك في أمر تلك الزيجة، وهل تناسبك أولا، لو كان الأمر في إبانه: قبل أن تتزوجي فعلا، فكيف الآن وقد تزوجت، فكيف وأنت أم لأربعة أطفال، تنبشين في خرائب الماضي؟!!
وما عسى أن يخرج لك من تلك الخرائب، إلا الشياطين والوساوس التي توشك أن تدمر حياتك؟!!
عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
(إِنَّكَ إِنْ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ، أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ!!) .
فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا!!
رواه أبو داود (٤٨٨٨) وصححه الألباني في صحيح الترغيب.
قد فات ـ يا أختاه ـ أوان تلك الغيرة القاتلة:
صحا القلبُ عن سلمى وأقصر باطله وعُرِّيَ أفراسُ الصبا ورواحلُه
فكيف وقد ذكرت أنت، أن زوجك " - والحمد لله - إنسان جيد بكل معنى الكلمة "؟!!
وأنتِ بما تذكرينه من حالكِ بعد أن علمتِ بزواجه من قبل إنما تكتبين نهايتك معه بتلك الأفعال، وإنما تحفرين قبر زواجك منه بتلك الحال، ولن نجامل في الجواب، ولا بدَّ من تنبيهك على عِظَم أخطائك وتصرفاتك معه، فهو في ظنه أنه أراد تحقيق مصلحة لنفسه، وأراد إعفاف نفسه، وهي أمور من الماضي، فلا تكثيري اللوم، وتسيئي معاملته وإلا دفعت ثمن ذلك غالياً! فامتناعك عن الفراش سبب لسخط الرب ﵎، وسبب للعن الملائكة لك، كما صحَّ عن النبي ﷺ ، وسوء عشرتك له قد يجعل الكيل عنده يطفح ولا يرى مجالاً للبقاء معك، حيث لا سعادة ولا هناء، ولا عشرة حسنة، فأي زوج يرضى بأن يطول أمد هذا معه؟ وأي حبٍّ تزعمينه وأنتِ تعاملينه بهذه المعاملة؟ وهل تعلمين أن الانتحار كبيرة من كبائر الذنوب؟ وهل تعلمين أن سوء عشرته من المحرمات عليك؟ .
وأنتِ ذكرتِ أنك تجزمين أنه لا يفكِّر فيها، وأن هذا من زمن بعيد، وأنه ليس في حياته إلا أنتِ، فأي سببٍ يجعلك تنكئين الجروح، وتنبشين عن الماضي الغابر الميت؟! .
نحن ننصحك بشدة: إن لم تغيري من معاملتك لزوجك، وتحسني له: فستفقدينه، وسترين نفسك تائهة ضائعة، تتنقلين بين مراكز العيادات النفسية، فارجعي لدينك، وحكِّمي عقلك، واتركي عنك القلق والحزن والكآبة، فليس لها أسباب، وأنتِ الملومة في كل ما يجري لك، ويترتب على أفعالك، وبما أن زوجك قد طلب منك المسامحة تكراراً فلم يعد مخطئاً في حقك، وعليك قبول اعتذاره.
إن السؤال الذي أجبت عنه أولا، وأنصفت زوجك الذي تشتكينه:
كيف حال هذا الرجل الآن مع ربه؟ ثم كيف حاله معك؟ وهل هو جدير بأن يؤتمن عليك، بالنظر إلى واقعه الآن، وبغض النظر عما كان منه في ماضيه؟!!
إن كانت إجابتك ـ كما ذكرت أولا ـ: أنه جيد بمعنى الكلمة؛ فالواجب عليك أن تساعديه على تجاوز ذلك الماضي الأسود، بدلا من أن تفتحي عليه أبواب العودة إليه، وليكن همك أن يتوب منه إلى ربه توبة نصوحا، وأن يكثر من الخيرات في حاضره ومستقبله، علَّ الله تعالى أن يتجاوز عنه ويغفر له: (إن الحسنات يذهبن السيئات) .
وإن لم تستطيعي العيش مع هذا الزوج، وذلك الماضي فخلِّصي نفسك من هذه الحياة بطلب الخلع، أو افتدي نفسك ليطلقك!
لكن عليك أن تسألي نفسك أن تفعلي شيئا من ذلك: هل أنت بذلك تبحثين عن السعادة حقا، وتسلكين طريقها صدقا؟!!
أو أنك، والعياذ بالله كعنز السوء التي بحثت عن حتفها بظلفها، وصاحبة المثل في كتاب الله التي نقضت غزلها من بعد ما أحكمت غزله ونسجه، فجعلته خيوطا متناثرة، لا نظام لها!!
نحن نجزم أنك لن تكوني مرتاحة ولا سعيدة إن بقيت على حال التفتيش في الماضي وسوآته، أو أخربت بيتك، وهجرت زوجك وأولادك لمجرد كابوس الماضي!!
فحافظي على زوجك وأسرتك، وأظهري له الحب والمودة، وأسمعيه ما يحب سماعه منك، واتركي التفكير في ماضيه وما حصل منك.
ونسأل الله تعالى أن يوفقكما لما يحب ويرضى، وأن يجمع بينكما على البر والتقوى، وأن يهديك ويصلح بالك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15581
أقل الكفن المجزئ
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو أقل كفن يمكن أن يكفن فيه الرجل والمرأة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
سبق في جواب السؤال (٩٨٣٠٨) ، (٩٨١٨٩) أن الأفضل أن يكفن الميت في ثلاثة أثواب إن كان رجلاً، وخمسة إن كان امرأة.
ثانياً:
أما أقل كفن يمكن أن يكفن الميت فيه، وبه يحصل الواجب فهو ثوب واحد يستر جميع البدن، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد، وأحد القولين عند المالكية.
انظر: "حاشية ابن عابدين" (٣/٩٨) , "المغني" (٣/٣٨٦) ، "مواهب الجليل" (٢/٢٦٦) .
واستدلوا بما رواه البخاري (٤٠٤٧) ومسلم (٩٤٠) عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ﵁ قَالَ: لما قتل مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ يَوْمَ أُحُدٍ لَمْ يَتْرُكْ إِلَّا نَمِرَةً كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ , وَإِذَا غُطِّيَ بِهَا رِجْلَاهُ خَرَجَ رَأْسُهُ , فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : (غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلِهِ الْإِذْخِرَ) .
قال الزيلعي: "وهذا دليل على أن ستر العورة وحدها لا يكفي" انتهى من "حاشية ابن عابدين" (٣/٩٨) .
وقال الشيخ ابن باز ﵀:
" وإن كفن الميت في لفافة واحدة ساترة جاز سواء كان رجلاً أو امرأة , والأمر في ذلك واسع ".
"مجموع فتاوى ابن باز" (١٣/١٢٧) .
وقال البسام في "توضيح الأحكام" (٢/٣٩) : " الواجب للميت مطلقاً صغيراً كان أو كبيراً , ذكراً أو أنثى ثوب واحد يستر جميع بدن الميت " انتهى.
ومذهب الشافعي: أقل الكفن ما يستر العورة , وللمرأة ثوب يستر جميع بدنها إلا الوجه والكفين، وهو القول الثاني عند المالكية.
انظر: "المجموع" (٥/١٦٢) ، "مواهب الجليل" (٢/٢٦٦) .
واستدلوا بحديث مصعب أيضاً.
قال النووي: ولو كان ستر البدن واجباً لاشتروا له من تركته (سلاح ونحوه) كفناً , وإن لم يكن له مال لوجب تتميم الكفن من بيت المال فإن فقد فعلى المسلمين.
"المجموع" (٥/١٥٠-١٥١) .
ويجاب عن هذا: بأن النبي ﷺ وأصحابه لم يجدوا ما يكفنون به شهداء أحد، حتى كانوا يكفنون الرجلين في ثوب واحد، كما رواه البخاري (١٣٤٣) عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ) .
فمن أين يشترون الكفن وهم لا يجدون ما يكفنون به شهداء أحد؟!
فإن ضاق الكفن عن ذلك , ولم يوجد ما يستر الميت، ستر به رأسه وما طال من جسده , وما بقي منه مكشوفاً جعل عليه شيء من الإذخر أو غيره من الحشيش، وذلك لقول النبي ﷺ في قصة مصعب بن عمير: (غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلِهِ الْإِذْخِرَ) متفق عليه.
قال الشيخ ابن عثيمين "في الشرح الممتع" (٥/٢٢٥) : " والدليل على أن هذا واجب (يعني ستر جميع الميت بالكفن) : أن الصحابة الذين قصرت بهم ثيابهم عن الكفن أمر النبي ﵊ أن يجعل الكفن من عند الرأس ويجعل على الرجلين شيء من الإذخر، وهو: نبات معروف.
فإذا لم يوجد شيء، مثل: أن يحترق بثيابه، ولم يوجد ثياب يكفن بها، فإنه يكفن بحشيش أو نحوه يوضع على بدنه ويلف عليه حزائم، فإن لم يوجد شيء فإنه يدفن على ما هو عليه؛ لعموم قول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن/١٦ " انتهى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15582
طرق الشيطان في الإيقاع بالدعاة في فتنة النساء في الإنترنت وموقف الزوجة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا متزوجة من رجل دين وعلى خلُق (فيما يظهر لي وللناس) المشكلة: أنه بعد دخول الانترنت أصبح يدخل إلى الشات والمنتديات بحجة الدعوة إلى الله وتفريج كرب المسلمين، ثم أصبح التواصل مع هؤلاء الناس أكثر من المساعدة فقط، فقد أصبح هناك سؤال عن الأحوال الشخصية، وحتى الحالة النفسية، وتطور الأمر أكثر من ذلك فأصبح اتصال بالجوال، ورسائل بأنواعها، وتطور الأمر إلى السفر إليهم ومقابلة الجنسين بكل سهوله، والجلوس معهم، ومناقشة أمور الدين، وغيرها، وقد كنت أتحاور معه على هذا الموضوع باستمرار، ولكن دون فائدة، بل أصبح يخفي بعض الأمور بدعوى أنها حياته الشخصية، وعندما أوضح له أنه لا يجوز له مخاطبة النساء الأجانب والتحاور معهم على الأمور الشخصية: يتحجج بأن الشيوخ يفعلون ذلك ولا حرج، ويحثني على أن أنتبه للعائلة وأدعه في شأنه، وعند مناقشة هذا الأمر معه يقول: إن هذا أمر عادي، ولكن المجتمع السعودي متخلف، ومتحجر، ولا يفهم التطور ومحاورة الآخرين، وسوف يتقبل المجتمع ذلك كما تقبل الدش، والآن تعرَّف على امرأة من الانترنت، وقدَّم لها المساعدة، وأصبح يتابع أخبارها باستمرار، ثم سافر إلى بلدهم وقابل زوج صديقتها، ثم جلسوا مع بعض، وتناقشوا في عدة أمور، ثم رأى أن حل مشكلة هذه المرأة بالزواج منه، فعرض عليها الزواج، ثم بعد الرجوع إلى السعودية أخبرني أنه سيتزوج منها، وهو يسعى إلى إيجاد التصريح ولو دفع مالاً مقابل ذلك، وأصبحت أنا أتحمل مسؤولية تربية الأبناء وحدي (وقد كنت من الأول أنا أتحمل المسؤولية) ، المشكلة كذلك أنه طوال الوقت مشغول بالعمل والدراسة، ونادر التواجد في البيت، وعند مناقشة هذا الأمر معه كان يقول إن في السلف من يغيب عن بيته بالسنوات، والمرأة هي من يقوم بالتربية وعند التحدث عن الانشغال أيضا بالزوجة الثانية يقول: لا، بل سينظم وقته، ويتفرغ لزوجاته وأبنائه، وإنا بصراحة أشك في ذلك، أنا لم أهمل زوجي، ولا نفسي، ولا أولادي، لكنني إنسانة لا أحب المجادلة، وكنت أثق فيه، ولم أتصور أن يتطور الأمر إلى ذلك، فقد أصبح همَّه، وعند سؤاله يخبرني بأن الله هو من يحاسبه. أفيدوني بارك الله فيكم ماذا أعمل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إن للشيطان وسائل يسلكها ليصل إلى الإيقاع بعامة الناس، وله وسائل أخرى يصل إلى المقصود نفسه مع خاصة الناس من أهل العلم والدعوة والعبادة. وصدق النبي ﷺ : (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنْ الْجِنِّ قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِيَّايَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ) رواه مسلم (٢٨١٤) ، وهكذا يدخل اللعين لكل هدف، من الباب الذي يلائمه! فيزين له أعماله حتى يحسب أنه يُحسن صنعاً، ولا يزال به حتى يوقعه في المعاصي والمنكرات.
ولو عقل هؤلاء الخاصة شرع الله تعالى لانتبهوا لأنفسهم، فإن الله تعالى قد نهانا عن اتباع خطوات الشيطان، ولم ينهنا عن اتباع الشيطان مباشرة! قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) النور/من الآية ٢١، وقال: (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) البقرة/ من الآية ١٦٨ من الآية ٢٠٨، والأنعام / من الآية ١٤٢.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
وخطوات الشيطان يدخل فيها سائر المعاصي المتعلقة بالقلب، واللسان، والبدن، ومن حكمته تعالى أن بين الحكم، وهو: النهي عن اتباع خطوات الشيطان، والحكمة، وهو بيان ما في المنهي عنه من الشر المقتضي، والداعي لتركه فقال: (وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ) أي: الشيطان (يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) أي: ما تستفحشه العقول والشرائع، من الذنوب العظيمة، مع ميل بعض النفوس إليه، (وَالْمُنْكَرِ) وهو ما تنكره العقول ولا تعرفه، فالمعاصي التي هي خطوات الشيطان لا تخرج عن ذلك، فنهي الله عنها للعباد نعمة منه عليهم أن يشكروه ويذكروه؛ لأن ذلك صيانة لهم عن التدنس بالرذائل والقبائح، فمن إحسانه عليهم أن نهاهم عنها، كما نهاهم عن أكل السموم القاتلة ونحوها.
" تفسير السعدي " (ص ٥٦٣) .
ونهانا ربنا تعالى عن أن نقرب الزنا، ولم ينهنا عن الزنا مباشرة! قال تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) الإسراء/٣٢.
وعندما يريد الشيطان أن يوقع خاصة الناس في المعصية: فإنه يأتيهم من باب الطاعة! فيبدأ الأمر من الترغيب برعاية الأرملة والمسكينة، ولا يزال يتطور الأمر، فيبدأ بالعناية بأحوال تلك النساء من بُعد، ثم لا يزال يقترب بالكلام، ثم النظر، ثم الجلوس والانبساط في الحديث، إلى أن يقع الإعجاب، ثم يحصل ما لا يُحمد عقباه.
وله طرق أخرى، ومنها: الدعوة إلى الله! فيبدأ لأمر على أنه نصح عام للمسلمين، ثم يبدأ بتخصيص نصحه ودعوته لبعض الخاصة، ثم لا يفرِّق في هذا بين ذكر وأنثى، ثم يبدأ مشواره مع النساء بالكلام المحتشم، ثم بالأسئلة الخاصة، فالمزح، فالإكثار من المراسلة، ثم ينتقل إلى الحديث بالصوت، ثم بالصوت والصورة، ثم باللقاء، ثم يحصل ما لا يُحمد عقباه، وكل ذلك الطريق الذي سلكه كان من خطوات الشيطان الذي نهاه الله عن اتباعها، وكل ذلك كان من " قربان " حدود الله التي نهاه الله عن قربانها، فزيَّن له الشيطان عمله، وأوهمه أنه يدعو إلى الله، وأن هذا من نفع المسلمين، ومن تعليم الجاهلين، ومن تنفيس الكربات، وتفريج الهموم، ولا يزال يزين له أعماله حتى يوقعه في الموبقات.
وإننا لنأسف على إخوة وأخوات عرفناهم من أصحاب الهمم والطاقات في الخير، ثم صار حالهم إلى بُعد عن الله تعالى، ووقوع في الفواحش والمنكرات، ومعظم النار من مستصغر الشرر، فلم ينتبه هؤلاء إلى أول خطواتهم في طريق المعصية، ولم ينتبهوا لأنفسهم وقلوبهم وتغيرها، ولن يلتفتوا لإيمانهم وضعفه، وكل ذلك جعله الله تعالى إشارات ينتبه بها الغافل، ويستيقظ بها النائم.
وينظر سؤال: (٦٠٢٦٩)
ثانياً:
وما حصل من زوجك هو مما ذكرناه قطعاً، والفتنة التي وقع بها واضحة المعالم، وكلامه فيه مغالطات وتجنٍّ، وكل ذلك من أجل أن يقنع نفسه أنه ليس بمخطئ، ومن ذلك:
١. إخفاء تصرفاته عنكِ، ودعواه أنها " حياته الشخصية "! ولو كان يفعل الخير، ويرجو ثوابه عند الله تعالى لشاركك في دعوته، واستشارك في كيفية تعامله مع النساء – على الأقل -، وقد أخبر النبي ﷺ بأن الإثم هو " ما حاك في الصدر وكرهتَ أن يطلع عليه الناس " وهو عين ما كان يفعله.
٢. زعمه في تسويغ تصرفاته أن " الشيوخ يفعلون ذلك ولا حرج "! هو من تجنيه عليهم، وإذا كان " الشيوخ " يخفون تصرفاتهم وأحوالهم – مثل ما يفعل – فكيف وصل له الخبر أنهم يفعلون مثل فعله؟! وإن كان الشيوخ يخاطبون النساء ويرشدونهم فبالطريقة الشرعية لا بطريقته هو، فلا يصح له الاستدلال بفعلهم، فلا هو بالذي فعل مثل فعلهم، ولا هم فعلوا فعله كما زعم عليهم.
٣. زعمه أن " المجتمع السعودي متخلف ومتحجر ولا يفهم التطور ومحاورة الآخرين ": هو من تلبيس إبليس عليه، فإذا كان الواقع كما يقول: فلماذا لا يسمح لكِ بمخاطبة الرجال الأجانب كما يفعل هو مع النساء الأجنبيات؟! وهل يسمح لابنته بأن تخاطب من تشاء من الرجال في الإنترنت وفي حياتها؟! فإن كان يسمح في الحالتين فهو ديوث، رضي بالدياثة لنفسه خلُقاً، وإن كان لا يسمح – وهذا ما نعتقده -: فهو متناقض، لأن ما أنكره على المجتمع السعود من التخلف والتحجر قد وقع هو فيه.
٤. زعمه أن في السلف " من يغيب عن بيته بالسنوات ": نعم صحيح، لكنهم كانوا يغيبون لطلب العلم، والجهاد، لا لملاحقة النساء وإشباع الرغبات الفاسدة! .
٥. وزعمه أن " المرأة هي من يقوم بالتربية ": زعم باطل، بل مسئولية مشتركة على الأب والأم، والنبي ﷺ جعل الأب راعياً في بيته ومسئول عن رعيته: (والرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته) ، فماذا سيقول لربه تعالى إن سأله عن رعيته؟! .
٦. قوله " بأن الله سيحاسبه ": نعم، لكنه حساب يترتب عليه الثواب والعقاب، وثمة حساب في الدنيا على تصرفاته، ويجب أن يُحاسب نفسه أولاً، ويجب أن يقبل من غيره محاسبته على تصرفاته، فهو عبد لله تعالى، وهو زوج، وأب، وثمة مسئوليات شرعية، ودنيوية عليه، ويجب عليه الانتباه لها، وقبول محاسبة غيره عليها.
إن هذا المنطق الغريب الذي يتكلم به زوجك " إن الله سيحاسبه " يريد من ورائه هدم قاعدة من أعظم قواعد الدين، فـ " الدين النصيحة " كما قال ﷺ ، ويريد تعطيل شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) التوبة/٧١
٧. إن ما يدعوك إليه من الانتباه إلى العائلة وتركه في شأنه ترك لسبيل المتقين (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) سورة الأعراف/٢٠١، لقد ترك خير الكلام الذي هو ذكر الله ، وردّ نصيحتك، بل ونهاك عنها: (إن أحب الكلام إلى الله أن يقول العبد سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. وإن أبغض الكلام إلى الله أن يقول الرجل للرجل اتق الله فيقول عليك بنفسك) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة
ثالثاً:
والذي ننصحكِ بفعله:
١. مداومة نصحه وتوجيهه وتذكيره، وليكن ذلك بالأسلوب الحسن، والحجة القوية، وذكريه بأيام استقامته، وحذريه من خاتمة السوء، وأعلميه بأن الله تعالى قد يبتليه في عرضه، كما يفعل هو بأعراض الناس. وفي مأثور الحكم: (ومن هتك حجاب أخيه، انتهكت عورات بنيه)
٢. أكثري من الدعاء له، واحرصي على الأوقات الفاضلة كثلث الليل الآخر، واحرصي على الأوضاع الفاضلة كالسجود، فأكثري فيه الدعاء له.
٣. ولا بأس بإخبار بعض إخوانه في الله ممن يوثق بدينه وخلقه ممن يثق بهم ويحترمهم، وليكن ذلك من غير مباشرة منك، ولا تصريح بأفعاله، فيخبر ذلك الثقة بأن صاحبه قد نقصت استقامته، وبدأ حاله بالتغير، ونحو لك الكلام المجمل.
٤. ونرى أن تعينيه على التزوج بأخرى، فلعلَّ ذلك أن يشغله عن تتبع النساء، وإهدار وقته فيما لا ينفع، وقد يطفئ الزواج شهوته، ويرجعه لدينه وعقله، فلا نرى لك الوقوف في وجهه إذا عزم على هذا الأمر، وأعلميه أنك ترضين بالزواج لأنه حلال، وتخالفينه في أفعاله تلك لأنها حرام.
ونسأل الله تعالى أن ييسر أمرك، ويفرِّج كربك، وأن يهديه ويصلح باله.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15583
علق الطلاق على أمر وزوجته لا تعلم
[السُّؤَالُ]
ـ[زوج خالتي رمى يمين الطلاق على خالتي أن لا تدخل بيتنا، وخالتي لا تعلم بذلك فدخلت بيتنا بهدف صلة الرحم والصلح معنا، نحن لا نعلم متى حلف ولكنه قال إنه رمى يمين الطلاق أن لا تدخل، وعلى فكرة والدي الله يهديه دائماً يحلف بالطلاق، وأمي لم يبقَ لها سوى طلقة واحدة فقط، فما هو حكم الشرع في ذلك؟ وبصراحة والداي دائماً في عراك طوال حياتهم، وكل مرة تزداد حياتنا تحطيماً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سبق في جواب السؤال رقم (٨٢٤٠٠) حكم الطلاق المعلق، وتفصيل الأقوال فيه، وفيه أيضاً: التحذير من التسرع في الطلاق، والحلف به، فلينظر.
ولتعلم خالتك أنها لا يشترط معرفتها بتعليق طلاقها على حصول شيء منها، كما لا يشترط سماعها لطلاق زوجها، لكن كان ينبغي لزوجها أن يبين لها ما فعله، وعدمُ إخبارها بما قاله من تعليق الطلاق على دخول بيت أختِها يبين أنه لم يقصد المنع، وبالتالي فهو يريد إيقاع الطلاق، ولو أنه أراد منعها لأسمعها كلامه أو لكان أخبرها به فيما بعد.
وعلى كل حال: فالذي يظهر أنه أراد إيقاع الطلاق، وتكون قد طلقت بدخولها لبيت أختها، حتى لو لم تكن تعلم بكلامه.
وانظري جواب السؤال رقم: (٤٣٤٨١) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15584
يُكرهها والدها على حضور مجالس فيها بدع فكيف تتصرف معه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[يجبرني والدي أنا (١٩) وأخي (١٥) وأختي (١١) على الذهاب إلى مكان تمارس فيه البدعة، وإذا لم أذهب فإن والدي سيعلم بذلك، ويفوت الناس أحياناً في هذا المكان أداء الصلاة، ويقومون بالغناء، وقراءة أسماء الله التسع وتسعين مع بعضهم البعض، مع التأرجح للأمام والخلف (لم أعلم أبداً أن الصحابة قاموا بذلك!) مع إضافة بعض الإضافات فى نهاية سورة الفاتحة. أسلمتُ حديثا ولا أريد أن أضل كما يحدث للبعض، فأنا أريد أن أتمسك بسنَّة النبي ﷺ ، ومع ذلك فأنا أخشى إذا لم أذهب لهذا المكان أن أُطرد من المنزل لعصيانى والدي، وليس لدي مكان آخر أذهب إليه، ولكن أخبرني أحدهم أيضاً بالحديث القائل بأننا يجب أن نترك المكان الذي توجد به البدعة، ولا أعرف ماذا أفعل، فأنا أفضِّل أن أخبر والدي بأنني لن أذهب، وأطرد من المنزل؛ لأنني أخشى الله، ولكن ذلك سيكون قطعاً للرحم وهو من الكبائر! وإذا تركت المنزل فماذا عن أخي وأختي؟ وكيف أنقذهم من هذه البدعة؟ وأين أذهب؟ هل يجوز لى أن أترك المنزل وأعيش مع إحدى الأخوات أم أحتاج لمحرم؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
قراءة هذه الرسالة وإن كان المرء ليحزن لما فيها: إلا أنه يفرح لما يقرؤه من فطنة وذكاء وحسن اتباع من هذه الأخت الفاضلة، فهي مستاءة من وجود هذه البدعة، وتخاف أن تقع في معصية مخالفة والدها الذي يأمرها بالذهاب لمكان تلك البدعة، وهي – أيضاً – تفكِّر في الخروج من البيت إلا أنه يقلقها حال أخيها وأختها، وتخشى أن تكون مخالفة للشرع إن لم يكن معها محرَم، وهذا كله وهي مسلمة حديثاً، فنسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته أن يثبتها على الحق وإخوتها، وأن يهدي أهلها لاتباع السنَّة.
ثانياً:
نقول للأخت السائلة الفاضلة:
١. لا شك أن حضور تلك المجالس بما فيها من بدع ومعاصٍ يعدُّ أمراً مخالفاً للشرع، فلم يكتفِ أولئك المبتدعة ببدعهم من ذكر أسماء الله بالغناء والرقص، حتى أضافوا إليها معاصي بيِّنة وهي تفويت الصلاة عن وقتها، وهذا يدل على كذب زعمهم أنهم يتعبدون الله ويتقربون له، ولو كانوا صادقين لحرصوا على التقرب له بما شرع، ولما ضيعوا الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام العملية، وقد جاءت النصوص في القرآن والسنة تتوعد من أداها في غير وقتها، وتتوعد من ضيعها.
٢. من المعلوم شرعاً أن الذهاب لتلك المجالس البدعية فيه إثم كبير، ويترتب عليه مفاسد كثيرة، لكن قد يكون من المصلحة تأخير الامتناع من الذهاب؛ لما يترتب على هذا التأخير من جلب مصالح ودفع مفاسد كثيرة.
٣. ومن مصالح ذهابك الآن: الحفاظ على أختك وأخيك من أن لا يكون معهما من يوجههما ويبين لهما خطأ هذه الأفعال، ومن المصالح كذلك: أن لا يكون عدم الذهاب سبباً لطرد والدك لك من البيت، وهو الأمر الذي يترتب عليه مفاسد وشرور، لا يعلم مداها إلا الله، لا سيما في البلاد التي تعيشين فيها، بل والله وفي غيرها من البلاد، ومن (الذي يأمن على شاة لا راعي لها) في وسط الذئاب: ومن رعى غنماً في أرض مسبعة، ونام عنها تولى رَعْيَها الأسدُ.
٤. فنرى لك أن تبقي على الذهاب مع التقلل منه بقدر طاقتك واختراع الأسباب المقبولة – عند والدك – للتأخر عن الذهاب مع بذل الوسع والطاقة في إدخال أطراف من الناس العقلاء من أهل السنَّة لتوضيح الحق لوالدك، وتبيين الحق له.
٥. ومثلك لا نخشى عليه – إن شاء الله - من الاغترار بما يفعله أولئك المبتدعة الجهلة، ومع ذلك فإننا نوصيك بتقوية إيمانك بالطاعات، وبتقوية علمك بالقراءة والاطلاع على كتب أهل السنَّة؛ وهذا نافع لك، وسؤال أهل السنة الثقات عن كل ما يُشكِل عليك أمره، مع التنبيه على وجوب متابعة إخوتك بالنصح والتوجيه والإرشاد، وكذا انتقاء بعض من يحضر تلك المجالس من بنات جنسك لدعوتهم للحق والصواب.
٦. ونوصيك إن ذهبت هناك بالابتعاد عن تلك المجالس قدر الاستطاعة، وذلك بالجلوس مع النساء في غرف مستقلة بعيدة عن تلك البدع والانحرافات، وكوني – كلما قدرت – آخر الداخلين وأول الخارجين.
٧. ونوصيك بالجلوس مع والدك، والتفاهم معه على ما يأمرك به، وعلى قناعاته بأولئك المبتدعة، فأنتِ في سنٍّ يمكنك فعل ذلك معه، وعندك من الفهم ما يؤهلك لتكوني مقنعة له إن شاء الله.
٨. داومي على الدعاء لوالدك، وداومي على النصح له، وأكثري من حسن المعاملة له؛ فإن (الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه) كما قال النبي ﷺ .
ونسأل الله أن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن يثبتك على الحق، وأن يهدي والدك للحق.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15585
انتكس زوجها وغير معاملته لها وارتكب المحرمات فماذا تصنع ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا امرأة متزوجة منذ عشر سنوات، ولدي ولدان وبنت، لم أتزوج عن حب، ولكن أحببت زوجي كثيراً؛ لأنه كان في بداية زواجنا يقدرني ويناقشني في كل أموره، وكان يُسمعني من كلمات الحب والغرام حتى أحببته بكل جوارحي، وبصراحة كان يصلى في المسجد، ويساعدني في كل شيء، في تربية الأولاد، وأعمال المنزل، وبعد أربع سنوات من عمر الزواج بدأ يكوِّن علاقات مع الشباب، وصدفة اكتشفت أنه يدخن الشيشة، وحزنت كثيراً عندما عرفت ذلك، ووعدني بأنه لن يفعلها مرة أخرى، ولكن للأسف الشديد فهو ما زال يدخن الشيشة وبإدمان لدرجة أنه يذهب إلى المقهى خلال فترة الصباح لكي يدخنها، وعندما منعته صرخ في وجهي بأن لا أتدخل في شؤونه، مع العلم بأنه مقصِّر في حقي وحق أولاده، وأصبح مشغولاً جدّاً مع أصدقائه، لدرجة أنه عندما يخرج في الصباح لا يرجع إلا آخر الليل، وحاولت أن أًدخل أهله في الموضوع، ولكن دون جدوى، فهو لا يسمع لأحد. أنا في حيرة من أمري، فهو عصبي جدّاً معي، ولكن مع أصدقائه يضحك ويمرح، كما أنه عندما أطلب منه أن نخرج معاً لا يرضى، وإذا خرجنا فإنه طوال الوقت صامت لا يتكلم، ويكون مشغولاً بالهاتف، إما برسائل، أو الرد على المكالمات، لدرجة في بداية الأمر ظننت بأن له علاقة بغيري، ولكن حسب تصرفاته أراه فقط مشغولاً بالأصدقاء، وأنا أحبه وأريده بكل جوارحي. ملاحظات: كان يصلِّي في المسجد، والآن تمر عليه صلوات دون أن يصليها، يُكثر من تجريحي وإهانتي، يصرخ في وجهي أمام الأولاد، وأمام أي شخص دون مراعاة لمشاعري، كثير الرحلات مع الأصدقاء، مدمن الشيشة، مسرف في ملابسه وأناقته، ولا يبالي بنواقص واحتياجات المنزل والأولاد، كثير الديون، ولا يملك أي شيء ثمين، علماً بأني أعمل وأصرف على نفسي، وأدفع الإيجار، وراتب الشغالة، وكثير من مصاريف البيت، وهو لا يبالى، فكيف أتصرف معه؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
مشكلات بيوت الزوجية كثيرة، وإذا كانت هذه المشكلات من طرف الزوج: فلا بدَّ للمرأة العاقلة من البحث عن أسباب تغير معاملة زوجها لها، وسبب إحداثه المشكلات في حياتها، فقد تكون مخالِفة لأوامره، معاندة في تصرفاتها، أو مقصرة في طاعته، أو مهملة في بيتها وتربية أولادها، وغير ذلك من الأسباب، ولا يُتصور وجود حياة زوجية سعيدة، ثم تنقلب الأمور فجأة إلى كراهية الزوجة، وحب السهر خارج البيت، وشرب الشيشة، وغيرها إلا أن تكون ثمة أسباب دفعت هذا الزوج لمثل هذه الأفعال، وإن كنا نعلم أنه في كثير من الأحيان لا يكون للزوجة يد في هذه الأسباب؛ بل تكون انتكاسة ألمت بالرجل بعد استقامته، نسأل الله الثبات والهداية، أو رفقة سوء أحاطت به، حتى أضلته عن صراط ربه المستقيم، ومصالح معاشه ومعاده، كما هو الظاهر من المشكلة التي أمامنا.
وإذا تبين للزوجة أن لا دخل لها فيما حدث لزوجها من تغيرات: فإنه ابتلاء من الله لها، فعليها أن تختار بين الصبر على ما يفعله زوجها، مع مداومة النصح والدعاء، أو طلب الفراق، إذا لم يمكنها الصبر على أذاه، أو كانت تخشى على نفسها أو دينها أو ولدها إذا بقيت معه، أو وصل في معصيته إلى حد الكفر، والعياذ بالله.
ثانياً:
على الزوجة أن تبذل وسعها في نصح زوجها، وتذكيره، بالتي هي أحسن، ولا تعنِّف في الكلام، ولا تعبس في وجهه، بل تتلطف في اللفظ والمعاملة، وتخبر أهلها ليجعلوا أحد المقربين له من أهل الخير ينصحه ويذكره ويوجهه للصواب، مع حرصها على الدعاء في سجودها، وفي آخر الليل أن يهديه ربه ويوفقه.
قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:
لا يجوز للزوج أن يعامل زوجته معاملة سيئة؛ لأن الله تعالى يقول: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) النساء/١٩، ويقول ﷺ : (وإن لزوجك عليك حقًا) - رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمر بن العاص ﵄، وإذا أساء عشرتها: فإنه ينبغي لها أن تقابل ذلك بالصبر، وأن تؤدي ما له عليها من حق؛ ليكون لها الأجر في ذلك، ولعل الله أن يهديه، قال الله تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فصّلت/٣٤.
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (٤ / ١٧٧) .
وإذا كان ثمة معاصٍ يرتكبها وتستطيع الزوجة الصبر عليها: فإن تركه للصلاة ليس من هذا الباب؛ لأن ترك الصلاة كفر وردة، فلا تمكنه منها إلا أن يرجع لصلاته.
سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
امرأة عند رجل يرتكب بعض المعاصي والآثام الكبيرة، كالمخدرات، ونحو ذلك، وهي تعاني من هذا الرجل، وهي امرأة فيها صلاح، وإيمان - نحسبها كذلك، والله حسيبها - ماذا تعمل هذه المرأة وقد نصحت واهتمت لكي يترك هذا الرجل هذا المحرم، ويعود إلى الله ، ولكن بدون جدوى؟ فما رأيك؟ هل تذهب إلى أهلها أو تصبر لعل الله يهديه؟ وكذلك أبناؤه يمنعهم من الصلاة.
فأجاب:
هذا الرجل الذي يفعل المحرمات هل يصلي أم لا يصلي؟ .
الائل:
يصلي بتهاون، أحياناً في البيت، وأحياناً في العمل، وأحياناً يتأخر.
الجواب:
أرى أنها إذا نصحته ولم يستفد: فلها الحق في طلب الفسخ، ويفسخ النكاح، لكن على كل حال مثل هذه الأمور قد يكون هناك أشياء ما تتمكن معها من الفسخ؛ لأنها معها أولاد، يحصل مشاكل في الفسخ، فإذا لم تصل معصيته إلى حد الكفر: فلا حرج عليها أن تبقى معه؛ خوفاً من المفسدة، أما إذا وصلت إلى حد الكفر مثل كونه لا يصلي: فهذا لا تبقى معه طرفة عين.
" لقاءات الباب المفتوح " (١٣ / السؤال رقم ١٨) .
ثالثاً:
يجب على الأزواج أن يتقوا الله تعالى في زوجاتهم، ولْيعلموا أن الله تعالى قد أمرهم بعشرتهن بالمعروف، وأمرهم بإمساكهن بمعروف، وأخبرهم أنه قد يكره الواحد منهم زوجته ويجعل الله فيها خيراً كثيراً، وهكذا ذكر النبي ﷺ ، أنه إن ساءه منها خلُق فليرض بما لها من أخلاق حسنة.
قال تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) النساء/من الآية١٩.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ - أَوْ قَالَ: غَيْرَهُ -) . رواه مسلم (١٤٦٩) .
وليعلم هؤلاء الأزواج أن قدوتهم هو النبي ﷺ ، وقد كان خير زوج لنسائه.
قال ابن كثير – ﵀:
وقوله: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: طيِّبُوا أقوالكم لهن، وحَسّنُوا أفعالكم، وهيئاتكم، بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) البقرة/٢٢٨، وقال رسول الله ﷺ : (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ، وأنا خَيْرُكُم لأهْلي) - رواه الترمذي (٣٨٩٢) وصححه -، وكان من أخلاقه ﷺ أنه جَمِيل العِشْرَة، دائم البِشْرِ، يُداعِبُ أهلَه، ويَتَلَطَّفُ بهم، ويُوسِّعُهُم نَفَقَته، ويُضاحِك نساءَه، حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين؛ يَتَوَدَّدُ إليها بذلك، قالت: سَابَقَنِي رسولُ الله ﷺ فَسَبَقْتُهُ، وذلك قبل أن أحملَ اللحم، ثم سابقته بعد ما حملتُ اللحمَ فسبقني، فقال: (هذِهِ بتلْك) – رواه أبو داود (٢٥٧٨) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود " -، ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله ﷺ ، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع عن كَتِفَيْه الرِّداء وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يَسْمُر مع أهله قليلا قبل أن ينام، يُؤانسهم بذلك ﷺ ، وقد قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) الأحزاب/٢١.
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٢٤٢) .
على أننا، وبخصوص هذه المشكلة، نرى أن جزءا كبيرا من العلاج يكمن في إبعاد زوجك عن صحبة السوء التي شغلته عن بيته وأهله ودينه؛ فإن أمكن الاستعانة على ذلك برفقة صالحة من أهله تغنيه عن رفقاء السوء الذي أفسدوا حاله، فهو أمر حسن.
ثم عليك أنت أيضا أن تستعيني بالله في تعويضه عن هذه الرفقة بالسكن والمودة والرحمة التي تشيعينها في بيتك، عسى الله أن يجعل لك ولزوجك من ذلك البلاء فرجا ومخرجا.
ونسأل الله تعالى أن يهدي زوجك، وأن يوفقه لمرضاته، وأن يجمع بين زوجته على خير.
وانظري جوابي السؤالين (٤٥٦٠٠) و (٩٤٦٣) .
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15586
تقدم لها شاب فرفضته من أجل تشككها من توبته وخوفها من انتكاسته
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد استشارتكم؛ فأنا في حيرة من أمري: أنا فتاة ملتزمة - ولله الحمد -، أحافظ على صلاتي، وصيامي، وقيام الليل، وعند مشاهدة التلفاز أشاهده بتحفظ، فلا أنظر إلى الحرام والغناء، تقدم لخطبتي شاب، جميع مواصفاته جيدة، ولكن عندما جلست للحديث معه وكنت في حضرة أهلي وأرتدي الحجاب: تحدثنا، وأعجبني كل شيء فيه، كذلك هو أُعجب بي جدّاً، وقال لي: أنا أريد فتاة تكون ملتزمة، ولم أجد مثلك، لكن في نهاية الحديث صارحني بماضيه، فقال لي: أنا فعلت جميع أنواع المعاصي إلا الزنا، والمخدرات، لم أقربهم، وكنت على علاقة مع الفتيات، وكنت أجلس على التشات، لكني تركت ذلك، وتبت إلى الله، وأنا أحب أتزوج فتاة متدينة، وأُعجبت بتدينك، ولكن مع أنه قال لي إنه تاب إلَاّ أنه عندما كان عندي جاءته رسالة جوال فقلت له: من هذا؟ ضحك، وقال لي: هذه فتاة، قلت له: ما دام أنك أقلعت عن ذلك لماذا لا تغير رقمك؟ قال لي: أنا أعطيك الجوال وأنتِ ردي عليهم مثل ما تريدين، فرفضته بعد أن كنتُ موافقةً عليه، مع أنه رضي بي، ورضي بقصري، ونحافتي، فأنا قصيرة، ونحيفة، وكان هذا في شهر رمضان، كنت أدعو الله إن كان سيبعدني عنك: أبعِده عنِّي، وسبحان الله، صارحني، ورفضته. الأمر الذي يحيِّرني: في هذه الأيام حلمت حلماً: أن شابّاً جاء لخطبتي، وعندما أردت الدخول لرؤيته: كنتُ أنتظر أخي حتى يفرغ من الصلاة ليدخل معي، وكان شعري طويلا جدّاً وجميلاً، ودخلت كاشفة لشعري فقط، وجلست بجانبه، وكان يلبس خاتماً من فضة في يده اليمنى، أما أنا لم أكن لابسة ذلك الخاتم، هذا الشاب لا أعرفه، وكان يتحدث مع أهلي عندما جلست بجانبه، وقد رأيتُ في تلك الجلسة الشاب الذي تقدم لخطبتي فتعجبتُ لماذا هو موجود؟ وكان هذا المنام قبل قيامي لصلاة قيام الليل، وفي اليوم الثاني رأيت أنني أشتري خاتماً، ولبسته في يدي، وأسورة، أو ساعة، ولكن لم ألبسها لأنها تحتاج إلى تصغير، في اليوم التالي قال لي أحد الأشخاص أن ذلك الشاب الذي رفضتيه لم يجد إلى الآن فتاة مثلك، وهو معجب بك. أريد استشارتكم، أنا نفسي فيه، فأنا ارتحت له، ولكن رفضته من أجل الله، خائفة أن لا تكون توبته صادقة، أو أن يعود إلى شرب الخمر، مع أنه قال لي إنه تاب، خائفة أن يبعدني عن الله، أو يجرني إلى معصية الله، أنا أحب أن أوافق عليه حتى آخذ بيده إلى الله، ولكن خائفة أن لا أستطيع التأثير عليه، مع أنه هو يريد فتاة ملتزمة، هل يجوز لي أن أخبر ذلك الشخص أن يلمح له ليطلبني مرة أخرى، أو يحادثني على الإنترنت على الماسنجر؛ لأنه قد يخاف أن يكسف مرة أخرى، فربما إذا حدثني على الماسنجر أعرف عنه أكثر؟ ماذا أفعل؟ هل أنساه أم أوافق عليه وأنال به الأجر؟ أم إن من يتعلق بهذه المعاصي لا يستطيع تركها؟ ورأيته مرة أخرى في منامي وهو يمسك بثيابي ويقول لي: أنا عشت خمس سنوات في ضلال ولقيتك لماذا تخليتِ عني؟ ماذا أفعل؟ هل موافقتي له قد يهتدي على يدي؟ أم يبعدني عن ربي؟ أرجوكم أفيدوني ولا تتأخروا عليَّ بالرد، أرجوكم، أرجوكم، جزاكم الله خيراً. أريد الرد على البريد الالكتروني، مع العلم أنني إذا تحدثت معه على النت سيكون في حدود ما يرضي الله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لن نبنيَ جوابنا على ما رأيتيه في منامكِ، بل على الحقائق التي ذكرتيها في سؤالكِ مما كان في اليقظة؛ لأن ما يُرى في المنام ليس شيئاً واحداً، فبعضه يكون حلماً من الشيطان، وبعضه يكون حديث نفْس، ويظهر لنا أن الأمر عندك هو من حديث النفْس.
والذي لمسناه من سؤالك هو أنك تتصفين ببعض الصفات التي قد تؤثِّر على حياتك قبل الزواج وبعده، وهذه الصفات هي: " التشكك الزائد " و " الخوف من المجهول "! .
فأنتِ تتشككين في حقيقة توبة ذلك الخاطب، وعندك أن بعض المعاصي لا يُتاب منها! ولا يتركها صاحبها! وعندك " الخوف " من أن يؤدي الزواج به إلى التأثير عليكِ وجرك معه إلى أن تفعلي أفعاله!
وكلا الأمرين خطأ، ولا ينبغي لك التخلق بمثل هذا، وظننا بك حسنٌ، وأنك تريدين القُرب من الله تعالى، وأنك تسعين لنيل رضاه، لكن ليس بمثل هذه الأشياء تتم الأمور.
فالرجل قد اعترف بأنه كان مبتلى ببعض المعاصي، وذكر أنه لم يفعل الزنا ولم يتناول المخدرات، وليس ثمة ما يُلزمه بالبوح بهذا أصلاً، بل إننا نراه مخطئاً في فعله، وكان الواجب عليه ستر نفسه، والاكتفاء بذكر حاله الذي هو عليه الآن.
وقد ظهر منه – أيضاً – أمرٌ مستحسن لا يصدر إلا عن صادق في توبته – كما نراه والله أعلم بحقيقته – وهو إعطاؤك الجوال لتردي على تلك الفتاة المعاكسة وتمكينك من ذلك في غيرها، وإننا لنعلم من حال كثير من التائبين أنه يلاحقهم شياطين الإنس من النساء والرجال لصدِّه عن التوبة، وإرجاعه إلى حاله الأول، وقد تكون بعض الفتيات ممن كان يعرفهن يفعلن ذلك، وقد سلك طريقاً جيدة في التخلص منها، وهو أنه جعلكِ تردين عليهن، وهذا يدل على صدقه، وعلى سلوكه طريقة ناجحة في التخلص منهنَّ.
ولا ينبغي لك " التشكك " في توبة الناس، وإساءة الظن بهم، والمسلم ليس له إلا ما ظر من الناس، وفي حال تقدم الراغب بالزواج لطلب فتاة: فإن من حقها السؤال عن دينه وخلقه، ومعرفة ذلك من المقربين منه، وليس لها ولا لأهلها البحث عن ماضيه، والنبش على أحواله السالفة، والعبرة بما هو عليه الآن، لا ما عليه كان.
كما أنه لا ينبغي لك وضع العراقيل أمام الاقتران بشخص بحجة أنه قد يُفتن، وأنك قد تفعلين مثل فعله بداعي التأثير عليك، ولماذا كان الخوف من جهته ولم يكن من جهتك؟! نعم، كما أنه هو معرَّض للفتنة فكذلك الأمر بالنسبة لك، فهل ضمنتِ العصمة من الفتنة؟ قطعاً لا، فلماذا الخوف من فتنة الطرف الآخر وعدم الخوف من فتنة نفسك؟! .
نحن لا نعرفك، ولا نعرفه، ولسنا بصدد إقناعك به، ولا تشجيعك على الاقتران به، ونحن لا ندري فقد يصلح لك ولا تصلحين له، وقد يكون العكس، لكننا نتكلم معك بحسب ما جاء في سؤالك واستفسارك، ونحن نتكلم معك عن عموم حالك لا عن خصوص مسألتك؛ لأننا نرى أن ما تتشككين به وما تخافين منه قد يكون له أثر سلبي على حياتك.
ونلخص ما نريد قوله لكِ بنقاط محددة:
١. اقبلي من الخاطب ظاهر حاله، ولا تلتفتي لماضيه الذي تاب منه، وصدق في توبته.
٢. احرصي على التزوج بصاحب الخلُق والدِّين، فهو الذي يعينك على طاعة ربك، ويأخذ بيدك لطريق الجنة.
٣. ليكن خوفك من الانتكاس عن طريق الهداية دافعاً لك للاستقامة على دين الله تعالى، وإصلاح باطنك، كما تصلحين ظاهرك، وأكثر، وافعلي مثل ذلك مع زوج المستقبل، أعينيه على طاعة الله تعالى، وخذي بيده لطريق الاستقامة، فاستثمري خوفك من الانتكاس إلى برنامج لتثبيت الإيمان وزيادته.
٤. ليس ثمة من هو معصوم عن الفتنة، فلا تظني بنفسك خيراً، وبالناس شرّاً، والثقة بالنفس قد تؤدي إلى الغرور، وإساءة الظن بالآخرين قد تؤدي إلى العيش في ظلمة حالكة، لا يرى الإنسان فيها حتى نفسه، فضلا أن يرى الطريق أمامه، أو يرى غيره.
٥. صارحي أهلك بحقيقة تراجعك عن رفضه، ولا تجعلي ذلك لنفسك دونهم، فالقبول والرفض كما أنه حق لك، فهو حق لهم كذلك، ولن يكون موقفهم حسناً لو أنه رجع ليطلبك دون أن يكون عند أهلك سابق علم بتراجعك عن قرارك الأول.
٦. اجعلي أحد أفراد أهلك من الرجال يتثبت من الخاطب، ويسأل عنه من يعرفه، ويتحرى عن حاله واستقامته، لاسيما فيما يتعلق بالمعاصي التي كانت منه في ماضيه، فالذي تاب من تلك السبيل، وسلك طريق الهداية، لا يخفى حاله إن شاء الله: من استقامته في خلقه، وحرصه على صلاة الجماعة في حيه، وخاصة صلاة الفجر.
٠٧ ليكن الحكم على اختيارك، هو ما يظهر لك من دينه وخلقه، وصلاحيته لأن يكون لك زوجا؛ تأمنين معه على دينك وعرضك، بحسب ما فصلناه من قبل؛ وليس الدافع أن يهديه الله على يديك؛ فتأثير الرجل على امرأته أشد من تأثيرها عليه، لاسيما في ناحية الهداية والاستقامة، فإن لم تطمئني إلى حسن حاله وصدق توبته، فلا ننصحك حينئذ بالإقدام على الاقتران به.
٧. في حال اطمئنانك إليه، يمكنك إبلاغ ذلك الخاطب أن يتقدم لك، عن طريق أحد أفراد أهلك، أو عن طريق واسطة من النساء تعرفينها وتثقين بها، وتكون من محارمه.
٨. لا يجوز لك الكلام معه على الماسنجر، ولا غيره من وسائل الاتصال والمراسلة، وقد ذكرنا في الموقع فتاوى كثيرة لأهل العلم في تحريم ذلك، ولا تغتري بتزيين الشيطان أن ذلك سيكون في حدود ما يرضي الله، أو أن ذلك سيكون مرة واحدة أو مرتين فقط، فهذا من طرق الشيطان ليوقع المسلم فيما لا تُحمد عقباه من المخالفة والآثار السيئة في الدنيا على حياته.
٩. إذا لم يتيسر أمر ذلك الخاطب: فلعل ذلك أن يكون خيراً لك وله، فاستفيدي مما حصل، ودوامي على الدعاء بأن ييسر الله لك أمرك، فلا غنى للعبد عن ربه.
١٠. وقد جاء في سؤالك أنك ترين التلفاز بتحفظ! ولا ندري وجه التحفظ هذا، فما يظهر في التلفاز أكثره – وفي كثير من القنوات كله – لا يجوز النظر إليه، وخاصة من النساء، فلا يجوز لك نظر الريبة أو الشهوة إلى الرجال، أو النظر ـ مطلقا ـ إلى عوراتهم، ولا سماع الموسيقى والمعازف منه، ولا يحل لك النظر إلا لبنات جنسك، مع خلو ذلك من صوت المعازف.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15587
هل تقيم مع زوجها في الغرب أم ترجع لبلدها حفاظاً على دينها
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا متزوجة، وزوجي يعمل في أمريكا، فسافرت إليه هناك، وأول ما دخلت هذه البلاد تحطمت نفسيتي، ولم أعد أحتمل العيش هنا، وأنا دائماً في البيت، لا أهل، ولا أقارب، ولا أصحاب، ولا عرف أحداً هنا ـ من أهل ديننا حتى نخالطه!! فقط نعيش أنا وزوجي وأمه، أحس كأنني في عالم آخر، أو أنني في كهف منقطع عن العالم، وقد أثَّر هذا الوضع على ديني، فأصبحت لا أقوم الليل، ولا أصوم النهار، وحتى إني أصبحت أبحث عن أي شيء لأرفِّه عن نفسي، فصرت أبحث – للأسف - عن مواقع الجنس! وصور! وغير ذلك، والله المستعان، اللهم اغفر لي. وأصبحت أضعف إيمانيّاً أكثر، وأكثر، علماً أنني كنت داعية في بلدي، لذلك قررت الرجوع لبلدي، وأرفع شعار " إني مهاجر إلى ربي "؛ لأني أريد الرجوع لصديقاتي الصالحات، وبيئتي الملتزمة، كي أرجع إلى الله، وأريد أن أذهب عمرة أيضاً عندما أرجع لبلدي، ومنها أكمل دراستي؛ لأنه بقي فصلان وأتخرج، ولكن السبب الأساسي لسفري: الدِّين. فسؤالي لك - فضيلة الشيخ - هل تشجعني على ذلك؟ فأنا سأبعد عن زوجي بهذه الحال قريب الستة أشهر، وقد سألت زوجي هل تصبر ستة أشهر؟ قال: نعم، علماً أن شهوته قوية جدّاً، وأنا لا أريد أن أكسب إثماً، مع أني أخاف إذا بقيت هنا أن أضعف إيمانيّاً أكثر، والله المستعان.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله تعالى أن ييسر لك ولزوجك الخير، وأن يهديكما لما فيه رضاه، ونشكر لك ثقتك بنا، ونشكر لك حرصك على زوجك وعلى نفسك، وهذا يدل – إن شاء الله – على صدقٍ في الاستقامة، ونسأل الله أن يثبتكم، وأن يزيدكم من فضله.
ثانياً:
يجب عليكِ التوبة الصادقة من المعاصي التي اقترفتيها في بلاد الكفر، من تصفُّح لمواقع جنسيةٍ، والنظر إلى عورات الرجال والنساء، وهذه الأفعال من كبائر الذنوب؛ لأن ما يحدث في تلك الأفلام، وما يُصوَّر في تلك الصور هو الزنا، واللواط، والسحاق، بل ومعاشرة البهائم! وهذا من انتكاس الفطرة عند أولئك القوم.
والنظرُ إلى تلك الصور والأفلام نوع من المشاركة فيها، بإطلاق البصر فيما حرم الله تعالى من العورات التي يهتكها هؤلاء الفجار، ثم أثره في القلب: بتفريق شمله، وإمراضه، وشغله بالشهوات، وحجب سبل الخير عنه، مما لا يخفى على من كان له قلب ونصح لنفسه.
فالتوبة الصادقة تقتضي منك: الاستغفار باللسان، والإقلاع عن المداومة في النظر إلى تلك المنكرات، وتقتضي الندم القلبي، والعزم على عدم العودة إلى هذه المعاصي والآثام.
ثالثاً:
والحل الجذري لقضيتكِ أمره سهل، وهو أن يترك زوجك العمل في تلك البلاد الكافرة، وهو ليس أمراً اختياريّاً له، بل هو واجب شرعي، ويحرم على المسلم الذهاب إلى مثل تلك البلاد لغير ضرورة العلاج، أو التجارة، أو الدعوة، وحتى أصحاب الضرورات فإنه لا بدَّ من توفر شروط في حقهم: كالعلم الذي يمنعهم من الوقوع في الشبهات، وكالعفاف الذي يمنعهم من الوقوع في الشهوات، وعلى أن يرجعوا لبلاد الإسلام فور انتهاء ضرورتهم.
وليس العمل في تلك البلاد من الضرورات التي تبيح لأحدٍ أن يقيم في تلك الديار، وليست الدراسة التي تتوفر في بلاد المسلمين من تلك الضرورات.
لذا فيجب على زوجك أن يحمل الشعار الذي ارتضيتيه لنفسك، وهو أن يهاجر بدينه إلى ربه تعالى، ولم يعد خافياً على أحدٍ ما في تلك الديار من شهوات تقضي على الخلق القويم، وتنكِّس الفطرة السوية، وانظري في حالكِ كيف كنتِ وكيف صرتِ، فإذا كان هذا هو حالك وأنت في البيت، فكيف سيكون الحال عندما تواجهين الفتن في تلك الديار سماعاً ومشاهدة وملامسة؟! .
رابعاً:
وإذا لم يقتنع زوجك بهذا الحكم، أو رضي ولكنه أجلَّه لفترة محددة: فإننا نبقى أمام مشكلتك وإياه، هل تبقين عنده معرِّضة نفسك للفتن والشهوات ونقصان الدِّين مع المحافظة على عفافه وتصريف شهوته بالحلال، أم ترجعين لبلاد المسلمين إنقاذاً لنفسك من الفتن والشهوات، مع احتمال تعرض زوجك لفتنة الشهوة؟
إن الجواب على هذا السؤال ليس سهلاً تقريره، ولكننا لسنا أمام شكوى من زوجك لحاله، وإنما نحن أمام واقعكِ الذي علمناه منكِ، وأنتِ الذي يطلب المشورة والإنقاذ، وأنتِ الذي نعلم ما عاناه وما يمكن أن يعانيه في حال بقائه في تلك الديار، لذا فإننا نقول لك:
١. الخيار الأسلم للطرفين: هو البقاء مع زوجك إن كانت مدته قريبة الانتهاء، أو أنه قرر المغادرة بعد فترة من الزمان، وبقاؤك معه مشروط بشرط بالغ الأهمية، وهو أن تلتزمي الاستقامة في تلك البلاد في بيت الزوجية، وأن تغيري من نظرتك لنفسك وأنك تعيشين في كهف منعزل عن الناس، وتبدئين بالعمل الجاد للإسلام والمسلمين، نعم، نريدك أن تستمري داعية للإسلام، والناس هناك أحوج لدعوتك من الناس في بلادك، فهم بين كافر يحتاج من ينقذه من النيران، وبين مسلم ضيَّع هويته واستقامته إلا من رحم الله.
نريدك داعية إلى الله في مواقع الإنترنت كاتبة، وموجهة، وواعظة لبنات جنسك، ونريدك منطلقة في التعليم لهن عبر برنامج " البال توك " في الغرف الخاصة بالنساء، ونيدك مع دعوتك لأولئك المحتاجين لكِ أن تطلبي العلم عبر الأشرطة، والكتب، والقنوات العلمية الموثوقة.
واعلمي أنك إن عشتِ للإسلام، وإن عشتِ لدعوة المحتاجين لدعوتك: فلن تكوني منعزلة عن العالَم، ولن تكوني في كهفٍ منقطع، بل ستكونين بين صديقاتك، وأهلك، وبين المحتاجين للدعوة والتعليم.
وإننا لنجزم أنك لن تَجِدي الوقت للقيام ببعض المباحات إن التزمتِ ما قلناه لك، فضلاً أن تجدي الوقت للنظر في الحرام وسماعه، فأين هو الوقت الذي يجده الداعية للقيام بما أوجبه الله تعالى عليه من التعلم والتعليم والدعوة إلى إليه تعالى؟! إن الوقت لو كان يُشترى لاشتراه العلماء وطلبة العلم والدعاة إلى الله لضيق وقتهم عن القيام بمثل تلك الواجبات.
٢. والخيار الثاني: هو الرجوع الفوري لبلادك، هروباً من بيئة الفتن، ورجوعاً إلى بلاد الإسلام والمسلمين.
لكننا سنصارحك بما في قلوبنا من باب النصح الواجب علينا تجاهك، وهذه المصارحة تقتضي منك الاعتراف بحقيقة الحال التي ستكونين عليها عند رجوعك لبلادك، فاسمعي منا يا أختنا:
أنتِ قد اعتدت تصفح المواقع المحرمة، والنظر إلى الصور القبيحة، والعورات المكشوفة؛ هذا كله وأنت في بيتك، وبوجود زوجك وأم زوجك في بيت الزوجية في بلاد الكفر، وأنتِ الآن تريدين الفرار من ذلك إلى بلدك، ومعنى ذلك أنك ستكونين في بلدك وحدك في بيتك، فهل بقي عندك من العزم والقوة في دين الله ما يمنعك من ذلك، حين تكونين وحدك، بلا رقيب ولا حسيب، بل ولا زوج يعوضك بحلال الله عما فاتك من مشاهد تلك القاذورات؟! وبالطبع نحن نعلم أنه لا علاقة بفساد المجتمع في تلك البلاد الكافرة بما ارتكبتيه من آثام وخطايا؛ لأنك لم تخرجي للمجتمع وتخالطيه، بل فعلتِ ذلك وأنت منعزلة عن الناس في بيتك.
لذا فإننا نقول لك صادقين: إن دوافع ارتكابك للحرام في تلك البلاد التي يوجد فيها زوجك متوفرة بما هو أسهل منها إذا رجعتِ لبلدك وكنتِ وحدك، لذا فإننا نشترط عليكِ للخيار الثاني: أن لا تكوني وحدك في البيت الذي تسكنين فيه، بل لا بدَّ من سكنك مع أهلك، أو سكن أهلك – أو بعضهم – معكِ، ونشترط عليكِ أن تعزمي على عدم تكرار ما حدث معك سابقاً، وأن تكوني صادقة مع نفسك في معرفة قدراتك الحقيقية، ثم نشترط عليكِ ـ أخيرا ـ أن تكوني جادة في الرجوع إلى أحسن مما كنتِ عليه قبل سفرك لتلك الديار، واعتيادك لتلك المعاصي والخطايا.
فإن التزمتِ بهذا الشروط: فإننا نرى أن الأفضل لك هو الخيار الثاني، وإن كنتِ ترين ما صارحناكِ به حقيقة وواقعاً، وأنك تخشين رجوعك للوقوع في الإثم نفسه: فاختاري الخيار الأول بشروطه.
وندع الأمر لكِ، وليس لنا إلا النصح والتوجيه والإرشاد، واعلمي أن اختيارنا لك لأحد الأمرين إنما هو مع تحقيق شروط كل واحد منهما، لا بدونها.
وخلاصة الخيارين:
١. البقاء مع زوجكِ لحين انتهاء عمله، على شرط الالتزام بترك النظر في المواقع المحرمة، وبشرط العمل على طلب العلم والتعليم ودعوة الناس.
٢. أو الرجوع لبلدك، بالشروط السابقة نفسها.
فلا بقاء مطلقا، ولا رجوع مطلقاً، وإنما هو بحسب الحال الذي ستكونين عليه، واعلمي أننا نرى أن الأفضل لك هو البقاء لحين انتهاء زوجك من عمله، والالتزام بالشروط التي ذكرناها لك، ونرى أن هذا الخيار بشروطه سيستفيد منه زوجك، وأما الخيار الثاني بشروطه فإنه سيضره بسبب فقده لكِ، وسيضرك بسبب فقدك له.
وانظري كلام الشيخ العثيمين – ﵀ – في جواب السؤال رقم (٣٤٧٧) ففيه ترجيح للخيار الأول، وهو الذي نميل إليه.
وفي جواب السؤال رقم (٥٣٢٢) ذِكر شروط مهمة لبعد الزوجة عن زوجها.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15588
ترفض المتقدمين للزواج فهل يمكن أن يكون سحراً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا بنت عندي تقريبا ٢٨ سنة، مثقفه، وملتزمة، والكل يحترمني، ويحبني، والحمد لله، لست متزوجة، والسبب أنه كلما تقدم لخطبتي شخص أحاول أن أجد أشياء سيئة فيه حتى أرفضه، ثم بعد ذلك أندم، وعندي صديقة أثق فيها كثيراً، وهي تحبني، وتريد مصلحتي، قالت لي قبل أيام: إن السبب هو سحر معمول لك من شخص لا يريد أن تتزوجي، وأنا أريد أعرف حكم الإسلام بهذا الموضوع، وهل ممكن فعلا يحصل هذا الشيء؟ يعني: ممكن أن يعملوا لي عملاً يخليني أرفض الزواج حتى لو كنت مقتنعة بذالك الشخص، وإذا هذا صحيح فما حله؟ وأيضاً قالت لي إنه يوجد أشخاص يمکنهم فك هذا السحر. رجاء ساعدوني لأني بصراحة ما أصدق هذه القصة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
من ترفضينه ممن يتقدم لخطبتك لا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون متصفاً بصفات سيئة في حقيقة الأمر.
والثانية: أن يكون ذلك وهماً وتخيلاً منك، وليس واقع الأمر كذلك.
فإن كانت حاله الأولى: فقد أحسنتِ في ردِّه وعدم القبول به زوجاً، ولا يصلح للمرأة زوجٌ إلا من حسُن دينُه وخلُقه، فهو الذي يدلها على الخير، ويعينها على طاعة ربها، ويربي أولادها على أحسن الأخلاق والأقوال والأفعال.
لكننا ننبه هنا إلى أمر بالغ الأهمية، وهو أن الحكم على بواطن الناس ليس إلى البشر، ولم يؤمر به أحد، حتى رسول الله ﷺ : (إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ) رواه البخاري (٤٣٥١) ومسلم (١٠٦٤) .
وإذا كنا لم نؤمر بذلك، فيكفينا من الناس ما ظهر منهم، فمن أظهر لنا الخير أمناه، وحكمنا عليه بما ظهر منه، وأمره إلى الله.
عن عَبْد اللَّهِ بْن عُتْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: (إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمْ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ؛ فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ، وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ؛ اللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ) . رواه البخاري (٢٦٤١) .
ويوشك ـ أيتها الأخت الكريمة ـ إن فتشت الناس، وبحثت عن بواطنهم ألا يسلم لك أحد؛ وانظري في نفسك ـ أولا ـ: هل أنت سالمة مما تفتشين الناس عنه:
وَمَن لا يُغَمِّض عَينَه عَن صَديقِهِ وَعَن بَعضِ ما فيهِ يَمُت وَهوَ عَاتِبُ
وَمَن يَتَتَبَّع جاهِداً كُلَّ عَثرَةٍ يَجِدها وَلا يَسلَم له الَّدهرَ صَاحِبُ
عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
(إِنَّكَ إِنْ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ، أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ!!)
فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، نَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا!!
رواه أبو داود (٤٨٨٨) وصححه الألباني.
قال المناوي ﵀: " لوقوع بعضهم في بعض بنحو غيبة، أو لحصول تهمة لا أصل لها، أو هتك عرض ذوي الهيئات المأمور بإقالة عثراتهم.
وقد يترتب على التفتيش من المفاسد ما يربو على تلك المفسدة التي يراد إزالتها.
والحاصل أن الشارع ناظر إلى الستر مهما أمكن "
فيض القدير (١/٥٥٩) .
ثم إن نصيحتنا لك ـ أيتها الأخت الكريمة، ولأخواتنا اللاتي يبحثن عن الزوج المناسب ـ أنه لا ينبغي للمرأة أن " نتشدد " في الشروط التي ينبغي توفرها في الزوج من حيث أخلاقه وتدينه؛ لأمرين اثنين:
الأول: أنها هي قد لا يكون عندها من الميزات والصفات من حيث التدين والجمال ما يدفع أصحاب الخلق والتدين للبحث عنها وطلب الاقتران بها، وهنا لا يكون لرفضها وجه؛ لأنه قد يستحيل أو يصعب مجيء من في خيالها ليطلبها زوجة، فليراع هذا الأمر فإنه مهم.
والثاني: أن الناس درجات في أخلاقهم وتدينهم، وإذا جاء لها صاحب خلق ودين فلتعلم أن ثمة من هم خير منه، وثمة من هو خير منهم، ولذا فلترض بالحد المناسب لأن يكون زوجاً يستر عليها، ويدلها على الخير، ويحب أن يزداد في إيمانه، وأن لا يكون كارهاً لسترها وتدينها.
وإن كانت حاله الثانية: فالاحتمال الأكبر أن يكون ذلك بسبب الحسد أو السحر، ويسمى هذا النوع من السحر " سحر التعطيل "، ويمكنك معرفة هذا الحال إذا كان المتقدم للزواج صاحب خلق ودين، ولا يكون فيه ما يعيب، فتقبلين به ويقبل بك، ثم لا يتم الأمر، أو ترفضينه من غير سببٍ ظاهر.
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - حفظه الله -:
وأما سحر تعطيل الزواج: فكثيراً ما يشتكي النساء التعطل، بحيث لا يتم الزواج، مع توفر الشروط، وعدم الموانع، وقد يتقدم الخطباء، ويتم القبول، ثم ينصرفون دون إتمامه، ولا شك أنه بسبب عمل بعض الحسدة ما يصد عن إتمامه، وما يحص به التغيير، حتى إن بعض العوائل يبقون دون أن يتم تزويج نسائهم، وإن تم الزواج لبعضهم: حدث ما يسيء الصحبة.
" الصواعق المرسلة في التصدي للمشعوذين والسحرة " (ص ١٧٥) .
ثانياً:
وحل هذين الأمرين سهل ويسير بإذن الله، فإن كان الحال هو أنك تتشددين في صفات الراغب بالزواج: فاعلمي أن حل هذا الأمر بالرضا بالزوج الذي تتوفر فيه صفات الرجولة وحب الخير والدين الذي يمنعه من فعل المحرمات، والناس تتفاوت في هذا، فاقبلي بمن يزكيه لك الناصح الأمين من أهل الخير والدين، ممن له علم بحالك وحال الخاطب؛ ولعل الله أن يجعل فيه خيراً كثيراً.
وأما حل الأمر إن كان الحال أنك أصبتِ بعينٍ، أو تمَّ عمل سحر لكِ: فعليكِ السعي في حله بالطرق الشرعية، وقد بيَّنا هذه الطرق في أجوبة الأسئلة: (١٣٧٩٢) و (١١٢٩٠) و (١٢٩١٨) فلتنظر.
ولا داعي للبحث عن أناسٍ لحل السحر؛ فالقراءة والرقية تستطيعين القيام بها وحدك، فإن تعذَّر عليك القيام به: فابحثي عن أختٍ يوثق بدينها للقيام به، واحرصي على البعد عن الرجال.
ونسأل الله تعالى أن يعينك ويوفقك لكل خير، ونسأله أن يثبت قلبك على دينه، وأن ييسر لك زوجاً صالحاً.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15589
نصائح لأبٍ ترك ابنُه حفظ القرآن بسبب النية، ونصائح للابن
[السُّؤَالُ]
ـ[لدي ولد يحب الخير كثيراً، ويدعو إليه، ويحفظ القرآن، ويحافظ على الصلاة من الصغر، وفي الآونة الأخيرة بدأ يهمل الحفظ، ولا يرغب في الذهاب إلى حلقة تحفيظ القرآن، ويقول: إنه لم يحفظ إلا من أجلي، ولم يصلِّ في الناس إماماً إلا من أجلي، وأنه سمع أحد المشايخ يذكر حديث أن من يحفظ أو يصلي من أجل أبيه أو أمه سوف يجر إلى النار، وحديث أن من حفظ القرآن من أجل أن يقال عنه أنه قارئ يسحب إلى النار، ويقول: إنه من بعد هذه الخطبة وهو يفكر في هذا الكلام والعذاب، حيث ناقشته أن هذا من الشيطان، وأن يصلح النية أنه يحفظ القرآن من أجل أن يتعبد الله فيه، ولكنه يحدثني والدموع نزلت من عينه ومخنوق في الكلام، ولا أدري ماذا أفعل معه، مع العلم أني من ذلك الوقت وأنا لا أكلمه، ولا أمزح معه مثل إخوانه، محاولة مني أن يعدل عن رأيه، ولكنه مصر على عدم الذهاب إلى حلقة التحفيظ، وهو في الصف الثالث المتوسط.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله تعالى أن يصلح لك ذريتك، وأن يجزيك خير الجزاء على اهتمامك وعنايتك ببذل النصح والتوجيه والإرشاد لمن ولَاّك الله تعالى مسئوليتهم.
واعلم أيها الأخ الفاضل أن تربية الأولاد شاقة، وأنها تحتاج لعلم وحكمة، ولصبر وجلَد، فالأولاد – ذكوراً وإناثاً – يمرون في مراحل مختلفة من أعمارهم، ولكل مرحلة مشكلاتها، فعليك معرفة هذا، والانتباه له قبل الشروع في حل مشكلة ابنك وتركه لحفظ القرآن.
ثانياً:
لا ينبغي للآباء التخلي عن مسئوليتهم في تربية أولادهم لحدَثٍ يحصل مع أحدهم، ولا ينبغي لهم ترك توجيههم والعناية بهم، والرجل راعٍ في أهله وهو مسئول عنهم يوم القيامة، ورعيته – من زوجة وأولاد – من الأمانة التي حذَّر الله تعالى من التفريط في القيام بحقوقها.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً) التحريم/٦.
وقال تعالى: (إِنَّا عَرَضنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرضِ وَالجِبَالِ فَأبَينَ أَن يَحمِلنَهَا وَأشفَقنَ مِنهَا وَحَمَلَهَا الإنسَنُ إِنَّه كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) الأحزاب/٧٢.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ: الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا) . رواه البخاري (٨٥٣) ومسلم (١٨٢٩) .
قال ابن القيم ﵀:
فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى: فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبَل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغاراً فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءَهم كباراً.
" تحفة المودود " (ص ٢٢٩) .
ثالثاً:
ما فعله ابنك من ترك الاستمرار في حفظ القرآن والقيام بالإمامة يحتمل أحد أمرين:
الأول: أن يكون صادقاً في قوله، وهذا هو الذي يظهر لنا في الواقع، وهنا يجب عليك نصحه وتوجيهه بالتي هي أحسن، وإفهامه أنه لا يتعارض ما تأمره به مع الإخلاص في النية، وأنه يستطيع إصلاح نيته لو كانت فاسدة، فإصلاحها خير له في دنياه وآخرته من ترك العمل بالكلية، وإفهامه أن من طرق الشيطان في الصد عن الطاعات وترك الاستمرار بها: الوسوسة للمسلم بأن نيته غير سليمة، وأنه لا يعمل لأجل الله، فيترك هذا المسلم الطاعة إن كان بدأ بها، أو يتوقف عن إنشائها والقيام بها إن لم يبدأ بها، ويكون الشيطان قد ظفر منه بمراده.
ويمكنك أن تسأل ابنك هذا: ماذا سيصنع مع أولاده عندما يرزقه الله تعالى ذرية ويكون مسئولاً عنها يوم القيامة؟ لا شك ـ إن شاء الله ـ أنه سيجيبك بأنه سيأمرهم بما فيه نفعهم، ويحثهم على الطاعة والعبادة، ومنها حفظ القرآن والصلاة، فإن صدق معك وأجابك بهذا: فيكون قد ألزم نفسه، وحجَّ نفسه بنفسه، وهو ما فعلتَه أنت معه.
وننصحك أخي الفاضل أن لا تكثر من اللوم عليه، والنقاش معه، ويمكنك الذهاب لعالِم أو طالب علم يثق به لتعرض الأمر عليه، فيسمع من غيرك من أهل العلم ما يطمئن به قلبه، ويريح به نفسه، ولا تُلزم نفسك أن تكون أنت الناصح المغيِّر له قناعته، بل اجعل ذلك لغيرك، حتى يكون ذلك عن رضا تام منه بما يسمع.
كما ننصحك بالكف فوراً عن مقاطعته، والكف عن ترك حسن معاملتك له، بل هو الآن أحوج ما يكون لك ولعطفك، فهو يعاني من أمرٍ عانى منه أئمة وعلماء، وهو " النية "، ومنه ما قاله الإمام سفيان الثوري ﵀: " ما عالجت شيئاً أشد على من نيتي "، فإياك أن تتخلى عنه، وإياك أن تقسو عليك في العاملة وإلا خسرته للأبد، ونسأل الله تعالى أن لا يكون ذلك.
والاحتمال الثاني: أن يكون كاذباً، وهنا يجب أن تعلم أنه قد أصاب ابنَك مرضُ " الفتور " و " ضعف الهمة "، ولتلك الأمراض أسبابها الكثيرة، ومنها:
١. تأثير الصحبة السيئة عليه.
٢. كثرة الاجبات الدراسية والمنزلية عليه، فتتزاحم عنده الأمور، فيتخلى عن بعضها.
٣. إثقاله ببرنامج الحفظ، وهو ما يسبب له مللاً وسآمة.
٤. عدم الترويح عنه بالمباحات من الأمور، كالرحلات، واللعب، ومشاهدة البرامج النافعة المفيدة، فمن حرص بعض الآباء على أولادهم لا يلتفتون لهذه الأمور التي تروِّح عن النفس، وتزيد النشاط للعبادة والطاعة.
٥. وصوله لمرحلة البلوغ والمراهقة، وهي مرحلة خطيرة في حياة الشباب، يجب على الآباء الاهتمام بأولادهم إن وصلوا لها، فيعامل أبناءه على أنهم رجال لا أطفال، ويخفف الأوامر التي يلقيها عليهم، وتبدأ مرحلة الإقناع والتفاهم، وهو ما يختلف بالكلية عن السن التي كانوا فيها صغاراً.
وما ذكرناه هو بعض الأسباب المحتملة، وأنت عليك الوقوف على حقيقة أمره، إن كان صادقاً أو كاذباً، ولذا فإننا قلنا إن تربية الأولاد شاقة، وتحتاج لعلم وحكمة، وصبر وجلَد، فليس الأمر بالهين، وخاصة مع كثرة المفسدات والملهيات والحرب على الفضيلة والعفاف والاستقامة من الداخل والخارج.
فابحث عن الأسباب التي من أجلها ترك الحفظ والاستقامة، فإن كان صادقاً: فبما ذكرناه لك، وإن كان كاذباً: فعالج ما ذكرناه لك من الاحتمالات، واستعن بالله تعالى أن يوفقك ويهديك ويسددك، ولا تنس الدعاء لولدك فهو أحوج ما يكون له منك.
وهذه تجربة لقارئ مشهور وهو الشيخ محمد صدِّيق المنشاوي – توفي سنة ١٣٨٨ هـ - فاقرأ ماذا كتب ولده " محمد الشافعي " عنه، وعن طريقة عنايته ورعايته وتحفيظه القرآن لأولاده.
قال الأستاذ محمد حسين إبراهيم الرنتاوي:
ويكشف الشافعي محمد صدّيق – اسم ولد الشيخ - عن ملامح تربوية من حياة والده فيقول: كان أبي حريصاً على أن نؤدي الفرائض، وكثيراً ما اصطحبنا للمساجد التي يقرأ فيها القرآن، وكان ذلك فرصة لي لزيارة ومعرفة معظم مساجد مصر، كما كان يراقبنا ونحن نختار الأصدقاء، ويصر على أن يكونوا من الأسر الملتزمة خُلُقاً وديناً، ويشارك أبناءه في المذاكرة، ويساعدهم في أداء الواجبات المدرسية، ويحضر مجالس الآباء في المدارس التي يلتحق بها أبناؤه، وخلال الإجازة الصيفية كان يشاركنا في الرياضات مثل السباحة والرماية في النهار، وفي الليل يقرأ لنا الكتب الدينية التي تناسب أعمارنا، حتى إذا تعوّد الواحد منّا على القراءة: زوّده بالكتب، وشجّعه على قراءة المزيد، وقبل هذا وذاك يأتي تحفيظ القرآن الكريم للأبناء، حتى من تركه صغيراً: أوصى والده الشيخ صدّيق أن يحفّظه القرآن، وقد فعل.
انتهى
مقال بعنوان " مقرئ الصحوة الإسلامية المعاصرة القارئ الشيخ محمد صدّيق المنشاوي (١٩٢٠ م – ١٩٦٩ م) .
مجلة " الفرقان " الصادرة عن " جمعية المحافظة على القرآن " الأردن، العدد الواحد والأربعون، جمادى الأولى ١٤٢٦هـ، حزيران ٢٠٠٥ م.
رابعاً:
وهذه لابنك، الذي نسأل الله تعالى أن يوفقه ويهديه لما يحب ويرضى، فنقول له:
اعلم أولا ـ أيها الابن الحبيب ـ أن هذه الحيلة الشيطانية للصد عن سبيل الله معروفة قديمة: يريد اللعين أن يصد العبد عن أبواب الخير، ما وجد إلى ذلك سبيلا، ويدخل لكل إنسان من المدخل الذي يناسبه.
ولهذا قال الفُضيل بن عِياض ﵁:
" تركُ العمل لأجل الناس رياءٌ، والعمل لأجل الناس شِركٌ، والإِخلاصُ أن يعافيَك الله منهما"
الأذكار للنووي (١٨) .
عن الحارث بن قيس الجعفي قال: " إذا كنت في أمر الآخرة فتَمَكَّث، وإذا كنت في أمر الدنيا فتوَخَّ، وإذا هممت بخير فلا تؤخره، وإذا أتاك الشيطان وأنت تصلي فقال: إنك ترائي فزدها طولا " رواه الإمام أحمد في الزهد (٤٣٠) بإسناد صحيح عنه.
ولا شك أنك تعلم أن منزلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀، وفي ظننا أنك تعلم أنه من العلماء الثقات، ونعتقد أنك تكن له الاحترام والتقدير، ونحن لن نتجاوز الشيخ، وسنتركك معه لنعرض مشكلتك عليه، ونرجو منك الاهتمام بجوابه والعمل به، ففيه السعادة والخير لك في الدنيا والآخرة.
سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
ما نصيحتكم لطالب علم اجتهد في إصلاح نيته، واجتهد في الإخلاص، ولكنه لم يقدر، وهو خائف من أن تصدق عليه الأحاديث الواردة في الوعيد الشديد لمن كانت نيته ليست خالصة لله، ويوشك أن يترك طلب العلم، وجهونا في ضوء هذا السؤال مأجورين؟ .
فأجاب:
إن هذا السؤال سؤال مهم لطالب العلم؛ وذلك أن العلم عبادة من أفضل العبادات وأجلِّها وأعظمها، حتى جعله الله تعالى عديلاً للجهاد في سبيله حيث قال ﵎: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) ، فأخبر أنه لا يمكن للمؤمنين أن ينفروا في الجهاد في سبيل الله كلهم، ولكن ينفر من كل فرقة طائفة ليتفقه القاعدون في دين الله، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون، والآخرون يقاتلون في سبيل الله.
وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) ، فإذا رأى الإنسان أن الله تعالى قد فقَّهه في دينه: فليبشر أن الله تعالى أراد به خيراً، ويجب إخلاص النية لله في طلب العلم، بأن ينوي الإنسان في طلبه للعلم:
أولاً: امتثال أمر الله ﵎؛ لأن الله تعالى قال: (فَاعْلمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ، قال البخاري ﵀: فبدأ بالعلم قبل القول والعمل.
ثانياً: أن ينوي بتعلمه: حفظ شريعة الله؛ فإن الشريعة تُحفظ في الصدور، وتُحفظ في الكتاب المسطور.
ثالثاً: أن ينوي بتعلمه: حماية شريعة الله عن أعدائها؛ لأن أعداءها مسلطون عليها منذ بعث الرسول ﵊ إلى قيام الساعة، فلينوِ بطلب العلم: حماية هذه الشريعة العظيمة.
رابعاً: أن ينوي بذلك: المدافعة عن الشريعة إذا هاجمها أحدٌ، وحينئذ يجب أن يتعلم من العلم السلاح الذي يدافع به، بل ينبغي أن نقول: الذي يهاجم به أعداء الله، ويعامل كل أحد بالسلاح الذي يناسب حاله، والناس يختلفون في هذا الشيء، فمن الناس من يحاجّ في العقيدة، فيحتاج الإنسان إلى تعلم العقيدة التي يدافع بها العقائد الفاسدة، ومن الناس من يهاجم الإسلام بالأخلاق السافلة، فيجب على الإنسان أن يتعلم الأخلاق الفاضلة، وأن يتعلم مساوئ الأخلاق السافلة وآثارها السيئة، وهلم جرّاً.
(خامساً) : كذلك أيضاً ينوي طالب العلم بطلبه العلم: أن يقيم عبادة الله على ما يرضي الله ؛ لأن الإنسان بدون التعلم لا يمكن أن يعرف كيف يعبد الله، لا في وضوئه، ولا صلاته، ولا صدقته، ولا صيامه، ولا حجه، وأيضاً يدعو إلى الله بعلمه فيبين الشريعة للناس ويدعوهم إلى التمسك بها.
فالعلم في الحقيقة من أفضل العبادات وأجلِّها وأعظمها نفعاً، ولهذا تجد الشيطان حريصا على أن يصد الإنسان عن العلم، فيأتيه مرة بأنَّه إذا طلب العلم يكون مرائياً لأجل أن يراه الناس ويقولوا إنه عالم فيستحسر ويقول: مالي وللرياء، أو يقول له: انوِ بطلبك العلم الشرعي شيئاً من الدنيا حتى يحق عليك الوعيد (من طلب علما مما يبتغي به وجه الله لا يريد إلا أن ينال عرضا من الدنيا لم ير رائحة الجنة) ، ويأتيه بالأشياء الكثيرة التي تصده عن العلم، ولكن على المرء أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يمضي لسبيله، ولا يهتم بهذه الوساوس التي تعتري قلبه، وكل ما أحس بما يثبطه عن العلم - بأي وسيلة -: فليقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وليقل " اللهم أعني "، وما أشبه ذلك.
وأقول لهذا الطالب:
امض لسبيلك، اطلب العلم، لا يصدنك الشيطان عن ذكر الله، ولا عن طلب العلم، واستمر وأنت سوف تلاقي صعوبة ومشقة في تصحيح النية، ولكن تصحيح النية أمر سهل، فامض أيها الشاب في سبيلك، واستعن بالله ، واستعذ بالله من الشيطان الرجيم.
" فتاوى نور على الدرب " (العلم) / نقلاً عن موقع الشيخ العثيمين – ﵀.
وفي ظننا أن فيك خيرا كثيرا، إن شاء الله، وأن كلام أئمة العلم والدين، ونصيحة الشيخ العثيمين ﵀ سيكون لكل ذلك موقعه من عقلك وقلبك وحياتك.
واعلم أن والدك لا يريد لك إلا الخير، وأن كل ما تفعله من الطاعات والعبادات فهو لك ولوالديك.
ثم تذكر ـ أيها الابن الحبيب ـ أن الفوز ببركة القرآن في الدار الآخر مشترك بينك وبين أبويك، فالخسارة بإهماله ـ من ثم ـ مشركة بينك وبينهما:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا) .
رواه أبو داود (١٤٦٤) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
وعن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من قرأ القرآن وتعلمه وعمل به ألبس يوم القيامة تاجا من نور، ضوؤه مثل ضوء الشمس، ويكسى والداه حلتان لا يقوم لهما الدنيا، فيقولان: بم كسينا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن "
رواه الحاكم (١/٧٥٦) وقال صحيح على شرط مسلم، وقال الألباني: " حسن لغيره " كما في صحيح الترغيب.
فالخير والسعادة في طاعة الله في الدنيا، وطاعة والديك واجبة عليك، والعبادات التي تفعلها ليست لأحدٍ من البشر، إنما هي لله تعالى ربك، ونسأل الله تعالى أن يهديك ويوفقك لما يحب ويرضى.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15590
والدها يريد الإقامة معها وهي وزوجها يريدان الهجرة من بلاد الكفر
[السُّؤَالُ]
ـ[يتعلق سؤالي بكوني اضطررت للسفر لبلد غير مسلم بسبب زواجى من رجل كان يعيش ويعمل هناك، حدث ذلك منذ فترة من الزمن، ولكن يريد كلٌّ منَّا الآن الرحيل والذهاب إلى بلد مسلم، في الوقت الذي تقدم فيه أبي بطلب للمجيء إلى هنا حتى يكون قريباً مني، فهو يبلغ من العمر ٧٠ عاماً، وليست لديه زوجة ترعاه، والآن فإن والدي يرجوني ألا أتركه وحيداً؛ لأنه تقدم في العمر للحد الذي لا يمكنه فيه الاعتناء بنفسه، وحتى لو حصل زوجي على وظيفة فى بلد مسلم فإننا لانستطيع أن نصطحب معنا والدي بسبب مشاكل فى الحصول على تأشيرة، رجاء قدموا لي يد العون.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قد أحسنتما في التخلص من الإقامة في بلاد الكفر، فلا يجوز للمسلم أن يقيم في تلك الديار ويستقر بينهم؛ لقول النبي ﷺ : (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُر المُشْرِكِينَ) رواه أبو داود (٢٦٤٥) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم (٢٧٢١١) تحريم الإقامة في بلاد الكفر ووجوب الهجرة إلى بلاد المسلمين، فلينظر.
وبخصوص والدك: فيجب عليكِ إبلاغه بهذا الحكم، وعدم التنازل عن ترك البلد من أجله، وذهابه معكم إلى بلدٍ مسلم هو الأليق به، وهو واجب عليكِ أن تسعي فيه، ولا نظن أنه أمرٌ يستحيل حدوثه، فرجل في مثل سنِّه نظن أنه من السهل الحصول على تأشيرة له، وبخاصة أنه والدك، فدرجة القرابة القوية بينكما تؤهله في كل البلدان – في الغالب - للحصول على تأشيرة.
وإذا فُرض أنه صعُب ذلك عليكِ، أو أن الأمر سيتأخر بعض الوقت: فالذي ننصح به هو بقاؤه مع أسرة مستقيمة، أو مع أشخاص موثوقين لحين الحصول على تأشيرة ليلتحق بكم
وإذا لم يتيسر هذا الأمر: فيمكنكِ التأخر من أجله زمناً يسيراً لحين الحصول على تأشيرة، فيسافر معك للبلد المسلم، ويكون زوجك قد سبقك وهيأ لكما أمور السكن والإقامة.
وأخيراً: إذا لم يتيسر أمر تأشيرته، وليس له مكان يقيم فيه في بلده، ولم يوجد إلا أنتِ ترعينه وتقومين على خدمته: فالذي نراه هو اختيار تأخير خروجك من بلد الكفر حتى ييسر الله أمره، ولعلَّ احتسابك هذا الأمر لله تعالى أن ييسر الله لك أمرك، ويفرج عنك كربك، فاقنعي زوجك بتأخير الخروج من أجل والدك، ولعله أن يأخذ سنَّه في الحسبان، وأن يحتسب أمره عند الله تعالى.
وننبه الزوجة إلى أن اختيارها التأخر، أو إلغاء الخروج من أجل والدها لا يكون دون موافقة زوجها، فزوجها له عليها طاعة، فإذا أمرها بالخروج معه، وعدم الانتظار، أو عدم الإلغاء: فليس لها أن تخالفه، وطاعته تقدَّم على طاعة والديها، لذا فليكن الأمر بينها وبين زوجها بالتفاهم والإقناع، فلعلَّه أن يرضى بحلٍّ تبر فيه والدها حتى يقضي الله أمر والدها.
وهذا كله على فرض أنه لا يوجد لوالدك أبناء آخرين يقومون بشأنه غيرك، كما هو ظاهر من سؤالك؛ وإلا لو كان له أحد سواك، ولو أخ أو أخت له، لكان ذلك أعون على تخطي المشكلة، ولو إلى أن يتم لك ولزوجك الاستقرار في مكان يمكنكما اصطحابه إليه.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15591
أسباب تدخل الأم في حياة ابنتها المتزوجة وطريقة علاج ذلك
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا امرأة متزوجة، وأمي تتدخل في شؤوني، وتسبب لي المشاكل مع زوجي , حيث إنها تذهب وتسأل الطبيب عن حالتي الصحية، أو أنها تأخذ من المركز الصحي نتائج فحوصي، وأحيانا تستمر في سؤالي عن أشياء تخص زوجي، وهي تعلم أنه لا يحب هذه الأسئلة، ولكنها لا تبالي , طبعاً هي تقول إنها تفعل ذلك بحجة الاطمئنان عليَّ وعلى صحتي، ولكن أنا وزوجي نرى أن هذا تدخل في حياتنا، وليس من حقها، حاولت التكلم معها مراراً ولكن دون جدوى، بل إنها تغضب مني، أنا لا أدري ما أفعل؛ حيث إنني لا أريد أن أغضب أمي ولا زوجي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن حقَّ الأم على أولادها حقٌّ عظيم، وقد أوجب الشرع على أولادها إيفاء هذه الحقوق، وعُدَّ عقوق الوالدين من كبائر الذنوب.
وينظر تفصيل ما للأم من حقوق، وما عليها في جواب السؤال رقم (٥٠٥٣) .
وينبغي أن تعلم الأم التي زوَّجت ابنتها: أنه لا يجوز لابنتها أن تقدِّم طاعة أمها على طاعة زوجها، ولتعلم – كذلك – أنه لا يجوز لها التدخل في حياة ابنتها بعد زواجها، إلا أن يُطلب منها التدخل للإصلاح والوعظ والإرشاد.
وتدخل أم الزوجة في حياة ابنتها المتزوجة له آثار سلبية وآثار إيجابية، ومن آثاره الإيجابية: ما تفعله الأم العاقلة الحكيمة من توجيه ابنتها وإرشادها إلى ما يُصلح حياتها، سواء كان ذلك التوجيه والإرشاد قبل زواج ابنتها أم بعده.
ولا شك أن تجربة الأم في حياتها، وعاطفتها نحو ابنتها يدفعانها إلى بذل النصح والتوجيه للابنة التي لا تملك ما تملكه أمها من الخبرة والحكمة في التعامل مع الزوج.
وقد يكون لتدخل الأم في حياة ابنتها المتزوجة آثار سلبية، ومن أعظم تلك الآثار ما قد يتسبب به تدخلها من تطليق ابنتها، وذلك عندما يرى الزوج أنه لا طاعة له على زوجته، ولا قوامة له عليها، وأن أم زوجته هي الآمرة والناهية لزوجته، وبذلك تتسبب في خراب بيت ابنتها.
فلا يجوز للابنة مجاراة أمها فيما تتطلبه من أخبارها الخاصة، ولو تسبب ذلك بغضبها عليها، فطاعة الله تعالى مقدَّمة على طاعة غيره، ولا يجوز تقديم غضب غيره على غضبه تعالى على العبد المسلم.
ولا شك أن هذا التدخل من أم الزوجة له أسبابه، ومن هذه الأسباب:
١. قوة شخصية الأم، مع ضعف شخصية زوجها، فتكون هي المسيطرة في بيتها على قراراته ونظامه، فتريد نقل هذا لبيت ابنتها.
٢. ضعف شخصية زوج ابنتها مع ضعف شخصية ابنتها، وهنا تكون الفرصة مواتية لأن يكون للأم الدور الأكبر في توجيه دفة قيادة بيت ابنتها، فترى الأم أن البيت يحتاج لإدارة قوية، وأن الزوجين لا يستطيعان إدارة هذا البيت، فتتولى هي قيادته.
٣. العاطفة الجياشة نحو ابنتها، وهذا يدفعها لسؤالها عن طعامها، وشرابها، ودوائها، وأمراضها، وعن كيفية تعامل زوجها معها، بل يتعدى ذلك إلى أدق تفاصيل الحياة الزوجية، ومنه الحب والجماع! .
٤. ظلم الزوج لزوجته، وهذا الظلم يدفع الأم للتدخل في كل صغيرة وكبيرة؛ لتوقف الزوج عند حدِّه، وتساهم في إعطاء ابنتها حقوقها المسلوبة.
٥. كثرة زيارات الابنة لأمها، وكثرة اتصالاتها بها، وفي غالب هذه الزيارات والاتصالات لا تجد الأم شيئاً تتكلم به إلا معرفة ما يجري داخل بيت ابنتها.
ولحل مشكلة تدخل الأم في حياة ابنتها المتزوجة تدخلاًّ قد يفسد عليها حياتها، فعليها وعلى زوجها مراعاة أمور، ومنها:
١. التوجه بالنصيحة المباشرة للأم من قبَل الابنة وزوجها بعدم التدخل في حياتهما، وأن ذلك لا يحل لها، وأن هذا التدخل قد يسبِّب فراق بين الزوجين.
٢. مناصحة الأب (زوج الأم) بضرورة كف زوجته عن التدخل في حياة الابنة وزوجها.
٣. التلميح للأم، أو حتى تهديدها، بأنه إن استمر التدخل في حياتهما فسوف يمنعها الزوج من زيارة ابنتها أو الاتصال بها، كما أنه سيمنع زوجته وأولاده من زيارة أمها، وبذلك تظهر قوة شخصية الزوجة والزوجة، ويكون هذا مانعاً للأم من التدخل السلبي في حياتهما.
٤. ضرورة التفاهم بين الزوجين على تجاوز هذه المشكلة، وعدم تفرد واحد منهما بحله دون الآخر، فهي مشكلة تتعلق بالطرفين، وينبغي أن تكون الرؤية مشتركة.
٥. مشاورة الأم في بعض الأمور، وطلب نصحها فيها، حتى تبقى الصلة بينهما بحدودها الشرعية، وحتى تعلم أن تدخلها ليس مرفوضاً كله، وأنهما قد يحتاجانها في بعض الأمور، وهذا يُعطي الثقة فيها، ويُبقي على التواصل، ويمنع من تدخلها السلبي.
٦. تخفيف الزيارات والاتصالات بالأم، وإذا حصل شيء من هذا أن يستثمر في الكلام المفيد، والنصح والتذكير بالطاعات، والبُعد عن المعاصي واقتراف السيئات.
ونسأل الله تعالى أن يصلح الأحوال، وأن يهديكم جميعاً لما فيه رضاه.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15592
كيف يتمتع في الجنة من كان في النار ثم خرج منها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف يتمتع بالجنة من دخل جهنم وبقي بها لبعض الوقت ثم أُخرج منها وأدخل الجنة؟ كيف يشعرون بالتمتع فى الوقت الذى يمكن أن يتذكروا فيه ما حدث لهم في جهنم (الضغط النفسي البعدي) ؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يعتقد أهل السنَّة والجماعة أن من المسلمين من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، ومنهم من يدخل الجنة بعد الحساب، ومنهم من يدخل الجنة بعد العذاب في النار، ما شاء الله له أن يعذب، ثم خروجه منها.
هذا، وإن خروج هؤلاء من النار ثم دخولهم الجنة لن يجعلهم في شقاء أو بؤس في الجنة؛ لأن الجنة دار النعيم، ولهم ما لأهل الجنة مما ذُكر في الكتاب والسنَّة.
ولا يظهر في الأدلة أن هؤلاء سينغص عليهم بعد دخولهم الجنة بسبب ما كانوا فيه من عذاب في النار.
على أن النبي ﷺ قد أعلمنا عن صفات هؤلاء بعد خروجهم من النار، ومن ذلك:
١. أنهم يُلقون في " نهر الحياة " ويُنبتون من جديد.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ يَقُولُ اللَّهُ: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيَخْرُجُونَ، قَدْ امْتُحِشُوا، وَعَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَلَمْ تَرَوْا أَنَّهَا تَنْبُتُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً.)
رواه البخاري (٦١٩٢) ومسلم (١٨٤) .
(امتحشوا) : أي: احترقوا، والمحش: احتراق الجلد، وظهور العظم.
انظر: " النهاية في غريب الحديث " (٤ / ٣٠٢) .
(حِمماً) : أي: صاروا سود الأجساد كالحمم، وهو الفحم.
انظر: " النهاية في غريب الحديث " (١ / ٤٤٤) .
(الحبة) بكسر الحاء، وهي بزر البقول والعشب، تنبت في البراري وجوانب السيول.
(حميل السيل) فبفتح الحاء وكسر الميم , وهو ما جاء به السيل من طين أو غثاء ومعناه: محمول السيل , والمراد التشبيه في سرعة النبات وحسنه وطراوته.
انظر: " شرح مسلم " للنووي (٣ / ٢٢، ٢٣) .
٢. وبيَّن النبي ﷺ أن حالهم سيتغير بعد خروجهم من النار.
عَن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ – عن الجهنميين – أنهم (يَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ، فَيَدْخُلُونَ نَهَرًا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ الْقَرَاطِيسُ) .
رواه مسلم (١٩١) .
قال النووي – ﵀:
قوله: (فيخرجون كأنهم عيدان السماسم) هو بالسينين المهملتين: الأولى مفتوحة , والثانية مكسورة , وهو جمع سمسم , وهو هذا السمسم المعروف الذي يستخرج منه الشيرج , قال الإمام أبو السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم الجزري المعروف بابن الأثير - رحمه الله تعالى -: معناه - والله أعلم - أن السماسم جمع سمسم , وعيدانه تراها إذا قلعت وتركت في الشمس ليؤخذ حبها دقاقا سودا كأنها محترقة , فشبه بها هؤلاء.
قوله: (فيخرجون كأنهم القراطيس) القراطيس: جمع قرطاس بكسر القاف وضمها لغتان , وهو: الصحيفة التي يكتب فيها , شبههم بالقراطيس لشدة بياضهم بعد اغتسالهم وزوال ما كان عليهم من السواد.
" شرح مسلم " (٣ / ٥٢) .
وفي رواية البخاري (٦١٩٠) :
عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ كَأَنَّهُمْ الثَّعَارِيرُ، قُلْتُ: مَا الثَّعَارِيرُ؟ قَالَ: الضَّغَابِيسُ)
قال الحافظ ابن حجر – ﵀:
أما الثعارير فقال ابن الأعرابي: هي قثاء صغار، وقال أبو عبيدة مثله.
والمقصود: الوصف بالبياض والدقة.
وأما الضغابيس: فقال الأصمعي: شيء ينبت في أصول الثمام يشبه الهليون يسلق ثم يؤكل بالزيت والخل.
وقيل ينبت في أصول الشجر وفي الإذخر يخرج قدر شبر في دقة الأصابع لا ورق له وفيه حموضة.
وفي غريب الحديث للحربي: الضغبوس شجرة على طول الإصبع , وشبه به الرجل الضعيف.
(تنبيه) :
هذا التشبيه لصفتهم بعد أن ينبتوا , وأما في أول خروجهم من النار فإنهم يكونون كالفحم كما سيأتي في الحديث الذي بعده.
" فتح الباري " (١١ / ٤٢٩) .
٣. أنهم يصير الواحد منهم مثل اللؤلؤة، ويحل الله عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبداً.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَال: ( ... فَيَقُولُ اللَّهُ : شَفَعَتْ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ " نَهَرُ الْحَيَاةِ " فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ... قَالَ: فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمْ الْخَوَاتِمُ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، ثُمَّ يَقُولُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُ: رِضَايَ فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا.)
رواه البخاري (٧٠٠٢) ومسلم (١٨٣) – واللفظ له -.
وهو حديث عظيم يبين فيه النبي ﷺ عظيم حال الخارجين من النار، في كراماتٍ يهبها لهم ربهم تعالى فضلاً منه وكرماً، ومنها:
أ. الإلقاء في نهر الحياة، والإنبات من جديد.
ب. يخرجون من النهر كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم.
ج. يعطيهم كل ما يجدونه مما يرونه في الجنة.
د. يظنون، من تنعمهم وبلوغهم الغاية من السرور والحبور، أن الله تعالى أكرمهم بما لم يكرم به غيرهم.
هـ. يحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم أبداً.
ويؤكد كرامة الله تعالى لمن دخل الجنة من هؤلاء:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسْعود ﵁ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ كَبْوًا فَيَقُولُ اللَّهُ: اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا - أَوْ: إِنَّ لَكَ مِثْلَ عَشَرَةِ أَمْثَالِ الدُّنْيَا - فَيَقُولُ: تَسْخَرُ مِنِّي - أَوْ: تَضْحَكُ مِنِّي - وَأَنْتَ الْمَلِكُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وَكَانَ يَقُولُ: ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً) .
رواه البخاري (٦٢٠٢) ومسلم (١٨٦) .
٤. أنه يُطلق عليهم اسم " الجهنميين " و " عتقاء الجبار "، ثم يُرفع عنهم هذا الاسم.
والجهنميون: جمع جهنمي، نسبة إلى جهنم، والمراد: أنَّ الله أعتقهم من جهنم.
عنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ النَّارِ بَعْدَ مَا مَسَّهُمْ مِنْهَا سَفْعٌ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَيُسَمِّيهِمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَهَنَّمِيِّينَ) .
رواه البخاري (٦١٩١) .
وعند أحمد (١٢٠٦٠) من حديث أَنَسٍ ـ أيضا ـ: ( ... فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ!! فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: بَلْ هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الْجَبَّارِ .
صححه ابن مندة في " الإيمان " (٢ / ٨٤٧) ، وابن خزيمة (٢ / ٧١٠) ، والألباني في " حكم تارك الصلاة " (ص ٣٣) .
وعند ابن حبان من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: ( ... فيسمون في الجنة " الجهنميين " من أجل سواد في وجوههم، فيقولون: ربنا أذهب عنا هذا الاسم، قال: فيأمرهم فيغتسلون في نهر في الجنة فيذهب ذلك منهم) .
رواه ابن حبان (١٦ / ٤٥٧) وصححه، وصححه شعيب الأرناؤوط.
وقد أخبر النبي ﷺ أن غمسة واحدة في الجنة تُنسي المسلم كل بؤس عاشه في الدنيا، فكيف بمن تكون الجنة مستقره وداره؟! ولا يبعد أن يشمل هذا البؤس الذي عاناه المسلم عندما كان في النار.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ.
رواه مسلم (٢٨٠٧) .
ومما يدل على أن الغمس في نعيم الجنة، يذهب كل بؤس سبقه، حتى بؤس العذاب في النار، إضافة إلى ما ذكرناه من تغير هيئاتهم وأحوالهم بعد الإلقاء في نهر الحياة، ما رواه مسلم (٢٨٣٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ) .
وهذا النعيم المؤكد بنفي البؤس عمن يدخل الجنة، عام في كل من يدخلها، سواء دخل النار قبلها، أو لم يدخل.
قال القاضي: " معناه أن الجنة دار الثبات والقرار، وأن التغير لا يتطرق إليها؛ فلا يشوب نعيمها بؤس، ولا يعتريه فساد ولا تغيير.. " نقله في تحفة الأحوذي (٧/١٩٤) .
ولأجل ذلك كله، حكى الله تعالى عن حال أهل الجنة إذا دخلوها: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) (فاطر:٣٤-٣٥) .
قال الشيخ السعدي ﵀: "
أي: الدار التي تدوم فيها الإقامة، والدار التي يرغب في المقام فيها، لكثرة خيراتها، وتوالي مسراتها، وزوال كدوراتها.
وذلك الإحلال ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ علينا وكرمه، لا بأعمالنا، فلولا فضله، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه.
﴿لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ أي: لا تعب في الأبدان ولا في القلب والقوى، ولا في كثرة التمتع، وهذا يدل على أن الله تعالى يجعل أبدانهم في نشأة كاملة، ويهيئ لهم من أسباب الراحة على الدوام، ما يكونون بهذه الصفة، بحيث لا يمسهم نصب ولا لغوب، ولا هم ولا حزن. "
تفسير السعدي (٦٨٩) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15593
قد تزول البكارة بغير الفاحشة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة أبلغ من العمر ١٧ سنة لدي سؤال وهو.. أذكر بأنني عندما كان عمري ١٠ سنوات وذلك قبل أن أبلغ أنه نزل دم قليل لكنني لم أكن أعلم ماذا يعني ذلك فقد اعتقدت بأنه دم الحيض ولكن الآن أعتقد أن سببه خرق في غشاء البكارة حيث إن الماء الذي كنت استخدمه للاستنجاء كان شديد الاندفاع.. وربما كان ذلك السبب وأنا أريد أن أعرف تفسير ذلك حيث إنني ولله الحمد محافظة على نفسي وعلى صلاتي ولم أقل ذلك للتستر على خطيئة ارتكبتها]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
البكارة قد تذهب بأسباب، منها: الوثبة وإدخال الأصبع والحيضة الشديدة وغير ذلك مما ذكره الفقهاء.
ينظر: المبسوط (٥/٨) ، كشاف القناع (٥/٤٧) ، الفتاوى الكبرى (٣/٨٨) .
وقد يؤدي اندفاع الماء الشديد إلى خرق الغشاء أيضا.
وعلى كل حال، فما دمت عفيفة محصنة، فلا تهتمي لذلك، ولا يلزمك إخبار الزوج به، وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٨٤٣٦٤)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15594
يعتقد أن أمه سحرت له ووقعت بينه وبينها خصومة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أعتقد أن أمي تسحر لي، لأسباب أو لأخرى، وهذا الأمر له نتائج في الواقع، وهي أنني أصاب بالسحر بين الوقت والآخر، وأتعالج عند الطبيب النفساني، لكن دون فائدة.
المشكلة أنني أعتقد أن أمي لن تتورع عن الإقدام على هذا العمل مرة أخرى، ولا داعي بأن أخبرك بما أقاسيه من الشدائد جراء هذا السحر، ناهيك عن القعود عن العمل والكسب، أنا أعتقد أن أمي مجنونة! لذلك فإنني لا أكلمها، مع ذلك فهي تود مني أن أترك البيت، وقالت لي: إذا كنت لا ترغب في الكلام معي: فاخرج من البيت، هذا كلام مجانين، لسبب أنه ليس عندي مكان أذهب إليه، لهذا أجبتها قائلاً: إنني مريض، ولن أخرج من البيت، فما كان منها إلا أن ذهبت عند خالتي ثم رجعت في اليوم التالي، حتى الآن أنا لا أكلمها، لكنها تتكلم معي كلمات بسيطة مثل " اقفل الباب "، أو ما أشبه ذلك، وأنا أبادر للقيام بما أمرتني به؛ لأنني في الواقع لا أحقد عليها، أو أسعى في معاندتها - كما تقول هي -، ولكن لأسباب خارجة عن إرادتي.
أرجو توضيح هذا الأمر، ووصف العلاج الناجح.
بارك الله فيكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اعلم – أولاً – أن الله تعالى قد أمرك ببر والدتك، وبالإحسان إليها بالقول والفعل، وأنه – تعالى – قد نهاك عن الإساءة إليها ولو بقول " أف ".
قال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) الإسراء/٢٣.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ.
رواه البخاري (٥٦٢٦) ومسلم (٢٥٤٨) .
ولذلك: فإنه يجب عليك ترك إيذائها، وقولك عنها " مجنونة " لا يليق بك، فأحسن إليها، وتودد لها، ولا تخالف أوامرها فيما لا معصية فيه؛ ولا يحل لك هجرها، ومقاطعتها، وإن فعلت هي ذلك فابذل جهدك لمصالحتها بحسن الكلام وجميل الأفعال.
واعلم – ثانياً – أنه لا يجوز لك اتهام إنسانٍ بعينه أنه سحر لك، فكيف أن يكون المتهم عندك هو أمك؟! وأنت بذلك تكون قد اتهمتها بارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب قد تصل لحد الكفر، فلا يحل لك هذا لو كان المتهم أجنبيّاً فكيف وأنت تنسب ذلك الفعل القبيح لأمك من غير بيِّنة ولا برهان؟! وعاقبة ظلم الآخرين وخيمة، فكيف بمن كان ظالماً لأمه؟! .
قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) الأحزاب/٥٨.
قال ابن كثير – ﵀:
وقوله: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا) أي: ينسبون إليهم ما هم بُرَآء منه، لم يعملوه، ولم يفعلوه.
(فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) : وهذا هو البهت البيِّن، أن يحكى، أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه، على سبيل العيب والتنقص لهم.
" تفسير ابن كثير " (٦ / ٤٨٠) .
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .
رواه مسلم (٢٥٧٨) .
قال النووي – ﵀:
قال القاضي: قيل: هو على ظاهره، فيكون ظلمات على صاحبه لا يهتدي يوم القيامة سبيلاً حتى يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم، ويحتمل أن الظلمات هنا الشدائد , وبه فسروا قوله تعالى: (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر) أي: شدائدهما، ويحتمل أنها عبارة عن الأنكال والعقوبات.
" شرح مسلم " (١٦ / ١٣٤) .
واعلم – ثالثاً – أنك قد لا تكون مسحوراً، وإنما هي أوهام وخيالات، وهي تصيب كثيراً من الناس، ويعتقدونه سحراً، وليس الأمر كذلك، فاحرص على طاعة ربك تعالى بأداء الواجبات، والنوافل، واحرص على برِّك بأمك، وداوم على قراءة القرآن، واحرص على أذكار الصباح والمساء، وهذه الأمور – إن شاء الله – تقيك الشر والسوء، وتعالجك من أمراضك الحسية والمعنوية.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15595
زوجته تتطاول عليه بالسب والشتم فماذا يفعل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[زوجة سيئة الخلق تسب زوجها بكثير من الشتائم وحذرها أكثر من مرة وهى مصرة على التطاول والغلط وليس له طاقة على التحمل وله ابنة يخاف عليها من الفراق فما العمل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كانت الزوجة تتطاول على زوجها بالسب والشتم والإساءة، فعليه أن ينصحها، ويحذرها، ويبين لها ما يترتب على كلامها السيئ من الإثم، لا سيما والزوج أحق الناس بصلتها ومعروفها وإحسانها، كما قال النبي ﷺ : (لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق) رواه أبو داود (٢١٤٠) والترمذي (١١٥٩) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
وينبغي أن يسلك معها ما ذكره الله تعالى في كتابه من الوعظ والهجر والضرب غير المبرح، فإن لم يُجد شيء من ذلك، فينبغي أن يستعين على نصحها بالصالح من أهلها، وذلك حفاظا على الأسرة، ومراعاة لحق الأولاد إن وجدوا، قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) النساء/٣٤.
ومن الموعظة التي تقدم لها: أن يبيّن لها ما عليها من الإثم في معصيتها لزوجها، وما لها من ثواب وأجر جزيل إذا أطاعته.
وأيضاً: يبين لها ما عليها وعلى زوجها وعلى ابنتها من الضرر في حال حصول الطلاق أو استمرار العشرة على هذا النحو.
فإن استجابت المرأة للنصح، وأثّرت فيها الموعظة، وعدلت عن المخالفة، فهذا هو المطلوب، وإن استمرت في غيها وسفهها، فلا حرج على الزوج من طلاقها.
فقد ذكر العلماء أن الطلاق يكون مباحاً " عند الحاجة إليه لسوء خلق المرأة وسوء عشرتها والتضرر بها، من غير حصول الغرض بها "
" المغني" (١٠/٣٢٤)
وما ذكرته من خوفك على ابنتك فيما لو حدث الفراق، أمر ينبغي اعتباره، فإن كنت تخشى ألا تستطيع القيام بتربيتها، وأن تتضرر البنت بهذا الطلاق، فينبغي أن توازن بين المفسدتين، مفسدة بقائك مع امرأة سيئة الخلق، تسيء إليك، ومفسدة ما قد يحصل لابنتك بعد إيقاع الطلاق، ومن قواعد الشريعة: "ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما ".
وينبغي أن تستخير الله تعالى قبل اتخاذ قرارك، وأن تسعى للإصلاح ما أمكنك، فإن تعذر ذلك فاجتهد أن تحتاط لابنتك، وأن تؤمن حضانتها عندك، ولا تتركها لهذه المرأة تربيها على أخلاقها.
ونوصيك بالدعاء والتضرع إلى الله تعالى، وملازمة التقوى، فإن الله وعد أهل التقوى بالرزق والفرج، قال سبحانه: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) الطلاق/٢-٣.
كما نوصيك بالتوبة إلى الله تعالى من سائر الذنوب، فإن سوء خلق الزوجة قد يكون عقابا للعبد على ذنوب يرتكبها، كما ذكر عن الفضيل بن عياض ﵀ أنه قال: إني لأعصي الله فأرى ذلك في خلق دابتي وامرأتي.
نسأل الله أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15596
هل يجوز وضع ماء الزوج وبويضة الزوجة في رحم الزوجة الثانية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ (أحمد) له زوجتان الأولى منهما لا تلد والثانية تلد بحمد الله، وفي العصر الحاضر العلمي يستطيع الطبيب بفضل الله تعالى أن يضع بويضة الزوجة الثانية مع ماء الزوج في تيست تيوب بيبي Teste-tube baby كي تختلطا وينشأ الولد نشوءا ابتدائيا ثم يضعها في رحم الزوجة التي لا تلد ليتربى الولد فيها حتى تضعه، هل هذا يجوز في ضوء الكتاب والسنة؟ بعض الناس يقول بجواز ذلك قياسا على الرضاعة، أي: كما يجوز تغذية الولد من لبنها في حجرها، كذلك يجوز أن يتغذى بدمها في رحمها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه الطريقة من التلقيح ووضع البويضة مع مني الزوج في رحم الزوجة الأخرى: طريقة غير شرعية، وقد ذهب إلى تحريمها جمع كبير من العلماء، وقد صدر فيها قراران من مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ومن مجلس الفقه الإسلامي، التابع لرابطة العالم الإسلامي، والذي كان يرى إباحة هذه الطريقة ثم تراجع عن إباحتها، وإليك بعض ما جاء في القرارين:
١- قرار المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي:
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد من ٨ إلى ١٣ صفر ١٤٠٧ هـ، ١١ إلى ١٦ أكتوبر ١٩٨٦.
بعد استعراضه لموضوع التلقيح الصناعي " أطفال الأنابيب "، وذلك بالاطلاع على البحوث المقدمة، والاستماع لشرح الخبراء والأطباء، وبعد التداول تبين للمجلس:
"أن طرق التلقيح الصناعي المعروفة في هذه الأيام هي سبع:
الأولى: أن يجرى تلقيح بين نطفة مأخوذة من زوج وبييضة مأخوذة من امرأة ليست زوجته ثم تزرع اللقيحة في رحم زوجته.
الثانية: أن يجرى التلقيح بين نطفة رجل غير الزوج وبييضة الزوجة ثم تزرع تلك اللقيحة في رحم الزوجة.
الثالثة: أن يجرى تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة متطوعة بحملها.
الرابعة: أن يجرى تلقيح خارجي بين بذرتي رجل أجنبي وبييضة امرأة أجنبية وتزرع اللقيحة في رحم الزوجة.
الخامسة: أن يجرى تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة الأخرى.
السادسة: أن تؤخذ نطفة من زوج وبييضة من زوجته ويتم التلقيح خارجيا ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة.
السابعة: أن تؤخذ بذرة الزوج وتحقن في الموضع المناسب من مهبل زوجته أو رحمها تلقيحا داخليّاً.
وقرر:
أن الطرق الخمسة الأول كلها محرمة شرعا وممنوعة منعا باتا لذاتها، أو لما يترتب عليها من اختلاط الأنساب، وضياع الأمومة، وغير ذلك من المحاذير الشرعية.
أما الطريقان السادس والسابع فقد رأى مجلس المجمع أنه لا حرج من اللجوء إليهما عند الحاجة مع التأكيد على ضرورة أخذ كل الاحتياطات اللازمة " انتهى.
" مجلة المجمع " (٣/١/٤٢٣) .
٢- قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي:
"الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته الثامنة المنعقدة بمقر رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة في الفترة من يوم السبت ٢٨ ربيع الآخر ١٤٠٥ هـ إلى يوم الاثنين ٧ جمادى الأولى ١٤٠٥ هـ الموافق ١٩ – ٢٨ يناير ١٩٨٥ م قد نظر في الملاحظات التي أبداها بعض أعضائه حول ما أجازه المجمع في الفقرة الرابعة من البند الثاني في القرار الخامس المتعلق بالتلقيح الصناعي وطفل الأنابيب الصادر في الدورة السابعة المنعقدة في الفترة ما بين ١١ – ١٦ ربيع الآخر ١٤٠٤ هـ ونصها:
" إن الأسلوب السابع الذي تؤخذ فيه النطفة والبويضة من زوجين وبعد تلقيحهما في وعاء الاختبار تزرع اللقيحة في رحم الزوجة الأخرى للزوج نفسه، حيث تتطوع بمحض اختيارها بهذا الحمل عن ضرتها المنزوعة الرحم: يظهر لمجلس المجمع أنه جائز عند الحاجة وبالشروط العامة المذكورة ".
وملخص الملاحظات عليها:
" إن الزوجة الأخرى التي زرعت فيها لقيحة بويضة الزوجة الأولى قد تحمل ثانية قبل انسداد رحمها على حمل اللقيحة من معاشرة الزوج لها في فترة متقاربة مع زرع اللقيحة ثم تلد توأمين ولا يعلم ولد اللقيحة من ولد معاشرة الزوج، كما لا تعلم أم ولد اللقيحة التي أخذت منها البويضة من أم ولد معاشرة الزوج، كما قد تموت علقة أو مضغة أحد الحملين ولا تسقط إلا مع ولادة الحمل الآخر الذي لا يعلم أيضًا أهو ولد اللقيحة أم حمل معاشرة ولد الزوج، ويوجب ذلك من اختلاط الأنساب لجهة الأم الحقيقية لكل من الحملين والتباس ما يترتب على ذلك من أحكام، وإن ذلك كله يوجب توقف المجمع عن الحكم في الحالة المذكورة ".
كما استمع المجلس إلى الآراء التي أدلى بها أطباء الحمل والولادة الحاضرين في المجلس والمؤيدة لاحتمال وقوع الحمل الثاني من معاشرة الزوج في حاملة اللقيحة واختلاط الأنساب على النحو المذكور في الملاحظات المشار إليها.
وبعد مناقشة الموضوع وتبادل الآراء فيه قرر المجلس: سحب حالة الجواز الثالثة المذكورة في الأسلوب السابع المشار إليها من قرار المجمع الصادر في هذا الشأن في الدورة السابعة عام ١٤٠٤ هـ " انتهى.
"قرارات المجمع الفقهي" (ص١٥٩-١٦١) .
وعليه:
فلا يجوز أخذ ماء الزوج وبويضة الزوجة ووضع الخليط في رحم زوجةٍ أخرى له.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15597
رتق غشاء البكارة لمن طلقت قبل الدخول
[السُّؤَالُ]
ـ[هل تجوز عملية رتق غشاء البكارة؟ مع العلم أنه لم يتم ذلك بالحرام وإنما كان بعقد شرعي ولكن دون زواج معلن بين الناس "خطبة"]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا تم عقد النكاح، أصبحت المرأة زوجة، يحل لزوجها منها ما يحل لسائر الأزواج مع زوجاتهم، إلا أنه ينبغي تأخير الوطء إلى يوم الدخول، تجنبا لما قد ينشأ عن ذلك من مفاسد.
وأما الخطبة، فإنها تسبق العقد، ولا يحل بها وطء ولا خلوة ولا استمتاع، وإنما يباح للخاطب عند الخطبة أن ينظر إلى من يريد الزواج منها، ثم هو أجنبي عنها كسائر الرجال حتى يتم عقد النكاح.
وبناء على ذلك، فالوطء في الحالة الأولى (حالة العقد) مباح، لا إثم فيه، وأما في الحالة الثانية (الخِطْبة) فهو زنا.
وأما رتق غشاء البكارة فلا يجوز في كلتا الحالتين، لأنه تدليس وغش، وخداع للزوج الثاني وإيهام له بأن زوجته بكر، والحقيقة أنها ثيب، مع ما تستلزمه العملية من الاطلاع على العورة المغلظة من غير ضرورة إلى ذلك
ويضاف إلى ذلك أنه في حال زوال البكارة بالزنا تكون عملية الرتق فيها إعانة على المحرم وتيسير له.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15598
يعيره أهله بمكثه عندهم وعدم زواجه فكيف يتعامل معهم
[السُّؤَالُ]
ـ[أعامل أهلي بما يرضي الله، وهم يسيئون إليَّ في بعض الأحيان بأن يعايروني بأني مازلت أسكن معهم ولم أتزوج حتى الآن، علماً بأني أساعد في مصاريف المنزل من مرتبي المتواضع - ٢٠٠ جنيه - وأنا موظف حكومة بالتربية والتعليم، وقد كنت أريد أن أدرس مجالاً آخر ولا أعمل بالحكومة إلا أنني سمعت كلامهم عن الاستقرار والمعاش وأصبحت موظفاً، لا يمكنني الزواج حاليّاً، وعمري ٣٤ عاماً، أعرف عقوق الوالدين، وأجتنبه، ولكن لي كرامة أريد أن أحافظ عليها عندما يعايروني، خاصة أمي بأني لم أرحل عنهم حتى الآن، كيف أتعامل معهما؟ أكتم غضبي كثيراً ولكن إلى متى؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إن للوالدين عليك حقّاً عظيماً في البر والمصاحبة بالمعروف، وإن أساؤوا إليك، بل وإن سعوا جاهدين لأن تترك الإسلام وتلحق بقافلة الشرك – وحاشاهم من ذلك -، وهذا الحق كفله لهم الشرع المطهَّر، فقال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) الإسراء/٢٣، وقال تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) لقمان/١٥.
فاعلم هذا وأنت تظن أن إحسانك لهم وبرَّك بهم يهدم " كرامتك "، واعلم هذا وأن تقول " إلى متى أكتم غضبي؟ ".
فعليك أن تبقى على سكوتك عن الإساءة من أهلك تجاهك، ويجب عليك أن تداوم على برِّك وإحسانك لهم، ولو أساؤوا إليك وآذوك.
ثانياً:
والذي ننصحك به عمليّاً هو:
١. الصبر والاحتساب على ما أصابك من أهلك، قال تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) البقرة/٤٥.
٢. البر والإحسان لهم، وتفقدهم بالهدايا والرعاية، والكلام الطيب، فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (تهادوا تحابوا) . رواه البخاري في " الأدب المفرد " (٥٩٤) ، وحسَّنه الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " (٣ / ٧٠) والألباني في " إرواء الغليل " (١٦٠١) .
٣. نصحهم وإرشادهم للالتزام بالأحكام الشرعية والأخلاق الفاضلة، بالحكمة، والموعظة الحسنة.
قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل/١٢٥.
٤. تنويع أسلوب الدعوة، وعدم التزام طريقة واحدة، فالأشرطة السمعية، والمرئية، والكتيبات قد يكون لواحد منها أثره في تغيير سلوكهم.
٥. الاستعانة بأهل العلم وطلابه من أصحاب المكانة عندهم، بجعلهم يزورونك ويكلمونهم وينصحونهم.
٦. السعي في طلب الرزق الحلال، الذي تستعين به على أمور الزواج، فيمكنك البحث عن عمل آخر، أو السفر إلى دولة إسلامية للعمل فيها.
٧. داوم على الدعاء لهم بالهداية والتوفيق.
ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن ييسر لك أمورك، وأن يهدي أهلك للبر والرشاد.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15599
متزوجة من مسلم والحجاب يعيقها عن الإسلام
[السُّؤَالُ]
ـ[زوجي مسلم ويخاطبني كثيراً لكي أتحول للإسلام، ولكن هناك شيء مهم بالنسبة لي وهو الحجاب، لماذا يجب على النساء أن يتحجبن ويظهر منهن فقط ما يظهر بالعادة؟ أنا أمريكية ونحن نكشف في العادة أغلب الجسد هنا. أريد أن أفهم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ما من شك أن الله تعالى لا يأمر إلا بما فيه الحكمة، وفي بعض الأحيان تخفى حكمة بعض هذه الأحكام على العبيد وفي بعضها تكون ظاهرة معلومة، كتحريم الله تعالى للخمر التي تُذهب العقل وتصد عن ذكر وعن الصلاة.
وحكمة تشريع الحجاب من أظهر ما يكون، فإنها ستر للمرأة وعفاف لها، وهي بذلك تمنع السفهاء من التعرض لها والنيل منها، فكم من امرأة متحجبة منع حجابها من تعرض شياطين الإنس لها، وكم من امرأة متبرجة عرضت زينتها وأظهرت مفاتنها للناس فتسببت في مضايقتها والتعرض لها من السفهاء، وفي هذا يقول الله ﵎: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما﴾ الأحزاب / ٥٩، وهذه الآية فيها الجواب الكامل على السؤال حيث ذكر الله تعالى فيها الأمر لرسوله ﷺ أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين بالحجاب، وفيها كذلك ذِكر الحكمة وهو حفظهن وعدم تعرضهن للإيذاء.
وخروج المرأة مبدية لأغلب جسدها – كما تقول السائلة – هو من أكثر أسباب الجرائم، وفساد أخلاق الرجال، وشيوع الفواحش، كما أنه إساءةٌ للمرأة، وإهدارٌ لكرامتها، حيث أصبحت المرأة سلعة رخيصة لأصحاب الشركات والدعايات، والتي تُظهر المرأة منزوعة اللباس والحياء لجلب الزبائن وتسويق المنتجات التجارية.
إن جسد المرأة لها وليس مشتركاً بين الناس، فإن تزوجت فهو لزوجها ولا ينبغي لها أن تشرك معه غيره، وماذا تريد المرأة التي تعرض جسدها وتبرز مفاتنها للناظرين؟ هل تريد منهم فقط أن ينظروا ويتأملوا؟ حسناً فما هو أثر ذلك على المغتصبين والسفهاء؟ وكيف ستمنعينهم من تحقيق رغبتهم بافتراسك والانقضاض عليك؟ وقد أظهرت للجائعين لحماً ثم تريدين منعهم من أكله؟ .
ففي دراسة حديثة وجد أن:
٦٥ % من العاملات يتعرضن للتحرش الجنسي في أماكن عملهن في بعض الدول الأوربية.
١٨% من النساء في أمريكا اغتصبن أو تعرضن لمحاولة اغتصاب في مرحلة من مراحل عمرهن.
أكثر من نصف الضحايا تحت سن الـ ١٧ سنة.
"كتاب إحصاءات، دراسات، أرقام " (ص ١٤٠) .
إن الشريعة الإسلامية جاءت بما هو خير للمرأة والرجل والأسرة والمجتمعات، ولم تقيد المرأة كما يزعم أعداء الدين، فقد أباح الإسلام للمرأة العمل وطلب العلم والتجارة والشهادة وصلة الرحم وعيادة المريض وغير ذلك، لكنه وضع لخروجها ضوابط تحفظها وتمنع تعرض السفهاء لها.
ونقول للسائلة:
إن كثيرات من نساء الغرب عندما تأملن وعرفن حقيقة شرع الله تعالى وخاصة فيما يتعلق بالمرأة لم يترددن في إعلان إسلامهن والدخول في ركب الأنبياء والصالحين.
فالمرأة في الإسلام محفوظة ومكفولة، وليس ذلك مقابل بقائها في البيت فقط بل لأنها تؤدي دوراً عظيماً وهو رعاية الزوج والقيام على شئونه، وتربية الأبناء والعناية بهم، وهو دور عظيم إذ يعرف صلاح المجتمعات وفسادها بمدى نجاح الأم في التربية والتوجيه.
وفي دراسة نشرتها إحدى أكبر شركات التأمين البريطانية على مليون امرأة ووقع الاختيار على " أم بيت متفرغة " فجاءت النتائج المثيرة: إن المرأة المتفرغة للبيت تعمل ١٩ساعة في أعمال البيت، وهي المربية، والممرضة، والمسؤول الأول عن إدارة الشؤون المالية للبيت..
إضافة لذلك – فحسب دراسة بالتقييم المادي البعيد عن العواطف - كانت المرأة المتفرغة للمنزل هي أثمن شيء تمتلكه الأسرة.
" المرجع السابق " (ص ١١٨، ١١٩) .
وقد تبين لكثير من العاقلات خطر ما هنَّ عليه من حرية زائفة، وانتبهن أخيراً إلى أين يذهب بهن هذا الطريق، ففي دراسة أخرى تبين أن:
٨٠ % من الأمريكيات يعتقدن أن الحرية التي حصلت عليها المرأة خلال الثلاثين عاما الأخيرة هي سبب الانحلال والعنف في الوقت الراهن.
٧٥% يشعرن بالقلق لانهيار القيم والتفسخ العائلي.
٨٠% يجدن صعوبة بالغة في التوفيق بين مسؤولياتهن تجاه العمل ومسؤولياتهن تجاه الزوج والأولاد.
٨٧% قلن لو عادت عجلة التاريخ للوراء لاعتبرنا المطالبة بالمساواة مؤامرة اجتماعية ضد الولايات المتحدة وقاومنا اللواتي يرفعن شعاراتها.
" المرجع السابق " (ص ١٤٧) .
فقط يحتاج الأمر منكِ إلى تفكير يسير، ومراجعة للواقع الذي ترينه، لتعرفي بعدها أن نزع الحجاب عن المرأة يعني الشر والضرر والجريمة، وقد أغلق الإسلام طرق ذلك كله بما وضع من تشريعات، ومنها وجوب الحجاب على البالغات.
وفي ختام هذا الجواب نهنئك على أن وفقك الله للاقتران بزوج مسلم ترين منه أو من أقاربه المسلمين من شعائر الإسلام ما يرغبك في الإسلام وما يكسر حاجز خوفك من الدخول في هذا الدين الحنيف العظيم، ثم اعلمي أن الدخول في هذا الدين الخاتم الذي ارتضاه الله لجميع الخلق، شرف عظيم لك قد تحرمين منه إذا تأخرت عنه ودهمك الموت فبادري إليه مذعنة راغبة فرحة بفضل الله.
واعلمي أن وقوعك في شيء من التقصير في شعيرة الحجاب بسبب ضعفك عن الالتزام به أو خجلك من بني قومك، يعد معصية من المعاصي ينبغي ألا تصدك عن الحسنة الكبرى التي يبنى عليها دخول الجنة والنجاة من النار وهي اعتناق الإسلام، وأعلمي أن الشيطان عدو بني آدم كلهم هو الذي يجعل لك هذه الشبهة ليصدّك عن الدخول في هذا الدين ليكثر إتباعه إلى النار، فكوني قوية حازمة جريئة في اتخاذ قرار السعادة الأبدية بإذن الله، سائلين الله لك العون وقوة النفس على الدخول في الإسلام أختا لنا في الله، ومشاركة لما في هذه النعمة، ونشكر لك على حسن ثقتك بنا.
والله الهادي.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15600
تبغض زوجها وتخشى أن تقع في الزنا إذا استمرت معه
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا متزوجة من خمس سنوات ولست على وفاق مع زوجي ولا أطيعه وتم الانفصال مرتين وهو ضعيف جنسيا عندما عدت إليه هذه المرة أشعر أني لا أطيقه ولا أرغب في العيش معه ولكن سبب رجوعي إليه ابني وقد ارتكبت جريمة الزنا أريد التوبة وتكفير هذا الذنب العظيم ولكني أشعر أن استمراري معه سيؤدي إلى استمراري في هذا الذنب هل أنفصل عنه للمرة الثالثة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الزنا ذنب عظيم، وجرم كبير، لا سيما ممن أنعم الله عليها بالزواج، فبدلت نعمة الله كفرا، وخانت زوجها، ودنست عرضه، ولوثت فراشه. ولهذا كان عقاب هذه المتزوجة أن ترجم بالحجارة حتى تموت، نكالا من الله ، والله عزيز حكيم.
لكن من رحمته سبحانه أنه يلطف بعبده، ويمهله، ويدعوه للتوبة، ويقبلها منه، ويثيبه عليها، فما أرحمه، وما أعظمه، وما أكرمه .
قال : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/٦٨- ٧٠
فاستمري في توبتك وإنابتك، وتضرعي إلى الله تعالى أن يقبلها منك، وكوني على حذر من النفس الأمارة بالسوء أن تغتري بحلم الله عليك، وستره لك، فإنه سبحانه يمهل ولا يهمل، ويغضب فينتقم.
ثانيا:
يجب عليك أن تسدي كل باب إلى الحرام، من تبرجٍ أو اختلاط أو مراسلة أو مهاتفة، وهذا من تمام توبتك واستقامتك، وأن تحذري من خطوات الشيطان، فإن للشيطان خطوات ومقدمات يستدرج بها أولياءه، كما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) النور/٢١
ثالثا:
إذا كنت لا ترغبين في البقاء معه، ولا تطيقينه، وتخشين مع ذلك أن تقعي في الزنا، فلا حرج عليك في طلب الطلاق، لكن ينبغي أن تتدبري في عاقبة هذا الأمر وحالك بعده، واستخيري الله تعالى قبل أن تقدمي عليه، وراجعي السؤال رقم (١١٩٨١) لمعرفة ما يتعلق بصلاة الاستخارة
ومما يدل على جواز طلب الفراق عند بغض الزوج وعدم احتمال البقاء معه، ما رواه البخاري في صحيحه (٤٨٦٧) أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلا دِينٍ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ. [زاد ابن ماجة (٢٠٥٦) : لا أطيقه بغضاً] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً) .
ومعنى: " ولكني أكره الكفر في الإسلام ": أي أكره أن أعمل الأعمال التي تنافي حكم الإسلام من بغض الزوج وعصيانه وعدم القيام بحقوقه.. ونحو ذلك.
انظر "فتح الباري" (٩/٤٠٠) .
ولكننا نشير عليك قبل الإقدام على طلب الطلاق أن تجتهدي في الإصلاح أولاً، فإن الطلاق مما يكرهه الله تعالى ولا يحبه، فحاولي أن توسطي رجلاً عاقلاً من أهلك يكلم زوجك ويتعرف على أسباب المشكلة ويحاول التوفيق بينكما، وما ذكرتيه من ضعفه يمكن التفاهم مع زوجك فيه بكل صراحة، فإن الله لا يستحي من الحق، وإن كان الأمر مرضاً عارضاً فلا حرج من عرضه على الطبيب.
فإن ضاقت بك السبل ولم تنفع محاولات الإصلاح، فلا حرج عليك إن شاء الله تعالى من طلب الطلاق.
نسأل الله أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15601
تكرر رفض وليها للخطّاب فهل تزوج نفسها
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا معلمة سني ٣١ سنة أعمل بالتربية والتعليم منذ أول ١٩٩٦ وفي آخر ١٩٩٧ تقدم لي في المدرسة زميل، وطلب منى التقدم لخطبتي، فطلبت منه الانتظار لحين زواج أختي الكبرى. وبعد زواجها عام ٢٠٠٠ تقدم هذا المعلم لخطبتي في المنزل، ولكن أبي رفض رغم موافقة والدتي، بحجة أنها أمامها دراسات عليا واحتمال تعينها في الجامعة كمعيدة، وكذلك تم رفض العديد من المتقدمين خلال هذه الفترة، والسبب أنه بعد العمل بالجامعة سيأتي من هم أفضل من هؤلاء (من المهن التي رفضت مهندس، وغيرها) . وفي عام ٢٠٠٢ تم تعيني بالجامعة كمعيدة، وتقدم آخرون، ولكن كان الرفض أيضاً لأسباب مختلفة، وكان سبب الرفض الذي يقال للمتقدمين أنها مشغولة بالدراسات العليا ... منها طبيب بحجة طامع في مرتبك. ـ وتقدم لي المدرس التي تقدم أول مرة، ورغم إعلاني بموافقتي التامة إلا أن أبي رفض بحجة اختلاف المهن (مدرس ـ معيدة) ، رغم أن يتناسب معي علمياً حيث أنه يستكمل دراساته العليا في نفس المجال، ويتناسب معي ثقافياً واجتماعيا، كما أنه متيسر مادياً وعلى خلق ودين. ـ ومنذ ٢٠٠٣ حتى الآن آخر ٢٠٠٦ لم يتقدم أحد سوى هذا الشخص الذي مازال متمسكا بالزواج مني، وأنا أرغب في الزواج منه، وأخبرني أبي أنه من الأفضل أن أبقى بلا زواج، أفضل من الزواج من مدرس، بحجة أنني أعمل في وظيفة مضمونة ولي دخل كبير وغير محتاجة للزواج، إلا إذا جاءت الفرصة المناسبة، والتي تتمثل في مهن معينة قليلة بشروط مادية معينة، وهو جاد في هذا، وهذا يسبب لي ضرراً نفسياً بالغاً، حيث إنني لا أرى طموحي في العمل بل في تكوين أسرة. والسؤال: ـ فهل يحق لي تزويج نفسي به بدون علم الولي؟ وهل يعتبر غير كفء لي، أفيدوني يرحمكم الله أرجو تفصيل الرد وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا يجوز النكاح ولا يصح إلا بولي، في قول جمهور الفقهاء، لقوله ﷺ : " لا نكاح إلا بولي " رواه أبو داود (٢٠٨٥) والترمذي (١١٠١) وابن ماجه (١٨٨١) من حديث أبي موسى الأشعري، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وقوله ﷺ : " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل " رواه البيهقي من حديث عمران وعائشة، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٧٥٥٧
وقوله ﷺ :" أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له " رواه أحمد (٢٤٤١٧) وأبو داود (٢٠٨٣) والترمذي (١١٠٢) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٢٧٠٩) .
وولي المرأة: أبوها، ثم أبوه وإن علا، ثم ابنها وابنه وإن سفل (هذا إن كان لها ولد) ، ثم أخوها لأبيها وأمها، ثم أخوها لأبيها فقط، ثم أولادهم وإن سفلوا، ثم العمومة، ثم أولادهم وإن سفلوا، ثم عمومة الأب، ثم السلطان. (المغني ٩/٣٥٥)
ولكن إذا تكرر رفض الولي للخاطب الكفؤ، اعتبر عاضلا لموليته، وسقطت ولايته بذلك، وانتقل الحق إلى من بعده من العصبات.
ثانيا:
الكفاءة المعتبرة هي الكفاءة في الدين، فلا فرق بين عربي ولا عجمي، ولا أحمر ولا أبيض إلا بالتقوى. واعتبر بعض الفقهاء شروطا أخرى في الكفاءة، كالنسب، وغيره، وكون الخاطب مدرسا وأنت معيدة، لا يعني أنه غير كفؤ لك، ما دام على خلق ودين ومتيسر ماديا كما ذكرت.
ثالثا:
الذي نراه هو معاودة نصح الوالد، والاستعانة في ذلك بمن له قبول عنده من قريب أو صديق، فإن رضي تزويجك بهذا الخاطب، فهذا هو المراد، وإلا فاعرضي الأمر على من بعده من الأولياء حسب الترتيب السابق، فإن أبى تزويجك، أو حصل نزاع بين الأولياء، فارفعي الأمر إلى القاضي، ويتولى هو تزويجك.
رابعا:
إن من أعجب العجب ما يفعله هذا الولي، وأشباهه، من تحويل بناتهم إلى سلع تجارية لمن يدفع أكثر، أو لمن يكون أيسر يدا من الآخر، ثم أعجب من ذلك أن يزعم أنها ليست بحاجة إلى الزواج!! فماذا يفهم من الحاجة هذا المسكين، ألم يعلم حاجة النفوس إلى السكن، والمودة والرحمة، وحاجة النفوس الطبيعية التي غرسها الله فيها، لحكمه البالغة، سبحانه. فعلى ولي المرأة أن يتقي الله تعالى، وأن يعلم أن منع ابنته أو أخته من الزواج بالكفء الذي رضيته، يعتبر ظلما وعدوانا، يوجب فسقه وسقوط عدالته وردّ شهادته.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: (إذا منع الولي تزويج امرأة بخاطب كفء في دينه وخلقه فإن الولاية تنتقل إلى من بعده من الأقرباء العصبة الأولى فالأولى، فإن أبوا أن يزوجوا كما هو الغالب، فإن الولاية تنتقل إلى الحاكم الشرعي، ويزوج المرأة الحاكم الشرعي، ويجب عليه إن وصلت القضية إليه، وعلم أن أولياءها قد امتنعوا عن تزويجها، أن يزوجها، لأن له ولاية عامة، ما دامت لم تحصل الولاية الخاصة.
وقد ذكر الفقهاء ﵏ أن الولي إذا تكرر رده للخاطب الكفء فإنه بذلك يكون فاسقا، وتسقط عدالته وولايته، بل إنه على المشهور من مذهب الإمام أحمد تسقط حتى إمامته، فلا يصح أن يكون إماما في صلاة الجماعة في المسلمين، وهذا أمر خطير!!
وبعض الناس كما أشرنا إليه آنفا يرد الخطاب الذين يتقدمون إلى من ولاه الله عليهن، وهم أكفاء.
ولكن قد تستحي البنت من التقدم إلى القاضي لطلب التزويج، وهذا أمر واقع، لكن عليها أن تقارن بين المصالح والمفاسد، أيهما أشد مفسدة: أن تبقى بلا زوج، وأن يتحكم فيها هذا الولي على مزاجه وهواه، فإن كبرت وبرد طلبها للنكاح زوجها، أو أن تتقدم إلى القاضي بطلب التزويج، مع أن ذلك حق شرعي لها.
لا شك أن البديل الثاني أولى، وهو أن تتقدم إلى القاضي بطلب التزويج لأنها يحق لها ذلك؛ ولأن في تقدمها للقاضي وتزويج القاضي إياها مصلحة لغيرها، فإن غيرها سوف يقدم كما أقدمت، ولأن في تقدمها إلى القاضي ردعا لهؤلاء الظلمة الذين يظلمون من ولاهم الله عليهن لمنعهن من تزويج الأكفاء.
أي أن في ذلك ثلاث مصالح:
مصلحة للمرأة حتى لا تبقى بلا زواج.
مصلحة لغيرها إذ تفتح الباب لنساء ينتظرن من يتقدم ليتبعنه.
منع هؤلاء الأولياء الظلمة الذين يتحكمون في بناتهم أو فيمن ولاهم الله عليهن من نساء، على مزاجهم وعلى ما يريدون.
وفيه أيضا مصلحة إقامة أمر الرسول ﷺ حيث قال: " إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير".
كما أن فيه مصلحة خاصة وهي قضاء وطر المتقدمين إلى النساء الذين هم أكفاء في الدين والخلق) انتهى، نقلا عن فتاوى إسلامية ٣/١٤٨) .
نسأل الله تعالى أن يوفقك لما فيه الخير والصلاح والفلاح.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15602
تحب زوجها حبّاً جنونيّاً وتطلب الحل
[السُّؤَالُ]
ـ[أحب زوجي حبّاً جنونيّاً، وهو راضٍ عني كل الرضا، وعندما سافر للعمل في انتظار أن أصل إليه: أصبحت أشتاق إليه، ولا أرتاح حتى يكلمني، رغم أنني أقوم بواجباتي الدينية؛ أحس بنقص في عدم وجوده، فبماذا تنصحوني، إخواني في الله، للصبر حتى اللقاء؟ . جزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من الرائع أن نرى بيوت المسلمين ينتشر فيها الحب والمودة والألفة، وإذا رأينا ذلك تحديداً بين الزوجين كنّاً سعداء بذلك؛ لأن هذا الحب والمودة سيكون له الأثر الطيب على أفراد الأسرة، ومن آيات الله العظيمة أن خلق المرأة من الرجل، ومن حكمة خلق المرأة أن تكون سكناً للرجل، وقد ذكر الله تعالى ذلك في آدم وحواء، وفي عموم الخلق، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) الأعراف/من الآية١٨٩، وهذا في آدم وحواء، وفي عموم الخلق: قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) الروم/من الآية٢١، وجعل الله تعالى بين الزوجين مودة ورحمة، فقال – في تتمة آية الروم -: (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الروم/من الآية٢١.
قال الشنقيطي – ﵀:
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ الآية.
ذكر في هذه الآية الكريمة أنه خلق حواء من آدم ليسكن إليها، أي: ليألفها ويطمئن بها، وبين في موضع آخر أنه جعل أزواج ذريته كذلك، وهو قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] .
" أضواء البيان " (٢ / ٣٠٤، ٣٠٥) .
وقال ابن كثير – ﵀:
فلا ألفة بين رُوحين أعظم مما بين الزوجين.
" تفسير ابن كثير " (٣ / ٥٢٥) .
ولكن لا نريد الحب أن يكون " جنونيّاً "! ـ كما يقول الناس ـ؛ بل متعقلاً يضع الأمور مواضعها؛ كما روى زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال لي عمر بن الخطاب: " يا أسلم! لا يكن حبك كَلَفا، ولا يكن بغضك تلفا!!
قلت: وكيف ذلك؟
قال: إذا أحببت فلا تَكْلف كما يكلف الصبي بالشيء يحبه، وإذا أبغضت فلا تبغض بغضا تحب أن يتلف صاحبك ويهلك ".
رواه عبد الرزاق في المصنف (٢٠٢٦٩) ، وإسناده صحيح.
وإنما نصح الخليفة الراشد بذلك لأن الكَلَف في الحب (الحب الجنوني) له آثاره السيئة على المحِب وعلى المحَب، فأما أثره على المحِب فهو:
أ. انشغال فكره بحبيبه، مما يسبب له قلقاً وتوتراً، فيضيع مع هذا الانشغال الأوقات، ويكون لآثاره الأمراض النفسية والبدنية.
ب. ومن آثار الحب الجنوني أنه يجعل هذا المحِب يتغاضى عن تقصير حبيبه في الواجبات، ويجعله يتغاضى عن فعله للمحرمات، بل وإذا طَلب منه حبيبه المشاركة فيها: فإن حبَّه الجنوني سيدفعه للمشاركة.
ج. ومن الآثار السيئة لهذا الحب أنه يستولي على مجامع قلبه، بحيث يزاحم محبة الله ورسوله التي هي مدار نجاته؛ فضلا عن محبة من سوى ذلك من الأهل والولد!!
د. ومن آثاره السيئة أن هذا المحِب بجنون لا يستطيع تحمل صدمة غياب حبيبه، ولا مرضه، فضلاً عن موته!
ومن آثار الحب الجنوني السيئة على المحَب:
أ. أنه قد يصيبه التوتر بسبب إلحاح المحب على رؤيته والجلوس معه، وهذا قد يؤدي به إلى الإخلال بوظيفته، أو التقصير في المهمات التي ينبغي أن ينصرف قلبه وعزمه إليها؛ من علم نافع أو عمل صالح.
ب. ومن آثاره السيئة عليه: أنه لن يجد هذا المحب ناصحاً وموجهاً له، بل سيتغاضى عن أخطائه وتقصيره. كما قيل: حبك الشيء يعمي ويصم!
ج. ومن آثاره السيئة عليه: أنه إن كان مستجيباً لمن يحبه: ضاعت أوقاته معه، وإن لم يفعل تسبب في حصول القلق له، وهذا قد يؤدي به للنفرة عنه وبغضه في النهاية.
يقول شيخ الإسلام ﵀:
".. فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة، ولو كانت مباحة له، يبقى قلبه أسيرا لها تحكم فيه وتتصرف بما تريد ; وهو في الظاهر سيدها لأنه زوجها. وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها لا سيما إذا درت بفقره إليها ; وعشقه لها ; وأنه لا يعتاض عنها بغيرها ; فإنها حينئذ تحكم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور ; الذي لا يستطيع الخلاص منه، بل أعظم!! فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن؛ فإن من استعبد بدنه واسترق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحا من ذلك مطمئنا، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص؛ وأما إذا كان القلب الذي هو الملك رقيقا مستعبدا متيما لغير الله، فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية لما استعبد القلب ... فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب؛ كما أن الغنى غنى النفس؛ قال النبي ﷺ : ﴿ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس﴾ ، وهذا لعمري إذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة؛ فأما من استعبد قلبه صورة محرمة: امرأة أو صبيا، فهذا هو العذاب الذي لا يدان فيه [يعني: لا حيلة فيه] ؛ وهؤلاء من أعظم الناس عذابا وأقلهم ثوابا؛ فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقا بها مستعبدا لها اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى.. " انتهى " مجموع الفتاوى " (١٠/١٨٥-١٨٦) .
فيا أيتها الأخت العزيزة: اعلمي أننا في غاية السعادة من إكرامك لزوجك، وحبك له، لكننا سنكون سعداء أكثر إن جعلتِ حبَّك له متعقلاًَ، واعلمي أن كثرة الإلحاح على الزوج باتصاله أو وجوده في البيت أو تركه لسفرٍ معيَّن: كل ذلك سيجعله في قلق، أو يربك له حياته، وترتيبه لمهماته، ونحن نريد لبيتكم الكريم هذا أن يكون جو المودة فيه صحيا، معينا لأهله، والذرية التي يجعلها الله فيه، إن شاء الله، على معالي الأمور، والجد في أن يكونوا ذخرا لدينه، وعونا للصالحين من عباده.
والذي ننصحك به أيضاً:
أ. القيام بالواجبات الشرعية المطلوبة منك، وأداء النوافل.
ب. المحافظة على أذكار الصباح والمساء.
ج. القيام بطلب العلم قراءة واستماعاً.
د. القيام بدعوة النساء، من جيرانك وأقاربك.
هـ. احرصي على أن يكون في قلبك محبة شرعية لله، ولرسوله ﷺ باتباع الأوامر، وترك النواهي، ومحبة لدين الله، تجعلك تدافعين عنه، وتنشرينه بين الناس، ومحبة طبيعية لوالديك وأبنائك.
وكل ذلك سيجعل لحياتك معنى أسمى من حصر الحياة في الزوج، وحصر المحبة فيه.
ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن يديم عليكما الألفة والمودة والرحمة والحب، وأن يرزقكما الذرية الصالحة.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15603
مبتلى بحب المردان فكيف يتخلص من مرضه هذا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ابتليت بحب المرد والرغبة عن النساء، ربما بسبب تجارب سيئة في طفولتي، أصابر ما استطعت، وأغض بصري، وأعلم أن هذا حرام، ولا أستحله، وأستغفر الله منه، وأدعو " اللهم طهر قلبي وحصِّن فرجي "، لا أظن الزواج حلاًّ لي لأني لا أجد رغبة في النساء، أصوم الاثنين والخميس، ولكن هذا الأمر لا يزال في قلبي، ما العمل؟ وهل هناك ما يعوضني في الجنة؟ أستغفر الله إن كان هذا اعتداء في السؤال.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اعلم يا أخي السائل أن هذه البلية من أعظم البلايا، واعلم أنها قد تُهلك صاحبها، تصيبه في عقله فيصير مجنوناً، وتصيبه في بدنه فينقلب مريضاً، وتصيبه في دينه فيهلك، ويختم له بشر، فالحذر الحذر من الاستمرار على هذا الأمر، وابذل جهدك مستعيناً بربك للتخلص منه، وانظر في حال من أصيب به لتعتبر.
قال ابن القيم ﵀:
" ويروى أن رجلاً عشق شخصاً، فاشتد كلفه به، وتمكن حبه من قلبه، حتى وقع، ألماً به، ولزم الفراش بسببه، وتمنَّع ذلك الشخص عليه، واشتد نفاره عنه، فلم تزل الوسائط يمشون بينهما حتى وعده أن يعوده، فأخبر بذلك البائس، ففرح، واشتد سروره، وانجلى غمه، وجعل ينتظر للميعاد الذي ضربه له، فبينا هو كذلك إذ جاءه الساعي بينهما فقال: إنه وصل معي إلى بعض الطريق ورجع، فرغبت إليه وكلمته، فقال: إنه ذكرني، وفرح بي، ولا أدخل مداخل الريب، ولا أعرِّض نفسي لمواقع التهم، فعاودته، فأبى، وانصرف، فلما سمع البائس ذلك أُسقط في يده، وعاد إلى أشد مما كان به، وبدت عليه علائم الموت، فجعل يقول فى تلك الحال:
أسلم يا راحة العليل ... ويا شفاء المدْنَف النحيل
رضاك أشهى إلى فؤادي ... من رحمة الخالق الجليل!!
فقلت له: يا فلان اتق الله، قال: قد كان!!
فقمت عنه، فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت!
فعياذاً بالله من سوء العاقبة، وشؤم الخاتمة " انتهى.
" الجواب الكافي " (ص ١١٧) .
فما رأيك أخي السائل؟ هل يتمنى مسلم عاقل أن يموت كما مات ذلك العاشق البائس، والذي جعل رضا محبوبه مقدَّماً على رضا خالقه الذي خلقه وصوره ورزقه وهداه للإسلام، وأسبغ عليه نِعَمه ظاهرة وباطنة؟! فإن قلت إنك لا تتمنى ذلك – وهذا هو الظن بك -: فينبغي أن تعلم أنك سائر على طريقه، وأنه قد يصيبك ما أصابه إن لم تتدارك نفسك.
واعلم أن هذا أول طريقٍ سلكه قوم لوط، وهو العشق للمردان، ولذا عاقبهم الله تعالى بما لم يعاقب به أمَّة قبلهم ولا بعدهم، فقلب الله تعالى ديارهم، وخسف بهم، ورجمهم بالحجارة، وطمس أعينهم.
قال ابن القيم ﵀ في بيان أنواع العشق:
"وعشقٌ هو مقتٌ عند الله وبُعدٌ من رحمته، وهو أضر شيءٍ على العبد في دينه ودنياه: وهو عشق المردان، فما ابتليَ به إلا مَن سقط مِن عين الله، وطرد عن بابه، وأبعد قلبه عنه، وهو من أعظم الحُجب القاطعة عن الله، كما قال بعض السلف: إذا سقط العبد مِن عين الله ابتلاه بمحبة المردان، وهذه المحبة هي التي جلبت على قوم لوط ما جلبت، وما أوتوا إلا مِن هذا العشق، قال الله تعالى: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) " انتهى.
" الجواب الكافي" (ص ١٧٣، ١٧٤) .
ثانياً:
واعلم أن هذا البلاء له أسباب، وهذه الأسباب من كسبِ المبتلى نفسه، فمن أراد النجاة مما هو فيه: فليقف على هذه الأسباب، وليتخلَّص منها، وإلا فهو راضٍ عن حاله، ولا يريد تحولاً إلى ما هو خير، ومن هذه الأسباب التي هي من فعله:
١. ضعف الإيمان، وبُعد القلب عن حب الله تعالى، وقلة الخوف من عقابه.
٢. إطلاق النظر للمردان، والتمتع بجمالهم وهيئتهم.
وهذا هو أول طريق المعصية التي سلكها هذا المبتلى، وقد أمره ربه تعالى بغض بصره عن المحرمات، وكذا أمره نبيه ﷺ ، فلما ترك الأمر ووقع في النهي: أدخل إبليس سهمه المسموم في قلبه، فقضى عليه.
قال ابن القيم ﵀:
"والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان؛ فإن النظرة تولِّد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولِّد الفكرة شهوة، ثم تولِّد الشهوة إرادة، ثم تَقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد، ما لم يمنع منه مانع، وفي هذا قيل: " الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده ".
"الجواب الكافي" (ص ١٠٦) .
ومن هنا فإن العلماء قد حرموا النظر إلى الأمرد، بل إن بعضهم جعله أكثر حرمة من النظر للنساء.
قال النووي ﵀:
"وكذلك يحرم على الرجل النظر إلى وجه الأمرد إذا كان حسن الصورة، سواءً كان بشهوةٍ أم لا، سواءً أمن الفتنة أم خافها، هذا هو المذهب الصحيح المختار عند العلماء المحققين، نص عليه الشافعي، وحذاق أصحابه - رحمهم الله تعالى -، ودليله: أنه في معنى المرأة، فإنه يُشتهى كما تشتهى، وصورته في الجمال كصورة المرأة، بل ربما كان كثيرٌ منهم أحسن صورةً من كثيرٍ من النساء، بل هم في التحريم أولى لمعنى آخر: وهو أنه يتمكن في حقهم من طرق الشر ما لا يتمكن مثله في حق المرأة" انتهى.
" شرح مسلم " (٤ / ٣١) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"والنظر إلى وجه لأمرد لشهوة كالنظر إلى وجه ذوات المحارم، والمرأة الأجنبية بالشهوة، سواء كانت الشهوة شهوة الوطء، أو شهوة التلذذ بالنظر، فلو نظر إلى أمِّه، وأخته، وابنته يتلذذ بالنظر إليها كما يتلذذ بالنظر إلى وجه المرأة الأجنبية: كان معلوماً لكل أحدٍ أن هذا حرام، فكذلك النظر إلى وجه الأمرد باتفاق الأئمة" انتهى.
" مجموع الفتاوى " (١٥ / ٤١٣) و (٢١ / ٢٤٥) .
وقال ﵀ – أيضاً -:
ومن كرَّر النظر إلى الأمرد ونحوه، أو أدامه، وقال: إني لا أنظر لشهوة: كذب في ذلك، فإنه إذا لم يكن معه داع يحتاج معه إلى النظر: لم يكن النظر إلا لما يحصل في القلب من اللذة بذلك، وأما نظرة الفجأة فهي عفو إذا صرف بصره.
" مجموع الفتاوى " (١٥ / ٤١٩) و (٢١ / ٢٥١) .
ومن النظر الذي ابتلي به هؤلاء المرضى: ما يشاهدونه في القنوات الفضائية، والصحف والمجلات، ومواقع الإنترنت من صور الأطفال والشباب المردان، وهو ما يهيجهم على الفاحشة.
٣. التقصير في الواجبات والنوافل.
ولو أن هذا المبتلى أدى الصلوات في أوقاتها، وبشروطها وواجباتها: لكانت ناهية له ورادعة عن الوقوع في الفحشاء والمنكر، قال تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) العنكبوت/٤٥، فكيف إذا حافظ على الرواتب والنوافل؟! .
٤. هجر القرآن، وهجر قراءة كتب سير الصالحين وتراجم الأئمة.
وكتاب الله تعالى فيه الهدى والنور والشفاء، فهو خير وقاية للمسلم من الوقوع في الآثام والمعاصي، وهو خير علاج لمن وقع فيها.
وإذا قرأ في كتب الأئمة وتراجم العلماء: اتخذهم قدوة له، وأنس بصحبتهم، وترفع عن الرذائل والقبائح.
٥. التقصير في طلب العلم.
فالعلم نور، وبه يعرف الحلال فيفعله، والحرام فيجتنبه، وبه يتعرف على ربه تعالى، على أسمائه وصفاته وأفعاله، فيولِّد ذلك في قلبه حياء من ربه، وحياء من ملائكته أن يقع في فاحشة قبيحة، وبه يتعرف على أحوال العصاة وما أعده الله لهم من العقوبة.
٦. كثرة الفراغ في حياة هؤلاء المبتلين.
ولو أنهم شغلوا أوقاتهم بالطاعة، والرياضة، والأعمال المباحة، وطلب العلم: لما وجدوا أوقاتاً يصرفونها في التفكير في المحرمات فضلا عن فعلها.
٧. اتخاذ أصدقاء السوء، وجلساء الشر.
وقد شبَّه النبي ﷺ جليس السوء بنافخ الكير، فهو إما أن يحرق ثياب جليسه، وإما أن يشم منه رائحة خبيثة.
٨. ترك الزواج.
وقد خلق الله تعالى في الرجال شهوة طبيعية، وجعلها تصريفها في النساء، والطريق المباح لذلك هو الزواج، ومن انتكست فطرته فإنها يصرفها في أمثاله من الذكور، وينزل بذلك عن درجة البهائم، فها هي البهائم التي خلقها الله تعالى أمامنا فهل رأينا ذكراً يعلو ذكراً؟
ثالثاً:
ومن أراد علاج مرضه، والتخلص من بلائه: فليبحث عن الأسباب التي أدَّت به للوقوع في المحرَّمات من النظر والخلطة والمصاحبة للمردان، وليتخلص منها بتركها، وعلاج دون ترك لسبب المرض علاج فاشل غير ناجح، وهذه طرق العلاج لمن أراد التخلص من بلائه، والسعي نحو تخليص نفسه من شرَك الشيطان، والمشي في طريق رضا الرحمن، ومنها:
١. تقوية الإيمان بالطاعات، ومنها الصوم، وتعمير القلب بمحبة الله، واستشعار الخوف من عقابه.
٢. منع نفسه من النظر للمردان بشهوة وبغير شهوة، وترك مصاحبتهم والجلوس معهم مطلقاً، وترك الخلوة بهم، ولو لتدريس القرآن.
قال النووي ﵀:
"والمختار: أن الخلوة بالأمرد الأجنبي الحسن كالمرأة، فتحرم الخلوة به حيث حرمت بالمرأة، إلا إذا كان في جمع من الرجال المصونين" انتهى.
" شرح النووي " (٩ / ١٠٩) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"وأما صحبة المردان، وعلى وجه الاختصاص بأحدهم، كما يفعلونه، مع ما ينضم إلى ذلك من الخلوة بالأمرد الحسن، ومبيته مع الرجل، ونحو ذلك: فهذا من أفحش المنكرات، عند المسلمين، وعند اليهود والنصارى، وغيرهم " انتهى.
" مجموع الفتاوى " (١١ / ٥٤٢) .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا تجوز الخلوة بالأمرد ولو بقصد التعليم؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وكم من أناس كانوا قتلى لهذا الأمرد فأصبحوا فريسة للشيطان والأهواء، وهذه المسألة يجب الحذر منها" انتهى.
" الشرح الممتع " (١ / ٢٩٤، ٢٩٥) .
٣. المحافظة على الصلوات في أوقاتها، والحرص على فعل الرواتب والنوافل.
٤. الالتزام بورد من القرآن يقرؤه، والمحافظة على أذكار الصباح والمساء، والنظر في كتب تراجم الأئمة وحياتهم.
٥. طلب العلم، قراءة وسماعاً ومشاهدة، وهو أمرٌ واجب على المسلم أصلاً.
٦. إشغال الوقت بالطاعة، وبما هو مفيد لدينه ودنياه.
٧. هجر الصحبة الفاسدة، والبحث عن الصحبة الصالحة والتزامها مجالسةً واستفادة من علمهم وأخلاقهم.
٨. السعي المباشر للزواج؛ لإطفاء الشهوة بطريق مباح.
٩. الاستعانة بالله تعالى بالدعاء أن يخلصه مما هو فيه من مرض وابتلاء.
١٠. التأمل في حال الواقعين في هذا العشق المحرَّم وما أدى بهم إلى الجنون والأمراض والردة – والعياذ بالله –.
قال ابن القيم:
ودواء هذا الداء الردي: الاستعانة بمقلِّب القلوب، وصِدق اللجأ إليه، والاشتغال بذِكْره، والتعوض بحبِّه وقربه، والتفكر بالألم الذي يعقبه هذا العشق واللذة التي تفوته به فتُرتب عليه فوات أعظم محبوبٍ وحصول أعظم مكروه، فإذا دِمت نفسه على هذا وآثرته: فليكبِّر على نفسه تكبير الجنازة، وليعلم أن البلاء قد أحاط به.
"الجواب الكافي" (ص ١٧٤) .
ولمزيد الفائدة راجع جواب السؤال رقم (٢٧١٧٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15604
يدَّعي على زوجته الزنا فطلقها وأعطاها مهرها، فهل له حقوق عندها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا الآن متزوج من فتاه متدينة وملتزمة , ولقد كنت متزوجاً من قبلها بفتاة، ولكنني قد طلقتها، وكان سبب طلاقي منها هو: عدم حفاظها على شرفها , حيث اكتشفت أنها على علاقة بشاب آخر، وأنه كان يدخل البيت - بيت الزوجية - في غيابي، ولقد تأكدت من هذا الكلام - وذلك قبل الطلاق - من الشاب نفسه، وبوجود أدلة، كصورة شخصية لها، والصور هذه كان قد تم تصوريها بحفلتي الخطوبة والزواج , كما تبين بعد ذلك أنها قد أجْرت معه مكالمة هاتفية، وذلك ليلة الزفاف , وقمت بعدها بطلاقها وأرجعت لها كل حقوقها المطلوبة مني شرعاً. سؤالي هو: أحس في بعض الأحيان وعندما أتذكر ما مرت بي من أحداث معها , بأنني قد ظُلمتُ منها، ومن أهلها؛ لأنها كانت على علاقة مع ذلك الشاب بعد الزواج، وكان أهلها على علم بتلك العلاقة , وأحس بضيق في صدري وألم عندما أسترجع تلك الذكريات المريرة في حياتي، فماذا عليَّ أن أفعل؟ وما زلت حزيناً على الظلم الذي جرى عليَّ منها ومن أهلها , كما لا زلت في بعض المرات أتذكر هذه الفتاة , علماً بأنني متزوج حاليّاً، وزوجتي ستنجب في الشهر المقبل - إن شاء الله -، فأرجو منكم إفادتي بما يتوجب عليَّ فعله، كما أتمنى أن تفيدوني كيف لي أن أرجع حقي منهم، ولكم كل تحية وتقدير.]ـ
[الْجَوَابُ]
أولاً:
الزنا من - الرجل والمرأة - من المحرمات القطعية في دين الله تعالى، قال تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا) الإسراء/٣٢، وهذا نهي عن قربانه فكيف يكون حكم مقارفته وفعله؟!.
وحد الزاني المحصن – وهو من سبق له الدخول بعقد شرعي – الرجم حتى الموت، وحد الزاني البكر: جلد مئة، ويعزر بالتغريب – أو السجن – عاماً كاملاً.
وليس الزنا محرَّما في الإسلام فقط، بل هو حرام في كل دين وشرع، ولا يخالف في ذلك صاحب فطرة سليمة ولا عقل راجح.
قال القرطبي:
وقد أجمع أهل الملل على تحريمه، فلم يحل في ملة قط، ولذا كان حده أشد الحدود؛ لأنه جناية على الأعراض والأنساب، وهو من جملة الكليات الخمس، وهي حفظ النفس والدين والنسب والعقل والمال.
" تفسير القرطبي " (٢٤ / ٢٠، ٢١) .
ثانياً:
لا يجوز لأحدٍ أن يدَّعي على غيره اقتراف هذه الجريمة إلا ببينة، والبينة هي أن يرى الزنا أربعةُ شهود، ويرون الفعل كاملاً بإدخال فرج الرجل في فرج المرأة، وهذا لم يثبت في تاريخ الإسلام لصعوبة تحققه، ويثبت الزنا بإقرار الزاني، ويثبت – كذلك - إذا رفضت المرأة ملاعنة زوجها الذي اتهمها بالزنا.
وللزوج في اتهام زوجته بالزنا حكم خاص، وهو الملاعنة – وينظر تفصيله في جواب السؤال رقم: (٣٣٦١٥) - فإن قذفها بالزنى ولم يلاعنها: جُلد حد القذف، وهو ثمانون جلدة، ولا يجوز للزوج اتهام زوجته بالزنا لكونها خرجت مع أجنبي، أو رأى لهما صورة معاً، أو ما يشبه هذه الأحوال، إلا أن يرى ذلك بنفسه فيتيقن، أو يغلب على ظنه بقرائن قوية، وفعلها الذي وصفه زوجها لا شك أنه من عظائم الذنوب، وهي تستحق عليه الوعيد الشديد، لكن لا يجوز إثبات الزنا عليها بمثل هذه الأفعال.
قال ابن قدامة ﵀:
إذا قذف زوجته المحصنة: وجب عليه الحد , وحُكم بفسقه , وردِّ شهادته , إلا أن يأتي ببيِّنة أو يلاعن , فإن لم يأت بأربعة شهداء , أو امتنع من اللعان: لزمه ذلك كله، وبهذا قال مالك، والشافعي ... .
ولنا: قول الله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ، وهذا عام في الزوج وغيره , وإنما خص الزوج بأن أقام لعانه مقام الشهادة في نفي الحد والفسق ورد الشهادة عنه.
وأيضا: قول النبي ﷺ : (البيِّنة وإِلَاّ حدٌّ في ظَهْركِ) ، وقوله لما لاعن:
(عَذابُ الدنْيا أَهْونُ مِنْ عَذابِ الآخِرَة) ؛ ولأنه قاذف يلزمه الحد لو أكذب نفسه , فلزمه إذا لم يأت بالبينة المشروعة، كالأجنبي.
" المغني " (٩ / ٣٠) .
ثالثاً:
إذا ثبت الزنا باعترافها فإنه لا ينفسخ النكاح، ولا يسقط مهرها.
قال ابن مفلح:
فائدة:
إذا زنت امرأة رجل أو زنى زوجها، قبل الدخول أو بعده،لم ينفسخ النكاح في قول عامتهم.
" المبدع " (٧ / ٧٠) .
وقال ابن قدامة في:
وإن زنت امرأة رجل، أو زنى زوجها: لم يفسخ النكاح سواء كان قبل الدخول أو بعده.
" المغني " (٧ / ١٠٨) .
وقال الشنقيطي – ﵀:
اعلم أن من تزوج امرأة يظنها عفيفة، ثم زنت، وهي في عصمته: أن أظهر القولين: أن نكاحها لا يُفسخ، ولا يحرم عليه الدوام على نكاحها، وقد قال بهذا بعض من منع نكاح الزانية، مفرقاً بين الدوام على نكاحها، وبين ابتدائه.
واستدل من قال هذا بحديث عمرو بن الأحوص الجشمي ﵁، أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ ، فحمد الله، وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال: «استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان ليس تملكون منه شيئاً غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة؛ فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً» .
قال الشوكاني في حديث عمرو بن الأحوص هذا: أخرجه ابن ماجه والترمذي وصححه، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة عمرو بن الأحوص المذكور، وحديثه في الخطبة صحيح ا. هـ.
وحديثه في الخطبة هو هذا الحديث بدليل قوله " فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ "، وهذا التذكير والوعظ هو الخطبة كما هو معروف ... .
وبه تعلم: أن قول من قال: إن من زنت زوجته، فسخ نكاحها، وحرمت عليه: خلاف التحقيق، والعلم عند الله تعالى.
" أضواء البيان " (٦ / ٨٢، ٨٣) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – في عدم سقوط المهر -:
ولا يسقط المهر بمجرد زناها، كما دلَّ عليه قول النبي ﷺ للملاعن لما قال " مالي، قال: لا، مال لك، عندها إن كنت صادقا عليها فهو بما استحللتَ من فرجها، وإن كنت كاذباً عليها فهو أبعد لك "؛ لأنها إذا زنت قد تتوب، لكن زناها يبيح له إعضالها، حتى تفتدي منه نفسها إن اختارت فراقه أو تتوب.
" مجموع الفتاوى " (١٥ / ٣٢٠) .
وانظر جواب السؤال رقم (٨٣٦١٣) .
رابعاً:
من ثبت عنده زنا زوجته باعترافها فطلقها: فالواجب عليه إعطاؤها كامل حقوقها، فإن لم يرغب بإعطائها حقوقها: فيجوز له التضييق عليها – عضلها – لتفتدي نفسها بالخلع، فيطلب إرجاع ما دفع لها من مهر، ويطلب زيادة إن شاء – على خلافٍ في الزيادة -.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) النساء/١٩.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
ولهذا جاز للرجل إذا أتت امرأته بفاحشة مبينة أن يعضلها لتفتدي نفسها منه، وهو نص أحمد، وغيره؛ لأنها بزناها طلبت الاختلاع منه، وتعرضت لإفساد نكاحه، فإنه لا يمكنه المقام معها حتى تتوب.
" مجموع الفتاوى " (١٥ / ٣٢٠) .
قال ابن كثير – ﵀:
وقوله: (إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) قال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المُسَيَّب، والشَّعْبِيُّ، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن جُبَيْرٍ، ومجاهد، وعِكْرَمَة، وعَطاء الخراسانيّ، والضَّحَّاك، وأبو قِلابةَ، وأبو صالح، والسُّدِّي، وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي هلال: يعني بذلك الزنا، يعني: إذا زنت: فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها، وتُضَاجرهَا حتى تتركه لك وتخالعها، كما قال تعالى في سورة البقرة: (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) البقرة/٢٢٩.
وقال ابن عباس، وعكرمة، والضحاك: الفاحشة المبينة: النُّشوز والعِصْيان.
واختار ابن جرير – أي: الطبري - أنَّه يَعُم ذلك كلَّه: الزنا، والعصيان، والنشوز، وبَذاء اللسان، وغير ذلك.
يعني: أن هذا كله يُبيح مضاجرتها حتى تُبْرئه من حقها، أو بعضه، ويفارقها، وهذا جيِّد، والله أعلم.
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٢٤١) .
وقال الشيخ الشنقيطي ﵀:
قوله تعالى: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ) الآية: صرَّح تعالى في هذه الآية الكريمة بالنهي عن إمساك المرأة مضارة لها لأجل الاعتداء عليها بأخذه ما أعطاها؛ لأنها إذا طال عليها الإضرار افتدت منه ابتغاء السلامة من ضرره.
وصرَّح في موضع آخر بأنها إذا أتت بفاحشة مبينة جاز له عضلها، حتى تفتدى منه، وذلك في قوله تعالى: (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ُلِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ) النساء/١٩، واختلف العلماء في المراد بالفاحشة المبينة:
فقال جماعة منهم هي: الزنا، وقال قوم هي: النشوز والعصيان وبذاء اللسان.
والظاهر: شمول الآية للكل، كما اختاره ابن جرير، وقال ابن كثير: إنه جيد؛ فإذا زنت، أو أساءت بلسانها، أو نشزت: جازت مضاجرتها، لتفتدي منه بما أعطاها على ما ذكرنا من عموم الآية.
" أضواء البيان " (١ / ١٨٩) .
وانظر جواب السؤال رقم (٤٢٥٣٢) .
خامساً:
الخلاصة:
١. اعلم أن ما فعلته زوجتك من تلك الأفعال المخالفة للشرع أمورٌ منكرة، وهي تستحق عليها الوعيد، ونسأل الله أن تكون تابت منها.
٢. وكذلك أهلها، فإنهم يأثمون لعلمهم وسكوتهم على تلك العلاقة الآثمة، ومن يرى في أهله السوء ـ كهذا ـ ثم يسكت عليه ديوث، مستحق للوعيد؛ عن عبدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (ثَلَاثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْجَنَّةَ مُدْمِنُ الْخَمْرِ وَالْعَاقُّ وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخَبَثَ) رواه أحمد (٥٣٤٩) وصححه الألباني.
٣. ولا يجوز لك ادعاء الزنا على زوجتك السابقة لوجود علاقة بينها وبين ذلك الأجنبي؛ لما بيناه لك سابقاً.
٤. ولو فُرض أنها وقعت في الزنا: فإن عقدك عليها لم ينفسخ، ومهرها لم يسقط، بل هي تستحقه منك كاملاً.
٥. وإذا ثبت عندك زناها: فيجوز لك التضييق عليها حتى ترجع ما أعطيته لها، وهي – بالطبع – في هذه الحال لا تستحق مؤخر صداقها.
٦. وبما أنه لم يثبت زناها، وأنت لم تضيِّق عليها، بل بادرتَ لتطليقها: فإنها تستحق مهرها كاملاً.
٧. وقد أحسنتَ في تطليقها، فلا تقلق من فعلك هذا، ولا تجعل لها مجالاً للتفكير.
٨. ننصحك بعدم الالتفات للوراء، فهي أجنبية عنك، ولا حق لك عندها، وأنت متزوج فانظر أمامك، والتفت لنفسك وزوجتك الجديدة، ولا تحزن على ما فات، واجتهد في تربية نفسك وزوجتك على طاعة الله، وما فعلتَه هو الصواب إن شاء الله، فدع الانشغال بماضٍ أليم، ليس في التفكير فيه سوى إضاعة الوقت، والتسبب بالقلق.
نسأل الله تعالى أن يوفقك في حياتك الجديدة، وأن يكتب لك السعادة، وأن يرزقك الذرية الصالحة.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15605
مريض نفسي ويعاني من الوسواس في الطهارة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب أعاني من مرض نفسي أظن أنه الوسواس فبعض الأيام استيقظت من نومي فشككت هل أجنبت أم لا؟ فتمعنت في ملابسي الداخلية فخيل لي أني على جنابة، فلم أكترث الأمر ولم أغتسل، لكن مع زوال اليوم بدأ الوسواس فماذا أفعل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا: خير علاج للوسوسة هو الإعراض عنها، وعدم الالتفات إليها، وألا يهتم الإنسان بما يلقيه الشيطان في نفسه من الشك في طهارته أو صلاته....ونحو ذلك.
مع الإكثار من دعاء الله تعالى وسؤاله العافية، والاستعانة به في قهر الشيطان.
وانظر جواب السؤال رقم (٦٢٨٣٩) .
ثانياً:
الأصل أن الإنسان باقٍ على طهارته، فلا يجب عليه الاغتسال إلا إذا تيقن أنه أجنب، فما دام لم يتيقن لم يلزمه الاغتسال، حتى لو غلب على ظنه أنه أجنب.
وقد شكي للرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلُ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: (لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا) رواه البخاري (١٣٧) ومسلم (٣٦١) . والمراد: حتى يتيقن أنه أحدث.
فالذي يظهر أنه لا يلزمك الاغتسال ما دمت لم تتيقن أنك أجنبت.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15606
يهدده بالانتحار إن لم يفعل به الفاحشة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب أبلغ من العمر ٢٤ عاماً، وتربطني علاقة مع شاب بلغ من العمر ٢٩، وعمر صداقتنا حوالي ١٠ سنوات تقريبا , في البداية كانت العلاقة على ما يرام، ولم تكن هناك أي مشاكل، وما إن وصل عمر صداقتنا إلى الخمس سنوات حتى انقلبت الدنيا على رأسي، وبدأ صديقي يطلب مني أن يلامسني جنسيّاً! ورفضت، وقاومت، رغم الضغوط التي واجهني بها، وكنت أتحملها، ولكن بعد فترة قام يهددني بالانتحار، وبالفعل حاول فعلها مرات عديدة عندما رفضت الفعل الذي يريده، ولكنني لم أصمد تجاه ما أراده، فقد شاهدته يسكب البنزين، ويشعل النار، ويهددني، ولولا رضوخي وبكائي لفعلها! وبين كل فترة يعيد نفس الفعل، ويقول لي هذه آخر مرة، وأعدك بأن أترك هذا الفعل، ولكن بعد فترة يخون، ولا يترك الفعل المشين هذا، وأقوم بمقاومته، ولكن يواجهني بالانتحار، فمرة يسكب الزيت لكي يحرق نفسه، ومرة يشرب الغراء – مادة لاصقة -، ومرة يريد أن يرمي نفسه من فوق المنزل، ومرة بالسكين..... الخ، وكل مرة يقول: إني سأترك، ولا يترك هذا الفعل، فلا أعلم هل هو مريض نفسيّاً أو مصاب بسحر، أو، أو، والعلم عندكم، فأنا كرهته، ولا أريد أن أصاحبه، ولولا تهديده بالانتحار لتركته، ولكنه يهددني دائما بالانتحار، ودائما يحاول أمام عيني أن ينتحر، ولكنني أمتنع، واخضع لطلباته الجنسية. فأرجو منكم النظر في مشكلتي، ومساعدتي في أقرب وقت ممكن؛ لان التأخر قد يجعل حياته وحياتي في خطر. أرجوك دكتور أن تعالجني.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إنا لله وإنا إليه راجعون، من يعش في هذا الزمان يسمع ويرى عجباً، ونحن في غاية العجب منك أخي السائل عندما تريد منا النصيحة والمشورة، فهل ستظننا نوافق على أن تبذل عرضك لمجرم خسيس الهمة، منتكس الفطرة؟! وهل سننصحك بالبقاء معه ومصاحبته؟! .
إن الذي يلزمك الآن ودون أدنى تردد أن تهجر هذا المجرم الخسيس، وألا ترى عينك عينه.
واعلم أن ما فعلتَه من تسليم نفسك له منكر شنيع، وكبيرة من كبائر الذنوب، وأنه لا عذر لك في كونه سينتحر، وهل حياة ذلك الخسيس أعظم عندك من عرضك؟! إنه مستحق للقتل أصلاً من أول مرة فعل ذلك الفعل الشنيع، ولو أنه انتحر وقتل نفسه لكان في ذلك إراحة للمجتمع من شره، وإن كانت توبته أحب إلينا، لكننا لا نراه حريصاً عليها ولا مهتما بها.
فاعلم أيها السائل أن هذا الرجل لو قتلك أنت فهو خير لك من مثل هذه الحياة التي تميتك في كل لحظة، فكيف لا ترضى أن يكون المقتول هو نفسه؟! .
قال ابن كثير ﵀:
ولأن يُقتل المفعول به خير من أن يُؤتى في دبره؛ فإنه يُفسَد فساداً لا يُرجى له بعده صلاح أبداً، إلا أن يشاء الله.
" البداية والنهاية " (٩ / ١٨٤) .
وقال ابن القيم ﵀:
ولَأَن يقتل المفعول به خيرٌ له من أن يُؤتى؛ فإنه يَفسد فساداً لا يرجى له بعده صلاح أبداً، ويَذهب خيرُه كله، وتمص الأرضُ ماء الحياء من وجهه، فلا يستحيي بعد ذلك لا من الله ولا من خلقه، وتعمل في قلبه وروحه نطفة الفاعل ما يعمل السم في البدن.
" الجواب الكافي " (ص ١١٥) .
وقال أيضاً:
وقتل المفعول به خيرٌ له من وطئه؛ فإنه إذا وطئه الرجل قتله قتلاً لا تُرجي الحياة معه، بخلاف قتله؛ فإنه مظلوم شهيد، وربما ينتفع به في آخرته.
" الجواب الكافي " (ص ١١٩) .
لكن هذا لا يعني أن الله تعالى لا يقبل توبتك، بل إننا نذكر لك هذا لنبين لك عظَم ما اقترفت من ذنب، وقبح ما فعلتَ من معصية، حتى إن بعض العلماء يقول بأنه لا يدخل الجنة مفعول به! .
قال ابن كثير ﵀:
وقد اختلف الناس: هل يدخل الجنة مفعول به؟ على قولين، والصحيح في المسألة أن يقال: إن المفعول به إذا تاب توبة صحيحة نصوحاً، ورُزق إنابةً إلى الله وصلاحاً، وبدَّل سيئاته بحسنات، وغسل عنه ذلك بأنواع الطاعات، وغض بصره، وحفظ فرجه، وأخلص معاملته لربه: فهذا - إن شاء الله - مغفور له، وهو من أهل الجنة، فإن الله يغفر الذنوب للتائبين إليه (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الحجرات/١١، (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) المائدة/٣٩، وأما مفعول به صار في كبَره شرّاً منه في صغره: فهذا توبته متعذرة، وبعيدٌ أن يؤهل لتوبة صحيحة، أو لعمل صالح يمحو به ما قد سلف، ويخشى عليه من سوء الخاتمة، كما قد وقع ذلك لخلقٍ كثيرٍ ماتوا بأدرانهم وأوساخهم، لم يتطهروا منها قبل الخروج من الدنيا، وبعضهم خُتم له بشرِّ خاتمة، حتى أوقعه عشق الصور في الشرك الذي لا يغفره الله.
وفي هذا الباب حكايات كثيرة وقعت للوطية وغيرهم من أصحاب الشهوات، يطول هذا الفصل بذكرها.
" البداية والنهاية " (٩ / ١٨٤) .
والواجب عليك بعد هجره بالكلية: أن تتوب إلى الله تعالى توبة صادقة لا شائبة فيها، ومن تمام توبتك البعد عنه محادثته ومراسلته ومشاهدته، والواجب عليك – أيضاً – تحذير الذين يعرفهم ويصاحبهم من شره وكيده، ولو بإخبار آبائهم وأهاليهم، وليكن ذلك من غير طريقك لسببين: الأول: أن لا يتعرض لك بالأذى والضرر، والثاني: أنه قد يتكلم في عرضك، ويفضحك بين الذين تحذِّرهم منه، وليس ذلك عنه ببعيد.
ونسأل الله تعالى أن يوفقك لتوبة صادقة، وأن ييسر لك الهدى والتوفيق، وأن يطهر قلبك وجوارحك من الإثم والعصيان.
وانظر جواب السؤال رقم (٢٧١٧٦) ففيه أربع مسائل هي: قبح وشناعة فاحشة اللواط، والآثار المترتبة عليها من حيث المخاطر الصحية، وبيان سعة رحمة الله للتائبين، وطرق العلاج لمن ابتلي بهذه الفاحشة.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15607
تقصير الزوج في حقوق زوجته بسبب مرضه البدني والنفسي
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا متزوجة منذ سنتين ونصف تقريباً، وزوجي لا يقربني إلا كل ثلاثة أو خمسة شهور تقريباً، متعللاً دوماً إما بالمرض، أو السحر، أو عدم الاستقرار المالي، ولا يتودد نهائيّاً لي، وكلما صارحته بالأمر أوجد الأعذار الجاهزة، مع العلم أنه لا يعاني شيئاً كما يقول، ويرفض الذهاب للطبيب، حتى أخبرت عائلته بالموضوع، وأيضاً لم يجدوا أي فائدة من الكلام معه، وهو يضغط عليَّ من أجل العلاج للحمل، ولا أعلم كيف سيحصل، أنا متعبة جدّاً، ولا أعلم ما أفعل، إن علم أهلي بموضوعي سيكون الطلاق أكيداً، ومع العلم أننا ذهبنا إلى العديد من شيوخ الدين، وكلهم أجمعوا على وجود نفْس أصابتنا، ولم ينفع معنا شيء، وبصراحة أنا أخاف من القيام بالفاحشة. أرجو منكم إطلاعي ما يتوجب عليَّ عمله، وفي حالة الطلاق ما هي حقوقي؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أوجب الله تعالى على الزوج معاشرة زوجته بالمعروف، فقال تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) النساء/١٩، وهو من الحقوق المشتركة، فيجب على كل واحدٍ من الزوجين معاشرة صاحبه بالمعروف.
ولكل واحدٍ من الزوجين حق على الآخر، وقد فصلنا القول في حقوق الزوجين بعضهما على بعض في جواب السؤال (١٠٦٨٠) .
ومن حقوق الزوجة على زوجها: إعفافها بالوطء، وهو واجب على القادر، وهو قول جمهور العلماء.
جاء في " الموسوعة الفقهية " (٣٠ / ١٢٧) :
" من حقّ الزّوجة على زوجها أن يقوم بإعفافها، وذلك بأن يطأها، وقد ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة - إلى أنّه يجب على الزّوج أن يطأ زوجته " انتهى.
وقد اختلف العلماء في الحد الذي يجب فيه على الزوج جماع زوجته، وأصح الأقوال أنه ذلك يتبع حاجتها وقدرته.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
عن الرجل إذا صبر على زوجته الشهر والشهرين لا يطؤها، فهل عليه إثم أم لا؟ وهل يطالب الزوج بذلك؟ .
فأجاب:
يجب على الرجل أن يطأ زوجته بالمعروف، وهو من أوكد حقها عليه، أعظم من إطعامها، والوطء الواجب قيل: إنه واجب في كل أربعة أشهر مرة، وقيل: بقدر حاجتها وقدرته، كما يطعمها بقدر حاجتها وقدرته، وهذا أصح القولين.
" مجموع الفتاوى " (٣٢ / ٢٧١) .
وقد يكون زوجك تعرض لأمراضٍ نفسيَّة أو عضويَّة، وهو ما سبَّب له نفوراً من الجماع أو التودد، وليس لكِ الجزم بعدم وجود ذلك عنده، وبخاصة أنكِ تقولين إن المشايخ الذين اطلعوا على حالتكما رأوا أنه قد أصابتكما عينٌ – وتسمَّى " النفْس " -، فلا يبعد أن تكون تلك العيْن هي التي تسببت في سلوكه المتغير.
سئل الدكتور عبد الله السدحان – وهو أحد المختصين في أمور الرقية، ورسالته للدكتوراة كانت بعنوان " دراسة مقارنة عن الرقية الشرعية " -:
هل تسبِّب العين أمراضاً عضوية ومشكلات مادية أو اجتماعية؟ .
فأجاب:
نعم، تتسبَّب العين في عدم شفاء كثير من الأمراض العضوية، بل واستفحالها، وكذلك المشكلات المادية، والزوجية، والقطيعة، وكثير من المصائب، كيف وقد قال النبي ﷺ : (أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالعين) ، فما دون الموت من المصائب أولى أن تُلحق بالعين.
عن " مجلة الدعوة " العدد (٢٠١٨) ، ١٥ شوال ١٤٢٦هـ، ١٧ نوفمبر ٢٠٠٥ م.
ومن واجب الزوجة الصالحة أن تقف مع زوجها في مثل هذه الأحوال، فهو أحوج ما يكون لمن يسانده، ويعينه في علاجه، حتى يكتب الله له الشفاء، وإذا كان ما أصابه سببه الظروف المادية، والحياة الاجتماعية: فإنك تستطيعين كسب قلبه بالتجمل له، والتودد إليه، والتلطف معه، فأنتِ سكنه، وقد جعل الله بين الزوجين من المودة والرحمة ما يسهِّل عليك الوصول إلى قلبه، والتخفيف عنه ما يعانيه من ضغط الحال.
ولتعلمي أن الرجل ليس كالمرأة، فالمرأة تستطيع تلبية حاجة زوجها الجنسية في كل أحوالها، إلا أن تكون مريضة أو حائضاً أو نفساء، والرجل لا يستطيع ذلك إلا أن يكون نشيطاً وله رغبة في الجماع، ولذا لم يوجب الشرع عليه العدل في الجماع بين زوجاته؛ لأن هذا يتبع النشاط والرغبة والقوة، ولذا – أيضاً – جاء الوعيد في الامتناع عن الفراش للزوجة دون الزوج.
وأما قولك! إنك تخافين من الوقوع في الفاحشة فإنه ينبغي لك الصبر والتحمل وإعانة زوجك حتى يشفيه الله، فإن لم يمكنك الصبر فلك الحق في طلب الطلاق.
وعلى زوجكِ المسارعة في علاج نفسه، ولا ينبغي له التردد في ذلك أو التهاون والكسل، فهو – بحسب كلامك – واقع في التفريط في حق زوجته، وللزوجة حقها في الإعفاف، فإن كان قادراً فليفعل، وإلا فليطلِّقها، وليسرحها سراحاً جميلاً، إن كانت لا تستطيع الصبر على مرض زوجها.
وفي جواب السؤال رقم (١١٣٥٩) ذكرنا كيفية الوقاية من العين، والعلاج منها، فلينظر.
ونرى أن عرض قضيتك على قاضٍ شرعي هو الأولى، فهو الذي يستطيع إثبات حقيقة حالة زوجك، وطلب التقارير الطبية، وهو الذي يحكم بعد ذلك في مسائل الطلاق والحقوق.
ونوصيك بالصبر على ما أنتِ فيه من حال، وأن تقفي مع زوجك في مرضه، وأن تساهمي في البحث عن علاجه، سواء عند أطباء، ولو كانوا أطباء نفسيين، وعرضه على مشايخ ثقات لمعرفة سبب تصرفاته، فقد يكون فعلاً مصاباً بالعين.
نسأل الله أن يصلح أحوالكما.
والله اعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15608
زوجته لا تقبل النصيحة فما هو الحل معها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[تزوجت قبل أربع سنوات، كانت زوجتي لا تطبق أياًّ من شعائر الدين، كانت ضد الحجاب والنقاب تماماً، وكانت لا تغطي حتى رأسها، عندما طلبت منها الحجاب رفضت وقالت بأنها متعلمة وتعرف الخطأ من الصواب، لم أفقد الأمل وبقيت أحاول أن أقنعها وأخوفها بعظمة الله، الآن وبعد ٤ سنوات هناك تحسن بسيط، بدأت تضع الحجاب، تغطي به رأسها وصدرها فقط ولكنها حتى الآن ليست مقتنعة بالنقاب، أصبحت تصلي وتقرأ القرآن وتخطيء فيه (نطق الكلمات غير سليم) ، ليست لديها الرغبة في تعلم قراءة القرآن، لا تبالي في تعلم أمور الدورة الشهرية وتخلط الأيام وتترك الصلاة يوماً أو يومين بعد انقضاء الدورة، لا تأخذ برأي أحد وتعتبر أن قرارها نهائي.
ما هو التصرف الذي أتخذه معها إذا كانت لا تتحمل أي كلام أو تصرف قاس؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لاشك أخي السائل أن زوجتك مقيمة على خطأ عظيم جداً، نسأل الله لها الهداية، وأخطر ما ذكرت عنها هي مسألة التهاون بشأن الصلاة، لأن تركها يقود والعياذ بالله إلى الخروج من الملة والدين، لقول النبي ﷺ (بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة) رواه مسلم ٨٢، وهذا فيمن تركها بالكلية، وإن كان بعض العلماء ﵏ يرى كفر من ترك صلاة واحدة حتى خرج وقتها، انظر المغني (٣/٣٥٤) ، وهذا يدل على خطورة الأمر وهوله.
وقد قمت بما يجب عليك تجاه زوجتك من التوجيه والنصح الذي ظهرت ثمرته، وإن كانت ليست كاملة، ولكنها خطوة إيجابية تدل على وجود خير في زوجتك واستعداد لتغيير الباقي، نعم قد يكون ذلك بطيئاً ولكنه ممكن، فأنت ترى أنها في بداية الأمر لم تكن مقتنعة بالحجاب ولم تكن ترتدي منه شيئاً، ولكنها بعد تلك المساعي النبيلة منك أصبحت ترتدي شيئاً منه، وإن لم يكن ذلك كاملاً على ما ينبغي، ولكن هذه بارقة أمل ودلالة على خير مكنون، يمكنك أن تجليه لتفعل ذلك عن اقتناع ورغبة على وجه الكمال مع مرور الأيام ومواصلة المجهود، وهذا يعني أنه لابد من الاستمرار في نصحها وإرشادها، وعدم الانقطاع في ذلك، وأنت مأجورٌ مثاب على ذلك، قال النَّبِيُّ ﷺ : (لأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ) رواه البخاري برقم (٦)
ذَكِّرْهَا بالله دائماً وخَوِّفْهَا به وعَلِّمْهَا منزلةَ الصلاة في الإسلام وأنها يجب عليها أن تتعلم ما له صلة بالصلاة مثل أحكام الحيض والنفاس، إذ يجب على كل من طهرت من حيضها أو نفاسها أن تبادر إلى الغسل إذا حانت الصلاة، حاول أن تناولها الكتب النافعة في ذلك مثل رسالة الشيخ ابن عثيمين ﵀ في الدماء الطبيعية للنساء، أو بعض الأشرطة النافعة. ويمكنك أن تساعدها على ذلك بأن تجلس وتقرأ معها، أو تستمع إلى الشريط معها. فإن هذا من التعاون على البر والتقوى.
وأما ما ذكرته من الخطأ في القراءة، فهذا إن كان في قراءتها للفاتحة في الصلاة وكان هذا الخطأ يحيل المعنى ويغيره كما لو قرأت " أنعمتَ " بكسر التاء " أنعمت ِ" أو أي خطأ إذا سمعه السامع فهم منه معنى آخر غير المعنى الصحيح المراد من الآية فهذا يجب عليها أن تتعلمه جيداً لأن مثل هذا الخطأ يبطل الصلاة لأن قراءة الفاتحة ركنٌ في الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها، أما إن كان الخطأً لا يغير المعنى كما لو قرأت "الرحمنِ الرحيمِ" بالضم " الرحمنُ الرحيمُ " فهذا لا يبطل الصلاة.
والواجب على المسلم أن يتعلم قراءة القرآن حتى يقرأه قراءة صحيحة، ولا يقع في تحريف القرآن وهو لا يشعر.
وعليك أن تعينها على ذلك إما أن تعلمها أنت بنفسك، وإما أن تدلها على ما يفيدها في ذلك مثل أشرطة القرآن للقراء المعروفين بحسن التلاوة والتجويد، كما ينبغي لك أن تبين لها فضل قراءة القرآن الكريم، وما فيه من الأجر والمثوبة.
وبالجملة فالواجب عليك أن تستمر في تعليمها وتوجيهها، وتصبر على ذلك، ولا تقل لم تستجب مع طول المدة وبذل الجهد إلا شيئاً قليلاً، فإن هذا القليل يبارك الله فيه، ولنا في أنبياء الله تعالى الأسوة الحسنة، فهذا نوح ﵇ مكث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين، قال الله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) العنكبوت / ١٤. ومع ذلك لم يؤمن معه إلا قليلٌ من قومه.
حَبِّبْ إليها تَعَلُّمَ أمورِ دينها بتسهيلها لها، شَجِّعْهَا إن رأيت منها تجاوباً ولو كان شيئاً قليلاً، واعلم أنك قدوة عندها، فراقب أقوالك وأفعالك، وإياك أن تأمرها بأمر ثم تكون أول المخالفين له، أو تنهاها عن أمر وتكون أول الفالين له، فإن هذا يمنعها من قبول توجيهك أو يؤخر ذلك.
وعليك بالرفق في نصحها وإرشادها، فإن النبي ﷺ يقول: (إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ) رواه مسلم (٢٥٩٣) .
وعليك أن تكثر من الدعاء والتضرع إلى الله أن يشرح صدرها لطاعته ويحبب إليها دينه وشرعه.
وأسأل الله أن يوفقك لك خير.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15609
طرق النجاح في الحياة
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف أحصل على النجاح والتوفيق "أو الازدهار أو الرخاء" في الدنيا والآخرة.. وما نوع النجاح والازدهار الذي يريده الإسلام للأمة الإسلامية في هذا العالم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فإن راحة القلب وطمأنينته، وسروره وزوال همومه وغمومه، هو المطلب لكل أحد، وبه تحصل الحياة الطيبة، ويتم السرور والابتهاج، ولذلك أسباب دينية، وأسباب طبيعية، وأسباب عملية، ولا يمكن اجتماعها كلها إلا للمؤمنين، وأما من سواهم فإنها وإن حصلت لهم من وجه فاتتهم من وجوه أخرى.
وبين يديك - أيها القارئ – جملة من الأسباب لهذا المطلب الأعلى الذي يسعى له كل أحد، فمنهم من أصاب كثيراً منها فعاش عيشة هنيئة، وحيي حياةً طيبة، ومنهم من أخفق فيها كلها فعاش عيشة الشقاء، وحيي حياة التُعساء، ومنهم من هو بين بين، بحسب ما وفق له. فمن تلك الأسباب والوسائل:
١- الإيمان والعمل الصالح....
وهو أعظم الأسباب وأصلها وأُسها؛ قال تعالى: (من عمل صالحاً من ذكر أو أُنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياةً طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) النحل/ ٩٧ فأخبر تعالى ووعد من جمع بين الإيمان والعمل الصالح بالحياة الطيبة والجزاء الحسن في الدنيا والآخرة.
وسبب ذلك واضح: فإن المؤمنين بالله – الإيمان الصحيح المثمر للعمل الصالح المصلح للقلوب والأخلاق والدنيا والآخرة – معهم أصول وأُسس يتلقون فيها جميع ما يرد عليهم من أسباب السرور والابتهاج، وأسباب القلق والهم والأحزان..
فيتلقون المحاب والمسارّ بقبولٍ لها، وشكر عليها، واستعمال لها فيما ينفع، فإذا استعملوها على هذا الوجه أحدث لهم من الابتهاج بها، والطمع في بقائها وبركاتها، ورجاء ثواب الشاكرين، أموراً عظيمة تفوق بخيراتها وبركاتها هذه المسرَّات التي هذه ثمراتها، ويتلقون المكاره والمضار والهم والغم بالمقاومة لما يمكنهم مقاومته، وتخفيف ما يمكنهم تخفيفه، والصبر الجميل لما ليس لهم منه بُدٌّ، وبذلك يحصل لهم من آثار المكاره من المقاومات النافعة، والتجارب والقوة، ومن الصبر واحتساب الأجر والثواب أمورٌ عظيمة تضمحل معها المكاره، وتحل محلها المسار والآمال الطيبة، والطمع في فضل الله وثوابه، كما عبَّر النبي ﷺ عن هذا في الحديث الصحيح فقال: " عجباً لأمر المؤمن إن أمره كلَّه خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن " رواه مسلم رقم (٢٩٩٩) .
فأخبر النبي ﷺ أن المؤمن يتضاعف غنمه وخيره وثمرات أعماله في كل ما يطرقه من السرور والمكاره.
٢- الإحسان إلى الخلق بالقول والفعل وأنواع المعروف ... وهذا من الأسباب التي تزيل الهم والغم والقلق، وبها يدفع الله عن البَرِّ والفاجر الهموم والغموم بحسبها، ولكن للمؤمن منها أكمل الحظ والنصيب، ويتميز بأن إحسانه صادر عن إخلاص واحتساب لثوابه فيُهون الله عليه بذل المعروف لما يرجوه من الخير، ويدفع عنه المكاره بإخلاصه واحتسابه، قال تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاحٍ بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً) النساء/١١٤ ومن جملة الأجر العظيم: زوال الهم والغم والأكدار ونحوها.
٣- ومن أسباب دفع القلق الناشئ عن توتر الأعصاب، واشتغال القلب ببعض المكدرات: الاشتغال بعمل من الأعمال أو علم من العلوم النافعة، فإنها تلهي القلب عن اشتغاله بذلك الأمر الذي أقلقه، وربما نسي بسبب ذلك الأسباب التي أوجبت له الهم والغم، ففرحت نفسه وازداد نشاطه، وهذا السبب أيضاً مشترك بين المؤمن وغيره، ولكن المؤمن يمتاز بإيمانه وإخلاصه واحتسابه في اشتغاله بذلك العلم الذي يتعلمه أو يعلمه، وبعمل الخير الذي يعمله.
وينبغي أن يكون الشغل الذي يشتغل فيه مما تأنس به النفس وتشتاقه فإن هذا أدعى لحصول المقصود النافع والله أعلم.
٤- ومما يُدفع به الهم والقلق اجتماع الفكر كله على الاهتمام بعمل اليوم الحاضر، وقطعه عن الاهتمام في الوقت المستقبل، وعن الحزن على الوقت الماضي، ولهذا استعاذ النبي ﷺ من الهم والحزن، فالحزن على الأمور الماضية التي لا يمكن ردها ولا استدراكها، والهم الذي يحدث بسبب الخوف من المستقبل، فيكون العبد ابن يومه، يجمع جِدَّه واجتهاده في إصلاح يومه ووقته الحاضر، فإن جم القلب على ذلك يُوجب تكميل الأعمال، ويتسلى به العبد عن الهم والحزن، والنبي ﷺ إذا دعا بدعاء أو أرشد أمته إلى دعاء، فهو يحث مع الاستعانة بالله والطمع في فضله على الجد والاجتهاد في التحقق لحصول ما يدعو بحصوله، والتخلي عما كان يدعو لدفعه؛ لأن الدعاء مقارنٌ للعمل، فالعبد يجتهد فيما ينفعه في الدين والدنيا، ويسأل ربه نجاح مقصده، ويستعينه على ذلك كما قال ﷺ : " احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإذا أصابك شيءٌ فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان " رواه مسلم. جمع ﷺ بين الأمر بالحرص على الأمور النافعة في كل حال، والاستعانة بالله وعدم الانقياد للعجز الذي هو الكسل الضار، وبين الاستسلام للأمور الماضية النافذة، ومشاهدة قضاء الله وقدره، وجعل الأمور قسمين:
١- قسم يمكن العبد السعي في تحصيله أو تحصيل ما يمكن منه أو دفعه أو تخفيفه فهذا يبذل فيه العبد مجهوده ويستعين بمعبوده.
٢- وقسم لا يمكن فيه ذلك فهذا يطمئن له العبد ويرضى ويُسلم.
ولا ريب أن مراعاة هذا الأصل سبب للسرور وزوال الهم والغم.
٥- ومن أكبر الأسباب لانشراح الصدر وطمأنينته الإكثار من ذكر الله، فإن لذلك تأثيراً عجيباً في انشراح الصدر وطمأنينته، وزوال همه وغمه، قال تعالى: " ألا بذكر الله تطمئن القلوب " الرعد/٢٨ فلذكر الله أثرٌ عظيمٌ في حصول هذا المطلوب لخاصيته، ولما يرجوه العبد من ثوابه وأجره.
٦- ومن الأسباب الموجبة للسرور وزوال الهم والغم، السعي في إزالة الأسباب الجالبة للهموم، وفي تحصيل الأسباب الجالبة للسرور، وذلك بنسيان ما مضى عليه من المكاره التي لا يمكنه ردها، ومعرفته أن اشتغال فكره فيه من باب العبث والمحال، فيُجاهد قلبه عن التفكر فيها، وكذلك يجاهد قلبه عن قلقه لما يستقبله مما يتوهمه من فقر أو خوف أو غيرهما من المكاره التي يتخيلها في مستقبل حياته، فيعلم أن الأمور المستقبلة مجهولٌ ما يقع فيها من خير وشر، وآمال وآلام، وأنها بيد العزيز الحكيم، ليس بيد العباد منها شيء إلا السعي في تحصيل خيراتها، ودفع مضراتها، ويعلم العبد أنه إذا صرف فكره عن قلقه من أجل مستقبل أمره، واتكل على ربه في إصلاحه، واطمأن إليه في ذلك، إذا فعل ذلك اطمأن قلبه وصلحت أحواله وزال عنه همه وقلقه.
ومن أنفع ما يكون في ملاحظة مستقبل الأمور استعمال هذا الدعاء الذي كان النبي ﷺ يدعو به: " اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادةً لي في كل خير، والموت راحةً لي من كلِّ شر " رواه مسلم (٢٧٢٠) .
وكذلك قوله: " اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كلَّه، لا إله إلا أنت " رواه أبو داود بإسناد صحيح رقم ٥٠٩٠ وحسنه الألباني في صحيح الكلم الطيب ص ٤٩. فإذا لهج العبد بهذا الدعاء الذي فيه صلاح مستقبله الديني والدنيوي بقلب حاضر، ونيةٍ صادقة، مع اجتهاده فيما يُحقق ذلك، حقق الله له ما دعاه ورجاه وعمل له، وانقلب همه فرحاً وسروراً.
٧- إذا حصل لإنسان قلق وهموم بسبب النكبات، فإن من أنفع الأسباب لزوالها أن يسعى في تخفيفها عن نفسه بأن يُقدر أسوأ الاحتمالات التي ينتهي إليها الأمر , ويوطن على ذلك نفسه، فإذا فعل ذلك فليَسْعَ إلى تخفيف ما يمكن تخفيفه بحسب الإمكان، فبهذا التوطين وهذا السعي النافع، تزول همومه وغمومه، ويكون بدل ذلك السعي في جلب المنافع، وفي رفع المضار الميسورة للعبد، فإذا حلت به أسباب الخوف , وأسباب الأسقام، وأسباب الفقر فليتلق ذلك بطمأنينة وتوطين للنفس عليها، بل على أشد ما يمكن منها، فإن توطين النفس على احتمال المكاره يهونها ويزيل شدتها، وخصوصاً إذا أشغل نفسه بمدافعتها بحسب مقدوره، فيجتمع في حقه توطين النفس مع السعي النافع الذي يشغل عن الاهتمام بالمصائب، ويُجاهد نفسه على تجديد قوته المقاومة للمكاره، مع اعتماده في ذلك على الله، وحسن الثقة به، ولا ريب أن لهذه الأمور فائدتها العظمى في حصول السرور وانشراح الصدور مع ما يؤمله العبد من الثواب العاجل والآجل، وهذا مُشاهد مُجرب، ووقائعه ممن جربه كثيرة جداً.
٨- قوة القلب وعدم انزعاجه وانفعاله للأوهام والخيالات التي تجلبها الأفكار السيئة؛ لأن الإنسان متى استسلم للخيالات، وانفعل قلبه للمؤثرات، من الخوف من الأمراض وغيرها، ومن الغضب والتشوش من الأسباب المؤلمة، ومن توقع حدوث المكاره وزوال المحاب، أوقعه ذلك في الهموم والغموم والأمراض القلبية والبدنية، والانهيار العصبي الذي له آثاره السيئة، التي قد شاهد الناس مضارها الكثيرة، ومتى اعتمد القلب على الله وتوكل عليه، ولم يستسلم لأوهام , ولا ملكته الخيالات السيئة، ووثق بالله، وطمع في فضله، اندفعت عنه بذلك الهموم والغموم، وزالت عنه كثير من الأسقام البدنية والقلبية، وحصل للقلب من القوة والانشراح والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، فكم ملئت المستشفيات من مرضى الأوهام والخيالات الفاسدة، وكم أثرت هذه الأمور على قلوب كثير من الأقوياء، فضلاً عن الضعفاء، وكم أدت إلى الحمق والجنون.
واعلم أن حياتك تبع لأفكارك، فإن كانت أفكاراً فيما يعود عليك نفعه في دين أو دنيا فحياتك طيبة سعيدة. وإلا فالأمر بالعكس.
والمُعافى من عافاه الله ووفقه لجهاد نفسه لتحصيل الأسباب النافعة المقوية للقلب، الدافعة لقلقه، قال تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) الطلاق/٣. أي كافيه جميع ما يُهمه من أمر دينه ودنياه، فالمتوكل على الله قوي القلب لا تؤثر فيه الأوهام، ولا تُزعجه الحوادث، لعلمه أن ذلك من ضعف النفس، ومن الخور والخوف الذي لا حقيقة له، ويعلم مع ذلك أن الله قد تكفل لمن توكل عليه بالكفاية التامة، فيثق بالله ويطمئن لوعده، فيزول همه وقلقه، ويتبدل عُسره يُسرا، وترحه فرحا، وخوفه أمنا، فنسأله تعالى العافية، وأن يتفضل علينا بقوة القلب وثباته، وبالتوكل الكامل الذي تكفل الله لأهله بكل خير، ودفع كل مكروه وضير.
وينبغي أيضاً إذا أصابه مكروه أو خاف منه أن يقارن بين بقية النعم الحاصلة له دينية أو دنيوية، وبين ما أصابه من مكروه فعند المقارنة يتضح كثرة ما هو فيه من النعم، واضمحلال ما أصابه من المكاره.
أنظر كتاب الوسائل المفيدة للحياة السعيدة للشيخ عبد الرحمن بن سعدي.
* وقد لخص ابن القيم خمسة عشر نوعاً من الدواء يذهب الله بها الهم والحزن وهي:
الأول: توحيد الربوبية.
الثاني: توحيد الإلهية.
الثالث: التوحيد العلمي الاعتقادي (وهو توحيد الأسماء والصفات) .
الرابع: تنزيه الرب تعالى عن أن يظلم عبده، أو يأخذه بلا سبب من العبد يوجب ذلك.
الخامس: اعتراف العبد بأنه هو الظالم.
السادس: التوسل إلى الرب تعالى بأحب الأشياء، وهو أسماؤه وصفاته، ومن أجمعها لمعاني الأسماء والصفات: الحي القيوم.
السابع: الاستعانة به وحده.
الثامن: إقرار العبد له بالرجاء.
التاسع: تحقيق التوكل عليه، والتفويض إليه، والاعتراف له بأن ناصيته في يده، يصرفه كيف يشاء، وأنه ماض فيه حكمه، عدل فيه قضاؤه.
العاشر: أن يرتع قلبه في رياض القرآن، ويتعزى به عن كل مصيبة، ويستشفي به من أدواء صدره، فيكون جلاء حزنه، وشفاء همه وغمه.
الحادي عشر: الاستغفار.
الثاني عشر: التوبة.
الثالث عشر: الجهاد.
الرابع عشر: الصلاة.
الخامس عشر: البراءة من الحول والقوة وتفويضهما إلى من هما بيده.
نسأل الله تعالى أن يعافينا من الهموم وأن يفرج عنا الكروب ويزيل عنا الغموم إنه هو السميع المجيب، وهو الحي القيوم.
أنظر للأهمية رسالة علاج الهموم – وهي موجودة في الموقع – قسم الكتب.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15610
لا يجد مكاناً نظيفاً للوضوء والصلاة فهل يؤخر الصلاة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أعمل في شركة جميع من فيها غير مسلمين وأنا المسلم الوحيد فيها، ولا يوجد مكان نظيف وملائم للوضوء خلال النهار، ولا يوجد مكان خاص للصلاة، هل يجوز أن أنتظر حتى أصل للبيت وأصلي الظهر والعصر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجب أن يعلم المسلم أهمية الصلاة، وضرورة المحافظة عليها من حيث أوقاتها وشروطها وأركانها وواجباتها، قال الله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ النساء / ١٠٣.
عن عبد الله بن مسعود قال: سألتُ النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله.
رواه البخاري (٥٠٤) ومسلم (٨٥) .
فلا يحل لمسلم أن يؤخر الصلاة عن وقتها، والوضوء لا يحتاج إلى مكانٍ نظيف ليفعله، ولو فرضنا أنه يحتاج له فإن على الأخ السائل أن يحتاط قبل مجيئه للعمل ويكون على وضوء ليصلي الصلاة في وقتها.
ويجب عليه أن يصلي الصلاة في وقتها، والبحث عن مكان نظيف ليؤدي الصلاة فيه ليس أمراً صعباً ولا متعسِّراً، والصلاة تصح في أي مكان من الأرض ما دام طاهراً، قال النبي ﷺ : (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) رواه البخاري (٣٣٥) ومسلم (٥٢١) ، ولم يستثن الشرع إلا أماكن معينة لا تصح الصلاة فيها، منها المقبرة والحمام، قال النبي ﷺ : (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) رواه أبو داود (٤٩٢) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
فمكان عمله الذي يعمل فيه هو مكان الصلاة إن كان طاهراً، فإن لم يتيسر فليبحث عن غيره، ولو أن يطلب من أصحاب العمل تخصيص زاوية يصلي بها فهو ليس من الأمور الصعبة والمتعذرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وإذا تعمَّد تأخير الصلاة حتى ضاق الوقت عن فعل شروطها وأركانها مثل أن تكون عليه نجاسة أو هو جنب وأخَّر الصلاة بحيث متى اشتغل بالطهارة خرج الوقت: فعليه أن يشتغل بالطهارة أيضاً، وهو آثم بفعلها في غير الوقت؛ لأنه كان يجب عليه الطهارة قبل ضيق الوقت والصلاة فيه، فمتى أخَّر ذلك: فعليه أن يفعله كما وجب عليه مع إثمه بالتأخير.
" شرح العمدة " (٤ / ٥٨) .
وإذا عجز عن شرط من شروط صحة الصلاة - كالطهارة - فإنه يصلي في الوقت ويسقط عنه هذا الشرط، ولا يجوز له تأخير الصلاة عن وقتها من أجل أن يحصل هذا الشرط.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
... لأن من خوطب بالصلاة في أول الوقت وهو عاجز عن شرط أو ركن في الحال، ويقدر على تحصيله بعد الوقت: لم يجز له تأخير الصلاة عن وقتها، ولو جاز هذا لكان من عجز عن الطهارة أو السترة أو الركوع أو السجود وغير ذلك من الشرائط والأركان يؤخر الصلاة إلى أن يقدر على ذلك إذا علم أو غلب على ظنه أنه يقدر على ذلك، وهذا خلاف الكتاب والسنة والإجماع؛ فإن رعاية الشرع للوقت أعظم من رعايته لجميع الشرائط والأركان المعجوز عنها، ولهذا لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها البتة للعجز عن بعض الأركان، ومتى ضاق وقت الوجوب عن تحصيل الشرط والفعل: قدم الفعل في الوقت بدون الشرط، وإنما تكون المحافظة على الشرط أولى إذا كان الوجوب في آخر الوقت، مثل نائم يستيقظ آخر الوقت فإن الصلاة واجب عليه حينئذ فعلها بشروطها كما لو استيقظ بعد الوقت.
" شرح العمدة " (٤ / ٣٤٧، ٣٤٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15611
تزوج بثانية وأسلما فماذا يفعل بزوجته الأولى ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[من صديق أسلم حديثاً:
رجل تزوج امرأة وله منها ولدان، سافر للعمل في السعودية وترك أولاده وزوجته في بلده، تعرف على امرأة في السعودية وتزوجها دون علم زوجته الأولى وأنجب منها ولدا، الزوجان اللذان يعملان في السعودية اعتنقا الإسلام، وبما أنهما جديدان في الدين الإسلامي فهما يخشيان أنهما قد اقترفا ذنباً فهل يمكن أن تعطينا نصيحتك؟
١- ما حكم العلاقة المذكورة؟
٢- ما هي الواجبات المترتبة على الرجل تجاه ولديه وزوجته الأولى؟
٣- ما هي الذنوب التي اقترفاها وماذا يفعلا ليتجنبا الوقوع فيها؟
أرجو أن تسدي النصيحة لمثل هذه الحالة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نحمد الله تعالى أن هداكما للإسلام، ووفقكما لذلك، ونسأل الله لكما الثبات حتى الممات لتفوزا بجنة الله ورضوانه. ونبشركما بأن الإسلام يهدم ما قبله من الذنوب، فمهما اقترف الإنسان من الذنوب ثم أنعم الله عليه وهداه للإسلام فإنه ينقى من ذنوبه كلها كيوم ولدته أمه، قال تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) الأنفال / ٣٨. (إن ينتهوا) يعني عن كفرهم وذلك بالإسلام لله وحده لا شريك له. تفسير السعدي.
وقال النبي ﷺ : (الإسلام يهدم ما كان قبله) رواه مسلم (١٢١) يعني من الذنوب.
ثانياً:
ليس للرجل أن يقيم علاقة مع امرأة أجنبية عنه، فإن كان قد حدث شيء من ذلك قبل زواجكما، فهو ذنب أو ذنوب قد كتبت عليكما. فإن كان ذلك قبل إسلامكما فقد غفر الله تعالى لكما ذلك بالإسلام.
وإن كان ذلك بعد الإسلام، فالواجب عليكما التوبة من ذلك، وقد وعد الله بقبول توبة من أناب إليه فقال: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) الشورى/٢٥. وقال: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
ولمعرفة المزيد عن التوبة وشروطها يراجع السؤال رقم (١٣٩٩٠) .
ثالثاً:
وليس في زواج الرجل بامرأة ثانية ذنب أو إثم، فقد أباح الله له أن يجمع بين أربع نسوة، إذا استطاع أن يعدل بينهن ويؤدي حقوقهن. ولا يجب عليه أن يُعلم زوجته الأولى برغبته أو شروعه في الزواج من ثانية.
رابعاً:
وأما واجب الرجل تجاه ولديه وزوجته الأولى، فيجب عليه أن ينفق عليهم بقدر حاجتهم، والأهم من ذلك أن يسعى في هدايتهم وإنقاذهم من النار، كما قال سبحانه:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم /٦.
وعليه أن يبذل كل وسيلة ممكنة لدعوة زوجته ونصحها، وترغيبها في الإسلام. فإذا رفضت الإسلام فإن له أن يبقيها معه ولا يفارقها إذا كانت كتابية (يهودية أو نصرانية) أما الوثنية فلا يجوز أن تبقى زوجة لمسلم وعليه أن يفارقها.
وليراجع إجابة السؤال رقم (٩٩٤٩) .
وليعلم أنه إذا أسلم أحد الأبوين فإن أولاده الصغار (وهم من دون البلوغ) يحكم بإسلامهم تبعاً لإسلامه، أما الكبار البالغون فلا يتبعونه. انظر "المغني" (١٣/١١٥) ، "أحكام أهل الذمة" لابن القيم (٢/٥٠٧) .
فعليه أن يعلم أولاده الصغار أن الله تعالى أنعم عليه وعليهم بالهداية إلى الدين الحق، وعليه أن يعلمهم الطهارة والصلاة وغير ذلك من الأحكام حتى ينشئوا عليها ويعتادوا فعلها امتثالاً لأمر النبي ﷺ : (مروا أولادكم الصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) . رواه أبو داود (٤٩٥) . وصححه الشيخ الألباني في "صحيح الجامع" (٥٨٦٨) .
وليراجع السؤال رقم (١٠٠١٦) .
ولا ينبغي أن يبقى هنا للعمل ويترك أولاده الصغار عرضة للضياع والانحراف، وعليه أن يسعى في إحضارهم ليكونوا معه، حتى يستطيع القيام بما أوجب الله عليه من حسن تربيتهم، فإن لم يستطع إحضارهم فليداوم الاتصال بهم ومراسلتهم وتوجيههم. . . ولا يجوز له أن يهملهم ويتركهم للضياع، فإنه مسئول عنهم يوم القيامة.
كما نحث أخانا الجديد وزوجته أن يتعلما أحكام الإسلام من خلال القراءة وسؤال أهل العلم والمواقع الإسلامية المفيدة على الإنترنت، وأن يقوم بتطبيق ما يتعلمه على الوجه المطلوب.
ونسأل الله لهما الثبات والتوفيق لما يحب ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15612
وُضعت تحت مساومات وضغوط فاضطرت للسرقة من خالتها
[السُّؤَالُ]
ـ[أعرض عليك مشكلتي آملة أن تساعدني، أنا فتاة في العشرين من عمري، ملتزمة، ومتعلمة، ومن أسرة متدينة ومحافظة جدا، أعيش مع والدتي وأختيّ؛ حيث إن والدي متوفى منذ أربع سنوات، وقبله أخي الوحيد بثلاث سنوات، كنت ضحية مؤامرة حقيرة من صديقة خدعتني واستطاعت أن تأخذ صورة مني بغير علمي، وفاجأتني وقد تلاعبت بصورتي على برامج الكمبيوتر ووضعت رأسي على جسد امرأة في وضع قذر جدّاً، وطلبت مني مبلغ ٥٠٠٠ آلاف وإلا سترسل الصورة إلى والدتي، وكانت تلك السافلة تعرف أن والدتي مصابة بـ " هبّات تشنّجيّة " في صدرها بسبب الحزن، وقالت لي بالحرف الواحد: " إن لم تدفعي المبلغ سأرسل الصورة إلى والدتك فتصاب بالجلطة وتموت كما مات أبوك وأخوك ". إني أعترف بأني كنت ساذجة، وأني لم أحسن التصرف من شدة خوفي على والدتي ومشاعرها، وكانت قد هددتني في اليوم الذي ذهبنا فيه لزيارة خالتي، فدخلت كي أصلي في غرفة ابنة خالتي، فرأيت إسورتها وسلسالها وحلقها، وفكرت في السرقة من باب أن الضرورات تبيح المحظورات، وقلت في نفسي لن آخذ إلا السلسال لأن ثمنه يكفيني مع أن المجوهرات كانت أمامي، وفكرت أني إن أخذت من بيت أهلي وسرقت فإن والدتي ستكشف أمري، فلجأت إلى السرقة من بيت خالتي، ونحن على علاقة طيبة جدّاً مع خالتي هذه، وهي أحب وأقرب الناس إلينا، وسرقتي من بيت خالتي كانت لسبب ألا وهو أني أستطيع أن أردّ ما سرقت لخالتي كهدية في المستقبل أو بأي صورة أخرى , ودفعت المبلغ لتلك السافلة، احتقرت نفسي كثيراً بعد فعلتي هذه إذ إن يدي لم تُمدّ إلى الحرام قبلها، وأنا متدينة جدّاً، وأقوم بحفظ القرآن، بعد فترة طلبت هذه السافلة مني مبلغاً آخر، وأنا في خضم معاناتي انكشف أمر سرقتي لبيت خالتي، انصدمت والدتي ومجرد أن سألتني انفجرت باكية وأعلمتها بمشكلتي كاملة، والحمد لله أن والدتي إنسانة عاقلة متفهمة تثق بي وبتربيتي وتفهمت الموضوع، واعتبرت ما حدث لي ولها ابتلاء من الله ، ووجهت إليَّ اللوم الشديد لأنني لم ألجأ إليها وارتكبت ذنب السرقة، وطلبت مني أن أستغفر الله، وارتاحت نفسي، وظننت أنها نهاية المعاناة، وضّحت والدتي لخالتي ما حدث وأعادت إليها ما أخذت منها، ولكن للأسف لم تصدق خالتي، وأصبح للموضوع ذيول أخرى تمس شرفي وسمعتي أنني بين أهلي وأقربائي بشخصية وبعيداً عنهم بشخصية أخرى , عندها أقسمت على المصحف الشريف أمام خالتي على طهارتي وعفتي واستقامتي، ولكن خالتي مصرة أن ما حدث لي لا يُبرر بأن أسرق من بيتها وأنها فقدت الثقة بكل الفتيات بعد فعلتي، وزاد هذا الشيء أنه لدي ابنة خالة كانت دائما تقول لي إن كنت أحببت أحدا أو شيئاً ما، وكنت أجاوبها بأني لا يمكن أن أخرج عن الشرع والدين، فلما رأت ابنة خالتي موقفي أصبحتْ تحرّض أمها زيادةً عليَّ، حدثت مشاحنات بين أمي التي تدافع عن شرفي وبين خالتي التي تتهمني بأني أتعاطي المخدرات، أو بأن الصورة حقيقية وليست مركبة، وانقلبت المحبة والمودة إلى عداوة وبغضاء. شيخنا: لجأت إليكم لتحكم بيننا، فأنا ضحية غدر وإفك وبهتان، وأعترف بغلطتي لأنني ارتكبت ذنباً لأخرج من أزمتي، وأعترف بغلطتي فأنا لم أصارح أمي منذ البداية بسبب خوفي الشديد عليها ظنّاً منِّي أنني أستطيع إنهاء الأمر دون علمها. أرجو أن أتلقى منك كلمة فصل بيننا وبين خالتي تعيد ولو جزءاً من المحبة التي كانت بيننا، وتعيد الصلة بين والدتي وخالتي التي كان يظن الأقرباء أنه لا يفرق بينهما إلا الموت، خاصة وأني سأجعل خالتي تقرأ إجابتكم الكريمة، وشكراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه ثلاث رسائل نوجهها لكِ، ولصديقتكِ، ولخالتكِ.
الرسالة الأولى: لكِ
١. نسأل الله أن يُعظم لك الأجر، وأن يفرِّج كربك، وأن يجمع شمل أسرتك على خير.
٢. نرجو أن يكون ما حصل درساً لكِ ولغيركِ، بأن لا تتهاون المرأة في صورتها وتصوير نفسها ولو مع صديقاتها، وأن لا تعطي ثقتها في هذه المسائل لأحدٍ، وحتى أقرب الناس منها كأختها – مثلاً – فإنها لا تأمن زوج أختها أن ينظر إليها أو ينشرها، فضلاً أن تعطي ثقتها لغريب عنها بحجة الصداقة أو القرابة.
٣. وقد وقعتِ في الخطأ قبل السرقة في عدم مشاورتك لأهل العلم والحكمة، وكنا ونحن نقرأ رسالتكِ نعتقد أنها ستنتهي عند المشاورة فيما تفعلينه مع الصديقة الخائنة، لكننا فوجئنا بتطور الأمور ووصولها لذلك الحد، ولعلَّ في هذا ما يكون عبرة لكل أحدٍ يقع في ورطة أن يبحث عن الحل عند غيره قبل استفحالها وتطورها؛ لأن المشكلات كلما تطورت زاد تعقيدها، وبخاصة ما يقع مع النساء من قبَل أهل الشر والفساد.
٤. وما فعلتيه تجاه خالتكِ هو المتحتم عليكِ، فقد صدقتِ معها في القول، وأرجعتِ حقها لها، وحلفتِ لها على حقيقة ما حصل، والواجب عليها تصديقك وتجاوز هذا الأمر، واعلمي أن الصدق منجاة لصاحبه، وأن الله تعالى مُظهر الحق عاجلا أم آجلاً، فاصبري واستعيني بالله تعالى، وداومي على دعائه بأن يفرج عنك، ويُظهر العدل والحق.
٥- نتوجه إليك بهذه المشورة، وهي تحتاج منك إلى مشاورة أهلك، ومشاورة أحد المحامين ـ لو أمكن ـ لأننا لا ندري شيئا عن قوانين بلادكم: لماذا لا تقومين بإبلاغ الشرطة عن صاحبتك التي خدعتك بالصورة، فإننا نظن أنه لو تم القبض عليها ومعاينة جهازها (الكمبيوتر) سيكفيك الله شرها ويبين الحق إن شاء الله تعالى.
الرسالة الثانية: لصديقتكِ
١. يجب عليكِ أن تتوبي إلى الله وتستغفرينه مما حصل منكِ، واعلمي أنكِ قد ارتكبتِ ذنوباً كثيرة، وتسببتِ بمفاسد متعددة، فقد خنتِ صديقتكِ، واتهمتيها زوراً وبهتاناً، وساهمتِ في نشر المنكر من الصور القبيحة التي رأيتِيها ودبلجتيها على صورة صديقتك، وأخذتِ منها المال بغير حق، وتسببتِ في أذيتها، وتسببتِ في قطيعة الرحم.
٢. ومن تمام توبتكِ: الاعتراف بخطئكِ لصديقتكِ، ولأمها، ولخالتها، ولا يقبل الله تعالى توبتكِ إلا بهذا؛ لأن من شرط التوبة: إصلاح ما فسد بالمعصية، قال تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) البقرة/١٦٠، واعلمي أنه باعترافكِ بفعلكِ ستفرجين كرب صديقتكِ، وترفعين التهمة الباطلة عنها، وعمُر الإنسان قصير، ثم سيلقى ربه تعالى بأعماله، فإياكِ أن تلقي ربك بتلك الأفعال من غير توبة صادقة منها..
٣. ومن تمام توبتك: إرجاع المال الذي أخذتيه بغير حق لصديقتك.
٤. ومن تمام توبتكِ: إتلاف الصورة بالكلية، وعدم معاودة الذنب مع صديقتك، ولا مع غيرها.
الرسالة الثالثة: لخالتكِ
١. يا خالتَنا العزيزة: اعلمي أن الله تعالى مطلع عليكِ، سامع لقولك، يعلم السر وأخفى، ولا نريد لكِ إلا الخير، فمثْلك يكون مرجعاً في الملمات والمشكلات، وعند أمثالك يطلب التائهون الدلالة على الطريق، وفي حضنك ترتمي بناتك وبنات أخواتك؛ لأنكِ الصدر الحنون والقلب الرحيم الذي يعرفونه، ونبينا محمد ﷺ قال: (الخَالَةُ بِمَنْزَلَةِ الأُم) رواه البخاري (٢٥٥٣) .
٢. يا خالتنا العزيزة: سنسألك سؤالا واحداً نرجو أن تجيبي بينك وبين نفسك: ماذا لو حصل مثل هذا الموقف – لا قدَّر الله – مع إحدى بناتك؟ وماذا لو كانت فعلتْ مثل ما فعلت ابنة أختك؟ فهل ترضين أن يكون موقف خالتها مثل موقفك الآن؟ إننا نجزم بما نعتقده فيك ونحسن الظن بك أنك لن ترضي ذلك، فلمَ إذن ترضينه لنفسك؟ ولا تستبعدي شيئاً عن أهل الشر أن يفعلوه، ولا تستبعدي شيئاً عن أهل الخير أن يقعوا فيه ظلماً وبغياً.
إننا لنرجو لكِ ولأبنائك وبناتك الخير، ونرجو أن يتسع صدرك لتقبل الحقيقة، ومعرفة براءة ابنة أختك من التهمة الباطلة التي ألصقتها بها صديقتها، ونحن قد نصحنا صديقتها بالتوبة والاعتراف لكم بالحقيقة، فلعلَّ الله أن يهديها، وتعترف أمامكم بقبيح جرمها، لكن نطلب منكِ التأمل في هذا الاتهام الباطل، وأن تعلمي أنه محض افتراء، ورجاحة عقلك، وسعة صدرك يحتمان عليك أن يكون موقفك مثاليّاً.
٣. يا خالتنا العزيزة: إن نبيك محمداً ﷺ قد أمركِ بأمرٍ لا نظنك إلا أن تنفذيه طائعة مستجيبة لأمره، وهذا الأمر هو: أنه من حلف لكِ بالله فيجب عليك أن تصدقيه، وأن ترضي بيمينه، وليس عندك يقين يقابل يمين ابنة أختك، فليس لك إلا الطاعة لنبيك محمد ﷺ ، والاستجابة لأمره.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ فَلْيَصْدُقْ، وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ فَلْيَرْضَ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ) .
رواه ابن ماجه (٢١٠١) ، وحسَّنه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (١١ / ٥٣٦) والألباني في " صحيح الترغيب " (٢٩٥١) .
قال السندي – ﵀ – على هامش " سنن ابن ماجه ":
(ومن حُلف له) أي: حُلف بالله لإرضائه.
(فليس مِن الله) أي: من قُربه في شيء.
والحاصل: أن أهل القرب (يعني: من الله) يصدِّقون الحالف فيما حلف عليه؛ تعظيماً لله، ومَن لا يصدقه مع إمكان التصديق: فليس منهم. انتهى.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن – ﵀:
وقوله: (مَن حُلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله) : أما إذا لم يكن له بحكم الشريعة على خصمه إلا اليمين فأحلفه: فلا ريب أنه يجب عليه الرضا، وأما إذا كان فيما يجري بين الناس مما قد يقع في الاعتذارات من بعضهم لبعض ونحو ذلك: فهذا من حق المسلم على المسلم: أن يقبل منه إذا حلف له معتذراً أو متبرئاً من تهمة، ومن حقه عليه: أن يحسن به الظن إذا لم يتبين خلافه، كما في الأثر عن عمر ﵁: (ولا تظنن بكلمة خرجت من مسلم شرّاً وأنت تجد لها في الخير محملاً) .
وفيه: من التواضع والألفة والمحبة وغير ذلك من المصالح التي يحبها الله ما لا يخفى على من له فهم، وذلك من أسباب اجتماع القلوب على طاعة الله، ثم إنه يدخل في حسن الخلق الذي هو أثقل ما يوضع في ميزان العبد، كما في الحديث، وهو من مكارم الأخلاق.
" فتح المجيد " (ص ٤٠٥) .
ونرجو يا خالتَنا العزيزة التأمل في كلام هذا الشيخ – ﵀ – فإنه في صميم مسألتكم وقضيتكم، فمن حق ابنة أختك عليك أن تقبلي منها يمينها، ومن حقها عليكِ أن تحسني الظن بها.
وهل علمتِ يا خالتَنا العزيزة ماذا فعل عيسى ﵇ عندما رأى رجلاً يسرق، فحلف له ذلك الرجل بالله أنه لم يسرق؟ اقرئي وتأملي:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: (رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ: أَسَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللَّهِ، وَكَذَّبْتُ عَيْنِي) . رواه البخاري (٣٢٦٠) ومسلم (٢٣٦٨) .
قال ابن القيم – ﵀:
" ومعنى الحديث: أن المسيح ﵇ لعظمة وقار الله في قلبه وجلاله ظن أن هذا الحالف بوحدانية الله تعالى صادق، فحمله إيمانه بالله على تصديقه، وجوَّز أن يكون بصره قد كذبه، وأراه ما لم ير، فقال: " آمنت بالله وكذبت بصري ".
ولا ريب أن البصر يعرض له الغلط ورؤية بعض الأشياء بخلاف ما هي عليه، ويخيِّل ما لا وجود له في الخارج، فإذا حكم عليه العقل تبين غلطه، والمسيح صلوات الله عليه وسلامه حكَّم إيمانه على بصره، فكذَّب بصره، ونسب الغلط إليه.
" بدائع الفوائد " (٣ / ١١٥٩، ١١٦٠) .
وإننا لنرجو أن يكون ما ذكرناه كافياً لقبول يمين ابنة أختك، ورفع التهمة عنها، ولا يسعك مخالفة الشرع في رفض هذا الحكم، ظننا بك لن يخيب إن شاء الله.
٤. يا خالتَنا العزيزة: نختم معك هذه الرسالة بالقول أنه لو كان – لا قدر الله – قد حصل من ابنة أختك الذنب والخطأ، ولن نقول إنك علمتِ ذلك من طرفٍ ثالث، بل سنقول إنك رأيتِ ذلك بنفسك، أتدرين ما الذي يجب عليك فعله؟ إنه الستر عليها! نعم ستر ذنبها، وعدم إشاعته بين الناس، أتدرين ما الأجر المترتب على ذلك؟ إنه الستر عليكِ في الدنيا والآخرة من قبَل ربنا ﵎.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) . رواه مسلم (٢٦٩٩) .
وتأملي ماذا قال النبي ﷺ لرجل دفع زانياً للاعتراف بذنبه، قال له: (لو سترته بثوبك كان خيراً لك) !
رواه أبو داود (٤٣٧٧) وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (٢٣٣٥) .
وتأملي الوعيد المترتب على من كشف عورة أخيه – وحاشاكِ من ذلك؛ لأن عرض ابنة أختك هو عرضك، والمسيء إليها مسيء إليك -.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَشَفَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ كَشَفَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ بِهَا فِي بَيْتِهِ) .
رواه ابن ماجه (٢٥٤٦) وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (٢٣٣٨) .
فيا خالتَنا العزيزة:
اعذرينا على الإطالة، ولم نطل إلا من حرقتنا على قطيعة رحم كانت بسبب حسن ظن ابنة أختك بالناس، ومن حرقتنا على عرضٍ يتهم بغير حق، فلم تري شيئاً بنفسكِ، ولم تعترف ابنة أختك بذنبها، بل حلفت لك اليمين وأعلمتكِ بصديقتها التي سبَّبت لها الأذى، فأي عذرٍ بقي لأحدٍ أن يتهمها أو يتكلم في عرضها.
ونسأل الله ﵎ أن يوفقكم لكل خير، وأن يجنبكم الشر وأهله، وأن يجمع بينكم على خير، وأن يعيد ما بينكم من روابط أقوى مما كانت.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15613
حكم اعتراف الزوجة لزوجها بماضيها السيئ وأثر إخبارها على حياتها
[السُّؤَالُ]
ـ[هذه مشكلة امرأة عاملة، تزوجت منذ بضعة أشهر، ولم تكن متمسكة بدينها في فترة الدراسة، وكانت تدرس بعيداً عن أهلها، وتعرفت على شاب غير مسلم كان يساعدها، وإنه أتى معها بعض الأفعال المحرمة دون أن تصل إلى حد ارتكاب الفاحشة، ولكنها تابت، وقطعت علاقتها به واستقامت، ولديها مشاكل مع زوجها حيث إنه كثير الشك، ولا يثق في أحد، وله تعلق بالشرك، والحسد، والسحر، وما أشبه، وأنه نادراً ما يحضر الجمعة، وأنه بدأ يشك في ماضيها، وأحضر مصحفاً، وطلب منها أن تحلف عليه، فحلفت كاذبة، ثم تابت، وأخبرته بعلاقتها السابقة، فبدأ في إذلالها، وأجبرها أن تكتب إلى أهلها بالتفاصيل، وأخذ يضيق عليها، فلا يسمح لها بالاختلاط بأهلها، ولا أقرب الأقارب، ومع ذلك تقول إنها تحبه، وهو كذلك، وتطلب النصيحة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله تعالى أن يقبل توبتها، وأن يغفر لها ذنبها، وأن يبدل سيئاتها حسنات.
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانا. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/ ٦٨-٧٠.
ثانياً:
لا يجوز للزوج أن يجعل للشيطان طريقاً إلى قلبه بالشك في زوجته، وطريق الشك طريق شائك، لا يجعل صاحبه في هناءة من العيش، بل تكون حياته قائمة على القلق والاضطراب وتعظيم الأمر التافه، وهو ما يسبِّب ظلماً للآخرين، وتزكية لنفسه، وأمراضاً نفسية، وربما عضوية يعاقبه الله بها.
فما كان على الزوج أن يشك بامرأته البتة، كما لم يكن له أن يسألها عن ماضيها، فلا يخلو أحد – غالباً – من ماضٍ يود لو أنه يمحى من صحيفته ومن ذهنه ومن ذهن من يعرفه، فأن يأتي الشيطان له ليجعل زوجته تخبره بماضيها أمرٌ مستبشع مستنكر محرَّم، كيف لا يكون كذلك وقد أمر الله تعالى بالستر؟! ستر الإنسان المقصِّر على نفسه، وستره على غيره، وبسؤال الزوج فإنه يكون متسبباً في نقض السترين! .
وفي جواب السؤال رقم (٧٦٥٠) قلنا:
فليس للرجل حق في البحث عن الماضي الذي قد تابت عنه زوجته لما قدمنا، ولا ينبغي للمرأة أن تصارح زوجها بما قد حصل في الماضي وتابت منه، ولتستتر بستر الله.
انتهى
ثالثاً:
كان المرجو من الزوجة أن تبقى على يمينها عندما حلفت له أنه ليس لها ماضٍ فيه سوء؛ فليس من حقه أن يستنطقها بماضيها فضلاً أن يحلِّفها، أما وقد فعلت فإن هذا من الكذب المباح ـ إن شاء الله ـ حتى لو كان بيمين؛ دفعاً لسفاهة الزوج؛ وحفاظاً على شرفها وعرضها؛ وحفاظاً على زوجها وأولادها.
ونعجب من الزوجة الفاضلة كيف تراجعت عن يمينها وأقرَّت على نفسها بالفضيحة لماضٍ سالفٍ ستره الله عليها.
وكثير من النساء يسألن عن حكم إخبار الأزواج عن الماضي الذي كانت اقترفت فيه آثاماً وتابت منه، ولا ينبغي أن يشك في أن الحكم هو المنع الجازم من الإخبار؛ حفاظاً على ستر الله تعالى عليها؛ ومنعاً من فضيحتها؛ وحفاظاً على شرفها وعرضها من أن يناله أحد بسوء؛ وإبقاء للحياة الزوجية دون وجود ما يكدرها.
عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ – قال: (اجْتَنِبُوا هذهِ القَاذُوراتِ التي نَهَى الله عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ بِشَيءٍ منها: فَلْيَسْتتِر بِسِتْرِ الله وليتب إلى الله؛ فإنَه مَن يُبْدِ لنَا صَفْحَتَه نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ الله) .
رواه مالك (١٥٦٢) مرسلاً، والحاكم (٤ / ٤٢٥) ، والبيهقي (٨ / ٣٣٠) بإسناد متصل. والحديث: صححه الحاكم وابن السكن وابن الملقن، وحسَّنه العراقي، والألباني.
انظر: " التلخيص الحبير " (٤ / ٥٧) ، " خلاصة البدر المنير " لابن الملقِّن (٢ / ٣٠٣) ، " السلسلة الصحيحة " (٦٦٣) .
والقاذورة: هي الفعل القبيح والقول السيئ مما نهى الله عنه.
قال ابن عبد البرّ:
في هذا الحديث دليل على أنّ السّتر واجب على المسلم في خاصّة نفسه إذا أتى فاحشةً وواجب ذلك أيضاً في غيره. " التّمهيد " (٥ / ٣٣٧) .
وعَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ قَالَ:ُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ يَا فُلانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ) .
رواه البخاري (٥٧٢١) ومسلم (٢٩٩٠) .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
أما المؤمن العاصي فإنه إذا ابتلي بالمعصية فإن الأفضل ألا يجاهر بها وألا يخبر بها أحداً، وأن يستتر بستر الله ويتوب إلى الله، قال النبي ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) ، المجاهرون هم الذين يعملون السيئات ثم يصبحون يتحدثون للناس بما صنعوا، فمن أصاب شيئاً من هذه القاذورات: فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله ، ولا يخبر بها أحداً. " لقاءات الباب المفتوح " (١٣ / السؤال رقم ١٣) .
وقال الحافظ ابن حجر – ﵀:
ويؤخذ من قضيته - أي: ماعز عندما أقرَّ بالزنى - أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحدٍ
. . . وبهذا جزم الشافعي ﵁ فقال: أُحبُّ لمن أصاب ذنباً فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب اهـ. " فتح الباري " (١٢ / ١٢٤، ١٢٥) .
وفي " الموسوعة الفقهية " (٣ / ١٨١، ١٨٢) .
وقد اتّفق الفقهاء على أنّ المرء إذا وقع منه ما يعاب عليه يندب له السّتر على نفسه، فلا يُعْلِم أحداً، حتّى القاضي، بفاحشته لإقامة الحدّ أو التّعزير عليه؛ لما رواه البخاريّ وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كلّ أمّتي معافًى إلاّ المجاهرين ... ) ؛ وقوله ﷺ (من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله ... ) .
وقال أبو بكرٍ الصّدّيق: " لو أخذت شارباً لأحببت أن يستره الله، ولو أخذت سارقاً لأحببت أن يستره الله "، وأنّ الصّحابة أبا بكرٍ وعمر وعليّاً وعمّار بن ياسرٍ وأبا هريرة وأبا الدّرداء والحسن بن عليٍّ وغيرهم قد أثر عنهم السّتر على معترفٍ بالمعصية، أو تلقينه الرّجوع من إقراره بها، ستراً عليه، وستر معترف المعصية على نفسه أولى من ستر غيره عليه. والجهر بالمعصية عن جهلٍ، ليس كالجهر بالمعصية تبجّحاً، قال ابن حجرٍ: فإنّ من قصد إظهار المعصية والمجاهرة بها أغضب ربّه، وقال الخطيب الشّربينيّ: وأمّا التّحدّث بها تفكّهاً فحرامٌ قطعاً.انتهى
وقد ذكر العلماء فوائد للاستتار بالمعصية، ففي " الموسوعة الفقهية " (٣ / ١٨٢) :
يترتّب على الاستتار بالمعصية:
أ. عدم إقامة العقوبة الدّنيويّة؛ لأنّ العقوبات لا تجب إلاّ بعد إثباتها، فإذا استتر بها ولم يعلنها ولم يقرّ بها ولم ينله أيّ طريقٍ من طرق الإثبات، فلا عقوبة.
ب. عدم شيوع الفاحشة، قال الله تعالى: (إنّ الّذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الّذين آمنوا لهم عذابٌ أليمٌ في الدّنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون) .
ج. من ارتكب معصيةً فاستتر بها فهو أقرب إلى أن يتوب منها، فإن تاب سقطت عنه المؤاخذة، فإن كانت المعصية تتعلّق بحقّ الله تعالى فإنّ التّوبة تسقط المؤاخذة؛ لأنّ الله أكرم الأكرمين، ورحمته سبقت غضبه، فلذلك إذا ستره في الدّنيا لم يفضحه في الآخرة، وإن كانت تتعلّق بحقٍّ من حقوق العباد، كقتلٍ وقذفٍ ونحو ذلك، فإنّ من شروط التّوبة فيها أداء هذه الحقوق لأصحابها، أو عفو أصحابها عنها، ولذلك وجب على من استتر بالمعصية المتعلّقة بحقّ آدميٍّ أن يؤدّي هذا الحقّ لصاحبه. انتهى
وقد ذكرنا في أول الجواب فوائد أخرى تتعلق بالاستتار بمعاصي الزوجة قبل زواجها، ولا نعلم عن أحدٍ سمع من زوجته ماضياً سيئاً وازداد حبه لها، ولا ازدادت ثقته بها، حتى ولو كانت توبة نصوحا، واستقام حالها فيما بعد؛ بل على العكس، رأينا وسمعنا الشكوك المتزايدة، والترقب لأفعالها، ومنعها مما أباحه الله لها، وآخر ذلك تطليقها لاستحالة الحياة بينهما إما من جهته، أو من جهتها، أو من كلا الجهتين.
ثالثاً:
لذا فإننا نرى في حال الزوجة المسئول عنها:
١. إن أمكن فلتكذِّب نفسها مرة أخرى أمام زوجها، وأن تخبره أن هذا كان بسبب ضغطه عليها، وأنه ليس لما قالته أصل من الصحة.
٢. أن لا تخبر أهلها كما هي رغبة الزوج، وإلا فإنها ستقع في المحذور نفسه.
٣. وإذا لم يقتنع فلتخبر أهلها بذلك إن أوصل لهم الزوج ما قالته.
٤. أن تصبر على حياتها الجديدة معه؛ لتثبت له أنه لا علاقة للماضي بحاضرها، وتحاول تحمل قراراته وأفعاله حتى يهديه الله، ولتدع ربها بأن يهديه ويصلح باله.
٥. وإذا استمرت شكوكه وسوء أفعاله ولم تستطع الصبر: فليس لها إلا فراقه، وإلا صارت حياته جحيماً لا يطاق، ولا نظنه سيطيل المدة حتى يبادر هو بتطليقها.
٦. على أننا، وبغض النظر عن هذا المشكلة، وما ترتب عليها، لا ننصح هذه الزوجة بالبقاء مع زوج حاله بالسوء الذي وصفته: من التعلق بالشرك والسحر، والتفريط في الصلاة، حتى صلاة الجمعة، مع ما ذكرت من شكوكه وظنونه، وسوء معاملته، فمثل هذا لا ننصح بالحرص على الحياة معه، لأن مثل هذا الحياة لن تزيدها عن طريق الإيمان والهدى إلا بعدا!!
ولتحتسب أمرها عند ربها، ولتدع ربها تعالى أن يهوِّن عليها مصيبتها، وأن يبدلها خيراً منه.
وللاستزادة يرجى النظر في أجوبة الأسئلة: (٢٧١١٣) و (٩٥٦٢) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15614
يعاني من أخلاق زوجته وتقصيرها في دينها
[السُّؤَالُ]
ـ[اعتنقت الإسلام منذ سنتين تقريبا، وتزوجت منذ ذلك الوقت، وقد تزوجت صغيراً لعلمي بأن الإسلام يحرم المواعدة، وللأسف لم أكن أعلم بمسؤوليات كلٍّ من الزوجين في الزواج، والمشكلة الآن أن زوجتي - وهي حامل بطفلنا الأول - نادراً ما تصلي، وتسخر من حبي للملابس الإسلامية قائلة: إنه ينبغي أن ألبس تلك الملابس عندما أكون في بلد إسلامي وليس في الغرب، وتحثني على ارتداء الملابس الغربية، والاندماج في المجتمع الأمريكي، وهي تضايق الأخوات اللاتي يرتدين الملابس المحتشمة، وخاصة النقاب، وكلما حاولت أن أحثها على الصلاة تقول: إن الصلاة بينها وبين الله، وتغضب مني بشدة، وكل ذلك يزيد من ألمي، ولكن أكثر ما يؤلمني هو أن زوجتي ليست جاهلة بالدين، فقد كانت في وقت من الأوقات ترتدي النقاب، وتحفظ نصف القرآن مع التفسير أيضاً. أرجو من فضيلة الشيخ النصح والمشورة، وجزاك الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يجب أن تعلم أخي السائل حرمة الإقامة في بلاد الكفر، وأن تعلم ما تسببه الإقامة من تأثير سيء على دين وأخلاق وأفكار من يعيش بين أولئك الكفرة، والذين تفسخت مجتمعاتهم، وتخلت عن الأخلاق الفاضلة، وانظر لحال زوجتك كيف صارت بعد أن كانت مستقيمة تطلب العلم وتحفظ من القرآن، وانظر لسلوكها كيف تريدك أن تلبس، وكيف تنكر على الأخوات المستقيمات عفافهن ولباسهن الشرعي؛ وما ذاك إلا من تأثرها بتلك البيئة.
ومن نفيس كلام الشيخ العثيمين ﵀ – بعد أن بيَّن حرمة الإقامة بين أظهر الكفار -:
وكيف تطيب نفس مؤمن أن يسكن في بلاد كفار تعلن فيها شعائر الكفر ويكون الحكم فيها لغير الله ورسوله، وهو يشاهد ذلك بعينه ويسمعه بأذنيه ويرضى به، بل ينتسب إلى تلك البلاد، ويسكن فيها بأهله وأولاده، ويطمئن إليها كما يطمئن إلى بلاد المسلمين، مع ما في ذلك من الخطر العظيم عليه وعلى أهله وأولاده في دينهم وأخلاقهم.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٣ / ٣٠) .
وانظر في تفصيل هذه المسألة: جوابي السؤالين (١٤٢٣٥) و (٣٢٢٥) .
ثانياً:
وأما كونها لا تصلِّي إلا نادراً فهي في حكم التاركة للصلاة، وتارك الصلاة من الكفار، وغضبها منك بعد نصحها بالصلاة يدل على استهانتها بهذه الشعيرة العظيمة، ويدل على إصرارها على تركها، وعليه: فلا يحل لك البقاء معها، وعليك أن تفارقها إن بقيت مصرة على ترك الصلاة ولم ينفع فيها الوعظ والتذكير والهجر والتأديب.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
عمن له زوجة لا تصلي هل يجب عليه أن يأمرها بالصلاة وإذا لم تفعل هل يجب عليه أن يفارقها أم لا؟ .
فأجاب:
نعم، عليه أن يأمرها بالصلاة، ويجب عليه ذلك، بل يجب عليه أن يأمر بذلك كل من يقدر على أمره به إذا لم يقم غيره بذلك، وقد قال تعالى: (وأْمُر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) الآية، وقال تعالى: (يا أيها الذي آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) الآية، وقال ﵊ (علِّموهم وأدبوهم) – [لا يصح مرفوعاً، وروي عن علي بن أبي طالب]- وينبغي مع ذلك الأمر أن يحضها على ذلك بالرغبة، كما يحضها على ما يحتاج إليها، فإن أصرت على ترك الصلاة: فعليه أن يطلقها، وذلك واجب في الصحيح، وتارك الصلاة مستحق للعقوبة حتى يصلي باتفاق المسلمين، بل إذا لم يصل قتل، وهو يقتل كافراً مرتداً، على قولين مشهورين، والله أعلم.
" مجموع الفتاوى " (٣٢ / ٢٧٦، ٢٧٧) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15615
من مآسي المسلمين في الدول الغربية
[السُّؤَالُ]
ـ[لا يخفى على فضيلتكم انتشار الصحوة الإسلامية المباركة وبالأخص في صفوف الفتيات المسلمات، وحيثُ إننا نعيش في بلد غير إسلامي (أوروبي) لذلك نجد صعوبة في تطبيق أحكام الإسلام، فمِن حينٍ لآخر نجد بعض الصعوبات، فمرة بالاستهزاء بالقرآن، ومرة بإلصاق الإعلانات في الأماكن العامة وقد صوروا عليها فتاة مسلمة وكتبوا تحتها عبارة (هل تريدين غطاء الرأس؟ نحن نظن أنك لا تريدين) ، وآخرها: القرار الصادر من الحكومة بمنع ارتداء النقاب كليّاً، ودفع مبلغ ١٥٠ يورو لمن ترتديه، وفي الآونة الأخيرة أصبح في الأمر صعوبة كبيرة على الأخوات؛ لأن الأمر قد تعدى العقوبة المالية إلى ممارسة بعض التصرفات العنصرية من قبل رجال الشرطة، وذلك مثل الاستهزاء والسخرية، وأحياناً يتم إجبارهن على رفع النقاب أمام الرجال، ولا ننسى الموقف المُشين والصورة الغير لائقة للفتاة المُتنقبة أمام أعين الناس ورجال الشرطة يلتفون من حولها وكأنها ارتكبت جريمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أما بالنسبة لموقف الأخوات من هذا القرار فبعضهن انهمكت في الاتصال بالمشايخ لعلها تظفر بفتوى تُبيح لها كشف وجهها، وبالفعل وجدن من أفتى لهن بأن في الأمر خلافاً بين العلماء وأنتن في ضرورة ولا بأس بنزعه، والبعض الآخر لازلن محاصرات في بيوتهن ينتظرن رحمة رب العالمين.
فضيلة الشيخ
وحيثُ إنني ولدتُ وقضيتُ كل عمري في هذا البلد لذلك معذرة دعني أصارحك القول أن الإقامة في بلد الكفر تحمل في طياتها أسراراً لا يعلمها إلا من عاشها واقعيّاً.
فضيلة الشيخ
والله الذي لا إله غيره إن المسلمين في بلاد الكفر يعيشون في ذُل ومهانة وضياع لا يعلمه إلا الله وحده، فكم من البيوت انهارت، وكم من الأبناء لا يعرفون من الدين إلا اسمه، بل وصل الأمر إلى بيع بناتنا المسلمات إلى تجار الرقيق وإرسالهن إلى بعض دول أوروبا الشرقية، وذلك ليتم استعمالهن في ممارسة البغاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولقد استمعتُ يوماً من الأيام إلى رئيس قسم الأمراض المعدية - وهو عربي الجنسية - حيثُ صرح بأنه يوجد عدد ٤٠٠٠ أربعة آلاف من الفتيات المسلمات وبأعمار مختلفة يشتغلن في ممارسة الزنا وبأوراق رسمية، وهذا الإحصاء في مدينة واحده فقط!! وللأسف الشديد حتى ممن يوصفون بالتدين وجدوا أنفسهم بين فكي الأسد، فالأموال اختلطت بالربا، والأبناء لا يتكلمون اللغة العربية، وصلاة الجمعة تصلى ظهراً في المصانع الخ! ، ولا أقول هذا عن طريق سماع الأخبار، بل ما نراه بأعيننا، وهذا قليل من كثير، والله إن القلب ليتفطر من شدة ما نسمع ونرى وما وصلنا إلى هذا المستوى الذي نراه اليوم إلا عندما خالفنا شرع ربنا ورضينا بالعيش معهم من أجل دراهم معدودة إلا من رحم الله من الذين لهم العذر في البقاء، وفي المقابل هناك عدد من العائلات اجتهدوا في الهجرة إلى بلاد الإسلام وهم الآن يعيشون في رغد من العيش والله خير الرازقين.
فضيلة الشيخ
جزاك الله خيراً يوم علمتنا أن نكون مُتفائلين لا متشائمين، ولكن هذه هي الحقيقة المرة التي لا مفر منها، وحتى نكون منصفين فالحمد لله الإقبال على الإسلام كثير وبالأخص في صفوف المسلمين الجدد، فالحمد لله على نعمته وفضله.
فضيلة الشيخ
ما نريده من فضيلتكم ولكم الأجر من الله :
١. تقديم النصيحة للفتيات المسلمات بالتمسك بحجابهن، وعدم تعلقهن بالفتاوى الواهية التي تفتح لهن أبواب الشر.
٢. تشجيع الشباب على الهجرة وعدم الركون إلى الدنيا؛ لأن كثيراً منهم - أو أغلبهم - كان سبباً في بقاء زوجته وأبنائه وتعرضهما إلى هذه المصائب، علماً بأن كثيراً من الإخوة لم يهاجروا بعد وذلك بحجة جمع المال الكافي الذي يمكنهم من القيام بمشروع تجاري في البلد الذي سيهاجرون إليه، فكم المبلغ المطلوب جمعه؟ ومتى سيُجمع؟ .
٣. تقديم النصيحة للأخوات اللواتي يُكثرن الخروج من البيت لغير ضرورة، وبالأخص في مثل هذه الظروف الحرجة.
٤. تقديم النصيحة للإخوة الذين يطلبون من زوجاتهم كشف الوجه بالقوة أمام بعض الإدارات بحجة أن الأمر فيه ضرورة، فما هو الحكم الشرعي في طاعة الزوج في هذا الأمر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن مآسي المسلمين والمسلمات في كثير من دول الكفر كثيرة، وحالهم في تلك الدول يُفطِّر القلب، ويُدمع العين.
وكلنا نسمع ونقرأ ما يتعرضون له من مضايقات، وبخاصة النساء، وقد بان زيف هذه الدول التي تدَّعي الحضارة والحرية، فراحوا يضيقون على المسلمين في وظائفهم وبيوتهم، وعلى النساء في حجابهن وعملهن، فأطلقوا الحريات في زواج المثليين، والشذوذ الجنسي، وحرية الإساءة للإسلام وأهله، وضيَّقوا على المسلمين في شعائرهم وشرائعهم.
والواجب على كل من قدر على الخروج من تلك الديار أن لا يقصِّر في ذلك، قبل أن يأتي يوم يندم فيه على تفويت الفرصة، ولا يملك حتى نفسه ليخرج بها، وذلك بعد أن يضِيع أولاده في خضم تلك الحضارة الزائفة الخارجة عن كل خلق وفضيلة، فيعيش سنين حياته يعمل ويكد ويجتهد، ثم يسلِّم أولاده للشارع والكنيسة، خسر الدنيا والآخرة.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
الإقامة في بلاد الكفار خطر عظيم على دين المسلم، وأخلاقه، وسلوكه، وآدابه، وقد شاهدنا وغيرنا انحراف كثير ممن أقاموا هناك فرجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا فُسّاقًا، وبعضهم رجع مرتدًا عن دينه وكافرًا به وبسائر الأديان - والعياذ بالله - حتى صاروا إلى الجحود المطلق والاستهزاء بالدين وأهله السابقين منهم واللاحقين، ولهذا كان ينبغي بل يتعين
التحفظ من ذلك ووضع الشروط التي تمنع من الهويّ في تلك المهالك ... .
وكيف تطيب نفس مؤمن أن يسكن في بلاد كفار تعلن فيها شعائر الكفر ويكون الحكم فيها لغير الله ورسوله، وهو يشاهد ذلك بعينه ويسمعه بأذنيه ويرضى به، بل ينتسب إلى تلك البلاد ويسكن فيها بأهله وأولاده ويطمئن إليها كما يطمئن إلى بلاد المسلمين مع ما في ذلك من الخطر العظيم عليه وعلى أهله وأولاده في دينهم وأخلاقهم؟! انتهى.
وانظر تتمة هذا الكلام للشيخ – ﵀ – في جواب السؤال رقم (٢٧٢١١) ففيه تفصيل مسألة الإقامة في دول الكفر.
ثانياً:
لا يجوز للمرأة المسلمة التنازل عن عفافها وحجابها أمام تلك المغريات الفاسدة الزائلة، ولا يزال شياطين الإنس والجن يزينون للمرأة الانخراط في سلك الغاوين، فمن تبعهم زينوا الدنيا في ناظريه، وأبعدوه عن التفكير في القبر والآخرة ولقاء الله تعالى.
وللأسف أن يساهم بعض مفتي الفضائيات في نزع المرأة حجابها بحجة الدراسة أو العمل، ولا خير في دراسة وعمل يسبب غضب الرب ﵎ وسخطه، وأي متاع دنيوي ستحوزه المرأة بشهادتها أو راتبها، وهي تعلم أنه على حساب ثواب الآخرة ورضا الله تعالى، فلا يرضى بهذا إلا مَنْ زُيِّن له سوء عمله فرآه حسناً.
ولا يجوز للمسلمة أن تكشف عن وجهها فضلاً أن تكشف عن شعرها، ولو بحجة الدراسة أو العمل، وما عند الله خيرٌ وأبقى، ويجب على كل مسلم أن يسارع في الخروج من تلك الظلمات، وعلى العلماء أن يعينوا الأسر المسلمة على دينها وطاعة ربها بدلاً من إعانتهم على تكوين ثرواتهم وعبادة الدرهم والدولار!
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
لا يجوز لكِ ولا لغيركِ من النساء السفور في بلاد الكفار، كما لا يجوز ذلك في بلاد المسلمين، بل يجب الحجاب عن الرجال الأجانب سواء كانوا مسلمين أو كفاراً، بل وجوبه عن الكفار أشد؛ لأنه لا إيمان لهم يحجزهم عما حرم الله.
ولا يجوز لكِ ولا لغيركِ طاعة الوالدين ولا غيرهما في فعل ما حرم الله ورسوله، والله سبحانه يقول في كتابه المبين: (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) الأحزاب/٥٣.
فبيَّن في هذه الآية الكريمة أن تحجَّب النساء عن الرجال غير المحارم أطهر لقلوب الجميع، وقال سبحانه: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) إلى أن قال سبحانه: ( ... ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ... ) النور/٣١.
" فتاوى علماء البلد الحرام " (ص ٥٢٩) .
ثالثاً:
ينبغي للأزواج أن يكونوا عوناً لزوجاتهم على العفاف والستر والحياء، ولا يحل لهم أن يأمروهن بخلع حجابهن من أجل الدنيا كدراسة أو عمل، فإن تحتم عليهم ذلك ولم يتيسر لهم إبقاء حجاب نسائهم فيجوز كشف الوجه لتلك الضرورة، كالمطارات والجوازات، على أن يحرصوا أن يكون الناظر لها امرأة.
وأما الذين يريدون من نسائهم خلع حجابهن بالكلية، أو من غير ضرورة: فلا يحل لهم هذا، والواجب عليهم أن يفخروا بانتسابهم لهذا الدين، وأن يفخروا بستر نسائهم وبناتهم، خاصة وأنهم يرون لباس الكافرات من حيث العري والشذوذ في الألوان والتفصيل!
ولا يحل للمرأة طاعة زوجها إذا كان يأمرها بخلاف الستر والحجاب، وقد قال النبي ﷺ : (لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف) .
رواه البخاري (٤٠٨٥) ومسلم - واللفظ له - (١٨٤٠) .
وسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
رجل متزوج وله أبناء، زوجته تريد أن ترتدي الزي الشرعي وهو يعارض ذلك، فبماذا تنصحونه بارك الله فيكم؟ .
فأجاب:
إننا ننصحه أن يتقي الله في أهله، وأن يحمد الله الذي يسَّر له مثل هذه الزوجة التي تريد أن تنفذ ما أمر الله به من اللباس الشرعي الكفيل بسلامتها من الفتن، وإذا كان الله قد أمر عباده المؤمنين أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم/٦، وإذا كان النبي ﷺ قد حمَّل الرجل المسؤولية في أهله فقال: (الرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته) ، فكيف يليق بهذا الرجل أن يحاول إجبار زوجته على أن تدع الزي الشرعي في اللباس إلى زي محرم، يكون سبباً للفتنة بها ومنها، فليتق الله تعالى في نفسه، وليتق الله في أهله، وليحمد الله على نعمته أن يسَّر له مثل هذه المرأة الصالحة.
وأما بالنسبة لزوجته: فإنه لا يحل لها أن تطيعه في معصية الله أبداً؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
" فتاوى المرأة المسلمة " (١ / ٤٤٢، ٤٤٣) .
ولينظر جواب السؤال رقم: (٤٥٦٧٢) ففيه تفصيل لحكم إجبار الدول للمسلمات على نزع الحجاب.
رابعاً:
وأما خروج المرأة من بيتها: فلتعلم أخواتنا أن الأصل في المرأة أنها مكرَّمة، ومن تكريمها أن سخر لها زوجها وأولادها لخدمتها، وأوجب على الزوج النفقة عليها، وبقاؤها في بيتها ليس إلا لأنها تقوم بعمل جليل لا يمكن لمجموعة من الرجال أن يقوموا به، وهو تربية أولادها، وخدمة زوجها وبيتها، وهي أعمال جليلة عظيمة، ولذا فإنها لا تخرج إلا من ضرورة أو حاجة ماسة، وخاصة إن كانت في بلاد كافرة أو غير آمنة.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
لا شك أن بقاء المرأة في بيتها أفضل وأبعد عن الفتنة والشر, ولا يخفى علينا جميعاً ما يحصل من خروج النساء إلى الأسواق من الفتنة لهن وبهن , فإذا أمكن ألا تخرج: فهذا هو المطلوب , وإذا اضطرت للخروج: فلتخرج كما قال النبي ﵊: (وليخرجن تفِلات) أي: غير متبرجات بزينة ولا متطيبات , ولكن لا تخرج إلا لحاجة , ... فالذي أرى في هذه المسألة أن تلزم المرأة بيتها بكل حال، ولا تخرج إلا للضرورة , وإذا خرجت للضرورة فلتكن غير متطيبة ولا متبرجة بزينة.
أما اصطحاب محرَم لها: فلا شك أنه أفضل وأولى , لكنه ليس بلازم ما دام أن المسألة لا تحتاج إلى سفر، ولكن من المؤسف أنك تجد بعض الناس يأتي إلى الخياط أو إلى التاجر ومعه أهله ثم يبقى في السيارة والمرأة هي التي تذهب وتخاطب الرجال وربما يحصل فتنة بأهله , فعلى الإنسان أن يكون رجلاً حازماً غيوراً على أهله , فلا يفعل هذا الفعل , إذا كان ولا بد فلينزل معها وليكن واقفاً عندها وهي تكلم الرجل أو يكلمها ثم هو يكلم الرجل.
" لقاءات الباب المفتوح " (١١٧ / السؤال ٢) .
وانظري جوابي السؤالين: (٦٧٤٢) و (٩٩٣٧) .
خامساً:
ولمن يريد النصح الصادق، والتوجيه الشرعي إذا أبى إلا البقاء في دول الكفر: فلينظر جوابي السؤالين: (٧٠٢٥٦) و (٤٢٣٧) ففيهما خير كثير إن شاء الله من التوجيه والنصح.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →