Полный текст (16 344 стр.). Показаны 15611–15650 · переход к 15616.
стр. 15611
تزوج بثانية وأسلما فماذا يفعل بزوجته الأولى ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[من صديق أسلم حديثاً:
رجل تزوج امرأة وله منها ولدان، سافر للعمل في السعودية وترك أولاده وزوجته في بلده، تعرف على امرأة في السعودية وتزوجها دون علم زوجته الأولى وأنجب منها ولدا، الزوجان اللذان يعملان في السعودية اعتنقا الإسلام، وبما أنهما جديدان في الدين الإسلامي فهما يخشيان أنهما قد اقترفا ذنباً فهل يمكن أن تعطينا نصيحتك؟
١- ما حكم العلاقة المذكورة؟
٢- ما هي الواجبات المترتبة على الرجل تجاه ولديه وزوجته الأولى؟
٣- ما هي الذنوب التي اقترفاها وماذا يفعلا ليتجنبا الوقوع فيها؟
أرجو أن تسدي النصيحة لمثل هذه الحالة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نحمد الله تعالى أن هداكما للإسلام، ووفقكما لذلك، ونسأل الله لكما الثبات حتى الممات لتفوزا بجنة الله ورضوانه. ونبشركما بأن الإسلام يهدم ما قبله من الذنوب، فمهما اقترف الإنسان من الذنوب ثم أنعم الله عليه وهداه للإسلام فإنه ينقى من ذنوبه كلها كيوم ولدته أمه، قال تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) الأنفال / ٣٨. (إن ينتهوا) يعني عن كفرهم وذلك بالإسلام لله وحده لا شريك له. تفسير السعدي.
وقال النبي ﷺ : (الإسلام يهدم ما كان قبله) رواه مسلم (١٢١) يعني من الذنوب.
ثانياً:
ليس للرجل أن يقيم علاقة مع امرأة أجنبية عنه، فإن كان قد حدث شيء من ذلك قبل زواجكما، فهو ذنب أو ذنوب قد كتبت عليكما. فإن كان ذلك قبل إسلامكما فقد غفر الله تعالى لكما ذلك بالإسلام.
وإن كان ذلك بعد الإسلام، فالواجب عليكما التوبة من ذلك، وقد وعد الله بقبول توبة من أناب إليه فقال: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) الشورى/٢٥. وقال: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
ولمعرفة المزيد عن التوبة وشروطها يراجع السؤال رقم (١٣٩٩٠) .
ثالثاً:
وليس في زواج الرجل بامرأة ثانية ذنب أو إثم، فقد أباح الله له أن يجمع بين أربع نسوة، إذا استطاع أن يعدل بينهن ويؤدي حقوقهن. ولا يجب عليه أن يُعلم زوجته الأولى برغبته أو شروعه في الزواج من ثانية.
رابعاً:
وأما واجب الرجل تجاه ولديه وزوجته الأولى، فيجب عليه أن ينفق عليهم بقدر حاجتهم، والأهم من ذلك أن يسعى في هدايتهم وإنقاذهم من النار، كما قال سبحانه:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم /٦.
وعليه أن يبذل كل وسيلة ممكنة لدعوة زوجته ونصحها، وترغيبها في الإسلام. فإذا رفضت الإسلام فإن له أن يبقيها معه ولا يفارقها إذا كانت كتابية (يهودية أو نصرانية) أما الوثنية فلا يجوز أن تبقى زوجة لمسلم وعليه أن يفارقها.
وليراجع إجابة السؤال رقم (٩٩٤٩) .
وليعلم أنه إذا أسلم أحد الأبوين فإن أولاده الصغار (وهم من دون البلوغ) يحكم بإسلامهم تبعاً لإسلامه، أما الكبار البالغون فلا يتبعونه. انظر "المغني" (١٣/١١٥) ، "أحكام أهل الذمة" لابن القيم (٢/٥٠٧) .
فعليه أن يعلم أولاده الصغار أن الله تعالى أنعم عليه وعليهم بالهداية إلى الدين الحق، وعليه أن يعلمهم الطهارة والصلاة وغير ذلك من الأحكام حتى ينشئوا عليها ويعتادوا فعلها امتثالاً لأمر النبي ﷺ : (مروا أولادكم الصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) . رواه أبو داود (٤٩٥) . وصححه الشيخ الألباني في "صحيح الجامع" (٥٨٦٨) .
وليراجع السؤال رقم (١٠٠١٦) .
ولا ينبغي أن يبقى هنا للعمل ويترك أولاده الصغار عرضة للضياع والانحراف، وعليه أن يسعى في إحضارهم ليكونوا معه، حتى يستطيع القيام بما أوجب الله عليه من حسن تربيتهم، فإن لم يستطع إحضارهم فليداوم الاتصال بهم ومراسلتهم وتوجيههم. . . ولا يجوز له أن يهملهم ويتركهم للضياع، فإنه مسئول عنهم يوم القيامة.
كما نحث أخانا الجديد وزوجته أن يتعلما أحكام الإسلام من خلال القراءة وسؤال أهل العلم والمواقع الإسلامية المفيدة على الإنترنت، وأن يقوم بتطبيق ما يتعلمه على الوجه المطلوب.
ونسأل الله لهما الثبات والتوفيق لما يحب ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15612
وُضعت تحت مساومات وضغوط فاضطرت للسرقة من خالتها
[السُّؤَالُ]
ـ[أعرض عليك مشكلتي آملة أن تساعدني، أنا فتاة في العشرين من عمري، ملتزمة، ومتعلمة، ومن أسرة متدينة ومحافظة جدا، أعيش مع والدتي وأختيّ؛ حيث إن والدي متوفى منذ أربع سنوات، وقبله أخي الوحيد بثلاث سنوات، كنت ضحية مؤامرة حقيرة من صديقة خدعتني واستطاعت أن تأخذ صورة مني بغير علمي، وفاجأتني وقد تلاعبت بصورتي على برامج الكمبيوتر ووضعت رأسي على جسد امرأة في وضع قذر جدّاً، وطلبت مني مبلغ ٥٠٠٠ آلاف وإلا سترسل الصورة إلى والدتي، وكانت تلك السافلة تعرف أن والدتي مصابة بـ " هبّات تشنّجيّة " في صدرها بسبب الحزن، وقالت لي بالحرف الواحد: " إن لم تدفعي المبلغ سأرسل الصورة إلى والدتك فتصاب بالجلطة وتموت كما مات أبوك وأخوك ". إني أعترف بأني كنت ساذجة، وأني لم أحسن التصرف من شدة خوفي على والدتي ومشاعرها، وكانت قد هددتني في اليوم الذي ذهبنا فيه لزيارة خالتي، فدخلت كي أصلي في غرفة ابنة خالتي، فرأيت إسورتها وسلسالها وحلقها، وفكرت في السرقة من باب أن الضرورات تبيح المحظورات، وقلت في نفسي لن آخذ إلا السلسال لأن ثمنه يكفيني مع أن المجوهرات كانت أمامي، وفكرت أني إن أخذت من بيت أهلي وسرقت فإن والدتي ستكشف أمري، فلجأت إلى السرقة من بيت خالتي، ونحن على علاقة طيبة جدّاً مع خالتي هذه، وهي أحب وأقرب الناس إلينا، وسرقتي من بيت خالتي كانت لسبب ألا وهو أني أستطيع أن أردّ ما سرقت لخالتي كهدية في المستقبل أو بأي صورة أخرى , ودفعت المبلغ لتلك السافلة، احتقرت نفسي كثيراً بعد فعلتي هذه إذ إن يدي لم تُمدّ إلى الحرام قبلها، وأنا متدينة جدّاً، وأقوم بحفظ القرآن، بعد فترة طلبت هذه السافلة مني مبلغاً آخر، وأنا في خضم معاناتي انكشف أمر سرقتي لبيت خالتي، انصدمت والدتي ومجرد أن سألتني انفجرت باكية وأعلمتها بمشكلتي كاملة، والحمد لله أن والدتي إنسانة عاقلة متفهمة تثق بي وبتربيتي وتفهمت الموضوع، واعتبرت ما حدث لي ولها ابتلاء من الله ، ووجهت إليَّ اللوم الشديد لأنني لم ألجأ إليها وارتكبت ذنب السرقة، وطلبت مني أن أستغفر الله، وارتاحت نفسي، وظننت أنها نهاية المعاناة، وضّحت والدتي لخالتي ما حدث وأعادت إليها ما أخذت منها، ولكن للأسف لم تصدق خالتي، وأصبح للموضوع ذيول أخرى تمس شرفي وسمعتي أنني بين أهلي وأقربائي بشخصية وبعيداً عنهم بشخصية أخرى , عندها أقسمت على المصحف الشريف أمام خالتي على طهارتي وعفتي واستقامتي، ولكن خالتي مصرة أن ما حدث لي لا يُبرر بأن أسرق من بيتها وأنها فقدت الثقة بكل الفتيات بعد فعلتي، وزاد هذا الشيء أنه لدي ابنة خالة كانت دائما تقول لي إن كنت أحببت أحدا أو شيئاً ما، وكنت أجاوبها بأني لا يمكن أن أخرج عن الشرع والدين، فلما رأت ابنة خالتي موقفي أصبحتْ تحرّض أمها زيادةً عليَّ، حدثت مشاحنات بين أمي التي تدافع عن شرفي وبين خالتي التي تتهمني بأني أتعاطي المخدرات، أو بأن الصورة حقيقية وليست مركبة، وانقلبت المحبة والمودة إلى عداوة وبغضاء. شيخنا: لجأت إليكم لتحكم بيننا، فأنا ضحية غدر وإفك وبهتان، وأعترف بغلطتي لأنني ارتكبت ذنباً لأخرج من أزمتي، وأعترف بغلطتي فأنا لم أصارح أمي منذ البداية بسبب خوفي الشديد عليها ظنّاً منِّي أنني أستطيع إنهاء الأمر دون علمها. أرجو أن أتلقى منك كلمة فصل بيننا وبين خالتي تعيد ولو جزءاً من المحبة التي كانت بيننا، وتعيد الصلة بين والدتي وخالتي التي كان يظن الأقرباء أنه لا يفرق بينهما إلا الموت، خاصة وأني سأجعل خالتي تقرأ إجابتكم الكريمة، وشكراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه ثلاث رسائل نوجهها لكِ، ولصديقتكِ، ولخالتكِ.
الرسالة الأولى: لكِ
١. نسأل الله أن يُعظم لك الأجر، وأن يفرِّج كربك، وأن يجمع شمل أسرتك على خير.
٢. نرجو أن يكون ما حصل درساً لكِ ولغيركِ، بأن لا تتهاون المرأة في صورتها وتصوير نفسها ولو مع صديقاتها، وأن لا تعطي ثقتها في هذه المسائل لأحدٍ، وحتى أقرب الناس منها كأختها – مثلاً – فإنها لا تأمن زوج أختها أن ينظر إليها أو ينشرها، فضلاً أن تعطي ثقتها لغريب عنها بحجة الصداقة أو القرابة.
٣. وقد وقعتِ في الخطأ قبل السرقة في عدم مشاورتك لأهل العلم والحكمة، وكنا ونحن نقرأ رسالتكِ نعتقد أنها ستنتهي عند المشاورة فيما تفعلينه مع الصديقة الخائنة، لكننا فوجئنا بتطور الأمور ووصولها لذلك الحد، ولعلَّ في هذا ما يكون عبرة لكل أحدٍ يقع في ورطة أن يبحث عن الحل عند غيره قبل استفحالها وتطورها؛ لأن المشكلات كلما تطورت زاد تعقيدها، وبخاصة ما يقع مع النساء من قبَل أهل الشر والفساد.
٤. وما فعلتيه تجاه خالتكِ هو المتحتم عليكِ، فقد صدقتِ معها في القول، وأرجعتِ حقها لها، وحلفتِ لها على حقيقة ما حصل، والواجب عليها تصديقك وتجاوز هذا الأمر، واعلمي أن الصدق منجاة لصاحبه، وأن الله تعالى مُظهر الحق عاجلا أم آجلاً، فاصبري واستعيني بالله تعالى، وداومي على دعائه بأن يفرج عنك، ويُظهر العدل والحق.
٥- نتوجه إليك بهذه المشورة، وهي تحتاج منك إلى مشاورة أهلك، ومشاورة أحد المحامين ـ لو أمكن ـ لأننا لا ندري شيئا عن قوانين بلادكم: لماذا لا تقومين بإبلاغ الشرطة عن صاحبتك التي خدعتك بالصورة، فإننا نظن أنه لو تم القبض عليها ومعاينة جهازها (الكمبيوتر) سيكفيك الله شرها ويبين الحق إن شاء الله تعالى.
الرسالة الثانية: لصديقتكِ
١. يجب عليكِ أن تتوبي إلى الله وتستغفرينه مما حصل منكِ، واعلمي أنكِ قد ارتكبتِ ذنوباً كثيرة، وتسببتِ بمفاسد متعددة، فقد خنتِ صديقتكِ، واتهمتيها زوراً وبهتاناً، وساهمتِ في نشر المنكر من الصور القبيحة التي رأيتِيها ودبلجتيها على صورة صديقتك، وأخذتِ منها المال بغير حق، وتسببتِ في أذيتها، وتسببتِ في قطيعة الرحم.
٢. ومن تمام توبتكِ: الاعتراف بخطئكِ لصديقتكِ، ولأمها، ولخالتها، ولا يقبل الله تعالى توبتكِ إلا بهذا؛ لأن من شرط التوبة: إصلاح ما فسد بالمعصية، قال تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) البقرة/١٦٠، واعلمي أنه باعترافكِ بفعلكِ ستفرجين كرب صديقتكِ، وترفعين التهمة الباطلة عنها، وعمُر الإنسان قصير، ثم سيلقى ربه تعالى بأعماله، فإياكِ أن تلقي ربك بتلك الأفعال من غير توبة صادقة منها..
٣. ومن تمام توبتك: إرجاع المال الذي أخذتيه بغير حق لصديقتك.
٤. ومن تمام توبتكِ: إتلاف الصورة بالكلية، وعدم معاودة الذنب مع صديقتك، ولا مع غيرها.
الرسالة الثالثة: لخالتكِ
١. يا خالتَنا العزيزة: اعلمي أن الله تعالى مطلع عليكِ، سامع لقولك، يعلم السر وأخفى، ولا نريد لكِ إلا الخير، فمثْلك يكون مرجعاً في الملمات والمشكلات، وعند أمثالك يطلب التائهون الدلالة على الطريق، وفي حضنك ترتمي بناتك وبنات أخواتك؛ لأنكِ الصدر الحنون والقلب الرحيم الذي يعرفونه، ونبينا محمد ﷺ قال: (الخَالَةُ بِمَنْزَلَةِ الأُم) رواه البخاري (٢٥٥٣) .
٢. يا خالتنا العزيزة: سنسألك سؤالا واحداً نرجو أن تجيبي بينك وبين نفسك: ماذا لو حصل مثل هذا الموقف – لا قدَّر الله – مع إحدى بناتك؟ وماذا لو كانت فعلتْ مثل ما فعلت ابنة أختك؟ فهل ترضين أن يكون موقف خالتها مثل موقفك الآن؟ إننا نجزم بما نعتقده فيك ونحسن الظن بك أنك لن ترضي ذلك، فلمَ إذن ترضينه لنفسك؟ ولا تستبعدي شيئاً عن أهل الشر أن يفعلوه، ولا تستبعدي شيئاً عن أهل الخير أن يقعوا فيه ظلماً وبغياً.
إننا لنرجو لكِ ولأبنائك وبناتك الخير، ونرجو أن يتسع صدرك لتقبل الحقيقة، ومعرفة براءة ابنة أختك من التهمة الباطلة التي ألصقتها بها صديقتها، ونحن قد نصحنا صديقتها بالتوبة والاعتراف لكم بالحقيقة، فلعلَّ الله أن يهديها، وتعترف أمامكم بقبيح جرمها، لكن نطلب منكِ التأمل في هذا الاتهام الباطل، وأن تعلمي أنه محض افتراء، ورجاحة عقلك، وسعة صدرك يحتمان عليك أن يكون موقفك مثاليّاً.
٣. يا خالتنا العزيزة: إن نبيك محمداً ﷺ قد أمركِ بأمرٍ لا نظنك إلا أن تنفذيه طائعة مستجيبة لأمره، وهذا الأمر هو: أنه من حلف لكِ بالله فيجب عليك أن تصدقيه، وأن ترضي بيمينه، وليس عندك يقين يقابل يمين ابنة أختك، فليس لك إلا الطاعة لنبيك محمد ﷺ ، والاستجابة لأمره.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ فَلْيَصْدُقْ، وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ فَلْيَرْضَ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ) .
رواه ابن ماجه (٢١٠١) ، وحسَّنه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (١١ / ٥٣٦) والألباني في " صحيح الترغيب " (٢٩٥١) .
قال السندي – ﵀ – على هامش " سنن ابن ماجه ":
(ومن حُلف له) أي: حُلف بالله لإرضائه.
(فليس مِن الله) أي: من قُربه في شيء.
والحاصل: أن أهل القرب (يعني: من الله) يصدِّقون الحالف فيما حلف عليه؛ تعظيماً لله، ومَن لا يصدقه مع إمكان التصديق: فليس منهم. انتهى.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن – ﵀:
وقوله: (مَن حُلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله) : أما إذا لم يكن له بحكم الشريعة على خصمه إلا اليمين فأحلفه: فلا ريب أنه يجب عليه الرضا، وأما إذا كان فيما يجري بين الناس مما قد يقع في الاعتذارات من بعضهم لبعض ونحو ذلك: فهذا من حق المسلم على المسلم: أن يقبل منه إذا حلف له معتذراً أو متبرئاً من تهمة، ومن حقه عليه: أن يحسن به الظن إذا لم يتبين خلافه، كما في الأثر عن عمر ﵁: (ولا تظنن بكلمة خرجت من مسلم شرّاً وأنت تجد لها في الخير محملاً) .
وفيه: من التواضع والألفة والمحبة وغير ذلك من المصالح التي يحبها الله ما لا يخفى على من له فهم، وذلك من أسباب اجتماع القلوب على طاعة الله، ثم إنه يدخل في حسن الخلق الذي هو أثقل ما يوضع في ميزان العبد، كما في الحديث، وهو من مكارم الأخلاق.
" فتح المجيد " (ص ٤٠٥) .
ونرجو يا خالتَنا العزيزة التأمل في كلام هذا الشيخ – ﵀ – فإنه في صميم مسألتكم وقضيتكم، فمن حق ابنة أختك عليك أن تقبلي منها يمينها، ومن حقها عليكِ أن تحسني الظن بها.
وهل علمتِ يا خالتَنا العزيزة ماذا فعل عيسى ﵇ عندما رأى رجلاً يسرق، فحلف له ذلك الرجل بالله أنه لم يسرق؟ اقرئي وتأملي:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: (رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ: أَسَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللَّهِ، وَكَذَّبْتُ عَيْنِي) . رواه البخاري (٣٢٦٠) ومسلم (٢٣٦٨) .
قال ابن القيم – ﵀:
" ومعنى الحديث: أن المسيح ﵇ لعظمة وقار الله في قلبه وجلاله ظن أن هذا الحالف بوحدانية الله تعالى صادق، فحمله إيمانه بالله على تصديقه، وجوَّز أن يكون بصره قد كذبه، وأراه ما لم ير، فقال: " آمنت بالله وكذبت بصري ".
ولا ريب أن البصر يعرض له الغلط ورؤية بعض الأشياء بخلاف ما هي عليه، ويخيِّل ما لا وجود له في الخارج، فإذا حكم عليه العقل تبين غلطه، والمسيح صلوات الله عليه وسلامه حكَّم إيمانه على بصره، فكذَّب بصره، ونسب الغلط إليه.
" بدائع الفوائد " (٣ / ١١٥٩، ١١٦٠) .
وإننا لنرجو أن يكون ما ذكرناه كافياً لقبول يمين ابنة أختك، ورفع التهمة عنها، ولا يسعك مخالفة الشرع في رفض هذا الحكم، ظننا بك لن يخيب إن شاء الله.
٤. يا خالتَنا العزيزة: نختم معك هذه الرسالة بالقول أنه لو كان – لا قدر الله – قد حصل من ابنة أختك الذنب والخطأ، ولن نقول إنك علمتِ ذلك من طرفٍ ثالث، بل سنقول إنك رأيتِ ذلك بنفسك، أتدرين ما الذي يجب عليك فعله؟ إنه الستر عليها! نعم ستر ذنبها، وعدم إشاعته بين الناس، أتدرين ما الأجر المترتب على ذلك؟ إنه الستر عليكِ في الدنيا والآخرة من قبَل ربنا ﵎.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) . رواه مسلم (٢٦٩٩) .
وتأملي ماذا قال النبي ﷺ لرجل دفع زانياً للاعتراف بذنبه، قال له: (لو سترته بثوبك كان خيراً لك) !
رواه أبو داود (٤٣٧٧) وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (٢٣٣٥) .
وتأملي الوعيد المترتب على من كشف عورة أخيه – وحاشاكِ من ذلك؛ لأن عرض ابنة أختك هو عرضك، والمسيء إليها مسيء إليك -.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَشَفَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ كَشَفَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ بِهَا فِي بَيْتِهِ) .
رواه ابن ماجه (٢٥٤٦) وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (٢٣٣٨) .
فيا خالتَنا العزيزة:
اعذرينا على الإطالة، ولم نطل إلا من حرقتنا على قطيعة رحم كانت بسبب حسن ظن ابنة أختك بالناس، ومن حرقتنا على عرضٍ يتهم بغير حق، فلم تري شيئاً بنفسكِ، ولم تعترف ابنة أختك بذنبها، بل حلفت لك اليمين وأعلمتكِ بصديقتها التي سبَّبت لها الأذى، فأي عذرٍ بقي لأحدٍ أن يتهمها أو يتكلم في عرضها.
ونسأل الله ﵎ أن يوفقكم لكل خير، وأن يجنبكم الشر وأهله، وأن يجمع بينكم على خير، وأن يعيد ما بينكم من روابط أقوى مما كانت.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15613
حكم اعتراف الزوجة لزوجها بماضيها السيئ وأثر إخبارها على حياتها
[السُّؤَالُ]
ـ[هذه مشكلة امرأة عاملة، تزوجت منذ بضعة أشهر، ولم تكن متمسكة بدينها في فترة الدراسة، وكانت تدرس بعيداً عن أهلها، وتعرفت على شاب غير مسلم كان يساعدها، وإنه أتى معها بعض الأفعال المحرمة دون أن تصل إلى حد ارتكاب الفاحشة، ولكنها تابت، وقطعت علاقتها به واستقامت، ولديها مشاكل مع زوجها حيث إنه كثير الشك، ولا يثق في أحد، وله تعلق بالشرك، والحسد، والسحر، وما أشبه، وأنه نادراً ما يحضر الجمعة، وأنه بدأ يشك في ماضيها، وأحضر مصحفاً، وطلب منها أن تحلف عليه، فحلفت كاذبة، ثم تابت، وأخبرته بعلاقتها السابقة، فبدأ في إذلالها، وأجبرها أن تكتب إلى أهلها بالتفاصيل، وأخذ يضيق عليها، فلا يسمح لها بالاختلاط بأهلها، ولا أقرب الأقارب، ومع ذلك تقول إنها تحبه، وهو كذلك، وتطلب النصيحة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله تعالى أن يقبل توبتها، وأن يغفر لها ذنبها، وأن يبدل سيئاتها حسنات.
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانا. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان/ ٦٨-٧٠.
ثانياً:
لا يجوز للزوج أن يجعل للشيطان طريقاً إلى قلبه بالشك في زوجته، وطريق الشك طريق شائك، لا يجعل صاحبه في هناءة من العيش، بل تكون حياته قائمة على القلق والاضطراب وتعظيم الأمر التافه، وهو ما يسبِّب ظلماً للآخرين، وتزكية لنفسه، وأمراضاً نفسية، وربما عضوية يعاقبه الله بها.
فما كان على الزوج أن يشك بامرأته البتة، كما لم يكن له أن يسألها عن ماضيها، فلا يخلو أحد – غالباً – من ماضٍ يود لو أنه يمحى من صحيفته ومن ذهنه ومن ذهن من يعرفه، فأن يأتي الشيطان له ليجعل زوجته تخبره بماضيها أمرٌ مستبشع مستنكر محرَّم، كيف لا يكون كذلك وقد أمر الله تعالى بالستر؟! ستر الإنسان المقصِّر على نفسه، وستره على غيره، وبسؤال الزوج فإنه يكون متسبباً في نقض السترين! .
وفي جواب السؤال رقم (٧٦٥٠) قلنا:
فليس للرجل حق في البحث عن الماضي الذي قد تابت عنه زوجته لما قدمنا، ولا ينبغي للمرأة أن تصارح زوجها بما قد حصل في الماضي وتابت منه، ولتستتر بستر الله.
انتهى
ثالثاً:
كان المرجو من الزوجة أن تبقى على يمينها عندما حلفت له أنه ليس لها ماضٍ فيه سوء؛ فليس من حقه أن يستنطقها بماضيها فضلاً أن يحلِّفها، أما وقد فعلت فإن هذا من الكذب المباح ـ إن شاء الله ـ حتى لو كان بيمين؛ دفعاً لسفاهة الزوج؛ وحفاظاً على شرفها وعرضها؛ وحفاظاً على زوجها وأولادها.
ونعجب من الزوجة الفاضلة كيف تراجعت عن يمينها وأقرَّت على نفسها بالفضيحة لماضٍ سالفٍ ستره الله عليها.
وكثير من النساء يسألن عن حكم إخبار الأزواج عن الماضي الذي كانت اقترفت فيه آثاماً وتابت منه، ولا ينبغي أن يشك في أن الحكم هو المنع الجازم من الإخبار؛ حفاظاً على ستر الله تعالى عليها؛ ومنعاً من فضيحتها؛ وحفاظاً على شرفها وعرضها من أن يناله أحد بسوء؛ وإبقاء للحياة الزوجية دون وجود ما يكدرها.
عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ – قال: (اجْتَنِبُوا هذهِ القَاذُوراتِ التي نَهَى الله عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ بِشَيءٍ منها: فَلْيَسْتتِر بِسِتْرِ الله وليتب إلى الله؛ فإنَه مَن يُبْدِ لنَا صَفْحَتَه نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ الله) .
رواه مالك (١٥٦٢) مرسلاً، والحاكم (٤ / ٤٢٥) ، والبيهقي (٨ / ٣٣٠) بإسناد متصل. والحديث: صححه الحاكم وابن السكن وابن الملقن، وحسَّنه العراقي، والألباني.
انظر: " التلخيص الحبير " (٤ / ٥٧) ، " خلاصة البدر المنير " لابن الملقِّن (٢ / ٣٠٣) ، " السلسلة الصحيحة " (٦٦٣) .
والقاذورة: هي الفعل القبيح والقول السيئ مما نهى الله عنه.
قال ابن عبد البرّ:
في هذا الحديث دليل على أنّ السّتر واجب على المسلم في خاصّة نفسه إذا أتى فاحشةً وواجب ذلك أيضاً في غيره. " التّمهيد " (٥ / ٣٣٧) .
وعَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ قَالَ:ُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ يَا فُلانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ) .
رواه البخاري (٥٧٢١) ومسلم (٢٩٩٠) .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
أما المؤمن العاصي فإنه إذا ابتلي بالمعصية فإن الأفضل ألا يجاهر بها وألا يخبر بها أحداً، وأن يستتر بستر الله ويتوب إلى الله، قال النبي ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) ، المجاهرون هم الذين يعملون السيئات ثم يصبحون يتحدثون للناس بما صنعوا، فمن أصاب شيئاً من هذه القاذورات: فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله ، ولا يخبر بها أحداً. " لقاءات الباب المفتوح " (١٣ / السؤال رقم ١٣) .
وقال الحافظ ابن حجر – ﵀:
ويؤخذ من قضيته - أي: ماعز عندما أقرَّ بالزنى - أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحدٍ
. . . وبهذا جزم الشافعي ﵁ فقال: أُحبُّ لمن أصاب ذنباً فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب اهـ. " فتح الباري " (١٢ / ١٢٤، ١٢٥) .
وفي " الموسوعة الفقهية " (٣ / ١٨١، ١٨٢) .
وقد اتّفق الفقهاء على أنّ المرء إذا وقع منه ما يعاب عليه يندب له السّتر على نفسه، فلا يُعْلِم أحداً، حتّى القاضي، بفاحشته لإقامة الحدّ أو التّعزير عليه؛ لما رواه البخاريّ وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كلّ أمّتي معافًى إلاّ المجاهرين ... ) ؛ وقوله ﷺ (من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله ... ) .
وقال أبو بكرٍ الصّدّيق: " لو أخذت شارباً لأحببت أن يستره الله، ولو أخذت سارقاً لأحببت أن يستره الله "، وأنّ الصّحابة أبا بكرٍ وعمر وعليّاً وعمّار بن ياسرٍ وأبا هريرة وأبا الدّرداء والحسن بن عليٍّ وغيرهم قد أثر عنهم السّتر على معترفٍ بالمعصية، أو تلقينه الرّجوع من إقراره بها، ستراً عليه، وستر معترف المعصية على نفسه أولى من ستر غيره عليه. والجهر بالمعصية عن جهلٍ، ليس كالجهر بالمعصية تبجّحاً، قال ابن حجرٍ: فإنّ من قصد إظهار المعصية والمجاهرة بها أغضب ربّه، وقال الخطيب الشّربينيّ: وأمّا التّحدّث بها تفكّهاً فحرامٌ قطعاً.انتهى
وقد ذكر العلماء فوائد للاستتار بالمعصية، ففي " الموسوعة الفقهية " (٣ / ١٨٢) :
يترتّب على الاستتار بالمعصية:
أ. عدم إقامة العقوبة الدّنيويّة؛ لأنّ العقوبات لا تجب إلاّ بعد إثباتها، فإذا استتر بها ولم يعلنها ولم يقرّ بها ولم ينله أيّ طريقٍ من طرق الإثبات، فلا عقوبة.
ب. عدم شيوع الفاحشة، قال الله تعالى: (إنّ الّذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الّذين آمنوا لهم عذابٌ أليمٌ في الدّنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون) .
ج. من ارتكب معصيةً فاستتر بها فهو أقرب إلى أن يتوب منها، فإن تاب سقطت عنه المؤاخذة، فإن كانت المعصية تتعلّق بحقّ الله تعالى فإنّ التّوبة تسقط المؤاخذة؛ لأنّ الله أكرم الأكرمين، ورحمته سبقت غضبه، فلذلك إذا ستره في الدّنيا لم يفضحه في الآخرة، وإن كانت تتعلّق بحقٍّ من حقوق العباد، كقتلٍ وقذفٍ ونحو ذلك، فإنّ من شروط التّوبة فيها أداء هذه الحقوق لأصحابها، أو عفو أصحابها عنها، ولذلك وجب على من استتر بالمعصية المتعلّقة بحقّ آدميٍّ أن يؤدّي هذا الحقّ لصاحبه. انتهى
وقد ذكرنا في أول الجواب فوائد أخرى تتعلق بالاستتار بمعاصي الزوجة قبل زواجها، ولا نعلم عن أحدٍ سمع من زوجته ماضياً سيئاً وازداد حبه لها، ولا ازدادت ثقته بها، حتى ولو كانت توبة نصوحا، واستقام حالها فيما بعد؛ بل على العكس، رأينا وسمعنا الشكوك المتزايدة، والترقب لأفعالها، ومنعها مما أباحه الله لها، وآخر ذلك تطليقها لاستحالة الحياة بينهما إما من جهته، أو من جهتها، أو من كلا الجهتين.
ثالثاً:
لذا فإننا نرى في حال الزوجة المسئول عنها:
١. إن أمكن فلتكذِّب نفسها مرة أخرى أمام زوجها، وأن تخبره أن هذا كان بسبب ضغطه عليها، وأنه ليس لما قالته أصل من الصحة.
٢. أن لا تخبر أهلها كما هي رغبة الزوج، وإلا فإنها ستقع في المحذور نفسه.
٣. وإذا لم يقتنع فلتخبر أهلها بذلك إن أوصل لهم الزوج ما قالته.
٤. أن تصبر على حياتها الجديدة معه؛ لتثبت له أنه لا علاقة للماضي بحاضرها، وتحاول تحمل قراراته وأفعاله حتى يهديه الله، ولتدع ربها بأن يهديه ويصلح باله.
٥. وإذا استمرت شكوكه وسوء أفعاله ولم تستطع الصبر: فليس لها إلا فراقه، وإلا صارت حياته جحيماً لا يطاق، ولا نظنه سيطيل المدة حتى يبادر هو بتطليقها.
٦. على أننا، وبغض النظر عن هذا المشكلة، وما ترتب عليها، لا ننصح هذه الزوجة بالبقاء مع زوج حاله بالسوء الذي وصفته: من التعلق بالشرك والسحر، والتفريط في الصلاة، حتى صلاة الجمعة، مع ما ذكرت من شكوكه وظنونه، وسوء معاملته، فمثل هذا لا ننصح بالحرص على الحياة معه، لأن مثل هذا الحياة لن تزيدها عن طريق الإيمان والهدى إلا بعدا!!
ولتحتسب أمرها عند ربها، ولتدع ربها تعالى أن يهوِّن عليها مصيبتها، وأن يبدلها خيراً منه.
وللاستزادة يرجى النظر في أجوبة الأسئلة: (٢٧١١٣) و (٩٥٦٢) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15614
يعاني من أخلاق زوجته وتقصيرها في دينها
[السُّؤَالُ]
ـ[اعتنقت الإسلام منذ سنتين تقريبا، وتزوجت منذ ذلك الوقت، وقد تزوجت صغيراً لعلمي بأن الإسلام يحرم المواعدة، وللأسف لم أكن أعلم بمسؤوليات كلٍّ من الزوجين في الزواج، والمشكلة الآن أن زوجتي - وهي حامل بطفلنا الأول - نادراً ما تصلي، وتسخر من حبي للملابس الإسلامية قائلة: إنه ينبغي أن ألبس تلك الملابس عندما أكون في بلد إسلامي وليس في الغرب، وتحثني على ارتداء الملابس الغربية، والاندماج في المجتمع الأمريكي، وهي تضايق الأخوات اللاتي يرتدين الملابس المحتشمة، وخاصة النقاب، وكلما حاولت أن أحثها على الصلاة تقول: إن الصلاة بينها وبين الله، وتغضب مني بشدة، وكل ذلك يزيد من ألمي، ولكن أكثر ما يؤلمني هو أن زوجتي ليست جاهلة بالدين، فقد كانت في وقت من الأوقات ترتدي النقاب، وتحفظ نصف القرآن مع التفسير أيضاً. أرجو من فضيلة الشيخ النصح والمشورة، وجزاك الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يجب أن تعلم أخي السائل حرمة الإقامة في بلاد الكفر، وأن تعلم ما تسببه الإقامة من تأثير سيء على دين وأخلاق وأفكار من يعيش بين أولئك الكفرة، والذين تفسخت مجتمعاتهم، وتخلت عن الأخلاق الفاضلة، وانظر لحال زوجتك كيف صارت بعد أن كانت مستقيمة تطلب العلم وتحفظ من القرآن، وانظر لسلوكها كيف تريدك أن تلبس، وكيف تنكر على الأخوات المستقيمات عفافهن ولباسهن الشرعي؛ وما ذاك إلا من تأثرها بتلك البيئة.
ومن نفيس كلام الشيخ العثيمين ﵀ – بعد أن بيَّن حرمة الإقامة بين أظهر الكفار -:
وكيف تطيب نفس مؤمن أن يسكن في بلاد كفار تعلن فيها شعائر الكفر ويكون الحكم فيها لغير الله ورسوله، وهو يشاهد ذلك بعينه ويسمعه بأذنيه ويرضى به، بل ينتسب إلى تلك البلاد، ويسكن فيها بأهله وأولاده، ويطمئن إليها كما يطمئن إلى بلاد المسلمين، مع ما في ذلك من الخطر العظيم عليه وعلى أهله وأولاده في دينهم وأخلاقهم.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٣ / ٣٠) .
وانظر في تفصيل هذه المسألة: جوابي السؤالين (١٤٢٣٥) و (٣٢٢٥) .
ثانياً:
وأما كونها لا تصلِّي إلا نادراً فهي في حكم التاركة للصلاة، وتارك الصلاة من الكفار، وغضبها منك بعد نصحها بالصلاة يدل على استهانتها بهذه الشعيرة العظيمة، ويدل على إصرارها على تركها، وعليه: فلا يحل لك البقاء معها، وعليك أن تفارقها إن بقيت مصرة على ترك الصلاة ولم ينفع فيها الوعظ والتذكير والهجر والتأديب.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
عمن له زوجة لا تصلي هل يجب عليه أن يأمرها بالصلاة وإذا لم تفعل هل يجب عليه أن يفارقها أم لا؟ .
فأجاب:
نعم، عليه أن يأمرها بالصلاة، ويجب عليه ذلك، بل يجب عليه أن يأمر بذلك كل من يقدر على أمره به إذا لم يقم غيره بذلك، وقد قال تعالى: (وأْمُر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) الآية، وقال تعالى: (يا أيها الذي آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) الآية، وقال ﵊ (علِّموهم وأدبوهم) – [لا يصح مرفوعاً، وروي عن علي بن أبي طالب]- وينبغي مع ذلك الأمر أن يحضها على ذلك بالرغبة، كما يحضها على ما يحتاج إليها، فإن أصرت على ترك الصلاة: فعليه أن يطلقها، وذلك واجب في الصحيح، وتارك الصلاة مستحق للعقوبة حتى يصلي باتفاق المسلمين، بل إذا لم يصل قتل، وهو يقتل كافراً مرتداً، على قولين مشهورين، والله أعلم.
" مجموع الفتاوى " (٣٢ / ٢٧٦، ٢٧٧) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15615
من مآسي المسلمين في الدول الغربية
[السُّؤَالُ]
ـ[لا يخفى على فضيلتكم انتشار الصحوة الإسلامية المباركة وبالأخص في صفوف الفتيات المسلمات، وحيثُ إننا نعيش في بلد غير إسلامي (أوروبي) لذلك نجد صعوبة في تطبيق أحكام الإسلام، فمِن حينٍ لآخر نجد بعض الصعوبات، فمرة بالاستهزاء بالقرآن، ومرة بإلصاق الإعلانات في الأماكن العامة وقد صوروا عليها فتاة مسلمة وكتبوا تحتها عبارة (هل تريدين غطاء الرأس؟ نحن نظن أنك لا تريدين) ، وآخرها: القرار الصادر من الحكومة بمنع ارتداء النقاب كليّاً، ودفع مبلغ ١٥٠ يورو لمن ترتديه، وفي الآونة الأخيرة أصبح في الأمر صعوبة كبيرة على الأخوات؛ لأن الأمر قد تعدى العقوبة المالية إلى ممارسة بعض التصرفات العنصرية من قبل رجال الشرطة، وذلك مثل الاستهزاء والسخرية، وأحياناً يتم إجبارهن على رفع النقاب أمام الرجال، ولا ننسى الموقف المُشين والصورة الغير لائقة للفتاة المُتنقبة أمام أعين الناس ورجال الشرطة يلتفون من حولها وكأنها ارتكبت جريمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أما بالنسبة لموقف الأخوات من هذا القرار فبعضهن انهمكت في الاتصال بالمشايخ لعلها تظفر بفتوى تُبيح لها كشف وجهها، وبالفعل وجدن من أفتى لهن بأن في الأمر خلافاً بين العلماء وأنتن في ضرورة ولا بأس بنزعه، والبعض الآخر لازلن محاصرات في بيوتهن ينتظرن رحمة رب العالمين.
فضيلة الشيخ
وحيثُ إنني ولدتُ وقضيتُ كل عمري في هذا البلد لذلك معذرة دعني أصارحك القول أن الإقامة في بلد الكفر تحمل في طياتها أسراراً لا يعلمها إلا من عاشها واقعيّاً.
فضيلة الشيخ
والله الذي لا إله غيره إن المسلمين في بلاد الكفر يعيشون في ذُل ومهانة وضياع لا يعلمه إلا الله وحده، فكم من البيوت انهارت، وكم من الأبناء لا يعرفون من الدين إلا اسمه، بل وصل الأمر إلى بيع بناتنا المسلمات إلى تجار الرقيق وإرسالهن إلى بعض دول أوروبا الشرقية، وذلك ليتم استعمالهن في ممارسة البغاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولقد استمعتُ يوماً من الأيام إلى رئيس قسم الأمراض المعدية - وهو عربي الجنسية - حيثُ صرح بأنه يوجد عدد ٤٠٠٠ أربعة آلاف من الفتيات المسلمات وبأعمار مختلفة يشتغلن في ممارسة الزنا وبأوراق رسمية، وهذا الإحصاء في مدينة واحده فقط!! وللأسف الشديد حتى ممن يوصفون بالتدين وجدوا أنفسهم بين فكي الأسد، فالأموال اختلطت بالربا، والأبناء لا يتكلمون اللغة العربية، وصلاة الجمعة تصلى ظهراً في المصانع الخ! ، ولا أقول هذا عن طريق سماع الأخبار، بل ما نراه بأعيننا، وهذا قليل من كثير، والله إن القلب ليتفطر من شدة ما نسمع ونرى وما وصلنا إلى هذا المستوى الذي نراه اليوم إلا عندما خالفنا شرع ربنا ورضينا بالعيش معهم من أجل دراهم معدودة إلا من رحم الله من الذين لهم العذر في البقاء، وفي المقابل هناك عدد من العائلات اجتهدوا في الهجرة إلى بلاد الإسلام وهم الآن يعيشون في رغد من العيش والله خير الرازقين.
فضيلة الشيخ
جزاك الله خيراً يوم علمتنا أن نكون مُتفائلين لا متشائمين، ولكن هذه هي الحقيقة المرة التي لا مفر منها، وحتى نكون منصفين فالحمد لله الإقبال على الإسلام كثير وبالأخص في صفوف المسلمين الجدد، فالحمد لله على نعمته وفضله.
فضيلة الشيخ
ما نريده من فضيلتكم ولكم الأجر من الله :
١. تقديم النصيحة للفتيات المسلمات بالتمسك بحجابهن، وعدم تعلقهن بالفتاوى الواهية التي تفتح لهن أبواب الشر.
٢. تشجيع الشباب على الهجرة وعدم الركون إلى الدنيا؛ لأن كثيراً منهم - أو أغلبهم - كان سبباً في بقاء زوجته وأبنائه وتعرضهما إلى هذه المصائب، علماً بأن كثيراً من الإخوة لم يهاجروا بعد وذلك بحجة جمع المال الكافي الذي يمكنهم من القيام بمشروع تجاري في البلد الذي سيهاجرون إليه، فكم المبلغ المطلوب جمعه؟ ومتى سيُجمع؟ .
٣. تقديم النصيحة للأخوات اللواتي يُكثرن الخروج من البيت لغير ضرورة، وبالأخص في مثل هذه الظروف الحرجة.
٤. تقديم النصيحة للإخوة الذين يطلبون من زوجاتهم كشف الوجه بالقوة أمام بعض الإدارات بحجة أن الأمر فيه ضرورة، فما هو الحكم الشرعي في طاعة الزوج في هذا الأمر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن مآسي المسلمين والمسلمات في كثير من دول الكفر كثيرة، وحالهم في تلك الدول يُفطِّر القلب، ويُدمع العين.
وكلنا نسمع ونقرأ ما يتعرضون له من مضايقات، وبخاصة النساء، وقد بان زيف هذه الدول التي تدَّعي الحضارة والحرية، فراحوا يضيقون على المسلمين في وظائفهم وبيوتهم، وعلى النساء في حجابهن وعملهن، فأطلقوا الحريات في زواج المثليين، والشذوذ الجنسي، وحرية الإساءة للإسلام وأهله، وضيَّقوا على المسلمين في شعائرهم وشرائعهم.
والواجب على كل من قدر على الخروج من تلك الديار أن لا يقصِّر في ذلك، قبل أن يأتي يوم يندم فيه على تفويت الفرصة، ولا يملك حتى نفسه ليخرج بها، وذلك بعد أن يضِيع أولاده في خضم تلك الحضارة الزائفة الخارجة عن كل خلق وفضيلة، فيعيش سنين حياته يعمل ويكد ويجتهد، ثم يسلِّم أولاده للشارع والكنيسة، خسر الدنيا والآخرة.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
الإقامة في بلاد الكفار خطر عظيم على دين المسلم، وأخلاقه، وسلوكه، وآدابه، وقد شاهدنا وغيرنا انحراف كثير ممن أقاموا هناك فرجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا فُسّاقًا، وبعضهم رجع مرتدًا عن دينه وكافرًا به وبسائر الأديان - والعياذ بالله - حتى صاروا إلى الجحود المطلق والاستهزاء بالدين وأهله السابقين منهم واللاحقين، ولهذا كان ينبغي بل يتعين
التحفظ من ذلك ووضع الشروط التي تمنع من الهويّ في تلك المهالك ... .
وكيف تطيب نفس مؤمن أن يسكن في بلاد كفار تعلن فيها شعائر الكفر ويكون الحكم فيها لغير الله ورسوله، وهو يشاهد ذلك بعينه ويسمعه بأذنيه ويرضى به، بل ينتسب إلى تلك البلاد ويسكن فيها بأهله وأولاده ويطمئن إليها كما يطمئن إلى بلاد المسلمين مع ما في ذلك من الخطر العظيم عليه وعلى أهله وأولاده في دينهم وأخلاقهم؟! انتهى.
وانظر تتمة هذا الكلام للشيخ – ﵀ – في جواب السؤال رقم (٢٧٢١١) ففيه تفصيل مسألة الإقامة في دول الكفر.
ثانياً:
لا يجوز للمرأة المسلمة التنازل عن عفافها وحجابها أمام تلك المغريات الفاسدة الزائلة، ولا يزال شياطين الإنس والجن يزينون للمرأة الانخراط في سلك الغاوين، فمن تبعهم زينوا الدنيا في ناظريه، وأبعدوه عن التفكير في القبر والآخرة ولقاء الله تعالى.
وللأسف أن يساهم بعض مفتي الفضائيات في نزع المرأة حجابها بحجة الدراسة أو العمل، ولا خير في دراسة وعمل يسبب غضب الرب ﵎ وسخطه، وأي متاع دنيوي ستحوزه المرأة بشهادتها أو راتبها، وهي تعلم أنه على حساب ثواب الآخرة ورضا الله تعالى، فلا يرضى بهذا إلا مَنْ زُيِّن له سوء عمله فرآه حسناً.
ولا يجوز للمسلمة أن تكشف عن وجهها فضلاً أن تكشف عن شعرها، ولو بحجة الدراسة أو العمل، وما عند الله خيرٌ وأبقى، ويجب على كل مسلم أن يسارع في الخروج من تلك الظلمات، وعلى العلماء أن يعينوا الأسر المسلمة على دينها وطاعة ربها بدلاً من إعانتهم على تكوين ثرواتهم وعبادة الدرهم والدولار!
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
لا يجوز لكِ ولا لغيركِ من النساء السفور في بلاد الكفار، كما لا يجوز ذلك في بلاد المسلمين، بل يجب الحجاب عن الرجال الأجانب سواء كانوا مسلمين أو كفاراً، بل وجوبه عن الكفار أشد؛ لأنه لا إيمان لهم يحجزهم عما حرم الله.
ولا يجوز لكِ ولا لغيركِ طاعة الوالدين ولا غيرهما في فعل ما حرم الله ورسوله، والله سبحانه يقول في كتابه المبين: (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) الأحزاب/٥٣.
فبيَّن في هذه الآية الكريمة أن تحجَّب النساء عن الرجال غير المحارم أطهر لقلوب الجميع، وقال سبحانه: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) إلى أن قال سبحانه: ( ... ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ... ) النور/٣١.
" فتاوى علماء البلد الحرام " (ص ٥٢٩) .
ثالثاً:
ينبغي للأزواج أن يكونوا عوناً لزوجاتهم على العفاف والستر والحياء، ولا يحل لهم أن يأمروهن بخلع حجابهن من أجل الدنيا كدراسة أو عمل، فإن تحتم عليهم ذلك ولم يتيسر لهم إبقاء حجاب نسائهم فيجوز كشف الوجه لتلك الضرورة، كالمطارات والجوازات، على أن يحرصوا أن يكون الناظر لها امرأة.
وأما الذين يريدون من نسائهم خلع حجابهن بالكلية، أو من غير ضرورة: فلا يحل لهم هذا، والواجب عليهم أن يفخروا بانتسابهم لهذا الدين، وأن يفخروا بستر نسائهم وبناتهم، خاصة وأنهم يرون لباس الكافرات من حيث العري والشذوذ في الألوان والتفصيل!
ولا يحل للمرأة طاعة زوجها إذا كان يأمرها بخلاف الستر والحجاب، وقد قال النبي ﷺ : (لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف) .
رواه البخاري (٤٠٨٥) ومسلم - واللفظ له - (١٨٤٠) .
وسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
رجل متزوج وله أبناء، زوجته تريد أن ترتدي الزي الشرعي وهو يعارض ذلك، فبماذا تنصحونه بارك الله فيكم؟ .
فأجاب:
إننا ننصحه أن يتقي الله في أهله، وأن يحمد الله الذي يسَّر له مثل هذه الزوجة التي تريد أن تنفذ ما أمر الله به من اللباس الشرعي الكفيل بسلامتها من الفتن، وإذا كان الله قد أمر عباده المؤمنين أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم/٦، وإذا كان النبي ﷺ قد حمَّل الرجل المسؤولية في أهله فقال: (الرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته) ، فكيف يليق بهذا الرجل أن يحاول إجبار زوجته على أن تدع الزي الشرعي في اللباس إلى زي محرم، يكون سبباً للفتنة بها ومنها، فليتق الله تعالى في نفسه، وليتق الله في أهله، وليحمد الله على نعمته أن يسَّر له مثل هذه المرأة الصالحة.
وأما بالنسبة لزوجته: فإنه لا يحل لها أن تطيعه في معصية الله أبداً؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
" فتاوى المرأة المسلمة " (١ / ٤٤٢، ٤٤٣) .
ولينظر جواب السؤال رقم: (٤٥٦٧٢) ففيه تفصيل لحكم إجبار الدول للمسلمات على نزع الحجاب.
رابعاً:
وأما خروج المرأة من بيتها: فلتعلم أخواتنا أن الأصل في المرأة أنها مكرَّمة، ومن تكريمها أن سخر لها زوجها وأولادها لخدمتها، وأوجب على الزوج النفقة عليها، وبقاؤها في بيتها ليس إلا لأنها تقوم بعمل جليل لا يمكن لمجموعة من الرجال أن يقوموا به، وهو تربية أولادها، وخدمة زوجها وبيتها، وهي أعمال جليلة عظيمة، ولذا فإنها لا تخرج إلا من ضرورة أو حاجة ماسة، وخاصة إن كانت في بلاد كافرة أو غير آمنة.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
لا شك أن بقاء المرأة في بيتها أفضل وأبعد عن الفتنة والشر, ولا يخفى علينا جميعاً ما يحصل من خروج النساء إلى الأسواق من الفتنة لهن وبهن , فإذا أمكن ألا تخرج: فهذا هو المطلوب , وإذا اضطرت للخروج: فلتخرج كما قال النبي ﵊: (وليخرجن تفِلات) أي: غير متبرجات بزينة ولا متطيبات , ولكن لا تخرج إلا لحاجة , ... فالذي أرى في هذه المسألة أن تلزم المرأة بيتها بكل حال، ولا تخرج إلا للضرورة , وإذا خرجت للضرورة فلتكن غير متطيبة ولا متبرجة بزينة.
أما اصطحاب محرَم لها: فلا شك أنه أفضل وأولى , لكنه ليس بلازم ما دام أن المسألة لا تحتاج إلى سفر، ولكن من المؤسف أنك تجد بعض الناس يأتي إلى الخياط أو إلى التاجر ومعه أهله ثم يبقى في السيارة والمرأة هي التي تذهب وتخاطب الرجال وربما يحصل فتنة بأهله , فعلى الإنسان أن يكون رجلاً حازماً غيوراً على أهله , فلا يفعل هذا الفعل , إذا كان ولا بد فلينزل معها وليكن واقفاً عندها وهي تكلم الرجل أو يكلمها ثم هو يكلم الرجل.
" لقاءات الباب المفتوح " (١١٧ / السؤال ٢) .
وانظري جوابي السؤالين: (٦٧٤٢) و (٩٩٣٧) .
خامساً:
ولمن يريد النصح الصادق، والتوجيه الشرعي إذا أبى إلا البقاء في دول الكفر: فلينظر جوابي السؤالين: (٧٠٢٥٦) و (٤٢٣٧) ففيهما خير كثير إن شاء الله من التوجيه والنصح.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15616
تاب من التحرش ببنات أخواته فماذا يلزمه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب ٢٨ سنة كنت في صغري أتحرش بالبنات وكان ذلك بتحريض من أخي الأكبر دون أن أفهم أي شئ واستمر الأمر عندي حتى أصبحت عادة وبدأت بالتحرش ببنات أخواتي وهن صغيرات حتى كبرن وامتنعن عني ووصلت إلى السنوات الأولى من الجامعة والتزمت وندمت كثيرا حتى أصبحت الوحيد في الأسرة الملتزم وأصلي جماعة وأنصح وأفعل كل ما هو خير لكني عاجز عن نصح بنات أخواتي إن فعلن أي خطأ , وأسال هل لي من توبة؟ علما أن ذلك الأمر قد يكون ظلما وقع على بنات أخواتي وأخواتي والعائلة فكيف أرد تلك المظالم وأنقي نفسي؟ علما أن أمثالي متوعدون بالعقاب الشديد في الدنيا والوعيد الشديد في الآخرة، وأنا في خوف شديد وندم أشد ولا حول ولا قوة إلا بالله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نحمد الله أن منّ عليك بالالتزام والاستقامة والتوبة، ونسأله سبحانه أن يتجاوز عنك فيما ذكرت من الظلم المتعلق بأخواتك وبناتهن، وعليك بالإكثار من الاستغفار والأعمال الصالحة، مع البعد عن أسباب المعصية.
وباب التوبة مفتوح، مهما عظم الذنب، كما قال سبحانه: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) التوبة/١٠٤.
وقال تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
والتوبة تهدم ما قبلها من الذنوب مهما كانت عظيمة أو كثيرة، قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣.
وأما رد المظالم فعليك بالدعاء والاستغفار لمن ظلمت والله تعالي يتوب على من تاب.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15617
مشكلة بين الأب والأم بسبب تأخر مستوى الأولاد التعليمي
[السُّؤَالُ]
ـ[لدينا ابن ليس جيِّداً في مستواه الدراسي، وقد أساء والده في تربيته، وعند بلوغه الصف السادس تعلم كلمة نابية وأطلقها على أخيه، وعندما هممت بعقابه منعني والده عنه، وهذه ليست المرة الأولى، ولكن لأول مرة آخذ موقفاً، فتخليت عن تدريسه، وبعد فترة تدنَّى فيها مستواه، وطلب مني والده تدريسه فشرطت عليه أن لا يحول بيني وبين تأديبه، وألا يحرمني من الذهاب إلى دور التحفيظ مهما حصل، حيث إنه كان يوافق تارة ويمنعني تارة أخرى ليس لشيء إلا لفرض السيطرة، وافق، فتعهدته بالتدريس، وذهبت إلى التحفيظ - المستوى الأول -، وبعد أن وفقنا الله ونجحنا جميعنا في الدراسة وبدأت السنة الدراسية الجديدة: منعني زوجي أن أكمل دراستي في الدار بدون إبداء سبب مقنع، فتدنت همتي ولم أجتهد في تدريس ابني، وكانت النتيجة رسوبه في النصف الأول من العام الدراسي الجديد، وعند اقتراب الامتحانات النهائية طلب زوجي أن أدرس هذا الابن، فسألته قائلة: هل أدرسه وتوافق على ذهابي إلى التحفيظ في السنة القادمة إن شاء الله؟ فثار، وقال: أنتِ السبب إذن في رسوبهم، وكل طلباتك مرفوضة، وما فيك خير، والله لا يشكر فضلك، ومنذ ذلك اليوم حرمني من الخروج، ودائما يسبني من ورائي أمام أبنائه، لدرجة أن قال لهم " أمكم أخليها في البيت مثل الشيطانة، لا أخرجها ولا أوديها "، وينوي حرماني حتى من زيارة أهلي. فهل تدريس الأبناء واجب شرعي أستحق على تركه العقاب؟ وما حكم إصراري على الذهاب إلى التحفيظ حيث إني أنشغل به عن الوقوع في المعاصي التي غرقت فيها هذه السنة التي أجبرت فيها على ترك الدراسة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
تربية الأولاد مسئولية مشتركة بين الوالديْن، وإذا حصل التعارض والتناقض في تربيتهم أثمر ذلك ثماراً فاسدة على الأولاد، فساءت أخلاقهم، وتشتت شملهم، لذا يجب على الوالدين أن يحسنا تربية أولادهم، وأن لا يقع بينهما تناقض أو تعارض، وبخاصة إذا كان هذا أمام أولادهم، ويجب أن يتفقا على الوسائل الشرعية التربوية في معالجة أخطاء أولادهم، فلا يرى أحد المعاقبة على الخطأ وينكر عليه الآخر ويرى مسامحته إلا أن يكون ذلك باتفاق بينهما وتشاور، حتى يعلم الولد أنهما اتفقا على المسامحة شفاعة من الآخر لإعطائه فرصة أخرى لإصلاح نفسه، أما أن يعترض طرف على الطرف الآخر أمام ولدهم المخطئ، ويعنف في الكلام ويسيء في الأدب: فإن هذا خطأ؛ ينعكس على تصرف الأولاد.
ومما يدل على المسئولية المشتركة بين الأب والأم في تربية أولادهم:
١. قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم/٦.
٢. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ: الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا) . رواه البخاري (٨٥٣) ومسلم (١٨٢٩) .
وانظري جواب السؤال رقم (١٠٠١٦) ففيه مزيد فائدة.
ثانياً:
مسئولية الوالد في تربية ولده ينبغي أن تكون من أولى اهتماماته، فالرجل يملك الحكمة والتجربة والقوة ويستطيع بالمخالطة بغيره أن يتوصل لأنجع الوسائل والطرق في تربية ولده، وقد اشتد حرص السلف على مباشرة مهمة تربية أولادهم، كما ذكر أن الخليفة العباسي المنصور بعث إلى مَنْ في السجن من بني أمية يقول لهم: ما أشد ما مر بكم في هذا السجن؟ قالوا: ما فقدنا من تربية أولادنا.
ويظن بعض الآباء أن تربية الأبناء والقيام على هذه الأمانة هو بتوفير الطعام والشراب واللباس والسكن لهم، وهو تصور باطل بعيد كل البعد عن شرع الله.
قال الشيخ ابن باز ﵀:
الإحسان إلى البنات - ونحوهن - يكون بتربيتهن التربية الإسلامية، وتعليمهن، وتنشئتهن على الحق، والحرص على عِفَّتهن، وبُعدهن عما حرم الله من التبرج وغيره، وهكذا تربية الأخوات والأولاد الذكور، إلى غير ذلك من وجوه الإحسان، حتى يتربى الجميع على طاعة الله ورسوله، والبعد عما حرم الله، والقيام بحق الله ، وبذلك يعلم أنه ليس المقصود مجرد الإحسان بالأكل والشرب والكسوة فقط، بل المراد ما هو أعم من ذلك من الإحسان إليهن في عمل الدين والدنيا.
" مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز " (٤ / ٣٧٧) .
ثالثاً:
وأولى ما ينبغي عليكم العناية به والاهتمام بتحقيقه هو تعليم أولادكم العقيدة الإسلامية الصحيحة، والأحكام الشرعية، والأخلاق الفاضلة، فهذا أولى من غيره، ولا مانع من أن يدرس علوماً أخرى دنيوية، على أن تكون ظروف دراسته شرعية، فلا اختلاط مع الفتيات، ولا الدراسة في مدارس تنصيرية، ولا دراسة مناهج كفرية أو فسقية.
وفي فتوى رقم (٤١٧٢) وتاريخ ٤ / ١٢ / ١٤٠١ هـ من " اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء " بالمملكة العربية السعودية، جاء فيها:
رابعاً: يجب على جميع المسلمين رعاةً ورعيةً العناية بتعليم الأولاد ذكوراً وإناثاً الإسلام الحق عقيدةً وأحكاماً وأخلاقاً وآداباً، ولا يجوز تفريغ برامج التربية والتعليم من ذلك ولا مزاحمة دين الإسلام بغيره من العقائد والمذاهب والآراء الباطلة.
خامساً: ليعلم كل مسلم استرعاه الله رعية أن الله سيسأله عن هذه الأمانة التي حملها فإن كان أداها على الوجه الأكمل ونصح لها فليحمد الله، وإن كان غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) ، وقال النبي ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) ، وقال أيضاً ﵊: (ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرّم الله عليه الجنة) . انتهى
فالمسئولية مشتركة في التعليم والتوجيه، كلٌّ حسب طاقته وقدرته، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولا يجوز للأب أن يلقي عبء دراسة الولد على أمه ويقف موقف المتفرج، ويغفل هو عنه أو يتغافل، كما لا يجوز للأم أن تفعل الشيء نفسه، فهي مسئولية مشتركة في العناية والتربية والتعليم، فإذا كان الأب من العاملين الكادِّين والأم متفرغة فيكون حملها أثقل، والعكس بالعكس، وينبغي التشاور والتفاهم حتى تؤدَّى الرسالة على أكمل وجه، والأصل في التوجيه والمسئولية الأب لا الأم.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
البنون والبنات لهم راعٍ يرعاهم، إذا كانوا صغاراً: فإن الذي يرعاهم ويدير شئونهم هو أبوهم أو أخوهم الأكبر، (الرجل راعٍ في أهل بيته ومسئول عن رعيته) ، فيجب على أولياء الأمور ورعاة البيوت أن يحملوا أهليهم على عبادة الله ، وعلى الحرص في طلب العلم، وأن يشجعوا الأولاد، يقول: تعال يا بني! ماذا حفظت اليوم؟ اقرأ عليَّ ما حفظت؛ حتى يتشجع ويعلم أن وراءه من يتابعه، وكذلك يقال في البنات، شجِّعهم، احملهم على العلم، احملهم على العمل به، ألِّف قلبك إلى قلوبهم، لا تكن كبعض الآباء يكون في بيته كالخشبة المسندة لا يحرك ساكناً، فإن الإنسان مسئول عن أسرته ورعيته.
" اللقاء الشهري " (٦٧) .
رابعاً:
وصيتنا لأختنا السائلة أن لا تخرج من بيتها من غير إذن زوجها ورضاه، ولو لتعلم القرآن أو تعليمه؛ فإن طاعة الزوج واجبة، وخروج المرأة من غير إذن زوجها محرَّم، والضغط عليه لإجباره على خروجها أيضاً لا يجوز، ولا تفتحي على نفسكِ باباً من الشر بالخروج بهذه الطريقة، ويمكنك تقسيم الوقت بين تعليم ولدك وتعلمك، ومن ثم إقناع زوجك بهذا التقسيم، وظننا به أن يقدِّر هذا الأمر منكِ ويكون سبيلاً للتفاهم على كلا الأمرين.
ولتعلمي يا أختنا أن زوجك ليس آثماً بمنعك من الخروج لحلقات تحفيظ القرآن، والإثم فقط في حال منعك من الصلاة في المسجد أو تعلم علم واجب لا يمكنك تعلمه في البيت، وقد يسَّر الله تعالى للناس سبل العلم، فتستطيع المرأة أن تقرأ الكتب وتسمع الأشرطة في كل فنون العلم، ولا يقف بينها وبين الاستفادة من الطرق الحديثة في التعلم شيء، ولن ترى في خروجها أكثر مما تراه في بيتها لو أنها أرادت، كما يمكنك عقد حلقة من أخوات مستقيمات للحفظ والعلم في بيتك دون الحاجة للخروج منه.
وبكل حال: قدِّمي ما تستطيعين من عناية ورعاية وتعليم لابنك، وعاشري زوجك بالمعروف، وقومي بما أوجبه الله تعالى عليك تجاهه، وسترين ثمار ذلك في نفسك وزوجك وأولادك إن شاء الله تعالى.
خامساً:
ووصيتنا للزوج أيضاً أن يحسن العشرة مع زوجته، وقد قال النبي ﷺ : (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِه) رواه الترمذي (٣٨٩٥) وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣٨٥) .
فإذا رأى أن خروجها إلى دار التحفيظ فيه فائدة لها، وتعود تلك الفائدة على أولادها بل على البيت بأكمله، فلماذا يمنعها من ذلك الخير؟ ثم تسوء العلاقة بينه وبينها، لأنها تراه منعها من أمر كان نافعاً لها، فالذي ينبغي أن تكون الحياة بينكما قائمة على التفاهم والمشاركة في المسئولية، وحرص كل طرف على ما ينفع الآخر.
واعلم أيها الزوج أن إرضاءك لزوجتك وإسعادك لها في غير معصية الله سيعود بالنفع عليك وعلى أولادك، نسأل الله تعالى أن يجمع بينكما على خير، وأن يوفقكما لما فيه نفعكما في الدنيا والآخرة.
سادساً:
وهذه كلمات لبعض المتخصصين في بيان الدور المشترك بين الأب والأم في تربية الأولاد وتعليمهم:
تساءلت أم مستنكرة: لماذا يتهم الزوج زوجته بالتقصير والإهمال إذا لم يحصل الابن على درجات عالية ويتناسى واجبه الذي لا غنى عنه نحوهم في هذا الأمر؟
وقال الدكتور محمود أبو دف أستاذ التربية بالجامعة الإسلامية بغزة: "على كل من الأب والأم أن يتعاونا في هذه المسألة، فيقوم الأب بسد النقص الذي قد لا تتمكن من فعله الأم لانشغالها أو لعدم إلمامها بالمادة العلمية بصورة كافية.
وشدد الدكتور "أبو دف" على ضرورة أن يكون للآباء دور فاعل ومؤثر في عملية متابعة النشاط الدراسي للأبناء حيث يُشعرهم ذلك بمدى الالتزام.
وعزا هروب الآباء إلى وجود نظرة سلبية ترسبت في أذهانهم، وهي أن الدور التعليمي من مهام الأم مثله مثل أي عمل داخل المنزل، واستطرد موضحا: "وهذا خطأ فادح؛ فهذه المهمة بالدرجة الأولى تربوية وبحاجة إلى تكامل الأدوار بين الزوجين، ويجب أن يدرك الأب أن دوره لا يكون فقط خارج المنزل حيث توفير لقمة العيش ومستلزماتها بل هناك أدوار بالغة الأهمية داخل المنزل ومنها تدريس الأبناء؛ فهي ليست مهمة عادية.
وطالب الآباء بضرورة زيادة وعيهم وإحساسهم تجاه هذه المسألة حتى لا تنعكس الخلافات حولها على الأسرة والأبناء.
وقال الأستاذ "أسامة المزيني" المحاضر بكلية التربية بالجامعة الإسلامية: على الأب أن يهتم بمتابعة النشاط الدراسي لأبنائه كجزء مهم من أولوياته.
وقال أيضاً: الزوجة شريكة حياتك، وفي اهتمامك بدروس الأبناء ومذاكرتهم تكون قد أديت دورك في الشراكة، وإلا فاسأل نفسك: أين دوري؟ وتذكر أن هناك ما هو أهم من توفير الحياة المادية للأبناء ألا وهو الاهتمام بمستقبلهم العلمي.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15618
يأتيه الوسواس القهري فيسب ويلعن
[السُّؤَالُ]
ـ[أعاني من الوسواس القهري خصوصاً في الصلاة، أو إذا كنت بمفردي، ونوع الوسواس الذي لدي هو اللعن والسب أتلفظ به غصبا عني مثل أن ألعن نفسي أو أبي أو أمي. أرجو توجيهي للطريقة الصحيحة للعلاج، والدعاء لي، وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الوسواس القهري نوع من المرض، ينبغي لمن أصيب به أن يتداوى بأمور:
١- الفزع إلى الله تعالى واللجوء إليه، فإنه سبحانه يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، وليقل كما قال أيوب ﵇: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) الأنبياء/٨٣، وقد قال النبي ﷺ : (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ) رواه أحمد (٣٧٢٧) وحسنه الألباني في غاية المرام برقم (٢٩٢) ، فالدواء من عنده سبحانه، والشفاء بيده، فألح على الله بالدعاء، واغتنم أوقات السحر، فإن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: (مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) رواه البخاري (٦٣٢١) ومسلم (٧٥٨) .
٢- الإعراض عن الوسواس وما يدعو إليه، والانشغال عنه بالعبادة والطاعة ما أمكن، ولهذا أرشد النبي ﷺ من يأتيه الوسواس بقوله: (فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ) رواه البخاري (٣٢٧٦) ومسلم (١٣٤) ، فإذا جاءتك الرغبة في السب أو اللعن، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وانشغل بذكر الله تعالى وتسبيحه، أو ارفع صوتك بالقرآن، أو الكلام مع صديقك ونحو ذلك.
٣- الإكثار من ذكر الله تعالى، لا سيما الاستغفار، فإن الوسواس من الشيطان، أو له مدخل فيه، والشيطان إذا ذُكِر اللهُ تعالى خنس، وفر وأدبر، قال الله تعالى:) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيع الْعَلِيمُ) فصلت/٣٦. قال ابن كثير ﵀ في تفسيره: " فأما شيطان الجن فإنه لا حيلة فيه إذا وسوس إلا الاستعاذة بخالقه الذي سلطه عليك، فإذا استعذت بالله والتجأت إليه كفه عنك ورد كيده، وقد كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه " انتهى. وروى مسلم (٢٢٠٣) أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا) قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي. وفي وصية يحيى ﵇ لأصحابه: (وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا، حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنْ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ) رواه الترمذي (٢٨٦٣) وصححه الألباني في صحيح الترمذي
٤- الذهاب إلى الطبيب المسلم الثقة، فإن هذا الوسواس نوع من المرض كما سبق، وقد قال النبي ﷺ : (تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ: الْهَرَمُ) رواه أحمد (١٧٧٢٦) وأبو داود (٣٨٥٥) والترمذي (٢٠٣٨) وابن ماجه (٣٤٣٦) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
٥- أن تعلم أن من ابتلي بهذا المرض فهو معذور فيما يتلفظ به، لعدم إرادته له، وكراهته له، بل هو مأجور مثاب إن شاء الله، إذا صبر واحتسب، ومأجور على كراهته للوسوسة، وفراره منها، ولهذا لما جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: (وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟!) قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: (ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ) رواه مسلم (١٣٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
قال النووي في شرح مسلم:
" معْنَاهُ: اِسْتِعْظَامُكُمْ الْكَلَام بِهِ هُوَ صَرِيح الْإِيمَان , فَإِنَّ اِسْتِعْظَام هَذَا وَشِدَّة الْخَوْف مِنْهُ وَمِنْ النُّطْق بِهِ فَضْلًا عَنْ اِعْتِقَاده إِنَّمَا يَكُون لِمَنْ اِسْتَكْمَلَ الْإِيمَان اِسْتِكْمَالًا مُحَقَّقًا وَانْتَفَتْ عَنْهُ الرِّيبَة وَالشُّكُوك " انتهى.
وانظر السؤال رقم (٦٢٨٣٩) ، ورقم (٢٥٧٧٨) ، ورقم (٣٩٦٨٤) .
نسأل الله لك الشفاء والعافية.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15619
مشكلة بين زوجين بسبب إدخال "الدش "
[السُّؤَالُ]
ـ[أدخلت الدش على أهل بيتي وأنا الآن نادم وأريد إخراجه، إلا أن زوجتي ترفض هذا الشيء بشدة وتقول: إنها تشاهد البرامج الثقافية وأزياء المرأة والبرامج الأسرية، ولكني فرضت كلمتي وأصررت على إخراج الدش، وناقشتني وقالت لي: ليس هكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن الرسول ﷺ قال: (إن الرفق ما أتى في شيء إلا زانه، وما رفع عن شيء إلا شانه) أفتوني كيف أقنع زوجتي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن إدخال –الدش- إلى البيت؛ من أكبر الأخطاء التي يرتكبها الناس على أنفسهم وأهليهم , قال تعالى: (يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ... ) التحريم/٦.
ومن سمع أو قرأ أو رأى! ما يعرض في الفضائيات من منكر وفواحش لا يتردد في تحريم إدخال هذا الجهاز إلى البيت، والقول بأننا نرى فيه البرامج المفيدة أو المباحة، كلمة كثيراً ما يقولها الناس إلا أن الواقع أنها مجرد كلمة، لأن معظم برامج تلك الفضائيات محرمة، والمفيد فيها أو المباح قليل جداً، ثم مع قلته لا يخلو من محرم كموسيقى أو صور عارية ... أو غير ذلك. ومراقبة تلك البرامج ليست بالأمر السهل، لا سيما إذا وجد أولاد في البيت، لأن الغالب أن الأب والأم لن يكونا معهم دائما في كل وقت، فلماذا المخاطرة بالدين والأخلاق إذاً؟!
وانظر جواب السؤال رقم (٤٢٤٥٨) ففيه كلام للشيخ ابن عثيمين ﵀ في التحذير الشديد من إدخال هذا الجهاز.
ثانياً:
أخي الكريم! كل خلاف بين الزوجين يمكن حله ـ بإذن الله ـ؛ عن طريق التفاهم الودي, والمناقشة الهادفة الهادئة؛ التي تحقق مصلحة الأسرة , والمحافظة عليها, وصيانتها, وتحصين وتربية الأولاد.
فعليك إقناع زوجتك بالآتي:
١- بيان مفاسد هذا الأمر, وتوعيتها بخطورته, وبيان أثره السيئ على الأسرة جميعا, وعلى الأولاد خاصة. وقد حكى لنا الثقات كثيراً من البلايا , والخزايا , والمصائب التي حصلت بسبب تلك القنوات الفضائية، وأظنك تعرف عن هذا الكثير.
٢- شراء بعض الأشرطة السمعية , والمرئية (الفيديو) , التي تتحدث عن مساوئ هذه القنوات. مع ملئ الفراغ لدى الزوجة بشراء بعض الأشرطة الأخرى؛ التي تتحدث عن زيادة الإيمان , والطاعة , والترغيب في الجنة , والترهيب من النار.
٣- اقتطاع جزء من وقتك وتخصيصه لأهلك؛ بقراءة بعض الكتب , والاستفادة منها في تفوية الإيمان.
٤- ربط أسرتك بمراكز تحفيظ القرآن الكريم النسائية – وما أكثرها في بلادنا- ففيها الخير الكثير.
وأخيراً ... يمكن استبدال ذلك بالقنوات الإسلامية؛ التي تعنى ببث البرامج الاجتماعية والإسلامية , وتسعى لربط الأسرة , والمجتمع بدينها , ولا تغفل عن الأخبار وغيرها من البرامج النافعة، كقناة المجد وغيرها. ولا شك أن العمل على تحقيق ذلك لا بد أن يرافقه الرفق واللين في بدايته , لقوله ﷺ : (إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ) رواه مسلم (٢٥٩٤) .
لكن عندما لا ينفع ذلك, لا بد من اللجوء لأساليب أخرى – وحسب القدرة التي تتناسب وإزالة المنكر- وحيث إن هذا المنكر في بيتك , وأنك صاحب القوامة وربان السفينة؛ فلا مانع من إزالته بعد ذلك, بالأسلوب الذي تراه مناسباً , شريطة أن لا يؤدي إلى منكر أكبر, أو مفسدة أعظم, فأنت أدرى بهذا الأمر من غيرك, لمعرفة ظروفك مع أهلك. وقديماً قيل: (أهل مكة أدرى بشعابها) .
سائلين المولى أن يعينك وأن يهدي زوجتك ويثبتها على الحق والصواب.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15620
مسافرة بعيداً عن أهلها وتخشى على نفسها الفتنة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة مسلمة أعيش وحيدة في بلاد كافرة، بعد أن رفض أهلي كل من تقدم لي للزواج، وقد عانيت كثيراً وأنا أحاول الهروب من الفتن وأحافظ على ديني، لكن ٤ سنوات من الغربة جعلتني أمرض وأعاني من آلام نفسية حادة، لكثرة ندمي على سفري بلا محرم، ولا أستطيع العودة إلى بلدي، ولا أهلي تركوني أحصن نفسي، وبالرغم من أنني حافظت على حجابي وساهمت في الدعوة إلى الله إلا أنني ضعفت وكدت أقع في الزنا، ومن ثم ساءت حالتي أكثر وأكثر. فكرت في الانتحار لكن علمي بعظم هذا الجرم منعني.
سافرت في إطار عملي فالتقيت بشاب من بلدي الأصلي تظهر عليه علامات الطهر والالتزام يعيش في نفس البلد الذي أدرس فيه.
كنت أبكي طيلة السفر، وأدعو الله أن أموت في تلك الرحلة، لأنني أشعر أني ضعفت وفقدت القدرة على المقاومة.
عندما عدت من السفر أحسست أن شيئاً ما تغير في نفسي، وأني استعدت ثقتي بالله، وقطعت صلتي بكل من أفسدني، وأعلنتها توبة عجزت عنها منذ مدة طويلة، صليت لله واستخرت أن يكون هذا الشاب زوجي، فوالله ما فتئ يتصل بي طالباً مني الزواج على أن ألتزم بالشرع، أخبرت أهلي لكنهم رفضوا مرة أخرى وآذوني لأنهم ما فكروا فيما أعاني، فوالله لا أريد عقوقهم، لكنهم يحملوني ما لا طاقة لي به، فقد فكرت طلب ولاية الإمام، لأن الشاب من أحسن ما رأيت دينا وخلقا، ووالله لا أريد إلا تحصين نفسي لوجه الله فما أفعل؟
وسؤالي الثاني: إنني أحس بالذنب مع هذا الشاب لما أذنبته، فهل أخبره بما فعلته في الماضي برغم توبتي الصادقة! أنا على اتصال هاتفي بهذا الشاب للتفاهم، ويشهد الله أنه ما تجاوز حدوده أبدا! أفيدوني بإجابتكم فوالله إن قلبي لممزق.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله تعالى أن يفرج همك، ويزيل غمك، ويحميك من الانزلاق في مهاوي الردى والمعصية إنه على ما يشاء قدير.
اسمعي معي إلى هذا النداء الإلهي العظيم: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣.
واسمعي إلى قوله تعالى وهو ينادي عباده المؤمنين: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) التحريم/٨.
والله يقبل التوبة عن عباده، كما قال جل شأنه: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) الشورى/٢٥.
أختي السائلة:
ما الذي دعاك لترك أهلك؛ والسفر إلى بلاد الكفر والعيش معهم؟! والإنسان لم يعد يأمن على نفسه حتى في بلاد الإسلام! وذلك لكثرة الشبهات والشهوات!
فكيف ببلاد استبيح فيها كل شيء، وفتحت فيها أبواب المعاصي على مصراعيها!
من أجل هذا – ومن حرصه ﷺ على أمته, وحماية لهم من الوقوع في مثل ما وقعت به – أسأل الله أن يعافيك-، حرّم السكن والعيش بين الكفار, والإقامة في بلادهم. فقال: (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢٦٥٤) والترمذي (١٦٠٤) وصححه الألباني في إرواء الغليل (١٢٠٧) .
والإقامة في بلاد الكفر مرتع وخيم، وعيش نكد، وحياة قلق واضطراب، وهم – أعني أصحاب تلك البلاد – حياتهم جهنم لا تطاق – باعترافهم – لأنهم فقدوا تربية الروح، والصلة مع الله، وصارت حياتهم مادية بحتة، فكثرت فيهم الأمراض النفسية، ولجأوا في كثير من الأحيان – للتخلص من هذه الحياة – إلى الانتحار.
ثانياً:
النصيحة لك أن تبحثي عن الأسباب التي جعلت أهلك يقفون منك هذا الموقف، فيرفضون كل من تقدم للزواج منك , وجدي في معرفتها والعمل على إزالتها، حتى تستطيعي معالجة الأمر، وإيجاد الحلول المناسبة؛ حتى يلتم الشمل وتجتمعي مع أهلك.
وإذا تعثر ذلك، وبقيت الأمور على ما هي وتبيّن أن الأسباب الحائلة بينك وبين أهلك أسباب غير شرعية. عند ذلك تنتقل ولايتك للسلطان أو القاضي الشرعي، وحيث إنك توجدين في بلاد ليس فيها قضاء شرعي وليست بلاد إسلام، فلا حرج عليك أن يكون وليك هو مدير أحد المراكز الإسلامية أو إمام المسجد، وانظري جواب السؤال (٧٩٨٩) .
ثالثاً:
إن إحساسك بالذنب على ما قد فعلته سابقاً , ورجوعك إلى الله، والتوبة الصادقة النصوح، التي يندم فيها الإنسان على ما فعل , ويعزم على أن لا يعود، ويقلع عن الذنب , ويستغفر, ويكثر من الأعمال الصالحة , إن ذلك يجبر ما فات ويطهره، قال تعالى: (فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) المائدة/٣٩.
وقال جل شأنه: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢.
وقال تعالى: (وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً) الفرقان/٧١.
فمن رجع عن المعاصي، وأناب إلى ربه، وأسلم له؛ فإن الله يقبل توبته ويحسن عاقبته، ويجعله من ورثة جنة النعيم، قال الله تعالى: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً * إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) مريم/٥٩-٦٠.
والتوبة تفتح على صاحبها باباً جديداً, ينطلق منه إلى حياة جديدة؛ ملؤها الإيمان , والإحسان , والأمل.
قال ﷺ : (التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ) رواه ابن ماجة (٤٢٥٠) وحسنه الألباني.
فأنصحك بعدم ذكر ذلك له، لأن ذلك صار كأنه لم يكن – بعد التوبة – وابدئي معه حياة جديدة, ملؤها الأمل , والحب , والسعادة , وكلليها بالطاعة , والتقوى، والاستقامة على الهدى.
ونصيحتنا لك أن تعجلي بأمر الزواج من هذا الشاب، لأن اتصاله بك وإقامة علاقة معه قبل الزواج أمر محرم، وقد يكون ذلك باباً من أبواب الفتنة، نسأل الله تعالى أن يحفظنا من الزلل.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15621
سليطة اللسان على زوجها وتشكو من ابتعاده عنها !
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أحب زوجي كثيرا وهو يحبني ولكن أنا كثيرة العصبية وسليطة اللسان (أتمادى على زوجي وأهله) ، لأنه كثير الانشغال عني وعن بنتي والبيت كله.
يخدم الناس وأهله ولا يجلس معي، ربما لأني كنت على علاقة بشباب في فترة قرابة السنة والنصف والحمد لله كانت علاقة بالهاتف فقط وانتهت. وبعدها بثلاث سنوات تزوجت.
سؤالي: كيف أستطيع التغير؟ لا أريد أن أغضبه، أريد أن أحترمه، ساعدوني، أنا كثيرة العصبية، أريد حلاًّ يريحني ويجعلني أعيش سعيدة مع زوجي وبنتي، مع العلم أني لا أحس بأني متزوجة وأني زوجة وأم لبنت وصاحبة منزل أديره، حياتي فيها فراغ كبير.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من الأخطاء الشائعة: أن يخبر الزوجان كل منهما الآخر؛ عما كان في حياته السابقة قبل الزواج، بحجة أنه على كل منهما أن لا يترك لحبيبه الجديد شيئاً من حياته الماضية؛ إلا وأخبره وعنها، تعللاً بالمصارحة بينهما , وحتى تصفو الحياة لهما , ولا تصاب بركسة ولا نكسة، وخوفا ًمن هواجس الماضي فيعيشان حياة سعيدة!
وقد أثبت الواقع وتكشف عن فشل هذه الفكرة , لأن الزوجين في معظم الأحيان لا يتحملان هذا الأمر! وإن صبرا عليه في البداية، لأن حرارة الحب الجديد بينهما تمنع من ردة الفعل المباشرة، حتى إذا ما خمدت هذه الحرارة , وبرد الحب , وخفت العلاقة بينهما سرعان ما يظهر ما كان خافياً ومختبئاً ويطفو على سطح حياتهما, فتنقلب عليهما الحياة، فتبدأ بالتعسر، والعلاقة الحميمة إلى فتور , وتنشأ المشكلات بينهما, وتبدأ حرارة الغيرة تحرق روابط الحياة بينهما.
أختي السائلة:
ما كان قبل الزواج يجب أن يذهب مع أيامه ووقته , لا يعلمه أحد من الناس مهما كان شأنه أو مكانه أو قربه، فإن كان معصية يحدث صاحبه توبة بشروطها بينه وبين الله سبحانه، لأن التوبة هي التي تهدم ما قبلها من الذنوب، وليس إخبار الزوج ومصارحته.
ومن شروطها: الندم على ما حصل، والإقلاع عن الذنب، والعزم على أن لا يعود , وينبغي أن يكثر من الطاعة والاستغفار لتعويض ما فات.
على أن المؤمن مأمور بالستر على نفسه.
قال رسول الله ﷺ : (اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله) أخرجه الحاكم وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٤٩) .
وروى البخاري (٦٠٦٩) عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عن النبي ﷺ قال:: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ) .
وما ذكرت من حبك لزوجك الذي هو من أسس الحياة الزوجية – بداية طيبة وأساس متين لحل كثير من الخلافات القائمة بينكما بإذن الله تعالى.
أختي السائلة:
أظهري لزوجك هذا الحب حيّاً واقعياً , وذلك بإظهار اهتمامك به، غيري نمط حياتك معه، نفسك، شكلك، بيتك، أحدثي تغييراً جذرياً فيها.
لعل السآمة أخذته من حياة تقليدية رتيبة لا تغيير فيها.
حولي نظره إليك، إلى بيتك، إلى ابنتك، بكل ما تمتلكين من أسباب، وإياك والتذمر أو الضيق من شؤونه الخاصة، لأنها ستقف عثرة أمام التفاهم المنشود بينكما.
أدبي نفسك بأدب الإسلام, وإياك والعصبية، فقد أوصى الرسول ﷺ بعدم الغضب.
روى البخاري (٦١١٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَوْصِنِي قَالَ: (لا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: لا تَغْضَبْ) .
كما أمرنا بحفظ اللسان وصيانته، فقال ﷺ وهو يوصي معاذاً ﵁: (كف عليك هذا – أي: لسانك- فقلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! فقال: ثكلتك أمك يا معاذ, وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) رواه الترمذي وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٧٧٢) .
إن ما ذكرت فيك من العصبية, وسلاطة اللسان.. هما معولا هدم وتكسير، ينقض أساس بنيان الأسرة وحياتها.
ولعلهما السبب في إعراض زوجك عنك، وأنه رأى ووجد في أهله، والناس من التقدير, والاحترام والأدب ما لم يجده عندك، فألجأه ذلك إلى ما هو عليه.
فاجتهدي في تغيير سلوكك، وضبط نفسك، وتوجهي إلى الله بالدعاء لك وله بالتوفيق , والصلاح , وحسن الأخلاق , والأدب فإن الله قريب مجيب.
أسأل الله أن يجمع بينكما في خير، ويوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15622
يعاني من وسواس العين
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا أعجب أحدهم بشيء وذكر الله , هل ممكن أن يصاب بالعين؟ وإذا كان أحدهم يشك بذلك الأمر , وهذا يضيق عليه حياته الاجتماعية كثيرا، وأصبح يخاف من أن ينظر إلى الأشياء أو الأشخاص , علما أنه لا يحسد الناس على ما عندهم، ولا يحب الأذى لغيره أبدا والله، ويقرأ القرآن، ويذكر الله دائما. أرجو المساعدة في فك هذا الكرب عن أخيكم المسلم. جزاكم الله كل خير.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لِلَّه
أسأل الله تعالى أن يفرج كربك ويزيل همك.
واعلم أخي السائل الكريم أن الشريعة لا تجيء بالحرج أبدا، بل من أهم مقاصدها رفع الحرج عن الناس.
قال : (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ) المائدة/٦
ولا يجوز للمسلم أن يجاري الشيطان لتصير حياته شكا ووسواسا وريبة، فإنه إن فعل ذلك خسر في دنياه ولم يكسب في آخرته، ومثل هذه الوساوس إنما هي من مكائد الشيطان اللعين، يريد أن يحزن الذين آمنوا، ويريد أن يشق عليهم، والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين.
فالواجب عليك أخي الكريم قطع جميع هذه الوساوس، وعدم الالتفات إلى ظنون السوء، ويكفيك أن تأتي بالذكر المشروع عند رؤية الشيء الحسن، والله يدفع عنه العين أو الحسد، ولا يمكن أن يجتمع ذكر الله مع العين والحسد أبدا.
عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن النبي ﷺ قال:
(أَلَا بَرَّكْتَ، فَإِنَّ العَينَ حَقٌ)
رواه مالك في "الموطأ" (٢/٩٣٨) وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٦/١٤٩)
قال الزرقاني في شرح الموطأ (٤/٣٢٠) : " أي: قلت بارك الله فيك، فإن ذلك يبطل المعنى الذي يُخاف من العين، ويُذهب تأثيره " انتهى.
وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه ﵁ قال رسول الله ﷺ : (إِذَا رَأَى أَحَدُكُم مِن نَفسِهِ وَأَخِيهِ مَا يُعجِبُهُ فَلْيَدعُ بِالبَرَكَةِ، فَإِنَّ العَينَ حَقٌّ)
رواه الحاكم في "المستدرك" (٤/٢٤٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بذكر البركة. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٥٥٦)
جاء في "الموسوعة الفقهية" (١٣/٣١) :
" فيه دليل على أنّ العين لا تضرّ ولا تعدو إذا برّك العائن، فالمشروع على كلّ من أعجبه شيء أن يبرّك، فإنّه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة، والتّبرّك أن يقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهمّ بارك فيه.
وقال النّوويّ يستحبّ للعائن أن يدعو لمعيّن بالبركة، فيقال: اللهمّ بارك ولا تضرّه.
ويقول: ما شاء الله لا قوّة إلّا بالله " انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (١٠/٢٠٥) :
" الذي يعجبه الشيء ينبغي أن يبادر إلى الدعاء للذي يعجبه بالبركة، ويكون ذلك رقية منه " انتهى.
وفي "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٥٤٧) :
" وأما العلاج للعائن فإذا رأى ما يعجبه فليذكر الله وليبرك " انتهى.
ويقول الشيخ الفوزان في "المنتقى" (١/سؤال رقم ٨٧) :
" فإذا خشي العائن أن يضر المنظور؛ فإنه يقول: اللهم بارك عليه!! وكذلك يُستحَبُّ له أن يقول: ما شاء الله لا قوَّة إلا بالله؛ لأنه رُويَ عن هشام بن عروة عن أبيه؛ أنه كان إذا رأى شيئًا يُعجِبُهُ، أو دَخلَ حائطًا من حِيطانِهِ؛ قال: ما شاء الله لا قُوَّةَ إلا بالله.
فإذا لازم العائن هذا الذكر؛ فإنه يدفع ضرره بإذن الله " انتهى.
وجاء في فتاوى الشيخ عبد الكريم الخضير (٥) :
" لا ينبغي للمسلم أن تساوره الشكوك والأوهام والظنون والخوف الزائد من العين فيصاب بأمراض نفسية وغيرها، وليحسن الظن بالله ، وليعلم أن ما أصابه لم يكن إلا بقدر الله ﵎، فليلجأ إلى الله ؛ لأنه وحده سبحانه القادر على كشف الضر ورفع البلاء " انتهى.
فإذا رأيت شيئا يعجبك أخي الكريم فادع الله له بالبركة، ثم لا تلتفت إلى غير ذلك، فإن الله يحفظه بدعائك، ويرد عنه كل سوء، ولا تترك نفسك في مخاوفها، فإن الله لا يرضى ذلك لعباده، مع مجاهدة نفسك على النظر إلى تقدير الله تعالى في كل أمر، وأن له الحكمة البالغة سبحانه فيما أعطى ومنع، وخفض ورفع، لا معقب لحكمه، ولا مبدل لكلماته سبحانه.
وتذكر دائما ـ يا عبد الله ـ أن أمر الدنيا وما فيها أحقر من أن نتحاسد أو نتعادى من أجله، كما قال المتنبي:
وَمُرادُ النُفوسِ أَصغَرُ مِن أَن نَتَعادى فيهِ وَأَن نَتَفانى
وإلى ذلك الإشارة في قول النبي ﷺ : (علامَ يقتلُ أحدُكم أخاه) رواه الإمام مالك (١٧٤٦) أحمد (١٥٥٥٠) وغيرهما.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15623
قبلته زوجا بعد الاستخارة لكنه طلقها
[السُّؤَالُ]
ـ[قبل مدة تقدم لي شاب ووافقت عليه بعد استخارتي أنا وأمي أكثر من مرة، وكتب كتابي، ولكن بعد العقد بستة أشهر فسخ العقد بيننا لأسباب مجهولة من جهته، أي أنها غير مقنعة يقول: إنه يشعر ببرود في المشاعر بعد أن كان يحبني حبا كبيرا فسبب لي إحباطا وكرها للشباب الذين لا يهمهم في الحياة سوى أنفسهم فعلا أنا أكره الشباب ولا أريد أن أخطب مرة أخرى، لأن في المرة الأولى كان كل شيء صحيحا أي "زواج تقليدي" وبعد استخارة. ملاحظة: الشاب يعمل في البنك هل من الممكن أن الله يعاقبني لأنني وافقت على شاب يعمل في البنك؟ لكنني استخرت أكثر من مرة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نحن نقدر مشاعرك تجاه هذا الأمر، وما سببه لك من ضيق وألم، لكن قد يكون في ذلك خير عظيم لك، تدركينه فيما بعد إن شاء الله.
وقد قال النبي ﷺ : (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) رواه مسلم (٢٩٩٩) .
فالمؤمنة ترضى بقضاء الله تعالى، وتعلم أن الله أرحم بها من نفسها، وأن البلاء يزيد المؤمن أجرا ورفعة، إن هو صبر واحتسب.
ثانيا:
إذا كان الشاب الذي تقدم لك يعمل في بنك ربوي، فاحمدي الله تعالى أن صرفه عنك، ولم تصبحي زوجة له، تأكلين من ماله الحرام، وهذه نتيجة الاستخارة، والحمد لله، فإن الاستخارة قد لا تظهر نتيجتها في الحال، فيمضي الطرفان في القضية، ثم يصرف الله أحدهما أو كليهما عن إتمامها، فثقي تماما أن الله تعالى قد اختار لك خير الأمرين، ويكون ما جرى من كتابة العقد ثم الطلاق، ابتلاء من الله، وهو مفيد ونافع، وإن جرّ عليك شيئا من الألم والحزن.
ولاشك أنك أخطأت في قبول هذا الشاب، فإن أول ما ينبغي أن تبحثي عنه هو الدين والخلق، ومن يعمل في الربا كتابة أو شهادة أو غير ذلك، ساقط العدالة، معرّضٌ نفسه للعن والطرد من رحمة الله، فكيف ترضى به المؤمنة زوجا لها، وأبا لأولادها.
فاحمدي الله تعالى، واشكريه على هذه النعمة، وخذي من هذا الدرس عبرةً وعظة، فإن الإنسان إن سلِم مرة، قد لا يسلم في كل مرة.
ولا أعجب من حال العبد، يصرفه الله عن الشر، رحمة منه وإحسانا، ويظل هو يتألم على فواته!
قال ابن مسعود ﵁: (إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى ييسر له، فينظر الله إليه فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإنه إن يسرته له أدخلته النار، فيصرفه الله عنه، فيظل يتطير بقوله: سبقني فلان، وأهانني فلان، وما هو إلا فضل الله عز جل) .
ثالثاً:
وأما الإحباط الذي حصل لك وعزمك على عدم تكرار ذلك مرة أخرى فالأولى بك غير هذا التصرف، وكون الإنسان فشل مرة، لا يعني ذلك أنه سيفشل كل مرة، بل استفيدي مما حصل، وليكن ذلك دافعا لك إلى حسن الاختيار في المرة القادمة، وأن يكون أساس ذلك الاختيار: الدين والخلق.
نسأل الله تعالى أن يزيدك إيمانا وتقى، وأن يرزقك الزوج الصالح، والذرية الصالحة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15624
هل يطرد خاله مدمن الخمر من السكن معه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[يعيش معنا -أنا واثنان من الإخوة أصغر مني- في بلاد الكفر في نفس البيت الصغير -غرفتين- خال لي مدمن خمر , لكن في بداية سكناه معنا لم يكن يشرب بهذا القدر , أضف إلى ذلك أنه لا يصلي , ويسب الدين والرب في بعض الأوقات , وهو هنا في بلاد الكفر منذ ما يقارب ٣٠ سنة لم يذهب خلالها قط إلى البلاد.. ولقد كان صديقاً لأبي قبل أن يتزوج أبي بأمي.. ونحن ولله الحمد والمنة نصلي ونحاول اتقاء الله قدر المستطاع , ولقد تكلمنا معه بالتي هي أحسن ونصحناه بأن يتوب إلى الله , فيقول لنا؛ معكم الحق.. ادعوا الله أن يتوب عليّ.. ثم بعد يوم أو اثنين يعود لما كان عليه! ونحن إن قمنا بطرده من البيت فلا يوجد من يستضيفه في بيته مما سيؤدي به إلى النوم في الشارع ككثير من المدمنين العرب الذين يعيشون في الشوارع , نسأل الله لنا ولهم الهداية.. السؤال؛ ماذا يتوجب علي فعله مع العلم بأن أمي وأبي لا يعيشون معنا في نفس البيت فهما في بلدنا الأصلي , لكن في حالة طرد خالي أو التكلم معه بقسوة فقد تنزعج أمي لأنها رغم ذلك تحب أخاها لأنها لم تره منذ ٣٠ سنة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
مآسي المسلمين في بلاد الكفر كثيرة , لا تعد ولا تحصى , تدمي القلب , وتفطر الكبد , وتحزن النفس , ذلك أن هذه المجتمعات؛ وتلك البيئات ليست للمسلمين , فمقوماتها لا تتناسب ودينهم , وما جاء به من مبادئ سامية , وأخلاق رفيعة , وأدب جم.
لقد حذرنا الرسول ﷺ من العيش في تلك البيئات والمجتمعات أشد تحذير، لما يعلم ما لهذه الإقامة من الأثر السيء على المسلمين؛ في دينهم؛ وأخلاقهم , وسلوكهم. فقال: (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢٦٥٤) والترمذي (١٦٠٤) وصححه الألباني في إرواء الغليل (١٢٠٧) .
وما حال خالكم المذكور ـ وغيره كثير- إلا نتيجة لتلك الإقامة التي نهانا ديننا عنها.
إنه الضياع الكبير , والخسران المبين للدنيا والآخرة , إن لم يتداركه الله برحمته.
أخي السائل:
ليس لكم إلا الصبر على خالكم , فإنه يظهر من نصيحتكم له وجوابه لكم أن بذرة الإيمان لا زالت حية , تنبض في قلبه , فتحتاج منكم الرعاية , والسقاية , والاهتمام دون كلل , ولا ملل , واضعين نصب أعينكم قوله ﷺ لعلي ﵁: (فَوَاللَّهِ لأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ) أخرجه البخاري (٢٩٤٢) .
فبقاؤه معكم في البيت – مع بذل النصيحة له والعناية به – خير له من التسكع في الشوارع , وعيشة المشرد , والتي قد تؤدي به إلى سوء الخاتمة , بسبب بعده عنكم. وارتكاب أخف المفسدتين ودفع إحداهما بالأخرى , هو الأصل المطلوب.
مع ما في الإحسان إليه من بر الوالدة ورضاها بذلك، فاجتهدوا في دعوته إلى الخير، وحاولوا إشغاله عما هو فيه، وخذوه معكم إلى المسجد شيئاً فشيئاً، نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين, وينير بصائرهم ,إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15625
هل يقاطع رحِمه الذين يعملون المعاصي ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز لي مقاطعه أحد الأرحام بسبب تعامله بالربا، ويبيع أراضي لليهود، ومطعمه حرام؟ وهل يجوز طرح السلام عليه؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أوجب الله صلة الأرحام وحرَّم قطيعتها، قال تعالى: (وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى) النساء/٣٦، وقال تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ) الروم/٣٨، وقال تعالى: (وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) النساء/١.
والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهي توجب صلة الأرحام، وتُحرِّم قطيعتها، وقد لعن الله قاطع الرحم؛ قال تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) محمد/٢٢،٢٣.
فقطيعة الرحم كبيرة من كبائر الذنوب بلا خلاف يُعلم.
ثانياً:
الهجر للمسلم إما أن يكون على أمرٍ من أمور الدنيا، كالشجار بسبب الأولاد، وإما أن يكون بسبب أمرٍ شرعي، كفعل بدعة أو ارتكاب معصية.
فإن كان بسبب أمرٍ دنيوي، فلا يحل الهجر لأكثر من ثلاثة أيام، مع أنه ممنوع أصلاً، وإن كان بسببٍ شرعي فيجوز البقاء على الهجر لأكثر من ذلك، حتى يدع بدعته أو يتوب من معصيته.
وقد يكون الهجر بسبب البدعة أو المعصية، سبباً في أن يزيد في بدعه ومعاصيه، ولا يحقق المصلحة في الهجر؛ فحينئذٍ لا يجوز الهجر؛ لأن الهجر شرع لغاية التأديب والتنفير عن الاستمرار في المخالفة للشرع، فإذا لم يحقق مقصوده فلا يهجر، بل يسلك طرقاً أخرى في الإنكار، كالترغيب والترهيب والموعظة الحسنة أو الهدية، وغير ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وأما هجر التعزير فمثل هجر النبي ﷺ أصحابَه الثلاثة الذين خُلِّفوا، وهجر عمر والمسلمين لصبيغ، فهذا من نوع العقوبات، فإذا كان يحصل بهذا الهجر حصول معروف أو اندفاع منكر: فهي [يعني: عقوبة الهجر] مشروعة، وإن كان يحصل بها من الفساد ما يزيد على فساد الذنب، فليست مشروعة.
" مجموع الفتاوى " (٢٨ / ٢١٦، ٢١٧) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀ – وقد سئل عن الموقف ممن يفعل بعض الكبائر -:
من يتهم بهذه المعاصي تجب نصيحته وتحذيره منها ومن عواقبها السيئة، وأنها من أسباب مرض القلوب وقسوتها وموتها، أما من أظهرها وجاهر بها: فالواجب أن يُقام عليه حدُّها، وأن يُرفع أمره إلى ولاة الأمور، ولا تجوز صحبتهم، ولا مجالستهم، بل يجب هجرهم لعل الله يهديهم ويمنُّ عليهم بالتوبة، إلا أن يكون الهجر يزيدهم شرّاً: فالواجب الإنكار عليهم دائماً بالأسلوب الحسن والنصائح المستمرة حتى يهديهم الله، ولا يجوز اتخاذهم أصحاباً، بل يجب أن يستمر في الإنكار عليهم وتحذيرهم من أعمالهم القبيحة.
" فتاوى إسلامية " (٤ / ٥٢٠) .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
فإن كان في الهجر مصلحة أو زوال مفسدة بحيث يكون رادعاً لغير العاصي عن المعصية، أو موجباً لإقلاع العاصي عن معصيته، كان الهجر حينئذٍ جائزاً، بل مطلوباً طلباً لازماً، أو مرغباً فيه، حسب عظم المعصية التي هجر من أجلها ... .
أما اليوم فإن كثيراً من أهل المعاصي لا يزيدهم الهجر إلاّ مكابرة وتمادياً في معصيتهم، ونفوراً وتنفيراً عن أهل العلم والإيمان؛ فلا يكون في هجرهم فائدة لهم ولا لغيرهم.
وعلى هذا فنقول:
الهجر دواء يستعمل حيث كان فيه الشفاء، وأما إذا لم يكن فيه شفاء، أو كان فيه إشفاء - وهو الهلاك -: فلا يستعمل.
فأحوال الهجر ثلاث:
إما أن تترجح مصلحته: فيكون مطلوباً.
وإما أن تترجح مفسدته: فينهى عنه بلا شك.
وإما أن لا يترجح هذا ولا هذا: فالأقرب النهي عنه؛ لعموم قول النبي ﷺ : (لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة) .
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٣ / السؤال رقم ٣٨٥) .
وقال الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله -:
هجر المؤمن لا يجوز فوق ثلاثة أيام إذا كان على أمر من أمور الدنيا، بل عليه أن يصالح أخاه وأن يُسلِّم عليه إذا لقيه، ومع أنه لا ينبغي ابتداءاً أن يهجر على أمر من أمور الدنيا، ولكن لو حصل شيء من الهجر: فإنه لا يتجاوز ثلاثة أيام، وهذا هو المراد بالحديث: (لا يَحِلُّ لمؤمن أن يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاث) يعني: إذا كان الهجر على أمر من أمور الدنيا.
أما إذا كان الهجر لأجل معصية ارتكبها ذلك المهجور، وكانت هذه المعصية من كبائر الذنوب، ولم يتركها: فإنه يجب مناصحته وتخويفه بالله ، وإذا لم يمتنع عن فعل المعصية ولم يتب: فإنه يُهجَر؛ لأن في الهجر تعزيراً له وردعًا له لعله يتوب؛ إلا إذا كان في هجره محذور؛ بأن يُخشى أن يزيدَ في المعصية وأن يترتب على الهجر مفسدة أكبر؛ فإنه لا يجوز هجره في هذه الحالة؛ فهجر العاصي إنما يجوز إذا كان من ورائه مصلة ولا يترتب عليه مضرة أكبر.
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (١ / ٢٧٣، ٢٧٤) .
ثالثاً:
حكم السلام على صاحب البدعة والمعصية حكم الهجر، والأمر يدور على المصلحة وانتفاع المهجور، فإن كان الهجر يحدث فيه تغييراً للأفضل، فيُلحق السلامُ بالهجر فلا يسلَّم عليه، فإن كان الهجر غير مؤثر فيه: تُرك الهجر وتُرك الامتناع عن السلام.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
الهجر إذا كان فيه مصلحة بالنسبة للفاسق: فاهجره، وإلا لا تهجره، لو مررت بشخصٍ يشرب الدخان - والدخان معصية وحرام، والإصرار عليه ينزل صاحبه من مرتبة العدالة إلى مرتبة الفسوق -: سلِّم عليه إذا رأيت أن هجره لا يفيد، سلِّم عليه ربما إذا سلمتَ عليه ووقفت معه وحدثته بأن هذا حرام، وأنه لا يليق بك: ربما يمتثل ويطفئ السيجارة ولا يعود، لكن لو أنك لم تسلِّم عليه، كبر ذلك في نفسه وكرهك وكره ما تأتي به من نصيحة، حتى لو أصر على المعصية: سلِّم عليه وانصحه.
" لقاءات الباب المفتوح " (١٦٥ / السؤال رقم ٨) .
وانظر للأهمية: جواب السؤال رقم (٢١٨٧٨) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15626
تحصين المجتمعات من الزنا
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف يتم إحضار أربعة شهود على الزاني والزانية، في الوقت الحاضر؟ وكيف تتم نصيحة شبابنا المسلم من هذا العمل القبيح؟ جزاكم الله خير الجزاء.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد للَّه
أولا:
يعد العلماء في طرق ثبوت الزنا أربعة طرق:
١- الشهادة. ٢- والإقرار. ٣- وحمل من لا زوج لها ولا سيد. ٤- وإذا تم لعان الزوج ولم تدافعه الزوجة.
ويشترط في الشهود على الزنا أن يكونوا أربعة ممن تجوز شهادتهم، يصفون الزنا بصريح لفظه – وهو أنهم رأوا ذكر الرجل في فرج المرأة -، فإن اكتفى بعضهم بالشهادة برؤيتهما متجردين من اللباس، أو وصفوا هيئة وحركة معينة، فلا يكفي ذلك لثبوت الزنا.
يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "الشرح الممتع" (٦/١٥٧) :
" يصفون الزنا بلفظ صريح بأن يقولوا: رأينا ذكره في فرجها. لا بد من هذا، فلو قالوا رأيناه عليها متجردين، فإن ذلك لا يقبل، حتى لو قالوا نشهد بأنه كان منها كما يكون الرجل من امرأته، فإنها لا تكفي الشهادة، لا بد أن يقولوا نشهد أن ذكره في فرجها، وهذا صعب جدا، مثلما قال الرجل الذي شهد عليه في عهد عمر، لو كنت بين الأفخاذ لن تشهد هذه الشهادة. ولهذا ذكر شيخ الإسلام في عهده أنه لم يثبت الزنا عن طريق الشهادة من عهد النبي ﷺ إلى عهد شيخ الإسلام ابن تيمية، وإذا لم يثبت من هذا الوقت إلى ذلك الوقت، فكذلك لا نعلم أنه ثبت بطريق الشهادة إلى يومنا هذا؛ لأنه صعب جدا " انتهى.
وليس هذا التشديد في أمر الشهادة على الزنا إلا لتحقيق مقصد أراده الشارع، وهو الستر على العباد، وعدم إشاعة الفاحشة، وتجنيب المجتمعات الاتهام في الأعراض والطعن في الأنساب.
يقول القرطبي ﵀ في "الجامع لأحكام القرآن" (٥/٨٣) :
" جعل الله الشهادة على الزنا خاصةً أربعةً: تغليظاً على المدَّعِي، وسترا على العباد " انتهى
ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في "تفسيره" (١/٥٦٣) :
" (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) أي: هلا جاء الرامون على ما رموا به، (بأربعة شهداء) أي: عدول مرضيين. (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) وإن كانوا في أنفسهم قد تيقنوا ذلك، فإنهم كاذبون في حكم الله، لأن الله حرم عليهم التكلم بذلك من دون أربعة شهود، ولهذا قال: (فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) ولم يقل (فأولئك هم الكاذبون) وهذا كله من تعظيم حرمة عرض المسلم، بحيث لا يجوز الإقدام على رميه من دون نصاب الشهادة بالصدق " انتهى.
وانظر جواب السؤال رقم (٨٣٩) ، (٦٩٢٦)
ثانيا:
أما تحصين شبابنا ومجتمعاتنا من هذه الفاحشة المهلكة، فلا بد له من عمل عام تقوم عليه الدول والمجتمعات، وتتضافر له جهود الجهات المختلفة، فهي مسؤولية جماعية وليست فردية، ولا يمكن تحقيق سلامة المجتمعات إلا بتكامل الأخذ بالأسباب التي تحفظ من الزنا والولوغ فيه، ومن تلك الأسباب:
١- نشر التوعية العامة بعظم إثم الزنا، وأنه من الكبائر التي اتفق العقل والشرع على قبحه وشناعته وتحريمه، وبيان أنه سبب لهلاك الأمم وحلول المصائب والكوارث في الدنيا، وأن جزاءه النار يوم القيامة.
قال الإمام أحمد: ليس بعد قتل النفس أعظم من الزنا. "غذاء الألباب" (٢/٤٣٥)
يقول الله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً) الإسراء/٣٢
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في "تفسيره" (١/٤٥٧) :
" ووصف الله الزنى وقبحه بأنه (كَانَ فَاحِشَةً) أي: إثما يستفحش في الشرع والعقل والفِطَر؛ لتضمنه التجري على الحرمة في حق الله وحق المرأة وحق أهلها أو زوجها وإفساد الفراش واختلاط الأنساب وغير ذلك من المفاسد. وقوله: (وَسَاءَ سَبِيلا) أي: بئس السبيل سبيل من تجرأ على هذا الذنب العظيم " انتهى.
٢- توعية الشباب بالآثار السيئة المترتبة على انتشار هذه الفاحشة، والتي يتهدد استقرار الأسر والمجتمعات، كانتشار الأمراض القاتلة، وظهور أولاد الحرام، وانهيار التكوين الأسري، وتشرد الأبناء، وتلقيهم السلوكات السيئة، وارتفاع معدلات الطلاق، وانتشار الجريمة، وغير ذلك، وهي آثار تعيشها المجتمعات التي تنتشر فيها الإباحية في أسوأ صورها، مما ينذر بانحلال مجتمعاتهم، وسقوط حضارتهم.
٣- العمل على تيسير الطريق الشرعي للعلاقات الجنسية، بالزواج الحلال الطيب، وذلك بالترغيب فيه وبيان ندب الشريعة إليه، وأنه من سنن المرسلين، وأن من تزوج فقد استكمل نصف الدين، وأن له أجرا في إعفافه نفسه وزوجه.
٤- ومن مسؤولية المجتمع في هذا السبيل إزالة العوائق التي تؤخر الزواج، فتعالج الفقر الذي قد يكون مانعا من الزواج، وتوفر الدعم المادي للشباب الذي لا يملك ما يعف به نفسه، حتى قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) النور/٣٢
" زوجوا من لا زوج له منكم، فإنه طريق التعفف " انتهى. (١٢/٢٣٩) .
وفي كتاب "الأموال" لأبي عبيد القاسم بن سلام (٢٥١) أن عمربن عبد العزيز كتب إلى واليه بالعراق: أن انظر كل بكر وليس له مال فشاء أن تزوجه فزوجه وأصدق عنه.
ويقول ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٧/٥٨٧) :
" يلزم الرجل إعفاف ابنه إذا احتاج إلى النكاح، وهذا ظاهر مذهب الشافعي " انتهى.
٥- وأدنى ما يمكن أن يتحمله المجتمع والآباء تجاه هذه المسألة المهمة ترك المغالاة في المهور، أو التفاخر والمباهاة بتكاليف الزواج، أو السعي إلى التكسب منها.
خطب عمر بن الخطاب على المنبر فقال:
(أَلَا لَا تُغَالُوا بِصُدُقِ النِّسَاءِ – أي مهورهن - فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً) رواه أبو داود (٢١٠٦) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
ولا يختلف المصلحون في أن استغلال الآباء مهور البنات كان واحدا من أسباب انتشار الفساد والرذيلة في المجتمعات.
يقول وول ديورانت وهو يحكي أسباب انتشار الرذيلة في بعض المجتمعات الغربية في فترة من التاريخ في كتاب "مباهج الفلسفة" (١٢٧-١٢٨) :
" ولا نزاع في أن ذلك يرجع إلى حد ما إلى ما كان يقتضيه الآباء المغرمون ببناتهم من مهر غال ثمنا لعفتهن، وقت أن كان الزواج يشترى صراحة " انتهى.
٦- ومن أهم ما يقي المجتمعات رذيلة الزنا إشاعة جو المحبة والمودة بين الأزواج، والحرص على سعادة الأسرة بالحب والاحترام والصدق والوفاء وأداء الحقوق والواجبات، فإن الأسرة السعيدة والزوجين المتفاهمين المتآلفين وقاءٌ للمجتمع من الانحراف والسقوط في الفواحش بحثا عن سعادة موهومة.
٧- وأخيرا لا بد من العمل على تهيئة المناخ المحافظ الملتزم المتعلق بالله ، والذي تختفي فيه مظاهر التبرج والسفور، وتستر فيه العورات، وتمنع فيه الخمور والمعازف التي هي رقية الزنا، فإن هذه الأمور هي الوقود التي تشعل نار الفاحشة، فإذا تخلص المجتمع منها فقد أمِن من النار.
ويمكن الاستفادة بأجوبة الأسئلة الآتية المنشورة في موقعنا (٢٠١٦١) ، (٣٢٣٤) .
ومن الكتب المفيدة في هذا الموضوع كتاب " التدابير الواقية من الزن ا" تأليف د فضل إلهي فيمكن الاستفادة منه والرجوع إليه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15627
هل يمشي مع أخته المتبرجة
[السُّؤَالُ]
ـ[لدي أخت متبرجة، وأنا لا أمشي معها في الطرقات، وهذا مما قد يسبب غضب أمي، فأريد أعرف مدى حدود تعاملي معها؟ هل يوجد جدول سنوي مقترح بالأيام والساعات وأسماء الكتب، علما بأني قد اطلعت على إجابات فضيلتك، فوجدت أسماء الكتب؟ ما هو أسهل أسلوب للقراءة وترويض النفس للصبر عليها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
ينبغي أن تنصح لأختك، وتبين لها حكم الحجاب وحرمة التبرج، لعل الله تعالى أن يهديها ويشرح صدرها للحق.
والمهم أن تتحلى بالحكمة والصبر، وأن يظهر في دعوتك ما تكنّه لها من المحبة والرحمة والشفقة، وأن تختار الأسلوب المناسب والوقت المناسب لذلك، ولعلك أن تستعين بشيء من الكتب أو الأشرطة التي ترغبها في الحجاب، وتكشف لها ما قد يرد عليها من شبهات.
وأما الخروج معها إلى الطرقات وهي متبرجة، فلا يجوز إلا لضرورة، لأن خروجها كذلك منكر لا يجوز إعانتها عليه؛ لقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) المائدة/٢
وينبغي أن تنصح لوالديك، وتبين لهما حرمة خروج الفتاة إلى الشارع متبرجة، وأنهما مسئولان عن ذلك، كما قال الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم/٦، وقال النبي ﷺ : (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) رواه البخاري (٨٩٣) ومسلم (١٨٢٩) .
وليس من البر بالوالدين طاعتهما في التبرج، أو في الخروج مع المتبرجة؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ثانيا:
لا يوجد جدول سنوي مقترح لتنظيم القراءة، ولكن يرجع ذلك إلى كل إنسان بحسب شغله وفراغه، ومدى استيعابه، وغير ذلك من العوامل، والمهم أن تنظم وقتك، وأن يكون لديك همة وحرص على تحصيل العلم، وزيادة المعرفة، مع الاستعانة ببعض الشيوخ في ترتيب الأولويات في القراءة، وحل المشكل، وتوضيح الغامض.
فإن لم يتيسر لك أحد من الشيوخ الذين يحمل عنهم العلم، فيمكنك أن تستعين بالأشرطة العلمية التي تتولى شرح الكتب، في فنون مختلفة، مع الاستعانة بأحد إخوانك الصالحين، يذاكر معك وتذاكر معه، والانتظام بمواعيد ثابتة في حضور الدرس، أو المذاكرة، من أعظم أسباب البركة والتحصيل.
ثالثا:
قراءة الكتب تحتاج إلى وعي وبصيرة وحسن اختيار، كما تحتاج إلى وسائل تعين على الاستمرار والإنجاز، وننصحك في هذه الخصوص بقراءة كتاب: "كيف تقرأ كتابا"، وتجده على هذا الرابط مقروءا ومسموعا:
http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=audioinfo&audioid=١٠٢٢٩٠
نسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15628
تأتيها في الصلاة وساوس تتعلق بالأمور الجنسية
[السُّؤَالُ]
ـ[امرأة لديها وسوسة في الصلاة وتفكر دائما في الأمور الجنسية أثناء الصلاة. فكيف تتخلص من هذه الوساوس. وهل تقطع الصلاة في كل مرة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الوسوسة نوع من المرض ينشأ عن تسلط الشيطان على الإنسان، أو غلبة النفس الأمارة بالسوء، ولهذا فعلاجها يكون بتقوية الإيمان، وإضعاف موارد الشيطان، والإكثار من الطاعة والإنابة، والذكر والتسبيح والاستغفار، والفزع إلى الصلاة، واللجوء إلى الله تعالى والتضرع إليه، ليكشف السوء، ويرفع الضر، وهو سبحانه نعم المجيب، وهو أرحم بالعبد من نفسه، قال تعالى: (أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) النمل/٦٢، وقال سبحانه: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ) الأنبياء/٨٣، ٨٤
وكثير ممن هو مبتلى بالوسوسة تجده مفرطا في الأذكار المشروعة في الصباح والمساء، وعند النوم، والدخول والخروج، والطعام والشراب، وهذا يزيد من تسلط الشيطان عليه، وإرهاقه بالأفكار السيئة والخواطر الرديئة؛ ليزيده هما وحزنا.
ثانيا:
من أنفع الوسائل في علاج الوسوسة: الإعراض عنها ومجاهدة النفس على عدم الالتفات إليها، حتى تذهب بالكلية. سئل ابن حجر المكي ﵀: " عن داء الوسوسة هل له دواء؟
فأجاب: له دواء نافع وهو الإعراض عنها جملة كافية، وإن كان في النفس من التردد ما كان، فإنه متى لم يلتفت لذلك لم يثبت، بل يذهب بعد زمن قليل كما جرب ذلك الموفقون , وأما من أصغى إليها وعمل بقضيتها فإنها لا تزال تزداد به حتى تُخرجه إلى حيز المجانين، بل وأقبح منهم , كما شاهدناه في كثيرين ممن ابتلوا بها وأصغوا إليها وإلى شيطانها) انتهى من "الفتاوى الفقهية الكبرى" (١/١٤٩) .
ثالثا:
ينبغي أن يعلم المبتلى بالوسوسة أنه غير مؤاخذ على ما يجول في خاطره من أفكار مهما كانت سيئة، سواء جاءته في الصلاة أو خارجها، ما دام كارها لها راغبا في زوالها، وقد دل على ذلك: ما روى مسلم (١٣٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلُوهُ إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ قَالَ وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ قَالُوا نَعَمْ قَالَ ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ.
أي كراهة ذلك والنفرة منه، تدل على وجود الإيمان في القلب.
وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
" يخطر ببال الإنسان وساوس وخواطر وخصوصا في مجال التوحيد والإيمان، فهل المسلم يؤاخذ بهذا الأمر؟ .
فأجاب: قد ثبت عن رسول الله ﷺ في الصحيحين وغيرهما أنه قال: " إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم " – متفق عليه - وثبت أن الصحابة ﵃ سألوه ﷺ عما يخطر لهم من هذه الوساوس والمشار إليها في السؤال، فأجابهم ﷺ بقوله: " ذاك صريح الإيمان " – رواه مسلم - وقال ﵊: " لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله ورسله " – متفق عليه -، وفي رواية أخرى " فليستعذ بالله ولينته " رواه مسلم في صحيحه " انتهى من "تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام " السؤال العاشر.
وإذا كان الأمر كذلك فالحذر الحذر من استماع وساوس الشيطان في ترك العبادة، لأجل ما يخطر على البال فيها من أمور محرمة، بل على الإنسان أن يستمر في صلاته، مهما خطر له، ولا يقطعها ولا يعدها، بل يجاهد نفسه على تجاهل هذه الأفكار، وستذهب عنه بإذن الله تعالى.
انظر: السؤال رقم (٢٥٧٧٨) .
على أننا ننبه هنا إلى أنه من الواجب عليها أن تبتعد عما يثير في نفسها تلك الوساوس والخيالات الفاسدة؛ مثل أن تكون تشاهد الأفلام أو الصور الخليعة التي تستقر في النفوس، وتعمل فيها عملها، ولو بعد حين.
فإن ابتليت بشيء من ذلك، على كره منها، أو كان في نفسها شيء من الرغبة والميل إلى زوجها، فينبغي أن تفرُغ من حاجتها إلى زوجها أولا، وقبل أن تصلي، متى أمكن ذلك، وكان في وقت الفريضة متسع.
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁: (مِنْ فِقْهِ الْمَرْءِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَقَلْبُهُ فَارِغٌ) . رواه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٣٤) وعلقه البخاري في صحيحه.
نسأل الله تعالى لنا ولكم التوفيق والسداد.
وللتعرّف على أسباب الخشوع في الصلاة راجع رسالة ٣٣ سببا للخشوع في الصلاة في قسم الكتب من هذا الموقع
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
اإسلام سؤال وجواب
стр. 15629
تعرضت للتحرش الجنسي وتركها خطيبها
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة أبلغ من العمر ١٩ سنة، نشأت في ظل أسرة علمت أبناءها " لا إله إلا الله محمد رسول الله " منذ النشأة ورسخت مبادئ الدين في عقولهم وركائز الإسلام في قلوبهم والحمد والشكر لله .
تعرضت وأنا بنت ١٦ سنة إلى اعتداء جنسي تكرر ٨ مرات من طرف شخص يقرب عائلتي، لم يكتفِ بفعلته بل تسرب كابوسه إلى حياتي كلها، فأصبح يظهر لي في كل الوجوه، ذلك بعد أن مرت فترة دفنتُ فيها هذه الذكرى المحزنة بمساعدة خطيبي بعد الله تعالى، الذي أخبرته عن كل ما وقع معي وبالتفصيل الممل؛ ذلك لأنه علم بالأمر من أشخاص لا أعرفهم لحد الآن، والذين أمدوه برقم الهاتف الخاص الذي يخص ذلك الشخص فاتصل به ولم يتفانى هذا الأخير في إعطائه معلومات خاطئة ولا تمت للحقيقة بصلة، فحينها عندما أخبرني بالأمر، لم يكن بوسعي سوى التفسير، حينها تفهم خطيبي الوضع، وحاول تنسيته لي، بعدها وقع خلاف بيننا فاقترحت البعد فترة حتى نهدأ جميعاً، وحتى نصل إلى الحل الأمثل، لكنني فوجئت بردة فعله ألا وهي الفراق، حاولت معرفة السبب فإذا بما دفن يقوم ليؤكد لي ضعفي وضعف شخصيتي وقلة عقلي وينتصر عليَّ فيدمر حياتي، وهذا هو ما صبا إليه ذلك الشخص، حاولت - سيدي الفاضل - تسوية المسألة إلا أنه صمم على أن أستشير أحد الأساتذة والدعاة وأصحاب الدين في مسألتي وأن أطلب منهم الأجر والثواب الذي سينتظره، وماذا عليه القيام به، خصوصا وأن فكرة الانتقام لا تفارق خياله، كما أرجو أن تدعم لي بقصة حصلت قبل هذا الوقت، وأسألك بدوري ماذا عساني أن أفعل؟ فلا أحد يصدق أني بريئة مما حصل لي غيره سبحانه، فما أشكو بثي وحزني إلا لله هو العلام الخبير، مع العلم أني كنت جافة صارمة مع خطيبي خلال الفترة الأخيرة وكنت السبب في معاناته لكنني أدركت خطئي وأريد التكفير عنه، فماذا عساني أن أفعل؟ .
وأخيراً: أطلب منك العذر والمسامحة، كما أتمنى أن تجيبني في أقرب وقت، وجزاك الله عني كل خير.
معلومة: قد تسألني لماذا لم أخبر أسرتي خصوصا وأن الأمر تكرر ٨ مرات لكن ما أريد قوله أنه كان الخوف والخوف من الفضيحة خصوصا أنه كان يضربني ويهددني وأن باب الحوار داخل أسرتي كان شبه مقفل في هذه الأمور.
أرجوا أن تفهمني وتتفهمني وجزاك الله عني كل خير.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله تعالى أن يجبر كسرك، ويفرج همك، فمآسي التحرش كثيرة، وآثاره على النفس عظيمة، ونسأل الله تعالى أن يهلك هؤلاء المتحرشين والذين لا يردعهم دين ولا عقل ولا فطرة، فقد استهانوا بدينهم، ولوثوا عقولهم، ونكَّسوا فطرتهم.
وإن كان منا عجب فهو أنه قد تحرش بك ذلك المجرم في سن ال ١٦! وهي سن كبيرة تستطيعين فيها الصراخ والدفاع عن النفس، وخاصة أنه قد تكرر فعله معك عدة مرات، وكان بإمكانك قطع الطريق عليه – أيضاً – بإخبار أهلك، ومهما بلغت القطيعة بين أفراد الأسرة فإنهم لا يتساهلون في هذه الحوادث، وفي ظننا أن المجرم المتحرش قد أوصل هذه الرسالة لخطيبك، وأخبره برضاك عن فعله، وهو الذي جعله يتغير من جهتك.
ونحن نصدقك في أنك كنتِ مكرهة، ولم تستطيعي النجاة من أفعاله والخلاص من شروره، ونريد أن نقف معك في محنتك هذه فنقول لك ِ:
هذا هو قدر الله تعالى لك، وقد عانت نساء مسلمات عفيفات كثر في سجون بلاد المسلمين والكفار من التحرش والاغتصاب على يد فسقة المسلمين والكفار الشيء الكثير، وإن القلب ليتفطر بسماع قصصهم وحكاياتهم ويود لو أنه مات قبل أن يسمع شيئا منها.
وعزاؤنا أن الله تعالى سينتقم من أولئك المجرمين، وأن الله تعالى سيكتب الأجر والثواب لأخواتنا، لكن يجب عليهن احتساب هذه المصيبة، ويجب عليهن أن يصبرن على ما قدَّر الله تعالى عليهن وقضى، ولا يجوز لهن الانتحار وقتل أنفسهن؛ فهذه جريمة وكبيرة من كبائر الذنوب، ولا نقول إن الأمر يسير على المرأة المتحرَّش بها، بل هو أمر عظيم، وآثاره على المتحرش بها خطيرة، فبعضهن أصابتها الأمراض النفسية، وبعضهن انتحرن أو فكَّرن في الانتحار، وبعضهن سلكن سبيل الانحراف والعلاقات المحرَّمة مع الأجانب، وبعضهن أصابهن الاكتئاب والنفور من زوجها، لذا لا بدَّ للمرأة المتحرَّش بها أن تحتسب ما جرى لها وأن تصبر على آثاره، وأن تزود نفسها بالطاعة والإيمان ليكرمها الله تعالى بصفاء القلب وراحة البال.
ثانياً:
وقد أخطأ من أخبر خطيبك بما حصل معك، والواجب على هؤلاء التوبة والاستغفار؛ لأنه لا يحل لهم أن يجعلوا أعراض الناس فاكهة مجالسهم، ولا أن يوقعوا بين الناس، ولا أن يتسببوا في الضرر لهم، وكان الواجب عليهم الستر وعدم نشر الأمر بين الناس، وليعلموا أن عندهم أخوات وبنات وهم – بالتأكيد – لا يسرهم أن يفعل الناس فعلهم بمن ابتليت بتلك المصيبة.
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ عُوَيْمِرًا أَتَى عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي عَجْلَانَ فَقَالَ: (كَيْفَ تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ سَلْ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَتَى عَاصِمٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسَائِلَ فَسَأَلَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَرِهَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا!!..)
رواه البخاري (٤٧٤٥) ومسلم (١٤٩٢٩)
قال النووي ﵀: قَوْله: (فَكَرِهَ رَسُول اللَّه ﷺ الْمَسَائِل وَعَابَهَا) الْمُرَاد كَرَاهَة الْمَسَائِل الَّتِي لَا يُحْتَاج إِلَيْهَا لَا سِيَّمَا مَا كَانَ فِيهِ هَتْك سِتْر مُسْلِم أَوْ مُسْلِمَة أَوْ إِشَاعَة فَاحِشَة أَوْ شَنَاعَة عَلَى مُسْلِم أَوْ مُسْلِمَة
ثالثاً:
ولستِ ملزمة بالبوح بهذا السر لأحد، حتى لو جاء ليخطبك، فقلوب الناس ضعيفة، والشبَه خطّافة، ولا يكاد يجد المسلم رجلاً يثق بدينه ورجاحة عقله أن يستر أمراً مثل هذا، أو يتجاوزه فلا يعيرها به.
وبما أن خطيبك قد تصرف معك مثل هذا التصرف ورغب في الفراق: فإنه يدل على تأثره بكلام ذلك المجرم، ويكون قد كوَّن في ذهنه صورة قاتمة للحياة معكِ، فالذي ننصحك به: هو البعد عنه بالكلية، وعدم إتمام الزواج؛ لأنه لا يُؤمَن أن يكون له تأثير على حياتكما بعد ذلك.
واستخيري الله تعالى في هذا الفراق وفي دعاء الاستخارة دعاء الله تعالى أن يصرفك عن الزواج به إن كان الزواج شرّاً لك في دينك ودنياك، ويصرفه عنكِ، وفيه دعاء الله تعالى أن يقدِّر لك الخير كان ثم يرضيك به.
فاحرصي على الاستخارة، وانظري تفصيلاً حولها في جواب السؤال (١١٩٨١) .
فإن أراد خطيبك التراجع عن الفراق: فليعلم أن أجره عند الله عظيم عندما يقوم بالستر على من عرف حالها في أمرٍ لم يكن لها فيه يدٌ، لكن يجب أن يكون هذا عن اقتناع منه كامل، ولا ينبغي أن يكون لنزوة عاطفة سرعان ما تزول، فإذا أراد الرجوع والزواج: فلا يحل له تعييرك ولا لومك فيما حصل لكِ، بل يحتسب سكوته وصبره راجياً الثواب من الله تعالى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15630
تظهر زينتها أمام إخوة زوجها
[السُّؤَالُ]
ـ[هو: زوجة أخي لا تستحي أو تخجل من إخوتي، تظهر أمامهم بحركات ولباس لا يليق بها، وهي سيئة الخلق معنا نحن أخوات زوجها، تتعامل معنا بوقاحة، ومع إخوتي الرجال بلطف ولين ودلع، وتغريهم بحركاتها وكلامها، حتى إن أحد إخواني بدأ ينتقد زوجته على كل شيء، وحوَّل حياتها إلى جحيم بسبب زوجة أخي هذه، حاولنا أن نعلمها أو نصلحها دون فائدة، قلنا لزوجها بما تفعله من حركات وكيف علاقتها بنا، وهو لا يعلم عنها كل شيء؛ لأنه يقضى معظم وقته في العمل، كل الأهل يعرفون أنها سيئة الخلق، وأخي أحياناً يضربها على أفعالها، ولكنه متمسك بها بإصرار من والدتي، لا يريد طلاقها، فما هو الحل معها؟ وكيف يمكن التعامل معها؟ وهل أترك المنكر هذا ولا أهتم به؟ فكرت أن أسعى لتزويج أخي بامرأة أخرى صالحة، أرجو منكم إفادتي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أوجب الله تعالى على المسلمين نصح بعضهم بعضاً، وأوجب على من نُصح بالحق أن يستجيب لأمر الله تعالى، وأن يكف عن القبائح التي يرتكبها، لذا فإن عليكم واجب النصح:
١. لزوجة أخيكم أن تكف عن فعل ما حرَّمه الله عليها من الكشف عن شيء من جسمها أمام إخوة زوجها، ومن التكسر في كلامها، وأفعالها ومن الإساءة لكُنَّ.
٢. ولأخيكم نفسِه أن يَمنع زوجته من مخالطة الرجال الأجانب، وأن يمنعها من الإساءة لأخواته، وأن ينتبه للشرور التي يمكن أن تُحدثها في البيت من التفرقة بين إخوته ونسائهم.
٣. وعلى والديكم أن يكون لهم موقف من أفعال زوجة ابنهم.
٤. وعلى إخوة الزوج أن لا يجلسوا مع زوجة أخيهم، ولا يستمعوا لكلامها، وأن يحذروا أن تكون سبباً للفرقة بين الأسرة الواحدة، والفرقة بينهم وبين نسائهم.
ثانياً:
ويجب عليها أن تعلم حدود الله تعالى فتقف عندها، وواجب على زوجها – كذلك – أن يعلم أن زوجته من رعيته التي أوجب الشرع عليه أن يقوم برعايتها، وليعلم أنه مسئول يوم القيامة عنها وعن أفعالها.
ومما يوجبه الإسلام عليها:
١. أن تحافظ على حيائها، وعفتها، وتغض بصرها عما حرَّم الله عليها.
قال الله تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) النور/٣١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب من الرجال بشهوة.
" مجموع الفتاوى " (١٥ / ٣٩٦) .
٢. المحافظة على حجابها الكامل أمام الرجال الأجانب، ولتعلم أن إخوة زوجها منهم، بل يجب أن تحتاط في لباسها وزينتها وكلامها أمامهم أكثر من غيرهم، وفي الآية السابقة من سورة النور بيان من يجوز لهم إظهار زينتها أمامهم.
وعن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) رواه البخاري (٤٩٣٤) ومسلم (٢١٧٢) .
وانظري شرح الإمام النووي لهذا الحديث في جواب السؤال (١٢٨٣٧) .
٣. أن تلتزم أحكام الشرع في كلامها مع الأجانب، وفي مشيتها، فلا يكون في كلامها ولا أفعالها ميوعة وتكسر، قال تعالى: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً) الأحزاب/ من الآية ٣٢.
٤. تجنب وضع الطيب الذي يجد ريحه الأجانب.
فعَنْ أَبي مُوسى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ) .
رواه الترمذي (٢٧٨٦) وأبو داود (٤١٧٣) والنسائي (٥١٢٦) وحسَّنه الألباني في " صحيح أبي داود "
٥. تمتنع عن الخلوة بأحدٍ من إخوة زوجها، كما تمتنع عن الاختلاط بهم.
فعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يخطب يقول: (لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ إِلَاّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ) ، رواه البخاري (١٧٦٣) ومسلم (١٣٤١) .
وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
هل يجوز للمرأة أن تجلس مع أقارب زوجها وهي محجبة حجاب السنَّة؟
فأجاب:
" يجوز للمرأة أن تجلس مع إخوة زوجها أو بني عمها أو نحوهم إذا كانت محجبة الحجاب الشرعي، وذلك بستر وجهها وشعرها وبقية بدنها؛ لأنها عورة وفتنة، إذا كان الجلوس المذكور ليس فيه ريبة، أما الجلوس الذي فيه تهمة لها بالشر: فلا يجوز، وهكذا الجلوس معهم لسماع الغناء وآلات اللهو ونحو ذلك.
ولا يجوز لها الخلوة بواحد منهم أو غيرهم ممن ليس محرماً لها؛ لقول النبي ﷺ : (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم) متفق على صحته، وقوله ﷺ : (لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما) أخرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح من حديث عمر بن الخطاب ﵁ " انتهى.
" فتاوى المرأة المسلمة " (١ / ٤٢٢، ٤٢٣) .
ويجب على الزوج أن يقف على هذه الأوامر والنواهي، وأن يعلم أنه مسئول عن زوجته، فيجب عليه نصحها وتوجيهها للخير، وهدايتُها أحب إلينا من تسريحها وتطليقها.
كما يجب على الوالدين أن يكون لهما موقف حازم تجاه هذه المسألة، وعلى الأم أن تقف مع الحق والصواب، ولا تقدم عاطفتها على الشرع والعقل، وعليها أن تعلم أن استمرار زوجة ابنها بتلك التصرفات معناه تخريب بيوت أبنائها، وها هي بوادر ذلك واضحة كما جاء في السؤال.
كما يجب على إخوة الزوج أن يتقوا الله تعالى في أنفسهم، وأن يكتفوا بالحلال الذي رزقهم الله إياه، ويجب عليهم نصح أخيهم والأخذ على يده ويد زوجته لئلا تفسد علاقتهم بنسائهم، وعليهم المحافظة على غض البصر، وترك الجلسات المختلطة.
نسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15631
ليس لديه عمل فهل يقيم مع عمته المتزوجة من نصراني
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب مسلم، وظروفي المعيشية قاسية جدا، والحمد لله، فليس لدي عمل، وأنا متزوج ولدي طفلة، وأعيش مع والدي بالتبني، وعمتي متزوجة برجل نصراني، وهي التي تعولنا، وتريد أن نعيش معها في بيت واحد، وتعلمون طامات النصارى من خمر وهلم جرا، فسؤالي هو كالتالي هل أعيش معها وأؤكد على أني لا أستطيع في الوقت الراهن فتح بيت مستقل، سؤالي الثاني هو أني الآن ابنهم بالتبني وأريد معرفة حكم الشرع في هذا الأمر.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نسأل الله تعالى أن ييسر أمرك، ويفرج كربك، ويرزقك من فضله.
ثانيا:
إن كان المقصود بالتبني نسبتك إلى الشخص المتبني بحيث تأخذ حكم ولده، في المحرمية والإرث وغير ذلك، فهذا هو التبني المحرم الذي أبطله الإسلام.
وإن كان المقصود به الكفالة والرعاية والإحسان، من غير إلحاق بالنسب، فهذا لا حرج فيه، بل هو أمر محمود يرجى لفاعله الأجر والثواب. [راجع السؤال رقم (١٠٠١٠) ]
ولا يخفى أنك في حكم الشرع أجنبي عن هذا البيت، فليس لك أن تخلو بأخت المتبني ولا بزوجته ولا ببنت من بناته، ولا حق لك في إرث واحد منهم، وليس لزوجتك أن تكشف على المتبني، ولا أن يخلو بها؛ لأنه ليس أبا لك شرعا.
ثالثا:
لا يجوز للمسلمة أن تتزوج من كافر، يهودي أو نصراني أو غيره؛ لقوله تعالى: (وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) البقرة/٢٢١.
وقال: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) الممتحنة/١٠.
قال شيخ الإسلام ﵀: " وقد اتفق المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم , ولا يتزوج الكافر المسلمة " انتهى من "الفتاوى الكبرى" (٣/١٣٠) .
فهذا الذي ارتكبته أخت المتبني بزواجها من النصراني منكر عظيم، وهو نكاح باطل، يجب فسخه، ولا يحل لها البقاء مع هذا الزوج بحال من الأحوال، كما يجب عليها أن تتوب إلى الله تعالى، وتتضرع إليه أن يغفر لها ويصفح عنها.
وعيشك معها في وجود زوجها المذكور لا يجوز؛ لما فيه السكوت على هذا المنكر العظيم، إضافة إلى ما ذكرت من شربه الخمر.
وهذا كله مع اعتبار أن هذه المرأة ليست عمتك على الحقيقة، فلا يجوز لك ن تدخل عليها، أو أن تخلو بها، فضلا عن أن تعيش معها في بيت واحد!!
رابعا:
ينبغي أن تبحث عن عمل مباح تكسب منه ما تعول به نفسك وأهلك، وأن توقن بأن الرزق من عند الله تعالى، وأن أسباب الرزق كثيرة، وإن غفل عنها الناس، قال ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلا فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ) رواه البخاري (١٤٧٠) ومسلم (١٠٤٢) .
وليكن لك أسوة في عبد الرحمن بن عوف ﵁، فقد روى البخاري (٢٠٤٨) عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ قال: (لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ إِنِّي أَكْثَرُ الأَنْصَارِ مَالا؛ فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي، وَانْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا!!
قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ؛ هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟
قَالَ: سُوقُ قَيْنُقَاعٍ!!
قَالَ: فَغَدَا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَتَى بِأَقِطٍ وَسَمْنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ، فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ!!
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (تَزَوَّجْتَ؟!!)
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَمَنْ؟
قَالَ: امْرَأَةً مِنْ الأَنْصَارِ.
قَالَ: كَمْ سُقْتَ؟
قَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ: نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ.
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : (أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) .
فاستعن بالله تعالى ولا تعجز، وسل الله تعالى أن يغنيك من فضله.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15632
دوافع النجاح وتجاوز الفشل
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو الدافع لدى بعض الناس لمقاومة الفشل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن اسم الفشل، أيها السائل الكريم، كاف لكي ننفر منه، ونسعى للنجاح، بغض النظر عن مكسب مادي يتحصل عليه المرء من نجاحه؛ فالفشل اسم نقص وذم، والنجاح اسم كمال ومدح:
وَلَم أَرَ في عُيوبِ الناسِ شَيئاً كَنَقصِ القادِرينَ عَلى التَمامِ
إن الفشل والنجاح، ثنائية منقطعة متصلة في الوقت نفسه، قد يبدو منها التناقض في أول وهلة، ولكنها في حقيقتها متلاحمة متشابكة في تنظير الفكر، وشواهد التجربة والواقع، وإن كان لكل منهما معرِّفاتُه التي من خلالها نفهم الدوافع التي تحملنا على سلوكها إقبالا أو إحجاما:
فالنجاح سنة في هذا الكون أراد الله تعالى أن تكون غاية كل مؤمن، وخلق الكون كله مسخرا لتحقيق تلك الغاية، فقد أمر سبحانه الإنسان بالإيمان، وطلب منه الالتزام بالعبودية التي لا ينفك عنها، وجعل ذلك غاية الخلق حين قال: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات/٥٦، وعد سبحانه من مات على ذلك الطريق هو الناجح وغيره هو الخاسر: (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) آل عمران/١٨٥
فالنجاح إذا قصة الحياة، وغاية خلق الله تعالى لهذا الكون، وما أرسلت الرسل، وما أنزلت الكتب إلا لدعوة الناس إلى النجاح الحقيقي عند الله سبحانه، وقد وضع سبحانه من محفزات النجاح في الدنيا والآخرة ما يأخذ بأيدي السالكين إليه، وذلك:
- حين كتب النعيم المقيم الخالد لمن نجح في اختبار الإيمان والعبودية، والتزم طريقهما ومات عليهما: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ. إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ. فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ. قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) الحاقة/١٩-٢٤
- وحين صور القرآن حال أولئك الذين رفضوا سبيل النجاح، وأصروا على سبيل الغواية والفشل، ووصف حالهم يوم تعرض النتائج، ويُعلم الناجح من الخاسر: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ. وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ. يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ. مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ. هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ) الحاقة/٢٥-٢٩
- وحين كتب سبحانه الحياة الطيبة في الدنيا لمن يسلك سبيل النجاح، فقال : (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) النحل/٩٧
قال ابن كثير ﵀:
" هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا، والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت، وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب، وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه فسرها بالقناعة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إنها هي السعادة، والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله. " تفسير القرآن العظيم " (٤ / ٦٠١) .
هذا هو المنهج الذي يعيش وفقه المسلم ويفهم من خلاله الحياة، ومن انطلق من هذا الفهم فإنه لا بد سيقوده إلى النجاح والتفوق في أمور دينه ودنياه، لأن المؤمن يعلم أنه مطالب بإقامة الحق والعدل في هذه الدنيا لقول الله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) الحديد/٢٥، ونجاح الفرد جزء من نجاح الأمة في تحقيق العدل والقسط.
ولأن المؤمن يسمع كلام النبي ﷺ حين يقول: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُم عَمَلًا أَن يُتقِنَهُ) رواه أبو يعلى (٧ / ٣٤٩) وحسنه الألباني بشواهده في " السلسلة الصحيحة " (١١١٣) ، وإتقان العمل ركن من أركان النجاح.
هذه الدوافع كلها هي التي تحفز المؤمن لبلوغ أقصى درجات النجاح، فهو يسعى دائما في تنمية مواهبه، واكتساب المهارات النافعة، وتطوير ذاته على المستوى الثقافي والأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي، ويعلم أن المؤمن العامل الناجح خير من القاعد المحبط الكسول، الذي لا يجني من كسله سوى خسارة الدنيا والدين.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) . رواه مسلم (٢٦٦٤) .
قال ابن القيم ﵀: " فتضمن هذا الحديث الشريف أصولا عظيمة من أصول الإيمان..، ومنها:
أن سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده، والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع ... ، ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه أمره أن يستعين به، ليجتمع له مقام إياك نعبد وإياك نستعين، فإن حرصه على ما ينفعه عبادة لله، ولا تتم إلا بمعونته؛ فأمره بأن يعبده وأن يستعين به.
ثم قال: (ولا تعجز) ؛ فإن العجز ينافي حرصه على ما ينفعه، وينافي استعانته بالله، فالحريص على ما ينفعه، المستعين بالله، ضد العاجز؛ فهذا إرشاد له قبل وقوع المقدور إلى ما هو من أعظم أسباب حصوله، وهو الحرص عليه مع الاستعانة بمن أزمة الأمور بيده، ومصدرها منه، ومردها إليه؛ فإن فاته ما لم يُقَدَّرْ له، فله حالتان: حالة عجز، وهي مفتاح عمل الشيطان؛ فيلقيه العجز إلى لو، ولا فائدة في لو ههنا، بل هي مفتاح اللوم والجزع والسخط والأسف والحزن، وذلك كله من عمل الشيطان، فنهاه ﷺ عن افتتاح عمله بهذا المفتاح، وأمره بالحالة الثانية، وهي: النظر إلى القدر وملاحظته، وأنه لو قدر له لم يفت ولم يغلبه عليه أحد؛ ... فلهذا قال: (فإن غلبك أمر فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل) ، فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين: حالة حصول مطلوبة، وحالة فواته، فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدا "
شفاء العليل (٣٧-٣٨) .
وهو بهذا الفكر يتجاوز كل عقبة وكل فشل، لا يعجزه شيء، وليس لأمانيه حدود، وليس لهمته وعزيمته نهاية.
بل يعلم أن الفشل إنما هو دليل على العمل، لأن الذي يعمل هو الذي قد يفشل، وأما القاعد المتكاسل فلا يصيب فشلا ولا نجاحا، والعمل لا بد أن يثمر النجاح يوما ولو بعد حين، فهو لذلك يتخذ من الفشل خطوة نحو النجاح، يتنبه به على مواطن الخلل والنقص، ويحاول تجاوزها وإصلاحها، فيعود أقوى وأصلب مما كان عليه من قبل، حتى يصيب النجاح الذي يسعى إليه.
وما باب التوبة الذي فتحه الله تعالى للذين يخطئون ويفشلون إلا حافز آخر لتجاوز مراحل الفشل إلى مراقي النجاح، خاصة إذا استفاد المقصر من تجربته، حتى قال بعض السلف: " معصية تورث ذلا وانكسارا خير من طاعة تورث عجبا واستكبارا ".
وأخيراً، ومع كل هذه الحوافز والدوافع نحو النجاح وتجاوز الفشل لا يبقى عذر لقاعد أو متكاسل أو محبط، فالسبيل ميسر، إنما يَطلُبُ منك شيئا من العزيمة والإرادة والحكمة.
يقول النبي ﷺ : (كُلُّ أُمَّتِي يَدخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَن أَبَى) رواه البخاري (٧٢٨٠) .
وانظر جواب السؤال رقم (٢٢٧٠٤) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15633
هل يتزوج من تطلقت لأجله ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا رجل متزوج منذ ١٣ سنة، وعندي ثلاثة أولاد، منذ حوالي سنتين وأنا منفصل عن فراش زوجتي، علاوة على أن زوجتي أصبحت سمينة جدّاً، ولا تهتم بنفسها!!
تعرفت منذ سنة ونصف على امرأة متزوجة، ووقعت هذه المرأة في حبي الشديد، لدرجة أنها تركت زوجها وطفلتيها وتطلقت، منذ طلاقها وهي ملتصقة بي التصاقاً شديداً، حتى إنها قدمت من بلدها لتزورني هنا وتقيم معي لعدة أيام (عائلتي موجودة في بلد آخر) ، تتصل بي يوميّاً وعن طريق الإيميل، اتفقنا مرات كثيرة على الزواج، ولكنني أتراجع في كل مرة خوفا على أولادي وبيتي من الهدم، ولكن بنفس الوقت فأنا أشفق عليها جدّاً؛ لأنها ضحت بحياتها وبناتها من أجل سعادتنا معا (رغم أنني لم أطلب منها الطلاق) ، أريد أن أتزوج هذه المرأة، ولكنني بنفس الوقت لا أستطيع نسيان أنها كانت زوجة لرجل قبلي وكانت تمارس معه الجنس، أنا الآن ملتزم دينيّاً منذ رمضان، ولا أفوِّت أي فرض صلاة في المسجد، وأقرأ القرآن، وأتصدق، وأخلاقي أصبحت ممتازة مقارنة بما كانت عليه، وأيضا هي أصبحت ممتازة جدّاً، أخاف من الله أن أكون قد تسببت بهدم حياتها الأولى، وأريد أن أعيش معها كزوجة ثانية، ولكني أخاف على بيتي وأولادي من الهدم، وأخاف أن لا أنسى زواجها الأول
أرجوكم أرشدوني، فتأنيب الضمير يقتلني، ويفسد علي عبادتي، علما أنني قادر ماديّاً على الزواج.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
عجيب أمر تلك النفوس التي تأبى إلا سلوك سبيل الردى والهلاك.
وغريب حال تلك النفوس التي تتخبط في كل واد في سبيل تحصيل لذة فانية، أو سعادة متوهمة.
فمن رزقه الله سبحانه بيتا وأولاداً؛ ثم لا يقنع بعد ذلك إلا بإفساد بيوت الناس وهدم سعادتهم، فليت شعري؛ عن أي سعادة يبحث، وفي أي سبل الأهواء يسير؟!
ثم ها أنت ذا، أيها السائل الكريم، لم تعد ترى من زوجك وأم أولادك إلا أنها أصبحت سمينة جدا، ولا تهتم بنفسها!!
فيا عجبا كل العجب، من الشيطان حين يزين للإنسان ما حرم الله عليه، ويصده عما أحله الله له بكل سبيل!!
ولمن تعتني زوجك بنفسها، وأنت قد هجرت فراشها من زمن طويل، ثم لم تكتف بذلك حتى صرت تسكن ببلد، وزوجك وأولادك ببلد آخر؟!!
أهكذا تكون البيوت؟!! أم هكذا يكون قيامك بشأن أسرتك ورعيتك التي استرعاك الله عليها؟!!
وإذا قدر أن رجلا لم تكفه زوجته الأولى، أو قصرت في بعض شأنه، فقد أوسع الله علينا – نحن المسلمين – فأباح لنا أربعا من الزوجات، تقوم الواحدة منهن بإكمال نقص الأخرى، في مقابل قيام الزوج على أمورهن وأمور أبنائهن والعدل بينهن.
فسد حاجة النفس لا يكون بالنظر إلى ما من الله به على بعض الناس، أو فضلهم به علينا، من زوجة أو أولاد أو أموال: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) النساء/٣٢.
وإذا كان الله تعالى قد من الله علينا من الحلال بما فيه الكفاية، فما حاجتنا إلى سبل الغواية في إعفاف النفس وسد حاجاتها؛ اللهم إلا أن يكون كل هم المرء أن يجري خلف الشهوات المسعورة؟!!
عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : (لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امرَأَةً عَلَى زَوجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ) . رواه أبو داود (٢١٧٥) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وروى أبو داود (٥١٧٠) – أيضاً - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ خَبَّبَ زَوْجَةَ امْرِئٍ أَوْ مَمْلُوكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
قال الشيخ عبد العظيم آبادي – ﵀:
(مَن خبَّب) : بتشديد الباء الأولى، أي: خدع وأفسد.
(امرأة على زوجها) : بأن يذكر مساوئ الزوج عند امرأته، أو محاسن أجنبي عندها.
" عون المعبود " (٦ / ١٥٩) .
وقال:
(مَنْ خَبَّب زوجة امرئ) : أي خدعها وأفسدها أو حسن إليها الطلاق ليتزوجها أو يزوجها لغيره أو غير ذلك.
" عون المعبود " (١٤ / ٥٢) .
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
عن إمام المسلمين: خبب امرأة على زوجها حتى فارقته وصار يخلو بها، فهل يُصَلَّى خلفه؟ وما حكمه؟ .
فأجاب:
في المسند عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها أو عبدا على مواليه) فسعي الرجل في التفريق بين المرأة وزوجها من الذنوب الشديدة، وهو من فعل السحرة، وهو من أعظم فعل الشياطين، لا سيما إذا كان يخببها على زوجها ليتزوجها هو، مع إصراره على الخلوة بها، ولا سيما إذا دلت القرائن على غير ذلك، ومثل هذا لا ينبغي أن يولى إمامة المسلمين إلا أن يتوب، فان تاب تاب الله عليه، فاذا أمكن الصلاة خلف عدل مستقيم السيرة فينبغى أن يصلى خلفه، فلا يصلَّى خلفَ من ظَهَرَ فجوره لغير حاجة، والله أعلم.
" مجموع الفتاوى " (٢٣ / ٣٦٣) .
وقال ان القيم ﵀:
وقد لعن رسول الله ﷺ من فعل ذلك، وتبرأ منه، وهو من أكبر الكبائر، وإذا كان النبي ﷺ قد نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه وأن يستام على سومه: فكيف بمن يسعى بالتفريق بينه وبين امرأته وأمته حتى يتصل بهما، وعشاق الصور ومساعدوهم من الديثة لا يرون ذلك ذنبا؛ فإن في طلب العاشق وصل معشوقه ومشاركة الزوج والسيد ففي ذلك من إثم ظلم الغير ما لعله لا يقصر عن إثم الفاحشة إن لم يربُ عليها، ولا يسقط حق الغير بالتوبة من الفاحشة، فإن التوبة وإن أسقطت حق الله فحق العبد باق، له المطالبة به يوم القيامة، فإنَّ ظُلْمَ الزوج بإفساد حبيبته والجناية على فراشه أعظمُ مِن ظلمه بأخذ ماله كله، ولهذا يؤذيه ذلك أعظم مما يؤذيه بأخذ ماله، ولا يعدل ذلك عنده إلا سفك دمه، فيا له من ظلم أعظم إثما من فعل الفاحشة، فإن كان ذلك حقّاً لغازٍ في سبيل الله وقف له الجاني الفاعل يوم القيامة، وقيل له: خذ من حسناته ما شئت، كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، ثم قال: فما ظنكم؟! أي: فما تظنون تبقى له من حسناته، فإن انضاف إلى ذلك أن يكون المظلوم جاراً، أو ذا رحم محرم: تعدد الظلم، وصار ظلما مؤكدا لقطيعة الرحم وأذى الجار، ولا يدخل الجنة قاطع رحم، ولا من لا يأمن جاره بوائقه.
" الجواب الكافي " (ص ١٥٤) .
وإفساد الزوجة على زوجها ليس فقط بأن تطلب منها الطلاق، بل إن محاولة ملامسة العواطف والمشاعر، والتسبب في تعليقها بك أعظم إفساد، وأشنع مسعى يمكن أن يسعى به بين الناس.
نعم – أخي السائل – لقد أتيت أمرا عظيما حين تعرفت على تلك المرأة واتصلت بها حتى هدمت أسرتها، كما أتت هي أيضا أمرا عظيما حين تعلقت بغير زوجها، حتى طلبت منه الطلاق، فخربت بيتها بيدها، وسألت ما لا يحل لها.
عن ثوبان ﵁ قال رسول الله ﷺ : (أَيُّمَا امرَأَةٍ سَأَلَت زَوجَهَا طَلَاقًا فِي غَيرِ مَا بَأسٍ فَحَرَامٌ عَلَيهَا رَائِحَةُ الجَنَّةِ) .
رواه الترمذي (١١٨٧) وأبو داود (٢٢٢٦) وابن ماجه (٢٠٥٥) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
ونحن إنما نرجو بهذا العتاب الشديد أن يقذف الله في قلب كل من يقرأ هذا الجواب فظيع عاقبة التعدي على الحرمات، والتساهل في أمور الاتصال بالجنس الآخر والحديث إليه، وقد أشرنا مرارا إلى كلام أهل العلم في تحريم ذلك.
انظر (٢٦٨٩٠) ، (٥٢٧٦٨) ، (٦٦٢٦٦) ، (٥٩٩٠٧) .
كما نرجو أن يكون ذلك حافزاً لكما على إخلاص التوبة لله تعالى، والإنابة إليه، وسؤال المغفرة منه سبحانه على ما فات، وأخيرا رد المظالم إلى أهلها.
واعلم – أخي الكريم – أن الله سبحانه يقبل التوبة عن عبادة إذا صدقوا بها، وأن باب رحمته مفتوح لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، بل كثيرا ما يكون العبد بعد المعصية والتوبة خيرا منه قبلها.
يقول : (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ) الزمر/٥٣-٥٤.
ويقول : (إنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) البقرة/٢٢٢.
ثانياً:
من شروط التوبة الصادقة رد المظالم إلى أهلها، فإن المؤاخذة لا تسقط حتى ترجع المظلمة ويأخذ المظلوم حقه في الدنيا قبل الآخرة.
فالواجب على تلك المرأة الرجوع إلى بيتها، ومحاولة الاعتذار إلى زوجها السابق عن طريق بعض المقربين منهما، ولو رفع الأمر إلى القاضي لما أجاز أي عقد على تلك المرأة حتى تتوب وترجع إلى زوجها.
جاء في " الموسوعة الفقهية " (٥ / ٢٥١) :
وقد صرّح الفقهاء بالتّضييق عليه وزجره، حتّى قال المالكيّة بتأبيد تحريم المرأة المخبّبة على من أفسدها على زوجها معاملةً له بنقيض قصده، ولئلاّ يتّخذ النّاس ذلك ذريعةً إلى إفساد الزّوجات. انتهى.
والزواج الذي يبدأ بمعصية الله تعالى لن يوفق في الغالب، وسينقلب نقمة على صاحبه.
فإذا عفا الزوج وسامح فالحمد لله، فإن رفض ولم يقبل إرجاع زوجته، فلا حرج عليكما أن تتزوجا حينئذ، مع استشعار الندم وسؤال الله تعالى العفو والمغفرة.
وجمهور العلماء يرون صحة عقد من أفسد على رجل زوجته حتى طلقها ثم تزوجها هو، رغم إثم التخبيب – وهو القول الراجح -، وخالف في ذلك بعض أهل العلم من المالكية والحنابلة فأبطلوا العقد.
ففي " الإقناع " (٣ / ١٨١) – وهو من كتب الحنابلة -:
وقال في رجل خبب امرأة على زوجها: يعاقب عقوبة بليغة، ونكاحه باطل في أحد قولي العلماء في مذهب مالك وأحمد وغيرهما، ويجب التفريق بينهما. انتهى.
وجاء في " الموسوعة الفقهية " (١١ / ١٩، ٢٠) :
انفرد المالكيّة بذكرهم الحكم في هذه المسألة، وصورتها: أن يفسد رجل زوجة رجل آخر، بحيث يؤدّي ذلك الإفساد إلى طلاقها منه، ثمّ يتزوّجها ذلك المفسد.
فقد ذكروا أنّ النّكاح يفسخ قبل الدّخول وبعده بلا خلاف عندهم، وإنّما الخلاف عندهم في تأبيد تحريمها على ذلك المفسد أو عدم تأبيده، فذكروا فيه قولين:
أحدهما - وهو المشهور -: أنّه لا يتأبّد، فإذا عادت لزوجها الأوّل وطلّقها، أو مت عنها جاز لذلك المفسد نكاحها.
الثّاني: أنّ التّحريم يتأبّد، وقد ذكر هذا القول يوسف بن عمر كما جاء في شرح الزّرقانيّ، وأفتى به غير واحد من المتأخّرين في فاس.
هذا ومع أنّ غير المالكيّة من الفقهاء لم يصرّحوا بحكم هذه المسألة، إلاّ أنّ الحكم فيها وهو التّحريم معلوم ممّا سبق في الحديث المتقدّم. انتهى.
وفي " كتب أئمة الدعوة النجدية " (٧ / ٨٩) :
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد - رحمهما الله -: عن رجل خبب امرأة على زوجها وتزوجها؟ .
فأجاب:
نكاح الثاني الذي خببها على زوجها: باطل، ويجب أن يفارقها؛ لأنه عاص لله في فعله ذلك. انتهى.
ونرجو لكَ، بحسن توبتك وصدقك مع الله تعالى أن يوفقك إن تزوجت هذه المرأة، إذا بدأت أولا بمحاولة إصلاح ما أفسدت من شأنها مع وزجها الأول.
وأما أنها كانت زوجة لغيرك، وكان بينهما ما يكون بين المرء وزوجه، فهذا هاجس لا قيمة له في واقع الأمر؛ فالذي يأنف الحر منه أن تكون امرأة لوثت نفسها بعشرة في الحرام، وأما ما أحله الله له لعباده وشرعه لهم، فلا وجه للأنفة منه!!
قال الله تعالى: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً) (التحريم:٥) ؛ فجعل الله تعالى النعمة بزواج الثيب، كالنعمة بزواج البكر.
ثم ما تخشاه من ضياع أولادك، هو وارد في زيجة تفكر فيها، بعد زواجك الأول؛ والذي نرجوه أنك، إذا تزوجت هذا المرأة أو غيرها، ألا تبني بيتا جديدا على أنقاض بيتك الأول، الذي فيه زوجك الأولى وأولادك؛ بل الواجب على من أراد خوض تلك التجربة أن يكون عنده من الحكمة والكياسة ما يعينه على تدبير أمر بيته، وسياسة رعيته، وأن يكون عنده من العدل بين نسائه، وإعطاء كل ذي حق حقه، ما لا يبقي عليه تبعة لأحد، ولا مظلمة يطلبه بها عند ربه.
قيل لرجل من العرب كان يجمع الضرائر: كيف تقدر على جمعهنّ؟
قال: كان لنا شبابٌ يصابرهنّ علينا، ثم كان لنا مالٌ يصبّرهنّ لنا، ثم بقي خلق حسن، فنحن نتعاشر به ونتعايش!! [عيون الأخبار ١/٣٩٦] .
ونسأل الله لنا ولكما العفو والتوفيق
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15634
تعرضت للاغتصاب وهي صغيرة، وتريد الزواج الآن
[السُّؤَالُ]
ـ[أعاني من مشكلة نفسية واجتماعية فى نفس الوقت , حيث تعرضت في صغري لاغتصاب من أحد أقاربي، أشك فى أنه أفقدني براءتي، مما كان له أثر سيئ على نفسيتي، فكنت أبكي كل ليلة وأنا نائمة لا يشعر بي أحد، ثم في مرحلة الثانوية وما قبل الجامعة جاء إلى بيتنا شاب لدرس، واعترف لي أنه يريد الزواج مني، فصارحته بكل شيء، فأجاب بأن هذا ماض وأنه مسامح، ولا أخفي عليك، فمنذ ذلك الحين نتحادث هاتفيّاً كل مدة، وأهلي على علم بذلك، وهو الآن فى العام الأخير من الجامعة، فأريد أن أعرف هل ذلك حرام؟ وهل أنا كذلك مستسلمة لقضاء الله؟ وإن لم يكن كذلك فماذا أفعل؟ .
أرجو النظر في مشكلتي وإفادتي.
وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
قد لا يدرك المرء حقيقة الحكمة التي من أجلها ابتلاه الله تعالى في دنياه، حتى يكون يوم القيامة، فينكشف له ذلك المقام الرفيع الذي أعده الله تعالى له في الجنة إذا صبر واحتسب، ويعلم حينئذ أن الله تعالى كان قد ابتلاه بفضله، واختبره بحكمته.
عن جابر ﵁ قال رسول الله ﷺ : (يَوَدُّ أَهلُ العَافِيَةِ يَومَ القِيَامَةِ حِينَ يُعطَى أَهلُ البَلَاءِ الثَّوَابَ لَو أَنَّ جُلُودَهُم كَانَت قُرِّضَت فِي الدُّنْيَا بِالمَقَارِيضِ) .
رواه الترمذي (٢٤٠٢) وحسنه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢٢٠٦) .
ويبدو أنك – أختي الفاضلة – قد تجاوزت بحمد الله تلك الواقعة، وتحملت آثارها النفسية، بل وأرجو أن تكوني خرجت بنفسية أقوى، وبروح أعلى وأذكى، فإن في كل محنة منحة، ووراء كل بلاء عافية، ولا ينبغي للمرء أن يتأسف على ما فات، ويستذكر الماضي الذي لن يرجع أبدا، بل ينبغي أن يأخذ منه العبرة ليومه والتفاؤل لغده.
وفي قصتك درس للآباء الذين يتحملون مسؤولية أبنائهم أمام الله تعالى، ألا يُسلِموهم لمواضع الردى بدعوى حسن الظن بالقرابة، والحقيقة المؤسفة تقتضي أن نقول: إن كثيرا من حالات الاعتداء إنما تجيء من القرابة، نسأل الله العافية.
وليست هذه دعوة لقطع الأرحام أو التشكك في الناس، إنما هي دعوة للاحتفاظ بالحذر والاحتياط الذي يقتضيه الحال، وعلى الوالدين تقدير ذلك الحذر من غير غلو ولا تفريط، وقد جاءت شريعتنا بقاعدة عظيمة في ذلك، هي قاعدة سد الذرائع، بل جاءت الشريعة بأخذ الاحتياط بين الإخوة في البيت الواحد، وذلك حين أمر النبي ﷺ بالتفريق بينهم في المضاجع، كما رواه أبو داود (٤٩٥) وصححه الألباني.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ ﵀: أَيْ فَرِّقُوا بَيْن أَوْلَادكُمْ فِي مَضَاجِعهمْ الَّتِي يَنَامُونَ فِيهَا إِذَا بَلَغُوا عَشْرًا حَذَرًا مِنْ غَوَائِل الشَّهْوَة، وإن كُنّ أخواته. انتهى [فيض القدير ٥/٥٣١] .
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: إنما جَمَعَ بَيْن الْأَمْر بِالصَّلَاةِ وَالْفَرْق بَيْنهمْ فِي الْمَضَاجِع فِي الطُّفُولِيَّة تَأْدِيبًا وَمُحَافَظَة لِأَمْرِ اللَّه كُلّه ... وَتَعْلِيمًا لَهُمْ َالْمُعَاشَرَة بَيْن الْخَلْق , وَأَنْ لَا يَقِفُوا مَوَاقِف التُّهَم فَيَجْتَنِبُوا محارم الله كلها. اِنْتَهَى. [شرح مشكاة المصابيح ٢/١٥٥] .
وفي قصتك درس للآباء ـ أيضا ـ: أن يتفقدوا أحوال أبنائهم، ويُعَوِّدُوهم على مصارحتهم في كل ما يواجهون، في المدرسة أو الشارع أو المنزل، فإن كثيرا من الأطفال تصيبهم المصائب، وتلحقهم الأمراض النفسية، والوالدان في غفلة تامة عن أمرهم، وقد كان يمكن للوالدين أن يخففا عن أبنائهم ما أصابهم، ولكن ترك المصارحة الأسرية يولِّدُ حرجا عند الأبناء في الشكوى لآبائهم.
وأما ذلك القريب الظالم الفاجر المعتدي، فقد استحق غضب الله وسخطه ومقته، واستحق جهنم التي أعدها الله تعالى للظالمين المعتدين، الذين يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، وهو يظن أنه ينجو بفعلته ويلوذ بجريمته، ولكنه لا يشعر أن الله تعالى يتربص به وبأمثاله، حتى إذا أخذه فما له مِنَ الله مِنْ ناصر.
يقول الله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ) إبراهيم/٤٢.
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
(إِنَّ اللَّهَ يُملِي لِلْظَالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: (وَكَذَلِكَ أَخذُ رَبِّك إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) . رواه مسلم (٢٥٨٣) .
قال النووي – ﵀: " معنى (يملي) يمهل ويؤخر ويطيل له في المدة ... .
ومعنى (لم يفلته) : لم يطلقه، ولم ينفلت منه ". " شرح مسلم " (١٦ / ١٣٧) .
ثانياً:
أما ما ذكرتِ من شأن الشاب الذي عرض عليك أمر الزواج، وأنت بدورك صَدَقتِيهِ القول وصارحتيه بما جرى معك في صغرك فتقبل ذلك ولم يعترض: فذلك من نِعَم الله تعالى عليك، أَن هَيَّأَ لك من يعذركِ فيما حصل معكِ في صغرك، ويست عليك في أمر ظلمتِ فيه، ويرغب في الاقتران بك بالطريق الذي شرعه الله، فجزاه الله خيرا.
ولكنكما أخطأتما حين استمرت المحادثات بينكما، قبل أن يتم الرابط الشرعي، وقد كان بإمكانكما إتمام عقد الزواج الشرعي، وتأخير الدخول إلى حين التخرج أو العمل، أما أن تبقى الحال على ما هي عليه: فلا شك في حرمة ذلك، إذ ليس بينكما علاقة شرعية، وإنما هي إلى الآن أماني أو وعود بالزواج.
والواجب عليكما الوقوف عند الحكم الشرعي، وأنه لا يجوز استمرار المحادثة بينكما حتى يتم العقد الشرعي، فإن كان صادقا في وعده لك بالزواج: فسيستجيب لحكم الله، ويسارع في إتمام العقد، أو يقطع الاتصال حتى يتخرج، فإن لم يستجب لحكم الله تعالى: فاحذري حينئذ، فقد يكون ذئباً جديداً يسعى للتسلية وقضاء الوقت في محادثة الفتيات، ويتخذ الوعود بالزواج وسيلة لتحقيق ما يريد، وخاصة أنه قد علِم بحالك، وقد تكون هذه فرصة له يسول له الشيطان بسببها أمراً منكَراً.
سئل الشيخ الفوزان - حفظه الله -:
مكالمة الخطيب لخطيبته عبر الهاتف، هل هي جائزة شرعا أم لا؟
فأجاب:
مكالمة الخطيب عبر الهاتف لا بأس به، إذا كان بعد الاستجابة له، وكان الكلام من أجل المفاهمة، وبقدر الحاجة، وليس فيه فتنة، وكون ذلك عن طريق وليها: أتم وأبعد عن الريبة.
أما المكالمات التي تجري بين الرجال والنساء وبين الشباب والشابات، وهم لم تجرِ بينهم خطبة، وإنما من أجل التعارف - كما يسمونه -: فهذا منكر، ومحرَّم، ومدعاة إلى الفتنة، والوقوع في الفاحشة، يقول الله تعالى: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً) الأحزاب/٣٢.
فالمرأة لا تكلم الرجل الأجنبي إلا لحاجة، وبكلام معروف لا فتنة فيه ولا ريبة، وقد نص العلماء على أن المرأة المحرمة تلبي ولا ترفع صوتها، وفي الحديث (إِنَّمَا التَّصْفِيقُ للنِّسَاءِ) - رواه البخاري (١٢١٨) ومسلم (٤٢١) - مما يدل على أن المرأة لا تُسمع صوتها الرجال إلا في الأحوال التي تحتاج فيها إلى مخاطبتهم مع الحياء والحشمة.
" فتاوى المرأة المسلمة " (٢ / ٦٠٤ - ٦٠٥) .
وقد سبق في موقعنا بعض الإجابات التي تبين حكم المحادثة بين الجنسين، ومنها: أجوبة الأسئلة: (٧٤٩٢) ، (١٣٧٩١) ، (٢٦٨٩٠) ، (٤٥٦٦٨) ، (٦٦٢٦٦) ، (٨٢٧٠٢) .
نسأل الله تعالى أن يحفظك ويوفقك ويرزقك الرضى والسعادة.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15635
مشكلاته مع أهله سببت له اكتئابا
[السُّؤَالُ]
ـ[منذ نعومة أظفاري نشأت في حياة بائسة، فقد كان والدي متزوجاً باثنتين زوجته الأولى، وأمي، وقد كان أخي الأكبر مسيطراً سيطرة كاملة على المنزل، وكان جبَّاراً لا أحد يستطيع الكلام في وجوده أو حتى الهمس، ولا أعلم ما هو السر حتى الآن، أما أبي فقد ترك كل شيء له، حتى أمي وزوجة أبي لا يقدرون عليه ولا يستطيعون مناقشته، وعندما أصبحت في الصف الرابع أو الخامس طُلقت والدتي وعشتُ أصنافاً من العذاب والويل - والله -، قمع على أتفه الأسباب، واستعباد، وقلوب قاسية من هذا الأخ ومن زوجة أبي، وضرب حتى يخرج الدم، وأبي لا حياة لمن تنادي، ثم كبرت وتوظفت وكبر إخواني الآخرون، وما زال حتى الآن يراهم ملائكة ويراني لا شيء - تافه وحقير - وهم بدورهم متكبرون وقاطعوني، وقد واصلتهم، ولكني رأيت تعاملهم معي فقاطعتهم، حاولت التقرب منه ولكنه مصمم على عدم العدل في كل تصرفاته، والآن أعاني من هذا الظلم، وأعاني من الاكتئاب ومن ثقتي بنفسي، فما هو الحل؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا شك أن ما تعاني منه هو مؤلم، والظلم إذا حصل من القريب كان أشدَّ على النفس من ظلم البعيد، لكنَّ المسلم الذي يحمل اعتقاد أهل السنَّة والجماعة يعلم أن " ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه "، وهو يأخذ بأسباب السعادة، ويفعل ما أمره الله تعالى به دون تقصير، وإذا لم يقدِّر الله تعالى له الخير فيكون ما أصابه ابتلاء ليكفِّر الله تعالى به السيئات ويرفع الدرجات.
ثانياً:
والظلم الذي وقع عليك من والدك، وزوجته، وأخيك، هو مما يحز في النفس وجوده، وهو أمرٌ يدل على استيلاء الشيطان على عقول وقلوب أتباعه الذين يستجيبون لأمر الشر والسوء، ويصدون أنفسهم عن مواطن الخير والفضل.
وما كنتَ تفعله من مواصلتهم مع قطعهم لك هو الذي ينبغي لك المداومة عليه، وقد أخطأتَ في ترك مواصلتهم، والمسلم يحتسب ما يقع عليه من ظلم، ويرجو ثواب صبره عند ربه ﵎، وإذا كان هذا الظلم من والدَين أو رحم فإنه لا يقطعهم إلا أن يؤثر قربه منهم على دينه، ولتعلم أن الله تعالى ينصرك ويؤيدك إن كنتَ واصلاً لهم وهم يقطعونك.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ.
رواه مسلم (٢٥٥٨) .
وقد جعل الله تعالى ذلك أدبا عاما للمسلم مع الناس: أن يحلم على الجاهل، ويحسن إلى المسيء؛ قال الله تعالى:
(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) سورة فصلت
قال الشيخ ابن سعدي ﵀ في تفسيره (٥٥٨) :
" أي: لا يستوي فعل الحسنات والطاعات، لأجل رضا الله تعالى، وفعل السيئات والمعاصي، التي تسخطه ولا ترضيه. ولا يستوي الإحسان إلى الخلق، ولا الإساءة إليهم، لا في ذاتها، ولا في وصفها، ولا في جزائها: " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان "؟!!
ثم أمر بإحسان خاص، له موقع كبير، وهو: الإحسان إلى من أساء إليك فقال: " ادفع بالتي هي أحسن ": أي: فإذا أساء إليك مسيء من الخلق، خصوصا من له حق كبير عليك، كالأقارب، والأصحاب، ونحوهم، إساءة بالقول أو بالفعل، فقابله بالإحسان إليه؛ فإن قطعك فصله، وإن ظلمك فاعف عنه، وإن تكلم فيك، غائبا أو حاضرا، فلا تقابله، بل اعف عنه، وعامله بالقول اللين. وإن هجرك، وترك خطابك، فطيب له الكلام، وابذل له السلام. فإذا قابلت الإساءة بالإحسان، حصل فائدة عظيمة: " فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم " أي: كأنه قريب شفيق!!
" وما يلقاها " أي: وما يوفق لهذه الخصلة الحميدة " إلا الذين صبروا " نفوسهم على ما تكره، وأجبروها على ما يحبه الله. فإن النفوس مجبولة على مقابلة المسيء بإساءته وعدم العفو عنه، فكيف بالإحسان؟ فإذا صبر الإنسان نفسه، وامتثل أمر ربه، وعرف جزيل الثواب وعلم أن مقابلته للمسيء بجنس عمله، لا تفيده شيئا، ولا تزيد العداوة إلا شدة، وأن إحسانه إليه ليس بواضع قدره، بل مَنْ تواضع لله رفعه، هان عليه الأمر، وفعل ذلك متلذذا مستحليا له.
" وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم " لكونها من خصال خواص الخلق، التي ينال بها العبد، الرفعة في الدنيا والآخرة، التي هي من أكبر خصال مكارم الأخلاق." انتهى.
قال ابن حبان البستي – ﵀:
الواجب على العاقل توطين النفس على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لجازاة الإساءة؛ إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسنُ من الإحسان، ولا سبب لنماء الإساءة وتهييجها أشدُّ من الاستعمال بمثلها.
ولقد أنشدني منصور بن محمد الكريزي:
سألزمُ نفسي الصفح عن كل مذنب وإن كثرت منه إليَّ الجرائم
فما الناس إلا واحد من ثلاثةٍ شريف ومشروف ومثلٌ مقاوم
فأما الذي فوقي فأعرف فضله وأتبع فيه الحقَّ، والحقُّ لازم
وأما الذي دوني فإن قال صنْتُ عن إجابته عِرضي وإن لام لائم
وأما الذي مثلي فإن زلَّ أو هفا تفضَّلتُ إن الحلم للفضل حاكم
" روضة العقلاء ونزهة الفضلاء " (ص ١٦٦) .
ولا يعني أنك إذا واصلتَهم أنك لا تُنكر عليهم أفعالهم ولا تبيِّن لهم أخطاءهم، بل يجب عليك أن تفعل ذلك، وهذا من النصيحة التي أوجبها الله تعالى عليك، حتى يقفوا على أخطائهم، ويصلحوا ما أفسدوه، فإن رأيت تغيرهم للأفضل فهو خير عظيم قدَّمتَه لهم، وإن لم يستجيبوا لنصحك فعليك بتكرار المحاولة مع الاستعانة بالدعاء أن يصلح الله تعالى بالهم وشأنهم، ولا تقطع الصلة بهم بالكلية؛ بل أبق عليها ولو على أدنى مراتبها.
ثالثاً:
وأما ما أصابك من اكتئاب وفقدان ثقة بنفسك فمردُّه إلى ما عانيته من هموم وغموم، لكن لا ينبغي لك الاستسلام لهذا، ويجب أن تعلم أن اكتئابك هذا سيسبب لك أمراضا نفسية وعضوية إن استمررت مستسلماً له، وعليك أن تبدأ بعلاج نفسك لتواجه الحقيقة وهي أن الناس تختلف طبائعها، وأنك تجد الخير والشر عندهم، وأن غيرك يعاني أضعاف ما تعاني منه، فليس أمامك إلا أن تسلك الطرق الشرعية في انشراح الصدر لتنعم بحياة آمنة مطمئنة لا كدر فيها ولا هم ولا غم.
ويمكن أن نلخص لك ما نريد منك أن تفعله في أمور:
١. الرضا بقدر الله تعالى، والسعي في إصلاح والدك وزوجته وأخيك بالتي هي أحسن.
٢. المحافظة على ذِكر الله تعالى، ومنها الأدعية الواردة في علاج مثل هذه الأمور.
أ. قال الله تعالى: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد/٢٨.
ب. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ " اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي ": إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا، قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا) .
رواه أحمد (٣٧٠٤) وصححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١٩٩) .
قال ابن القيم – ﵀:
ومن أسباب شرح الصدر: دوام ذِكْره على كل حال، وفي كل موطن؛ فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر، ونعيم القلب، وللغفلة تأثير عجيب في ضيقه، وحبسه، وعذابه.
" زاد المعاد " (٢ / ٢٢)
٣. إشغال الوقت بطلب العلم والدعوة إلى الله تعالى وقراءة سير الصالحين.
٤. ترك النظر المحرَّم وفضول المخالطة والأكل والنوم.
قال ابن القيم – ﵀:
ومنها – أي: أسباب انشراح الصدر -: ترك فضول النظر والكلام والاستماع والمخالطة والأكل والنوم؛ فإن هذه الفضول تستحيل آلاماً وغموماً وهموماً في القلب، تحصره، وتحبسه، وتضيِّقه، ويتعذب بها، بل غالب عذاب الدنيا والآخرة منها.
" زاد المعاد " (٢ / ٢٢)
وستجد – إن شاء الله - أن ما بك من هموم وغموم وتكدر معيشة سيزول، وسيكون مكانه انشراح صدر وراحة بال.
ونسأل الله تعالى أن يرفع عنك الهموم والغموم، وأن يصلح أهلك ويهديهم لأحسن الأقوال والأفعال والأخلاق، ونسأله تعالى أن يُعظم لك الأجر، وأن يعينك على ذِكره وشكره وحُسن عبادته.
وللمزيد: انظر أجوبة الأسئلة (٢١٦٧٧) و (٤٥٨٤٧) و (٤٦٣١) .
وانظر أيضا: في قسم الكتب في موقعنا: علاج الهموم.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15636
والدتها تسيئ معاملتها
[السُّؤَالُ]
ـ[يوجد تفرقة في المعاملة بين الأخوات من قبل الأهل، التحكم والسيطرة من قبل الوالدين في التصرفات والملبس والمأكل، ولا تقل لي إنهم ينصحونني بالزى الإسلامي، بل على العكس (وضع ماكياج لإعجاب العرسان) هم يريدونني أن لا أصرف من مرتبي، أو عدم الذهاب كثيرا للملاجئ والمسنين، وأمي تريدنا أن نذهب لأهلها فقط، وأبي لا يبالي، فَهَمُّه جمع المال والأكل؛ فهو شخصية ضعيفة مع أمي المتسلطة، وأختي الوحيدة تابعة لأمي في كل شيء، وفي المقابل أمي تعاملها أحسن وباهتمام وتكبرها علي، لقد احتسبت الله بيني وبينهم،
أريد فقط أن أعرف ما معنى المعاملة بالإحسان، وكيف أضبط انفعالي معها وهى تكذب؟ وهل قولي لها أنت كاذبة حرام؟ وماذا أفعل عندما يضيق صدري وتبتل وسادتي مما تفعله وتقوله عني أمام الناس؟ والله المستعان.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
كثيرة هي المشاكل التي تعرض في حياة الأسرة المسلمة، كما أنها متنوعة بتنوع نواحي الحياة المختلفة إلى اجتماعية أو اقتصادية أو نفسية، ولكن من أخطر أنواع المشاكل تلك التي يعاني فيها الأبناء من تصرفات آبائهم، ذلك أن الواجب أن يقوم الوالدان باحتواء أبنائهم وشملهم بعطفهم ورعايتهم، وتفهم حاجاتهم، ومراعاة نفسياتهم، في حين أن الحال ينعكس في هذا النوع من المشاكل، حيث تتغير وجهة الخطاب لتصبح موجهة إلى الأبناء، كي تتسع صدورهم ونفوسهم لما يعانونه من والديهم.
وفي ذلك دعوة للجيل القادم كي يستفيد من التجربة، فيقوم بدور الأبوة الذي سيسخره الله له، ولن يعذره أحد بالجهل أو قلة المعرفة، كما يمكن أن يعذر به الجيل السابق، فإن تعلم وسائل التربية الإسلامية الصحيحة أمر ميسور اليوم، ولا يعجز عنه إلا عاجز.
وسوف نعترف لك ـ مقدما ـ بأن حديثنا هنا ربما يبدو وكأنه يهون من مشكلة، هي كبيرة في حقيقة الأمر، ونقول لك أختنا الكريمة: لا عيب في ذلك، فإذا قدر أن ذلك التهوين يخفف عنا بعضا من أعباء تلك المشاكل، وإحساسنا بوطأتها، فأهلا به، وهو جزء من العلاج:
فَقُلتُ لَها يا عَزَّ كُلُّ مُصيبَةٍ إِذا وُطِّنَت يَومًا لَها النَفسُ ذلَّتِ
وإذا كان لهذه المشكلة طرفان: أحدهما أنت، والآخر: أسرتك؛ أمك، وأبوك ـ أيضا ـ، ثم أختك؛ فإن حديثنا سوف ينصب في معظمه ـ أيضا ـ عليك، وأنت الشاكية، وأنت المظلومة، كما يبدو لنا من رسالتك؟!!
وإذا بدا ذلك نوعا من الاستسهال في التعامل مع المشكلة، فليكن ـ أختنا الكريمة ـ؛ فلا أنت، ولا نحن نريد تعقيد المشكلة، ولا إلهاب العداوة، إنما نريد الحل، بغض النظر عن طرف الخيط الذي نمسك به؛ فالمهم أن نحل المشكلة، إن استطعنا، أو ـ على أقل تقدير ـ ألا نزيدها تعقيدا!!
لو كان أبوك يسمع لنا لقلنا له: الواجب الأول عليك، والدور الكبير لك، فأنت القيم، وأنت الراعي ومسئول عن رعيتك؛ لكنه لم يسألنا، ولا نظنه يسمع لنا صوتا!!
لو كانت أمك تسمع نداءنا لقلنا لها: اللهَ الله في أبنائكِ، فحقهم واحد، والعدل بينهم واجب:
( ... فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ) متفق عليه، واللفظ للبخاري
لو كانت أمك تسمع لنا لقلنا لها: (إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا) رواه مسلم (١٨٣٧) .
لقد كان من الممكن أن نقول الكثير، لو كان طرف المشكلة الآخر يسمع لنا!!
لكننا الآن مضطرون إلى أن نوجه حديثنا إلى طرف واحد، هو أنت، وأن نحمل عبء الحل على جانب واحد، هو أنت، فأنت الخيط الذي نملك أن نجذبه، إذا كنا نريد أن نحل العقدة التي تؤرقك!!
وإذا كان واضحا أنك أمام أزمة في التفاهم مع والدتك، وهذه حقيقة يجب أن تبدئي العلاج منها، فلا تحاولي الفرار ورفض الاعتراف وتقبل هذه المشكلة، ويتمثل ذلك بالانفعالات الغضبية التي تصيبك أثناء تعاطيك مع الوالدة، ونحن لا نظن أنها تصدر إلا ممن يحاول الهروب من واقعه، ولم يتفهم ما يواجهه.
والبداية الصحيحة في العلاج تبدأ من الحقيقة التي يقررها القرآن الكريم في قوله تعالى:
(وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) الشورى/٣٠، فتغيير كل واقع إنما ينطلق من أصحاب الشأن، وليس من غيرهم، وينطلق فقط حين يتفهمون أن التغيير يبدأ من أنفسهم، وليس من غيرهم.
فلا بد – أختي الفاضلة – أن تتلمسي مواضع الخلل ومكامن النقص في تعاملك مع أسرتك، وتعملي على علاجها أو لنقل – تغييرها -، ولا نقول هذا تجاوزا، إذ ليس بالضرورة أن يكون هذا الخلل سوء خلق منك – لا قدر الله -، لكنه قد يكون خطأ في طريقة التعاطي مع المشكلة والتعامل مع الواقع، وأستطيع مما ذكرت في السؤال التنبيه على شيء من ذلك:
- دائرة المندوبات والمستحبات لا ينبغي أن تجعل مثار شقاق ونزاع، فإن أمر إصلاح ذات البين وتأليف القلوب أعظم من مصلحة فعل تلك المستحبات، فإن كنت تسببت في بعض النزاع لإصارك على القيام بأمور غاية أمرها الندب، فأرجو أن تراجعي مواقفك تلك.
- متابعة الوالدة مصروفات ابنتها ومحاولة ضبطها أمر محمود، والجانب السلبي فيه فقط هو المبالغة في ذلك، وأظن أن هذا الفهم لسياق المشكلة أكثر موضوعية من وضعها في سياق التجبر والتسلط!
- الانفعال السريع والغضب أساس كل مشكلة، ولن يقود إلى علاج أبدا، من أراد تحصيل ما يتمنى فلا بد أن يكتم في قلبه بعض سهام الظلم أو الأذى.
عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مَا مِنْ جُرعَةٍ أَعظَمُ أَجرًا عِندَ اللَّهِ مِن جُرعَةِ غَيظٍ كَظَمَهَا عَبدٌ ابتِغَاءَ وَجهِ اللَّهِ) رواه ابن ماجه (٤١٨٩) وحسنه العراقي في " تخريج الإحياء " (٤ / ١٦٣) .
ويمكنك الاستفادة من الأجوبة التالية في علاج سرعة الغضب (٦٥٨) و (٤٥٦٤٧) .
وأظنك تملكين – والحمد لله – بعض المفاتيح التي يمكن أن تخفف عنك ما أهمك، فقد أنعم الله عليك بالوظيفة، والمال يأسر القلوب.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (تَهَادُوا تَحَابُّوا) .
رواه البخاري في " الأدب المفرد " (٢٠٨) وحسَّنه العراقي في " تخريج الإحياء " (٢ / ٥٣) وابن حجر في " بلوغ المرام " (٢٧٧) والألباني في " صحيح الأدب المفرد ".
وبالهدية يمكن أن تتملكي قلب والدك ووالدتك وأختك، وراوحي بين أنواع الهدايا: عينية أو نقدية أو بعض أثاث المنزل أو رحلة سياحية إلى مكان جميل، وسيكون لذلك أثر عظيم في نفوسهم إن شاء الله.
وأختك مفتاح حل آخر، إذ يمكنك التفاهم معها والتقرب والتحبب إليها، لتكون عونا لك على ما تواجهين، وخسارتك لها يعني فشلك أنت في ذلك، فلا تحاولي أن تضعي اللوم عليها هي أيضا – وإن كان ذلك هو الواقع – ولكن حين يتهم المرء طريقته فإنه سيسعى حتما لتغييرها إلى الملائم والمناسب، وهنا يكون العلاج.
واعلمي – أختي الفاضلة – أن قلب الوالدة يظل ينبض بالشفقة والرأفة على ولده، مهما أظهر من قسوة وشدة، فحاولي أن تستخرجي كل رحمة في قلب والدتك، بالتحبب والتذلل والمسامحة والمصابرة، ولا أظنك إذا ارتميت في حجر والدتك وقبلت يدها واختلطت دموعك بكلماتك في حبها وشكوى تعب الحياة وألمها إليها: فلا أظنك ترجعين خائبة، بل أرجو أن تعود والدتك خيراً مما كنت تظنين.
يقول الله : (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فصلت/٣٤.
وقد جاء في وصف النبي ﷺ أنه: (وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِن يَعفُو وَيَغفِر) رواه البخاري (٢١٢٥) .
وأولى من يعامل بالحسنى ويقابل بالمسامحة هما الوالدان، لما فرض الله لهما من حق عظيم، حتى قال : (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) الإسراء/٢٤.
والخُلُق الحسن يقتضي تحمل الظلم والأذى من الأحبة، فكيف بالوالدين؟!!
عن ابن عباس ﵄ قال: " المؤمن ملجم بلجام، فلا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يجد طعم الذل ".
وخطب علي بن أبي طالب في أصحابه فقال: (كونوا في الناس كالنحلة في الطير، فإنه ليس شيء من الطير إلا يستضعفها، ولو يعلم ما في أجوافها لم يفعل، خالقوا الناس بأخلاقكم وألسنتكم، وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم، فإن لامرئ ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع من أحب) .
وعن محمد بن الحنفية قال: (ليس بحليم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بُدّاً حتى يجعل الله له فرجا - أو قال: مخرجاً -)
روى هذه الآثار ابن أبي الدنيا في كتابه " مداراة الناس " (٣٧، ٢٧، ٤١) .
كن كالنخيل عن الأضغان مرتفعا يرمى بطوب، فيلقي أطيب الثمرِ
والمهم – أختي الفاضلة – أن تسعي في تغيير الأساليب التي اعتدت عليها في مخاطبة ومحاورة والدتك، وأن تتفكري في كل فكرة ممكنة تكون منفذا لقلبها، ولا تعجزي أبداً، ولا تقولي حاولت وأسقط في يدي، واستعيني بالله أولاً وآخراً.
وأخيراً:
لن يكون سوء معاملة والدتك لك نهاية المطاف أبدا، فالدنيا مليئة بالفرص الطيبة، ومليئة بالخيِّرين من أقارب وجيران وأصحاب، يعيش المرء معهم أيامه، ويطوي بقربهم عمره، يحسن إلى الناس كافة، ويخالقهم بخلق حسن، وهذه أعظم رسالة يحملها المسلم في حياته.
عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إِنَّ مِن أَحَبِّكُم إِلَيَّ وَأَقرَبِكُم مِنِّي مَجلِسًا يَومَ القِيَامَةِ أَحَاسِنُكُم أَخلَاقًا) رواه الترمذي (٢٠١٨) وقال: حسن غريب، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
سئلت اللجنة الدائمة:
السائل يعيش مع والديه في منزل واحد، لكنه دائم الخصومة مع أمه والقطيعة لوالده، وسبب ذلك أن أمه تفضل أخاه الصغير، فتصفه بأقبح الأوصاف، وتشتمه بأقذع الشتائم ولأتفه الأسباب، فصارت عنده عقد نفسية، وتتسامح مع أخيه، ولو أساء أشد إساءة، فصار مدللا خاليا من العقد النفسية، وكذلك والده يسيء إليه كثيرا، لا يرد ﵇ إلا نادرا، ويضربه أحيانا أمام الناس لأدنى سبب، ولا يضرب أخاه الصغير ولو اشتدت إساءته، فهل يطالب من أساء إليه والداه بما يطالب به سائر الأبناء من البر والصلة، وهل يأثم بإثارة الخصومات مع أنه يجتهد في إبعاد الخصومات، وكثيرا ما يندم بعد وقوعها ويتصدق عنهما دون شعور منهما، فهل يثابان بذلك ويثاب هو أيضا، وهل يخفف ذلك من ذنوبه، مع أن هذه الصدقة قليلة جدّاً؟ .
فأجابت:
قد يكون الوالدان معذوريْن فيما حصل منهما، وقد يكون لديهما اعتبارات في التشديد على واحد من أولادهما دون آخر، ككونه أكبر سنّاً، وأرشد من غيره، فالغلط منه أشد، وكتأديبه ليستقيم فيكون قدوة لإخوانه الصغار، وعلى تقدير إساءتهما لا يجوز للولد أن يقابل سيئتهما بالسيئة، بل يقابلها بالحسنة، عملا بقوله تعالى (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فصلت/٣٤، وقوله (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) لقمان/١٥.
فأمر الولد أن يصاحب والديه بالمعروف ولو جاهداه على أن يشرك بالله غيره، والشرك أكبر الكبائر، وأمره أن يلزم سبيل الله المستقيم، وأخبر بأن جزاء الجميع عنده تعالى يوم القيامة، وقد أمر النبي ﷺ ببر الوالدين، وحذر من عقوقهما وبين أن العقوق من أكبر الكبائر، هذا وتُشكَر على الندم على ما فعلت من إثارة الخصومات والقطيعة، وعلى الصدقة عنهما، ولو أعلنت ذلك لهما كان أرجى إلى الوئام وحنانهما عليك، ويرجى لك ولهما الأجر ومغفرة الذنوب بما قربت من الصدقة عنهما، وإن قَلَّت، فإن الله يضاعف الحسنات، وأما الوالدان فالواجب عليهما تحري العدل بين أولادهما، لقوله ﷺ : (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) .
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٥ / ١٢٣ – ١٢٥) .
ونسأل الله أن يوفقكِ ويفتح عليك أبواب رحمته وفضله.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15637
مقدمة على الزواج وقد زالت بكارتها من غير فاحشة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا الحمد لله من أسرة ملتزمة وأنا أيضا أتمتع بذلك، ولكن أعيش حالة بشعة من الرعب بسبب اقتراب موعد زواجي بشاب محترم أيضا وذلك لأني أشك في فقدان غشاء البكارة - من غير فاحشة والعياذ بالله - فهل أصارحه بذلك (مع أن ذلك صعب على) أم أتركه إلى يوم الزفاف ولا أقول له؟؟ لا أعرف كيف أتصرف أفيدوني جزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ما دمت عفيفة لم تقترفي فاحشة والحمد لله، فلا يلزمك إخباره، ولا ينبغي أن تقلقي من ذلك؛ فإن البكارة قد تذهب بالوثبة وإدخال الإصبع والحيضة الشديدة وطول العنوسة ونحو ذلك مما ذكره الفقهاء.
ينظر: المبسوط (٥/٨) ، كشاف القناع (٥/٤٧) ، الفتاوى الكبرى (٣/٨٨) .
وعلى الزوج أن يحسن الظن بزوجته إن اكتشف عدم بكارتها، وأن يقدر ما ذكرنا من أن البكارة قد تزول بأسباب غير الفاحشة، ولو فرض أنه سألك فإنك تجيبنه بما يدفع الريبة عن قلبه، وكوني على ثقة من أن الله تعالى يوفق عبده الصالح ويؤيده ويسدده، وراجعي السؤال رقم (٤٠٢٧٨)
وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء: " مسلمة تعرضت لحادثة في الصغر فقد منها غشاء البكارة، وقد تم عقد زواجها ولم يتم البناء بعد، وحالة أخرى تعرضت لنفس الحادث، والآن يتقدم لها إخوة ملتزمون للخطبة والزواج، وهما في حيرة من أمرهما أيهما أفضل: المتزوجة تخبر زوجها قبل البناء أو تكتم هذا الخبر؟ والتي لم تتزوج بعد هل تسير في هذا الأمر خشية أن ينتشر عنها ويظن بها سوء، وهذا كان في الصغر وكانت غير مكلفة أم هذا يعتبر من الغش والخيانة، هل تخبر من تقدم إليها أم لا لأجل العقد؟
فأجابت: " لا مانع شرعا من الكتمان، ثم إذا سألها بعد الدخول أخبرته بالحقيقة " انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٩/٥) .
ونسأل الله لك التوفيق والسداد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15638
يعاني من مشكلة نفسية: الخوف من الزواج
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد الزواج.. أريد زوجة صالحة نعيش معاً في سعادة ورضى وطمأنينة.. نعيش في حب وصفاء وتناصح.. نقوم من الليل معاً وأسكن إليها وتأنس بي.. أنا شاب أعيش في رهبة وخوف كبيرين من الزواج والزوجة.. أعيش في خجل وحياء.. لي فترة أريد الزوج ولكن أستحي من البوح به لوالدي مع أنهما يلحان كثيراً.. ومن داخلي أصرخ أريد الزواج.. أشعر أنني جعلت الحياء والخجل والوساوس بشأن قدرتي الجنسية حاجزاً بيني وبين الزواج حتى أهرب منه.. نعم أنا أحب الزواج، ولكنني لا أدري لماذا أهرب منه هل هو لخوفي وخجلي أم لعدم الثقة بنفسي وأن الفشل يقف بيني وبين ما أريد.. أعيش في بعض حالاتي ترددا كبيرا وخاصة عند الشراء أو البيع.. أعيش في أسرة محافظة.. وقليلاً ما تتكلم أسرتي في أمور الجنس ولا حتى من بعيد.. مع أنني أسمع أقاربي كيف يمازحون أبناءهم في أمور الجنس وكيف أن أبناءهم واثقون ويتحدثون بطلاقة ليس في أمور الجنس فحسب بل في أمور الزواج.. بلغ بي الخوف من الفشل أنني ذهبت لعيادة الذكورة لقياس العضو وكفاءته.. وتحليل الهرمونات.. وغيرها.. لا أدري هل هو الخوف أم الرغبة في البعد عن الزواج.. حتى أن بعض التحاليل والفحوصات أدخلت الشكوك في نفسي بشكل كبير.. ومع ذلك فأنا أشعر بداخلي بأن ليس الفحوصات السبب في بعدي عن الزواج بل هو الخوف منه.. إذا عقدت العزم على محادثة أهلي بالزواج أشعر برهبة وخوف.. والحق أنني كنت أعيش في سابق عهدي على إستحالة زواجي وخزنت في داخلي أنني مستحيل أن أتزوج.. وسأبقى هكذا.. حتى إن من يحادثني متى تتزوج أرد فوراً " في الجنة ".. أشعر والله أن مايسمى بالعقل الباطن خزن ما كنت أردده.. أريد الزواج.. والله إنني أريد الزواج.. ولكن هذا الخوف أو المخاوف من المرأة والفشل وعدم تصور أنني في يوم من الأيام يمكن لي الزواج وعدم تصور أنني أمارس الجنس مع أنثى وعدم تصور أنني أنام وأسافر مع امرأة.. كل هذا يقف حاجزاً بيني وبين الزواج.. تشجعت قبل فترة وكلمت أهلي وخطبوا لي فتاة.. وتمت الموافقة وبقي أن أذهب لرؤيتها فتملكني الخوف الشديد.. وقلت لأهلي لا أريد الفتاة هذه.. عمري الآن قفز الثلاثين سنة.. وأنا أقف عاجزاً وإن كان الأمل موجوداً.. أقف مترددا وإن كانت الهمة تواقة.. أقف متخوفاً وإن كان اليقين يغلب أحياناً.. لقد تأثرت نفسيتي بهذا.. وزرت أطباء نفسانيين أشكو اكتئابي.. وقلقي.. وكلهم يصرف لي حبوب ويقول استعملها.. لا يشعرون بما أشعر به.. إلا آخرهم استمر معي حتى وضع يده على أساس المشكلة وهو الخوف من المرأة والزواج والفشل والجنس.. أرجوكم أرشدوني.. فأنا بحاجة لنصحكم وتوجيهكم.. أريد كسر هذا الحاجز بيني وبين الزواج.. يعلم الله أن الكلمة تؤثر في نفسي سواء السلب أم الإيجاب.. أريد من يأخذ بيدي ويعبر بي إلى حيث الراحة والأنس والطمأنينة الزوجية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ثق تمام الثقة - أخي الكريم – أننا نعيش معك هذه المشكلة ونشعر بك وبآلامك، وأن أي مسلم في الدنيا هو أخ لنا، مصابه مصاب لنا، ومشاعرنا معه في فرحه إن فرح، وفي حزنه إن حزن، ونتألم لألمه، ونحاول أن نضع الحلول بين يديك، من باب المشاركة لك في هذا الألم حتى تتخلص منه عاجلاً بإذن الله تعالى.
أخي الكريم، اعلم – رعاك الله - أنك لست الوحيد في الدنيا الذي يعيش مشكلة ويعاني هماً وكآبة، فأنت في هذه الآونة تعيش ابتلاءً من الله لك، وهذا البلاء يتطلب منك بعض الأمور لتستفيد منه وتخرج من بلائك بمنافع جليلة وكثيرة، ومن هذه الأمور:
أولاً: حسن الظن بالله تعالى، وأنه ما قدر عليك هذا القدر إلا لحكمة عظيمة بالغة يعلمها سبحانه، وأنه يريد بك الخير مادمت مستقيماً على أمره، مستمسكاً بهديه، ممتثلاً أمره ومحاذراً الوقوع في حدوده ومحارمه، فلا تدري لعل هذا البلاء جاءك ليدفع الله به عنك ما هو أشد وأبلى، ولعل الله دفع عنك به بعض كبائر الذنوب والمهلكات من حيث لا تشعر، فأحسن ظنك بربك ومولاك لعله يخرجك من بلائك، كما تخرج الشعرة من العجين.
ثانيا: إن البلاء يحتاج إلى الصبر والاحتساب، وقد امتدح الله الصابرين في كتابه ورتب لهم الأجر الذي لا يساويه أجر، فقال سبحانه: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) الزمر/١٠
وامتدحه النبي ﷺ ، وامتدح أهله الذين يتخلقون به، فقال ـ في المتفق عليه ـ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: "...... وَمَنْ يَتَصبَّر يُصبِّرْه الله، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً هُوَ خيراً وَأَوْسَع مِن الصَّبْر " رواه البخاري (١٤٠٠) ومسلم (١٠٥٣) .
فعليك بالصبر فهو عدتك في البلاء وزادك في الرخاء.
ثالثاً: يقول أهل الطب: " التشخيص ثلثا العلاج "، ومن خلال الشرح الذي ذكرتَ في سؤالك عن حالتك يتبين أن ابتلاءك ليس بدنيّاً عضويّاً، وليس نفسيّاً مما يعالج مثله عند الأطباء النفسيين، بقدر ما هو وسواس قهري، يتملكك، في جانب خطير من حياتك. فالوسواس مرض خطير، إذا تمكن من العبد فيمكن أن يودي به إلى المهالك وربما أخرج عض الناس من ملة الإسلام، نسأل الله العفو والعافية، ولكن ولله الحمد فوسواسك لا يتعلق بعقيدتك وأصول دينك ولا في العبادات وأركان الإسلام، وإنما يتعلق بترددك في الزواج والبيع والشراء كما ذكرت، وهذا الأمر وإن كان في نفسك عظيماً، إلا أنه صغير إذا ما قارنته بوسواس غيرك ممن يتردد في الطهارة؛ فربما اغتسل بعضهم مرات عديدة، وبعدها لا يكون مطمئناً أنه على طهارة، وربما توضأ أكثر من عشر مرات ولا يطمئن أنه على وضوء، وربما أدرك بعضهم تكبيرة الإحرام خلف الإمام وتذهب منه الركعة الأولى وهو يحاول أن يأتي بتكبيرة الإحرام، ثم يكمل صلاته وهو لا يعلم أتى بها أم لا، والحمد لله أن لا شيء من ذلك عندك.
لذا فاعلم أن علاجك بإذن الله في الخطوات التالية:
١. أن تعلم أن الوسواس من الشيطان، بل إن الله سمى الشيطان بـ (الوَسواس) في سورة الناس كما هو معلوم، وهذا يتطلب منك أن تشن على الشيطان حرباً شديدةً مع العلم أنه هو الذي بدأها معك، وهو الذي اعتدى عليك وقيدك وأراد سلب حقوقك، فلا تولّه ظهرك، ولا تريه ضعفك، فهو الضعيف، وهو المهزوم، وهو الخناس، فتشجع وكن واثقاً من التغلب عليه ما دمت مع الله، قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) الحج/٧٨.
٢. أن تكثر من قراءة سورة البقرة، وأن تختمها كل ثلاث ليال، وإن كان في قيام الليل فهو أفضل، فقد ثبت عن نبينا صلوات الله وسلامه عليه قوله: (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ) رواه مسلم (٨٠٤) " فِرقان ": جماعتان أو قطيعان، " تُحاجان ": تدفعان، " البَطَلَة ": السَّحَرَة.
فالشياطين لا تقدر على سماع سورة البقرة وتفر منها وتضعف أمام قارئها وتخافه، وقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) رواه مسلم (٧٨٠) .
٣. أن تحافظ على الأذكار الخاصة بالمناسبات، كأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم، ودخول المسجد والمنزل والخلاء والخروج منها، وأذكار الطعام والشراب واللباس وما شابه ذلك، ففي كل منها نفع عظيم لك وقطع لطريق الشيطان إليك.
٤. أن تكثر من الدعاء، بل أن تلح على ربك ومولاك بالدعاء أن يفرج عنك وأن يخرجك من محنتك، وتحين لذلك أوقات الإجابة، وخصص للدعاء وقتاً في كل ليلة في ثلث الليل الآخر، وفي الساعة الأخيرة من نهار يوم الجمعة، وأدبار الصلوات المكتوبة، وادعُ لكل مبتلى فإن الملائكة تؤمن على دعائك وتقول ولك بمثل، وأكثر من الإستغفار والتوبة إلى الله فإن الله وعد المستغفر بخير عظيم، فقال سبحانه: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً) نوح/١٠ – ١٢.
٥. لا بد لك مع ذلك كله أن تبذل وسعك في دفع الوسواس، وأن تعالج نفسك بأن تقنع نفسك أنك طبيعي ولا مشكلة عندك وأن تدفع كل ما يأتيك من من الأفكار التي تضعفك، وأن تعلم أن هذا كله مصدره شيء واحد هو الوسواس والتغلب عليه سهل بإذن الله تعالى.
٠٦ استعن بالله ـ أيها الأخ الكريم ـ وأقدم على الزواج، واستعن بأهلك والمخلصين من أصدقائك على إمضاء ذلك، ولقد علمنا ـ عيانا ـ بعض من أصيب بما أصبت به، وكانت حاله مثل حالك تماما، أو أشد، ثم استكرهه بعض إخوانه ومحبيه على الزواج، وحملوه على ذلك حملا، بعد ما تأكدوا أنه لا يعاني مشكلة عضوية، ثم إن الله تعالى وفقه في ذلك، وشرح صدره، واستقام له أمر زواجه كغيره من الناس.
٠٧ لا بأس أن تستشير بعض الأخصائيين النفسيين، وتستعمل بعض العلاجات النفسية المساعدة في هذا الشأن؛ فإن الوسواس هو ـ أيضا ـ مرض نفسي معروف لدى المختصين، فلا بأس من الجمع بين العلاج الذي أشرنا عليك به، والعلاج النفسي.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، وأن يعجل فرجك وفرحك، إنه سميع قريب
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15639
ترك الصلاة سبب كل ضيق
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة عمري ٢٣ سنة، الصراحة أنا لا أصلي، وإن قمت للصلاة لا أصلي كل الفروض، والصراحة أنا أستمع للأغاني، ولكن - والله شاهد - أن هذا الموضوع يسبب لي حالة نفسية، أريد الصلاة، وأريد أن أطيع الله، وأنا أخافه، أنا أعتز بكوني مسلمة، وربي هو الله وحده لا شريك له، وأحب الحبيب المصطفى وسيرته، وأتأثر عند سماع قصصه، الحمد لله، أكرمني الله بأن ذهبت إلى العمرة هذه السنة، وكنت فرحة لهذا، ولكني أحس أني جاحدة، أو لا فرق بيني وبين الكافرين لأني لا أصلي، حاولت كثيراً أن أداوم على الصلاة، لكن لا أدري لماذا يحدث معي هذا، مع العلم أني كنت لفترة طويلة جدّاً لا أصلي أبداً، وأحس أيضاً أني أجهل أموراً كثيرة بالدِّين، وأشعر أيضاً أن الله لن يتقبل مني أي عمل كان: صلاة أو زكاة أو عمرة أو غير ذلك من أمور الدين الإسلامي، وأن مثواي لا محالة النار، أحتاج إلى من يأخذ بيدي، ينصحني، ينتشلني من حالة الضياع التي أنا فيها، أكره كوني على هذه الحالة!!
وفوق كل هذا هناك مشكلة أخرى، وهي أني أشعر أني لم أصم أياما من رمضان، وأنا لا أعاني من أي شيء، أي لا يوجد هناك مانع من الصوم!!
والصراحة أني لست متأكدة إن كانت أياما من رمضان أو كانت من أيام شوال الستة، فعندنا عادة في منزلنا أن نصوم هذه الأيام الست كل سنة، فاختلطت الأمور علي، وهذه المشكلة حدثت لي في الفتره التي كنت فيها بعيدة عن الله، وأنا أعلم أنه من أفطر رمضان بدون سبب لا يقبل الله له صوما، وعليه كفارة، فماذا أفعل؟
أرجوك ساعدني وأفدني، أرجوك، أنا يائسة جدّاً، جعله الله في ميزان حسناتك إن شاء الله، وجزاك عن المسلمين جميعاً خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا بد – أختي الفاضلة – أن تُحَدِّدِي أولا مكان المشكلة ثم تنطلقي في العلاج، وإن طلبتِ منَّا المساعدة في تحديدها فسنقول لكِ: المشكلة في نفسك أنتِ وليس في شيءٍ آخر! ولن تكون المساعدة التي يقدمها لك الآخرون نافعة حتى تأخذي أنتِ بنفسكِ إلى النجاة.
والمشاعر التي بثثتِيها في سؤالك تدل على أن مقومات الاستقامة والصلاح موجودةٌ فيك، فإن المؤمن هو الذي يحاسب نفسه ويعاتبها، ويبدو أنك تقومين بذلك.
والمؤمن يخاف تقصيره وذنوبه، ويراها كأنها جبل يوشك أن يقع عليه، ويظهر أنك تشعرين بذلك أيضا.
والمؤمن يرتفع بإسلامه وإيمانه، ويعتز بانتسابه إلى هذا الدين العظيم، ويحب نبيه الكريم محمداً ﷺ ، ورسالتك تنضح بذلك؟!!
إذاً فكيف اجتمعت هذه الصفات مع التقصير في أعظم واجبات الدين، وهي الصلاة؟!
ليس عندنا تفسير لذلك سوى سوء إدارة النفس وضعف التحكم فيها، وإلا فأداء الصلاة لا يستغرق جهدا ولا وقتا، ما هي إلا دقائق يخلو فيها المرء بربه، يناجيه بحاجته، ويبث إليه ثقل الدنيا، ويشكو إليه شوقه إليه وإلى رحمته.
فإذا كانت أنفسنا لا تحتمل الالتزام بهذه الدقائق المعدودة، فلا أظننا ننجح في حياتنا أبدا، فإن قيادة النفس تحتاج إلى شيء من العزم والحزم، ونحن المسلمين لم يكلفنا ربنا فوق طاقتنا، بل لم يكلفنا ما يشق علينا، وهو سبحانه يحب أن يتوب علينا ويخفف عنا.
قال : (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) البقرة/١٨٥
وقال سبحانه: (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً. يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً) النساء/٢٦-٢٨
والصلاة رحمة فرضها الله علينا من جوده وكرمه، من حافظ عليها وقام بحق القيام بها: رأى فضل الله تعالى علينا حين كتبها علينا، وعرف أن الإنسان المحروم هو الذي حرم نفسه لذة الصلة بالله سبحانه.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(الصَّلَاةُ خَيرٌ مَوضُوعٌ، فَمَنِ استَطَاعَ أَن يَستَكثِرَ فَلْيَستَكثِرْ)
رواه الطبراني (١ / ٨٤) وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (٣٩٠) .
وانظري كيف عقب الله تعالى آيات فرض الطهارة للصلاة بقوله:
(مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة/٦.
والنبي المصطفى ﷺ ، الذي تحبينه وتحبين سيرته كان يقول:
(جُعِلَت قُرَّةُ عَينِي فِي الصَّلَاةِ) رواه النسائي (٣٩٤٠) وحسنه الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " (٣ / ١١٦) وصححه الألباني في " صحيح النسائي ".
فكيف يرضى المؤمن لنفسه أن تفوته تلك الخيرات والبركات؟.
قال ابن القيم ﵀:
فواأسفاه وواحسرتاه كيف ينقضي الزمان وينفذ العمر والقلب محجوب ما شم لهذا رائحة، وخرج من الدنيا كما دخل إليها، وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيش البهائم، وانتقل منها انتقال المفاليس، فكانت حياته عجزاً، وموته كمداً، ومعاده حسرة وأسفاً، اللهم فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك.
" طريق الهجرتين " (ص ٣٢٧) .
ولا أذكر لك هذا الكلام لأزيد اليأس الذي تشعرين به، إنما كي تسعي جاهدة للتخلص منه، فهو لم يصبك إلا لعجزك عن أداء أسهل الفرائض، فعرفتِ أنكِ عن سواها أعجز.
ويجب أن لا تجعلي في حياتك مجالاً لليأس في جنب الله؛ ويجب أن تعلمي أنه سبحانه يكره القنطين: (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) الحجر/٥٦، ويحب عباده المستبشرين برحمته وفضله، ومن سعة كرمه أنه يغفر السيئات، ويصفح عن الزلات، بل قال : (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً. وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً) الفرقان/٧٠-٧١، وقد قال بعض الحكماء: " لا يأتي بالأمل إلا العمل "، ولن يخرجك من حالة اليأس التي أوقعك الشيطان فيها إلا البدء بالعمل، ومحاولة الالتزام بالاستقامة،
ولو تخللها في البداية بعض النقص.
قال الله تعالى: (وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) ؛ فإن الرجاء يوجب للعبد السعي والاجتهاد فيما رجاه، والإياس: يوجب له التثاقل والتباطؤ، وأولى ما رجا العباد، فضل الله وإحسانه، ورحمته، وروحه.
" إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون "؛ فإنهم ـ لكفرهم ـ يستبعدون رحمته، ورحمته بعيدة منهم، فلا تتشبهوا بالكافرين. ودل هذا على أنه بحسب إيمان العبد، يكون رجاؤه لرحمة الله وروحه." تفسير ابن سعدي.
وأول ما يجب أن تبدئي به أن توجدي في نفسك همّاً كبيراً وحرصا عظيما للمحافظة على الصلاة، كما هو الهم الذي تستشعرينه لأمور الدنيا الأخرى من طعام وشراب ودراسة وزواج ونحو ذلك، فإن كل عمل يسبقه اهتمام وتفكر، وقد كان بعض السلف يجاهد نفسه على الإكثار من نوافل الصلاة مجاهدة عظيمة، حتى قال ثابت البناني ﵀: كَابَدتُ الصلاة [يعني: قيام الليل] عشرين سنة، واستمتعت بها عشرين سنة.
ولا يكفي هذا الفكر والاهتمام حتى يقوم بموازاته فكر واهتمام بوسائل المحافظة على الصلاة، وكيف تحتالين على نفسك حتى تلتزم بما فرض الله تعالى، والإنسان يملك قدرة كبيرة في حسن اختيار الأساليب التي تعينه على ما يريد.
احرصي أن تقومي مباشرة إذا سمعت صوت المؤذن بالتكبير، واستشعري أنه سبحانه أكبر من كل الدنيا التي أنت منشغلة بها، ثم اعمدي إلى محرابك لتصلي ما كتب الله لك، ولا تنسي أن تقولي الدعاء الذي علمنا إياه نبينا ﷺ دبر كل صلاة: (اللهم أعِنِّي على ذِكْرِك وشُكْرِك وحُسْنِ عِبادتِك) .
وقد ذكرتِ أنكم أهل بيت حريصون على صيام الست من شوال، وهذه أمارة صلاح وإحسان تعينك على أداء الصلاة في وقتها، حين ترين الوالدة والإخوة يقيمونها في وقتها، واحمدي الله تعالى على ذلك، فكم من شكاوى تأتي من أبناء يضربهم أهلهم على ترك الصلاة وخلع الحجاب، وأنت قد أكرمك الله تعالى بالأهل الذين يعينونك على تقوى الله تعالى.
صاحبي الفتيات المصليات المستقيمات، واطلبي منهن العون على الصلاة، وتذكيرك بها، والتواصي عليها، وقد يكون ذلك خير معين لك.
وأخيرا احذري المعاصي، فهي أساس كل داء، والمعصية تأتي بأختها وهكذا حتى تجتمع على الإنسان فتهلكه، فتثقل العبد عن صلاته، وتحرمه من نورها وبركتها، نسأل الله السلامة.
قال ابن القيم ﵀:
المعاصي تزرع أمثالها، وتولد بعضها بعضا، حتى يعِزَّ على العبد مفارقتُها والخروج منها، كما قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها.
" الجواب الكافي " (ص ٣٦) .
ثانيا:
أما سؤالك عن صيام رمضان، وأنك تشكين في تركك صيام أيام منه من غير عذر، فنقول لك: لا تلتفتي لهذه الشكوك، إذ يبدو أن الغالب على ظنك أنك أديت تلك العبادة في وقتها مع أسرتكِ، وغلبة الظن كافية لبراءة الذمة، ولا عبرة بالشك بعد ذلك.
وفي " فتاوى اللجنة الدائمة " (٧ / ١٤٣) :
الشك بعد الانتهاء من الطواف والسعي والصلاة لا يلتفت إليه؛ لأن الظاهر سلامة العبادة.
انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
إذا كان الشك بعد انتهاء العبادة: فإنه لا يلتفت إليه، ما لم يتيقن الأمر.
" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (١٤ / السؤال رقم ٧٤٦) .
ثم إن ترك الصيام بغير عذر لا يوجب القضاء ولا الكفارة، وإنما يوجب التوبة والاستغفار، كما سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٥٠٠٦٧) .
أسأل الله تعالى أن يكتب لك أجرك، وأن يثبت قلبك على الحق والدين، وأن يعيذك من الشيطان الرجيم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15640
أمه لا تحب زوجته فأدى ذلك إلى سكنه عند أهلها
[السُّؤَالُ]
ـ[أمي لا تحب زوجتي، مما أدَّى إلى خروجي من المنزل والعيش مع زوجتي في منزل والديها؛ فما العمل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس من الضروري أن تعيش مع أهلك، بل قد يكون من الخير لك ولزوجتك ولأمك أن تعيش مع زوجتك خارج بيت والديك، وفي الغالب فإن من يسكن مع أهله – أو حتى قريبا منهم – لا تخلو حياته من منغصات ومشكلات، والعقلاء الذين يزِنون الأمور بميزان الشرع والحكمة قليل، وخاصة من النساء بسبب ما يحصل بينهن من غيرة وتنافس.
وقد يكون في سكنك خارجاً عن أهلك ما يُصلح العلاقة بين أمك وزوجتك، فالبُعد غنيمة في كثيرٍ من الأحيان، فلا داعي للقلق، وربَّ شيء تراه ضارّاً وتغتم له ثم يكون فيه الخير، وقد يتولد الشوق من أمك لك ولأحفادها ببُعدك عنها، وقد يختلف شعورها تجاه زوجتك إذا كانت بعيدة عن ناظريها، ولا تراها إلا قليلاً، وهذا مشاهد ومجرَّب.
وأما إذا أردت الحل لأصل المشكلة، وهي عدم محبة أمك لزوجتك: فلا بدَّ لك من البحث عن أسباب عدم المحبة، ومعرفة موانع وجود المحبة، وهذه بعض الأسباب التي يمكن أن تكون أدَّت لعدم محبة أمك لزوجتك:
١. كثرة الخلطة، وهو ما يولِّد كثرة الكلام، ومن كثُر كلامه كثر لغطه وخطؤه.
٢. الغيرة من تعلق زوجتك بها وحبك لها، وهذا موجود بكثرة، فترى أم الزوج تغار من تعلق ابنها بزوجته، وتلبيته لرغباتها، وترى أن هذه الزوجة قد أخذت ابنها منها.
٣. سوء تعامل زوجتك مع أمك، فبعض الزوجات لا تحسن التعامل مع أم زوجها، فلا تلبي لها طلباتها، ولا تظهر لها الاحترام والتقدير، فتقع بينهما من المشاكل الشيء الكثير.
٤. تقصيرك في حق أمك، وعدمه في حق زوجتك، فلا تستطيع الأم بغض ولدها، بل تجعل ذلك – فيما بدا لها – في السبب وهو زوجته، فتبغضها.
فهذه بعض الأسباب التي قد تولِّد بغض أمك لزوجتك، وإذا تبين لك أنها موجودة كلها أو بعضها: فلا بدَّ لك من معالجتها بالحكمة والحسنى.
وننصحك أن تقوم بهذه الخطوات لتوجِد المحبة بين أمك وزوجتك:
١. السكن بعيداً عن والدتك، وأن تخبر أمك أنك فعلتَ هذا مع عدم رغبتك به من أجلها، ومن أجل أن لا تضغط أمك على نفسها فيسبب لها آلاماً وأمراضاً.
٢. أن توصي زوجتك بالإكثار من بعث الهدايا لأمك، سواء المادية منها كاللباس والطعام وغيرهما، أو المعنوية كبعث السلام والسؤال عن صحتها.
٣. توسيط عقلاء ممن تحبهم والدتك لتغيير نظرتها تجاه زوجتك، وهنا قد يكون لطرف خارجي من التأثير ما يفوق تأثير ولدها وزوجها عليها.
على أننا نشير هنا إلى أنه ينبغي عليك، ما دمت تركت السكن مع أمك، أن تجتهد في الاستقلال بمسكن خاص بك، بعيد عن أهل زوجتك أيضا، فإن انتقالك إليهم ربما يعمق هوة الخلاف بين الطرفين، ثم إنه لا يكون ـ في العادة ـ مستحبا في استقامة الحياة الزوجية، وربما تولدت عنه آثار سلبية في العشرة بين الزوجين.
ولا تنس دعاء الله تعالى أن يهدي الجميع لما يحب ويرضى، والدعاء بأن يؤلِّف الله تعالى بين القلوب، وأن يصلح بالهم، ويهديهم لأحسن الأقوال والأفعال والأخلاق.
والله الموفق
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15641
حكم التخيلات الجنسية
[السُّؤَالُ]
ـ[تزوجنا مند ٣ سنوات ونصف، هو طيب جدّاً، متدين جدّاً، ونعبد الله معا ما استطعنا، والحمد لله، المشكلة بدأت معي من أول الزواج , كان لابد له أثناء الجماع أن يحكي لي قصصا جنسية، وأنا أتخيل؛ لأني لم أكن أستطيع أن أقضي وطري بدونها، وحتى أشبع لابد أن أتخيل، المشكلة عندي للآن، وأحس بتأنيب ضمير بعد كل جماع، تلاحقني التخيلات وأنا معه حتى أنتهي - لا أتخيلني مع شخص آخر أبداً أبداً , فقط أناس لا أعرفهم - أخبرته بهده المشكلة، ولم يغضب , لكن أنا أحس بنوع من الخيانة , ماذا أفعل؟ أفيدوني أرجوكم، وما حكم الشرع؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
التخيلات الجنسية جزء من الخواطر التي تطرأ على ذهن الإنسان بسبب ما يستدعيه العقل الباطن من صورٍ مختزنةٍ أوحتها له البيئة التي يعيش فيها، والمناظر التي يراها، وهي تخيلات تصيب أغلب الناس، وخاصة فئة الشباب، لكنها تختلف من شخص لآخر من حيث النوع والإلحاح والتأثير.
والشريعة الإسلامية شريعة الفطرة، جاءت منسجمةً مع الطبيعة البشرية، وملائمةً للتقلبات النفسية التي جعلها الله جزءا من التكوين البشري، فلم تتعد حدود الممكن، ولم تكلِّف بما لا يطاق.
يقول الله : (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَاّ وُُسْعَهَا) البقرة/٢٨٦، وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعمَلُوا بِهِ) رواه البخاري (٢٥٢٨) ومسلم (١٢٧) .
قال النووي ﵀ في شرح هذا الحديث:
وحديث النفس إذا لم يستقر ويستمر عليه صاحبه: فمعفو عنه باتفاق العلماء؛ لأنه لا اختيار له في وقوعه، ولا طريق له إلى الانفكاك عنه.
" الأذكار " (ص ٣٤٥) .
والتخيلات العارضة تدخل في دائرة حديث النفس المعفو عنها بنص الحديث السابق، فكل من تصورت في ذهنه خيالات محرمة، طرأت ولم يطلبها، أو حضرت قَسرًا ولم يَستَدْعِهَا: فلا حرج عليه، ولا إثم، وإنما عليه مدافعتها بما يستطيع.
ثانياً:
وأما إذا كان الشخص يتكلف التخيلات المحرمة، ويستدعيها في ذهنه، فقد اختلف كلام الفقهاء في تكييف هذه الحالة، وهل هي داخلة في دائرة العفو أو في دائرة الهم والعزم المؤاخذ به؟
والمسألة يذكرها الفقهاء بالتصوير التالي:
لو أن رجلا وطئ حليلتَه متفكِّرا في محاسن أجنبيَّةٍ، حتى خُيِّلَ إليه أنَّه يطؤُها، فهل يحرم ذلك التفكر والتخيُّل؟ اختلفت في ذلك أقوال الفقهاء:
القول الأول: التحريم، وتأثيم من يستحضر بإرادته صُوَرًا محرَّمَةً ويتخيلها حليلته التي يجامعها.
قال ابن عابدين الحنفي – ﵀:
والْأَقْرَب لقَوَاعِد مَذهَبِنَا عَدمُ الحِلِّ، لأَنَّ تَصَوُّرَ تلك الأَجنبِيَّةِ بَينَ يَدَيْهِ يَطَؤُهَا فيهِ تَصويرُ مُبَاشَرةِ المَعصِيَةِ عَلى هَيئَتِهَا.
" حاشية رد المحتار " (٦ / ٢٧٢) .
وقال الإمام محمد العبدري المعروف بابن الحاج المالكي – ﵀:
ويتعين عليه أن يتحفظ في نفسه بالفعل، وفي غيره بالقول، من هذه الخصلة القبيحة التي عمَّت بها البلوى في الغالب، وهي أن الرجل إذا رأى امرأةً أعجبته وأتى أهله جعل بين عينيه تلك المرأة التي رآها.
وهذا نوع من الزنا؛ لما قاله علماؤنا رحمة الله عليهم فيمن أخذ كُوزا يشرب منه الماء، فصوَّرَ بين عينيه أنه خمر يشربه، أن ذلك الماء يصير عليه حراما.
وما ذُكر لا يختص بالرجل وحده، بل المرأة داخلة فيه، بل هي أشد؛ لأن الغالب عليها في هذا الزمان الخروج أو النظر من الطاق، فإذا رأت من يعجبها تعلق بخاطرها، فإذا كانت عند الاجتماع بزوجها جعلت تلك الصورة التي رأتها بين عينيها، فيكون كل واحد منهما في معنى الزاني، نسأل الله السلامة منه.
ولا يقتصر على اجتناب ذلك ليس إلا، بل ينبه عليه أهله وغيرهم، ويخبرهم بأن ذلك حرام لا يجوز.
" المدخل " (٢ / ١٩٤، ١٩٥) .
وقال ابن مفلح الحنبلي – ﵀:
ذكر ابن عقيل وجزم به في " الرعاية الكبرى ": أنه لو استحضر عند جماع زوجته صورةَ أجنبيَّةٍ محرَّمَةٍ أنَّه يأثم، ... أما الفكرة الغالبة فلا إثم فيها.
" الآداب الشرعية " (١ / ٩٨) .
ودليل هذا القول: ما يرجحه طائفة من أهل العلم من أن خواطر النفس إذا أصبحت عزيمة وإرادة دخلت في دائرة التكليف، والتخيلات المحرمة التي يجلبها الذهن بإرادته انتقلت من دائرة العفو؛ لأنها أصبحت هَمًّا وعزيمة يحاسب عليها المرء.
قال النووي – ﵀:
وسبب العفو (عن حديث النفس) ما ذكرناه من تعذر اجتنابه، وإنما الممكن اجتناب الاستمرار عليه، فلهذا كان الاستمرار وعقد القلب حراما.
" الأذكار " (٣٤٥) .
القول الثاني: الجواز، وأنه لا حرج على من فعل ذلك: وهو قول جمع من متأخري الشافعية: منهم السبكي والسيوطي.
قالوا: لأن التخيلات ليس فيها هم ولا عزم على معصية، إذ قد يتخيل في ذهنه أنه يباشر تلك المرأة الأجنبية وهو مع ذلك ليس في قلبه عزم على فعله والسعي إليه، بل قد يرده لو عرض عليه.
جاء في " تحفة المحتاج في شرح المنهاج " (٧ / ٢٠٥، ٢٠٦) - وهو من كتب الشافعية -:
" لأنه لم يخطر له عند ذلك التفكر والتخيل فعل زنا ولا مقدمة له، فضلا عن العزم عليه، وإنما الواقع منه تصور قبيح بصورة حسن " انتهى.
وانظر " الفتاوى الفقهية الكبرى " (٤ / ٨٧) .
والذي يبدو أن الراجح القول بكراهة ذلك التخيل إن لم نقل بالتحريم، وذلك للأسباب التالية:
١. أن كثيراً من المتخصصين النفسيين يعدون التخيلات الجنسية اضطرابا نفسيا إذا سيطرت على عقل الإنسان بحيث تفقده كل لذة تأتي من غير طريق تلك التخيلات، وذلك قد يفضي إلى تخيلات جنسية غير سوية.
٢. أن الشريعة الإسلامية جاءت بقاعدة سد الذرائع، ومنع كل باب يفضي إلى الشر، وإفضاءُ التخيلات الجنسية إلى الوقوع في المحرمات أمر متوقع، فإن مَن أَكثَرَ مِن تصور شيء وتمنيه لا بد وأن تحفزه نفسه إلى الحصول عليه، والسعي إلى الاستكثار منه، فيبدأ بالتطلع إلى الصور المحرمة، وتعتاد عيناه على مشاهدة المحرمات، سعيا لتحقيق الشبع الذي أصبح مرتبطا بتلك التخيلات.
٣. أن غالب تلك التخيلات إنما تجتمع في الذهن بالأسباب المحرمة، عن طريق فضائيات الرذيلة، ومشاهدات الواقع المتحلل من كل خلق في بلاد الكفار، حيث ينعدم الحياء وتصبح مناظر ممارسة الجنس عادةً يومية يعايشها من يسكن في بلادهم ويخالطهم في أعمالهم.
٤. وأخيراً قد تفضي كثرة تلك التخيلات إلى زهد الزوجين ببعضهما، فلا تعود الزوجة محل نظر الزوج، كما لا يعود الزوج محل إقبال الزوجة، وتبدأ حينئذ رحلة المعاناة والمشاكل الزوجية.
ولذلك كله، فالنصيحة لكل من ابتلي بمثل تلك التخيلات أن يسارع إلى إيقافها والتخلص منها، ويمكنه الاستعانة بالوسائل التالية:
١. الابتعاد التام عن كل ما يثير تلك التخيلات من الأفلام والمشاهد المحرمة التي تعرضها الفضائيات، والابتعاد عن قراءة القصص التي كانت السبب في تولد تلك التخيلات، وقد سبق في موقعنا الحديث عن حرمة قراءة تلك القصص الجنسية، فانظري جواب السؤال رقم (٣٤٤٨٩) .
قال الغزالي في " إحياء علوم الدين " (١ / ١٦٢) :
" وعلاج دفع الخواطر الشاغلة: قطع موادها، أعني النزوع عن تلك الأسباب التي تنجذب الخواطر إليها، وما لم تنقطع تلك المواد لا تنصرف عنها الخواطر " انتهى.
٢. المحافظة على الأذكار الشرعية، وخاصة تلك التي تقال قبل الجماع (الَّلهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيطَانَ مَا رَزَقتَنَا) رواه البخاري (١٤١) ومسلم (١٤٣٤) .
٣. الانشغال باللذة الحاضرة عن اللذة الغائبة، فإن في كل من الزوجين ما يغني الآخر عن التطلع إلى الحرام، فإذا انشغل الزوجان بمحاسن بعضهما واستغرقا في ذلك لم تنصرف الخيالات إلى شيء آخر.
٤. تصوري لو كان خيال زوجك يجول في مثل ما تجولين فيه، هل ستكونين راضية عن ذلك؟ ألن يشعرك ذلك بعدم الرضا؟ فكيف ترضين أنت أن تصيبي زوجك بمثل هذا الشعور، فاحرصي على استغلال هذه الفكرة للتخلص مما تجدين.
٥. استشارة المختصين النفسيين، فلا حرج عليك أن تراجعي الطبيبة النفسية أو الأسرية وتطلبي نصيحتها في حالك، وستجدين عندها ما يساعدك إن شاء الله تعالى.
وأسأل الله لك ولزوجك التوفيق والسعادة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15642
تسببت أختها بخلاف مع زوجها فأقسمت أن لا تكلمها فهل تتراجع ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا امرأة متزوجة، ولدي أخت تكبرني وتزوجتْ من بعدي وسافرتْ للخارج مع زوجها، لكنها عندما كانت تأتي لزيارتنا كنت أستقبلها وزوجها في بيتي وفي حضور زوجي، ولم يكن يظهر مني لزوجها إلا وجهي فقط، وذات مرة أرسل لي رسالة يعترف فيها بحبه لي وأنه يريد إقامة علاقة غير شرعية معي، علما بأنني لم أعطه بريدي بل أخذه من أختي، أخبرت زوجي بهذه الرسالة وأقسم أنه سيوسعه ضربا بالحذاء - أكرمكم الله - أمام جميع الخلق بمجرد عودته من الخارج، وقمت أنا بإبلاغ أختي بالموضوع كله، في بادئ الأمر أعربت عن أسفها، ثم طلبت مني أن أسامحها؛ لأنه ليس لها أي ذنب، وقد قمت بذلك أنا وزوجي لوجه الله وعلماً منَّا أنه ليس لها أي ذنب، اتصلتْ في اليوم التالي لتقول لي إن زوجها اعترف لها أنه قد كتب هذه الرسالة وأنه كان يمزح فقط وأقسم لها بذلك، بعد ذلك اتصل زوجها بزوجي وأخبره أنه لم يكتب أي شيء، وأقسم بذلك، وأخبره أنه من المستحيل أن يفعل شيئاً كهذا، وأن لا فكرة لديه عن الرسالة - علماً بأنها كانت باسمه ومن بريده -، ثم حادثتْ أختي زوجي ونفت ما قالته من قبل، وقالت له بأنها هي من قام بكتابة الرسالة حتى تحدث خصاما بين زوجها وزوجي، مبررة ذلك بأن زوجها حين يختلط بزوجي يتحدثان بسخرية عن والدي. فضيلة الشيخ: لقد سمعت أختي وهي تقول لزوجي ذلك لأنه كان يحادثها من مكبر الصوت وهي لا تعلم، فغضبت، وأخذت الهاتف وقلت لها: " أنت لست أختي إلى يوم الدين، وأنا لا أعرفك، ولا أريد أي صلة لك بي وبزوجي، لا أنت ولا زوجك ولا بناتك "، ولم أرها أو أتحدث معها منذ سنة تقريبا، علما بأنها عادت إلى الوطن، وتعيش هنا الآن , فهل عليَّ أي إثم - علما بأني لا أنوي أبدا أن أكلمها أو أراها في المستقبل -؟ . جزاكم الله خيراً]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نرجو أن يكون في مثل هذه المشاكل عبرة وعظة للجميع، فكل الذي حصل معكم هو من شؤم المعصية، ونتيجة التساهل في الأحكام الشرعية، وجماع المخالفات يرجع إلى مسألتين: الاختلاط في الزيارات، وكشف وجهك أمام زوج أختك.
والزيارات الأسرية كثيراً ما يتساهل فيها الناس فتجدهم يجلس رجالهم مع نسائهم دون أدنى تحرج، ظانين أن الأمر ليس فيه مخالفة للشرع، وغافلين عن آثاره السيئة، وهذا الاختلاط باب شر كبير يفتحه الناس ليدخلوا منه على مشاكل ومفاسد تسبِّب غضب الرب وتقطِّع أواصر هذه الأسر، فيحصل الإعجاب والمواعدة والمراسلة وقد يتطور الأمر – كما في كثير من الحوادث – إلى الزنا – والعياذ بالله -.
وأما المخالفة الثانية فهي كشفكِ لوجهكِ أمام زوج أختك، والواجب على المرأة أن تستر كامل بدنها ووجهها عن الرجال الأجانب، وبالأخص من له خلطة في بيتها كأقرباء زوجها، أو له كثرة حضور كزوج أختها.
وينظر في المسألتين:
جواب السؤال رقم (١٢٠٠) ففيه تفصيل الحكم في الاختلاط.
وجواب السؤال رقم (١١٧٧٤) ففيه بيان حكم تغطية الوجه بالأدلة التفصيلية.
ثانياً:
قد تعدت العلاقة بين أسرتك وأسرة أختكِ إلى أكثر من حدها الشرعي حتى تجرأ وأرسل زوج أختكِ – كما ظهر أولاً - رسالة يطلب إقامة علاقة غير شرعية!! وهذا من ثمار التساهل في الأحكام الشرعية كما سبق.
وادعاؤه المزح عذر قبيح، فهو مزح فاحش.
ثالثاً:
إن قطيعتك لأختك وأولادها أمر منكر، ويمينك يمكنك التكفير عنه بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن لم تستطيعي فتصومين ثلاثة أيام.
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ) . رواه البخاري (٦٣٤٣) ومسلم (١٦٥٢) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِهَا وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ) . رواه مسلم (١٦٥٠) .
ويجب على زوجك أيضاً كفارة يمين لأنه أقسم أن يضربه، ثم لم يفعل.
وإنكار زوج أختك ما فعله بعد إقراره عجيب، واعتراف أختك بأنها هي التي أرسلت وتراجعها عن كونها لا تعلم إلى أن تصبح هي المرسلة عجيب، ولا شك أن أحدهما كاذب، فإما أن تكون هي المرسلة وأراد أن يغطي فعلتها، أو يكون هو المرسل وأرادت أن تغطي فعلته بنسبة الأمر إليها، وبكل حال: فمثل هذه العلاقات على هذه الحال ضررها أكثر من نفعها.
رابعاً:
الذي نراه أنه إذا صلح حال أختكِ واعترفت بذنبها وتابت منه توبة صادقة: أنه ليس لك مقاطعتها، بل الواجب عليكِ أن تُرجعي علاقتكِ بها، و (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) ، و (كل ابن آدم خطَّاء وخير الخطائين التوابون) ، ولا علاقة لأبنائها بما حصل منها، فأنت خالتهم وهم جزء منك، وفي الحديث الذي رواه البخاري (٢٣٣٥) قال النبي ﷺ : (الخالة بمنزلة الأم) .
وكذلك الأمر بالنسبة لزوجها، فإن تاب وأناب فلا مانع من إرجاع علاقة زوجك معه، على أن يكون ما حصل عبرة وعظة لكم، وإن رجعت العلاقات بينكم فلا يحل لكِ كشف وجهك أمامه، ولا يحل لكم أن تجلسوا جميعاً معاً، واحرصي على أن تكون مجالستك لأختك مجالسة نفع وخير، تتواصيان فيها على الطاعة، وتجتمعان فيها على ما يرضي الله.
ونسأل الله تعالى أن يهديكم جميعاً لما يحب ويرضى، وأن يصلح قلوبكم، وأن يجنبكم الفتن ومجالس السوء.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15643
عقد عليها وتغير حالها فهل يطلقها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[عقدت قراني على إحدى قريباتي منذ ستة شهور، مع العلم أني أعمل في دولة أخرى، حيث تمت فترة الخطبة وحتى العقد وأنا في السفر، منذ أن تم العقد وزوجتي اختلفتْ كثيراً وأصبحتْ متشائمة جدّاً، وتُردد أنها لا تحس بالسعادة معي، ولا تتوقعها في المستقبل لذا فهي تطلب الطلاق، فهل يجوز لي تطليقها - مع العلم أنها أصبحت تعاندني في أمور هامة بالنسبة لي مثل الحجاب الشرعي الكامل، وعملها في مكان مختلط، وأنا أحب أن أحافظ على ديني -؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأصل في الطلاق الكراهة؛ لأنه يحصل به من تقطع أواصر المصاهرة، وتشتيت الأسرة، وضياع الأولاد.
قال شيخُ الإسلامِ ابنِ تيمية ﵀:
الأصلُ في الطلاقِ الحظرُ، وإنما أبيحَ منه قدرَ الحاجةِ.
" مجموع الفتاوى " (٣٣ / ٨١) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
الأصل في الطلاق الكراهة، والدليل: قوله تعالى في الذين (يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِم) أي: يحلفون ألا يجامعوا مدة أربعة أشهر (فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وهذا فيه شيء من التهديد، لكن في الفيء، أي: الرجوع، قال: (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فدل هذا على أن الطلاق غير محبوب إلى الله ، وأن الأصل فيه الكراهة، وهو كذلك.
" الشرح الممتع " (١٠ / ٤٢٨) .
ولكن لما كانت طباع الناس وأخلاقهم ودينهم يتفاوت ويختلف من شخص لآخر، كان لا بدَّ من تشريع الطلاق في شرع الله تعالى، فقد تتأذى المرأة ببقائها مع زوجها لقلة دينه أو سوء خلقه أو غلظ طباعه، كما قد يتأذى الرجل ببقاء زوجته معه لعدم صلاحيتها لتربية أولاده، أو عدم إعطائه حقه من العشرة بالمعروف، ومن هنا كان تشريع الطلاق موافقاً للحكمة وموافقاً لطبيعة الخِلقة.
وقد يكون لكلا الزوجين في اختياره الآخر بعد الطلاق ما تستقيم به حياتهما، كما قال تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا) النساء/١٣٠، لذا فليس الطلاق نهاية الدنيا، ويمكن أن يكون الطلاق الوسيلة الناجعة لما بين الزوجين من تنافر في الطباع، وعدم توافق في السلوك والأخلاق والأفعال.
وعليه: فالذي ننصحك به هو توسيط العقلاء من أهلك وأهلها لإقناعها بضرورة تغيير سلوكها وتصرفاتها معك، وأن تعاهدك على السير على الطريق المستقيم في حياتكما الزوجية من غير اعوجاج ولا انحراف، وإخبارها بأنه بمثل هذا يمكنك الاستمرار معها للزواج، فإن استجابت وقبلت هذا فالحمد لله، ولعل الله أن يؤدم بينكما، ويجمع بينكما على خير، وننصحك بأن تتريث فترة قبل إتمام الزواج، لترى مدى رغبتها في الاستقامة في الحياة معك، ثم مدى قدرتها ـ بالفعل ـ على تنفيذ ذلك؛ فإن ما ذكرته لنا من حالها يجعلنا نشك ـ بقوة ـ في رغبتها في ذلك التوافق، أو قدرتها عليه.
وإن لم تقبل فالذي نراه أن تطلقها، وطلاقها الآن خير لك ولها من طلاقها بعد الدخول، أو بعد الإنجاب.
ولو فعلتَ هذا وحصل الطلاق فليس عليك إثم؛ لأن الطلاق في حقك هنا يكون واجباً أو مستحبّاً وخاصة إذا أصرَّت على عملها المختلط، وهو أمرٌ محرَّم لا ينبغي لك التفاوض عليه، بل يجب إلزامها بالخروج منه، ولو أصرَّت فيكفي هذا الأمر لتطليقها، فكيف إذا انضم إليه ما عندها من أمور أخرى؟! .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15644
أشغلها العشق وأثَّر عليها فهل تراجع طبيبا نفسيّاً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة في التاسعة عشرة من عمري، وإني مولعة بشخص، ولكنني أعرف أن هذا الحب حرام في الدين الإسلامي، وأعرف أنه لا يحبني، ولكن لا جدوى من نسيان هذا للمرض حتى أنني عندما فكرت في نسيانه واجهتني مشاكل البحث عن حب جديد، وقد بدأت أفكر في المتزوج والعازب والصديق وابن العم ... الخ، حتى وقعت في الكثير من عدم الثقة بنفسي، والتفكير الكبير في هذا الموضوع قد بدأ يقلقني حتى أصبحت أفكر أن هناك سحراً وأريد أن أذهب إلى شيخ ولكن مترددة قليلا، ولا أعرف ماذا أفعل، والآن أريد أن أذهب إلى الطبيب النفسي، فهل هذا حرام وأنه لجوء إلى غير الله تعالى؟ ولكن لا أعرف أيضا ما حل هذه المشكلة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليست قضيتك ـ أيتها السائلة الكريمة ـ قضية سحر ونفث، حتى تحتاجي إلى الذهاب إلى راق يرقيك، وليست قضية مرض نفسي أو عصبي، حتى تحتاجي إلى الذهاب إلى الطبيب؛ إنما قضيتك قضية قلب أصابه مس من الشيطان ووسواسه، وألقى فيه جمارا من العشق الحرام، وأنت رحت تشعلين جذوة الشهوة بسهام النظر المسمومة، والخيالات الفاسدة، والأماني الكاذبة، حتى وصل بك الحال إلى ما ترين من المرض!!
قال ابن القيم ﵀: فصل: في هديه ﷺ في علاج العشق
(هذا مرض من أمراض القلب، مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه، وإذا تمكن واستحكم عز على الأطباء دواؤه وأعيى العليل داؤه..)
ثم قال: (وعشق الصور إنما تبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله تعالى، المعرضة عنه المتعوضة بغيره عنه؛ فإذا امتلأ القلب من محبة الله والشوق إلى لقائه، دفع ذلك عنه مرض عشق الصور؛ ولهذا قال تعالى في حق يوسف: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) يوسف/٢٤، فدل على أن الإخلاص سبب لدفع العشق وما يترتب عليه من السوء والفحشاء التي هي ثمرته ونتيجته؛ فصرف المسبب صرف لسببه، ولهذا قال بعض السلف: العشق حركة قلب فارغ..) زاد المعاد (٤/٢٦٥، ٢٦٨) .
فاعلمي أيتها السائلة، صانك الله عن أسباب غضبه، أن أصل هذا الداء يبدأ من النظرة المحرمة، التي هي رسول البلاء، وبريد الداء إلى القلب، ثم القلب يسرح في خيالاته، حتى يصل إلى تمني الحرام أو تخيله، كما قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ فَزِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَا اللِّسَانِ النُّطْقُ وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ) رواه البخاري (٦٢٤٣) ومسلم (٢٦٥٧)
وحينئذ، فالواجب عليك سد الطريق الموصلة إلى هذا الداء، والبعد عن أماكن البلاء والعدوى، ولهذا أمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) النور/ ٣٠-٣١.
وأعظم ما يعين العبد على حفظ فرجه، أن يجعله فيما أحل الله له، فيتزوج، إن كان ذلك ميسورا له، وقد تعلق قلبه بإنسان معين، يمكنه الزواج منه. كما روي عنه ﷺ أنه قال (لمْ يُر للمتحابيْن مثل النكاح) - رواه ابن ماجة (١٨٤٧) وصححه الألباني في " صحيح سنن ابن ماجه "
وإن كان له تعلق بأمر الزواج، من أجل تحصيل العفة، وإحصان الفرج، من غير أن يكون تعلقه بإنسان معين، فهذا يكون أسهل له، ويمكنك ـ حينئذ ـ أن تسعي في التعجيل بأمر زواجك، وتذليل العقبات التي تحول دونه، ولا حرج عليك ولا عيب في السعي في تحصيل العفة، وإحصان نفسك، ويمكنك أن تستعيني في تحصيل ذلك بمن تثقين منه من أخت، أو قريبة صالحة، أو والدة تتفهم أمرك.
وحتى يتم لك ذلك، فاشغلي قلبك وبدنك بطاعة الله تعالى، وضيقي مداخل الشيطان إلى قلبك، ولا تتركي له فرصة من غفلة، أو فكرة شاردة. قال ﷺ : (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) رواه البخاري (١٩٠٥) ومسلم (١٤٠٠)
والباءة: أعباء الزواج وتبعاته , وقوله وجاء: مراده أن الزواج يقطع الشهوة.
ثم اعلمي أن من أنفع الدواء، وأرجى الأسباب لمن ابتلي بذلك: صدق اللجأ إلى من يجيب المضطر إذا دعاه، وأن يطرح نفسه بين يديه على بابه، مستغيثا به متضرعا متذللا مستكينا؛ فمتى وفق لذلك فقد قرع باب التوفيق، فليعف وليكتم..
قال ﷺ : (.. وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ) رواه البخاري (٦٤٧٠) ومسلم (١٠٥٣) .
وأنتِ يا أختنا السائلة تعلمين أن الطرف الآخر لا يبادلك الشعور نفسه، وتعلمين أنه لا مصير لك للزواج منه، فما تفعلينه حرام، وسفه في العقل، وأنتِ لا تزالين في مقتبل عمرك، والطريق أمامك سهل يسير أن تنعمي بحبٍّ شرعي من زوج صالح، فلا تُشغلي نفسك بما حرَّم الله عليكِ.
وقد بيَّنا في جواب السؤال رقم (٢١٦٧٧) ما هو الأحسن في علاج القلق، وفيه وصايا مهمة، لا بدَّ من أن تتأمليها، وفيه بيان جواز العلاج عند الطبيب النفسي، مع أننا لا نرى لكِ ذلك؛ لأن داءكِ معروف وأنت سببه، وعلاجك هو بما ذكرناه لك ونصحناك به.
وذكرنا في جواب السؤال رقم (١٠٢٥٤) مسألة امرأة متعلقة بشاب في المدرسة وتريد حلاًّ، فانظري – كذلك – في جوابها، ولعلك أن تستفيدي.
ونسأل الله تعالى أن يحبب إليكِ الإيمان وأن يزينه في قلبك، وأن يكرِّه إليكِ الكفرَ والفسوق العصيان، وأن يهديك لأحسن الأقوال والأفعال، وأن ييسر لكِ زوجاً صالحاً وذرية طيبة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15645
تريد مساعدة زوجها في شئون الزواج وأخواتها يرفضن
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا فتاة أبلغ من العمر ٢٣، مخطوبة، وأريد أن أساعد خطيبي في متطلبات الزواج حتى يتم الزواج في أسرع وقت؛ لأن حالته المادية غير متيسرة، وأخواتي لم يوافقن، مع العلم بأني سوف أساهم من أموالى الخاصة، فهل هذا جائز، أم الواجب أن يقوم بمتطلباته؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قد أحسنتِ في نيتك مساعدة زوجك حتى يتم إكمال زواجه منكِ، وهو أمر تُشكرين عليه، ويدل على دينٍ متين وعقل راجح ومروءة بالغة.
وإعانتك لزوجكِ في إتمام زواجه إعانة على دينه وإيمانه، وهذا من أعظم الطاعات، وهو أمر محمود في شرع الله تعالى، وهو من أعظم مصارف المال.
عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أُنْزِلَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا أُنْزِلَ، لَوْ عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ فَنَتَّخِذَهُ، فَقَالَ: أَفْضَلُهُ لِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ.
رواه الترمذي (٣٠٩٤) ، وابن ماجه (١٨٥٦) وعنده: (تُعِينُ أَحَدَكُم عَلَى أَمْرِ الآخِرَة) ، والحديث حسَّنه الترمذي، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
قال الشيخ المباركفوري – ﵀:
(وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه) أي: على دينه، بأن تذكِّره الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات، وتمنعه من الزنى وسائر المحرمات.
" تحفة الأحوذي " (٨ / ٣٩٠) .
ولا شك أن الزواج يعين الرجل على الطاعة، ويصده عن المحرمات من النظر والسماع، ويمنعه من الوقوع في الزنا.
هذا من حيث المبدأ العام، لكن ينبغي أن تراعى بعض الأمور، منها:
١- جدية الرجل في أمر الزواج والسعي لتحصيل تكاليفه فإن بعض الناس يركن إلى هذه المسألة، ويعتمد عليها، ولا يجدّ في تحصيل ما هو مطلوب منه.
٢- إذا كان الخاطب جاداً وكان لديه بعض تكاليف الزواج ويعجز عن قيمتها فلا مانع من مساعدته في بعض ما يحتاج، كأن تشارك الزوجة في شراء بعض الأثاث أو الأجهزة، أو في تكاليف العرس.
٣- الخاطب أجنبي عن مخطوبته حتى يعقد عليها، فلا يحل له أثناء الخطبة أن يخلو بها أو يصافحها أو يخرج منعها، بل هو كغيره من الأجانب. انظري السؤال رقم (٢٥٧٢)
ونسأل الله تعالى أن يوفقكما لما يحب ويرضى، وأن يرزقكما ذرية طيبة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15646
تعيش مع حماتها وبينهما مشاكل كثيرة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا زوجة منذ ١٠ سنوات تقريبا ولديَّ طفلان، أعيش منذ أن تزوجت مع والد ووالدة زوجي، بدأت حياتي وأنا أرجو أن نكوِّن أسرة وأن أعامل وكأني ابنة لهم وأعاملهم بنفس الطريقة، ولكن الحياة بيننا أصبحت ما يمكن أن يسمى " تعايش سلمي "، فهناك حوار ما دامت ليس لها ملاحظات عليَّ، لكني أفتقد الإحساس بالمحبة وخصوصا عندما أكون مريضة أو أحس بالتعب، لا أحس أنها تسأل عن صحتي باهتمام الأم، إن أنا قلت إني أحس بالتعب لا تسألني إن تحسنت حالتي أو كيف أصبحت فصرت لا أقول، وفي بعض الأحيان ردها على كلامي يوصل الإحساس أنها ترى أني أتصنع ذلك، وهذا يحز في نفسي، فأنا لا أطلب أن أستريح وتقوم هي بعمل المنزل ولكن مجرد الاهتمام بالسؤال عن صحتي، والمشكلة الأخرى تكمن في طبع والدة زوجي أنها كثيرة الانتقاد لتصرفات الآخرين، تكون في بعض الأحيان على صواب وأحيانا أخرى تكون فيها مبالغة، فهي تريد الأمور أن تتم كما تراها وغير ذلك فهو في نظرها خطأ، المشكلة أن حديثنا في الغالب ما يكون انتقادا لأشخاص سواء من الأصدقاء أم من الأقارب من جهتهم أو من جهتي، وانتقادها يكون غالباً حادّاً وخاصة إن كانت في حالة غضب من الشخص وفي بعض الأحيان يصل إلى حد الشتم، أولاً أنا أحس أننا نرتكب الكثير من الغيبة، وإن لم أرد عليها أو حاولت أن أبرر تصرفات من تنتقده في محاولة لرد غيبة الشخص المتحدث عنه انقلب عليَّ الحال، فالوضع الوحيد الذي يرضيها أن أقول إنها على حق وأن الطرف الآخر قد أخطأ، ولكن ذلك لا يتم إلا وقد جرحنا في الناس كثيراً، ويزيد من ضيقي أن يكون هذا النقد اللاذع لأهلي (أبى وأمي وإخوتي وأزواجهم) ، وقد يكون معها الحق أحيانا، فهم بشر ولهم عيوبهم وأخطاؤهم، ولكن أن نظل نتحدث عما حدث وننتقدهم والانتقاد لا يكون فقط على السلوك الذي حدث منهم وأغضبها (وطبعا بشكل لاذع) بل يكون أحيانا على تصرفاتهم في حياتهم الشخصية، وإن ظهر عليَّ الضيق غضبت مني، وقد توفي والد زوجي منذ ما يقل من عام فأصبح الوضع أكثر سوءا؛ أصبحتْ أشد حساسية وانتقاداً للنظرة والحركة والكلمة وطريقة كلام من نعرفهم، وانتقل هذا الانتقاد لي أنا شخصيّاً في كل أمور حياتنا؛ طريقة معاملتي لزوجي (ابنها) ، وتعاملي مع أولادي، وتعاملي مع أهلي، فهي تريديني أن ألومهم على ما تراه هي أن فيه خطأ ما مباشرة وأن لا أفوت لهم أي تصرف دون معاتبة، ولكن أنا أرى أن إخوتي يجاملونها (إرضاء لخاطري) ، وحتى إن غضبتْ من أحدهم لتصرُّف صدر عنه يأتي للاعتذار – أليس في ذلك سببا كافيا لأحمل لهم هذا الجميل ففي استطاعتهم ألا يهتموا بزعلها منهم ولكنهم يفعلون ذلك لأجل خاطري – كمثال لما أقول، كان زوجي مسافراً لمدة ١٠ أيام كانوا يتصلون كل يوم للسؤال عنَّا وإن كنا نريد شيئا، كان أول ما أخذته عليهم أن من المفروض أن يأتي كل يوم أحد منهم ليجلس معنا قليلا ويعرض استعداده لأخذنا للمكان الذي نريد، ثم كان موعد أخذ إبرة دواء تأخذها أسبوعيا فأتى زوج أخت لي لأخذها إلى المستشفى، وأخذنا بعدها لشراء أغراض للمنزل، أخذت عليه أنه لم يكلف نفسه عناء شراء شيء لأولادي فقد كانوا معنا، وغضبت كثيراً، ووصفته بالبخل، أما من ناحيتي أنا فقد زادت انتقاداتها لي كثيراً، وازدادت حدتها، وقد تصل أيضا لحد الألفاظ الجارحة أحيانا، وقد يتم ذلك أمام أولادي، صبرتُ واحتملتُ كل هذه السنين دون أن أرد أو حتى يظهر عليَّ أي اعتراض لما تقول احتراماً لها وإرضاء لزوجي، ونيتي في ذلك أجددها دائما أنها طاعة لله، ولكن أحس أني لا أستطيع الاحتمال أكثر من ذلك، وقد أثَّر ذلك على حالتي النفسية فأصبحت عصبيَّة جدّاً مع أولادي، أعرف أنه تنفيس عن الضغط النفسي الذي أحس به، وأحاول أن أتغلب على ذلك ولكن لا أستطيع، وأيضاً إحساسي أنه ليست لي أي حياة زوجية خاصة، فلا وقت لي لأجلس مع زوجي بمفردنا، فأنا أجلس معها دائماً حتى لا أتركها تجلس بمفردها وأتجاذب معها أطراف الحديث الذي أحاول أن أبتعد به عن ذكر أي شخص وأن أجعله في أمر عام أو ديني، ولا أن أقضي وقتا مع أولادي لألعب معهم فهم أطفال أعمارهم ٩ و ٦ سنوات، لا أحس أن لي بيتاً أستطيع أن آخذ راحتي فيه فيجب أن أسألها قبل أن أفعل أي شيء؛ لأني في رأيها قليلة الحيلة لا أستطيع التصرف، أصبحت أحس أنني فعلا لا أعرف التصرف في أي شيء، ماذا أفعل؟ أفعل ما في وسعي لإرضائها، ولكن أحس إحساس من يتعب في غير بيته كأني مقيمة، كضيفة في بيت قريب يجب أن تظل منتبها طوال الوقت لما يجب أو لا يجب أن تفعله، وقد تكلمت مع زوجي، رأيه أن هذا طبعها وأننا لا يجب أن نعتبره موجها لشخصي، فهي تعامل الناس جميعاً بهذه الطريقة القريب والبعيد، وبالتالي إن اعتبرته طبعا لا يقصد به شخصي فقط، فيجب ألا يسبب لي هذا ضغطاً نفسيّاً، بصراحة لم أستطع أن أستوعب هذه النظرية ولا أن أكيِّف نفسي عليها وأصبحت كالمكثف الكهربائي أظل أخزن التوتر والضغط لفترة ثم أنهار ليلا بالبكاء لاحتمل لفترة أخرى، وتذهب طاقتي النفسية في أن أمتص ما تقوله سواء في حق الغير لإحساسي بارتكاب الغيبة أو في حق الأهل وهو غيبة ويؤلم لأنهم أهلي وفي حقي، فلا أظهر لها امتعاضي أو غضبي وأن أرد على ما تقول بأقصى ما أستطيع من دبلوماسية ف محاولة لرد غيبة من نتكلم عنهم وتجنب أن يرتد غضبها على وإن كنت أفشل أحيانا في الجمع بين هذين الأمرين فتغضب مني، أصبحت بلا أصدقاء، فقد فضلت أن أنقطع عمن أعرفهم قبل زواجي لأقلل من انتقاداتها ولأنني لا أستطيع أن أجاملهم كما تعودت معهم، فأنا لا أخرج إلا إن رضيت هي، حتى زياراتي لأهلي يجب أن نتحايل لتحس أنها هي من قال لنا اذهبوا، فليست لي حرية الخروج مع زوجي كما نريد، وإن حدث وخرجنا أحس عند عودتي أنها غاضبة ويكون ذلك واضحا حتى لزوجي ولا مبرر لهذا الغضب إلا أننا خرجنا بمفردنا، لا أجد سبباً آخر لذلك مع أننا نكون استأذنا للخروج، وزوجي ليس لديه أصدقاء يقيم معهم علاقات اجتماعية بل في حدود العمل وخارج المنزل دون أسرهم، فقد حدثت علاقات لا تتعدى أصابع اليد الواحدة مع أسَر من يعمل معهم وانتهت كلها بسبب انتقادها لتصرفاتهم سواء الرجل أو أسرته، فلم تعد لدينا أي علاقة مع أي أسرة، وأنا من أسرة ترى أن الحياة الاجتماعية شيء أساسي وأصدقاء والدي ووالدتي منذ عشرات السنين في تزايد وعلاقات مستمرة وأحسبهم والحمد لله صالحين، قاموا بتربيتي أنا وإخوتي على حفظ القرآن منذ صغرنا والصلاة وأن الصحبة الصالحة ضرورية للمسلم، لذا أحس بفراغ كبير في هذا الجانب، ولا أعرف تعويضه، أريد الصحبة الصالحة ولكن أخشى أن تأتي من ورائها المشاكل وأنا في غنى عن المزيد، ماذا أفعل؟ أحس أنني لا أستطيع الاستمرار، وفي نفس الوقت لا أريد أن أفقد في الطريق أحلى سنين أطفالي وأنا أصرخ فيهم؛ لأن طاقتي العصبية وقدرتي على الصبر والتفهم تستنفذ في امتصاص ما أحس من توتر من أم زوجي، فهي على الرغم من كل شيء هي أم زوجي، وعليه أن يبرها وأن أبرها أنا أيضا، ولكن أحس أني لن احتمل لفترة أطول، هل الخطأ مني؟ هل ضاع أجر صبري عندما أصبح عصبية مع أولادي أو أشتكي لزوجي مما ألاقيه؟ وهل طلبي من زوجي أن تكون لنا بعض الخصوصية كأن يحاول توفير وقت نجلس فيه معا أو نخرج فيه بمفردنا فيه عدم بر بالوالدة؟ وما يرتكب من غيبة للناس كيف أتحاشاه؟ هل يكفي إنكاري بالقلب ومحاولة رد الغيبة إن استطعت بما لا يسبب لي الضرر حتى لا أأثم؟ وإن اضطررت للمشاركة فأشارك بلساني وقلبي كاره وأستغفر سرّاً لمن اغتبناهم، هل أنا بذلك آثمة؟ وأصبحت أقوم بواجبي تجاهها وتجاه المنزل من باب أداء الواجب، بدون أن يكون ذلك نابعاً عن حب حقيقي، كنت أتمنى أن أحس بإحساس الابنة تجاه والدتها، ولكن ذلك لا يكون من طرف واحد، يجب أن يبادلك الطرف الآخر نفس الشعور، فهل أنا آثمة في ذلك - أن يكون أدبي ومساعدتي لها في المنزل من باب الواجب وصلة الرحم واحترام الكبير -؟ بصراحة لا أحس أنه منزلي! نحن لا نستطيع أن نتكلم معها بصراحة فيما يحدث، فلن تتقبل النقد بصدر رحب، والمشكلة أنها حين تنفعل أو تغضب فإنها تتعب جسديّاً، أي: أن التعب النفسي يظهر عندها بشكل عضوي، هل هناك طرق لتفادي ما أنا فيه، أم عليَّ أن أستمر في الاحتمال؟ وأيضا علاقتي مع زوجي تتأثر بحالتي النفسيَّة جدّاً، فأنا بشر. أفيدوني أفادكم الله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ينبغي أن تعلمي – أختنا السائلة - اختلاف طبيعة البشر، فهم ليسوا سواء من حيث الخلُق والدين والعقل والتصرفات، وينبغي عليكِ - كذلك - مراعاة من كان كبيراً في السنِّ فإن عقله يضعف ويعود صغيراً في كثيرٍ من تصرفاته، وعليكِ – أيضاً – مراعاة أنكِ تتعاملين مع أم زوجكِ، وغالب هؤلاء الأمهات تدب فيهن غيرة الضرائر من زوجات أبنائهنَّ.
فإذا راعيتِ كل ما سبق وفطنتِ له فإنه تهون عليك مشاكلك وتفرَّج همومك، فما تعانين منه تعاني منه كثيرات، وهو يحتاج لأمرين مهمين: الصبر والحكمة.
فاصبري على ما ترينه وتسمعينه من أهل زوجك، وكوني حكيمة في تعاملك معهم، وبخاصة أم زوجك؛ فإنه بحكمتك تستطيعين تجنب كثير من المشاكل، وتفوزين برضاهم أو على الأقل كف شرهم عنكِ، وتفوزين بقلب زوجك ورضاه عنكِ.
والحكمة في تعاملك مع أم زوجكِ تقتضي منكِ إسماعها الكلام الحسن، والثناء عليها، والدعاء لها، وتلبية طلباتها، وأن تكوني أحرص منها على نفسها إن كانت تتناول دواء – مثلاً – أو لها موعد زيارة طبيبة، كما أن للهدية دوراً كبيراً في ترقيق قلبها وتغيير معاملتها تجاهك.
مع العلم أنه لا يجب عليكِ خدمتها ولا العناية بها من حيث الوجوب الشرعي، فما تفعلينه هو أمر مستحب محبوب للشرع، وهو من حسن العشرة لزوجكِ، ولعلَّها إذا عرفت أنكِ تقومين بما لا يجب عليكِ شرعاً، وعرف زوجكِ ذلك – أيضاً – أن يكون لك مكانة عندهما عالية.
ثانياً:
هذا لا يعني أنكِ تجارينها في الغيبة التي تفعلها، بل يجب عليكِ نصحها بترك أكل لحوم الناس باغتيابهم، فإن انتهت فهو خير لها، ولكِ أجر ذلك، فإن استمرت ولم تنته فلا يحل لك الجلوس معها وهي تغتاب الآخرين، بل يجب مفارقة مجلسها، وقد يكون تصرفك هذا مساهماً في تركها للغيبة، ولا يكفي إنكارك بقلبك في الحال؛ لأنك لستِ في حكم المكرَهة، ولا بدَّ أن تفهم هي وابنها هذا الحكم، واعلمي أنكِ إن بقيتِ معها وهي على ذلك الحال فأنت شريكة معها في إثم الغيبة، فكيف إن شاركتِ معها بلسانك؟! .
ثالثاً:
لك كل الحق في أن يكون لكِ بيتٌ مستقل تعيشين فيه مع زوجكِ وأبنائكِ، ولك الحق أن يكون لك كثير من الخصوصية إن كان زوجك يريد أن يكون مسكنكم مع أهله، ولا يكون عاقّاً لأمه لو فعل ذلك، فالرجل العاقل الحكيم يزن الأمور بميزان الشرع، ويعطي كل ذي حقٍّ حقَّه، ولا ينتقص لواحدٍ من الآخر.
على أننا، مع ذلك، نعلم صعوبة الاستقلال بمسكن في كثير من الأحيان، لا سيما مع الظروف المعاصرة التي جعلت من الحصول على المسكن الملائم، خاصة في المدن الكبرى، أمرا صعب المنال، وهنا يتوجب على المرء أن ينظر في الظروف المحيطة به، بشكل عام، وبأفق أرحب، من أجل ألا يشق على نفسه، ولا على من حوله، والله تعالى كتب الإحسان على كل شيء.
ويجب على زوجكِ أن يعلم بحقيقة وضعك مع أمه؛ لأن هذا سبَّب لك عصبية ظهر أثرها على أبنائك، وقد يكون أثر على زوجك أيضاً، لذا ينبغي عليه أن يسارع في حل مشكلات البيت، وعليك أن يتقبل منكِ المصارحة في الأمور كلها؛ وعليه أن يتحمل المسئولية التي أوجبها عليه الشرع، فعليه برُّ أهله، ومن برِّهما نصحهما وتذكيرهما إن وقعا في مخالفة الشرع، كما أن عليه مسئولية عِشرة زوجته بالمعروف، وعليه مسئولية تربية أولاده، فهو أحوج ما يكون للمصارحة والمعاونة على ذلك، وأنتِ الطرف الأساس الذي يعينه على ذلك كله.
ونسأل الله تعالى أن يهديكم ويصلح بالكم، وأن يجمع بينكم على خير، وأن تكونوا أسرة واحدة سعيدة في الدنيا والآخرة.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15647
من أحق بابنها هي أم زوجها الذي تتهمه بالسحر؟ وما هي علامات الساحر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ولدي عمره ١١ سنة تقريبا، وأصبح عدوانيّاً كثيراً، ومرات لا يحترمني ويعلي صوته عليَ، وأيضا يمد يده فجأة من دون مبررات بعد أن أهدى إليه والده جهاز كمبيوتر، مع العلم أن أباه يتعامل بالشعوذة، ولا أعلم أو أجزم أنه ساحر، فعلا الله هو العالم، وهو يريد أن يأخذ الولد مني (نحن مطلقان) . ما هي الطريقة لأن أحمي ولدي ونفسي، وأن يرجع ولدي لما كان من قبل؟ وكيف أعرف حقيقة هذا الأب؟ وهل لي أن أمنع أباه إن أراد أن يراه، إن تأكدت أنه ساحر وأنه يريد بي وبابني شرّاً؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أوصت الشريعة المطهرة الوالدين بالعناية بأولادهما والقيام على حسن تربيتهم، ويتربى الأولاد على ما يسمعونه ويقرؤونه ويرونه في بيتهم وشارعهم ومدارسهم، وما يحصل من خلل في تربيتهم إنما هو بسبب الخلل في أحد تلك الجوانب، أو كلها.
وما حصل من ولدك من سوء خلُق تجاهكِ قد يكون سببه ما رآه وسمعه في البيت من مشكلات بينك وبين زوجك، والتي أدت للطلاق، وقد يكون بسبب ما تأثر به مما سمعه وقرأه في جهاز " الكمبيوتر "، وقد يكون نتيجة " سحر كراهية " قام عليه والده ليأخذه منكِ، وكل ذلك محتمل، وقد تكون الأسباب كلها مجتمعة هي التي أدَّت لتلك التصرفات السيئة من قبَل ابنكِ تجاهك.
وعلى كل حال: فيجب عليك لإصلاح حاله أن تبحثي عن الأسباب التي أدَّت به لتلك التصرفات لكي تعالجي الأمر بمعالجة السبب، فإن كان بسبب مشاكلك مع والده: فلا بدَّ من تفهيمه لحقيقة الحال التي آلت إليه بينكما بطريقة لبقة تناسب سنَّه وعقله، وإن كان بسبب ما يسمعه ويشاهده ويقرؤه في جهاز " الكمبيوتر "، فلا بدَّ لك من مراقبة المواد التي يطلع عليها، ولا بدَّ من توجيهه نحو حسن الاستفادة من الجهاز، فإن لم يستجب فيمكنك منعه منه بالكلية.
وإن كان بسبب سحر والده له: فيمكنك البدء بعلاجه بالرقية الشرعية من القرآن والأذكار النبوية الصحيحة، ولا مانع من عرضه على من يوثق بدينه ممن يقوم على العلاج الشرعي لمثل هذه الحالات.
ثانياً:
يمكنك معرفة حقيقة والده إن كان يشتغل بالسحر، وذلك بمعرفة طريقة علاجه للآخرين، أو معرفة حقيقية ما يقوله لزائريه ومراجعيه.
وقد ذكر بعض أهل العلم علامات للساحر يمكن لأي أحدٍ تمييزه عن غيره من أهل الخير والصلاح، وهذه العلامات هي:
١. أنه يطلب من المريض اسم الأم، وبعض الأشياء الخاصة من المراد علاجه مثل الشعر أو اللباس.
٢. أنه يتمتم بكلمات ليس لها معنى، ولا يفهمها السامع، وهذه التمتمات قد تكون نداءات للجن والشياطين ليقوموا بخدمته.
٣. ومن العلامات: أن هذا الساحر لا يحضر صلاة الجمعة، ولا الصلوات الخمس في المسجد.
٤. أنه يكون رث الثياب كريه الرائحة، يحب الظلام والوحدة.
٥. أنه يعطي المريض حجاباً يحتوي على طلاسم ومربعات وأرقام.
ولمعرفة حقيقته لا بدَّ من أن يكون متصفاً بتلك الصفات مجتمعة أو ببعضها، وبذلك تعرفين حقيقته، مع التنبيه أنك قد تكونين مبالغة في اتهامه بالسحر، فيجب عليكِ العدل في الحكم عليه، وتحقيق تقوى الله قبل الاتهام والادعاء بما هو منه براء.
على أنك، ما دمت قد انفصلت عنه، فلا نرى لك أن تشغلي نفسك كثيرا بحال طليقِك؛ هل هو ساحر أو لا، وإنما الذي ينبغي عليك أن تشغلي نفسك به هو كيفية المحافظة على نفسك، وابنك، وكيف تؤدين واجب الرعاية والتربية الواجبة لهذا الولد عليك.
ثالثاً:
وأما حضانة الولد: فليعلم أن مقصود الحضانة هو حفظ الطفل ورعايته، ولهذا يسقط حق الشخص في الحضانة لفسقه وفساده، أو لإهماله وتضييعه، أو لكثرة أسفاره، بما يضر بمصلحة أولاده.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
ومما ينبغي أن يُعلم أن الشارع ليس له نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقاً، ولا تخيير أحد الأبوين مطلقا، والعلماء متفقون على أنّه لا يتعيّن أحدهما مطلقا؛ بل مع العدوان والتّفريط لا يقدم من يكون كذلك [يعني: من يكون معتديا أو مفرطا من الأبوين] على البَر العادل المحسن القائم بالواجب.
" مجموع الفتاوى " (٣٤ / ١٣٢) .
وليُعلم أن مدة الحضانة هي إلى سن التمييز والاستغناء، أي: أنه تستمر الحضانة إلى أن يميِّز المحضون ويستغني عن حاضنه، بمعنى أن يأكل وحده ويشرب وحده، ويستنجي وحده ونحو ذلك.
وبما أنه قد بلغ سن (١١) فإنه يخيَّر بين العيش مع والده أو معكِ؛ على أن يكون الاختيار نابعاً من اختياره دون ضغط أو إكراه، وعلى أن لا يكون سبب الاختيار هو أنه لن يُلزم بصلاة أو طاعة لله تعالى، أو ما فيه مصلحة دينه ودنياه؛ لأن اختياره – والحالة هذه – فيها مضرة له، وكثير من الأطفال يكون همه في اختياره من يبالغ في تدليله، أو إعطائه ما يريده من اللهو واللعب؛ فلا يمكن أن يمكَّن له ـ حينئذ ـ ما يريد.
وإن ثبت أن والده يتعامل بالسحر فلا يحل له أن يأخذ ولده، بل يُمنع منه إلى أن يتوب إلى الله تعالى توبة صادقة.
فإذا لم يثبت على الوالد أنه يتعامل بالسحر: فينبغي أن يتعاون الأبوان في رعاية ابنهما، مراعاةً لمصلحته، وحتى لا يكون تنازعها سبباً لفشل الأبناء وضياعهم.
وانظري أجوبة الأسئلة: (٨١٨٩) و (٢٠٧٠٥) و (٢١٥١٦) .
ونسأل الله تعالى أن يصلح شأنكِ كله، وأن يهدي ابنك لما يحب ربنا ويرضى، وأن يصلح والده ويحفظ عليه دينه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15648
هل زواجي مقدَّر؟ وهل الطاعة والمعصية تغيران القدَر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل قدَّر الله سبحانه لكل شخص من تكون زوجته؟ وهل للمعصية والطاعة دور في تغيير القدر؟ .
أنا أحب فتاة ذات دين وخلق، ولكن هي لا تحبني، فهل يجوز لي أن أدعو الله بأن يحببها فيَّ ويجعلها زوجتي في المستقبل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
القدَر: هو تقدير الله تعالى الأشياء في القِدَم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة، وكتابته سبحانه لذلك، ومشيئته له، ووقوعها على حسب ما قدرها، وخَلْقُه لها.
والإيمان بالقدر من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان أحدٍ إلا به، ولا يصح الإيمان بالقدر إلا أن يؤمن المسلم بمراتب القدر الأربع وهي:
١. الإيمان بأن الله تعالى علم كل شيء جملة وتفصيلا من الأزل والقدم فلا يغيب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.
٢. الإيمان بأن الله كتب كل ذلك في اللوح المحفوظ، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
٣. الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة؛ فلا يكون في هذا الكون شيء من الخير والشر إلا بمشيئته سبحانه.
٤. الإيمان بأن جميع الكائنات مخلوقة لله فهو خالق الخلق وخالق صفاتهم وأفعالهم.
وانظر تفصيل هذا في أجوبة الأسئلة (٤٩٠٠٤) و (٣٤٧٣٢) .
وهذا التفصيل يبين لك أن الله تعالى قدَّر في الأزل من يكون أهلك، ومن تكون زوجتك، ومن يكون أبناؤك، وكل ما كان ويكون في الكون فهو بتقدير الله تعالى، قال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) القمر/٤٩.
ثانياً:
لا يعني هذا أن الإنسان يكون في الدنيا بلا إرادة، كما لا يعني هذا أن لا يسعى الإنسان في أسباب سعادته وعافيته، فكل شيء جعل الله له سبباً، فمن أراد الولد فلا بدَّ له من الزواج، ومن أراد السعادة في الآخرة فلا بدَّ أن يسعى لها سعيها، وأن يأخذ في طريق الهداية، ومن أراد المال والغنى فلا بدَّ أن يسعى للكد والتعب.
قال النبي ﷺ : (اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ..) متفق عليه.
ولم يُطلع الله تعالى أحداً على تفصيل ما سيحصل له من خير أو شر، لذا فإن كل أحدٍ يسعى لجلب الخير لنفسه ودفع الأذى عن نفسه، ولا يكون عاقلاً من يسير في طريق سريع عكس الاتجاه ثم يقول " لن يحصل معي إلا ما كُتب لي أو عليَّ " ولا يجلس أحدٌ في بيته ثم يقول " لن يأتيني إلا ما قدِّر لي من رزق " ولا يأكل أحد طعاماً فاسداً ثم يقول " لن يصيبني إلا ما كتب الله لي أو عليَّ " وهذه الأمور لو فعلها أحدٌ وقالها لعدَّ من المجانين، وهو كذلك.
وفي خصوص الزواج فإن المسلم يعلم أن النبي ﷺ قد حثَّه على التزوج بذات الدِّين، وهذا يقتضي منه البحث والتحري عن صاحبة الدِّين، ولا يقول عاقل إنني لن أسعى في هذا؛ لأنه لو عرض عليه امرأة مجنونة أو دميمة أو كبيرة في السن أو ذات أخلاق سيئة فإنه لن يقبل بها زوجة! ولن يدَّعي أنه سيتزوج بأول من يراها أو أول من تُعرض عليه، وهذا يؤكد ما قلناه من أنه سيعرض عن بعض النساء، ويتأمل في أخريات ويتردد في بعضهن وهكذا، ولو اختار، بعد النظر والتأمل والاستشارة والاستخارة، امرأة تناسبه فليعلم أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فليجعل رجاءه في ربه أن يهيئ له من أمره رشدا، وأن يقدر له أرشد الأمور بالنسبة إليه، وأحبها إلى رب العزة ﵎.
ثم عليه، إذا وقع الأمر، وقدر له ربه عطاءً أو منعا، على ما وافق هواه أو خالفه، أن يحسن الظن بربه ، ويعلم أن الله لا تعالى لا يقضي لعبده المؤمن الصبار الشكور إلا قضاء الخير. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) رواه مسلم (٢٩٩٩) .
وانظر جواب السؤال رقم: (١٨٠٤) .
ثالثاً:
أما بالنسبة لأثر الطاعة والمعصية على تغيير القدَر، فلتعلم أن أما ما كان في اللوح المحفوظ فإنه لن يتغير، قال النبي ﷺ (رُفعت الأَقْلَام وَجَفَّت الصُّحُف) - رواه الترمذي (٢٥١٦) وصححه من حديث ابن عباس -، وأما ما في أيدي الملائكة من صحف فإن الله تعالى قد يأمر ملائكته بتغييرها لطاعة يفعلها المسلم أو معصية يرتكبها، ولا يكون في النهاية إلا ما كُتب أزلاً، ويدل على ذلك قوله تعالى: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) الرعد/٣٩.
وقد حثَّ النبي ﷺ على القيام ببعض الطاعات التي لها أثر في زيادة عمر الإنان، كصلة الرحِم، وأخبر أن الدعاء يرد القضاء، وهذا معناه: أن الله تعالى علَم أولاً أن عبده فلان سيأتي بهذه الطاعات فقدَّر له عمراً مديداً أو بركة في الرزق، والعكس كذلك فقد يرتكب الإنسان معصية يُحرم بسببها الرزق، ويكون الله تعالى قد علَم ذلك أزلاً فقدَّره وكتبه بحسب علمه، ولم يجبر الله تعالى أحداً على طاعة ولا معصية.
وقد جمع النبي ﷺ هذا في حديث واحد:
عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلا الْبِرُّ وَلا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلا الدُّعَاءُ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ) . رواه ابن ماجه (٤٠٢٢) .
قال البوصيري في " مصباح الزجاجة " (رقم ٣٣) :
سألت شيخنا أبا الفضل العراقي – ﵀ – عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن. انتهى
وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة.
عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) رواه البخاري (٥٦٤٠) ومسلم (٢٥٥٧) .
وروى الطبري بإسناده، عن أبي عثمان النهدي: أن عمر بن الخطاب قال وهو يطوف بالبيت ويبكي: اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب فاجعله سعادة ومغفرة
وكان أبو وائل شقيق بن سلمة التابعي مما يكثر أن يدعو بهؤلاء الكلمات: اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامحنا واكتبنا سعداء وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. [تفسير الطبري ٧/٣٩٨]
وانظر جواب السؤال رقم: (٤٣٠٢١) .
رابعاً:
حبُّك للفتاة ذات الخلق والدِّين يوجب عليك الحذر من أن تقع في مخالفات شرعية كمراسلتها أو محادثتها أو الخلوة بها، ولا ننصحك أن تدعو الله تعالى أن يحببها بك، بل ننصحك بالدعاء أن يرزقك الله تعالى زوجة صالحة، وإذا رأيتَ من تنطبق عليها مواصفات المرأة الصالحة فتقدَّم لها واخطبها، ولا داعي لتعيين امرأة بعينها فقد تبادلك المحبة ثم تقعان في مخالفات شرعية، وقد لا يتيسر لكما أمر الزواج، فدعاء الله تعالى بأن ييسر لك زوجة صالحة خير لك فيما نرى.
على أننا نصدقك ـ أخانا الكريم ـ القول، ونرى أن التعلق بهذه الفتاة هو مشكلة فراغ بالنسبة؛ ونعني بالفراغ هنا أنك لم تشغل نفسك بمهمات الأمور، فملأ الشيطان قلبك شغلا بما فيه المضرة عليك في نفسك ودينك، أو بما يفوت عليك مصالحك.
روى ابن الجوزي عن ابن عائشة قال: قلت لطبيب كان موصوفا بالحذق: ما العشق؟
قال شغل قلب فارغ!! [ذم الهوى ٢٩٠] .
وإلا، فقل لي بربك يا أخي، هل أنت جاد في البحث عن زوجة مناسبة، في هذه الفترة؟!
وإذا كنت جادا في ذلك البحث، فهل أنت جاد في إمضاء الزواج الآن؟!
وإذا كنت جادا في إمضاء الزواج الآن، فهل ظروفك ملائمة لذلك الجِد (!!) منك؟!!
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ: خَطَبْتُ امْرَأَةً، فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهَا فِي نَخْلٍ لَهَا، فَقِيلَ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا وَأَنْتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟!!
فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِذَا أَلْقَى اللَّهُ فِي قَلْبِ امْرِئٍ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ فَلا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا) رواه ابن ماجة (١٨٦٤) وصححه الألباني.
فانظر ـ يا أخي ـ كيف أن النبي ﷺ علق الإذن بالنظر على إرادة النكاح.
قال العلماء: وهذا مستثنى من النهي عن النظر إلى المرأة الأجنبية، ولذلك إنما يسوغ حيث تدعو إليه الحاجة، ويرجو أن يتم زواجه الذي يريد.
قال ابن القطان ﵀: " لو كان خاطب المرأة عالما أنها لا تتزوجه، وأن وليها لا يجيبه، لم يجز له النظر، وإن كان قد خطب [يعني: وإن كان يطلب خِطبتها] ؛ لأنه إنما أبيح له النظر ليكون سببا للنكاح، فإذا كان على يقين من امتناعه، بقي النظر على أصله من المنع) [النظر في أحكام النظر ٣٩١] .
ومعلوم أن إرادة النكاح ممن لا يقدر على مؤنته، أو لا تساعده عليه ظروفه في وقته الراهن، نوع من العبث وإضاعة الزمان، وشغل القلب بما لا ينفع، بل بما يضر.
وحين تكون جادا، فاستعن بالله تعالى، واسأله التوفيق في أمرك، فإن بقيت على حالها، واستخرت ربك في شأنها، فامض في خطبتك، وإلا، فالنساء سواها كثير؛ فاظفر منهن بذات الدين؛ تربت يداك!!
نسأل الله تعالى أن يهديك لما فيه رضاه، وأن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن يرزقك زوجة صالحة وذرية طيبة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15649
دخلت في الإسلام ثم انحرفت عن طريق الهداية وتريد التوبة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أخت لكم، وقد أسلمت منذ ١١ عاما، وكنت قبل ذلك أشعر بالفضول تجاه الإسلام، وذلك لمتابعتي لمالكولم إكس. كنت دائما أرى المسلمات وأكن لهن الاحترام الشديد لأني كنت أرى فيهن الوقار والجمال إلى درجة كبيرة بسبب طريقتهن في اللبس. وعندما غادرت البيت وأنا في السابعة عشرة من العمر انتقلت إلى مدينة أخرى يقطنها عدد كبير من المسلمين. وقد تعرضت مرة أخرى للإسلام وأهدي إلي القرآن. كنت في غاية السعادة وكنت أشعر دائما في قلبي أن هناك شيء خاص جدا حول هذا الطريق، مع أني كنت جاهلة فيما يتعلق بتعاليمه. على أية حال، فقد حصل ذلك في وقت كنت أعاني فيه من ضعف شديد وكنت حينها في حاجة للتوجيه والمساعدة. ولم يكن حولي أحد ولا أهل ولا شيء آخر بل كنت محاطة بكل الأمور السيئة من بغاء ومخدرات وقمار وقتل وسرقة إلخ. كما أن جميع عماتي وأعمامي (أو ربما خالاتي وخالاتي) كانوا مدمني مخدرات، وسرعان ما سار أبناؤهم على نفس خطاهم. وبفضل الله فلم أسمح مطلقا لنفسي بالانخراط في جميع الأشياء الفاسدة التي كانت تحدث من حولي. ثم بدأت مع أختي نقرأ القرآن في المساء ما لامس قلبي على الفور بطريقة غير مسبوقة. كنا نبكي عند قراءتنا للنصوص حول جهنم، لأننا كنا نؤمن بالنار ولم نكن نرغب في دخولها. ونحن نعلم دون أي شك أن هذا الكتاب كان حقا. لقد شعرت أنه مشابه للكتاب المقدس في كثير من الجوانب لكنه كان الخطوة التالية. وبعد مرور أسبوعين ذهبنا للمسجد وأعلنا الشهادة. مرت الأعوام ومررت بمراحل لا يمكن تصديقها. وها أنا الآن قد تزوجت ثلاث مرات من مسلمين كل واحد منهم عاملني بطريقة سيئة جدا وتركت في النهاية. أما أحدهم فقد طلب الطلاق وأنا حامل. وعندما أخبرني أنه لا يحبني أخذت أنزف بغزارة حتى سقط الجنين. أما الآخران فكانا يعانيان من اعتلالات عقلية لم أكن أعلم قبل أن أتزوج بأي منهما. والآن، وبعد أن أصبح كل ذلك قيد الماضي، إلا أني تحطمت تماما. كنت في الماضي قوية جدا وقادرة على التكيف مع المستجدات إلا أني الآن أشعر وكأني أطفو على سحب من الضياع. كيف فقدت ربي وهو قريب جدا؟ كيف يمكن للواحد أن يستعيد ذلك؟ لماذا تركت الله وأنا أعلم أنه يقول إنه سيبتلي من يحب؟ أنا أشعر بضعف شديد وبالتحطيم، وأنه لا قيمة لي أو جمال. والآن وبعد كل هذا الوقت فقد تحطمت وأخذت أقع في أمور كنت قد قلت إني لن أعود لها البتة. أنا أشرب (الخمر) يوميا في البيت بمفردي وأشرب السجائر. أنا لا أريد فعلا أن أعيش كما لا أريد أن أموت لأني أعلم أني لست على طريق صحيحة. وكل ما أتمناه هو لو أني كنت قد حُميت من كل هذه الفتن وبقيت مع الله بجواره. أرجو أن تساعدني.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أيتها الأخت الكريمة، كان الله لك، وجبر مصابك، وأقال عثرتك، وغفر ذنبك!!
وبعد؛ فما زالت روحك فيك، وما زال فيك قلب ينبض، وعقل يفكر، ومن هنا نبدأ!!
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ) رواه الترمذي (٣٥٣٧) ، وحسنه الألباني.
فلست ـ إذًا ـ ضعيفة بدرجة كافية، ولا أنت حطام متراكم، كأهل القبور، بل ما زالت فيك القوة التي تدفعك إلى العودة من جديد؛ بل أنت ـ إن شاء الله ـ أقوى مما تظنين!!
ليس القوي ـ أيتها الأخت الكريمة ـ هو الذي لا يسقط بالمرة؛ بل القوي هو الذي يحسن النهوض، إذا سقط!!
ألم تكوني على دين آبائك وأجدادك من الشرك بالله، والكفر بنبيه ﷺ ، فقواك الله حتى تركت كل ذلك لله، وانتقلت إلى دين جديد، لم تألفيه، ومشيت في سبيل لم تسلكيه؟!! وذلك أشق على النفس ـ ألف مرة ـ من الخروج مما أنت فيه!!
ألم تكن كؤوس الخمر ممتلئة حولك، وسبيل الغواية ممدودة أمامك، ولا رقيب ـ هنالك ـ يعصمك الحياء منه، فقواك الله، وعصمك من أوحال الفاحشة، ونجس الخمور، فكيف تستسلمين ـ الآن ـ لما أنت فيه؟!!
أنت قوية على النهوض، فلا تعيني عدوك على نفسك؛ إذا لطمتك يد آثمة، فلا تلطمي ـ أنت أيضا ـ خدك الآخر: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى، الْجَاهِلِيَّةِ) رواه البخاري (١٢٩٤) .
وشتان بين من سقط في حفرة، فاستسلم لسقوطه، وراح يندب حظه، ويلوم القدر، ويسيء الظن بربه، وبين من سقط فعلم أنه يستحق ذلك السقوط بذنبه، وبسوء فعله، واختياره لنفسه: (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ) ، فنهض من عثرته، واستعان بربه على الخلاص من ذنبه أولا، وعلى تفريج كربته ثانيا، كما تَعَلَّم أن يقول كل يوم: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ، فهذا هو المؤمن القوي الذي يحبه الله. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ؛ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ، كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ ُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) رواه مسلم (٢٦٦٤) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فإن الإنسان ليس مأمورا أن ينظر إلى القدر عند ما يؤمر به من الأفعال، ولكن عندما يجرى عليه من المصائب التي لا حيلة له في دفعها؛ فما أصابك بفعل الآدميين أو بغير فعلهم، اصبر عليه، وارض وسلم؛ قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) التغابن/من الآية١١، قال بعض السلف إما ابن مسعود، وإما علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم " مجموع الفتاوى (٧/٢٧٨) .
وقال ابن القيم ﵀: " فتضمن هذا الحديث الشريف أصولا عظيمة من أصول الإيمان..، ومنها:
أن سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده، والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع ... ، ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه أمره أن يستعين به، ليجتمع له مقام إياك نعبد وإياك نستعين، فإن حرصه على ما ينفعه عبادة لله، ولا تتم إلا بمعونته؛ فأمره بأن يعبده وأن يستعين به.
ثم قال: (ولا تعجز) ؛ فإن العجز ينافي حرصه على ما ينفعه، وينافي استعانته بالله، فالحريص على ما ينفعه، المستعين بالله، ضد العاجز؛ فهذا إرشاد له قبل وقوع المقدور إلى ما هو من أعظم أسباب حصوله، وهو الحرص عليه مع الاستعانة بمن أزمة الأمور بيده، ومصدرها منه، ومردها إليه؛ فإن فاته ما لم يُقَدَّرْ له، فله حالتان: حالة عجز، وهي مفتاح عمل الشيطان؛ فيلقيه العجز إلى لو، ولا فائدة في لو ههنا، بل هي مفتاح اللوم والجزع والسخط والأسف والحزن، وذلك كله من عمل الشيطان، فنهاه ﷺ عن افتتاح عمله بهذا المفتاح، وأمره بالحالة الثانية، وهي: النظر إلى القدر وملاحظته، وأنه لو قدر له لم يفت ولم يغلبه عليه أحد؛ ... فلهذا قال: (فإن غلبك أمر فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل) ، فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين: حالة حصول مطلوبة، وحالة فواته، فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدا "
شفاء العليل (٣٧-٣٨) .
فإذا فهمت ذلك ـ أيتها الأخت الكريمة ـ لم يبق هناك وجه للاقتراح على القدر، الذي هو اقتراح على الله في واقع الأمر، لو كان أعفاك من هذه المحنة التي مرت بك، حتى ضعفت قواك، ومادت بك الأرض من تحتك، وتاه منك السبيل، بعدما وجدتيه!!
ألم تعلمي أن الابتلاء والاختبار هو قدر ملازم لوجود الإنسان في هذه الحياة: (إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً) الانسان/٢.
إن الناس معادن يا أمة الله؛ فمنهم الذهب الخالص، ومنهم المشوب، ومنهم دون ذلك، والابتلاء نار، تدل على صدق الذهب الأصيل، وتفصح الزيف الدخيل:
قال الله تعالى: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت /١-٣
يقول الشيخ ابن سعدي ﵀:
" يخبر تعالى عن تمام حكمته، وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال: «إنه مؤمن» وادعى لنفسه الإيمان، أن يبقوا في حالة، يسلمون فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه. فإنه لو كان الأمر كذلك، لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل.
ولكن سنته تعالى وعادته في الأولين، في هذه الأمة، أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل، ونحو ذلك من الفتن، التي ترجع كلها، إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة.
فمن كان عند ورود الشبهات، يثبت إيمانه ولا يتزلزل، ويدفعها بما معه من الحق وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عن ما أمر الله به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان، ويجاهد شهوته، دل على صدق إيمانه وصحته.
ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه، شكا وريبا، وعند اعتراض الشهوات، تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه (أي تصده) عن الواجبات، دل ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه. والناس في هذا المقام: درجات، لا يحصيها إلا الله، فمستقل ومستكثر. فنسأل الله تعالى، أن يثبتنا بالقول الثابت، في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يثبت قلوبنا على دينه، فالابتلاء والامتحان للنفوس، بمنزلة الكير، يخرج خبثها، وطيبها "
يا أمة الله؛ أنت لا تريدين هذه الحياة، ولا أنت تريدين الموت!!
فنقول: ولا نحن ـ أيضا ـ نحب لك هذه الحياة على المعصية، ولا نرجو لك الموت على تلك الحال، بل إن ربنا، رب العالمين لا يحب لك هذه الحياة، ولا يرضاها، ولا يحب لك ـ أيضا ـ أن تموتي على تلك الحال؟!!
والقضية ليست لغزا محيرا، كما تظنين؛ ولا الحل في أن تستسلمي للضياع، كما هو حالك الآن، فالله تعالى لا يحب لك أن تقابليه، بعد الموت، إلا وأنت على الإسلام:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) آل عمران/١٠٢.
واله تعالى لا يحب لك ـ أيضا ـ أن تعيشي إلا على الإسلام الذي ارتضاه لعباده:
(قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) الأنعام/١٦٢-١٦٣
فكيف الحال إذاً، وأين الطريق؟!!
أن تعودي إليه ـ سبحانه ـ يا أمة الله، وسوف يحبك حين تعودين: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) البقرة/من الآية ٢٢٢.
وسوف يفرح بك إذا عدت إليه، مهما ضللت الطريق:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (قَالَ اللَّهُ : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي، وَاللَّهِ لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ بِالْفَلاةِ، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِذَا أَقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ أُهَرْوِلُ) رواه مسلم (٢٦٧٥) .
وكيف بالذنوب والخطايا، والخمر والإثم؟!!
قال ربنا الرحمن الرحيم: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣ فما زال أمامك الطريق لكي تعود صحيفتك بيضاء نقية، يا أمة الرحمن؛ ولسنا نريدها بيضاء، لا حسنة فيها ولا سيئة، لنبدأ من الصفر، في أول الطريق، لا، بل نريدها بيضاء، لا إثم فيها ولا معصية، ثم هي ـ برحمة أرحم الراحمين ـ مليئة بالحسنات، مكان كل سيئة اقترفتيها، وكل خطيئة وقعت فيها!!
ألم تسمعي إلى كلام الله، يقص علينا صفات عباد الرحمن، فذكر جملة من صفاتهم الجميلة المحبوبة إليه سبحانه، وذكر من صفاتهم:
( ... وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) سورة الفرقان /٦٨-٧١
أرأيت كيف أن الله تعالى لم يكتف بأن غفر لهم تلك الخطيئات الكبيرات، بل حولها بمنه وكرمه إلى حسنات؟!!
عن أبي طويل شطب الممدود: (أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها، فلم يترك منها شيئا، وهو في ذلك لم يترك حاجَة ولا داجَة [يعني: صغيرة ولا كبيرة] ، إلا أتاها فهل له من توبة؟!
قال: فهل أسلمت؟
قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله.
قال: تعم تفعل الخيرات، وتترك السيئات؛ فيجعلهن الله لك خيرات كلهن!!
قال: وغدراتي وفجراتي؟
قال: نعم
فقال: الله أكبر، فما زال يكبر حتى توارى!!)
رواه الطبراني في الكبير (٧/٣١٤) وصححه الألباني في صحيح الترغيب.
فهيا يا أمة الله؛ هيا لتغيري حالك، فافعلي الخيرات، واتركي السيئات، ليتحول الجميع في صحيفتك إلى حسنات، وحينئذ تعلمين أنك لم تفقدي القرب من ربك، وأنه ما زالت أمامك الفرصة إلى جواره في دار السلام.
قال ابن القيم ﵀:
" هلم إلى الدخول على الله، ومجاورته في دار السلام، بلا نصب ولا تعب ولا عناء، بل من أقرب الطرق وأسهلها؛ وذلك أنك في وقت بين وقتين، وهو في الحقيقة عمرك: وهو وقتك الحاضر، بين ما مضى، وما يستقبل؛ فالذي مضى تصلحه بالتوبة والندم والاستغفار، وذلك شيء لا تعب عليك فيه ولا نصب ولا معاناة عملٍ شاق، إنما هو عمل قلب، وتمتنع فيما يستقبل من الذنوب، وامتناعك ترك وراحة، ليس هو عملا بالجوارح يشق عليك معاناته، وإنما هو عزم ونية جازمه، تريح بدنك وقلبك وسرك ...
ولكن الشأن في عمرك، وهو وقتك الذي بين الوقتين، فإن أضعته أضعت سعادتك ونجاتك، وإن حفظته، مع إصلاح الوقتين اللذين قبله وبعده بما ذكرت، نجوت وفزت بالراحة واللذة والنعيم!!
وحفظه أشق من إصلاح ما قبله وما بعده، فإن حفظه أن تلزم نفسك بما هو أولى بها، وأنفع لها، وأعظم تحصيلا لسعادتها، وفي هذا تفاوت الناس أعظم تفاوت!! " الفوائد (١١٧) .
فاستعيني بالله يا أمة الله على ما أنت فيه، واطوي صفحة الماضي بما فيها، وهيا إلى إصلاح ما بقي من عمرك، واجتهدي في أن تكوني في رفقة صالحة تعينك على ما أنت فيه، وإن استطعت أن تنتقلي إلى مكان آخر، قريب من أهل الخير والصلاح، فافعلي فهو خير لك، واحفظي الله يحفظك، واصدقيه يبدلك خيرا مما فات منك.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لأنفال/٧٠ نحن إن شاء الله على ثقة من أنك سوف تفعلين، وفي انتظار رسالة أخرى تبشريننا فيها بالسير الجديد، نحو النور، كما أحزنتنا عثرتك في الطريق.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15650
هل يجوز إخبار الأهل بالحمل قبل مضي ثلاثة أشهر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[حملت زوجتي منذ فترة قصيرة للمرة الثانية، ونحن نريد أن نعلن الأمر على الجميع. فهل يجوز إعلان الأمر فورا، أم أن هناك فترة انتظار لمدة ٣ أشهر قبل إعلان الحمل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نسأل الله تعالى أن يرزقكما الذرية الصالحة، وأن يبارك في هذا المولود، وينبته نباتا حسنا.
ثانيا:
لا حرج في الإخبار بحصول الحمل، بعد علمكم بذلك، ولا يشترط أن تمضي ثلاثة أشهر، بل يجوز قبل ذلك، لكن ينبغي الاقتصار على خاصة الأهل والأحبة، وهذا مبدأ عام يُراعى في الإخبار بالنعم، لا يُخبر بها إلا من يحب لك الخير، ويفرح بذلك، اتقاء للعين والحسد.
ودليل ما ذكرنا قوله ﷺ : (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود) رواه الطبراني وأبو نعيم، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٩٤٣)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →