Полный текст (16 344 стр.). Показаны 15821–15860 · переход к 15826.
стр. 15821
ت حريم الغدر والخيانة على من دخل دار الكفر بأمان
[السُّؤَالُ]
ـ[نحن الجالية الإسلامية المقيمة في.... ونعمل في قطاع التجارة. هناك قانون تجاري في البلد يسمح للتاجر المستورد بأن يحصل على الدولار الأمريكي من الدولة بقيمته عند الدولة؛ إذا استورد بعض المواد المحددة في القانون, علماً أن قيمة الدولار في السوق السوداء ضعف قيمته المحددة من قبل الدولة. فقام بعض التجار باستغلال هذا القانون (تزويراً وغشاً) للحصول على أكبر كمية من الدولار من الدولة, وبسعر الدولة, لبيعه بعد ذلك بضعف قيمته في السوق السوداء والاستفادة من فارق السعر. ويتم الأمر على النحو التالي: يأتون بكونتينر (حاوية بحرية لنقل البضائع) ملابس مثلاً, فيتحايلون على القانون بدفع الرشوة ونحو ذلك؛ لأن الملابس غير مشمولة بالقانون السابق فيزورون في صفتها لتتوافق مع البضائع المشمولة بالقانون فيزعمون أنها أجهزة تلفاز مثلاً. كما يزورون بقيمة الفواتير, فإذا كانت مثلاً قيمة الكونتينر (٤٠.٠٠٠) ألف دولار, يجعلون الفاتورة (٥٠٠.٠٠٠) ألف دولار أو أكثر أو أقل. فما الحكم هنا؟ علماً بأن البعض يزعم بأن هناك فتاوى تجيز خديعة الكافر وأخذ المال منه. ثانياً: التاجر الصادق الذي يلتزم بالقانون في عمله لا يستطيع المنافسة وبالتالي خسارته حتمية, كون الذي زور وغش واستورد نفس بضاعته تصبح قيمة بضاعته صفراً, فيبيعها بأي ثمن, فكيف للتاجر النظامي أن ينافسه؟ فيتساءل بعض التجار: بأن هناك رشاوى لا بد منها حتى ولو كان عملك نظامياً, فهل له أن يزيد في قيمة الفاتورة بقدر قيمة الرشاوى, مثلاً خمسة في المائة. وهل يمكن له إبقاء قيمة الفاتورة نظامية ولكن يزور نوعية البضاعة كي تدخل على البلد, فيستفيد من أخذ الدولار بسعر الدولة؛ كي يستطيع المنافسة وبالتالي العمل؟! وأود أن أشير هنا إلى أن هذا الفعل من قبل البعض قد أساء بشكل كبير على اقتصاد البلد وعملته الوطنية وسبب نوعاً من الحساسية من قبل أبناء البلد تجاه العرب والمسلمين, وأعطى صورة مشينة لنا حيث أظهرنا بمظهر السارقين. نحن في أمس الحاجة لمعرفة الفتوى لهذه المسألة حتى لا يخالطنا الحرام, خاصة أننا في بلد قل فيه أهل العلم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
ما ذكرته من قيام بعض التجار بإحضار بضائع غير مشمولة بالقانون المشار إليه، وتسجيلها بأسماء بضائع أخرى يشملها القانون، والتلاعب بقيمة الفواتير، بغية الحصول على الدعم الحكومي، كل ذلك من الكذب والغش والتزوير، وهو محرم، سواء كان مع مسلم أو كافر.
والمسلم إذا دخل بلاد الكفار بأمان، لم يجز له أن يأخذ شيئا من أموالهم، وإلا كان خائنا آثما، فلا يُلتفت إلى ما يشاع من الفتاوى الجاهلة في هذا الباب.
ودخول البلد بتأشيرة الزيارة أو الإقامة له حكم الدخول بأمان، لأن معنى هذه التأشيرة التي تمنحها الدولة: أن الدولة قد التزمت تجاه صاحب هذه التأشيرة بتأمينه والدفاع عنه وعن ماله، والتزمت بأن تحميه فلا يعتدي عليه أحد.
وإذا كانت تلك الدولة قد أمَّنت المسلم إذا دخل إليها، فيجب أن يؤمنها هو أيضاً، فلا يعتدي عليها أو على أحد من أهلها.
قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٩/٢٣٧) : "من دخل إلى أرض العدو بأمان , لم يخنهم في مالهم , ولم يعاملهم بالربا.
أما تحريم الربا في دار الحرب , فقد ذكرناه في الربا , مع أن قول الله تعالى: (وحرم الربا) وسائر الآيات والأخبار الدالة على تحريم الربا عامة تتناول الربا في كل مكان وزمان.
وأما خيانتهم , فمحرمة ; لأنهم إنما أعطوه الأمان مشروطا بتركه خيانتهم , وأمنه إياهم من نفسه , وإن لم يكن ذلك مذكورا في اللفظ , فهو معلوم في المعنى , ولذلك من جاءنا منهم بأمان , فخاننا , كان ناقضا لعهده. فإذا ثبت هذا , لم تحل له خيانتهم , لأنه غدر , ولا يصلح في ديننا الغدر , وقد قال النبي ﷺ : (المسلمون عند شروطهم) . فإن خانهم , أو سرق منهم , أو اقترض شيئا وجب عليه رد ما أخذ إلى أربابه , فإن جاء أربابه إلى دار الإسلام بأمان أو إيمان , رده عليهم , وإلا بعث به إليهم ; لأنه أخذه على وجه حرم عليه أخذه , فلزمه رد ما أخذ , كما لو أخذه من مال مسلم " انتهى.
وقال في "الدر المختار" مع حاشية ابن عابدين (٤/١٦٦) : " [إذا] دخل مسلم دار الحرب بأمان حرُم تعرضه لشيء من دم ومال وفرج منهم، إذ المسلمون عند شروطهم " انتهى.
وينظر: "الموسوعة الفقهية" (٢٠/١٩٠) ، (٣١/١٤٤) ، وفيها حكاية الاتفاق على تحريم الغدر والخيانة ممن دخل دار الحرب بأمان.
ثانيا:
لا يجوز لأحد من التجار أن يزوّر في قيمة الفواتير أو نوع البضاعة، ولو كان ذلك لتدارك ما ذكرته من الخسارة، فإن هذا غاية ما يريده الشيطان من الفساد والإفساد، وهو ارتكاب البعض للحرام، وجر الآخرين إليه بمثل هذه الذرائع.
فالواجب تقوى الله تعالى والوقوف عند حدوده، وطلب الرزق الحلال، وعدم مشايعة أهل الباطل على باطلهم، لا سيما وقد كان هذا سببا للتشنيع على المسلمين والحط عليهم، والتنفير من دعوتهم.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15822
حكم الديمقراطية والانتخابات والعمل في أنظمتها
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الديمقراطية، وشغل منصب بارز في البرلمان، أو شغل منزلة أخرى في حكومة ديمقراطية؟ وما حكم الاقتراع وانتخاب شخص بطريقة ديمقراطية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الديمقراطية نظام أرضي، يعني حكم الشعب للشعب، وهو بذلك مخالف للإسلام، فالحكم لله العلي الكبير، ولا يجوز أن يُعطى حق التشريع لأحدٍ من البشر كائناً من كان.
وقد جاء في " موسوعة الأديان والمذاهب المعاصرة " (٢ / ١٠٦٦، ١٠٦٧) :
"ولا شك في أن النظم الديمقراطية أحد صور الشرك الحديثة، في الطاعة، والانقياد، أو في التشريع، حيث تُلغى سيادة الخالق ، وحقه في التشريع المطلق، وتجعلها من حقوق المخلوقين، والله تعالى يقول: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) يوسف/ ٤٠، ويقول تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) الأنعام/ ٥٧" انتهى.
وسبق تفصيل ذلك في جواب السؤال رقم (٩٨١٣٤) .
ثانياً:
من علم حال النظام الديمقراطي وحكمه ثم رشح نفسه أو رشح غيره مقرّاً لهذا النظام، عاملاً به، فهو على خطر عظيم، إذ النظام الديمقراطي منافٍ للإسلام، وإقراره والعمل به من موجبات الردة والخروج عن الإسلام.
وأما من رشح نفسه أو رشح غيره في ظل هذا النظام، حتى يدخل ذلك المجلس وينكر على أهله، ويقيم الحجة عليهم، ويقلل من الشر والفساد بقدر ما يستطيع، وحتى لا يخلو الجو لأهل الفساد والإلحاد يعيثون في الأرض فساداً، ويفسدون دنيا الناس ودينهم، فهذا محل اجتهاد، حسب المصلحة المتوقعة من ذلك.
بل يرى بعض العلماء أن الدخول في هذه الانتخابات واجبة.
فقد سئل الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ عن حكم الانتخابات، فأجاب: "أنا أرى أن الانتخابات واجبة، يجب أن نعين من نرى أن فيه خيراً، لأنه إذا تقاعس أهل الخير، مَنْ يحل محلهم؟ سيحل محلهم أهل الشر، أو الناس السلبيون الذين ما عندهم خير ولا شر، أتباع كل ناعق، فلابد أن نختار من نراه صالحاً.
فإذا قال قائل: اخترنا واحداً لكن أغلب المجلس على خلاف ذلك.
قلنا: لا مانع، هذا الواحد إذا جعل الله فيه البركة وألقى كلمة الحق في هذا المجلس سيكون لها تأثير ولا بد، لكن الذي ينقصنا الصدق مع الله، نعتمد على الأمور المادية الحسية ولا ننظر إلى كلمة الله .... فَرَشِّحْ مَنْ ترى أنه خير، وتوكل على الله " انتهى باختصار.
من سلسلة "لقاءات الباب المفتوح" شريط رقم ٢١٠ ـ الوجه الثاني.
http://www.ibnothaimeen.com/all/sound/article_١٦٢٣٠.shtml
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
هل يجوز التصويت في الانتخابات والترشيح لها؟ مع العلم أن بلادنا تحكم بغير ما أنزل الله؟
فأجابوا:
"لا يجوز للمسلم أن يرشح نفسه رجاء أن ينتظم في سلك حكومة تحكم بغير ما أنزل الله، وتعمل بغير شريعة الإسلام، فلا يجوز لمسلم أن ينتخبه أو غيره ممن يعملون في هذه الحكومة إلا إذا كان من رشح نفسه من المسلمين ومن ينتخبون يرجون بالدخول في ذلك أن يصلوا بذلك إلى تحويل الحكم إلى العمل بشريعة الإسلام، واتخذوا ذلك وسيلة إلى التغلب على نظام الحكم، على ألا يعمل من رشح نفسه بعد تمام الدخول إلا في مناصب لا تتنافى مع الشريعة الإسلامية" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٣ / ٤٠٦، ٤٠٧) .
وسئلوا ـ أيضاً ـ:
كما تعلمون عندنا في الجزائر ما يسمى بـ: "الانتخابات التشريعية"، هناك أحزاب تدعو إلى الحكم الإسلامي، وهناك أخرى لا تريد الحكم الإسلامي. فما حكم الناخب على غير
الحكم الإسلامي مع أنه يصلي؟
فأجابوا:
"يجب على المسلمين في البلاد التي لا تحكم الشريعة الإسلامية، أن يبذلوا جهدهم وما يستطيعونه في الحكم بالشريعة الإسلامية، وأن يقوموا بالتكاتف يدا واحدة في مساعدة الحزب الذي يعرف منه أنه سيحكم بالشريعة الإسلامية، وأما مساعدة من ينادي بعدم تطبيق الشريعة الإسلامية فهذا لا يجوز، بل يؤدي بصاحبه إلى الكفر؛ لقوله تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة/٤٩-٥٠، ولذلك لما بَيَّن اللهُ كفر من لم يحكم بالشريعة الإسلامية، حذر من مساعدتهم أو اتخاذهم أولياء، وأمر المؤمنين بالتقوى إن كانوا مؤمنين حقا، فقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) المائدة/٥٧.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم "انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٣٧٣) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15823
الذهاب إلى حلاق يشغّل الأغاني
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الذهاب إلى الحلاقين الذين يشغلون الأغاني.
علما أنني اذكر الله في قلبي؟ ولا أعرف حلاقاً قريباً لا يشغل الأغاني إلا بعض من تكون حلاقته غير جيدة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز لك سماع الأغاني عند الذهاب إلى مثل هؤلاء، والواجب عليك إذا رفعوا صوت الموسيقى وأذاعوها في المحل وأنت موجود أن تنكر عليهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وأكثر الحلاقين يستجيب للناصح، وهذا أمر مجرَّب، فإن امتثل الحلاق لطلبك وإلا فاذهب إلى غيره وستجد إن شاء الله من يفي بالغرض، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً.
والله الموفق
وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15824
هل ينتخب رئيسا لا يحكم بشرع الله ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز انتخاب رئيس لبلد إسلامي مع أنه لا يحكم بشرع الله؟ مع العلم أنه في حال عدم انتخابه قد تحصل مضايقات تصل في بعض الأحيان لحد الاعتقال.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يعتقد المؤمنون اعتقاداً جازماً أنه لا أحد أحسن من حكم الله تعالى، وأن كل حكم خالف حكم الله فهو حكم جاهلي، قال الله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة/٥٠.
وجعل الله تعالى دعوى الإيمان بالله وما أنزل على رسله مع إرادة التحكم إلى غيره، جعل ذلك أمراً عجيباً يستحق التعجب منه، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً) النساء/٦٠.
قال الشنقيطي ﵀: " بَيَّن جل وعلا أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل به العجب " انتهى.
وأقسم الله تعالى بذاته الكريمة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له ظاهراً وباطناً. فقال: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) النساء/٦٥.
تفسير ابن كثير.
وأوجب الله تعالى رد الأمور المتنازع فيها إليه، وجعل ذلك شرطاً للإيمان، فلا يصح الإيمان مع التحاكم إلى غير ما شرعه الله تعالى.
قال تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) النساء/٥٩.
قال ابن كثير: "قوله تعالى: (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) ، دل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليها فليس مؤمناً بالله ولا باليوم الآخر " انتهى.
وعلى هذا؛ يحرم انتخاب من يحكم بغير ما شرعه الله لما في ذلك من الرضا بهذا المحرم والإعانة عليه.
وإذا أُكرِه المسلم على الذهاب للانتخاب فيمكنه الذهاب ورفض هذا الرئيس أو إفساد صوته – إن استطاع- فإن لم يستطع إلا الموافقة على الانتخاب وخشي على نفسه الضرر إن لم يوافقهم، فنرجو أن لا يكون عليه حرج في ذلك لقول الله تعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) النحل/١٠٦، ولقول الرسول ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) رواه ابن ماجة (٢٠٤٥) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15825
هل يترك بعض الواجبات خشية دخول السجن ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[نعرف جيداً بأنه يحرم حلق اللحية، أو إسبال الإزار؛ بنص الأحاديث الواردة في ذلك، ولكن سؤالي هو أنه في بلادنا يمنع إعفاء اللحية ورفع الإزار، ويعتبر من يفعل ذلك مشبوها لدى الأجهزة الأمنية ويتعرض للسجن والتعذيب، والتحقيقات وحجز جوازات السفر وغيرها من الفتن التي تتعرض لها أسرة الشخص المستقيم. في هذه الظروف الصعبة يعيش الشباب المستقيم والتواق للالتزام بالشرع الحنيف على منهج السلف الصالح أوقاتاً صعبة من تقصير اللحى وإسبال الإزار وغيرها من ترك السنن الثابتة والذي لا يتبع هذا الطريق يكون مقره السجون سؤالي هو: هل نتقي شرور وفتن السجون ومضايقات قوات الأمن بتقصير أو حلق اللحى وترك السنن عموماً أو نصبر على الأذى؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله تعالى أن يفرج عن إخواننا المستضعفين في كل مكان، وأن يمكن لهم في الأرض، ويُري أعداءهم منهم ما كانوا يحذرون.
لاشك أن صدع المؤمن بالحق، وثباته على ذلك، وصبره على ما يلقاه في سبيل الله هو الأفضل والأولى، فمن رأى من نفسه الثبات والصبر، فالأولى له أن يجاهر بالحق، وليحتمل ما يصيبه بسبب ذلك؛ قال تعالى: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت/١-٣.
ومن خاف على نفسه الضرر، وكان الضرر حقيقياً، وليس مجرد وهمٍ أو جبن، فأخذ برخصة الله؛ دفعاً للضرر عن نفسه، فلا حرج عليه.
فجمهور أصحاب النبي ﷺ أخذوا بالعزيمة، وصبروا على ما أوذوا في سبيل الله، ولم يعطوا الكفار ما يريدون منهم، رغم ما كانوا يلاقون من أصناف التعذيب.
ومنهم – كعمار بن ياسر ﵄ – من أخذ برخصة الله، وأعطى الكفار ما يريدونه من النيل من الإسلام، ومن النبي ﷺ ، مع اطمئنان قبله بالإيمان، وفيه نزل قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) النحل/١٠٦.
والسجن وما يكون فيه من التعذيب نوع من الإكراه المعتبر عند العلماء يبيح للمسلم ترك بعض الواجبات، وفعل بعض المحرمات التي أكره عليها.
لكن الواجب أن تقدر الضرورة بقدرها، فإن أمكن دفع الضرورة بتقصير اللحية لم يجز حلقها، وإذا لم يمكن إلا بالحلق جاز له حلقها، وليؤخر ذلك ما استطاع، وهكذا يقال في تقصير الثياب، وعدم إسبالها.
وينبغي أن يُذكِّر المؤمن نفسه دائماً، بأن هذه الحال التي هو عليها حال ضرورة، ويكون صادقاً مع نفسه، فإذا ما اندفعت الضرورة عاد إلى ما أمره الله به، وصدع بالحق.
وليجتهد المسلم فيما يقدر عليه، وليبذل طاقته في ذلك، ولا حرج عليه إن شاء الله، فيما تركه خشية حصول الضرر، ولا يجوز له ترك الواجبات التي لا يضطر إلى تركها.
قال الله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) البقرة / ٢٨٦، وقال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن /١٦.
ونسأل الله تعالى أن يعز الإسلام والمسلمين، ويذل أعداء الدين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15826
هل يلجأ إلى منظمات حقوق الإنسان للوصول إلى حقه
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الالتجاء إلى منظمات حقوق الإنسان العالمية إذا رجي المسلم عودة حقه له؟ وما حكم الالتجاء إلى منظمة حقوق الإنسان الموجودة في السعودية؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
أولاً:
سبق أن بيّنا في جواب السؤال رقم (٩٧٨٢٧) بعض ما تخفيه المبادئ البراقة لهذه الجمعيات العالمية من الأغراض الخبيثة المصادمة لشرع الله تعالى، وعلى ضوء ما سبق: فلا يجوز للمسلم أن يساهم مع هذه المنظمات في قيامها وإعلاناتها وتأييدها، ولا يجوز لمسلم أن يكون عضواً فيها.
وعليه فلا يجوز للمسلم الذي يجد طريقاً شرعيّاً لرفع مظلمته أن يرفعها لهذه المنظمات؛ لأنها تقوم على أسس تحارب الدين والأخلاق، والتحاكم إليها مع وجود المجال للتحاكم للإسلام كفرٌ بالله تعالى، وقد يكون كفراً مخرجاً من الملة، وقد يكون كفراً دون كفر، وذلك بحسب اعتقاد الشخص وحاله – كما سيأتي -.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم – ﵀:
من أقبح السيئات وأعظم المنكرات: التحاكم إلى غير شريعة الله من القوانين الوضعية، والنظم البشرية، وعادات الأسلاف والأجداد، وأحكام الكهنة والسحرة والمنجمين، التي قد وقع فيها الكثير من الناس اليوم وارتضاها بدلاً من شريعة الله التي بعث بها رسولَه محمَّداً ﷺ , ولا ريب أن ذلك من أعظم النفاق , ومن أكبر شعائر الكفر، والظلم، والفسوق، وأحكام الجاهلية التي أبطلها القرآن، وحذر عنها الرسول ﷺ , قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) النساء/٦٠، ٦١، وقال تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ. أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة/ ٤٩، ٥٠، وقال : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة/٤٤، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المائدة/٤٥، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) المائدة/٤٧، وهذا تحذير شديد من الله سبحانه لجميع العباد من الإعراض عن كتابه وسنة رسوله ﷺ والتحاكم إلى غيرهما , وحكم صريح من الرب على من حكم بغير شريعته بأنه كافر وظالم وفاسق ومتخلق بأخلاق المنافقين وأهل الجاهلية , فاحذروا أيها المسلمون ما حذركم الله منه , وحكموا شريعته في كل شيء , واحذروا ما خالفها وتواصوا بذلك فيما بينكم , وعادوا وأبغضوا من أعرض عن شريعة الله وتنقصها أو استهزأ بها وسهل في التحاكم إلى غيرها , لتفوزوا بكرامة الله وتسلموا من عقاب الله , وتؤدوا بذلك ما أوجب الله عليكم من موالاة أوليائه , الحاكمين بشريعته , الراضين بكتابه وسنة رسوله ﷺ ومعاداة أعدائه الراغبين عن شريعته المعرضين عن كتابه وسنة رسوله ﷺ .
فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم - (١٢ / ٢٥٩، ٢٦٠) .
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
ما رأيكم في المسلمين الذين يحتكمون إلى القوانين الوضعية، مع وجود القرآن الكريم والسنَّة المطهرة بين أظهرهم؟ .
فأجاب:
رأيي في هذا الصنف من الناس الذين يسمون أنفسهم بالمسلمين في الوقت الذي يتحاكمون فيه إلى غير ما أنزل الله , ويرون شريعة الله غير كافية، ولا صالحة للحكم في هذا العصر: هو ما قال الله في شأنهم حيث يقول : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء/ ٦٥، ويقول : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة/ ٤٤، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المائدة ٤٥، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) المائدة/ ٤٧.
إذاً فالذين يتحاكمون إلى شريعة غير شريعة الله , ويرون أن ذلك جائز لهم , أو أن ذلك أولى من التحاكم إلى شريعة الله: لا شك أنهم يخرجون بذلك عن دائرة الإسلام , ويكونون بذلك كفاراً ظالمين فاسين , كما جاء في الآيات السابقة، وغيرها , وقوله : (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة/ ٥٠.
" فتاوى الشيخ ابن باز " (١ / ٢٧١) .
وينظر: جواب السؤال رقم (١١٢٣٣) وفيه بيان: حكم التحاكم إلى محكمة العدل الدولية.
وينظر: جواب السؤال رقم (٨٤٠٧٣) وفيه بيان: حكم التحاكم إلى العادات والأعراف القبلية.
وإذا لم يجد المسلم مجالاً لتحصيل حقه بطرق مباحة، وضاقت عليه الأمور: فيمكنه اللجوء لتلك المنظمات، والتحاكم إليها، إذا كانت قضيته شرعية، ولم يمكنه تحصيل حقه بطرق مباحة، وهذا من باب الضرورة، والقاعدة الشرعية " الضرورات تبيح المحظورات ".
رابعاً:
وأما منظمات حقوق الإنسان في " السعودية " فهما هيئتان – فيما نعلم -:
الأولى: " الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان ".
والثانية: " هيئة حقوق الإنسان ".
ولا حرج في رفع مظلمتك وشكواك لهما، فهما هيئتان لا تعتمدان على نظم وقوانين ومبادئ الهيئات العالمية لحقوق الإنسان، بل تخالفانها في مسائل كثيرة، وتلك تنتقد هذه ودولتها في أمور متعددة.
وقد جاء في أهداف الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان – نقلاً عن موقعهم -:
- العمل على حماية حقوق الإنسان وفقاً للنظام الأساس للحكم الذي مصدره الكتاب والسنَّة ووفقا للأنظمة المرعية، وما ورد في الإعلانات والمواثيق الخاصة بحقوق الإنسان الصادرة عن الجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، والأمم المتحدة، ووكالاتها، ولجانها المختصة، وبما لا يخالف الشريعة الإسلامية.
- التعاون مع المنظمات الدولية العاملة في هذا المجال.
- الوقوف ضد الظلم، والتعسف، والعنف، والتعذيب، وعدم التسامح.
انتهى
http://www.nshrsa.org/index.php?LID=١
وقولهم " بما لا يخالف الشريعة الإسلامية " يبعث على الاعتزاز والفخر، ويوضح بجلاء أنه لا حرج في اللجوء إليهم لرفع مظلمتك.
ومثل ذلك يقال في " هيئة حقوق الإنسان " حيث جاء بيان تأسيس الهيئة أنها تهدف إلى " حماية حقوق الإنسان، وتعزيزها، ونشر الوعي بها، والإسهام في ضمان تطبيق ذلك، في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية "، كما قاله رئيسها في لقاء معه في جريدة " الرياض " تاريخ: ٠٨ جمادى الأولى ١٤٢٧ هـ، الموافق: ٥ يونيو ٢٠٠٦، العدد ١٠٠٥١.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15827
مفهوم الديمقراطية في الإسلام
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت أن كلمة الديمقراطية مستقاة من الإسلام، فهل هذا صحيح؟ وما حكم الترويج للديمقراطية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الديمقراطية ليست كلمة عربية، بل هي مشتقة من اليونانية، وهي مجموعة من كلمتين: الأولى: DEMOS (ديموس) ، وتعني: عامة الناس، أو الشعب، والثانية: KRATIA (كراتيا) ، وتعني: حكم، فيصبح معناها: حكم عامة الناس، أو: حكم الشعب.
ثانياً:
الديمقراطية نظام مخالف للإسلام؛ حيث يجعل سلطة التشريع للشعب، أو من ينوب عنهم (كأعضاء البرلمان) ، وعليه: فيكون الحكم فيه لغير الله تعالى، بل للشعب، ونوابه، والعبرة ليست بإجماعهم، بل بالأكثرية، ويصبح اتفاق الأغلبية قوانين ملزمة للأمة، ولو كانت مخالفة للفطرة، والدين، والعقل، ففي هذه النظم تم تشريع الإجهاض، وزواج المثليين، والفوائد الربوية، وإلغاء الأحكام الشرعية، وإباحة الزنا وشرب الخمر، بل بهذا النظام يحارب الإسلام ويحارب المتمسكين به.
وقد أخبر الله تعالى فيه كتابه أن الحكم له وحده، وأنه أحكم الحاكمين، ونهى أن يُشرك به أحد في حكمه، وأخبر أن لا أحد أحسن منه حكماً.
قال الله تعالى: (فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) غافر/١٢، وقال تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) يوسف/٤٠، وقال تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) التين/٨، وقال تعالى: (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً) الكهف/٢٦،
وقال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة/٥٠.
والله هو خالق الخلق، وهو يعلم ما يَصلح لهم وما يُصلحهم من أحكام، والبشر يتفاوتون في العقول والأخلاق والعادات، وهم يجهلون ما يصلح لهم فضلا أن يكونوا على علم بما يَصلح لغيرهم، ولذا فإن المجتمعات التي حكمها الشعب في التشريعات والقوانين لم يُر فيها إلا الفساد، وانحلال الأخلاق، وتفسخ المجتمعات.
مع التنبيه على أن هذا النظام تحول في كثير من الدول إلى صورة لا حقيقة لها، ومجرد شعارات يُخدع بها الناس، وإنما الحاكم الفعلي هو رأس الدولة وزبانيته، والشعب مقهور مغلوب على أمره.
ولا أدل على ذلك من أن هذه الديمقراطية إذا أتت بما لا يهواه الحكام داسوها بأقدامهم، ووقائعُ تزوير الانتخابات وكبت الحريات وتكميم أفواه من يتكلمون بالحق: حقائقُ يعلمها الجميع، لا تحتاج إلى استدلال.
وليس يصلح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
جاء في " موسوعة الأديان والمذاهب المعاصرة " (٢ / ١٠٦٦) :
ديمقراطية نيابية:
أحد مظاهر النظم الديمقراطية التي يمارس فيها الشعب مظاهر السيادة بواسطة مجلس منتخب من نواب من الشعب، وفيها يحتفظ الشعب بحق التدخل المباشر لممارسة بعض مظاهر السيادة عن طريق وسائل مختلفة، أهمها:
١. حق الاقتراع الشعبي: بأن يقوم عدد من أفراد الشعب بوضع مشروع للقانون مجملاً أو مفصَّلاً، ثم يناقشه المجلس النيابي ويصوِّت عليه.
٢. حق الاستفتاء الشعبي: بأن يُعرض القانون بعد إقرار البرلمان له على الشعب ليقول كلمته فيه.
٣. حق الاعتراض الشعبي: وهو حق لعدد من الناخبين يحدده الدستور للاعتراض في خلال مدة معينة من صدوره، ويترتب على ذلك عرضه على الشعب في استفتاء عام، فإن وافق عليه نُفِّذ... وإلا بطل، وبه تأخذ معظم الدساتير المعاصرة.
ولا شك في أن النظم الديمقراطية أحد صور الشرك الحديثة في الطاعة والانقياد أو في التشريع، حيث تُلغى سيادة الخالق وحقه في التشريع المطلق، وتجعلها من حقوق المخلوقين، والله تعالى يقول: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) يوسف/٤٠، ويقول تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) الأنعام/٥٧ " انتهى.
ثالثاً:
يظن كثير من الناس، أن لفظ " الديمقراطية " يعني: الحرية! وهذا ظن فاسد، وإن كانت الحرية هي إحدى إفرازات " الديمقراطية "، ونعني بالحرية هنا: حرية الاعتقاد، وحرية التفسخ في الأخلاق، وحرية إبداء الرأي، وهذه أيضا لها مفاسد كثيرة على المجتمعات الإسلامية، حتى وصل الأمر إلى الطعن في الرسل والرسالات، وفي القرآن والصحابة، بحجة " حرية الرأي "، وسُمح بالتبرج والسفور ونشر الصور والأفلام الهابطة بحجة الحرية، وهكذا في سلسلة طويلة، كلها تساهم في إفساد الأمة، خلقيّاً، ودينيّاً.
وحتى تلك الحرية التي تنادي بها الدول من خلال نظام الديمقراطية ليست على إطلاقها، نرى الهوى والمصلحة في تقييد تلك الحريات، ففي الوقت الذي تسمح نظمهم بالطعن في الرسول محمد ﷺ والقرآن، بحجة حرية الرأي: نجد منع هذه الحرية في مثل الكلام عن " محرقة النازيين لليهود "! بل يتم تجريم وسجن من ينكر هذه المحرقة، مع أنها قضية تاريخية قابلة للإنكار، لكنها لما تعلقت باليهود أصبح لها قدسية وأهمية أكثر من الإسلام! لذا أطلقوا ألسنتهم بحجة الحرية طعناً وتشويهاً لحقيقة الإسلام، ومنعوا تلك الحرية عندما تعلق الأمر بأسيادهم.
وإذا كان هؤلاء دعاة حرية: فلماذا لم يتركوا الشعوب الإسلامية تختار مصيرها ودينها؟! ولماذا قاموا باستعمار بلدانهم وساهموا في تغيير دينهم ومعتقدهم؟ وأين هذه الحريات من مذابح الإيطاليين للشعب الليبي، ومن مذابح الفرنسيين للشعب الجزائري، ومن مذابح البريطانيين للشعب المصري، ومن مذابح الأمريكان للشعبين الأفغاني والعراقي؟!
والحرية عند أدعيائها يمكن أن تصطدم بأشياء تقيدها، ومنها:
١. القانون، فليس للإنسان مطلق الحرية أن يسير في عكس اتجاه السير في الشارع، ولا أن يفتح محلا من غير ترخيص، ولو قال " أنا حر " لم يلتفت له أحد.
٢. العرف، فلا تستطيع امرأة عندهم – مثلاً – أن تذهب لبيت عزاء وهي تلبس ملابس البحر! ولو قالت " أنا حرَّة " لاحتقرها الناس، ولطردوها؛ لأن هذا مخالف للعرف.
٣. الذوق العام، فلا يستطيع أحد منهم – مثلاً – أن يأكل ويخرج ريحاً أمام الناس! بل ولا أن يتجشأ! ويحتقره الناس ولو قال إنه حر.
ونقول بعد هذا:
لماذا لا يكون لديننا أن يقيِّد حرياتنا، مثل ما قُيدت حرياتهم بأشياء لا يستطيعون إنكارها؟! ولا شك أن ما جاء به الدين هو الذي فيه الخير والصلاح للناس، فأن تمنع المرأة من التبرج، وأن يمنع الناس من شرب الخمر، وأكل الخنزير، وغير ذلك: كله لهم فيه مصالح، لأبدانهم، وعقولهم، وحياتهم، ولكنهم يرفضون ما يقيِّد حرياتهم إن جاء الأمر من الدين، ويقولون " سمعنا وأطعنا " إن جاءهم الأمر من بشرٍ مثلهم، أو من قانون!
رابعاً:
يظن بعض الخاصة أن لفظ " الديمقراطية " يعادل " الشورى " في الإسلام! وهذا ظن فاسد من وجوه كثيرة، منها:
١. أن الشورى تكون في الأمور المستحدثة، أو النازلة، وفي الشؤون التي لا يفصل فيها نص من القرآن أو السنَّة، وأما " حكم الشعب " فهو يناقش قطعيات الدين، فيرفض تحريم الحرام، ويحرِّم ما أباحه الله أو أوجبه، فالخمور أبيح بيعها بتلك القوانين، والزنا والربا كذلك، وضيِّق على المؤسسات الإسلامية وعلى عمل الدعاة إلى الله بتلك القوانين، وهذا فيه مضادة للشريعة، وأين هذا من الشورى؟!
٢. مجلس الشورى يتكون من أناسٍ على درجة من الفقه والعلم والفهم والوعي والأخلاق، فلا يُشاور مفسد ولا أحمق، فضلاً عن كافر أو ملحد، وأما مجالس النيابة الديمقراطية: فإنه لا اعتبار لكل ما سبق، فقد يتولى النيابة كافر، أو مفسد، أو أحمق، وأين هذا من الشورى في الإسلام؟! .
٣. الشورى غير ملزمة للحاكم، فقد يقدِّم الحاكم رأي واحدٍ من المجلس قويت حجته، ورأى سداد رأيه على باقي رأي أهل المجلس، بينما في الديمقراطية النيابية يصبح اتفاق الأغلبية قانوناً ملزماً للناس.
والواجب على المسلمين الاعتزاز بدينهم، والثقة بأحكام ربهم أنها تُصلح لهم دنياهم وأخراهم، ويجب عليهم التبرأ من النظم التي تخالف شرع الله.
وعلى جميع المسلمين – حكَّاماً ومحكومين – أن يلتزموا بشرع الله تعالى في جميع شؤونهم، ولا يحل لأحدٍ أن يتبنى نظاماً أو منهجاً غير الإسلام، ومن مقتضى رضاهم بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبيّاً ورسولاً أن يلتزم المسلمون بالإسلام ظاهراً وباطناً، وأن يعظموا شرع الله، وأن يتبعوا سنَّة النبي ﷺ .
نسأل الله أن يعزنا بالإسلام، وأن يرد كيد الخائنين.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15828
كلمة حول منظمات حقوق الإنسان الغربية وحكم التحاكم إليها
[السُّؤَالُ]
ـ[تدعو منظمات حقوق الإنسان العالمية إلى العدل والمساواة، ومنع الظلم والعدوان على الناس بدافع الجنس والعِرْق واللون.. وغير ذلك من المبادئ السامية، فهل هناك مانع من التعاون معها؟ وإن كان: فما وجه الاعتراض على هذه المبادئ السامية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ينبغي على المسلم أن لا يغتر بمنظمات ما يسمى " حقوق الإنسان " الغربية والأوربية؛ فهي وإن كان ظاهر أمرها نصرة المستضعفين، والوقوف ضد التعذيب والحط من كرامة الإنسان في السجون ومراكز الاعتقال – وهي أمور جيدة في الجملة -: إلا أن لها وظائف أخرى، ومبادئ تنطلق من خلالها تسعى فيها لتدمير الأسرة، وفتح المجال للطعن في الإسلام والنبي ﷺ ، وسائر إخوانه الأنبياء ﵈، وتقف في وجه الأحكام الشرعية التي تقيم حد الرجم على الزاني، والقتل على المرتد، والقطع على السارق، - من حيث التشريع، ومن حيث التطبيق وهي نادرة أو قليلة -، وتحارب هذه المنظمات الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة من حيث وجوب موافقة الولي في زواجها، ومن حيث أمرها بالحجاب، ونهيها عن الاختلاط، وغير ذلك كثير من مبادئها التي تزعم فيها تحرير الإنسان من التكاليف الشرعية، وتجعل الإنسان حرّاً في تصرفاته، لا يتقيد بعادات فاضلة، ولا أحكام شرعية سامية.
إن ملخص ما تدعو إليه هذه المنظمات: أن يفعل الإنسان ما يشاء من الشذوذ الأخلاقي، فيقفون مع السحاقيات واللوطيين والجنس الثالث، والشذوذ الديني، فيجعلون من حق الإنسان أن يكفر بما يشاء من الأديان، وأن يعبِّر عن رأيه – ولو تعلق بأنبياء – دون خوف أو وجل، ويساهمون – كذلك - في تحرر المرأة من قيود الأب والزوج والدِّين.
ثانياً:
وهذه بعض المواد التي اعتمدها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي أقرته هيئة الأمم في ١٠ / ١٢ / ١٩٤٨ م، - وقد نقلناها من موقعهم -:
١. المادة ٢:
" لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أي نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي، سياسيّاً، وغير سياسي، أو الأصل الوطني، أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أي وضع آخر ...
انتهى
المادة ١٨:
" لكل شخص حق في حرية الفكر، والوجدان، والدين، ويشمل هذا الحق: حريته في تغيير دينه، أو معتقده، وحريته في إظهار دينه، أو معتقده، بالتعبد، وإقامة الشعائر، والممارسة، والتعليم، بمفرده، أو مع جماعة، وأمام الملأ، أو على حدة ".
انتهى
المادة ١٩:
" لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق: حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفى التماس الأنباء، والأفكار، وتلقيها، ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة، ودونما اعتبار للحدود.
انتهى
والحقوق والحريات المزعومة التي يدعون لها ليتمتع بها الإنسان بغض النظر عن دينه: تجعل الموحد والمشرك متساويين في تلك الحقوق والحريات، وتجعل عبد الله وعبد الشيطان في سياق واحد، وتكفل لكل عابد حجر أو وثن أو شخص أن يُعطى حقه وحريته كاملتين ليتمتع بكفره وإلحاده، وهذا مرفوض في شرع الله تعالى في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) القلم/ ٣٥، ٣٦.
وقال تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) ص/٢٨.
وقال تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ) السجدة/١٨.
وهي دعوة لإلغاء حكم الردة، ودعوة لإظهار شعائر الكفر والإلحاد، ودعوة لفتح الباب أمام كل من يريد انتقاد الإسلام، أو نبي الإسلام محمد ﷺ ، وله الحرية في النقد والتعبير دون مضايقة أو منع.
وهي مبادئ فاسدة، إن كانت تناسب حياتهم وقيَمهم ودينهم: فهي لا تناسبنا، وهي مخالفة لشرعنا المطهَّر، والذي جاء بالأحكام التي تصلح حياة الفرد والمجتمعات، وتؤسس للأخلاق الفاضلة، فتحفظ العقول والأعراض والأبدان والأموال، وتدل الناس على الدين الذي يحبه الله تعالى ويرضاه لهم.
٢. المادة ٣:
" لكل فرد حق في الحياة والحرية وفى الأمان على شخصه ".
انتهى
ومن هذه المادة انطلقت دعوات تلك المنظمات لحماية المجرمين من الإعدام، وراحت تشهر بالدول التي تقيم حدَّ الله بالرجم للزناة المحصنين، والقتل للمحاربين والمفسدين في الأرض، وتفتخر هذه المنظمات الآن بأنها أقنعت كثيراً من الدول بإلغاء عقوبة الإعدام في حق القتلة والمغتصبين والمجرمين، وهذا مخالف للفطرة، والعقل، والشرع، وهي رسالة طمأنة لهؤلاء المجرمين بأن حياتهم لن تزهق بسبب أفعالهم، وهذا من الإفساد في الأرض.
وهم يدعون لأن يكون للفرد " حق في الحياة والحرية " أي حياة وأي حرية، ولو كانت حياة البهائم، ولو كانت حرية تؤدي إلى الفساد والأمراض والإخلال بالأمن في الأسرة والمجتمع.
٣. المادة ١٦:
" ١. للرجل والمرأة متى أدركا سن البلوغ حق التزوج، وتأسيس أسرة، دون أي قيد بسبب العرق، أو الجنسية، أو الدين، وهما يتساويان في الحقوق لدى التزوج، وخلال قيام الزواج، ولدى انحلاله ".
انتهى
وفي هذه المادة إبطال لدور ولي المرأة الذي يحفظ للمرة حقها في الزواج، ويساهم مع ابنته أو أخته في حسن الاختيار، والسؤال عن دين وخلق المتقدم للزواج، ومن حكمة الله تعالى أن شرع هذا، ولو جُعل الزواج للمرأة دون موافقة وليها: لرأيت أكثر البنات قد تزوجن من يعاكسهن ويغازلهن من الذئاب البشرية، الذين يحرصون على سلب عفتها، ثم إلقائها في أقرب حاوية قمامة!
وقد جعلوا الحق في الطلاق للزوجة كما هو الحق للزوج! وهذا ما سبَّب فساد النساء على أزواجهن، وساهم في تخريب بيوتهن، ومن يعلم طبيعة الرجل والمرأة لا يمكن أن يهذي بمثل هذا الهذيان، وليست بيوت أولئك عامرة أصلا حتى نقول انظروا كيف هدموها، فمن يدعو لزواج المثليين، وحق المرأة في مصاحبة الرجال، وحقها في الزواج والطلاق: فأي بيوت يمكنها أن تقوم بهذه المبادئ التافهة؟ وأي أسرة يمكن أن تنشأ؟ .
مع التنبيه أن تقارير هذه المنظمات تستغل سياسيّاً للتضييق على الدول الإسلامية التي تراعي الفضيلة والحشمة والأخلاق، أو تطبق أحكام الشريعة أو تطبق جزءً منها! وقد ألغت بعض الدول الإسلامية عقوبة الإعدام، وشددت في قوانين الزواج المبكر للجنسين، وراعت جانب المرأة في الخلع والنفقة، وغير ذلك، مما سبَّب فساداً وشرّاً مستطيراً في جوانب كثيرة من الحياة.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15829
حكم الخروج على الحكام الذين يقترفون المعاصي والكبائر
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك من يرى أن اقتراف بعض الحكام للمعاصي والكبائر موجب للخروج عليهم ومحاولة التغيير وإن ترتب عليه ضرر للمسلمين في البلد، والأحداث التي يعاني منها عالمنا الإسلامي كثيرة، فما رأي سماحتكم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أجاب سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، فقال:
" بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فقد قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) النساء/٥٩، فهذه الآية نص في وجوب طاعة أولي الأمر، وهم الأمراء والعلماء، وقد جاءت السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ تبين أن هذه الطاعة لازمة، وهي فريضة في المعروف، والنصوص من السنة تبين المعنى، وتقيد إطلاق الآية بأن المراد طاعتهم في المعروف، ويجب على المسلمين طاعة ولاة الأمور في المعروف لا في المعاصي، فإذا أمروا بالمعصية فلا يطاعون في المعصية، لكن لا يجوز الخروج عليهم بأسبابها؛ لقوله ﷺ : (ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة) ، ولقوله ﷺ : (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية) ، وقال ﷺ : (على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) ، وسأله الصحابة ﵃ لما ذكر أنه يكون أمراء تعرفون منهم وتنكرون - قالوا: فما تأمرنا؟ قال: (أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم) . قال عبادة بن الصامت ﵁: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، وقال: (إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان) ، فهذا يدل على أنه لا يجوز لهم منازعة ولاة الأمور، ولا الخروج عليهم إلا أن يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان؛ وما ذاك إلا لأن الخروج على ولاة الأمور يسبب فساداً كبيراً، وشراً عظيماً، فيختل به الأمن، وتضيع الحقوق، ولا يتيسر ردع الظالم، ولا نصر المظلوم، وتختل السبل ولا تأمن، فيترتب على الخروج على ولاة الأمور فساد عظيم وشر كثير، إلا إذا رأى المسلمون كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان، فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان؛ لإزالته إذا كان عندهم قدرة، أما إذا لم يكن عندهم قدرة فلا يخرجوا، أو كان الخروج يسبب شراً أكثر فليس لهم الخروج؛ رعاية للمصالح العامة.
والقاعدة الشرعية المجمع عليها: (أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه، بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه، أما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين) ، فإذا كانت هذه الطائفة التي تريد إزالة هذا السلطان الذي فعل كفراً بواحاً عندها قدرة تزيله بها، وتضع إماماً صالحاً طيباً من دون أن يترتب على هذا فساد كبير على المسلمين، وشر أعظم من شر هذا السلطان فلا بأس، أما إذا كان الخروج يترتب عليه فساد كبير، واختلال الأمن، وظلم الناس، واغتيال من لا يستحق الاغتيال إلى غير ذلك من الفساد العظيم، فهذا لا يجوز، بل يجب الصبر، والسمع والطاعة في المعروف، ومناصحة ولاة الأمور، والدعوة لهم بالخير، والاجتهاد في تخفيف الشر وتقليله وتكثير الخير. وهذا هو الطريق السوي الذي يجب أن يسلك؛ لأن في ذلك مصالح للمسلمين عامة، ولأن في ذلك تقليل الشر وتكثير الخير، ولأن في ذلك حفظ الأمن وسلامة المسلمين من شر أكثر، ونسأل الله للجميع التوفيق والهداية " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٨/٢٠٢-٢٠٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15830
حكم قتل الكافر المستوطن أو الوافد المستأمن
[السُّؤَالُ]
ـ[يظن البعض من الشباب أن مجافاة الكفار - ممن هم مستوطنون في البلاد الإسلامية أو من الوافدين إليها - من الشرع، ولذلك البعض يستحل قتلهم وسلبهم إذا رأوا منهم ما ينكرون؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" لا يجوز قتل الكافر المستوطن أو الوافد المستأمن الذي أدخلته الدولة آمناً، ولا قتل العصاة ولا التعدي عليهم، بل يحالون فيما يحدث منهم من المنكرات للحكم الشرعي، وفيما تراه المحاكم الشرعية الكفاية " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٨/٢٠٧) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15831
التهرب من تولي القضاء !!
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا يأبى كثير من العلماء في الماضي والحاضر تولي مهنة القضاء، مع أنهم مؤهلون لذلك؟ هل في هذا نص أو أثر؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
منصب القضاء منصب شريف، وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به، وقد قام الأنبياء ﵈، وبعض كبار الصحابة ﵃، وبعض الأعلام من التابعين فمن بعدهم، فبالقضاء العادل أمرٌ بالمعروف، ونهي عن المنكر، ونصرة للمظلوم.
قال محمد الخادمي – ﵀:
علم القضاء من أجل العلوم قدراً، وأعزهاً مكاناً، وأشرفها ذِكراً؛ لأنه مقام عليٌّ، ومنصب نبوي، به الدماء تُعصم وتُسفح، والأبضاع تُحرَّم وتُنكَح، والأموال يثبت مِلكها ويسلب، والمعاملات يُعلم ما يجوز منها ويَحرم ويُكره ويُندب، والدليل على أن علم القضاء ليس كغيره (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث) الآية، ومنه بُعثَ الرسلِ، وبالقيام به قامت السموات والأرض، وجعله ﵊ من النِّعَم التي يُباح الحسد عليها بقوله (لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعمل بها) ، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: " لأن أقضي يوماً أحب إليَّ من عبادة سبعين سنة "، فلذلك كان العدل بين الناس من أفضل أعمال البر وعليِّ درجات الآخرة، قال الله تعالى (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين) ، فأي شيء أشرف من محبة الله.
" بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية " (٤ / ٢، ٣) .
وقال ابن قدامة – ﵀:
وفيه فضل عظيم لِمن قَوِىَ على القيام به، وأداء الحق فيه، ولذلك جعل الله فيه أجراً مع الخطأ، وأسقط عنه حكم الخطأ، ولأن فيه أمراً بالمعروف، ونصرة للمظلوم، وأداء الحق إلى مستحقه وردعاً للظالم عن ظلمه، وإصلاحاً بين الناس، وتخليصاً لبعضهم من بعض، وذلك من أبواب القرب.
ولذلك تولاه النبي ﷺ والأنبياء قبله، فكانوا يحكمون لأممهم.
وبعث ﷺ عَلِيّاً إلى اليمن قاضياً، وبعث مُعَاذاً قاضياً.
وقد روي عن ابن مسعود أنه قال: لأنْ أجلس قاضياً بين اثنين أحب إليَّ من عبادة سبعين سنة.
" المغني " (١١ / ٣٧٦) .
وفي " الموسوعة الفقهية " (٣٣ / ٢٨٩) :
ولعلوّ رتبته وعظيم فضله جعل الله فيه أجراً مع الخطأ، وأسقط عنه حكم الخطأ، قال رسول الله ﷺ : (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر) – متفق عليه - وإنما أُجِر على اجتهاده، وبذْل وسعه، لا على خطئه.
انتهى
ثانياً:
تولي القضاء قد يكون واجباً، وقد يكون مباحاً، وقد يحرم: فيحرم على من تولاه وهو جاهل بأحكام الشريعة، ويباح لمن كان يحسن القضاء ويوجد غيره يقوم به، ويجب على من يحسنه ولا يوجد غيره ليحكم بين الناس ويقضي بينهم.
قال ابن قدامة – ﵀:
والناس في القضاء على ثلاثة أضرب:
١. منهم: من لا يجوز له الدخول فيه، وهو من لا يحسنه، ولم تجتمع فيه شروطه، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (القضاة ثلاثة) – ذكر منهم رجلا قضى بين الناس بجهل فهو في النار -؛ ولأن من لا يحسنه لا يقدر على العدل فيه فيأخذ الحق من مستحقه فيدفعه إلى غيره.
٢. ومنهم: من يجوز له، ولا يجب عليه، وهو من كان من أهل العدالة والاجتهاد، ويوجد غيره مثله، فله أن يلي القضاء بحكم حاله وصلاحيته، ولا يجب عليه؛ لأنه لم يتعين له، وظاهر ككلام أحمد أنه لا يستحب له الدخول فيه؛ لما فيه من الخطر والغرر، وفي تركه من السلامة؛ ولما ورد فيه من التشديد والذم؛ ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقي، وقد أراد عثمان ﵁ تولية ابن عمر القضاء فأباه، وقال أبو عبد الله بن حامد: إن كان رجلا خاملا لا يُرجع إليه في الأحكام ولا يُعرف: فالأولى له توليه ليرجع إليه في الأحكام، ويقوم به الحق، وينتفع به المسلمون، وإن كان مشهوراً في الناس بالعلم، يُرجع إليه في تعليم العلم والفتوى: فالأولى الاشتغال بذلك؛ لما فيه من النفع، مع الأمن من الغرر، ونحو هذا قال أصحاب الشافعي، وقالوا – أيضاً -: إذا كان ذا حاجة، له في القضاء رزق: فالأولى له الاشتغال به، فيكون أولى من سائر المكاسب؛ لأنه قربة وطاعة....
الثالث: من يجب عليه، وهو من يصلح للقضاء، ولا يوجد سواه: فهذا يتعين عليه؛ لأنه فرض كفاية، لا يقدر على القيام به غيره فيتعين عليه، كغسل الميت وتكفينه.
وقد نُقل عن أحمد ما يدل على أنه لا يتعين عليه، فإنه سئل: هل يأثم القاضي إذا لم يوجد غيره؟ قال: لا يأثم.
فهذا يحتمل أنه يحمل على ظاهره في أنه لا يجب عليه؛ لما فيه من الخطر بنفسه، فلا يلزمه الإضرار بنفسه لنفع غيره، ولذلك امتنع أبو قلابة منه، وقد قيل له ليس غيرك، ويحتمل أن يحمل على من لم يمكنه القيام بالواجب لظلم السلطان أو غيره فإنَّ أحمد قال: لا بد للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟ .
" المغني " (١١ / ٣٧٦) .
وبعض أهل العلم أجرى الأحكام الخمسة في القضاء، وهي التحريم والإيجاب والندب والكراهة والإباحة.
انظر: " معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام " للشيخ علاء الدين الطرابلسي – ﵀ (ص ١٠) .
ثالثاً:
لبعض الأئمة أقوال في التحذير من تولي القضاء، وعظم خطر هذا المنصب، ومن ذلك:
١. عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لو يعلم الناس ما في القضاء ما قضوا في ثمن بعرة! ولكن لا بد للناس من القضاء، ومن إمرة، برة أو فاجرة.
" أخبَارُ القُضاة " لأبي بكر الضبي الملقب بـ" وكيع " (ص ٢١) .
٢. عن المعلى بن روبة قال: قال لي رجاء بن حيوة: ولَّى الأميرُ اليوم عبدَ الله بن موهب القضاءَ، ولو اخترت بين أن أحمل إلى حفرتي وبين ما ولي ابن موهب: لاخترت أن أُحمل إلى حفرتي؛ فقلت له: فإن الناس يتحدثون أنك أنت أشرت به؛ قال: صدِّقوا، لأني نظرت للعامة، ولم أنظر له.
" أخبَارُ القُضاة " (ص ٢٣، ٢٤) .
٣. عن مكحول قال: لأن أقدَّم فتضرب عنقي أحب إلى من أن ألي القضاء.
٤. عن رافع، أن عمر بن هبيرة دعاه ليوليه القضاء؛ فقال: ما يسرني أني وليت القضاء، وأن سواري مسجدكم هذا لي ذهباً.
٥. قال الفضيل بن عياض: إذا ولي الرجل القضاء: فليجعل للقضاء يوماً، وللبكاء يوماً.
٦. عن ابن شبرمة قال: لا تجترئ على القضاء حتى تجرئ على السيف.
" أخبَارُ القُضاة " (ص ٢٤) .
رابعاً:
قد عزف كثير من الأئمة عن تولي القضاء، بل وقبَل بعضهم بالضرب والسجن على توليه، وهرب بعضهم من بلده من أجل أن لا يتولى القضاء، ويمكن إجمال أسباب عزوف أولئك الأئمة عن القضاء بالأسباب التالية:
١. أنه يرى نفسه ليس أهلاً للقضاء، فالمعروف عن القضاء أنه يحتاج لسعة بال، وذكاء، وفطنة، وقد يرى الإمام العازف عن القضاء نفسه غير محقق لتلك الشروط.
قال الشيخ علاء الدين الطرابلسي – ﵀:
قال بعض الأئمة: وشعار المتقين " البعد عن هذا والهرب منه "، وقد ركب جماعة ممن يقتدى بهم من الأئمة المشاق في التباعد عن هذا وصبروا على الأذى.
وانظر إلى قضية أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - في الامتناع منه وصبره على الإيذاء حتى تخلص، وكذا غيره من الأئمة.
وقد هرب أبو قِلابة إلى مصر لما طلب للقضاء فلقيه أيوب فأشار إليه بالترغيب فيه، وقال له: لو ثبتَّ لنلتَ أجراً عظيماً، فقال له أبو قلابة: الغريق في البحر إلى متى يسبح؟ ! .
وكلام أبي قلابة هذا ومن تقدمه وما أشبه ذلك من التهديد والتخويف: إنما هو في حق من علم في نفسه الضعف، وعدم الاستقلال بما يجب عليه، وكذلك من يرى نفسه أهلا للقضاء والناس لا يرونه أهلا لذلك.
وقد قال بعض العلماء: لا خير فيمن يرى نفسه أهلا لشيء لا يراه الناس أهلا لذلك.
والمراد بالناس: العلماء، فهرُبُ مَن كان بهذه الصفة عن القضاء واجب، وطلبه سلامة نفسه أمر لازم.
" معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام " (ص ٩) .
٢. أنه يرى أنه غير واجب عليه، ولا مستحب، بل إن قولاً للإمام أحمد يحتمل أن يكون معناه: أنه لا يجب عليه حتى لو تعيَّن الأمر عليه، ولم يوجد غيره.
٣. أن فيه خطراً في الحكم بخلاف الحق، فيخشى العالِم على نفسه من تولي القضاء من أجل ذلك.
قال ابن قدامة – ﵀:
وفيه – أي: القضاء - خطر عظيم، ووزر كبير، لمن لم يؤدِّ الحق فيه، ولذلك كان السلف رحمة الله عليهم يمتنعون منه أشد الامتناع، ويخشون على أنفسهم خطره.
" المغني " (١١ / ٣٧٦) .
وفي " الموسوعة الفقهية " (٣٣ / ٢٨٩، ٢٩٠) :
كان كثير من السلف الصالح يحجم عن تولّي القضاء ويمتنع عنه أشد الامتناع حتى لو أوذي في نفسه؛ وذلك خشيةً من عظيم خطره، كما تدلّ عليه الأحاديث الكثيرة والتي ورد فيها الوعيد والتخويف لمن تولى القضاء ولم يؤدّ الحق فيه، كحديث: (إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تخلى عنه ولزمه الشيطان) ـ[رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني]ـ، وحديث: (من ولي القضاء أو جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكّين) – [رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني]-، وحديث: (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، رجل قضى بغير الحقّ فعلم ذاك فذاك في النار، وقاض لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في النار، وقاض قضى بالحقّ فذلك في الجنة) – [أخرجه الترمذي (٣ / ٦٠٤) والحاكم (٩٠٤) من حديث بريدة، واللفظ للترمذي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي]-. انتهى
٤. عدم القدرة على تحمل بلاء القضاء.
قال الشيخ أبو الحسن النباهي – ﵀:
ولما تقرر من بلاء القضاء: فرَّ عنه كثير من الفضلاء، وتغيبوا، حتى تركوا، وسُجن بسببه عند الامتناع آخرون، منهم أبو حنيفة، وهو النعمان بن ثابت، دعاه عمر بن هبيرة للقضاء، فأبى؛ فحبسه، وضربه أياماً، كل يوم عشرة أسواط، وهو متماد على إبايته، إلى أن تركه.
" تاريخ قضاة الأندلس " (ص ٧) .
٥. انشغالهم بما هو أهم، كانشغالهم بالرحلة في طلب العلم، وتعليم الناس.
وأخيراً: إذا كان الأئمة الأربعة – كما يروى عنهم - قد امتنعوا عن القضاء: فإن الأنبياء الكرام ﵈ والخلفاء الراشدين الأربعة قد تولوه، وباب الورع واسع لمن أراد التورع عنه.
ففي " الموسوعة الفقهية " (٣٣ / ٢٩٠) :
فقد تقلده – أي: القضاء - بعد المصطفى صلوات الله عليه وسلامه الخلفاء الراشدون، سادات الإسلام وقضوا بين الناس بالحقّ، ودخولهم فيه دليل على علوّ قدره، ووفور أجره، فإن من بعدهم تبع لهم، وَوَلِيَهُ بعدهم أئمة المسلمين من أكابر التابعين وتابعيهم، ومن كره الدّخول فيه من العلماء مع فضلهم وصلاحيتهم وورعهم، محمول كرههم على مبالغة في حفظ النفس، وسلوك لطريق السلامة، ولعلهم رأوا من أنفسهم فتوراً أو خافوا من الاشتغال به الإقلالَ من تحصيل العلوم.
انتهى
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15832
بيان هيئة كبار العلماء: في ذم الغلو في التكفير وما ينشأ عنه من أثر خطير
[السُّؤَالُ]
ـ[يلاحظ في هذه الأيام تسرع بعض الشباب في التكفير وانزلاقهم في هذا المنعطف الخطير وما يتبع ذلك من أمور لا تحمد عقباها تتعلق بالدماء والأعراض فهل من نصيحة شيخنا الفاضل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لاشك أن التسرع في التكفير، والاستهانة بالدماء والأعراض، من أخطر المنزلقات التي قد يقع فيها الشباب، بتزيين من الشيطان ومكره؛ لأن هذه المسائل الكبيرة لا ينبغي أن يتكلم فيها إلا العلماء الراسخون، والخائض فيها بغير علم، إنما يخوض في الفتنة، ويرتكس في الضلالة، لأن الخطأ في هذه المسائل ليس كالخطأ في غيرها، فالخطأ هنا يعني إخراج المسلم من دينه، وإهدار دمه، واستباحة ماله وعرضه، ولهذا كان الواجب على كل مؤمن أن يحذر من هذا المسلك، وأن يحرص على طلب العلم، ولزوم العلماء، والتفقه في الدين، قبل أن يتكلم في هذه المسائل.
وقد صدر عن هيئة كبار العلماء نصيحة بليغة، وبيان شاف في هذا الأمر، هذا نصه:
" الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فقد درس مجلس (هيئة كبار العلماء) - في دورته التاسعة والأربعين – المعنقدة بالطائف، ابتداء من تاريخ (٢/٤/١٤١٩) ما يجري في كثير من البلاد الإسلامية – وغيرها – من التكفير والتفجير، وما ينشأ عنه من سفك الدماء، وتخريب المنشآت.
ونظراً إلى خطورة هذا الأمر، وما يترتب عليه من إزهاق أرواح بريئة، وإتلاف أموال معصومة، وإخافة للناس، وزعزعة لآمنهم واستقرارهم: فقد رأى المجلس إصدار بيان يوضح فيه حكم ذلك؛ نصحا لله وعباده، وإبراء للذمة، وإزالة للبس في المفاهيم – لدى من اشتبه عليه الأمر في ذلك -.
فنقول وبالله التوفيق -:
أولا: التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله؛ فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب: إلى الله ورسوله، فكذلك التكفير.
وليس كل ما وصف بالكفر من قول أو فعل، يكون كفرا أكبر مخرجا عن الملة.
ولما كان مرد حكم التكفير إلى الله ورسوله، لم يجز أن نكفر إلا من دل الكتاب والسنة على كفره – دلالة واضحة -، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن؛ لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة.
وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات – مع أن مما يترتب عليها أقل مما يترتب عل التكفير -، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات.
ولذلك حذر النبي – ﷺ – من الحكم بالتكفير على شخص ليس بكافر، فقال (أيما امرئ قال: لأخيه يا كافر فد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه) متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄.
وقد يرد في الكتاب والسنة ما يفهم منه أن هذا القول، أو العمل، أو الاعتقاد كفر، ولا يكفر من اتصف به؛ لوجود مانع يمنع من كفره.
وهذا الحكم، كغيره من الأحكام التي لا تتم إلا بوجود أسبابها وشروطها، وانتقاء موانعها، كما في الإرث، فسببه القرابة – مثلا – وقد لا يرث بها؛ لوجود مانع كاختلاف الدين، وهكذا الكفر يُكره عليه المؤمن، فلا يكفر به.
وقد ينطق المسلم بكلمة الكفر؛ لغلبة فرح، أو غضب، أو نحوهما، فلا يكفر بها؛ لعدم القصد، كما في قصة الذي قال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح) رواه مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁.
والتسرع في التكفير يترتب عليه أمور خطيرة، من استحلال الدم والمال، ومنع التوارث، وفسخ النكاح، وغيرها مما يترتب على الردة، فكيف يسوغ للمؤمن أن يقدم عليه لأدنى شبهة؟!
وإذا كان هذا في ولاة الأمور: كان أشد؛ لما يترتب عليه من التمرد عليهم، وحمل السلاح عليهم، وإشاعة الفوضى، وسفك الدماء، وفساد العباد والبلاد؛ ولهذا منع النبي - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم – من منابذتهم، فقال: ( ... إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان) متفق عليه من حديث عبادة ﵁.
- فأفاد قوله ﵊: " إلا أن تروا " أنه لا يكفي مجرد الظن والإشاعة.
- وأفاد قوله ﵊: " كفرا " أنه لا يكفي الفسوق – ولو كبر -، كالظلم، وشرب الخمر، ولعب القمار، والاستئثار المحرم.
- وأفاد قوله ﵊: " بواحا " أنه لا يكفي الكفر الذي ليس ببواح، أي: صريح ظاهر.
- وأفاد قوله ﵊: " عندكم فيه من الله برهان " أنه لا بد من دليل صريح، بحيث يكون صحيح الثبوت، صريح الدلالة، فلا يكفي الدليل ضعيف السند، ولا غامض الدلالة.
- وأفاد قوله ﵊: " من الله ": أنه لا عبرة بقول أحد من العلماء مهما بلغت منزلته في العلم والأمانة، إذا لم يكن لقوله دليل صريح صحيح من كتاب الله، أو سنة رسوله – ﷺ .
وهذه القيود تدل على خطورة الأمر.
وجملة القول: أن التسرع في التكفير له خطره العظيم؛ لقول الله – عزوجل -: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) الأعراف / ٣٢.
ثانيا: ما نجم عن هذا الاعتقاد الخاطئ من استباحة الدماء، وانتهاك الأعرض، وسلب الأموال الخاصة والعامة، وتفجير المساكن والمركبات، وتخريب المنشآت، فهذه الأعمال – وأمثالها – محرمة شرعا – بإجماع المسلمين -؛ لما في ذلك من هتك لحرمة الأنفس المعصومة، وهتك لحرمات الأموال، وهتك لحرمات الأمن والاستقرار، وحياة الناس الآمنين المطمئنين في مساكنهم ومعايشهم، وغدوهم ورواحهم، وفيه هتك للمصالح العامة التي لا غنى للناس في حياتهم عنها.
وقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم، وأعراضهم، وأبدانهم، وحرم انتهاكها، وشدد في ذلك، وكان من آخر ما بلغ به النبي – ﷺ – أمته، فقال في خطبة حجة الوادع: (إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم؛ عليكم حرام: كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ثم قال – ﷺ : ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد) متفق عليه من حديث أبي بكرة ﵁.
وقال – ﷺ : (كل المسلم على المسلم حرام دمه، وماله، وعرضه) رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁.
وقال – ﵊: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) رواه مسلم من حديث جابر ﵁.
وقد توعد الله – سبحانه – من قتل نفسا معصومة بأشد الوعيد، فقال – سبحانه – في حق المؤمن: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جنهم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) النساء / ٩٣.
وقال سبحانه في حق الكافر - الذي له ذمة - إذا قتل الخطأ: (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة) النساء / ٩٢.
فإذا كان الكافر الذي له أمان إذا قتل خطأ فيه دية والكفارة، فكيف إذا قتل عمدا؟! فإن الجريمة تكون أعظم، والإثم يكون أكبر.
وقد صح عن رسول الله – ﷺ – أنه قال: (من قتل معاهداً، لم يرح رائحة الجنة) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
ثالثا: إن المجلس إذ يبين حكم التكفير الناس – بغير برهان من كتاب الله وسنة رسوله – ﷺ –، وخطورة إطلاق ذلك؛ لما يترتب عليه من شرور وآثام -، فإنه يعلن للعالم: أن الإسلام برئ من هذا المعتقد الخاطئ، وأن ما يجري في بعض البلدان من سفك للدماء البريئة، وتفجير للمساكن والمركبات، والمرافق العامة والخاصة وتخريب للمنشآت: هو عمل إجرامي، والإسلام منه برئ، وهكذا كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر برئ منه، وإنما هو تصرف من صاحب فكر منحرف، وعقيدة ضالة، فهو يحمل إثمه وجرمه، فلا يحتسب عمله علي الإسلام، ولا علي المسلمين المهتدين بهدي الإسلام، المعتصمين بالكتاب والسنة، المستمسكين بحبل الله المتين، وإنما هو محض إفساد وإجرام تأباه الشريعة والفطرة؛ ولهذا جاءت نصوص الشريعة بتحريمه؛ محذرة من مصاحبة أهله:
قال تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد * وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد) البقرة / ٢٠٤.
والواجب على جميع المسلمين – في كل مكان – التواصي بالحق، والتناصح، والتعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن؛ كما قال الله – : (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب) البقرة / ٢.
وقال – سبحانه-: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) التوبة / ٧١.
وقال النبي – ﷺ : (الدين النصيحة [ثلاثا] ، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلم من حديث تميم الداري ﵁.
وقال – ﵊: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) متفق عليه من حديث النعمان بن بشير ﵄.
والآيات والأحاديث – في هذا المعنى – كثيرة.
نسأل الله سبحانه ـ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ـ أن يكف البأس عن جميع المسلمين، وأن يوفق جميع ولاة أمور المسلمين إلى ما فيه صلاح العباد والبلاد، وقمع الفساد والمفسدين، وأن ينصر بهم دينه، ويعلى بهم كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين – جميعا – في كل مكان، وأن ينصر بهم الحق إنه ولي ذلك، والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمد، وآله، وصحبه " انتهى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15833
هل يقاطع رحِمه الذين يعملون المعاصي ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز لي مقاطعه أحد الأرحام بسبب تعامله بالربا، ويبيع أراضي لليهود، ومطعمه حرام؟ وهل يجوز طرح السلام عليه؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أوجب الله صلة الأرحام وحرَّم قطيعتها، قال تعالى: (وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى) النساء/٣٦، وقال تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ) الروم/٣٨، وقال تعالى: (وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) النساء/١.
والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهي توجب صلة الأرحام، وتُحرِّم قطيعتها، وقد لعن الله قاطع الرحم؛ قال تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) محمد/٢٢،٢٣.
فقطيعة الرحم كبيرة من كبائر الذنوب بلا خلاف يُعلم.
ثانياً:
الهجر للمسلم إما أن يكون على أمرٍ من أمور الدنيا، كالشجار بسبب الأولاد، وإما أن يكون بسبب أمرٍ شرعي، كفعل بدعة أو ارتكاب معصية.
فإن كان بسبب أمرٍ دنيوي، فلا يحل الهجر لأكثر من ثلاثة أيام، مع أنه ممنوع أصلاً، وإن كان بسببٍ شرعي فيجوز البقاء على الهجر لأكثر من ذلك، حتى يدع بدعته أو يتوب من معصيته.
وقد يكون الهجر بسبب البدعة أو المعصية، سبباً في أن يزيد في بدعه ومعاصيه، ولا يحقق المصلحة في الهجر؛ فحينئذٍ لا يجوز الهجر؛ لأن الهجر شرع لغاية التأديب والتنفير عن الاستمرار في المخالفة للشرع، فإذا لم يحقق مقصوده فلا يهجر، بل يسلك طرقاً أخرى في الإنكار، كالترغيب والترهيب والموعظة الحسنة أو الهدية، وغير ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وأما هجر التعزير فمثل هجر النبي ﷺ أصحابَه الثلاثة الذين خُلِّفوا، وهجر عمر والمسلمين لصبيغ، فهذا من نوع العقوبات، فإذا كان يحصل بهذا الهجر حصول معروف أو اندفاع منكر: فهي [يعني: عقوبة الهجر] مشروعة، وإن كان يحصل بها من الفساد ما يزيد على فساد الذنب، فليست مشروعة.
" مجموع الفتاوى " (٢٨ / ٢١٦، ٢١٧) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀ – وقد سئل عن الموقف ممن يفعل بعض الكبائر -:
من يتهم بهذه المعاصي تجب نصيحته وتحذيره منها ومن عواقبها السيئة، وأنها من أسباب مرض القلوب وقسوتها وموتها، أما من أظهرها وجاهر بها: فالواجب أن يُقام عليه حدُّها، وأن يُرفع أمره إلى ولاة الأمور، ولا تجوز صحبتهم، ولا مجالستهم، بل يجب هجرهم لعل الله يهديهم ويمنُّ عليهم بالتوبة، إلا أن يكون الهجر يزيدهم شرّاً: فالواجب الإنكار عليهم دائماً بالأسلوب الحسن والنصائح المستمرة حتى يهديهم الله، ولا يجوز اتخاذهم أصحاباً، بل يجب أن يستمر في الإنكار عليهم وتحذيرهم من أعمالهم القبيحة.
" فتاوى إسلامية " (٤ / ٥٢٠) .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
فإن كان في الهجر مصلحة أو زوال مفسدة بحيث يكون رادعاً لغير العاصي عن المعصية، أو موجباً لإقلاع العاصي عن معصيته، كان الهجر حينئذٍ جائزاً، بل مطلوباً طلباً لازماً، أو مرغباً فيه، حسب عظم المعصية التي هجر من أجلها ... .
أما اليوم فإن كثيراً من أهل المعاصي لا يزيدهم الهجر إلاّ مكابرة وتمادياً في معصيتهم، ونفوراً وتنفيراً عن أهل العلم والإيمان؛ فلا يكون في هجرهم فائدة لهم ولا لغيرهم.
وعلى هذا فنقول:
الهجر دواء يستعمل حيث كان فيه الشفاء، وأما إذا لم يكن فيه شفاء، أو كان فيه إشفاء - وهو الهلاك -: فلا يستعمل.
فأحوال الهجر ثلاث:
إما أن تترجح مصلحته: فيكون مطلوباً.
وإما أن تترجح مفسدته: فينهى عنه بلا شك.
وإما أن لا يترجح هذا ولا هذا: فالأقرب النهي عنه؛ لعموم قول النبي ﷺ : (لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة) .
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٣ / السؤال رقم ٣٨٥) .
وقال الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله -:
هجر المؤمن لا يجوز فوق ثلاثة أيام إذا كان على أمر من أمور الدنيا، بل عليه أن يصالح أخاه وأن يُسلِّم عليه إذا لقيه، ومع أنه لا ينبغي ابتداءاً أن يهجر على أمر من أمور الدنيا، ولكن لو حصل شيء من الهجر: فإنه لا يتجاوز ثلاثة أيام، وهذا هو المراد بالحديث: (لا يَحِلُّ لمؤمن أن يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاث) يعني: إذا كان الهجر على أمر من أمور الدنيا.
أما إذا كان الهجر لأجل معصية ارتكبها ذلك المهجور، وكانت هذه المعصية من كبائر الذنوب، ولم يتركها: فإنه يجب مناصحته وتخويفه بالله ، وإذا لم يمتنع عن فعل المعصية ولم يتب: فإنه يُهجَر؛ لأن في الهجر تعزيراً له وردعًا له لعله يتوب؛ إلا إذا كان في هجره محذور؛ بأن يُخشى أن يزيدَ في المعصية وأن يترتب على الهجر مفسدة أكبر؛ فإنه لا يجوز هجره في هذه الحالة؛ فهجر العاصي إنما يجوز إذا كان من ورائه مصلة ولا يترتب عليه مضرة أكبر.
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (١ / ٢٧٣، ٢٧٤) .
ثالثاً:
حكم السلام على صاحب البدعة والمعصية حكم الهجر، والأمر يدور على المصلحة وانتفاع المهجور، فإن كان الهجر يحدث فيه تغييراً للأفضل، فيُلحق السلامُ بالهجر فلا يسلَّم عليه، فإن كان الهجر غير مؤثر فيه: تُرك الهجر وتُرك الامتناع عن السلام.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
الهجر إذا كان فيه مصلحة بالنسبة للفاسق: فاهجره، وإلا لا تهجره، لو مررت بشخصٍ يشرب الدخان - والدخان معصية وحرام، والإصرار عليه ينزل صاحبه من مرتبة العدالة إلى مرتبة الفسوق -: سلِّم عليه إذا رأيت أن هجره لا يفيد، سلِّم عليه ربما إذا سلمتَ عليه ووقفت معه وحدثته بأن هذا حرام، وأنه لا يليق بك: ربما يمتثل ويطفئ السيجارة ولا يعود، لكن لو أنك لم تسلِّم عليه، كبر ذلك في نفسه وكرهك وكره ما تأتي به من نصيحة، حتى لو أصر على المعصية: سلِّم عليه وانصحه.
" لقاءات الباب المفتوح " (١٦٥ / السؤال رقم ٨) .
وانظر للأهمية: جواب السؤال رقم (٢١٨٧٨) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15834
هل يجوز تصويت المسلمين للكفار الأخف شراً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض المسلمين الذين يعيشون في بلاد غير إسلامية يريدون معرفة جواز المشاركة في الانتخابات والتصويت لأحزاب غير إسلامية. يقولون بأن بعض الأحزاب المعينة ستخدم المسلمين هناك إذا فازوا في الانتخابات.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه من مسائل الفتوى التي يختلف فيه الحكم بحسب الزمان والمكان والأحوال فلا يطلق فيها حكم عام في جميع الصور الواقعة أو المتوقعة.
ففي بعض الحالات لا يسوغ فيها التصويت كما إذا كان الأمر لا أثر له على المسلمين، أو كان المسلمون لا أثر لهم في التصويت، فإدلاؤهم وعدمه سواء، وكذا لو كان الحال متشابهة ومتساوية بالنسبة للمصوّت لهم لاستوائهم في الشر أو الموقف من المسلمين..
وقد تكون المصلحة الشرعية مقتضية للتصويت من باب تخفيف الشر وتقليل الضرر، كما لو كان المرشحون من غير المسلمين لكن أحدهم أقل عداوة للمسلمين من الآخر، وكان تصويت المسلمين مؤثرا في الاقتراع فلا بأس بالتصويت له في مثل هذه الحال.
وعلى كل حال فهذه من مسائل الاجتهاد المبنية على قاعدة المصالح والمفاسد ينبغي أن يرجع فيها إلى أهل العلم العارفين لضوابط هذا الأصل، وأن يُعرض عليهم الأمر بتفاصيله في حال البلد الذي تعيش فيه الجالية المسلمة وقوانينه وحال المرشّحين وأهمية التصويت وجدواه ونحو ذلك.
وليس لأحد أن يتوهم أن من قال بالتصويت أنه مقرر للكفر مؤيد له، وإنما ذلك لمصلحة المسلمين لا محبة للكفر وأهله، وقد فرح المسلمون بانتصار الروم على الفرس، كما فرح المسلمون في الحبشة بانتصار النجاشي على من نازعه الملك كما هو معروف في السيرة ومن أراد التورع فله ذلك، وهذا الجواب في موضوع انتخاب الأشخاص في المواقع المؤثّرة. والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15835
هل يجوز مبايعة الحاكم الكافر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز مبايعة حاكم كافر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
البيعة عهد على الطاعة، وهو عقد شرعي بين المبايِع والمبايَع وهو الأمير أو الخليفة.
وتنعقد البيعة للخليفة بعد اختيار أهل الحل والعقد له، وهم الذين توفرت فيهم شروط الأمانة وحسن الرأي.
وفي " الموسوعة الفقهية " (٩ / ٢٧٤) :
"البيعة اصطلاحاً - كما عرّفها ابن خلدون في " مقدّمته " -: العهد على الطّاعة، كأنّ المبايع يعاهد أميره على أن يسلّم له النّظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلّفه به من الأمر على المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده: جعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، وصارت البيعة تقترن بالمصافحة بالأيدي" انتهى.
وفيها – أيضاً – (٩ / ٢٧٨) :
"اختيار أهل الحلّ والعقد للإمام وبيعتهم له هي الأصل في انعقاد الإمامة، وأهل الحلّ والعقد هم العلماء وجماعة أهل الرّأي والتّدبير، الّذين اجتمع فيهم العلم بشروط: الأمانة، والعدالة، والرّأي" انتهى.
وكما أنه يشترط لأهل الحل والعقد شروط يجب توافرها فيهم: فكذلك للخليفة المبايَع شروط يجب توافرها فيه، وبعض هذه الشروط مختلف فيها، وبعضها الآخر متفق عليه، وشرط الإسلام لم يختلف عليه أحد من أهل العلم؛ لأن مقتضى البيعة تطبيق شرع الله تعالى، وإقامة الحدود، وحراسة الثغور، فكيف سيطبق كافرٌ شرع الله تعالى، ويقوم بهذه الأعمال؟! بل إن كان مسلماً وطرأ عليه الكفر: فإنه يُعزل؛ لكفره.
قال ابن حزم ﵀ – في بيان شروط الإمامة -:
"وأن يكون مسلماً، لأن الله تعالى يقول: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) والخلافة أعظم السبيل، ولأمره تعالى بإصغار أهل الكتاب، وأخذهم بأداء الجزية" انتهى.
" الفصَل في الملل والأهواء والنحَل " (٤ / ١٢٨) .
وقال النووي ﵀:
"قال القاضي: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر: انعزل" انتهى.
" شرح مسلم " (١٢ / ٢٢٩) .
وفي " الموسوعة الفقهية " (٦ / ٢١٨) :
"يَشترط الفقهاء للإمام شروطاً، منها ما هو متّفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه.
فالمتّفق عليه من شروط الإمامة:
أ. الإسلام؛ لأنّه شرط في جواز الشّهادة وصحّة الولاية على ما هو دون الإمامة في الأهمّيّة، قال تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً) ، والإمامة - كما قال ابن حزمٍ: - أعظم " السّبيل "، وليراعي مصلحة المسلمين" انتهى.
وعليه: فلا يجوز مبايعة الحاكم الكافر، ولو طرأ الكفر عليه فإنه يُعزل بالشروط المعروفة عند أهل العلم.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15836
حكم استهداف المصالح النفطية
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعنا جميعا عن الاعتداء الإرهابي الذي حصل على مدينة بقيق واستهدف المصالح النفطية فيه، نرجو توجيهكم في حكم هذه الأعمال الإجرامية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
المنشآت النفطية جزء من المال العام الذي لا يجوز الاعتداء عليه بأي صورة من صور الاعتداء كالنهب أو السرقة أو التدمير أو التفجير، وفاعل ذلك معتد آثم متجاوز حدود الله، وجنايته على المال العام أعظم من جنايته على المال الخاص المملوك لآحاد الناس؛ لتعلق حق العامة به، ولهذا جاء الوعيد الشديد في الأخذ من المال العام، كما روى البخاري (٣٠٧٣) ومسلم (١٨٣١) عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ قَالَ: (لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ وَعَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ وَعَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ أَوْ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ) .
وعليه فمن استهدف هذه المنشآت بعمل من أعمال التخريب أو التفجير فهو باغ ظالم، وإن ظن ذلك قربة إلى الله فهو من أجهل الناس، لأنه يعتدي على مال الأمة، ويضار بها في أرزاقها ومواردها.
قال سماحة مفتي عام المملكة في التعليق على هذا الحادث الإجرامي: " وبالجملة فهذا مال المسلمين العام، والمال هو قوام الحياة، وبه استقامة أمور الدنيا والدين. ألم يقل الله : (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) .
فبأي حجة بل وبأي مبرر سوّغ هؤلاء الأشرار لأنفسهم محاولة الاعتداء عليه والسعي في تدميره؟ إنما هو تزيين الشيطان لأهل الغواية، فهم كما قال الله تعالى: (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا) , ويقول تعالى: (وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين) " انتهى كلامه حفظه الله.
ثانيا:
إذا تضمن تدمير المنشآت الاعتداء على الأنفس فهذه جناية أخرى أعظم وأطم؛ فإن (زَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ) كما قال ﷺ . [رواه الترمذي (١٣٩٥) والنسائي (٣٩٨٧) وابن ماجه (٢٦١٩) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو] .
وقال ﷺ : (لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا) رواه البخاري (٦٨٦٢) .
وقال ﷺ : (إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ) رواه البخاري (٦٨٦٣) .
وهؤلاء الآمنون لا ذنب لهم إلا قيامهم على حفظ هذا المال العام، فهم قائمون بواجبهم، فأي وجه للاعتداء عليهم وإزهاق أرواحهم، وماذا يقول المجرم حين يتعلق به المقتول تشخب أوداجه دما ويقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟
ثم إن هذا العمل المنكر لا يقتصر ضرره على قتل رجل أو رجلين، بل هو منذر بهلاك الجم الغفير من الناس القاطنين في المدن والقرى المجاورة، لولا أن الله تعالى حفظ وسلم ورد كيد الكائد.
ولاشك أنه كلما عظمت المفاسد والآثار السيئة كلما تبين شناعة الجرم وعظم المعصية.
والحاصل أن هذا العمل الإجرامي لا يستريب طالب علم في تحريمه وتجريمه، ووصفه بالفساد والإفساد والجهل والطيش، والمسلمون جميعا مطالبون بالوقوف في وجهه، صيانة للمحرمات، وحفظا للأموال التي بها قوام الحياة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 15837
هل يجوز في الشريعة الإسلامية أن تكون المرأة حاكمة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز في الشريعة الإسلامية أن تكون المرأة حاكمة؟ أتمنى أن يكون هناك دليل من القرآن.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يُشْكر الأخ السائل على حرصه على معرفة واتباع الأدلة من القرآن الكريم، ولكن لا يلزم في كل مسألة أن يكون لها دليل خاص من القرآن، بل كثير من الأحكام إنما ثبتت أدلتها بالسنة النبوية الصحيحة، ولم تثبت بالقرآن، والواجب على المسلم اتباع أدلة القرآن والسنة جميعاً. قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) النساء/٥٩.
فأمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وأمر برد المسائل المتنازع فيها إلى كتابه وسنة رسوله ﷺ .
وقال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) الحشر/٧.
وروى ابن ماجه (١٢) عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ الْكِنْدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي، فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ ، مَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) . صححه الألباني في صحيح الجامع (٨١٨٦) .
ثانياً:
دلت الأدلة من الكتاب والسنة على عدم جواز تولي المرأة للولايات العامة، كالخلافة والوزارة والقضاء وما أشبه ذلك.
١- أدلة القرآن:
قال الله : (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) النساء / ٣٤.
قال القرطبي:
قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) أي: يقومون بالنفقة عليهن، والذب عنهن، وأيضاً: فإنَّ فيهم الحكام والأمراء ومن يغزو، وليس ذلك في النساء اهـ. "تفسير القرطبي" (٥ / ١٦٨) .
وقال ابن كثير:
أي: الرجل قيِّم على المرأة، أي: هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت.
(بما فضَّل الله بعضهم على بعض) أي: لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك المُلك الأعظم، لقوله ﷺ : (لن يفلح قوم ولَّوا أمرَهم امرأة) رواه البخاري، وكذا منصب القضاء اهـ. "تفسير ابن كثير" (١ / ٤٩٢) .
٢- أدلة السنة:
عن أبي بكرة قال: لما بلغ رسولَ الله ﷺ أن أهل فارس قد ملَّكوا عليهم بنت كسرى، قال: (لن يُفلح قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأة) . رواه البخاري (٤١٦٣) .
قال الشوكاني في "نيل الأوطار" (٨/٣٠٥) :
فيه دليل على أن المرأة ليست من أهل الولايات، ولا يحل لقوم توليتها، لأنه يجب عليهم اجتناب ما يوقعهم في عدم الفلاح اهـ بتصرف.
وقال الماوردي - في معرض كلامه عن الوزارة -:
ولا يجوز أن تقوم بذلك امرأة، لقول النبي ﷺ : (ما أفلح قومٌ أسندوا أمرهم إلى امرأة) ؛ ولأن فيها من طلب الرأي وثبات العزم ما تضعف عنه النساء، ومن الظهور في مباشرة الأمور ما هو عليهن محظور اهـ "الأحكام السلطانية " (ص ٤٦) .
وقال ابن حزم ﵀ في معرض حديثه عن الخلافة -:
ولا خلاف بين أحدٍ في أنها لا تجوز لامرأة اهـ "الفصل في الملل والأهواء والنحل" (٤ / ١٢٩) .
وفي "الموسوعة الفقهية" (٢١ / ٢٧٠) :
اتفق الفقهاء على أن من شروط الإمام الأعظم أن يكون ذكرا، فلا تصح ولاية امرأة، لقوله ﷺ : (لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة) ، ولكي يتمكن من مخالطة الرجال، ويتفرغ لتصريف شئون الحكم ; ولأن هذا المنصب تناط به أعمال خطيرة , وأعباء جسيمة , تلائم الذكورة اهـ.
وسئل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى السؤال التالي:
ما موقف الشرع الإسلامي الحنيف من ترشيح امرأة نفسها لرئاسة الدولة، أو رئاسة الحكومة، أو الوزارة؟
فأجاب:
تولية المرأة واختيارها للرئاسة العامة للمسلمين لا يجوز، وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على ذلك، فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿الرجال قوَّامون على النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض﴾ ، والحكم في الآية عام شامل لولاية الرجل وقوامته في أسرته، وكذا في الرئاسة العامة من باب أولى، ويؤكد هذا الحكم ورود التعليل في الآية، وهو أفضلية العقل والرأي وغيرهما من مؤهلات الحكم والرئاسة.
ومن السنَّة: قوله ﷺ لما ولَّى الفرسُ ابنةَ كسرى: (لن يفلح قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأة) ، رواه البخاري.
ولا شك أن هذا الحديث يدل على تحريم تولية المرأة لإمرة عامة، وكذا توليتها إمرة إقليم أو بلد؛ لأن ذلك كله له صفة العموم، وقد نفى الرسول ﷺ الفلاح عمَّن ولاها، والفلاح هو الظفر والفوز بالخير.
وقد أجمعت الأمة في عهد الخلفاء الراشدين وأئمَّة القرون الثلاثة المشهود لها بالخير عمليّاً على عدم إسناد الإمارة والقضاء إلى امرأة، وقد كان منهن المتفوقات في علوم الدين، اللاتي يُرجع إليهن في علوم القرآن والحديث والأحكام، بل لم تتطلع النساء في تلك القرون إلى تولي الإمارة، وما يتصل بها من المناصب، والزعامات العامة، ثم إن الأحكام الشرعية العامة تتعارض مع تولية النساء الإمارة؛ فإن الشأن في الإمارة أن يتفقد متوليها أحوال الرعية، ويتولى شؤونها العامة اللازمة لإصلاحها؛ فيضطر إلى الأسفار في الولايات، والاختلاط بأفراد الأمة، وجماعاتها، وإلى قيادة الجيش أحياناً في الجهاد، وإلى مواجهة الأعداء في إبرام عقود ومعاهدات، وإلى عقد بيعات مع أفراد الأمَّة، وجماعتها، رجالاً ونساء في السلم والحرب ونحو ذلك، مما لا يتناسب مع أحوال المرأة وما يتعلق بها من أحكام شرعت لحماية عرضها، والحفاظ عليها من التبذل الممقوت.
وأيضاً: فإن المصلحة المدركة بالعقل تقتضي عدم إسناد الولايات العامة لهن، فإن المطلوب فيمن يُختار للرئاسة أن يكون على جانب كبير من كمال العقل، والحزم، والدهاء، وقوة الإرادة، وحسن التدبير، وهذه الصفات تتناقض مع ما جُبلت عليه المرأة من نقص العقل، وضعف الفكر، مع قوة العاطفة، فاختيارها لهذا المنصب لا يتفق مع النصح للمسلمين، وطلب العز والتمكين لهم، والله الموفق، وصلى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه اهـ "مجلة المجتمع" (العدد ٨٩٠) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15838
حكم قتل الأجانب في بلاد المسلمين
[السُّؤَالُ]
ـ[فضيلة الشيخ ما رأيكم في العمليات التي تحدث في بلاد المسلمين وتستهدف قتل الأجانب ولكنها تؤدي إلى قتل عدد من المسلمين أيضا وتدمير بعض المباني والمنشآت، وهل هذا من الجهاد كما يقول منفذوها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
هذه العمليات التي تحدث في بلاد المسلمين وتستهدف كما ذكرت الأجانب، ليست جهادا، بل هي فساد وإفساد، وتخريب وتشويه، وهي دالة على جهل مرتكبيها وطيشهم، فإن هؤلاء الأجانب مستأمنون في بلاد المسلمين، لم يدخلوها إلا بإذن، فلا يجوز الاعتداء عليهم، لا بالضرب ولا بالنهب، فضلا عن القتل، فدماؤهم وأموالهم معصومة، والمتعرض لهم على خطر كبير، كما روى البخاري (٣١٦٦) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) .
وهذا شامل للذمي والمعاهد والمستأمن.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في "فتح الباري": " وَالْمُرَاد بِهِ مَنْ لَهُ عَهْد مَعَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاء كَانَ بِعَقْدِ جِزْيَة أَوْ هُدْنَة مِنْ سُلْطَان أَوْ أَمَان مِنْ مُسْلِم " انتهى.
وفي قوله ﵀: " أو أمان من مسلم " إشارة إلى ما هو معروف عند الفقهاء من أن الأمان لا يشترط أن يكون من الحاكم والسلطان، بل يجوز أن يكون من رجل من عامة المسلمين، وهؤلاء الأجانب المشار إليهم يدخلون بلاد المسلمين بأمان من دولة المسلمين أو بأمان من أحد من المسلمين، فلا يجوز التعرض لهم ولو كانوا في الأصل محاربين.
وقد روى البخاري (٣١٧١) ومسلم (٣٣٦) عن أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ﵂ قال: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ فَقُلْتُ أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ وَذَلِكَ ضُحًى) .
قال ابن قدامة ﵀: " (ومن أعطاهم الأمان منا ; من رجل , أو امرأة , أو عبد , جاز أمانه) وجملته أن الأمان إذا أعطي أهل الحرب , حرم قتلهم ومالهم والتعرض لهم. ويصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار , ذكرا كان أو أنثى , حرا كان أو عبدا. وبهذا قال الثوري , والأوزاعي , والشافعي , وإسحاق , وابن القاسم , وأكثر أهل العلم " انتهى من "المغني" (٩/١٩٥) .
ثانيا:
إذا نقض المستأمن أو المعاهد عهده لم يجز لآحد المسلمين قتله؛ لما يترتب على ذلك من المفاسد، وقد ترك النبي ﷺ قتل عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس النفاق مخافة أن يقال إن محمدا يقتل أصحابه، وهكذا ليس لآحاد المسلمين قتل من ظهرت ردته وزالت عصمته؛ للمعنى الذي ذكرنا، وكم جر هذا من الشر والبلاء على أهل الإسلام، وكم حصل به من التضييق على الدعوة الإسلامية والدعاة، وكم استغله المغرضون لتشويه صورة الحق وأهله.
ثالثا:
أما التسبب في قتل المسلمين المعصومين، فذلك جرم كبير، وذنب عظيم؛ فإن (زَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ) كما قال ﷺ . [رواه الترمذي (١٣٩٥) والنسائي (٣٩٨٧) وابن ماجه (٢٦١٩) من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو] .
وما يدعيه هؤلاء من الاستشهاد بمسألة التترس مردود عليهم، وهو دال على جهلهم وظلمهم، فإنا نمنع قتل الكافر المباح الدم لو كان وحده - لما ذكرنا من المفسدة - فكيف إذا انضاف إلى ذلك قتل غيره من معصومي الدم.
فبان بهذا أن فعل هؤلاء ظلمات بعضها فوق بعض، وأن منشأها الجهل والعجلة وعدم الرجوع إلى أهل العلم الذين أمرنا بسؤالهم ورد الأمر إليهم، وقد انتظمت كلمة الثقات الأثبات من أهل العلم على منع هذه العمليات وتجريمها لكونها محرمة من أصلها أو لما يترتب عليها من المفاسد والشرور.
فعلى كل امرئ أن يتقي الله تعالى، وأن يحذر أشد الحذر من إخفار ذمة المسلم، وسفك الدم الحرام، وجلب الشر على أهل الإسلام.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 15839
هل يقلد الصوفية للتمويه بسبب الضغوط الأمنية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[نحن في بلدنا للأسف يلاحَق السلفيون أمنيّاً، فهل يجوز لي أن أقلد الصوفية في بعض البدع غير المكفرة للتورية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله تعالى أن يفرّج كربكم، ويزيل همكم، وأن يعلي راية السنة.
ثانياً:
لا بدَّ من التفريق بين حال توقع حصول الضرر بالوهم، وحال غلبة الظن بحصوله، أو اليقين، أما الأوهام فغير معتبرة للوقوع في المحذور من أجلها؛ وأما الضرر اليقيني فهو مبيح للأخذ بالرخصة في فعل المحذور، وأما ما كان بغلبة الظن فهو متردد بين الحكمين، وهو إلى الأخذ بالرخصة أقرب.
ثالثاً:
حد الضرر المبيح للوقوع في المحرم ليس هو الضرر اليسير كالتحقيق والاعتقال لأيام قليلة أو الطرد من الوظيفة، بل هو ما كان غير محتمل من الأذى والعقوبة المتعلقة بالدين والبدن والعقل والعرض، ولا بدَّ أن يكون المهدِّد بالضرر قادراً على تنفيذ قوله، وكذا أن يكون المكرَه عاجزاً عن دفعه.
قال ابن قدامة المقدسي – ﵀:
ومن شرط الإكراه ثلاثة أمور أحدها: أن يكون من قادر بسلطان، أو تغلب كاللص ونحوه، وحكي عن الشعبي: إن أكرهه اللص: لم يقع طلاقه، وإن أكرهه السلطان وقع، قال ابن عيينة: لأن اللص يقتله والسلطان لا يقتله " انظر: [مصنف عبد الرزاق: ١١٤٢٢] .
وعموم ما ذكرناه في دليل الإكراه يتناول الجميع، والذين أكرهوا عماراً لم يكونوا لصوصا ً , وقد قال النبي ﷺ – لعمار: " إن عادوا فعُد "؛ ولأنه إكراه، فمنع وقوع الطلاق، كإكراه اللصوص.
الثاني: أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به إن لم يجبه إلى ما طلبه.
الثالث: أن يكون مما يستضر به ضرراً كثيرا ً , كالقتل والضرب الشديد، والقيد , والحبس الطويل، فأما الشتم والسب فليس بإكراه رواية واحدة، وكذلك أخذ المال اليسير.
فأما الضرر اليسير: فإن كان في حق من لا يبالي به: فليس بإكراه، وإن كان في بعض ذوي المروءات، على وجه يكون إخراقاً بصاحبه، وغضّاً له، وشهرة في حقه، فهو كالضرب الكثير في حق غيره.
وإن توعد بتعذيب ولده , فقد قيل: ليس بإكراه لأن الضرر لا حق بغيره، والأولى أن يكون إكراها، لأن ذلك عنده أعظم من أخذ ماله؛ والوعيد بذلك إكراه , فكذلك هذا.
" المغني " (٧ / ٢٩٢) .
رابعاً:
قد كان المسلمون الأوائل في مكة من أصحاب النبي ﷺ يخفون إسلامهم، ولم يكن يقتضي هذا منهم إظهار شعائر الكفر، فالذي نراه في حالتكم: أنكم لا تتسببون في لفت الأنظار إليكم بالمناقشات والتحرشات بالمخالفين من أهل البدعة، وإذا اضطررتم لدفع الضر عنكم بمجالسة أهل البدعة فليكن ذلك حيث لا يكونون متلبسين ببدعتهم، فيمكنك حضور دروس لهم – مثلاً – فقهية أو لغوية، مع ضرورة التنبه أنه لم تعُد مثل هذه التصرفات بخافية على أهل البدع والضلالة، فنوصيكم بالصبر على الدعوة، وتوقع حصول الأذى، ولا يجوز لكم التحرش بهم لجلب الضرر لكم ولدعوتكم، فعليكم التحلي بالأخلاق الفاضلة حين دعوة الناس وحين الإنكار عليهم، واسألوا الله تعالى أن يخفف وطأة أهل البدع ومن ينصرهم عليكم.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15840
هل يشترط إذن الإمام للجهاد في سبيل الله ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يشترط إذن الإمام للجهاد في سبيل الله؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سبق في جواب السؤال رقم (٢٠٢١٤) حكم الجهاد وأنواعه، وفيه أنه يكون فرض عين إذا هجم العدو على المسلمين، ففي هذه الحال يجب قتالهم على كل مسلم، ولا يشترط إذن الإمام حينئذٍ.
أما الجهاد الذي يقصد منه الفتح، ودعوة الكفار إلى الإسلام، وقتال من أبى الخضوع لحكم الله، فهذا لا بد فيه من إذن الإمام، وبذلك تنضبط الأمور.
قال ابن قدامة ﵀:
" وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك " انتهى.
"المغني" (١٠ / ٣٦٨) .
وإذن الإمام مانع من الفوضى التي يمكن أن تنشأ من إعلان بعض المسلمين الحرب على أعداء الله دون تقدير لظروفهم وقوتهم وقوة عدوهم.
قال علماء اللجنة الدائمة:
" الجهاد لإعلاء كلمة الله وحماية دين الإسلام والتمكين من إبلاغه ونشره وحفظ حرماته فريضة على من تمكن من ذلك وقدر عليه، ولكنه لا بد له من بعث الجيوش وتنظيمها خوفاً من الفوضى وحدوث ما لا تحمد عقباه؛ ولذلك كان بدؤه والدخول فيه من شأن ولي أمر المسلمين، فعلى العلماء أن يستنهضوه لذلك، فإذا ما بدأ واستنفر المسلمين فعلى من قدر عليه أن يستجيب للداعي إليه مخلصاً وجهه لله، راجياً نصرة الحق، وحماية الإسلام، ومن تخلف عن ذلك مع وجود الداعي وعدم العذر: فهو آثم " انتهى.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ١٢) .
واجتماع الناس من قبَل الإمام يزيدهم قوة، فضلاً عن التزامهم بالواجب الشرعي في طاعته فيما لم يخالف فيه شرع الله، وبذلك يكون المسلمون المجاهدون صفّاً واحداً يجتمعون على نصرة الدين وحماية شرع الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين , بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع , لحاجة بعضهم إلى بعض , ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس , حتى قال النبي ﷺ : (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) رواه أبو داود من حديث أبى سعيد وأبى هريرة , وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم) فأوجب تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيهاً بذلك على سائر أنواع الاجتماع؛ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود , لا تتم إلا بالقوة والإمارة , ولهذا روي " أن السلطان ظل الله في الأرض "، ويقال: " ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان " والتجربة تبين ذلك " انتهى.
" مجموع الفتاوى " (٢٨ / ٣٩٠، ٣٩١) .
وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
" لا يجوز غزو الجيش إلا بإذن الإمام مهما كان الأمر؛ لأن المخاطب بالغزو والجهاد هم ولاة الأمور وليس أفراد الناس , فأفراد الناس تبع لأهل الحل والعقد , فلا يجوز لأحد أن يغزو دون إذن الإمام إلا على سبيل الدفاع، إذا فاجأهم عدو يخافون شره وأذاه فحينئذ لهم أن يدافعوا عن أنفسهم , لتعين القتال إذًا.
وإنما لم يجز ذلك لأن الأمر منوط بالإمام , فالغزو بلا إذنه افتيات عليه , وتعد على حدوده , ولأنه لو جاز للناس أن يغزوا بدون إذن الإمام لأصبحت المسألة فوضى , كل من شاء ركب فرسه وغزا , ولأنه لو مكن الناس من ذلك لحصلت مفاسد عظيمة , فقد تتجهز طائفة من الناس على أنهم يريدون العدو وهم يريدون الخروج على الإمام , أو يريدون البغي على طائفة من الناس , كما قال الله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) الحجرات/٩، فلهذه الأمور الثلاثة ولغيرها – أيضاً – لا يجوز الغزو إلا بإذن الإمام " انتهى.
" الشرح الممتع " (٨ / ٢٢) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15841
هل يحرم القتال إذا كان مقابل كل شخص أكثر من عشرة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[حينما يكثر عدد المعاندين والكافرين في الجهاد كثرة تزيد عن مائتين مقابل عشرين من المسلمين. لا يجوز أن نشارك في الحرب لأن الله تبارك وتعالي عين عددا في الحرب. هل هذا صحيح أم لا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا خلاف بين الفقهاء في وجوب الثبات في الجهاد، وتحريم الفرار؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) الأنفال/١٥، ١٦، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) الأنفال/٤٥.
وقول النبي ﷺ : (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ. وذكر منها: وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ) رواه البخاري (٢٥٦٠) ومسلم (١٢٩) .
إلا أنه يستثنى من ذلك ثلاثة مواضع:
الأول: أن يكون الفرار تحرُّفا لقتال، ويأتي بيان التحرّف.
الثاني: أن يكون الفرار تحيزا إلى فئة من المسلمين، ولو بَعُدَت.
الثالث: أن يزيد عدد الكفار على ضعف المسلمين، فيجوز الفرار حينئذ. وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أهل المذاهب الأربعة، واستدل الجمهور بقوله تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) الأنفال/٦٦.
فلا يجوز لعشرة أن يفروا من عشرين، ولا لمائة أن يفروا من مائتين، فإن زاد الكفار عن الضعف جاز الفرار.
وهذا تخفيف من الله تعالى، وهو نسخ لوجوب مصابرة العشرين للمائتين، والمائة للألف، الوارد في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) الأنفال/٦٥.
وقول السائل: إنه لا يجوز أن نشارك في الحرب حينئذ، غير صحيح. ففرق بين قولنا: يجوز الفرار، وقولنا: يجب الفرار أو يحرم القتال. فلو أن المسلمين ثبتوا مع أضعافهم جاز ذلك، وهذا ما كان عليه حال المسلمين في أكثر معاركهم، لا سيما المعارك العظيمة الفاصلة كالقادسية واليرموك.
وينبغي التنبه إلى أنه إن هجم العدو على بلاد المسلمين، وجب الدفع، ولو كان الكفار أضعاف المسلمين، ولا يجوز الفرار حينئذ إلا للتحرف لقتال أو التحيز إلى فئة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وقتال الدفع: مثل أن يكون العدو كثيرا لا طاقة للمسلمين به، لكن يُخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلّفون من المسلمين. فههنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يَسْلَموا. ونظيرها: أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المقاتِلة أقل من النصف، فإن انصرفوا استولوا على الحريم، فهذا وأمثاله قتال دفع، لا قتال طلب، لا يجوز الانصراف فيه بحال، ووقعة أحد من هذا الباب " انتهى من "الاختيارات الفقهية" ص ٢٥٨
وإليك كلاما نافعا لابن قدامة ﵀، يبين هذه المسألة، ويوضح معنى التحرّف والتحيز، قال ﵀: "إذا التقى المسلمون والكفار وجب الثبات، وحرم الفرار، بدليل قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار) الآية. وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) وذكر النبي ﷺ الفرار يوم الزحف، فعده من الكبائر ...
وإنما يجب الثبات بشرطين: أحدهما: أن يكون الكفار لا يزيدون على ضعف المسلمين، فإن زادوا عليه جاز الفرار، لقول الله تعالى: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين) . وهذا إن كان لفظه لفظ الخبر، فهو أمر ... قال ابن عباس: نزلت: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) فشق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ثم جاء تخفيف فقال: (الآن خفف الله عنكم) إلى قوله: (يغلبوا مائتين) فلما خفف الله عنهم من العدد، نقص من الصبر بقدر ما خفف من العدد. رواه أبو داود.
وقال ابن عباس: من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فما فر.
الثاني: أن لا يقصد بفراره التحيّز إلى فئة، ولا التحرف لقتال، فإن قصد أحد هذين: فهو مباح له؛ لأن الله تعالى قال: (إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة) . ومعنى التحرّف للقتال: أن ينحاز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن، مثل أن ينحاز من مواجهة الشمس أو الريح إلى استدبارهما، أو من نزلة إلى علو، أو من معطشة إلى موضع ماء، أو يفر بين أيديهم لتنتقض صفوفهم، أو تنفرد خيلهم من رجالتهم، أو ليجد فيهم فرصة، أو ليستند إلى جبل، ونحو ذلك مما جرت به عادة أهل الحرب ...
وأما التحيز إلى فئة: فهو أن يصير إلى فئة من المسلمين ليكون معهم، فيقوى بهم على عدوهم، وسواء بعدت المسافة أو قربت. قال القاضي: لو كانت الفئة بخراسان والفئة بالحجاز، جاز التحيز إليها، ونحوه ذكر الشافعي، لأن ابن عمر روى أن النبي ﷺ قال: إني فئة لكم، وكانوا بمكان بعيد منه، وقال عمر: أنا فئة كل مسلم، وكان بالمدينة وجيوشه بمصر والشام والعراق وخراسان. رواهما سعيد.
وقال عمر: رحم الله أبا عبيدة لو كان تحيز إلي لكنت له فئة ".
ثم قال ابن قدامة ﵀: "وإذا كان العدو أكثر من ضعف المسلمين، فغلب على ظن المسلمين الظفر، فالأولى لهم الثبات؛ لما في ذلك من المصلحة، وإن انصرفوا جاز؛ لأنهم لا يأمنون العطب، والحكم عُلق على مظنته، وهو كونهم أقل من نصف عددهم، ولذلك لزمهم الثبات إذا كانوا أكثر من النصف وإن غلب على ظنهم الهلاك فيه.
ويحتمل أن يلزمهم الثبات إن غلب على ظنهم الظفر؛ لما فيه من المصلحة.
وإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة، والنجاة في الانصراف، فالأولى لهم الانصراف، وإن ثبتوا جاز، لأن لهم غرضا في الشهادة، ويجوز أن يغلبوا أيضا" انتهى من "المغني" (٩/٢٥٤) .
وكلامه الأخير واضح في جواز القتال مع القلّة، بل ومع غلبة الظن بحصول الهلاك، خلافا لما ظنه السائل.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15842
هل يوكلون محام لشخص حكمت عليه محكمة دولة أجنبية على شخص بالتسفير
[السُّؤَالُ]
ـ[أخ قبضت عليه الشرطة الفرنسية، وحكمت عليه بالتفسير إلى بلده، فهل يجوز لنا أن نقدم له مساعدة، بتوكيل محامي بأجرة يدافع عنه أم أن هذا من التعاون على الإثم والعدوان؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كان بقاء هذا الأخ في بلاد غير المسلمين له مسوغ شرعي، مثل كونه داعية مؤهلاً لدعوة غير المسلمين أو يقوم بوظائف مهمة للجالية الإسلامية كالإمامة والخطابة والتعليم وغير ذلك أو تحتاج إلى علاج لا يوجد في بلاد المسلمين أو جاء لتجارة مباحة يقضيها ويرجع إلى بلاد المسلمين أو لتعلم علم يحتاجه المسلمون ولا يوجد في بلاده، أو لكونه هارباً من فتن فاراً بنفسه منها، ونحو ذلك من الأعذار، وعنده من العلم والإيمان ما يدفع به الشبهات والشهوات عن نفسه فأن مساعدتكم له صحيحة شرعاً وتؤجرون عليها، وتكون من باب التعاون على البر والتقوى والدفاع عن أخيكم المسلم وإلا فلا تفعلوا.
وقد تختلفون في تقييم موضعه، فعليكم برأي أهل الخبرة بالواقع وبحال هذا الأخ.
وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15843
متى يُقتل غير المسلم
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت أن قتل المسلم في الدين الإسلامي يعد معصية كبيرة بالمقارنة مع قتل غير المسلم. لكن عند الموت، فإن المسلم يدخل الجنة بينما يدخل غير المسلم النار.
إن قتل غير المسلم فيه حرمان له من إمكانية دخوله في الإسلام للأبد، وحكم عليه بدخول النار.
أليست تلك (قتل غير المسلم) معصية عظيمة إذن؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قتل غير المسلم إذا كان مُعاهدا معصية وكبيرة من كبائر الذنوب، فقد روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال ﷺ : " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإنّ ريحها يوجد من مسيرة أربعين يوما ". وأما الكافر الحربي غير المعاهد وغير الذمّي فالمسلم مأمور بقتله لقوله تعالى: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة) وهذا إنما يكون في الجهاد مع إمام من أئمة المسلمين أو من ينوب عنه.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الكريم الخضير.
стр. 15844
هل يحلق لحيته إذا سافر إلى بلد يؤذي فيه الملتحون
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للرجل أن يحلق لحيته إذا احتاج إلى الذهاب إلى بلد يؤذى فيه الملتحون؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ينبغي أن نذكر أولاً بالتحذير من السفر إلى بلاد المشركين أو البلاد التي يكثر فيها الفساد والمُجُون. قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِمَ قَالَ لا تَرَايَا نَارَاهُمَا) رواه الترمذي (١٦٠٤) وصححه الألباني في صحيح الترمذي
ويمكنك الرجوع إلى السؤال رقم (٢١٣٤٤) ورقم (٨٩١٩) .
فإذا كانت حاجة الإنسان إلى السفر إلى مثل هذه البلاد حاجة قوية لابد له منها، أو حاجة عامة للمسلمين فإنه يباح له هذا السفر، مع أمره بأن يتعلم من أحكام الدين ما يحتاجه في مثل هذه البلاد، وأن يبتعد من مواطن الفتنة في دينه قدر طاقته، سواء كانت فتن الشهوات المبذولة في بلاد الكفر، أو فتن الشبهات التي يلقيها أعداء الدين بصور خفية أو ظاهرة، لزعزعة الإيمان في قلوب الناس. (راجع السؤال ٦١٥٤)
فإذا كان من لازم هذا السفر أن يحلق لحيته، كأن تكون حاجته في مكان يمنع منه الملتحون، أو كان يتعرض ـ من أجل لحيته ـ إلى أذىً، لا يتحمله مثله فقد أفادنا الشيخ ابن جبرين أنه:
إذا كان لا مناص له من الذهاب إلى تلك البلاد، أو كان في ذهابه إليها تقوية للمسلمين، فلا بأس أن يحلق لحيته، وأما إن كان ذهابه لمغانم دنيوية، أو كان الأذى الذي يتعرض له يمكن احتماله، فلا يجوز له حلقها.
مع التنبيه على أنه إذا كان يكفي لدفع الأذى عن نفسه أن يخفف لحيته ويأخذ منها فإن هذا أهون من حلقها.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15845
حكم التجنّس بالجنسية الأوربية للمسلم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم التجنّس بالجنسية الأوربية للمسلم الذي يأتي للبلاد الأوروبية فارّاً بدينه من الظلم الذي وقع عليهه في بلده الأصلي،، وفقد فيه هويته، وفقد أمل الرجوع إلى وطنه.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
للجواب على هذا السؤال يلزم بيان أمرين:
الأول: كون الإقامة في بلد الكفار جائزة.
الثاني: قيام الحاجة إلى أخذ الجنسية. تفصيل الأمر الأول: الإقامة في بلاد الكفار لا تجوز إلا بالشروط الآتية:
١- وجود الحاجة الشرعية المقتضية للإقامة في بلادهم ولا يمكن سدّها في بلاد المسلمين، مثل التجارة، والدعوة، أو التمثيل الرسمي لبلد مسلم، أو طلب علم غير متوفر مثله في بلد مسلم من حيث الوجود، أو الجودة والإتقان، أوالخوف على النفس من القتل أو السجن أو التعذيب، وليس مجرد الإيذاء والمضايقة، أو الخوف على الأهل والولد من ذلك، أوالخوف على المال.
٢- أن تكون الإقامة مؤقتة، لا مؤبّدة، بل ولا يجوز له أن يعقد النية على التأبيد، وإنما يعقدها على التأقيت؛ لأن التأبيد يعني كونها هجرة من دار الإسلام إلى دار الكفر، وهذا مناقضة صريحة لحكم الشرع في إيجاب الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام. ويحصل التأقيت بأن ينوي أنه متى زالت الحاجة إلى الإقامة في بلد الكفار قطع الإقامة وانتقل.
٣- أن يكون بلد الكفار الذي يريد الإقامة فيه دار عهد، لا دار حرب، وإلا لم يجز الإقامة فيه. ويكون دار حرب إذا كان أهله يحاربون المسلمين.
٤- توفر الحرية الدينية في بلد الكفار، والتي يستطيع المسلم بسببها إقامة شعائر دينه الظاهرة.
٥- تمكنه من تعلم شرائع الإسلام في ذلك البلد. فإن عسر عليه لم تجز له الإقامة فيه لاقتضائها الإعراض عن تعلم دين الله.
٦- أن يغلب ظنه بقدرته على المحافظة على دينه، ودين أهله وولده. وإلا لم يجز له؛ لأن حفظ الدين أولى من حفظ النفس والمال والأهل. فمن توفرت فيه هذه الشروط -وما أعسر توفرها- جاز له أن يقيم في بلاد الكفار، وإلا حرم عليه؛ للنصوص الصريحة الواضحة التي تحرم الإقامة فيها، وتوجب الهجرة منها، وهي معلومة، وللخطورة العظيمة الغالبة على الدين والخلق، والتي لا ينكرها إلا مكابر.
ثانياً: تحقق الحاجة الشرعية لأخذ الجنسية، وهي أن تتوقف المصالح التي من أجلها أقام المسلم في دار الكفار على استخراج الجنسية، وإلا لم يجز له، لما في استخراجها من تولى الكفار ظاهراً، وما يلزم بسببها من النطق ظاهراً بما لا يجوز اعتقاده ولا التزامه، كالرضا بالكفر أو بالقانون، ولأن استخراجها ذريعة إلى تأبيد الإقامة في بلاد الكفار وهو أمر غير جائز - كما سبق - فمتى تحقق هذان الأمران فإني أرجو أن يغفر الله للمسلم المقيم في بلاد الكفار ما أقدم عليه من هذا الخطر العظيم، وذلك لأنه إما مضطر للإقامة والضرورة تتيح المحظورة، وإما للمصلحة الراجحة على المفسدة، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ: خالد الماجد عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة في جامعة الإمام مححمد بن سعود الإسلامية) .
стр. 15846
لمن تكون البيعة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجب على كل مسلم أن يبايع شخصاً بيده كما فعل الصحابة مع الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
البيعة لا تكون إلا لولي أمر المسلمين. يبايعه أهل الحل والعقد، وهم العلماء والفضلاء ووجوه الناس، فإذا بايعوه ثبتت ولايته، ولا يجب على عامة الناس أن يبايعوه بأنفسهم، وإنما الواجب عليهم أن يلتزموا طاعته في غير معصية الله تعالى.
قَالَ الْمَازِرِيّ: يَكْفِي فِي بَيْعَةِ الإِمَامِ أَنْ يَقَع مِنْ أَهْل الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَلا يَجِب الاسْتِيعَاب , وَلا يَلْزَم كُلّ أَحَدٍ أَنْ يَحْضُرَ عِنْدَهُ وَيَضَع يَدَهُ فِي يَدِهِ , بَلْ يَكْفِي اِلْتِزَامُ طَاعَتِهِ وَالانْقِيَادُ لَهُ بِأَنْ لا يُخَالِفَهُ وَلا يَشُقَّ الْعَصَا عَلَيْهِ اهـ نقلاً من فتح الباري.
وقال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:
أَمَّا الْبَيْعَة: فَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لا يُشْتَرَط لِصِحَّتِهَا مُبَايَعَة كُلّ النَّاس , وَلا كُلّ أَهْل الْحَلّ وَالْعِقْد , وَإِنَّمَا يُشْتَرَط مُبَايَعَة مَنْ تَيَسَّرَ إِجْمَاعهمْ مِنْ الْعُلَمَاء وَالرُّؤَسَاء وَوُجُوه النَّاس ,. . . وَلا يَجِب عَلَى كُلّ وَاحِد أَنْ يَأْتِيَ إِلَى الأَمَام فَيَضَع يَده فِي يَده وَيُبَايِعهُ , وَإِنَّمَا يَلْزَمهُ الانْقِيَادُ لَهُ , وَأَلا يُظْهِر خِلافًا , وَلا يَشُقّ الْعَصَا اهـ
وما ورد من الأحاديث في السنة فيه ذكر البيعة فالمراد بيعة الإمام، كقوله ﷺ : " ومن مات وليس في عنقه بيعة مات مِيتة جاهلية " رواه مسلم (١٨٥١) .
وقوله ﷺ : " ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر" رواه مسلم (١٨٤٤) .
وقوله ﷺ : " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما " رواه مسلم (١٨٥٣) .
فهذا كله في بيعة الإمام ولا شك.
قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في جواب عن بيعة الجماعات المتعددة: (البيعة لا تكون إلا لولي أمر المسلمين، وهذه البيعات المتعددة مبتدعة، وهي من إفرازات الاختلاف، والواجب على المسلمين الذين هم في بلد واحد وفي مملكة واحدة أن تكون بيعتهم واحدة لإمام واحد، ولا يجوز المبايعات المتعددة) المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان ١/٣٦٧
وأما ما يتعلق بصفة البيعة للإمام، فإنها تكون في حق الرجال بالقول وبالفعل الذي هو المصافحة.
وتقتصر في حق النساء على القول، وهذا ثابت في أحاديث مبايعة الصحابة لرسول الله ﷺ .
ومن ذلك قول عائشة ﵂: " لا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط، غير أنه يبايعهن بالكلام" (رواه البخاري ٥٢٨٨ ومسلم ١٨٦٦) .
قال النووي ﵀ في شرحه: (فيه أن بيعة النساء بالكلام من غير أخذ كف. وفيه أن بيعة الرجال بأخذ الكف مع الكلام) انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15847
ما هي وظيفة خليفة المسلمين
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي وظيفة خليفة المسلمين؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الماوردي – في بيان ما يلزم الإمام من أعمال -: والذي يلزمه من الأمور العامة عشرة أشياء:
أحدها: حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه أوضح له الحجة وبين له الصواب وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروسا من خلل والأمة ممنوعة من زلل.
الثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعم النصفة، فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم.
الثالث: حماية البيضة والذب عن الحريم ليتصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار آمنين من تغرير بنفس أو مال.
والرابع: إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك.
والخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرما أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دما.
والسادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله.
والسابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصا واجتهادا من غير خوف ولا عسف.
والثامن: تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير.
التاسع: استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال، لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة والأموال بالأمناء محفوظة.
العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلا بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين ويغش الناصح، وقد قال الله تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾ ، فلم يقتصر الله سبحانه على التفويض دون المباشرة ولا عذره في الاتباع حتى وصفه بالضلال، وهذا وإن كان مستحقا عليه بحكم الدين ومنصب الخلافة فهو من حقوق السياسة لكل مسترع قال النبي ﵊: " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ".
...
وإذا قام الإمام بما ذكرناه من حقوق الأمة فقد أدى حق الله تعالى فيما لهم وعليهم، ووجب له عليهم حقان الطاعة والنصرة ما لم يتغير حاله.
[الْمَصْدَرُ]
" الأحكام السلطانية " (ص ١٩، ٢٠)
стр. 15848
أسئلة متنوعة حول العصبية والانتماء للوطن
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت أتناقش مع زملائي عن الجنسية في العالم الإسلامي وهنا بعض الأسئلة أرجو أن تجيب عليها:
١- ما حكم الاحتفال بيوم الاستقلال؟
٢- هل هي عصبية أم جاهلية أم حرام؟
٣- ما هو التعريف الصحيح للعصبية في ميزان الشريعة؟
٤- كيف يجب أن نشعر كمسلمين تجاه البلاد التي ولدنا عليها وتربينا عليها ونشأنا فيهاوتعلمنا فيها وعملنا فيها؟ هل حب هذه الأرض من العصبية؟ هل يجوز أن نحتفل بالأعياد الوطنية مع أنها لا تتوافق مع تعاليم شريعتنا؟ وما هي الاحتفالات الوطنية التي يجوز الاحتفال بها؟
٥- ماذا عن استعمال جواز سفر بلد معين إذا كان الانتماء إلى بلد معين يعتبر من الجاهلية والعصبية؟
٦- هل هناك أمثلة عن الصحابة رضوان الله عليهم على حبهم لبلادهم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا يجوز الاحتفال بيوم الاستقلال ولا بما يشابهه من الأيام، لأن فيها تشبهاً بالكفار، ومن وجه آخر فيها ابتداع، فمثل هذه الاحتفالات جمعت بين المعصية والبدعة.
قال ابن القيم:
والعيد ما يعتاد مجيئه وقصده مِن مكان وزمان، فأما الزمان: فكقوله يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام، رواه أبو داود وغيره، وأما المكان: فكما روى أبو داود في " سننه " أن رجلا قال: يا رسول الله إني نذرت أن أنحر إبلا بـ " بوانة " فقال: أبها وثن من أوثان المشركين؟ أو عيد من أعيادهم؟ قالا: لا، قال: فأوف بنذرك، وكقوله " لا تجعلوا قبري عيداً ".
والعيد مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإذا كان اسماً للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة أو لغيرها كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله تعالى عيداً للحنفاء ومثابة كما جعل أيام التعبد فيها عيداً، وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر وأيام منى، كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بالكعبة البيت الحرام وعرفة ومنى والمشاعر.
" إغاثة اللهفان " (١ / ١٩٠) .
ومما نهي عنه المسلمون: التشبه بالكفار، وخاصة في أعيادهم، ومسألة الأعياد والاحتفالات البدعية من أكثر ما تساهل فيه المسلمون بعد القرون الفاضلة؛ فقد سارع كثير منهم إلى التشبه بالأمم الأخرى في أعيادها واحتفالاتها، فأحدث بعضهم بدعة الاحتفال بالمولد النبوي، والاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، وتلك الأعياد الوطنية والقومية التي تزداد يوماً بعد يوم بين المسلمين.
وقد نقلنا في جوابنا على السؤال رقم (١٠٠٧٠) فتوى اللجنة الدائمة في العيد الوطني وغيره من الأعياد، فلينظر.
ثانياً:
ومثل هذه الاحتفالات المحرَّمة والمبتدعة تثير العصبية والعنصرية، وفيها الإقرار بما فعله المستعمر من تقسيم أراضي المسلمين وجعلهم دولاً وشعوباً مشتتة ومتفرقة.
قال الله تعالى: ﴿ياأيُّها النَّاسُ إنَّا خَلَقْناكُمْ من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شُعُوباً وقبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكرمكُمْ عندَ الله أتقاكُمْ إنَّ الله عليمٌ خبير﴾ الحجرات / ١٣.
خلق الله تعالى آدم وحواء وجعل من ذريَّتهما الشعوب والقبائل والأجناس والألوان، فالناس كلُّهم من آدم وحواء، ولا تفاضل بين لون وآخر، أو عرق وآخر، بل كلهم متساوون أمام الله تعالى من حيث الأصل؛ والأتقى لربه هو الأفضل والأكرم عند الله .
ومهما تشعَّب الناس بعد ذلك إلى أمم وبلدان وأجناس فإنما تشعُّبهم هذا ما هو إلا كتشعُّب الأسرة الواحدة، والإخوة من أب واحد وأم واحدة.
وهذه العصبية التي تظهر الآن في أكثر البلدان للجنس أو العرق أو اللون أو الوطن هي من نوع العصبية القديمة التي كانت تتفجر بين الأوس والخزرج، وهي من بقايا الجاهلية ورواسبها •
لقد كان بين الأوس والخزرج حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة، وثارات وضغائن وفتن، وكان بينهم قتال شديد، حتى جاء الإسلام، فدخلوا فيه، فأصبحوا بنعمة الله إخواناً •
وبعد أن أصلح الإسلام شأنهم وأصبحوا متحدين متعاونين، مرَّ رجل من اليهود بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الألفة والتعاون والوفاق، فبعث رجلاً معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكّرهم ما كان بينهم من حروبهم، ففعل فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوسهم وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم، وطلبوا أسلحتهم، وتواعدوا إلى الحرَّة (مكان بالمدينة) ، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأتاهم فجعل يسكّنهم، ويقول: " أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ "، وتلا عليهم هذه الآية: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذا كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبيِّن الله لكم آياته لعلكم تهتدون﴾ آل عمران / ١٠٣، فعندما تلا عليهم الرسول ﷺ هذه الآية ندموا على ما كان منهم، وتصالحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح •
رابعاً:
لا يمنع الإسلام من أن يحب المسلمُ بلدَه ووطنه الذي عاش فيه وتربى، لكن المنكَر هو عقد الولاء والبراء عليه، وجعل المحبة والبغض بسببه، فليس من ينتمي إلى بلدك وينتسب إليها بأقرب إليك من المسلم في بلادٍ أخرى، فلا ينبغي أن يكون سبب الموالاة والمعاداة هو الانتماء للوطن أو عدم الانتماء له، بل الولاء والبراء، والحب والبغض ميزانها جميعاً: الإسلام والتقوى.
فالنبي ﷺ كان يحب مكة لأنها أحب البلاد إلى الله، ولم يكن ليحب كفارها، بل قاتلهم لما حاربوا الدين وقاتلوا المسلمين، ولم يكن هو ولا أصحابه ليقدموا حبهم لمكة على شرع الله تعالى، فلما حرَّم الله تعالى على المهاجرين من مكة الرجوع إليها بعد هجرتهم منها إلا للمناسك وثلاثة أيام بعدها التزموا هذا ولم يمكثوا فيها أكثر من تلك المدة، فلم يكن حبهم لمكة ليجعلهم يعصون الله تعالى فضلاً عن وقوعهم فيما هو أشد من ذلك.
واليوم ترى العصبية للوطن قد بلغت مبلغاً عظيماً فتعظم المشاهد الشركية لأنها في وطنه، ويُعظم علَم الدولة لأنه يمثل البلد، فيقف له الناس وقفة تعظيم وإجلال لا تجدها عندهم في صلاتهم ولا بين يدي ربهم ﵎.
خامساً:
لا يعتبر استعمال جواز السفر من الجاهلية والعصبية لأن المقصود منه هو مجرد التعريف بالشخص وبالبلد الذي ينتمي إليه، ثم لو حدث أن بعض الناس استعمله على سبيل التفاخر والاستعلاء على غيره أو التعصب لبلده كان ذلك مذموماً.
سادساً:
قد ذكرنا حبَّ النبي ﷺ لمكة وأنه قدَّم طاعة ربه على حبه لها.
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لمكة: ما أطيبك من بلد، وأحبك إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيرَك.
رواه الترمذي (٣٩٢٦) وصححه الترمذي والألباني في " صحيح الجامع " (٥٥٣٦) .
ويمكنك الوقوف على شيء من هذا عند الصحابة ومن بعدهم بالنظر في تراجمهم، والذي يظهر أن حب النبي ﷺ والصحابة لمكة كان بسبب كونها أحب البلاد إلى الله كما ورد في رواية الترمذي الأخرى رقم (٣٩٢٥) (إنكِ لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله) صححه ابن حجر.
لكن الحب الفطري من الإنسان للمكان الذي نشأ فيه أمر لا يتعلق به ذمّ شرعي ما لم يشغل عما هو أولى من الطاعات، ولهذا نجد الصحابة ﵁ من المهاجرين والأنصار تركوا بلادهم وخرجوا بدعوة الإسلام ينشرونها في البلدان فصار خروجهم من أجل الغايات والمعاني أسمى من تعلقهم بالأرض والمباني.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15849
لا يجوز هجر المسلم لاختلاف وجهات النظر
[السُّؤَالُ]
ـ[أعلم أنه يجوز للمسلم أن يغضب على أخيه مدة لا تتجاوز ٣ أيام، وأن خيرهما الذي يبدأ بالسلام، لكن إذا كنت لا أرى هذا الأخ إلا مرة واحدة في الأسبوع أو ما يقارب ذلك، فهل يجوز لي أن أعرض عنه بعد مواجهته ٣ مرات، أم أن علي أن أتقيد بالحد المذكور (٣ أيام فقط) ؟ إن أنا فعلت، فإن الأخ سوف لن يعي أني مستاء منه، أعلم أن هذا الأسلوب ليس من الأساليب الحسنة التي يحرص المسلم على التخلق بها، لكن قد يحصل أن يقوم أحد الإخوة بفعل شيء ما، فأقرر إشعاره أني لا أوافقه فعله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هجر المسلم لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال: " لا يحل لرجل أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام " رواه البخاري (٥٧٢٧) ومسلم (٢٥٦٠) ، ولا سيما إذا كان المؤمن قريباً لك أخاً أو ابن أخ أو عمّاً أو ابن عم فإن الهجر في حقِّه يكون أشد إثماً.
اللهم إلا إذا كان على معصية، وكان في هجره مصلحة، بحيث يقلع عن هذه المعصية فلا بأس به، لأن هذا من باب إزالة المنكر، وقد قال النبي ﷺ : " من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " رواه مسلم (٤٩) ، والأصل أن هجر المؤمن لأخيه المؤمن محرّم حتى يوجد ما يقتضي الإباحة.أ. هـ.
انظر " فتاوى منار الإسلام " لابن عثيمين ج/ ٣ ص/٧٣٢.
وقال ولي الدين العراقي:
هذا التحريم محله في هجرانٍ ينشأ عن غضب لأمر جائز لا تعلق له بالدين، فأما الهجران لمصلحة دينية من معصية أو بدعة: فلا مانع منه، وقد أمر النبي ﷺ بهجران كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع ﵃، قال ابن عبد البر: وفي حديث كعب هذا دليل على أنه جائز أن يهجر المرء أخاه إذا بدت له منه بدعة أو فاحشة يرجو أن يكون هجرانه تأديباً له وزجراً عنها، وقال أبو العباس القرطبي: فأما الهجران لأجل المعاصي والبدعة فواجب استصحابه إلى أن يتوب من ذلك ولا يختلف في هذا، وقال ابن عبد البر – أيضاً -: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث إلا أن يخاف من مكالمته وصلته ما يفسد عليه دينه أو يولد به على نفسه مضرة في دينه أو دنياه، فإن كان كذلك رخص له في مجانبته، ورب صرم جميل خير من مخالطة مؤذية.
" طرح التثريب " (٨ / ٩٩) .
والذي ينبغي عليك إذا ارتكب أخوك محرّماً مناصحته وبيان حرمة هذا الأمر وأنه لا يجوز، وتذكّيره بالله، فإذا رأيت منه تمادياً على هذه المعصية ورأيت أن المصلحة في هجره فهذا حكمه الجواز كما سبق، وأما إن كان مجرّد فعل لا توافقه عليه، أو اختلاف وجهات النظر فبيّن له عدم موافقتك لفعله أو خطأه في وجهة نظره، أما أن تجعل من هجره إشعاراً بعدم موافقته فهذا قد يؤدي به إلى عدم القبول منك أصلاً، فضلاً عن أنه لا يعتبر ذلك مسوغاً شرعيّاً لهجره أكثر من ثلاثة أيام، وسبق في فتوى الشيخ ابن عثيمين أن الأصل في الهجر الحرمة حتى يوجد ما يقتضي الإباحة.
والواجب على المسلم أن يكون واسع الصدر، ناصحاً لإخوانه، وأن يتحمّل منهم ويغض الطرف عن هفواتهم، لا أن يستعجل في اتخاذ حل قد يكون سبباً للقطيعة والهجر المحرّم، وفّق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15850
حال المسلمين في القدس
[السُّؤَالُ]
ـ[ما رأيكم فيما يحدث في الأراضي المقدسة وماذا تكون النتيجة النهائية؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا شك أن ما يحدث للمسلمين في الأراضي المقدسة من تضييق وتعذيب وتشريد وقتل وأذى، أمر يحزن له كل مسلم، بل يحزن له كل من أوتي عقلا وإنصافا ورحمة من غير المسلمين، لما يرون من الاعتداء السافر على حرمات أناس آمنين، يراد إخراجهم من ديارهم، وإحلال العدو الغاصب مكانهم، وهو عدو يملك ترسانة من الأسلحة المتطورة، يواجه بها قوما عزلا، قد حيل بينهم وبين وسائل الدفاع والحماية.
وقد صمد هذا الشعب المسلم ما يزيد على خمسين عاما، واجه فيها صورا لا تنتهي من الغطرسة والصلف الصهيوني، الذي لا يقيم وزنا لكرامة الإنسان، ولا يعبأ بعهد ولا ميثاق، ولا يرضخ لشريعة ولا قانون، إلا ما تمليه عليه أهواؤه، ويزينه له أحبار السوء، وكهنة الحروب، المتعطشون للدماء والشر.
أما النتيجة فمعلومة واضحة، يعرفها المسلم كما يعرفها اليهودي، وهي أن العاقبة المتقين، وأن حزب الله هم الغالبون، وأن الظالم لن يجني أمنا واستقرارا ورخاء، بل خوفا وقلقا وخزيا وعارا، إلى أن يأتي اليوم الذي يعود فيه المسلمون إلى دينهم، ويحكموا شريعة ربهم، ثم يلقوا اليهود في قتال، يتواجه فيه الفريقان، ويصف فيه المعسكران، فتكون الغلبة والنصر لأهل الإيمان.
روى البخاري (٢٩٢٦) ومسلم (٢٩٢٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ إِلا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ ".
نسأل الله تعالى أن يعجل بعودة المسلمين إلى دينهم وأن ييسر لهم أسباب النصر وأن يقر أعيننا بنصرة دينه وخذلان أعدائه، وأن يعلي درجة من أوذي أو عذب أو قتل في سبيله.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 15851
حل القضية الفلسطينية
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف السبيل وما هو المصير في القضية الفلسطينية التي تزداد مع الأيام تعقيداً وضراوة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن المسلم ليألم كثيراً، ويأسف جداً من تدهور القضية الفلسطينية من وضع سيئ إلى وضع أسوأ منه، وتزداد تعقيداً مع الأيام، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في الآونة الأخيرة، بسبب اختلاف الدول المجاورة، وعدم صمودها صفاً واحداً ضد عدوها، وعدم التزامها بحكم الإسلام الذي علق الله عليه النصر، ووعد أهله بالاستخلاف والتمكين في الأرض، وذلك ينذر بالخطر العظيم، والعاقبة الوخيمة، إذا لم تسارع الدول المجاورة إلى توحيد صفوفها من جديد، والتزام حكم الإسلام تجاه هذه القضية، التي تهمهم وتهم العالم الإسلامي كله.
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أن القضية الفلسطينية قضية إسلامية أولاً وأخيراً، ولكن أعداء الإسلام بذلوا جهوداً جبارة لإبعادها عن الخط الإسلامي، وإفهام المسلمين من غير العرب أنها قضية عربية، لا شأن لغير العرب بها، ويبدو أنهم نجحوا إلى حد ما في ذلك.
ولذا فإنني أرى أنه لا يمكن الوصول إلى حلٍ لتلك القضية، إلا باعتبار القضية إسلامية، وبالتكاتف بين المسلمين لإنقاذها، وجهاد اليهود جهاداً إسلامياً، حتى تعود الأرض إلى أهلها، وحتى يعود شذاذ اليهود إلى بلادهم التي جاءوا منها، ويبقى اليهود الأصليون في بلادهم تحت حكم الإسلام، لا حكم الشيوعية ولا العلمانية، وبذلك ينتصر الحق، ويخذل الباطل، ويعود أهل الأرض إلى أرضهم على حكم الإسلام، لا على حكم غيره، والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ج/١ ص ١٢٥٩
стр. 15852
انتفاضة الشعب الفلسطيني
[السُّؤَالُ]
ـ[اليوم نعيش ظاهرة سياسية كبيرة هزت العالم وهي انتفاضة الشعب الفلسطيني ضد اليهود فهل لكم كلمة توجهونها إلى الشباب المسلم في فلسطين المحتلة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أنصحهم بتقوى الله والتعاون على الخير والاستقامة في العمل، فالله ينصر من ينصره، فقد قال : (يا أيها الذين أمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) محمد/٧، وقال سبحانه في مكان آخر من كتابه الكريم: (وعد الله الذين أمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليُبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً) النور/٥٥
إنني أنصح كل إخواني بالتعاون معهم وأنصح الأغنياء وولاة الأمور بأن يمدوا يد العون لإخوانهم في فلسطين المجاهدة لاسترداد بلادهم والنصر على الأعداء إن شاء الله، أيدهم الله بالحق وجزاهم عن المسلمين كل خير، وما عليهم إلا أن يصبروا ويصابروا فإن وعد الله حق وإن الله ناصر من ينصره، وفقهم الله ونصرهم على عدوهم، ووفق المسلمين لمساعدتهم والوقوف بصفهم حتى ينصرهم الله على عدوهم وهو سبحانه خير الناصرين.
[الْمَصْدَرُ]
مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز ج/١ ص ١٢٦٢
стр. 15853
حكم الهجرة إلى بلد مسلم والبقاء فيه بغير محرم
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمسلمة المطلقة بدون أولاد أن تهاجر لبلد مسلم لوحدها؟
تستطيع أن ترتب لكي يسافر معها محرم ولكنها لا تستطيع أن تجد محرماً ليعيش معها لأنها لا تستطيع أن تقنع والدها بأن يهاجر وهي كذلك غير متزوجة.
هذه الأخت مهتمة جداً بالأمر لأن الرسول ﷺ قال بأنه بريء من الذي يعيش ويموت بين الكافرين.أرجو أن تجيب على هذا السؤال بما يخص الحلال والحرام في الإسلام وبعد هذا يمكن أن تقدم لي أي نصيحة.أرجو أن تذكر أي آية أو حديث تدعيماً للجواب.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
وبعد: فأما الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام فهي واجبة على كل من استطاعها، ومن لم يهاجر بعد استطاعته للهجرة، فهو ظالم لنفسه متوعد من الله بالعذاب الأليم قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً) النساء:٩٧
وفي سنن أبي داود (٢٢٧٤) وَغَيْرِهِ أن النبي ﷺ قال: ﴿أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ﴾ " حديث صحيح (الإرواء ٥ / ٣٠)
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَقَدْ وَجَبَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ بِبَلَدِ الْكُفْرِ أَنْ يَهْجُرَهُ , وَيَلْحَقَ بِدَارِ الْمُسْلِمِينَ , وَلا يَسْكُنَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ , وَيُقِيمُ بَيْنَ أَظْهَرْهُمْ , وَذَلِكَ إذَا كَانَ لا يَتَمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ شَعَائِرِ دِينِهِ , أَوْ يُجْبَرُ عَلَى أَحْكَامِ الْكُفْر " إ. هـ. بواسطة الموسوعة الفقهية (٤/٢٦٤)
قال في مغني المحتاج (٦/٥٤) " وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إظْهَارُ دِينِهِ أَوْ خَافَ فِتْنَةً فِيهِ (وَجَبَتْ) عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً وَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا "
وأنت قد تيسر لك المحرم الذي يوصلك لكن لا يصح أن تقدمي إلى هذا البلد المسلم إلا بشرط أن يوجد مكان آمن تأوين إليه، كمجتمع يسكن فيه أخوات مسلمات، أو مركز إسلامي يوجد فيه من يشرف على حفظك ورعايتك والقيام بما يصلح شؤونك الدينية والدنيوية بحيث لا تكونين عرضة للفتنة، والضياع، فإن لم يتيسر ذلك فأنت معذورة حتى تجدي المكان الآمن. لأن الله قَيًّد وجوب الهجرة بالاستطاعة. وعدم الأمن على النفس من الفساد أو الضياع داخل في عدم الاستطاعة، فتعذرين بذلك حتى يتيسر الأمر.فإذا تيسر فاقدمي مع محرمك ثم لا بأس أن تمكثي بغير محرم في هذا المكان الآمن. والله أعلم
وأما النصيحة فننصحك بالحرص على التزام شعائر الدين الظاهرة، والباطنة على قدر استطاعتك، وأن تحرصي على معرفة أحكام دينك من المصادر الصحيحة المستندة على الأدلة الشرعية، كما تحرصي مادمت موجودة في بلاد الكفار أن توصلي دعوة الإسلام إلى غيرك وخصوصا نساء الكفار والمسلمات المفرطات بكل ما تستطيعينه من الوسائل المشروعة، واعلمي أن من أعظم وسائل الدعوة أن تكوني أنت قدوة في نفسك، بالتزام أحكام الإسلام، والتخلق بأخلاقه العظام.
نسأل الله أن يوفقك للخير وأن يعينك عليه.. آمين.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15854
موقف المسلم من العنف وتصرفه عند اعتداء الكفار على الجالية الإسلامية
[السُّؤَالُ]
ـ[نظراً للظروف الحرجة التي نمر بها نحن المسلمين حالياً في أمريكا من الإيذاء - الذي ربما يصل إلى القتل - وإطلاق النار على المساجد والتعرض للنساء المحجبات في الشوارع والاعتداء على الطلبة المسلمين في المدارس والجامعات وإضطهاد بعض الموظفين المسلمين في أماكن عملهم، وذلك بسبب الأحداث الأخيرة التي اتهم فيها أشخاص من المسلمين بالقيام بتفجيرات في العاصمة وغيرها فإننا نريد أن نسأل هل يجوز لنا ترك صلاة الجماعة أو الجمعة في المسجد، وماذا بالنسبة لحجاب نسائنا، وما حكم تركنا للباس الإسلامي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فقد سمعنا بما يتعرض له إخواننا المسلمون في عدد من بلاد الكفار شمالاً وجنوباً من الأذى والإضطهاد في قضية لم يشاركوا فيها ولم يكونوا - كلهم على الأقل - طرفاً فيها، وليس هذا بغريب على الكفار في ظلمهم وبغيهم وهم الذين يدَّعون أنهم أصحاب عدل وإنصاف وحرية، فما ذنب امرأة مسلمة تمشي في الشارع بحجابها، وما ذنب مسلم خرج من بيته لأجل الصلاة وليس لأجل الإفساد في الأرض، وما ذنب موظف مسلم يذهب إلى شركته أو طالب يذهب إلى جامعته أو طالبة تمشي إلى مدرستها، وليس للتفجير والتخريب، ولو كان رجل الشارع الغربي منصفاً - ولو عند نفسه على الأقل - لذهب وانتقم ممن خطط أو ساهم وشارك في إيذائه والإضرار به، ولكن كل شيء يُتوقع ممن لا يخاف الله، وأقل ما سيواجهه المسلمون هو السباب والشتائم، قال الله تعالى: (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمور) آل عمران /١٨٦
ويجب أن يكون موقفنا نحن المسلمين واضحاً أمام الكفار في بيان حكم الشريعة الإسلامية في الإضرار وقتل الآخرين فنقول لهم بكل وضوح إن الإسلام يحرم الإضرار بالأبرياء بجميع الصور والأشكال في البدن والمال والعرض وقد قال النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) وأنه لا يجوز قتل الكافر المسالم أو المعاهِد للمسلمين عهداً شرعياً، بل إن برّ الكافر المسالم والإحسان إليه من دين الإسلام وخصوصاً إذا كان ذلك لدعوته وتأليف قلبه، قال الله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة/٨
وأنه لا يجوز للمسلم في حال الحرب مع الكفار أن يقصد إلى طفل أو امرأة من الكفار فيقتله مادام لم يحمل سلاحاً على المسلمين ولم يُعِن على قتالهم كما روي عن النبي ﷺ أنه قال للجيش المسلم: (انطلقوا بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً ولا صغيراً ولا امرأة..، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) رواه أبو داود ٢٦١٤ وفيه خالد بن الفزر قال عنه ابن حجر في التقريب مقبول يعني إذا توبع.
ويؤيده ما جاء في وصية أبي بكر الصديق ﵁ لقائد جيشه: (وإني موصيك بعشر لا تقتلنّ امرأة، ولا صبياً ولا كبيرأً هرماً ولا تقطعن شجراً مثمراً ... ) الموطأ/٩٨٢ كتاب الجهاد.
وأن الكفار الذين يقاتلهم المسلمون ويلحقون بهم الضرر وسائر الخسائر هم الكفار الذين قاتلوا المسلمين وأخرجوهم من ديارهم وعاونوا على إخراجهم وتعذيبهم والتنكيل بهم، ووقفوا في طريق الدعوة إلى الإسلام وصدوا عن سبيل الله، ووقفوا سداً يمنع انتشار الإسلام قال تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الممتحنة/٩
فهؤلاء يُجاهدون عند القدرة، وعندما تكون مصلحة قتالهم وإعلان الجهاد عليهم راجحة وواضحة. وأن ما يمكن أن يتحقق باللين والحسنى لا يصح أن يلجأ المسلمون إلى تحقيقه باالعنف والقوة. وأن استخدام المسلمين للقوة هو اضطرار وآخر الدواء، وليس يحدث منهم ابتداء دون سبب من الكفار كقتالهم للمسلمين ومعاونة أعداء المسلمين الآخرين وصدهم عن سبيل الله والمنع من إقامة شرع الله في الأرض.
ثم نذكّر هؤلاء الكفار بالمذابح التي أُقيمت وتُقام للمسلمين في أنحاء العالم في البوسنة وكوسوفا والشيشان وفلسطين وكشمير والتي يقوم بها ويُعين عليها ويساهم فيها الكثير من اليهود والنصارى وغيرهم، فهل دماء المسلمين أرخص من دماء غيرهم، وهل قتلى غير المسلمين لهم بواكي وقتلى المسلمين لا بواكي لهم.
ثم لما قام النصارى الأرثودوكس بمذابح للمسلمين في البوسنة وكوسوفا فاقت مئتى ألف قتيل غير الجرحى والإغتصاب والخسائر الإقتصادية هل قام المسلمون في البلاد العربية والإسلامية بشن حملات عنف على الروم النصارى الأرثودوكس الذين يعيشون في بلادهم وفيما بينهم فقتلوا منهم واطلقوا النار على كنائسهم وأرهبوهم؟! فعلى أي شيء يدل ذلك؟
إن هذه الإيضاحات من المسلم لغير المسلم مهمة لأجل إقامة الحجة على الكافر، وهذا أمر يريده الله ، وثانياُ أن في الكفار عقلاء ومنصفين وأناس قابلين للهداية فلعلهم يتأثرون من الإيضاح والبيان، وثالثاً إنه لا يصلح للمسلم أن يبقى متهماً أمام الآخرين دون أن يبيّن ما يبرّئه، وكذلك فإن بقاء سمعة المسلم مشوهةً مما يصد الكافر عن الحق ويمنعه من التأثر بالمسلم بل ربما يعامله كأنه منبوذ فيقع بذلك ظلمٌ إضافي على المسلم.
وأما بالنسبة للسؤال فإنه يجوز للمسلم في وقت المحنة التي لا يستطيع فيها أن يمشي آمناً في الطريق ولا أن يصل سالماً إلى المسجد أن يصلي في بيته ويترك صلاة الجماعة، وينبغي المزيد من التدقيق في ترك صلاة الجمعة لأهميتها الفائقة فلا تُترك الجمعة ولا الجماعة لأجل ظنون ضعيفة واحتمال نادر بوقوع اعتداء، وإنما إذا حصل التأكد أو غلب على الظن أنه سيُعتدى عليه إذا ذهب إلى المسجد فيجوز له ترك الذهاب.
ومن أقوال العلماء في مسألة جواز التخلف عن صلاة الجمعة والجماعة بعذر الخوف ما قاله أبن قدامة ﵀: " وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِهِمَا - أي الجمعة والجماعة - الْمَرِيضُ وَالْخَائِفُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ﴿مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ. قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ. لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلاةُ الَّتِي صَلَّى﴾ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (١ / ١٣٠) . [وقد ضعف الشيخ الألباني الحديث بهذا اللفظ وصحح لفظ ابن ماجه (٧٩٣) وهو "من سمع النداء فلم يأته، فلا صلاة له إلا من عذر) الإرواء (٢ / ٣٣٧) ] وَقَدْ ﴿كَانَ بِلالٌ يُؤَذِّنُ بِالصَّلاةِ ثُمَّ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ مَرِيضٌ فَيَقُولُ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) البخاري (٦٣٣) ومسلم (٤١٨)
وَالْخَوْفُ , ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ ; خَوْفٌ عَلَى النَّفْسِ , وَخَوْفٌ عَلَى الْمَالِ , وَخَوْفٌ عَلَى الأَهْلِ. فَالأَوَّلُ , أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ سُلْطَانًا , يَأْخُذُهُ أَوْ عَدُوًّا , أَوْ لِصًّا , أَوْ سَبُعًا , أَوْ دَابَّةً , أَوْ سَيْلا , وَنَحْوَ ذَلِكَ , مِمَّا يُؤْذِيهِ فِي نَفْسِهِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: الْخَوْفُ عَلَى مَالِهِ ; بِخُرُوجِهِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ السُّلْطَانِ وَاللُّصُوصِ وَأَشْبَاهِهِمَا , أَوْ يَخَافُ أَنْ يُسْرَقَ مَنْزِلُهُ أَوْ يُحْرَقَ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ فَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ عُذْرٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْخَوْفُ عَلَى وَلَدِهِ وَأَهْلِهِ أَنْ يَضِيعُوا، فهذا كله عذر في ترك الجمعة والجماعة وبَهَذَا قال عَطَاءٍ , وَالْحَسَنِ , وَالأَوْزَاعِيِّ , وَالشَّافِعِيِّ. ولانعلم فيه خلافا إ.هـ من المغني مختصرا (٢ /٣٧٦)
وفي فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀ لما سأله رجل عن التخلف عن صلاة الجماعة بسبب خوفه على امرأته؛ فقال: " إذا كان على زوجتك خطر وهي غير آمنة، وحولها ما يخشى منه، فلك عذر بأن تصلي في البيت خوفا على زوجتك ... ثم قال ﵀ (لكن إذا كانت الزوجة غير آمنة والمحل غير آمن والخطر موجود فلا بأس أن تصلي في البيت، وهذا عذر شرعي.." إ. هـ.
مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز ﵀ (١٢ / ٤٢)
وأما بالنسبة للنساء المسلمات فإنه ينبغي عليهن القرار في بيوتهن وعدم الخروج - مهما استطعن - لئلا يتعرضن للأذى وينبغي على أقربائها وجيرانها أن يعينوها في جلب حاجاتها لئلا تضطر للخروج، وهذا من أبواب الأجر العظيمة في إغاثة الملهوف وقضاء الحوائج، وأما بالنسبة لترك الرجل المسلم لباسه وزيه الخاص وإرتدائه للملابس الغالبة على المجتمع الكافر الذي يعيش فيه فلا بأس به وخصوصاً في وقت الاضهاد والإيذاء قال الإمام ابن تيمية:
" لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب: لم يكن مأموراً بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحياناً في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية: من دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة ". انتهى: اقتضاء الصراط المستقيم ص ١٧٦
ويجب أن يُفهم كلام شيخ الإسلام فهماً صحيحاً فهو يتحدث عن حالات خاصة أو اضطرارية وليس مقصوده قطعاً أن تذوب أجيال المسلمين في الكفار، ويمارسوا الرذيلة وشرب الخمر معهم ويذهب أطفال المسلمين إلى الكنيسة وتضمحل شخصتهم الإسلامية. وإنما المقصود جواز ترك اللباس الذي يميز المسلمين - مثلاً - وارتداء ملابس من جنس الملابس السائدة في بلاد الكفار والتحدث بلغة الكفار ونحو ذلك اتقاءً لشر الكفار وخصوصاً في الأجواء المشحونة والعدوانية كالتي جاء ذكرها في السؤال.
ولعل هذه الأحداث تكون فرصة للمسلمين الذين يعيشون في بلاد الكفار بغير حاجة ولا ضرورة شرعية أن يراجعوا أنفسهم ويعيدوا النظر في أحوالهم من أجل العودة إلى بلاد المسلمين والهجرة من بلاد الكفار.
نسأل الله أن يحفظنا وسائر إخواننا المسلمين من السوء والظلم والشرور، وأن يهدينا سواء السبيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
محمد صالح المنجد
стр. 15855
هل يجوز السكن مع من يشرب الخمر
[السُّؤَالُ]
ـ[إنني طالب في الجامعة، ومعي طلبة في الغرفة في قسم داخلي للسكن، ولا يحق لي الانتقال من الغرفة، وجبر على البقاء فيها، وإن الطلبة الذين معي يقولون إنهم شربوا بيرة، فهل مجالستهم والأكل معهم والكلام معهم علي فيه إثم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا ثبت شربهم مسكراً فاعتزلهم في السكنى ما استطعت؛ إن لم يستجيبوا لنصيحتك إياهم ويتركوا ذلك المنكر، وإن لم تستطع ترك المسكن فاجتنب مجالستهم والحديث معهم ومؤاكلتهم إلا لضرورة؛ وإلا أثمت.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى اللجنة الدائمة ١٢ / ٣٦٠.
стр. 15856
هل يجوز الذهاب إلى الشواطئ التي فيها عري واختلاط
[السُّؤَالُ]
ـ[يذهب الناس في مصر إلى مدينة الإسكندرية لقضاء الصيف هناك، ويوجد على البحر هناك الآلاف من النساء الكاسيات العاريات والعاريات، واختلاط الرجال بالنساء، وإني رجل ملتحٍ، فهل يجوز لي الذهاب هناك والجلوس على البحر أم لا يجوز؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كان الواقع كما ذُكر، فلا يجوز للمسلم أن يذهب إلى تلك المجتمعات؛ خشية الفتنة واجتناباً لمواطنها، إلا أن يكون ممن يقوى على إزالة ما فيها من المنكرات؛ لما له من سلطة ومعرفة بالشرع، وقوة على البيان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى اللجنة الدائمة ١٢ / ٣٦٢.
стр. 15857
هل التحذير من عمل الفاسق نميمة وغيبة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل إذا عُرف إنسان بسوء سلوكه وكان مجاهراً بكبيرة مثل شرب الخمر أو غيرها، ونصحنا غيرنا بالبعد عنه والتعامل معه، هل هذا جائز؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
التحذير من عمل الفاسق ومرتكبي الكبائر واجب، فإذا خشي المسلم على إخوانه من عمل أولئك وجب نصحهم وكشف أحوال الفساق؛ حتى لا يقع أحد في شراكهم. ويجب أيضاً مناصحة الفساق ومرتكبي الكبائر لعل الله أن يهديهم، قال رسول الله ﷺ : " الدين النصيحة " قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: " لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " رواه مسلم من حديث تميم بن أوس الداري ﵁.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى اللجنة الدائمة ١٢ / ٣٨٥ -٣٨٦.
стр. 15858
حكم التمثيل النسبي في المنظمات
[السُّؤَالُ]
ـ[َِهل يجيز الإسلام التمثيل النسبي أم لا. والموقف كالتالي، إذا فرض أن هناك ١٠ منظمات إسلامية (كل منها به عدد مختلف من الأعضاء) ويرغبون في الانضمام معاً لتكوين منظمة جامعة بحيث يمكنهم تنسيق العمل الإسلامي فيما بينهم. فهل يجوز تصنيف المنظمة تبعاً لعدد أعضائها، بمعنى أنه إذا كانت إحدى المنظمات بها ١-١٠٠ عضو فإنهم يحصلون على صوت واحد، وإذا كان بها ١٠١-٢٠٠ عضو فإنهم يحصلون على صوتين وهكذا؟ هل يجيز الإسلام ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا حرج في ذلك باعتباره نوعا من أنواع التنظيم والترتيب للوصول إلى الصواب أو الرأي الأرجح وذلك بتمثيل المجموعة بنقاط على حسب حجمها وعدد أفرادها ولكن ينبغي عليكم أن تعلموا أن تمثيل الجميع بأصوات متساوية يكون من الظلم إذا لم يكونوا سواء في الأمانة والقوة أو العلم والخبرة اللازمة للقرار الذي تريدون اتخاذه، أما إذا تكافؤا وتقاربوا فيكون احتساب الأصوات أو النقاط بالتساوي لكل شخص من العقل والحكمة. ولذلك كان أهل الحلّ والعقد في الأمة من العلماء والفضلاء والعقلاء والحكماء ووجهاء الناس هم الذين يختارون الخليفة وليس الغوغاء والدهماء لأنهم غثاء لا قيمة لأصواتهم وفقنا الله وإياكم لما يُرضيه..
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15859
يشك في شخص أنه جاسوس فهل يحذر منه
[السُّؤَالُ]
ـ[أشك بأحد الإخوة أن يكون جاسوساً، هناك الكثير من الأدلة التي قادتني وبعض الإخوة لهذه النتيجة الأخ تبدو عليه علامات التقوى ومع هذا فهناك حالات عديدة يعطينا فيها انطباعاً بأنه جاسوس.
حقاً فأنا محتار جدا فهل يجوز لي أن أشك في أحد ما بأنه جاسوس؟
هل يجوز لي أن أحذر الآخرين؟
ماذا أفعل في مثل هذه الحالة؟
جزاك الله خيراً]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأصل إحسان الظن بالمسلم إلا إذا صدر منه تصرفات مريبة يُستدل بها على ما يستوجب إساءة الظن به وهو ما يُسمى بـ (القرائن) فإن حصل منه ذلك فلا بأس من أخذ الحيطة والحذر منه لأنه أوقع نفسه في أفعال أهل الريبة، والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15860
يجعلون عليهم أميراً
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الإمارة في الحضر، مثلاً شباب في شقة أو معسكر أقيم داخل المدينة أو غيرها ويجعلون عليهم أميراً؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الذي ورد تخصيص ذلك بالسفر، لأنهم في السفر يحتاجون إلى آراء يرفعونها إلى رئيسهم أو أميرهم، فأما في الحضر فالغالب أن كلاً منهم يشتغل بنفسه، ولا يحتاجون إلى أمير.
ويمكن أن يُرئسوا عليهم رئيساً في مجتمعهم، إذا كانوا مثلاً في شقة يقولون: نحن نحتاج إلى تدبير أمرنا في هذه الشقة، نجعل لك الرئاسة أو الإمارة يا فلان، بحيث يعرضون عليه تدبير شأن المنزل، كنوع المأكل مثلاً، وتحديد وقت الراحة، وتحديد المشتروات اللازمة وغيرها، يعرضونها عليه، وتوافقوا على رأيه صح ذلك إن شاء الله.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
следующие страницы →