Полный текст (16 344 стр.). Показаны 15856–15895 · переход к 15861.
стр. 15856
هل يجوز الذهاب إلى الشواطئ التي فيها عري واختلاط
[السُّؤَالُ]
ـ[يذهب الناس في مصر إلى مدينة الإسكندرية لقضاء الصيف هناك، ويوجد على البحر هناك الآلاف من النساء الكاسيات العاريات والعاريات، واختلاط الرجال بالنساء، وإني رجل ملتحٍ، فهل يجوز لي الذهاب هناك والجلوس على البحر أم لا يجوز؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كان الواقع كما ذُكر، فلا يجوز للمسلم أن يذهب إلى تلك المجتمعات؛ خشية الفتنة واجتناباً لمواطنها، إلا أن يكون ممن يقوى على إزالة ما فيها من المنكرات؛ لما له من سلطة ومعرفة بالشرع، وقوة على البيان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى اللجنة الدائمة ١٢ / ٣٦٢.
стр. 15857
هل التحذير من عمل الفاسق نميمة وغيبة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل إذا عُرف إنسان بسوء سلوكه وكان مجاهراً بكبيرة مثل شرب الخمر أو غيرها، ونصحنا غيرنا بالبعد عنه والتعامل معه، هل هذا جائز؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
التحذير من عمل الفاسق ومرتكبي الكبائر واجب، فإذا خشي المسلم على إخوانه من عمل أولئك وجب نصحهم وكشف أحوال الفساق؛ حتى لا يقع أحد في شراكهم. ويجب أيضاً مناصحة الفساق ومرتكبي الكبائر لعل الله أن يهديهم، قال رسول الله ﷺ : " الدين النصيحة " قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: " لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " رواه مسلم من حديث تميم بن أوس الداري ﵁.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى اللجنة الدائمة ١٢ / ٣٨٥ -٣٨٦.
стр. 15858
حكم التمثيل النسبي في المنظمات
[السُّؤَالُ]
ـ[َِهل يجيز الإسلام التمثيل النسبي أم لا. والموقف كالتالي، إذا فرض أن هناك ١٠ منظمات إسلامية (كل منها به عدد مختلف من الأعضاء) ويرغبون في الانضمام معاً لتكوين منظمة جامعة بحيث يمكنهم تنسيق العمل الإسلامي فيما بينهم. فهل يجوز تصنيف المنظمة تبعاً لعدد أعضائها، بمعنى أنه إذا كانت إحدى المنظمات بها ١-١٠٠ عضو فإنهم يحصلون على صوت واحد، وإذا كان بها ١٠١-٢٠٠ عضو فإنهم يحصلون على صوتين وهكذا؟ هل يجيز الإسلام ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا حرج في ذلك باعتباره نوعا من أنواع التنظيم والترتيب للوصول إلى الصواب أو الرأي الأرجح وذلك بتمثيل المجموعة بنقاط على حسب حجمها وعدد أفرادها ولكن ينبغي عليكم أن تعلموا أن تمثيل الجميع بأصوات متساوية يكون من الظلم إذا لم يكونوا سواء في الأمانة والقوة أو العلم والخبرة اللازمة للقرار الذي تريدون اتخاذه، أما إذا تكافؤا وتقاربوا فيكون احتساب الأصوات أو النقاط بالتساوي لكل شخص من العقل والحكمة. ولذلك كان أهل الحلّ والعقد في الأمة من العلماء والفضلاء والعقلاء والحكماء ووجهاء الناس هم الذين يختارون الخليفة وليس الغوغاء والدهماء لأنهم غثاء لا قيمة لأصواتهم وفقنا الله وإياكم لما يُرضيه..
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15859
يشك في شخص أنه جاسوس فهل يحذر منه
[السُّؤَالُ]
ـ[أشك بأحد الإخوة أن يكون جاسوساً، هناك الكثير من الأدلة التي قادتني وبعض الإخوة لهذه النتيجة الأخ تبدو عليه علامات التقوى ومع هذا فهناك حالات عديدة يعطينا فيها انطباعاً بأنه جاسوس.
حقاً فأنا محتار جدا فهل يجوز لي أن أشك في أحد ما بأنه جاسوس؟
هل يجوز لي أن أحذر الآخرين؟
ماذا أفعل في مثل هذه الحالة؟
جزاك الله خيراً]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأصل إحسان الظن بالمسلم إلا إذا صدر منه تصرفات مريبة يُستدل بها على ما يستوجب إساءة الظن به وهو ما يُسمى بـ (القرائن) فإن حصل منه ذلك فلا بأس من أخذ الحيطة والحذر منه لأنه أوقع نفسه في أفعال أهل الريبة، والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15860
يجعلون عليهم أميراً
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الإمارة في الحضر، مثلاً شباب في شقة أو معسكر أقيم داخل المدينة أو غيرها ويجعلون عليهم أميراً؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الذي ورد تخصيص ذلك بالسفر، لأنهم في السفر يحتاجون إلى آراء يرفعونها إلى رئيسهم أو أميرهم، فأما في الحضر فالغالب أن كلاً منهم يشتغل بنفسه، ولا يحتاجون إلى أمير.
ويمكن أن يُرئسوا عليهم رئيساً في مجتمعهم، إذا كانوا مثلاً في شقة يقولون: نحن نحتاج إلى تدبير أمرنا في هذه الشقة، نجعل لك الرئاسة أو الإمارة يا فلان، بحيث يعرضون عليه تدبير شأن المنزل، كنوع المأكل مثلاً، وتحديد وقت الراحة، وتحديد المشتروات اللازمة وغيرها، يعرضونها عليه، وتوافقوا على رأيه صح ذلك إن شاء الله.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15861
لا تكن متشدداً
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم من إذا نُصح في فعل يخالف الشرع بادر قائلاً: لا تكن متشدداً ومتعصباً وكن معتدلاً، ونرجو بيان الاعتدال؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من نصح عن شيء محرم في الشرع ليجتنبه أو عن ترك واجب ليقوم به ثم قال مثل هذا القول فإنه مخطئ، بل الواجب إذا نصحه أحد أن يشكر لمن نصحه، وأن ينظر في أمره إذا كان ما نصح عنه حقاً فليجتنب المحرم ليقم بالواجب.
وأما قوله: إنك متشدد فإن التشديد والتيسير والاعتدال مرجعه إلى الشرع، فما وافق الشرع فهو الاعتدال، وما زاد عنه فهو التشدد، وما نقص عنه فهو التساهل، فالميزان في هذا كله هو الشرع، ومعنى الاعتدال هو موافقة الشرع، فما وافق الشرع فهو الاعتدال.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين.
стр. 15862
التوفيق بين أن يكون الخليفة قرشياً وبين حديث طاعة العبد الحبشي
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو المقصود فيما يتعلق بالمقولة "في العقيدة" بأن الخليفة يجب أن يكون قرشيا، وكيف نجمع بين ذلك وبين الحديث الذي فيه "أن نطيع الأمير حتى ولو كان حبشيا رأسه كزبيبة"، أرجو أن تساعدنا للتوفيق بينهما والله يرشدنا لأن نقبل بالصواب؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
حديث الأئمة من قريش حديث صحيح جاء من طرق كثيرة وهو الأصل في الإمام أن يكون قرشِيا، وهذا في حال اختيار الخليفة أما لو تغلب على الأمر وحَكَم الناس بالقوة وجب على الناس طاعته، وحَرُم الخروج عليه ولو كان عبدا حبشيا كما جاء في الحديث.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الكريم الخضير.
стр. 15863
يسمع الغناء أحياناً إذا كان في المدرسة رغماً عنه فهل يأثم بذلك
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد توقفت عن سماع الأغاني ولكن أحياناً أسمع بعضها في أماكن مثل المدرسة وغيرها حيث أحاول أن لا أستمتع بها ولكن هذا قد يحدث أحياناً. هل هذا يحسب علي كأنني استمعت للغناء؟ وهل أحاسب على ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هناك فرق بين من يستمع للغناء وبين من يسمعه، فالذي يستمع إلى الغناء يسمعه عن قصد وإرادة له ورضى بذلك، أما الذي يسمع فقط فهو الذي يصل إليه الصوت بدون إرادة أو قصد منه، كأن يركب في طائرة أو في حافلة فيكون فيهما غناء، أو ذهب إلى السوق فسمع ذلك من بعض المحلات، فهو لم يُرد ذلك، ولم يقصد استماعه، ففرق بين هذا وبين من جلس ليستمع ويستمتع بهذا المحرَّم.
ولذلك قال شيخ الإسلام: " والأمر والنهي إنما يتعلّق بالاستماع، لا بمجرد السماع كما في الرؤية، فإنه إنما يتعلق بقصد الرؤية لا ما يحصل منها بغير الاختيار..... وكذلك في مباشرة المحرمات كالحواس الخمس من السمع والبصر والشم والذوق واللمس، إنما يتعلّق الأمر والنهي في ذلك بما للعبد فيه قصد وعمل، وأما ما يحصل بغير اختياره فلا أمر فيه ولا نهي ". مجموع الفتاوى ج/٥ ص/٥٦٦
وعلى الإنسان أن ينكر ذلك المنكر حسب إمكانه، أما إذا لم يستطع ذلك فإنه ينكر بقلبه، ومن لوازم الإنكار بالقلب عدم البقاء في مجلس المنكر أو محله إن استطاع الخروج منه ومفارقته.
أما استمتاعه بذلك فالواجب عليه أن يجاهد نفسه قدر الإمكان ويستعيذ بالله من الشيطان، وأن يذكر الله عسى الله أن يُبعد عنك ذلك، فإذا كان سيؤدي ذلك إلى تعلّق قلبه فعليه أن يبتعد عن مثل هذه الأماكن في المدرسة، وإذا لم يكن هناك مفاسد عظيمة من غيابه لبعض تلك الحصص التي يحصل فيها مثل ذلك فالواجب عليه عدم حضورها. وعليه بمراقبة الله وتقواه فإنه من يتق الله يجعل له مخرجاً قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) الطلاق/٢، والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 15864
حكم الخصام بين الأخ وأخيه
[السُّؤَالُ]
ـ[أبي وعمي أخو أبي دائماً متخاصمان، علماً أننا نسكن في بيت واحد، وبيتنا قاطع فقط، وأبي أعزب، وعمي أعزب، فأمي ماتت وزوجة عمي ماتت، وأنا أنصحهما أن ألا يعتدوا، ولكن عمي يعتدي على أبي أحياناً. فبماذا تنصحون الاثنين - أبي وعمي -؟ علماً بأن أبي يصلي ويصوم، وعمي أحياناً يصلي وأحياناً لا يصلي ولكن يصوم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
انصح عمك بالمحافظة على الصلاة، وبين له أنها أهم ركن في الإسلام بعد الشهادتين، وأن تركهما كفر لا يصح صومه مع تركها، ولا يقبل منه عمل إلا إذا أداها، وانصحهما جميعاً بالبر والتقوى والمحافظة على صلة الرحم، ومراعاة حقوق القرابة، وأن من قطعها قطعه الله ومن وصلها وصله الله، واقرأ عليهما آيات القرآن والأحاديث النبوية الواردة في ذلك، ثم إن استجاب عمك فالحمد لله، وإلا فالواجب هجره.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى اللجنة الدائمة ١٢ / ٣٦٣.
стр. 15865
الكتب والمقالات
стр. 15866
رابطة العالم الإسلامي تستنكر الإساءة للنبي ﷺ في الصحف الغربية
أدانت الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي إعادة نشر سبع عشرة صحيفة دانماركية الرسوم المسيئة لخاتم الأنبياء والمرسلين، محمد ﷺ ، التي كانت نشرتها صحيفة يولاندس بوستن الدنماركية عام ٢٠٠٦م، واستنكرت الرابطة والهيئات والمراكز الإسلامية التابعة لها في أنحاء العالم تكرار التطاول على الرسول ﷺ والإساءة إليه وإلى رسالة الإسلام التي بعث بها رحمة للعالمين.
جاء ذلك في بيان أصدره معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الأمين العام للرابطة، ورئيس البرنامج العالمي للتعريف بنبي الرحمة التابع للرابطة، وصف فيه إعادة نشر الرسوم المسيئة للنبي ﷺ في عدد من الصحف الدانماركية بأنه إصرار على الإساءة إلى دين الله الخاتم، وإلى نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه.
ونبه معاليه إلى أن هذا العمل يثير الكراهية والبغضاء بين البشر، حيث يسيء إلى مسلمي العالم وهم مليار ونصف المليار من الناس، مبيناً أن الشعوب الإسلامية تتطلع إلى التواصل والتعاون والتعايش بين شعوب العالم وهي تحرص على الإسهام في تحقيق الأمن والسلام للبشرية، محذراً معاليه من نتائج الاعتداء على الدين الإسلامي وعلى مشاعر المسلمين الذين لا يقبلون الإساءة إلى دينهم وإلى نبيهم محمد ﷺ .
وقال د. التركي إن المراكز والهيئات الإسلامية التابعة للرابطة أعربت عن ألمها العميق واستيائها الشديد لتكرار نشر الرسوم المسيئة للنبي ﷺ ...
وقال د. التركي إن رسالات الله وخاتمتها رسالة الإسلام حرمت الاستهزاء بالدين، كما شنعت على من يستهزئ بالأنبياء والمرسلين، وَبَّينت عاقبة السوء التي كانت لهم بالمرصاد، واستشهد معاليه بقوله : (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) الأنعام/١٠، وبقوله سبحانه عن المستهزئين برسول الله محمد ﷺ : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) التوبة/٦٥، موضحاً معاليه أن الله بالمرصاد لكل من يستهزئ بالرسل والأنبياء وخاتمهم محمد ﷺ الذي خاطبه ربه بقوله: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ) الحجر/٩٥.
وطالب د. التركي الجهات المسؤولة في الدانمارك باتخاذ الإجراءات التي توقف استمرار الإساءة للرسول ﷺ الذي بعث لنشر الخير والبر والرحمة بين الناس (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء / ١٠٧، ولكل الأمم والشعوب: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً) سبأ/٢٨.
وحث معاليه المراكز والمنظمات الإسلامية والمسلمين في الدانمارك على ضبط النفس وممارسة الحوار العاقل المفيد مع غيرهم، وطالبهم بعدم الانجرار إلى المهاترات والمعارك الكلامية، مؤكداً معاليه على حرص الرابطة والبرنامج العالمي للتعريف بنبي الرحمة التابع لها على متابعة هذا الموضوع بالتعاون مع المنظمات الإسلامية في العالم، وقال: إن على المسلمين ألا يدخلوا في دوامات ردود الأفعال الانفعالية، مؤكداً أن رسالة الإسلام رسالة عالمية وإنسانية خالدة، وقد تكفل الله بحفظها وذلك بحفظه لكتابه العظيم: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر/٩.
وأضاف معاليه: أن علينا أن نَجِدَّ في عرض مبادئ الإسلام وسماحته وعظمة تشريعه، وبيان حقيقة شخصية النبي ﵊ وأنه رحمة للعالمين، وأن نعمل من خلال برامج تحقق النصرة لخاتم الأنبياء الذي نصره الله في جميع الحوادث والملمات.
http://www.themwl.org/PressReleases/default.aspx?d=١&cid=١٦&cidi=١٢٣&l=AR
стр. 15867
شهر شعبان
شعبان هو اسم للشهر، وقد سمي بذلك لأن العرب كانوا يتشعبون فيه لطلب المياه، وقيل تشعبهم في الغارات، وقيل لأنه شَعَب أي ظهر بين شهري رجب ورمضان، ويجمع على شعبانات وشعابين.
стр. 15868
الصيام في شعبان:
عن عائشة ﵂ قالت: " كان رسول الله يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم وما رأيت رسول الله استكمل صيام شهر إلا رمضان وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان " رواه البخاري برقم (١٨٣٣) ومسلم برقم (١٩٥٦) ، وفي رواية لمسلم برقم (١٩٥٧) : " كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلا "، وقد رجح طائفة من العلماء منهم ابن المبارك وغيره أن النبي ﷺ لم يستكمل صيام شعبان، وإنما كان يصوم أكثره، ويشهد له ما في صحيح مسلم برقم (١٩٥٤) عن عائشة ﵂، قالت: " ما علمته - تعني النبي ﷺ صام شهرا كله إلا رمضان " وفي رواية له أيضا برقم (١٩٥٥) عنها قالت: " ما رأيته صام شهرا كاملا منذ قدم المدينة إلا أن يكون رمضان "، وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: " ما صام رسول الله ﷺ شهرا كاملا غير رمضان " أخرجه البخاري رقم ١٩٧١ ومسلم رقم ١١٥٧، وكان ابن عباس يكره أن يصوم شهرا كاملا غير رمضان، قال ابن حجر ﵀: كان صيامه في شعبان تطوعا أكثر من صيامه فيما سواه وكان يصوم معظم شعبان.
وعن أسامة بن زيد ﵄ قال: قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، فقال: " ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم " رواه النسائي، أنظر صحيح الترغيب والترهيب ص ٤٢٥، وفي رواية لأبي داود برقم (٢٠٧٦) قالت: " كان أحب الشهور إلى رسول الله ﷺ أن يصومه شعبان ثم يصله برمضان ". صححه الألباني أنظر صحيح سنن أبي داوُد ٢/٤٦١
قال ابن رجب ﵀: صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم، وأفضل التطوع ما كان قريب من رمضان قبله وبعده، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها وهي تكملة لنقص الفرائض، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده، فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة فكذلك يكون صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بَعُد عنه.
وقوله " شعبان شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان "
يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان - الشهر الحرام وشهر الصيام - اشتغل الناس بهما عنه، فصار مغفولا عنه، وكثير من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيام شعبان لأن رجب شهر حرام، وليس كذلك.
وفي الحديث السابق إشارة إلى أن بعض ما يشتهر فضله من الأزمان أو الأماكن أو الأشخاص قد يكون غيره أفضل منه.
وفيه دليل على استحباب عِمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، كما كان طائفة من السلف يستحبون إحياء ما بين العشائين بالصلاة ويقولون هي ساعة غفلة، ومثل هذا استحباب ذكر الله تعالى في السوق لأنه ذكْر في موطن الغفلة بين أهل الغفلة، وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد منها:
أن يكون أخفى للعمل وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل، لا سيما الصيام فإنه سرّ بين العبد وربه، ولهذا قيل إنه ليس فيه رياء، وكان بعض السلف يصوم سنين عددا لا يعلم به أحد، فكان يخرج من بيته إلى السوق ومعه رغيفان فيتصدق بهما ويصوم، فيظن أهله أنه أكلهما ويظن أهل السوق أنه أكل في بيته، وكان السلف يستحبون لمن صام أن يُظهر ما يخفي به صيامه، فعن ابن مسعود أنه قال: " إذا أصبحتم صياما فأصبِحوا مدَّهنين "، وقال قتادة: " يستحب للصائم أن يدَّهِن حتى تذهب عنه غبرة الصيام "
وكذلك فإن العمل الصالح في أوقات الغفلة أشق على النفوس، ومن أسباب أفضلية الأعمال مشقتها على النفوس لأن العمل إذا كثر المشاركون فيه سهُل، وإذا كثرت الغفلات شق ذلك على المتيقظين، وعند مسلم (رقم ٢٩٨٤) من حديث معقل بن يسار: " العبادة في الهرْج كالهجرة إلي " (أي العبادة في زمن الفتنة؛ لأن الناس يتبعون أهواءهم فيكون المتمسك يقوم بعمل شاق) .
وقد اختلف أهل العلم في أسباب كثرة صيامه ﷺ في شعبان على عدة أقوال:
١- أنه كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره فتجتمع فيقضيها في شعبان وكان النبي ﷺ إذا عمل بنافلة أثبتها وإذا فاتته قضاها.
٢- وقيل إن نساءه كن يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان فكان يصوم لذلك، وهذا عكس ما ورد عن عائشة أنها تؤخر قضاء رمضان إلى شعبان لشغلها مع رسول الله ﷺ عن الصوم.
٣- وقيل لأنه شهر يغفل الناس عنه: وهذا هو الأرجح لحديث أسامة السالف الذكر والذي فيه: " ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان " رواه النسائي، أنظر صحيح الترغيب والترهيب ص ٤٢٥
وكان إذا دخل شعبان وعليه بقية من صيام تطوع لم يصمه قضاه في شعبان حتى يستكمل نوافله بالصوم قبل دخول رمضان - كما كان إذا فاته سنن الصلاة أو قيام الليل قضاه - فكانت عائشة حينئذ تغتنم قضاءه لنوافله فتقضي ما عليها من فرض رمضان حينئذ لفطرها فيه بالحيض وكانت في غيره من الشهور مشتغلة بالنبي ﷺ ، فيجب التنبه والتنبيه على أن من بقي عليه شيء من رمضان الماضي فيجب عليه صيامه قبل أن يدخل رمضان القادم ولا يجوز التأخير إلى ما بعد رمضان القادم إلا لضرورة (مثل العذر المستمر بين الرمضانين) ، ومن قدر على القضاء قبل رمضان ولم يفعل فعليه مع القضاء بعده التوبة وإطعام مسكين عن كل يوم، وهو قول مالك والشافعي وأحمد.
وكذلك من فوائد صوم شعبان أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن على الصيام واعتاده فيدخل رمضان بقوة ونشاط.
ولما كان شعبان كالمقدّمة لرمضان فإنه يكون فيه شيء مما يكون في رمضان من الصيام وقراءة القرآن والصدقة، وقال سلمة بن سهيل كان يقال: شهر شعبان شهر القراء، وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال هذا شهر القراء، وكان عمرو بن قيس المُلائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن.
стр. 15869
الصيام في آخر شعبان:
ثبت في الصحيحين عن عمران بن حصين ﵁: أن النبي ﷺ قال لرجل: " هل صمت من سرر هذا الشهر شيئا؟ قال لا، قال: فإذا أفطرت فصم يومين " وفي رواية البخاري: أظنه يعني رمضان وفي رواية لمسلم: " هل صمت من سرر شعبان شيئا؟ " أخرجه البخاري ٤/٢٠٠ ومسلم برقم (١١٦١)
وقد اختلف في تفسير السرار، والمشهور أنه آخر الشهر، يقال سِرار الشهر بكسر السين وبفتحها وقيل إن الفتح أفصح، وسمي آخر الشهر سرار لاستسرار القمر فيه (أي لاختفائه) ، فإن قال قائل قد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " لا تقدموا رمضان بيوم أو يومين، إلا من كان يصوم صوما فليصمه " أخرجه البخاري رقم (١٩٨٣) ومسلم برقم (١٠٨٢) ، فكيف نجمع بين حديث الحثّ وحديث المنع فالجواب: قال كثير من العلماء وأكثر شراح الحديث: إن هذا الرجل الذي سأله النبي ﷺ كان يعلم أن له عادة بصيامه، أو كان قد نذره فلذلك أمره بقضائه. وقيل في المسألة أقوال أخرى، وخلاصة القول أن صيام آخر شعبان له ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يصومه بنية الرمضانية احتياطا لرمضان، فهذا محرم.
الثاني: أن يصام بنية النذر أو قضاء عن رمضان أو عن كفارة ونحو ذلك، فجوّزه الجمهور.
الثالث: أن يصام بنية التطوع المطلق، فكرهه من أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بالفطر؛ منهم الحسن - وإن وافق صوما كان يصومه - ورخص فيه مالك ومن وافقه، وفرّق الشافعي والأوزاعي وأحمد وغيرهم بين أن يوافق عادة أو لا..
وبالجملة فحديث أبي هريرة - السالف الذكر - هو المعمول به عند كثير من العلماء، وأنه يكره التقدم قبل رمضان بالتطوع بالصيام بيوم أو يومين لمن ليس له به عادة، ولا سبق منه صيام قبل ذلك في شعبان متصلا بآخره. فإن قال قائل لماذا يُكره الصيام قبل رمضان مباشرة (لغير من له عادة سابقة بالصيام) فالجواب أنّ ذلك لمعانٍ منها:
أحدها: لئلا يزاد في صيام رمضان ما ليس منه، كما نهي عن صيام يوم العيد لهذا المعنى، حذرا مما وقع فيه أهل الكتاب في صيامهم، فزادوا فيه بآرائهم وأهوائهم.
ولهذا نهي عن صيام يوم الشك،قال عمار من صامه فقد عصى أبا القاسم ﷺ ، ويوم الشك: هو اليوم الذي يشك فيه هل هو من رمضان أم لا؟ وهو الذي أخبر برؤية هلاله من لم يقبل قوله، وأما يوم الغيم: فمن العلماء من جعله يوم شك ونهى عن صيامه، وهو قول الأكثرين.
المعنى الثاني: الفصل بين صيام الفرض والنفل، فإن جنس الفصل بين الفرائض والنوافل مشروع، ولهذا حرم صيام يوم العيد، ونهى النبي ﷺ أن توصل صلاة مفروضة بصلاة حتى يفصل بينهما بسلام أو كلام، وخصوصا سنة الفجر قبلها، فإنه يشرع الفصل بينها وبين الفريضة، ولهذا يشرع صلاتها بالبيت والاضطجاع بعدها.
ولما رأى النبي ﷺ رجلا يصلي وقد أقيمت صلاة الفجر، فقال له: " آلصُّبح أربعا " رواه البخاري رقم (٦٦٣) .
وربما ظن بعض الجهال أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل؛ لتأخذ النفوس حظها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك بالصيام، وهذا خطأ وجهل ممن ظنه. والله تعالى أعلم.
المراجع: لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف: ابن رجب الحنبلي، والإلمام بشيء من أحكام الصيام: عبد العزيز الراجحي
والله الموفّق
стр. 15870
حكم الاحتفال بذكرى المولد النبوي
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين, وبعد:
فلا يخفى ما ورد في الكتاب والسنة من الأمر باتباع شرع الله ورسوله, والنهي عن الابتداع في الدين , قال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) آل عمران/٣١ , وقال تعالى: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون) الأعراف/٣, وقال تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) الأنعام/ ١٥٣, وقال ﷺ : (إن أصدق الحديث كتاب الله , وخير الهدي هدي محمد , وشر الأمور محدثاتها) . وقال ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) . رواه البخاري رقم ٢٦٩٧, ومسلم رقم ١٧١٨. وفي رواية لمسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) .
وإن من جملة ما أحدثه الناس من البدع المنكرة الاحتفال بذكرى المولود النبوي في شهر ربيع الأول , وهم في هذا الاحتفال على أنواع:
فمنهم من يجعله مجرد اجتماع تُقرأ فيه قصة المولد , أو تقدم فيه خطب وقصائد في هذه المناسبة.
ومنهم من يصنع الطعام والحلوى وغير ذلك , ويقدمه لمن حضر.
ومنهم من يقيمه في المساجد , ومنهم من يقيمه في البيوت.
ومنهم من لا يقتصر على ما ذكر , فيجعل هذا الاجتماع مشتملاً على محرمات ومنكرات من اختلاط الرجال بالنساء والرقص والغناء , أو أعمال شركية كالاستغاثة بالرسول ﷺ وندائه والاستنصار به على الأعداء وغير ذلك.
وهو بجميع أنواعه واختلاف أشكاله واختلاف مقاصد فاعليه لا شك ولا ريب أنه بدعة محرمة محدثة أحدثها الشيعة الفاطميون بعد القرون الثلاثة المفضلة لإفساد دين المسلمين. وأول من أظهره بعدهم الملك المظفر أبو سعيد كوكبوري ملك إربل في آخر القرن السادس أو أول القرن السابع الهجري , كما ذكره المؤرخون كابن خلكان وغيرهما.
وقال أبو شامة: وكان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين , وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل وغيره.
قال الحافظ ابن كثير في (البدية والنهاية: ١٣/١٣٧) في ترجمة أبي سعيد كزكبوري: (وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاٌ هائلاً.. إلى أن قال: قال البسط: حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد كان يمد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس مشوي , وعشرة آلاف دجاجة , ومائة ألف زبدية , وثلاثين صحن حلوى.. إلى أن قال: ويعمل للصوفية سماعاً من الظهر إلى الفجر ويرقض بنفسه معهم.
وقال ابن خلكان في (وفيات الأعيان: ٣/٢٧٤) : فإذا كان أول صفر زينوا تلك القباب بأنواع الزينة الفاخرة المتجملة , وقعد في كل قبة جوق من الأغاني وجوق من أرباب الخيال ومن أصحاب الملاهي , ولم يتركوا طبقة من تلك الطبقات (طبقات القباب) حتى رتبوا فيها جوقاً.
وتبطل معايش الناس في تلك المدة، وما يبقى لهم شغل إلا التفرج والدوران عليهم ... " إلى أن قال: (فإذا كان قبل المولد بيومين أخرج من الإبل والبقر والغنم شيئاً كثيراً زائداً عن الوصف، وزفها بجميع ما عنده من الطبول والأغاني والملاهي، حتى يأتي بها إلى الميدان ... " إلى أن قال: " فإذا كانت ليلة المولد عمل السماعات بعد أن يصلي المغرب في القلعة ".
فهذا مبدأ حدوث الاحتفال وإحيائه بمناسبة ذكرى المولد، حدث متأخراً ومقترنأً باللهو والسرف وإضاعة الأموال والأوقات وراء بدعة ما أنزل الله بها من سلطان.
والذي يليق بالمسلم إنما هو إحياء السنن وإماتة البدع، وألا يقدم على عمل حتى يعلم حكم الله فيه.
стр. 15871
حكم الاحتفال بذكرى المولد النبوي:
الاحتفال بمناسبة مولد الرسول ﷺ ممنوع ومردود من عدة وجوه:
أولاً: أنه لم يكن من سنة الرسول ﷺ ولا من سنة خلفائه. وما كان كذلك فهو من البدع الممنوعة، لقوله ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) أخرجه أحمد ٤/١٢٦، والترمذي برقم ٢٦٧٦.
والاحتفال بالمولد محدث أحدثه الشيعة الفاطميون بعد القرون المفضلة لإفساد دين المسلمين. ومن فعل شيئاً يتقرب به إلى الله تعالى لم يفعله الرسول ﷺ ولم يأمر به، ولم يفعله خلفاؤه من بعده، فقد تضمن فعله اتهام الرسول بأنه لم يبين للناس دينهم، وتكذيب قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) المائدة/٣ لأنه جاء بزيادة يزعم أنها من الدين ولم يأت بها الرسول ﷺ .
ثانياً: في الاحتفال بذكرى المولد تشبه بالنصارى، لأنهم يحتفلون بذكرى مولد المسيح ﵇ والتشبه بهم محرم أشد التحريم، ففي الحديث النهي عن التشبه بالكفار، والأمر بمخالفتهم، ففد قال ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم) أخرجه أحمد ٢/٥٠، وأبو داود ٤/٣١٤، وقال: (خالفوا المشركين) أخرجه مسلم ١/٢٢٢ رقم ٢٥٩، ولا سيما فيما هو من شعائر دينهم.
ثالثاً: ن الاحتفال بذكرى مولد الرسول مع كونه بدعة وتشبهاُ بالنصارى وكل منهما محرم فهو كذلك وسيلة إلى الغلو والمبالغة في تعظيمه حتى يفضي إلى دعائه والاستعانة به من دون الله، كما هو الواقع الآن من كثير ممن يحييون بدعة المولد، من دعاء الرسول من دون الله، وطلب المدد منه، وإنشاد القصائد الشركية في مدحه كقصيدة البردة وغيرها، وقد نهى ﷺ عن الغلو في مدحه فقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله) أخرجه البخاري ٤/١٤٢ رقم ٣٤٤٥، الفتح ٦/٥٥١، أي لا تغلوا في مدحي وتعظيمي كما غلت النصارى في مدح المسيح وتعظيمه حتى عبدوه من دون الله، وقد نهاهم الله عن ذلك بقوله: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) النساء/١٧١
ونهانا نبينا ﷺ عن الغلو خشية أن يصيبنا ما أصابهم، فقال: (إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو) أخرجه النسائي ٥/٢٦٨، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي رقم ٢٨٦٣.
رابعاً: إن إحياء بدعة المولد يفتح الباب للبدع الأخرى والاشتغال بها عن السنن، ولهذا تجد المبتدعة ينشطون في إحياء البدع ويكسلون عن السنن ويبغضونها ويعادون أهلها، حتى صار دينهم كله ذكريات بدعية وموالد، وانقسموا إلى فرق كل فرقة تحيي ذكرى موالد أئمتها، كمولد البدوي وابن عربي والدسوقي والشاذلي، وهكذا لا يفرغون من مولد إلا يشتغلون بآخر، ونتج عن ذلك الغلو بهؤلاء الموتى وبغيرهم ودعائهم من دون الله، واعتقادهم أنهم ينفعون ويضرون حتى انسلخوا من دين الله وعادوا إلى دين أهل الجاهلية الذين قال الله فيهم: (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) يونس/١٨، وقال تعالى: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) الزمر/٣
стр. 15872
مناقشة شبه مقيمي المولد:
هذا، وقد يتعلق من يرى إحياء هذه البدعة بشبه أوهى من بيوت العنكبوت، ويمكن حصر هذه الشبه فيما يلي:
١- دعواهم أن في ذلك تعظيماً للنبي ﷺ :
والجواب عن ذلك أن نقول: إنما تعظيمه ﷺ بطاعته وامتثال أمره واجتناب نهيه ومحبته ﷺ ، وليس تعظيمه بالبدع والخرافات والمعاصي، والاحتفال بذكرى المولد من هذا القبيل المذموم لأنه معصية، وأشد الناس تعظيماً للنبي ﷺ هم الصحابة ﵃، كما قال عروة بن مسعود لقريش: (أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداًُ ﷺ ، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوءه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون النظر إليه تعظيماً له) البخاري ٣/١٧٨ رقم ٢٧٣١، ٢٧٣٢، الفتح: ٥/٣٨٨، ومع هذا التعظيم ما جعلوا يوم مولده عيداً واحتفالاً، ولو كان ذلك مشروعاً ما تركوه.
٢- الاحتجاج بأن هذا عمل كثير من الناس في كثير من البلدان:
والجواب عن ذلك أن نقول: الحجة بما ثبت عن الرسول ﷺ ، والثابت عن الرسول ﷺ النهي عن البدع عموماً، وهذا منها، وعمل الناس إذا خالف الدليل فليس بحجة وإن كثروا: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) الأنعام/١١٦، مع أنه لا يزال بحمد الله في كل عصر من ينكر هذه البدعة ويبين بطلانها، فلا حجة بعمل من استمر على إحيائها بعد ما تبين له الحق.
فممن أنكر الاحتفال بهذه المناسبة شيخ الإسلام ابن تيمية في " اقتضاء الصراط المستقيم "، والإمام الشاطبي في " الاعتصام "، وابن الحاج في " المدخل "، والشيخ تاج الدين علي بن عمر اللخمي ألّف في إنكاره كتاباً مستقلاً، والشيخ محمد بشير السهسواني الهندي في كتابه " صيانة الإنسان "، والسيد محمد رشيد رضا ألف فيه رسالة مستقلة، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ألف فيه رسالة مستقلة، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وغير هؤلاء ممن لا يزالون يكتبون في إنكار هذه البدعة كل سنة في صفحات الجرائد والمجلات، في الوقت الذي تقام فيه هذه البدعة.
٣- يقولون: إن في إقامة المولد إحياءً لذكرى النبي ﷺ .
والجواب عن ذلك أن نقول: إن ذكرى الرسول ﷺ تتجدد مع المسلم، ويرتبط بها المسلم لكما ذكر اسمه ﷺ في الآذان والإقامة والخطب، وكلما ردد المسلم الشهاتين بعد الوضوء وفي الصلوات، وكلما صلى على النبي ﷺ في صلواته وعند ذكره، وكلما عمل المسلم عملاً صالحاً واجباً أو مستحباً مما شرعه الرسول ﷺ فإنه بذلك يتذكره ويصل إليه في الأجر مثل أجر العامل.. وهكذا المسلم دائماً يحيي ذكرى الرسول ويرتبط به في الليل والنهار طوال عمره بما شرعه الله، لا في يوم المولد فقط وبما هو بدعة ومخالفة لسنته، فإن ذلك يبعد عن الرسول ﷺ ويتبرأ منه.
والرسول ﷺ غني عن هذا الاحتفال البدعي بما شرعه الله له من تعظيمه وتوقيره كما في قوله تعالى: (ورفعنا لك ذكرك) الشرح/٤، فلا يذكر الله في أذان ولا إقامة ولا خطبة وإلا يذكر بعده الرسول ﷺ وكفى بذلك تعظيماً ومحبة وتجديداُ لذكراه وحثاً على اتباعه.
والله لم ينوه في القرآن بولادة الرسول ﷺ ، وإنما نوه ببعثته، فقال: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم) آل عمران/١٦٤، وقال: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم) الجمعة/٢
٤- وقد يقولون: الاحتفال بذكرى المولد النبوي أحدثه ملك عادل عالم، قصد به التقرب إلى الله!
والجواب عن ذلك أن نقول: البدعة لا تُقبل من أي أحد كان، وحُسن القصد لا يُسوغ العمل السيئ، وموته عالماً وعادلاً لا يقتضي عصمته.
٥- قولهم: إن إقامة المولد من قبيل البدعة الحسنة لأنه ينبئ عن الشكر لله على وجود النبي الكريم!
ويجاب عن ذلك بأن يقال: ليس في البدع شيء حسن، فقد قال ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أخرجه البخاري ٣/١٦٧ رقم ٢٦٩٧، الفتح ٥/٣٥٥، وقال ﷺ : (فإن كل بدعة ضلالة) أخرجه أحمد ٤/١٢٦، والترمذي رقم ٢٦٧٦، فحكم على البدع كلها بأنها ضلالة، وهذا يقول: ليس كل بدعة ضلالة، بل هناك بدعة حسنة.
قال الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين: (فقوله ﷺ : " كل بدعة ضلالة " من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ﷺ : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " أخرجه البخاري ٣/١٦٧ رقم ٢٦٩٧، الفتح ٥/٣٥٥، فكل من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة) انتهي جامع العلوم والحكم، ص ٢٣٣
وليس لهولاء حجة على أن هناك بدعة حسنة إلا قول عمر ﵁ في صلاة التراويح: (نعمت البدعة هذه) صحيح البخاري ٢/٢٥٢ رقم ٢٠١٠ معلقاً، الفتح ٤/٢٩٤
وقالوا أيضاً: أنها أُحدثت أشياء لم يستنكرها السلف، مثل: جمع القرآن في كتاب واحد، وكتابة الحديث وتدوينه.
والجواب عن ذلك أن هذه الأمور لها أصل في الشرع فليست محدثة.
وقول عمر: (نعمت البدعة) يريد: البدعة اللغوية لا الشرعية، فما كان له أصل في الشرع يرجع إليه، إذا قيل: إنه بدعة، فهو بدعة لغة لا شرعاُ، لأن البدعة شرعاً ما ليس له أصل في الشرع يرجع إليه.
وجمع القرآن في كتاب واحد له أصل في الشرع، لأن النبي ﷺ كان يأمر بكتابة القرآن لكن كان مكتوباً متفرقاُ، فجمعه الصحابة في كتاب واحد حفظأً له.
والتروايح قد صلاها النبي ﷺ بأصحابه ليالي وتخلف عنهم في الأخير خشية أن تُفرض عليهم، واستمر الصحابة ﵃ يصلونها أوزاعاً متفرقين في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته، إلى أن جمعهم عمر بن الخطاب ﵁ خلق إمام واحد كما كانوا خلف النبي ﷺ ، وليس هذا بدعة في الدين.
وكتابة الحديث أيضاً لها أصل في الشرع، فقد أمر النبي ﷺ بكتابة بعض الأحاديث لبعض أصحابه لما طلب منه ذلك، وكان المحذور من كتابته بصفة عامة في عهده ﷺ خشية أن يختلط بالقرآن ما ليس منه، فلما توفي ﷺ انتفى هذا المحذور، لأن القرآن قد تكامل وضبط قبل وفاته ﷺ ، فدوّن المسلموت السنة بعد ذلك حفظاً لها من الضياع، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، حيث حفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ من الضياع وعبث العابثين.
ويقال أيضاً: لماذا تأخر القيام بهذا الشكر على زعمكم فلم يقم يه أفضل القرون من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وهم أشد محبة للنبي ﷺ وأحرص على فعل الخير والقيام بالشكر، فهل كان من أحدث بدعة المولد أهدى منهم وأعظم شكراُ لله ؟ حاشا وكلا.
٦- قد يقولون: إن الاحتفال بذكرى مولده ﷺ ينبئ عن محبته فهو مظهر من مظاهرها، وإظهار محبته ﷺ مشروع!
والجواب أن نقول: لا شك أن محبته ﷺ واجبة على كل مسلم أعظم من محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين - بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه - ولكن ليس معنى ذلك أن تبتدع في ذلك شيئاً لم يشرعه لنا، بل محبته تقتضي طاعته واتباعه، فإن ذلك من أعظم مظاهر محبته، كما قيل:
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحبّ لمن يحب مطيع
فمحبته ﷺ تقتضي إحياء سنته، والعض عليها بالنواجذ، ومجانبة ما خالفها من الأقوال والأفعال، ولا شك أن كل ما خالف سنته فهو بدعة مذمومة ومعصية ظاهرة، ومن ذلك الاحتفال بذكرى مولده وغيره من البدع، وحسن النية لا يبيح الابتداع في الدين، فإن الدين مبني على أصلين: الإخلاص والمتابعة، قال تعالى: (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) البقرة / ١١٢، فإسلام الوجه لله الإخلاص لله، والإحسان هو التابعة للرسول وإصابة السنة.
٧- ومن شبههم: أنهم يقولون: إن في إحياء ذكرى المولد وقراءة سيرة الرسول ﷺ في هذه المناسبة حثاً على الاقتداء والتأسي به!
فنقول لهم: إن قراءة سيرة الرسول ﷺ والتأسي به مطلوبان من المسلم دائماً طوال السنة وطوال الحياة، أما تخصيص يوم معين لذلك بدون دليل على التخصيص فإنه يكون بدعة " وكل بدعة ضلالة " أخرجه أحمد ٤/١٦٤، والترمذي ٢٦٧٦، والبدعة لا تثمر إلا شراً وبعداً عن النبي ﷺ .
قال ﷺ : (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعيلكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) أخرجه أحمد ٤/١٢٦، والترمذي رقم ٢٦٧٦، فبين لنا ﷺ في هذا الحديث الشريف بمن نقتدي عند الاختلاف، كما بين أن كل ما خالف السنة من الأقوال والأفعال فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة.
وإذا عرضنا الاحتفال بالمولد النبوي لم نجد له أصلاً في سنة رسول الله ﷺ ، ولا في سنة خلفائه الراشدين، إذن فهو من محدثات الأمور ومن البدع المضلة، وهذا الأصل الذي تضمّنه هذا الحديث وقد دل عليه قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاًُ) النساء /٥٩
والرد إلى الله هو الرجوع إلى كتابه الكريم، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرجوع إلى سنته بعد وفاته، فالكتاب والسنة هما المرجع عند التنازل، فأين في الكتاب والسنة ما يدل على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي؟ فالواجب على من يغعل ذلك أو يستحسنه أن يتوب إلى الله تعالى منه ومن غيره من البدع، فهذا هو شأن المؤمن الذي ينشد الحق، وأما من عاند وكابر بعد قيام الحجة فإنما حسابه عند ربه.
كتاب حقوق النبي ﷺ بين الإجلال والإخلال ص ١٣٩
الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان
عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية.
стр. 15873
عيد الأم! نبذة تاريخية، وحكمه عند أهل العلم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
تمهيد
فقد أخبر النبي ﷺ عن وقوع متابعة أمته للأمم السابقة من اليهود والنصارى والفرس، وليس هذا - بلا شك - من المدح لفعلهم هذا بل هو من الذم والوعيد، فعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لتتبعن سَنن من قبلكم شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ، حتى لو سلكوا جحر ضبٍّ لسلكتموه، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن!؟ "، رواه البخاري (٣٢٦٩) ومسلم (٢٦٦٩) .
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ، فقيل: يا رسول الله كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك؟ ".
رواه البخاري (٦٨٨٨) .
أخذ القرون: المشي على سيرتهم.
وقد تابع جهلة هذه الأمة ومبتدعتها وزنادقتها الأمم السابقة من اليهود والنصارى والفرس في عقائدهم ومناهجهم وأخلاقهم وهيئاتهم، ومما يهمنا - الآن - أن ننبه عليه في هذه الأيام هو اتباعهم ومشابهتم في ابتداع " عيد الأم " أو " عيد الأسرة "، وهو اليوم الذي ابتدعه النصارى تكريماً - في زعمهم - للأم، فصار يوماً معظَّما تعطَّل فيه الدوائر ويصل فيه الناس أمهاتهم ويبعثون لهن الهدايا والرسائل الرقيقة، فإذا انتهى اليوم عادت الأمور لما كانت عليه من القطيعة والعقوق.
والعجيب من المسلمين أن يحتاجوا لمثل هذه المشابهة وقد أوجب الله تعالى عليهم بر الأم وحرَّم عليهم عقوقها وجعل الجزاء على ذلك أرفع الدرجات.
تعريف العيد
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فالعيد اسم لما يعود من الاجتماع على وجه معتاد، عائد: إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك " اقتضاء الصراط المستقيم " (١ / ٤٤١) .
وقال ابن عابدين ﵀: " سُمي العيد بهذا الاسم؛ لأن لله تعالى فيه عوائد الإحسان، أي: أنواع الإحسان العائدة على عباده في كل يوم، منها: الفطر بعد المنع عن الطعام، وصدقة الفطر، وإتمام الحج بطواف الزيارة، ولحوم الأضاحي، وغير ذلك، ولأن العادة فيه الفرح والسرور والنشاط والحبور ".
" حاشية ابن عابدين " (٢ / ١٦٥) .
كم عيد في الإسلام؟
يلحظ المسلم كثرة الأعياد عند المسلمين في هذه الأزمنة، مثل " عيد الشجرة "، و " عيد العمال " و " عيد الجلوس " و " عيد الميلاد " ...الخ وهكذا في قائمة طويلة، وكل هذا من اتباع اليهود والنصارى والمشركين، ولا أصل لهذا في الدين، وليس في الإسلام إلا عيد الأضحى وعيد الفطر.
عن أنس بن مالك قال كان لأهل الجاهلية يومان في كل سنة يلعبون فيهما فلما قدم النبي ﷺ المدينة قال: كان لكم يومان تلعبون فيهما وقد أبدلكم الله بهما خيراً منهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى.
رواه أبو داود (١١٣٤) والنسائي (١٥٥٦) ، وصححه الشيخ الألباني.
بر الأم
قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ [النساء / ٣٦] .
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ [الإسراء / ٢٣] .
عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك.
رواه البخاري (٥٦٢٦) ومسلم (٢٥٤٨) .
قال الحافظ ابن حجر:
قال ابن بطال: مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، قال: وكان ذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع فهذه تنفرد بها الأم وتشقى بها ثم تشارك الأب في التربية، وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهنٍ وفصاله في عامين﴾ ، فسوَّى بينهما في الوصاية، وخص الأم بالأمور الثلاثة، قال القرطبي: المراد أن الأم تستحق على الولد الحظ الأوفر من البر، وتقدَّم في ذلك على حق الأب عند المزاحمة، وقال عياض: وذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل في البر على الأب، وقيل: يكون برهما سواء، ونقله بعضهم عن مالك والصواب الأول.
" فتح الباري " (١٠ / ٤٠٢) .
بل وحتى الأم المشركة فإن الشرع المطهر الحكيم رغَّب بوصلها:
فعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمتْ عليَّ أمِّي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيتُ رسول الله ﷺ قلت: قدمتْ عليَّ أمِّي وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: نعم صِلِي أمَّك.
رواه البخاري (٢٤٧٧) .
الأم في بلاد الكفر
إن المتتبع لأحوال الأسرة عموما وللأم خاصة في المجتمعات الغير إسلامية ليسمع ويقرأ عجباً، فلا تكاد تجد أسرة متكاملة يصل أفرادها بعضهم بعضاً فضلا عن لقاءات تحدث بينهم وفضلا عن اجتماع دائم.
وكما قال بعض المشاهدين لبلاد الكفر: إنك قد تجد في الأسواق أو الطرقات أما وابنها أو ابنتها، أو أبا وابنه وابنته، لكنه من النادر أن تجد الأسرة كاملة تتسوق أو تمشي في الطرقات.
وعندما يصير الأب أو الأم في حالة الكِبَر يسارع البار! بهما إلى وضعهما في دور العجزة والمسنِّين، وقد ذهب بعض المسلمين إلى بعض تلك الدور وسأل عشرة من المسنِّين عن أمنيته، فكلهم قالوا: الموت!! وما ذلك إلى بسبب ما يعيشه الواحد منهم من قهر وحزن وأسى على الحال التي وصل الواحد منهم إليها وتخلى عنهم فلذات أكبادهم في وقت أحوج ما يكون الواحد إليهم.
وقت عيد الأم عند الدول
الاحتفال بعيد الأم يختلف تارخه من دولة لأخرى، وكذلك أسلوب الاحتفال به، فالنرويج تقيمه في الأحد الثاني من فبراير، أما في الأرجنتين فهو يوم الأحد الثاني من أكتوبر، وفي لبنان يكون اليوم الأول من فصل الربيع، وجنوب أفريقيا تحتفل به يوم الأحد الأول من مايو.
أما في فرنسا فيكون الاحتفال أكثر بالعيد كعيد الأسرة في يوم الأحد الأخير من مايو حيث يجتمع أفراد الأسرة للعشاء معاً ثم تقدم كيكة للأم.
والسويد أيضا عندها عطلة عيد الأسرة في الأحد الأخير من مايو وقبلها بأيام يقوم الصليب الأحمر السويدي ببيع وردات صغيرة من البلاستيك تقدم حصيلتها للأمهات اللاتي يكن في عطلة لرعاية أطفالهن. وفي اليابان يكون الاحتفال في يوم الأحد الثاني من مايو مثل أمريكا الشمالية وفيه يتم عرض صور رسمها أطفال بين السادسة والرابعة عشرة من عمرهم وتدخل ضمن معرض متجول يحمل اسم "أمي" ويتم نقله كل ٤ سنوات يتجول المعرض في عديد من الدول.
عيد الأم، نبذة تاريخية
قال بعض الباحثين:
يزعم بعض المؤرخين أن عيد الأم كان قد بدأ عند الإغريق في احتفالات عيد الربيع، وكانت هذه الاحتفالات مهداة إلى الإله الأم "ريا" زوجة "كرونس" الإله الأب، وفي روما القديمة كان هناك احتفال مشابه لهذه الاحتفالات كان لعبادة أو تبجيل "سيبل" -أم أخرى للآلهة. وقد بدأت الأخيرة حوالي ٢٥٠ سنة قبل ميلاد السيد المسيح ﵇؛ وهذه الاحتفالات الدينية عند الرومان كانت تسمى "هيلاريا" وتستمر لثلاثة أيام من ١٥ إلى ١٨ مارس.
الأحد في إنجلترا
وهو يوم شبيه باحتفالات عيد الأم الحالية، ولكنه كان يسمى أحد الأمهات أو أحد نصف الصوم، لأنه كان يُقام في فترة الصوم الكبير عندهم، والبعض يقول إن الاحتفالات التي كانت تقام لعبادة وتكريم "سيبل" الرومانية بُدِّلت من قبل الكنيسة باحتفالات لتوقير وتبجيل مريم ﵍، وهذه العادة بدأت بحَثِّ الأفراد على زيارة الكنيسة التابعين لها والكنيسة الأم محمَّلين بالقرابين، وفي عام ١٦٠٠ بدأ الشباب والشابات ذوو الحرف البسيطة والخادمون في زيارة أمهاتهم في "أحد الأمهات" مُحمَّلين بالهدايا والمأكولات، هذا عن انجلترا أما عن الولايات المتحدة الأمريكية فكانت هناك قصة أخرى.
الولايات المتحدة
آنا. م.جارفس: (١٨٦٤-١٩٤٨) :
هي صاحبة فكرة ومشروع جعل يوم عيد الأم إجازة رسمية في الولايات المتحدة، فهي لم تتزوج قط وكانت شديدة الارتباط بوالدتها، وكانت ابنه للدير، وتدرس في مدرسة الأحد التابعة للكنيسة النظامية "أندرو" في جرافتون غرب فرجينيا، وبعد موت والدتها بسنتين بدأت حملة واسعة النطاق شملت رجال الأعمال والوزراء ورجال الكونجرس؛ لإعلان يوم عيد الأم عطلة رسمية في البلاد، وكان لديها شعور أن الأطفال لا يقدرون ما تفعله الأمهات خلال حياتهم، وكانت تأمل أن يزيد هذا اليوم من إحساس الأطفال والأبناء بالأمهات والآباء، وتقوى الروابط العائلية المفقودة
البداية:
قامت الكنيسة بتكريم الآنسة آنا جارفس في جرافتون غرب فرجينيا وفلادلفيا وبنسلفانيا في العاشر من مايو ١٩٠٨، وكانت هذه بداية الاحتفال بعيد الأم في الولايات المتحدة.
وكان القرنفل من ورود والدتها المفضلة وخصوصًا الأبيض؛ لأنه يعبر عن الطيبة والنقاء والتحمل والذي يتميز به حب الأم، ومع مرور الوقت أصبح القرنفل الأحمر إشارة إلى أن الأم على قيد الحياة، والأبيض أن الأم رحلت عن الحياة.
وأول إعلان رسمي عن عيد الأم في الولايات المتحدة كان غرب فرجينيا ولاية أوكلاهوما سنة ١٩١٠، ومع عام ١٩١١ كانت كل الولايات المتحدة قد احتفلت بهذا اليوم، ومع هذا الوقت كانت الاحتفالات قد دخلت كلاً من المكسيك، وكندا، والصين، واليابان، وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، ثم وافق الكونجرس الأمريكي رسميًّا على الإعلان عن الاحتفال بيوم الأم، وذلك في العاشر من مايو سنة ١٩١٣، وقد اختير يوم الأحد الأول من شهر مايو للاحتفال بعيد الأم.
عيد الأم العربي
بدأت فكرة الاحتفال بعيد الأم العربي في مصر على يد الأخوين "مصطفى وعلي أمين" مؤسسي دار أخبار اليوم الصحفية.. فقد وردت إلى علي أمين ذاته رسالة من أم تشكو له جفاء أولادها وسوء معاملتهم لها، وتتألم من نكرانهم للجميل.. وتصادف أن زارت إحدى الأمهات مصطفى أمين في مكتبه.. وحكت له قصتها التي تتلخص في أنها ترمَّلت وأولادها صغار، فلم تتزوج، وأوقفت حياتها على أولادها، تقوم بدور الأب والأم، وظلت ترعى أولادها بكل طاقتها، حتى تخرجوا في الجامعة، وتزوجوا، واستقل كل منهم بحياته، ولم يعودوا يزورونها إلا على فترات متباعدة للغاية، فكتب مصطفى أمين وعلي أمين في عمودهما الشهير "فكرة" يقترحان تخصيص يوم للأم يكون بمثابة تذكرة بفضلها، وأشارا إلى أن الغرب يفعلون ذلك، وإلى أن الإسلام يحض على الاهتمام بالأم، فانهالت الخطابات عليهما تشجع الفكرة، واقترح البعض أن يخصص أسبوع للأم وليس مجرد يوم واحد، ورفض آخرون الفكرة بحجة أن كل أيام السنة للأم وليس يومًا واحدًا فقط، لكن أغلبية القراء وافقوا على فكرة تخصيص يوم واحد، وشارك القراء في اختيار يوم ٢١ مارس ليكون عيدًا للأم، وهو أول أيام فصل الربيع؛ ليكون رمزًا للتفتح والصفاء والمشاعر الجميلة.. واحتفلت مصر بأول عيد أم في ٢١ مارس سنة ١٩٥٦م.. ومن مصر خرجت الفكرة إلى البلاد العربية الأخرى.. وقد اقترح البعض في وقت من الأوقات تسمية عيد الأم بعيد الأسرة ليكون تكريمًا للأب أيضًا، لكن هذه الفكرة لم تلق قبولاً كبيرًا، واعتبر الناس ذلك انتقاصًا من حق الأم، أو أن أصحاب فكرة عيد الأسرة "يستكثرون" على الأم يومًا يُخصص لها.. وحتى الآن تحتفل البلاد العربية بهذا اليوم من خلال أجهزة الإعلام المختلفة.. ويتم تكريم الأمهات المثاليات اللواتي عشن قصص كفاح عظيمة من أجل أبنائهن في كل صعيد. انتهى
ولا عجب بعدها من معرفة أن أكثر من يحتفل بهذه الأعياد اليهود والنصارى والمتشبهون بهم، ويُظهرون ذلك على أنه اهتمام بالمرأة والأم وتحتفل بعض الأندية الماسونية في العالم العربي بعيد الأم كنوادي الروتاري والليونز.
وبالمناسبة فإن يوم عيد الأم وهو ٢١ مارس هو رأس السنة عند الأقباط النصارى، وهو يوم عيد النوروز عند الأكراد.
الموقف الشرعي من عيد الأم:
الإسلام غني عما ابتدعه الآخرون سواءً عيد الأم أو غيره، وفي تشريعاته من البر بالأمهات ما يغني عن عيد الأم المبتدع.
فتاوى أهل العلم
١. قال علماء اللجنة الدائمة:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه.. وبعد:
أولا: العيد اسم لما يعود من الاجتماع على وجه معتاد إما بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع أو نحو ذلك فالعيد يجمع أمورا منها: يوم عائد كيوم عيد الفطر ويوم الجمعة، ومنها: الاجتماع في ذلك اليوم، ومنها: الأعمال التي يقام بها في ذلك اليوم من عبادات وعادات.ثانيا: ما كان من ذلك مقصودا به التنسك والتقرب أو التعظيم كسبا للأجر، أو كان فيه تشبه بأهل الجاهلية أو نحوهم من طوائف الكفار فهو بدعة محدثة ممنوعة داخلة في عموم قول النبي ﷺ " من احدث في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد " رواه البخاري ومسلم، مثال ذلك الاحتفال بعيد المولد وعيد الأم والعيد الوطني لما في الأول من إحداث عبادة لم يأذن بها الله، وكما في ذلك التشبه بالنصارى ونحوهم من الكفرة، ولما في الثاني والثالث من التشبه بالكفار، وما كان المقصود منه تنظيم الأعمال مثلا لمصلحة الأمة وضبط أمورها كأسبوع المرور وتنظيم مواعيد الدراسة والاجتماع بالموظفين للعمل ونحو ذلك مما لا يفضي إلى التقرب به والعبادة والتعظيم بالأصالة، فهو من البدع العادية التي لا يشملها قوله ﷺ : " من أحدث في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد " فلا حرج فيه بل يكون مشروعاً.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٣ / ٥٩، ٦١) .
٢. وقالوا - أيضاً -:
لا يجوز الاحتفال بما يسمى " عيد الأم " ولا نحوه من الأعياد المبتدعة لقول النبي ﷺ " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد "، وليس الاحتفال بعيد الأم من عمله ﷺ ولا من عمل أصحابه ﵃ ولا من عمل سلف الأمة، وإنما هو بدعة وتشبه بالكفار.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٣ / ٨٦) .
٣. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز:
اطلعتُ على ما نشرته صحيفة (الندوة) في عددها الصادر بتاريخ ٣٠ / ١١ / ١٣٨٤ هـ تحت عنوان (تكريم الأم.. وتكريم الأسرة) فألفيت الكاتب قد حبذ من بعض الوجوه ما ابتدعه الغرب من تخصيص يوم في السنة يحتفل فيه بالأم وأَوْرَدَ عليه شيئا غفل عنه المفكرون في إحداث هذا اليوم وهي ما ينال الأطفال الذين ابتلوا بفقد الأم من الكآبة والحزن حينما يرون زملائهم يحتفلون بتكريم أمهاتهم واقترح أن يكون الاحتفال للأسرة كلها واعتذر عن عدم مجيء الإسلام بهذا العيد؛ لأن الشريعة الإسلامية قد أوجبت تكريم الأم.
ولقد أحسن الكاتب فيما اعتذر به عن الإسلام وفيما أورده من سيئة هذا العيد التي قد غفل عنها من أحدثه ولكنه لم يشر إلى ما في البدع من مخالفة صريح النصوص الواردة عن رسول الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام ولا إلى ما في ذلك من الأضرار ومشابهة المشركين والكفار فأردت بهذه الكلمة الوجيزة أن أنبه الكاتب وغيره على ما في هذه البدعة وغيرها مما أحدثه أعداء الإسلام والجاهلون به من البدع في الدين حتى شوهوا سمعته ونفروا الناس منه وحصل بسبب ذلك من اللبس والفرقة ما لا يعلم مدى ضرره وفساده إلا الله سبحانه.
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ التحذير من المحدثات في الدين وعن مشابهة أعداء الله من اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين مثل قوله ﷺ : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " متفق عليه وفي لفظ لمسلم " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد "، والمعنى:
فهو مردود على ما أحدثه وكان ﷺ يقول في خطبته يوم الجمعة: " أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة " خرجه مسلم في صحيحه، ولا ريب أن تخصيص يوم من السنة للاحتفال بتكريم الأم أو الأسرة من محدثات الأمور التي لم يفعلها رسول الله ﷺ ولا صحابته المرضيون، فوجب تركه وتحذير الناس منه، والاكتفاء بما شرعه الله ورسوله.
وقد سبق أن الكاتب أشار إلى أن الشريعة الإسلامية قد جاءت بتكريم الأم والتحريض على برها كل وقت وقد صدق في ذلك فالواجب على المسلمين أن يكتفوا بما شرعه الله لهم من بر الوالدة وتعظيمها والإحسان إليها والسمع لها في المعروف كل وقت وأن يحذروا من محدثات الأمور التي حذرهم الله منها والتي تفضي بهم إلى مشابهة أعداء الله والسير في ركابهم واستحسان ما استحسنوه من البدع, وليس ذلك خاصا بالأم بل قد شرع الله للمسلمين بر الوالدين جميعا وتكريمهما والإحسان إليهما وصلة جميع القرابة وحذرهم سبحانه من العقوق والقطيعة وخص الأم بمزيد العناية والبر؛ لأن عنايتها بالولد أكبر ما ينالها من المشقة في حمله وإرضاعه وتربيته أكثر قال الله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ الإسراء/٢٣، وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ لقمان/١٤، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ محمد/٢٢، ٢٣.
وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور، وسأله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله أي الناس أحق بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك ثم الأقرب فالأقرب.
وقال ﵊ " لا يدخل الجنة قاطع "، يعني: قاطع رحم، وصح عنه ﷺ أنه قال: من أحب أن يبسط له في رزقه ويُنسأ له في أجَله فليصل رحمه "، والآيات والأحاديث في بر الوالدين وصلة الرحم وبيان تأكيد حق الأم كثيرة مشهورة وفيما ذكرنا منها كفاية ودلالة على ما سواه وهي تدل مَنْ تأملها دلالة ظاهرة على وجوب إكرام الوالدين جميعا واحترامهما والإحسان إليهما وإلى سائر الأقارب في جميع الأوقات وترشد إلى أن عقوق الوالدين وقطيعة الرحم من أقبح الصفات والكبائر التي توجب النار وغضب الجبار نسأل الله العافية من ذلك.
وهذا أبلغ وأعظم مما أحدثه الغرب من تخصيص الأم بالتكريم في يوم من السنة فقط ثم إهمالها في بقية العام مع الإعراض عن حق الأب وسائر الأقارب ولا يخفى على اللبيب ما يترتب على هذا الإجراء من الفساد الكبير مع كونه مخالفا لشرع أحكم الحاكمين وموجباً للوقوع فيما حذر منه رسوله الأمين.
ويلتحق بهذا التخصيص والابتداع ما يفعله كثير من الناس من الاحتفال بالموالد وذكرى استقلال البلاد أو الاعتلاء على عرش الملك وأشباه ذلك فإن هذه كلها من المحدثات التي قلد فيها كثير من المسلمين غيرهم من أعداء الله وغفلوا عما جاء به الشرع المطهر من التحذير من ذلك والنهي عنه وهذا مصداق الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ حيث قال: " لتتبعن سَنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن "،
وفي لفظ آخر: " لتأخذن أمتي مأخذ الأمم قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع، قالوا: يا رسول الله فارس والروم؟ قال: فمن؟ "، والمعنى فمن المراد إلا أولئك فقد وقع ما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ من متابعة هذه الأمة إلا من شاء الله منها لمن كان قبلهم من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من الكفرة في كثير من أخلاقهم وأعمالهم حتى استحكمت غربة الإسلام وصار هدي الكفار وما هم عليه من الأخلاق والأعمال أحسن عند الكثير من الناس مما جاء به الإسلام وحتى صار المعروف منكرا والمنكر معروفا والسنة بدعة والبدعة سنة عند أكثر الخلق بسبب الجهل والإعراض عما جاء به الإسلام من الأخلاق الكريمة والأعمال الصالحة المستقيمة فإنا لله وإنا إليه راجعون
ونسأل الله أن يوفق المسلمين للفقه في الدين وأن يصلح أحوالهم ويهدي قادتهم وأن يوفق علماءنا وكتابنا لنشر محاسن ديننا والتحذير من البدع والمحدثات التي تشوه سمعته وتنفر منه إنه على كل شيء قدير وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه ومن سلك سبيله واتبع نته إلى يوم الدين.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٥ / ١٨٩) .
٤. وقال الشيخ صالح الفوزان:
ومن الأمور التي يجري تقليد الكفار فيها: تقليدهم في أمور العبادات، كتقليدهم في الأمور الشركية من البناء على القبور، وتشييد المشاهد عليها والغلو فيها. وقد قال ﷺ : " لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "، وأخبر أنهم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه الصور، وإنهم شرار الخلق، وقد وقع في هذه الأدلة من الشرك الأكبر بسبب الغلو في القبور ما هو معلوم لدى الخاص والعام وسبب ذلك تقليد اليهود والنصارى.
ومن ذلك تقليدهم في الأعياد الشركية والبدعية كأعياد الموالد عند مولد الرسول ﷺ وأعياد موالد الرؤساء والملوك، وقد تسمى هذه الأعياد البدعية أو الشركية بالأيام أو الأسابيع - كاليوم الوطني للبلاد، ويوم الأم وأسبوع النظافة - وغير ذلك من الأعياد اليومية والأسبوعية، وكلها وافدة على المسلمين من الكفار؛ وإلا فليس في الإسلام إلا عيدان: عيد الفطر وعيد الأضحى، وما عداهما فهو بدعة وتقليد للكفار، فيجب على المسلمين أن ينتبهوا لذلك ولا يغتروا بكثرة من يفعله ممن ينتسب إلى الإسلام وهو يجهل حقيقة الإسلام، فيقع في هذه الأمور عن جهل، أو لا يجهل حقيقة الإسلام ولكنه يتعمد هذه الأمور، فالمصيبة حينئذ أشد، ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً﴾ الأحزاب/٢١.
من خطبة " الحث على مخالفة الكفار"
٥. وسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن حكم الاحتفال بما يسمى عيد الأم؟.
فأجاب:
إن كل الأعياد التي تخالف الأعياد الشرعية كلها أعياد بدع حادثة لم تكن معروفة في عهد السلف الصالح وربما يكون منشؤها من غير المسلمين أيضا؛ فيكون فيها مع البدعة مشابهة أعداء الله ، والأعياد الشرعية معروفة عند أهل الإسلام، وهي عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع (يوم الجمعة) وليس في الإسلام أعياد سوى هذه الأعياد الثلاثة، وكل أعياد أحدثت سوى ذلك فإنها مردودة على محدثيها وباطلة في شريعة الله ، لقول النبي ﷺ " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " أي: مردود عليه غير مقبول عند الله وفي لفظ: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد "، وإذا تبين ذلك فإنه لا يجوز في العيد الذي ذكر في السؤال والمسمى عيد الأم، لا يجوز فيه إحداث شيء من شعائر العيد، كإظهار الفرح والسرور، وتقديم الهدايا وما أشبه ذلك، والواجب على المسلم أن يعتز بدينه ويفتخر به وأن يقتصر على ما حده الله تعالى لعباده فلا يزيد فيه ولا ينقص منه، والذي ينبغي للمسلم أيضا ألا يكون إمعة يتبع كل ناعق بل ينبغي أن يُكوِّن شخصيته بمقتضى شريعة الله تعالى حتى يكون متبوعا لا تابعا، وحتى يكون أسوة لا متأسياً؛ لأن شريعة الله - والحمد لله - كاملة من جميع الوجوه كما قال تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ ، والأم أحق من أن يحتفى بها يوماً واحداً في السنة، بل الأم لها الحق على أولادها أن يرعوها، وأن يعتنوا بها، وأن يقوموا بطاعتها في غير معصية الله في كل زمان ومكان.
" فتاوى إسلامية " (١ / ١٢٤) ومجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٢ / ٣٠١، ٣٠٢) .
٦. وقال شيخ الإسلام - في التعليق على موضوع مقارب -:
وبهذا يتبين لك كمال موقع الشريعة الحنيفية، وبعض حكم ما شرع الله لرسوله [من] مباينة الكفار ومخالفتهم في عامة الأمور؛ لتكون المخالفة أحسم لمادة الشر وأبعد عن الوقوع فيما وقع فيه الناس، فينبغي للمسلم إذا طلب منه أهله وأولاده شيئاً من ذلك أن يحيلهم على ما عند الله ورسوله ويقضي لهم في عيد الله من الحقوق ما يقطع استشرافهم إلى غيره فإن لم يرضوا فلا حول ولا قوة إلا بالله ومن أغضب أهله لله أرضاه الله وأرضاهم. فليحذر العاقل من طاعة النساء في ذلك وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء "، وأكثر ما يفسد الملك والدول طاعة النساء، ففي صحيح البخاري عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ". .. وقد قال ﷺ لأمهات المؤمنين لما راجعنه في تقديم أبي بكر: " إنكن صواحب يوسف "، يريد أن النساء من شأنهن مراجعة ذي اللب كما قال في الحديث الآخر: " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب للب ذي اللب من إحداكن ".
قال بعض العلماء: ينبغي للرجل أن يجتهد إلى الله في إصلاح زوجته، وقد قال ﷺ : " من تشبه بقوم فهو منهم ".
" مجموع الفتاوى " (٢٥ / ٣٢٤ - ٣٢٦) .
والله أعلم.
стр. 15874
الكسوف بين أهل الإيمان وأهل الغفلة
стр. 15875
ماذا قال أهل الدنيا في الكسوف
قال باحث علمي: " إن الكسوف ظاهرة طبيعية يجب التعامل معها بدون رعب "
أما ماذا فعلوا فقد جاءت الأخبار بما يلي؟
- سيتم توفير النّارات الطبيّة للناس ليتمتّعوا بهذه اللحظات الممتعة.
- في بعض البلدان تمّ استيراد ٥٠,٠٠٠ نظّارة خاصة لاستخدامها في مشاهدة الكسوف في الأربعاء المقبل.
- سيتجمّع النّاس عند أجهزة التلسكوبات المخصّصة لإفساح المجال لهم لمشاهدة الكسوف بوسائل علمية متطوّرة.
- تنظّم الخطوط الجوية البريطانية رحلتين بطائرتي كونكورد لمراقبة كسوف الشّمس الأربعاء المقبل من مطار هيثرو وتتجّهان غربا عبر حتى منتصف المسافة ثم تعودان ليتمكن ٢٠٠ راكب من مشاهدة الكسوف على ارتفاع ٥٨٠٠٠ قدم وبضعف سرعة الصوت وقد بيعت جميع تذاكر الطائرتين في وقت قليل.
- وفي بعض البلدان نُصح الناس بلزوم البيوت وعدم الخروج إلى الشوارع إطلاقا.
هذا ما قاله أهل الغفلة فماذا يقول أهل الإيمان، قال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه
стр. 15876
بَاب الصَّلاةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ
عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَانْكَسَفَتْ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَجُرُّ رِدَاءهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْجَلَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ ﷺ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ [وَلا لِحَيَاتِهِ] ، [وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ] فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا [فَقُومُوا فَصَلُّوا] وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ ٩٨٢
وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الأُولَى ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ انْجَلَتْ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا ثُمَّ قَالَ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا. صحيح البخاري ٩٨٦
ثم قال ﵀: بَاب النِّدَاءِ بـ الصَّلاةُ جَامِعَةٌ فِي الْكُسُوفِ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ لَمَّا كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُودِيَ إِنَّ الصَّلاةَ جَامِعَةٌ. صحيح البخاري ٩٨٩
ثم قال ﵀:
بَاب التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الْكُسُوفِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا فَقَالَتْ لَهَا أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ ﵂ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا فَخَسَفَتْ الشَّمْسُ فَرَجَعَ ضُحًى فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ الْحُجَرِ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلا ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلا ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ وَانْصَرَفَ فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. رواه البخاري ٩٩١
ثم قال رحمه الله تعالى:
стр. 15877
بَاب الْجَهْرِ بِالْقِرَاءةِ فِي الْكُسُوفِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَمِرٍ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ جَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ مِنْ الرَّكْعَةِ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ثُمَّ يُعَاوِدُ الْقِرَاءَةَ فِي صَلاةِ الْكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ (أي ركوعات) فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ صحيح البخاري ١٠٠٤
ونقتطف فيما يلي فوائد مهمة من شرح الحافظ بن حجر العسقلاني ﵀ لأحاديث البخاري باختصار وتصرّف مع عناوين يسيرة:
الخسوف والكسوف تخويف من الله لعباده وتذكير لهم بيوم القيامة الذي يخسف فيه القمر وتكوّر فيه الشمس والقمر
قوله: (آيتان) أي علامتان (من آيات الله) أي الدالة على وحدانية الله وعظيم قدرته أو على تخويف العباد من بأس الله وسطوته , ويؤيده قوله تعالى (وما نرسل بالآيات إلا تخويفا)
قوله " يخوف الله بهما عباده ".. قد وقع في حديث النعمان بن بشير وغيره للكسوف سبب آخر غير ما يزعمه أهل الهيئة وهو ما أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وصححه ابن خزيمة والحاكم بلفظ " إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله , وأن الله إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له "
والحديث.. قد أثبته غير واحد من أهل العلم , وهو ثابت من حيث المعنى أيضا , لأن النورية والإضاءة من عالم الجمال الحسي , فإذا تجلت صفة الجلال انطمست الأنوار لهيبته. ويؤيده قوله تعالى (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) اهـ. ويؤيد هذا الحديث ما رويناه عن طاووس أنه نظر إلى الشمس وقد انكسفت فبكى حتى كاد أن يموت وقال: هي أخوف لله منا. وقال ابن دقيق العيد: ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله " يخوف الله بهما عباده " وليس بشيء.. لأن الله أفعالا على حسب العادة , وأفعالا خارجة عن ذلك , وقدرته حاكمة على كل سبب , فله أن يقتطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض. وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة وأنه يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد , وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها. وحاصله أن الذي يذكره أهل الحساب حقا في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوّفا لعباد الله تعالى.
стр. 15878
حكمها
قوله: (باب الصلاة في كسوف الشمس) أي مشروعيتها , وهو أمر متفق عليه , لكن اختلف في الحكم وفي الصفة , فالجمهور على أنها سنة مؤكدة..
стр. 15879
فزعه ﵊ للكسوف
قوله: (فقام رسول الله ﷺ يجر رداءه) عن يونس " مستعجلا ".. ولمسلم من حديث أسماء " كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ففزع فأخطأ بدرع حتى أدرك بردائه " يعني أنه أراد لبس ردائه فلبس الدرع من شغل خاطره بذلك.
مدّ الصلاة إلى الانجلاء
قوله: (حتى انجلت) استدل به على إطالة الصلاة حتى يقع الانجلاء , وأجاب الطحاوي بأنه قال فيه " فصلوا وادعوا " فدل على أنه إن سلّم من الصلاة قبل الانجلاء يتشاغل بالدعاء حتى تنجلي , وقرره ابن دقيق العيد بأنه جعل الغاية لمجموع الأمرين.. ولا يلزم منه تطويل الصلاة ولا تكريرها.
قوله: (فقال النبي ﷺ : أن الشمس) زاد في رواية ابن خزيمة " فلما كشف عنا خطبنا فقال " واستدل به على أن الانجلاء لا يُسقط الخطبة.
стр. 15880
إبطال اعتقاد الجاهلية في الكسوف
قوله: (لموت أحد) في رواية " وذلك أن ابنا للنبي ﷺ يقال له إبراهيم مات فقال الناس في ذلك " وفي رواية: " فقال الناس: إنما كسفت الشمس لموت إبراهيم " , وفي رواية " انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج فزعا يجر ثوبه حتى أتى المسجد , فلم يزل يصلي حتى انجلت , فلما انجلت قال: إن الناس يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء , وليس كذلك " الحديث. وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض , وهو نحو قوله في الحديث الماضي في الاستسقاء " يقولون مطرنا بنوء كذا " قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر , فأعلم النبي ﷺ أنه اعتقاد باطل , وأن الشمس والقمر خلقان مسخران لله ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما.
. قوله: (ولا لحياته) فائدة ذكر الحياة دفع توهم من يقول لا يلزم من نفي كونه سببا للفقد أن لا يكون سببا للإيجاد.
وفي الكسوف إشارة إلى تقبيح رأي من يعبد لشمس أو القمر , وحمل بعضهم الأمر في قوله تعالى (واسجدوا لله الذي خلقهن) على صلاة الكسوف لأنه الوقت الذي يناسب الإعراض عن عبادتهما لما يظهر فيهما من التغيير والنقص المنزه عنه المعبود جل وعلا .
стр. 15881
وقتها:
قوله: (فقوموا فصلوا) استدل به على أنه لا وقت لصلاة الكسوف معيّن , لأن الصلاة علقت برؤيته , هي ممكنة في كل وقت من النهار , وبهذا قال الشافعي ومن تبعه ,.. (و) المقصود إيقاع هذه العبادة قبل الانجلاء. وقد اتفقوا على أنها لا تقضى بعد الانجلاء ,
تاريخ وقوع الكسوف في العهد النبوي:
قوله: (يوم مات إبراهيم) يعني ابن النبي ﷺ , وقد ذكر جمهور أهل السير أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة , فقيل في ربيع الأول وقيل في رمضان والأكثر على أنها وقعت في عاشر الشهر وقيل في رابع عشرة ,
ماذا يفعل الناس:
- قوله: (فأفزعوا) بفتح الزاي أي التجئوا وتوجهوا , وفيه إشارة إلى المبادرة إلى المأمور به , وأن الالتجاء إلى الله عند المخاوف بالدعاء والاستغفار سبب لمحو ما فرط من العصيان يرجى به زوال المخاوف وأن الذنوب سبب للبلايا والعقوبات العاجلة والآجلة , نسأل الله تعالى رحمته وعفوه وغفرانه.
قوله: (فقام النبي ﷺ فزعا يخشى أن تكون الساعة) أي يخشى أن تحضر الساعة
فلعله خشى أن يكون الكسوف مقدمة لبعض الأشراط كطلوع الشمس من مغربها , ولا يستحيل ان يتخلل بين الكسوف والطلوع المذكور أشياء مما ذكر وتقع متتالية بعضها إثر بعض مع استحضار قوله تعالى (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب) , وتعظيما منه لأمر الكسوف ليتبين لمن يقع له من أمته ذلك كيف يخشى ويفزع لا سيما إذا وقع لهم ذلك بعد حصول الأشراط أو أكثرها.
قوله: (هذه الآيات التي يرسل الله) ثم قال (ولكن يخوف الله بها عباده) موافق لقوله تعالى (وما نرسل بالآيات إلا تخويفا)
واستدل بذلك على أن الأمر بالمبادرة إلى الذكر والدعاء والاستغفار وغير ذلك لا يختص بالكسوفين لأن الآيات أعم من ذلك ,
стр. 15882
باب الصدقة في الكسوف:
ورد الأمر - في الأحاديث التي أوردها في الكسوف - بالصلاة والصدقة والذكر والدعاء وغير ذلك , وقد قدم منها الأهم فالمهم.
باب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف
قوله: (باب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف) قال ابن المنير في الحاشية: مناسبة التعوذ عند الكسوف أن ظلمة النهار بالكسوف تشابه ظلمة القبر وان كان نهارا , والشيء بالشيء يذكر , فيخاف من هذا كما يخاف من هذا , فيحصل الاتعاظ بهذا في التمسك بما ينجي من غائلة الآخرة.
стр. 15883
ماذا قرأ في الصلاة:
قوله: (فأطال القيام) في رواية ابن شهاب " فاقترأ قراءة طويلة " وفي أواخر الصلاة من وجه آخر عنه " فقرأ بسورة طويلة " وفي حديث ابن عباس بعد أربعة أبواب " فقرأ نحوا من سورة البقرة في الركعة الأولى " ونحوه لأبي داود من طريق سليمان بن يسار عن عروة وزاد فيه أنه " قرأ في القيام الأول من الركعة الثانية نحوا من آل عمران ".
كيفيتها:
قوله: (ثم قام فأطال القيام) في رواية ابن شهاب " ثم قال سمع الله لمن حمده " وزاد من وجه آخر عنه في أواخر الكسوف " ربنا ولك الحمد " واستدل به على استحباب الذكر المشروع في الاعتدال في أول القيام الثاني من الركعة الأولى , واستشكله بعض متأخري الشافعية من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال بدليل اتفاق العلماء ممن قال بزيادة الركوع في كل ركعة على قراءة الفاتحة فيه وإن كان محمد بن مسلمة المالكي خالف فيه , والجواب أن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة فلا مدخل للقياس فيها , بل كل ما ثبت أنه ﷺ فعله فيها كان مشروعا لأنها أصل برأسه , وبهذا المعنى رد الجمهور على من قاسها على صلاة النافلة حتى منع من زيادة الركوع فيها. .. والقياس مع وجود النص يضمحل , وبأن صلاة الكسوف أشبه بصلاة العيد ونحوها مما يجمع فيه من مطلق النوافل , فامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود , وصلاة العيدين بزيادة التكبيرات , وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة واستدبار القبلة , فكذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع.
قوله: (فأطال الركوع) .
اتفقوا على أنه لا قراءة فيه , وإنما فيه الذكر من تسبيح وتكبير ونحوهما
قوله: (ثم انصرف) أي من الصلاة (وقد تجلت الشمس) في رواية ابن شهاب " انجلت الشمس قبل أن ينصرف " وللنسائي " ثم تشهد وسلم "
قوله: (باب طول السجود في الكسوف)
ثبتت الأحاديث الصحيحة في تطويله
قوله: (ما سجدت سجودا قط كان أطول منها) كذا فيه , وفي رواية غيره " منه " أي من السجود المذكور , زاد مسلم فيه " ولا ركعت ركوعا قط كان أطول منه " , وتقدم في رواية عروة عن عائشة بلفظ " ثم سجد فأطال السجود "
وللشيخين من حديث أبي موسى " بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قط " ولأبي داود والنسائي من حديث سمرة " كأطول ما سجد بنا في صلاة قط " وكل هذه الأحاديث ظاهرة في أن السجود في الكسوف يطوّل كما يطوّل القيام والركوع ,
رواه مسلم في حديث جابر بلفظ " وسجوده نحو من ركوعه " وهذا مذهب أحمد وإسحاق وأحد قولي الشافعي وبه جزم أهل العلم بالحديث من أصحابه واختاره النووي ,
(تنبيه) : وقع في حديث جابر الذي أشرت إليه عند مسلم تطويل الاعتدال الذي يليه السجود ولفظه " ثم ركع فأطال , ثم سجد "
وروى النسائي وابن خزيمة وغيرهما , من حديث عبد الله بن عمرو أيضا وفيه " ثم ركع فأطال حتى قيل لا يرفع , ثم رفع فأطال حتى قيل لا يسجد , ثم سجد فأطال حتى قيل لا يرفع , ثم رفع فجلس فأطال الجلوس حتى قيل لا يسجد , ثم سجد " الحديث صحيح , ولم أقف في شيء من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلا في هذا ,
قوله: (باب الركعة الأولى في الكسوف أطول)
قال فيه " ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ".. وقد رواه الإسماعيلي بلفظ " الأولى فالأولى أطول " وفيه دليل لمن قال: إن القيام الأول من الركعة الثانية يكون دون القيام الثاني من الركعة الأولى ,.. فيكون كل قيام دون الذي قبله، ويرجحه أيضا أنه لو كان المراد من قوله " القيام الأول " أول قيام من الأولى فقط لكان القيام الثاني والثالث مسكوتا عن مقدارهما , فالأول أكثر فائدة , والله أعلم.
الروايات الواردة في كيفيتها
واستدل به على أن لصلاة الكسوف هيئة تخصها من التطويل الزائد على العادة في القيام وغيره , ومن زيادة ركوع في كل ركعة.
ومن عناوين بعض نسخ البخاري " باب صب المرأة على رأسها الماء إذا أطال الإمام القيام في الركعة الأولى " (أي إذا غشي على المصلي وهو يصلي وأنّ ذلك لا يُبطل الصلاة)
خطبتها:
قوله: (فخطب الناس) فيه مشروعية الخطبة للكسوف ,
واستدل به على أن الانجلاء لا يسقط الخطبة , بخلاف ما لو انجلت قبل أن يشرع في الصلاة فإنه يسقط الصلاة والخطبة
قوله: (فحمد الله وأثنى عليه) زاد النسائي في حديث سمرة " وشهد أنه عبد الله ورسوله ". قوله: (فاذكروا الله) في رواية الكشميهني " فادعوا الله ". قوله: (والله ما من أحد) فيه القسم لتأكيد الخبر وإن كان السامع غير شاك فيه. قوله: (ما من أحد أغيرَ) بالنصب
الحمية والأنفة , وأصلها في الزوجين والأهلين
لما أمروا باستدفاع البلاء بالذكر والدعاء والصلاة والصدقة ناسب ردعهم عن المعاصي التي هي من أسباب جلب البلاء , وخص منها الزنا لأنه أعظمها في ذلك. وقيل: لما كانت هذه المعصية من أقبح المعاصي وأشدها تأثيرا في إثارة النفوس وغلبة الغضب ناسب ذلك تخويفهم في هذا المقام من مؤاخذة الرب الذي يغار . وقوله " يا أمة محمد "
بسبب كون المقام مقام تحذير وتخويف.. ومثله " يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا " الحديث. وصدر ﷺ كلامه باليمين لإرادة التأكيد للخبر وإن كان لا يرتاب في صدقه ,
ويؤخذ من قوله " يا أمة محمد " أن الواعظ ينبغي له حال وعظه أن لا يأتي بكلام فيه تفخيم لنفسه , بل يبالغ في التواضع لأنه أقرب إلى انتفاع من يسمعه. قوله: (لو تعلمون ما أعلم) أي من عظيم قدرة الله وانتقامه من أهل الإجرام
قوله: (لضحكتم قليلا) أي لتركتم الضحك ولم يقع منكم إلا نادرا لغلبة الخوف واستيلاء الحزن.
وفي الحديث ترجيح التخويف في الخطبة على التوسع في الترخيص لما في ذكر الرخص من ملاءمة النفوس لما جبلت عليه من الشهوة , والطبيب الحاذق يقابل العلة بما يضادها لا بما يزيدها.
قوله: (باب خطبة الإمام في الكسوف) اختلف في الخطبة فيه , فاستحبها الشافعي وإسحاق وأكثر أصحاب الحديث. قال ابن قدامة: لم يبلغنا عن أحمد ذلك. وقال صاحب الهداية من الحنفية: ليس في الكسوف خطبة لأنه لم ينقل. .. وأجاب بعضهم بأنه ﷺ لم يقصد لها خطبة بخصوصها , وإنما أراد أن يبين لهم الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس. وتعقب بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة وحكاية شرائطها من الحمد والثناء والموعظة وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث , فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف , والأصل مشروعية الاتباع , والخصائص لا تثبت إلا بدليل. وقد استضعف ابن دقيق العيد التأويل المذكور وقال: إن الخطبة لا تنحصر مقاصدها في شيء معين , بعد الإتيان بما هو المطلوب منها من الحمد والثناء والموعظة , وجميع ما ذكر من سبب الكسوف وغيره هو من مقاصد خطبة الكسوف , فينبغي التأسي بالنبي ﷺ فيذكر الإمام ذلك في خطبة الكسوف. نعم نازع ابن قدامة في كون خطبة الكسوف كخطبتي الجمعة والعيدين , إذ ليس في الأحاديث المذكورة ما يقتضي ذلك , البخاري ٩٨٨
هل تجب الجماعة لها
قوله: (إلى الصلاة) أي المعهودة الخاصة.. ويستنبط منه أن الجماعة ليست شرطا في صحتها لأن فيه إشعارا بالمبادرة إلى الصلاة والمسارعة إليها.. (ولكن قد ثبتت الجماعة من فعله ﷺ فهي السنّة ولكن يصحّ أن يصليها المسلم وحده ذكرا او أنثى حضرا أو سفرا)
стр. 15884
باب صلاة الكسوف في المسجد
يؤخذ من قولها فيه " فمر بين ظهراني الحجر " لأن الحجر بيوت أزواج النبي ﷺ وكانت لاصقة بالمسجد , وقد وقع التصريح بذلك.. عند مسلم ولفظه " فخرجت في نسوة بين ظهراني الحجر في المسجد فأتى النبي ﷺ من مركبه حتى أتى إلى مصلاه الذي كان يصلي فيه " الحديث , والمركب الذي كان النبي ﷺ فيه بسبب موت ابنه إبراهيم.. فلما رجع النبي ﷺ أتى المسجد.. وصح أن السنة في صلاة الكسوف أن تصلى في المسجد , ولولا ذلك لكانت صلاتها في الصحراء أجدر برؤية الانجلاء , والله أعلم.
стр. 15885
صلاة النساء مع الرجال في الكسوف
فيه رد قول من منع ذلك وقال: يصلين فرادى ,.. وفي المدونة: تصلي المرأة في بيتها وتخرج المتجالّة (أي الكبيرة في السنّ إلى المسجد) . وعن الشافعي يخرج الجميع إلا من كانت بارعة الجمال. (وذلك خشية افتتان الرجال بها) .
ذكر الله في وقت الكسوف يكون بكلّ صيغة مشروعة
قوله: (إلى ذكر الله) في رواية الكشميهني " إلى ذكره " والضمير يعود على الله في قوله " يخوف الله بها عباده " , وفيه الندب إلى الاستغفار عند الكسوف وغيره لأنه مما يدفع به البلاء.
- مما ذكره الؤرخون المسلمون في كتب التاريخ الإسلامي
стр. 15886
جاء في البداية والنهاية
وفي جمادى الآخرة (٤٥٣ هـ) ، لليلتين بقيتا منه، كسفت الشمس كسوفا عظيما، جميع القرص غاب، فمكث الناس أربع ساعات، حتى بدت النجوم، وآوت الطيور إلى أوكارها، وتركت الطيران لشدة الظلمة.
وقال ﵀ في موضع آخر: وفي صبيحة يوم الأحد الثامن والعشرين من الشهر المذكور (جمادى الآخرة) كسفت الشمس قبل الظهر.
وأخيرا
стр. 15887
ما موقفنا من النّاحية الطّبية ؟
من الحكمة أن لا نحدّق في الشّمس وقت الكسوف إذا ثبت طبيا أنه أمر مضرّ. ولا بأس أن يحضر أطّباء العيون في العيادات والمستشفيات لمعالجة أي حالة طارئة، هذا احتياط مقبول لكن أن يترك الناس العبادة العظيمة وهي صلاة الكسوف التي يخوّف الله بها عباده لأجل الاستمتاع بالنّظر إلى الكسوف بالنّظارات الخاصّة وحمل المناظير وآلات التصوير فهذه قمّة الغفلة في هذه المناسبة.
الناس يخشون من أخطار الأشعة فوق البنفسجية لأجل المضاعفات الخطيرة المحتملة التي تهدّد بحروق في شبكية العين وتدمير خلايا هذه الشّبكة وفقدان شفافية العدسة.
الأشعة تحت الحمراء تحرق الشبكية دون أن يحسّ الشخص.
فليتنا نخاف اليوم الذي تحترق فيه العين وهي تحسّ.
اللهم اجعلنا نخشاك كأنّنا نراك وأسعدنا بتقواك وأعزّنا بطاعتك ولا تُذلّنا بمعصيتك وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 15888
أحكام الأضحية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد وآله وصحبه وبعد:
فلما كانت الأضحية من شعائر الإسلام العظيمة نتذكّر فيها توحيد الله ونعمته علينا وطاعة أبينا إبراهيم لربه وفيها خير وبركة كان لا بدّ للمسلم أن يهتم بأمرها ويعظّم شأنها وفيما يلي نبذة عن هذه الشعيرة العظيمة:
стр. 15889
الأضحية: هي ما يذبح من بهيمة الأنعام (الإبل والبقر والغنم) تقرباً إلى الله تعالى - في البلد الذي يقيم فيه المضحي - من بعد صلاة عي النحر إلى آخر أيام التشريق (وهو يوم الثالث عشر من ذي الحجة) بنية الأضحية، قال تعالى: (فصل لربك وانحر) سورة الكوثر وقال تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) سورة الأنعام أية ١٦٢، (ونسكي أي ذبحي) وقال تعالى: (ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلِموا) سورة الحج /٣٤ .
والأضحية سنة مؤكدة في قول أكثر أهل العلم، (وقال بعض العلماء بوجوبها وسيأتي تفصيل ذلك) والأصل أنها مطلوبة في وقتها من الحي عن نفسه وأهل بيته، وله أن يُشْرك في ثوابها من شاء من الأحياء والأموات، أما الأضحية عن الميت فإن كان أوصى بها في ثلث ماله أو جعلها في وقف له وجب إنفاذ ذلك، وإن لم يوص أو لم يوقف وأحب الإنسان أن يضحي عن من شاء من الأموات فهو حسن ويعتبر هذا من أنواع الصدقة عن الميت، ولكن السنة أن يُشرك الإنسان أهل بيته من الأحياء والأموات في أضحيته ويقول عند ذبحها اللهم هذا عني وعن آل بيتي، ولا يحتاج أن يُفرد لكل ميت أضحية مستقلة.
ولقد اتفق العلماء على أن ذبح الأضحية والتصدق بلحمها أفضل من التصدق بقيمتها لأن رسول الله ﷺ ضحى ولا يفعل إلا ما هو أولى وأفضل، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد.
стр. 15890
فضلها وأفضلها:
وتجزئ الشاة عن الواحد وأهل بيته وعياله لحديث أبي أيوب (كان الرجل في عهد رسول الله ﷺ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون) رواه ابن ماجة والترمذي وصححه.
والمنصوص عليه في الأضاحي هي الإبل والبقر والغنم، وقال بعض العلماء بأن أفضل الأضاحي البدنة (الإبل) ثم البقرة ثم الشاة ثم شِرْك في بدنة ناقة أو بقرة لقوله ﷺ في الجمعة: (ومن راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة) وبه قال الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد، وعلى هذا فالشاة أفضل من سبع بدنة أو بقرة، وقال مالك الأفضل الجذع من الضأن ثم البقرة ثم البدنة، لأن النبي ﷺ ضحى بكبشين وهو ﷺ لا يفعل إلا الأفضل، والجواب عن ذلك أنه ﷺ قد يختار الأولى رفقاً بالأمة لأنهم يتأسون به ولا يحب أن يشق عليهم. من فتاوى الشيخ عبد العزيز ابن باز.
وتجزئ البدنة والبقرة عن سبعة، لما روى جابر ﵁ قال نحرنا بالحديبية مع النبي ﷺ البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة وفي لفظ أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة في واحد منها، وفي لفظ (فتذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها) رواه مسلم.
стр. 15891
حكم الأضحية:
الأضحية شعيرة من شعائر الإسلام، ذكر في جواهر الإكليل شرح مختصر خليل، أنها إذا تركها أهل بلد قوتلوا عليها لأنها من شعائر الإسلام. رسائل فقهية للشيخ ابن عثيمين ص ٤٦.
وقد انقسم العلماء في حكمها إلى قسمين: -
أ - أنها واجبة، قاله الأوزاعي والليث وأبو حنيفة وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، قال به شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أحد القولين في مذهب مالك أو ظاهر مذهب مالك واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١- قوله تعالى: (فصل لربك وانحر) الكوثر، وهذا فعل أمر والأمر يقتضي الوجوب.
٢- حديث جندب ﵁ في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله ﷺ : (من كان ذبح أضحيته قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ومن لم يكن ذبح فليذبح باسم الله) رواه مسلم ٣٦٢١.
٣- قوله ﷺ : (من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا) رواه أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم من حديث أبي هريرة ﵁، قال في فتح الباري ورجاله ثقات.
ب-أنها سنة مؤكدة، قاله الجمهور وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد في المشهور عنهما لكن صرح كثير من أرباب هذا القول بأن تركها للقادر يُكره واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١- حديث جابر ﵁ في سنن أبي داود حيث قال: صليت مع رسول الله ﷺ عيد الأضحى فلما انصرف أتى بكبشين فذبحه فقال: بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي. سنن أبي داود بشرح محمد شمس الحق أبادي، ٧/٤٨٦.
٢- ما رواه الجماعة إلا البخاري من حديث: (من أراد منكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره وأظافره) . قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ بعدما انتهى من سرد القائلين بالوجوب والقائلين بأنها سنة مؤكدة والأدلة تكاد تكون مكافئة، وسلوك سبيل الاحتياط ألا يدعها مع القدرة عليها لما فيها من تعظيم الله وذكره وبراءة الذمة بيقين. رسائل فقهية ص ٥٠.
стр. 15892
شروط الأضحية:
١- بلوغها السن المطلوبة، والسن المطلوبة ستة أشهر في الضأن وفي المعز سنة وفي البقر سنتان وفي الإبل خمس سنين.
٢- سلامتها من العيوب، لقوله ﷺ : (أربع لا يجزين في الأضاحي، العوراء البين عورها، المريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والعجفاء التي لا تنقي) صحيح، صحيح الجامع رقم ٨٨٦. وهناك عيوب أخف من هذه لا تمنع الأجزاء ولكن يكره ذبحها كالعضباء
(أي مقطوعة القرن والأذن) والمشقوقة الأذن ... الخ، والأضحية قربة إلى الله، والله طيب لا يقبل إلا طيباً، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب.
٣- حرمة بيعها: إذا تعينت الأضحية لم يجز بيعها ولا هبتها إلا أن يبدلها بخير منها، وإن ولدت ضحى بولدها معها، كما يجوز ركوبها عند الحاجة، والدليل على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة فقال اركبها، قال إنها بدنة، فقال اركبها في الثانية أو في الثالثة.
٤- ذبحها في وقتها المحدد، وهذا الوقت هو من بعد صلاة العيد والخطبة، وليس من بعد دخول وقتهما. إلى قبل مغيب شمس آخر أيام التشريق وهو اليوم الثالث عشر من أيام ذي الحجة، لقوله ﷺ : (من كان ذبح قبل الصلاة فليُعد) أخرجه البخاري ومسلم، ولقول علي ﵁: (أيام النحر يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده) وهو مذهب الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح والأوزاعي والشافعي واختاره ابن المنذر عليهم جميعاً رحمة الله.
стр. 15893
ما يفعل بالأضحية:
- يستحب لمن له أضحية أن يأكل أول ما يأكل منها إذا تيسر له ذلك لحديث " ليأكل كل رجل من أضحيته " صححه في صحيح الجامع ٥٣٤٩، وأن يكون هذا الأكل بعد صلاة العيد والخطبة وهذا قول أهل العلم منهم علي وابن عباس ومالك والشافعي وغيرهم. ويدلّ على ما تقدّم حديث بريدة ﵁: كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم النحر حتى يذبح. قال الألباني: إسناده صحيح: المشكاة ١/٤٥٢
- والأفضل أن يذبحها بيده، فإن لم يفعل استحب له أن يحضر ذبحها.
- يستحب تقسيم لحمها أثلاثاً، ثلثاً للأكل وثلثاً للهدية وثلثاً للصدقة، قاله ابن مسعود وابن عمر ﵃، كما اتفق العلماء على أنه لا يجوز بيع شيء من لحمها أو شحمها أو جلدها وفي الحديث الصحيح: " من باع جلد أضحيته فلا أضحية له " حسنه في صحيح الجامع ٦١١٨، وأن لا يعطي الجزار منها شيئاً من ذلك على سبيل الأجرة لقول علي ﵁ أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنة وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها وألا أعطي الجزار منها شيئاً، وقال نحن نعطيه من عندنا. متفق عليه. وقيل يجوز دفع ذلك إليه على سبيل الهدية، ويجوز أن يعطى الكافر منها لفقره أو قرابته أو جواره أو تأليف قلبه. من فتاوى الشيخ عبد العزيز ابن باز.
مسألة: ماذا يجب على المسلم أن يجتنب في العشر إذا أراد الأضحية؟ :
دلت السنة على أن من أراد الضحية وجب عليه أن يمسك عن الأخذ من شعره وأظفاره وبشرته من دخول العشر إلى أن يذبح أضحيته. لقوله ﷺ : " إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره حتى يضحّي " وفي رواية فلا يمسّ من شعره وبشرته شيئاً " أخرجه مسلم من أربعة طرق ١٣/١٤٦. وهذا أمر للوجوب ونهي للتحريم على أرجح الأقوال. لأنه أمر مطلق ونهي مجرد لا صارف لهما. لكن لو تعمد وأخذ فعليه أن يستغفر الله ولا فدية عليه وأضحيته صحيحة. ومن احتاج إلى أخذ شيء من ذلك لتضرره ببقائه كانكسار ظفر أو جرح عليه شعر يتعيّن أخذه فلا بأس. لأنه ليس أعظم من المحرم الذي أبيح له الحلق للأذى، ولا حرج في غسل الرأس للرجل والمرأة أيام العشر لأنه ﷺ إنما نهى عن الأخذ. ولأن المحرم أذن له أن يغسل رأسه.
والحكمة من النهي عن أخذ ذلك للمضحّي أنه لما كان مشابهاً للمُحْرم في بعض أعمال النسك وهو التقرب إلى الله بذبح القربان أُعْطي بعض أحكامه، وكذلك يوفّر شعره وأظفاره إلى حين ذبح أضحيته رجاء أن يعتقه الله كلّه من النار. والله أعلم.
ومن أخذ من شعره أو ظفره أول العشر لعدم إرادته الأضحية ثم أرادها في أثناء العشْر أمسك من حين الإرادة.
ومن النساء من توكّل أخاها أو ابنها في الأضحية لتأخذ من شعرها أثناء العشر وهذا غير صحيح، لأن الحكم متعلق بالمضحي، سواء وكَّل غيره أم لا. والوكيل لا يتعلق به نهي، فإن النهي خاص بمن أراد أن يضحي عن نفسه كما دل عليه الحديث، وأما من يضحي عن غيره بوصية أو وكالة فهذا لا يشمله النهي.
ثم إن هذا النهي ظاهره أنه يخص صاحب الأضحية ولا يعم الزوجة ولا الأولاد إلا إذا كان لأحدهم أضحية تخصه، ولأن الرسول ﷺ كان يضحي عن آل محمد ولم ينقل أنه نهاهم عن الأخذ.
ومن كان له أضحية ثم عزم على الحج فإنه لا يأخذ من شعره وظفره إذا أراد الإحرام لأن هذا سنة عند الحاجة. لكن إن كان متمتعاً قصّر من شعره عند الانتهاء من عمرته لأن ذلك نسك.
والأمور المذكورة من المحظورات على المضحّي هي الواردة في الحديث السّابق فلا يحْرم على المضحّي مسّ الطّيب ولا جماع الزوجة ولا لبس المخيط ونحو ذلك. والله تعالى أعلم.
стр. 15894
العيد أحكامه وآدابه
стр. 15895
العيد آدابه وأحكامه
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد
فإن العيد اسم لكل ما يُعتاد ويعود وتكرر، والأعياد شعارات توجد لدى كل الأمم سواء أكانت كتابية أم وثية أم غير ذلك، وذلك لأن إقامة الأعياد ترتبط بغريزة وجبلّة طبع الناس عليها فكل الناس يحبون أن تكون لهم مناسبات يحتفلون فيها ويتجمّعون ويُظهرون الفرح والسرور.
وأعياد الأمم الكافرة ترتبط بأمور دنيوية كبداية سنة أو بدء موسم زرع أو اعتدال جو أو قيام دولة أو تنصيب حاكم ونحو ذلك. وترتبط أيضا بمناسبات دينية ككثير من أعياد اليهود والنصارى الخاصة بهم فمن أعياد النصارى مثلا العيد الذي يكون في الخميس الذي يزعمون أن المائدة أنزلت فيه على عيسى ﵊ وعيد رأس السنة الكريسمس وعيد الشكر وعيد العطاء ويحتفلون به الآن في جميع البلاد الأوربية والأمريكية وغيرها من البلاد التي للنصرانية فيها ظهور وإن لم تكن نصرانية في الأصل وقد يشاركهم بعض المنتسبين إلى الإسلام ممن حولهم عن جهل أو عن نفاق.
وللمجوس كذلك أعيادهم الخاصة بهم مثل عيد المهرجان وعيد النيروز وغيرهما.
وللباطنية أيضا أعيادهم مثل عيد الغدير الذي يزعمون أن النبي ﷺ بايع فيه عليا ﵁ بالخلافة وبايع فيه الأئمة الاثني عشر من بعده.
следующие страницы →