Полный текст (16 344 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
حديث قدسي مكذوب يصف حال الجنين في رحم أمه
[السُّؤَالُ]
ـ[وصلني هذا الحديث على الإيميل، وأريد التأكد من صحته وشكرا: حديث قدسي تقشعر له الأبدان، تتجلى عظمة الخالق.. في الحديث القدسي الشريف قال : قال : (يا ابن آدم! جعلتك في بطن أمك، وغشيت وجهك بغشاء لئلا تنفر من الرحم، وجعلت وجهك إلى ظهر أمك لئلا تؤذيك رائحة الطعام، وجعلت لك متكأ عن يمينك، ومتكأ عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فالكبد، وأما الذي عن شمالك فالطحال، وعلمتك القيام والقعود في بطن أمك، فهل يقدر على ذلك غيري، فلما أن تمَّت مُدَّتك، وأوحيت إلى الملك بالأرحام أن يخرجك فأخرجك على ريشة من جناحه، لا لك سن تقطع، ولا يد تبطش، ولا قدم تسعى، فأبعث لك عرقين رقيقين في صدر أمك يجريان لبنا خالصا، حارا في الشتاء، وباردا في الصيف، وألقيت محبتك في قلبي أبويك فلا يشبعان حتى تشبع، ولا يرقدان حتى ترقد، فلما قوي ظهرك، واشتد أزرك، بارزتني بالمعاصي في خلواتك، ولم تستح مني، ومع هذا إن دعوتني أجبتك، وإن سألتني أعطيتك، وإن تبت إلي قبلتك) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا حديث مكذوب موضوع، لا تجوز نسبته إلى النبي ﷺ ، لم ينقله أهل العلم في كتبهم، ولا عرفوه في علمهم، وإنما جاء بسند ضعيف عن محمد بن كعب القرظي قال:
" قرأت في التوراة - أو قال في صحف إبراهيم الخليل - فوجدت فيها:
يقول الله: يا ابن آدم! ما أنصفتني، خلقتك ولم تك شيئا، وجعلتك بشرا سويا، خلقتك من سلالة من طين، فجعلتك نطفة في قرار مكين، ثم خلقت النطفة علقة، فخلقت العلقة مضغة، فخلقت المضغة عظاما، فكسوت العظام لحما، ثم أنشأتك خلقا آخر ... ".
ثم ذكره، بنحو مما ورد في السؤال.
رواه أبو نعيم في " حلية الأولياء " (١٠/٣٩٩) بسند فيه راوٍ اسمه: موسى بن عبيدة الربذي، وقد اتفقت كلمة أئمة الحديث على تضعيف هذا الراوي.
انظر " تهذيب التهذيب " (١٠/٣٥٩)
وبهذا يتبين أن هذه التفاصيل الواردة في الأثر غير ثابتة، وكثير منها منكرة غير صحيحة،
منها قوله:
(وجعلت وجهك إلى ظهر أمك لئلا تؤذيك رائحة الطعام) : ومعلوم أن مكان الجنين مفصول تماما عن مكان الطعام، فلا تصله رائحته أصلا.
ومنها قوله: (وجعلت لك متكأ عن يمينك، ومتكأ عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فالكبد، وأما الذي عن شمالك فالطحال) وليس الكبد ولا الطحال متكأ للجنين.
ومنها قوله: (وأوحيت إلى الملك بالأرحام أن يخرجك فأخرجك على ريشة من جناحه) وخروج الجنين من بطن أمه على ريشة من جناح الملك لم يرد في الأحاديث الصحيحة، والمعلوم المشاهد أنه ينزل من بطن أمه بالولادة.
وانظر جواب السؤال رقم: (١٢٨٧٩٧)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1717
تعريف الحديث الغريب
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو الحديث الغريب..أفيدونا جزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحديث الغريب هو الذي وقع فيه وجه من وجوه التفرد.
ووجوه التفرد كثيرة، أهمها وجهان:
١- تفرد مطلق: وهو أن ينفرد راو معين – في أي طبقة من طبقات السند – برواية هذا الحديث، ولا يشاركه فيها أحد، فيكون الحديث الغريب حينئذ هو: الحديث الذي لا يُعرف عن النبي ﷺ إلا بإسناد واحد.
مثاله: حديث: (إنما الأعمال بالنيات) هذا الحديث ليس له إلا إسناد واحد مستقيم، يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب.
٢- تفرد نسبي: هو أن يتفرد أحد الرواة برواية حديث معين عن شيخه، ولا يشاركه في الرواية عن شيخه أحد، رغم أن الحديث مروي من طرق عدة، وأن هذا الشيخ قد تابعه كثيرون، غير أن تلاميذ هذا الشيخ لم يرو أحد منهم الحديث عنه إلا راو واحد.
ومن مثاله: ما رواه عيسى بن موسى غُنْجارٌ، عن أبي حمزة السكري، عن الأعمش، عن أبي أيوب السَّختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : (لا تسموا العنب الكرْم)
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا أبو حمزة السكري.
فانظر كيف تفرد أبو حمزة السكري برواية هذا الحديث عن الأعمش، فكان تفرده بالنسبة لشيخه الأعمش، وليس تفردا مطلقا، فقد روي الحديث من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1718
حديث لا أصل له في أن الأكل والشرب عورتان
[السُّؤَالُ]
ـ[" الأكل والشرب عورتان، فاستروهما "، هل هو حديث صحيح؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
بعد البحث عن هذا الحديث في كتب السنة لم نجد له أصلاً، وهذا الحديث لم يذكره حتى العلماء الذين ألفوا في جمع الأحاديث الضعيفة والموضوعة، فلعله من الأحاديث المكذوبة التي وضعت في الأزمنة المتأخرة.
والمعنى الذي تضمنه الحديث لا أصل له في السنة النبوية، فليس الأكل والشرب من العورات التي يلزم سترها.
وقد كان الرسول ﷺ يأكل مع أصحابه، فكيف يكون الأكل والشرب عورة؟!
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1719
حديث في فضل الصلاة على النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة هذا الحديث؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: (إنّ الله أعطى ملكاً من الملائكة أسماع الخلق، فهو قائم على قبري إلى يوم القيامة، لا يصلّي عليَّ أحد صلاة إلاّ سمّاه باسمه واسم أبيه، وقال: يا محمّد صلّى عليك فلان بن فلان، وقد ضمن لي ربّي ﵎ أن أردّ عليه بكلّ صلاة عشراً) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
هذا الحديث مروي عن عمار بن ياسر ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(إن الله وكل بقبري ملَكا أعطاه أسماع الخلائق، فلا يصلي عليَّ أحد إلى يوم القيامة إلا أبلغني باسمه واسم أبيه: هذا فلان ابن فلان قد صلى عليك) .
رواه البخاري في "التاريخ الكبير" (٦/٤١٦) ، والبزار في "المسند" (٢/٢٦٦) ، والحارث بن أبي أسامة في "المسند" – كما في "بغية الباحث" (٢/٩٦٢) –، وعزاه غير واحد للطبراني في "المعجم الكبير"، ورواه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (٣/٢٤٨) جميعهم من طرق عن نعيم بن ضمضم العامري، عن عمران بن حميري الجعفري، عن عمار بن ياسر ﵁ به مرفوعا.
زاد ابن النجار: (وقد ضمن لي ربي ﵎ أن أرد عليه بكل صلاة عشرا) .
قال البزار: هذا الحديث لا نعلمه يُروَى عن عمار إلا بهذا الإسناد.
وهذا الحديث ضعيف جدا بسبب نعيم بن ضمضم، وابن الحميري.
قال ابن عبد الهادي ﵀:
"هذا حديث ليس بثابت، وعمران بن حميري: مجهول، وقد ذكر البخاري أنه لا يتابع على حديثه. هذا، ونعيم بن ضمضم - ويقال ابن جهضم -: لم يشتهر من حاله ما يوجب قبول خبره" انتهى.
"الصارم المنكي" (١/٢٠٥) .
وقال الهيثمي ﵀:
"فيه ابن الحميرى، واسمه عمران، قال البخاري: لا يتابع على حديثه. وقال صاحب الميزان: لا يعرف. ونعيم بن ضمضم ضعَّفه بعضهم. وبقية رجاله رجال الصحيح" انتهى.
"مجمع الزوائد" (١٠/١٦٢) .
وضعفه السخاوي في "القول البديع" (ص/١٦٥) ، وكذلك السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (١/٣٦٢) .
وقد صحت أحاديث عن النبي ﷺ أنه يبلغه سلام من يسلم عليه من أمته، وأنه يرد ذلك.
فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مَا مِن أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلا رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇ رواه أبو داود (٢٠٤١) ، صححه النووي في "الأذكار" (ص/١٥٤) ، وابن حجر في "فتح الباري" (٦/٥٦٣) ، والشيخ الألباني في "صحيح أبي داود".
وعن أبي بكر الصديق أن النبي ﷺ قال: (أكثروا الصلاة علي، فإن الله وكل بي ملكا عند قبري، فإذا صل علي رجل من أمتي قال لي ذلك الملك: يا محمد إن فلان بن فلان صلى عليك الساعة) وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٥٣٠) .
رواه الديلمي (١/١/٣١) .
ولكن.. لم نجد شاهدا لقوله: (وقد ضمن لي ربي.... إلخ) .
وقد ورد فيمن صلى على النبي ﷺ أفضل من هذا، بأن الله تعالى هو الذي يصلي عليه عشراً.
فقد روى مسلم (٤٠٨) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا) ﷺ .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وواب
стр. 1720
حديث: (من صلى علي حين يصبح عشرا وحين يمسي عشرا أدركته شفاعتي)
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة هذا الحديث: قال النبي صلى الله عليه وآله: (من صلّى عليّ حين يصبح عشراً وحين يمسي عشراً أدركته شفاعتي) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث مروي عن الصحابي الجليل أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من صلى عليَّ حين يصبح عشرًا، وحين يمسي عشرًا، أدركته شفاعتي يوم القيامة) رواه الطبراني – كما عزاه إليه العلماء الذين نقلوا هذا الحديث، ولكنا لم نقف عليه في المطبوع من معجم الطبراني، لأن أحاديث أبي الدرداء، لم تطبع بعد في "المعجم الكبير" للطبراني.
وقد نقل الحافظ ابن القيم ﵀ في كتابه " جلاء الأفهام " (ص/٦٣) إسناد الطبراني لهذا الحديث أنه قال: حدثنا محمد بن علي بن حبيب الطرائفي الرقي، حدثنا محمد بن علي بن ميمون، حدثنا سليمان بن عبد الله الرقي، حدثنا بقية بن الوليد، عن إبراهيم بن محمد بن زياد قال: سمعت خالد بن معدان، يحدث عن أبي الدرداء به.
وفي هذا الإسناد عدة علل، منها:
١- خالد بن معدان لم يسمع من أبي الدرداء. انظر: " جامع التحصيل " (ص/١٧١) .
٢- إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني: لم ينقل عن أحد فيه توثيق ولا تجريح. ترجمته في "التاريخ الكبير" للبخاري (١/٣٢٣) ، "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٢/١٢٧) .
٣- بقية بن الوليد مدلس ولم يصرح بالسماع، غير أن الشيخ الألباني ﵀ ذكر في "السلسلة الضعيفة" (٥٧٨٨) أنه صرح بالتحديث في رواية أخرى، وأن السند إليه صحيح.
وقد ضعف هذا الحديث الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (١/٤٤١) ، والسخاوي في "القول البديع" (١٧٩) ، والشيخ مقبل الوادعي في " الشفاعة " (ص/٢٧٠) .
وكان الشيخ الألباني ﵀ قد حَسَّن هذا الحديث في "صحيح الجامع" (٥٣٥٧) ثم تراجع وضعفه في "السلسلة الضعيفة" (٥٧٨٨) .
وقد جاءت في فضائل الصلاة على النبي ﷺ أحاديث صحيحة كثيرة تغني عن مثل هذا الحديث الضعيف، كما أن شفاعة النبي ﷺ تنال بالعديد من الأعمال الصالحة المعينة في السنة الصحيحة.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ: حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه البخاري (٦١٤) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1721
حديث: (صلاتكم علي مغفرة لذنوبكم)
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة هذا الحديث؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: (أكثروا الصّلاة عليّ، فإنّ صلاتكم عليّ مغفرةٌ لذنوبكم) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث لا يصح سنده إلى النبي ﷺ ، إنما روي عن الحسن بن علي ﵄ بسند ضعيف جدا، ولفظه: (أكثروا الصلاة علي، فإن صلاتكم علي مغفرة لذنوبكم، واطلبوا لي الدرجة الوسيلة، فإن وسيلتي عند ربي شفاعة لكم) .
قال الشيخ الألباني ﵀:
"ضعيف جدا، رواه ابن عساكر (١٧/٢٤٦/١) ، عن ناشب بن عمرو الشيباني: نا مقاتل بن حيان عن أبي صالح عن الحسن بن علي عن رسول الله ﷺ .
قلت: وهذا إسناد ضعيف جدا، ناشب بن عمرو الشيباني، قال البخاري: منكر الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف" انتهى.
"السلسلة الضعيفة" (رقم/٢٢٥٢) .
وما جاء في هذا الحديث من أن الصلاة على النبي ﷺ سبب لمغفرة ذنوبه، قد ثبت في حديث آخر.
روى أحمد (٢٠٧٣٦) والترمذي (٢٤٥٧) - واللفظ له - عن أبي بن كعب ﵁ قَالَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: مَا شِئْتَ. قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قُلْتُ: النِّصْفَ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ) وحسنه الألباني في "سنن الترمذي".
قال ابن القيم ﵀ في "جلاء الأفهام":
"سئل شيخنا أبو العباس عن تفسير هذا الحديث، فقال: كان لأبي بن كعب دعاء يدعو به لنفسه، فسأل النبي هل يجعل له منه ربعه صلاة عليه؟ فقال إن زدت فهو خير لك. فقال له: النصف؟ فقال: إن زدت فهو خير لك ... إلى أن قال: أجعل لك صلاتي كلها؟ أي: أجعل دعائي كله صلاة عليك؟ قال: إذاً تكفى همك ويغفر لك ذنبك. لأن من صلى على النبي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ومن صلى الله عليه كفاه همه، وغفر له ذنبه. هذا معنى كلامه ﵁" انتهى.
وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: (منْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ. حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه البخاري (٦١٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1722
موقف المسلم من الأحاديث الضعيفة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما واجبنا تجاه مصيبة انتشار الأحاديث الموضوعة؟ ما هو دورنا نحن عامة الناس أمام انتشار الكذب على رسول الله ﷺ ؟ ونريد منكم كلمة لأولئك الذين ينشرون الأحاديث دون التأكد من صحتها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المسلم الصادق هو الذي يحرص على نقاء الدين وصفاء الشريعة من كل دخيل وغريب، فقد أكمل الله علينا النعمة، وأتم لنا المنة بهذه الشريعة السمحة، وأخذ الميثاق على أهل العلم أن يبلغوه للناس ولا يكتموه، وذم كثيرا من الذين أوتوا الكتاب من الأمم السابقة حين ابتدعوا في دينهم ما لم يأذن به الله، ونسبوا إلى شرائعهم ما لم ترد به، وفي جميع ذلك دعوة إلى الحرص الشديد على ذب الكذب عن سنة النبي ﷺ ، ومحاربة كل من يتطاول عليها بالأحاديث والأحكام المفتراة.
ولعل الأهم في هذا الشأن هو اقتراح بعض الخطوات العملية التي تساهم في حصر انتشار الكذب على رسول الله ﷺ وتضييق دائرته، ومن ذلك:
١- تعريف الناس بخطورة الكذب على الرسول ﷺ ، وأنه كبيرة من كبائر الذنوب، يستحق فاعلها أن يذوق العذاب الأليم في دركات جهنم، قال النبي ﷺ : (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ) رواه البخاري (١١٠) ومسلم (٣) .
٢- نشر الكتب التي تعتني ببيان الأحاديث الضعيفة والمكذوبة، مثل كتاب " الموضوعات " لابن الجوزي، وكتاب " الموضوعات " للشوكاني، و "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة" للألباني ... وغيرها.
٣- العناية بمواقع الإنترنت المتخصصة في هذا الشأن، ومن أهمها موقع "الدرر السنية".
٤- بيان عظيم جناية الأحاديث المنكرة والموضوعة على فكر الأمة وثقافتها وتراثها، وكيف كانت سببا في انحراف الكثيرين عن الجادة، كما كانت سببا مباشرا لانتشار الخرافة والشطح والغلو، مع أخذ العظة والعبرة من الأمم التي حرف دينها ومسخت شريعتها بسبب عدم صيانة علمائها لها عن الدخيل والموضوع، ومثال ذلك في الأديان: النصرانية، وفي الفرق: الرافضة.
قال الإمام الذهبي ﵀:
" فبالله عليك إذا كان الإكثار من الحديث في دولة عمر بن الخطاب ﵁، كانوا يُمنَعون منه مع صدقهم وعدالتهم وعدم الأسانيد - بل هو غَضٌّ لم يشب -، فما ظنك بالإكثار من رواية الغرائب والمناكير في زماننا، مع طول الأسانيد وكثرة الوهم والغلط؟!
فبالحري أن نزجر القوم عنه، فيا ليتهم يقتصرون على رواية الغريب والضعيف، بل يروون – والله - الموضوعات والأباطيل والمستحيل في الأصول والفروع والملاحم والزهد.
نسأل الله العافية.
فمن روى ذلك مع علمه ببطلانه وغَرَّ المؤمنين: فهذا ظالمٌ لنفسِهِ، جانٍ على السُّنَنِ والآثار، يُستَتاب من ذلك، فإن أناب وأقْصَر وإلا فهو فاسقٌ، كفى به إثماً أن يحدِّثَ بكلِّ ما سمِع. وإن هو لم يعلم: فليتورّع، وليستعِن بمن يُعينُهُ على تنقية مروياته.
نسأل الله العافية.
فلقد عَمَّ البلاء، وشمَلت الغفلة، ودخل الدّاخل على المحدّثين الذين يَرْكَنُ إليهِم المسلمون. فلا عتبى على الفقهاء وأهل الكلام " انتهى.
" سير أعلام النبلاء " (٢/٦٠١) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" يوجد الآن أحياناً منشورات تتضمن أحاديث ضعيفة وقصصاً لا أصل لها، ثم تنشر بين العامة، وإني أقول لمن نشرها أو أعان على نشرها إنه آثمٌ بذلك، حيث يُضل عن سبيل الله، يضل عباد الله بهذه الأحاديث المكذوبة الموضوعة، أحياناً يكون الحديث موضوعاً ليس ضعيفاً فقط، ثم تجد بعض الجهال ييدون الخير، فيظنون أن نشر هذا من الأشياء التي تحذر الناس وتخوفهم مما جاء فيه من التحذير أو التخويف، وهو لا يدري أن الأمر خطير، وأن تخويف الناس بما لا أصل له حرام؛ لأنه من الترويع بلا حق، أو يكون فيه الترغيب في شيء وهو لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل هو موضوع، هذا أيضاً محرم؛ لأن الناس يعتقدون أن هذا ثابت، فيحتسبونه على الله ، وهو ليس كذلك، فليحذر هؤلاء الذين ينشرون هذه المنشورات من أن يكونوا ممن افتروا على الله كذباً ليضلوا الناس بغير علم، وليعلموا أن الله لا يهدي القوم الظالمين، وأن هذا ظلمٌ منهم أن ينشروا لعباد الله ما لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم " انتهى.
" فتاوى نور على الدرب " (مصطلح الحديث) .
وقال الشيخ سليمان العلوان حفظه الله:
" إن مما يحزن ويؤسف ما عمَّ وانتشر عند كثير من العلماء وطلبة العلم والخطباء وغيرهم من التساهل في رواية الحديث، وعدم التثبت في صحته، وكثيرا ما نسمع من كثير من الخطباء والوعاظ – فضلا عن غيرهم – من الأحاديث الموضوعة والضعيفة جدا، ومع ذلك يجزمون بنسبتها إلى النبي ﷺ بقولهم: وقد قال رسول الله ﷺ ، أو: لقوله ﷺ ...... وما أشبه ذلك، وهذه شهادة على الرسول بلا علم، وجزم بلا برهان، وقد قال ﷺ : (من كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) فعمَّت الأحاديث الموضوعة والضعيفة بين العوام لكثرة سماعهم لها من الخطباء والوعاظ، والله جلّ وعلا أمر بالتثبت في الأخبار الجارية بين الناس؛ فكيف بخبر الرسول ﷺ الذي قوله تشريع وفعله تشريع؟!
والبعض الآخر يذكر الحديث وينسبه للنبي ﷺ ولا يعلم مَن خَرَّجه ولا صحته، فإذا أردت أن تستفهم منه أو تسأله: من رواه؟ وما صحته؟ أجابك مبادراً رافعاً رأسه: لا يضر جهالة صحته، هذا من فضائل الأعمال. عجبا! (آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) يونس/٥٩. ولو فرضنا أنها من فضائل الأعمال؛ فالأحاديث الموضوعة لا يجوز ذكرها إلا مع بيان أنها موضوعة لا تصح عن النبي ﷺ ، فبسبب هذا التساهل توصل أهل البدع إلى بث بدعهم ونشرها بين الناس؛ بحجة أنها أحاديث فضائل لا بأس بالعمل بها، متناسين أنهم بذلك يشرعون للناس بها؛ لأنهم سيعملون بها ويبلغونها غيرهم" انتهى.
" الإعلام بوجوب التثبت برواية الحديث " (ص/٤) .
ولمزيد الفائدة انظر جواب السؤال رقم: (٦٩٨١) ، (٩٨٧٨٠) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1723
حديث: (النظر إلى علي عبادة) حديث كذب
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة هذا الحديث: أن النبي ﷺ قال: (النظر إلى علي عبادة) رواه الطبراني والحاكم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ، وطرقه كلها ضعيفة شديدة الضعف، وقد حكم عليه جماعة من العلماء بأنه كذب موضوع، لا سيما وفي الحديث فضيلة لم يعلم في السنة نسبتها لأحد، ولا حتى للنبي ﷺ !
وأيضاً: الحديث يتعلق بفضيلة من فضائل علي بن أبي طالب ﵁، وقد كان هذا الموضوع مرتعاً خصباً للكذبة والوضاعين، فوضعوا أحاديث نسبوها إلى النبي ﷺ لترويج باطلهم، ونشر مذهبهم، ولكن علماء الحديث وحفاظه كانوا لهم بالمرصاد، وكشفوا كذبهم.
وقد ذكر ابن الجوزي ﵀ هذا الحديث في كتابه "الموضوعات" وقال:
"لا يصح من جميع طرقه" انتهى.
"الموضوعات" (٢/١٢٦) .
وحكم عليه الإمام الذهبي بالوضع والبطلان في أكثر من موضع في كتبه، منها في "ميزان الاعتدال" (٣/٢٣٦) .
وذكره الشوكاني في "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" (ص/٣٥٩) .
وقال الشيخ الألباني ﵀:
" موضوع.... – ثم توسع في تخريج الحديث ثم قال: - وجملة القول أن الحديث - مع هذه الطرق الكثيرة - لم تطمئن النفس لصحته؛ لأن أكثرها من رواية الكذابين والوضاعين، وسائرها من رواية المتروكين والمجهولين الذين لا يبعد أن يكونوا ممن يسرقون الحديث، ويركبون له الأسانيد الصحيحة. ولذلك فما أبعد ابن الجوزي عن الصواب حين حكم عليه بالوضع " انتهى.
"السلسلة الضعيفة" (٤٧٠٢) .
وأخيرا ... فضائل علي بن أبي طالب ﵁ الصحيحة كثيرة، لا ينقصها هذه الفضيلة الضعيفة التي لم يروها أصحاب المشهورة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1724
حديث مكذوب في الدعاء على من زنى في الغربة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم مَن زنى خارج البلاد التي يقيم فيها؟ وما صحة الحديث الذي يقول: قال ﷺ : (مَن زنى في غربته لا رجع سالماً ولا غانماً) هل هو صحيح أم موضوع؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس هذا الكلام بحديث عن النبي ﷺ ، ولعله دعاء دعا به بعض الخطباء على من زنى في غربته فظنه الناس حديثاً.
هذا وقد ذكر بعض أهل العلم في كتب الموضوعات كلمة قريبة من هذا المعنى، وفيها:
(من عصى الله في غربته رده الله خائباً) .
قال الشيخ ملا علي القاري ﵀:
"لا أصل له فيما أعلمه" انتهى.
" الأسرار المرفوعة " (ص/٣٥٤) ، "كشف الخفاء" (ص/١٨٩) .
والزنا من كبائر الذنوب وأقبحها في أي مكان كان، قال الله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) الإسراء/٣٢.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1725
لم يثبت استحباب قراءة غير سورة الكهف يوم الجمعة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هنالك أدلة صحيحة على قراءة سورة الكهف، ويس، والدخان، والرحمن، والواقعة، والملك في يوم الجمعة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأدلة الصحيحة وردت في استحباب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة أو ليلتها، وقد سبق تفصيل ذلك في جواب السؤال رقم: (١٠٧٠٠) .
أما قراءة سور: يس، والدخان، والرحمن، والواقعة، والملك: فلم نجد لها أدلة صحيحة، ولعل مصدرها بعض كتب الأذكار التي اخترعها بعض المؤلفين وقرروها على أتباعهم، فيجب الحذر منها.
ومع اشتهار فضل سورة (يس) بين الناس، إلا أننا لم نقف على حديث صحيح في فضلها، وانظر: جواب السؤال رقم: (٧٥٨٩٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 1726
هل تستجاب توبة من ابتلي بالعادة السرية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل تستجاب توبة من ابتلي بالعادة السرية وقد قرأت في الإنترنت حديثا عن الرسول ﷺ : (سبع لا ينظر إليهم الخالق يوم القيامة، ولا يزكيهم، ويدخلهم النار: الفاعل، والمفعول به، والناكح بيده، وناكح البهيمة، وناكح المرأة من دبرها، والجامع بين المرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، والمؤذي جاره حتى يلعنه) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نص الحديث المقصود في السؤال كالآتي:
(سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العالمين، يدخلون النار أول الداخلين، إلا أن يتوبوا، إلا أن يتوبوا، إلا أن يتوبوا ممن تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل، والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب أبويه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره) .
وقد روي هذا الحديث عن اثنين من صحابة رسول الله ﷺ :
أولا: عن أنس بن مالك ﵁:
رواه أبو علي الحسن بن عرفة في جزء حديثي له (رقم/٤١) ، ومن طريقه ابن الجوزي في " العلل المتناهية " (٢/١٤٤) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٧/٣٢٩) ، والآجري في " ذم اللواط " (رقم/٥٤) قال ابن عرفة: حدثني علي بن ثابت الجزري، عن مسلمة بن جعفر، عن حسان بن حميد، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ به.
وهذا إسناد ضعيف جدا.
قال الذهبي ﵀:
" مسلمة بن جعفر، عن حسان بن حميد عن أنس، في سب الناكح يده: يُجهَل هو وشيخه. وقال الأزدي: ضعيف " انتهى.
" ميزان الاعتدال " (٤/١٠٨)
وقال الحافظ ابن الجوزي ﵀:
" قال المؤلف: "هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ، ولا حسان يعرف، ولا مسلمة " انتهى.
" العلل المتناهية " (٢/١٤٤) .
وقال الحافظ ابن كثير ﵀:
" هذا حديث غريب، وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته " انتهى.
" تفسير القرآن العظيم " (٥/٤٦٣) .
وقد نص على تضعيفه أيضا: ابن الملقن في " البدر المنير " (٧/٦٦٢) ، وابن حجر في " التلخيص الحبير " (٣/١٢١٦) ، والألباني في " إرواء الغليل " (٨/٥٨) .
ثانيا: عن عبد الله بن عمرو ﵁:
رواه الآجري في " ذم اللواط " (رقم/٥٣) ، وعنه ابن بشران في " الأمالي " (رقم/٤٧٧) وغيره.
قال الشيخ الألباني ﵀:
" هذا إسناد ضعيف من أجل ابن لهيعة وشيخه الإفريقي، فإنهما ضعيفان من قبل حفظهما، وقد أورد المنذري في " الترغيب " (٣ / ١٩٥) قطعة من الحديث، وقال: رواه ابن أبي الدنيا والخرائطي وغيرهما، وأشار لضعفه " انتهى.
" السلسلة الضعيفة " (رقم/٣١٩)
والحاصل: أنه لم يثبت حديث خاص في لعن من ابتلي بالعادة السرية، أو بيان جزائه عند الله، وإنما يقرر العلماء حرمة هذه القاذورة من وصف الله لكل طريق لتفريغ الشهوة ـ غير الزواج وجماع الأمة ـ: أنه من الاعتداء، وذلك في قوله تعالى: (والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) المؤمنون/٥-٧.
ولا شك أن العادة السرية، ونكاح اليد، مما هو "وراء ذلك "؛ فهو من العدوان.
وقد استدل بهذه الآية على تحريم نكاح اليد الإام مالك والإمام الشافعي، رحمهما الله.
قال الشنقيطي ﵀:
" الذي يظهر لي أن استدلال مالك، والشافعي وغيرهما من أهل العلم بهذه الآية الكريمة، على منع جلد عميرة الذي هو الاستمناء باليد استدلال صحيح بكتاب الله، يدل عليه ظاهر القرآن، ولم يرد شيء يعارضه من كتاب ولا سنة " انتهى.
" أضواء البيان " (٥/٣١٧) .
وأما باب التوبة فمفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، لا يحول دونه حائل، ولا يمنع منه مانع، والله يقبل التوبة من عباده جميعا، ويغفر الذنوب جميعا، وإذا كان المشرك التائب المعلن إسلامه يغفر الله له ما سلف، فكيف بالمؤمن الذي ضعف أمام الشهوة ثم آب وأناب إلى الله .
يقول الله تعالى:
(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) الزمر/٥٣-٥٤.
على أن الحديث المذكور، على فرض أن يكون صحيحا ـ يشهد لصحة توبة ناكح يده، إذا تاب إلى الله تعالى.
وانظر جواب السؤال رقم: (٣٢٩) في تحريم العادة السرية.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1727
معنى قول المحدثين: " للحديث شواهد وطرق كثيرة "
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى: للحديث شواهد وطرق كثيرة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
هذا التعبير يستعمله علماء الحديث الشريف، يريدون به بيان أمر مهم في علوم الحديث، وهو وجود المتابعات والشواهد للحديث المعين، إذ من المعلوم أن أصحاب الكتب الستة والمسانيد إنما يوردون الأحاديث مسندة إلى النبي ﷺ ، يعني أن الإمام البخاري مثلا يروي الحديث عن شيخه الذي أخذ عنه، وذلك الشيخ يروي الحديث عن شيخه..، وهكذا حتى تصل السلسلة إلى الصحابي الذي سمع الحديث من النبي ﷺ .
مثال ذلك:
قال الإمام البخاري ﵀ في "الجامع الصحيح"، حديث رقم: (٥٥٢) :
حدثنا عبد الله بن يوسف، قال أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: (الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ) .
وهذا الإسناد – كما ترى – مهم جدا في معرفة ثبوت الحديث من عدمه، فالعلماء يبحثون في سيرة رجال الإسناد، ودرجة ضبطهم وحفظهم للحديث، فإذا وجدوا أنهم من الثقات الحفاظ حكموا على الحديث بالصحة والقبول.
ثم إذا وجدوا أن هذا الحديث عن النبي ﷺ قد رواه إمام آخر عن الصحابي نفسه، ولكن بإسناد آخر، قالوا: هذا الإسناد متابع للإسناد الأول، أو قالوا: إن للحديث طرقاً عدة.
وهذا الحديث الذي مثلنا به، رواه الإمام مسلم ﵀ من حديث ابن عمر (٦٢٦) ، ولكن بإسناد مختلف عن إسناد الإمام البخاري، فقال ﵀:
حدثني هارون بن سعيد الأيلي، قال حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله عن أبيه – يعني ابن عمر –: إلى آخر الحديث.
فإسناد الحديث عند الإمام مسلم يسميه العلماء طريقا آخر، وذلك لأن الصحابي واحد في الحديثين، وهو ابن عمر ﵄، وإنما رواه عنه تلميذ آخر من تلاميذه.
أما إذا روى واحد من الأئمة هذا الحديث عن صحابي آخر غير ابن عمر، فهذا يسميه المحدثون بـ " الشاهد "، فيقولون: للحديث شواهد أخرى.
وفي المثال السابق نجد أن الإمام النسائي روى الحديث في "السنن" (٤٧٨) عن الصحابي الجليل نوفل بن معاوية ﵁.
فقال: أخبرنا سويد بن نصر، قال أنبأنا عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح، قال أنبأنا جعفر بن ربيعة، أن عراك بن مالك حدثه، أن نوفل بن معاوية حدثه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) .
فحديث نوفل بن معاوية هذا يسمى " شاهدا " لحديث ابن عمر السابق، والعكس أيضا، حديث ابن عمر يسمى " شاهدا " لحديث نوفل بن معاوية، رضي الله عن الجميع.
وبهذا نفهم معنى قول العلماء: " للحديث شواهد وطرق كثيرة ".
فالشاهد: أن يروي الحديث عن صحابي آخر.
والطريق: أن يروي عن الصحابي نفسه ولكن بسند مختلف عن السند الأول.
ثانياً:
يبقى السؤال: ماذا نستفيد من هذه الطرق والشواهد للأحاديث؟
فالجواب: يستفاد منها فوائد كثيرة، منها:
١- معرفة الأخطاء التي قد تقع من بعض الرواة، وقد قال علي بن المديني ﵀: "الباب إذا لم تُجمَع طُرُقُه لم يَتَبَيَّن خطؤه" انتهى. رواه الخطيب البغدادي في "الجامع" (٢/٢١٢) .
٢- زيادة الاطمئنان إلى صحة الحديث وثبوته، فالقلب يطمئن إلى صحة الخبر الذي جاء من طريقين أكثر من اطمئنانه للخبر الوارد من طريق واحد.
٣- قد يأتي الحديث بسند ضعيف، ولكن تتعدد طرقه وشواهده، فيرتقي بهذا إلى درجة القبول، ويكون حديثاً مقبولاً، وهذا ما يسميه العلماء: تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات، وهو باب عظيم من أبواب علوم الحديث له شروطه وضوابطه الدقيقة التي يجب الالتزام بها.
قال السخاوي ﵀:
"قال النووي ﵀ في بعض الأحاديث: وهذه وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة فمجموعها يقوي بعضها بعضاً، ويصير الحديث حسناً، ويحتج به، وسبقه البيهقي في تقوية الحديث بكثرة الطرق الضعيفة، وظاهر كلام أبي الحسن بن القطان يرشد إليه، فإنه قال: هذا القسم لا يحتج به كله، بأن يعمل به في فضائل الأعمال ويتوقف عن العمل به في الأحكام، إلا إذا كثرت طرقه، أو عضده اتصال عمل، أو موافقة شاهد صحيح، أو ظاهر القرآن، واستحسنه شيخنا - يعني ابن حجر - وأشار إلى أنَّ مذهب ابن دقيق العيد التوقف" انتهى.
"فتح المغيث" (١/٦٩) .
نرجو أن نكون قد وفقنا لبيان ما سأل عنه السائل بعبارة واضحة سهلة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1728
حديث بعنوان "دروس في الحب" ليس في شيء من كتب السنة المعتمدة
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد التأكد من صحة هذا الحديث بعنوان " دروس في الحب ": (جلس رسول الله ﷺ مع أصحابه ﵃، وسألهم مبتدأً بأبي بكر ماذا تحب من الدنيا؟ فقال أبو بكر ﵁: أحب من الدنيا ثلاثا: الجلوس بين يديك، والنظر إليك، وإنفاق مالي عليك. وأنت يا عمر؟ قال: أحب ثلاثا: أمر بالمعروف ولو كان سرا، ونهي عن المنكر ولو كان جهرا، وقول الحق ولو كان مرا. وأنت يا عثمان؟ قال أحب ثلاثا: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام. وأنت يا علي؟ قال: أحب ثلاثا: إكرام الضيف، والصوم بالصيف، وضرب العدو بالسيف. ثم سأل أبا ذر الغفاري: وأنت يا أبا ذر ماذا تحب في الدنيا؟ قال أبو ذر: أحب من الدنيا ثلاثا: الجوع، والمرض، والموت. فقال النبي ﷺ : ولِمَ؟ فقال أبو ذر: أحب الجوع ليرق قلبي، وأحب المرض ليخف ذنبي، وأحب الموت لألقى ربي. فقال النبي ﷺ : حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة. وحينئذ تنزل جبريل ﵇ وأقرأهم السلام وقال: وأنا أحب من دنياكم ثلاثا: تبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، وحب المساكين. ثم صعد إلى السماء وتنزل مرة أخرى وقال: الله يقرؤكم السلام ويقول: إنه يحب من دنياكم ثلاثا: لسانا ذاكرا، وقلبا خاشعا، وجسدا على البلاء صابراً) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث غير موجود في كتب السنة والآثار، ولم نعثر له على أصل عند المحدثين، وقد وجدنا الشيخ إسماعيل العجلوني ذكره في كتاب " كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الحديث على ألسنة الناس " (ص/٣٤٠) ، وعزاه إلى كتاب "المواهب"، وغالب الظن أنه كتاب " المواهب اللدنية في المنح المحمدية " للقسطلاني، وهو كتاب تكثر فيه الأحاديث الموضوعة والتي لا أصل لها، ثم نقل عنه قوله: "وقال الطبري: خرجه الجندي، والعهدة عليه. انتهى"
ثم قال العجلوني ﵀:
"ونقل الشبراملسي في "حاشيته على المواهب" عن " الذريعة " لابن العماد أنه قال فيها: وعن الشيخ أبي محمد النيسابوري أن أبا بكر الصديق ﵁ ... إلى آخر الحديث" انتهى. ثم عزاه لكتاب " المجالس " للخفاجي.
وهذه الكتب كلها كما ترى ليست من أصول السنة ولا من الكتب التي هي دواوين الإسلام.
وخروج الحديث عن كتب السنة المشهورة المعتمدة مما يستدل به على ضعفه، إذ لو كان صحيحاً لما أعرض عنه هؤلاء الأئمة مع حاجة الناس إليه.
وقد ذكر كثير من علماء الحديث: أن من الطرق التي يعرف بها عدم صحة الحديث: كونه روي في بعض الكتب التي ليست من دواوين الإسلام المشهورة.
قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/٩٩) : "فمتى رأيت الحديث خارجاً عن دواوين الإسلام كالموطأ، ومسند أحمد، والصحيحين، وسنن أبي داود ونحوها فانظر فيه: فإن كان له نظير من الصحاح والحسان قرب أمره، وإن ارتبت فيه ورأيته يباين الأصول فتأمل رجال إسناده.. الخ" انتهى.
وقال الزيلعي: "يكفينا في تضعيف أحاديث الجهر بالبسملة إعراض أصحاب الجوامع الصحيحة، والسنن المعروفة، والمسانيد المشهورة المعتمد عليها في حجج العلم ومسائل الدين عنه" انتهى.
"نصب الراية" (١/٤٧٩) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن حديث استشفاع آدم بمحمد عليهما الصلاة والسلام:
"هذا الحديث لم ينقله أحد عن النبي ﷺ لا بإسناد حسن ولا صحيح، بل ولا ضعيف يستأنس به ويعتضد به ...
ويكفيك أن هذا الحديث ليس في شيء من دواوين الحديث التي يعتمد عليها، لا في الصحاح كالبخاري ومسلم وصحيح ابن خزيمة وأبي حاتم بن حبان وابن منده والحاكم، ولا في المستخرجة على الصحيح لأبي عوانة وأبي نعيم ومستخرج البرقاني والإسماعيلي، ولا في السنن كسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه، ولا في الجوامع كجامع الترمذي وغيره، ولا في المسانيد كمسند أحمد ونحوه، ولا في المصنفات كموطأ مالك ومصنف عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة ووكيع ومسلمة، ولا في كتب التفسير المروية بالأسانيد التي يميز فيها بين المقبول والمردود كتفسير عبد الرزاق وعبد بن حميد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم وابن أبي شيبة وبقي بن مخلد ونحوهم، وتفسير ابن أبي حاتم وابن داود ومحمد بن جرير وأبي بكر بن المنذر وابن مردويه" انتهى.
"الرد على البكري" (١/٥٧) .
وقال أيضاً:
"والحديث المذكور: (إذا اقتتل خليفتان فأحدهما ملعون) كذب مفترى، لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث، ولا هو في شيء من دواوين الإسلام المعتمدة" انتهى.
"الفتاوى الكبرى" (٣/٤٤٦) .
وقال أيضا:
"ولكن بعض الناس ظن أن توسل الصحابة به ﷺ كان بمعنى أنهم يقسمون به، ويسألون به.
وليس في الأحاديث المرفوعة في ذلك حديث في شيء من دواوين المسلمين التي يعتمد عليها في الأحاديث، لا في الصحيحين، ولا كتب السنن، ولا المسانيد المعتمدة كمسند الإمام أحمد وغيره، وإنما يوجد في الكتب التي عرف أن فيها كثيرا من الأحاديث الموضوعة المكذوبة التي يختلقها الكذابون" انتهى.
"مجموع الفتاوى" (١/٢٤٨) .
وقال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: "إذا وجدنا فيما يروى من أجزاء الحديث وغيرها حديثا صحيح الإسناد، ولم نجده في أحد الصحيحين، ولا منصوصا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة، فإنا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته" انتهى.
"المقدمة" (صـ ١٦) .
وقال ابن جماعة: "مع غلبة الظن أنه لو صح لما أهمله أئمة الأعصار المتقدمة" انتهى من "تدريب الرواي" (١/١٤٣) .
فتبين بذلك: أن العلماء يستدلون بخروج الحديث عن دواوين الإسلام المشهورة يستدلون بذلك على ضعفه.
ومما يدل على عدم صحة هذا الحديث: ما نسب فيه إلى النبي ﷺ أنه قال: (حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة) ، فإن الصلاة ليست من أمور الدنيا.
قال ابن القيم ﵀:
"ومن رواه: (حبب إليَّ من دنياكم ثلاث) فقد وهم، ولم يقل ﷺ : (ثلاث) ، والصلاة ليست من أمور الدنيا التي تُضاف إليها" انتهى.
" زاد المعاد " (١/١٥١) .
وقال ابن حجر الهيتمي ﵀:
"وأما زيادة: (ثلاث) فهي في "الإحياء" في موضعين، وفي "الكشاف" في آل عمران: قال الزين العراقي، وابن حجر، والزركشي، وغيرهم: ولم تقع في شيء من طرقه، بل هي مفسدة للمعنى، فإن الصلاة ليست من الدنيا" انتهى.
"الفتاوى الحديثية" (ص/٢٧٧) ، وانظر: "الإحياء" (٣/٢١٩) ، "السلسلة الضعيفة" (٦٩٤٠) .
والواجب على المسلم أن يتثبت فيما يرويه عن النبي ﷺ ، فإن الكذب على الرسول ﷺ من كبائر الذنوب التي يستحق صاحبها عذاب النار، نسأل الله السلامة والعافية.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1729
حديث قدسي مكذوب فيه تفصيل ما حول الجنين في رحم أمه
[السُّؤَالُ]
ـ[جاء لي حديث عن طريق الإيميل، وأريد التأكد منه هل هو صحيح أم لا، ويقول الحديث: قال : (يا ابن آدم! جعلتك في بطن أمك، وغشيت وجهك بغشاء لئلا تنفر من الرحم، وجعلت وجهك إلى ظهر أمك لئلا تؤذيك رائحة الطعام، وجعلت لك متكأ عن يمينك، ومتكأ عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فالكبد، وأما الذي عن شمالك فالطحال، وعلمتك القيام والقعود في بطن أمك، فهل يقدر على ذلك غيري، فلما أن تمَّت مُدَّتك، وأوحيت إلى الملك بالأرحام أن يخرجك فأخرجك على ريشة من جناحه، لا لك سن تقطع، ولا يد تبطش، ولا قدم تسعى، فأبعث لك عرقين رقيقين في صدر أمك يجريان لبنا خالصا، حارا في الشتاء، وباردا في الصيف، وألقيت محبتك في قلبي أبويك فلا يشبعان حتى تشبع، ولا يرقدان حتى ترقد، فلما قوي ظهرك، واشتد أزرك، بارزتني بالمعاصي في خلواتك، ولم تستح مني، ومع هذا إن دعوتني أجبتك، وإن سألتني أعطيتك، وإن تبت إلي قبلتك) أرجو الإفادة بصحة هذا الحديث.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الكلام المذكور هو مما اشتهر بين الناس مما لا أصل له عن النبي ﷺ فيما نعلم.
وقد وجدنا نصا قريبا منه منقولا عن التوراة، وليس عن الكتاب والسنة رواه أبو نعيم في " حلية الأولياء " (١٠/٣٩٩) بسنده عن محمد بن كعب القرظي قال:
" قرأت في التوراة - أو قال في صحف إبراهيم الخليل - فوجدت فيها:
يقول الله:
يا ابن آدم! ما أنصفتني، خلقتك ولم تك شيئا، وجعلتك بشرا سويا، خلقتك من سلالة من طين، فجعلتك نطفة في قرار مكين، ثم خلقت النطفة علقة، فخلقت العلقة مضغة، فخلقت المضغة عظاما، فكسوت العظام لحما، ثم أنشأتك خلقا آخر.... " فذكره مطولاً، بنحو ما ورد في السؤال، وفيه زيادات بعض الجمل عليه.
والواجب على كل مسلم أن يتثبت فيما ينسبه إلى النبي ﷺ ، لئلا يقع في الكذب عليه.
ثم إن بدا له أن ينقل كلاماً عن معيّن فلينسبه إلى قائله. وإذا قدر أن الكلام مقبول ومعناه صحيح، فهذا لا يجيز نسبته لله ولا لنبيه ﷺ ، بدون برهان، وعلم صحيح.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1730
هل يهتز عرش الرحمن لشيء من المعاصي والذنوب ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل ورد في السنة أن جريمة الزنا يهتز لها عرش الرحمن؟ وهل جريمة الزنا وحدها هي التي يهتز لها عرش الرحمن، أم جريمتا القتل واللواط أيضا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم نجد في الكتاب والسنة ما يدل على أن عرش الرحمن يهتز لارتكاب شيء من المعاصي والذنوب، والزنا واللواط من فواحش الذنوب وكبائرها، ولكن لم يرد اهتزاز العرش بخصوص وقوعها، ولا يجوز دعوى ذلك إلا بدليل شرعي صحيح وصريح.
يقول الإمام الذهبي ﵀:
" والعرش خلق لله مسخر، إذا شاء أن يهتز اهتز بمشيئة الله " انتهى.
" سير أعلام النبلاء " (١/٢٩٧)
وانظر جواب السؤال رقم: (٤٣٤٩٨)
على أننا نبه السائل إلى أنه قد ورد في شأن هذه الفواحش ما هو أشد، وأفزع لسامعها، من اهتزاز العرش.
فقد روى البخاري (٤٦٣٤) ومسلم (٢٧٦٠) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنْ اللَّهِ وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنْ اللَّهِ وَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ) وفي الحديث الأخر الذي رواه البخاري (٥٢٢١) ومسلم (٩٠١) من حديث عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَرَى عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ تَزْنِي يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" والغيرة فيها من البغض والغضب ما يدفع به الإنسان ما غار منه ... فالله سبحانه يبغض ذلك، وهو سبحانه يبغض كل م نهى الله عنه، كما أنه يحب كل ما أمر به؛ بل الغيرة مستلزمه لقوة البغض؛ إذ كل من يغار يبغض ما غار منه، وليس كل من يبغض شيئا يغار منه؛ فالغيرة أحض وأقوى " انتهى. قاعدة في المحبة (٢٠٠- ٢٠١) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 1731
العلاقة بين آية (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) وتنامي نفوذ الشيعة الآن
[السُّؤَالُ]
ـ[أتعتقد أن هذا الحديث له علاقة بما نمر به هذه الأيام من تنامي نفوذ الشيعة؟ وإذا كان الجواب بلا: فما تفسير هذا الحديث: عن أبي هريرة قال: لمَّا نزلت (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) كان سلمان إلى جنب رسول الله ﷺ , فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء القوم الذين إن تولينا استُبدلوا بنا؟ , قال: فضرب النبي ﷺ على منكب سلمان , فقال: (مِن هذا وَقَومِه , والذي نفسي بيده لَوْ أنَّ الدّينَ تَعَلَّقَ بالثُّرَيَّا لَنالَتْهُ رِجالٌ من أهْل فارِس) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
هذا الحديث رواه الترمذي (٣٢٦١) ، وفي إسناده مقال، وقد ضعفه كثير من أهل العلم، قال الترمذي بعد روايته له: غريب في إسناده مقال. وقال البغوي في "شرح السنة" (٧/٢٦١) : غريب. وقال ابن العربي في "عارضة الأحوذي" (٦/٣٣٠) : روي من طرق كثيرة لم تبلغ مرتبة الصحة. وقال الشوكاني في "فتح القدير" (٥/٦١) : في إسناده مسلم بن خالد الزنجي، فيه مقال معروف.
ورأى بعض العلماء أن تعدد طرق الحديث يقوي بعضها يعضاً، كالألباني ﵀، ولهذا صححه في صحيح الترمذي.
والقطعة الأخيرة من الحديث رواها البخاري (٤٦١٥) ومسلم (٢٥٤٦) ولفظها: (لَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَذَهَبَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ فَارِسَ - أَوْ قَالَ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ - حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ) .
وأما اللفظ الآخر وهو: (لَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ أُنَاسٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ) : فقد رواه أحمد في "مسنده" (١٣/٣٣١) وضعفه محققوه، وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٢٠٥٤) ، وفيها قوله: "وجملة القول: أن الحديث ضعيف بهذا اللفظ: "العلم"، وإنما الصحيح فيه: "الإيمان"، و "الدين". انتهى.
ثانياً:
هذا الحديث لا يدل على أن أهل فارس أفضل من الصحابة ﵃، وذلك للوجوه التالية:
الحديث في ذاته ضعيف عند كثير من أهل العلم، كما سبق.
على فرض صحة الحديث، فالآية المذكورة فيه وهي قوله تعالى: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) المراد منها التخويف فقط، وإلا فلا يوجد من هو أفضل من الصحابة ﵃، ولا مثلهم.
قال القرطبي ﵀:
"قوله تعالى: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ) هو إخبار عن القدرة، وتخويف لهم، لا أن في الوجود من هو خير من أصحاب رسول الله ﷺ " انتهى.
" تفسير القرطبي " (١٨ / ١٩٤) .
ج. لم يتفق العلماء والمفسرون على تفسير الآية بهذا الحديث، وأن القوم الذين سيأتون هم من فارس.
قال الماوردي ﵀:
" (يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ) فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنهم أهل اليمن، وهم الأنصار، قاله شريح بن عبيد.
الثاني: أنهم الفرس – وذكر حديث أبي هريرة -.
الثالث: أنهم مَن شاء مِن سائر الناس، قاله مجاهد" انتهى.
" النكت والعيون " (٥ / ٣٠٧، ٣٠٨) .
٣. وعلى فرض أن الآية في الردة، وأن المقصود بهم العرب، وأن القوم الذين سيحلون مكانهم هم " الفرس ": فإنها تحوي علماً غيبيّاً فيها بشارة للمسلمين من أهل الفرس أنه لا يحدث فيهم ردة عن الدِّين، وفيه إشارة لاحتمال وقوعها من غيرهم، وهو ما حصل بالفعل.
قال الطاهر بن عاشور ﵀:
"وأقول: هو يدل على أن " فارس " إذا آمنوا: لا يرتدون، وهو من دلائل نبوءة النبي ﷺ ؛ فإن العرب ارتد منهم بعض القبائل بعد وفاة النبي ﷺ ، وارتدّ البربر بعد فتح بلادهم وإيمانهم ثنتي عشرة مرة، فيما حكاه الشيخ أبو محمد بن أبي زيد، ولم يرتد أهل فارس بعد إيمانهم" انتهى.
" التحرير والتنوير " (٢٦ / ١٣٩) .
وعلى هذا؛ فلا تعلق للآية ولا الحديث بانتشار الرافضة في الأرض؛ لأن الكلام عن الفرس المسلمين، والرافضة الفرس ليسوا منهم.
فإما أن يقال: لم يحصل تولي عموماً لا عن الطاعة، ولا عن النفقة، فلم يحصل استبدال، أو يقال: حصل التولي من بعض العرب فجاء الله تعالى بالبديل من مسلمي الفرس، فخدموا دين الله تعالى، وساهموا في نشره، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في ذلك.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
"قال القرطبي: وقع ما قاله ﷺ عِياناً، فإنه وُجد منهم – أي: من الفرس - من اشتُهر ذِكرُه من حفَّاظ الآثار، والعناية بها، ما لم يشاركهم فيه كثيرٌ من أحدٍ غيرهم" انتهى.
" فتح الباري " (٨ / ٦٤٣) .
ولمعرفة بعض عقائد الشيعة الروافض التي خالفوا بها المسلمين انظر جواب السؤال رقم (٤٥٥٦٣) و (١١٨١٠١) و (٦٠٠٤٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1732
ما صحة حديث: (لولا محمد ما خلقتك) ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما رأيكم في هذا الحديث: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد إلا غفرت لي، فقال الله: يا آدم كيف عرفت محمدا ولم أخلقه بعد؟ فقال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا ـ لا إله إلا الله، محمد رسول الله ـ فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي، وإذ قد سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" هذا الحديث موضوع، كما أوضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ لأن الله سبحانه إنما خلق الجن والإنس ليُعبد وحده لا شريك له، ومن جملة الإنس: آدم ﵊، والله ولي التوفيق" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٦/٣٢٧) .
وقال عنه البيهقي في "دلائل النبوة" (٥/٤٨٩) : "تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف" انتهى.
وقال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في "التوسل" (ص١٦٦) :
"روي مرفوعا وموقوفا على عمر بن الخطاب ﵁، وفيه: عبد الرحمن بن أسلم، ضعيف باتفاقهم، ويغلط كثيرا" انتهى.
وحكم عليه الألباني ﵀ بأنه موضوع، في "السلسلة الضعيفة" (٢٥) .
وانظر جواب السؤال رقم (٢٣٢٩٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1733
أحاديث توقيت الحجامة لم يصح منها شيء
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الحجامة في أيام السبت أو الجمعة مكروهة إذا صادفت ١٩ أو ١٧ أو ٢١؟ كما ورد حديث: (لا تحتجموا يوم الأربعاء، ولا الجمعة، ولا السبت، ولا الأحد) ، وهذا أصبح مهما بين مسلمي بريطانيا. أرجو التوضيح: هل هذه أحاديث ضعيفة أم صحيحة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
ورد في توقيت الحجامة أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، من قوله ومن فعله، وهي تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أحاديث تنص على أيام الحجامة المفضلة، وأنها أيام السابع عشر – خاصة إذا صادف يوم ثلاثاء -، والتاسع عشر، والحادي والعشرين من الشهر القمري، وأيام الاثنين والخميس من أيام الأسبوع.
القسم الثاني: أحاديث تنهى عن الحجامة في أيام معينة من أيام الأسبوع: وهي أيام السبت، والأحد، والثلاثاء – وقد ورد أيضا الحث على الحجامة يوم الثلاثاء -، والأربعاء، والجمعة.
وقد أكثر الأئمة على ضعف أحاديث هذين القسمين كلها، وأنه لم يصح منها شيء عن النبي ﷺ ، وهذه بعض النصوص عنهم:
١- سئل الإمام مالك عن الحجامة يوم السبت ويوم الأربعاء فقال:
" لا بأس بذلك، وليس يوم إلا وقد احتجمتُ فيه، ولا أكره شيئا من هذا " انتهى باختصار.
" المنتقى شرح الموطأ " (٧/٢٢٥) نقله عن " العتبية ".
وجاء في " الفواكه الدواني " (٢/٣٣٨) من كتب المالكية:
" تجوز في كل أيام السنة حتى السبت والأربعاء , بل كان مالك يتعمد الحجامة فيها , ولا يكره شيئا من الأدوية في هذين اليومين , وما ورد من الأحاديث في التحذير من الحجامة فيهما فلم يصح عند مالك ﵁ " انتهى.
٢- يقول عبد الرحمن بن مهدي ﵀:
" ما صح عن النبي ﷺ فيها شيء – يعني في توقيتها - إلا أنه أمر بها " انتهى.
نقله ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/٢١٥)
٣- نقل الخلال عن الإمام أحمد أن الحديث لم يثبت.
نقله ابن حجر في "فتح الباري" (١٠/١٤٩) .
٤- يقول البرذعي:
" شهدت أبا زرعة لا يُثبِتُ في كراهة الحجامة في يوم بعينه، ولا في استحبابه في يوم بعينه حديثا " انتهى.
"سؤالات البرذعي" (٢/٧٥٧)
٥- وقال الحافظ ابن حجر - في شرح قول الإمام البخاري: " باب في أي ساعة يحتجم، واحتجم أبو موسى ليلا " -:
" وورد في الأوقات اللائقة بالحجامة أحاديث ليس فيها شيء على شرطه، فكأنه أشار إلى أنها تصنع عند الاحتياج، ولا تتقيد بوقت دون وقت، لأنه ذكر الاحتجام ليلا " انتهى.
"فتح الباري" (١٠/١٤٩)
٦- وقال العقيلي ﵀:
" وليس في هذا الباب - في اختيار يوم للحجامة - شيء يثبت " انتهى.
"الضعفاء الكبير" (١/١٥٠)
٧- وقد عقد ابن الجوزي ﵀ في كتابه "الموضوعات" (٣/٢١١-٢١٥) أبوابا كاملة جمع فيها هذه الأحاديث الواردة، ويعقبها بقوله:
" هذه الأحاديث ليس فيها شيء صحيح " انتهى.
٨- ويقول الإمام النووي ﵀:
" والحاصل أنه لم يثبت شيء في النهي عن الحجامة في يوم معين" انتهى.
" المجموع " (٩/٦٩) وإن كان النووي يحسن حديث توقيت الحجامة في أيام السابع عشر والتاسع عشر والحادي والعشرين.
٩- قال الحافظ ابن حجر ﵀:
" هذه الأحاديث لم يصح منها شيء " انتهى.
"فتح الباري" (١٠/١٤٩)
ثانيا:
استحب كثير من أهل العلم عمل الحجامة في أيام السابع عشر، والتاسع عشر، والحادي والعشرين من الشهر القمري، اعتمادا على عدة حجج:
١- ورود ذلك بأسانيد صحيحة عن الصحابة رضوان الله عليهم:
عن أنس بن مالك ﵁ قال:
(كان أصحاب النبي ﷺ يحتجمون لوتر من الشهر)
رواه الطبري في "تهذيب الآثار" (رقم/٢٨٥٦) قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا هشام، عن قتادة، عن أنس به.
وهذا إسناد صحيح. قال أبو زرعة: أجود شيء فيه حديث أنس: (كان أصحاب رسول الله ﷺ يحتجمون لسبع عشرة، ولتسع عشرة، وإحدى وعشرين) "سؤالات البرذعي" (٢/٧٥٧)
وروى الطبري أيضا بعد الأثر السابقة عن رفيع أبو العالية، قال: (كانوا يستحبون الحجامة لوتر من الشهر)
وعن ابن عون، قال: (كان يوصي بعض أصحابه أن يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة) قال أحمد: قال سليم: وأخبرنا هشام، عن محمد أنه زاد فيه: وإحدى وعشرين.
ولعل اعتياد الصحابة لذلك كان عن توقيف من النبي ﷺ ، مما يشعر بأن لهذه الأحاديث المرفوعة أصلا؛ بل قد ذهب بعض أهل العلم إلى تقوية بعض الأحاديث المرفوعة في ذلك،، كالإمام الترمذي حين أخرج حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يحتجم في الأخدعين والكاهل، وكان يحتجم لسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين) رقم (٢٠٥١) ، قال: حديث حسن.
وكذلك فعل بعض المتأخرين كالسيوطي في "الحاوي للفتاوي" (١/٢٧٩-٢٨٠) ، وابن حجر الهيتمي في فتاواه (٤/٣٥١) ، والشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم/٦٢٢، ١٨٤٧) .
وإن كان ما قدمناه من نصوص الأئمة على تضيعف المرفوع أقوى وأظهر.
٢- تأييد ذلك من جهة الطب:
يقول العلامة ابن القيم ﵀ – بعد أن أورد أحاديث الحجامة في السابع عشر والتاسع عشر والحادي والعشرين -:
" وهذه الأحاديث موافقة لما أجمع عليه الأطباء: أن الحجامة في النصف الثاني وما يليه من الربع الثالث من أرباعه أنفع من أوله وآخره.
وإذا استعملت عند الحاجة إليها نفعت أي وقت كان من أول الشهر وآخره.
قال الخلال أخبرني عصمة بن عصام قال حدثنا حنبل قال كان أبو عبد الله أحمد بن حنبل يحتجم أي وقت هاج به الدم وأي ساعة كانت " انتهى.
"زاد المعاد" (٤/٥٤)
أما بالنسبة لاختيار أيام الأسبوع للحجامة فلم يثبت شيء من ذلك من جهة الطب، فيما نعلم، وإن كان ورد عن بعض الصحابة ذلك، وثبت عن الإمام أحمد أنه كان يتوقى الحجامة يومي السبت والأربعاء، نقل ذلك ابن القيم في " زاد المعاد " (٤/٥٤) عن الخلال.
قال ابن مفلح، ﵀:
" تكره الحجامة في يوم السبت ويوم الأربعاء نص عليهما في رواية أبي طالب وجماعة وزاد أحمد رواية محمد بن الحسن بن حسان ويقولون يوم الجمعة وهذا الذي قطع به في المستوعب وغيره.
وقال المروذي: كان أبو عبد الله يحتجم يوم الأحد ويوم الثلاثاء.
قال القاضي: فقد بين اختيار يوم الأحد , والثلاثاء وكره يوم السبت , والأربعاء وتوقف في الجمعة. انتهى كلامه ,
والقاعدة أنه إذا توقف في شيء خرج فيه وجهان.
وعن الزهري مرسلا (من احتج يوم السبت , أو يوم الأربعاء فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه.) ذكره أحمد واحتج به، قال أبو داود وقد أسند ولا يصح.
وذكر البيهقي أنه وصله غير واحد وضعف ذلك , والمحفوظ منقطع انتهى كلامه.
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة بإسناده عن مكحول مرسلا. , والوضح: البرص.
وحكي لأحمد أن رجلا احتجم يوم الأربعاء واستخف بالحديث وقال ما هذا الحديث؟ فأصابه وضح , فقال أحمد: "لا ينبغي لأحد أن يستخف بالحديث " رواه الخلال.
وعن ابن عمر مرفوعا (أن في الجمعة ساعة لا يحتجم فيها محتجم إلا عرض له داء لا يشفى منه) رواه البيهقي بإسناد حسن وفيه عطاف بن خالد وفيه ضعف ". انتهى.
الآداب الشرعية، لابن مفلح (٣/٣٣٣) .
وكذلك ورد عن ابن معين وعلي بن المديني نحو من ذلك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1734
شرح حديث يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى
[السُّؤَالُ]
ـ[قمت بإهداء بضعة كتب إسلامية باللغة الفرنسية لشخص غير مسلم , من بين تلك الكتب كتاب ١١٠ أحاديث قدسية، نشر دار السلام , قال لي ذلك الشخص إنه مقتنع أن القرآن لا يمكن أن يكون إلا كلام الله , ولكن أبدى تحفظه، ولم يفهم حديثا قدسيا في ذلك الكتاب، والذي هو: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تحشر هذه الأمة على ثلاثة أصنافٍ، صنف يدخلون الجنة بغير حسابٍ، وصنف يحاسبون حساباً يسيراً ثم يدخلون الجنة، وصنف يجيئون على ظهورهم أمثال الجبال الراسيات ذنوباً، فيسأل الله عنهم وهو أعلم بهم، فيقول: ما هؤلاء؟ فيقولون: هؤلاء عبيد من عبادك، فيقول: حطوها عنهم واجعلوها على اليهود والنصارى، وأدخلوهم برحمتي الجنة) قال لي: لماذا على اليهود والنصارى؟ قلت له: اليهود والنصارى الذين خالفوا شرع الله، وأضلوا الناس، وقاتلوا الأنبياء، وليس الذين اتبعوا شرع الله، واتبعوا الأنبياء! قال: لا لم يذكر هذا في الحديث، ولكن جاء كلمة (اليهود والنصارى) . قلت له: هناك شرح لكل حديث سأخبرك عنه لاحقاً لأسأل بعض أهل الحديث , وللأسف أن بعض الكتب المترجمة لا تشرح لغير المسلم وتوضح له. أريد شرحا مفصلا، أفيدوني بارك الله بكم (أن لا تزر وازرة وزر أخرى) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الحديث المذكور أخرجه الطبرانى كما فى مجمع الزوائد (١٠/٣٤٣) ، قال الهيثمى: فيه عثمان بن مطر وهو مجمع على ضعفه. والحاكم (١/١٢٦، رقم ١٩٣) وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي.
وأصل الحديث رواه الإمام مسلم ﵀ في صحيحه عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال:
(إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ هَذَا فِكَاكُكَ مِنْ النَّارِ)
وكان سعيد بن أبي بردة قد حدَّث بهذا الحديث أمام عمر بن عبد العزيز، فاستحلفه عمر بن عبد العزيز بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات أن أباه حدثه عن رسول الله ﷺ ؟ قال: فحلف له.
وفي لفظ:
(لَا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا أَدْخَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ النَّارَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا)
وكلها في صحيح الإمام مسلم ﵀ من طريق أبي بردة عن أبيه حديث رقم: (٢٧٦٧)
وقد أخذ هذا الحديث عن أبي بردة أكثر من ثمانية من الرواة، كما في " مسند أحمد " (٤/٣٩١) ، ومسند عبد بن حميد (٥٣٧،٥٤٠) ، وسنن ابن ماجه (٤٢٩١) ، وغيرها، اختلفت ألفاظ بعضهم عن بعض، إلا أنها متفقة في المعنى كلها، تتحدث عن فداء المسلم من النار بواحد من اليهود والنصارى.
غير أن واحدا من هذه الألفاظ فيه اختلاف عن الباقي، وهو ما يرويه غيلان بن جرير، عن أبي بردة، عن أبيه، بلفظ: (يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ، وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى)
ثانيا:
ولما كان ظاهر هذا الحديث مخالفا لقول الله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) الأنعام/١٦٤، كان للعلماء مسلكان في التعامل مع هذا الحديث:
المسلك الأول:
عدم قبوله وتضعيفه لسببين:
١- اختلاف الرواة عن أبي بردة في إسناد الحديث.
فمرة يقول بعضهم: عن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي ﷺ .
وأخرى يقول آخر: عن أبي بردة، عن عبد الله بن يزيد.
ويقول آخر: عن أبي بردة، عن رجل من أصحاب، عن النبي ﷺ .
وجاء مرة عن أبي بردة، عن رجل من الأنصار، عن أبيه.
ومرة عن أبي بردة، عن رجل من الأنصار، عن بعض أهله.
كل هذه الأوجه نجدها في " التاريخ الكبير " للإمام البخاري ﵀ (١/٣٩)
ثم قال الإمام البخاري ﵀:
" والخبر عن النبي ﷺ في الشفاعة، وأن قوما يُعَذَّبُون ثم يخرجون أكثر وأبين وأشهر ... - ثم قال -: ألفاظهم مختلفة الا أن المعنى قريب " انتهى.
" التاريخ الكبير " (١/٣٩)
وقال الإمام البيهقي ﵀:
" وقد علل البخاري حديث أبي بردة باختلاف الرواة عليه في إسناده، ثم قال: الحديث في الشفاعة أصح " انتهى.
" البعث والنشور " (حديث رقم/ ٨٦)
٢- بسبب شك الراوي فيه، فقد جاءت في رواية الإمام مسلم الأخيرة قول أحد رواة الحديث: (ويضعها على اليهود والنصارى فيما أحسب أنا) قال أبو روح حرمي بن عمارة أحد رواة الحديث: لا أدري ممن الشك.
قال البيهقي ﵀:
" اللفظ الذي تفرد بها شداد أبو طلحة بروايته في هذا الحديث. وهو قوله: (ويضعها على اليهود النصارى) مع شك الراوي فيه: لا أراه محفوظا. والكافر لا يعاقب بذنب غيره. قال الله : (لا تزر وازرة وزر أخرى)
وإنما لفظ الحديث على ما رواه سعيد بن أبي بردة، وغيره، عن أبي بردة " انتهى.
" البعث والنشور " (حديث رقم/٨٦)
وقال الحافظ ابن حجر ﵀:
" وفي حديث الباب وما بعده – وهي أحاديث تحت باب القصاص يوم القيامة - دلالة على ضعف الحديث الذي أخرجه مسلم من رواية غيلان بن جرير ... - وذكر الحديث ونقل عن البيهقي تضعيفه - " انتهى باختصار.
" فتح الباري " (١١/٣٩٨)
وقال الشيخ الألباني ﵀:
" رواه الجماعة عن أبي بردة دون تلك الزيادة – يعني لفظ (ويضعها على اليهود والنصارى) ، فهي عندي شاذة، بل منكرة، لوجوه:
أولا: أن الراوي شك فيها، وهو عندي شداد أبو طلحة الراسبي، أو الراوي عنه حرمي بن عمارة، ولكن هذا قد قال - وهو أبو روح -: (لا أدري ممن الشك) ، فتعين أنه الراسبي، لأنه متكلم فيه من قبل حفظه وإن كان ثقة في ذات نفسه، ولذلك أورده الذهبي في " الضعفاء " وقال: قال ابن عدي: لم أر له حديثا منكرا. وقال العقيلي: له أحاديث لا يتابع
عليها. وقال الحافظ في " التقريب ": صدوق يخطئ. وليس له في مسلم إلا هذا الحديث. قال الحافظ في " التهذيب ": " لكنه في الشواهد ".
ثانيا: ولما كان قد تفرد بهذه الزيادة التي ليس لها شاهد في الطرق السابقة، وكان فيه ما ذكرنا من الضعف في الحفظ، فالقواعد الحديثية تعطينا أنها زيادة منكرة، كما لا يخفى على المهرة.
ثالثا: أن هذه الزيادة مخالفة للقرآن القائل في غير ما آية: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) " انتهى باختصار.
" السلسلة الضعيفة " (حديث رقم/١٣١٦، ورقم/٥٣٩٩) .
المسلك الثاني:
توجيه معنى الحديث بما يتوافق مع ظاهر القرآن الكريم:
قال الإمام البيهقي ﵀:
" ووجه هذا عندي - والله أعلم - أن الله تعالى قد أعد للمؤمن مقعدا في الجنة ومقعدا في النار كما روي في حديث أنس بن مالك، كذلك الكافر كما روي في حديث أبي هريرة، فالمؤمن يدخل الجنة بعدما يرى مقعده من النار ليزداد شكرا، والكافر يدخل النار بعد ما يرى مقعده من الجنة لتكون عليه حسرة، فكأن الكافر يورث على المؤمن مقعده من الجنة، والمؤمن يورث على الكافر مقعده من النار، فيصير في التقدير كأنه فدى المؤمن بالكافر " انتهى.
" البعث والنشور " (حديث رقم/٨٥)
وذكر ﵀ احتمالا آخر في شرح الحديث الذي بعده فقال:
" ويحتمل أن يكون حديث الفداء في قوم قد صارت ذنوبهم مكفرة في حياتهم، وحديث الشفاعة في قوم لم تعد ذنوبهم مكفرة في حياتهم، ويحتمل أن يكون هذا القول لهم في حديث الفداء بعد الشفاعة، فلا يكون بينهما اختلاف، والله أعلم " انتهى.
وقال الإمام النووي ﵀:
" معنى هذا الحديث ما جاء في حديث أبى هريرة: (لكل أحد منزل في الجنة ومنزل في النار) فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار لاستحقاقه ذلك بكفره.
ومعنى: (فكاكك من النار) أنك كنت معرَّضا لدخول النار، وهذا فكاكك؛ لأن الله تعالى قدر لها عددا يملؤها، فإذا دخلها الكفار بكفرهم وذنوبهم صاروا في معنى الفكاك للمسلمين. وأما رواية: (يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب) : فمعناه أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين ويسقطها عنهم، ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم فيدخلهم النار بأعمالهم، لا بذنوب المسلمين، ولا بد من هذا التأويل، لقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ، وقوله: (ويضعها) مَجاز، والمراد يضع عليهم مثلها بذنوبهم كما ذكرناه، لكن لما أسقط عن المسلمين سيئاتهم، وأبقى على الكفار سيئاتهم، صاروا في معنى من حمل إثم الفريقين لكونهم حملوا الإثم الباقي وهو إثمهم، ويحتمل أن يكون المراد آثاما كان للكفار سبب فيها، بأن سنُّوها، فتسقط عن المسلمين بعفو الله تعالى، ويوضع على الكفار مثلها لكونهم سنوها، ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها " انتهى.
" شرح مسلم " (١٧/٨٥)
وقال ﵀:
" معنى (فكاكك) : أنك كنت معرضا لدخول النار، هذا فكاكك؛ لأن الله تعالى قدر للنار عددا يملؤها، فإذا دخلها الكفار بذنوبهم وكفرهم صاروا في معنى الفكاك للمسلمين، والله أعلم " انتهى.
" رياض الصالحين " (ص/٥٣٤) .
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) :
" قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
(ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإن مات فدخل النار وَرثَ أهل الجنة منزله، فذلك قوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ)) - رواه ابن ماجه في السنن برقم (٤٣٤١) قال الحافظ ابن حجر ﵀ في " فتح الباري " (١١/٤٥١) : إسناده صحيح. وقال البوصيري في " الزوائد " (٣/٣٢٧) : " هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين "، وصححه السيوطي في " البدور السافرة " (ص/٤٥٦) -
وقال ابن جُرَيْج، عن لَيْث، عن مجاهد: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ) قال: ما من عبد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فأما المؤمن فيُبنَى بيته الذي في الجنة، ويُهدّم بيته الذي في النار، وأما الكافر فيُهْدَم بيته الذي في الجنة، ويُبنى بيته الذي في النار.
وروي عن سعيد بن جُبَيْر نحو ذلك.
فالمؤمنون يرثون منازل الكفار؛ لأنهم خلقوا لعبادة الله تعالى، فلما قام هؤلاء المؤمنون بما وجب عليهم من العبادة، وترَكَ أولئك ما أمرُوا به مما خُلقوا له - أحرزَ هؤلاء نصيب
أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم ، بل أبلغ من هذا أيضًا، وهو ما ثبت في صحيح مسلم، عن أبي بُردَةَ، عن أبيه، عن النبي ﷺ ... - ثم ذكر الأحاديث السابقة " انتهى باختصار.
" تفسير القرآن العظيم " (٥/٤٦٥)
وقال الحافظ ابن حجر ﵀:
" وقال غيره – يعني غير البيهقي - يحتمل أن يكون الفداء مجازا عما يدل عليه حديث أبي هريرة بلفظ: (لا يدخل الجنة أحد إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا..) الحديث، وفيه في مقابله: (ليكون عليه حسرة) فيكون المراد بالفداء إنزال المؤمن في مقعد الكافر من الجنة الذي كان أعد له، وإنزال الكافر في مقعد المؤمن الذي كان أعد له، وقد يلاحظ في ذلك قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا) ، وبذلك أجاب النووي تبعا لغيره.
وأما رواية غيلان بن جرير فأولها النووي أيضا تبعا لغيره: بأن الله يغفر تلك الذنوب للمسلمين، فإذا سقطت عنهم وضعت على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم، فيعاقبون بذنوبهم لا بذنوب المسلمين، ويكون قوله: (ويضعها) أي: يضع مثلها؛ لأنه لما أسقط عن المسلمين سيئاتهم وأبقى على الكفار سيئاتهم صاروا في معنى من حمل إثم الفريقين لكونهم انفردوا بحمل الإثم الباقي وهو إثمهم.
ويحتمل أن يكون المراد آثاما كانت الكفار سببا فيها بأن سنوها، فلما غفرت سيئات المؤمنين بقيت سيئات الذي سن تلك السنة السيئة باقية، لكون الكافر لا يغفر له، فيكون الوضع كناية عن إبقاء الذنب الذي لحق الكافر بما سنه من عمله السيئ، ووضعه عن المؤمن الذي فعله بما من الله به عليه من العفو والشفاعة، سواء كان ذلك قبل دخول النار أو بعد دخولها والخروج منها بالشفاعة. وهذا الثاني أقوى. والله أعلم " انتهى.
" فتح الباري " (١١/٣٩٨)
وجاء في " فتاوى اللجنة الدائمة " (٣/٤٦٨) :
" أما قوله ﷺ : (فيغفرها للمسلمين ويضعها على اليهود والنصارى) ، فهذا الحديث قد شك راويه فيه، ولا يحتج به مع الشك، ولكونه يخالف ظاهر القرآن الكريم، لكن إن صح عنه ﷺ فهو لا يقول إلا الحق، ويجب حمله على ما يوافق الأدلة الأخرى، وذلك بحمله على اليهود والنصارى الذين كانوا سببا في وقوع المسلمين في الذنوب التي غفرت لهم، لقوله سبحانه: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) ، ولقوله ﷺ : (من دعا إلى ضلالة كان عليه مثل إثم من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا) ولما جاء في معناه من الأحاديث " انتهى.
وانظر جواب السؤال رقم: (٩٤٨٨)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1735
ما حكم حديث المرأة التي سجرت التنور ودعت الله فامتلأت الجفنة طعاما
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة هذا الحديث: (دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنْ الْحَاجَةِ خَرَجَ إِلَى الْبَرِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَتْ امْرَأَتُهُ قَامَتْ إِلَى الرَّحَى فَوَضَعَتْهَا، وَإِلَى التَّنُّورِ فَسَجَرَتْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا. فَنَظَرَتْ فَإِذَا الْجَفْنَةُ قَدْ امْتَلَأَتْ. قَالَ: وَذَهَبَتْ إِلَى التَّنُّورِ فَوَجَدَتْهُ مُمْتَلِئًا. قَالَ: فَرَجَعَ الزَّوْجُ قَالَ: أَصَبْتُمْ بَعْدِي شَيْئًا؟ قَالَتْ امْرَأَتُهُ: نَعَمْ مِنْ رَبِّنَا. قَامَ إِلَى الرَّحَى. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْفَعْهَا لَمْ تَزَلْ تَدُورُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ صيرًا ثُمَّ يَحْمِلَهُ يَبِيعَهُ فَيَسْتَعِفَّ مِنْهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا يَسْأَلُهُ) وهل يجوز التحديث به؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
هذا الحديث رواه الإمام أحمد في " المسند " (١٦/٣٨٥) واللفظ له، وإبراهيم الحربي في " إكرام الضيف " (٤٦) ، والبزار - كما في " كشف الأستار " - (٣٦٨٧) ، والطبراني في " المعجم الأوسط " (٥/٣٧٠) ، والبيهقي في " دلائل النبوة " (٦/١٠٥) ، وفي " شعب الإيمان " (٢/٤٨١) (١٣٣٩) جميعهم من طريق أبي بكر بن عياش، عن هشام بن حسَّان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ به.
قال البزار: لا نعلم رواه عن هشام إلا أبو بكر بن عياش.
وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن سيرين إلا هشام بن حسان، ولا عن هشام بن حسان إلا أبو بكر بن عياش، تفرد به أحمد بن يونس.
قال الشيخ الألباني ﵀:
" وهو ثقة – يعني أحمد بن يونس - من رجال الشيخين، وكذلك من فوقه، سوى أبي بكر بن عياش، فمن رجال البخاري، وفيه كلام يسير لا يسقط حديثه عن مرتبة الحسن، ولا سيما وله طريق أخرى " انتهى باختصار.
" السلسلة الصحيحة " (٢٩٣٧) .
وصححه الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١٠/٢٥٩) ، والشيخ مقبل الوادعي في " صحيح دلائل النبوة " (٣٣٥) .
وفي الحديث دليل على ما يؤمن به أهل السنة والجماعة من وقوع الكرامات للأولياء والصالحين، وعلى استجابة الله دعاء عباده المؤمنين من حيث لا يحتسبون.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 1736
حديث مكذوب في محاولة جبريل ﵇ أن يقيس عرض الجنة
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد أن توجهوني هل هذا حديث أم أثر، لكي أعرف كيف أرد على كاتبي هذا الحديث أو المعتقدين به: عن جبرئيل ﵇ عندما طلب الإذن من الله بأن يقوم بقياس عرض الجنة، فأعطاه الله الإذن بذلك، فانطلق بالطيران في الجنة، فطار مدة ٣٠٠ ألف عام ثم توقف وطلب من الله أن يمده بالعون ليطير ٣٠٠ ألف عام أخرى، فأمدَّه الله ، فانطلق جبريل، ولما قطع ٣٠٠ ألف عام توقف، وطلب من الله أن يمده ب ٣٠٠ ألف عام أخرى، وهكذا حتى قطع جبريل ٩٠٠ ألف عام يطير في الجنة، ثم توقف فرأى قصرا في الجنة قد أطلت منه إحدى الحوريات، فقالت له يا جبرئيل ماذا تفعل؟ قال أريد أن أقيس عرض الجنة، قالت: يا جبرئيل لا تتعب نفسك، أنت الآن منذ انطلاقتك الأولى تطير في حدود مملكتي، قال: ومن أنت؟ قالت: أنا زوجة لأحد المؤمنين.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس هذا النقل الوارد في السؤال بحديث ولا بأثر، ولم يذكره أحد من أهل العلم من المُحدِّثين ولا المفسرين ولا المؤرخين، فيما نعلم؛ وإنما تتناقله بعض كتب الرافضة ومواقعهم، وهي مليئة بالكذب والأساطير والخرافات، فيبدو أن هذه القصة واحدة من افتراءاتهم على الدين.
والمسلم يستغني في وصف الجنة بما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة، فقد وصف الله عرض الجنة في القرآن الكريم فقال:
(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) آل عمران/١٣٣.
وقال :
(سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) الحديد/٢١.
يقول الإمام البغوي ﵀:
" (عَرْضُهَا السَّمَاوَات وَالأرْضُ) أي: عرضها كعرض السموات والأرض، كما قال في سورة الحديد: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) أي: سَعَتُها، وإنما ذكر العرض على المبالغة؛ لأن طول كل شيء في الأغلب أكثر من عرضه، يقول: هذه صفة عَرْضِها فكيف طُولها! قال الزهري: إنما وصف عرضها، فأما طولُها فلا يعلمه إلا الله، وهذا على التمثيل، لا أنها كالسموات والأرض لا غير، معناه: كعرض السموات السبع والأرضين السبع عند ظنكم، كقوله تعالى: (خالدين فيها ما دامت السمواتُ والأرضُ) سورة هود/١٠٧، يعني: عند ظنكم، وإلا فهما زائلتان، وروي عن طارق بن شهاب أن ناسًا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب وعنده أصحابه ﵃ وقالوا: أرأيتم قوله: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَات وَالأرْضُ) فأين النار؟ فقال عمر: أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار، وإذا جاء النهار أين يكون الليل؟ فقالوا: إنه لمثلها في التوراة. ومعناه أنه حيث يشاء الله " انتهى.
معالم التنزيل " (٢/١٠٤)
وإذا كان قد ورد في وصف شجرة من أشجار الجنة أنه (يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِى ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا) رواه البخاري (٣٢٥١) ومسلم (٢٨٢٦) ، فكيف هو شأن الجنة نفسها إذن؟!
وإذا كان ورد أيضا أن أدنى أهل الجنة منزلة له (مِثْلُ الدُّنْيَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهَا) رواه البخاري (٦٥٧١) ومسلم (١٨٦) ، وهو فرد واحد، فكيف تكون سعة الجنة لجميع أهلها ومن فيها إذن؟! هذا يدلك على أن الجنة من أعظم مخلوقات الله .
فالحاصل أن هذا الخبر الوارد في السؤال غير صحيح، بل مكذوب مصنوع، تتناقله بعض المنتديات التي تكثر فيها الخرافات، فلا بد من الحذر منها.
وقد اتفق علماء المسلمين على حرمة الكذب على رسول الله ﷺ ، وحرمة رواية الأحاديث المكذوبة ولو كان معناها مقبولا، فالكذب نفسه كبيرة من كبائر الذنوب، فإذا كان كذبا على رسول الله ﷺ فهو أعظم إثما عند الله.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1737
حديث مكذوب فيه: (بحرمتي وجلالي ضمنت له سبعة أشياء)
[السُّؤَالُ]
ـ[دعاء لمرة واحدة بالعمر: روي عن رسول الله ﵌ مضمون الحديث أنه قال: من قرأ الدعاء في أي وقت فكأنه حج ٣٦٠ حجة، وختم ٣٦٠ ختمة، وأعتق ٣٦٠ عبدا، وتصدق ب ٣٦٠ دينارا، وفرج عن ٣٦٠ مغموما، وبمجرد أن قال رسول الله ﵌ الحديث نزل جبرائيل ﵇ وقال: يا رسول الله! أي عبد من عبيد الله ، أو أي أحد من أمتك يا محمد قرأ الدعاء ولو مرة واحدة في العمر بحرمتي وجلالي ضمنت له سبعة أشياء: رفعت عنه الفقر. أمنته من سؤال منكر ونكير. أمررته على الصراط. حفظته من موت الفجأة. حرمت عليه دخول النار. حفظته من ضغطة القبر. حفظته من غضب السلطان الجائر والظالم. الدعاء: لا إله إلا الله الجليل الجبار، لا إله إلا الله الواحد القهار, لا إله إلا الله الكريم الستار، لا إله إلا الله الكبير المتعال , لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا، ربا وشاهدا، أحدا وصمدا، ونحن له مسلمون , لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا، ربا وشاهدا، أحدا وصمدا، ونحن له عابدون، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحدا، ربا وشاهدا، أحدا وصمدا، ونحن له قانتون , لا إله إلا وحده لا شريك له، إلها واحدا، ربا وشاهدا، أحدا وصمدا، ونحن له صابرون , لا إله إلا الله محمد رسول الله , اللهم إليك فوضت أمري، وعليك توكلت، يا أرحم الراحمين.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الفضل المنسوب لهذا الدعاء فضل مكذوب، لم يرد في كتب السنة والآثار، ولا عن الصحابة ولا التابعين، وتظهر عليه علامات الكذب، لما فيه من المبالغة والمجازفة في ترتيب الأجر على العمل، وقد حكم العلماء المعاصرون عليه بالرد والكذب.
جاء في " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٤/٢٨١-٢٨٣) ما يلي:
" الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من المستفتي/ بواسطة معالي د. محمد بن سعد الشويعر، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (٣٥٩٨) ، وتاريخ ٩ \ ٧ \ ١٤٢٠ هـ، وقد ذكر معاليه أن أحد المواطنين جاءه بنشرة يقول إنه وجدها بالمسجد الذي يصلي فيه، ويطلب إفتاءه نحوها، وقد جاء في هذه النشرة ما نصه:.. ". [وذكروا الحديث بنحو مما ورد في السؤال] .
وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت:
بأن هذا الدعاء المنسوب للنبي ﷺ دعاء باطل، لا أصل له من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ ، والحديث المروي في فضله حديث باطل مكذوب، ولم نجد من أئمة الحديث مَن خَرَّجه بهذا اللفظ، ودلائل الوضع عليه ظاهرة؛ لأمور، منها:
١ - مخالفة هذا الدعاء ومناقضته لصحيح المعقول وصريح المنقول من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وذلك لترتيب هذه الأعداد العظيمة من الثواب المذكور لمن قرأ هذا الدعاء.
٢ - اشتماله على لفظ (علي ولي الله) ، ولا شك أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ من أولياء الله إن شاء الله، ولكن تخصيصه بذلك دون غيره فيه نفثة رافضية.
٣ - أنه يلزم من العمل بهذا الدعاء أن قارئه يدخل الجنة وإن عمل الكبائر أو أتى بما يناقض الإيمان، وهذا باطل ومردود عقلا وشرعا.
وعلى ذلك فإن الواجب على كل مسلم أن لا يهتم بهذه النشرة، وأن يقوم بإتلافها، وأن يحذر الناس من الاغترار بها وأمثالها، وعليه أن يتثبت في أمور دينه فيسأل أهل الذكر عما أشكل عليه حتى يعبد الله على نور وبصيرة، ولا يكون ضحية للدجالين وضعاف النفوس الذين يريدون صرف المسلمين عما يهمهم في أمور دينهم ودنياهم، ويجعلهم يتعلقون بأوهام وبدع لا صحة لها. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى.
وقد سبق الجواب عن هذا الذكر في جواب رقم: (١٢٦٦٣٥)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1738
ما ورد في تخيير الرسل والأنبياء قبل الموت
[السُّؤَالُ]
ـ[بالنسبة لمسألة تخيير الرسل والأنبياء قبل الموت (أي هل يموتون الآن أم بعد مدة) كما حصل معه عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم، كيف نقول بالنسبة لمن قتل منهم أي الأنبياء والرسل، هل خُيروا أم لم يُخيروا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
صح عن النبي ﷺ أن كل نبي يخير عند موته بين الدنيا والآخرة، جاء ذلك في روايات عدة عن عائشة ﵂ أنها قالت:
(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ صَحِيحٌ يَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُحَيَّا أَوْ يُخَيَّرَ. فَلَمَّا اشْتَكَى وَحَضَرَهُ الْقَبْضُ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِ عَائِشَةَ غُشِي عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ شَخَصَ بَصَرُهُ نَحْوَ سَقْفِ الْبَيْتِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى. فَقُلْتُ: إِذًا لَا يُجَاوِرُنَا. فَعَرَفْتُ أَنَّهُ حَدِيثُهُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا وَهْوَ صَحِيحٌ)
رواه البخاري (٤٤٣٧) ومسلم (٢٤٤٤)
وعنها رضى الله عنها قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
(مَا مِنْ نَبيٍّ يَمْرَضُ إِلَاّ خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) فَعَلِمْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ) رواه البخاري (٤٥٨٦)
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
" قوله: (كنت أسمع أنه لا يموت نبي حتى يُخَيَّر) ولم تصرح عائشة بذكر من سمعت ذلك منه في هذه الرواية، وصرحت بذلك في الرواية التي تليها من طريق الزهري عن عروة عنها قالت: كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: (إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يحيى أو يخير) وهو شك من الراوي، هل قال يُحَيَّى، أو يُخَيَّر.
وعند أحمد من طريق المطلب بن عبد الله عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقول: (ما من نبي يقبض إلا يرى الثواب ثم يخير)
ولأحمد أيضا من حديث أبي مويهبة قال: قال لي رسول الله ﷺ : (إني أوتيت مفاتيح خزائن الأرض والخلد ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة فاخترت لقاء ربي والجنة)
وعند عبد الرزاق من مرسل طاوس رفعه: (خيرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتي وبين التعجيل فاخترت التعجيل) " انتهى من " فتح الباري " (٨/١٣٧)
وقال أيضا:
" هذه الحالة من خصائص الأنبياء أنه لا يقبض نبي حتى يخير بين البقاء في الدنيا وبين الموت " انتهى من " فتح الباري " (١٠/١٣١)
ومن ذلك قصة استئذان ملك الموت على نبي الله موسى ﵇ فلطمه موسى ففقأ عينه وهي مروية في الصحيحين أيضا.
يقول الدكتور عمر الأشقر حفظه الله:
" مما تفرد به الأنبياء أنّهم يخيَّرون بين الدنيا والآخرة " انتهى من " الرسل والرسالات " (ص/٦٣)
ثانيا:
لما كان تخيير الرسل والأنبياء قبل الموت من عالم الغيب الذي لم نطلع عليه إلا بواسطة الوحي الصحيح، لم يجز لنا أن نتكلم في تفاصيله بغير علم ولا هدى، بل يجب الوقوف عند حدود النصوص الواردة في هذا الموضوع، وهي نصوص عامة لم تستثن أحدا من الأنبياء، بل جاءت بصيغة تؤكد العموم، ففي الرواية الأولى بلفظ: (لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ) ، وفي الرواية الثانية بلفظ: (مَا مِنْ نَبيٍّ يَمْرَضُ) ، فيظهر أنها تعم كل نبي، سواء مات ميتة طبيعية على فراشه، أو قتل شهيدا باعتداء المعتدين.
هذا ما يمكننا قوله، ولا نستطيع تجاوز ذلك.
ثالثا:
لا يفوتنا التنبيه هنا على كثرة الكذب في هذا الموضوع، فقد رويت أحاديث كثيرة ضعيفة تذكر قصة استئذان ملك الموت على النبي ﷺ ليقبض روحه، وما دار من حوار طويل بينهما، سبق التنبيه عليه في جواب السؤال رقم: (٧١٤٠٠)
يقول الشيخ محمد رشيد رضا ﵀:
" وأما الجواب عن - استئذان ملك الموت على النبي ﷺ فهو أنّ الحديث في ذلك لا يَصِحُّ، ولا عبرة بسكوت بعض أهل السِّيَرِ عليه , ولا بذكره في بعض الخُطَب التي قَلَّمَا تحرى أصحابها الصحاح من السنن والآثار , بل أولع أكثرهم بالواهيات والموضوعات " انتهى من " مجلة المنار " (١١/٣٥٢)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1739
حديث مكذوب بعنوان ليته كان جديدا..ليته كان بعيدا ... ليته كان كاملا
[السُّؤَالُ]
ـ[كان أحد صحابة رسول الله ﷺ على فراش الموت، فنطق بثلاث كلمات: ليته كان جديدا، ويذهب في غفوة، ويفيق وهو يقول: ليته كان بعيدا، ويذهب في غفوة ويفيق وهو يقول: ليته كان كاملا. وبعدها فاضت روحه. ذهب الصحابة رضوان الله عليهم إلى رسول الله ﷺ ليسألوه عن هذه الكلمات، فقال لهم رسول الله ﷺ : إن هذا الرجل في يوم من الأيام كان يمشي، وكان معه ثوب قديم، فوجد مسكينا يشتكي من شدة البرد فأعطاه الثوب، فلما حضرته الوفاة، ورأى قصرا من قصور الجنة، فقالت له ملائكة الموت: هذا قصرك. فقال: لأي عمل عملته؟؟ فقالوا له: لأنك تصدّقت ذات ليلة على مسكين بثوب. فقال الرجل: إنه كان باليا فما بالنا لو كان جديدا، ليته كان جديدا. وكان في يوم ذاهبا للمسجد، فرأى مُقعدا يريد أن يذهب للمسجد، فحمله إلى المسجد، فلما حضرته الوفاة، ورأى قصرا من قصور الجنة، قالت له ملائكة الموت: هذا قصرك. فقال: لأي عمل عملته؟؟ فقالوا له: لأنك حملت مُقعدا ليصلي في المسجد. فقال الرجل: إن المسجد كان قريبا، فما بالنا لو كان بعيدا، ليته كان بعيدا. وفي يوم من الأيام كان يمشي، وكان معه بعض رغيف، فوجد مسكينا جائعا فأعطاه جزءا منه، فلما حضرته الوفاة ورأى قصرا من قصور الجنة، فقالت له ملائكة الموت: هذا قصرك، فقال لأي عمل عملته؟؟ فقالوا له: لأنك تصدّقت ببعض رغيف لمسكين. فقال الرجل: إنه كان بعض رغيف، فما بالنا لو كان كاملا، ليته كان كاملا ً. أريد أن أعرف هل هذا حديث، وهل هو صحيح؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس هذا الكلام الوارد في السؤال من أحاديث النبي ﷺ ، ولا من كلام أحد الصحابة أو التابعين، بل لم نجده – حسب ما وصل إليه بحثنا - في شيء من كتب العلماء، قديمها وحديثها، صحيحها وضعيفها، فالغالب أنه كذبة من الكذبات التي يتداولها الناس، وربما ابتكرها بعض المتأخرين، ونسبها إلى النبي ﷺ ، وما أكثرها هذه الأيام والله المستعان، فقد تجرأ أقوام على هذه الكبيرة العظيمة، جريمة وضع الأحاديث على النبي ﷺ .
فالواجب على كل مسلم الحذر من هذه الموضوعات، والعمل على تحذير الناس منها، وعدم المساعدة في نشرها، بل المساعدة في محوها من المجالس والمنتديات، واستبدالها بالأحاديث الكثيرة الصحيحة الواردة في الحث على الصدقة والإحسان للفقراء والمساكين.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) .
رواه مسلم في مقدمة صحيحه (٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1740
كيف يخرج البخاري في صحيحه عن رواة ضعفاء ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[وجدت شبهة تحتاج لرد متخصص، وهي: البخاري ضعف أحد الرواة، وهو حمران بن أبان، ثم أخرج له روايات فى صحيح البخاري.. فكيف يضعف راو ثم يخرج له؟؟ كيف تكون هذه الأحاديث صحيحة وفيها راو ضعفه البخاري نفسه؟؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
هذه المسألة من دقيق مسائل علوم الحديث، يخطئ في فهمها كثير من الناس، ويتورطون بما ينصبه لهم أعداء الإسلام من شبه، في حين أن جوابها سهل ميسور لا يختلف فيه أهل العلم المتخصصون.
وخلاصة هذه المسألة أنه ليس من منهج الإمام البخاري في صحيحه ألا يخرج عن رواة متكلم فيهم أو موصوفين بالضعف، ولكن من منهجه ألا يخرج إلا الصحيح من حديثهم، وفرق بين الأمرين:
فالراوي الضعيف أو المتكلم فيه لا يلزم أن ترد جميع مروياته – ما دام غير متهم بالكذب -، إذ قد يكون مضعفا في حال دون حال، أو في شيخ دون شيخ، أو في بلد دون بلد، أو في حديث معين دون أحاديث أخر، ونحو ذلك من أنواع التضعيف، فلا يجوز أن نرد جميع مروياته حينئذ، بل نقبل حديثه الذي تبين لنا أنه ضبطه وحفظه وأداه كما حفظه، ونرد حديثه الذي تبين لنا أنه أخطأ فيه، ونتوقف فيما لم يتبين لنا شأنه، وهكذا هو حكم التعامل مع جميع مرويات الرواة الضعفاء، وليس كما يظن غير المتخصصين أن الراوي الضعيف ترد جميع مروياته.
هذا هو منهج الأئمة السابقين، ومنهج الإمامين البخاري ومسلم صاحبي الصحيحين، ويسمى منهج " الانتقاء من أحاديث الضعفاء "، يعني تصحيح أحاديث بعض الرواة المتكلم فيهم بالضعف إذا تبين أنهم قد حفظوا هذا الحديث بخصوصه، تماما كما أننا قد نرد حديث الراوي الثقة إذا تبين أنه لم يحفظ هذا الحديث المعين، أو خالف فيه من هو أوثق منه وأحفظ. والبحث في المتابعات والشواهد ومن وافق هذا الراوي المتكلم فيه من الرواة الثقات مِن أنفع وسائل التثبت من حفظ الراوي المتكلم فيه لتصحيح حديثه أو تضعيفه.
وخلاصة الكلام أن إخراج البخاري عن بعض الرواة الضعفاء أو المتكلم فيهم لا يخلو من الأحوال الآتية:
١- إما أن الصواب في هذا الراوي هو التوثيق، وأن تضعيف مَن ضعَّفه مردود عليه مثل: عكرمة مولى ابن عباس.
٢- أو أن الراوي مُضعَّف في الأحاديث التي يتفرد بها فقط، أما ما وافق فيه الرواة الآخرين فيقبل حديثه، فيخرج البخاري له ما وافق فيه الثقات، لا ما تفرد به، مثل: أفلح بن حميد الأنصاري، ومحمد بن عبد الرحمن الطفاوي، وفضيل بن سليمان النميري.
٣- أو أن الراوي مُضعَّفٌ إذا روى عن شيخ معين، أما إذا روى عن غيره فيقبل العلماء حديثه، فتجد البخاري يجتنب روايته عن الشيخ المضعف فيه، مثل: معمر بن راشد عن ثابت البناني.
٤- أو أن الراوي مُضعَّف بالاختلاط والتغير، فيروي له البخاري عمَّن أخذ عنه قبل اختلاطه وتغيره، مثل: حصين بن عبد الرحمن السلمي.
٥- أو أن الراوي ضعيف، لكن البخاري لم يَسُق له حديثا من الأحاديث الأصول، وإنما أورده في إسناد يريد به متابعة إسناد آخر أو الاستشهاد له به، أو في حديث معلق.
وننقل هنا من كلام العلماء ما يدل على التقرير السابق:
يقول الحافظ ابن الصلاح ﵀ – ضمن كلامه عن سبب وجود رواة ضعفاء في صحيح مسلم، ومثله يقاس الكلام على البخاري -:
" عاب عائبون مسلما بروايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء أو المتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية، الذين ليسوا من شرط الصحيح أيضا.
والجواب أن ذلك لأحد أسباب لا معاب عليه معها:
أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده.
الثاني: أن يكون ذلك واقعا في الشواهد والمتابعات لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أولا بإسناد نظيف رجاله ثقات ويجعله أصلا، ثم يتبع ذلك بإسناد آخر أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة أو لزيادة فيه.
الثالث: أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث عليه غير قادح فيما رواه من قبل في زمان سداده واستقامته " انتهى باختصار.
" صيانة صحيح مسلم " (ص/٩٦-٩٨)
ويقول الحافظ الحازمي (ت ٥٢٤هـ) – وقد قسم الرواة إلى خمس طبقات وجعل الطبقة الأولى مقصد البخاري، ويخرج أحياناً من أعيان الطبقة الثانية -:
" فإن قيل: إذا كان الأمر على ما مهدت، وأن الشيخين لم يودعا كتابيهما إلا ما صح، فما بالهما خرجا حديث جماعة تكلم فيهم، نحو فليح بن سليمان، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وإسماعيل بن أبي أويس عند البخاري، ومحمد بن إسحاق وذويه عند مسلم.
قلت: أما إيداع البخاري ومسلم " كتابيهما " حديث نفر نسبوا إلى نوع من الضعف فظاهر، غير أنه لم يبلغ ضعفهم حداً يُرَدُّ به حديثهم " انتهى.
" شروط الأئمة الخمسة " (ص٦٩ – ٧٠)
ويقول الحافظ الذهبي ﵀:
" فما في الكتابين – يعني صحيحي البخاري ومسلم – بحمد الله رجل احتج به البخاري أو مسلم في الأصول ورواياته ضعيفة، بل حسنة أو صحيحة ... ومن خرج له البخاري أو مسلم في الشواهد والمتابعات ففيهم مَن في حفظه شيء، وفي توثيقه تردد " انتهى باختصار.
" الموقظة " (ص/٧٩-٨١) .
وقال الإمام ابن القيم – وهو يرد على من عاب على مسلم إخراج أحاديث الضعفاء سيئي الحفظ كمطر الوراق وغيره، ومثله يقاس الكلام على البخاري -:
" ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه؛ لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه، فغلط في هذا المقام من استدرك عليه إخراج جميع أحاديث الثقة، ومن ضعف جميع أحاديث سيئي الحفظ " انتهى.
" زاد المعاد " (١/٣٦٤)
ويقول الحافظ ابن حجر ﵀:
" وأما الغلط فتارة يكثر في الراوي وتارة يقل، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط، ينظر فيما أخرج له، إن وجد مروياً عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط، علم أن المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطريق، وإن لم يوجد إلا من طريقه فهذا قادح يوجب التوقف فيما هذا سبيله، وليس في الصحيح – بحمد الله – من ذلك شيء، وحيث يوصف بقلة الغلط، كما يقال: سيء الحفظ، أو له أوهام، أو له مناكير، وغير ذلك من العبارات، فالحكم فيه كالحكم في الذي قبله، إلا أن الرواية عن هؤلاء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك " انتهى.
" هدي الساري " (ص/٣٨١)
ولهذا يرى الحافظ ابن حجر أن يكون تعريف الحديث الصحيح على هذا النحو:
" هو الحديث الذي يتصل إسناده بنقل العدل التام الضبط، أو القاصر عنه إذا اعتضد، عن مثله، إلى منتهاه، ولا يكون شاذاً ولا معللاً. وإنما قلت ذلك لأنني اعتبرت كثيراً من أحاديث الصحيحين فوجدتها لا يتم عليها الحكم بالصحة إلا بذلك – يعني بتعدد الطرق – " انتهى.
" النكت على ابن الصلاح " (١/٨٦)
ويقول العلامة المعلمي ﵀:
" إن الشيخين يخرجان لمن فيهم كلام في مواضع معروفة:
أحدهما: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذلك الكلام لا يضره في روايته البتة، كما أخرج البخاري لعكرمة.
الثاني: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذلك الكلام إنما يقتضي أنه لا يصلح للاحتجاج به وحده، ويريان أنه يصلح لأن يحتج به مقروناً، أو حيث تابعه غيره، ونحو ذلك.
ثالثها: أن يريا أن الضعف الذي في الرجل خاص بروايته عن فلان من شيوخه، أو برواية فلان عنه، أو بما سمع منه من غير كتابه، أو بما سمع منه بعد اختلاطه، أو بما جاء عنه عنعنه وهو مدلس، ولم يأت عنه من وجه آخر ما يدفع ريبة التدليس.
فيخرجان للرجل حيث يصلح، ولا يخرجان له حيث لا يصلح " انتهى.
" التنكيل " (ص/٦٩٢)
ولذلك كله ينبه العلماء إلى عدم صحة الاستدلال على ثقة الراوي بإخراج البخاري له، وإنما ينبغي النظر في كيفية إخراج البخاري له، فإن أخرج له حديثا في الأصول صحيحا لذاته فهذا الذي في أعلى درجات التوثيق، أما من أخرج له في المتابعات أو صحيحا لغيره فهذا يشمله اسم الصدق العام، ولكن قد لا يكون في أعلى درجات التوثيق.
يقول الحافظ ابن حجر ﵀:
" تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض لعدالته عنده، وصحة ضبطه، وعدم غفلته، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما، هذا إذا خرج له في الأصول، فأما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره، مع حصول اسم الصدق لهم " انتهى.
" هدي الساري " (ص/٣٨١)
وهذا القيد الأخير مهم جدا في كلام الحافظ ابن حجر، يبين أن قوله في بداية الفقرة أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه مقيد بمن أخرج لهم في الأصول، يعني الأحاديث التي يصححها بنفسها ولم يوردها كمتابعة أو شاهد أو لغرض حديثي آخر، وهذا لا يميزه إلا أهل العلم المختصون بالحديث.
وللتوسع في هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى فصل بعنوان: " موقف البخاري من الرواة الضعفاء "، من كتاب " منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها " لأبي بكر كافي (ص/١٣٥-١٥٩) .
ثانيا:
وعلى هذا فمن الخطأ الظاهر عند علماء الحديث الاعتراض بوجود بعض الرواة المتكلم فيهم في صحيح البخاري، فهذا أمر لا يخفى على المحدِّثين، ولا يخفى على الإمام البخاري نفسه، فالبخاري ينتقي من حديث المتكلم فيهم ما يجزم أنه صحيح مقبول، سواء كان هذا الراوي مضعفا مِن قِبَل البخاري نفسه، أو مِن قِبَل غيره مِن المحدثين.
فكل راو يُنقَل عن البخاري تضعيفه، لا بد في دراسته من التثبت من عدة أمور:
١- التأكد من تضعيف البخاري له حقا، ولتحقيق ذلك يجب التنبه إلى أن ذكر البخاري المجرد للراوي في كتابه " الضعفاء " لا يلزم منه أنه يميل إلى تضعيفه تضعيفا مطلقا، فقد يكون يرى ضعفه في بعض الأحاديث دون أخرى، أو في بعض الشيوخ دون آخرين، أو في حال دون حال، وهكذا، وهذه مسألة دقيقة أيضا تحتاج شرحا وبسطا ولكن ليس هذا محله، مع العلم أن للبخاري كتابين في الضعفاء، وهما " الضعفاء الكبير " وهذا الكتاب ما زال مخطوطا، وكتاب " الضعفاء الصغير " وهذا هو المطبوع اليوم.
٢- النظر في كيفية إخراج البخاري عنه في صحيحه تبعا للأمور التي سبق ذكرها في الجواب أعلاه، هل أخرج له في الأصول، وما هي الأحاديث التي أخرجها، هل لها شواهد ومتابعات، وإن كان الراوي مختلطا ينظر كيف أخرج البخاري عنه، قبل الاختلاط أم بعده، إلى غير ذلك من التفاصيل التي يتقنها أهل الحديث.
ثالثا:
ومن ذلك ما ورد في السؤال من الكلام حول الراوي حمران بن أبان، وهو مولى عثمان بن عفان، قال ابن عبد البر ﵀: أهل السير والعلم بالخبر قالوا: وكان حمران أحد العلماء الجلة، أهل الوداعة والرأي والشرف بولائه ونسبه " انتهى. " التمهيد " (٢٢/٢١١) ، وعامة أهل العلم على توثيقه، مع كونه قليل الحديث، ولم ينقل تضعيفه إلا عن ابن سعد في " الطبقات الكبرى " (٥/٢٨٣) حيث قال: " كان كثير الحديث، ولم أرهم يحتجون بحديثه " انتهى. وهذا جرح مبهم يقابل التعديل، والعلماء يقدمون التعديل والتوثيق على الجرح المبهم، ولذلك يقول الذهبي ﵀:
" حجة، قال ابن سعد: لم أرهم يحتجون به. قال الحاكم: تكلم فيه بما لا يؤثر فيه. قلت: هو ثبت " انتهى.
" الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم " (ص/٩) .
وأما تضعيف البخاري له فلم نقف عليه إلا في نقل الإمام الذهبي أيضا حيث قال:
" أورده البخاري في الضعفاء، لكنَّ ما قال ما بليته قط " انتهى.
" ميزان الاعتدال " (١/٦٠٤)
وهذا كما ترى غير كاف لتضعيفه أيضا، إذ لم نقف على نص كلام البخاري نفسه في الضعفاء، ويبدو أنه في " الضعفاء الكبير " الذي لم يطبع بعد، ويبدو أنه البخاري أورده إيرادا مجردا من غير حكم عليه بالضعف، وهو ما يدل عليه قول الذهبي: (ما قال ما بليته) ، يعني: أن البخاري لم يذكر سبب ضعفه. وقد ترجم البخاري ﵀ نفسه لحمران بن أبان في " التاريخ الكبير " (٣/٨٠) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
وعلى كل حال، فما أخرج البخاري في صحيحه لحمران هما حديثان اثنان فقط:
الحديث الأول قال فيه:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِىُّ قَالَ حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِى الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِى هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)
رواه البخاري تحت الأرقام التالية: (١٥٩، ١٦٤، ١٩٣٤)
وهذا الحديث من رواية حمران عن سيده عثمان بن عفان، وهي من أوثق الروايات وأصحها، فقد كان حمران ملازما لعثمان، يخدمه ويصحبه، بل كان حاجبا له، وكاتبا بين يديه، حتى كتب لعثمان وصية له بالخلافة لعبد الرحمن بن عوف حين مرض مرة، وقال قتادة: إن حمران بن أبان كان يصلى مع عثمان بن عفان فإذا أخطأ فتح عليه. وكان قرابة عثمان يجلون حمران كثيرا، ويقدرونه لأجل صحبته له، تجد كل ذلك في " تهذيب التهذيب " (٣/٢٥)
فمن هذا حاله ألا يقبل حديث يحدث به عن مولاه عثمان، ليس فيه ما يستنكر، بل جاءت له شواهد لا تعد كثرة في صفة وضوء النبي ﷺ وفي فضل الوضوء؟!
فعلى فرض أن الإمام البخاري يضعف حمران على وجه العموم، فذلك لا يلزم منه أن يرد جميع أحاديثه، بل سبق وأن بينا أنه قد يخرج حديثه الذي يطمئن إلى صحته لقرائن وأدلة أخرى.
الحديث الثاني قال فيه:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى التَّيَّاحِ قَالَ سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ:
(إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً، لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا، يَعْنِى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ)
رواه البخاري (رقم/٥٨٧)
وهذه الرواية كما ترى من رواية حمران عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ في موضوع ساق له البخاري مجموعة من الأحاديث عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة في باب " لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس "، وهذه المسألة وردت فيها الكثير من الأحاديث الصحيحة التي تنهى عن الصلاة بعد العصر، فليس في رواية حمران شيء مستنكر ولا مستغرب، حتى يرد حديثه هنا، فتأمل كيف انتقى البخاري من حديثه ما هو صحيح مقبول.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1741
يستحب تخير الزوج الصالح حسن الصورة
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت حديثًا وأريد أن أعرف صحته، وما الأحكام المنوطة به، وما معنى سيء المنظر. ذكر القرطبي فيما معنى الحديث: أن النبي ﷺ أمر أولياء الأمور أن لا يزوجوا بناتهم لمن كان قبيح المنظر أو دميم الخلقة. كما ذكر أيضاً أن امرأة ثابت بن قيس ذكرت للنبي ﷺ ما تجده من قبح زوجها وأنها لا تطيق أن ترى وجهه، فقال لها النبي ﷺ أتردين عليه مهره؟ فقالت: وأكثر لو أراد، فقال له النبي ﷺ : خذ ما أعطيتها وخل سبيلها، فطلقها. أو كما قال النبي ﷺ ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الذي وقفنا عليه من الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في اعتبار الجمال في الخاطب المتقدم للفتاة، حديثان اثنان:
الحديث الأول:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
(تُنكَحُ المرأةُ لأربَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظفَر بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَدَاكَ)
رواه البخاري (٤٨٠٢) ومسلم (١٤٦٦)
والعلماء يقولون إن خطاب النبي ﷺ للرجال هو خطاب للنساء أيضا، وقد سبق في موقعنا في جواب الرقم: (١٢٥٩٠٧) ، بيان استحباب هذه الصفات في الرجال والنساء.
الحديث الثاني:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
(أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِي ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ. قَالَتْ: نَعَمْ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً)
رواه البخاري (رقم/٥٢٧٣)
وفي رواية أنها قالت:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي لَا أَعْتُبُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ، وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ. قَالَتْ نَعَمْ) رواه البخاري (رقم/٥٢٧٥)
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث أن من أسباب طلب امرأة ثابت بن قيس الطلاق منه هو أنه دميم الخلقة. يراجع في ذلك " فتح الباري " (٩/٤٠٠)
وهذان الحديثان ليسا صريحين في حث الأولياء على مراعاة جمال صورة من يخطب بناتهم.
ولكن روي ذلك صريحا عن بعض الصحابة والتابعين:
قال عمر بن الخطاب ﵁:
(لا تكرهوا فتياتكم على الرجل القبيح، فإنهن يُحبِبْنَ ما تحبون)
رواه سعيد بن منصور في سننه (رقم/٧٨١) ، وابن أبي شيبة في " المصنف " (٤/٩٤) ، وابن شبة في " تاريخ المدينة " (٢/٣٣٨) ، وابن أبي الدنيا في " العيال " (ص/٢٧٢) ، من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عمر بن الخطاب.
وروي أنه ﵁ أُتِيَ بامرأة شابة زوجوها شيخاً كبيراً فقتلته، فقال:
(يا أيها الناس! اتقوا الله ولينكح الرجل لمته من النساء، ولتنكح المرأة لمتها من الرجال، - يعني: شبهها -)
رواه سعيد بن منصور في سننه (١/٢١٠)
وروى ابن أبي الدنيا أيضا في " العيال " (ص/٢٧٥) بسنده عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أبو بِكرٍ دعاها إلى رجل فهويت غيره؟ قال: يلحق بهواها.
يقول الغزالي ﵀:
" يجب على الولي أيضا أن يراعي خصال الزوج، ولينظر لكريمته، فلا يزوجها ممن ساء خَلقُهُ أو خُلُقه، أو ضعف دينه، أو قصر عن القيام بحقها، أو كان لا يكافئها في نسبها.
قال ﷺ : (النكاح رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته) - قال البيهقي في " السنن الكبرى " (٧/٨٣) : روي مرفوعا والموقوف أصح -.
والاحتياط في حقها أهم؛ لأنها رقيقة بالنكاح، لا مخلص لها، والزوج قادر على الطلاق بكل حال، ومهما زوج ابنته ظالما أو فاسقا أو مبتدعا أو شارب خمر فقد جنى على دينه، وتعرَّض لسخط الله لما قطع من حق الرحم وسوء الاختيار.
وقال رجل للحسن: قد خطب ابنتي جماعة فمن أزوجها؟
قال: ممن يتقي الله، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها " انتهى.
" إحياء علوم الدين " (٢/٤١)
وانظر جواب السؤال رقم: (٥٢٠٢) ، (٦٩٤٢)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1742
حديث مكذوب في فضل المرأة التي تموت ولا زوج لها
[السُّؤَالُ]
ـ[جاءني هذا الحديث على البريد الإلكتروني، وأرجو بيان صحته، وكذلك - جزاكم الله خيرا - كيف يتأكد المسلم من الأحاديث التي تصل إليه، مع كثرة الأحاديث التي ترد إلينا عبر الشبكة العنكبوتية، وها هو الحديث: (بينما رجل من أهل الجنة يتنعم فيما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ وإذا ببرق يضيء في الجنة، وهو من حورية من حوريات الجنة، يتنعم معها. قال فيرفع رأسه، فإذا بحورية أجمل من التي بين يديه، وإذا بها تقول: يا ولي الله أما لنا فيك جولة؟..أما لنا فيك نصيب؟ ... يقول: بالله من أنت؟! ... قالت: أنا ممن قال الله فيهن: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) .. وكل ما في الجنة مذلل لأهلها، فيطير بسريره إليها، فيأتيها فإذا بنورها سبعين ألف ضعف نور الحورية التي كانت بين يديه هناك، فيعجب، ويقول: لم؟! ... قالت: لأني صليت وصمت وعبدت الله، أنا من نساء أهل الدنيا، لم أتزوج بالدنيا، فأنا أعرض نفسي عليك، قال: وهل أنت لي؟! قالت: نعم جزاء من الله لك، وجزاء من الله لي، فيعتنقا أربعين عام لا تمله ولا يملها........تقف بين يديه وفي رجليها خلخال من ياقوت، إذا مشت سمع من خلخالها صفير صوت كل طير في الجنة ... ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
هذا الحديث لم نره في كتب السنة، ولم نقف له على سند ولا أثر، والغالب أنه حديث موضوع على رسول الله ﷺ ، فقد وضع الكذابون كثيرا من الأحاديث في وصف الجنان ووصف الحور العين.
أما ذكر ابن الجوزي له في كتابه " بستان الواعظين ورياض السامعين " (ص/١٢٤-١٢٥) فلم يكن على سبيل رواية الحديث، وإنما على سبيل التخييل للقارئ كي يتصور شيئا مما أعد الله لأهل الجنان، وهذا كثير في كتب ابن الجوزي، وإلا فهو يعلم ﵀ أنه لا تصح نسبته إلى النبي ﷺ ، ولذلك لم ينسبه إلى رسول الله ﷺ ، وإنما أنشأه من كلامه ﵀.
هذا ولم نقف على حديث صحيح في فضل المرأة التي تموت ولا زوج لها، إلا ما جاء في الكتاب والسنة في فضيلة الصبر وعظيم أجر الصابرين، والمرأة التي لا تتزوج وتحافظ على عفتها وطاعتها لربها هي من الصابرين المحتسبين إن شاء الله تعالى، والله تعالى يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: المرأة إذا توفيت وهي لم تتزوج ماذا يكون مصيرها: هل تتزوج من الرجال الذين لم يتزوجوا في الجنة؟
فأجاب:
"إذا كانت في الجنة - بارك الله فيك - ففي الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين , أنت إذا أوصلتها إلى الجنة فستلقى كل خير , إما أن تتزوج من أهل الدنيا , والجنة سيبقى فيها فضل عمن دخلها من أهل الدنيا , فينشئ الله لها أقواماً يدخلهم الجنة , فقد تتزوج من هؤلاء الأقوام , فطمئنها وقل: إن شاء الله تعالى إذا دخلتِ الجنة فستجدين ما يسرك من كل ناحية، ودليل ذلك: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) فصلت/٣١، أي: ما تطلبون" انتهى.
"لقاءات الباب المفتوح" (لقاء رقم/١٨/سؤال رقم/٢٣) .
ثانياً:
بخصوص رغبتك في معرفة صحة الأحاديث التي تصل إليك، فمن أفضل المواقع التي تنفعك في هذا موقع "الدرر السنية" على الرابط التالي:
http://www.dorar.net/enc/hadith
٢- كما يمكنك الاستعانة بموقع " ملتقى أهل الحديث " على الرابط التالي:
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/index.php ?
فهذا الموقع مليء بمناقشات طلبة العلم المعاصرين حول كثير من الأحاديث، وخاصة الأحاديث المكذوبة والموضوعة التي لا تجد لها ذكرا في كتب المتقدمين.
وحتى تكمل الاستفادة من هذين الموقعين ينبغي قراءة كتاب مختصر في علم "مصطلح الحديث" حتى يتمكن المسلم من فهم كلام العلماء في الحكم على الحديث، لأن لهم مصطلحات خاة لابد من معرفتها.
ومن أوضح الكتب في هذا كتاب "مصطلح الحديث" للطحان.
وأخصر منه كتاب "مصطلح الحديث" للشيخ ابن عثيمين.
والله أعلم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1743
شرح مراتب الحديث
[السُّؤَالُ]
ـ[أود أن أفهم مراتب الحديث، مثلا: ما معنى حديث حسن غريب؟ وما هي الأحاديث التي يجوز الاستدلال بها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نحمد الله أن وفقك إلى السؤال عن ذلك، ومحاولة تمييز مصطلحات المحدثين ومعرفة مقاصدهم في كلامهم، فهذا علم شريف عظيم، أفنى العلماء أعمارهم في تحقيقه وشرحه وتوضيح مسائله، ومع ذلك فيمكن لكل مسلم حريص أن يتحصل على ثقافة كافية في هذا العلم، ليفهم ما يقرؤه أحيانا في الصفحات والمواقع الإسلامية، وليتمكن من البناء على قواعد المعلومات التي عنده بعد ذلك.
ولذلك فالنصيحة لك أختنا الكريمة بقراءة شرح ميسر في علم " مصطلح الحديث "، وستجدين فيه كل ما يهمك من علوم الحديث واصطلاحات المحدثين، ومما ننصحك بالاطلاع عليه شرح فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ على كتاب " المنظومة البيقونية "، يمكنك متابعته على الرابط التالي:
http://www.islamway.com/?iw_s=Scholar&iw_a=series&series_id=١٣٦٧
ثانيا:
أما عن مراتب الحديث فللعلماء تقسيمات كثيرة لأنواع الأحاديث، كل تقسيم نظروا فيه لزاوية معينة:
فلما نظروا إلى من ينسب إليه الحديث، قسموه إلى الأقسام الآتية:
١- المرفوع: إذا كان الحديث من كلام النبي ﷺ .
٢- الموقوف: إذا كان الحديث من كلام الصحابي ﵃ أجمعين.
٣- المقطوع: إذا كان الحديث من كلام التابعي.
وقد سبق شرح هذا التقسيم في جواب رقم: (١٢١٢٩٠)
ولما نظروا إلى طرق الحديث وأسانيده، وهي سلاسل الرجال الذين نقلوا الحديث عن قائله، قسموه إلى الأقسام الآتية:
١- متواتر: إذا جاء الحديث من طرق وروايات كثيرة جدا.
٢- آحاد (أو غريب) : إذا جاء الحديث من طريق ورواية واحدة فقط، ويسمونه أيضا بالغريب المطلق أو الفرد المطلق، أما إذا روى الحديث تابعي واحد عن صحابي، ثم رواه عن هذا التابعي راويان اثنان فأكثر، فهذه تسمى غرابة نسبية، أي أنه غريب وآحاد بالنسبة لرواية ذلك التابعي عن الصحابي.
ولما نظر المحدثون إلى حكم الحديث، وهل يُقبَل أو يُرد - ولعل هذا هو محل السؤال تحديدا - قسموه إلى الأقسام الآتية:
١- المقبول: إذا انطبقت عليه شروط القبول، وكان صالحا لأن يُحْتج به، ويُعمل بمضمونه.
٢- المردود: إذا لم تنطبق عليه شروط القبول.
ثم قسموا المقبول إلى عدة أقسام:
١- الصحيح: إذا انطبقت عليه أعلى شروط القبول. ويمكن مراجعتها في جواب رقم: (٧٩١٦٣)
٢- الحسن: إذا انطبقت عليه أدنى شروط القبول.
وفي أحيان كثيرة يستعمل المحدثون ألقابا أخرى مرادفة للألقاب السابقة، فمثلا يطلقون على الحديث الحسن أحيانا قولهم: جيد، كما يطلقون على الحديث الصحيح قولهم: على شرط الشيخين، ونحو ذلك من الكلمات المترادفة، وإن كانت هناك فروق دقيقة أحيانا بين هذه الاصطلاحات، لكن مرادنا في جوابنا هذا هو تقريب وتسهيل فهم هذه المراتب على وجه العموم.
ثم قسم المحدثون الحديث المردود إلى عدة أقسام:
١- الضعيف: وهو ما أخل بشرط من شروط القبول.
٢- الموضوع: إذا كان في إسناده كذاب أو متهم بالكذب.
وفي أحيان كثيرة أيضا يستعملون مصطلحات مرادفة أيضا، فيطلقون على حديث ضعيف إنه حديث باطل، لا سيما إذا اشتد ضعفه، أو يقولون إسناده تالف، أو يسمون الحديث الموضوع بالمكذوب، ونحو ذلك، وانظري للفائدة سؤال رقم: (٦٩٨١)
ثالثا:
ما سبق هو الغالب في استعمال علماء الحديث وفي كلامهم وكتبهم، ثم وجدنا أن بعض العلماء يستعملون مصطلحات أكثر دقة، فيضيفون بعض القيود للتدقيق أكثر في وصف الحديث، ومن ذلك قول الإمام الترمذي ﵀: " حديث حسن غريب ":
فقوله ﵀: " حديث حسن " فيه إعلام بأن الحديث تضمن أدنى شروط القبول، فكان في مرتبة الحسن من حيث القبول والرد.
وأما قوله ﵀: " غريب "، فهو وصف للحديث بأنه حديث آحاد. وإن كان ذلك لا ينفي أن يكون له طريق أخرى، فيكون مراده وصف هذه الطريق بالغرابة، وهو ما يعرف بالغرابة النسبية، لا أنه غريب مطلق، ليس له إلا هذه الطريق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" الترمذي إذا قال: حسن غريب: قد يعني به أنه غريب من ذلك الطريق، ولكن المتن له شواهد صار بها من جملة الحسن " انتهى.
" مجموع الفتاوى " (١٨/٢٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1744
هل صح حديث في هجر الشخص المؤذي مائة مرة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[منذ عام سألت إحدى صديقاتي سؤالاً، ما كان يتوجب علي أن أسألها؛ لأنه على ما يبدو أنه جرحها، ومنذ ذلك الحين هجرتني ولم تعد تكلمني، وعندما هدأت الأمور بعض الشيء سألتها عن سبب هجرانها لي، فقالت: إن هناك حديثًا من أحاديث النبي ﷺ فيما معناه أن الشخص إذا جرح مشاعرك فاهجره مائة مرة. فهل هذا صحيح، وهل هناك حديث يتعلق بمثل هذا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم نقف على حديث يتضمن هذا المعنى، ولا نرى ذلك صحيحا ولا مقبولا، فقد صحت الأحاديث الكثيرة في التحذير من هجر المسلم لأخيه المسلم، كما جاءت الآيات والأحاديث الكثيرة في الحث على العفو عن الزلات، وتجاوز العثرات، ومسامحة الإخوان والأصدقاء عند صدور أي خطأ منهم، فكيف يصح حديث بالحث على هجر المسلم من غير سبب شرعي صحيح.
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁:
" لا يحل لامرئ مسلم سمع من أخيه كلمة، أن يظن بها سوءا، وهو يجد لها في شيء من الخير مصدرا ". التمهيد، لابن عبد البر (١٨/٢٠) .
وقال الأحنف بن قيس: حق الصديق أن تحتمل منه ثلاثا: ظلم الغضب، وظلم الدالة، (يعني: الدلال) وظلم الهفوة. وقال آخر: ما شتمت أحدا قط؛ لأنه إن شتمني كريم: فأنا أحق مَن غَفَرَها له، أو لئيم: فلا أجعل عرضي له غرضا. ثم تمثل وقال:
وأَغفِرُ عوراءَ الكريم ادِّخَاره ... وأُعرِضُ عن شتم اللئيم تكرما
وقد قيل:
خذ من خليلك ما صفا ... ودع الذي فيه الكدر
فالعمر أقصر مِنْ مُعا ... تَبةِ الخليلِ على الغِيَر
ينظر: " إحياء علوم الدين " (٢/١٨٣-١٨٦) .
واعلمي ـ أيتها السائلة الكريمة ـ أن من أعظم مقاصد الشيطان الخبيث، وأشد حيله: أن يوقع البغضاء والعداوة بين المسلمين.
عَنْ جَابِر بن عبد الله ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ؛ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ) .
ولهذا حرم الله تعالى كل ما من شأنه أن يوقع العداوة والبغضاء بين المسلمين. قال الله تعالى:
(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) المائدة /٩١.
ويمكن الاطلاع على الأحاديث الواردة في ذم التهاجر في كتاب الإمام المنذري، واسمه: " الترغيب والترهيب " (٣/٣٠٤) ، فقد عقد فيه بابا بعنوان: " الترهيب من التهاجر والتشاحن والتدابر "، جمع فيه أكثر ما ورد في السنة في هذا الموضوع.
وانظري في موقعنا أجوبة الأسئلة ذوات الأرقام التالية: (٢٦٣٣٣) ، (٩٨٦٣٦) ، (٢١٨٧٨) ، (٦٥٥٠٠)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1745
الأحاديث الواردة في فضل طول العمر في الإسلام
[السُّؤَالُ]
ـ[ما رأيكم في هذه الأحاديث؟ ١٧٥٥٥- وعن أنس بن مالك ﵁ رفع الحديث – قال: (المولود حتى يبلغ الحنث ما عمل من حسنة كتبت لوالده - أو لوالديه -، وما عمل من سيئة لم تكتب عليه ولا على والديه، فإذا بلغ الحنث جرى عليه القلم، أمر الملكان اللذان معه أن يحفظا وأن يشددا، فإذا بلغ أربعين سنة في الإسلام أمَّنه الله من البلايا الثلاثة: الجنون والجذام والبرص، فإذا بلغ الخمسين خفف الله حسابه، فإذا بلغ الستين رزقه الله الإنابة بما يحب، فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين كتب الله حسناته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفَّعه في أهل بيته، وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئاً كتب الله له مثل ما كان يعمل في صحته من الخير، فإذا عمل سيئة لم تكتب عليه) ١٧٥٥٦- وفي رواية: عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: (ما من مسلم يعمر في الإسلام. فذكر نحوه وقال: فإذا بلغ السبعين سنة في الإسلام أحبه الله وأحبه أهل السماء) ١٧٥٥٧- وفي رواية: (إذا بلغ سبعين سنة في الإسلام أحبه أهل السماء وأهل الأرض) ١٧٥٥٨- وفي رواية: (فإذا بلغ الستين رزقه الله الإنابة إلى الله بما يحب الله، فإذا بلغ السبعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وكان أسير الله في أرضه، وشفع في أهل بيته) رواها كلها أبو يعلى بأسانيد. ١٧٥٥٩- ورواه أحمد موقوفاً باختصار وقال فيه: (فإذا بلغ الستين رزقه الله إنابة يحبه عليها) ١٧٥٦٠- وروى بعده بسنده إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال مثله. من "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد " المجلد العاشر.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحديث الوارد بهذا المعنى جاء عن سبعة من الصحابة رضوان الله عليهم، وهم: أنس بن مالك، وعثمان بن عفان، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وشداد بن أوس، وعبد الله بن أبي بكر الصديق، وأشهر هذه الأحاديث حديث أنس بن مالك ﵁ فقد جاء من طرق كثيرة، روى بعضها الحافظ أبو يعلى في " المسند " (٦/٣٥١) .
وبعد الاطلاع على كلام أهل العلم على هذه الأحاديث، تبين أنها كلها ضعيفة ضعفا لا ينجبر ولا يتقوى بتعدد الطرق والأسانيد، وأنها مثال على الأحاديث التي تكثر طرقها ولكن لا تزيدها إلا ضعفا بسبب وجود المجاهيل والمناكير في أسانيدها.
قال الإمام البيهقي ﵀:
"روي هذا من أوجه أخر عن أنس ﵁، وروي عن عثمان وكل ذلك ضعيف" انتهى.
"الزهد" (٦٤٦) .
وقال ابن الجوزي ﵀:
" هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ " انتهى.
" الموضوعات " (١/١٨٠) .
وقال الحافظ العراقي ﵀:
" موضوع قطعا " انتهى.
" القول المسدد " للحافظ ابن حجر (٩) .
وقال الحافظ ابن كثير ﵀:
" هذا حديث غريب جدا، وفيه نكارة شديدة " انتهى. " تفسير القرآن العظيم " (٥/٣٩٧) .
وضَعَّف الحديثَ محققو مسند الإمام أحمد من جميع طرقه (٢١/١٢) طبعة مؤسسة الرسالة.
وكذا ضعفه العلامة المعلمي اليماني في تعليقه على " الفوائد المجموعة " (ص/٤٨٢) وقال:
" واعلم أن هذا الخبر يتضمن معذرة وفضيلة للمسنين وإن كانوا مفرطين أو مسرفين على أنفسهم، فمن ثَمَّ أولع به الناس، يحتاج إليه الرجل ليعذر عن نفسه، أو عمن يتقرب إليه، فإما أن يقويه، وإما أن يركب له إسناداً جديداً، أو يلقنه من يقبل التلقين، أو يدخله على غير ضابط من الصادقين، أو يدلسه عن الكذابين، أو على الأقل يرويه عنهم، ساكتا عن بيان حاله " انتهى.
وقال الشيخ الألباني ﵀:
" وجدت نفسي لا تطمئن لتصحيح هذا الحديث وَإِنْ كان معناه يوافق هوى النفس؛ فقد بلغت الخامسة والسبعين! أضف إلى ذلك أنه لا يلتقي مع قوله ﷺ : (أعذر الله إلى امرئ أُخِّرَ أجله حتى بلغ ستين سنة) رواه البخاري وغيره. وهو مخرج مع بعض شواهده في " الصحيحة " برقم (١٠٨٩) . قال الحافظ في " الفتح " (١٠ / ٢٤٠) : " الإعذار: إزالة العذر. والمعنى: أنه لم يبق له اعتذار، كأن يقول: لو مد لي في الأجل لفعلت ما أمرت به. .... وإذا لم يكن له عذر في ترك الطاعة مع تمكنه منها بالعمر الذي حصل له؛ فلا ينبغي له حينئذ إلا الاستغفار والطاعة، والإقبال على الآخرة بالكلية " انتهى.
" السلسلة الضعيفة " (٥٩٨٣-٥٩٨٤) .
على أن الحديث ـ إن صح ـ فله معنى صحيح، وهو أن يُحمل الحديث على أهل الاستقامة، فهؤلاء يكرمهم الله تعالى بما جاء في هذا الحديث، أما الفسقة الفجرة فلا يستحقون مثل هذا الإكرام.
قال الحافظ بن حجر:
"على أن للحديث عندي مخرجا لا يرد عليه شيء من هذا على تقدير الصحة وذلك أنه وإن كان لفظه عاما فهو مخصوص ببعض الناس دون بعض، لأن عمومه يتناول الناس كلهم، وهو مخصوص قطعا بالمسلمين، لأن الكفار لا يحميهم الله، ولا يتجاوز عن سيئاتهم، ولا يغفر ذنوبهم، ولا يشفعهم، وإذا تعين أن لفظة العام محمول على أمر خاص فيجوز أن يكون ذلك خاصا أيضا ببعض المسلمين دون بعض، فيخص مثلا بغير الفاسق، ويحمل على أهل الخير والصلاح، فلا مانع لمن كان بهذه الصفة أن يمن الله تعالى عليه بما ذكر في الخبر، ومن ادعى خلاف ذلك فعليه البيان والله المستعان" انتهى.
" القول المسدد " (٢٢-٢٤) .
فائدة:
ذكر ابن الجوزي ﵀ في كتابه صيد الخاطر" (ص/٢٧٨) موعظة، لاعتبار الإنسان بما يمر من زمانه، وما يستقبل منه فقال:
"العاقل من فهم مقادير الزمان؛ فإنه فيما قبل البلوغ صبي، ليس على عمره عيار....
فإذا بلغ فليعلم أنه زمان المجاهدة للهوى، وتعلم العلم، فإذا رزق الأولاد، فهو زمان الكسب للمعاملة، فإذا بلغ الأربعين، انتهى تمامه، وقضى مناسك الأجل، ولم يبق إلا الانحدار إلى الوطن.
كأن الفتى يرقى من العمر سلمًا ... إلى أن يجوز الأربعين وينحطُّ
فينبغي له عند تمام الأربعين أن يجعل جل همته التزود للآخرة، ويكون كل تلمحه لما بين يديه، ويأخذ في الاستعداد للرحيل، وإن كان الخطاب بهذا لابن عشرين، إلا أن رجاء التدارك في حق الصغير لا في حق الكبير.
فإذا بلغ الستين؛ فقد أعذر الله إليه في الأجل، وجاز من الزمن، فليقبل بكليته على جمع زاده، وتهيئة آلات السفر، وليعتقد أن كل يومٍ يحيا فيه غنيمة، ما هي في الحساب، خصوصًا إذا قوي عليه الضعف وزاد.
وكلما علت سنه فينبغي أن يزيد اجتهاده.
فإذا دخل في عشر الثمانين ليس إلا الوداع، وما بقي من العمر إلا أسف على تفريط، أو تعبد على ضعف.
نسأل الله يقظة تامة، تصرف عنا رقاد الغفلات، وعملًا صالحًا نأمن معه من الندم يوم الانتقال. والله الموفق " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1746
تعريف موجز بفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
[السُّؤَالُ]
ـ[وجدت في أحد المنتديات دعاء غريبا يقول ناشره أنه: " من قرأ هذا الدعاء في أي وقت فكأنه حج (٣٦٠) حجة، وختم (٣٦٠) ختمة، وأعتق (٣٦٠) عبدا، وتصدق بـ (٣٦٠) دينارا، وفرج عن (٣٦٠) مغموما، ... ."الخ فقمت بالبحث في "google" وتفاجأت فعلا بحجم انتشار هذا الدعاء، ولم أجد إلا مواقع (أو صفحات) قليلة جدا ردت بالفتوى رقم ٢١٠٨٤ من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. ولكن المشكلة هي: هل بمجرد كتابة هذه الجملة " اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء " أسفل الجواب يعطي مصداقية للفتوى، أم يجب علينا التأكد من المصدر، وأن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فعلا هي مصدر الفتوى. وما هو السبيل للتأكد من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عبر الإنترنت، وأنها فعلا هي المسؤولة عن إصدار فتوى معينة. وهل هناك موقع رسمي وثقة خاص بفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عبر الإنترنت. وهل يأثم من ينشر الفتوى بدون التأكد من المصدر أو عدم ذكره؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية إحدى اللجان العلمية المعتبرة في العصر الحاضر، تضم نخبة من كبار أهل العلم في هذه البلاد، ولها مصداقية عالية في الأوساط العلمية والإسلامية، ولها جهود كبيرة في بيان الأحكام الشرعية للناس، وإصدار الفتاوى المتعلقة بجميع شؤون الحياة، وقد قام الشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش بجمع الفتاوى الصادرة عن اللجنة فخرجت المجموعة الأولى منها في ستة وعشرين (٢٦) مجلدا، وخرجت المجموعة الثانية منها في ستة مجلدات، وهي من أهم المراجع التي يستفيد منها الناس وطلبة العلم اليوم في النظر في المسائل الفقهية المعاصرة.
وهذه الفتاوى كاملة متوفرة على شبكة الإنترنت في موقع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء على الرابط الآتي:
http://www.alifta.net/Default.aspx
كما يتوفر الكتاب مصورا في شبكة الإنترنت تحت الرابط الآتي:
http://www.archive.org/details/fldbeefldbee
ثانيا:
أما الدعاء المقصود في السؤال، فقد صدرت فيه فتوى حقا من اللجنة الدائمة، وهي منشورة في الكتاب الذي يضم مجموع فتاواهم، ونحن ننقل لك ههنا ما يتعلق بهذا الدعاء:
جاء في " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٤/٢٨١-٢٨٤) فتوى رقم (٢١٠٨٤) ما يلي:
" الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من المستفتي \ بواسطة معالي د. محمد بن سعد الشويعر، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (٣٥٩٨) وتاريخ ٩ \ ٧ \ ١٤٢٠ هـ، وقد ذكر معاليه أن أحد المواطنين جاءه بنشرة يقول إنه وجدها بالمسجد الذي يصلي فيه، ويطلب إفتاءه نحوها، وقد جاء في هذه النشرة ما نصه:
لا إله إلا الله الجليل الجبار، لا إله إلا اله الواحد القهار، لا إله إلا الله العزيز الغفار، لا إله إلا الله الكريم الستار، لا إله إلا الله الكبير المتعال، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحدا ربا وشاهدا صمدا ونحن له مسلمون، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحدا ربا وشاهدا، ونحن له عابدون، لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا ربا وشاهدا ونحن له قانتون، لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا ربا وشاهدا ونحن له صابرون، لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي ولي الله، اللهم إليك وجهت وجهي، وإليك فوضت أمري، وعليك توكلت يا أرحم الراحمين.
روي عن رسول الله ﷺ مضمون الحديث أنه قال: (من قرأ هذا الدعاء في أي وقت فكأنه حج ٣٦٠ حجة، وختم ٣٦٠ ختمة، وأعتق ٣٦٠ عبدا، وتصدق بـ ٣٦٠ دينارا، وفرج عن ٣٦٠ مغموما)
وبمجرد أن قال رسول الله ﷺ هذا الحديث نزل الأمين جبرائيل ﵇ وقال: يا رسول الله: أي عبد من عبيد الله أو أمة من أمتك يا محمد قرأ هذا الدعاء ولو مرة في العمر بحرمتي وجلالي ضمنت له سبعة أشياء:
١ - أرفع عنه الفقر.
٢ - أمنه من سؤال منكر ونكير.
٣ - أمرره على الصراط.
٤ - حفظته من موت الفجأة.
٥ - حرمت عليه دخول النار.
٦ - حفظته من ضغطة القبر.
٧ - حفظته من غضب السلطان الجائر والظالم) صدق رسول الله ﷺ .
وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بأن:
هذا الدعاء المنسوب للنبي ﷺ دعاء باطل، لا أصل له من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ ، والحديث المروي في فضله حديث باطل مكذوب، ولم نجد من أئمة الحديث من خرجه بهذا اللفظ.
ودلائل الوضع عليه ظاهرة لأمور منها:
١ - مخالفة هذا الدعاء ومناقضته لصحيح المعقول وصريح المنقول من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وذلك لترتيب هذه الأعداد العظيمة من الثواب المذكور لمن قرأ هذا الدعاء.
٢ - اشتماله على لفظ (علي ولي الله) ولا شك أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ من أولياء الله إن شاء الله، ولكن تخصيصه بذلك دون غيره فيه نفثة رافضية.
٣ - أنه يلزم من العمل بهذا الدعاء أن قارئه يدخل الجنة وإن عمل الكبائر أو أتى بما يناقض الإيمان، وهذا باطل ومردود عقلا وشرعا.
وعلى ذلك فإن الواجب على كل مسلم أن لا يهتم بهذه النشرة، وأن يقوم بإتلافها، وأن يحذر الناس من الاغترار بها وأمثالها، وعليه أن يتثبت في أمور دينه فيسأل أهل الذكر عما أشكل عليه حتى يعبد الله على نور وبصيرة، ولا يكون ضحية للدجالين وضعاف النفوس الذين يريدون صرف المسلمين عما يهمهم في أمور دينهم ودنياهم، ويجعلهم يتعلقون بأوهام وبدع لا صحة لها.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... عضو ... الرئيس
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان ... عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ " انتهى.
ولا بد من التنبيه هنا على وجوب التأكد من نسبة الفتاوى لأصحابها، قبل نشرها والإعلان عنها، بل هذا واجب في كل ما ينسبه الإنسان إلى غيره. قال الله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) الإسراء/٣٦، ولو استجاب الناس لهذا الأمر الإلهي كفاهم كثيرا من الشقاق والنزاع الذي لا يأتي إلا بالشر.
ويحصل لك الثقة بأن هذه الفتوى صدرت من اللجنة الدائمة، إما بقراءتها في كتابهم، إن كان متيسرا لديك، أو كانت لديك مصورته، أو بقراءة ذلك في الموقع الرسمي للرئاسة العامة للإفتاء، والذي ذكرنا رابطه فيما مضى، أو بأن ينقل ذلك عنهم أحد الثقات من أهل العلم، أو المواقع الموثوق فيها. وتجد في موقعنا هذا مئات من الأجوبة المنقولة عن اللجنة الدائمة، مع ذكر الجزء والصفحة الذي وردت فيه الفتوى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1747
من أذكار الصباح والمساء ما يحفظ من الضر
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم أن يدعو الشخص بدعاء بالنيابة عن أبويه وإخوانه، فقد ورد حديث فيه: أن مَن قاله في الصباح لم يمسسه ضر حتى يمسي، ومن قاله في المساء لم يمسسه ضر حتى يصبح: (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) . حيث أنه ورد في بعض الكتب أن أبا الدرداء كان يقول هذا الذكر، فحدث أن نشبت حريق في الحي الذي يعيش فيه أبو الدرداء، فاحترقت البيوت من حوله، ولم يحترق من بيته شيء. فهل ورد حديث صحيح في هذا؟ وهل يصح أن يقول هذا الدعاء بالنيابة عن أفراد عائلته؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
أما الدعاء الوارد في السؤال فهو ثابت عن النبي ﷺ كما ذكر ذلك بعض أهل العلم.
فعن أبان بن عثمان عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
(مَنْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ)
وقَالَ: فَأَصَابَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ الْفَالِجُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ الَّذِي سَمِعَ مِنْهُ الْحَدِيثَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ تَنْظُرُ إِلَيَّ؟! فَوَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ عَلَى عُثْمَانَ وَلَا كَذَبَ عُثْمَانُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَكِنَّ الْيَوْمَ الَّذِي أَصَابَنِي فِيهِ مَا أَصَابَنِي غَضِبْتُ فَنَسِيتُ أَنْ أَقُولَهَا.
رواه أبو داود (٥٠٨٨) ، ورواه الترمذي في سننه (رقم/٣٣٨٨) بلفظ:
(مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ)
وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وصححه ابن القيم في " زاد المعاد " (٢/٣٣٨) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
يقول الدكتور عبد الرزاق البدر:
" هذا من الأذكار العظيمة التي ينبغي أن يُحافظ عليها المسلمُ كلَّ صباح ومساء، ليكون بذلك محفوظاً بإذن الله تعالى من أن يصيبه فجأةُ بلاءٍ أو ضرُّ مصيبة أو نحو ذلك. قال القرطبي ﵀ عن هذا الحديث: " هذا خبَرٌ صحيحٌ، وقولٌ صادق علمناه دليلَه دليلاً وتجربة، فإنِّي منذ سمعته عملت به فلم يضرَّني شيءٌ إلى أن تركته، فلدغتني عقربٌ بالمدينة ليلاً، فتفكرتُ فإذا أنا قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات " - انظر " الفتوحات الربانية " لابن علان (٣/١٠٠) -
والسُّنَّة في هذا الذِّكر أن يُقال ثلاثَ مرَّات كلَّ صباح ومساء، كما أرشدَ النَّبِيُّ ﷺ إلى ذلك.
وقوله: (الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) أي: مَن تعوَّذ باسم الله فإنَّه لا تَضرُّه مُصيبةٌ من جهة الأرض ولا من جهة السماء.
وقوله: (وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ) أي: السَّميع لأقوال العباد، والعليمُ بأفعالِهم الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السَّماء.
وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال:
(جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي البَارِحَةَ، قَالَ: أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ) رواه مسلم (٢٧٠٩)
وفي رواية للترمذي: (مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ حُمَةٌ تِلْكَ اللَّيْلَةِ) رقم (٣٦٠٤)
والحُمَةُ: لدغةُ كلِّ ذي سمٍّ كالعقرب ونحوها.
وقد أورد الترمذي عقب الحديث عن سُهيل بن أبي صالح - أحد رواته - أنَّه قال:
(كان أهلُنا تعلَّموها، فكانوا يقولونَها كلَّ ليلةٍ، فلُدغَت جارِيَةٌ منهم، فلَم تَجِدْ لَها وجَعاً) .
فالحديث فيه دلالةٌ على فضلِ هذا الدعاء، وأنَّ مَن قاله حين يُمسي يكون مَحفوظاً بإذن الله مِن أن يَضرَّه لَدْغُ حيَّةٍ أو عقرَبٍ أو نحوِ ذلك " انتهى باختصار النقل عن الدكتور.
" فقه الأدعية والأذكار " (٣/١٢-١٤)
ومن الأذكار التي تقي من السوء وتدفع الضرر بإذن الله ما رواه عبد الله بن خبيب ﵁ قال:
(خَرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ لَنَا، فَأَدْرَكْنَاهُ فَقَالَ: أَصَلَّيْتُمْ؟ فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا. فَقَالَ: قُلْ. فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا. ثُمَّ قَالَ: قُلْ. فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا. ثُمَّ قَالَ: قُلْ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)
رواه أبو داود (٥٠٨٢) والترمذي (٣٥٧٥) وقال: حسن صحيح غريب. وقال النووي في "الأذكار" (ص/١٠٧) : إسناده صحيح.
فالحاصل أن الأدعية والأذكار السابقة تحفظ المسلم من الضر والأذى بجميع أنواعه بإذن الله تعالى، ولكن ليس على وجه اللزوم، فمن أصابه من البلاء مع محافظته على هذه الأذكار فذلك بقدر الله تعالى، وله سبحانه الحكمة البالغة في أمره وقَدَرِه. قال الله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) الرعد/١١.
روى عكرمة عن ابن عباس، قال: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ : ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خَلَّوا عنه.
وقال مجاهد: ما من عبد إلا له مَلَك موكل، يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما منها شيء يأتيه يريده إلا قال الملك: وراءك؛ إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه.
"تفسير ابن كثير" (٤/٤٣٨) .
ثانيا:
أما الدعاء به نيابة عن أهل البيت فغير مجزئ عنهم، ولا يكفيهم، إذ لم يرد ما يدل على صحة النيابة في الأذكار عن الأحياء، فينبغي أن يحرص كل مسلم على ما ينفعه، وألا يكون حاله حال الغافلين عن ذكر الله .
يقول الله تعالى:
(وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ. إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) الأعراف/٢٠٥-٢٠٦.
ثالثا:
أما قصة احتراق البيوت حول بيت أبي الدرداء وسلامة بيته ﵁ فلم ترد في هذا الذكر الوارد في السؤال: (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) ، وإنما وردت في سياق دعاء آخر:
عن طلق بن حبيب، قال:
جاء رجل إلى أبي الدرداء ﵁، فقال: يا أبا الدرداء! قد احترق بيتك.
قال: ما احترق، الله لم يكن ليفعل ذلك؛ لكلمات سمعتهن من رسول الله ﷺ ، من قالهن أول نهاره لم تصبه مصيبة حتى يمسي، ومن قالها آخر النهار لم تصبه مصيبة حتى يصبح: (اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، عليك توكلت، وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم)
رواه ابن السني في " عمل اليوم والليلة " (رقم/٥٧) والطبراني في " الدعاء " (رقم/٣٤٣) ، والبيهقي في " دلائل النبوة " (٧/١٢١) من طريق الأغلب بن تميم، حدثنا الحجاج بن فرافصة، عن طلق بن حبيب به.
قال ابن الجوزي ﵀:
" هذا حديث لا يثبت، وآفته من الأغلب، قال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال البخاري: منكر الحديث." انتهى.
" العلل المتناهية " (٢/٣٥٢)
وضعفه الحافظ ابن حجر في " نتائج الأفكار " (٢/٤٠١)
وقال الشيخ الألباني ﵀:
" وهذا إسناد ضعيف جداً، الأغلب هذا قال البخاري وغيره: " منكر الحديث ". والحجاج بن فُرافصة فيه ضعف " انتهى.
" السلسلة الضعيفة " (رقم/٦٤٢٠)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 1748
تقسيم الأحاديث إلى آحاد ومتواتر لا يعني التشكيك في صحتها
[السُّؤَالُ]
ـ[اعتنقت الإسلام والحمد لله، وبسبب أني أدرس التأريخ والحديث في جامعتي، فأنا مهتمة بعلم الحديث، وحسب علمي أن الأحاديث إما صحيح أو ضعيف، ولكني اكتشفت أن هناك المتواتر والآحاد، وأن الأحاديث المتواترة قليلة جدًّا، قد لا تصل إلى عدد مائة حديث، وأن هذه الأحاديث هي المقطوع بصحتها مائة بالمائة، أما ما سواها فليس هناك نوع مقطوع بصحته مائة بالمائة، بما في ذلك الأحاديث الصحيحة، فهل هذا صحيح أم لا؟ وإذا كان الأمر هكذا فما هي هذه الأحاديث المتواترة، ولماذا لا يُؤكد عليها أكثر من غيرها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
بداية فالشكر لله أن أنعم عليك بنعمة الإسلام وهداية الإيمان، وأن ألهمك سبحانه سبيل النجاة في الدنيا والآخرة، فالإسلام دين الأخلاق والقيم، كما هو دين الشريعة العادلة والأحكام التي تُصلِح أحوالَ الناس، وهو الدين الذي أكمل الله به الرسالات السابقة، يمتاز أتباعُه بأنهم يؤمنون بجميع الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وخاتمهم محمد ﷺ ، فهنيئا لك هذا الباب من السعادة في الدنيا والآخرة، واسألي الله دائما الثبات والتوفيق.
ثم نرحب بك معنا في موقعنا، وسوف نكون سعداء إذا أرسلت إلينا بما عندك من أسئلة واستفسارات، فنرجو ألا تترددي في الكتابة بما عندك.
ثانيا:
وفي شأن علم الحديث الشريف، فهو علم غاية في الدقة، غاية في الإحكام، دُوِّنَت فيه آلاف الصفحات، وبُذلت في سبيله الأرواح والأموال والأعمار، حتى استطاع المسلمون الذين أحبوا نبيهم محمدا ﷺ أن ينقلوا أقواله وأفعاله وصفاته وأحواله لجميع العصور من بعدهم، حتى نقلوا ضحكاته وسكتاته، ونقلوا قيامه وقعوده، ونومه ويقظته، نقلوا تفاصيل كثيرة عن هذا النبي العظيم.
ثالثا:
أما عن تحديد زمن كتابة الأحاديث النبوية، فهذه مسألة يخطئ فيها كثير من الناس بسبب تحريف بعض المستشرقين للحقائق التاريخية، فقد ثبت بالأدلة القطعية أن كتابة الأحاديث وقعت في عهد النبي ﷺ وفي حياته، وأن الذي تأخر هو جمعها كلها في كتاب واحد، وترتيبها على الأبواب، والعناية بتأليفها وتصنيفها، والأدلة على ذلك كثيرة جدا، لا يُنكِرها إلا جاحد معاند يبتغي تشكيك المسلمين بدينهم، أو جاهلٌ لا يعرف أن كتابة السنة وقعت في حياة النبي ﷺ ، ولكن تدوينها – بمعنى تأليف الكتب الكبار في جمعها وتصنيفها والعناية بها – هو الذي تأخر بعد وفاة النبي ﷺ .
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال:
(كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، فَأَمْسَكْتُ عَنْ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ: اكْتُبْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ) . رواه أبو داود (٣٦٤٦) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
فانظري كيف أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتب كل شيء يسمعه من النبي ﷺ ، حتى جمع من الأحاديث كتابا كبيرا كان يسمى " الصحيفة الصادقة "، وهي من أشهر الصحف الحديثية المكتوبة في العصر النبوي، فهناك صحف – أي كتب – كثيرة كان الصحابة يكتبون فيها الأحاديث التي يسمعونها من النبي ﷺ ، وكثير منها محفوظ بنصه إلى اليوم، وما تَبَقَّى رواه لنا الأئمة الكبار كالبخاري ومسلم في كتبهم، ومن أراد الاطلاع على جميع ما ورد في ذلك فليرجع إلى ثلاثة دراسات مهمة في هذا الموضوع، وهي:
١- " دراسات في الحديث النبوي ": تأليف الدكتور: محمد مصطفى الأعظمي.
٢- " تدوين السنة النبوية " للدكتور محمد مطر الزهراني.
٣- " تاريخ تدوين السنة وشبهات المستشرقين " للدكتور حاكم بن عبيسان المطيري. ففي هذه الكتب شرح مفصل وبيان دقيق لهذه المسألة المهمة، وقد ذكرنا لك هنا خلاصة الأفكار التي جاءت في هذه الكتب.
رابعا:
أما عن فكرة درجة التصديق بما جاء في الأحاديث تبعا لتنوعها بين الآحاد والمتواتر، فنحب أن ننبه هنا إلى أنها مسألة تحكمها الاحتمالات والافتراضات العقلية أكثر من تعلقها بالواقع العملي، وقواعد العلماء في التصحيح والتضعيف؛ وعلم الحديث إنما يقرر القواعد التي نستطيع من خلالها الحكم على الحديث بالقبول أو الرد، والقبول بمعنى التصديق بصدوره عن النبي ﷺ ، وأنه من قوله ﵊، بغض النظر عن درجة ذلك القبول.
ولكي تتضح الصورة، نضرب لك مثالا يوضح لك المسألة إن شاء الله، ويبين لك أن تقسيم العلماء للأحاديث إلى متواتر وآحاد، لا يعني الشك في ثبوت أحاديث الآحاد:
إذا جاءت واحدة من زميلاتك الطالبات فأخبرتك أن المعلمة قد حددت موعدا للاختبار في اليوم الفلاني، وأنت لا تشكين في صدق هذه الطالبة، ولا تشكين في حفظها ونباهتها، ألا يكفي ذلك بالنسبة لك لبدء الإعداد لذلك الامتحان والتحضير له، أوليس خبرها كافيا أيضا لتوجيه اللوم لك إن قصرت في التحضير للامتحان، وكل من حولك سواء من أهلك أو زميلاتك أو معلماتك سيتوجهون إليك بأصابع الاتهام بالتقصير إن أنت لم تحصلي على علامة جيدة.
هذا هو معنى كون خبر زميلتك هذه مقبول عندك.
فما رأيك إذا جاءت صديقة أخرى فأخبرتك الخبر نفسه! لا شك أن ذلك سيؤكد الخبر بالنسبة لك، ولكن تأكيد الخبر لا يعني أن خبر صديقتك الأولى لم يكن كافيا، أو لم يكن مفيدا، بل هو كاف ومفيد، ولكن أخبار الصديقات الأخريات عززه وأكده.
فما رأيك إذا رجعت إلى الجامعة فسمعت من معلمتك نفسها عن موعد الاختبار، ألا يبلغ قلبك حينئذ درجة من العلم قد لا يمكن تأكيدها أكثر من ذلك! فهل هذا يعني أن إخبار صديقاتك لك لم يكن كافيا بالنسبة لك، أم أنه كان كافيا ولكن سماعك من معلمتك بلغ بقلبك مرحلة اليقين.
هذا هو معنى ما يتكلم به بعض أهل العلم أن حديث الآحاد ليس كالحديث المتواتر، ونحن نقول: نعم، والحديث المتواتر أيضا ليس كالسماع من النبي ﷺ مباشرة، ولكن ذلك لا يعني أن حديث الآحاد غير مقبول وغير كاف لإقامة الحجة على العباد، تماما كما أن كل العقلاء يعرفون أن خبر صديقتك الصادقة الحافظة لك أنها سمعت المعلمة تحدد موعد الامتحان كاف في إقامة الحجة عليك، ودفعك للتحضير والدراسة.
نرجو أن تكون المسألة أصبحت واضحة بهذا المثال.
ثم نزيد فنقول، إن ما أشرت إليه من أحاديث البخاري ومسلم، أو غيرهما، مما تلقاه أهل العلم بالقبول، قد جاء ما يقويها ويؤكدها ويرفعها إلى مرتبة إفادة العلم، ووجوب تصديقها، والعمل بما فيها:
١- فأكثرها جاء من طرق وروايات وأسانيد كثيرة، مما يؤكد مضمون الحديث وصدوره عن النبي ﷺ ، ومن أراد التأكد من ذلك فليرجع إلى الكتب الستة ليرى كيف أن الحديث الواحد يرويه جماعة من الصحابة وجماعة من التابعين وهكذا، وإن لم يبلغ حد التواتر.
٢- وكثير من أحاديث الآحاد أجمعت عليها الأمة، وتلقاها العلماء بالقبول، من عهد الصحابة إلى يومنا هذا، وعملوا بها جميعا، وهذا أيضا يؤكد ويقوي هذه الأحاديث، مثال ذلك الأحاديث الواردة في الصحيحين: البخاري ومسلم، فما زال العلماء يقبلونها ويعملون بما فيها، ومعلوم أن اتفاق العلماء على مر العصور على قبول حديث معين علامة من علامات تأكيده وقوته.
٣- بل وكثير من هذه الأحاديث الصحيحة تشهد لها آيات من القرآن الكريم، وتشهد لها أقوال الصحابة الكرام، بل ويشهد لها الواقع والتاريخ أيضا، فكل هذه مؤكدات رفع مستوى التصديق بخبر الآحاد.
وهذه المؤكدات يسميها العلماء " القرائن "، أي المؤكدات التي تثبت الأحاديث وتؤكدها، وقد رجح المحققون من العلماء أن حديث الآحاد إذا اقترنت به بعض هذه المؤكدات فإنه يفيد العلم الذي يفيده الحديث المتواتر.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" وأما المتواتر فالصواب الذي عليه الجمهور: أن المتواتر ليس له عدد محصور، بل إذا حصل العلم عن إخبار المُخبِرين كان الخبر متواترا، وكذلك الذي عليه الجمهور أن العلم يختلف باختلاف حال المخبِرين به، فرب عدد قليل أفاد خبرُهم العلم بما يوجب صدقهم، وأضعافهم لا يفيد خبرهم العلم؛ ولهذا كان الصحيح أن خبر الواحد قد يفيد العلم إذا احتفت به قرائن تفيد العلم؛ وعلى هذا فكثير من متون الصحيحين متواتر اللفظ عند أهل العلم بالحديث وإن لم يعرف غيرهم أنه متواتر؛ ولهذا كان أكثر متون الصحيحين مما يعلَمُ علماء الحديث علما قطعيا أن النبي ﷺ قاله، تارة لتواتره عندهم، وتارة لتلقي الأمة له بالقبول، وخبر الواحد المتلقَّى بالقبول يوجب العلم عند جمهور العلماء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وهو قول أكثر أصحاب الأشعري كالإسفراييني وابن فورك؛ فإنه وإن كان في نفسه لا يفيد إلا الظن؛ لكن لمَّا اقترن به إجماع أهل العلم بالحديث على تلقيه بالتصديق، كان بمنزلة إجماع أهل العلم بالفقه على حكمٍ مستندين في ذلك إلى ظاهر أو قياس أو خبر واحد، فإن ذلك الحكم يصير قطعيا عند الجمهور، وإن كان بدون الإجماع ليس بقطعي؛ لأن الإجماع معصوم، فأهل العلم بالأحكام الشرعية لا يُجمعون على تحليل حرام ولا تحريم حلال، كذلك أهل العلم بالحديث، لا يُجمعون على التصديق بكذب ولا التكذيب بصدق، وتارة يكون علم أحدهم لقرائن تحتف بالأخبار، توجب لهم العلم، ومَن عَلِمَ ما عَلِمُوه حَصَلَ له مِن العلم ما حصل لهم " انتهى.
" مجموع الفتاوى " (١٨/٤٠-٤١) .
وبناء على ما سبق، فإن الذي يحتاجه المسلم، وهو الأمر الذي تفضلتِ ـ أختنا الكريمة ـ بالإشارة إلى أهمية العناية به من المسلمين، ليس هو ما يطلق عليه ـ اصطلاحا ـ: الحديث المتواتر؛ فإن هذا بحث علمي اصطلاحي، وإنما الذي تريدينه، وهو ما ثبت لدى أهل العلم أن النبي ﷺ قاله، دائرته أوسع من ذلك بكثير، كما مر معنا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ويدخل في هذه الدائرة الواسعة، التي يجب على المسلم العناية بها، أحاديث الصحيحين: البخاري ومسلم، فقد تلقى العلماء هذين الكتابين بالقبول، واعتمدوا على أحاديثهما.
فإياك أن تظني أن معنى كون الحديث آحادا أنه مشكوك في صحته، وإياك أن تظني أن الأحاديث التي تأكدت صحتها يقينا هي المتواتر فقط.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1749
هل ورد أنه يدخل مع المرأة النار أربعة أشخاص إذا هي دخلتها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت أن المرأة إذا قُدّر لها أن تدخل النار فإنه يدخل معها أربعة أشخاص كذلك، فهل هذا صحيح؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم نقف على حديث بهذا المعنى، لا صحيحٍ ولا ضعيف، ولن يدخل أحد النار بذنوب غيره، فإنه لن يتحمل أحد ذنوب أحد، قال الله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْر أُخْرَى) الأنعام/١٦٤، وقال : (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) فاطر/١٨.
وهذا الأصل قد بينه الله تعالى في كتبه المنزلة على أنبيائه السابقين أيضاً، كما قال تعالى: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) النجم/٣٦- ٣٩.
"فكل عامل له عمله الحسن والسيئ، فليس له من عمل غيره وسعيهم شيء، ولا يتحمل أحد عن أحد ذنباً". "تفسير السعدي".
وخطب الرسول ﷺ في حجة الوداع، وكان من خطبته: (أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ) رواه الترمذي (٢١٥٩) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
فلا يؤخذ أحد بجريرة أحد، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وليس في السنة حديث يدل على أن أناسا يدخلون النار بسبب أوزار غيرهم، وإنما يدخلونها بوزر أنفسهم.
وانظر جواب السؤال رقم: (٩٨٦٧٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1750
كيف روى أبو هريرة ﵁ كل هذه الأحاديث ومدة صحبته ثلاث سنوات فقط ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إحدى الأخوات المسلمات سألتني سؤالاً فلم أستطع أن أجيبها، قالت: طالما أن أبا هريرة ﵁ أسلم وصحب النبي ﷺ قبل موته بثلاث سنوات فقط، فكيف روى جميع هذه الأحاديث؟ أرجو التفصيل، وتدعيم الإجابة بالأدلة، حتى أتمكن من الشرح لها وتفهيمها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ليس هذا محل إشكال على الإطلاق، وإذا قمنا بعملية حسابية سريعة يتبين لنا أن هذا الإشكال لا حقيقة له.
وبيان ذلك: أن ثلاث سنوات من صحبة أبي هريرة ﵁ للنبي ﷺ تعني أكثر من (١٠٥٠) يوماً.
وقد كان أبو هريرة ﵁ ملازماً للنبي ﷺ ملازمة تامة، يصاحبه أينما حل وارتحل، ويقضي معه معظم يومه، كما أخبر هو عن نفسه ﵁، وأقر له الصحابة بذلك، فكم حديثاً نتوقع أن يسمع من النبي ﷺ في اليوم؟
لا نريد أن نبالغ في العدد المفترض كي يتقبل القارئ الحجة، بل نفترض عدداً يقبله كل منصف يريد معرفة الحق لاتباعه، ولتكن خمسة أحاديث في اليوم فقط، ونعني بالأحاديث هنا خمسة مواقف، فالحديث قد يكون قولياً، وقد يكون فعلياً، وقد يكون إقرارا من النبي ﷺ لفعل أو قول فعل أمامه أو بلغه، وقد يكون الحديث وصفا للنبي ﷺ .
فلو نقل أبو هريرة ﵁ لنا فعلاً فعله النبي ﷺ أو حدثاً معيناً - ولو كيفية الخروج للصلاة - فهذا يعد حديثا في عرف المحدثين.
فلو فرضنا أن أبا هريرة ﵁ سيسمع عند كل صلاة من الصلوات الخمس كلمة من النبي ﷺ ، أو يشاهد موقفاً معيناً، فستكون حصيلة العلم الذي يجمعه أبو هريرة ﵁ في اليوم الواحد خمسة أحاديث فقط.
ولا نظن أن أحداً يزعم أن هذا عدد كبير لحال أي صديق مع صديقه، فكيف بحال أبي هريرة ﵁ المتفرغ للعلم، وهو يصاحب أعظم الرسل، وسيد البشر، محمداً ﷺ ؟
وعليه؛ ففي آخر صحبة أبي هريرة ﵁ للنبي ﷺ ستكون حصيلة الأحاديث أكثر من خمسة آلاف حديث.
وهكذا هي فعلا الأحاديث التي تروى عن أبي هريرة في كتب السنة، نحو (٥٣٧٤) بحسب عددها في " مسند بقي بن مخلد " أضخم موسوعة حديثية مؤلفة، نقلاً عن الدكتور أكرم العمري في كتابه " بقي بن مخلد ومقدمة مسنده " (ص/١٩) .
فأين هي المبالغة المنسوبة لأبي هريرة ﵁ في روايته للأحاديث؟
نظن أن أي منصف يتأمل عدد مرويات أبي هريرة ﵁ مع مدة صحبته للنبي ﷺ يستنتج أنه لا صحة لهذه الزوبعة التي يثيرها البعض على مرويات أبي هريرة ﵁.
فكيف إذا علم القارئ الكريم أن الخمسة آلاف حديث المروية لأبي هريرة ﵁ في كتب السنة تشمل الصحيح والضعيف والموضوع؟ يعني أن بعض هذه الأحاديث التي تُنسب لأبي هريرة ﵁ لم تصح عنه من الأصل.
وكيف لو علم القارئ الكريم أيضاً أن الخمسة آلاف حديثاً المروية لأبي هريرة ﵁ في كتب السنة تشمل المكرر الذي جاء بمتن ونص واحد ولكن تعددت أسانيده وطرقه؟ فبعض الأحاديث تروى من عشرة طرق ونصها واحد، فهذه يعدها العلماء عشرة أحاديث وليست حديثا واحداً.
وكيف لو علم القارئ الكريم أيضاً: أن الخمسة آلاف حديثاً المروية لأبي هريرة ﵁ في كتب السنة لم يأخذها كلها من النبي ﷺ مباشرة، بل أخذ كثيراً منها عن إخوانه السابقين في صحبة النبي ﷺ ؟
ثم كيف لو علم القارئ الكريم أيضاً أن أبا هريرة ﵁ صحب النبي ﷺ أكثر من أربع سنوات، وليس ثلاثة فقط.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في مدة صحبة أبي هريرة ﵁:
" قدم في خيبر سنة سبع، وكانت خيبر في صفر، ومات النبي ﷺ في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، فتكون المدة أربع سنين وزيادة، وبذلك جزم حميد بن عبد الرحمن الحميري" انتهى.
" فتح الباري " (٦/٦٠٨) .
وأما إخبار أبي هريرة ﵁ عن نفسه أنه صحب النبي ﷺ ثلاث سنين، كما وقع في "صحيح البخاري" (حديث رقم/٣٥٩١) أنه قال: (صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ سِنِينَ، لَمْ أَكُنْ فِى سِنِىَّ أَحْرَصَ عَلَى أَنْ أَعِىَ الْحَدِيثَ مِنِّى فِيهِنَّ) .
فهذا محمول على تقديره ﵁ للمدة التي لازم فيها رسول الله ﷺ ملازمة شديدة، واستثنى الأيام التي ابتعد فيها حين ذهب إلى البحرين، أو في بداية إسلامه، أو في أيام الغزوات، حيث قد لا يتيسر له ملازمة النبي ﷺ في يومه وليلته.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
" فكأن أبا هريرة اعتبر المدة التي لازم فيها النبي ﷺ الملازمة الشديدة، وذلك بعد قدومهم من خيبر، أو لم يعتبر الأوقات التي وقع فيها سفر النبي ﷺ من غزوه وحجه وعُمَرِه؛ لأن ملازمته له فيها لم تكن كملازمته له في المدينة، أو المدة المذكورة بقيد الصفة التي ذكرها من الحرص، وما عداها لم يكن وقع له فيها الحرص المذكور، أو وقع له لكن كان حرصه فيها أقوى، والله أعلم " انتهى.
" فتح الباري " (٦/٦٠٨) .
فإذا تبين أن صحبة أبي هريرة للنبي ﷺ أكثر من أربع سنين، وأسقطنا من عدد الأحاديث المروية عن أبي هريرة الأحاديث المكررة والضعيفة، فأي محل يبقى لدعوى مبالغة أبي هريرة ﵁ في الرواية عن النبي ﷺ ؟
ثانياً:
ثم ننقل هنا بعض ما كتبه علماؤنا ﵏ في توضيح أسباب كثرة روايات أبي هريرة ﵁ في كتب السنة عن غيره من الصحابة رض الله عنهم.
قال العلامة محمد رشيد رضا ﵀:
"لكثرة حديث أبي هريرة ﵁ أسباب، استخرجناها من عدة روايات:
أحدها: أنه قصد حفظ أقوال الرسول ﷺ ، وضبط أحواله؛ لأجل أن يستفيد منها، ويفيد الناس، ولأجل هذا كان يلازمه ويسأله، وكان أكثر الصحابة لا يجترئون على سؤاله إلا عند الضرورة، وقد ثبت أنهم كانوا يُسَرُّون إذا جاء بعض الأعراب من البدو وأسلموا؛ لأنهم كانوا يسألون النبي ﷺ .
ومن الدلائل على هذا السبب ما رواه عنه البخاري قال: قلت: يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: (لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث) .
وما رواه أحمد عن أُبيّ بن كعب: أن أبا هريرة كان جريئًا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره.
ثانيها: أنه كان يلازم النبي ﷺ ، ويتبعه حتى في زيارته لنسائه وأصحابه ليستفيد منه، ولو في أثناء الطريق، فكانت السنين القليلة من صحبته له كالسنين الكثيرة من صحبة كثير من الصحابة الذين لم يكونوا يَرَوْنه ﷺ إلا في وقت الصلاة، أو الاجتماع لمصلحة يدعوهم إليها، أو حاجة يفزعون إليه فيها، وقد صرح بذلك لمروان.
وأخرج البغويّ بسند جيد - كما قال الحافظ ابن حجر - عن ابن عمر أنه قال لأبي هريرة:
أنت كنت أَلَزَمَنا لرسول الله ﷺ وأعلمَنا بحديثه.
وفي " الإصابة " عنه أنه قال: أبو هريرة خير مني وأعلم بما يحدث.
وعن طلحة بن عُبيد الله: لا أشك أن أبا هريرة سمع من رسول الله ﷺ
ما لم نسمع.
ثالثها: أنه كان جيد الحفظ قوي الذاكرة، وهذه مزية امتاز بها أفراد من الناس كانوا كثيرين في زمن البداوة، وما يقرب منه؛ إذ كانوا يعتمدون على حفظهم، ومما نقله التاريخ لنا عن اليونان أن كثيرين منهم كرهوا بدعة الكتابة عندما ابتدءوا يأخذونها، وقالوا: إن الإنسان يتكل على ما كتب فيضعف حفظه، وإننا نفاخر بحفاظ أمتنا جميع الأمم، وتاريخهم ثابت محفوظ، قال الإمام الشافعيّ: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، وقال البخاري مثل ذلك، إلا أنه قال: عصره. بدل دهره.
وأعظم من ذلك ما رواه الترمذي عن عمر ﵁ أنه قال لأبي هريرة: أنت كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأحفظنا لحديثه.
رابعها: بشارة النبي ﷺ له بعدم النسيان، كما ثبت في حديث بسط الرداء المتقدم – وفيه أن النبي ﷺ قال لأبي هريرة: (ابْسُطْ رِدَاءَكَ. فَبَسَطْهُ. فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ضُمّهُ. قال أبو هريرة: فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ) رواه البخاري (١١٩) - وهو مروي من طرق متعددة في الصحاح والسنن.
خامسها: دعاؤه له بذلك كما ثبت في حديث زيد بن ثابت عالم الصحابة الكبير ﵁ عند النسائي، وهو: (أن رجلاً جاء إلى زيد بن ثابت فسأله، فقال له زيد: عليك بأبي هريرة، فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد، ندعو الله ونذكره، إذ خرج علينا رسول الله ﷺ حتى جلس إلينا فقال: عودوا للذي كنتم فيه. قال زيد فدعوت أنا وصاحبي، فجعل رسول الله ﷺ يؤمّن على دعائنا، ودعا أبو هريرة فقال: إني أسألك
مثل ما سأل صاحباي، وأسألك علمًا لا يُنسى , فقال: سبقكم بها الغلام الدوسي) – قال الحافظ ابن حجر في " الإصابة " (٤/٢٠٨) : إسناده جيد -.
سادسها: أنه تصدى للتحديث عن قصد؛ لأنه كان يحفظ الحديث لأجل أن ينشره، وأكثر الصحابة كانوا ينشرون الحديث عند الحاجة إلى ذكره في حكم أو فتوى أو استدلال، والمتصدي للشيء يكون أشد تذكرًا له، ويذكره بمناسبة وبغير مناسبة؛ لأنه يقصد التعليم لذاته، وهذا السبب لازم للسبب الأول من أسباب كثرة حديثه.
سابعها: أنه كان يحدث بما سمعه وبما رواه عن غيره من الصحابة كما تقدم، فقد ثبت عنه أنه كان يتحرى رواية الحديث عن قدماء الصحابة، فروى عن أبي بكر وعمر، والفضل بن العباس وأُبيّ بن كعب، وأسامة بن زيد وعائشة، وأبي بصرة الغفاري، أي: أنه صرح بالرواية عن هؤلاء، ومن المقطوع به أن بعض أحاديثه التي لم يصرح فيها باسم صحابي كانت مراسيل؛ لأنها في وقائع كانت قبل إسلامه، ومراسيل الصحابة حجة عند الجمهور.
فمن تدبر هذه الأسباب لم يستغرب كثرة رواية أبي هريرة، ولم ير استنكار أفراد من أهل عصره لها موجبًا للارتياب في عدالته وصدقه؛ إذ علم أن سبب ذلك الاستنكار عدم الوقوف على هذه الأسباب.
على أن جميع ما أخرجه البخاري في صحيحه له (٤٤٦) حديثًا، بعضها من سماعه، وبعضها من روايته عن بعض الصحابة، وهي لو جمعت لأمكن قراءتها في مجلس واحد؛ لأن أكثر الأحاديث النبوية جمل مختصرة.
فهل يستكثر عاقل هذا المقدار على مثل أبي هريرة أو من هو دونه حفظًا، وحرصًا على تحمل الرواية وأدائها؟! " انتهى باختصار.
"مجلة المنار" (١٩/٢٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1751
موقفنا ممن يضعف أحاديث في صحيح البخاري ومسلم
[السُّؤَالُ]
ـ[ما موقفنا ممن يضعف أحاديث في صحيح مسلم أو صحيح البخاري؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"هذا شذوذ عن العلماء لا يعول عليه إلا في أشياء يسيرة عند مسلم ﵀ نبه عليها الدارقطني وغيره، والذي عليه أهل العلم هو تلقي أحاديث الصحيحين بالقبول والاحتجاج بها كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر والحافظ ابن الصلاح وغيرهما، وإذا كان في بعض الرجال المخرج لهم في الصحيحين ضعف فإن صاحبي الصحيح قد انتقيا من أحاديثهم ما لا بأس به، مثل: إسماعيل بن أبي أويس، ومثل عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وجماعات فيهم ضعف لكن صاحبي الصحيح انتقيا من أحاديثهم ما لا علة فيه؛ لأن الرجل قد يكون عنده أحاديث كثيرة فيكون غلط في بعضها، أو رواها بعد الاختلاط إن كان ممن اختلط، فتنبه صاحبا الصحيحين لذلك فلم يرويا عنه إلا ما صح عندهما سلامته.
والخلاصة: أن ما رواه الشيخان قد تلقته الأمة بالقبول، فلا يسمع كلام أحد في الطعن عليهما رحمة الله عليهما، سوى ما أوضحه أهل العلم كما تقدم.
ومما أخذ على مسلم ﵀ رواية حديث أبي هريرة: (أن الله خلق التربة يوم السبت. . . إلخ الحديث) . والصواب: أن بعض رواته وهم برفعه للنبي ﷺ ، وإنما هو من رواية أبي هريرة ﵁ عن كعب الأحبار؛ لأن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
الصحيحة كلها قد دلت على أن الله سبحانه قد خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة؛ وبذلك علم أهل العلم غلط من روى عن النبي ﷺ (أن الله خلق التربة يوم السبت) ، وغلط كعب الأحبار ومن قال بقوله في ذلك، وإنما ذلك من الإسرائيليات الباطلة، والله ولي التوفيق" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٥/٦٩) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1752
حديث: (أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النار)
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة حديث: (أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النار) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث جاء بسند واحد عن النبي ﷺ ، رواه الإمام الدارمي ﵀ في سننه (١/٦٩) فقال: أخبرنا إبراهيم بن موسى، حدثنا أبي، حدثنا ابن المبارك، عن سعيد بن أبى أيوب، عن عبيد الله بن أبى جعفر قال: قال رسول الله ﷺ :
(أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار) .
وهذا الإسناد إلى عبيد الله بن أبي جعفر صحيح، غير أن عبيد الله بن أبي جعفر المتوفي سنة ١٣٦ من أتباع التابعين، ولا تعرف له رواية عن الصحابة ﵃. فحديثه هذا يسمى "معضل" وهو من أقسام الحديث الضعيف، لعدم اتصال سنده.
قال الخطيب البغدادي ﵀:
" أما ما رواه تابع التابعي عن النبي ﷺ فيسمونه: المعضل، وهو أخفض مرتبة من المرسل " انتهى.
" الكفاية " (ص/٢٩) .
وقد ضعفه كل من الحافظ ابن رجب في " شرح حديث ما ذئبان جائعان "، والعجلوني في "كشف الخفاء"، وضعفه الشيخ الألباني في " السلسلة الضعيفة " (١٨١٤) .
والحديث وإن كان ضعيفاً غير أن معناه صحيح، فمن أقدم على الفتوى من غير تثبت ولا بحث في الأدلة فقد تسبب في إدخال نفسه النار.
وانظر: "فيض القدير" (١/٢٠٥، ٢٠٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1753
الحديث القدسي إني والإنس والجن في نبأ عظيم لا يصح
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو تخريج الحديث القدسي التالي، فهو متداول بكثرة في المنتديات، وأرغب في معرفة الزيادات الضعيفة أو الموضوعة في الحديث، وجزاكم الله خيرا. يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويُعبد غيري، أرزق ويُشكر سواي) (خيري إلى العباد نازل، وشرّهم إليّ صاعد، أتودد إليهم بالنعم وأنا الغني عنهم! ويتبغّضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر ما يكونون إليّ) (أهل ذكري أهل مجالستي، من أراد أن يُجالسني فليذكرني. أهل طاعتي أهل محبتي. أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا إليّ فأنا حبيبهم، وإن أبَوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهّرهم من المعايب، من أتاني منهم تائباً تلقّيته من بعيد، ومن أعرض عني ناديته من قريب، أقول له: أين تذهب؟ ألك رب سواي!) (الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة عندي بمثلها وأعفو، وعزتي وجلالي لو استغفروني منها لغفرتها لهم) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الجزء الأول من هذا الحديث وهو قوله: (إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويُعبد غيري، أرزق ويُشكر سواي) من الأحاديث القدسية الضعيفة المشهورة، والأحاديث القدسية من أكثر الأبواب التي دخل فيها الضعيف والمكذوب.
أخرجه الطبراني في " مسند الشاميين " (٢/٩٣) ، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (١٧/٧٧) وعبد الغني المقدسي في " التوحيد " (١٠٨) -، وأخرجه الحاكم في " تاريخ نيسابور " – كما عزاه إليه في " الدر المنثور " (٧/٦٢٥) - وأخرجه أيضاً البيهقي في " شعب الإيمان " (٤/١٣٤) ، والديلمي في " الفردوس " (٣/١٦٦)
كلهم من طريق بقية بن الوليد، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، وشريح بن عبيد الحضرميان، عن أبي الدرداء ﵁.
يقول الشيخ الألباني ﵀:
" ضعيف.... منقطع، فإن عبد الرحمن بن جبير، وشريح بن عبيد لم يدركا أبا الدرداء، فعلة الحديث الانقطاع " انتهى.
" السلسلة الضعيفة " (رقم/٢٣٧١) ، وضعفه السيوطي في " الجامع الصغير "، والمناوي في شرحه " فيض القدير " (٤/٤٦٩) .
ومع ذلك فمعنى الحديث صحيح مقبول، وليس فيه ما ينكر، إلا أنه لا تجوز نسبته للنبي ﷺ .
يقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله:
" معناه صحيح، أن الله يخلق ويعبد سواه، الله خلق المشركين وعبدوا سواه، والله يرزق ويشكر سواه، هذا واقع " انتهى.
نقلا من موقعه على هذا الرابط:
http://www.alfawzan.ws/AlFawzan/FatwaaTree/tabid/٨٤/Default.aspx?View=Page&NodeID=١٩٨٧٨&PageID=٩٨٣٩
ثانيا:
أما الجزء الثاني وهو قوله: (خيري إلى العباد نازل، وشرّهم إليّ صاعد، أتودد إليهم بالنعم وأنا الغني عنهم! ويتبغّضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر ما يكونون إليّ)
فهو حديث موضوع مكذوب وإن كان معناه مقبول أيضا:
جاء في " السلسلة الضعيفة " (حديث رقم/٣٢٨٧) للشيخ الألباني ﵀:
" (يقول الله تعالى: يا ابن آدم! ما تنصفني، أتحبب إليك بالنعم، وتتمَقَّتُ إليَّ بالمعاصي، خيري إليك منزل، وشرك إليَّ صاعد، ولا يزال ملك كريم يأتيني عند كل يوم وليلة بعمل قبيح! يا ابن آدم! لو سمعت وصفك من غيرك وأنت لا تعلم من الموصوف؛ لسارعت إلى مقته)
موضوع. أخرجه الرافعي في "تاريخ قزوين" (٣/ ٤) ، والديلمي (٤/ ٢٥٧-زهر الفردوس) من طريق داود بن سليمان الغازي: حدثني علي بن موسى الرضا.. (قلت: فساق إسناده عن آبائه عن علي ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ... فذكره.
قلت – أي الشيخ الألباني -: وهذا موضوع؛ آفته الغازي هذا، وهو شيخ كذاب كما تقدم مراراً.
لكن تابعه أحمد بن علي بن مهدي الرقي: حدثنا أبي: حدثنا علي بن موسى الرضا به.
أخرجه الديلمي، وكذا نظيف المصري في "الفوائد" (ق١٠٦/ ٢) ، ومن طريقه أبو نصر الغازي في "جزء من الأمالي" (ق٧٨/ ١) وزاد:
(تفعل الكبائر أو ترتكب الكبائر ثم تتوب إلي فأقبلك إذا خلصت نيتك، وأصفح عما مضى من ذنوبك، وأدخلك جنتي وأجعلك في جواري، سوءة (!) لإقامتك على قبيح فعالك)
لكن الرقي هذا وأبوه لم أعرفهما، ولعل أحدهما سرقه من الغازي؛ فإن لوائح الوضع والصنع على الحديث ظاهرة " انتهى كلام الشيخ الألباني ﵀.
والحديث أخرجه أيضا ابن عساكر في " معجم الشيوخ " (رقم/١٢٧٠) من الطريق الأولى الموضوعة، ويروى في كتب أخرى من نقل وهب بن منبه عن الكتب السابقة، وهو بذلك أشبه.
ثالثا:
أما الجزء الثالث من الحديث المذكور، وهو قوله:
(أهل ذكري أهل مجالستي، من أراد أن يُجالسني فليذكرني. أهل طاعتي أهل محبتي. أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا إليّ فأنا حبيبهم، وإن أبَوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهّرهم من المعايب، من أتاني منهم تائباً تلقّيته من بعيد، ومن أعرض عني ناديته من قريب، أقول له: أين تذهب؟ ألك رب سواي!)
فلم نجده مسندا ولا مأثورا في كتب أهل العلم، وأقدم من رأيناه ذكره هو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في " مجموع الفتاوى " (١٤/٣١٩) حيث قال:
" وقد جاء فى بعض الأحاديث:
(يقول الله تعالى: أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أؤيسهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، أي محبهم، فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأكفر عنهم المعائب)
وذكر تكملته ابن القيم ﵀ في " مدارج السالكين " (١/١٩٤) من غير عزو لكتاب.
رابعا:
أما الجزء الأخير من الحديث، وهو قوله: (الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة عندي بمثلها وأعفو، وعزتي وجلالي لو استغفروني منها لغفرتها لهم)
فقد صح نحوه عن النبي ﷺ فيما جاء عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(يَقُولُ اللَّهُ : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ) رواه مسلم (٢٦٨٧) .
وبالجملة، فالحديث ـ بهذا السياق ـ ليس له أصل عن النبي ﷺ ، وإن كان بعض جمله قد روي مفرقا، كما ذكرنا في الجواب.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1754
كيف التوفيق بين قوله تعالى ما كان محمد أبا أحد من رجالكم وحديث إن ابني هذا سيد
[السُّؤَالُ]
ـ[يقول الله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) وعند البخاري وغيره يقول ﷺ في حق الإمام الحسن ﵁: (ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين) سؤالي رعاك الله: هل يصح أن نقول إن الإمام الحسن أو الحسين أبناء النبي ﷺ لما سبق من قوله ﷺ ؟ أم إنهم يدخلون في عموم قوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم. . الآية) فيما يخص النهي عن التبني بشكل عام، ويدخل فيه تبني رجل أحدا ليس من صلبه مباشرة، وإن كان من سلالته وإن نزلت؟ وهل منزلة البنوة التي أثبتها ﷺ في الحديث المذكور آنفاً حقيقية أم مجازية؟ وفقكم الله، وفتح عليكم من واسع فضله وعلمه.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس بين الآية والحديث تعارض والحمد لله، وإنما يقوم التعارض في ذهن بعض السامعين بسبب عدم تمكنهم من تصور مقصود السياق تصوراً تاما.
فالآية الكريمة إنما تتحدث عن شأن زواج النبي ﷺ من زينب بعد أن طلقها زيد بن حارثة الذي كان قد تبناه النبي ﷺ قبل تحريم التبني، فأنزل الله تعالى هذه الآيات الكريمات ليزيل ما قد يقع في قلوب بعض الناس من إنكار زواج النبي ﷺ من زوجة ابنه بالتبني سابقا، فذكر أن التبني باطل، وأنه لا تنبني عليه أحكام أبوة النسب الحقيقي، فقال :
(وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) الأحزاب/٣٧-٣٩.
ومعلوم أنه ولد للنبي ﷺ أربعة من الأولاد الذكور، وولد له حفيدان اثنان من ابنته فاطمة ﵄، وليس هؤلاء الأولاد محل إشكال ولم يدخلوا في النفي أصلا، لأسباب عدة:
١- أن سياق الآيات لا يقصدهم أصلا، بل يقصد نفي وجود أبوة نسب بين النبي ﷺ وبين أحد من المسلمين كي لا تنكر قلوبهم زواجه من زينب ﵂، ولذلك جاءت الآية بلفظ الخطاب فقال: (من رجالكم) ، فلا يدخل فيه أصلا أبناء النبي ﷺ .
٢- أن أبناءه الذكور ﷺ ماتوا جميعا قبل بلوغ الحلم، وهذا من حكمة الله ، لما في ذلك من تقرير ختم النبوة بمحمد ﷺ ، ونفي توهم كون النبوة تنتقل بالوراثة بين الأب وأبنائه، وأما الحسن والحسين فهما وإن كانا من أحفاده ﷺ لكنهما لا ينتسبان إليه من جهة الأبوة، بل ينتسبان إلى أبيهما علي بن أبي طالب ﵁، ولذلك كان بقاؤهما أحياء بعد وفاة النبي ﷺ من حكمة الله أيضا، فلم يدَّعِ أحد لهما النبوة بعد جدهما من أمهما النبي ﷺ ، فلا تعارض مع نفي أبوة النبي ﷺ لأحد من رجال المسلمين.
٣- ثم إن الآية نفت أبوة النبي ﷺ الحقيقية لأحد من المسلمين، وليس الأبوة المجازية، وأبوة الرجل لأحفاده من جهة ابنته أبوة مجازية، بل أبوة النبي ﷺ لسائر المسلمين أبوة مجازية، وفي تفسير بعض الصحابة لقول الله تعالى: (وأزواجه أمهاتهم) قال: وهو أب لهم.
وننقل هنا كلام أهل العلم في هذه الآية، وفي بعضه جواب عن التعارض الذي عرض للسائل الكريم:
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
" وقوله: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) نهى تعالى أن يقال بعد هذا: " زيد بن محمد " أي: لم يكن أباه وإن كان قد تبناه، فإنه صلوات الله عليه وسلامه لم يعش له ولد ذكر حتى بلغ الحلم؛ فإنه ولد له القاسم، والطيب، والطاهر، من خديجة، فماتوا صغارا، وولد له إبراهيم من مارية القبطية، فمات أيضا رضيعا، وكان له من خديجة أربع بنات: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، ﵃ أجمعين، فمات في حياته ثلاث، وتأخرت فاطمة حتى أصيبت به، صلوات الله وسلامه عليه، ثم ماتت بعده لستة أشهر " انتهى.
" تفسير القرآن العظيم " (٦/٤٢٨)
ونحوه في " معالم التنزيل " للبغوي (٦/٣٥٨) ، و" اللباب " لابن عادل (١٥/٥٥٧) .
وقال بهاء الدين ابن قدامة (٦٨٢هـ) ﵀:
" وقول النبي ﷺ للحسن: (إن ابني هذا سيد) – رواه البخاري (٢٧٠٤) - مجاز بالاتفاق، بدليل قول الله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله) " انتهى.
" الشرح الكبير " (٦/٢٢٤)
ويقول ابن حجر الهيتمي ﵀:
" فقوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) إنما سيق لانقطاع حكم التبني، لا لمنع هذا الإطلاق المراد به أنه أبو المؤمنين في الاحترام والإكرام " انتهى.
" الصواعق المحرقة " (٢/٤٦٢)
وجاء في " الدرر السنية " (١٣/٣٦٨) :
" وسئل أيضا الشيخ عبد الله بن الشيخ عن قوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) سورة الأحزاب آية/٤٠ هل هذه الآية قطعت كون رسول الله ﷺ والدا للحسن والحسين، مع ما ورد من الأحاديث الدالة على تسميتهما ابنين له؟
فأجاب:
سبب نزول الآية يزيل هذا الإشكال ; وذلك أنه ذكر المفسرون: أن رسول الله ﷺ لما تزوج زينب قال الناس: تزوج امرأة ابنه، وأنزل الله هذه الآية – يعني: زيد بن حارثة – يعني: لم يكن أبا لرجل منكم على الحقيقة، حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح.
فإن قيل: قد كان له أبناء: القاسم، والطيب، والطاهر، وإبراهيم، وقال للحسن: (إن ابني هذا سيد) ؟
فالجواب: أنهم قد خرجوا من حكم النفي بقوله: (من رجالكم) ، وهؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال.
وأجاب بعضهم: بأنه ليس المقصود أنه لم يكن له ولد فيحتاج إلى الاحتجاج في أمر بنيه بأنهم كانوا ماتوا، ولا في أمر الحسن والحسين بأنهما كانا طفلين، وإضافة (رجالكم) إلى المخاطبين يخرج من كان من بنيه، لأنهم رجاله لا رجال المخاطبين " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1755
لم يثبت استحباب قراءة هذه السور في أذكار الصباح والمساء
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هنالك أدلة صحيحة على قراءة سورة الإخلاص عشر مرات مع أذكار الصباح. وأواخر سورة الحشر، وسورة الصافات عند كل ليلة. وبداية سورة البقرة، والآيتان بعد آية الكرسي والنصر والكافرون مع أذكار النوم. أرجو منكم الرد في أسرع وقت، لأني أفعل كل هذه الأشياء، وأخاف أن تكون بدعة. وجزاكم الله كل خير.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم يرد في السنة الصحيحة استحباب قراءة هذه الآيات والسور في أذكار الصباح والمساء على هذا النحو، وإنما الذي صح قراءة الآيات والسور الآتية:
آية الكرسي، وأواخر سورة البقرة، وسورة الإسراء، والزمر، والسجدة، وتبارك، والكافرون، والإخلاص، والمعوذتان.
وقد سبق سرد الأدلة الصحيحة في جواب السؤال رقم: (٧٢٥٩١)
ومن الأدلة الصحيحة أيضا:
عن جابر بن عبد الله ﵁: أن النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ: " الم تنزيل " – أي السجدة - و " تبارك الذي بيده الملك ".
رواه الترمذي (٢٨٩٢) وقال حسن غريب. وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (رقم/٥٨٥)
وانظر جواب السؤال رقم: (٢٦٢٤٠)
وعن عبد الله بن خبيب ﵁ قال:
(خرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ لَنَا، فَأَدْرَكْنَاهُ، فَقَالَ: أَصَلَّيْتُمْ؟ فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا. فَقَالَ: قُلْ. فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا. ثُمَّ قَالَ: قُلْ. فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا. ثُمَّ قَالَ: قُلْ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)
رواه أبو داود (٥٠٨٢) والترمذي (٣٥٧٥) وقال: حسن صحيح. وصححه النووي في " الأذكار " (١٠٧) ، وحسنه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وقد ورد في سورة الإخلاص بعد الفجر موقوفات ضعيفة، منها ما يرويه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٦/١٠٢) بسند فيه رجل مجهول، عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: (من قرأ بعد الفجر (قل هو الله أحد) عشر مرات لم يلحق به ذلك اليوم ذنب وإن جهدته الشياطين)
وأما أواخر سورة الحشر فالحديث فيها ضعيف أيضا لا يثبت:
عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
(مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ -: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَقَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ)
رواه الترمذي (٢٩٢٢) وقال: حديث غريب. قال النووي: " إسناده فيه ضعف " انتهى. " الأذكار " (ص/١١٤) ، وقال الذهبي في " ميزان الاعتدال " (١/٦٣٢) : غريب جدا. وقال الشيخ الألباني في " إرواء الغليل " (٢/٥٨) : " علته خالد بن طهمان. قال ابن معين: ضعيف خلط قبل موته بعشر سنين " انتهى.
فالحاصل أننا ننصحك بالالتزام بما ورد في السنة النبوية، ففيه الغنية والكفاية عن زيادة ما عداه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →