Полный текст (16 344 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
يسأل عن حديث يحض على تعلم القراءة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة هذا الحديث: (الذي يقرأ جميل في نظر ربه، فتعلموا القراءة، وإذا تعلمتم فدرسوها) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لعل لفظ الحديث المقصود في السؤال، هو ما رواه عثمان بن عفان ﵁، أن النبي ﷺ قال: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) رواه البخاري (٥٠٢٧)
والحث على تعلم قراءة القرآن كثير في الكتاب والسنة، وهو أيضا حث على تعلم القراءة، فقد كان القرآن الكريم الكتاب الوحيد الذي يقرؤه المسلمون في صدر الإسلام، فكان تعلم القراءة والكتابة يبدأ من تعلم القرآن الكريم، بل جاء الأمر بتعلم القراءة في أول كلمة من الوحي الذي نزل على رسول الله ﷺ ، حيث يقول : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) العلق/١-٥
فانتشر العلم وقل الجهل نتيجة تعلم قراءة القرآن وكتابته وتفهم معانيه.
أما إن كان المقصود حديثا آخر فيه أن الله يحب الذين يتعلمون القراءة مطلقا، فلم نقف على لفظه في كتب السنة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1787
حديث من لم يعرف إمام زمانه يموت موتة الكافر من كذب الشيعة
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد شرحا لهذا الحديث؛ لأن الشيعة دائما يستدلون به: (من لم يعرف إمام زمانه، يموت موتة الكافر) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الشيعة من أجهل الناس في المنقولات، وأحمقهم في العقليات، إذا استدلوا فلا يستدلون بدليل صحيح، وإذا تكلموا فلا يتكلمون برأي رجيح.
قال الشعبي ﵀: " لو كانت الشيعة من الطير لكانت رخَما، ولو كانت من البهائم لكانت حُمُرا " رواه عبد الله بن أحمد في السنة (٢/٥٤٩) .
وهذا الحديث الذي يستدلون به مثال على ذلك، فقد امتلأت به كتب الشيعة من المتقدمين والمتأخرين، فأورده الكليني في "الكافي"، وابن بابويه القمي، والطوسي، والبرقي، والنعماني، والحر العاملي، والمجلسي، والبحراني، وغيرهم من الذين سطروا مخازي الشيعة في كتبهم.
ومع ذلك فليس لهذا الحديث إسناد يعرف، ولا طريق يعتمد، بل هو – باللفظ المذكور – كذب على النبي ﷺ .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ – في رده على " الحلي " الرافضي استدلاله بهذا الحديث -:" قوله: فقال رسول الله ﷺ : (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) يقال له:
أولا: من روى هذا الحديث بهذا اللفظ؟ وأين إسناده؟ وكيف يجوز أن يحتج بنقل عن النبي ﷺ من غير بيان الطريق الذي به يثبت أن النبي ﷺ قاله، وهذا لو كان مجهول الحال عند أهل العلم بالحديث، فكيف وهذا الحديث بهذا اللفظ لا يعرف، إنما الحديث المعروف مثل ما روى مسلم في صحيحه عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد ابن معاوية، فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله ﷺ يقوله، سمعته يقول: (من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)
وهذا حدث به عبد الله بن عمر لعبد الله بن مطيع بن الأسود لما خلعوا طاعة أمير وقتهم يزيد، مع أنه كان فيه من الظلم ما كان، ثم إنه اقتتل هو وهم، وفعل بأهل الحرة أمورا منكرة، فعلم أن هذا الحديث دل على ما دل عليه سائر الأحاديث الآتية من أنه لا يخرج على ولاة أمور المسلمين بالسيف، وأن من لم يكن مطيعا لولاة الأمور مات ميتة جاهلية، وهذا ضد قول الرافضة، فإنهم أعظم الناس مخالفة لولاة الأمور، وأبعد الناس عن طاعتهم إلا كرها، ونحن نطالبهم أولا بصحة النقل.
ثم بتقدير أن يكون ناقله واحدا، فكيف يجوز أن يثبت أصل الإيمان بخبر مثل هذا الذي لا يعرف له ناقل، وإن عرف له ناقل أمكن خطؤه وكذبه، وهل يثبت أصل الإيمان إلا بطريق علمي.
"منهاج السنة النبوية" (١/٥٩)
ويقول الشيخ الألباني ﵀:
" وهذا الحديث رأيته في بعض كتب الشيعة، ثم في بعض كتب القاديانية، يستدلون به على وجوب الإيمان بدجالهم ميرزا غلام أحمد المتنبي، ولو صح هذا الحديث لما كان فيه أدنى إشارة إلى ما زعموا، وغاية ما فيه وجوب اتخاذ المسلمين إماما يبايعونه، وهذا حق كما دل عليه حديث مسلم وغيره.
ثم رأيت الحديث في كتاب " الأصول من الكافي " للكليني من علماء الشيعة (١/٣٧٧) ، رواه عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن الفضيل، عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله مرفوعا، وأبو عبد الله هو الحسين بن علي ﵄.
لكن الفضيل هذا - وهو الأعور - أورده الطوسي الشيعي في "الفهرست" (ص١٢٦) ، ثم أبو جعفر السروي في "معالم العلماء" (ص٨١) ، ولم يذكرا في ترجمته غير أن له كتابا!
وأما محمد بن عبد الجبار فلم يورداه مطلقا، وكذلك ليس له ذكر في شيء من كتبنا.
فهذا حال هذا الإسناد الوارد في كتابهم " الكافي " الذي هو أحسن كتبهم كما جاء في المقدمة (ص ٣٣) .
ومن أكاذيب الشيعة التي لا يمكن حصرها قول الخميني في "كشف الأسرار" (ص١٩٧) : وهناك حديث معروف لدى الشيعة وأهل السنة، منقول عن النبي: ... ثم ذكره دون أن يقرنه بالصلاة عليه ﷺ ، وهذه عادته في هذا الكتاب!
فقوله: وأهل السنة كذب ظاهر عليهم؛ لأنه غير معروف لديهم كما تقدم، بل هو بظاهره باطل إن لم يفسر بحديث مسلم كما هو محقق في " المنهاج " و " مختصره "، وحينئذ فالحديث حجة عليهم فراجعهما " انتهى.
"السلسلة الضعيفة" (رقم/٣٥٠)
وسئلت اللجنة الدائمة السؤال الآتي:
" قال رسول الله ﷺ : (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) أو كما قال.
فما المقصود بالحديث في العصر الراهن، وكيف نفهمه ونطبقه؟
فأجابت:
الحديث الأول: لا نعلم صحته بهذا اللفظ.
وأما الحديث الثاني: فأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن نافع ﵀ قال: لما خلعوا يزيد واجتمعوا على ابن مطيع أتاه ابن عمر ﵁، فقال عبد الله بن مطيع: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال له عبد الله بن عمر: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية) .
ومعنى الحديث: أنه لا يجوز الخروج على الحاكم (ولي الأمر) إلا أن يرى منه كفرا بواحا، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح، كما أنه يجب على الأمة أن يؤمروا عليهم أميرا يرعى مصالحهم ويحفظ حقوقهم " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٤/٤١٩)
إذا فالفرق بين أهل السنة والشيعة في هذين الحديثين هو أن الحديث الذي اخترعه الرافضة يوجب على المسلمين الإيمان بالإمامة التي هي في مقام النبوة عندهم، حيث يعتقدون العصمة للأئمة، ويعتقدون ولايتهم عن الله ، ونحو ذلك من العقائد البدعية المضلة.
أما أهل السنة فيفهمون من الحديث الصحيح الذي يرويه الإمام مسلم ضرورة طاعة ولاة أمور المسلمين – إذا أقاموا الدين والعدل -، وهو مضمون حديث حذيفة بن اليمان ﵁ أيضا، حين قال له رسول الله ﷺ : (تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ) رواه البخاري (٣٦٠٦) ومسلم (١٨٤٧) ، فالمقصود لزوم جماعة المسلمين، وعدم شق عصا الفتنة والفرقة، والسمع للإمام الذي هو الحاكم في غير معصية.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1788
هل يكثر الموت في شهر شعبان ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل ورد أثر أن شعبان يكثر فيه قبض الأرواح؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الذي جاء في بعض الآثار أن أسماء من كُتب عليهم الموت في العام كله توحى إلى ملك الموت في شهر شعبان، ويخبر بأسمائهم في صحائف من عند الله ، أو أن التقدير السنوي لآجال البشر يكتب في شعبان، فالموت يقدر في هذا الشهر بحسب ما ورد في هذه الآثار.
لكنها آثار وأحاديث ضعيفة كلها، فلا ينبغي الاعتماد عليها، ولا التعويل على ما جاء فيها.
قال القاضي أبو بكر ابن العربي ﵀:
"وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يُعوَّلُ عليه، لا في فضلها، ولا في نسخ الآجال فيها، فلا تلتفتوا إليها" انتهى.
"أحكام القرآن" (٤/١١٧) .
وقد سبق بيان ذلك، ونقل كلام أهل العلم في هذا الشأن في جواب السؤال رقم: (٨٩٠٧) ، (٤٩٦٧٥) ، (٤٩٦٧٨) .
وننقل هنا - لمزيد فائدة – بعض ما ذكره السيوطي ﵀ من الآثار المتعلقة بكتابة الآجال في شعبان، في كتابه "الدر المنثور" (٧/٤٠١-٤٠٢) ، ونعقب كل أثر بتعليق يسير.
قال ﵀:
" أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق محمد بن سوقة عن عكرمة:
(فيها يفرق كل أمر حكيم) قال: في ليلة النصف من شعبان يبرم أمر السنة، وينسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أحد.
وهذا مخالف للصواب الموافق لتفسير جماهير السلف للآية، أن المراد بها ليلة القدر، وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (١١٧٢٢) .
وأخرج ابن زنجويه والديلمي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
(تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى) .
ضعفه الشوكاني في "فتح القدير" (٤/٨٠١) ، وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (رقم/٦٦٠٧) : منكر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء بن يسار قال: لم يكن رسول الله ﷺ في شهر أكثر صياما منه في شعبان، وذلك أنه ينسخ فيه آجال من ينسخ في السنة.
وهذا مرسل ضعيف.
وأخرج أبو يعلى عن عائشة أن النبي ﷺ كان يصوم شعبان كله، فسألته؟ قال: (إن الله يكتب فيه كل نفس ميتة تلك السنة، فأحب أن يأتيني أجلي وأنا صائم) .
رواه أبو يعلى في "المسند" (٨/٣١١) وفي سنده سويد بن سعيد الحدثاني، ومسلم بن خالد الزنجي، وطريف، وكل منهم مضعف في كتب التراجم.
وأخرج الدينوري في " المجالسة " عن راشد بن سعد أن النبي ﷺ قال:
(في ليلة النصف من شعبان يوحي الله إلى ملك الموت بقبض كل نفس يريد قبضها في تلك السنة) .
"المجالسة وجواهر العلم" (ص/٢٠٦) ، وهو مرسل، وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" (رقم/٤٠١٩) .
وأخرج ابن جرير والبيهقي في " شعب الإيمان " عن الزهري، عن عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس قال: قال رسول الله ﷺ : (تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل ينكح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى) .
قال الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (رقم/٦٦٠٧) : منكر.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عطاء بن يسار قال: إذا كان ليلة النصف من شعبان دفع إلى ملك الموت صحيفة، فيقال: اقبض من في هذه الصحيفة. فإن العبد ليفرش الفراش وينكح الأزواج ويبني البنيان وإن اسمه قد نسخ في الموتى.
وهو مجرد قول لعطاء، ولم يَذْكر له إسناداً.
وأخرج الخطيب وابن النجار عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصوم شعبان كله حتى يصله برمضان، ولم يكن يصوم شهرا تاما إلا شعبان، فقلت: يا رسول الله! إن شعبان لَمِن أحب الشهور إليك أن تصومه؟ فقال: " نعم يا عائشة! إنه ليس نفس تموت في سنة إلا كتب أجلها في شعبان، فأحب أن يكتب أجلي وأنا في عبادة ربي وعمل صالح) .
ولفظ ابن النجار: (يا عائشة! إنه يكتب فيه ملك الموت من يقبض، فأحب أن لا ينسخ اسمي إلا وأنا صائم) .
رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٤/٤٣٦) وفي إسناده أبو بلال الأشعري ضعفه الدارقطني كما في "ميزان الاعتدال" (٤/٥٠٧) ، وفيه أحمد بن محمد بن حميد المخضوب، أبو جعفر المقرئ، قال فيه الدارقطني: ليس بالقوي. فالحديث ضعيف جدا.
والحاصل: أنه لم يصح في كثرة الموت في شعبان حديث صحيح.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1789
هل ذكرت التحيات في قصة المعراج ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة قصة أن لفظ: (التحيات) كانت عندما عرج النبي ﷺ إلى السماء، ووصل سدرة المنتهى، أن الرسول ﷺ قال: (التحيات لله والصلوات والطيبات، فقال الله: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقالت الملائكة: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) ، فهذه القصة تدرس للأطفال في المدارس لتساعدهم على حفظ التحيات؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يعرف لهذه القصة أصل ولا سند، ولم نقف لها على أثر في كتب السنة الصحيحة، وقصة المعراج ثابتة بتفاصيلها في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما، وليس فيها شيء عن مناسبة ذكر التشهد المعروف في الصلاة، وكذلك لم يرد شيء عن هذه القصة حين عَلَّمَ النبي ﷺ الصحابة الكرام هذا التشهد.
فقد روى الشيخان: البخاري (٦٣٢٨) ومسلم (٤٠٢) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: (كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ:
إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. - فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ - أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ) .
وغاية ما وقفنا عليه في هذه القصة:
ما تنقله بعض كتب التفسير عند قوله تعالى: (سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) يّس /٥٨، فقالوا: " يشير إلى السلام الذي سلمه الله على حبيبه ﵇ ليلة المعراج إذ قال له: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته "، فقال في قبول السلام: " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " انتهى. انظر "روح المعاني" للآلوسي" (٣/٣٨) .
وما يذكره بعض شراح السنة عند الكلام على حديث التشهد، ذكره بدر الدين العيني في "شرح سنن أبي داود" (٤/٢٣٨) ، ونقله الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" عن ابن الملك، وكذلك تذكره هذه القصة في بعض كتب الفقه، مثل حاشية "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق" (١/١٢١) ، وفي بعض كتب الصوفية كالقسطلاني والشعراني.
وجميع ذلك ذكر معلق غير مسند، فلا يجوز نسبته إلى النبي ﷺ ، كما لا يجوز تعليمه الأولاد الصغار، لأنه لا يعرف له أصل صحيح عن النبي ﷺ ، وقد اتفق أهل العلم على حرمة رواية الأحاديث الموضوعة إلا على سبيل التكذيب والتحذير.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1790
حديث جابر في العبد الذي يدعو الله وهو عليه غضبان ثم يستجيب له
[السُّؤَالُ]
ـ[أرغب في معرفة صحة الحديث التالي: ورد في " الحلية " عن جابر أن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده، إن العبد ليدعو الله وهو عليه غضبان، فيعرض عنه، ثم يدعوه فيعرض عنه، فيقول سبحانه لملائكته: أبى عبدي أن يدعو غيري، فقد استحييت منه، يدعوني وأعرض عنه، أشهدكم أني قد استجبت له) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث رواه الطبراني في "الدعاء" (١/٢٨) ، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/٢٠٨) ، والديلمي في "مسند الفردوس" (رقم/٧٠٨٨) ، جميعهم من طريق: عبد الأعلى بن حماد النرسي، ثنا أبو عاصم العباداني، عن الفضل بن عيسى الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵁ ... فذكره.
وهذا إسناد ضعيف جدا.
فيه الفضل بن عيسى الرقاشي: قال فيه أبو زرعة وأبو حاتم: منكر الحديث. وقال أحمد: ضعيف. وسئل أبو داود عن التحديث عنه فقال: لا، ولا كرامة.
انظر: "تهذيب التهذيب" (٨/٢٨٤) .
وأبو عاصم العباداني: لين الحديث.
ومع ذلك، فالإلحاح في الدعاء من أسباب الإجابة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1791
هل ورد حديث صحيح في فضل عنترة بن شداد ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل صح ورود حديث عن فضل عنترة بن شداد، فيه أنه اجتمع فيه صفات الرجل المسلم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يقول الزركلي في ترجمة عنترة:
" عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية ابن قراد العبسي: أشهر فرسان العرب في الجاهلية، ومن شعراء الطبقة الأولى. من أهل نجد. أمه حبشية اسمها زبيبة، سرى إليه السواد منها.
وكان من أحسن العرب شيمة، ومن أعزهم نفسا، يوصف بالحلم على شدة بطشه، وفي شعره رقة وعذوبة. وكان مغرما بابنة عمه " عبلة "، فقل أن تخلو له قصيدة من ذكرها. اجتمع في شبابه بامرئ القيس الشاعر، وشهد حرب داحس والغبراء، وعاش طويلا، وقتله الأسد الرهيص أو جبار بن عمرو الطائي. ينسب إليه " ديوان شعر - ط " أكثر ما فيه مصنوع. و " قصة عنترة - ط " خيالية يعدها الإفرنج من بدائع آداب العرب، وقد ترجموها إلى الألمانية والفرنسية، ولم يعرف واضعها. وللمستشرق الألماني (توربكي) كتاب عن " عنترة " طبع في هيدلبرج سنة ١٨٦٨ م، ولمحمد فريد أبي حديد " أبو الفوارس عنتر بن شداد - ط، " ولفؤاد البستاني " عنتر بن شداد - ط " " انتهى.
"الأعلام" (٥/٩١)
ولم يرد في كتب السنة والآثار – فيما علمنا - أن النبي ﷺ ذكر عنترة بن شداد العبسي (المتوفى سنة ٢٢ قبل الهجرة) في حديث واحد، ومع ذلك وجدنا بعض الناس ينقلون أن النبي صلى لله عليه وسلم يقول: (لم أسمع وصف عربي أحببتُ أن أقابله أكثر من عنترة)
ولكن هذا أيضا لا أصل له، فلا يجوز نسبته إلى النبي ﷺ ، ولا يجوز التحديث به إلا على وجه الرد والتضعيف.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1792
حديث الأعرابي الذي يقول إن سألني لأسألنه
[السُّؤَالُ]
ـ[أود أن أستفسر عن حديث الأعرابى للرسول ﷺ ، فى كلامه عن الله : (إن سألني لأسألنه: إن سألني عن ذنوبي سألته عن مغفرته) وأظن حضراتكم تعلمون بقية الحديث. هل هذا الحديث صحيح؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث من الأحاديث المكذوبة على النبي ﷺ المنتشرة بين الناس.
وقد سئل عنه الشيخ حاتم الشريف فقال:
" إن الحديث المذكور يصلح مثالاً للأحاديث التي تظهر فيها علامات الوضع والكذب، وفيه من ركاكة اللفظ، وضعف التركيب، وسمج الأوصاف، ولا يَشُكُّ من له معرفة بالسنة النبوية وما لها من الجلالة والجزالة أنه لا يمكن أن يكون حديثاً صحيحاً ثابتاً عن النبي ﷺ ، ولم أجده بهذا اللفظ، وليت أن السائل يخبرنا بالمصدر الذي وجد فيه هذا الحديث ليتسنى لنا تحذير الناس منه.
على أن أبا حامد الغزالي على عادته ﵀ قد أورد حديثاً باطلاً في "إحياء علوم الدين" (٤/١٣٠) قريباً في مضمونه من الحديث المسؤول عنه، وفيه أن أعرابياً قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! من يلي حساب الخلق يوم القيامة؟ فقال ﷺ : الله ﵎، قال: هو بنفسه؟ قال: نعم، فتبسم الأعرابي، فقال ﷺ : ممَّ ضحكت يا أعرابي؟ قال: إن الكريم إذا قدر عفا، وإذا حاسب سامح.. إلى آخر الحديث.
وقد قال العراقي عن هذا الحديث:" لم أجد له أصلاً " وذكره السبكي ضمن الأحاديث التي لم يجد لها إسناداً (تخريج أحاديث الإحياء: رقم ٣٤٦٦، وطبقات الشافعية الكبرى: ٦/٣٦٤) ، ومع ذلك فالنصوص الدالة على سعة رحمة الله تعالى وعظيم عفوه وقبوله لتوبة التائبين واستجابته لاستغفار المستغفرين كثيرة في الكتاب وصحيح السنة.
قال تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢
وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) الشورى/٢٥
وقال تعالى: (ورحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) الأعراف/١٥٦
وفي الصحيحين البخاري (٧٥٥٤) ومسلم (٢٧٥١) من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي) والله أعلم " انتهى.
http://saaid.net/Doat/Zugail/٣٢١.htm
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1793
من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم
[السُّؤَالُ]
ـ[في معنى الحديث (من لم يهتمَّ بأمر المسلمين فليس منهم) . أريد التأكد من صحة الحديث، وراوي الحديث.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث جاء مرويا عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم، ولكن الطرق إليهم كلها منكرة شديدة الضعف، وهذا بيان ذلك:
الحديث الأول:
عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
(من أصبح والدنيا أكبر همه فليس من الله في شيء، ومن لم يتق الله فليس من الله في شيء، ومن لم يهتم للمسلمين عامة فليس منهم)
روي هذ الحديث من عدة طرق عن حذيفة:
١- عن شقيق بن سلمة عن حذيفة به:
رواه الحاكم في "المستدرك" (٤/٣٥٢) وابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/١٣٢) من طريق إسحاق بن بشر، ثنا سفيان الثوري، عن الأعمش، عن شقيق به.
وهذا إسناد شديد الضعف منكر:
بسبب إسحاق بن بشر، جاء في ترجمته في "ميزان الاعتدال" (١/١٨٤) : " قال ابن حبان: لا يحل حديثه إلا على جهة التعجب. وقال الدارقطني: كذاب متروك. يروي العظائم عن ابن إسحاق وابن جريج والثوري " انتهى. ولذلك قال الذهبي في "التلخيص": " أحسب الخبر موضوعا " انتهى. وقال ابن الجوزي: " هذا حديث لا يصح، والمتهم به إسحاق " انتهى. وضعفه العراقي في "تخريج الإحياء" (٢/١٨٠)
٢- عن أبي العالية عن حذيفة:
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٧/٢٧٠) "والصغير" (٢/١٣١) ، وعنه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/٢٥٢) : من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية به. وقال الطبراني: لايروى هذا الحديث عن حذيفة إلا بهذا الإسناد، تفرد به عبد الله بن أبي جعفر الرازي.
وهذا سند ضعيف منكر:
فرواية عبد الله عن أبي جعفر محل طعن ومظنة نكارة، لذلك قال ابن حبان: يعتبر حديثه من غير روايته عن أبيه. فمثله لا يحتمل تفرده بحديث لم يشاركه فيه سوى المتهمين والمجهولين.
انظر ترجمة عبد الله بن أبي جعفر في "تهذيب التهذيب" (١٢/٥٧) وفي (٥/١٧٧)
وله طريق ثالث ذكره السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" للسيوطي (٢/٢٦٦) ، وضعف الشيخ الألباني سنده جدا، بسبب من فيها من المتهمين، وبعض المجاهيل.
الحديث الثاني:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(من أصبح وهمه غير الله فليس من الله في شيء، ومن لم يهتم للمسلمين فليس منهم)
رواه الحاكم في "المستدرك" (٤/٣٥٦) وأبو عبد الله الدقاق في "مجلس إملاء في رؤية الله" (رقم/٣٩٦) وابن بشران في "الأمالي" (رقم/٣٩٥) :
من طريق: إسحاق بن بشر، حدثنا مقاتل بن سليمان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود مرفوعا به.
وهذا إسناد منكر أيضا.
فقد سبق نقل طعن أهل العلم في إسحاق بن بشر، ولذلك قال الذهبي في " تلخيص المستدرك ": إسحاق ومقاتل ليسا بثقتين ولا صادقين.
الحديث الثالث:
عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(من أصبح وهمه الدنيا فليس من الله في شيء، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن أعطى الذلة من نفسه طائعا غير مكره فليس منا)
أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (١/٢٩) من طريق طريق يزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي ذر به. وقال: تفرد به يزيد بن ربيعة.
وهذا إسناد منكر أيضا.
فيه يزيد بن ربيعة الرحبي: قال فيه البخاري: أحاديثه مناكير. وقال النسائي: متروك. انظر "ميزان الاعتدال" (٤/٤٢٢) ، وبه ضعفه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٤٣٣) ، وضعفه العراقي في "تخريج الإحياء" (٢/١٨٠) .
الحديث الرابع:
عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(من أصبح وهمه غير الله فليس من الله، ومن أصبح لا يهتم للمسلمين فليس منهم)
رواه ابن عدي في "الكامل" (٧/٦٧) ، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧/٣٦١) من طريق وهب بن راشد، ثنا فرقد السبخي، عن أنس به.
وهذا إسناد منكر.
فيه وهب بن راشد: قال فيه الدارقطني: متروك، وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به بحال. "ميزان الاعتدال" (٤/٣٥٢) وقال البيهقي: إسناده ضعيف. وفيه أيضا فرقد السبخي ضعيف الحديث، كثير الخطأ.
والحاصل أن طرق الحديث جميعها ضعيفة شديدة الضعف، لا تتقوى بتعددها، فلا يجوز نسبة الحديث إلى النبي ﷺ ، وقد ضعف الحديث من جميع طرقه الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (رقم/٣٠٩-٣١٢)
ولكن يغني عنه جميع الشواهد من الكتاب والسنة التي تدعو المؤمنين إلى التحابب والتراحم، ومراعاة الأخوة الإيمانية فيما بينهم، ومنها قوله : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) الحجرات/١٠، وقوله ﷺ : (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) رواه البخاري (٦٠١١) ومسلم (٢٥٨٦)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1794
حديث موضوع في الوعيد على من ترك الصلوات الخمس
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة نسبة هذا الحديث للرسول ﷺ : (من ترك صلاة الصبح فليس في وجهه نور، ومن ترك صلاة الظهر فليس في رزقه بركة، ومن ترك صلاة العصر فليس في جسمه قوة، ومن ترك صلاة المغرب فليس في أولاده ثمرة، ومن ترك صلاة العشاء فليس في نومه راحة) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سئلت "اللجنة الدائمة" (المجموعة الثانية ٣/٢٥٩) عن هذا الحديث وأحاديث أخرى، فأجابت عليها بقولها:
" هذه الأحاديث لم تُعزَ إلى كتاب من كتب السنة، ولا نعلم لها أصلا بعد البحث عنها، فالواجب منع توزيعها ونشرها " انتهى.
كما سئل الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في برنامج نور على الدرب في تاريخ ٢٠/محرم/١٤٢٧هـ (الدقيقة ١٧-١٩ من الشريط) عن هذا الحديث فقال:
" هذا لا أصل له فيما أعلم، وجاء الوعيد فيمن ترك الصلاة من القرآن ومن السنة النبوية الصحيحة، فيُكتَفى بما جاء، من ذلك قوله ﷺ : (بَينَ العَبدِ وَبَينَ الكُفرِ تَركُ الصَّلاةِ) رواه مسلم، وقوله ﷺ : (العَهدُ الذِي بَينَنَا وَبَينَهُمُ الصَّلاةُ، فَمَن تَرَكَهَا فَقَد كَفَرَ) رواه أهل السنن. والله يقول عن المجرمين: (مَا سَلَكَكُمْ فِيْ سَقَرَ، قَالُوْا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ) السبب الأول الذي أوردهم سقر هو أنهم تركوا الصلاة، فترك الصلاة كفر والعياذ بالله، مخرج من الملة، سواء تركها جاحدا لوجوبها أو تركها معترفا بوجوبها، إلا من تركها ناسيا أو نائما..
وأما هذا الذي ذكره السائل فلا أعرف له أصلا، وكذلك ما يوزع من بعض النشرات (مَن ترك الصلاة عوقب بخمس عشرة عقوبة) لا أصل له " انتهى.
فعلى هذا لا يجوز نشر هذا الحديث، ولا نسبته إلى النبي ﷺ ، بل الواجب التحذير منه، وبيان أنه لا أصل له في كتب أهل السنة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1795
هل يعرف الميت من يزوره من الأحياء ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل صحيح أن الميت تكون روحه في قبره يوم الجمعة فيعرف من يأتي إليه زائرا ويستأنس به؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عالم البرزخ من عالم الغيب الذي لا سبيل إلى العلم بتفاصيله إلا من جهة الخبر الصادق: الكتاب والسنة الصحيحة، وقد جاء فيهما كثير من التفاصيل التي تتحدث عن ما يواجهه الإنسان بعد الموت.
ومن التفاصيل التي وردت في ذلك: أن الميت يتعرف إلى من يزوره من الأحياء إذا كان يعرفهم في الدنيا، روى ذلك ابن عباس ﵄ عن النبي الله ﷺ :
(ما من أحد مر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا، فسلم عليه، إلا عرفه ورد ﵇
رواه ابن عبد البر في "الاستذكار" (١/١٨٥) قال:
أخبرنا أبو عبد الله عبيد بن محمد، قراءة مني عليه سنة تسعين وثلاثمائة في ربيع الأول، قال: أملت علينا فاطمة بنت الريان المستملي، في دارها بمصر في شوال سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، قالت: حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، قال حدثنا: بشر بن بكير، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس به.
وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات معروفون، إلا شيخ ابن عبد البر، وفاطمة بنت الريان، لم أقف لهما على ترجمة، غير أن توثيقهما مستفاد من تصحيح ابن عبد البر نفسه لهذا الحديث، إذ لا يمكن أن يصحح حديثا وهو لا يعرف من حدثه بها بالتوثيق، وما زال علماء الحديث يوثقون الرواة إذا رأوا من يصحح الأسانيد التي ورد ذكرهم فيها. كما نقل ابن تيمية عن عبد الله بن المبارك ثبوت هذا الحديث، فقال: " قال ابن المبارك: ثبت ذلك عن النبي ﷺ " انتهى. "مجموع الفتاوى" (٢٤/٣٣١)
وكذلك صحح الحديث من المتأخرين: الحافظ عبد الحق الإشبيلي، والقرطبي في "المفهم" (١/٥٠٠) ، وابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢٤/١٧٣) ، والعراقي في تخريج "إحياء علوم الدين" (٤/٤٩١) ، والزبيدي في "شرح الإحياء" (١٠/٣٦٥) ، والسيوطي في "الحاوي" (٢/٣٠٢) ، والعظيم أبادي في "عون المعبود" (٣/٢٦١) ، والشوكاني في "نيل الأوطار" (٣/٣٠٤) وغيرهم.
وللحديث شاهدان آخران عن أبي هريرة، وعن عائشة ﵄، لكن في أسانيدهما ضعف لا يصلحان معه للاعتبار. انظر "السلسلة الضعيفة" للشيخ الألباني (رقم/٤٤٩٣)
ومما يقوي هذا الحديث أيضا الآثار المتكاثرة الواردة عن السلف في هذا الباب، حتى قال ابن القيم ﵀: " والسلف مجمعون على هذا، وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به " انتهى. "الروح" (ص/٥) ، ومثله يقول ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (٦/٣٢٥)
وقد جمع هذه الآثار الحافظ ابن أبي الدنيا في كتاب "القبور"، تحت باب " معرفة الموتى بزيارة الأحياء "، والقرطبي في "التذكرة"، كما جمعها الحافظ السيوطي في "شرح الصدور في أحوال الموتى وزيارة القبور"
وأما العلماء المتأخرون، فأكثرهم على تقرير هذا الوارد في كتب الأثر.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" الروح تشرف على القبر، وتعاد إلى اللحد أحيانا، كما قال النبي ﷺ :
(ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇ ، والميت قد يعرف من يزوره، ولهذا كانت السنة أن يقال: (السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين) " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (٢٤/٣٠٣-٣٠٤)
أما تخصيص الزيارة التي يتعرف بها الميت إلى الحي في يوم الجمعة فلا يثبت بدليل صحيح.
جاء في "حاشية نهاية المحتاج" (٣/٣٦) :
" قوله: (فيسلم عليه) أي في جميع أيام الأسبوع , ولا يختص ذلك بالأوقات التي اعتيدت الزيارة فيها.
وقوله: (إلا عرفه ورد ﵇ : فيه إشارة إلى أنه يؤدي إلى المسلم حقه ولو بعد الموت , وأن الله تعالى يعطيه قوة بحيث يعلم المسلم عليه ويرد عليه , ومع ذلك لا ثواب فيه للميت على الرد ; لأن تكليفه انقطع بالموت " انتهى.
ويقول الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" تخصيص ذلك بيوم الجمعة لا وجه له؛ فإن النبي ﷺ قال: (زوروا القبور فإنها تذكر الموت) ، وثبت عنه أنه زار البقيع ليلا كما في حديث عائشة الطويل المشهور، وعلى هذا فتخصيص معرفته للزائر بيوم الجمعة لا وجه له، كذلك روى أصحاب السنن بسند صححه ابن عبد البر وأقره ابن القيم في كتاب الروح، أنه: (ما من رجل يسلم على مسلم يعرفه في الدنيا إلا رد الله عليه روحه فرد ﵇ في أي وقت " انتهى.
"لقاء الباب المفتوح" (لقاء رقم/٩، سؤال رقم/٣٧)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1796
أحاديث في اقتران الإجابة بالدعاء
[السُّؤَالُ]
ـ[أرغب في معرفة صحة هذه الأحاديث: ١- روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود مرفوعا: (من أعطي الدعاء أعطي الإجابة، لأن الله تعالى يقول ادعوني استجب لكم) . ٢- عن أنس عن النبي ﷺ قال: (ماكان الله ليفتح لعبد باب الدعاء ويغلق عنه باب الإجابة، الله أكبر من ذلك) . انظر: جامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجب معزوا للطبراني، وعزاه الهيثمي في شرح الأربعين للطبراني، وعزاه في كنز العمال للديلمي. وفي الحلية لأبي نعيم عن أنس ﵁ مرفوعا: (ما أذن الله لعبد في الدعاء حتى أذن له بالإجابة) انظر الفتح الكبير. ٣- روى الترمذي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (إذا فتح على العبد الدعاء فليدع ربه فإن الله يستجيب له) . ٤- روى أبو يعلى بإسناده عن أنس عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : (أربع خصال واحدة منهن لي وواحدة لك وواحدة فيما بيني وبينك وواحدة فيما بينك وبين عبادي فأما التي لي لا تشرك بي شيئا وأما التي لك علي فما عملت من خير جزيتك به وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة وأما التي بينك وبين عبادي فارض لهم ماترض لنفسك) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
هذه الأحاديث تتعلق بموضوع واحد، وهو باب اقتران الإجابة بالدعاء، وهي – وإن كانت ضعيفة لم تثبت عن النبي ﷺ – إلا أن القرآن الكريم جاء بمقتضى ما فيها، ويشهد لمعانيها، حيث يقول الله : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) البقرة/١٨٦.
غير أن الإجابة التي وعد الله بها يجب أن تسبقها بعض الشروط التي تحقق القبول عند الله .
قال الطبراني في "المعجم الصغير" (٢/١٩٨) :
" وقد افتتن جماعة ممن لا علم لهم، بأن يقولوا ندعوا ولا يستجاب لنا، وهذا رد على الله ؛ لأن الله يقول وقوله الحق: (ادعوني استجب لكم) وقال: (إذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) ، ولهذا معنى لا يعرفه إلا أهل العلم والمعرفة، وقد فسره النبي ﷺ : روى أبو سعيد الخدري وجماعة من أصحاب النبي ﷺ : (ما من مسلم يدعو الله بدعوة إلا استجاب له، فهو من دعوته على إحدى ثلاث: أما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن تدخر في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من البلاء مثلها) " انتهى.
وقال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (١/٣٩٢) :
" لكن الدعاء سبب مقتض للإجابة، مع استكمال شرائطه، وانتفاء موانعه، وقد تتخلف الإجابة لانتفاء بعض شروطه، أو وجود بعض موانعه " انتهى.
ثانيا:
أما أحكام الأحاديث الواردة في هذا السؤال، فهي على الوجه الآتي:
١- عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
(من أَعطَى أربعًا أُعطِيَ أربعًا، وتفسير ذلك في كتاب الله:
من أعطى الذكر ذكره الله؛ لأن الله يقول: (اذكروني أذكركم) .
ومن أعطى الدعاء أعطي الإجابة؛ لأن الله يقول: (ادعوني استجب لكم) .
ومن أعطى الشكر أعطي الزيادة؛ لأن الله يقول: (لئن شكرتم لأزيدنكم) .
ومن أعطى الاستغفار أعطي المغفرة؛ لأن الله يقول: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا) .
رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٧/١١٧-١١٨) وفي "المعجم الصغير" (٢/١٩٨) ، ومن طريقه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (١/٢٤٧) ، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/٨٣٩) ، ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٤/١٢٦) ، وابن شاهين في "الترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك" (رقم/٥٣٢) ، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣٦٠) لابن مردويه. وذكره الواقدي في "فتوح الشام" (٢٦٦) .
كلهم مِن طريق:
محمد بن إسحاق بن موسى المروزي قال حدثنا محمود بن العباس صاحب بن المبارك قال حدثنا هشيم، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁ به.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا هشيم تفرد به محمود بن العباس.
ومحمود بن العباس هذا قد اتهمه الذهبي في "ميزان الاعتدال" (٤/٧٧) بوضع الحديث، وقال: "له خبر منكر. ثم ذكر هذا الحديث " انتهى.
وقال في "تلخيص العلل المتناهية" (ص/٣٠٧) : باطل.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/١٥٢) : " فيه محمود بن العباس وهو ضعيف "انتهى.
وقال ابن الجوزي: " هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ، تفرد به محمود بن العباس وهو مجهول " انتهى.
فهذا حديث ضعيف جدا، لا يصح بهذا اللفظ عن النبي ﷺ .
٢- وأما حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال:
(ما كان الله ليفتح لعبد باب الدعاء ويغلق عنه باب الإجابة، الله أكرم من ذلك)
فقد جاء من طريقين عن أنس ﵁:
الأولى: عن جعفر بن محمد بن بريق قال حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي قال حدثنا الحسن بن محمد البلخي عن حميد الطويل عن أنس بن مالك ﵁ به.
رواه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (١/٢٤٢) ، وقال: لا أصل له. ذكره ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/١٧١)
وهذا إسناد ضعيف جدا بسبب الحسن بن محمد البلخي، قال فيه العقيلي: منكر الحديث ولا يتابع عليه وليس له أصل.
الثانية: عن عبد الرحمن بن خالد بن نجيح قال: حدثنا حبيب قال: حدثنا محمد بن عمران، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس مرفوعاً لكن بلفظ: (ما أذن الله لعبد في الدعاء حتى أذن له بالإجابة) .
رواه أبو نعيم في "الحلية" (٣/٢٦٣) وقال: "حديث غريب من حديث ربيعة، تفرد به حبيب كاتب مالك عن محمد عنه" انتهى.
وهذا إسناد ضعيف جدا أيضا، بسبب حبيب بن أبي حبيب، فهو متروك، وكذبه بعض أهل العلم، انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٢/١٨٢) ، وعبد الرحمن بن خالد بن نجيح قال فيه الدارقطني: متروك الحديث. انظر "لسان الميزان" (٣/٤١٣) .
ولذلك حكم الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (رقم/٤٤١٦) على هذا الحديث بقوله: موضوع.
٣. وأما حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا فتح على العبد الدعاء فليدع ربه فإن الله يستجيب له) .
فلم نجده بهذا اللفظ عن ابن عمر ﵄، وقد عزاه السيوطي في الجامع الكبير إلى الترمذي، والظاهر أنه يقصد الحكيم الترمذي صاحب "نوادر الأصول"، وليس الإمام أبا عيسى صاحب السنن، وكتب الحكيم الترمذي تتفرد بالموضوعات والمناكير كثيرا، فلا يعول عليها إن لم تذكر فيها الأسانيد الصحيحة.
أما صاحب السنن أبو عيسى الترمذي، فقد روى نحوه عن ابن عمر ﵄ (٣٥٤٨) أن النبي ﷺ قال: (مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ) .
وهذا أيضا حديث ضعيف، قال فيه الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَاّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ القُرَشِيِّ، وَهُوَ الْمَكِّيُّ الْمُلَيْكِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الحَدِيثِ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (١١/١٤٥) : إسناده لين.
وضعفه الألباني في "ضعيف الترمذي".
٤. وأما حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : (أَرْبَعُ خِصَالٍ: وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لِي، وَوَاحِدَةٌ لَكَ، وَوَاحِدَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَوَاحِدَةٌ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ عِبَادِي:
فَأَمَّا الَّتِي لِي: فَتَعْبُدُنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا.
وَأَمَّا الَّتِي لَكَ عَلَيَّ: فَمَا عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ جَزَيْتُكَ بِهِ.
وَأَمَّا الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ: فَمِنْكَ الدُّعَاءُ وَعَلَيَّ الإِجَابَةُ.
وَأَمَّا الَّتِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ عِبَادِي: فَارْضَ لَهُمْ مَا تَرْضَى لِنَفْسِكَ)
رواه أبو يعلى في "المسند" (٥/١٤٣) ، والبزار في مسنده برقم (١٩) "كشف الأستار"، وابن شاهين في "الترغيب في فضائل الأعمال" (رقم/١٥١، ٥٣٣) :
كلهم من طريق صالح المري قال: سمعت الحسن، يحدث عن أنس بن مالك به.
وصالح المري وهو ابن بشير بن وداع، جاء في "تهذيب التهذيب" (٤/٣٨٣) تضعيف عامة المحدثين له، قال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن المديني: ضعيف ضعيف. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث.
قال الهيثمي في "المجمع" (١/٥١) : " في إسناده صالح المري وهو ضعيف، وتدليس الحسن أيضا، والمحمل هنا على صالح بن بشير المري، فهو ضعيف جدا، وقد تفرد به " انتهى.
وقال ابن عدي في "الكامل" (٥/٩٦) : منكر.
فالحاصل أن هذه الأحاديث المسؤول عنها كله ضعيفة لا تصح، ويغني عن هذه الأحاديث الآيات التي ذكرناها، والتي فيها وعد الله تعالى من دعاه بالإجابة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1797
حديث: (تصدق علي ﵁ بخاتمه وهو راكع)
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت أن قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) نزلت في علي بن أبي طالب ﵁ تصدق بخاتمه وهو راكع. فهل هذا الحديث صحيح؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث موضوع، وضعه وروّجه بعض الكذابين، ليثبت به فضيلة لعلي ﵁.
وعلي ﵁ فضائله كثيرة مشهورة لا تحتاج إلى مثل هذا الكذب.
وعند التأمل في هذه الحديث فإنه لا يثبت فضيلة لعلي ﵁.
وقد بَيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال:
"وقد وضع بعض الكاذبين حديثاً مفترى أن هذه الآية نزلت في علي لما تصدق بخاتمه في الصلاة، وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل، وكذبه بَيِّن من وجوه كثيرة:
منها: أن قوله: (الذين) صيغة جمع، وعليّ واحد.
ومنها: أن (الواو) ليست واو الحال، إذ لو كان كذلك لكان لا يسوغ أن يتولى إلا من أعطى الزكاة في حال الركوع، فلا يتولى سائر الصحابة والقرابة.
ومنها: أن المدح إنما يكون بعمل واجب أو مستحب، وإيتاء الزكاة في نفس الصلاة ليس واجباً ولا مستحباً باتفاق علماء الملة، فإن في الصلاة شغلاً.
ومنها: أنه لو كان إيتاؤها في الصلاة حسناً لم يكن فرق بين حال الركوع وغير حال الركوع، بل إيتاؤها في القيام والقعود أمكن.
ومنها: أن علياً لم يكن عليه زكاة على عهد النبي ﷺ .
ومنها: أنه لم يكن له أيضاً خاتم، ولا كانوا يلبسون الخواتم، حتى كتب النبي ﷺ كتاباً إلى كسرى، فقيل له: إنهم لا يقبلون كتاباً إلا مختوماً، فاتخذ خاتماً من وَرِق [فضة] ونقش فيها: محمد رسول الله.
ومنها: أن إيتاء غير الخاتم في الزكاة خير من إيتاء الخاتم، فإن أكثر الفقهاء يقولون: لا يجزئ إخراج الخاتم في الزكاة.
ومنها: أن هذا الحديث فيه أنه أعطاه السائل، والمدح في الزكاة: أن يخرجها ابتداء، ويخرجها على الفور، لا ينتظر أن يسأله سائل.
ومنها: أن الكلام في سياق النهي عن مولاة الكفار والأمر بموالاة المؤمنين، كما يدل عليه سياق الكلام" انتهى.
"منهاج السنة النبوية" (٢/٣٠-٣٢) .
وسئل الشيخ ابن باز ﵀ عن هذا الحديث فقال:
"هذا الحديث ليس بصحيح، ذكره الحافظ ابن كثير في التفسير، وحكم عليه بالضعف؛ لضعف رجال أسانيده، وجهالة بعضهم.. وذكر أنه لم يقل أحد من أهل العلم فيما يعلم بفضل الصدقة حال الركوع. أهـ المقصود.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ منهاج السنة أن الحديث المذكور موضوع.
وبهذا يعلم أن قوله تعالى: (وَهُمْ رَاكِعُونَ) معناها: وهم خاضعون، ذليلون لله تعالى؛ لأن الركوع والسجود يمثلان غاية الذل لله والاستكانة، فالمؤمن يتصدق وهو خاضع لله، لا متكبر، ولا مُدْلٍ بعمله، ولا مراءٍ ولا مُسَمِّع.. والله ولي التوفيق" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٦/٢١٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1798
ما هي الأحاديث التي تصلح دليلا شرعيا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي الأحاديث التي يتم الأخذ بها والاستدلال بها شرعا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأحاديث التي يجب الأخذ بها والاستدلال بها هي الأحاديث المقبولة: الصحيحة أو الحسنة، أما الأحاديث الضعيفة أو المكذوبة فلا يجوز الاستدلال بها على الحكم الشرعي:
قال الإمام الشافعي ﵀ في "الرسالة" (ص/٤٦٣) :
" ويجب أن يقبل الخبر في الوقت الذي ثبت فيه، وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر " انتهى. يعني: متى ثبت الحديث عن النبي ﷺ وجب العمل به.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل:
" سألت أبي عن الرجل يكون عنده الكتب المصنفة، فيها قول رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين، وليس للرجل بَصَرٌ بالحديث الضعيف المتروك، ولا الإسناد القوي عن الضعيف، فيجوز أن يعمل بما شاء ويتخير منها فيفتي به ويعمل به؟
قال: لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح، ويسأل عن ذلك أهل العلم " انتهى.
"إعلام الموقعين" (٤/١٧٩)
وقال الإمام مسلم ﵀:
" اعلم رحمك الله أن صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة، لأنهم الحفاظ لروايات الناس العارفين بها دون غيرهم إذ الأصل الذي يعتمدون لأديانهم: السنن والآثار المنقولة من عصر إلى عصر من لدن نبينا ﷺ إلى عصرنا هذا " انتهى.
"التمييز" (ص/٢١٨)
وقال الإمام السرخسي ﵀:
" ترك العمل بالحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ حرام، كما أن العمل بخلافه حرام " انتهى.
"أصول السرخسي" (٢/٧) .
وقال النووي ﵀:
" قال العلماء: الحديث ثلاثة أقسام , صحيح , وحسن , وضعيف. قالوا: وإنما يجوز الاحتجاج من الحديث في الأحكام بالحديث الصحيح أو الحسن، فأما الضعيف فلا يجوز الاحتجاج به في الأحكام والعقائد، وتجوز روايته والعمل به في غير الأحكام، كالقصص , وفضائل الأعمال , والترغيب والترهيب " انتهى.
"المجموع" (١/٩٨) .
وقال الحافظ ابن رجب ﵀:
" فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان " انتهى.
"فضل علم السلف" (ص/٥٧) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" لا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (١/٢٥٠) .
وقال العلامة زكريا الأنصاري ﵀:
" من أراد الاحتجاج بحديث من السنن أو المسانيد إن كان متأهلا لمعرفة ما يحتج به من غيره فلا يحتج به حتى ينظر في اتصال إسناده وأصول رواته، وإلا فإن وجد أحدا من الأئمة صححه أو حسنه فله تقليده، وإلا فلا يحتج به " انتهى.
"فتح الباقي شرح ألفية العراقي"
وانظر جواب السؤال رقم (١١٥١٢٥) لمعرفة حكم من يرد الحديث الصحيح.
و (٧٩١٦٣) لمعرفة شروط الحديث الصحيح.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1799
الأحاديث الواردة في زواج النبي ﷺ في الجنة من مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وكلثوم أخت موسى ﵇
[السُّؤَالُ]
ـ[نسمع في بعض الأحاديث أن النبي ﷺ سيتزوج في الحياة الآخرة السيدة مريم أم عيسى ﵇، وآسية زوجة فرعون، وكلثوم أخت النبي موسى ﵇. ما هو الثابت من هذا في الأحاديث، وما هو غير الثابت؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جاء في بعض الأحاديث المروية ما يدل على أن النبي محمدا ﷺ سيتزوج في الجنة كلا من السيدة مريم البتول أم عيسى ﵇، وآسية بنت مزاحم زوجة فرعون، وكلثوم أخت موسى ﵇.
ونحن نورد هنا ما ورد من ذلك، مع مناقشتها من حيث القبول أو الرد:
الدليل الأول:
ما جاء في تفسير قوله تعالى: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) التحريم/٥
فقد روي عن بريدة ﵁ في تفسير هذه الآية قوله:
(وعد الله نبيه ﷺ في هذه الآية أن يزوجه، فالثيب: آسية امرأة فرعون، وبالأبكار: مريم بنت عمران)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير" – نقلا عن تفسير ابن كثير (٨/١٦٦) وإلا فلم أقف عليه في المطبوع بين أيدينا من المعجم الكبير - قال: حدثنا أبو بكر بن صدقة، حدثنا محمد بن محمد بن مرزوق، حدثنا عبد الله بن أمية، حدثنا عبد القدوس، عن صالح بن حَيَّان، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه به.
وهذا إسناد ضعيف.
صالح بن حيان: جاء في ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٤/٣٨٦) قول ابن معين فيه: ليس بذاك، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، شيخ، وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن حبان: يروى عن الثقات أشياء لا تشبه حديث الأثبات، لا يعجبنى الاحتجاج به إذا انفرد.
كما جاء عن أبي هريرة ﵁ أنه قال:
(دخل رسول الله ﷺ بمارية القبطية سريته ببيت حفصة بنت عمر، فوجدتها معه ... - فذكر حديثا طويلا، جاء في آخره -:
فوعده من الثيبات آسية بنت مزاحم امرأة فرعون وأخت نوح، ومن الأبكار مريم بنت عمران، وأخت موسى ﵈
رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٣/١٣) قال:
حدثنا إبراهيم، قال حدثنا هشام بن إبراهيم أبو الوليد المخزومي إمام مسجد صنعاء، قال أخبرنا موسى بن جعفر بن أبي كثير مولى الأنصار، عن عمه، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة به.
ثم قال: " لا يروى هذا الحديث عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، تفرد به هشام بن إبراهيم " انتهى.
وهذا إسناد منكر.
موسى بن جعفر جاء في ترجمته في "لسان الميزان" (٦/١١٣) قول الذهبي: " لا يعرف وخبره ساقط " انتهى. ثم قال الحافظ ابن حجر: " ولفظ العقيلي لما ذكره: مجهول بالنقل، لا يتابع على حديثه، ولا يصح.
وأظن أن الذهبي حكم عليه بالبطلان لِما في آخره من الخطأ، وأما قصة مارية فلها طرق كثيرة تشعر بأن لها أصلا " انتهى. وضعفه السيوطي في "الدر المنثور" (٨/٢١٦)
الدليل الثاني:
عن ابن عمر ﵄ قال:
(جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ بموت خديجة فقال: إن الله يقرئها السلام، ويبشرها ببيت في الجنة من قَصَب، بعيد من اللهب، لا نَصَب فيه ولا صَخَب، من لؤلؤة جوفاء، بين بيت مريم بنت عمران، وبيت آسية بنت مزاحم)
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٧٠/١١٧) قال: أخبرنا أبو المظفر بن القشيري، وأبو القاسم زاهر بن طاهر، قالا أنا محمد بن عبد الرحمن، أنا أبو سعيد محمد بن بشر بن العباس التميمي، أنا أبو الوليد محمد بن إدريس الشامي السرخسي، نا سويد بن سعيد، نا محمد بن صالح بن عمر، عن الضحاك ومجاهد، عن ابن عمر به.
وهذا إسناد منكر أيضا، فيه عدة علل:
١- محمد بن صالح بن عمر، قال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (٣/٥٨١) : مجهول.
٢- سويد بن سعيد الحدثاني: ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٤/٢٧٥) وفيها تضعيف كثير من أهل العلم له، وأنه كان يقبل التلقين.
٣- أبو سعيد محمد بن بشر بن العباس (٣٧٨هـ) : ترجم له الذهبي في "تاريخ الإسلام" (٢٦/٦٣٣) وقال: شيخ صالح مسند.
الدليل الثالث:
عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ دخل على خديجة وهي في الموت فقال:
(يا خديجة! إذا لقيت ضرائرك فأقرئيهن مني السلام. فقالت: يا رسول الله، وهل تزوجت قبلي؟ قال: لا، ولكن الله زوجني مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وكلثم أخت موسى)
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٧٠/١١٨) قال: أخبرنا أبو غالب محمد بن عمرو بن محمد الشيرازي بأصبهان، أنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الوهاب المقرئ، نا القاضي أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد البردي إملاء، أنا أبو بكر هلال بن محمد بن محمد بالبصرة، نا محمد ابن زكريا الغلابي، نا العباس بن بكار، نا أبو بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس به.
وهذا إسناد منكر أيضا.
أبو بكر الهذلي: ترجمته في "تهذيب التهذب" (١٢/٤٦) وفيها اتفاق المحدثين على تضعيفه جدا، وأنه أخباري متروك الحديث.
وقال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (٨/١٦٦) : ضعيف أيضا.
الدليل الرابع:
عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
(أُعْلِمتُ أن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران، وكلثم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون. فقلت: هنيئًا لك يا رسول الله)
رواه أبو يعلى – ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٧٠/١١٨) - والطبراني في "المعجم الكبير" (٨/٢٥٨) ، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (٤/٤٥٩) ، وأبو الشيخ في "طبقات المحدثين بأصبهان" (٤/١١٣) وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (رقم/١٤٦٠) ، وابن عدي في "الكامل" (٧/١٨٠) جميعهم من طريق:
عبد النور بن عبد الله، حدثنا يونس بن شعيب، عن أبي أمامة به.
وهذا إسناد موضوع.
عبد النور كذاب، قال العقيلي: " كان غالياً في الرفض، ويضع الحديث خبيثاً " وقال الذهبي: " كذاب " انتهى. ويونس بن شعيب: قال فيه البخاري: "منكر الحديث"، وقال العقيلي: "حديثه غير محفوظ"، وقال ابن حبان في "المجروحين" (٣/١٣٩) : "لست أعرف له من أبي أمامة سماعا، على مناكير ما يرويه في قلتها، كأنه كان المتعمد لذلك، لا يجوز الاحتجاج به بحال". وانظر "لسان الميزان" (٦/٣٣٢)
قال الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٧٠٥٣) : " وهذا إسناد موضوع " انتهى.
الدليل الخامس:
عن عائشة ﵂ قالت:
(دخل علي رسول الله مسرورا، فقال: يا عائشة! إن الله زوجني مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم في الجنة.
قالت: قلت: بالرفاء والبنين يا رسول الله)
رواه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٢/٦٨٣-٦٨٤/٦٠٤-عجالة الراغب المتمني) والديلمي في "مسند الفردوس" (٨٦٢٠) ، قال ابن السني:
أخبرنا أحمد بن إبراهيم المديني بعمان، حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن مسروق، عن عائشة ﵂ به. قال أبو بكر بن السني: كذا كتبته من كتابه.
وهذا إسناد ضعيف؛ فيه تدليس أبي إسحاق السبيعي، وهو من أهل المرتبة الثالثة من المدلسين في تصنيف الحافظ ابن حجر، فلا يقبل حديثه إلا إذا صرح بالتحديث، كما لم نقف على ترجمة لشيخ ابن السني: أحمد بن إبراهيم المديني.
الدليل السادس:
عن سعد بن جنادة قال: قال رسول الله ﷺ :
(إن الله قد زوجني في الجنة مريم بنت عمران، وامرأة فرعون، وأخت موسى)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٦/٥٢) – ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٧٠/١١٨) – قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن ناجية، ثنا محمد بن سعد العوفي، ثنا أبي، ثنا عمي، ثنا يونس بن نفيع، عن سعد بن جنادة به.
وهذا إسناد ضعيف جدا.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/٢١٨) : " رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم " انتهى.
وقال الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٧٠٥٣) : " فيه من يعرف بالضعف ... محمد بن سعد - هو: ابن محمد بن الحسن بن عطية -: قاضي بغداد، وفيه لين، وأبوه سعد مثل يونس بن نفيع؛ لم أجد لهما ترجمة. وعمه هو: الحسين بن الحسن بن عطية؛ قال الذهبي في " المغني ": " ضعفوه ". انتهى.
الدليل السابع:
عن ابن أبي رواد، قال:
(دخل رسول الله ﷺ على خديجة وهي في مرضها الذي توفيت فيه، فقال لها: بالكره مني ما أرى منك يا خديجة، وقد يجعل الله في الكره خيرا كثيرا، أما علمت أن الله قد زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران، وكلثم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون؟ قالت: وقد فعل الله بك ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم. قالت: بالرفاء والبنين)
رواه الطبراني (٢٢/٤٥١) ، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٧٠/١١٩) وأبو نعيم الأصبهاني في "معجم الصحابة" (رقم/٦٧٣٨) ، ورواه ابن الجوزي في "المنتظم في التاريخ" (١/٢٦٧/ ترجمة خديجة) من طريق ثنا الزبير بن بكار، حدثني محمد بن حسن، عن يعلى بن المغيرة، عن بن أبي رواد به.
وهذا سند منقطع معضل.
فإن ابن أبي رواد هو عبد العزيز بن عبد المجيد بن أبي رواد من كبار أتباع التابعين، توفي سنة (١٥٩هـ) وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/٢١٨) : " منقطع الإسناد، وفيه محمد بن الحسن بن زبالة وهو ضعيف " انتهى.
والخلاصة أن الأحاديث الواردة في هذا الباب كلها ضعيفة منكرة، لا يصح منها شيء، ولا تجوز نسبتها إلى النبي ﷺ ، كما لا يجوز الخوض بما جاء فيها، فذلك من الغيب الذي لم يطلعنا الله عليه، ويجب أن نكل أمره إلى الله .
يقول ابن كثير في "البداية والنهاية" (٢/٧٥) بعد أن ساق مجموعة من أحاديث الباب:
" وكل من هذه الأحاديث في أسانيدها نظر " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1800
إشكال حول حديث الأعمى الذي قتل أمَتَه التي تسب النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكنك رجاء أن تشرح لي الخلفية والمبرر لما جاء في حديث سنن أبي داود، حيث قُتل العبد الذي أهان الرسول ﷺ ، قتله سيدُه ولم يعاقَب، هل ذلك بسبب أن الدية لا تدفع للأولياء الكفار الذين يؤذون المسلمين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
القصة المقصودة في السؤال يرويها ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فيقول:
(أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ.
قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ ﷺ وَتَشْتُمُهُ، فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا، وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ فَلَطَّخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَمَعَ النَّاسَ، فَقَالَ:
أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ.
فَقَامَ الْأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا صَاحِبُهَا، كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ)
رواه أبو داود (٤٣٦١) وغيره، وقد سبق في جواب السؤال رقم: (١٠٣٧٣٩) بيان صحة أصل القصة، وأنها جاءت بألفاظ وأحداث مختلفة، تدل بمجموعها على وقوع الحادثة رغم التردد في بعض الجمل والعبارات.
وليس قتل هذه المرأة لأنها ذميّة، بل لأنها سبّت رسول الله ﷺ ، فاستحقت القتل لذلك، ولو كانت مسلمة، كفرت بهذا السب، واستحقت القتل أيضاً.
قال الصنعاني ﵀
" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وَيُهْدَرُ دَمُهُ، فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا كَانَ سَبُّهُ لَهُ ﷺ رِدَّةً فَيُقْتَلُ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ "
سبل السلام (٣/٥٠١)
وسبق ان نقلنا جواب شيخ الإسلام عن الإشكال الواقع في القصة من قتل الأعمى لهذه المرأة- التي استحقت القتل- من دون إذن الإمام. انظر جواب السؤال رقم (١٠٣٧٣٩) .
وفي هذه القصة دليل على العدل الذي كان المسلمون يعاملون به أهل الكتاب، والذي جاءت به الشريعة رحمة للعالمين، فحقوق اليهود المعاهدين مصانة محفوظة، ولا يجوز التعرض لهم بشيء من الأذى والضرر، لذلك لما وجد الناس يهودية مقتولة ضجوا ورفعوا أمرها إلى النبي ﷺ الذي أعطاهم العهد والأمان ولم يكن يأخذ منهم الجزية، فغضب وناشد المسلمين بالله تعالى أن يظهر من فعل تلك الفعلة، لينظر في عقابه ويقضي في أمره، ولكن لَمَّا عَلِمَ أنها نقضت العهد مرات ومرات بأذاها لرسول الله ﷺ ووقوعها فيه، حُرمت جميع حقوقها، واستحقت حد القتل الذي توجبه الشريعة على كل من يسب النبي ﷺ ، سواء كان مسلما أو ذميا أو معاهدا، فإن التعرض لمقام الأنبياء كفر بالله العظيم، ونقض لكل حرمة وحق وعهد، وخيانة عظمى توجب أشد العقوبات.
انظر " أحكام أهل الذمة " (٣/١٣٩٨) ، وفي موقعنا جواب السؤال رقم: (٢٢٨٠٩)
هذا هو التوجيه الصحيح، والفهم السليم للقصة، وليس كما ينشره كثير من الحاقدين الطاعنين في حكم الشريعة وشخص النبي ﷺ ، فهو ﷺ لم يختر قتلها بهذه الطريقة، ولكنها لما استحقت القتل حدا لنقضها العهد ووقوعها في النبي ﷺ ، لم يقتص من قاتلها، فقد كانت تُسمعه من شتم النبي ﷺ الشيء الكثير، مرات ومرات، حتى كان ينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر، إلى أن طفح الكيل به فلم يصبر حتى أسكت صوتها الذي يؤذيه في دينه ونبيه.
وأما قتل الذمي بغير حقّ، فهو كبيرة من الكبائر، والوعيد فيه شديد، كما ثبت في صحيح البخاري (٣١٦٦) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) ، وترجم عليه الإمام البخاري في صحيحه: باب إثم من قتل معاهداً بغير جرم.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: " كَذَا قَيَّدَهُ فِي التَّرْجَمَة، وَلَيْسَ التَّقْيِيد فِي الْخَبَر، لَكِنَّهُ مُسْتَفَاد مِنْ قَوَاعِد الشَّرْع، وَوَقَعَ مَنْصُوصًا فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة الْآتِي ذِكْرُهَا بِلَفْظِ " بِغَيْرِ حَقّ " وَفِيمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرَة بِلَفْظِ " مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدَة بِغَيْرِ حِلِّهَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَنَّة " اهـ
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1801
حديث ضعيف فيه دعاءٌ يُقبِلُ بالدنيا على العبد
[السُّؤَالُ]
ـ[أرغب في معرفة صحة هذا الحديث: عن ابن عمر ﵄ أن رجلا قال: يا رسول الله! إن الدنيا أدبرت عني وتولت. فقال له رسول الله ﷺ : (فأين أنت من صلاة الملائكة، وتسبيح الخلائق، وبه يرزقون؟ قل عند طلوع الفجر: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، أستغفر الله، مائة مرة، تأتيك الدنيا صاغرة) فولى الرجل، فمكث ثم عاد فقال: يا رسول الله! لقد أقبلت علي الدنيا فما أدري أين أضعها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث ضعيف، لا يصح عن النبي ﷺ .
رواه الديلمي في "مسند الفردوس" (٣٧٣١) ، ونقله الحافظ في "لسان الميزان" وقال: أخرجه الدارقطني في "الرواة عن مالك"، وعزاه السيوطي في "الخصائص الكبرى" (٢/٢٦٢) للخطيب البغدادي في "رواة مالك".
وقال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" (٣/٤٣٤) في ترجمة عبد الرحمن بن محمد اليحمدي، ويقال التميمي: " شيخ مجهول، روى عنه أحمد بن محمد بن غالب المعروف بغلام خليل وهو تالف، وأخرج الدارقطني في " الرواة عن مالك " عن داود بن حبيب، عن أحمد بن محمد بن غالب، عنه، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رجل: يا رسول الله! وذكر الحديث
قال الحافظ ابن حجر: وأخرجه الخطيب من طريق أبي الفتح الأزدي، عن عبد الله بن غالب، عن غلام خليل، عن عبد الرحمن بن محمد التميمي به.
وأخرج من طريق أبي حمة محمد بن يوسف، عن يزيد بن أبي حكيم، عن إسحاق بن إبراهيم الطهوي، عن مالك نحوه، وقال: لا يصح عن مالك، ولا أظن إسحاق لقي مالكا. وقد رواه جماعة بأسانيد كلها ضعاف " انتهى باختصار.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أدعية كثيرة فيها سؤال الغنى، والبركة في الرزق، فليدع المسلم بها ويجتنب الأحاديث الضعيفة، منها:
١- عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ مُكَاتَبًا جَاءَهُ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأَعِنِّي، قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَيْنًا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ؟ قَالَ: قُلْ: (اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ) رواه الترمذي (٣٥٦٣) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
٢- روى الترمذي (٣٥٠٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُ دُعَاءَكَ اللَّيْلَةَ، فَكَانَ الَّذِي وَصَلَ إِلَيَّ مِنْهُ أَنَّكَ تَقُولُ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي، وَبَارِكْ لِي فِيمَا رَزَقْتَنِي. قَالَ: فَهَلْ تَرَاهُنَّ تَرَكْنَ شَيْئًا؟) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي
٣- وفي دعاء القنوت المشهور: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ) رواه الترمذي (٦٤٦) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
ولتعلم أخي السائل أن الغنى الحقيقي هو غنى النفس، وليس كثرة المال، روى البخاري (٦٤٤٦) ومسلم (١٠٥١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1802
حديث أم سلمة فيمن لم يطف طواف الإفاضة يوم العيد حتى غربت الشمس
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت أن طواف الإفاضة لا بد أن يكون يوم العيد قبل غروب الشمس، وأن من لم يطف قبل غروب الشمس فإنه يرجع إلى الإحرام مرة أخرى ولا يجوز له لبس المخيط ولا التطيب.. حتى يطوف. فهل هذا صحيح؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قد ورد في ذلك حديث رواه أحمد (٢٥٣٢١) وأبو داود (١٧٠٨) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أن رسول الله ﷺ قال مساء يوم النحر: (إِنَّ هَذَا يَوْمٌ رُخِّصَ لَكُمْ إِذَا أَنْتُمْ رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ أَنْ تَحِلُّوا يَعْنِي مِنْ كُلِّ مَا حُرِمْتُمْ مِنْهُ إِلَّا النِّسَاءَ، فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفُوا هَذَا الْبَيْتَ صِرْتُمْ حُرُمًا كَهَيْئَتِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطُوفُوا بِهِ) .
إلا أن هذا الحديث ضعفه أكثر العلماء، وحُكي الإجماع على عدم العمل به.
وقد سئل الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ عن هذا الحديث، فأجاب:
"سؤالكم عن حديث أم سلمة ﵂ أن من لم يطف طواف الإفاضة قبل غروب الشمس من يوم العيد عاد محرماً.
أفيدكم بأنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة، ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك من وجوه:
الأول: من جهة سنده، فإن مداره عند الإمام أحمد وأبي داود وابن خزيمة على محمد بن إسحاق صاحب السير المعروف، قال: أخبرنا أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه وعن أمه عن أم سلمة ﵂، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إذا أنتم أمسيتم قبل أن تطوفوا بهذا البيت عدتم حرماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به) .
فأما ابن إسحاق ففي مفاريده بعض النكارة، فقد سئل الإمام أحمد عن الحديث ينفرد به ابن إسحاق تقبله؟ قال: لا والله. وقال محمد بن يحيى: حسن الحديث عنده غرائب. وقال الدارقطني: اختلف الأئمة فيه، وليس بحجة، وإنما يعتبر به اهـ "تهذيب" (٩/٣٩-٤٦) . ولعل هذا الحديث من مفاريده المنكرة.
وأما أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة فقال فيه في "التقريب" (٢/٤٤٨) : مقبول من الثالثة. وقال فيه في "المحلي" (٧/١٤٢) : ليس معروفاً بنقل الحديث، ولا معروفاً بالحفظ، ولو صح يعني: حديث أم سلمة لقلنا به مسارعين إلى ذلك.
وقد أخرج الطحاوي في شرح "معاني الآثار" (٢/٢٢٨) نحو حديث أم سلمة لكنه عن طريق عبد الله بن لهيعة، قال فيه في "التقريب" (١/١٤٤) : صدوق من السابعة خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما اهـ قلت: وقد ضعفه بعض الحفاظ مطلقاً، وبعضهم فيما روى عنه غير العبادلة.
فإذا كان هذا سند الحديث لم يروه إلا من في روايتهم نظر ومقال، وأعرض عنه الأئمة الكبار من نقلة الحديث وحفاظه من رجال البخاري ومسلم وأمثالهم مع أنه في أمر تعم البلوى به، وتتوافر الدواعي على نقله، كان ذلك دليلاً على أنه لا أصل له.
الوجه الثاني: من جهة متنه، فمتنه شاذ، لأن الأحاديث في الصحيحين وغيرهما ظاهرة متضافرة في أن التحلل الأول يحصل قبل الطواف بالبيت، بدون قيد وقوعه قبل الغروب، مثل قول عائشة ﵂: (كنت أطيب النبي ﷺ لحله قبل أن يطوف بالبيت) ولا يمكن أن تقيد بمثل هذا الحديث الشاذ، ولهذا قال الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢/٢٢٩) لما ذكر حديث عائشة ﵂: "فقد عارض ذلك حديث ابن لهيعة الذي بدأنا بذكره في هذا الباب، فهذه أولى، لأن معها من التواتر وصحة المجيء ما ليس مع غيرها مثله " اهـ.
الوجه الثالث: من جهة العمل به، إذ لم يعمل به من الأمة [من] أئمتها وعلمائها إلا نفر قليل من الصحابة. إن صح النقل عنهم. فقد قال الطبري في كتابه "القرى لقاصدي أم القرى" (ص٤٧٢) حين ذكر الحديث: "وهذا حكم لا أعلم أحداً قال به" اهـ. ونقل النووي في "شرح المهذب" (٨/١٦٥) عن البيهقي قوله: "لا أعلم أحداً من الفقهاء قال به. قلت (النووي) : فيكون منسوخاً، دل الإجماع على نسخه، فإن الإجماع لا يَنْسخ ولا يُنْسخ، لكن يدل على ناسخ اهـ فوافق البيهقيَّ النوويُّ على نفي العلم بالمخالف، بل جعله إجماعاً دالاً على نسخ الحديث، يعني: لأن الأمة لم تعمل به، لكن في كلام النووي ﵀ نظر، لأن دعوى النسخ تستلزم ثبوت المنسوخ، والحديث لم يثبت أصلاً حتى يدعى فيه النسخ.
هذا وقد نقل بعض الناس عن عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة أنه قال به ولعله فهم ذلك من قوله فيما نقله عنه الطبري في كتابه "القرى" (ص٤٧٠) إنه لا يحل الطيب لمن لم يطف بالبيت بعد عرفة وإن قصر. أخرجه سعيد بن منصور. وإنما قلت ذلك لأنه يبعد جداً أن يكون عروة بن الزبير قال بمقتضى حديث أم سلمة ثم يخفى قوله على مثل الطبري والبيهقي.
وعلى هذا؛ يكون معنى قول عروة: إنه لا يحل له الطيب حتى يطوف بالبيت، وهذا قول مشهور والنزاع في هذا معروف، والفرق بينه وبين مقتضى حديث أم سلمة بل صريحة أن حديث أم سلمة يدل على أنه يحل قبل الطواف بالبيت لكن إن أخر الطواف عن غروب الشمس يوم العيد عاد محرماً.
أما ما نقله الطبري عن عروة فيدل على توقف حل الطيب على الطواف وبين هذا وذاك فرق ظاهر.
الوجه الرابع:
أن مقتضاه مخالف لمقتضى الأصول الشرعية والقواعد المرعية، فإن مقتضاها أن العامل متى حل من العبادة لم يعد إليها إلا بنية جديدة، وهذا مما يضعف ثبوت الحديث، ولو ثبت لكان القول به واجباً، وكل قاعدة لها مستثنيات" انتهى من فتوى مكتوبة بخط الشيخ ﵀ بتاريخ ٥/١٢/١٤١٥هـ.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1803
ما هو الشيء الذي في الجنة يوجد في الكعبة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو الشيء الذي في الجنة يوجد في الكعبة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا نعرف شيئاً في الكعبة ورد في السنة النبوية أنه من الجنة إلا شيئين:
١- الحجر الأسود، وقد ورد ذلك من حديث ابْن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (نَزَلَ الحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الجَنَّةِ، وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ) رواه الترمذي (٨٧٧) .
قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه ابن خزيمة (٤/٢١٩) ، والضياء المقدسي في "المختارة" (١٠/٢٦٠) ، وحسنه ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (٥/٧٣٢) ، والحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٣/٥٤٠) ، والألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٦١٨) .
وجاء من قول ابن عباس وابن عمرو وغيرهما أيضا، انظر "مصنف ابن أبي شيبة" (٤/٣٥) ، ومن قول أنس ﵁ في "مسند أحمد" (٣/٢٧٧) .
وانظر جواب السؤال رقم: (١٩٠٢) ، (٢١٤٠٢) ، (٤٥٦٤٣) .
٢- مقام إبراهيم: وقد ورد ذلك في حديث عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ الرُّكْنَ وَالمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الجَنَّةِ، طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَا لأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ) .
جاء من طريق مسافع بن شيبة الحجبي عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وقد رواه عن مسافع جماعة من الرواة على وجهين:
أ- موقوفا من كلام عبد الله بن عمرو بن العاص:
كذا رواه الزهري وشعبة، كما ذكره أبو حاتم في "العلل" (١/٣٠٠) دون أن يورد الأسانيد. ب- مرفوعا من كلام النبي ﷺ :
رواه رجاء أبو يحيى عن مسافع.
كما في "مسند أحمد" (٢/٢١٣) ، وسنن الترمذي (٨٧٨) ، وصحيح ابن خزيمة (٤/٢١٩) وصحيح ابن حبان (٩/٢٤) ، ومستدرك الحاكم (١/٦٢٧) .
ورجاء هو ابن صبيح الحَرَشي، قال فيه ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وقال ابن خزيمة: لست أعرف أبا رجاء هذا بعدالة ولا جرح، ولست أحتج بخبر مثله.
وقد وثقه الإمام البخاري وابن حبان، وقد اختار توثيقهما الشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند.
انظر: "تهذيب التهذيب" (٣/٢٦٨) .
ورواه مرفوعا أيضا:
شبيب بن سعيد الحبطي، وأيوب بن سويد، عن يونس بن يزيد، عن الزهري عن مسافع، الأول عند البيهقي في "السنن الكبرى" (٥/٧٥) ، والثاني عند ابن خزيمة في "صحيحه" (٤/٢١٩) ، والحاكم في "المستدرك" (١/٦٢٦) ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (٥/٧٥) ، وهذا السند صحيح، فإن شبيب بن سعيد ثقة، وثقة ابن المديني.
انظر ترجمة في: "تاريخ بغداد" (١١/٣٢٩) و "تاريخ الإسلام" (٢٨/٣٨١) .
وقد صححه النووي في "المجموع" (٨/٣٦) وقال: صحيح على شرط مسلم. وابن تيمية في "المناسك من شرح العمدة" (٢/٤٣٤) ،.
وقال الألباني في تحقيقه لصحيح ابن خزيمة (٢٧٣١) : إسناده حسن لغيره، فإن أيوب بن سويد سيء الحفظ، وقد تابعة شبيب بن سعيد الحبطي عند البيهقي، وهو ثقة، عن رواية ابنه أحمد عنه، فإسناده صحيح. انتهى.
وقال عنه شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لابن حبان (٣٧١٠) : حديث حسن لغيره، وصححه الألباني أيضاً في صحيح الترمذي (٨٧٨) .
وقد صححه الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تحقيقه المسند (٧٠٠٠) وأطال في تخريجه.
وقد اختار محققو مسند الإمام أحمد أن الأصح وقفه على عبد الله بن عمرو ﵄، وأن إسناد المرفوع ضعيف، وكأن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في "فتح الباري" (٣/٥٤٠) يميل إلى هذا القول.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1804
هل ذكرت أم المؤمنين صفية بنت حيي في قصة الشاة المسمومة التي أهديت إلى النبي صلى لله عليه وسلم في خيبر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل للسيدة صفية أم المؤمنين دخل من قريب أو بعيد فى سم الشاة التي قدمت إلى الرسول الكريم ﷺ ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قصة الشاة المسمومة التي أهديت للنبي ﷺ في خيبر ثابتة في السيرة الصحيحة، وقد جاءت في سياقات متعددة، أشهرها سياقان اثنان:
الأول: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضى الله عنه أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِىءَ بِهَا، فَقِيلَ: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا. فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِى لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
رواه البخاري (٢٦١٧) ومسلم (٢١٩٠) كلاهما من طريق خالد بن الحارث، حدثنا شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس به. يقول النووي: (لهوات) : جمع لهاة، هي اللحمة الحمراء المعلقة في أصل الحنك، كأنه بقي للسم علامة وأثر من سواد أو غيره.
والثاني: رواه الإمام البخاري ﵀ في صحيحه (رقم/٣١٦٩) : عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ:
(لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِىِّ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : اجْمَعُوا إِلَىَّ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ. فَجُمِعُوا لَهُ: فَقَالَ: إِنِّى سَائِلُكُمْ عَنْ شَىْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِىَّ عَنْهُ. فَقَالُوا: نَعَمْ. قَالَ لَهُمُ النَّبِىُّ ﷺ : مَنْ أَبُوكُمْ؟ قَالُوا: فُلَانٌ. فَقَالَ: كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ. قَالُوا: صَدَقْتَ. قَالَ: فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِىَّ عَنْ شَىْءٍ إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ. فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِى أَبِينَا.
فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ أَهْلُ النَّارِ. قَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : اخْسَئُوا فِيهَا، وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا. ثُمَّ قَالَ: هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِىَّ عَنْ شَىْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. قَالَ: هَلْ جَعَلْتُمْ فِى هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا. قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ)
وليس في هاتين الروايتين – كما ترى – أي ذكر لأم المؤمنين صفية بنت حيي ﵂.
وإنما ورد ذكرها في سياق آخر يرويه ابن شهاب الزهري فيقول:
(لما فتح رسول الله ﷺ خيبر، وقتل من قتل منهم، أهدت زينب بنت الحارث اليهودية - وهي ابنة أخي مرحب - لصفية شاة مصليَّةً وسمَّتها وأكثرت في الكتف والذراع؛ لأنه بلغها أنه أحب أعضاء الشاة إلى رسول الله ﷺ ، فدخل رسول الله ﷺ على صفية ومعه بشر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة، فقدمت إليهم الشاة المصلية، فتناول رسول الله ﷺ الكتف وانتهش منها، وتناول بشر بن البراء عظما فانتهش منه، فلما استرط رسول الله ﷺ لقمته استرط بشر بن البراء ما في فيه، فقال رسول الله ﷺ : ارفعوا أيديكم، فإن كتف هذه الشاة يخبرني أن قد بُغِيتُ فيها. فقال بشر بن البراء: والذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت، فما منعني أن ألفظها إلا أني أعظمت أن أنغصك طعامك، فلما أسغت ما في فيك، لم أكن أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا تكون استرطتها وفيها بغي. فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه مثل الطيلسان، وماطله وجعه حتى كان لا يتحول إلى ما حول)
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٤/٣٦٠) قال:
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو جعفر البغدادي، قال: حدثنا أبو علاثة، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا أبو الأسود، عن عروة بن الزبير.
وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب، قال: حدثنا القاسم الجوهري، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن عمه موسى بن عقبة.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: حدثنا محمد بن فليح، قال: حدثنا موسى بن عقبة
- وهذا الإسناد مرسل، فالزهري من أئمة التابعين، توفي سنة (١٢٥هـ) ، ولا يُدرى عمن يروي القصة بهذا السياق، وهو كثير الإرسال، وقد استضعف العلماء مراسيله حتى كان يحيى بن سعيد القطان لا يعدها شيئا.
- ثم إن في الطريق إلى الزهري بعض الضعفاء كابن لهيعة، ومحمد بن فليح، واسماعيل بن أبي أويس، وكلهم في تراجمهم من الطعن والتضعيف ما يوجب الشك والتردد.
- ومما يدل على عدم الوثوق بالتفاصيل المذكورة هنا أيضا الاختلاف الواقع في مرويات الزهري لهذه القصة، مما يغلب على الظن أن الوهم فيها من شيوخ الزهري الذين أخذها عنهم وطوى ذكرهم، ويمكن مراجعة جميع روايات الزهري في هذا الأمر في كتاب "مرويات الإمام الزهري في المغازي" للدكتور محمد العواجي (٢/٦٣٦-٦٤٦)
وعلى كل حال، فلو ثبت هذا السياق فمعناه أن المرأة اليهودية أهدت الشاة المسمومة إلى النبي ﷺ ليأكل منها في بيت أم المؤمنين صفية بنت حيي ﵂، ولو كان لها ﵂ علم بما فعلته تلك المرأة لجاء الوحي بذلك إلى النبي ﷺ كما جاءه بخبر السم الموجود في كتف الشاة، ولكنها ﵂ كانت راغبة في الإسلام، مقبلة على الدين الجديد، مستبشرة بزواج النبي ﷺ منها، وفي سيرتها من كتب التراجم ما يدل على عظيم غبطتها بزواج النبي ﷺ منها بعد إسلامها مباشرة، يمكن مراجعتها في "الإصابة" لابن حجر (٧/٧٣٩)
وتأمل معي، أخي السائل، ذلك المقام العالي، الذي أنزلها فيه رسول الله ﷺ ، وتعلم منه أدب الذبّ عن أهل بيت رسول الله وحريمه، ومن تكون صفيّة الحسيبة النسيبة:
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَلَغَ صَفِيَّةَ أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ: إِنِّي ابْنَةُ يَهُودِيٍّ، فَبَكَتْ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ: مَا شَأْنُكِ؟ فَقَالَتْ: قَالَتْ لِي حَفْصَةُ إِنِّي ابْنَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّكِ ابْنَةُ نَبِيٍّ وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا حَفْصَةُ) رواه أحمد (١١٩٨٤) والترمذي (٣٨٩٤) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1805
حديث (تسبيح التمر في بطن من أكله) لا أصل له
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة هذا حديث الذي في معناه: أنه مَن تَصَبَّحَ بسبع تمرات سبَّحْنَ في بطنه طول اليوم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أبواب الأطعمة من أكثر الأبواب التي كُذِبت فيها الأحاديث، واختُلِقت فيها الآثار، فقد عمد الكذابون إلى أشياء من حِكم الطب وتجارب العلاج فصيروها أحاديث مرفوعة، كما استغل بعضهم شهرة بعض الأطعمة ليضع في الترغيب فيها أقوالا سمجة تدل على جهل واضعها، بل هناك مِن الكذابين مِن التجار مَن وضع أحاديث للترويج لبعض الأطعمة التي يبيعها، فنصبوا بذلك أنفسهم خصوما للنبي ﷺ يوم القيامة، ومن كان خصمه رسول الله ﷺ فقد خاب وخسر وتبوأ مقعده من النار.
والتمر واحد من أنواع الطعام التي كثرت فيها الأحاديث المكذوبة، حتى وضع أحدهم حديثا فيه أن التمر يقرب إلى الله ويباعد من النار، وعقد ابن الجوزي في كتابه " الموضوعات " أبوابا كثيرة في هذا الموضوع (٣/٢٢-٢٨) ، منها باب خاص في أكل التمر على الريق، فقد اشتهر بين الأطباء قديما أن التمر على الريق يقتل الدود، فنسب بعضهم ذلك إلى النبي ﷺ كذبا وزورا.
ولم نقف – بعد البحث الطويل – على حديث مسند مرفوع إلى النبي ﷺ يدل على تسبيح التمر في بطن ابن آدم، وإن كان كل شيء يسبح بحمده سبحانه، كما قال : (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) الإسراء/٤٤
ولكن لم يرد – حسب علمنا - في خصوص فضيلة سبع تمرات على الريق هذا الشيء، ولعل أقرب لفظ لهذا المعنى ما تذكره بعض الكتب هكذا معلقا من غير إسناد أن النبي ﷺ يقول: (عَلَيْكُمْ بِالتَّمْرِ الْبَرْنِيِّ فَكُلُوهُ فَإِنَّهُ يُسَبِّحُ فِي شَجَرِهِ وَيَسْتَغْفِرُ لِآكِلِهِ) ولكن لم نقف على سند لهذا الحديث، فلا تجوز نسبته إلى النبي ﷺ ، والكتب التي تذكره هي من مظان الحديث الضعيف والمكذوب، ككتاب " عرائس المجالس في قصص الأنبياء " لمؤلفه أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري الثعلبي أو الثعالبي المتوفى سنة (٤٢٧هـ) .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة" (٧/٥) :
" أجمع أهل العلم بالحديث أن الثعلبي يروي طائفة من الأحاديث الموضوعات، ولهذا يقولون هو كحاطب ليل، مع أن الثعلبي فيه خير ودين، لكنه لا خبرة له بالصحيح من الأحاديث زيادة، ولا يميز بين السنة والبدعة في كثير من الأقوال " انتهى باختصار.
وأما الصحيح في هذا الباب فأشهره حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ)
رواه البخاري (٥٧٦٩) ومسلم (٢٠٤٧)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1806
ذكر كلمة التوحيد سبعين ألف مرة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل صحيح أنني إذا قلت " لا إله إلا الله محمد رسول الله " سبعين ألف مرة يغفر لي كل ذنوبي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم يرد تخصيص الذكر بـ " لا إله إلا الله محمد رسول الله " سبعين ألف مرة في حديث عن النبي ﷺ ، فلا ينبغي اعتقاد نسبته إلى الدين، ولا يجوز تعليمه الناس على أنه من كلام النبي الكريم ﷺ ، ولم نجده إلا في كلام ابن عربي (ت ٦٣٨هـ) صاحب كتاب " فصوص الحكم " المليئ بالغلو إلى حد الكفر وهدم الشريعة، فقد قال في " الفتوحات المكية":
" والذي أوصيك به أن تحافظ على أن تشتري نفسك من الله بعتق رقبتك من النار، بأن تقول:
(لا إله إلا الله) سبعين ألف مرّة، فإن الله يعتق رقبتك بها من النار أو رقبة من تقولها عنه من الناس، ورد في ذلك خبر نبوي " انتهى.
وتابع ابن عربي على العمل بهذا جمع من الصوفية، واستأنسوا بالمروي فيه، مع اعتراف بعضهم بضعفه، انظر: حاشية تحفة المحتاج (٦/١٥٨) ، وبريقة محمودية شرح طريقة محمدية (٢/٤٥٩) .
ونحن لا ننكر أن يكون لكلمة التوحيد فضل وأجر عظيم، بل هي سبب نجاة العبد يوم القيامة، وأثقل ما يوضع في الميزان، وقد قال رسول الله ﷺ :
(مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَاّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) رواه البخاري (١٢٨) ومسلم (٣٢) .
وانظر: (١٤٦٠٨) .
إلا أن الذي ننكره أن يخصص الذكر بالشهادتين بهذا العدد، سبعين ألف مرة، وأن ينسب إلى النبي ﷺ هذا الفضل الخاص.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – كما في "مجموع الفتاوى" (٢٤/٣٢٣) :
عمَّن (هلَّلَ سبعين ألف مرة وأهداه للميت يكون براءة للميت من النار) حديث صحيح؟ أم لا؟ وإذا هلل الإنسان وأهداه إلى الميت يصل إليه ثوابه أم لا؟
فأجاب:
" إذا هلل الإنسان هكذا: سبعون ألفا، أو أقل، أو أكثر، وأهديت إليه نفعه الله بذلك، وليس هذا حديثا صحيحا ولا ضعيفا " انتهى.
ونقل المقري أيضا في "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" (٢/٥٥) عن الحافظ ابن حجر إنكار كونه حديثا أيضا، ولكني لم أقف عليه في كتبه ﵀.
وقد سبق في موقعنا بيان ضوابط الذكر المشروع من الذكر المبتدع، يمكن الاستفادة منها في الأرقام الآتية: (٢٢٤٥٧) ، (٤٧٠٧٣) .
كما يمكن الاستفادة من الجواب رقم: (١٣٦٩٣) وفيه ذكر أسباب أخرى لتكفير الذنوب.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1807
دعاء (اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله)
[السُّؤَالُ]
ـ[أردت السؤال عن صحة هذا الدعاء: (اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيدا فقربه، وإن كان قريبا فيسره، وإن كان قليلا فكثره، وإن كان كثيرا فبارك لي فيه) ، وإن كان صحيحا فهل يقال في ظرف أو وقت معين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم يثبت هذا الدعاء في كتب السنة والأثر عن نبي الله ﷺ ، ولم يرد من قول أحد الصحابة أو التابعين، وإنما هو دعاء أعرابية مجهولة سمعها بعض أهل العلم تدعو به في عرفات.
فقد روى الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم" بسنده (ص/٧٢٧) : " عن الأصمعي قال:
" سمعت أعرابية بعرفات وهي تقول: اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان نائيا فقربه، وإن كان قريباً فيسره " انتهى.
وكذا نقله الجاحظ في "البيان والتبيين" (٥١٧) ، والزمخشري في "ربيع الأبرار" (١٧٨) وغيرهم.
والمراد من هذا الدعاء، من حيث الجملة، تحقيق حصول الرزق، وتيسير وصوله، وهو أمر لا حرج فيه، وإن كنا نرى في هذا الدعاء نوعا من التكلف، والتشقيق في المسألة، وهو خلاف أكمل الهدي، هدي محمد ﷺ ، وأصحابه من بعده، فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنْ الدُّعَاءِ وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ) رواه أحمد (٢٧٦٤٩) وأبو داود (١٤٨٢) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع.
والمراد بجوامع الدعاء: " الْجَامِعَة لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَهِيَ مَا كَانَ لَفْظه قَلِيلًا وَمَعْنَاهُ كَثِيرًا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار) ، وَمِثْل الدُّعَاء بِالْعَافِيَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
وَقَالَ عَلِيّ الْقَارِيّ: وَهِيَ الَّتِي تَجْمَعُ الْأَغْرَاض الصَّالِحَة، أَوْ تَجْمَعُ الثَّنَاء عَلَى اللَّه تَعَالَى وَآدَاب الْمَسْأَلَة " انتهى.
"عون المعبود شرح سنن أبي داود" (٤/٢٤٩) .
وعَنْ ابْنٍ لِسَعْد بن أبي وقاص، أَنَّهُ قَالَ: (سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَبَهْجَتَهَا وَكَذَا وَكَذَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ النَّارِ وَسَلَاسِلِهَا وَأَغْلَالِهَا وَكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ) ؛ فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ؛ إِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَ الْجَنَّةَ أُعْطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الْخَيْرِ، وَإِنْ أُعِذْتَ مِنْ النَّارِ أُعِذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الشَّرِّ!!) رواه أحمد (١٤٨٦) وأبو داود (١٤٨٠) ، وصححه الألباني.
وقد كان من دعائه ﷺ أن يقول:
(اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنْ الْفَقْرِ) رواه مسلم (٢٧١٣) .
وعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ مُكَاتَبًا جَاءَهُ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأَعِنِّي؟! قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَيْنًا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ؟! ، قَالَ: قُلْ: (اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ) رواه الترمذي (٣٥٦٣) ، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
وانظر: تصحيح الدعاء، للشيخ بكر أبو زيد، ص (٦١-٦٣) .
فأين هذا كله من تشقيق دعاء الأعرابي هذا؟! .
فالذي نختاره لك، ويختاره كل عاقل، دعاء النبي ﷺ وهديه، فإن عرضت لك حاجة من حوائج الدنيا والآخرة، فادع بما تحب من قضاء حاجتك، وتيسير أمرك، وليس من شرط ذلك أن يكون الدعاء بعينه مأثورا محفوظا، بل إن كان في المأثور عن النبي ﷺ حاجتك ومسألتك، فبها ونعمت، وهو الأكمل، وإلا فادع بما تحب من خير الدنيا والآخرة.
فإن أبيت إلا أن تدعو بهذا الدعاء، فليكن ذلك في المرة بعد المرة، ولا تجعله وردا دائما لك، ولا هديا ملازما، لكن من غير نسبته إلى النبي ﷺ ، وعدم اعتقاد أفضليته، ولا تخصيصه بزمان أو مكان أو عبادة.
وقد وقع بعض متأخري فقهاء الشافعية في هذا الخطأ، فذكروا هذا الدعاء فيما يسن في صلاة الضحى، وقالوا:
" يسن أن يدعو في صلاة الضحى بهذا الدعاء:
اللهم إن الضحى ضحاؤك، والبها بهاؤك، والجمال جمالك، والقوة قوتك، والقدرة قدرتك، والعصمة عصمتك، اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن ان في الأرض فأخرجه، وإن كان معسرا فيسره، وإن كان حراما فطهره، وإن كان بعيدا فقربه، بحق ضحائك وبهائك وجمالك وقوتك وقدرتك، آتني ما آتيت عبادك الصالحين " انتهى.
ذكره الدمياطي البكري في "حاشية إعانة الطالبين" (١/٢٩٥) ، وحاشية الطبلاوي على "تحفة المحتاج" (٢/٢٣١) ، وحاشية الجمل (١/٤٨٥) .
فخصصوا هذه الجمل في عبادة معينة من غير دليل من الكتاب والسنة، وزادوا في جمل الدعاء كلمات تضم مخالفات وتجاوزات، كقوله (بحق ضحائك) ، ولا يعلم أن للضحى حق وجاه يسأل الله به.
فالحق أن دعوى استحباب هذا الدعاء في صلاة الضحى فتح لباب البدعة والإحداث في الدين، وليس هو من هدي الفقهاء المتقدمين الراسخين، ولا من عمل السلف الصالحين، فينبغي الحذر منه، وبيان كذب نسبته إلى السنة النبوية.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1808
حديث مكذوب في فضل سبحان الله والحمد لله
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد أن أعرف مدى صحة الحديث القائل بأنه: إن قال قائل سبحان الله تزرع له نخلة في الجنة، فإن قال الحمد لله تكون أوراقها ملائكة يسألون الله لك المغفرة حتى يوم القيامة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
جاء في الحديث الصحيح في فضل التسبيح أنها كلمةٌ تُغرس بها نخلة في الجنة.
فعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الجَنَّةِ)
رواه الترمذي (٣٤٦٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي الزبير عن جابر. وقال المنذري (٢/٣٤٧) : إسناده جيد. وحسنه الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" (١/١٠٤) ، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (حديث رقم/٦٤)
ثانيا:
أما الأحاديث الواردة في بيان صورة النخلة التي تغرسها كلمة " سبحان الله "، وتفصيل أوراقها وأغصانها، فلم يصح منها شيء، وقد ورد فيها ثلاثة أحاديث مرفوعة – بحسب ما وقفنا عليه – كلها شديدة الضعف أو مكذوبة، وهذا بيان ذلك:
الحديث الأول:
عن ابن عمر ﵄ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فشكا إليه فقرا أو دينا في حاجة. فقال له رسول الله ﷺ :
(فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق وبها ينزل الله الرزق من السماء؟
قال ابن عمر: فقلت: وما ذاك يا رسول الله؟
قال فاستوى رسول الله ﷺ قاعدا، وكان متكئا، فقال:
يا ابن عمر! تقول من طلوع الفجر إلى صلاة الصبح: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، وأستغفر الله، مائة مرة، تأتيك الدنيا راغمة ذاخرة، ويخلق الله من كل كلمة تقولها ملكا يسبح له، لك ثوابه إلى يوم القيامة)
جاء هذا الحديث من طرق ثلاثة، كلها كذب موضوعة:
١- من طريق إسحاق بن إبراهيم الطبري، عن عبد الله بن الوليد العدني، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر به.
رواه ابن حبان في "المجروحين" (١/١٣٨) بسنده، ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/١٦٤) ، ورواه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (١/٣٤٣) ، والديلمي في "مسند الفردوس" (٣٧٣١) ، ونقله الحافظ في "لسان الميزان" من إخراج الدارقطني له في "الرواة عن مالك"، ولعل الدارقطني يرويه هنا عن ابن حبان، فإنه كذلك في سند ابن الجوزي، وعزاه السيوطي في "الخصائص الكبرى" (٢/٢٦٢) للخطيب البغدادي في "رواة مالك"، وعزاه العراقي في "تخريج إحياء علوم الدين" (١/٢٩٩) إلى المستغفري في " الدعوات ".
قلت: وهذا سند منكر جدا، بسبب إسحاق بن إبراهيم الطبري: قال فيه ابن حبان: " منكر الحديث جدا، يأتي عن الثقات الأشياء الموضوعات، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب " انتهى.
٢- من رواية ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/١٦٤) عن بعض المجهولين، حيث قال: وقد روي من طريق آخر الله أعلم بها: أنبأنا إسماعيل بن أبي صالح المؤذن، أنبأنا عبد الله بن علي بن إسحاق الفقيه، أنبأنا أبو حسان محمد بن أحمد المزكي، حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن جابر العطار، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن إبراهيم الهروي، حدثنا أبو رجاء محمد بن أحمد بن حمدويه، حدثنا علي بن الجهم، حدثنا عبد الله بن الوليد، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر: " أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إنى أكد في العمل ولا يأتيني إلا الجهد، فقال له النبي ﷺ : فأين أنت عن تسبيح الملائكة؟ قالوا: وما هو؟ قال: أن تسبح قبل أن تصلي الفجر مائة مرة: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، أتاك الله برزقك وإن كرهت " انتهى.
٣- قال السيوطي في "اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" (١/٤٦٢) :
" وله طريق آخر: قال الحاكم في " تاريخه ": حدثنا محمد بن أحمد النصرأباذي، حدثنا العباس بن حمزة، حدثنا أحمد بن خالد الشيباني، حدثنا عبد الله بن نافع المدني، عن مالك به. فذكره بلفظ الطريق الأول سواء. وأحمد بن خالد: الظاهر أنه الجويباري: أحد الدجالين الكبار. والله أعلم " انتهى.
ولذلك اتفق المحدثون على ضعف هذا الحديث.
فقال عنه ابن حبان في "المجروحين" (١/١٣٨) : لا أصل له بجمله، ولا أشك أنه موضوع على مالك " انتهى.
وقال ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (١/٣٤٣) :
" باطل عن مالك " انتهى.
وقال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/١٦٤) :
" هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ " انتهى.
وقال العراقي في "تخريج إحياء علوم الدين للغزالي" (١/٢٩٩) :
" أخرجه المستغفري في " الدعوات " من حديث ابن عمر، وقال: غريب من حديث مالك، ولا أعرف له أصلا في حديث مالك " انتهى.
ويقول الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" (٣/٤٣٤) ، في ترجمة عبد الرحمن بن محمد اليحمدي، ويقال التميمي:
" شيخ مجهول، روى عنه أحمد بن محمد بن غالب المعروف بغلام خليل وهو تالف، وأخرج الدارقطني في " الرواة عن مالك " عن داود بن حبيب، عن أحمد بن محمد بن غالب، عنه، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رجل: يا رسول الله! وذكر الحديث.
قال الحافظ ابن حجر: وأخرجه الخطيب من طريق أبي الفتح الأزدي، عن عبد الله بن غالب، عن غلام خليل، عن عبد الرحمن بن محمد التميمي به.
وأخرج من طريق أبي حمة محمد بن يوسف، عن يزيد بن أبي حكيم، عن إسحاق بن إبراهيم الطبري، عن مالك نحوه، وقال: لا يصح عن مالك، ولا أظن إسحاق لقي مالكا.
وقد رواه جماعة بأسانيد كلها ضعاف " انتهى باختصار.
وقد سبق الحكم عليه في جواب السؤال رقم (١١٠٩٤٩) .
الحديث الثاني:
أورد السيوطي في "الحاوي للفتاوي" (٢/٤٠) حديثا بهذا المعنى أيضا:
(من قال سبحان الله وبحمده، خلق الله ملكا، له عينان، وجناحان، وشفتان، ولسان، يطير مع الملائكة، ويستغفر لقائلها إلى يوم القيامة)
وأروده صاحب السيرة الحلبية (١/٢٤٦) ، وأيضا في "نزهة الجالس" (ص/٢٨٧)
ولم نقف على إسناد لهذا الحديث.
الحديث الثالث:
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
(من قال: سبحان الله وبحمده: غرس الله له ألف ألف نخلة في الجنة، أصلها ذهب، وفروعها در، وطلعها كثدي الأبكار، أحلى من العسل، وألين من الزبد، كلما أخذ منها شيء عاد كما كان)
رواه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٢/١٥٠) قال: ثنا حذيفة، ثنا أبو أمية، ثنا جعفر بن جسر بن فرقد القصاب، عن أبيه، عن ثابت، عن أنس به.
قلت: وجعفر بن جسر هذا، قال فيه ابن عدي في "الكامل" (٢/١٥٠) بعد أن ذكر حديثه هذا في مناكيره:
" لجعفر بن جسر أحاديث مناكير غير ما ذكرت، ولم أر للمتكلمين في الرجال فيه قولا، ولا أدري كيف غفلوا عنه؛ لأن عامة ما يرويه منكر، وقد ذكرته لما أنكرت من الأسانيد والمتون التي يرويها، ولعل ذاك إنما هو من قبل أبيه، فإن أباه قد تكلم فيه من تقدم ممن يتكلمون في الضعفاء؛ لأني لم أر يروي جعفر عن غير أبيه " انتهى.
وقال العقيلي في "الضعفاء الكبير" (١/١٨٧) :
" حفظه فيه اضطراب شديد، كان يذهب الى القدر، وحدث بمناكير " انتهى.
وقال ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/٨٣٣) :
" هذا حديث لا يصح " انتهى.
وضعفه ابن القيم في "المنار المنيف" (ص/٤٣) ، والحافظ الذهبي في "ميزان الاعتدال" (١/٤٠٤)
وقد جاء من كلام شهر بن حوشب، الراوي المعروف، قوله:
(من قال: سبحان الله وبحمده: خلق الله من كلمته تلك ملكا، فيذهب إلى السماء الرابعة فيغتسل في نهر يقال له الحياة، ثم يخرج منها، فينفض جناحه، فيقطر منه مثل قطر السماء، فيخلق الله من كل قطرة ملكا يسبحه، ويقدسه، ويثبت ذلك للعبد إلى النفخة الأولى)
رواه أبو الشيخ الأصبهاني في "العظمة" (١/٤٩٢) قال: حدثنا الفضل بن العباس بن مهران، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن أبي حسين، عن شهر بن حوشب به.
والحاصل أنه لم يصح حديث في أنه إذا سبح المسلم ربه، خلق الله تعالى ملكا يستغفر له إلى يوم القيامة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1809
أحاديث ضعيفة في عدم قبول عمل المبتدع مطلقا
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت سؤالا في موقعكم حول شخص يقع في البدع، وذكرتم أنه تجوز الصلاة خلف المبتدع الذي لم تصل بدعته إلى حد الشرك، لكني قابلت الحديث التالي في ابن ماجه والدارمي، حيث قال النبي ﷺ : (لا يقبل الله لصاحب بدعة صوما، ولا صلاة، ولا صدقة، ولا حجا، ولا عمرة، ولا جهادا، ولا صرفا، ولا عدلا، يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين) فإذا كان هذا الحديث صحيحا فكيف نصلي وراء المبتدع حتى ولو لم يقع في الشرك؟ في الحديث السابق جاءت كلمة: " صاحب بدعة " عامة تشمل كل مبتدع. في المنطقة التي أعيش بها توجد بعض المساجد تقع في البدع، بينما المسجد الذي يسير على السنة بعيد عن بيتي جدًا. فماذا أفعل؟ رجاء بيان الأمر بأدلته من القرآن والسنة. بارك الله فيكم تلقاء هذا العمل العظيم الذي تقومون به.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
سبق تقرير حكم الصلاة خلف المبتدع، في جواب السؤال رقم: (٢٠٨٨٥) ، (٢٦١٥٢) ، فلا داعي لإعادته هنا.
ثانيا:
أما الحديث الذي جاء في السؤال، وغيره من الأحاديث المرفوعة الواردة في عدم قبول عمل المبتدع، فهي أحاديث ضعيفة أو منكرة لا تصح، وهذا بيان ذلك:
الحديث الأول: عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قال رسول الله ﷺ :
(لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ صَوْمًا، وَلَا صَلَاةً، وَلَا صَدَقَةً، وَلَا حَجًّا، وَلَا عُمْرَةً، وَلَا جِهَادًا، وَلَا صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا، يَخْرُجُ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا تَخْرُجُ الشَّعَرَةُ مِنْ الْعَجِينِ)
رواه ابن ماجه في "السنن" (رقم/٤٩) قال: حدثنا داود بن سليمان العسكري، حدثنا محمد بن علي أبو هاشم بن أبي خداش الموصلي، حدثنا محمد بن محصن، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن عبد الله بن الديلمي، عن حذيفة به.
قال الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (رقم/١٤٩٣) :
" موضوع، آفته ابن محصن هذا فإنه كذاب كما قال ابن معين وأبو حاتم، وقال الحافظ في " التقريب ": كذبوه " وتساهل البوصيري فيه فقال في " الزوائد " (١/١٠) : " هذا إسناد ضعيف، فيه محمد بن محصن، وقد اتفقوا على ضعفه " ووجه التساهل أن الراوي قد يتفق على ضعفه، وليس بكذاب، وحينئذ فذكر الاتفاق دون ذكر السبب لا يكون معبرا عن واقع الراوي. فتأمل " انتهى.
الحديث الثاني:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(أَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَدَعَ بِدْعَتَهُ)
رواه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٩/٤٣٩) ، وابن ماجه في السنن (رقم/٥٠) ، وأبو الفضل المقرئ في "أحاديث في ذم الكلام وأهله" (٣/١١١) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/٣٢) ، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٣/١٨٥) ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/١٤٤) جميعهم من طريق:
بشر بن منصور الخياط عن أبي زيد، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عباس به.
قال ابن أبي حاتم –بعد روايته له -: " سئل أبو زرعة عنهما – يعني أبا زيد وأبا المغيرة -: فقال: لا أعرفهما، ولا أعرف بشر بن منصور الذي روى عنه الأشج " انتهى.
وقال ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/١٤٥) :
" هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ، وفيه مجاهيل " انتهى.
وقال الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (رقم/١٤٩٢) :
" منكر، وهذا إسناد ضعيف، مسلسل بالمجهولين، قال أبو زرعة: " لا أعرف أبا زيد ولا شيخه ولا بشرا " وقال الذهبي في أولهم: " يجهل ". وقال في الآخرين: " لا يدرى من هما " ووافقه البوصيري في " الزوائد " (١/١١) " انتهى.
ثالثا:
ولكن قد يستشكل بعض الناس ما ورد في حديث علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قال فيمن أحدث حدثا في المدينة: (لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) رواه البخاري (٧٣٠٠) ومسلم (١٣٧٠)
وكذلك ما جاء عن جماعة من التابعين: كالحسن البصري أنه قال: " لا يقبل الله لصاحب بدعة صوما، ولا صلاة، ولا حجة، ولا عمرة، حتى يدعها " انتهى.
رواه الآجري في "الشريعة" (٦٤) ، وأبو شامة في "الباعث على إنكار البدع والحوادث" (ص/١٦) وغيرهما. وجاء نحوه عن الأوزاعي - كما في "البدع والنهي عنها" لابن وضاح (٢٧) -، وعن الفضيل بن عياض أنه قال: " لا يرفع لصاحب بدعة إلى الله عمل " رواه اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (١/١٣٩)
فقد ذكر الشاطبي احتمالين في تفسير مثل هذه الآثار، فقال في "الاعتصام" (١/١٠٨-١١٢) :
" إما أن يراد: أنه لا يقبل له بإطلاق، على أي وجه وقع من وفاق سنة أو خلافها.
وإما أن يراد: أنه لا يقبل منه ما ابتدع فيه خاصة، دون ما لم يبتدع فيه.
فأما الأول: فيمكن على أحد أوجه ثلاثة:
الأول: أن يكون على ظاهره من أن كل مبتدع أي بدعة كانت فأعماله لا تقبل معها، داخلتها تلك البدعة أم لا، وهذا شديد جدا على أهل الإحداث في الدين.
الثاني: أن تكون بدعته أصلا يتفرع عليه سائر الأعمال: كما إذا ذهب إلى إنكار العمل بخبر الواحد بإطلاق، فإن عامة التكليف مبني عليه.
الوجه الثالث: أن صاحب البدعة في بعض الأمور التعبدية أو غيرها قد يجره اعتقاد بدعته الخاصة إلى التأويل الذي يُصَيِّرُ اعتقاده في الشريعة ضعيفا، وذلك يبطل عليه جميع عمله.
وأما الثاني: وهو أن يراد بعدم القبول لأعمالهم ما ابتدعوا فيه خاصة، فيظهر أيضا، وعليه يدل حديث: (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) " انتهى باختصار.
ولكن التحقيق في هذه المسألة ما ذكره الدكتور إبراهيم الرحيلي في كتابه "موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع" (١/٢٩٢-٢٩٣) حيث قال:
" ما دلت عليه ظواهر النصوص وكلام السلف من أن صاحب البدعة لا يقبل الله له عملا، يمكن حمله على الأوجه التالية:
الوجه الأول: أن الكلام على ظاهره، وأن المراد رد عمل المبتدعِ كلِّه، ما ابتدع فيه وما لم يبتدع فيه، وهذا في حق المبتدع الكافر لا غير.
الوجه الثاني: أن المراد رد العمل المبتدَع خاصة، سواء كان ابتداعا محضا، أو كان شرعيا دخل عليه الابتداع فأفسده.
الوجه الثالث: إحباط البدع أجر العمل على سبيل الجزاء، حتى كأنه لم يقبل.
الوجه الرابع: أن النصوص محمولة على الزجر عن الابتداع والتنفير منه.
والحامل لتوجيه النصوص وكلام السلف هنا هو ما يظهر من معارضة ظواهر هذه النصوص لأصول الشريعة الدالة على قبول عمل المسلم إذا توفر فيه شرطا الإخلاص والمتابعة، دون النظر إلى ما عليه صاحب العمل من ابتداع ومعصية في غيره من الأعمال، إذ لا تأثير لها على قبول ذلك العمل " انتهى باختصار.
والوجه الثالث المذكور هنا، لا ينبغي حمله إلا على بدعة دل الشرع أنها تحبط عمل صاحبها وليست كل بدعة يصح فيها هذا التوجيه.
وقد ذكر أهل العلم شراح الحديث أن المقصود بقوله ﷺ في شأن المحدث:
(لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا)
قال القاضي وقيل المعنى لا تقبل فريضته ولا نافلته قبول رضا وإن قبلت قبول جزاء وقيل يكون القبول هنا بمعنى تكفير الذنب بهما
"شرح النووي على مسلم" (٩/١٤١)
والحاصل أنه تجوز الصلاة خلف المبتدع إذا لم تكن بدعته مكفرة كفرا صريحا، وأن الله يحاسب الناس على قدر أعمالهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1810
حديث اتخاذ العهد عند الله
[السُّؤَالُ]
ـ[ما مدى صحة هذا الحديث قبل أن أنشره؟ قال ابن مسعود ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأصحابه: (أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا؟ قيل: يا رسول الله! وما ذاك؟ قال: يقول عند كل صباح ومساء: " اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي، فإنك إن تكلني إلى نفسي تباعدني من الخير، وتقربني من الشر، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد " فإذا قال ذلك طبع الله عليها طابعاً، ووضعها تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الله عهد؟ فيقوم فيدخل الجنة) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الدعاء بما ورد في هذا الحديث لا بأس به ولا حرج، اقتداء بعبد الله بن مسعود ﵁، فقد صح عنه أنه كان يدعو به، وكلماته جليلة عظيمة لها شواهد من الكتاب والسنة الصحيحة.
غير أن لا يجوز اعتقاد الفضل المذكور في الحديث: أن ملكا يكتبه عنده ويختمه ويحفظه إلى يوم القيامة، لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ذكر هذا الفضل، بل ولا حتى الدعاء، إنما ورد عن ابن مسعود أنه كان يدعو بكلماته، ولم يرد عنه ذكر ذلك الفضل له، فيجب أن يتنبه إلى الفرق بين الأمرين.
ثانيا:
أما بيان تخريج الحديث ودرجته، فهو كالآتي:
هذا الدعاء جاء عن ثلاثة من الصحابة ﵃:
الأول: عن ابن مسعود ﵁.
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، إِنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي تُقَرِّبْنِي مِنْ الشَّرِّ وَتُبَاعِدْنِي مِنْ الْخَيْرِ، وَإِنِّي لَا أَثِقُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ، فَاجْعَلْ لِي عِنْدَكَ عَهْدًا تُوَفِّينِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
إِلَّا قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِنَّ عَبْدِي قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا فَأَوْفُوهُ إِيَّاهُ. فَيُدْخِلُهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ)
قَالَ سُهَيْلٌ فَأَخْبَرْتُ الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَوْنًا أَخْبَرَ بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ: مَا فِي أَهْلِنَا جَارِيَةٌ إِلَّا وَهِيَ تَقُولُ هَذَا فِي خِدْرِهَا.
هذا الحديث جاء من طريق مرفوعة، وأخرى موقوفة، وهي الأصح.
أما المرفوعة:
فمن طريق حماد بن سلمة عن سهيل بن أبي صالح وعبد الله بن عثمان عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن مسعود به.
رواه الإمام أحمد في "المسند" (١/٤١٢) قال ابن كثير في تفسيره (٧/١٠٣) : انفرد به الإمام أحمد. قال الهيثمى في "مجمع الزوائد" (١٠/١٧٤) :
" رجاله رجال الصحيح، إلا أن عون بن عبد الله لم يسمع من ابن مسعود " انتهى.
ولذلك ضعفه أيضا محققو المسند (٧/٣٢) ، والشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٦/٩) .
أما الموقوفة:
فمن طريق عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي عن عون بن عبد الله عن أبي فاختة عن الأسود بن يزيد عن عبد الله بن مسعود به.
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٦/٦٨) وابن أبي حاتم في "التفسير" – كما عزاه إليه ابن كثير في "التفسير" (٥/٢٦٥) ، والسيوطي في "الدر المنثور" (٥/٥٤٢) – ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٩/١٨٦) ، والحاكم في "المستدرك" (٢/٤٠٩) ، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/٢٧١)
إلا أن الحاكم لم يذكر في سنده أبا فاختة وهو سعيد بن علاقة والد ثوير بن أبي فاختة – ويبدو أنه سقط من المطبوع.
قلت: وهذا سند صحيح، ليس في رجاله مطعن، اللهم إلا في المسعودي، فقد أخذ عليه العلماء أنه اختلط في آخر عمره، ولكن نص ابن معين على أن حديثه عن عون بن عبد الله صحيح قبل الاختلاط. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٦/٢١١)
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقال الذهبي في تلخيصه: صحيح.
وأخرجه محمد بن فضيل الضبي في "الدعاء" (رقم/٥١) موقوفا أيضا من طريق أخرى:
حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق ومالك بن مغول، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود، قال: كان يقول: فذكره وفيه (فما قالهن عبد قط إلا كتبن في رق، ثم ختمن بخاتم، حتى يوافيها يوم القيامة، أين أصحاب العهود؟)
قلت: ورواية القاسم بن عبد الرحمن عن جده عبد الله بن مسعود مرسلة، كما في "تهذيب التهذيب" (٨/٣٢٢) ، و"جامع التحصيل" (ص/٢٥٢)
الثاني: عن زيد بن ثابت ﵁:
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَهُ دُعَاءً وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَعَاهَدَ بِهِ أَهْلَهُ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ: ُلْ كُلَّ يَوْمٍ حِينَ تُصْبِحُ:
(لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، وَمِنْكَ وَبِكَ وَإِلَيْكَ، اللَّهُمَّ مَا قُلْتُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ نَذَرْتُ مِنْ نَذْرٍ أَوْ حَلَفْتُ مِنْ حَلِفٍ فَمَشِيئَتُكَ بَيْنَ يَدَيْهِ، مَا شِئْتَ كَانَ وَمَا لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ وَمَا صَلَّيْتُ مِنْ صَلَاةٍ فَعَلَى مَنْ صَلَّيْتَ، وَمَا لَعَنْتُ مِنْ لَعْنَةٍ فَعَلَى مَنْ لَعَنْتَ، إِنَّكَ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، أَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَمَاتِ، وَلَذَّةَ نَظَرٍ إِلَى وَجْهِكَ، وَشَوْقًا إِلَى لِقَائِكَ، مِنْ غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، أَعُوذُ بِكَ اللَّهُمَّ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَعْتَدِيَ أَوْ يُعْتَدَى عَلَيَّ، أَوْ أَكْتَسِبَ خَطِيئَةً مُحْبِطَةً أَوْ ذَنْبًا لَا يُغْفَرُ.
اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَإِنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَأُشْهِدُكَ وَكَفَى بِكَ شَهِيدًا، أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، لَكَ الْمُلْكُ وَلَكَ الْحَمْدُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ وَعْدَكَ حَقٌّ، وَلِقَاءَكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالسَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنْتَ تَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي تَكِلْنِي إِلَى ضَيْعَةٍ وَعَوْرَةٍ وَذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، وَإِنِّي لَا أَثِقُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ، فَاغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)
رواه الإمام أحمد في "المسند" (٥/١٩١) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (٥/١١٩) ، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١/٤٢١) ، وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (رقم/٤٧) بلفظ مختصر.
كلهم من طريق أبي بكر ابن أبي مريم، عن ضَمْرَة بْن حَبِيبِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ به.
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/٦٩٧) واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (٣/٤٨٩) من الطريق نفسها إلا أنه لم يذكر فيها أبا الدرداء، بل رواه عن زيد بن ثابت مباشرة.
قلت: وهذا السند له علتان:
الأولى: اتفقت كلمة المحدثين على ضعف أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، انظر "تهذيب التهذيب" (١٢/٢٩) .
الثانية: الانقطاع بين ضمرة بن حبيب - ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٤/٤٥٩) وفيها أنه توفي سنة (١٣٠ هـ) - وبين أبي الدرداء توفي سنة (٣٢هـ)
ولذلك علق الذهبي على قول الحاكم " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه " انتهى.
قال الذهبي في تعليقه: أبو بكر ضعيف فأين الصحة؟
وأخرج الطبراني في "المعجم الكبير" (٥/١٥٧) متابعة لأبي بكر ابن أبي مريم، من طريق بكر بن سهل الدمياطي ثنا عبد الله بن صالح قال حدثني معاوية بن صالح عن ضمرة بن حبيب عن زيد بن ثابت ولم يذكر أبا الدرداء.
إلا أن بكر بن سهل الدمياطي (٢٨٧هـ) قال فيه النسائي: ضعيف. كما في "سير أعلام النبلاء" (١٣/٤٢٦) ، وضمرة بن حبيب (١٣٠هـ) عن زيد بن ثابت (٤٥،٤٨هـ) منقطع أيضا.
لذلك ضعفه الألباني في "ضعيف الترغيب" (٣٩٧)
الثالث: عن أبي بكر الصديق ﵁.
قال رسول الله ﷺ :
(من قال في دبر الصلاة بعد ما يسلم هؤلاء الكلمات، كَتَبَهُ مَلَك في رق، فختم بخاتم، ثم رفعها إلى يوم القيامة، فإذا بعث الله العبد من قبره جاءه الملك ومعه الكتاب ينادي: أين أهل العهود؟ حتى يدفع إليه. والكلمات أن تقول:.. فذكر نحو حديث ابن مسعود)
رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول في أحاديث الرسول" (٢/٢٧٢) من المطبوع، وهو بسنده في المخطوط (ورقة/٢٠٧) - حيث إن المطبوع خال من الأسانيد -:
قال الترمذي الحكيم: حدثنا عمر بن أبي عمر، قال ثنا عبد الله بن أبي أمية الفزاري، عن أبي علي الرمَاح، عن عمر بن ميمون، عن مقاتل بن حيان، عن الأسود بن هلال، عن أبي بكر الصديق به.
وفي هذا السند عمر بن أبي عمر شيخ الحكيم الترمذي، فقد جاء في "لسان الميزان" (١/٣١) نقل الحافظ عن الجوزقاني قوله فيه: مجهول، ثم عقب بقول: " عمر معروف، لكنه ضعيف " انتهى.
والواقف على حديثه يرى فيه من المناكير ما يجزم بضعفه ووهنه، ولعله ممن يركب الأسانيد أو يسرقها. كما أن عبد الله بن أبي أمية شيخه لم نجد من يوثقه من أهل العلم.
فالخلاصة أن هذا الدعاء لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ ، وأما من أراد أن يدعو بكلماته من غير اعتقاد فضل خاص لها فلا حرج عليه إن شاء الله، لا سيما وقد صح عن عبد الله بن مسعود ﵁، الدعاء به.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1811
سبب وجود الأحاديث الضعيفة في كتب بعض العلماء
[السُّؤَالُ]
ـ[ما أسباب وجود أحاديث ضعيفة في كتب المتقدمين كابن تيمية وابن القيم وابن رجب ﵏؟ وكيف نتعامل معها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تنقسم الأحاديث الضعيفة – من حيث جزمنا بردها وضعفها - إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول:
أحاديث يجزم بردها وكذب نسبتها إلى النبي ﷺ : وهي نوعان:
١- أحاديث جاءت من طريق الرواة الكذابين والمتهمين، أو شديدي الضعيف سيِّئِي الحفظ، ويظهر في متنها نكارة لا يصدر مثلها عن النبي ﷺ .
٢- أو التي يُجزَم بخطئ راويها حين يخالف من هو أوثق منه أو أكثر عددا، فيرفع الموقوف، أو يسند المرسل، أو يزيد وينقص في المتن أو الإسناد.
فهذه الأحاديث لا تكاد تجد منها شيئا في كتب أهل العلم المحققين إلا ما يذكرونه للتنبيه على وهنه ونكارته، أما أن يكون في معرض الاستدلال والاستشهاد: فهذا لا يقع إلا نادرا على سبيل الوهم والخطأ.
القسم الثاني:
أحاديث ضعيفة بسبب وجود راو ضعيف أو مجهول محتمل الضعف، أو بسبب انقطاع يسير، مع عدم وجود نكارة في المتن مناقضة للثابت من الشريعة.
وهذا القسم لا يجزم العلماء برده وتكذيب نسبته إلى النبي ﷺ ، بل يعتبرون احتمال صدوره عنه ﷺ قائما، إذ قد يحفظ الراوي الضعيف ويصيب، كما قد يكون الراوي الساقط من الإسناد أو الراوي المجهول ثقة، فتجدهم يحكمون بقبول الحديث إذا اجتمعت بعض القرائن التي تقوي هذين الاحتمالين كتعدد الطرق ومجيئه من غير وجه.
يقول ابن الصلاح في "المقدمة" (ص/٩) :
" إذا قالوا في حديث: إنه غير صحيح، فليس ذلك قطعا بأنه كذب في نفس الأمر، إذ قد يكون صدقا في نفس الأمر، وإنما المراد به: أنه لم يصح إسناده على الشرط المذكور " انتهى.
ويقول السيوطي في "تدريب الراوي" (١/٧٥-٧٦) :
" (وإذا قيل) هذا حديث (غير صحيح) : فمعناه لم يصح إسناده على الشرط المذكور، لا أنه كذب في نفس الأمر، لجواز صدق الكاذب، وإصابة مَن هو كثير الخطأ " انتهى.
فإذا وجد أهل العلم أنَّ ضعفَ الحديث المعيَّن ضعفٌ محتملٌ، ورأوا في متنه معنًى مقبولا في جملة الشريعة، لم يتورعوا – في الغالب – عن ذكره وتدوينه استئناسا وليس استدلالا، فهم متفقون على أن الاستدلال على الأحكام الشرعية يجب أن يكون بالحديث الصحيح، ولكنهم يستأنسون بهذا القسم من الضعيف في أبواب القصص والرقائق والسير والآداب والأخلاق وفضائل الأعمال ونحوها.
فيمكن تلخيص أسباب ذكر العلماء هذه الأحاديث الضعيفة في كتبهم بما يلي:
١- اعتبار احتمال ظهور صدقها وصحتها ببعض الشواهد والطرق والمتابعات، فيستأنسون بمعانيها في تلك الأبواب إذا كانت مقبولة في الجملة.
٢- تقليد من سبقهم من أهل العلم، ممن أخرج الحديث وبوب عليه في مصنفات السنة ولم يحكم برده وتكذيبه، فيوكلون العهدة عليه.
٣- وفي كثير من الأحيان يصحبون ذكر هذه الأحاديث ببعض ما يدل على ضعفها، كالتصريح بالضعف، أو ذكرها بصيغة التمريض: رُوي، حُكي، وجاء في الحديث ... ونحوها.
القسم الثالث:
أحاديث مختلف فيها، مترددة بين القسمين السابقين، وبين قسم الحديث الحسن والمقبول، فيكون ذكر أهل العلم لها في كتبهم من باب اعتبار هذا الخلاف، أو ترجيح قبول الحديث أو على الأقل عدم الجزم برده.
هذا واحتمال الخطأ وارد في كل ذلك، فالعلماء وإن اتسعت معارفهم فذلك لا يثبت العصمة لهم، فقد يذكر الحديث الضعيف ظنا منه أنه صحيح، وإذا كان الخطأ قد وقع لأئمة السنة أصحاب المصنفات والسنن والجوامع، فوقوعه فيمن بعدهم من العلماء أولى وأقرب.
يقول الحافظ ابن حجر في "النكت على ابن الصلاح" (١/٤٤٧) :
" فإن بعض من صنف الأبواب قد أخرج فيها الأحاديث الضعيفة بل والباطلة، إما لذهول عن ضعفها، وإما لقلة معرفة بالنقد " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1812
أثر عن كعب الأحبار في بعض ما أنزل على موسى عن أمة محمد ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[السؤال: ما صحة هذا الحديث الشريف: عن كعب الأحبار ﵁ قال: قرأت في بعض ما أنزل على موسى ﵇: " يا موسى! ركعتان يصليهما أحمد وأمته - وهي صلاة الغداة - مَن يصليهما غفرت له ما أصاب من الذنوب من ليله ويومه، ويكون في ذمتي. يا موسى! أربع ركعات يصليها أحمد وأمته - وهي صلاة الظهر - أعطيهم بأول ركعة فيها المغفرة، وبالثانية أثقل ميزانهم، وبالثالثة أوكل عليهم الملائكة يسبحون ويستغفرون لهم، وبالرابعة أفتح لهم أبواب السماء، ويشرف عليه الحور العين. يا موسى! أربع ركعات يصليها أحمد وأمته - وهي صلاة العصر – فلا يبقى مسلم فى السماوات والأرض الا استغفر لهم، ومن استغفر لهم الملائكة لم أعذبه. يا موسى! ثلاث ركعات يصليها أحمد وأمته حين تغرب الشمس أفتح لهم أبواب السماء، لا يسألون من حاجة الا قضيتها لهم. يا موسى! أربع ركعات يصليها أحمد وأمته حين يغيب الشفق، وهي خير لهم من الدنيا وما فيها، ويخرجون من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم. يا موسى! يتوضأ أحمد وأمته كما أمرتهم، أعطيهم بكل قطرة تقطر من الماء جنة عرضها كعرض السماء والأرض. يا موسى! يصوم أحمد وأمته شهرا فى كل سنة - وهو شهر رمضان - أعطيهم بصيام كل يوم مدينة فى الجنة، وأعطيهم بكل خير يعملون فيه من التطوع أجر فريضة، وأجعل فيه ليلة القدر، من استغفر منهم فيها مرة واحدة نادما صادقا من قلبه، فإن مات من ليله أو شهره أعطيته أجر ثلاثين شهيدا. يا موسى! إن في أمة محمد رجالا يقومون على كل شرف، يشهدون أن لا إله إلا الله، فجزاؤهم بذلك جزاء الأنبياء ﵈، ورحمتى عليهم واجبة، وغضبي بعيد منهم، ولا أحجب باب التوبة عن واحد منهم ما داموا يشهدون أن لا إله إلا الله "]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم نجد هذا الأثر من كلام كعب الأحبار في كتب أهل العلم المسندة وغير المسندة، ولم نقف على شيء قريب من معناه، وكعب الأحبار (ت ٣٢هـ) من أكثر الرواة الذين كَذَب عليهم الكذَّابون، ونسب إليهم كلُّ مُغرضٍ ما أراد أن يدسه في الدين، ومع أنه ليس من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، إلا أنه من علماء بني إسرائيل من التابعين الذين أسلموا، ونقلوا إلى المسلمين شيئاً من الكتب السابقة، فكثرت في أحاديثه العجائب والغرائب والمنكرات.
فلا يجوز التصديق بهذا الأثر المنسوب إليه، لما فيه من المبالغات الظاهرة، منها - على سبيل المثال - قوله:
(يا موسى! يتوضأ أحمد وأمته كما أمرتهم، أعطيهم بكل قطرة تقطر من الماء جنة عرضها كعرض السماء والأرض)
ومنها قوله: (وأَجْعَلُ فيه ليلة القدر، من استغفر منهم فيها مرة واحدة نادما صادقا من قلبه، فإن مات من ليله أو شهره أعطيته أجر ثلاثين شهيدا)
قال الحافظ ابن حجر في "النكت على ابن الصلاح" (٢/٨٤٣) :
" ومن جملة القرائن الدالة على الوضع (يعني وضع الحديث، وأنه مكذوب) : الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر اليسير، أو بالوعد العظيم على الفعل اليسير، وهذا كثير موجود في حديث القُصَّاص والطُرقِيَّة – يعني جهلة المتصوفة - " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1813
الحديث القدسي المشهور (خلقتك للعبادة فلا تلعب)
[السُّؤَالُ]
ـ[أسأل فضيلتكم عن مدى صحة الحديث القدسي التالي: (يا اِبنَ آدمَ خَلَقتُكَ لِلعِبَادةَ فَلا تَلعَب , وَقسَمتُ لَكَ رِزقُكَ فَلا تَتعَب , فَإِن رَضِيتَ بِمَا قَسَمتُهُ لَكَ أَرَحتَ قَلبَكَ وَبَدنَكَ، وكُنتَ عِندِي مَحمُوداً , وإِن لَم تَرضَ بِمَا قَسَمتُهُ لَكَ فَوَعِزَّتِي وَجَلالِي لأُسَلِّطَنَّ عَلَيكَ الدُنيَا تَركُضُ فِيهَا رَكضَ الوُحوش فِي البَريَّةَ، ثُمَّ لَا يَكُونُ لَكَ فِيهَا إِلا مَا قَسَمتُهُ لَكَ، وَكُنتَ عِندِي مَذمُومَا) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الذي يظهر أن هذا الكلام منقول عن بعض كتب بني إسرائيل، نقله كعب الأحبار أو غيره، فنسبه بعضهم إلى النبي ﷺ خطأ أو عمدا.
إذ لم يرد هذا الحديث في شيء من كتب السنة، ولم يرد بسندٍ حتى ينظر في صحته أو ضعفه، فلا يجوز الجزم بنسبته إلى النبي ﷺ .
وكل من نقله أو ذكره في كتابه إنما ينسبه لآثار بني إسرائيل أو التوراة، كما فعل ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٨/٥٢) ، وابن القيم في "الجواب الكافي" (ص/١٤١) ، وابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (٧/٤٢٦) .
وقال الأبشيهي في "المستطرف" من كتب النوادر والأدب (١/١٥٣) :
" روي أن هذه الكلمات وجدها كعب الأحبار مكتوبة في التوراة فكتبها، وهي: ... - فذكر رواية أطول من المذكور في السؤال " انتهى.
وقد حكم الشيخ ابن عثيمين عليه بقوله: " غير صحيح "، كما في "الفتاوى الصادرة من مركز الدعوة بعنيزة" (٣/٦٣) ، نقلا عن هذا الرابط:
http://saaid.net/Minute/m١٦.htm
ثانيا:
يغني عن هذا الأثر، الحديث الصحيح الذي يرويه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِلَاّ تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلاً، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ) رواه الترمذي (٢٤٦٦) وحسنه ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (٣/٢٦٢) ، وصححه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١٦/٢٨٤) والشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٣٥٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
стр. 1814
حديث (مَن استغفر للمؤمنين كتب له بكل مؤمن حسنة)
[السُّؤَالُ]
ـ[جاء في الحديث (مَن استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب له بكل مؤمن حسنة) ما المقصود بالحديث؟ وهل هو على ظاهره؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لم يصح حديث في تعيين فضل معين للاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، وما ورد في ذلك لا يثبت، وفي أسانيدها ضعف وفي متونها نكارة، إذ فيها مبالغة في الأجر لا تتناسب مع العمل، وهذه هي الأحاديث الواردة في ذلك:
١- عن عبادة ﵁ قال رسول الله ﷺ : (من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة) رواه الطبراني في "مسند الشاميين" (٣/٢٣٤) من طريق بكر بن خنيس عن عتبة بن حميد عن عيسى بن سنان عن يعلى بن شداد بن أوس عن عبادة بن الصامت.
وعيسى بن سنان: ضعفه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وابن معين في رواية. انظر "تهذيب التهذيب" (٨/٢١٢)
وعتبة بن حميد: قال فيه أحمد: ضعيف ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
وأما بكر بن خنيس فأكثر كلمة المحدثين على تضعيفه ونكارة حديثه. انظر "تهذيب التهذيب" (١/٤٢٨)
فلا وجه لقول الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٢١٠) : إسناده جيد. وعليه اعتمد الشيخ الألباني في تحسينه في "صحيح الجامع" (٦٠٢٦) لأنه لم يطلع على سنده في "مسند الشاميين" إذ لم يكن قد طبع بعد.
٢- عن أم سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال:
(من قال كل يوم اللهم اغفر لى وللمؤمنين والمؤمنات ألحق به من كل مؤمن حسنة)
رواه الطبراني في الكبير (٢٣/٣٧٠) وفي إسناده أبو أمية إسماعيل بن يعلى الثقفي، جاء في ترجمته في "ميزان الاعتدال" (١/٢٥٥) : " قال يحيى: ضعيف، ليس حديثه بشيء، وقال مرة: متروك الحديث.
وقال النسائي والدارقطني: متروك. وقد مشاه شعبة، وقال: اكتبوا عنه، فإنه شريف. وقال البخاري: سكتوا عنه. وذكره ابن عدى وساق له بضعة عشر حديثا معروفة، لكنها منكرة الاسناد " انتهى.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٢١٠) : " فيه أبو أمية بن يعلى وهو ضعيف " انتهى.
٣- عن أنس ﵁، جاء عنه من طريقين:
- من طريق عمر بن عبيد الطنافسي عن شعيب بن كيسان عن أنس عن النبي ﷺ بلفظ:
(من استغفر للمؤمنين والمؤمنات رد الله عليه من آدم فما دونه) .
رواه البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/٢١٩) والعقيلي في "الضعفاء" (٢/١٨٢) وابن بشران في "الأمالي" (برقم/٢٤٤) وغيرهم.
قلت: فيه علتان: الأولى: ضعف شعيب بن كيسان، والثاني: الانقطاع بينه وبين أنس، فقد قال البخاري عقب إخراجه له: " لا يعرف له سماع من أنس، ولا يتابع عليه "
لذلك ذكره الذهبي في "ميزان الاعتدال" (٢/٢٧٧) في منكراته، وقال العراقي في "تخريج الإحياء" (١/ ٣٢١) : وسنده ضعيف.
وقال الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٥٩٧٦) : " منكر " انتهى.
- من طريق معمر عن أبان عن أنس مرفوعا بلفظ:
(ما من عبد يدعو للمؤمنين والمؤمنات إلا رد الله عليه عن كل مؤمن ومؤمنة مضى أو هو كائن إلى يوم القيامة بمثل ما دعا به)
رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٢/٢١٧)
قلت: وأبان الذي يروي عنه معمر بن راشد هو ابن أبي عياش اتفقت كلمة المحدثين على تضعيفه وتركه. انظر "تهذيب التهذيب" (١/٩٩)
٤- عن أبى الدرداء قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كل يوم سبعا وعشرين مرة أو خمسا وعشرين مرة أحد العددين كان من الذين يستجاب لهم ويرزق بهم أهل الأرض)
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٢١٠) :
" رواه الطبراني وفيه عثمان بن أبى العاتكة، وقال فيه حدثت عن أم الدرداء، وعثمان هذا وثقه غير واحد وضعفه الجمهور، وبقية رجاله المسمين ثقات " انتهى.
٥- عن أبى هريرة قال رسول الله ﷺ :
(من لم يكن عنده مال يتصدق به فليستغفر للمؤمنين والمؤمنات فانها صدقة)
رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٣/١٢٨) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٢١٠) : " فيه من لم أعرفهم " انتهى.
٦- عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال:
(أيما رجل مسلم لم يكن عنده صدقة فليقل في دعائه: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، وصل على المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، فإنها زكاة)
رواه ابن حبان (٣/١٨٥) في صحيحه، وإسناده ضعيف؛ لأنه من رواية دراج عن أبي الهيثم، وقد ضعفها أحمد وأبو داود وغيرهما، انظر "تهذيب التهذيب" (٣/٢٠٩)
ثانيا:
الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات من دعاء الرسل والأنبياء الكرام، فقد دعا به نوح ﵇: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) نوح/٢٨
ودعا به إبراهيم ﵇ فقال: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) إبراهيم/٤١
وأمر الله نبيه أن يدعو به فقال: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمؤْمِنَاتِ) محمد/١٩
وحكاه الله عن المؤمنين الصادقين المخلصين فقال: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) الحشر/١٠
فيستحب لجميع المسلمين الدعاء بالمغفر لإخوانهم المسلمين، الأحياء منهم والميتين، ولا شك أن الملائكة ستؤمن على دعائه وسيأتيه مثل ما دعا به.
روى عبد الرزاق في "المصنف" (٢/٢١٧) :
" عن ابن جريج قال: قلتُ لعطاء: أَستَغفرُ للمؤمنين والمؤمنات؟
قال: نعم، قد أُمر النبيُّ ﷺ بذلك، فإنَّ ذلك الواجبَ على الناس، قال الله لنبيِّه ﷺ : (اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ)
قلتُ: أفتدع ذلك في المكتوبة أبداً؟ قال: لا.
قلت: فبِمَن تبدأ، بنفسك أم بالمؤمنين؟
قال: بل بنفسي، كما قال الله: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ) " انتهى.
يقول ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" (١/٢٩٨-٢٩٩) :
" والجميعُ مشتركون في الحاجة بل في الضرورة إلى مغفرةِ الله وعفوِه ورحمتِه، فكما يُحبُّ - أي المسلم - أن يَستغفرَ له أخوه المسلمُ، كذلك هو أيضاً ينبغي أن يستغفرَ لأخيه المسلم، فيصير هِجِّيراه: ربِّ اغفر لي ولوالديَّ وللمسلمين والمسلمات وللمؤمنين والمؤمنات، وقد كان بعضُ السلف يستحبُّ لكلِّ أحدٍ أن يُداوم على هذا الدعاء كلَّ يوم سبعين مرَّة، فيجعل له منه وِرداً لا يُخلُّ به.
وسمعتُ شيخَنا - أي ابن تيمية – يذكرُه، وذكر فيه فضلاً عظيماً لا أحفظه، وربَّما كان مِن جملة أوراده التي لا يُخلُّ بها، وسمعتُه يقول: إنَّ جعلَه بين السجدتين جائزٌ، فإذا شهدَ العبدُ أنَّ إخوانه مصابون بمثل ما أُصيب به، محتاجون إلى ما هو محتاجٌ إليه لَم يمتنع من مساعدتهم إلَاّ لفرطِ جهله بمغفرة الله وفضلِه، وحقيقٌ بهذا أن لا يُساعَد، فإنَّ الجزاءَ من جنس العمل " انتهى.
فتضعيف الأحاديث السابقة هو تضعيف لأن تكون من كلام النبي ﷺ ، ولخصوص الأجور المذكورة فيها، وذلك لا يعني عدم استحباب الاستغفار لجميع المسلمين والمسلمات.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1815
قصة خرافة عن كوكب " الزهرة " ونجم " سهيل "
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي حقية كوكب الزهرة أنها كانت امرأة، ونجم سهيل أنه كان رجلا، وأن النبي ﷺ قد لعنهما.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
القصة التي تُروى عن كوكب الزُّهرة، جاءت في سياق قصة أخرى تحكي أمر هاروت وماروت، حاصلها أن الملائكة تعجبوا مِن عصيان بني آدم في الأرض، فأمرهم الله أن يختاروا منهم مَن ينزل إلى الأرض وتركب فيه الشهوة، كي ينظروا أيطعيون أم يعصون، فاختاروا هاروت وماروت، فجاءت الزهرة – امرأة حسناء – فتعرضت لهما حتى أغوتهما، ثم مسخها الله كوكبا في السماء، وأدرك الملائكةُ الأمر فاستغفروا للمؤمنين.
جاءت هذه الرواية من حديث ابن عمر على وجهين:
١- من رواية ابن عمر عن كعب الأحبار.
وذلك من طرق عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب الأحبار به.
رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/٧٣-٧٤) وعنه الطبري في "تفسيره" (٢/٤٢٩-٤٣٠) ، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/٣٠٦) ، وهذا سند صحيح متصل رجاله ثقات.
٢- من قول النبي ﷺ :
وذلك من طريق نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ به، وقد رواه عن نافع ثلاثة:
- فرج بن فضالة عن معاوية بن صالح عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ به.
عند الطبري في تفسيره (٢/٤٣٢) . وفرج بن فضالة: له أحاديث مناكير. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٨/٢٦٢) ، ومعاوية بن صالح: له أوهام. انظر: "تهذيب التهذيب" (١٠/٢١١)
- زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن نافع عن ابن عمر به مرفوعا.
رواه أحمد في المسند (٢/١٣٤) ، وعبد بن حميد (٧٨٧) ، وابن حبان في صحيحه (١٤/٦٣) ، والبزار (٢٩٣٨) – كشف الأستار-، والبيهقي في "السنن" (١٠/٤-٥) ، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٦٦٢) . وموسى بن جبير: قال فيه ابن حبان: يخطئ ويخالف. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله. كذا في "تهذيب التهذيب" (١٠/٣٣٩) ، وزهير بن محمد فيه كلام أيضا، خلاصة حكم الحافظ ابن حجر عليه أنه ثقة يغرب ويأتي بما ينكر. انظره في "تهذيب التهذيب" (٣/٣٥٠)
- موسى بن سرجس عن نافع:
كما عند ابن مردويه - كذا نقله ابن كثير في تفسيره (١/٣٥٤) -، وموسى بن سرجس لم يُنقل عن أحد فيه حكم، فهو مجهول الحال، وقد ضعف الترمذي حديثا له رواه في سننه. انظر "تهذيب التهذيب" (١٠/٣٠٧)
وبذلك يتبين أن الرواية الصحيحة هي من كلام كعب الأحبار، وليست المنسوبة إلى النبي ﷺ ، وأن رفعه [أي نسبته إلى النبي ﷺ ] منكر ظاهر من خطأ بعض الرواة، دلنا على ذلك اجتماع قرائن نكارة المتن وضعف السند، ومخالفة الصحيح.
لذلك قال أبو حاتم - كما في "العلل" (٢/٦٩) – عن واحدة من روايات الرفع:
"هذا حديث منكر" انتهى.
وقال البزار: " وإنما أتى الرفع هذا عندي من زهير؛ لأنه لم يكن بالحافظ " انتهى.
وقال البيهقي عن روايته عن كعب الأحبار: " وهذا أشبه " انتهى.
ويقول ابن كثير ﵀ بعد أن وصف الروايات عن نافع بالغرابة:
" وأقرب ما يكون في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار، لا عن النبي ﷺ ، وسالم أثبت في أبيه من مولاه نافع، فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل " انتهى. "تفسير القرآن العظيم" (١/٣٥٤)
وقد مال الحافظ ابن حجر في "القول المسدد" إلى تصحيح أصل القصة فقال (ص/٣٩) :
" له طرق كثيرة جمعتها في جزء مفرد يكاد الواقف عليه أن يقطع بوقوع هذه القصة، لكثرة الطرق الواردة فيها وقوة مخارج أكثرها " انتهى.
غير أن كلام المتقدمين الذين ضعفوا الرواية أولى وأقرب، فالطرق الكثيرة مخالفةٌ للطريق الصحيحة، وضعف رواتها يرجح رجوعها إلى كعب الأحبار وليس إلى النبي ﷺ ، وقد علق الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تحقيق المسند (٢/١٤٣) على كلام الحافظ بقوله:
" أما هذا الذي جزم به الحافظ بصحة وقوع هذه القصة لكثرة طرقها وقوة مخارج أكثرها، فلا، فإنها كلها طرق معلولة أو واهية، إلى مخالفتها الواضحة للعقل، لا من جهة عصمة الملائكة القطعية فقط، بل من ناحية أن الكوكب الذي تراه صغيرا في عين الناظر قد يكون حجمه أضعاف حجم الكرة الأرضية بالآلاف المؤلفة من الأضعاف، فأنَّى يكون جسم المرأة الصغير إلى هذه الأجرام الفلكية الهائلة " انتهى.
ومن أظهر علامات نكارة القصة التفاوت الكبير في ألفاظ رواياتها، فمنها المختصر ومنها المطول، ومنها الزائد ومنها الناقص، وبعضها فيها لعن النبي ﷺ كوكب الزهرة وبعضها يسكت عن ذلك، بل ومنها ما يذكر مسخ الزهرة إلى كوكب، ومنها ما يسكت عنه، أما الرواية عن كعب الأحبار فقد جاءت بلفظ واحد مختصر، ليس فيه ذكر قصة الزهرة ومسخها إلى كوكب، وإنما تقتصر على قصة الملكين هاروت وماروت.
وقد وردت القصة عن ابن مسعود وابن عباس من الصحابة رضوان الله عليهم، وعن جماعة من التابعين، ساق مروياتهم الحافظ ابن كثير في "تفسيره" ثم قال (١/٣٦٠) :
" وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين، كمجاهد والسدي والحسن وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال " انتهى.
ثانيا:
أما ما يُحكى عن النجم " سُهيل "، أنه كان رجلا من بني آدم، ثم مُسخ إلى نجمٍ مُعلق في السماء، فكل ما ورد فيه مكذوب موضوع، وقصة خرافة يتناقلها الناس والرواة، وهذا تفصيله:
١- عن عمرو بن دينار أنه صحب ابن عمر في السفر، فكان إذا طلع سُهيلٌ قال: لعن الله سهيلا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كان عشَّارا – يأخذ عشر الأموال ضريبة - يظلمهم ويغصبهم أموالهم، فمسخه الله شهابا، فجعله حيث ترون)
رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٧/١٤٧) وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (رقم/٦٥١) ، والبزار – كما في "كشف الأستار" (١\٩٠٢ و٩٠٣) جميعهم من طريق إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار به
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن دينار إلا إبراهيم بن يزيد.
لكن عند البزار متابعة مبشر عن عمرو بن دينار، إلا أنها متابعة ساقطة، فقد قال البزار بعد إخراجه لهما:
" لا نعلم أحدا رواه عن عمرو بن دينار عن ابن عمر إلا إبراهيم: وهو لين الحديث , وإنما ذكرناه على ما فيه من العلة لأنا لم نحفظه إلا من هذين الوجهين " انتهى.
وذكره الذهبي في "الميزان" (٣\٤٣٣) في ترجمة مُبَشِّر، وعده من مناكيره.
وقال ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/١٨٧) :
" هذا الحديث لا يصح موقوفا ولا مرفوعا " انتهى.
ومن دلائل نكارة الحديث وتخليط إبراهيم بن يزيد أنه يرويه مرة عن عمرو بن دينار عن ابن عمر، ومرة عن عمرو عن عبد الرحمن بن السايب عن ابن عمر. = كما أسنده ابن الجوزي في "الموضوعات" من طريق الدارقطني -
٢- عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(لعن الله سهيلا - ثلاث مرات - , فإنه كان يعشر الناس في الأرض , فمسخه الله شهابا)
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١/١٠٨) , وكذا أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٦٤٩،٦٥٠) في باب: ما يقول إذا رأى سهيلا. والخطيب البغدادي في "السابق واللاحق" (ص/٧٨) والدارقطني في "العلل الواردة في الأحاديث النبوية" للدارقطني (٤/١٨٧)
من طريق جابر الجعفي عن أبي الطفيل عن علي ﵁.
يقول ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/١٨٨) :
" وقد رواه وكيع عن الثوري موقوفا وهو الصحيح. وهذا لا يصح لأن مداره على جابر الجعفي. قال جرير: لا أستحل أن أروي عنه. وقال أبو حنيفة: ما رأيت أكذب منه. وقال يحيى بن معين: لا نكتب حديثه " انتهى.
وجاء في "العلل الواردة في الأحاديث النبوية" للدارقطني (٤/١٨٧) :
" وسئل عن حديث أبي الطفيل عن علي عن النبي ﷺ : أنه كان إذا رأى سهيلا لعنه وقال: كان رجلا ينحس الناس بالظلم فمسخه الله شهابا.
فقال: يرويه جابر الجعفي، واختلف عنه:
فرواه الثوري عن جابر: فقال إبراهيم بن خالد وأبو حذيفة عن الثوري عن جابر عن أبي الطفيل عن علي ولا أراه إلا رفعه إلى النبي ﷺ .
وخالفهما وكيع ومحمد بن عبد الوهاب القناد فروياه عن الثوري موقوفا بغير شك.
ورواه عيسى بن يونس عن أخيه إسرائيل عن جابر مرفوعا أيضا، ورفعه أبو شيبة إبراهيم بن عثمان عن جابر.
والصحيح موقوفا " انتهى.
٣- وفي رواية أخرى عن علي بن أبي طالب بسياقٍ مختلفٍ جاء فيها:
" أن النبي ﷺ سئل عن المُسوخ؟ فقال: هم ثلاثة عشر ... فذكرها ثم قال:
وأما سهيل فكان عشَّارًا باليمن، وأما الزهرة فكانت بنتا لبعض ملوك بني إسرائيل افتتن بها هاروت وماروت " انتهى.
عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٤٩) للزبير بن البكار في "الموفقيات"، و"ابن مردويه" و"الديلمي" ولم أقف على إسناد منها.
ورواه ابن الجوزي في "الموضوعات" في " باب ذكر المسوخ " (١/١٨٥) بسنده ثم قال:
" هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ ، وما وضعه إلا ملحد يقصد وهن الشريعة بنسبة هذا إلى رسول الله ﷺ ، أو مستهين بالدين لا يبالي ما فعل، والمتهم به مغيث – مولى جعفر بن محمد عنه عن أبيه عن جده عن علي -.
قال أبو الفتح الازدي: خبيث كذاب لا يساوي شيئا، روى حديث المسوخ، وهو حديثٌ منكر.
قال المصنف – ابن الجوزي -: وحديث ابن حبيبة الصحيح: (فإنه ما مسخ الله شيئا فجعل له نسلا) يرد هذا " انتهى.
فالحاصل أنه لم تثبت الحكاية عن مسخ رجل إلى النجم " سهيل " بسند مرفوع صحيح، وكل ما ورد في ذلك من أقوال النبي ﷺ فهي أحاديث منكرة ضعيفة، حكم عليها أهل العلم بالوضع والترك، منهم الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٤١٩٦) .
وغاية ما هنالك أنه قد تصح فيها بعض الآثار الموقوفة عن بعض الصحابة، غير أن هذه الآثار ليس لها حكم الرفع، والأخذ بما فيها موضع شك، لاحتمال تلقيها عن بني إسرائيل احتمالا قويا ظاهرا، كما هو الأمر في قصة مسخ الزهرة إلى الكوكب المعروف، والخرافات التي ترويها الإسرائيليات تأتي بهذا القبيل من القصص والأحدا.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1816
أحاديث ضعيفة وموضوعة عند المتصوفة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هذا الحديث الذي يذكره المتصوفة صحيح " ما وسعني لا سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن ".]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عما يروى عن النبي ﷺ عن الله قال: " ما وسعني لا سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن ".
أجاب:
الحمد لله
هذا ما ذكروه في الإسرائيليات ليس له إسناد معروف عن النبي ﷺ . ومعناه وضع في قلبه محبتي ومعرفتي.
وما يروى: " القلب بيت الرب "، هذا من جنس الأول، فإن القلب بيت الإيمان بالله تعالى ومعرفته ومحبته.
وما يروونه: " كنت كنزا لا أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت خلقا فعرفتهم بي فبي عرفوني ".
هذا ليس من كلام النبي ﷺ ولا أعرف له إسناداً صحيحاً ولا ضعيفاً. وما يروونه عن النبي ﷺ : " إن الله خلق العقل، فقال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أشرف منك، فبك آخذ وبك أعطي ".
هذا الحديث باطل موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث.
وما يروونه: " حب الدنيا رأس كل خطيئة " هذا معروف، عن جندب بن عبد الله البجلي وأما عن النبي ﷺ فليس له إسناد معروف.
وما يروونه: " الدنيا خطوة رجل مؤمن "، هذا لا يعرف عن النبي ﷺ ولا غيره من سلف الأمة ولا أئمتها.
وما يروونه: " من بورك له في شيء فليلزمه "، " ومن ألزم نفسه شيئا لزمه ".
الأول: يؤثر عن بعض السلف، والثاني: باطل فإن من ألزم نفسه شيئاً قد يلزمه وقد لا يلزمه بحسب ما يأمر به الله ورسوله.
وما يروونه، عن النبي ﷺ : " اتخذوا مع الفقراء أيادي فإن لهم في غد دولة وأي دولة "، " الفقر فخري وبه أفتخر "، كلاهما كذب لا يعرف في شيء من كتب المسلمين المعروفة.
وما يروونه عن النبي ﷺ : " أنا مدينة العلم وعلي بابها "، هذا الحديث ضعيف، بل موضوع عند أهل العلم بالحديث، ولكن قد رواه الترمذي وغيره ووقع هذا وهو كذب.
وما يروونه: أنه ﷺ " يقعد الفقراء يوم القيامة، ويقول: وعزتي وجلالي ما زويت الدنيا عنكم لهوانكم علي ولكن أردت أن أرفع قدركم في هذا اليوم انطلقوا إلى الموقف فمن أحسن إليكم بكسرة أو سقاكم شربة ماء أو كساكم خرقة انطلقوا به إلى الجنة "، قال الشيخ: الثاني كذب لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث، وهو باطل خلاف الكتاب والسنة والإجماع.
وما يروونه، عن " النبي ﷺ لما قدم إلى المدينة خرجن بنات النجار بالدفوف وهن يقلن: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع إلى آخر الشعر فقال لهن رسول الله ﷺ : هزوا غرابيلكم بارك الله فيكم ":
حديث النسوة وضرب الدف في الأفراح صحيح فقد كان على عهد رسول الله ﷺ وأما قوله: " هزوا غرابيلكم " هذا لا يعرف عنه.
وما يروونه، عن النبي ﷺ أنه قال: " اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إلي فأسكني في أحب البقاع إليك "، هذا حديث باطل كذلك، وقد رواه الترمذي وغيره، بل إنه قال لمكة: " إنك أحب بلاد الله إلي "، وقال: " إنك لأحب البلاد إلى الله ".
وما يروونه عن النبي ﷺ : " من زارني وزار أبي إبراهيم في عام دخل الجنة "، هذا كذب موضوع ولم يروه أحد من أهل العلم بالحديث.
وما يروونه، عن علي ﵁: أن أعرابيا صلى ونقر صلاته، فقال علي: " لا تنقر صلاتك "، فقال الأعرابي: يا علي لو نقرها أبوك ما دخل النار. هذا كذب. وما يروونه، عن عمر أنه قتل أباه، هذا كذب فإن أباه مات قبل مبعث النبي ﷺ .
وما يروونه، عن النبي ﷺ : " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين، وكنت وآدم لا ماء ولا طين " هذا اللفظ كذلك باطل.
وما يروونه: " العازب فراشه من نار، مسكين رجل بلا امرأة، ومسكينة امرأة بلا رجل "، هذا ليس من كلام النبي ﷺ ، ولم يثبت عن إبراهيم الخليل ﵇ لما بنى البيت صلى في كل ركن ألف ركعة فأوحى الله تعالى إليه: " يا إبراهيم ما هذا سد جوعة أو ستر عورة "، هذا كذب ظاهر ليس هو في شيء من كتب المسلمين. وما يروونه: " لا تكرهوا الفتنة فإن فيها حصاد المنافقين "، هذا ليس معروفا عن النبي ﷺ .
وما يروونه: " من علم أخاه آية من كتاب الله ملك رقه "، هذا كذب ليس في شيء من كتب أهل العلم.
وما يروونه عن النبي ﷺ : " اطلعت على ذنوب أمتي فلم أجد أعظم ذنبا ممن تعلم آية ثم نسيها " وإذا صح هذا الحديث فهذا عنى بالنسيان التلاوة، ولفظ الحديث أنه قال: " يوجد من سيئات أمتي الرجل يؤتيه الله آية من القرآن فينام عنها حتى ينساها " والنسيان الذي هو بمعنى الإعراض عن القرآن وترك الإيمان والعمل به، وأما إهمال درسه حتى ينسى فهو من الذنوب.
وما يروونه: " إن آية من القرآن خير من محمد وآل محمد، القرآن كلام الله منزل غير مخلوق فلا يشبه بغيره "، اللفظ المذكور غير مأثور.
وما يروونه، عن النبي ﷺ : " من علم علما نافعا وأخفاه عن المسلمين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار "، وهذا معناه معروف في السنن، عن النبي ﷺ : " من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ".
وما يروونه، عن النبي ﷺ : " إذا وصلتم إلى ما شجر بين أصحابي فامسكوا، وإذا وصلتم إلى القضاء والقدر فأمسكوا "، هذا مأثور بأسانيد منقطعة.
وما يروونه، عن النبي ﷺ " قال لسلمان الفارسي وهو يأكل العنب: دو دو "، يعني عنبتين عنبتين، هذا ليس كلام النبي ﷺ ، وهو باطل.
وما يروونه، عن النبي ﷺ : " من زنى بامرأة فجاءت منه ببنت فللزاني أن يتزوج بابنته من الزنا "، وهذا يقوله من ليس من أصحاب الشافعي وبعضهم ينقله عن الشافعي، ومن أصحاب الشافعي من أنكر ذلك عنه، وقال: إنه لم يصرح بتحليل ذلك ولكن صرح بحل ذلك من الرضاعة إذا رضع من لبن المرأة الحامل من الزنا، وعامة العلماء كأحمد وأبي حنيفة وغيرهما متفقون على تحريم ذلك، وهذا أظهر القولين في مذهب مالك.
وما يروونه: " أحق ما أخذتم عليه أجرة كتاب الله "، نعم ثبت ذلك أنه قال: " أحق ما أخذتم عليه أجرة كتاب الله "، لكنه في حديث الرقية، وكان الجعل على عافية مريض القوم لا على التلاوة.
وما يروونه عن النبي ﷺ : " من ظلم ذميا كان الله خصمه يوم القيامة أو كنت خصمه يوم القيامة "، هذا ضعيف، لكن المعروف عنه أنه قال: " من قتل معاهدا بغير حق لم يرح رائحة الجنة ".
وما يروونه، عنه: " من أسرج سراجا في مسجد لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في المسجد ضوء ذلك السراج "، هذا لا أعرف له إسنادا عن النبي ﷺ .
[الْمَصْدَرُ]
" الفتاوى الكبرى " (٥ / ٨٨ - ٩٣) .
стр. 1817
حول حديث الأعمى الذي قتل أم ولده لشتمها النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[ي يتعلق بالحديثين التاليين: (أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تتزجر، قال فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المغول - سيف قصير - فوضعه في بطنها، واتكأ عليها، فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فجمع الناس فقال: أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام، فقام الأعمى يتخطى رقاب الناس وهو يتزلزل، حتى قعد بين يدي النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كانت البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول، فوضعته في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلتها. فقال النبي ﷺ : ألا اشهدوا أن دمها هدر) [رواه أبو داود، وقال عنه الألباني: صحيح، في كتابه " صحيح سنن أبي داود " الحديث رقم (٤٣٦١) [" أن أعمى كان على عهد رسول الله ﷺ ، وكانت له أم ولد، وكان له منها ابنان، وكانت تكثر الوقيعة برسول الله ﷺ ، وتسبه فيزجرها، فلا تنزجر، وينهاها فلا تنتهي، فلما كان ذات ليلة ذكرت النبي ﷺ ، فوقعت فيه، فلم أصبر أن قمت إلى المغول، فوضعته في بطنها، فاتكأت عليه، فقتلتها، فأصبحت قتيلا، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فجمع الناس، وقال: أنشد الله! رجلا لي عليه حق فعل ما فعل إلا قام. فأقبل الأعمى يتدلدل فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت أم ولدي، وكانت بي لطيفة رفيقة، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، ولكنها كانت تكثر الوقيعة فيك وتشتمك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر. فلما كانت البارحة ذكرتك فوقعت فيك، قمت إلى المغول فوضعته في بطنها، فاتكأت عليها حتى قتلتها. فقال رسول الله: ألا؛ اشهدوا أن دمها هدر) [رواه النسائي، وقال عنه الألباني: إسناده صحيح. في كتابه " صحيح سنن النسائي " الحديث رقم ٤٠٨١] يلاحظ أن رواية أبي داود فيها عبارة غير موجودة في رواية النسائي، وهي: " فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك بالدم " أنا أعلم حكم المرتد، وأن المختص بتوقيع حد الردة هو السلطان أو نائبه. إن الذي لفت نظري هي العبارة المشار إليها أعلاه، حيث أنه قد يتبادر إلى الذهن أن حد الردة يطبق أيضا على الجنين. هل هذه العبارة المشار إليها صحيحة وثابتة عن رسول الله ﷺ ؟ وإذا كانت هذه العبارة صحيحة، هل يمكن تفسير ذلك بأن الرجل كان أعمى ولم يكن يعلم أن أمته حامل؟ وإذا كانت هذه العبارة صحيحة، هل يمكن تفسير ذلك بأن الطفل لم يمت كما قال بذلك السيد لا أقصد من سؤالي إثارة الشكوك حول أن الإسلام هو الدين الحق، ولكني أردت الرجوع إلى العلماء حتى يوافوني بالرد الذي أستطيع به الرد على من يطعن بالإسلام. وفقكم الله لما يحب ويرضى.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الكلام على هذه الحادثة المذكورة في السؤال في المسائل الآتية:
أولا: الحكم على الحديث.
الحديث رواه أبو داود (٤٣٦١) ، ومن طريقه الدارقطني (٣ / ١١٢) ومن طرق أخرى أيضا، ورواه النسائي في " المجتبى " (٤٠٧٠) وفي " السنن الكبرى " (٢ / ٣٠٤) ، وابن أبي عاصم في " الديات " (رقم ٢٤٩) والطبراني في " المعجم الكبير " (١١ / ٣٥١) والحاكم في " المستدرك " (٤ / ٣٩٤) والبيهقي في " السنن الكبرى " (٧ / ٦٠) جميعهم من طرق عن عثمان الشحام، عن عكرمة، عن ابن عباس به، على اختلاف في ألفاظ الروايات وتطويل وتقصير.
وهذا سند حسن، رواته ثقات، ولذلك فقد قبل الحديث: أبو داود والنسائي بإخراجهما له وسكوتهما عنه، والإمام أحمد أيضا، فقد قال المجد ابن تيمية: " واحتج به أحمد في رواية ابنه عبد الله " انتهى من " نيل الأوطار " (٧ / ٢٠٨) ، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وصححه الذهبي في " تلخيصه "، وابن حجر في " بلوغ المرام " (٣٦٣) وقال: رواته ثقات، وقال الشيخ الألباني في " إرواء الغليل " (٥ / ٩١) : إسناده صحيح على شرط مسلم. انتهى.
ويشهد له ما جاء عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: (أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ، فَخَنَقَهَا رَجُلٌ حَتَّى مَاتَتْ، فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَهَا) .
رواه أبو داود في " السنن " (٤٣٦٢) ، ومن طريقه: البيهقي في " السنن الكبرى " (٧ / ٦٠) ، والضياء المقدسي في " المختارة " (٢ / ١٦٩) .
قال الشيخ الألباني في " إرواء الغليل " (١٢٥١) : إسناده صحيح على شرط الشيخين، لكنه ضعفه في " ضعيف أبي داود " بالانقطاع.
ولعل الأقرب هو الحكم بإرسال الحديث، فقد قال الحافظ ابن حجر في " تهذيب التهذيب " (٥ / ٦٨) : " وقال الدارقطنى فى " العلل ": لم يسمع الشعبي من عليٍّ إلا حرفاً واحداً، ما سمع غيره.
كأنه عنى ما أخرجه البخاري فى " الرجم " عنه عن علي حين رجم المرأة قال: رجمتها بسنَّة النب ﵌ " انتهى كلام ابن حجر.
لكن مراسيل الشعبي مقبولة عند كثير من أهل العلم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في " الصارم المسلول " (ص ٦٥) : وهذا الحديث جيد؛ فإن الشعبي رأى عليّاً، وروى عنه حديث شراحة الهمدانية، وكان على عهد علي قد ناهز العشرين سنة، وهو كوفي، فقد ثبت لقاؤه، فيكون الحديث متصلا، ثم إن كان فيه إرسال لأن الشعبي يبعد سماعه من علي: فهو حجة وفاقاً؛ لأن الشعبي عندهم صحيح المراسيل، لا يعرفون له مرسلا إلا صحيحا، ثم هو من أعلم الناس بحديث علي، وأعلمهم بثقات أصحابه. انتهى.
وللقصة شاهد آخر يرويه ابن سعد في " الطبقات الكبرى " (٤ / ٢١٠) فيقول:
أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن معقل قال: (نزل ابن أم مكتوم على يهودية بالمدينة عمة رجل من الأنصار، فكانت ترفقه وتؤذيه في الله ورسوله، فتناولها فضربها فقتلها، فرفع إلى النبي ﷺ فقال: أما والله يا رسول الله إن كانت لترفقني، ولكنها آذتني في الله ورسوله، فضربتها فقتلتها.
فقال رسول الله ﷺ : أبعدها الله تعالى، فقد أبطلت دمها) .
وهذا السند رواته ثقات.
والحاصل بمجموع هذه الروايات: أن أصل القصة ثابتة في السنة النبوية.
ولكن: هل هي حادثة واحدة أم متعددة؟ .
الذي يبدو أنها حادثة واحدة، وإليه مال شيخ الإسلام ابن تيمية حين قال:
ويدل عليه – أي: على أنها حادثة واحدة -: كلام الإمام أحمد؛ لأنه قيل له في رواية عبد الله: في قتل الذمي إذا سَبَّ أحاديث؟ قال: نعم، منها حديث الأعمى الذي قتل المرأة، قال: سمعها تشتم النبي ﷺ ، ثم روى عنه عبد الله كلا الحديثين.
ويؤيد ذلك: أن وقوع قصتين مثل هذه لِأَعْمَيَيْنِ، كل منهما كانت المرأة تحسن إليه وتكرر الشتم، وكلاهما قتلها وحده، وكلاهما نشد رسولَ الله ﷺ فيها الناسُ: بَعِيدٌ في العادة.
" الصارم المسلول " (ص ٧٢، ٧٣) باختصار.
ويبقى إشكال في الجمع بين الاختلاف الذي جاء في الروايات في طريقة قَتل اليهودية: هل كان خنقاً أم طعناً بالسيف في بطنها؟ .
ذكر ابن تيمية فيه احتمالين: احتمال أن ابن أم مكتوم خنقها ثم طعنها، والاحتمال الثاني وجود الخطأ في إحدى الروايتين.
انظر " الصارم " (ص ٧٢) .
ثانياً:
ليس في الرواية ما يدل على أنه كان في بطن اليهودية جنين، ومَن فهم ذلك مِن السياق فقد أخطأ، وأما قوله في بعض ألفاظ الروايات: (فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك بالدم) : فلا يدل على هذا بوجه من الوجوه؛ بل الظاهر أنه طفل من طفليها الذين وصفهما بقوله:
(مثل اللؤلؤتين) ، جاء إلى أمه مشفقا عليها فتلطخ بالدم، والدليل على ذلك أن لفظ رواية الطبراني للحديث فيه: (فَأَصْبَحَ طِفْلَيْهَا بَيْنَ رِجْلَيْهَا مُلَطَّخَيْنِ بِالدَّمِ) – كذا بالياء: " طفليها " -، وأيضا في لفظ رواية البيهقي: (فَوَقَعَ طِفْلَاهَا بَيْنَ رِجْلَيْهَا مُتَضَمِّخَانِ بِالدَّمِ) .
ويدل على ذلك: ما جاء في " سؤالات الآجري أبا داود السجستاني " (ص ٢٠١) :
قال أبو داود: سمعت مصعبا الزبيري يقول: عبد الله بن يزيد الخطمي: ليس له صحبة، قال: وهو الذي قتل الأعمى أمه، وهو الطفل الذي سقط بين رجليها، التي سبَّت النبي ﷺ .
انتهى.
إذاً فليس هناك جنين مقتول، ولا يمكن أن تأتي الشريعة بأخذ الجنين بجريرة أمه، والله يقول: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ، على أن اختلاف ألفاظ الحديث ورواياته، ومجيئها مرسلة أحيانا عن عكرمة، كما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في " الأموال " (رقم ٤١٦) ، ونقد بعض الحفاظ لمرويات عثمان الشحام بوجود المناكير فيها، كما قال يحيى القطان: تعرف وتنكر، ولم يكن عندي بذاك، وقال أبو أحمد الحاكم: لم يكن بالمتين عندهم. وقال الدارقطني: بصري يعتبر به: كل ذلك يوجب الشك والتوقف في بعض التفاصيل المذكورة في القصة، لكنه لا يرقى إلى رد أصل الرواية ونفي قيام الحادثة، فقد جاءت لها شواهد أخرى سبق ذكرها، وقبلها أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين.
ثالثاً:
في هذه القصة دليل على العدل الذي كان المسلمون يعاملون به أهل الكتاب، والذي جاءت به الشريعة رحمة للعالمين، فحقوق اليهود المعاهدين مصونة محفوظة، ولا يجوز التعرض لهم بشيء من الأذى والضرر، لذلك لما وجد الناس يهودية مقتولة ضجوا ورفعوا أمرها إلى النبي ﷺ الذي أعطاهم العهد والأمان، ولم يكن يأخذ منهم الجزية، فغضب وناشد المسلمين بالله تعالى أن يظهر من فعل تلك الفعلة، لينظر في عقابه ويقضي في أمره، ولكن لَمَّا عَلِمَ أنها نقضت العهد مرات ومرات، بأذاها لرسول الله ﷺ ووقوعها فيه، حُرِمَت جميعَ حقوقها، واستحقت حد القتل الذي توجبه الشريعة على كل من يسب النبي ﷺ ، سواء كان مسلما أو ذميّاً أو معاهداً، فإن التعرض لمقام الأنبياء كفر بالله العظيم، ونقض لكل حرمة وحق وعهد، وخيانة عظمى توجب أشد العقوبات.
انظر " أحكام أهل الذمة " (٣ / ١٣٩٨) ، وفي موقعنا جواب السؤال رقم: (٢٢٨٠٩) .
وأما أن " المختص بتوقيع حد الردة هو السلطان أو نائبه "، فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذا الإشكال، فقال:
" يبقى أن يقال: الحدود لا يقيمها إلا الإمام أو نائبه؟ "، ثم قال ﵀:
" وجوابه من وجوه:
أحدها: أن السيد له أن يقيم الحد على عبده، بدليل قوله ﷺ : (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) [رواه أحمد (٧٣٦) وغيره، وحسنه الأرناؤوط لغيره، ومال الألباني إلى أن هذه الجملة من كلام علي، كما في الإرواء (٢٣٢٥) ] ، وقوله: (إذا زنت أمة أحدكم فليحدها) [رواه أبو داود (٤٤٧٠) وهو في الصحيحين بلفظ: " فليجلدها الحد "] ، ولا أعلم خلافا بين فقهاء الحديث أن له أن يقيم عليه الحد، مثل حد الزنا والقذف والشرب، ولا خلاف بين المسلمين أن له أن يعززه، واختلفوا هل له أن يقيم عليه قتلا أو قطعا، مثل قتله لردته، أو لسبه النبي ﷺ وقطعه للسرقة؟ وفيه عن الإمام أحمد روايتان: إحداهما: يجوز، وهو المنصوص عن الشافعي، والأخرى: لا يجوز، كأحد الوجهين لأصحاب الشافعي، وهو قول مالك، وقد صح عن ابن عمر أنه قطع يد عبد له سرق، وصح عن حفصة أنها قتلت جارية لها اعترفت بالسحر، وكان ذلك برأي ابن عمر؛ فيكون الحديث حجة لمن يجوز للسيد أن يقيم الحد على عبده بعلمه مطلقا ...
الوجه الثاني:: أن ذلك أكثر ما فيه أنه افتئات على الإمام، والإمام له أن يعفو عمن أقام حدا واجبا دونه.
الوجه الثالث: أن هذا، وإن كان حدا، فهو قتل حربي أيضا؛ فصار بمنزلة قتل حربي تحتم قتله، وهذا يجوز قتله لكل أحد ...
الوجه الرابع: أن مثل هذا قد وقع على عهد رسول الله ﷺ ، مثل المنافق الذي قتله عمر بدون إذن النبي ﷺ ، لما لم يرض بحكمه، فنزل القرآن بإقراره، ومثل بنت مروان التي قتلها ذلك الرجل، حتى سماه النبي ﷺ ناصر الله ورسوله؛ وذلك أن من وجب قتله لمعنى يكيد به الدين ويفسده، ليس بمنزلة من قتل لأجل معصيته من زنا ونحوه. " انتهى من الصارم المسلول (٢٨٥-٢٨٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1818
صحة حديث: " اللهم فارج الهم وكاشف الغم "
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة هذا الحديث: (اللهم فارج الهم، وكاشف الغم، ومجيب دعوة المضطرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أنت ترحمني فارحمني برحمة تغنيني بها عن رحمة مَن سواك) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
جاء نص هذا الدعاء في حديثين اثنين:
١- في حديث عائشة ﵂ قالت:
(دخل علي أبو بكر، فقال: هل سمعت من رسول الله ﷺ دعاء علمنيه؟ قلت: ما هو؟ قال: كان عيسى بن مريم يعلمه أصحابَه قال: لو كان على أحدكم جبل ذهب دينا فدعا الله بذلك لقضاه الله عنه: " اللهم فارج الهم، كاشف الغم، مجيب دعوة المضطرين، رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، أنت ترحمني، فارحمني برحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك "
قال أبو بكر الصديق ﵁: وكانت علي بقية من الدين، وكنت للدين كارها، فكنت أدعو بذلك، فأتاني الله بفائدة فقضاه الله عني.
قالت عائشة: كان لأسماء بنت عميس علي دينار وثلاثة دراهم، فكانت تدخل علي فأستحيي أن أنظر في وجهها؛ لأني لا أجد ما أقضيها، فكنت أدعو بذلك، فما لبثت إلا يسيرا حتى رزقني الله رزقا، ما هو بصدقة تصدق بها علي، ولا ميراث ورثته، فقضاه الله عني، وقسمت في أهلي قسما حسنا، وحليت ابنة عبد الرحمن بثلاث أواق ورق، وفضل لنا فضل حسن)
رواه البزار – عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٤) – وأبو بكر المروزي في "مسند أبي بكر الصديق" (رقم/٤٠) والطبراني في "الدعاء" (١/٣١٧) ، وابن عدي في "الكامل" (٢/٢٠٣) ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/٤٧٢) ، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/٦٩٦) والبيهقي في "دلائل النبوة" (رقم/٢٤٢٠) وفي "الدعوات الكبير" (رقم/١٦٧) وفي مسند الفردوس للديلمي (رقم/١٩٨٨)
من عدة طريق عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الحكم بن عبد الله الأيلي، عن القاسم بن محمد، عن عائشة به.
وقال الحاكم: " وهذا حديث صحيح غير أنهما لم يحتجا بالحكم بن عبد الله الأيلي " انتهى.
والصواب أن الحكم بن عبد الله الأيلي ضعيف الحديث جدا، وكذبه غير واحد من الأئمة، جاء في ترجمته في "لسان الميزان" (٢/٣٣٢) : " كان ابن المبارك شديد الحمل عليه. وقال أحمد: أحاديثه كلها موضوعة. وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال السعدي وأبو حاتم: كذاب. وقال النسائي والدارقطني وجماعة: متروك الحديث.
وقال البخاري: تركوه كان ابن المبارك يوهنه البتة وفي رواية يضعفه. وقال مسلم في "الكنى": منكر الحديث " انتهى باختصار فإن تشنيع العلماء على حديثه كثير.
وبهذا يتبين أن الحديث منكر أو موضوع، خلافا لما ذهب إليه الإمام الحاكم ﵀؛ ولهذا وضعفه الإمام المنذري في "الترغيب والترهيب" (٣/٥٧) وذكر له علة أخرى هي عدم سماع القاسم من عائشة، وحكم عليه بالضعف أيضا الإمام السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٤) ، وحكم عليه الشيخ الألباني في "ضعيف الترغيب" (١١٤٣) بالوضع.
٢- عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(يا علي! ألا أعلمك دعاء إذا أصابك غم أو هم تدعو به ربك فيستجاب لك بإذن الله، ويفرج عنك: توضأ، وصل ركعتين، واحمد الله، وأثن عليه، وصل على نبيك، واستغفر لنفسك وللمؤمنين والمؤمنات، ثم قل: اللهم! أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم كاشف الغم، مفرج الهم، مجيب دعوة المضطرين إذا دعوك، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، فارحمني في حاجتي هذه بقضائها ونجاحها رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك)
يقول الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (رقم/٥٢٨٧) :
" منكر: أخرجه الأصبهاني (٢/ ٥٣٤/ ١٢٧٨ - ط) عن إسحاق بن الفيض: أخبرنا المضاء: حدثني عبد العزيز عن أنس مرفوعاً.
قلت – الشيخ الألباني -: وهذا إسناد ضعيف مظلم ... " ثم فصل القول في علله ﵀، فانظر الموضع المشار إليه من الضعيفة.
والخلاصة أن نص هذا الدعاء لم يرد من طريق صحيح، بل طرقه شديدة الضعف، لذلك حكم عليه العلماء بالوضع وأوردوه في كتب الموضوعات، كما في "تذكرة الموضوعات" للفتني (ص ٥٣) ، "تنزيه الشريعة" (٢/٣٣٣) ، "الفوائد المجموعة" (ص ٥٩، ٥٢) .
ثانيا:
لا حرج في أن يجعل المرء ذلك من دعاء نفسه، أو أن يسأل الله الحاجات بألفاظه، فهي عبارات صحيحة لها شواهد كثيرة من الكتاب والسنة الصحيحة، فيها تذلل وتقرب وإظهار خضوع لله رب العالمين، كما فيها توسل بصفات الله تعالى ورحمته التي وسعت كل شيء، فمن دعا به – من غير اعتقاد مزيد فضل له ولا خصوص أجر – يرجى له القبول والاستجابة.
عن عبد الرحمن بن سابط قال:
(كان رسول الله ﷺ يدعو بهؤلاء الكلمات ويعظمهن: اللهم فارج الهم، وكاشف الكرب، ومجيب المضطرين، ورحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، ارحمني اليوم رحمة واسعة تغنيني بها عن رحمة من سواك)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٦/١٠٩) بسند صحيح عن عبد الرحمن بن سابط، لكن عبد الرحمن هذا ن التابعين، ولم يدرك النبي ﷺ ، كما في ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٦/١٨١) ، فيكون حديثه مرسلا، والحديث المرسل يستأنس به في الأذكار والدعاء.
بل إن الدعاء، متى استقام معناه، وصح لفظه، جاز الدعاء به، ولو لم يكن مأثورا أصلا، فباب الدعاء مفتوح لمن يجتهد فيه، وإن كان الدعاء المأثور الثابت أعظم بركة، وأسد معنى، وأبعد عن التكلف والعدوان في الدعاء.
وانظر في موقعنا جواب السؤال رقم (٧٠٢٩٥) ، (٨٤٠٣٠)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1819
هل فتحت نافذة فوق قبر الرسول ﷺ للاستسقاء ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد جوابا تفصيليا عن مدى صحة الحديث الذي يقول به الصوفيون، من حديث عائشة التي تخبر فيه بفتح نافذة في قبر الرسول ﷺ من أجل نزول المطر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الحديث المقصود يرويه أبو الجوزاء أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: (قُحِطَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَحْطاً شَدِيداً، فَشَكَوْا إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: انْظُرُوا قَبْرَ النَّبِىِّ ﷺ فَاجْعَلُوا مِنْهُ كِوًى إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ سَقْفٌ. قَالَ: فَفَعَلُوا، فَمُطِرْنَا مَطَراً حَتَّى نَبَتَ الْعُشْبُ وَسَمِنَتِ الإِبِلُ، حَتَّى تَفَتَّقَتْ مِنَ الشَّحْمِ، فَسُمِّىَ عَامَ الْفَتْقِ) .
(كوى) جمع "كوة" وهي الفتحة.
رواه الدارمي (١/٥٦) رقم (٩٢) تحت باب: ما أكرم الله تعالى نبيه بعد موته.
قال الدارمي: حدثنا أبو النعمان، ثنا سعيد بن زيد، ثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال:. . . ثم ذكر الحديث.
وهذا الأثر ضعيف، لا يصح، وقد بَيَّن العلامة الألباني ضعفه، فقال في كتابه: "التوسل" (ص١٢٨) :
"وهذا سند ضعيف لا تقوم به حجة لأمور ثلاثة:
أولها: أن سعيد بن زيد وهو أخو حماد بن يزيد فيه ضعف. قال فيه الحافظ في "التقريب": صدوق له أوهام. وقال الذهبي في "الميزان": "قال يحيى بن سعيد: ضعيف. وقال السعدي: ليس بحجة، يضعفون حديثه. وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي. وقال أحمد: ليس به بأس، كان يحيى بن سعيد لا يستمرئه".
وثانيها: أنه موقوف على عائشة وليس بمرفوع إلى النبي ﷺ ، ولو صح لم تكن فيه حجة، لأنه يحتمل أن يكون من قبيل الآراء الاجتهادية لبعض الصحابة مما يخطئون فيه ويصيبون، ولسنا ملزمين بالعمل بها.
وثالثها: أن أبا النعمان هذا هو محمد بن الفضل يعرف بعارم وهو وإن كان ثقة فقد اختلط في آخر عمره. وقد أورده الحافظ برهان الدين الحلبي في "الاغتباط بمن رمي بالاختلاط" تبعا لابن الصلاح حيث أورده في (المختلطين) من كتابه "المقدمة" وقال: "والحكم فيهم أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط، ولا يقبل من أخذ عنهم بعد الاختلاط، أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده".
قلت (الألباني) : وهذا الأثر لا يُدرى هل سمعه الدارمي منه قبل الاختلاط أو بعده، فهو إذن غير مقبول، فلا يحتج به.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الرد على البكري": "وما روي عن عائشة ﵂ من فتح الكوة من قبره إلى السماء لينزل المطر فليس بصحيح، ولا يثبت إسناده، ومما يبين كذب هذا: أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة بل كان باقيا كما كان على عهد النبي ﷺ ، بعضه مسقوف، وبعضهم مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن النبي ﷺ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء. بعد ولم تزل الحجرة كذلك حتى زاد الوليد بن عبد الملك في المسجد في إمارته لما زاد الحجر في مسجد الرسول ﷺ . . ومن حينئذ دخلت الحجرة النبوية في المسجد ثم إنه بنى حول حجرة عائشة التي فيها القبر جداراً عالياً وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك لأجل كنس أو تنظيف. وأما وجود الكوة في حياة عائشة فكذب بَيِّن" انتهى.
ثانيا:
ليس في هذا الحديث دليل لما يعتقده غلاة الصوفية من جواز الاستغاثة بالنبي محمد ﷺ ، فأنت لا تجد في الحديث شيئا يدل على ذلك من قريب أو من بعيد، وغاية ما فيه إثبات كرامة للنبي ﷺ بعد موته، كما وصفها الدارمي في "مسنده" في تبويب الحديث، وهي بركة جسده الطاهر، وقدره الشريف عند الله تعالى، ولا يعني ذلك جواز أن يذهب المسلمون إليه ليستغيثوا به وهو في قبره، والصحابة رضوان الله عليهم لم يفعلوا ذلك، إنما كشفوا كوة من سقف حجرته ليواجه السماء، ولم يطلب أحد منهم السقيا من النبي ﷺ ، ولا خاطبوه بحاجتهم إلى ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص/٣٣٨) :
" قصد القبور للدعاء عندها، ورجاء الإجابة بالدعاء هناك رجاء أكثر من رجائها بالدعاء في غير ذلك الموطن: أمرٌ لم يشرعه الله ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أئمة المسلمين، ولا ذكره أحد من العلماء والصالحين المتقدمين، بل أكثر ما ينقل من ذلك عن بعض المتأخرين بعد المائة الثانية.
وأصحابُ رسول الله ﷺ قد أجدبوا مرات، ودهمتهم نوائب غير ذلك، فهلا جاءوا فاستسقوا واستغاثوا عند قبر النبي ﷺ ؟!
بل خرج عمر بالعباس فاستسقى به (أي بدعائه) ، ولم يستسق عند قبر النبي ﷺ .
بل قد روي عن عائشة ﵂ أنها كشفت عن قبر النبي ﷺ لينزل المطر، فإنه رحمة تنزل على قبره، ولم تستسق عنده، ولا استغاثت هناك" انتهى.
وبهذا يظهر أنه لا حجة في هذا الأثر للصوفية على جواز الاستغاثة بالرسول ﷺ ، أو التوسل بذاته أو جاهه إلى الله تعالى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1820
قصة الغرانيق
[السُّؤَالُ]
ـ[قصة الغرانيق المذكورة في تفسير سورة الحج هل ثبت منها شيء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
أصل هذه القصة حادثة وقعت للنبي ﷺ في مكة في بداية الدعوة، أنه حين أوحيت إليه سورة النجم قرأها على جمعٍ من المسلمين والمشركين، فلما بلغ آخرَها حيث يقول الله تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ. وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ. وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ. فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) النجم/٥٩-٦٢ سجد النبي ﷺ ، وسجد معه جميعُ مَن حضر من المسلمين والمشركين، إلا رجلين اثنين: أمية بن خلف، والمطلب بن وداعة.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ) رواه البخاري (١٠٧١)
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: (أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَةٌ (وَالنَّجْمِ) قَالَ: فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ، إِلَاّ رَجُلاً رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ فَسَجَدَ عَلَيْهِ، فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا، وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَف) رواه البخاري (٣٩٧٢) وأيضا برقم (٤٨٦٣) ورواه مسلم (٥٧٦)
ثانيا:
جاءت بعض الروايات تفسِّرُ سبب سجود المشركين مع النبي ﷺ ، وسببَ استجابتهم لأمر الله تعالى، حاصلُها أن الشيطان ألقى في أثناء قراءته كلماتٍ على لسان النبي ﷺ فيها الثناء على آلهتهم، وإثبات الشفاعة لها عند الله، وهذه الكلمات هي: " تلك الغرانيق العُلى، وإن شفاعتهن لَتُرتَجَى " وأن المشركين لما سمعوا ذلك فرحوا واطمأنوا وسجدوا مع النبي ﷺ .
والغرانيق: جمع غرنوق: وهو طير أبيض طويل العنق. قال ابن الأنباري: " الغرانيق: الذكور من الطير، واحدها غِرْنَوْق وغِرْنَيْق، سمي به لبياضه، وقيل هو الكُرْكيّ، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقرّبهم من الله ، وتشفع لهم إليه، فشبهت بالطيور التي تعلو وترتفع في السماء " انتهى. لسان العرب (١٠/٢٨٦)
قالوا: فكانت هذه القصة سبب نزول قوله : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) الحج/٥٢
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا القول في "منهاج السنة النبوية" (٢/٢٤٣) :
" على المشهور عند السلف والخلف مِن أن ذلك جرى على لسانه ثم نسخه الله وأبطله " انتهى
وبعد تتبع الآثار الواردة في هذه القصة، تبين أن مجموع السلف الذين يُحكى عنهم هذا القول يبلغ نحو ثلاثة عشر، وتبين أنه لم يثبت بالسند الصحيح إلا عن خمسةٍ منهم، وهم: سعيد بن جبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وأبو العالية، وقتادة، والزهري.
أما الباقون فلا تصح نسبته إليهم، لما في الأسانيد إليهم من ضعف ونكارة، وهم: ابن عباس، وعروة بن الزبير، ومحمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس، وأبو صالح، والضحاك، ومحمد بن فضالة، والمطلب بن حنطب.
انظر تخريج هذه الآثار والحكم عليها في رسالة الشيخ الألباني "نصب المجانيق" (١٠-٣٤)
ثانيا:
إلا أن طائفة كبيرة من المحققين من أهل العلم، نفوا وقوع هذه القصة، ولم يأخذوا بإثبات مَن ذكرها من السلف، واستدلوا على ذلك بأن قالوا: مَن ذكرها مِن السلف لم يدركوا النبي ﷺ ، ولم يذكروا مصادرهم للحادثة، فدخل الشك فيها، وساعد عليه ما في ظاهرها من طعن في النبوة، إذ كيف يُدخل الشيطان في الوحي كلماتِه الباطلة، مع أن الله تعالى حفظ وحيَه من التحريف والتبديل والزيادة، وعَصَمَه من الخطأ والزلل.
يقول القاضي عياض في "الشفا" (٢/١٢٦) :
" فأما من جهة المعنى: فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته ﷺ ، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، إمَّا مِن تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر، أو أن يتسوَّرَ عليه الشيطان ويشبِّهَ عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبي ﷺ أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل ﵇، وذلك كله ممتنع في حقه ﷺ .
أو يقول ذلك النبي ﷺ من قبل نفسه عمدا - وذلك كفر -، أو سهوا وهو معصوم من هذا كله، وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته ﷺ من جريان
الكفر على قلبه أو لسانه لا عمدا ولا سهوا، أو أن يتشبه عليه ما يلقيه الملك مما يلقى الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله لا عمدا ولا سهوا ما لم ينزل عليه، وقد قال الله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل) الآية، وقال تعالى (إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) الآية " انتهى باختصار.
وقد عد الشيخ الألباني في رسالته "نصب المجانيق" (٤٦-٤٨) أسماء عشرة من العلماء المتقدمين والمتأخرين في نفي صحة هذه الحادثة، أكثرها يؤكد نفي وجود السند المتصل المرفوع بها، ومنافاتها لعصمة النبي ﷺ .
ثالثا:
والمسألة فيها نوع اشتباه، يصعب الجزم فيها بأمر، ولكن يمكننا القول بأن الجزم بنفي هذه الحادثة فيه نظر، وأن اعتبارها منافية لأصول العقيدة ومهمات الدين فيه نظر، أيضا، فقد صحت القصة من طريق جماعة من السلف مِن قولهم، وهي وإن كانت مرسلة، فكثرتها تبعث على الاطمئنان بوقوعها، ولو كان فيها شيء مناقض لعصمة الوحي لَما نطق بها كبار أئمة التابعين كسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم.
يقول الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٨/٤٣٩) في تخريجه لهذه القصة:
" كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا ... - ثم نقل تضعيف ابن العربي والقاضي عياض القصة ثم قال -: وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يَحتجُّ بمثلها مَن يحتجُّ بالمرسل، وكذا من لا يحتج به، لاعتضاد بعضها ببعض " انتهى.
وليس في القصة أي طعن في عصمة التبليغ والرسالة، لأن النسخ والتصحيح جاء بوحي من الله، وسواء كان الخطأ من النبي ﷺ أو بإيهام الشيطان على أسماع المشركين، فإن المآل واحد، هو وقوع الحق وزهوق الباطل، والإخلال بمقتضى الرسالة لا يكون إلا باستمرار الباطل واختلاطه بكلام الله تعالى، وذلك ما لم يكن ولن يكون.
يقول شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (١٠/٢٩٠) :
" وهذه العصمة الثابته للأنبياء هي التي يحصل بها مقصود النبوة والرسالة ... فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين.
ولكن هل يصدر ما يستدركه الله فينسخ ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته؟ هذا فيه قولان: والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك.
والذين منعوا ذلك من المتأخرين طعنوا فيما ينقل من الزيادة في سورة النجم بقوله: " تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى " وقالوا: إن هذا لم يثبت.
ومن علم أنه ثبت قال: هذا ألقاه الشيطان في مسامعهم ولم يلفظ به الرسول.
ولكن السؤال وارد على هذا التقدير أيضا، وقالوا في قوله: (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) هو حديث النفس.
وأما الذين قرروا ما نقل عن السلف فقالوا: هذا منقول نقلا ثابتا لا يمكن القدح فيه، والقرآن يدل عليه بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) الحج/٥٢-٥٤
فقالوا: الآثار في تفسير هذه الآية معروفة ثابتة في كتب التفسير والحديث، والقرآن يوافق ذلك، فإن نسخ الله لما يُلقي الشيطان، وإحكامه آياته، إنما يكون لرفع ما وقع في آياته، وتمييز الحق من الباطل حتى لا تختلط آياته بغيرها، وجعل ما ألقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، إنما يكون إذا كان ذلك ظاهرا يسمعه الناس لا باطنا في النفس، والفتنة التي تحصل بهذا النوع من النسخ، من جنس الفتنة التي تحصل بالنوع الآخر من النسخ، وهذا النوع أدل على صدق الرسول وبعده عن الهوى من ذلك النوع، فإنه إذا كان يأمر بأمر ثم يأمر بخلافه - وكلاهما من عند الله وهو مصدق في ذلك - فإذا قال عن نفسه إن الثاني هو الذي من عند الله وهو الناسخ، وإن ذلك المرفوع الذي نسخه الله ليس كذلك، كان أدل على اعتماده للصدق، وقوله الحق، وهذا كما قالت عائشة ﵂: (لو كان محمد كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) .
ألا ترى أن الذي يُعَظِّمُ نفسَه بالباطل يريد أن ينصر كل ما قاله ولو كان خطأ، فبيان الرسول أن الله أحكم آياته ونسخ ما ألقاه الشيطان، هو أدل على تحريه للصدق وبراءته من الكذب، وهذا هو المقصود بالرسالة، فإنه الصادق المصدوق ﷺ ، ولهذا كان تكذيبه كفرا محضا بلا ريب " انتهى.
والخلاصة أن إثبات أصل القصة قول متجه، وهو أقرب إلى التحقيق العلمي إن شاء الله.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1821
حديث: (إن نقدت الناس نقدوك)
[السُّؤَالُ]
ـ[الرجاء إفادتنا بدرجة صحة الحديث المروي عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ : (إن نقدت الناس نقدوك، وإن تركتهم تركوك) وأين نجده؟ قيل لي إنه يوجد في كتاب صحيح البخاري لكنني لم أجده.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
حديث أبي الدرداء المذكور ليس في "صحيح البخاري".
وله عدة ألفاظ منها: (إن نافرت الناس نافروك، وإن هربت منهم أدركوك , وإن تركتهم لم يتركوك. قال: كيف أصنع؟ قال: هب عرضك ليوم فقرك) وهو مخالف للفظ الوارد في السؤال.
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٤٧/ ١٧٨،١٧٩) من طريق فَرَج بن فَضالة عن لقمان بن عامر عن أبي الدرداء به.
وسنده ضعيف فإن فَرَج بن فَضالة ضعيف , ولقمان بن عامر روايته عن أبي الدرداء منقطعة.
انظر: "تهذيب التهذيب" (٨/٤٥٦) , "التقريب" (٢/١٠٧) .
ثم إنهم اضطربوا فيه فروي بالسند نفسه من قول أبي الدرداء ﵁ موقوفا عليه، وليس من قول النبي ﷺ .
رواه ابن عساكر في"تاريخ دمشق" (٤٧/١٧٨) .
ثم رواه ابن عساكر (٤٧/١٧٩) من طريق أنس بن عياض عن يحي بن سعيد قال: قال
أبو الدرداء به موقوفا عليه من قوله.
وسنده منقطع , قال ابن المديني عن يحي بن سعيد الأنصاري: "لا أعلمه سمع من صحابي غير أنس".
"التهذيب" لابن حجر (١١/٢٢٣) .
وورد من حديث أبي أمامة ﵁.
رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨/١٢٦) رقم (٧٥٧٥) وأبو عمرو الداني في"السنن الواردة في الفتن" (٢١٩) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٤/١٧) .
وسنده ضعيف، فيه بقية بن الوليد وهو يدلس تدليس التسوية , وصدقة بن عبد الله السّمين ضعيف.
انظر: "مجمع الزوائد" للهيثمي (٧/٢٨٥) .
وورد عند الداني وابن عساكر بلفظ: (إن نافذتهم نافذوك) قال ابن الأثير: "أي: إن قلتَ لهم قالوا لك، ويُروى بالقاف والدال المهملة". أي: ناقدتهم.
"النهاية" (٥/٩٢) .
وإنما يثبت هذا الأثر من قول أبي مسلم الخولاني، قال: (كان الناس وَرَقاً لا شوك فيه، وإنهم اليوم شوك لا وَرَق فيه، إن ساببتهم سابوك، وإن ناقدتهم ناقدوك، وإن تركتهم لم يتركوك) .
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٧/٢٠٦) وابن أبي عاصم في "الزهد" (١/٣٦٧) وأبو نعيم في "الحلية" (٢/١٢٣) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٧/٢٢٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1822
أحاديث نبوية في ذم الإسراف في الطعام
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة هذين الحديثين لو سمحتم: روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشبع؛ فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم، وضعفت قلوبهم، وجمحت شهواتهم) رواه البخاري. ولقد أوصانا رسول الله ﷺ ألا نأكل كل ما تشتهيه الأنفس؛ فقد روي عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من الإسراف أن تأكل ما اشتهيت) رواه ابن ماجه. وهل هناك في الشرع شيء ينهى أن يسرف المسلم في أكله، أو أن لا يستطيع التحكم في أكله ويأكل في كل وقت وحين؟ حديث أو آية أو كتاب ممكن أن تنصحون به ينهى المسلم عن هذه الأمور، أو يكلمنا عن هدي الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، عن أكله ومطعمه. جزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
شهوة البطن من أعظم المهلكات، وسببُ كثيرٍ من الآفات والأمراض القلبية والبدنية، إذ تتبعها شهوة الفرج، ثم الرغبة في الجاه والمال لتحقيق هاتين الشهوتين، ويتولد من ذلك من أمراض القلوب الرياء والحسد والتفاخر والكبر بسبب الانشغال بالدنيا، وغالبا ما يدفعه ذلك إلى المنكر والفحشاء، كله بسبب هذه الشهوة، وقد قالت العرب قديما: المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء.
يقول الله : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الأعراف/٣١
وفي السنة النبوية من الحث على الاعتدال في الطعام، وذم الإسراف الشيء الكثير:
يقول النبي ﷺ : (مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٍ يُقِمْنِ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لاْ مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ) رواه الترمذي (٢٣٨٠) وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٢٦٥)
وعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَأْكُلُ حَتَّى يُؤْتَى بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَأَدْخَلْتُ رَجُلًا يَأْكُلُ مَعَهُ، فَأَكَلَ كَثِيرًا، فَقَالَ: يَا نَافِعُ! لَا تُدْخِلْ هَذَا عَلَيَّ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
(الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) رواه البخاري (٥٣٩٣) ومسلم (٢٠٦٠)
يقول النووي في شرح هذا الحديث (١٤/٢٥) :
" قال العلماء: ومقصود الحديث التقليل من الدنيا، والحث على الزهد فيها والقناعة، مع أن قلة الأكل من محاسن أخلاق الرجل، وكثرة الأكل بضده، وأما قول ابن عمر فى المسكين الذى أكل عنده كثيرا: " لا يدخلن هذا علي "، فإنما قال هذا لأنه أشبه الكفار، ومن أشبه الكفار كرهت مخالطته لغير حاجة أو ضرورة؛ ولأن القدر الذى يأكله هذا يمكن أن يسد به خلة جماعة " انتهى.
وقد سبق في موقعنا ذكر أحاديث أخرى في هذا الباب، فانظر سؤال رقم (٧١١٧٣)
ثانيا:
يلخص لنا ابن القيم رحمه الله تعالى هدي النبي ﷺ في أمر الطعام والشراب، ويستخلصه من الأحاديث الصحيحة، فيقول – كما في "زاد المعاد" (١/١٤٧) -:
" وكذلك كان هديُه ﷺ وسيرتُه في الطعام، لا يردُّ موجوداً، ولا يتكلف مفقوداً، فما قُرِّبَ إليه شيءٌ من الطيبات إلا أكله، إلا أن تعافَه نفسُه، فيتركَه من غير تحريم، وما عاب طعاماً قطُّ، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه، كما ترك أكل الضَّبِّ لمَّا لَمْ يَعْتَدْهُ، ولم يحرمه على الأمة، وأكل الحلوى والعسل، وكان يُحبهما، وأكل لحم الجزور، والضأن، والدجاج، ولحم الحُبارى، ولحم حِمار الوحش، والأرنب، وطعام البحر، وأكل الشواء، وأكل الرُّطبَ والتمرَ ... ولم يكن يردُّ طَيِّباً، ولا يتكلفه، بل كان هديه أكلَ ما تيسر، فإن أعوزه صَبَرَ حتى إنه ليربِطُ على بطنه الحجر من الجوع، ويُرى الهلالُ والهلالُ والهلالُ ولا يُوقد في بيته نارٌ " انتهى باختصار.
ثالثا:
ذكر العلماء فوائد الاعتدال في الطعام وعدم الإسراف، ومنها:
١- صفاءُ القلبِ وإيقادُ القريحة وإنفاذ البصيرة، فإنّ الشبعَ يورثُ البلادةَ ويُعمي القلب، ولهذا جاءَ في الحكمة (مَن أجاعَ بطنَه عظُمت فكرتُه وفَطُن قلبُه) .
٢- الانكسارُ والذلُ وزوالُ البَطَرِ والفرحِ والأشرِ، الذي هو مبدأُ الطغيانِ والغفلةِ عن الله تعالى.
٣- أن لا ينسى بلاءَ الله وعذابه، ولا ينسى أهلَ البلاء، فإن الشبعانَ ينسى الجائعَ وينسى الجوع، والعبدُ الفطنُ لا يجدُ بلاءَ غيرِه إلا ويتذكرُ بلاءَ الآخرة.
٤- من أكبر الفوائد: كسرُ شهواتِ المعاصي كلّها، والاستيلاءُ على النفسِ الأمّارةِ بالسوء، فإنَّ منشأَ المعاصي كلِّها الشهواتُ والقوى، ومادةُ القوى والشهواتِ لا محالة الأطعمة. قال ذو النون: ما شبعتُ قطُّ إلا عصيتُ أو هممتُ بمعصية.
٥- دفعُ النومِ ودوامُ السَّهر، فإنَّ مَن شَبِع كثيرًا شرب كثيرًا، ومن كثر شربُه كثرَ نومه، وفي كثرةِ النومِ ضياعُ العمر وفوتُ التهجدِ وبلادةُ الطبعِ وقسوةُ القب، والعمرُ أنفسُ الجواهرِ، وهو رأسُ مالِ العبدِ، فيه يتجر، والنومُ موت، فتكثيره يُنقِصُ العمر.
٦- صحةُ البدن ودفعُ الأمراض، فإن سببَها كثرةُ الأكل وحصولُ الأخلاط في المعدة، وقد قالَ الأطباء: البِطْنةُ أصلُ الداء، والحِميةُ أصلُ الدواء.
" ملخصة من إحياء علوم الدين (٣/١٠٤-١٠٩) "
رابعا:
أما الأحاديث المذكورة في السؤال فلم يصح منها شيء:
الحديث الأول:
قالت عائشة ﵂: (إن أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد قضاء نبيها ﷺ : الشبع، فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم، فتصعبت قلوبهم، وجمحت شهواتهم) رواه البخاري في "الضعفاء" – كما عزاه إليه الذهبي في "ميزان الاعتدال" (٣/٣٣٥) - ورواه ابن أبي الدنيا في "الجوع" (رقم/٢٢)
من طريق غسان بن عبيد الأزدي الموصلي، قال: حدثنا حمزة البصري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به.
قلت: وهذا السند ضعيف جدا بسبب غسان بن عبيد، جاء في ترجمته في "لسان الميزان" (٤/٤١٨) : " قال أحمد بن حنبل: كتبنا عنه، قدم علينا ههنا ثم حرقت حديثه. قال ابن عدي: الضعف على حديثه بين. – وفي رواية عن يحيى بن معين - ضعيف ... - ثم عد حديث عائشة الذي معنا من مناكيره – " انتهى بتصرف.
ولذلك قال الشيخ الألباني في "ضعيف الترغيب" (١٢٣٩) : " منكر موقوف " انتهى.
تنبيه: جاء في السؤال نسبة هذا الحديث إلى البخاري، وهذا خطأ كبير؛ لأن إطلاق القول بـ: " رواه البخاري "، ينصرف عادة إلى الصحيح، والبخاري له كتب أخرى كثيرة، يروي فيها الأحاديث بأسانيده، ولا يشترط فيها الصحة، منها كتاب "الضعفاء الصغير" وهو مطبوع، وله كتاب "الضعفاء الكبير": ذكره ابن النديم وبروكلمان في "تاريخ الأدب" (ص/٦٥) وأنه ما زال مخطوطا في مكتبة "بتنة" في الهند؛ فإذا قدر أن البخاري روى حديثا في شيء من كتبه، سوى الصحيح الذي هو أعظم دواوين الإسلام، فينبغي أن يبين عند نسبة الحديث: رواه البخاري في التاريخ، أو: في الضفعاء، أو في الأدب المفرد..، مثلا، ثم يبحث في سند الحديث: هل هو صحيح أو لا، كما هو الحال في الكتب الأخرى.
وحديث عائشة هذا لعله في "الضعفاء الكبير"، فقد بحثنا عنه في "الصغير" فلم أجده، كما أن الضعفاء الصغير نادرا ما يذكر فيه الأحاديث والأسانيد. والله أعلم.
الحديث الثاني:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ مِنْ السَّرَفِ أَنْ تَأْكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَيْتَ) رواه ابن ماجه (٣٣٥٢) وأبو يعلى في "المسند" (٥/١٥٤) وأبو نعيم في "الحلية" (١٠/٢١٣) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥/٤٦) وغيرهم من طرق عن بقية بن الوليد حدثنا يوسف بن أبي كثير عن نوح بن ذكوان عن الحسن عن أنس مرفوعا.
وهذا السند ضعيف جدا، فيه عدة علل، منها:
١- يوسف بن أبي كثير: قال عنه ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (١١/٤٢١) : " أحد شيوخ بقية الذين لا يعرفون " انتهى.
٢- نوح بن ذكوان: منكر الحديث: جاء في ترجمته في "تهذيب التهذيب" (١٠/٤٨٤) :
" قال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدا، يجب التنكب عن حديثه ... وقال أبو نعيم: روى عن الحسن المعضلات، وله صحيفة عن الحسن عن أنس: لا شىء " انتهى باختصار.
ولذلك ضعف الحديث غير واحد من أهل العلم: ابن حبان في "المجروحين" (٣/٤٧) ، وابن عدي في "الكامل" (٨/٢٩٩) ، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/١٨٢) ، والبوصيري في "مصباح الزجاجة" (٢/١٨٨) والسخاوي في "المقاصد الحسنة" (٥١٥) ، وقال الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (رقم/٢٤١) : موضوع.
وفيما سبق من الأحاديث الصحيحة غنى عن هذين الحديثين الضعيفين، ومن أراد التوسع في هذا الموضوع فليرجع إلى كتاب: " الجوع " لابن أبي الدنيا، و "مختصر منهاج القاصدين " لابن قدامة، "زاد المعاد" لابن القيم، و "شرح رياض الصالحين" للشيخ ابن عثيمين.
وانظر جواب السؤال رقم (٦٥٠٣)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1823
ما يُسمى " دعاء العرش " دعاء مبتدع مكذوب
[السُّؤَالُ]
ـ[ما مدى صحة هذا الدعاء، وهل له وجود في السنة النبوية؟ قيل إن جبريل علية السلام أتى النبي صلى الله علية وسلم فقال: يا محمد! السلام يقرئك السلام، ويخصك بالتحية والإكرام، وقد أوهبك هذا الدعاء الشريف، يا محمد! ما من عبد يدعو وتكون خطاياه وذنوبه مثل أمواج البحار، وعدد أوراق الأشجار، وقطر الأمطار وبوزن السموات والأرض، إلا غفر الله تعالى ذلك كله له. يا محمد! هذا الدعاء مكتوب حول العرش، ومكتوب على حيطان الجنة وأبوابها، وجميع ما فيها.. ومما ورد فيه:.... يا محمد! ما من عبد قرأ هذا الدعاء إلا غفرت ذنوبه ولو كانت عدد نجوم السماء، ومثل الرمل والحصى، وقطر الأمطار، وورق الأشجار، ووزن الجبال وعدد ريش الطيور، وعدد الخلائق الأحياء والأموات، وعدد الوحوش والدواب، يغفر الله تعالى ذلك كله، ولو صارت البحار مدادا، والأشجار أقلاما، والإنس والجن والملائكة، وخلق الأولين والآخرين يكتبون لي يوم القيامة، لفني المداد، وتكسر الأقلام، ولا يقدرون على حصر ثواب هذا الدعاء. وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: بهذا الدعاء ظهر الإسلام والإيمان. وقال عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: نسيت القرآن مرارا كثيرة فرزقني الله حفظ القرآن ببركة هذا الدعاء. وقال سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: كلما أردت أن أنظر إلى النبي ﷺ في المنام، أقرأ هذا الدعاء. وقال سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه: كلما أشرع في الجهاد أقرأ هذا الدعاء، وكان تعالى ينصرني على الكفار ببركة هذا الدعاء. ومن قرأ هذا الدعاء وكان مريضا، شفاه الله تعالى، أو كان فقيرا أغناه الله تعالى، ومن قرأ هذا الدعاء وكان به هم أو غم زال عنه، وإن كان عليه دين خلص منه، وإن كان في سجن وأكثر من قراءته خلصه الله تعالى، ويكون آمنا شر الشيطان، وجور السلطان. قال سيدنا رسول الله ﷺ : قال لي جبريل: يا محمد! من قرأ هذا الدعاء بإخلاص قلب ونية على جبل لزال من موضعه، أو على قبر لا يعذب الله تعالى ذلك الميت في قبره ولو كانت ذنوبه بالغة ما بلغت؛ لأن فيه أسم الله الأعظم. وكل من تعلم هذا الدعاء وعلمه لمؤمنين يكون له أجر عظيم عند الله، وتكون روحة مع أرواح الشهداء، ولا يموت حتى يرى ما أعده الله تعالى له من النعيم المقيم. فلازم قراءة هذا الدعاء في سائر الأوقات تجد خيرا كثيرا مستمرا إن شاء الله تعالى. فنسأل الله تعالى الإعانة على قراءته، وأن يوفقنا والمسلمين لطاعته، إنه على ما شاء قدير وبعباده خبير، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين. الدعاء: بسم الله الرحمن الرحيم: لا إله إلا الله الملك الحق المبين، لا إله إلا الله العدل اليقين، لا إله إلا الله ربنا ورب آبائنا الأولين، سبحانك إني كنت من الظالمين، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك والحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير، وإليه المصير، وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله إقرارا بربوبيته، سبحان الله خضوعا لعظمته، اللهم يا نور السموات والأرض، يا عماد السموات والأرض، يا جبار السموات والأرض، يا ديان السموات والأرض، يا وارث السموات والأرض، يا مالك السموات والأرض، يا عظيم السموات والأرض، يا عالم السموات والأرض، يا قيوم السموات والأرض، يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة. اللهم إني أسألك أن لك الحمد، لا إله إلا أنت الحنان المنان، بديع السموات والأرض، ذو الجلال والإكرام، برحمتك يا أرحم الراحمين. بسم الله أصبحنا وأمسينا، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور. الحمد لله الذي لا يرجى إلا فضله، ولا رازق غيره. الله أكبر ليس كمثله شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع البصير. اللهم إني أسألك في صلاتي ودعائي بركة تطهر بها قلبي، وتكشف بها كربي، وتغفر بها ذنبي، وتصلح بها أمري، وتغني بها فقري، وتذهب بها شري، وتكشف بها همي وغمي، وتشفي بها سقمي، وتقضي بها ديني، وتجلو بها حزني، وتجمع بها شملي، وتبيض بها وجهي. ............ اللهم استر عورتي، واقبل عثرتي، واحفظنى من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي ومن تحتي، ولا تجعلني من الغافلين. اللهم إني أسألك الصبر عند القضاء، ومنازل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء، ومرافقة الأنبياء، يا رب العالمين. آمين يا أرحم الراحمين.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الدعاء كذب مختلق مصنوع، لا يجوز نقله ولا روايته ولا العمل به، ومن تساهل في ذلك تعرض للوعيد الشديد، وكان نبيُّنا محمد ﷺ خصمَه يوم القيامة، وعلامة الوضع والكذب باديةٌ عليه، إذ لا يُعرف في ديننا دعاءٌ تكون له كل هذه الفضائل المبالغ فيها، ولو كان شيء من ذلك موجودًا في شريعتنا لوجدتَ عشرات الأسانيد الصحيحة تتسابق في نقله وروايته، أما هذا الدعاء فلم يرد ولا بإسناد ضعيف.
يقول ابن القيم ﵀ في "المنار المنيف" (ص/١٩) في حديثه عن علامات الحديث الموضوع:
" اشتماله على المجازفات التي لا يقول مثلها رسول الله ﷺ : وهي كثيرة جدا، كقوله في الحديث المكذوب: (من قال لا إله إلا الله خلق الله من تلك الكلمة طائرا له سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة، يستغفرون الله له) وأمثال هذه المجازفات الباردة، التي لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين: إما أن يكون في غاية الجهل والحمق، وإما أن يكون زنديقا قصد التنقيص بالرسول بإضافة مثل هذه الكلمات إليه " انتهى.
ويقول ابن حجر في "النكت" (٢/٨٤٣) :
" ومن جملة القرائن الدالة على الوضع الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر اليسير أو بالوعد العظيم على الفعل اليسير، وهذا كثير موجود في حديث القصاص والطرقية " انتهى.
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٤/٣٧٢-٣٧٣) :
" الدعاء المسمى بـ: (دعاء العرش وفضائل دعاء العرش) دعاء مبتدع، لا أصل له، ولا دليل عليه من الكتاب والسنة، ولم ينسب إلى مرجع معتمد، فهو من اختراع من وضعه، وواضعه مجهول، وفيه ألفاظ مكذوبة، مثل قوله: (أسألك باسمك المكتوب على جناح جبريل وعلى ميكائيل وعلى جبهة إسرافيل، وعلى كف عزرائيل الذي سميت به منكرا ونكيرا وبحق أسرار عبادك عليك) ، وفيه وعود مكذوبة لأجل إغراء الناس بهذا الدعاء المبتدع، مثل قوله: (من دعا به مرة واحدة حشره الله يوم القيامة ووجهه يتلألأ. . إلخ)
(وإن كان له ذنوب أكثر من ماء البحر وقطر الأمطار. . إلخ) (ويكتب له ثواب ألف عمرة مبرورة، وإن قرأه خائف أمنه الله، أو عطشان سقاه الله، أو جائع أطعمه الله. إلخ) (وإن حمله ذو عاهة برئ، أو زوجة أكرمها زوجها، وأمن من الجن والإنس والمردة والشياطين والأوجاع والأمراض، ورجع إلى أهله إن كان غائبا. .) إلى آخر كذبه.
وهذا دعوة إلى تعليق التمائم والحروز والتعلق بغير الله.
فالواجب منع توزيعه ونشره وإتلاف ما وجد منه، ومعاقبة من يروجه بين الناس؛ لأنه دعوة لنشر البدع والخرافات وتعليق التمائم والحروز. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم " انتهى.
وانظر أيضا:
http://saaid.net/Doat/assuhaim/fatwa/٢٤.htm
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1824
حديث (لا يهين المرأة إلا اللئيم) لا يثبت
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هذا الحديث صحيح عن رسول الله ﷺ ، لا أدري بالضبط صيغة الحديث، ما أعرفه أنه هكذا: الحديث (لا يكرم المرأة إلا الكريم , ولا يهين المرأة إلا اللئيم , ولا يغلبن إلا الكريم , ولا يغلبهن إلا اللئيم، وأنا أريد أن أكون - أي رسول الله ﷺ مغلوبا أي كريما، وليس غالبا أي لئيما) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا نَعرف عن النبي ﷺ أنه قال مثل هذا الكلام بهذا اللفظ، ولا عن أحد من أصحابه أو التابعين، وإنما يُروَى في ذلك شيءٌ قريب من اللفظ المذكور، ولكنه أيضا لا يثبت عن النبي ﷺ ، وهذا بيان ذلك:
عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال:
(خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم)
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٣/٣١٣) وعنه ابن أخيه في "الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين" (١٠٩)
وهذا سند ابن عساكر:
أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، أخبرني القاضي أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي العجائز، حدثني أبي، وأخبرنا أبو الحسن بن أبي الحديد، أنا جدي أبو عبد الله، أنا مسدد بن عبد الله الحمصي قالا: نا أبو بكر محمد بن سليمان بن يوسف بن يعقوب الربعي، نا أبو بكر وأبو القاسم محمد وعامر ابنا خريم بن محمد، قالا نا أبو عبد الغني الحسن بن علي بن عيسى الأزدي، نا عبد الرزاق بن همام، أنا إبراهيم بن محمد الأسلمي، عن داود بن الحصين، عن عكرمة بن خالد، عن علي بن أبي طالب به.
يقول الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٨٤٥) :
" موضوع. وهذا إسناد واهٍ بِمَرَّة، وفيه علل:
١ - داود بن الحصين ثقة إلا في عكرمة كما قال الحافظ في "التقريب"، ومستنده قول ابن المديني: " ما رواه عن عكرمة فمنكر ". وكذا قال أبو داود.
٢- إبراهيم الأسلمي: كذاب كما قال يحيى القطان وابن معين وابن المديني، وروى أبو زرعة في " تاريخ دمشق " (٣٤/١) بسند صحيح عن يحيى بن سعيد قال: " لم يُترك إبراهيم بن أبي يحيى للقدر، وإنما للكذب " وقال ابن حبان (١/٩٢) : " كان يرى القدر ويذهب إلى كلام جهم، ويكذب مع ذلك في الحديث "
٣- أبو عبد الغني الأزدي: متهم بالوضع، وفي ترجمته ساق ابن عساكر هذا الحديث، وقال فيها: " وكان ضعيفا ". ثم روى عن أبي نعيم أنه قال: " حدث عن مالك أحاديث موضوعة ". وكذا قال الحاكم، ثم تعقب ابن عساكر أبا نعيم بقوله: " ولا أعلم روى عن مالك ولا أدركه "
قلت – القائل هو الشيخ الألباني ﵀: وهو إنما يروي عن مالك بواسطة عبد الرزاق، وقد ساق له الدارقطني من هذا الوجه حديثا وقال: " باطل، وضعه أبو عبد الغني على عبد الرزاق " وكذا رواه ابن عساكر في ترجمته، لكن قد ساق له ابن حبان (١/٢٣٥) حديثا آخر، صرح فيه بقوله: " حدثنا مالك " فهو من أكاذيبه عليه. وقال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات، لا تحل الرواية عنه بحال " " انتهى باختصار.
وفيما ورد في إكرام النساء والإحسان إليهن من الأحاديث الصحيحة الكثيرة غُنيةٌ عن هذا الحديث المنكر، وهي – بلا شك – أبلغ عبارة وأوفى بيانا وأعظم أثرا من كل مروي ضعيف أو مكذوب:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
(اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا) رواه البخاري (٣٣٣١) ومسلم (١٤٦٨)
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي) رواه الترمذي (٣٨٩٥) وصححه الألباني في صحيح الترمذي وفي "السلسلة الصحيحة" (١١٧٤)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ) رواه أحمد (٢/٤٣٩) وحسنه النووي في "رياض الصالحين" (١٤٦) ومحققو مسند أحمد، والشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٠١٥)
يقول المناوي في "فيض القدير" (١/١٦٦) في شرح الحديث الأخير:
" بأن تعاملوهما برفق وشفقة، ولا تكلفوهما ما لا يطيقانه، ولا تقصروا في حقهما الواجب والمندوب، وَوَصَفَهُمَا بالضعف استعطافا وزيادة في التحذير والتنفير، فإن الإنسان كلما كان أضعف كانت عناية الله به أتم، وانتقامه من ظالمه أشد " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1825
أحاديث نداء القبر وخطابه أحاديث ضعيفة منكرة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل حديث: " القبر ينادي خمس مرات المتوفى " حديث صحيح أم ضعيف وليس له أصل؟ أرجو الرد مدعما بالحديث الصحيح؛ لأن الموضوع مهم جدا جدا، ولا نريد أن نكذب على رسول الله ﷺ ، وهذا السؤال أحمله أمانة في أعناقكم، وأرجو الرد السريع مع جزيل الشكر.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جاء في خطاب القبر وندائه وكلامه أحاديث عن النبي ﷺ :
الحديث الأول:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:
(دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُصَلَّاهُ، فَرَأَى نَاسًا كَأَنَّهُمْ يَكْتَشِرُونَ – يعني: يضحكون - قَالَ: أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى، فَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ يَوْمٌ إِلَّا تَكَلَّمَ فِيهِ فَيَقُولُ: أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ، وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ، وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ، وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ.
فَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِيَ بِكَ. قَالَ: فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ.
وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ أَوْ الْكَافِرُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا، أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِيَ بِكَ. قَالَ: فَيَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَلْتَقِيَ عَلَيْهِ وَتَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَصَابِعِهِ فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا فِي جَوْفِ بَعْضٍ. قَالَ: وَيُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُ سَبْعِينَ تِنِّينًا، لَوْ أَنْ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ فِي الْأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا، فَيَنْهَشْنَهُ وَيَخْدِشْنَهُ حَتَّى يُفْضَى بِهِ إِلَى الْحِسَابِ.
قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ)
رواه الترمذي في سننه (٢٤٦٠) والبيهقى فى شعب الإيمان (١/٤٩٨) من طريق القاسم بن الحكم العرني عن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية عن أبي سعيد الخدري به.
وقال الترمذي: حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وهذا سند ضعيف جدا، فيه عبيد الله بن الوليد الوصافي، جاء في ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٧/٥٥) : عن أحمد بن حنبل: ليس بمحكم الحديث، يكتب حديثه للمعرفة.
وقال يحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال النسائى: متروك الحديث. وقال ابن عدي: ضعيف جدا، يتبين ضعفه على حديثه. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما لا يشبه الأثبات، حتى يسبق إلى القلب أنه المُتَعَمِّد لها، فاستحق الترك. وقال الحاكم: روى عن محارب أحاديث موضوعة. وقال أبو نعيم الأصبهانى: يحدث عن محارب بالمناكير، لا شيء " انتهى.
لذلك قال الحافظ العراقي عن هذا الحديث ـ "تخريج الإحياء" (١/٤٠٠) ـ: " فيه عبيد الله بن الوليد الصافي ضعيف "، وضعفه السخاوي في "المقاصد الحسنة" (٣٥٩) والشوكاني في "الفوائد المجموعة" (٢٦٩)
وقال الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (١٠/٧٤٩) : " عطية ضعيف مدلس والوصافي ضعيف جدا " انتهى.
وقال في "ضعيف الترمذي": " ضعيف جدا، ولكن جملة (هاذم اللذات) صحيحة " انتهى.
الحديث الثاني:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
(خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جَنَازَةٍ، فَجَلَسَ إِلَى قَبْرٍ مِنْهَا، فَقَالَ: مَا يَأْتِي عَلَى هَذَا الْقَبْرِ مِنْ يَوْمٍ إلا وَهُوَ يُنَادِي بِصَوْتٍ طَلْقٍ ذَلْقٍ: يَا ابْنَ آدَمَ! كَيْفَ نَسِيتَنِي؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي بَيْتُ الْوَحْدَةِ، وَبَيْتُ الْغُرْبَةِ، وَبَيتُ الْوَحْشَةِ، وَبَيْتُ الدُّودِ، وَبَيْتُ الضِّيقِ، إلا مَنْ وَسَّعَنِي اللَّهُ عَلَيْهِ)
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٨/٢٧٣) وفي "المعجم الكبير" في القطعة المفقودة من الثالث عشر برقم (١٣٦٣) من طريق محمد بن أيوب بن سويد أخبرنا أبي أخبرنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة به.
وقال: " لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا أيوب بن سويد تفرد به ابنه " انتهى.
وهذا سند ضعيف جدا، بسبب محمد بن أيوب بن سويد، جاء في ترجمته في "ميزان الاعتدال" (٣/٤٨٧) : " ضعفه الدارقطني، وقال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه، قال أبو زرعة: رأيته قد أدخل في كتب أبيه أشياء موضوعة " انتهى. وانظر "المجروحين" (٢/٢٩٩)
ولذلك قال الحافظ الهيثمي عن هذا الحديث ـ "مجمع الزوائد" (٣/١٦٥) ـ: " فيه محمد بن أيوب بن سويد وهو ضعيف " انتهى. وضعفه الحافظ ابن حجر في "الكافي الشاف" (٦٢) والسخاوي في "المقاصد الحسنة" (٣٥٩) والشوكاني في "الفوائد المجموعة" (٢٦٩) وغيرهم، وقال الألباني في " السلسلة الضعيفة" (٤٩٩٠) : موضوع.
الحديث الثالث:
عن أبي الحجاج الثمالي ﵁ قال رسول الله ﷺ :
(يَقُولُ الْقَبْرُ لِلْمَيِّتِ حِينَ يُوضَعُ فِيهِ: وَيْحَكَ ابْنَ آدَمَ! مَا غَرَّكَ بِي؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي بَيْتُ الْفِتْنَةِ، وَبَيْتُ الظُّلْمَةِ، وَبَيْتُ الْوَحْدَةِ، وَبَيْتُ الدُّودِ؟ مَا غَرَّكَ بِي إِذَ كُنْتَ تَمُرُّ بِي فَدَّادًا – يعني متبخترا -؟ فَإِنْ كَانَ مُصْلِحًا أَجَابَ عَنْهُ مُجِيبُ الْقَبْرِ، فَيَقُولُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ الْقَبْرُ: إِذَنْ أَعُودُ إِلَيْهِ خَضْرَاءَ، وَيَعُودُ جَسَدُهُ نُورًا، وَيَصْعَدُ رُوحُهُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)
أخرجه ابن أبي الدنيا في "التواضع والخمول" (١/٢٨١) ، وابن أبى عاصم فى "الآحاد والمثاني" (٤/٣٧١) ، وأبو يعلى (١٢/٢٨٥) والطبرانى (٢٢/٣٧٧) ، وأبو نعيم فى "الحلية" (٦/٩٠)
جميعهم من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن هيثم بن مالك عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي عن أبي الحجاج الثمالي ﵁ به.
وهذا سند ضعيف بسبب أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، قال فيه أحمد: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال أبو حاتم والنسائي والدارقطني: ضعيف. وقال ابن حبان: كان من خيار أهل الشام، ولكن كان رديء الحفظ، يحدث بالشىء فَيَهِم، ويكثر ذلك، حتى استحق الترك. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (١٢/٢٩)
لذلك قال الهيثمى (٣/١٦٤) : " فيه أبو بكر بن أبى مريم، وفيه ضعف لاختلاطه " انتهى.
وقال الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (٥/٢٥٢) : إسناده ضعيف. وقال الذهبي في "العلو" (٢٩) : " هذا حديث غريب، وابن أبي مريم ضعيف من قبل حفظه " انتهى.
الخلاصة:
أنه لم يصح عن النبي ﷺ في نداء القبر شيء، والأحاديث التي جاءت بذلك منكرة شديدة الضعف، مع أنه ليس في شيء مما وقفنا عليه منها تقييد ذلك النداء بخمس مرات، إنما فيه مطلق النداء، والله أعلم.
وقد ورد في كلام بعض السلف من المواعظ شيء فيه نداء القبر وخطابه:
فأخرج ابن عبد البر في "التمهيد" (١٨/١٤٥) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال:
" إن القبر يكلم العبد إذا وضع فيه فيقول: يا ابن آدم! ما غرك بي؟ ألم تعلم أني بيت الوحدة؟ ألم تعلم أني بيت الظلمة؟ ألم تعلم أني بيت الحق؟ يا ابن آدم! ما غرك بي؟ ! لقد كنت تمشي حولي فدادا – يعني: متبخترا – " انتهى.
وأخرج البيهقي في "شعب الإيمان" (١/٣٦٠) : عن بلال بن سعد قال:
" ينادي القبر كل يوم: أنا بيت الغربة، وبيت الدود والوحشة، وأنا حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة " انتهى.
وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" (٧/١٦٥) وهناد في "الزهد" (٢٠٩) وأبو نعيم في "الحلية" (٣/٢٧١) من كلام عبيد بن عمير، وهو من كبار التابعين الثقات، أخرج له أصحاب الكتب الستة، توفي سنة (٦٨هـ) قال:
" إن القبر ليقول: يا بن آدم! ماذا أعددت لي؟! ألم تعلم أني بيت الغربة، وبيت الوحدة، وبيت الأكلة، وبيت الدود " انتهى.
والذي يظهر أن هذا الكلام ممن قاله من السلف، إنما هو ـ والله أعلم ـ من باب الوعظ والتخويف، وحكاية لسان حال القبر وحال المعرض الغافل، يقصدون به تذكير الناس والتأثير البليغ فيهم، لا أنه ينطق بذلك فعلا، وإن كان ذلك ـ لو ثبت به الخبر عن النبي ﷺ ، غير مستنكر ولا بعيد.
يقول الحافظ ابن الجوزي في "بستان الواعظين ورياض السامعين" (١٨١) :
" عباد الله! ما من أحد - لا مؤمن ولا فاجر - إلا وقبره يناديه بكرة وعشية: إما بالبشرى والسرور، وإما بالويل والثبور، فمن فكر فيه وفي وحشته، وضيقه وغمته، كان عليه أوسع من الدنيا، وأفرج منها، وأبدله الله خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وجعل القبر خيرا من داره، فأكثروا ذكره في الآناء والأوقات، وأطيعوا جبار الأرضين والسموات، عساه يجعله لكم روضة من رياض الجنات، ويقيكم فيه الذل والحسرات.
فاللهَ اللهَ، جدوا في العمل، فإن القبر أمامكم، والموت يطلبكم، يفرق ما جمعتم، ويخرب ما قد بنيتم بقطع الأنفاس، وينقلكم إلى ضيق اللحود والأرماس، فمن قدم إلى القبر عملا صالحا وجده روضة من رياض الجنان، ومن لم يكن له عمل وجده حفره من حفر النيران، فاستعدوا له يا معشر الأصحاب والإخوان " انتهى.
فينبغي لمن أراد أن يذكر شيئا قريبا من كلامهم ألا ينسبه إلى النبي ﷺ ، بل يحكيه على أنه من لسان حال القبر، وكأن القبر لو قدر له أن ينطق لصاح بهذا الخطاب، وبهذا يتحقق المقصود من الموعظة، ويسلم المرء من إثم التقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →