← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

حديث: (إن نقدت الناس نقدوك) [السُّؤَالُ] ـ[الرجاء إفادتنا بدرجة صحة الحديث المروي عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ : (إن نقدت الناس نقدوك، وإن تركتهم تركوك) وأين نجده؟ قيل لي إنه يوجد في كتاب صحيح البخاري لكنني لم أجده.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله حديث أبي الدرداء المذكور ليس في "صحيح البخاري". وله عدة ألفاظ منها: (إن نافرت الناس نافروك، وإن هربت منهم أدركوك , وإن تركتهم لم يتركوك. قال: كيف أصنع؟ قال: هب عرضك ليوم فقرك) وهو مخالف للفظ الوارد في السؤال. رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٤٧/ ١٧٨،١٧٩) من طريق فَرَج بن فَضالة عن لقمان بن عامر عن أبي الدرداء به. وسنده ضعيف فإن فَرَج بن فَضالة ضعيف , ولقمان بن عامر روايته عن أبي الدرداء منقطعة. انظر: "تهذيب التهذيب" (٨/٤٥٦) , "التقريب" (٢/١٠٧) . ثم إنهم اضطربوا فيه فروي بالسند نفسه من قول أبي الدرداء ﵁ موقوفا عليه، وليس من قول النبي ﷺ . رواه ابن عساكر في"تاريخ دمشق" (٤٧/١٧٨) . ثم رواه ابن عساكر (٤٧/١٧٩) من طريق أنس بن عياض عن يحي بن سعيد قال: قال أبو الدرداء به موقوفا عليه من قوله. وسنده منقطع , قال ابن المديني عن يحي بن سعيد الأنصاري: "لا أعلمه سمع من صحابي غير أنس". "التهذيب" لابن حجر (١١/٢٢٣) . وورد من حديث أبي أمامة ﵁. رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨/١٢٦) رقم (٧٥٧٥) وأبو عمرو الداني في"السنن الواردة في الفتن" (٢١٩) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٤/١٧) . وسنده ضعيف، فيه بقية بن الوليد وهو يدلس تدليس التسوية , وصدقة بن عبد الله السّمين ضعيف. انظر: "مجمع الزوائد" للهيثمي (٧/٢٨٥) . وورد عند الداني وابن عساكر بلفظ: (إن نافذتهم نافذوك) قال ابن الأثير: "أي: إن قلتَ لهم قالوا لك، ويُروى بالقاف والدال المهملة". أي: ناقدتهم. "النهاية" (٥/٩٢) . وإنما يثبت هذا الأثر من قول أبي مسلم الخولاني، قال: (كان الناس وَرَقاً لا شوك فيه، وإنهم اليوم شوك لا وَرَق فيه، إن ساببتهم سابوك، وإن ناقدتهم ناقدوك، وإن تركتهم لم يتركوك) . رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٧/٢٠٦) وابن أبي عاصم في "الزهد" (١/٣٦٧) وأبو نعيم في "الحلية" (٢/١٢٣) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٧/٢٢٨) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1822

أحاديث نبوية في ذم الإسراف في الطعام [السُّؤَالُ] ـ[ما صحة هذين الحديثين لو سمحتم: روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشبع؛ فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم، وضعفت قلوبهم، وجمحت شهواتهم) رواه البخاري. ولقد أوصانا رسول الله ﷺ ألا نأكل كل ما تشتهيه الأنفس؛ فقد روي عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من الإسراف أن تأكل ما اشتهيت) رواه ابن ماجه. وهل هناك في الشرع شيء ينهى أن يسرف المسلم في أكله، أو أن لا يستطيع التحكم في أكله ويأكل في كل وقت وحين؟ حديث أو آية أو كتاب ممكن أن تنصحون به ينهى المسلم عن هذه الأمور، أو يكلمنا عن هدي الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، عن أكله ومطعمه. جزاكم الله خيرا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: شهوة البطن من أعظم المهلكات، وسببُ كثيرٍ من الآفات والأمراض القلبية والبدنية، إذ تتبعها شهوة الفرج، ثم الرغبة في الجاه والمال لتحقيق هاتين الشهوتين، ويتولد من ذلك من أمراض القلوب الرياء والحسد والتفاخر والكبر بسبب الانشغال بالدنيا، وغالبا ما يدفعه ذلك إلى المنكر والفحشاء، كله بسبب هذه الشهوة، وقد قالت العرب قديما: المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء. يقول الله : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الأعراف/٣١ وفي السنة النبوية من الحث على الاعتدال في الطعام، وذم الإسراف الشيء الكثير: يقول النبي ﷺ : (مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٍ يُقِمْنِ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لاْ مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ) رواه الترمذي (٢٣٨٠) وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٢٦٥) وعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَأْكُلُ حَتَّى يُؤْتَى بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَأَدْخَلْتُ رَجُلًا يَأْكُلُ مَعَهُ، فَأَكَلَ كَثِيرًا، فَقَالَ: يَا نَافِعُ! لَا تُدْخِلْ هَذَا عَلَيَّ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) رواه البخاري (٥٣٩٣) ومسلم (٢٠٦٠) يقول النووي في شرح هذا الحديث (١٤/٢٥) : " قال العلماء: ومقصود الحديث التقليل من الدنيا، والحث على الزهد فيها والقناعة، مع أن قلة الأكل من محاسن أخلاق الرجل، وكثرة الأكل بضده، وأما قول ابن عمر فى المسكين الذى أكل عنده كثيرا: " لا يدخلن هذا علي "، فإنما قال هذا لأنه أشبه الكفار، ومن أشبه الكفار كرهت مخالطته لغير حاجة أو ضرورة؛ ولأن القدر الذى يأكله هذا يمكن أن يسد به خلة جماعة " انتهى. وقد سبق في موقعنا ذكر أحاديث أخرى في هذا الباب، فانظر سؤال رقم (٧١١٧٣) ثانيا: يلخص لنا ابن القيم رحمه الله تعالى هدي النبي ﷺ في أمر الطعام والشراب، ويستخلصه من الأحاديث الصحيحة، فيقول – كما في "زاد المعاد" (١/١٤٧) -: " وكذلك كان هديُه ﷺ وسيرتُه في الطعام، لا يردُّ موجوداً، ولا يتكلف مفقوداً، فما قُرِّبَ إليه شيءٌ من الطيبات إلا أكله، إلا أن تعافَه نفسُه، فيتركَه من غير تحريم، وما عاب طعاماً قطُّ، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه، كما ترك أكل الضَّبِّ لمَّا لَمْ يَعْتَدْهُ، ولم يحرمه على الأمة، وأكل الحلوى والعسل، وكان يُحبهما، وأكل لحم الجزور، والضأن، والدجاج، ولحم الحُبارى، ولحم حِمار الوحش، والأرنب، وطعام البحر، وأكل الشواء، وأكل الرُّطبَ والتمرَ ... ولم يكن يردُّ طَيِّباً، ولا يتكلفه، بل كان هديه أكلَ ما تيسر، فإن أعوزه صَبَرَ حتى إنه ليربِطُ على بطنه الحجر من الجوع، ويُرى الهلالُ والهلالُ والهلالُ ولا يُوقد في بيته نارٌ " انتهى باختصار. ثالثا: ذكر العلماء فوائد الاعتدال في الطعام وعدم الإسراف، ومنها: ١- صفاءُ القلبِ وإيقادُ القريحة وإنفاذ البصيرة، فإنّ الشبعَ يورثُ البلادةَ ويُعمي القلب، ولهذا جاءَ في الحكمة (مَن أجاعَ بطنَه عظُمت فكرتُه وفَطُن قلبُه) . ٢- الانكسارُ والذلُ وزوالُ البَطَرِ والفرحِ والأشرِ، الذي هو مبدأُ الطغيانِ والغفلةِ عن الله تعالى. ٣- أن لا ينسى بلاءَ الله وعذابه، ولا ينسى أهلَ البلاء، فإن الشبعانَ ينسى الجائعَ وينسى الجوع، والعبدُ الفطنُ لا يجدُ بلاءَ غيرِه إلا ويتذكرُ بلاءَ الآخرة. ٤- من أكبر الفوائد: كسرُ شهواتِ المعاصي كلّها، والاستيلاءُ على النفسِ الأمّارةِ بالسوء، فإنَّ منشأَ المعاصي كلِّها الشهواتُ والقوى، ومادةُ القوى والشهواتِ لا محالة الأطعمة. قال ذو النون: ما شبعتُ قطُّ إلا عصيتُ أو هممتُ بمعصية. ٥- دفعُ النومِ ودوامُ السَّهر، فإنَّ مَن شَبِع كثيرًا شرب كثيرًا، ومن كثر شربُه كثرَ نومه، وفي كثرةِ النومِ ضياعُ العمر وفوتُ التهجدِ وبلادةُ الطبعِ وقسوةُ القب، والعمرُ أنفسُ الجواهرِ، وهو رأسُ مالِ العبدِ، فيه يتجر، والنومُ موت، فتكثيره يُنقِصُ العمر. ٦- صحةُ البدن ودفعُ الأمراض، فإن سببَها كثرةُ الأكل وحصولُ الأخلاط في المعدة، وقد قالَ الأطباء: البِطْنةُ أصلُ الداء، والحِميةُ أصلُ الدواء. " ملخصة من إحياء علوم الدين (٣/١٠٤-١٠٩) " رابعا: أما الأحاديث المذكورة في السؤال فلم يصح منها شيء: الحديث الأول: قالت عائشة ﵂: (إن أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد قضاء نبيها ﷺ : الشبع، فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم، فتصعبت قلوبهم، وجمحت شهواتهم) رواه البخاري في "الضعفاء" – كما عزاه إليه الذهبي في "ميزان الاعتدال" (٣/٣٣٥) - ورواه ابن أبي الدنيا في "الجوع" (رقم/٢٢) من طريق غسان بن عبيد الأزدي الموصلي، قال: حدثنا حمزة البصري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به. قلت: وهذا السند ضعيف جدا بسبب غسان بن عبيد، جاء في ترجمته في "لسان الميزان" (٤/٤١٨) : " قال أحمد بن حنبل: كتبنا عنه، قدم علينا ههنا ثم حرقت حديثه. قال ابن عدي: الضعف على حديثه بين. – وفي رواية عن يحيى بن معين - ضعيف ... - ثم عد حديث عائشة الذي معنا من مناكيره – " انتهى بتصرف. ولذلك قال الشيخ الألباني في "ضعيف الترغيب" (١٢٣٩) : " منكر موقوف " انتهى. تنبيه: جاء في السؤال نسبة هذا الحديث إلى البخاري، وهذا خطأ كبير؛ لأن إطلاق القول بـ: " رواه البخاري "، ينصرف عادة إلى الصحيح، والبخاري له كتب أخرى كثيرة، يروي فيها الأحاديث بأسانيده، ولا يشترط فيها الصحة، منها كتاب "الضعفاء الصغير" وهو مطبوع، وله كتاب "الضعفاء الكبير": ذكره ابن النديم وبروكلمان في "تاريخ الأدب" (ص/٦٥) وأنه ما زال مخطوطا في مكتبة "بتنة" في الهند؛ فإذا قدر أن البخاري روى حديثا في شيء من كتبه، سوى الصحيح الذي هو أعظم دواوين الإسلام، فينبغي أن يبين عند نسبة الحديث: رواه البخاري في التاريخ، أو: في الضفعاء، أو في الأدب المفرد..، مثلا، ثم يبحث في سند الحديث: هل هو صحيح أو لا، كما هو الحال في الكتب الأخرى. وحديث عائشة هذا لعله في "الضعفاء الكبير"، فقد بحثنا عنه في "الصغير" فلم أجده، كما أن الضعفاء الصغير نادرا ما يذكر فيه الأحاديث والأسانيد. والله أعلم. الحديث الثاني: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ مِنْ السَّرَفِ أَنْ تَأْكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَيْتَ) رواه ابن ماجه (٣٣٥٢) وأبو يعلى في "المسند" (٥/١٥٤) وأبو نعيم في "الحلية" (١٠/٢١٣) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥/٤٦) وغيرهم من طرق عن بقية بن الوليد حدثنا يوسف بن أبي كثير عن نوح بن ذكوان عن الحسن عن أنس مرفوعا. وهذا السند ضعيف جدا، فيه عدة علل، منها: ١- يوسف بن أبي كثير: قال عنه ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (١١/٤٢١) : " أحد شيوخ بقية الذين لا يعرفون " انتهى. ٢- نوح بن ذكوان: منكر الحديث: جاء في ترجمته في "تهذيب التهذيب" (١٠/٤٨٤) : " قال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدا، يجب التنكب عن حديثه ... وقال أبو نعيم: روى عن الحسن المعضلات، وله صحيفة عن الحسن عن أنس: لا شىء " انتهى باختصار. ولذلك ضعف الحديث غير واحد من أهل العلم: ابن حبان في "المجروحين" (٣/٤٧) ، وابن عدي في "الكامل" (٨/٢٩٩) ، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/١٨٢) ، والبوصيري في "مصباح الزجاجة" (٢/١٨٨) والسخاوي في "المقاصد الحسنة" (٥١٥) ، وقال الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (رقم/٢٤١) : موضوع. وفيما سبق من الأحاديث الصحيحة غنى عن هذين الحديثين الضعيفين، ومن أراد التوسع في هذا الموضوع فليرجع إلى كتاب: " الجوع " لابن أبي الدنيا، و "مختصر منهاج القاصدين " لابن قدامة، "زاد المعاد" لابن القيم، و "شرح رياض الصالحين" للشيخ ابن عثيمين. وانظر جواب السؤال رقم (٦٥٠٣) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1823

ما يُسمى " دعاء العرش " دعاء مبتدع مكذوب [السُّؤَالُ] ـ[ما مدى صحة هذا الدعاء، وهل له وجود في السنة النبوية؟ قيل إن جبريل علية السلام أتى النبي صلى الله علية وسلم فقال: يا محمد! السلام يقرئك السلام، ويخصك بالتحية والإكرام، وقد أوهبك هذا الدعاء الشريف، يا محمد! ما من عبد يدعو وتكون خطاياه وذنوبه مثل أمواج البحار، وعدد أوراق الأشجار، وقطر الأمطار وبوزن السموات والأرض، إلا غفر الله تعالى ذلك كله له. يا محمد! هذا الدعاء مكتوب حول العرش، ومكتوب على حيطان الجنة وأبوابها، وجميع ما فيها.. ومما ورد فيه:.... يا محمد! ما من عبد قرأ هذا الدعاء إلا غفرت ذنوبه ولو كانت عدد نجوم السماء، ومثل الرمل والحصى، وقطر الأمطار، وورق الأشجار، ووزن الجبال وعدد ريش الطيور، وعدد الخلائق الأحياء والأموات، وعدد الوحوش والدواب، يغفر الله تعالى ذلك كله، ولو صارت البحار مدادا، والأشجار أقلاما، والإنس والجن والملائكة، وخلق الأولين والآخرين يكتبون لي يوم القيامة، لفني المداد، وتكسر الأقلام، ولا يقدرون على حصر ثواب هذا الدعاء. وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: بهذا الدعاء ظهر الإسلام والإيمان. وقال عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: نسيت القرآن مرارا كثيرة فرزقني الله حفظ القرآن ببركة هذا الدعاء. وقال سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: كلما أردت أن أنظر إلى النبي ﷺ في المنام، أقرأ هذا الدعاء. وقال سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه: كلما أشرع في الجهاد أقرأ هذا الدعاء، وكان تعالى ينصرني على الكفار ببركة هذا الدعاء. ومن قرأ هذا الدعاء وكان مريضا، شفاه الله تعالى، أو كان فقيرا أغناه الله تعالى، ومن قرأ هذا الدعاء وكان به هم أو غم زال عنه، وإن كان عليه دين خلص منه، وإن كان في سجن وأكثر من قراءته خلصه الله تعالى، ويكون آمنا شر الشيطان، وجور السلطان. قال سيدنا رسول الله ﷺ : قال لي جبريل: يا محمد! من قرأ هذا الدعاء بإخلاص قلب ونية على جبل لزال من موضعه، أو على قبر لا يعذب الله تعالى ذلك الميت في قبره ولو كانت ذنوبه بالغة ما بلغت؛ لأن فيه أسم الله الأعظم. وكل من تعلم هذا الدعاء وعلمه لمؤمنين يكون له أجر عظيم عند الله، وتكون روحة مع أرواح الشهداء، ولا يموت حتى يرى ما أعده الله تعالى له من النعيم المقيم. فلازم قراءة هذا الدعاء في سائر الأوقات تجد خيرا كثيرا مستمرا إن شاء الله تعالى. فنسأل الله تعالى الإعانة على قراءته، وأن يوفقنا والمسلمين لطاعته، إنه على ما شاء قدير وبعباده خبير، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين. الدعاء: بسم الله الرحمن الرحيم: لا إله إلا الله الملك الحق المبين، لا إله إلا الله العدل اليقين، لا إله إلا الله ربنا ورب آبائنا الأولين، سبحانك إني كنت من الظالمين، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك والحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير، وإليه المصير، وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله إقرارا بربوبيته، سبحان الله خضوعا لعظمته، اللهم يا نور السموات والأرض، يا عماد السموات والأرض، يا جبار السموات والأرض، يا ديان السموات والأرض، يا وارث السموات والأرض، يا مالك السموات والأرض، يا عظيم السموات والأرض، يا عالم السموات والأرض، يا قيوم السموات والأرض، يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة. اللهم إني أسألك أن لك الحمد، لا إله إلا أنت الحنان المنان، بديع السموات والأرض، ذو الجلال والإكرام، برحمتك يا أرحم الراحمين. بسم الله أصبحنا وأمسينا، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور. الحمد لله الذي لا يرجى إلا فضله، ولا رازق غيره. الله أكبر ليس كمثله شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع البصير. اللهم إني أسألك في صلاتي ودعائي بركة تطهر بها قلبي، وتكشف بها كربي، وتغفر بها ذنبي، وتصلح بها أمري، وتغني بها فقري، وتذهب بها شري، وتكشف بها همي وغمي، وتشفي بها سقمي، وتقضي بها ديني، وتجلو بها حزني، وتجمع بها شملي، وتبيض بها وجهي. ............ اللهم استر عورتي، واقبل عثرتي، واحفظنى من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي ومن تحتي، ولا تجعلني من الغافلين. اللهم إني أسألك الصبر عند القضاء، ومنازل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء، ومرافقة الأنبياء، يا رب العالمين. آمين يا أرحم الراحمين.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الدعاء كذب مختلق مصنوع، لا يجوز نقله ولا روايته ولا العمل به، ومن تساهل في ذلك تعرض للوعيد الشديد، وكان نبيُّنا محمد ﷺ خصمَه يوم القيامة، وعلامة الوضع والكذب باديةٌ عليه، إذ لا يُعرف في ديننا دعاءٌ تكون له كل هذه الفضائل المبالغ فيها، ولو كان شيء من ذلك موجودًا في شريعتنا لوجدتَ عشرات الأسانيد الصحيحة تتسابق في نقله وروايته، أما هذا الدعاء فلم يرد ولا بإسناد ضعيف. يقول ابن القيم ﵀ في "المنار المنيف" (ص/١٩) في حديثه عن علامات الحديث الموضوع: " اشتماله على المجازفات التي لا يقول مثلها رسول الله ﷺ : وهي كثيرة جدا، كقوله في الحديث المكذوب: (من قال لا إله إلا الله خلق الله من تلك الكلمة طائرا له سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة، يستغفرون الله له) وأمثال هذه المجازفات الباردة، التي لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين: إما أن يكون في غاية الجهل والحمق، وإما أن يكون زنديقا قصد التنقيص بالرسول بإضافة مثل هذه الكلمات إليه " انتهى. ويقول ابن حجر في "النكت" (٢/٨٤٣) : " ومن جملة القرائن الدالة على الوضع الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر اليسير أو بالوعد العظيم على الفعل اليسير، وهذا كثير موجود في حديث القصاص والطرقية " انتهى. جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٤/٣٧٢-٣٧٣) : " الدعاء المسمى بـ: (دعاء العرش وفضائل دعاء العرش) دعاء مبتدع، لا أصل له، ولا دليل عليه من الكتاب والسنة، ولم ينسب إلى مرجع معتمد، فهو من اختراع من وضعه، وواضعه مجهول، وفيه ألفاظ مكذوبة، مثل قوله: (أسألك باسمك المكتوب على جناح جبريل وعلى ميكائيل وعلى جبهة إسرافيل، وعلى كف عزرائيل الذي سميت به منكرا ونكيرا وبحق أسرار عبادك عليك) ، وفيه وعود مكذوبة لأجل إغراء الناس بهذا الدعاء المبتدع، مثل قوله: (من دعا به مرة واحدة حشره الله يوم القيامة ووجهه يتلألأ. . إلخ) (وإن كان له ذنوب أكثر من ماء البحر وقطر الأمطار. . إلخ) (ويكتب له ثواب ألف عمرة مبرورة، وإن قرأه خائف أمنه الله، أو عطشان سقاه الله، أو جائع أطعمه الله. إلخ) (وإن حمله ذو عاهة برئ، أو زوجة أكرمها زوجها، وأمن من الجن والإنس والمردة والشياطين والأوجاع والأمراض، ورجع إلى أهله إن كان غائبا. .) إلى آخر كذبه. وهذا دعوة إلى تعليق التمائم والحروز والتعلق بغير الله. فالواجب منع توزيعه ونشره وإتلاف ما وجد منه، ومعاقبة من يروجه بين الناس؛ لأنه دعوة لنشر البدع والخرافات وتعليق التمائم والحروز. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم " انتهى. وانظر أيضا: http://saaid.net/Doat/assuhaim/fatwa/٢٤.htm والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1824

حديث (لا يهين المرأة إلا اللئيم) لا يثبت [السُّؤَالُ] ـ[هل هذا الحديث صحيح عن رسول الله ﷺ ، لا أدري بالضبط صيغة الحديث، ما أعرفه أنه هكذا: الحديث (لا يكرم المرأة إلا الكريم , ولا يهين المرأة إلا اللئيم , ولا يغلبن إلا الكريم , ولا يغلبهن إلا اللئيم، وأنا أريد أن أكون - أي رسول الله ﷺ مغلوبا أي كريما، وليس غالبا أي لئيما) ]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا نَعرف عن النبي ﷺ أنه قال مثل هذا الكلام بهذا اللفظ، ولا عن أحد من أصحابه أو التابعين، وإنما يُروَى في ذلك شيءٌ قريب من اللفظ المذكور، ولكنه أيضا لا يثبت عن النبي ﷺ ، وهذا بيان ذلك: عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٣/٣١٣) وعنه ابن أخيه في "الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين" (١٠٩) وهذا سند ابن عساكر: أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، أخبرني القاضي أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي العجائز، حدثني أبي، وأخبرنا أبو الحسن بن أبي الحديد، أنا جدي أبو عبد الله، أنا مسدد بن عبد الله الحمصي قالا: نا أبو بكر محمد بن سليمان بن يوسف بن يعقوب الربعي، نا أبو بكر وأبو القاسم محمد وعامر ابنا خريم بن محمد، قالا نا أبو عبد الغني الحسن بن علي بن عيسى الأزدي، نا عبد الرزاق بن همام، أنا إبراهيم بن محمد الأسلمي، عن داود بن الحصين، عن عكرمة بن خالد، عن علي بن أبي طالب به. يقول الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٨٤٥) : " موضوع. وهذا إسناد واهٍ بِمَرَّة، وفيه علل: ١ - داود بن الحصين ثقة إلا في عكرمة كما قال الحافظ في "التقريب"، ومستنده قول ابن المديني: " ما رواه عن عكرمة فمنكر ". وكذا قال أبو داود. ٢- إبراهيم الأسلمي: كذاب كما قال يحيى القطان وابن معين وابن المديني، وروى أبو زرعة في " تاريخ دمشق " (٣٤/١) بسند صحيح عن يحيى بن سعيد قال: " لم يُترك إبراهيم بن أبي يحيى للقدر، وإنما للكذب " وقال ابن حبان (١/٩٢) : " كان يرى القدر ويذهب إلى كلام جهم، ويكذب مع ذلك في الحديث " ٣- أبو عبد الغني الأزدي: متهم بالوضع، وفي ترجمته ساق ابن عساكر هذا الحديث، وقال فيها: " وكان ضعيفا ". ثم روى عن أبي نعيم أنه قال: " حدث عن مالك أحاديث موضوعة ". وكذا قال الحاكم، ثم تعقب ابن عساكر أبا نعيم بقوله: " ولا أعلم روى عن مالك ولا أدركه " قلت – القائل هو الشيخ الألباني ﵀: وهو إنما يروي عن مالك بواسطة عبد الرزاق، وقد ساق له الدارقطني من هذا الوجه حديثا وقال: " باطل، وضعه أبو عبد الغني على عبد الرزاق " وكذا رواه ابن عساكر في ترجمته، لكن قد ساق له ابن حبان (١/٢٣٥) حديثا آخر، صرح فيه بقوله: " حدثنا مالك " فهو من أكاذيبه عليه. وقال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات، لا تحل الرواية عنه بحال " " انتهى باختصار. وفيما ورد في إكرام النساء والإحسان إليهن من الأحاديث الصحيحة الكثيرة غُنيةٌ عن هذا الحديث المنكر، وهي – بلا شك – أبلغ عبارة وأوفى بيانا وأعظم أثرا من كل مروي ضعيف أو مكذوب: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا) رواه البخاري (٣٣٣١) ومسلم (١٤٦٨) وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي) رواه الترمذي (٣٨٩٥) وصححه الألباني في صحيح الترمذي وفي "السلسلة الصحيحة" (١١٧٤) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ) رواه أحمد (٢/٤٣٩) وحسنه النووي في "رياض الصالحين" (١٤٦) ومحققو مسند أحمد، والشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٠١٥) يقول المناوي في "فيض القدير" (١/١٦٦) في شرح الحديث الأخير: " بأن تعاملوهما برفق وشفقة، ولا تكلفوهما ما لا يطيقانه، ولا تقصروا في حقهما الواجب والمندوب، وَوَصَفَهُمَا بالضعف استعطافا وزيادة في التحذير والتنفير، فإن الإنسان كلما كان أضعف كانت عناية الله به أتم، وانتقامه من ظالمه أشد " انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1825

أحاديث نداء القبر وخطابه أحاديث ضعيفة منكرة [السُّؤَالُ] ـ[هل حديث: " القبر ينادي خمس مرات المتوفى " حديث صحيح أم ضعيف وليس له أصل؟ أرجو الرد مدعما بالحديث الصحيح؛ لأن الموضوع مهم جدا جدا، ولا نريد أن نكذب على رسول الله ﷺ ، وهذا السؤال أحمله أمانة في أعناقكم، وأرجو الرد السريع مع جزيل الشكر.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله جاء في خطاب القبر وندائه وكلامه أحاديث عن النبي ﷺ : الحديث الأول: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُصَلَّاهُ، فَرَأَى نَاسًا كَأَنَّهُمْ يَكْتَشِرُونَ – يعني: يضحكون - قَالَ: أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى، فَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ يَوْمٌ إِلَّا تَكَلَّمَ فِيهِ فَيَقُولُ: أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ، وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ، وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ، وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ. فَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِيَ بِكَ. قَالَ: فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ. وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ أَوْ الْكَافِرُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا، أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِيَ بِكَ. قَالَ: فَيَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَلْتَقِيَ عَلَيْهِ وَتَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَصَابِعِهِ فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا فِي جَوْفِ بَعْضٍ. قَالَ: وَيُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُ سَبْعِينَ تِنِّينًا، لَوْ أَنْ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ فِي الْأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا، فَيَنْهَشْنَهُ وَيَخْدِشْنَهُ حَتَّى يُفْضَى بِهِ إِلَى الْحِسَابِ. قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ) رواه الترمذي في سننه (٢٤٦٠) والبيهقى فى شعب الإيمان (١/٤٩٨) من طريق القاسم بن الحكم العرني عن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية عن أبي سعيد الخدري به. وقال الترمذي: حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وهذا سند ضعيف جدا، فيه عبيد الله بن الوليد الوصافي، جاء في ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٧/٥٥) : عن أحمد بن حنبل: ليس بمحكم الحديث، يكتب حديثه للمعرفة. وقال يحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال النسائى: متروك الحديث. وقال ابن عدي: ضعيف جدا، يتبين ضعفه على حديثه. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما لا يشبه الأثبات، حتى يسبق إلى القلب أنه المُتَعَمِّد لها، فاستحق الترك. وقال الحاكم: روى عن محارب أحاديث موضوعة. وقال أبو نعيم الأصبهانى: يحدث عن محارب بالمناكير، لا شيء " انتهى. لذلك قال الحافظ العراقي عن هذا الحديث ـ "تخريج الإحياء" (١/٤٠٠) ـ: " فيه عبيد الله بن الوليد الصافي ضعيف "، وضعفه السخاوي في "المقاصد الحسنة" (٣٥٩) والشوكاني في "الفوائد المجموعة" (٢٦٩) وقال الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (١٠/٧٤٩) : " عطية ضعيف مدلس والوصافي ضعيف جدا " انتهى. وقال في "ضعيف الترمذي": " ضعيف جدا، ولكن جملة (هاذم اللذات) صحيحة " انتهى. الحديث الثاني: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جَنَازَةٍ، فَجَلَسَ إِلَى قَبْرٍ مِنْهَا، فَقَالَ: مَا يَأْتِي عَلَى هَذَا الْقَبْرِ مِنْ يَوْمٍ إلا وَهُوَ يُنَادِي بِصَوْتٍ طَلْقٍ ذَلْقٍ: يَا ابْنَ آدَمَ! كَيْفَ نَسِيتَنِي؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي بَيْتُ الْوَحْدَةِ، وَبَيْتُ الْغُرْبَةِ، وَبَيتُ الْوَحْشَةِ، وَبَيْتُ الدُّودِ، وَبَيْتُ الضِّيقِ، إلا مَنْ وَسَّعَنِي اللَّهُ عَلَيْهِ) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٨/٢٧٣) وفي "المعجم الكبير" في القطعة المفقودة من الثالث عشر برقم (١٣٦٣) من طريق محمد بن أيوب بن سويد أخبرنا أبي أخبرنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة به. وقال: " لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا أيوب بن سويد تفرد به ابنه " انتهى. وهذا سند ضعيف جدا، بسبب محمد بن أيوب بن سويد، جاء في ترجمته في "ميزان الاعتدال" (٣/٤٨٧) : " ضعفه الدارقطني، وقال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه، قال أبو زرعة: رأيته قد أدخل في كتب أبيه أشياء موضوعة " انتهى. وانظر "المجروحين" (٢/٢٩٩) ولذلك قال الحافظ الهيثمي عن هذا الحديث ـ "مجمع الزوائد" (٣/١٦٥) ـ: " فيه محمد بن أيوب بن سويد وهو ضعيف " انتهى. وضعفه الحافظ ابن حجر في "الكافي الشاف" (٦٢) والسخاوي في "المقاصد الحسنة" (٣٥٩) والشوكاني في "الفوائد المجموعة" (٢٦٩) وغيرهم، وقال الألباني في " السلسلة الضعيفة" (٤٩٩٠) : موضوع. الحديث الثالث: عن أبي الحجاج الثمالي ﵁ قال رسول الله ﷺ : (يَقُولُ الْقَبْرُ لِلْمَيِّتِ حِينَ يُوضَعُ فِيهِ: وَيْحَكَ ابْنَ آدَمَ! مَا غَرَّكَ بِي؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي بَيْتُ الْفِتْنَةِ، وَبَيْتُ الظُّلْمَةِ، وَبَيْتُ الْوَحْدَةِ، وَبَيْتُ الدُّودِ؟ مَا غَرَّكَ بِي إِذَ كُنْتَ تَمُرُّ بِي فَدَّادًا – يعني متبخترا -؟ فَإِنْ كَانَ مُصْلِحًا أَجَابَ عَنْهُ مُجِيبُ الْقَبْرِ، فَيَقُولُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ الْقَبْرُ: إِذَنْ أَعُودُ إِلَيْهِ خَضْرَاءَ، وَيَعُودُ جَسَدُهُ نُورًا، وَيَصْعَدُ رُوحُهُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) أخرجه ابن أبي الدنيا في "التواضع والخمول" (١/٢٨١) ، وابن أبى عاصم فى "الآحاد والمثاني" (٤/٣٧١) ، وأبو يعلى (١٢/٢٨٥) والطبرانى (٢٢/٣٧٧) ، وأبو نعيم فى "الحلية" (٦/٩٠) جميعهم من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن هيثم بن مالك عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي عن أبي الحجاج الثمالي ﵁ به. وهذا سند ضعيف بسبب أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، قال فيه أحمد: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال أبو حاتم والنسائي والدارقطني: ضعيف. وقال ابن حبان: كان من خيار أهل الشام، ولكن كان رديء الحفظ، يحدث بالشىء فَيَهِم، ويكثر ذلك، حتى استحق الترك. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (١٢/٢٩) لذلك قال الهيثمى (٣/١٦٤) : " فيه أبو بكر بن أبى مريم، وفيه ضعف لاختلاطه " انتهى. وقال الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (٥/٢٥٢) : إسناده ضعيف. وقال الذهبي في "العلو" (٢٩) : " هذا حديث غريب، وابن أبي مريم ضعيف من قبل حفظه " انتهى. الخلاصة: أنه لم يصح عن النبي ﷺ في نداء القبر شيء، والأحاديث التي جاءت بذلك منكرة شديدة الضعف، مع أنه ليس في شيء مما وقفنا عليه منها تقييد ذلك النداء بخمس مرات، إنما فيه مطلق النداء، والله أعلم. وقد ورد في كلام بعض السلف من المواعظ شيء فيه نداء القبر وخطابه: فأخرج ابن عبد البر في "التمهيد" (١٨/١٤٥) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: " إن القبر يكلم العبد إذا وضع فيه فيقول: يا ابن آدم! ما غرك بي؟ ألم تعلم أني بيت الوحدة؟ ألم تعلم أني بيت الظلمة؟ ألم تعلم أني بيت الحق؟ يا ابن آدم! ما غرك بي؟ ! لقد كنت تمشي حولي فدادا – يعني: متبخترا – " انتهى. وأخرج البيهقي في "شعب الإيمان" (١/٣٦٠) : عن بلال بن سعد قال: " ينادي القبر كل يوم: أنا بيت الغربة، وبيت الدود والوحشة، وأنا حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة " انتهى. وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" (٧/١٦٥) وهناد في "الزهد" (٢٠٩) وأبو نعيم في "الحلية" (٣/٢٧١) من كلام عبيد بن عمير، وهو من كبار التابعين الثقات، أخرج له أصحاب الكتب الستة، توفي سنة (٦٨هـ) قال: " إن القبر ليقول: يا بن آدم! ماذا أعددت لي؟! ألم تعلم أني بيت الغربة، وبيت الوحدة، وبيت الأكلة، وبيت الدود " انتهى. والذي يظهر أن هذا الكلام ممن قاله من السلف، إنما هو ـ والله أعلم ـ من باب الوعظ والتخويف، وحكاية لسان حال القبر وحال المعرض الغافل، يقصدون به تذكير الناس والتأثير البليغ فيهم، لا أنه ينطق بذلك فعلا، وإن كان ذلك ـ لو ثبت به الخبر عن النبي ﷺ ، غير مستنكر ولا بعيد. يقول الحافظ ابن الجوزي في "بستان الواعظين ورياض السامعين" (١٨١) : " عباد الله! ما من أحد - لا مؤمن ولا فاجر - إلا وقبره يناديه بكرة وعشية: إما بالبشرى والسرور، وإما بالويل والثبور، فمن فكر فيه وفي وحشته، وضيقه وغمته، كان عليه أوسع من الدنيا، وأفرج منها، وأبدله الله خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وجعل القبر خيرا من داره، فأكثروا ذكره في الآناء والأوقات، وأطيعوا جبار الأرضين والسموات، عساه يجعله لكم روضة من رياض الجنات، ويقيكم فيه الذل والحسرات. فاللهَ اللهَ، جدوا في العمل، فإن القبر أمامكم، والموت يطلبكم، يفرق ما جمعتم، ويخرب ما قد بنيتم بقطع الأنفاس، وينقلكم إلى ضيق اللحود والأرماس، فمن قدم إلى القبر عملا صالحا وجده روضة من رياض الجنان، ومن لم يكن له عمل وجده حفره من حفر النيران، فاستعدوا له يا معشر الأصحاب والإخوان " انتهى. فينبغي لمن أراد أن يذكر شيئا قريبا من كلامهم ألا ينسبه إلى النبي ﷺ ، بل يحكيه على أنه من لسان حال القبر، وكأن القبر لو قدر له أن ينطق لصاح بهذا الخطاب، وبهذا يتحقق المقصود من الموعظة، ويسلم المرء من إثم التقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1826

التصحيف والتحريف [السُّؤَالُ] ـ[ما الفرق بين الحديث المصحف والحديث المحرف؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يقول الإمام السخاوي في تعريف التصحيف: " هو تحويل الكلمة عن الهيئة المتعارفة إلى غيرها " انتهى. " فتح المغيث " (٣/٧٢) وهذا من أحسن التعاريف وأشملها لجميع الصور التي يذكرها العلماء في التصحيف، فإن العلماء أطلقوا التصحيف على العديد من الصور، وهي: ١- تغيير في حروف الكلمة مما تختلف فيه صورة الخط: مثاله: قال الشافعي: " صحف مالك في عمر بن عثمان وإنما هو عمرو بن عثمان، وفي جابر بن عتيك وإنما هو جبر بن عتيك، وفي عبد العزيز بن قرير وإنما هو عبد الملك بن قريب " انتهى. " معرفة علوم الحديث " (١٥٠) وقال أحمد: " صحف شعبة (مالك بن عرفطة) إنما هو خالد بن علقمة " انتهى. "معرفة علوم الحديث" (١٤٦) ٢- تغيير في نقط أو شكل الكلمة مع بقاء صورة الخط: وهذا أكثر إطلاق المحدثين. مثاله: تصحيف ابن معين العوام بن مراجم بالراء والجيم، إلى مزاحم بالزاي والحاء. "تدريب الراوي" (٢/٦٤٨) ٣- قلب الاسم: قال الحاكم: " سمعت أبا علي الحافظ يقول: صحف فيه أبو حنيفة، لإجماع أصحاب الزهري على روايته عنه عن الربيع بن سبرة عن أبيه (وهو إنما قال عن سبرة بن الربيع) . "معرفة علوم الحديث" (١٥٠) ٤- إبدال لفظة مكان أخرى: مثاله: روى الحاكم حديث المُحرِم الذي وقصته دابته وفيه قول النبي – ﷺ – (ولا تخمروا وجهه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا) ثم قال: " ذكر الوجه تصحيف من الرواة لإجماع الثقات الأثبات من أصحاب عمرو بن دينار على روايته عنه (ولا تغطوا رأسه) وهو المحفوظ " انتهى. "معرفة علوم الحديث" (١٤٨) ٥- إبدال راو بآخر: مثاله: قال الحاكم: " صحف بقية بن الوليد في ذكر صفية ولم يتابع عليه، والحديث عن جويرية " انتهى. "معرفة علوم الحديث" (٣٢) قال الحافظ العراقي "التبصرة والتذكرة" (٢/٢٩٨) : " وقد أطلق من صنف في التصحيف، التصحيف على ما لا تشتبه حروفه بغيره، وإنما أخطأ فيه راويه أو سقط بعض حروفه من غير اشتباه " انتهى. ٦- تغيير المعنى. قال العراقي "التبصرة والتذكرة" (٢/٣٠٠-٣٠١) : " ومن أمثلة تصحيف المعنى ما ذكره الخطابي عن بعض شيوخه في الحديث أنه لما روى حديث النهي عن التحليق يوم الجمعة قبل الصلاة قال: ما حلقت رأسي قبل الصلاة منذ أربعين سنة، فهم منه تحليق الرؤوس، وإنما المراد تحليق الناس حلقا " انتهى. والناظر في كتب المحدثين يلحظ ما يلي: - استعمال لفظة التصحيف أكثر من استعمال لفظة التحريف. - أنه ليس ثمة فرق بين الاستعمالين، بل هما لفظان مترادفان في استعمال المحدثين ولم يثبت التفريق بينهما في أي من الصور، بل إن الخطابي في كتابه "إصلاح غلط المحدثين" (١٢) أطلق على جميع أمثلته التي ذكرها في التصحيف – وهي من الصورة الثانية – أطلق عليها لفظ التحريف حيث قال: " وهذه ألفاظ من الحديث يرويها أكثر الناس والمحدثين ملحونة ومحرفة " انتهى. كما أن الناظر في كتب اللغويين يجد أن التصحيف والتحريف ألقاب مترادفة في استعمالهم، وتكفي نظرة سريعة في كتاب "تصحيح التصحيف وتحرير التحريف" لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤هـ وفي كتاب "التنبيه على حدوث التصحيف" لأبي عبد الله حمزة الأصبهاني لإثبات هذه الحقيقة. وهذه التسوية بين الاستعمالين هي الأقرب إلى أصل المعنى اللغوي لكل من التصحيف والتحريف، فإن التصحيف لغة: الخطأ في الصحيفة (كذا في القاموس ٣/٢١٧) ، والتحريف لغة: التغيير (كذا في القاموس ٣/١٧١) : وذلك يعم كل خطأ وكل تغيير دون تفريق بين صوره. إلا أن بعض الأئمة اختار الفصل بين الاصطلاحين والتمييز بينهما، وهو الإمام العسكري أبو أحمد الحسن بن عبد الله المتوفى سنة ٣٨٢هـ، فقد كتب عدة كتب في التصحيف والتحريف، منها: "شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف" و "تصحيفات المحدثين"، وكان تفريقه مبنيا على أن التصحيف هو ما كانت فيه المخالفة مع تشابه صورة الخط، فإذا أدت المخالفة إلى تغيير الخط فهو التحريف، وذلك في كتابه "شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف" (١/٧٧) حيث ذكر مثالا أخطأ فيه الراوي في قول الشاعر (إذا ما سرى في القوم) فقرأها (سرى بالقوم) فعقب عليه العسكري بقوله: "هذا من التحريف لا من التصحيف " انتهى. كما أنه في مقدمة "تصحيفات المحدثين" (١/٤) قال: " هذا كتاب شرحت فيه من الألفاظ المشكلة التي تتشابه في صورة الخط فيقع فيها التصحيف " انتهى. وظاهر من هذا التفريق أنه يضيق فيه معنى لفظ التصحيف الذي يستعمله المحدثون، فهم يطلقونه على كل تغيير، والعسكري يقصره على التغيير الذي تبقى فيه صورة الخط واحدة. والذي يبدو أن هذا الفصل بقي محصورا في استعمال الإمام العسكري فقط، دون أن يتعدى إلى غيره من أهل العلم، حتى كان عصر الحافظ ابن حجر في المتأخرين، فحاول ضبط التفريق بين الاصطلاحين، قصدا منه لتسهيل العلم وتحديده، فاختار أن يفرق بينهما بقوله: " إن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق، فإن كان ذلك بالنسبة إلى النقط فالمصحف، وإن كان بالنسبة إلى الشكل فالمحرف " انتهى. "نزهة النظر" (٤٧) ولم يكن احافظ ابن حجر متابعا العسكري في هذا التفريق، يظهر ذلك جليا في تغيير (عُبَاد) مثلا إلى (عَبَّاد) ، فهذا التغيير يسميه الحافظ ابن حجر تحريفا، لأن الذي تغير فيه هو الشكل فقط، أما العسكري فإنه يسميه تصحيفا لبقاء صورة الخط. وتابع الحافظ على اصطلاحه كثير مما جاء بعده، كالسيوطي. انظر: "تدريب الراوي" (٢/١٩٥، ٣٨٦) ، والمناوي في شرح النخبة (٢/٤٣١) ، والقاري في شرحها أيضاً. قال: " وابن الصلاح وغيره سمي القسمين محرفاً ولا مشاحة في الاصطلاح، والفرق أدق عند أرباب الفلاح ". ولم يستعمل الحافظ ابن حجر هذا التفريق في كتاب آخر من كتبه، بل رادف بينهما في كثير من المواضع، فمن ذلك: ما جاء في "الإصابة" (١/٢١٩) في ترجمة جاهمة السلمي قال: " وقال ابن لهيعة عن يونس بن يزيد عن ابن إسحاق بهذا الإسناد، لكن حرف اسم الصحابي ونسبته، قال: عن جهم الأسلمي " انتهى. وفي موضع آخر من "الإصابة" (١/٢٧٠) قال: " صحف ابن لهيعة اسمه ونسبته، وإنما هو جاهمة السلمي " انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1827

حديث طويل مكذوب في سياق قصة موت النبي ﷺ [السُّؤَالُ] ـ[أفيدونا عن صحة الحديث المروي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" عن جابر في قوله: (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً) قال: لما نزلت على محمد ﷺ قال: " يا جبريل نفسي قد نعيت ". قال جبريل ﵇: (وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى) ، فأمر رسول الله ﷺ بلالاً أن ينادي بـ (الصلاة جامعة) ، فاجتمع المهاجرون والأنصار، ثم صلى بهم ﵊، ثم صعد المنبر، فحمد الله ، وأثنى عليه، ثم خطب خطبة وجلت منها القلوب، وبكت منها العيون، ثم قال: أيها الناس! أي نبي كنت لكم؟ قالوا: جزاك الله من نبي خيراً، كنت لنا كالأب الرحيم، وكالأخ الناصح الشفيق، أديت رسالات الله ، وأبلغتنا وحيه، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، فجزاك الله عنا أفضل ما جازى نبياً عن أمته.....، فذكر الحديث بطوله) .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الحديث الطويل يرويه الإمام الطبراني في "المعجم الكبير" (٣/٥٨) وعنه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/٧٤) ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/٢٩٥) قال: حدثنا محمد بن أحمد بن البراء ثنا عبد المنعم بن إدريس بن سنان عن أبيه عن وهب بن منبه: عن جابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس ﵄ به. قال الهيثمي بعد إيراده هذا الحديث (٨/٦٠٥) : " رواه الطبراني، وفيه عبد المنعم بن إدريس: وهو كذاب وضاع " انتهى. وقال ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/٣٠١) : " هذا حديث موضوع محال، كافأ الله من وضعه، وقبَّح من يشين الشريعة بمثل هذا التخليط البارد، والكلام الذى لا يليق بالرسول ﷺ ولا بالصحابة. والمتهم به عبد المنعم بن إدريس: قال أحمد بن حنبل: كان يكذب على وهب. وقال يحيى: كذاب خبيث. وقال ابن المدينى وأبو داود: ليس بثقة. وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به. وقال الدارقطني: هو وأبوه متروكان." انتهى. وكذا ذكره في الموضوعات السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (١/٢٥٧) وابن عراق في "تنزيه الشريعة" (١/٣٣٠) والشوكاني في "الفوائد المجموعة" (٣٢٤) وقد احتوى هذا الحديث المكذوب جملا من الأمور: ١- فيه ذكر قصة وفاته ﷺ واستئذان ملك الموت عليه، وذكر تفاصيل غير ثابتة في تلك الحادثة العظيمة، ومن المعلوم لدى أهل العلم أن قصة وفاة النبي ﷺ من أكثر المواضيع التي كذب فيها الكذابون، وتناقل الناس فيها أشياء لا تثبت. يقول الحافظ ابن كثير ﵀ "البداية والنهاية" (٥/٢٥٦) : " وقد ذكر الواقدي وغيره في الوفاة أخبارًا كثيرةً فيها نكارات وغرابة شديدة، أضربنا عن أكثرها صفحا لضعف أسانيدها، ونكارة متونها، ولا سِيَّما ما يورده كثير من القُصَّاص المتأخرين وغيرهم، فكثير منه موضوع لا محالة، وفي الأحاديث الصحيحة والحسنة المروية في الكتب المشهورة غُنيةٌ عن الأكاذيب وما لا يعرف سنده، والله أعلم " انتهى. ولم يصح في استئذان ملك الموت على النبي ﷺ لقبض روحه أي حديث وأي خبر، وكل ما ورد في ذلك إما منكر أو موضوع، وانظر جواب السؤال رقم (٧١٤٠٠) ٢- أما قصة طلب عكاشة القصاص من رسول الله ﷺ ، فقد جاء ما يشبهها من طريق صحيح؛ لكن فيها أن الذي طلب القصاص هو أسيد بن حضير ﵁، فقد روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قَالَ: (بَيْنَمَا هُوَ – يعني أسيد بن حضير - يُحَدِّثُ الْقَوْمَ - وَكَانَ فِيهِ مِزَاحٌ - بَيْنَا يُضْحِكُهُمْ، فَطَعَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي خَاصِرَتِهِ بِعُودٍ. فَقَالَ: أَصْبِرْنِي. فَقَالَ: اصْطَبِرْ. قَالَ: إِنَّ عَلَيْكَ قَمِيصًا وَلَيْسَ عَلَيَّ قَمِيصٌ. فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَمِيصِهِ، فَاحْتَضَنَهُ وَجَعَلَ يُقَبِّلُ كَشْحَهُ، قَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) رواه أبو داود (٥٢٢٤) ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (٧/١٠٢) ، ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١/٢٠٥) والحاكم في "المستدرك" (٣/٣٢٧) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٩/٧٦) . وهذا الحديث سنده صحيح، صححه الحاكم وكذا الذهبي، وصححه الألباني في صحيح أبي داود. جاء في "عون المعبود" (١٤/٩٠) : " (فطعنه النبي ﷺ أي ضربه على سبيل المزاح (فقال) أي أسيد (أصبرني) أي: أقدرني ومكني من استيفاء القصاص حتى أطعن في خاصرتك كما طعنت في خاصرتي. (اصطبر) أي: استوف القصاص. (فاحتضنه) أي اعتنقه وأخذه في حضنه وهو ما دون الإبط إلى الكشح. (وجعل يقبل كشحه) هو ما بين الخاصرة إلى الضلع الأقصر من أضلاع الجنب. (قال إنما أردت هذا) أي: ما أردت بقولي أصبرني إلا هذا التقبيل، وما أردت حقيقة القصاص " انتهى. ٣- وفي الحديث جمل منكرة شنيعة: منها: (فإن أول من يصلي علي الرب من فوق عرشه) وهل يصلي الله على الناس صلاة الجنازة؟! هذا من شنيع كذب الوضاعين. ومنها قوله: (فلما بلغ الروح الركبتين قال رسول الله ﷺ : أوه. فلما بلغ الروح السرة نادى النبي ﷺ : واكرباه. فلما بلغ الروح إلى الثندؤة نادى النبي ﷺ : يا جبريل! ما أشد مرارة الموت) ووجه النكارة أن فيه إشعارا بتسخط النبي ﷺ وجزعه عند الموت، وحاشاه من ذلك. ومنها قوله: (فكبرنا بتكبير جبريل ﵇، وصلينا على رسول الله ﷺ بصلاة جبريل ﵇ ولا يعرف أن الملائكة تؤم المسلمين وتصلي بهم، إنما هذا من منكر ما يرويه الرواة المتهمون. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1828

حديث موضوع في ذكر سبب تشريع الصلوات الخمس [السُّؤَالُ] ـ[ما مدى صحة هذا الحديث: روي عن علي ﵁ قال: (بينما كان الرسول ﷺ جالسا بين الأنصار والمهاجرين، أتى إليه جماعة من اليهود، فقالوا له: يا محمد! إنا نسألك عن كلمات أعطاهن الله تعالى لموسى بن عمران، لا يعطيها إلا لنبي مرسل أو لملك مقرب. فقال النبي ﷺ : سلوا. فقالوا: يا محمد! أخبرنا عن هذه الصلوات الخمس التي افترضها الله على أمتك؟ فقال النبي عليه أفضل الصلاة والسلام: صلاة الفجر: فإن الشمس إذا طلعت تطلع بين قرني الشيطان، ويسجد لها كل كافر من دون الله، فما من مؤمن يصلي صلاة الفجر أربعين يوما في جماعة إلا أعطاه الله براءتين، براءة من النار وبراءة النفاق. قالوا: صدقت يا محمد! أما صلاة الظهر: فإنها الساعة التي تسعر فيها جهنم، فما من مؤمن يصلي هذه الصلاة إلا حرم الله تعالى عليه لفحات جهنم يوم القيامة. أما صلاة العصر: فإنها الساعة التي أكل فيها آدم ﵇ من الشجرة، فما مؤمن يصلي هذه الصلاة إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. وأما صلاة المغرب: فإنها الساعة التي تاب فيها الله تعالى على آدم ﵇، فما من مؤمن يصلي هذه الصلاة محتسبا ثم يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه. وأما صلاة العشاء: فإن للقبر ظلمة، ويوم القيامة ظلمة، فما من مؤمن مشى في ظلمة الليل إلى صلاة العتمة إلا حرم الله عليه وقود النار، ويعطى نورا يجوز به على الصراط، فإنها الصلاة التي صلاها المرسلون قبلي، ثم تلا قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) وجزاكم الله كل خير عنا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله بعد النظر والبحث في هذا الحديث تبين أنه مكذوب موضوع على النبي ﷺ ، ولا تصح نسبته إليه بحال من الأحوال، وعلى ذلك مجموعة من الأدلة: ١- لم نجد هذا الحديث في شيء من الكتب المسندة، وإنما يتناقله من يرويه من الناس من غير إسناد، ومن المعلوم من شريعتنا وجوب رد كل حديث لم يذكره علماء الحديث بإسناده الصحيح. ٢- ومن أمارات الوضع الظاهرة أننا وقفنا على الحديث مذكورا في كتاب أبي الليث السمرقندي، المتوفى سنة (٣٧٥هـ) ، واسم كتابه هو "تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين" في (ص/٢٦٤-٢٦٥) وقد نص أهل العلم على أن كتابه هذا هو من مظان الأحاديث المكذوبة والمصنوعة، فقد عدَّه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب "تلخيص الاستغاثة" (١/٧٣) في ضمن المصنِّفين الذين " لا يعرفون الصحيح من السقيم، ولا لهم خبرة بالمروي المنقول، ولا لهم خبرة بالرواة النقلة، بل يجمعون فيما يروون بين الصحيح والضعيف، ولا يميزون بينهما "، ويقول الإمام الذهبي في ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (١٦/٣٢٣) : " وتَرُوج عليه الأحاديث الموضوعة " انتهى. ٣- ومن وجوه النكارة فيه أيضا: قوله عن صلاة الظهر بأنها الساعة التي تسعر فيها جهنم، والثابت أن ساعة تسعير جهنم هي قبيل الزوال – قبيل الظهر – فإذا دخل وقت الظهر دخلت ساعة الرحمة. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ أَرْبَعًا، وَيَقُولُ: إِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ تُفْتَحُ فَأُحِبُّ أَنْ أُقَدِّمَ فِيهَا عَمَلًا صَالِحًا) رواه أحمد (٣/٤١١) حسنه ابن حجر في "نتائج الأفكار" (٣/٦) والشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٣٤٠٤) ومحققو المسند. ومنها: مخالفته ما جاء في الأحاديث الصحيحة أن اجتماع الصلوات الخمس هو من خصائص أمة محمد ﷺ ، ولم تكن فرضت على الأنبياء من قبله، وإن كان خالف في ذلك بعض أهل العلم، لكن هذا هو الصحيح إن شاء الله، وقد بوب السيوطي في "الخصائص الكبرى" (٢/٣٠٣) : " باب اختصاصه ﷺ بمجموع الصلوات الخمس، ولم تجمع لأحد، وبأنه أول من صلى العشاء ولم يصلها نبي قبله " وذكر تحته مجموعة من الأحاديث، منها: عن مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أن النبي ﷺ قال: قال: (أَعْتِمُوا بِهَذِهِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّكُمْ قَدْ فُضِّلْتُمْ بِهَا عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ، وَلَمْ تُصَلِّهَا أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ) رواه أبو داود (٤٢١) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. ٤- ومن قرائن ضعف الحديث ما فيه من تحديد ساعة أكل آدم من الشجرة، والساعة التي تاب الله فيها عليه، ومثل هذه التفصيلات تشبه ما ترويه الإسرائيليات والأخبار المنقولة عن أهل الكتاب، وذلك يرجح كون الخبر مأخوذا عنها. فالحاصل أن هذا الخبر كذب لا أصل له، فلا تجوز روايته ولا نسبته إلى النبي ﷺ ، كما لا يجوز تناقله في المواقع والمنتديات. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1829

النوم بعد العصر وحديث (عجبت لمن عام ونام بعد العصر) [السُّؤَالُ] ـ[هل هناك حديت نبوي يقول: (عجبت لمن عام ونام بعد العصر) ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: لم يصح في أمر النوم بعد العصر، مدحا أو ذما، حديث عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه، والحديث الذي يذكره السائل الكريم غير مروي في الكتب المسندة، ولم يذكره أحد من أهل العلم، فهو حديث مكذوب لا أصل له، فلا يجوز اعتقاد صحته، ولا تجوز نسبته إلى النبي ﷺ ، فإن الكذب عليه ﷺ من كبائر الذنوب. ثانيا: ومن الأحاديث المكذوبة المشتهرة على ألسنة الناس في شأن ذم النوم بعد العصر، حديث: (من نام بعد العصر فاختلس عقله فلا يلومن إلا نفسه) قال الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (١/١١٢/حديث رقم ٣٩) : " ضعيف. أخرجه ابن حبان في "الضعفاء والمجروحين" (١ / ٢٨٣) من طريق خالد بن القاسم عن الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة مرفوعا. أورده ابن الجوزي في " الموضوعات " (٣ / ٦٩) وقال: لا يصح، خالد كذاب، والحديث لابن لهيعة فأخذه خالد ونسبه إلى الليث. قال السيوطي في " اللآليء " (٢ /١٥٠) : قال الحاكم وغيره: كان خالد يدخل على الليث من حديث ابن لهيعة، ثم ذكره السيوطي من طريق ابن لهيعة فمرة قال: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا. ومرة قال: عن ابن شهاب عن أنس مرفوعا. وابن لهيعة ضعيف من قبل حفظه. وقد رواه على وجه ثالث، أخرجه ابن عدي في " الكامل " (ق ٢١١/١) والسهمي في "تاريخ جرجان" (٥٣) عنه عن عقيل عن مكحول مرفوعا مرسلا. أخرجاه من طريق مروان، قال: قلت لليث بن سعد - ورأيته نام بعد العصر في شهر رمضان - يا أبا الحارث! مالك تنام بعد العصر وقد حدثنا ابن لهيعة..؟ فذكره قال الليث: لا أدع ما ينفعني بحديث ابن لهيعة عن عقيل! ثم رواه ابن عدي من طريق منصور بن عمار حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. والحديث رواه أبو يعلى وأبو نعيم في " الطب النبوى " (١٢/٢ نسخة السفرجلاني) عن عمرو بن حصين عن ابن علاثة عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة مرفوعا. وعمرو بن الحصين هذا كذاب كما قال الخطيب وغيره، وهو راوي حديث العدس وهو: (عليكم بالقرع فإنه يزيد في الدماغ، وعليكم بالعدس فإنه قدس على لسان سبعين نبيا) وهو حديث موضوع " انتهى كلام الشيخ الألباني ﵀. ثالثا: أما حكم النوم بعد العصر فقد جاء فيه قولان عن أهل العلم: الأول: الكراهة، وقد نص عليه كثير من الفقهاء في كتب الفقه، وبعضهم يستدل عليه بالحديث السابق، المشار إلى ضعفه، وبعضهم يستدل عليه ببعض الآثار السلفية، والتجربة الطبية. جاء عن خَوَّات بن جبير من الصحابة أنه قال عن النوم بعد آخر النهار إنه حُمق. وجاء عن مكحول من التابعين أنه كان يكره النوم بعد العصر، ويخاف على صاحبه من الوسواس. انظر "مصنف ابن أبي شيبة" (٥/٣٣٩) ونقل المروذي قال: سمعت أبا عبد الله – يعني الإمام أحمد بن حنبل – يكره للرجل أن ينام بعد العصر، يخاف على عقله. نقله ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (٣/١٥٩) وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/٢٢) قال ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" (٤/٢١٩) : " ونوم النهار رديء يورث الأمراض الرطوبية والنوازل، ويفسد اللون ويورث الطحال ويرخي العصب، ويكسل ويضعف الشهوة، إلا في الصيف وقت الهاجرة. وأردؤه نوم أول النهار، وأردأ منه النوم آخره بعد العصر. ورأى عبد الله بن عباس ابنا له نائما نومة الصبحة فقال له: قم أتنام في الساعة التي تقسم فيها الأرزاق؟ ... قال بعض السلف: من نام بعد العصر فاختلس عقله فلا يلومن إلا نفسه " انتهى. وانظر "مطالب أولي النهى" (١/٦٢) ، "غذاء الألباب" (٢/٣٥٨) ، "كشاف القناع" (١/٧٩) ، "الآداب الشرعية" ابن مفلح (٣/١٥٩) ، "أدب الدنيا والدين" (٣٥٥-٣٥٦) ، "شرح معاني الآثار" (١/٩٩) الثاني: هو الجواز، لأن الأصل هو الإباحة، ولم يرد النهي عنه في حديث صحيح، والأحكام الشرعية تؤخذ من الأحاديث الصحيحة، لا من الأحاديث الضعيفة فضلا عن المكذوبة، ولا من آراء الناس. يقول الشيخ الألباني ﵀ في "السلسلة الضعيفة" (حديث رقم/٣٩) بعد أن أورد عن الليث بن سعد الفقيه المصري المعروف، إنكاره النهي عن نومة العصر، وقوله لمن سأله: مالك تنام بعد العصر؟ لا أدع ما ينفعني بحديث ابن لهيعة عن عقيل – علق على ذلك الشيخ ﵀ قائلا: " ولقد أعجبني جواب الليث هذا، فإنه يدل على فقه وعلم، ولا عجب، فهو من أئمة المسلمين، والفقهاء المعروفين، وإني لأعلم أن كثيرا من المشايخ اليوم يمتنعون من النوم بعد العصر، ولو كانوا بحاجة إليه، فإذا قيل له: الحديث فيه ضعيف، أجابك على الفور: يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال! فتأمل الفرق بين فقه السلف، وعلم الخلف! " انتهى. وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٦/١٤٨) : " سمعت من أناس تحريم النوم بعد العصر، هل ذلك صحيح؟ فجاء الجواب: " النوم بعد العصر من العادات التي يعتادها بعض الناس، ولا بأس بذلك، والأحاديث التي في النهي عن النوم بعد العصر ليست بصحيحة " انتهى. وهذا القول هو الراجح، لعدم صحة النهي عن النبي ﷺ ، وأما ما جاء عن السلف من الآثار التي تنهى عن نومة العصر، فهي محمولة على الكراهة من جهة الطب لا من جهة الشرع، يعني لما اشتهر عند العرب قديما وبين بعض الأطباء الأوائل أن النوم بعد العصر غير صحي، وقد يؤدي إلى إضرار في البدن، فكرهوا للإنسان النوم بعد العصر كي لا يضر نفسه، من غير نسبة ذلك إلى السنة والتشريع. فيرجع في الأمر إلى الطب، فإن ثبت من جهته الضرر والأذى، كره للمرء أن يضر نفسه، وأما الشرع فلم يثبت فيه النهي عن ذلك ابتداء. وانظر جواب السؤال رقم (٢٠٦٣) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1830

حديث (يا علي! لا تنم حتى تأتي بخمسة أشياء) لا يصح [السُّؤَالُ] ـ[قال رسول الله ﷺ : (يا علي! لا تنم حتى تأتي بخمسة أشياء هي: ١- قراءة القرآن الكريم كله. ٢- التصدق بأربعة آلاف درهم. ٣- زيارة الكعبة المشرفة. ٤- حفظ مكانك في الجنة. ٥- إرضاء الخصوم. فقال علي ﵁ وأرضاه: وكيف يا رسول الله؟ فقال الرسول ﷺ : أما تعلم يا علي أنك: ١- إذا قرأت (قل هو الله أحد) ثلاث مرات كأنك قرأت القرآن كله. ٢- إذا قرأت (سورة الفاتحة) أربع مرات كأنك تصدقت بأربعة آلاف درهم. ٣- إذا قلت (لا إله إلا الله وحده لا شريك له , له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير) عشر مرات فقد زرت الكعبة المشرفة. ٤- إذا قلت (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) عشر مرات فقد حفظت مكانك في الجنة. ٥- إذا قلت (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم , وأتوب إليه) عشر مرات فقد أرضيت الخصوم. سمعت أن هذا الحديث باطل، وأنا اعتقادي أنه صحيح، وأرجو الإفادة. وجزاكم الله خير الجزاء.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله جاء في "مجموع فتاوى ابن باز" (٢٦/٣٢٨-٣٣٠) : " نشرة تتضمن أحاديث مكذوبة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد أجاب عنها سماحته بتاريخ ٢٥ ١ ١٤١٤ هـ: فقد اطلعت على نشر ة مصدرة بما نصه: قال رسول الله ﷺ : (يا علي لا تنم إلا أن تأتي بخمسة أشياء وهي قراءة القرآن كله، والتصدق بأربعة آلاف درهم، وزيارة الكعبة، وحفظ مكانك في الجنة، وإرضاء الخصوم، قال علي: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ : أما تعلم أنك: إذا قرأت سورة الإخلاص الآية ١ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثلاث مرات فقد قرأت القرآن كله قرأت الفاتحة أربع مرات فقد تصدقت بأربعة آلاف درهم، وإذا قلت: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات فقد زرت الكعبة، وإذا قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عشر مرات فقد حفظت مكانك في الجنة، وإذا قلت: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه عشر مرات فقد أرضيت الخصوم) ولكون ما تضمنته هذه النشرة لم يرد في كتاب من كتب الحديث المعتمدة، بل هو من الأحاديث الموضوعة المكذوبة على الرسول ﷺ .. ولذلك فإني أحذر إخواني المسلمين من الاغترار بهذا الحديث وأمثاله من الأخبار الموضوعة أو العمل على طبعها أو نشرها بين المسلمين لما في ذلك من تضليل العامة والتلبيس عليهم والكذب على رسول الله ﷺ الذي وعد المتعمد له بالوعيد العظيم، كما قال ﷺ في الحديث الصحيح: (إن كذبا علي ليس ككذب على غيري، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) صحيح البخاري (١٢٢٩) , صحيح مسلم مقدمة (٤) وقال: (من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) صحيح مسلم مقدمة (١) وفي الأخبار الصحيحة عن الرسول ﷺ المدونة في كتاب الحديث المعتمدة من الصحاح والسنن والمسانيد غنية لمن وفقه الله إلى الخير عن اللجوء إلى أخبار الكذابين والوضاعين، أسأل الله أن يرزق الجميع العلم النافع والعمل الصالح ويجنب الجميع طرق الضلال والانحراف إنه سميع قريب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مفتي عام المملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء. وقد سبقت الإجابة على هذا الحديث في جواب السؤال رقم (٣٠٧٦٥) جاء فيها نقلان في تضعيف هذا الحديث: عن الشيخ ابن عثيمين وعن اللجنة الدائمة. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1831

أصحاب الكتب الستة [السُّؤَالُ] ـ[من هم أصحاب الكتب الستة وهل يوجد في كتبهم أحاديث ضعيفة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أصحاب الكتب الستة هم: ١- الإمام البخاري ٢- الإمام مسلم ٣- الإمام أبو داود ٤- الإمام الترمذي ٥ – الإمام النسائي ٦ – الإمام ابن ماجه وإليك تعريفا موجزا بكل واحد منهم: أولاً: الإمام البخاري وهو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَردِزبَة الجعفي البخاري، كان جده المغيرة مولى لليمان الجعفي والي بخارى، فانتسب إليه بعد إسلامه. ولد ببخارى سنة ١٩٤ هـ ونشأ يتيما وأخذ يحفظ الحديث وهو دون العاشرة ولما شب قام برحلة فقصد مكة وأدى فريضة الحج وبقي في مكة زمنا يتلقى العلم على أئمة الفقه والأصول والحديث, ومن ثَم بدأ يرحل ويتنقل من صقع إسلامي إلى آخر على مدى ست عشرة سنة كاملة , طاف فيها بكثير من حواضر العلم يجمع فيها أحاديث النبي ﷺ حتى جمع ما يزيد على ٦٠٠.٠٠٠ حديث ورجع إلى ألف محدث وناقشهم فيها وكانوا ممن عُرفوا بالصدق والتقوى وصحة العقيدة , ومن هذه الجملة الكبيرة من الأحاديث انتقى كتابه الصحيح متبعا في بحثه عن صحتها أدق الأساليب العلمية , في البحث والتنقيب وتمييز الصحيح من السقيم، وانتقاء الرواة حتى أودع كتابه أصح الصحيح، ولم يستوعب كل الصحيح. واسماه (الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه) . وأراد أمير بخارى أن يأتي البخاري إلى بيته ليعلّم أولاده ويُسمعهم الحديث , فامتنع البخاري وأرسل إليه: " في بيته يؤتى العلم" أي أن العلم يؤتى ولا يأتي ومن أراد العلماء فليذهب إليهم في المسجد والبيوت، فحقد عليه وأمر بإخراجه من بخارى , فنزح إلى قرية (خرتنك) القريبة من (سمرقند) وفيها له أقارب , فأقام فيها إلى أن مات سنة ٢٥٦ هـ عن ٦٢ عاما. ﵀ رحمة واسعة. ثانياً: الإمام مسلم وهو مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري أبو الحسين. أحد الأئمة من حفاظ الحديث, ومن أعلام المحدثين , ولد بنيسابور يوم وفاة الإمام الشافعي سنة ٢٠٤هـ , وطلب العلم في نيسابور ولما شب رحل في طلب الحديث إلى العراق والحجاز, وسمع من شيوخ كثيرين, وروى عنه كثيرون من رجال الحديث. أشهر كتبه: صحيحه المعروف بصحيح مسلم, وهو أحد الكتب الستة المعتمدة في الحديث استغرق في تأليفه ما يقرب من خمس عشرة سنة, وصحيحه يلي صحيح البخاري في المكانة وقوة الأحاديث.وقد شرح صحيحه كثير من العلماء. ومن كتبه كتاب الطبقات وكتاب الجامع وكتاب الأسماء, وغيره من مطبوع ومخطوط. توفي في مدينة نصر آباد , قرب نيسابور سنة ٢٦١ هـ عن ٥٧ عاما. ﵀ رحمة واسعة. ثالثاً: الإمام أبو داود وهو سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني, نسبة إلى سجستان. أبو داود. إمام أهل الحديث في عصره. صاحب كتاب السنن في الحديث, وهو أحد الكتب الستة المعتمدة. ولد سنة (٢٠٢) ورحل إلى بغداد وتفقه بالإمام أحمد بن حنبل ولازمه وكان يشبهه, ورحل إلى الحجاز والعراق وخراسان والشام ومصر والثغور, وروى عنه النسائي والترمذي وغيرهما. كان في الدرجة العليا من النسك والصلاح. جمع في كتابه السنن ما يقرب من (٥٣٠٠) حديث. وقد طلب منه الأمير أبو أحمد طلحة (الموفق العباسي) أن يلبي له ثلاث خلال: أولها أن ينتقل إلى البصرة فيتخذها وطنا له لترحل إليه طلبة العلم فتعمر البلد به. وثانيها أن يروي لأولاده السنن , وثالثها أن يفرد لأولاده مجلسا خاصا , فإن أولاد الخلفاء لا يجلسون مع العامة. فقال له داود: أما الأولى فنعم والثانية فنعم وأما الثالثة فلا سبيل إليها , لأن الناس في العلم سواء , فكان أولاد الموفق العباسي يحضرون ويجلسون وبينهم وبين العامة ستر. استقر بالبصرة وبها توفي سنة ٢٧٥ هـ عن ٧٣ سنة. ﵀ رحمة واسعة. رابعاً: الإمام الترمذي وهو محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي. أبو عيسى. من أهل (ترمذ) إحدى بلاد ما وراء النهر وإليها نسبته. أحد أئمة الحديث والحفاظ. ولد سنة (٢٠٩) وتتلمذ على البخاري وشاركه في بعض شيوخه. قام في طلب الأحاديث برحلة إلى خراسان والعراق والحجاز. اشتهر بالحفظ والأمانة والعلم. من شيوخه أحمد ابن حنبل وأبو داود السجستاني. صنف (الجامع) المعدود من كتب الحديث الستة المعتمدة, جمع فيه فنونا من علل الحديث التي تفيد الفقيه , فإنه يذكر الحديث وغالبه في أحكام الفقه , فيذكر أسانيده ويعدد الصحابة الذين رووه ويُصَحِّحُ ما صَح عنده ويُضَعف ما ضُعف , ويبين من أخذ بالحديث من الفقهاء ومن لم يأخذ, فجامعه أجمع السنن وأنفعها للمحدث والفقيه. من تصانيفه أيضا كتاب الشمائل النبوية , والعلل في الحديث. عاش شطرا من حياته الأخيرة ضريرا بعد أن طاف في البلاد يجمع الروايات الصحيحة من أهل التثبت. توفي سنة (٢٧٩) هـ عن ٧٠ عاما. ﵀ رحمة واسعة. خامساً: الإمام النسائي وهو أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار النسائي. أبو عبد الرحمن. أصله من مدينة (نسا) بخراسان وإليها نسبته, وينسب إليها (نسوي) و (نسائي) . ولد سنة ٢١٥ هـ وكان أحد أعلام الدين،وأركان الحديث إمام أهل عصره ومقدمهم وعمدتهم. وجرحه وتعديله معتبر عند العلماء. قال الحاكم: سمعت أبا الحسن الدارقطني غير مرة يقول: أبو عبد الرحمن مقدم على كل من يذكر بعلم الحديث، وبجرح الرواة وتعديلهم في زمانه. وكان في غاية الورع والتقى، وكان يواظب على أفضل الصيام (صيام داود) فكان يصوم يوماً ويفطر يوماً. سكن بمصر وانتشرت بها تصانيفه، وأخذ عنه الناس ثم انتقل إلى دمشق وتوفي يوم الاثنين الثالث عشر من شهر صفر سنة (٣٠٠) عن ٨٥ سنة. ﵀ رحمة واسعة. سادساً: الإمام ابن ماجه وهو محمد بن يزيد الربعي القزويني. أبو عبد الله. كان أبوه يزيد يعرف بـ (ماجة) فعرف بابن ماجة. و (الربعي) نسبة لربيعة التي ينتسب إليها بالولاء الحافظ المشهور مصنف كتاب السنن في الحديث ولد في (قزوين) وإليها نسبته. سنة (٢٠٩) ، وارتحل إلى العراق والبصرة والكوفة وبغداد ومكة والشام ومصر والري لكتابة الحديث. صنف في رحلته ثلاثة كتب: كتاب في التفسير, وكتاب في التاريخ وفيه دَوَّن أخبار الرجال الذين دونوا السنة من عصر الصحابة إلى عصره وكتاب السنن. توفي ابن ماجة في يوم الاثنين الثاني والعشرين من رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين،عن ٦٤ عاما. ﵀ رحمة واسعة. حكم الأحاديث التي في هذه الكتب: أما صحيحا البخاري ومسلم فقد تلقت الأمة ما جاء فيهما من الأحاديث بالقبول، وأجمعوا على صحة كل ما فيهما إلا ألفاظاً يسيرة جدا أخرجها البخاري ومسلم ليبينوا عِلَّتها إما تصريحا أو تلميحا كما نبه على ذلك العلماء المحققون الدارسون لهذين الكتابين، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وأما سائر كتب السنن فإنها لا تخلو من وجود أحاديث ضعيفة في ثناياها،بعضها نبه عليها صاحب الكتاب، وبعضها بيّنها غيره من العلماء، ولم يحرصوا ﵏ على بيان جميع الضعيف لأنهم أوردوا الأحاديث بالأسانيد، فيسهل معرفة الصحيح من الضعيف على أهل العلم بمراجعة رجال السند ومعرفة حالهم من الثقة والضعف. ومن العلماء المشهورين في هذا الشأن أحمد والدارقطني ويحيى بن معين وابن حجر والذهبي والواقي والسخاوي ومن المعاصرين الألباني وأحمد شاكر وغيرهم رحمة الله على الجميع، والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 1832

الدعاء الذي أنقذ الصحابي من اللص، وفيه (يا ودود! يا ذا العرش المجيد !) [السُّؤَالُ] ـ[أود أن أتبين درجة هذه الأحاديث؛ لأنها تصلني على البريد الإلكتروني ولا أعلم صحتها: اقرأه ٣ مرات والله يستجيب بإذن الله: (يا ودود يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا مبدئ يا معيد، يا فعالا لما يريد، أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، وأسألك بقدرتك التي قدرت بها على جميع خلقك، وأسألك برحمتك التي وسعت كل شيء، لا إله إلا أنت، يا مغيث أغثني، ثلاث مرات) ]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الدعاء المذكور ورد في حديث له قصة مشهورة منتشرة في المنتديات، لعل من المناسب ذكرها حتى يتبين أمرها: عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار يكنى (أبا معلق) ، وكان تاجراً يتجر بماله ولغيره يضرب به في الآفاق، وكان ناسكا ورعا، فخرج مرة فلقيه لص مقنع في السلاح، فقال له: ضع ما معك فإني قاتلك، قال: ما تريد إلى دمي! شأنك بالمال، فقال: أما المال فلي، ولست أريد إلا دمك، قال: أمَّا إذا أبيت فذرني أصلي أربع ركعات؟ قال: صلِّ ما بدا لك، قال: فتوضأ ثم صلَّى أربع ركعات، فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال: (يا ودود! يا ذا العرش المجيد! يا فعَّال لما يريد! أسألك بعزك الذي لا يرام، وملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك، أن تكفيني شرَّ هذا اللص، يا مغيث أغثني! ثلاث مرار) قال: دعا بها ثلاث مرات، فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة واضعها بين أذني فرسه، فلما بصر به اللص أقبل نحوه فطعنه فقتله، ثم أقبل إليه فقال: قم، قال: من أنت بأبي أنت وأمي فقد أغاثني الله بك اليوم؟ قال: أنا ملَكٌ من أهل السماء الرابعة، دعوت بدعائك الأول فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة، ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل لي: دعاء مكروب، فسألت الله تعالى أن يوليني قتله. قال أنس ﵁: فاعلم أنه من توضأ وصلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء استجيب له مكروباً كان أو غير مكروب) . أخرجه ابنُ أبي الدنيا في " مجابي الدعوة " (٦٤) و" الهواتف " (٢٤) ، ومن طريقهِ أخرجه اللالكائي في " شرح أصولِ الاعتقاد " (٥ / ١٦٦) وبوَّب عليه: " سياق ما روي من كراماتِ أبي معلق "، وأخرجه " أبو موسى المديني " – كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في " الإصابة " (٧ / ٣٧٩) في ترجمة " أبي معلق الأنصاري " ونقل عنه أنه أورده بتمامه في كتاب " الوظائف "، وكذا رواه عنه تلميذه ابن الأثير في " أسد الغابة " (٦ / ٢٩٥) -: جميعهم من طريق الكلبي يصله إلى أنس ﵁. وقد اضطرب فيه الكلبي واختلفت الرواية عنه: فمرة يرويه عن الحسن عن أنس – كما هي رواية ابن أبي الدنيا -. ومرة يرويه عن الحسن عن أبي بن كعب – كما ذكر ذلك ابن حجر في الإصابة عن سند أبي موسى المديني -. ومرة يرويه عن أبي صالح عن أنس – كما في رواية ابن الأثير عن أبي موسى المديني. قال الشيخ الألباني ﵀: وهذا إسناد مظلم ... الآفة إما من الكلبي المجهول، وإما ممن دونه، والحسن – وهو البصري – مدلس وقد عنعن، فالسند واهٍ. فمن الغريب أن يُذكر (أبو معلق) هذا في الصحابة، ولم يذكروا ما يدل على صحبته سوى هذا المتن الموضوع بهذا الإسناد الواهي! ولذلك – والله أعلم – لم يورده ابن عبد البر في " الاستيعاب "، وقال الذهبي في " التجريد " (٢ / ٢٠٤) : له حديث عجيب، لكن في سنده الكلبي، وليس بثقة، وهو في كتاب " مجابو الدعوة "، ويلاحظ القراء أنه قال في الكلبي: " ليس بثقة "، وفي هذا إشارة منه إلى أنه لم يلتفت إلى قوله في الإسناد: " وليس بصاحب التفسير "؛ لأن الكلبي صاحب التفسير هو المعروف بأنه ليس بثقة، وقد قال في " المغني ": " تركوه، كذَّبه سليمان التيمي، وزائدة، وابن معين، وتركه ابن القطان، وعبد الرحمن ". ومن الغرائب أيضاً: أن يَذكر هذه القصة ابن القيم في أول كتابه " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي " من رواية ابن أبي الدنيا هذه، معلقا إياها على الحسن، ساكتاً عن إسنادها! . " السلسلة الضعيفة " (٥٧٣٧) قلت: وللكلبي متابعة من قبل مالك بن دينار، فقد أخرج القشيري في " الرسالة القشيرية " (٢ / ٨٥، ٨٦ باب الدعاء) القصة بسياق مشابه فقال: أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران ببغداد قال: حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد المعروف بابن السماك قال: أخبرنا محمد بن عبد ربه الحضرمي قال: أخبرنا بشر بن عبد الملك قال: حدثنا موسى بن الحجاج قال: قال مالك بن دينار: حدثنا الحسن عن أنس بن مالك ﵁ ... فذكر الحديث. لكنها متابعة غير صالحة، إذ في هذا السند علتان: الأولى: محمد بن عبد ربه الحضرمي: لم أقف له على ترجمة. الثانية: بشر بن عبد الملك الراوي عن موسى بن الحجاج: لم أعرفه أيضا، فكل مَن تُرجم لهم بهذا الاسم ثلاثة: ١. بشر بن عبد الملك الخزاعي مولاهم الموصلي، روى عن: غسان بن الربيع ومحمد بن سليمان لوين وجماعة، وروى عنه: الطبراني. " تاريخ الإسلام " الذهبي (أحدا سنة ٣٠٠ هـ) . ٢. بشر بن عبد الملك، أبو يزيد الكوفى نزيل البصرة، روى عن: عون بن موسى، وعبد الله بن عبد الرحمن بن إبراهيم الأنصاري، كتب عنه: أبو حاتم بالبصرة، وروى عنه: أبو زرعة، وسئل عنه فقال: شيخ. " الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم (٢ / ٣٦٢) . ٣. بشر بن عبد الملك العتبي، يروى عن: يحيى بن سعيد الانصاري، روى عنه: أبو سعيد الأشج. " الثقات " لابن حبان (٦ / ٩٧) . وهم كما ترى لا يبدو أن أحداً منهم هو المذكور في الحديث. إلا أن الحافظ ابن ماكولا في " الإكمال " (٥ / ١٠١) ذكر راوياً عن موسى بن الحجاج باسم (بشران بن عبد الملك) فقال: وأما بشران: فهو بشران بن عبد الملك، أظنه موصليّاً، حدَّث عن موسى بن الحجاج بن عمران السمرقندى ببيسان عن مالك بن دينار. انتهى. فلعله هو المقصود، وتصحف اسمه في كتاب " القشيري " إلى " بشر ". أما ابن السماك فهو ثقة، ترجمته في "سير أعلام النبلاء" للذهبي (١٧ / ٣١٢) . وكذا مالك بن دينار (١٢٧ هـ) ترجمته في " تهذيب التهذيب " (١٠ / ١٥) . والخلاصة: أن القصة والدعاء لا يصحان بوجه من الوجوه، إلا أن جمل هذا الدعاء وعباراته ليس في شيء منها نكارة، بل كلماته صحيحة عظيمة تشهد لها نصوص من الكتاب والسنة، ولكن لا يعني ذلك لزوم نجاة من دعا بها، أو اعتقاد نصرة الله تعالى لمن ذكرها، فذلك متوقف على صحة السند به إلى النبي ﷺ ، وبما أن السند لم يصح: فلا ينبغي اعتقاد ذلك، ومن أحب أن يحفظ هذه الكلمات ويدعو بها دون أن ينسبها إلى الشرع: فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1833

بيان في شأن انتشار الأدعية المبتدعة [السُّؤَالُ] ـ[أود منكم نصيحة في قضية انتشرت في شبكة الإنترنت، وهي كتابة أحاديث موضوعة وأدعية مبتدعة في المنتديات وغيرها، مما لا نعلم فيها أهي صحيحة أو ضعيفة، مما زاد من تأثر الناس بها، وتداولها، وانتشارها، أيضا في رسائل الجوال. ومن هذا: أنني قرأت في أحدها..دعاء هز السماء: " يا ودود يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا مبدئ يا معيد، يا فعالا لما يريد، أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، وأسألك بقدرتك التي قدرت بها على جميع خلقك، وأسألك برحمتك التي وسعت كل شيء، لا إله إلا أنت، يا مغيث أغثني " وبعدها قرأت بأنه مبتدع ولا يجوز، وأيضا هناك الكثير انتشر ... ماذا علينا أن نعمل إذا قرأنا مثل هذه الأحاديث في زمن كثرت فيه الفتن؟ أرجو منكم إسداء النصيحة لكي أنشرها بين المنتديات، ونحد من مثل هذه الأخطاء. لا تنسوا الدعاء لي بظهر الغيب، وأن يوفقني في دراستي، وأن يفرج همومنا، ويصلح ذرياتنا، ويجعلهم على الهدى ودين الحق، وأن يشفي مرضنا وعامة المسلمين. باركم الله فيكم، ونفع بعلمكم الإسلام والمسلمين، وجزاكم الله الفردوس الأعلى من الجنة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قد رأينا – وللأسف – في السنوات الأخيرة انتشارا خطيرا لمعصية شنيعة، هي من كبائر الذنوب، ومهلكات المعاصي، تهاون بها كثير من الناس، فأفسدوا بذلك في الدين، وتطاولوا على مقام الرسول الكريم محمد ﷺ ، هذه الظاهرة تتمثل في انتشار الأحاديث المكذوبة على النبي ﷺ ، والجرأة العظيمة في التحديث عنه ﷺ من غير تَحَرٍّ ولا تَثَبُّت. ولذلك كان لزاما علينا وعلى كل مسلم غيور على دينه أن نذكر الناس ونبلغهم خطورة ما يتساهلون به، ونحذرهم ما بلغ بهم الحال، نصحية لله ولرسوله ولعامة المسلمين. فنقول: أولا: إن واجبنا – أيها الإخوة الكرام – هو نصرة النبي ﷺ ، وتحقيق محبته بحسن اتباعه، والمحافظة على نقاء شريعته - في زمن تطاول فيه السفهاء والحاقدون على مقامه ﷺ ولا شك أن من أعظم ما يُنصر به الدين، ويُجَلُّ به الرسول الكريم هو الصدق في نقل أقواله وأخباره، ونفي الكذب الذي يحكى على لسانه، فإننا إذ نعلم أن لا أحد يَقبل أن يُحكى على لسانه ما لم يقل، أو ينقل عنه ما لم ينطق به، فما هو الظن برسولٍ يوحى إليه من عند الله ﵎، وشريعتُه شريعة خالدة جاءت لتصلح أمر العباد إلى يوم القيامة، لا شك أنه ﷺ أكثر الناس كراهية أن يُكذب عليه، ولذلك روى عنه المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال: (إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ) رواه مسلم في مقدمة صحيحه (رقم/٤) وقد بوب الحافظ ابن حبان على حديث أبي هريرة بمعنى هذا الحديث بقوله (فصل: ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى ﷺ وهو غير عالم بصحته) ووالله إن المسلم ليعجب حين يجد في الناس من يتوقى جُهدَهُ الوقوعَ في المعاصي الظاهرة، من غش أو غيبة أو سرقة أو زنا، ثم يتساهل في هذا الأمر، يحسبه هينا وهو عند الله عظيم، فتجده يحفظ الأحاديث المكذوبة، ويحكيها في المجالس والمواقع، ولا يتكلف عناء السؤال عنها، ولا يتثبت من صحتها. ثانيا: ليعلمْ كل من نشر حديثا من غير تثبت من صحته – سواء برسالة في الجوالات، أو في منتديات (الإنترنت) ، أو نقله من موقع إلى آخر، أو أرفقه في رسالة – أنه يستحق بذلك العذاب والنكال في الآخرة، هو والذي كذب الحديث وصنعه أول مرة، فإن جرم الناقل للكذب من غير تثبت كجرم الكاذب الذي تجرأ على مقام الرسول الكريم ﷺ . يقول النبي ﷺ : (مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى – أي: يظن - أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَِيْنَ) رواه مسلم في مقدمة صحيحه (ص/٧) . وقال النووي في شرح هذا الحديث "شرح مسلم" (١/٦٥) : " فيه تغليظ الكذبِ والتعرضِ له، وأن من غلب على ظنه كذب ما يرويه فرواه كان كاذبا، وكيف لا يكون كاذبا وهو مخبر بما لم يكن " انتهى. ويقول الشيخ الألباني ﵀ في "تمام المنة" (٣٢-٣٤) : " لقد جرى كثير من المؤلفين - ولا سيما في العصر الحاضر - على اختلاف مذاهبهم واختصاصاتهم على رواية الأحاديث المنسوبة إلى النبي ﷺ دون أن ينبهوا على الضعيفة منها، جهلا منهم بالسنة، أو رغبة، أو كسلا منهم عن الرجوع إلى كتب المتخصصين فيها. قال أبو شامة – في "الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص/٥٤) -: " وهذا عند المحققين من أهل الحديث وعند علماء الأصول والفقه خطأ، بل ينبغي أن يبين أمره إن علم، وإلا دخل تحت الوعيد في قوله ﷺ : (من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) رواه مسلم " اهـ هذا حكمُ من سكت عن الأحاديث الضعيفة في الفضائل! فكيف إذا كانت في الأحكام ونحوها!؟ واعلم أن من يفعل ذلك فهو أحد رجلين: ١ - إما أن يعرف ضعف تلك لأحاديث ولا ينبه على ضعفها، فهو غاش للمسلمين، وداخل حتما في الوعيد المذكور. قال ابن حبان في كتابه "الضعفاء" (١/٧-٨) : " في هذا الخبر دليل على أن المحدث إذا روى ما لم يصح عن النبي ﷺ ، مما تُقُوِّل عليه وهو يعلم ذلك، يكون كأحد الكاذبين، على أن ظاهر الخبر ما هو أشد قال ﷺ : (من روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب. .) ولم يقل: إنه تيقن أنه كذب، فكل شاك فيما يروي أنه صحيح أو غير صحيح داخل في ظاهر خطاب هذا الخبر ". ٢ - وإما أن لا يعرف ضعفها، فهو آثم أيضا لإقدامه على نسبتها إليه ﷺ دون علم، وقد قال ﷺ : (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع) رواه مسلم في "مقدمة صحيحه" (رقم/٥) فله حظ من إثم الكاذب على رسول الله ﷺ ؛ لأنه قد أشار ﷺ أن من حدث بكل ما سمعه - ومثله من كتبه - أنه واقع في الكذب عليه ﷺ لا محالة، فكان بسبب ذلك أحد الكاذِبَيْن: الأول: الذي افتراه. والآخر: هذا الذي نشره! قال ابن حبان أيضا (١/٩) : " في هذا الخبر زجر للمرء أن يحدث بكل ما سمع حتى يعلم علم اليقين صحته " اهـ وقد صرح النووي بأن من لا يعرف ضعف الحديث لا يحل له أن يهجم على الاحتجاج به من غير بحث عليه بالتفتيش عنه إن كان عارفا، أو بسؤال أهل العلم إن لم يكن عارفا " انتهى النقل عن الشيخ الألباني ﵀. ثالثا: يعظم خطر ما يقع به هؤلاء الناس – الذين ينشرون الأحاديث من غير تثبت ولا تبين – حين ينتشر ما يفترونه في الآفاق، فيقرؤه (ملايين) البشر، وتتناقله الأجيال أزمنة طويلة، فيتحمل هو ومن ساعده في نشرها الإثم إلى يوم القيامة. عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي.. قَالَا: الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يَكْذِبُ بِالْكَذْبَةِ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) رواه البخاري (٦٠٩٦) رابعا: نحن لا نملك – إزاء كل هذا الوعيد – إلا أن نُذَكِّرَ أنفسنا وإخواننا المسلمين بتقوى الله في ديننا وشريعتنا، فلا نكون معاولَ هدم وإفساد، فإن انتشار الأحاديث المكذوبة من أعظم عوامل فساد الدين، وما هلك اليهود والنصارى إلا حين افتروا على الله ورسله الكذب، ونسبوا إلى شرائعهم ما لم تأت به الرسل، فاستحقوا بذلك غضب الله ومقته. فهل يريد هؤلاء المتساهلون في نشر الأحاديث من غير تثبت أن يلحقوا بمن غضب الله عليهم ولعنهم؟! وهل يرضى أحد أن يكون أداة تنشر ما يفسد، وعونا للزنادقة الذين يكذبون على شريعتنا ونبينا؟!! أم هل يسعى من يقوم بنشر الأحاديث من غير تثبت إلى التشبه بطوائف الكذب والضلال كالرافضة الذين ملؤوا الدنيا بكذبهم على النبي ﷺ وآل بيته؟! وهل يعلم هؤلاء أن صلاتهم وصيامهم وعبادتهم - قد - لا تغني عنهم عند الله شيئا، ولا تدفع عنهم عار ذلك الكذب وإثمه، إن هم شاركوا في نشر هذه الأحاديث الباطلة؟! فرب معصية يتهاون بها صاحبها تهوي به في النار وتكون سببا في شقائه. يقول أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي: " قال شيخنا أبو الفضل الهمداني: مبتدعة الاسلام والواضعون للأحاديث أشد من الملحدين؛ لأن الملحدين قصدوا إفساد الدين من خارج، وهؤلاء قصدوا إفساده من داخل، فهم كأهل بلد سعوا في إفساد أحواله، والملحدون كالمحاصرين من خارج، فالدخلاء يفتحون الحصن، فهو شر على الإسلام من غير الملابسين له " انتهى. نقلا عن "الموضوعات" لابن الجوزي (١/٥١) خامسا: وبعد ذلك كله يأتيك من يعتذر عن إفساده ونشره الأحاديث المكذوبة بقول: الأحاديث الضعيفة يؤخذ بها في فضائل الأعمال. ألا فليعلم أن هذا من تلبيس الشيطان، ومن الجهل المركب، يعتدي به قائله، ويتحمل به وزرا على وزر، فإن هذه القاعدة التي يذكرها بعض أهل العلم إنما يذكرونها مشروطة بشروط عدة، ليت من يأخذ بها يلتزم هذه الشروط، وهي: ١- أن يتعلق الحديث بفضائل الأعمال مما له أصل في الشريعة، وليس بالعقائد أو الأحكام أو الأخبار التي ينبني عليها فقه وعمل، بل وليس بفضائل الأعمال التي ليس لها أصل في الشريعة. ٢- ألا يكون شديد الضعف: فالحديث الموضوع والمنكر لا يجوز روايته ولا العمل به باتفاق أهل العلم. ٣- ألا يعتقد نسبته إلى النبي ﷺ . ٤- أن يصرح من ينقل هذا الحديث بضعفه، أو يشير إلى ضعفه باستعمال صيغة التمريض: يُروَى، ويُذكَرُ..ونحو ذلك. (هذه الشروط مستخلصة من كلام الحافظ ابن حجر في "تبيين العجب" (٣-٤) ونقل بعضها عن العز بن عبد السلام وابن دقيق العيد) وانظر حول العمل بالحديث الضعيف جواب السؤالين (٤٤٨٧٧) و (٤٩٦٧٥) . إذن، لم يقصد أهل العلم القائلون بهذه القاعدة تجويز ما يقوم به هؤلاء الذين ينشرون في المنتديات كل حديث وكل رواية، صحيحة أو مكذوبة أو ضعيفة. يقول الشيخ الألباني ﵀ في "تمام المنة" (٣٦) : " ومن المؤسف أن نرى كثيرا من العلماء - فضلا عن العامة - متساهلين بهذه الشروط، فهم يعملون بالحديث دون أن يعرفوا صحته من ضعفه، وإذا عرفوا ضعفه لم يعرفوا مقداره، وهل هو يسير أو شديد يمنع العمل به ثم هم يشهرون العمل به كما لو كان حديثا صحيحا، ولذلك كثرت العبادات التي لا تصح بين المسلمين، وصرفتهم عن العبادات الصحيحة التي وردت بالأسانيد " انتهى. سادسا: إذا تاب العبد من نشر الأحاديث المكذوبة، أو علم حرمة ما قام به بعد أن كان جاهلا بالحكم، فباب التوبة مفتوح، ولكنه مشروط بالبيان بعد الكتمان، والإصلاح بعد الإفساد. يقول الله تعالى: (إِلَاّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) البقرة/١٦٠ لذلك ينبغي على كل مسلم أن ينشر الأحاديث الصحيحة بدلا من المكذوبة الموضوعة، وكُتبُ السنة الصحيحة مليئةٌ - بفضل الله - بالأحاديث الثابتة التي لو قضى المرء عمره في حفظها وفهمها ما كاد يحيط بها، ويكفيه في ذلك أن يجد عالما من علماء الحديث قد حكم على الحديث بالصحة والقبول، فيقبله منه وينشر الحديث مع حكم ذلك العالم عليه. وأما من كان وقع في نشر الأحاديث الواهية فعليه أن ينشر بيانات العلماء في حكمها، وفي موقعنا العديد من الإجابات على أحاديث ضعيفة منتشرة في المنتديات، يمكنه الاستفادة منها. ومن ذلك الحديث المذكور في السؤال، فقد سبق بيان ضعفه في جواب السؤال رقم (٩٨٨٢١) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1834

أحاديث مكذوبة عن الخطاط والخياط [السُّؤَالُ] ـ[ما صحة الحديثين التالين: قال الرسول ﷺ : (إنما الخطَّاطون والخيَّاطون يأكلون من أعماق عيونهم) وقال كذلك ﷺ : (عليكم بحسن الخط، فإنه من مفاتيح الرزق) وكذلك ما معنى الحديث الأول؟ وجزاكم الله عنا كل خير.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: أما الحديث الأول: فلم نجده في كتب الحديث المعتمدة، ولم نقف له على سند أو أثر أو معنى قريب منه، ويبدو أنه من وضع العامة الذين ينسبون كل شيء إلى النبي ﷺ ، ولا يراعون في ذلك الوعيد الذي جاء لمن كذب عليه ﷺ . وهو قد يكون صحيح المعنى، فإن الخَطَّ والخياطةَ حِرفٌ ومهن تعتمد على دقة النظر، وتحتاج إلى استعمال بالغ للعين، لذلك كان رزق الخطاط والخياط مستخرجا من عصب عينه التي يعتمد عليها. إلا أن صحة المعنى لا تجيز لأحد أن ينسب إلى النبي ﷺ ما لم يقله، وقد نسب الوضاعون إلى النبي ﷺ كثيراً من الكلام، وخاصة في أبواب الحرَف والمهن؛ كي يروجوا لما يصنعون ويفتخروا بما يحسنون، حتى عقد الإمام ابن الجوزي في كتابه " الموضوعات " (٢ / ٢٥١) باباً في الخياطة، ذكر فيه بعض الأحاديث المكذوبة في هذا الشأن. ثانياً: أما حديث (عليكم بحسن الخط؛ فإنه مفاتيح الرزق) : فهو حديث مكذوب موضوع أيضا، ليس له أصل في كتب الحديث المسندة، ذكره الصغاني في " الموضوعات " (٣٩) ، والفتني في " تذكرة الموضوعات " (١٣٥) ، والعجلوني في " كشف الخفاء " (٢ / ٧١) ، والشوكاني في " الفوائد المجموعة " (١٤٧) . والركة ظاهرة في أسلوب الحديثين، لا يبدو عليهما علامات الحكمة أو نور الهداية، ولا يشبه كلام النبي ﷺ ، فيما اعتدناه من حديثه. يقول ابن القيم في علامات الحديث الموضوع: أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء، فضلا عن كلام رسول الله ﷺ الذي هو وحي يوحى، كما قال الله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَن الهَوَى إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى) أي: وما نطقه إلا وحي يوحى، فيكون الحديث مما لا يشبه الوحي، بل لا يشبه كلام الصحابة: كحديث: (ثلاثة تزيد في البصر: النظر إلى الخضرة والماء الجاري والوجه الحسن) . " المنار المنيف " (ص ٦١، ٦٢) . ثم ذكر من علاماته أيضا: " ركاكة ألفاظ الحديث، وسماجتها، بحيث يمجها السمع، ويدفعها الطبع، ويسمج معناها للفطن: كحديث: (أربع لا تشبع من أربع: أنثى من ذكر، وأرض من مطر، وعين من نظر، وأذن من خبر) . " المنار المنيف " (ص ٩٩) . ثالثاً: مع ما ذكرناه من بطلان نسبة الحديثين المذكورين إلى النبي ﷺ ، فإننا نجد في كلام أهل العلم والأدب شيئا يدل على استحبابهم تحسين الخط، واعتبارهم حسن الخط من رفيع الأدب وجميل الخلق والذوق، وأنقل هنا شيئا من هذا الكلام: يقول الماوردي – ﵀: ولما كان الخط بهذا الحال وجب على من أراد حفظ العلم أن يعبأ بأمرين: أحدهما: تقويم الحروف على أشكالها الموضوعة لها. والثاني: ضبط ما اشتبه منها بالنقط والأشكال المميزة لها. ثم ما زاد على هذين، من تحسين الخط، وملاحة نظمه: فإنما هو زيادة حذق بصنعته، وليس بشرط في صحته. وقد قال علي بن عبيدة: حُسن الخط لسان اليد، وبهجة الضمير، وقال أبو العباس المبرِّد: رداءة الخط زمانة الأدب، وقال عبد الحميد: البيان في اللسان، والخط في البنان، وأنشدني بعض أهل العلم لأحد شعراء البصرة: اعذُر أخاك على نذالة خطه واغفر نذالته لجودة ضبطه فإذا أبان عن المعاني لم يكن تحسينه إلا زيادةَ شرطه واعلم بأن الخط ليس يراد من تركيبه إلا تبيُّن سِمطه ومحل ما زاد على الخط المفهوم، من تصحيح الحروف، وحسن الصورة: محل ما زاد على الكلام المفهوم من فصاحة الألفاظ، وصحة الإعراب، ولذلك قالت العرب: " حُسن الخط أحد الفصاحتين "، وكما أنه لا يعذر من أراد التقدم في الكلام أن يطرح الفصاحة والإعراب وإن فَهم وأَفهم، كذلك لا يُعذر مَن أراد التقدم في الخط أن يَطرح تصحيح الحروف، وتحسين الصورة، وإن فَهم، وأَفهم، وربما تقدم بالخط مَن كان الخطُّ مِن جُلِّ فضائله، وأشرف خصائله، حتى صار عالماً مشهوراً، وسيِّدا مذكوراً، غير أن العلماء اطَّرحوا صرف الهمة إلى تحسين الخط؛ لأنه يشغلهم عن العلم، ويقطعهم عن التوفر عليه، ولذلك تجد خطوط العلماء في الأغلب رديئة لا يخط إلا من أسعده القضاء، وقد قال الفضل بن سهل: مِن سعادة المرء: أن يكون رديء الخط؛ لأن الزمان الذي يفنيه بالكتابة يشغله بالحفظ والنظر، وليست رداءة الخط هي السعادة، وإنما السعادة أن لا يكون له صارفٌ عن العلم، وعادة ذي الخط الحسن أن يتشاغل بتحسين خطه عن العلم، فمِن هذا الوجه صار برداءة خطِّه سعيداً، وإن لم تكن رداءة الخط سعادة. " أدب الدنيا والدين " (ص ٤٧، ٤٨) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال جواب

стр. 1835

أحاديث ذم العزوبة كلها باطلة [السُّؤَالُ] ـ[أريد شرح وتفسير هذه الأحاديث النبوية، وهل هي صحيحة؟ روي عن رسول الله صلى الله وسلم أنه قال: ١- (تزوج وإلا فأنت من إخوان الشياطين) ٢- (النكاح سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني) ٣- (أراذل موتاكم العزاب) بارك الله فيكم , مع خالص الشكر والتحية.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: ثبت في السنة النبوية الصحيحة الحث على الزواج والترغيب في النكاح، وجاءت بذلك شواهد الكتاب والسنة المتكاثرة، وذلك لما في الزواج من فضيلة ظاهرة ومحاسن كثيرة، وقد سبق في موقعنا بيان الكثير من ذلك بالشرح والتفصيل: فانظر مثلا أرقام الإجابات الآتية: (٥٥١١) ، (٣٤٦٥٢) ومن الأحاديث التي تحث على الزواج ما جاء في الصحيحين: البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١) عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قال: (جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ، قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا!! أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) لكن لا يصلح هذا الحديث أن يكون دليلا على ذم العزوبة وترك الزواج مطلقا، إلا إذا ترك الزواج رهبانية وتقربا إلى الله بهذا الترك، وظنا أن العزَب أفضل من المتزوج، فحينئذ يشمله هذا الحديث، ويكون ممن تبرأ منهم النبي ﷺ . يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في "فتح الباري" (٩/١٠٥-١٠٦) : " المراد بـ "السنة" الطريقة، لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره، والمراد: مَن ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني، ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية، فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله تعالى، وقد عابهم بأنهم ما وَفَوْهُ بما التزموه، وطريقة النبي ﷺ الحنيفية السمحة، فيفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل. وقوله: (فليس مني) إن كانت الرغبة بضرب من التأويل يعذر صاحبه فيه، فمعنى " فليس مني " أي: على طريقتي، ولا يلزم أن يخرج عن الملة. وإن كان إعراضا وتنطعا يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله فمعنى (فليس مني) : ليس على ملتي؛ لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر. وفي الحديث دلالة على فضل النكاح والترغيب فيه " انتهى. إذن فليس في الحديث دلالة على ذم العزوبة بالإطلاق، خاصة إذا كانت نتيجةَ ظروف أو عدم رغبة في النكاح أو مرض أو نحو ذلك من الأعذار، وكيف تأتي الشريعة بذم من لا يستحق الذم، ومن كان قَدَرُه ألا يجتمع بزوجة يأنس إليها وتأنس إليه!! والغريب أن بعض الكذابين أرادوا أن يناقضوا أولئك الذين يذمون العزوبة مطلقا، فوضعوا من الأحاديث في مدح العزوبة، وكذبوا على النبي ﷺ في ذلك أيضا، حتى قال ابن القيم ﵀ في "المنار المنيف" (ص/١٧٧) : " أحاديث مدح العزوبة كلها باطلة " انتهى. من هنا تعلم أنه لا يصح حديث في ذم العزوبة ولا في مدحها، وكل حديث فيه ذم للعَزَب وتنقيصٌ لقدره فهو حديثٌ باطلٌ أو منكر، فقد جمع العلماء هذه الأحاديث ودرسوها فلم يجدوا فيها شيئا صحيحا ثابتا. يقول الإمام السخاوي في "المقاصد الحسنة" (١٣٥) بعد أن ذكر شيئا من أحاديث ذم العزوبة: " إلى غيرهما من الأحاديث التي لا تخلو من ضعف واضطراب، ولكنه لا يبلغ الحكم عليه بالوضع " انتهى. وبمثله قال الفتني في "تذكرة الموضوعات" (١٢٥) ثانيا: أما حديث: (تزوج وإلا فأنت من إخوان الشياطين) وحديث (أراذل موتاكم العزاب) . فقد جاءا في حديث عُكاف بن وداعة الهلالي من طرق كلها ضعيفة، قال فيها الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (٤/٥٣٦) بعد أن ذكرها في ترجمته: " والطرق المذكورة كلها لا تخلو من ضعف واضطراب " انتهى. وقال في "تعجيل المنفعة" (٢/٢٠) : " لا يخلو طريق من طرقه من ضعف " انتهى. وقال ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/٦٠٩) : " هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ... قالوا لا يصح من هذا شيء " انتهى. وقال البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة": " والأسانيد فيه كلها ضعيفة " انتهى. وحكم عليه الشيخ الألباني بالنكارة في "السلسلة الضعيفة" (٢٥١١) (٦٠٥٣) وطرقه مضطرب، تجتمع عند مكحول الدمشقي الثقة فقيه أهل الشام "تهذيب التهذيب" (١٠/٢٩٢) إلا أن الضعف في الطريق الموصلة إليه، أو في الشيخ الذي أخذ عنه: ١- فقد جاء من طرق عن بُرد بن سنان – وهو ثقة – عن مكحول عن عطية بن بسر الهلالي عن عكاف بن وداعة الهلالي، ولفظه: (أنه أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا عكاف! ألك امرأة؟ قال: لا. قال: فجارية؟ قال: لا. قال: وأنت صحيح موسر؟ قال: نعم. قال: فأنت إذا من إخوان الشياطين، إن كنت من رهبان النصارى فالحق بهم، وإن كنت منا فإن من سنتنا النكاح، يا ابن وداعة! إن شراركم عزابكم، وأراذل موتاكم عزابكم، يا بن وداعة! إن المتزوجين المبرءون من الخنا، أبا الشيطان تمرسون، والذي نفسي بيده ما للشيطان سلاح أبلغ - وقال بعضهم أنفذ - في الصالحين من الرجال والنساء من ترك النكاح، يا ابن وداعة! إنهن صواحب أيوب وداود ويوسف وكرسف، قال: بأبي وأمي يا رسول الله وما كرسف؟ قال: رجل عبد الله على ساحل البحر خمسمائة عام - وقال بعضهم ثلاثمائة عام - يقوم الليل ويصوم النهار، فمرت به امرأة فأعجبته فتنها، وترك عبادة ربه وكفر بالله، وتدارك الله بما سلف فتاب عليه، قال: بأبي وأمي يا رسول الله زوجني؟ قال: زوجتك باسم الله والبركة زينب بنت كلثوم الحميرية) رواه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (٣/٣٥٦) وابن قانع في "معجم الصحابة" (١٢٧٤) وعلة هذه الرواية عطية بن بسر، قال العقيلي: لا يتابع عليه. ثم أسند إلى البخاري قوله: عطية بن بسر عن عكاف بن وداعة لم يقم حديثه. وقال ابن حبان في "الثقات" (٥/٢٦١) : " عطية بن بسر، شيخ من أهل الشام، حديثه عند أهلها، روى عنه مكحول في التزويج متنا منكرا، وإسناده مقلوب " انتهى. ٢- وجاء من طريق محمد بن راشد عن مكحول عن رجل عن أبي ذر فذكر نحوه، ولكن في لفظه: (تزوج وإلا فأنت من المذبذبين) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (٦/١٧١/١٠٣٨٧) ، وعنه أحمد (٥/١٦٣) ، وعنه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/١١٨) وعلة هذه الطريق جهالة شيخ مكحول، ولعله هو عطية بن بسر الهلالي المذكور في الرواية السابقة. أما محمد بن راشد فكلام الأئمة على توثيقه. "تهذيب التهذيب" (٩/١٦٠) ٣- من طريق معاوية بن يحيى عن سليمان بن موسى عن مكحول عن غضيف بن الحارث عن عطية بن بسر المازني. أخرجه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٤/١٩٥) وأبو يعلى في "مسنده" (١٢/٢٦٠) وبحشل في "تاريخ واسط" (ص٢٠١) وابن حبان في "المجروحين" (٣/٣) والطبراني في "المعجم الكبير" (١٨/٨٥ - ٨٦) ، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (٣/٣٥٦) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤/٣٨١) وابن الأثير في "أسد الغابة" (٤/٤٣) وهو عند أبي نعيم في "معجم الصحابة" (٤٩٦١) بشكل مختلف، ولكن العلة واحدة وهي في معاوية بن يحيى الصدفي، جاء في "تهذيب التهذيب" (١٠/٢٢٠) قال ابن معين: هالك ليس بشىء. وقال أبو زرعة: ليس بقوى، أحاديثه كأنها مقلوبة. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، فى حديثه إنكار. وقال أبو داود: ضعيف. وقال النسائى: ضعيف. وقال أبو أحمد بن عدى: عامة رواياته فيها نظر. وقال ابن حبان في "المجروحين" (٢/٣٣٥) : فيه معاوية بن يحيى منكر الحديث جدا، تغير حفظه فكان يحدث بالوهم فيما سمع " انتهى. وكذا أعله الدارقطني في "التعليقات على المجروحين" (٢٥٥) والزيلعي في "تخريج الكشاف" (٢/٤٣٩) والهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/٢٥٣) والحاصل أن طرق هذا الحديث كلها ساقطة واهية، ولا يقوي بعضها بعضا لما فيها من النكارة والاضطراب، والمتن منكر كما سبق بيانه. ثالثا: أما حديث (النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني) فلفظه، كما رواه ابن ماجه (١٨٤٦) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي، وَتَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ، وَمَنْ كَانَ ذَا طَوْلٍ فَلْيَنْكِحْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ بِالصِّيَامِ فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ) وفي إسناده عيسى بن ميمون، وهو ضعيف؛ قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء. انظر: ميزان الاعتدال (٤/٢٤٥-٢٤٦) . ولأجل ذلك قال البوصيري في تخريج حديث عائشة السابق: " إِسْنَاده ضَعِيف لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى ضَعْف عِيسَى بْن مَيْمُون الْمَدِينِيّ، لَكِنْ لَهُ شَاهِد صَحِيح. " اهـ وانظر السلسلة الصحيحة (٢٣٨٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1836

هل صح في عدد الأنبياء والرسل شيء ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يوجد حديث صحيح يوضح عدد الأنبياء والرسل؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: أرسل الله تعالى رسلاً إلى كل أمةٍ من الأمم، وقد ذكر الله تعالى أنهم متتابعون، الرسول يتبعه الرسول، قال : (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) المؤمنون/٤٤، وقال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) فاطر/٢٤. وقد سمَّى الله تعالى مِن أولئك الرسل مَن سمَّى، وأخبر بقصص بعضهم، دون الكثير منهم، قال تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا. وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) النساء/١٦٣-١٦٤. قال ابن كثير – ﵀: وهذه تسمية الأنبياء الذين نُصَّ على أسمائهم في القرآن، وهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، والْيَسَع، وزكريا، ويحيى، وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين، وسيدهم محمد صلى الله وعليه وسلم. وقوله: (وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) أي: خلقاً آخرين لم يذكروا في القرآن. " تفسير ابن كثير " (٢ / ٤٦٩) . ثانياً: قد اختلف أهل العلم في عدد الأنبياء والمرسلين، وذلك بحسب ما ثبت عندهم من الأحاديث الوارد فيها ذِكر عددهم، فمن حسَّنها أو صححها فقد قال بمقتضاها، ومن ضعَّفها فقد قال بأن العدد لا يُعرف إلا بالوحي فيُتوقف في إثبات العدد. الأحاديث الواردة في ذِكر العدد: ١. عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: (مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًاً) ، قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال: (ثلاثمائة وثلاثة عشر جَمّ غَفِير) ، قلت: يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: (آدم) ... . رواه ابن حبان (٣٦١) . والحديث ضعيف جدّاً، فيه إبراهيم بن هشام الغسَّاني، قال الذهبي عنه: متروك، بل قال أبو حاتم: كذّاب، ومن هنا فقد حكم ابن الجوزي على الحديث بأنه موضوع مكذوب. قال ابن كثير – ﵀: قد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم ابن حبان البستي في كتابه: " الأنواع والتقاسيم "، وقد وَسَمَه بالصحة، وخالفه أبو الفرج بن الجوزي، فذكر هذا الحديث في كتابه " الموضوعات "، واتهم به إبراهيم بن هشام هذا، ولا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث. " تفسير ابن كثير " (٢ / ٤٧٠) . وقال شعيب الأرناؤط: إسناده ضعيف جدّاً – وذكر كلام العلماء في إبراهيم بن هشام -. " تحقيق صحيح ابن حبان " (٢ / ٧٩) . ٢. وروي الحديث بذلك العدد – مائة وأربعة وعشرون ألفاً – من وجه آخر: عن أبي أُمَامة قال: قلت: يا نبي الله، كم الأنبياء؟ قال: (مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمّاً غَفِيراً) . رواه ابن حاتم في " تفسيره " (٩٦٣) . قال ابن كثير – ﵀: مُعَان بن رفاعة السَّلامي: ضعيف، وعلي بن يزيد: ضعيف، والقاسم أبو عبد الرحمن: ضعيفٌ أيضاً. " تفسير ابن كثير " (٢ / ٤٧٠) . ٣. وروي حديث أبي ذر ﵁ من وجه آخر، وليس فيه ذكر عدد الأنبياء، وإنما ذُكر عدد المرسلين: قال: قلت: يا رسول الله كم المرسلون؟ قال: (ثلاث مئة وبضعة عشر جمّاً غفيراً) . رواه أحمد (٣٥ / ٤٣١) . وفي رواية أخرى (٣٥ / ٤٣٨) : (ثلاثمئة وخمسة عشر جمّاً غفيراً) . قال شعيب الأرناؤط: إسناده ضعيف جدّاً؛ لجهالة عبيد بن الخشخاش؛ ولضعف أبي عمر الدمشقي، وقال الدارقطني: المسعودي عن أبي عمر الدمشقي: متروك. المسعودي: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة. " تحقيق مسند أحمد " (٣٥ / ٤٣٢) . ٤. عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (بعث الله ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف إلى بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس) . رواه أبو يعلى في " مسنده " (٧ / ١٦٠) . والحديث: ضعيف جدّاً. قال الهيثمي – ﵀: رواه أبو يعلي وفيه: موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف جدّاً. " مجمع الزوائد " (٨ / ٢١٠) . وقال ابن كثير – ﵀: وهذا أيضاً إسناد ضعيف؛ فيه الربذي: ضعيف، وشيخه الرَّقَاشي: أضعف منه أيضاً. " تفسير ابن كثير " (٢ / ٤٧٠) . ٥. عَنْ أَبِى الْوَدَّاكِ، قَالَ: قَالَ لِى أَبُو سَعِيدٍ: هَلْ يُقِرُّ الْخَوَارِجُ بِالدَّجَّالِ؟ فَقُلْتُ: لَا. فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنِّى خَاتَمُ أَلْفِ نَبِيٍ، أَوْ أَكْثَرُ، مَا بُعِثَ نَبِىٌّ يُتَّبَعُ، إِلَاّ قَدْ حَذَّرَ أُمَّتَهُ الدَّجَّالَ ... ) . رواه أحمد (١٨ / ٢٧٥) . والحديث ضعيف؛ لضعف مجالد بن سعيد. قال الهيثمي – ﵀: رواه أحمد، وفيه مجالد بن سعيد، وثقه النسائي في رواية، وقال في أخرى: ليس بالقوى، وضعفه جماعة. " مجمع الزوائد " (٧ / ٣٤٦) . وضعَّفه الأرناؤط في " تحقيق المسند " (١٨ / ٢٧٦) . ٦. وروي هذا الحديث من رواية جابر بن عبد الله ﵁: رواه البزار في " مسنده " (٣٣٨٠) " كشف الأستار ". وفيه مجالد بن سعيد، وسبق أنه ضعيف. قال الهيثمي – ﵀: رواه البزار، وفيه مجالد بن سعيد، وقد ضعفه الجمهور، فيه ثوثيق. " مجمع الزوائد " (٧ / ٣٤٧) . وبما سبق من الأحاديث – ويوجد غيرها تركناها خشية التطويل وكلها ضعيفة – يتبين أنه قد اختلفت الروايات بذكر عدد الأنبياء والمرسلين، فقال كل قوم بمقتضى ما صحَّ عنده، والأشهر فيما سبق هو حديث أبي ذر ﵁، وأن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، والرسل منهم: ثلاثمائة وخمسة عشر، حتى قال بعض العلماء: إن عدد الأنبياء كعدد أصحاب النبي ﷺ ، وعدد الرسل كعدد أصحاب بدر. لكن بالنظر في أسانيد تلك الروايات: لا يتبين لنا صحة تلك الأحاديث لا بمفردها، ولا بمجموع طرقها. ثالثاً: وهذه أقوال بعض الأئمة الذين يقولون بعدم صحة تلك الأحاديث وما تحويها من عدد: ١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: وهذا الذي ذكره أحمد، وذكره محمد بن نصر، وغيرهما، يبين أنهم لم يعلموا عدد الكتب والرسل، وأن حديث أبي ذر في ذلك لم يثبت عندهم. " مجموع الفتاوى " (٧ / ٤٠٩) . ففي هذا النقل عن الإمامين أحمد بن حنبل، ومحمد بن نصر المروزي: بيان تضعيف الأحاديث الواردة في ذكر العدد، والظاهر أن شيخ الإسلام ﵀ يؤيدهم في ذلك، وقد أشار إلى حديث أبي ذر بصيغة التضعيف فقال: " وقد روي في حديث أبي ذر أن عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر "، ولم يستدل به، بل استدل بالآيات الدالة على كثرتهم. ٢. وقال ابن عطية – ﵀ – في تفسير آية النساء -: وقوله تعالى: (ورسلاً لم نقصصهم عليك) النساء/١٦٤: يقتضي كثرة الأنبياء، دون تحديد بعدد، وقد قال تعالى (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) فاطر/٢٤، وقال تعالى: (وقروناً بين ذلك كثيراً) الفرقان/٣٨، وما يُذكر من عدد الأنبياء فغير صحيح، الله أعلم بعدتهم، صلى الله عليهم. انتهى ٣. وسئل علماء اللجنة الدائمة: كم عدد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؟ . فأجابوا: لا يعلم عددهم إلا الله؛ لقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) غافر/٧٨، والمعروف منهم من ذكروا في القرآن أو صحت بخبره السنَّة. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٣ / ٢٥٦) . ٤. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀: وجاء في حديث أبي ذر عند أبي حاتم بن حبان وغيره أنه سأل النبي ﷺ عن الرسل وعن الأنبياء فقال النبي ﷺ : الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفا والرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر، وفي رواية أبي أمامة: ثلاثمائة وخمسة عشر، ولكنهما حديثان ضعيفان عند أهل العلم، ولهما شواهد ولكنها ضعيفة أيضا، كما ذكرنا آنفا، وفي بعضها أنه قال ﵊ ألف نبي فأكثر، وفي بعضها أن الأنبياء ثلاثة آلاف وجميع الأحاديث في هذا الباب ضعيفة، بل عد ابن الجوزي حديث أبي ذر من الموضوعات. والمقصود أنه ليس في عدد الأنبياء والرسل خبر يعتمد عليه، فلا يعلم عددهم إلا الله ، لكنهم جم غفير، قص الله علينا أخبار بعضهم ولم يقص علينا أخبار البعض الآخر، لحكمته البالغة جل وعلا. " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٢ / ٦٦، ٦٧) . ٥.وسئل الشيخ عبد الله بن جبرين – حفظه الله -: كم عدد الأنبياء والمرسلين؟ وهل عدم الإيمان ببعضهم (لجهلنا بهم) يعتبر كفراً؟ وكم عدد الكتب السماوية المنزلة؟ وهل هناك تفاوت في عدد الكتب بين نبي وآخر؟ ولماذ؟. فأجاب: ورد في عدة أحاديث أن عدد الأنبياء: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وأن عدد الرسل منهم: ثلاثمائة وثلاثة عشر، كما ورد أيضاً أن عددهم ثمانية آلاف نبي، والأحاديث في ذلك مذكورة في كتاب ابن كثير " تفسير القرآن العظيم "، في آخر سورة النساء على قوله تعالى: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ) ، ولكن الأحاديث في الباب لا تخلو من ضعف على كثرتها والأوْلى في ذلك التوقف، والواجب على المسلم الإيمان بمن سمَّى الله ورسوله منهم بالتفصيل، والإيمان بالبقية إجمالاً؛ فقد ذم الله اليهود على التفريق بينهم بقوله تعالى: (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) فنحن نؤمن بكل نبي وكل رسول أرسله الله في زمن من الأزمان، ولكن شريعته لأهل زمانه وكتابه لأمته وقومه. فأما عدد الكتب: فورد في الحديث الطويل عن أبي ذر أن عدد الكتب مائة كتاب وأربعة كتب، كما ذكره ابن كثير في التفسير عند الآية المذكورة، ولكن الله أعلم بصحة ذلك، وقد ذكر الله التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، فنؤمن بذلك ونؤمن بأن لله كتباً كثيرة لا نحيط بها علماً، ويكفي أن نصدق بها إجمالاً. " فتاوى إسلامية " (١ / ٤١) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1837

هل من فضل أو ميزة لمجيء عرفة يوم الجمعة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل صحيح أن لو عرفة كان يوم جمعة فصادف صلاة الجمعة تعادل ٧ حجات؟ . وجزاكم الله ألف خير]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا نعلم حديثاً أنه إن وافق عرفة يوم الجمعة أنه تكون الحجة في ذلك العام تعدل سبع حجات، بل الوارد " سبعون حجة " و " اثنتان وسبعون حجة " لكنهما لا يصحان بحال! أما الأول فقد ورد متنه في حديث، لكنه باطل لا يصح، وأما الثاني فلم نقف له على سند ولا متن، فهو لا أصل له. ونص الحديث الوارد: " أفضل الأيام يوم عرفة إذا وافق يوم الجمعة، وهو أفضل من سبعين حجة في غير جمعة ". وقد حكم عليه الأئمة ببطلانه، وعدم صحته: ١. قال ابن القيم – ﵀: وأما ما استفاض على ألسنة العوام بأنها تعدل ثنتين وسبعين حجة: فباطل لا أصل له عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من الصحابة والتابعين والله أعلم. " زاد المعاد " (١ / ٦٥) . ٢. قال الشيخ الألباني – ﵀ – في " السلسلة الضعيفة " (٢٠٧) - بعد أن حكم على الحديث بأنه باطل لا أصل له -: وأما قول الزيلعي - على ما في " حاشية ابن عابدين " (٢ / ٣٤٨) : رواه رزين ابن معاوية في " تجريد الصحاح " -: فاعلم أن كتاب رزين هذا جمع فيه بين الأصول الستة: الصحيحين، وموطأ مالك، وسنن أبي داود، والنسائي، والترمذي، على نمط كتاب ابن الأثير المسمى " جامع الأصول من أحاديث الرسول "، إلا أن في كتاب " التجريد " أحاديث كثيرة لا أصل لها في شيء من هذه الأصول، كما يعلم مما ينقله العلماء عنه مثل المنذري في " الترغيب والترهيب "، وهذا الحديث من هذا القبيل، فإنه لا أصل له في هذه الكتب، ولا في غيرها من كتب الحديث المعروفة، بل صرح العلامة ابن القيم في " الزاد " (١ / ١٧) ببطلانه، فإنه قال بعد أن أفاض في بيان مزية وقفة الجمعة من وجوه عشرة ذكرها: وأما ما استفاض على ألسنة العوام بأنها تعدل اثنتين وسبعين حجة: فباطل لا أصل له عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين. وأقره المناوي في " فيض القدير " (٢ / ٢٨) ثم ابن عابدين في " الحاشية ". انتهى وفي " السلسلة الضعيفة " (١١٩٣) قال – ﵀: قال السخاوي في " الفتاوى الحديثية " (ق ١٠٥/٢) : " ذكره رزين في " جامعه " مرفوعا إلى النبي ﷺ ، ولم يذكر صحابيه، ولا مَن خرَّجه، والله أعلم ". انتهى وفي " السلسة الضعيفة " (٣١٤٤) قال – ﵀: قال الحافظ في " الفتح " (٨ / ٢٠٤) بعد أن عزاه لرزين في " الجامعة " مرفوعاً: " لا أعرف حاله؛ لأنه لم يذكر صحابيه، ولا من أخرجه ". وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في جزء " فضل يوم عرفة ": " حديث " وقفة الجمعة يوم عرفة أنها تعدل اثنتين وسبعين حجة " حديث باطل لا يصح، وكذلك لا يثبت ما روي عن زر بن حبيش: أنه أفضل من سبعين حجة في غير يوم جمعة ". انتهى ٣. وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: هل ورد شيء عن النبي ﷺ في فضل كون الحج حج الجمعة؟ . فأجاب: لم يرد عن النبي ﷺ في فضل الجمعة إذا صادف يوم عرفة، لكن العلماء يقولون: إن مصادفته ليوم الجمعة فيه خير. أولاً: لتكون الحجة كحجة النبي ﵌؛ لأن الرسول ﷺ صادف وقوفه بعرفة يوم الجمعة. ثانياً: أن في يوم الجمعة ساعةً لا يوافقها عبدٌ مسلم وهو قائمٌ يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياها، فيكون ذلك أقرب للإجابة. ثالثاً: أن يوم عرفة عيد ويوم الجمعة عيد، فإذا اتفق العيدان كان في ذلك خير. وأما ما اشتهر من أن حجة الجمعة تعادل سبعين حجة: فهذا غير صحيح. " اللقاء الشهري " (٣٤ / السؤال رقم ١٨) . ٤. وسئل علماء اللجنة الدائمة: يقول بعض الناس: إن يوم عرفة إذا صادف يوم جمعة كهذا العام يكون كمن أدى سبع حجات، هل هناك دليل من السنة في ذلك؟ . فأجابوا: ليس في ذلك دليل صحيح، وقد زعم بعض الناس: أنها تعدل سبعين حجة، أو اثنتين وسبعين حجة، وليس بصحيحٍ أيضاً. " فتاوى اللجنة الدائمة " (١١ / ٢١٠، ٢١١) . وانظر: " فتح الباري " (٨ / ٢٧١) ، " تحفة الأحوذي " (٤ / ٢٧) . ثانياً: هذا، ولعله من أسباب انتشار هذا الأمر بين الناس أنه ذُكر في كتب الحنفية والشافعية. قال الحنفية: لوقفة الجمعة مزية سبعين حجة، ويغفر فيها لكل فرد بلا واسطة. وقالوا: أفضل الأيام يوم عرفة إذا وافق يوم جمعة، وهو أفضل من سبعين حجة في غير جمعة. " رد المحتار على الدر المختار " (٢ / ٦٢١) . وقال الشافعية: وقيل: إذا وافق يوم الجمعة يوم عرفة: غَفر الله تعالى لكل أهل الموقف، أي: بلا واسطة، وغير يوم الجمعة بواسطة، أي: يهب مسيئهم لمحسنهم. " مغني المحتاج " (١ / ٤٩٧) . ثالثاً: ولا يعني بطلان الحديث أنه ليس لوقوف عرفة يوم الجمعة مزية، بل قد ذكر ابن القيم ﵀ عشر مزايا لذلك، ونوردها لعظَم فائدتها. قال – ﵀: والصواب: أن يوم الجمعة أفضل أيام السبوع، ويوم عرفة ويوم النحر أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر وليلة الجمعة، ولهذا كان لوقفة الجمعة يوم عرفة مزية على سائر الأيام من وجوه متعددة: أحدها: اجتماع اليومين اللذيْن هما أفضل الأيام. الثاني: أنه اليوم الذي فيه ساعة محققة الإجابة، وأكثر الأقوال أنها آخر ساعة بعد العصر، وأهل الموقف كلهم إذ ذاك واقفون للدعاء والتضرع. الثالث: موافقته ليوم وقفة رسول الله ﷺ . الرابع: أن فيه اجتماع الخلائق من أقطار الأرض للخطبة، وصلاة الجمعة، ويوافق ذلك اجتماع أهل عرفة يوم عرفة بعرفة، فيحصل من اجتماع المسلمين في مساجدهم وموقفهم من الدعاء والتضرع ما لا يحصل في يوم سواه. الخامس: أن يوم الجمعة يوم عيد، ويوم عرفة يوم عيد لأهل عرفة، ولذلك كُره لمن بعرفة صومه ... . قال شيخنا – أي: ابن تيمية -: وإنما يكون يوم عرفة عيداً في حق أهل عرفة؛ لاجتماعهم فيه بخلاف أهل الأمصار؛ فإنهم إنما يجتمعون يوم النحر، فكان هو العيد في حقهم، والمقصود: أنه إذا اتفق يوم عرفة ويوم جمعة: فقد اتفق عيدان معاً. السادس: أنه موافق ليوم إكمال الله تعالى دينه لعباده المؤمنين وإتمام نعمته عليهم، كما ثبت في صحيح البخاري عن طارق بن شهاب قال: جاء يهودي إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين آية تقرؤونها في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت ونعلم ذلك اليوم الذي نزلت فيه لاتخذناه عيداً قال: أي آية؟ قال: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة/٣، فقال عمر بن الخطاب: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله ﷺ بعرفة، يوم جمعة، ونحن واقفون معه بعرفة. السابع: أنه موافق ليوم الجمع الأكبر، والموقف الأعظم يوم القيامة؛ فإن القيامة تقوم يوم الجمعة كما قال النبي ﷺ : (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها وفيه تقوم الساعة وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرا إلا أعطاه إياه) ... الثامن: أن الطاعة الواقعة من المسلمين يوم الجمعة وليلة الجمعة أكثر منها في سائر الأيام، حتى إن أكثر أهل الفجور يحترمون يوم الجمعة وليلته، ويرون أن من تجرأ فيه على معاصي الله عجل الله عقوبته ولم يمهله، وهذا أمرٌ قد استقر عندهم، وعلِموه بالتجارب، وذلك لعظم اليوم وشرفه عند الله واختيار الله سبحانه له من بين سائر الأيام، ولا ريب أن للوقفة فيه مزية على غيره. التاسع: أنه موافق ليوم المزيد في الجنة ... وهو يوم جمعة، فإذا وافق يوم عرفة كان له زيادة مزية واختصاص وفضل ليس لغيره. العاشر: أنه يدنو الرب ﵎ عشية يوم عرفة من أهل الموقف، ثم يباهي بهم الملائكة ... . فبهذه الوجوه وغيرها فضلت وقفة يوم الجمعة على غيرها. وأما ما استفاض على ألسنة العوام بأنها تعدل ثنتين وسبعين حجة فباطل لا أصل له عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من الصحابة والتابعين والله أعلم. " زاد المعاد " (١ / ٦٠ – ٦٥) باختصار. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1838

حديث ضعيف في فضل قيام ليلة العيد [السُّؤَالُ] ـ[هل الحديث الوارد في قيام ليلة العيد صحيح؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الحديث رواه ابن ماجه (١٧٨٢) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَامَ لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ مُحْتَسِبًا لِلَّهِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ) . وهو حديث ضعيف، لا يصح عن النبي ﷺ . قال النووي في "الأذكار": وهو حديث ضعيف رويناه من رواية أبي أمامة مرفوعاً وموقوفاً، وكلاهما ضعيف انتهى. وقال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين: إسناده ضعيف. وقال الحافظ ابن حجر: هذا حديث غريب مضطرب الإِسناد. انظر: "الفتوحات الربانية" (٤/٢٣٥) . وذكره الألباني في ضعيف ابن ماجه وقال: موضوع. وذكره في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (٥٢١) وقال: ضعيف جدا. والحديث رواه الطبراني عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) . وهو ضعيف أيضاً. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه عمر بن هارون البلخي والغالب عليه الضعف، وأثنى عليه ابن مهدي وغيره، ولكن ضعفه جماعة كثيرة. والله أعلم. وذكره الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (٥٢٠) وقال: موضوع. وقال النووي في المجموع: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُسْتَحَبُّ إحْيَاءُ لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ بِصَلاةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الطَّاعَاتِ، وَاحْتَجَّ لَهُ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : (مَنْ أَحْيَا لَيْلَتَيْ الْعِيدِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ) وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ: (مَنْ قَامَ لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ مُحْتَسِبًا لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ حِينَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ) رَوَاهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَوْقُوفًا , وَرُوِيَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُمَامَةَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَمَرْفُوعًا كَمَا سَبَقَ , وَأَسَانِيدُ الْجَمِيعِ ضَعِيفَةٌ. انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " الأَحَادِيثُ الَّتِي تُذْكَرُ فِي لَيْلَةِ الْعِيدَيْنِ كَذِبٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ " انتهى. وليس معنى ذلك أن ليلة العيد لا يستحب قيامها، بل قيام الليل مشروع كل ليلة، ولهذا اتفق العلماء على استحباب قيام ليلة العيد، كما نقله في "الموسوعة الفقيهة" (٢/٢٣٥) ، إنما المقصود أن الحديث الوارد في فضل قيامها ضعيف. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1839

تمثل العمل الصالح رجلا في القبر [السُّؤَالُ] ـ[ما صحة هذا الحديث: (عند موت الإنسان وأثناء انشغال أقربائه بمناسكِه الجنائزيةِ، يقفُ رجلٌ وسيمُ جداً بجوار رأس الميت. وعند تكفين الجثّة، يَدْخلُ ذلك الرجلِ بين الكفنِ وصدرِ الميّتِ. وبعد الدفنِ، يَعُودَ الناس إلى بيوتهم، ويأتي القبرِ ملكان مُنكرٌ ونكير، ويُحاولانَ أَنْ يَفْصلَا هذا الرجلِ الوسيم عن الميتِ لكي يَكُونا قادرين على سؤال الرجلِ الميتِ في خصوصية حول إيمانِه. لكن يَقُولُ الرجل الوسيم: " هو رفيقُي، هو صديقُي. أنا لَنْ أَتْركَه بدون تدخّل في أيّ حالٍ منَ الأحوالِ. إذا كنتم معنينَّن لسؤالهِ، فاعمَلوا بما تؤمرونَ، أما أنا فلا أَستطيعُ تَرْكه حتى أدخلهْ إلى الجنة ِ". ويتحول الرجل الوسيم إلى رفيقه الميت ويَقُولُ له: " أَنا القرآن الذيّ كُنْتَ تَقْرؤُه بصوتٍ عالٍ أحياناً وبصوت خفيض أحياناً أخرى. لا تقلق. فبعد سؤال مُنكرٍ ونكير لا حزن بعد اليوم. وعندما ينتهى السؤال، يُرتّبُ الرجل الوسيم والملائكة فراش من الحرير مُلئ بالمسكِ للميت في الجنة) ]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الذي جاء في السنة النبوية الصحيحة من تمثل العمل الصالح، ومنه قيام العبد بالقرآن الكريم، بالرجل الحسن في القبر ما يلي: ١- عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ أن النبي ﷺ قَالَ: (إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنْ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ... إلى أن قال – في وصف حال المؤمن في القبر -: فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ. قَالَ: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ. فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ. فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ. فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي) رواه أحمد (٤/٣٦٢) وصححه الألباني في "أحكام الجنائز" (١٥٦) ٢- عن بريدة ﵁ قال: سمعت النبي- ﷺ يقول: (َإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ. فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ. فَيَقُولُ لَهُ: أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ، فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لَا يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا. فَيَقُولَانِ: بِمَ كُسِينَا هَذِهِ؟ فَيُقَالُ: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجَةِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ هَذًّا كَانَ أَوْ تَرْتِيلًا) رواه أحمد في "المسند" (٣٩٤) وابن ماجه في "السنن" (٣٧٨١) وحسنه البوصيري في الزوائد والألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٨٢٩) يقول السيوطي في شرح الحديث (٢/١٢٤٢) : " (كالرجل الشاحب) قال السيوطي: هو المتغير اللون، وكأنه يجيء على هذه الهيئة ليكون أشبه بصاحبه في الدنيا، أو للتنبيه له على أنه كما تغير لونه في الدنيا لأجل القيام بالقرآن كذلك القرآن لأجله في السعي يوم القيامة حتى ينال صاحبه الغاية القصوى في الآخرة." انتهى. ولم أقف على شيء من السنة الصحيحة في تمثل العمل الصالح رجلا في القبر إلا هذين الحديثين. أما الحديث الذي ذكرته – أخي السائل الكريم – فلم يرد في كتب السنة المعتمدة، ولم نقف له على إسناد صحيح ولا ضعيف، بل هو مما ينتشر في بعض المنتديات والمواقع من غير تحرٍّ ولا تثبت، ولعل بعض الجهلة من الناس كتبه من قبل نفسه ثم عزاه إلى النبي ﷺ ليحث الناس على الاهتمام بالقرآن والعناية به، ولم يدر هؤلاء أن الكذب على النبي ﷺ من أعظم الذنوب التي توبق صاحبها في نار جهنم، وأن النية الحسنة لا ترفع الإثم عن هؤلاء الذين يكذبون ويضعون الحديث على لسان النبي ﷺ . يقول النبي ﷺ : (إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ) رواه البخاري (١٢٩١) ومسلم (٤) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1840

هل ورد في فضل سورة "طه" حديث صحيح ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أود الاستفسار عن فضل قراءة سورة طه، وأيضا عن فضل قراءتها كل ليلة ثلاث مرات متواصلة لفترة معينة؟ ولكم جزيل الشكر.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لِلَّه أولا: صح في فضائل سورة (طه) الأحاديث الآتية: ١- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قال في بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفُ وَمَرْيَمُ وَطه وَالْأَنْبِيَاءُ: (هُنَّ مِنْ الْعِتَاقِ الْأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي) رواه البخاري (٤٩٩٤) قال البيهقي في "شعب الإيمان" (٢/٤٧٦) : " (العِتاق) : جمع عتيق، والعرب تجعل كل شيء بلغ الغاية في الجودة عتيقا، يريد تفضيل هذه السور لما تضمنت من ذكر القصص وأخبار الأنبياء عليهم الصلاة السلام وأخبار الأمم، و (التِّلاد) : ما كان قديما من المال، يريد أنها من أوائل السور المنزلة في أول الإسلام لأنها مكية، وأنها من أول ما قرأه وحفظه من القرآن " انتهى. ويقول الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٨/٣٨٨) : " (مِنَ العِتَاقِ) جمع عتيق وهو القديم، أو هو كل ما بلغ الغاية في الجودة، وبالثاني جزم جماعة في هذا الحديث، وقوله (هُنَّ مِن تِلَادِي) أي: مما حفظ قديما، والتلاد قديم الملك، وهو بخلاف الطارف، ومراد ابن مسعود أنهن من أول ما تعلم من القرآن، وأن لهن فضلا لما فيهن من القصص وأخبار الأنبياء والأمم " انتهى. ٢- عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اسْمُ اللَّهِ الأَعظَمُ فِي سُوَرٍ مِنَ القُرآنِ ثَلَاثٍ: فِي " البَقَرَةِ " وَ " آلِ عِمرَانَ " وَ " طَهَ ") رواه ابن ماجه (٣٨٥٦) والحاكم (١/٦٨٦) وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٧٤٦) وقال ﵀: " قول القاسم بن عبد الرحمن (الراوي عن أبي أمامة) أن الاسم الأعظم في آية (وعنت الوجوه للحي القيوم) من سورة (طه) لم أجد في المرفوع ما يؤيده، فالأقرب عندي أنه في قوله في أول السورة (إني أنا الله لا إله إلا أنا..) فإنه الموافق لبعض الأحاديث الصحيحة، فانظر "الفتح" (١١/٢٢٥) ، و "صحيح أبي داود" (١٣٤١) " انتهى. ثانيا: جاء في فضائل سورة طه أحاديث ضعيفة واهية، أذكرها هنا للتنبيه عليها، ولتحذير الناس منها: ١- عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : (إن الله ﵎ قرأ " طه " و " يس " قبل أن يخلق السماوات والأرض بألف عام، فلما سمعت الملائكة القرآن قالت: طوبى لأمة ينزل هذا عليها، وطوبى لأجواف تحمل هذا، وطوبى لألسنة تتكلم بهذا) رواه الدارمي (٢/٥٤٧) وقال المحقق: إسناده ضعيف جدا، عمر بن حفص بن ذكوان قال أحمد: تركنا حديثه وحرقناه. وفي "المعجم الأوسط" (٥/١٣٣) ، وقال ابن حبان في "المجروحين" (١/٢٠٨) : هذا متن موضوع. وكذا قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/١١٠) ، وقال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (٥/٢٧١) : فيه نكارة. وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (١٢٤٨) : منكر. وانظر "الكامل" (١/٢١٦) ، و "لسان الميزان" (١/١١٤) ٢- عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اعملوا بالقرآن، أحِلُّوا حلاله، وحرموا حرامه، واقتدوا به، ولا تكفروا بشيء منه، وما تشابه عليكم منه فردوه إلى الله وإلى أولي الأمر من بعدي كَيْمَا يخبروكم، وآمنوا بالتوراة والإنجيل والزبور وما أوتي النبيون من ربهم، ولْيَسَعكم القرآن وما فيه من البيان؛ فإنه شافع مشفع وماحل مصدق، ألا ولكل آية نور يوم القيامة، وإني أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول، وأعطيت " طه " و " طواسين " و " الحواميم " من ألواح موسى، وأعطيت فاتحة الكتاب من تحت العرش) رواه الحاكم في "المستدرك" (١/٧٥٧) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/٢٢٥) وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٢٨٢٦) وابن حبان في "المجروحين" (٢/٦٥) ٣- أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: (يا رب " طه " و " يس " ويا رب القرآن العظيم) قال ابن تيمية ﵀ "مجموع الفتاوى" (٥/١٧٣-١٧٤) : " لا خلاف بين أهل العلم بالحديث أن هذا الحديث كذب على رسول الله ﷺ " انتهى. ٤- (من قرأ " طه " أعطي يوم القيامة ثواب المهاجرين والأنصار) ذكره الزمخشري والبيضاوي في فضائل سورة طه، وهو من الأحاديث الموضوعة. انظر "الكشف الإلهي" للطرابلسي (١/١٧٨) وأما ما سألت عنه من فضل قراءتها كل ليلة ثلاث مرات فلم أجده في كتب السنة، بل لم أجده حتى في كتب الموضوعات، ولم يثبت في ذلك شيء عن النبي ﷺ ، فينبغي التنبه والحذر، والحرص على العمل بالصحيح من سنة النبي ﷺ ونبذ الضعيف والموضوع. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1841

ما صحة حديث (بشر الزاني بالفقر) ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما صحة الحديث القائل: (بشر الزانى والزانية بالفقر ولو بعد حين) ؟ وإذا كان حديثا صحيحا أرجو تفسيره.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه أولا: الحديث بلفظه المذكور ليس له أصل؛ إذ لم يروه أحد من أصحاب الحديث، ولا هو موجود في شيء من كتب السنة المعتمدة. يقول العجلوني في "كشف الخفاء" (١/٢٨٦) : " (بشر القاتل بالقتل) قال في المقاصد: لا أعرفه، والمشهور على الألسنة بزيادة: (والزاني بالفقر ولو بعد حين) ولا صحة لها أيضا، وإن كان الواقع يشهد لذلك " انتهى. يقول الشيخ أحمد العامري في "الجد الحثيث" (٧٣) عنه إنه " ليس بحديث " انتهى. وجاء في "النخبة البهية في بيان الأحاديث المكذوبة على خير البرية" لمحمد الأمير الكبير المالكي (١٢٢٨هـ) (ص/٤٣) : " لا يُعرَف " انتهى. وجاءت أحاديث أخرى تدل على هذا المعنى، لكنها أيضا لا تصح، منها حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (الزنا يورث الفقر) رواه أبو حاتم كما في "العلل" (١/٤١٠-٤١١) ، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١/٧٣) وابن عدي في "الكامل" (٦/٤٣٢) ، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤/٣٦٣) من طريق الماضي بن محمد عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر به. قال أبو حاتم بعد روايته الحديث: " هذا حديث باطل، وماضي لا أعرفه " انتهى. وذكره ابن حبان في "المجروحين" (٢/٢٣٧) في منكر حديث ليث بن أبي سليم. وقال ابن عدي في "الكامل" (٨/١٨٣) : غير محفوظ. وقال الذهبي في "الميزان" (٣/٤٢٣) : منكر. وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (١٤٠) : باطل. وانظر في "السلسلة الضعيفة" (١/٢٧٠-٢٧٤) أحاديث أخرى كلها موضوعة أو منكرة في بيان ما يورثه الزنى من الشرور والآفات. ثانيا: من المقرر أن الذنوب لا تأتي إلا بالسوء والمصائب، كما قال الله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الروم:٤١، وقال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) الشورى:٣٠ وبسب الذنوب والمعاصي يحرم العبد من الرزق والخير، بل بسببها تحرم الأرض من القطر، ولو كانت ذنوبا صغيرة، فكيف إذا كانت من الكبائر؟! عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ؛ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا!! وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ. وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا. وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ. وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ!!) رواه ابن ماجة (٤٠١٩) وحسنه الألباني. فليس ببعيد أن يبتلي الله تعالى الزاني بالفقر، عقوبة على معصيته؛ حيث تناول لذة من غير حلها، فعوقب بأن حرمه الله الفضل والغنى، وأرسل عليه الفقر والعنا، والجزاء من جنس العمل. روى ابن حبان في "الثقات" (٧/٥٧٤) من طريق مكحول الشامي قال لي ابن عمر: (يا مكحول! إياك والزنا، فإنه يورث الفقر) وعن أسماء ﵂ قالت: (رأيت زيد بن عمرو شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة وهو يقول: ويحكم يا معشر قريش! إياكم والزنى، فإنه يورث الفقر) رواه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٨/١٢٠ ش٢) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٩/٥١٢-٥١٣) وذكره ابن كثير في "البداية والنهاية" (٢/٢٤١) يقول المناوي في "فيض القدير" (٤/٧٢) : " (الزنا يورث الفقر) أي: اللازم الدائم؛ لأن الغنى من فضل الله، والفضل لأهل الفرح بالله وبعطائه، وقد أغنى الله عباده بما أحل لهم من النكاح من فضله، فمن آثر الزنا عليه فقد آثر الفرح الذي من قبل الشيطان الرجيم على فضل ربه الرحيم، وإذا ذهب الفضل ذهب الغِنى وجاء العَنا، فالزِّنا موكَّلٌ بزوال النعمة، فإذا ابتلي به عبد ولم يُقلع ويرجع فليُوَدِّع نِعَمَ الله، فإنها ضيفٌ سريع الانفصال، وشيكُ الزوال (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) لأنفال/٥٣ قال في "شرح الشهاب": الفقر نوعان: فقر يد، وفقر قلب؛ فيُذهب شؤمُ الزنا بركةَ ماله فيمحقه؛ لأنه كَفر النعمةَ واستعان بها على معصية المنعم، فيسلبها ثم يبتلى بفقر قلبه لضعف إيمانه، فيفتقر قلبه إلى ما ليس عنده، ولا يعطَى الصبر عنه، وهو العذاب الدائم " انتهى. ويقول ابن القيم في "روضة المحبين" (٣٦٠) : " والزنى يجمع خلال الشر كلها: من قلة الدين وذهاب الورع وفساد المروءة وقلة الغيرة، فلا تجد زانيا معه ورع، ولا وفاء بعهد، ولا صدق في حديث، ولا محافظة على صديق، ولا غيرة تامة على أهله. فالغدر والكذب والخيانة وقلة الحياء وعدم المراقبة وعدم الأنفة للحرم وذهاب الغيرة من القلب من شعبه وموجباته. ومن موجباته غضب الرب بإفساد حرمه وعياله، ولو تعرض رجل إلى ملك من الملوك بذلك لقابله أسوأ مقابلة. ومنها: سواد الوجه وظلمته، وما يعلوه من الكآبة والمقت الذي يبدو عليه للناظرين. ومنها: ظلمة القلب وطمس نوره، وهو الذي أوجب طمس نور الوجه وغشيان الظلمة له. ومنها: الفقر اللازم، وفي أثر يقول الله تعالى: (أنا الله مهلك الطغاة ومفقر الزناة) . ومنها: أنه يذهب حرمة فاعله ويسقطه من عين ربه ومن أعين عباده. ومنها: أنه يسلبه أحسن الأسماء،وهو اسم العفة والبر والعدالة، ويعطيه أضدادها كاسم الفاجر والفاسق والزاني والخائن. ومنها: أنه يسلبه اسم المؤمن كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) فسلبه اسم الإيمان المطلق، وإن لم يسلب عنه مطلق الإيمان. وسئل جعفر بن محمد عن هذا الحديث، فخط دائرة في الأرض وقال: هذه دائرة الإيمان، ثم خط دائرة أخرى خارجة عنها وقال: هذه دائرة الإسلام، فإذا زنى العبد خرج من هذه ولم يخرج من هذه. ولا يلزم من ثبوت جزء ما من الإيمان له أن يسمى مؤمنا، كما أن الرجل يكون معه جزء من العلم والفقه ولا يسمى به عالما فقيها، ومعه جزء من الشجاعة والجود ولا يسمى بذلك شجاعا ولا جوادا، وكذلك يكون معه شيء من التقوى ولا يسمى متقيا، ونظائره، فالصواب إجراء الحديث على ظاهره ولا يتأول بما يخالف ظاهره والله أعلم. ومنها: أن يعرض نفسه لسكنى التنور الذي رأى النبي ﷺ فيه الزناة والزواني. ومنها: أنه يفارقه الطيب الذي وصف الله به أهل العفاف، ويستبدل به الخبيث الذي وصف الله به الزناة، كما قال الله تعالى: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات) وقد حرم الله الجنة على كل خبيث، بل جعلها مأوى الطيبين ولا يدخلها إلا طيب، قال الله تعالى: (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) وقال تعالى: (وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) فإنما استحقوا سلام الملائكة ودخول الجنة بطيبهم، والزناة من أخبث الخلق، وقد جعل الله سبحانه جهنم دار الخبيث وأهله، فإذا كان يوم القيامة ميز الخبيث من الطيب، وجعل الخبيث بعضه على بعض ثم ألقاه وألقى أهله في جهنم، فلا يدخل النار طيب، ولا يدخل الجنة خبيث. ومنها: الوحشة التي يضعها الله في قلب الزاني، وهي نظير الوحشة التي تعلو وجهه، فالعفيف على وجهه حلاوة وفي قلبه أنس، ومن جالسه استأنس به، والزاني تعلو وجهه الوحشة، ومن جالسه استوحش به. ومنها: قلة الهيبة التي تنزع من صدور أهله وأصحابه وغيرهم له، وهو أحقر شيء في نفوسهم وعيونهم، بخلاف العفيف؛ فإنه يرزق المهابة والحلاوة. ومنها: أن الناس ينظرونه بعين الخيانة، ولا يأمنه أحد على حرمته، ولا على ولده. ومنها: الرائحة التي تفوح عليه يشمها كل ذي قلب سليم، تفوح من فيه وجسده، ولولا اشتراك الناس في هذه الرائحة لفاحت من صاحبها ونادت عليه ولكن كما قيل كل به مثل ما بي غير أنهم ... من غيرة بعضهم للبعض عذال ومنها: ضيقة الصدر وحرجه؛ فإن الزناة يعاملون بضد قصودهم، فإن من طلب لذة العيش وطيبه بما حرمه الله عليه عاقبه بنقيض قصده، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته، ولم يجعل الله معصيته سببا إلى خير قط، ولو علم الفاجر ما في العفاف من اللذة والسرور وانشراح الصدر وطيب العيش لرأى أن الذي فاته من اللذة أضعاف أضعاف ما حصل له، دع ربح العاقبة والفوز بثواب الله وكرامته. ومنها: أنه يعرض نفسه لفوات الاستمتاع بالحور العين في المساكن الطيبة في جنات عدن، وقد تقدم أن الله إذا كان قد عاقب لابس الحرير في الدنيا بحرمانه لبسه يوم القيامة، وشارب الخمر في الدنيا بحرمانه إياها يوم القيامة، فكذلك من تمتع بالصور المحرمة في الدنيا، بل كل ما ناله العبد في الدنيا فإن توسع في حلاله ضيق من حظه يوم القيامة بقدر ما توسع فيه، وإن ناله من حرام فاته نظيره يوم القيامة. ومنها: أن الزنى يجرئه على قطيعة الرحم وعقوق الوالدين وكسب الحرام وظلم الخلق وإضاعة أهله وعياله، وربما قاده قسرا إلى سفك الدم الحرام، وربما استعان عليه بالسحر وبالشرك وهو يدري أو لا يدري، فهذه المعصية لا تتم إلا بأنواع من المعاصي قبلها ومعها، ويتولد عنها أنواع أخر من المعاصي بعدها، فهي محفوفة بجند من المعاصي قبلها، وجند بعدها، وهي أجلب شيء لشر الدنيا والآخرة، وأمنع شيء لخير الدنيا والآخرة، وإذا علقت بالعبد فوقع في حبائلها وأشراكها عز على الناصحين استنقاذه، وأعيى الأطباء دواؤه، فأسيرها لا يفدى، وقتيلها لا يودى، وقد وكلها الله سبحانه بزوال النعم، فإذا ابتلي بها عبد فليودع نعم الله، فإنها ضيف سريع الانتقال، وشيك الزوال، قال الله تعالى: (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم) وقال تعالى: (وإذا اراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال) " انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1842

حديث موضوع في ذم الرافضة [السُّؤَالُ] ـ[ممكن أتأكد من سند هذا الحديث وصحته: عن أم سلمة ﵂ قالت: (كانت ليلتي، وكان النبي ﷺ عندي، فأتته فاطمة، فسبقها علي، فقال له النبي ﷺ : يا علي! أنت وأصحابك في الجنة، ألا إنه ممن يزعم أنه يحبك أقوام يرفضون الإسلام ثم يلفظونه، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، لهم نبز، يقال لهم الرافضة، فإن أدركتهم فجاهدهم فإنهم مشركون. قلت: يا رسول الله ما العلامة فيهم؟ قال: لا يشهدون جمعة ولا جماعة، ويطعنون على السلف الأول) رواه الطبراني في الأوسط.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه أولاً: لمعرفة عقيدة الرافضة يراجع للأهمية جواب سؤال رقم (٤٥٦٩) و (١١٤٨) ثانياً: وإذا كان من علامة الرافضة، بل من دينهم ألا يشهدوا جمعة ولا جماعة، وإذا كان من دينهم الخبيث الضال أن يطعنوا في أصحاب النبي ﷺ ، وأزواجه أمهات المؤمنين، بل ويكفرونهم، وإذا كانوا حقا من أجهل الناس بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، وأبعدهم عن فقهه بقلوبهم، وإذا كان فيهم حقا من البدع والضلال والشرك ما الله به عليم، مما نبه عليه أهل العلم في موضعه. نقول: إذا كان فيهم كل هذا وغيره، فإن ذلك لا يبيح لنا أن نكذب على نبينا ﷺ ، أو ننسب إليه ما لم يقله، حتى ولو كان للتحذير من بدعهم وضلالهم. جاءت تسمية الرافضة في الأحاديث في معرض الذم عن خمسة من الصحابة، وهم: ١- عن أم سلمة ﵂، ولفظ الحديث: (كانت ليلتي، وكان النبى ﷺ عندي، فأتته فاطمة، فسبقها علي، فقال له النبى ﷺ : يا علي! أنت وأصحابك في الجنة، أنت وشيعتك في الجنة، إلا أنه ممن يزعم أنه يحبك أقوام يرفضون الإسلام ثم يلفظونه، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، لهم نبز (أي لقب) ، يقال لهم الرافضة، فإن أدركتهم فجاهدهم فإنهم مشركون، فقلت: يا رسول الله! ما العلامة فيهم؟ قال: لا يشهدون جمعة ولا جماعة، ويطعنون على السلف الأول) أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٦/٣٥٤) والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٢/٣٥٨) ، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/١٦٧) من طريق سوَّار بن مصعب الهمداني عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن أم سلمة به، قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عطية إلا سوار بن مصعب. وقال ابن الجوزي: " وهذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ، عطية: قد ضعفه الثوري وهشيم وأحمد ويحيى، وسوَّار: قال فيه أحمد ويحيى: متروك " انتهى. وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٥٥٩٠) : موضوع. ٢- عن معاذ بن جبل في حديث طويل في "تاريخ دمشق" (٣٢/٣٨٣) جاء في "تنزيه الشريعة المرفوعة" لابن عراق (٢/٣٨٩) : " منكر وفي إسناده غير واحد من المجهولين " انتهى. ٣- عن علي بن أبي طالب ﵁، بنحو لفظ حديث أم سلمة، ورد من عدة طرق عن علي بن أبي طالب: الطريق الأولى: عن كثير النواء عن إبراهيم بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده علي به. أخرجه أحمد في "المسند" (١/١٠٣) والبخاري في "التاريخ الكبير" (١/٢٧٩) ، والبزار (٢/١٣٨) وقال: لا نعلم له إسنادا عن الحسن إلا هذا الإسناد. وابن عدي في "الكامل" (٦/٦٦) ، وأخرجه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/١٦٣) وقال: " هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ، يحيى بن المتوكل قال فيه أحمد بن حنبل: هو واهي الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء. وكثير النواء: ضعفه النسائي. وقال ابن عدي: كان غاليا في التشيع مفرطا فيه " انتهى. ويبدو أن رواية الشيعي لأحاديث فيها ذم الرافضة الغرض منها نفي تهمة الغلو المذموم عن نفسه، أو يريد بها الطعن على فرق معينة من الرافضة، والله أعلم. والطريق الثانية: عن سوار بن مصعب عن محمد بن جحادة عن الشعبي عن علي به. أخرجه عبد الله بن أحمد في "السنة" (٢/٥٤٧) أبو نعيم في "الحلية" (٤/٣٢٩) وعنه ابن الجوزي في "العلل المتاهية" (١/١٦٤) ، وسوار متروك الحديث كما سبق. والطريق الثالثة: عن أبي جناب الكلبي يحيى بن أبي حية عن أبي سليمان الهمداني عن عمه عن علي به. أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٧/٢١٣) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٢/٣٣٥) وهي طريق منكرة بسبب ضعف أبي جناب الكلبي كما في "تهذيب التهذيب" (٤/٣٥٠) وجهالة أبي سليمان الهمداني حيث قال الذهبي في "الميزان" (٤/٥٣٣) : لا يُدْرَى من هو. ٤- عن ابن عباس ﵄ قال: (كنت عند رسول الله ﷺ وعنده علي، فقال النبي ﷺ : يا علي! سيكون في أمتنا قوم ينتحلون حبنا أهل البيت، لهم نبز، يسمون الرافضة، فاقتلوهم فإنهم مشركون) أخرجه أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (١/٤١٧،٤٤٠) الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/٢٤٢) وابن عدي في "الكامل" (٥/٩٠) ، وأبو يعلى في "المسند" (٤/٤٥٩) وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/١٦٣،١٦٦) جميعهم من طريق الحجاج بن تميم عن ميمون بن مهران عن ابن عبا به. قال ابن الجوزي: " وهذا لا يصح عن رسول الله ﷺ قال العقيلي حجاج لا يتابع على هذ الحديث، وله غير حديث لا يتابع عليه " انتهى. وانظر ضعف حجاج في "تهذيب التهذيب" (١/٣٥٧) . ورواه ابن عدي في "الكامل" (٥/١٥٢) من طريق عمرو بن مخرم البصري ثنا يزيد بن زريع ثنا خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس. وقال: " وهذا حديث بهذا الإسناد، وخاصة عن يزيد بن زريع عن خالد، باطل لا أعلم يرويه غير عمرو بن مخرم، وعن عمرو أحمد بن محمد اليمامي وهو ضعيف أيضا، فلا أدري أتينا من قبل اليمامي أو من قبل عمرو بن مخرم " انتهى. ٥- عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: (نظر النبي ﷺ إلى علي فقال: هذا في الجنة، وإن من شيعته قوما يعطون الإسلام فيلفظونه، لهم نبز، يسمون الرافضة، من لقيهم فليقتلهم فإنهم مشركون) أخرجه أبو يعلى في "المسند" (١٢/١١٦) وابن حبان في "المجروحين" (١/٢٠٤) ، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/١٦٥) من طريق تليد بن سليمان المحاربي عن أبي الجحاف داود بن أبي عوف عن محمد بن عمرو الهاشمي عن زينب بنت علي عن فاطمة ﵂ به. قال ابن الجوزي: " هذا لا يصح عن رسول الله ﷺ ، قال أحمد ويحيى بن معين: تليد بن سليمان المحاربي كذاب " قال ابن حبان في "المجروحين" (١/٢٠٤) : " تليد بن سليمان المحاربي كنيته أبو إدريس من أهل الكوفة، يروي عن أبي الجحاف داود بن أبي عوف، روى عنه الكوفيون، وكان رافضيا يشتم أصحاب محمد ﷺ ، وروى في فضائل أهل البيت عجائب، وقد حمل عليه يحيى بن معين حملا شديدا وأمر بتركه " انتهى وفيه علة أخرى قالها الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/٧٤٨) : " أن زينب بنت علي لم تسمع من فاطمة فيما أعلم " انتهى. لذا حكم عليه الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٦٥٤١) بالنكارة. ٦- عن ابن عمر ﵄ بنحو الألفاظ السابقة: أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٢/٣٣٥) والآجري في "الشريعة" (٥/٢١٩) من طريق محمد بن معاوية عن يحيى بن سابق المديني عن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر. جاء في "لسان الميزان" (٦/٢٥٦) في ترجمة يحيى بن سابق: " قال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات. وقال الدارقطني: متروك. وقال أبو نعيم: حدث عن موسى بن عقبة وغيره بموضوعات " انتهى يظهر مما سبق أن خلاصة الحكم على كل حديث فيه التصريح بذم الرافضة بالاسم أنه حديث منكر، لا ينبغي نسبته للنبي ﷺ ، إذ لم يرو من طريق صحيحة ولا حسنة، بل ولا حتى يسيرة الضعف. قال البيهقي في "دلائل النبوة" (٨/٢٤) : " روي في معناه من أوجه أخر، كلها ضعيفة " انتهى. وضعفها الألباني أيضا في "ظلال الجنة" (٢/١٩١-١٩٤) . ومما يدل على ضعفها أن العلماء يذكرون في تاريخ ظهور هذا اللقب " الرافضة " قصة مشهورة، تدل على تأخر ظهور هذا اللقب عن العهد النبوي. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "منهاج السنة" (١/٣٤) : " لفظ الرافضة إنما ظهر لما رفضوا زيد بن علي بن الحسين في خلافة هشام، وقصة زيد بن علي بن الحسين كانت سنة إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين ومائة، في أواخر خلافة هشام، قال أبو حاتم البستي: قتل زيد بن علي بن الحسين بالكوفة سنة اثنتين وعشرين ومائة، وصلب على خشبة، وكان من أفاضل أهل البيت وعلمائهم، وكانت الشيعة تنتحله. قلت: ومن زمن خروج زيد افترقت الشيعة إلى رافضة وزيدية، فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر فتَرَحَّمَ عليهما رفضه قوم، فقال لهم: رفضتموني! فسموا " رافضة " لرفضهم إياه، وسمي من لم يرفضه من الشيعة زيديا لانتسابهم إليه " انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1843

فضل التمسك بالسنة زمن انتشار الفساد [السُّؤَالُ] ـ[يقول الرسول ﷺ : (من تمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر مائة شهيد) ... هل هذا الحديث صحيح؟ وإن كان صحيحا ... فماذا على الإنسان أن يستزيد من الأفعال حتى يعتبر متمسكا بالسنة؟ ... أعيش في بلد عربي ولا يخفى الحال ... فهل ترك المحرمات يعتبر كافيا لذلك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه أولا: السنة النبوية سفينة النجاة وبر الأمان، حث النبي ﷺ على التمسك بها وعدم التفريط فيها فقال: (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) رواه أبو داود (٤٦٠٧) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. وحين يكثر الشر والفساد، وتظهر البدع والفتن، يكون أجر التمسك بالسنة أعظم، ومنزلة أصحاب السنة أعلى وأكرم، فإنهم يعيشون غربة بما يحملون من نور وسط ذلك الظلام، وبسبب ما يسعون من إصلاح ما أفسد الناس. يقول النبي ﷺ : (إِنَّ الإِسلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلغُرَبَاءِ. قِيلَ: مَن هُم يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الذِينَ يَصلُحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ) أخرجه أبو عمرو الداني في "السنن الواردة في الفتن" (١/٢٥) من حديث ابن مسعود، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٢٧٣) وأصل الحديث في صحيح مسلم (١٤٥) ويقول النبي ﷺ : (َإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْر، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ، - وَزَادَنِي غَيْرُهُ - قَالَوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟! قَالَ: أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ) رواه أبو داود (٤٣٤١) والترمذي (٣٠٥٨) وقال: حديث حسن، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٩٤) وفي بعض روايات الحديث قال: (هم الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس) . والتمسك بالسنة يعني أمورا: ١- القيام بالواجبات واجتناب المحرمات. ٢- اجتناب البدع العملية والاعتقادية. ٣- الحرص على تطبيق السنن والمستحبات بحسب قدرته واستطاعته. ٤- دعوة الناس إلى الخير ومحاولة إصلاح ما أمكن. جاء في محاضرة للشيخ ابن جبرين حول حقيقة الالتزام (ص/١٠) : " لا شك أن السنة النبوية مدونة وموجودة وقريبة وسهلة التناول لمن طلبها، فما علينا إلا أن نبحث عنها، فإذا عرفنا سنة من السنن عملنا بها حتى يَصْدُق علينا قول (فلان ملتزم) ، ولا ننظر إلى من يُخَذّل أو من يحقر أو من يستهزئ ونحو ذلك. والسنن قد تكون من الواجبات، وقد تكون من الكماليات أو من المستحبات، وقد تكون من الآداب والأخلاق، فعلى المسلم أن يعمل بكل سنة يستطيعها، وذلك احتساباً للأجر وطلباً للثواب. فالملتزم هو الذي كلما سمع حديثاً فإنه يسارع في تطبيقه، ويحرص كل الحرص على العمل به ولو كان من المكملات أو من النوافل. فتراه مثلاً يسابق إلى المساجد ويسوؤه إذا سبقه غيره، وتراه يسابق إلى كثرة القراءة وكثرة الذكر أكثر من غيره، وتراه يكثر من أنواع العبادات، ويحرص كل الحرص أن تكون جميع أعماله وعباداته متبعاً فيها السنة، وليس فيها شيء من البدع، حتى تكون تلك الأعمال والعبادات مقبولة عند الله؛ لأنه متى قبل العمل فاز المسلم برضوان ربه، نسأل الله أن تكون أعمالنا مقبولة عنده إنه سميع مجيب " انتهى. ويقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في "المنتقى" (٢/سؤال رقم/٢٧٠) : " يجب عليك الالتزام بسنة رسول الله ﷺ ، والمحافظة عليها، وألا تلتف إلى عذل من يعذلك أو يلومك في هذا، خصوصًا إذا كانت هذه السنن من الواجبات التي يجب التمسك بها، لا في المستحبات، وإذا لم يصل الأمر إلى التشدد، أما إذا كان الأمر بلغ بك إلى حد التشدد فلا ينبغي لك، ولكن ينبغي الاعتدال والتوسط في تطبيق السنن والعمل بها من غير غلو وتشدد، ومن غير تساهل ولا تفريط، هذا هو الذي ينبغي عليك؛ وعلى كل حال أنت مثاب إن شاء الله، وعليك بالتمسك بسنة رسول الله ﷺ " انتهى. ثانيا: أما الحديث الذي ذكره السائل الكريم في أن للمتمسك بالسنة عند فساد الناس أجر شهيد أو أجر مائة شهيد فهو حديث ضعيف لا يصح، وهذا شيء من الكلام عليه: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر شهيد) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٢/٣١) وعنه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٨/٢٠٠) وفي سنده علتان: ١- تفرد عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، ومثله لا يحتمل تفرده. ٢- جهالة محمد بن صالح العذري: قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/١٧٢) : لم أر من ترجمه. ولذلك ضعفه الشيخ الألباني ﵀ في "السلسلة الضعيفة" (٣٢٧) . وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد) أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٢/٣٢٧) وسنده ضعيف جدا، فيه الحسن بن قتيبة: متروك الحديث، انظر ترجمته في "لسان الميزان" (٢/٢٤٦) ، وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٣٢٦) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1844

أهم شيوخ الإمام البخاري ﵀ [السُّؤَالُ] ـ[مَن هُم أهم شيوخ البخاري؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه البخاري شيخ الإسلام، وإمام الحفاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، صاحب الصحيح والتصانيف، مولده في شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وأول سماعه للحديث سنة خمس ومائتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك وهو صبي، ونشأ يتيما. صنف وحدث وما في وجهه شعرة، وكان رأسا في الذكاء، رأسا في العلم، ورأسا في الورع والعبادة. وكان شيخا نحيفا ليس بطويل ولا قصير، مائلا إلى السمرة. كان يقول: لما طعنت في ثماني عشرة سنة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم في أيام عبيد الله بن موسى، وحينئذ صنفت التاريخ عند قبر النبي ﷺ في الليالي المقمرة. وكان يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح. قال ابن خزيمة: ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من البخاري. مات ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين " انتهى. اختصارا من "تذكرة الحفاظ" للذهبي (٢/٥٥٥) ثانيا: أما شيوخه فهم كثير، حدث محمد بن أبي حاتم عنه أنه قال: " كتبت عن ألف وثمانين نفسا، ليس فيهم إلا صاحب حديث " انتهى. كما في "سير أعلام النبلاء" (١٢/٣٩٥) . وأهمية الشيخ تختلف بحسب الاعتبار: فقد تكون الأهمية بسبب مكانة الشيخ العلمية الرفيعة، وقد تكون بسبب إكثار البخاري عنه، وقد تكون بسبب علو سنده، وقد تكون بسبب تأثر البخاري به كثيرا، وقد يجتمع في الشيخ أكثر من اعتبار واحد. أما شيوخه الذين أكثر عنهم جدا في الصحيح، ولهم عنده أكثر من مائة رواية فهم: عبد الله بن يوسف التنيسي، وقد فاقت رواياته عنه الثلاثمائة رواية، علي بن عبد الله المديني فاقت مروياته المائتين، أبو اليمان الحكم بن نافع، موسى بن إسماعيل التبوذكي، عبد الله بن محمد المسندي، أبو نعيم الفضل بن دكين، محمد بن بشار المعروف ببندار، قتيبة بن سعيد، سلمان بن حرب، أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، محمد بن المثنى. أما المتوسطون: وهم من لهم دون المائة رواية وأكثر من خمسين، فهم: عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، عبد الله بن الزبير الحميدي، إبراهيم بن موسى، إبراهيم بن المنذر، محمد بن يوسف الفريابي، محمد بن كثير، حفص بن عمر. ومن أهم شيوخه الذين بلغوا رتبة الإمامة في العلم والدين: الإمام أحمد بن حنبل وإن لم يرو عنه في الصحيح، وإسحاق بن راهويه روى عنه نحو الثلاثين رواية، وأحمد بن صالح المصري، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وغيرهم. ولعل أعظمهم تأثيرا في نفس الإمام البخاري وشخصيته، وأجلهم مرتبة عنده هو الإمام علي بن المديني ﵀، حيث قال البخاري فيه: " ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني " انتهى. "تذكرة الحفاظ" (٢/٤٢٨) . وقد ذكر الذهبي في ترجمة البخاري أسماء أشهر شيوخه، ورتبهم بحسب البلدان فقال في "سير أعلام النبلاء" (١٢/٣٩٤-٣٩٦) ؛ وأما الحافظ ابن حجر فله ترتيب آخر مفيد أيضا، حيث قال في "هدي الساري" (٤٧٩) : " ينحصرون في خمس طبقات: الطبقة الأولى: من حدثه عن التابعين: مثل محمد بن عبد الله الأنصاري حدثه عن حميد، ومثل مكي بن إبراهيم حدثه عن يزيد بن أبي عبيد، ومثل أبي عاصم النبيل حدثه عن يزيد بن أبي عبيد أيضا، ومثل عبيد الله بن موسى حدثه عن إسماعيل بن أبي خالد، ومثل أبي نعيم حدثه عن الأعمش، ومثل خلاد بن يحيى حدثه عن عيسى بن طهمان، ومثل على بن عياش وعصام بن خالد حدثاه عن حريز بن عثمان، وشيوخ هؤلاء كلهم من التابعين. الطبقة الثانية: من كان في عصر هؤلاء لكن لم يسمع من ثقات التابعين: كآدم بن أبي إياس وأبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر وسعيد بن أبي مريم وأيوب بن سليمان بن بلال وأمثالهم. الطبقة الثالثة: هي الوسطى من مشايخه، وهم من لم يلق التابعين، بل أخذ عن كبار تبع الأتباع، كسليمان بن حرب وقتيبة بن سعيد ونعيم بن حماد وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة وأمثال هؤلاء، وهذه الطبقة قد شاركه مسلم في الأخذ عنهم. الطبقة الرابعة: رفقاؤه في الطلب، ومن سمع قبله قليلا، كمحمد بن يحيى الذهلي وأبي حاتم الرازي ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة وعبد بن حميد وأحمد بن النضر وجماعة من نظرائهم، وإنما يخرج عن هؤلاء ما فاته عن مشايخه، أو ما لم يجده عند غيرهم. الطبقة الخامسة: قوم في عداد طلبته في السن والإسناد، سمع منهم للفائدة: كعبد الله بن حماد الآملي وعبد الله بن أبي العاص الخوارزمي وحسين بن محمد القباني وغيرهم، وقد روى عنهم أشياء يسيرة. وعمل في الرواية عنهم بما روى عثمان بن أبي شيبة عن وكيع قال: لا يكون الرجل عالما حتى يحدث عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه، وعن البخاري أنه قال: لا يكون المحدث كاملا حتى يكتب عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه " انتهى. انظر جواب السؤال رقم (٢١٥٢٣) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1845

حديث الأوعال حديث ضعيف [السُّؤَالُ] ـ[ما مدى صحة حديث الأوعال؟ وكيف نفسره في ضوء العلم الحديث؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أما نص حديث الأوعال فهو: عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: (كُنتُ فِي البَطْحَاءِ فِي عِصَابَةٍ فِيهِم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَمَرَّت بِهِم سَحَابَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيهَا فَقَالَ: " مَا تُسَمُّونَ هَذِهِ؟ " قالوا: السَّحَابُ. قَالَ: " وَالمُزنُ "، قَالُوا: وَالمُزنُ، قَالَ: " وَالعَنَانُ "، قَالُوا: وَالعَنَان، قال: " هَل تَدرُونَ مَا بُعدُ مَا بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ؟ " قالوا: لا نَدرِي. قَالَ: " إِنَّ بُعدَ مَا بَينَهُمَا إِمَّا وَاحِدَةٌ أَو اثنَتَانِ أَو ثَلاثٌ وَسَبعُونَ سَنَةً، ثُمَّ السَّمَاءُ فَوقَهَا كَذَلِكَ - " حَتَّى عَدَّ سَبعَ سَمَوَاتٍ " - ثُمَّ فَوقَ السَّابِعَةِ بَحرٌ بَينَ أسفَلِهِ وَأَعْلاهُ مِثلُ مَا بَينَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ فَوقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ، بَينَ أَظلافِهِم وَرُكَبِهِم مِثلُ مَا بَينَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِم العَرشُ، مَا بَينَ أَسفَلِهِ وَأَعلاهُ مِثلُ مَا بَينَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ اللَّهُ ﵎ فَوقَ ذَلِكَ) . قال ابن الأثير في "النهاية" (٣/٣٥٥) : " (أوعال) أي ملائكةٌ على صُورة الأوْعال، وهم تُيوسُ الجَبَل، واحِدُها وَعِلٌ بكسر العين. (الظِّلْف) للبَقَر والغَنَم كالحافِر للفَرس والبَغْل والخُفِّ للبَعِير " انتهى. وهذا حديث مشهور في كتب أهل العلم، ومروي في أكثر الكتب المسندة، فقد أخرجه أحمد في "المسند" (١/٢٠٦) ، وأبو داود في "السنن" (٤٧٢٣) ، والترمذي في "السنن" (٣٣٢٠) وابن ماجه (١٩٣) ، والدارمي في "الرد على الجهمية" (٥٠) ، والبزار في مسنده (٤/١٣٤) ، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في "العرش" (١/٦٦) ، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/٢٣٤) ، والحاكم في المستدرك (٢/٤١٠) وغير ذلك من كتب السنة. ومجموع رواية هؤلاء الأئمة تصل إلى خمس روايات كلها تلتقي في: سِمَاك بن حرب عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب ﵁ به. أما سِمَاك بن حرب فقد أدرك العديد من الصحابة، وأخرج له مسلم، والبخاري تعليقا، وقد وثقه جماعة من أهل العلم، كالإمام أحمد وأبو حاتم والبزار وغيرهم، ولكن أخذ عليه بعض أهل العلم وجود الغرائب في حديثه، لذلك ضعفه شعبة وابن المبارك، وقال ابن أبي خيثمة سمعت ابن معين سئل عنه: ما الذي عابه؟ قال: أسند أحاديث لم يسندها غيره وهو ثقة. وقال ابن عمار: يقولون إنه كان يغلط، ويختلفون في حديثه. وكان الثوري يضعفه بعض الضعف، ولم يرغب عنه أحد. وقال النسائي: كان ربما لقن، فإذا انفرد بأصل لم يكن حجة لأنه كان يلقن فيتلقن. وقال ابن حبان في "الثقات": يخطىء كثيرا. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٤/٢٠٤) وأما عبد الله بن عميرة: فلا نعرف عنه شيئا من ترجمته إلا أنه يروي عن الأحنف بن قيس، ولا يعرف عنه راو غير سماك بن حرب، ولم ينص أحد من أهل العلم على توثيقه أو تضعيفه، إلا أن ابن احبان ذكره في "الثقات"، وقال ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (٥/٣٠١) " قال البخاري: لا يعلم له سماع من الأحنف. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وحسن الترمذي حديثه، قلت (أي ابن حجر) : قال أبو نعيم في "معرفة الصحابة": أدرك الجاهلية، وكان قائد الأعشى، لا تصح له صحبة ولا رؤية. وقال مسلم في "الوُحدان": تفرد سماك بالراوية عنه. وقال إبراهيم الحربي: لا أعرفه " انتهى. ولما كان أمر سماك بن حرب قد لا يحتمل التفرد بحديث أصل، ونجد أمر عبد الله بن عميرة مشتبها ومحتملا، اختلف أهل العلم في تصحيح الحديث أو تضعيفه. فالحديث قال فيه الترمذي: حسن غريب. وصححه ابن خزيمة بإخراجه في كتاب "التوحيد" حيث اشترط الصحة، وقال الحاكم في "المستدرك": صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ومن المتأخرين ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٣/١٩٢) ، وابن القيم في "مختصر الصواعق" (٤٣٣) حيث قال: إسناده جيد. أما من ضعفه من أهل العلم: فهو مفهوم كلام البزار في "مسنده" (٤/١١٥) حيث قال: " لا نعلمه روي بهذا الكلام وهذا اللفظ إلا من هذا الوجه عن العباس عن النبي صلى لله عليه وسلم، وعبد الله بن عميرة، لا نعلم روى عنه إلا سماك بن حرب " انتهى. وابن عدي في الكامل (٩/٢٧) حيث قال: غير محفوظ. وأشار إلى ضعفه المزي في "تهذيب الكمال" (١٠/٣٩١) وقال الذهبي في "العلو" (١/٦٠) : " تفرد به سماك عن عبد الله، وعبد الله فيه جهالة " انتهى وإن كان الذهبي قد حسن الحديث في كتاب "العرش" (٢٤) ومن المتأخرين أيضا العلامة الألباني في "السلسلة الضعيفة" (١٢٤٧) والذي يترجح – والله أعلم – هو ضعف الحديث، فإن تفرد سماك بن حرب بمثل هذا الحديث المتعلق بالغيبيات تفرد غير مقبول، وجهالة عبد الله بن عميرة تضر في مثل هذا الموضع أيضا، ثم ثمة انقطاع بينه وبين الأحنف بن قيس. أما من أراد الاستدلال بهذا الحديث على علو الله على خلقه، وأنه فوق العرش العظيم، فإن الكتاب والسنة الصحيحة مليئان بما يغني في الدلالة على ذلك، حتى قد تصل الأدلة إلى ألف دليل، وقد جمعها الإمام الذهبي في كتابه "العلو" لمن أراد المزيد. وسبق في موقعنا ذكر شيء من الأدلة، انظر جواب السؤال رقم (٩٩٢) و (١١٠٣٥) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1846

الفرق بين الحديث المنكر والحديث المضطرب [السُّؤَالُ] ـ[ما الفرق بين الحديث المنكر والحديث المضطرب؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لمعرفة الفرق بين هذين النوعين لا بد أولا من توضيح معنى كل منهما، وبيان الصور التي يطلق عليها العلماء هذين الوصفين، ثم تحديد أوجه الشبه وأوجه الافتراق بينهما. فيقال: أولا: يطلق العلماء الوصف بالنكارة على الصور التالية: الصورة الأولى: بعض حالات التفرد، وذلك في: ١- أن ينفرد برواية الحديث الراوي الصدوق النازل عن درجة أهل الإتقان، وليس له عاضد يصحح به، ترى هذا في كلام أحمد بن حنبل وأبي داود والنسائي والعقيلي وابن عدي وغيرهم. ٢- تفرد المستور، أو الموصوف بسوء الحفظ، أوالمضعف، وليس له عاضد يقوى به. (انظر الموقظة/٤٢، تدريب الراوي ٢/٢٧٨، النكت لابن حجر ٢/٦٧٤) الصورة الثانية: بعض حالات المخالفة: ١- مخالفة المستور، أو الموصوف بسوء الحفظ، أو المضعف، وإذا كثرت مخالفة الرواي أصبح متروكا، وعليه أكثر ما يطلق الوصف بالنكارة. ٢- مخالفة الثقة من هو أوثق منه أو أكثر عددا. (انظر تدريب الراوي ٢/٢٧٧) الصورة الثالثة: أنواع من الحديث الضعيف لأسباب أخرى، كالمدرج، والمنقطع، وحديث المجهول، وقع ذلك في كلام غير واحد من الأئمة المتقدمين، كيحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي داود، والنسائي، وغيرهم، يطلقون لقب (المنكر) على هذه الأنواع. (انظر النكت لابن حجر ٢/٦٧٥، تحرير علوم الحديث لعبد الله الجديع ٢/ ١٠٣٦) . ثانيا: الحديث المضطرب لقب أطلقه العلماء على الصور التالية: الصورة الأولى: أن يروى الحديث على أوجه مختلفة متساوية في القوة، بحيث يتعذر الترجيح. وتصح دعوى الاضطراب حين يتعذر الجمع بين الوجوه المختلفة، فإذا أمكن الجمع فلا اضطراب. والصورة الثانية: التردد في الإسناد أو المتن من الراوي المعين، فيقال: (كان فلان يضطرب فيه فتارة يقول كذا، وتارة يقول كذا) . (انظر تدريب الراوي ٢/٣٠٨، النكت لابن حجر ٢/٧٧٣) . ثالثا: يتبين مما سبق الفرق بين النكارة والاضطراب وذلك من جهتين: الأولى: أن المنكر يطلق على تفرد من لا يُحْتمل تفرده، من مستور أو ضعيف برواية لم يتابع عليها، يعني: أن الوصف بالنكارة لا يشترط له تعدد الروايات والمخالفة بينها، أما المضطرب فلا يطلق إلا على ما جاء من أكثر من وجه، ثم اختلفت هذه الوجوه بحيث لا يمكن الجمع ولا الترجيح بينها. الثانية: ثمة فرق آخر، وهو أنه عند تعدد الطرق فإننا ننظر، إن استطعنا تحديد الأرجح منها فإن المرجوح يوصف بالنكارة، في حين أننا لا نصفه بالاضطراب إلا حين تستوي الأوجه الواردة، ولا يمكن الترجيح بينها. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1847

نقد قصة موضوعة، والتحذير من القصَّاص الجهلة [السُّؤَالُ] ـ[نرجو الإفادة في صحة هذه الرواية (سمعتها من أحد الوعاظ) استيقظ الساعة الرابعة والثلث ليجهز نفسه لأداء صلاة الفجر , قام وتوضأ ولبس ثوبه وتهيأ للخروج من المنزل والذهاب إلى المسجد , كان معتاداً على ذلك فمنذ صغره اعتاد أن يصلي صلواته جماعة في المسجد حتى صلاة الفجر , خرج من منزله وأخذ طريقه إلى المسجد , وبينما هو في طريقه إليه تعثّر وسقط وتمزّق جزء من ثوبه , فعاد إلى المنزل يغيّر ثوبه ويلبس ثوباً آخر , لم يغضب ولم يسب ولم يلعن، فقط عاد إلى منزله وغيَّر ثوبه بكل بساطة , ثم عاد مرة أخرى يسلك طريق المسجد وإذ به يتعثّر مرة أخرى ويسقط وانقطع جزء من هذا الثوب أيضاً , عاد إلى منزله وقام بتغيير ثوبه , لقد تمزّق كلا ثوبيه ومع ذلك لم يعقه ذلك عن رغبته في أداء الصلاة جماعة في المسجد , عاد مرة أخرى يأخذ طريقه إلى المسجد، وإذا به يتعثر للمرة الثالثة , ولكن شعر فجأة أنه لم يسقط، وأن هناك أحداً أسنده ومنعه من أن يسقط على الأرض , تعجب الرجل ونظر حوله فلم يجد أحداً , وقف حائراً لحظة ثم أكمل طريقه إلى المسجد، وإذا به يسمع صوتاً يقول له أتدري من أنا؟ فقال الرجل: لا، فرد الصوت: أنا الذي منعك من السقوط , فأعقبه الرجل وقال: فمن أنت؟ فأجاب: أنا الشيطان، فسأله الرجل: ما دمتَ الشيطان لم منعتني من السقوط؟ فرد الشيطان: في المرة الأولى عندما تعثرت وعدت إلى منزلك وغيَّرت ثوبك غفر الله لك كل ذنبك، وفي المرة الثانية عندما تعثرت وعدت إلى منزلك وغيَّرت ثوبك غفر الله لأهل بيتك , وعندما تعثرت في المرة الثالثة خفت أن تعود إلى المنزل وتغير ثوبك فيغفر الله لأهل حيّك , فأسندتك ومنعتك السقوط! . ما يحيرني في القصة أنه هل يمكن للشيطان أن يكلم الإنسان وأن يمسك يده ويمنعه من السقوط كما ورد في القصة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: هذه القصة لا أصل لها في كتب السنة والحديث والتاريخ، وهي مخالفة للشرع مخالفة صريحة، وذلك من وجوه: ١. المحادثة بين الرجل والشيطان، فمن الممكن أن يوسوس الشيطان للإنسان، وهو على هيئته الحقيقية، وأما أن يكلمه فهذا غير ممكن، إلا أن يكون الشيطان متشكلا على هيئة البشر. ٢. قول الشيطان إنه أسند الرجل عندما تعثَّر، وهذا الأمر لا يصدَّق وليس في مقدور الشيطان أن يفعله، وقد جعل الله تعالى الملائكة حافظة وحارسة للإنسان من ضرر الجن وأذيته؛ لأنهم يروننا ولا نراهم، قال تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ) الرعد/١١، وواضح من القصة المكذوبة أن الشيطان له قدرة على حفظ الإنسان مما يمكن أن يؤذيه، أو أن الشيطان قادر على المنع من قدر الله تعالى. ٣. والأخطر في القصة المكذوبة هو في قول الشيطان إن الله تعالى في المرة الأولى غفر للإنسان كل ذنبه، وأنه في المرة الثانية غفر الله لأهل بيته، وزعْمه أنه لو سقط في المرة الثالثة لغفر الله لأهل حيِّه! وهذا كله من الكذب على الله تعالى وادعاء علم الغيب، وليس جرح المجاهد في المعركة مع الكفار بموجب لمثل هذه الفضائل، فكيف تُجعل للذاهب للمسجد، وهي ليست لمن تعثر وسقط في الدعوة إلى الله أو في طريقه لصلة الرحم وغيرها من الطاعات، فكيف تُجعل هذه الفضائل لمن سقط في ذهابه للمسجد؟! . ثم إنه ليس في السقوط والتعثر شيء يوجب هذه الفضائل، وقد سقط وتعثر وجرح كثير من الصحابة في زمن النبي ﷺ ولم يأتِ حرف في السنة في مثل هذه الفضائل بل ولا في جزء منها، ولا يغفر الله تعالى لأهل البيت أو الحي أو المدينة لفعل واحد من الصالحين أو طاعته، فضلاً عن سقوط لا يقرِّب إلى الله وليس هو طاعة في نفسه، ولو كان أحدٌ ينتفع بفعل غيره لانتفع والد إبراهيم ﵇ بنبوة ابنه، ولانتفع ابن نوح بنبوة أبيه، ولانتفع أبو طالب بنبوة ابن أخيه محمد ﷺ . ثم من أين علم الشيطان بذلك كله حتى أخبر هذا الرجل، وهل يملك الشيطان أن يمنع رحمة أرادها الله تعالى بأحد من عباده؟ كلا؛ قال الله تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فاطر/٢ ثانياً: لا شك أن هذه القصص المكذوبة الباطلة هي مما يروج عند من لم يفهم دينه، ولا يعرف توحيد ربه تعالى، ويروجها أساطين الكذب من الخرافيين المفترين على شرع الله تعالى، وقد توعد الله تعالى هؤلاء الكاذبين بأشد الوعيد، فقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) الأعراف/٣٣. والواجب على الخطباء والمدرسين أن ينزهوا أنفسهم أن يكونوا من القصَّاص الذين يقصون على العامة ما يخالف الشرع والعقل، وقد حذَّر سلف هذه الأمة من هؤلاء القصَّاص أشد التحذير لما فيه كثير من قصصهم من آثار سيئة على العامة ولما فيها من مضادة لشرع الله. وقد جاء في حديث حسَّنه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١٦٨١) عن النبي ﷺ قال: (إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لمَّا هَلَكُوا قَصُّوا) . قال الشيخ الألباني – ﵀: قال في " النهاية ": (لما هلكوا قصوا) : أي: اتكلوا على القول وتركوا العمل، فكان ذلك سبب هلاكهم، أو بالعكس: لما هلكوا بترك العمل أخلدوا إلى القصص. وقال الألباني – معقِّباً -: ومن الممكن أن يقال: إن سبب هلاكهم اهتمام وعاظهم بالقصص والحكايات دون الفقه والعلم النافع الذي يعرف الناس بدينهم، فيحملهم ذلك على العمل الصالح؛ لما فعلوا ذلك هلكوا. " السلسلة الصحيحة " (٤ / ٢٤٦) . وهذا هو حال القصَّاص: الاهتمام بالحكايات والخرافات، وسردها على العامة، دون الفقه والعلم، ويسمع العامي كثيراً ولا يفقه حكماً ولا يستفيد علماً. قال ابن الجوزي في " تلبيس إبليس " (ص ١٥٠) : والقصاص لا يُذمون من حيث هذا الاسم لأن الله قال: (نَحْنُ نَقصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَص) وقال: (فَاقْصُص القَصَص) . وإنما ذُمَّ القصاص لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القصص دون ذكر العلم المفيد، ثم غالبهم يخلط فيما يورد وربما اعتمد على ما أكثره محال. انتهى وعن أبي قلابة عبد الله بن زيد قال: (ما أمات العلم إلا القصاص، يجالس الرجلُ الرجلَ سنةً فلا يتعلق منه شيء، ويجلس إلى العلم فلا يقوم حتى يتعلق منه شيء) . " حلية الأولياء " (٢ / ٢٨٧) . وكم أحدث هؤلاء القصاص من آثار سيئة على العامة، وسردهم لتلك الخرافات جعلت لهم منزلة عند العامة الذين يصدِّقون كل ما يسمعون حتى أصبحوا مقدَّمين على العلماء وطلبة العلم. قال الحافظ العراقي – ﵀: ومن آفاتهم: أن يحدِّثوا كثيراً من العوام بما لا تبلغه عقولهم , فيقعوا في الاعتقادات السيئة , هذا لو كان صحيحاً , فكيف إذا كان باطلاً؟! . " تحذير الخواص " للسيوطي (ص ١٨٠) نقلاً عن " الباعث على الخلاص " للعراقي. يقول ابن الجوزي: والقاص يروي للعوام الأحاديث المنكرة , ويذكر لهم ما لو شم ريح العلم ما ذكره , فيخرج العوام من عنده يتدارسون الباطل، فإذا أنكر عليهم عالم قالوا: قد سمعنا هذا بـ " أخبرنا " و " حدثنا "، فكم قد أفسد القصاص من الخلق بالأحاديث الموضوعة , كم لون قد اصفر من الجوع , وكم هائم على وجهة بالسياحة، وكم مانع نفسه ما قد أبيح , وكم تارك رواية العلم زعماً منه مخالفة النفس في هواها، وكم موتم أولاده [يعني: جعلهم يتامى] بالزهد وهو حي، وكم معرض عن زوجته لا يوفيها حقها؛ فهي لا أيم ولا ذات بعل " اهـ. الموضوعات " (١ / ٣٢) . ومن هنا جاء الذم لهؤلاء القصاص في كلام كثير من السلف: قال ميمون بن مهران ﵀: القاص ينتظر المقت من الله، والمستمع ينتظر الرحمة. قال الألباني ﵀ تحت حديث رقم (٤٠٧٠) من " السلسلة الضعيفة " -: رواه ابن المبارك في كتابه " الزهد " بسندٍ صحيحٍ. وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: أكذب الناس القُصَّاص والُّسوَّال، وما أحوج الناس إلى قاص صدوق؛ لأنهم يذكرون الموت وعذاب القبر، قيل له: أكنت تَحضر مجالسهم؟ قال: لا. " الآداب الشرعية " لابن مفلح الحنبلي (٢ / ٨٢) . فنسأل الله أن يصلح أحوال الأئمة والخطباء، وأن يهديهم لما فيه صلاحهم وإصلاح غيرهم. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1848

حكم الحديث المعلق [السُّؤَالُ] ـ[ما المقصود بالأحاديث المعلقة؟ وما هو الصحيح منها سواء في البخاري أو في مسلم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: الحديث المعلق هو ما حذف من بداية إسناده (أي من جهة المحدث المصنف – صاحب الكتاب-) راو واحد فأكثر. يقول الحافظ ابن حجر ﵀ "نزهة النظر" (١٠٨-١٠٩) : " ومن صور المعلق: أن يحذف جميع السند، ويقال مثلا: قال رسول لله ﷺ . ومنها: أن يحذف كل السند ولا يبقى إلا اسم الصحابي أو اسم الصحابي والتابعي. ومنها: أن يحذف من حدَّثَه ويضيفه إلى من فوقه " انتهى بتصرف. ثانيا: كل حديث يذكر في الكتب محذوف الإسناد، ويرفع إلى النبي ﷺ ، دون عزو إلى شيء من كتب السنة، فهو حديث معلق، فإن كان الحديث موصولا بالأسانيد في كتب السنة، أو كان المصنف الذي علقه قد وصله في مكان آخر من كتبه، فيظهر حينئذ أن تعليق من علقه إنما كان لأجل الاختصار، ووصفه بالتعليق لا يعني الحكم عليه بالضعف، وليس هو محل خلاف وبحث عند أهل العلم. تجد ذلك كثيرا ظاهرا في صحيح الإمام البخاري: يقول الحافظ ابن حجر ﵀ "النكت" (١/٣٢٥) : " إن ضاق مخرج الحديث ولم يكن له إلا إسناد واحد، واشتمل على أحكام واحتاج إلى تكريرها، فإنه والحالة هذه إما أن يختصر المتن أو يختصر الإسناد " انتهى. ويقول السيوطي في "تدريب الراوي" (١/١١٧) : " وأكثر ما في البخاري من ذلك موصول في موضع آخر من كتابه، وإنما أورده معلقا اختصارا ومجانبة للتكرار " انتهى. ثالثا: للحكم على الحديث المعلق فإنه لا بد – كما هو الحال عند الحكم على أي حديث – من جمع طرق الحديث والبحث عن أسانيده؛ ولا يخلو حكمه بعد ذلك من الحالات التالية: ١- إن لم نقف له على سند في أي كتاب: فحينئذ فالأصل الحكم بالضعف على الحديث؛ وذلك للجهل بحال الرواة المحذوفين من السند، فقد يكون منهم الضعيف أو الكذاب. مثاله: ما علقه الحافظ ابن عبد البر عن النبي ﷺ أنه قال: (مَا مِن مُسلِمٍ يَمُرُّ عَلَى قَبرِ أَخِيهِ كَانَ يَعرِفُهُ فِي الدُّنيَا، فَيُسَلِّمُ عَلَيهِ، إِلا رَدَّ اللَّهُ عَلَيهِ رُوحَهُ حَتَّى يَرُدَّ ﵇ فقد بحث أهل العلم عن هذا الحديث المعلق فلم يجدوه مسندا في كتاب، وكل من يذكره ينقله عن تعليق الحافظ ابن عبد البر، فهو في الأصل حديث ضعيف، إلا أن بعض أهل العلم صححه تبعا للحافظ ابن عبد البر الذي علقه وصححه. ٢- إذا وجدنا للحديث سندا موصولا في كتاب آخر من كتب السنة، فإننا حينئذ ننظر في السند، ونحكم عليه بحسب قواعد أهل العلم في نقد الأحاديث، كما أنه يمكن الاستعانة للحكم على الحديث المعلق بما فهمه العلماء من مناهج كتب السنة، وهذا بيان ذلك: رابعا: لبعض الأئمة مناهج في ذكر الحديث المعلق، وهذه المناهج إما أن ينص عليها الإمام نفسه، أو يعرفها من بعده من أهل العلم من خلال دراسة كتابه واستقراء أحاديثه. ومن كلام أهل العلم في منهج البخاري في التعليق، نستطيع تقسيم معلقاته (والتي تصل إلى مائة وستين حديثا معلقا) إلى قسمين: الأول: ما علقه بصيغة الجزم، مثل قال، رَوَى ونحو ذلك: فحكم هذه المعلقات هو الصحة أو الحسن، لأنه لا يستجيز أن يجزم بذلك إلا وقد صح عنده، بل منها ما هو على شرطه وإنما علقه لأنه أخذه مذاكرة أو إجازة. ويستثني العلماء من هذه القاعدة حديثا واحدا فقط، وهو ما علقه في كتاب الزكاة (٢/٥٢٥) : (وقال طاوس: قال معاذ ﵁ لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب: خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة، أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي ﷺ بالمدينة) قالوا: فهذا إسناده إلى طاوس صحيح، إلا أن طاوسا لم يسمع من معاذ. الثاني: ما علقه بصيغة التمريض: مثل: رُوِيَ، يُذكَر ونحوها. فهذا قد يكون فيه الصحيح، وقد يكون فيه الحسن، ويكون علقها لأنه رواها بالمعنى. كما قد يكون فيه الضعيف ضعفا يسيرا: وقد يبين ضعفه بقوله عقبه: (لم يصح) . (ملخصا من كتاب "النكت" للحافظ ابن حجر (١/٣٢٥-٣٤٣) ، "تدريب الراوي" للسيوطي (١/١١٧-١٢١) أما صحيح مسلم: فإن جميع ما فيه من المعلقات يصل فقط إلى خمسة أحاديث، يرويها الإمام مسلم مسندة متصلة من طريق، ثم يعلقها عقبه من طريق أخرى غير الطريق التي أسندها، لغرض علمي يريده الإمام مسلم، وقد جمعها الشيخ رشيد الدين العطار في رسالة مطبوعة، وبين وصلها وأسانيدها الصحيحة. وليس في صحيح مسلم – بعد المقدمة – حديث معلق لم يصله من طريق أخرى إلا حديث واحد: قال مسلم في حديث رقم (٣٦٩) : وروى الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول:: أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي الجهم بن الحارث ابن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهم: (أَقبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن نَحوِ بِئرِ جََلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ، فَسَلَّمَ عَلَيهِ، فَلَم يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيهِ حَتَّى أَقبَلَ عَلَى الجِدَارِ، فَمَسَحَ وَجهَهُ وَيَدَيهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇ وانظر "النكت" للحافظ ابن حجر (١/٣٤٦-٣٥٣) وقد وجد هذا الحديث مسندا متصلا من طريق الليث بن سعد أيضا عند البخاري في صحيحه (٣٣٧) وأبو داود (٣٢٩) وغيرهما. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1849

حديث موضوع في فضل التقاط الطعام الملقى على الأرض [السُّؤَالُ] ـ[هناك حديث ينسب إلى النبي ﷺ ، يقول: "من التقط لقمة وقعت منه على الأرض أثناء الطعام فسوف يهبه الله أطفالاً رائعين جدًا ". فهل هذا الحديث صحيح ومن الكتب المحققة؟ وإن كان صحيحًا فما التفسير العلمي لهذا الحديث (أقصد ما العلاقة بين التقاط الطعام والأطفال الرائعين؟) ]ـ [الْجَوَابُ] أولا: جاءت الشريعة المطهرة باحترام النعم، وشكر المنن، وتقدير الخير الذي يسخره للناس. والطعام من أعظم نعم الله تعالى على الإنسان، جعل فيه حياته وقوته، كما جعل فيه لذته، ولذلك أمر بالحمد بعد تناوله، والشكر على إحسانه به. يقول الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) البقرة/١٧٢ وقال سبحانه: (فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) النحل/١١٤ وقال سبحانه: (لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ) يس/٣٥ ولا شك أن من شكر نعمة الطعام احترامها وعدم إلقائها، ورفعها عن مواضع الإهانة والقذارة، وحفظها عن ما يفسدها. يقول المناوي في "فيض القدير" (١/١٩١) : " حسن الجوار لنعم الله من تعظيمها، وتعظيمها من شكرها، والرمي بها من الاستخفاف بها، وذلك من الكفران، والكَفور ممقوت مسلوب، ولهذا قالوا: الشكر قيد للنعمة الموجودة، وصيد للنعمة المفقودة. وقالوا: كفران النعم بوار، فاستدع شاردها بالشكر، واستدم هاربها بكرم الجوار. فارتباط النعم بشكرها، وزوالها في كفرها، فمن عظَّمَها فقد شكرها، ومن استخف بها فقد حقرها وعرضها للزوال، ولهذا قالوا: لا زوال للنعمة إذا شكرت، ولا بقاء لها إذا كفرت. قال ابن الحاج: كان العارف المرجاني إذا جاءه القمح لم يترك أحدا من فقراء الزاوية ذلك اليوم يعمل عملا حتى يلتقطوا جميع ما سقط من الحب على الباب أو بالطريق. قال: فينبغي للإنسان إذا وجد خبزا أو غيره مما له حرمة، مما يؤكل، أن يرفعه من موضع المهنة إلى محل طاهر يصونه فيه، لكن لا يُقَبِّلُهُ ولا يرفعه فوق رأسه كما تفعله العامة؛ فإنه بدعة. قال: وهذا الباب مجرَّب، فمن عظَّم الله بتعظيم نعمه لطف به وأكرمه، وإن وقع بالناس شدة جعل له فرجا ومخرجا " انتهى. وقد جاءت النصوص تأمر برفع الطعام الساقط على الأرض: فعَنْ جَابِرٍ بن عبد الله ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ، حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمْ اللُّقْمَةُ فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى، ثُمَّ ليَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ تَكُونُ الْبَرَكَةُ) رواه مسلم (٢٠٣٣) وعَنْ أَنَسٍ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ، قَالَ وَقَالَ: إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الْأَذَى وَلْيَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَسْلُتَ الْقَصْعَةَ، قَالَ: فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمْ الْبَرَكَةُ) رواه مسلم (٢٠٣٤) يقول النووي ﵀ في "شرح مسلم" (١٣/٢٠٦) : " معناه والله أعلم: أن الطعام الذى يحضره الإنسان فيه بركة، ولا يُدرى أن تلك البركة فيما أكله، أو فيما بقي على أصابعه، أو في ما بقي في أسفل القصعة، أو فى اللقمة الساقطة، فينبغي أن يحافظ على هذا كله لتحصل البركة، وأصل البركة الزيادة وثبوت الخير والإمتاع به، والمراد هنا والله أعلم: ما يحصل به التغذية، وتسلم عاقبته من أذى، ويُقَوِّي على طاعة الله تعالى وغير ذلك " انتهى. وقد نص الفقهاء في كتبهم على هذا الأدب العظيم، حتى قال ابن حزم في "المحلى" (٦/١١٧) بوجوبه، وانظر: المبسوط (٣٠/٢٦٨) ، حاشية تحفة المحتاج (٧/٤٣٨) ، الإنصاف (٨/٣٢٧) ، الموسوعة الفقهية (٦/١٢١) . كما ذكروا لهذا الأدب حكما عديدة، وفوائد كثيرة، منها: ١- امتثال أمر النبي ﷺ وسنته. ٢- التواضع وعدم التكبر. ٣- احترام نعم الله تعالى وتعظيمها وشكرها وعدم الاستخفاف بها. ٤- تحصيل البركة التي قد تكون في اللقمة الساقطة. ٥- حرمان الشيطان من ذلك الطعام، حتى قال النووي ﵀ في "شرح مسلم" (١٣/٢٠٤) : " فان وقعت على موضع نجس فلا بد من غسلها إن أمكن، فإن تعذر أطعمها حيوانا ولايتركها للشيطان " انتهى. ٦- الاقتصاد وعدم الإسراف. يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ "شرح رياض الصالحين" (١/٤٥٩) : " من آداب الأكل أن الإنسان إذا سقطت لقمة على الأرض فإنه لا يدعها؛ لن الشيطان يحضر الإنسان في جميع شئونه ... والإنسان إذا فعل هذا امتثالا لأمر النبي ﷺ ، وتواضعا لله ، وحرمانا للشيطان من أكلها، حصل على هذه الفوائد الثلاثة: الامتثال لأمر النبي ﷺ ، والتواضع، وحرمان الشيطان من أكلها " انتهى. ويغفل كثير من الناس عن هذا الأدب أثناء تناول الطعام على السفر، فيظنون أنه أدب خاص بما إذا سقط الطعام على الأرض، ولكنه أدب ينبغي الامتثال به حتى على السفر، فإذا سقطت اللقمة من الصحن على السفرة فعليه أن يرفعها. سئل الشيخ ابن عثيمين في "لقاءات الباب المفتوح" (٣١/سؤال رقم ٢٥) : " الطعام الذي يسقط على السفرة هل يدخل في حديث إماطة الأذى؟ فأجاب: نعم. الطعام الذي يسقط على السفرة داخل في قول الرسول ﷺ : (إذا سقطت لقمة أحدكم، فليأخذها وليمط ما بها من أذى، ولا يدعها للشيطان) " انتهى. ثانيا: ما يتناقله بعض الناس من مبالغات في هذا الموضوع هو من الأخبار الكاذبة، فقد روى بعض الوضاعين فضائل لمن يرفع اللقمة الساقطة على الأرض، ونسبوا ذلك للنبي ﷺ وهو بريء منه. يقول الإمام السخاوي ﵀ في "المقاصد الحسنة" (٦٢٧) : " حديث (من أكل ما يسقط من الخِوان والقَصعةِ أمِن من الفقر والبرص والجذام، وصُرِفَ عن ولده الحُمقُ) أبو الشيخ في الثواب عن جابر به مرفوعا. وعن الحجَّاجِ بن علاط مرفوعا أيضا بلفظ: (أُعطِيَ سعةً من الرزق، ووُقِيَ الحمقَ في ولده، وَوَلَدِ ولده) والديلمي من طريق الرشيد عن آبائه عن ابن عباس رفعه: (من أكل ما يسقط من المائدة خرج ولده صباح الوجوه، ونفى عنه الفقر) وأخرجه الخطيب في ترجمة عبد الصمد الهاشمي ثم ضعفه. وأورده الغزالي في الإحياء بلفظ: (عاش في سعة، وعوفي في ولده) وفي الباب عن أنس أورده الخطيب في ترجمة يونس من المؤتلف، وفيه قصة لهدبة بن خالد مع المأمون، وعن أبي هريرة. وكلها مناكير " انتهى. ومن الأحاديث المكذوبة في هذا الموضوع: (أكرموا الخبز، فإنه من بركات السماء والأرض، من أكل ما يسقط من السفرة غُفر له) وانظر "الموضوعات" (٢/٢٨٩- ٢٩٢) ، "تنزيه الشريعة" (٣٢٢) ، "كشف الخفاء" (٢/٢٣٠) فالواجب تحذير الناس من هذه الأحاديث، وبيان بطلانها وكذبها، ونفيُ الكذب عن النبي ﷺ من أفضل الأعمال والقربات. ثالثا: مما ينبغي التنبيه عليه ما يفعله بعض الناس حين يرفع الطعام الساقط على الأرض فتجده يقبله ويضعه على جبهته، فما حكم ذلك؟ جاء في "الموسوعة الفقهية" (١٣/١٣٣-١٣٤) : " صرّح الشّافعيّة بجواز تقبيل الخبز، وقالوا: إنّه بدعة مباحة أو حسنة، لأنّه لا دليل على التّحريم ولا الكراهة، لأنّ المكروه ما ورد عنه نهي، أو كان فيه خلاف قويّ، ولم يرد في ذلك نهي، فإن قصد بذلك إكرامه لأجل الأحاديث الواردة في إكرامه فحسن، ودوسه مكروه كراهة شديدة، بل مجرّد إلقائه في الأرض من غير دوس مكروه. وقال صاحب الدّرّ من الحنفيّة مؤيّداً قول الشّافعيّة في جواز تقبيل الخبز: وقواعدنا لا تأباه. أمّا الحنابلة فقالوا: لا يشرع تقبيل الخبز ولا الجمادات إلا ما استثناه الشّرع " انتهى. قال ابن مفلح: (وهو ظاهر كلام الشيخ تقي الدين؛ فإنه ذكر أنه لا يشرع تقبيل الجمادات، إلا ما استثناه الشرع) الآداب الشرعية (٣/٢٣١) . وإلى المنع ذهب المالكية أيضا. قالوا: (وَيُكْرَهُ تَقْبِيلُ الْمُصْحَفِ وَكَذَا الْخُبْزُ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ امْتِهَانَهُ ـ أي الخبز ـ مَكْرُوهٌ [الخرشي على خليل (٢/٣٢٦) الفواكه الدواني (١/٣٥٦) ] وقد سبق نص ابن الحاج على أن تقبيل الخبز بدعة. والأظهر ـ والله أعلم ـ ما ذهب إليه المالكية والحنابلة من المنع، لقول عمر ﵁، لمّا قبل الحجر: (لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ) رواه البخاري (١٦١٠) ومسلم (١٢٧٠) . قال الحافظ ابن حجر: " قال شيخنا [يعني: العراقي] في شرح الترمذي: فيه كراهة تقبيل ما لم يرد الشرع بتقبيله. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1850

حديث لا أصل له يُروَى في فضائل بعض سور القرآن [السُّؤَالُ] ـ[ما مدى صحة هذا الحديث؟ قال رسول الله ﵌: (عشرة تمنع عشرة) : سورة الفاتحة تمنع غضب الله. سورة يس تمنع عطش يوم القيامة. سورة الواقعة تمنع الفقر. سورة الدخان تمنع أهوال يوم القيامة. سورة الملك تمنع عذاب القبر. سورة الكوثر تمنع الخصومة. سورة الكافرون تمنع الكفر عند الموت. سورة الإخلاص تمنع النفاق. سورة الفلق تمنع الحسد. سورة الناس تمنع الوسواس) .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: باب فضائل القرآن الكريم من أكثر الأبواب التي وضع فيها الوضاعون أحاديثهم، ونسبوها إلى النبي ﷺ ، وكان كثير منهم يحتسب ذلك عند الله، ويظن – لفرط جهله – أنه إنما يرغب الناس بكتاب الله تعالى، وهو في الحقيقة يرتكس في وعيد النبي ﷺ حين قال: (مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ) رواه البخاري (١٢٩١) ومسلم (٩٣٣) . ومن أمثلة ذلك: ما رواه الحاكم في "المدخل" (٥٤) بسنده إلى أبي عمار المروزي أنه قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حِسبة. (يعني أنه يبتغي بها الثواب عند الله) . وقد اتفق العلماء على حرمة رواية الحديث الموضوع ونسبته إلى النبي ﷺ . قال ﷺ : (مَن حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبَِيْن) رواه مسلم في مقدمة صحيحه. قال النووي ﵀ "شرح مسلم" (١/٧١) : " يحرم رواية الحديث الموضوع على من عرف كونه موضوعا، أو غلب على ظنه وضعه، فمن روى حديثا علم أو ظن وضعه، ولم يبين حال روايته وضعه، فهو داخل في هذا الوعيد، مندرج في جملة الكاذبين على رسول الله ﷺ " انتهى. ثانياً: أما الحديث المذكور في السؤال، فلم نجده في شيء من الكتب، لا الصحيحة ولا الموضوعة، بعد البحث الشديد عنه، فيبدو أنه لا أصل له البتة، وذلك مما يعجب له المسلم، أن وضع الحديث لا زال مستمرا إلى أيامنا هذه، وأن الأحاديث الموضوعة في تكاثر مستمر، والله المستعان. وبعض السور المذكورة في هذا الحديث لم يصح شيء من فضائلها، وهي: سورة يس والدخان والواقعة والكوثر. انظر: "تدريب الراوي" (٢/٣٧٢) ، وكتاب "الصحيح والسقيم في فضائل القرآن الكريم" وراجع جواب السؤال رقم (٦٤٦٠) . أما الفاتحة: فقد جاء في فضائلها أحاديث كثيرة، ليس في شيء منها أنها تمنع غضب الله. وأما سورة الملك: فقد جاء عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ سُورَةً مِنَ القُرآنِ، ثَلَاثُونَ آيَةً، شَفَعَت لِصَاحِبِهَا حَتَّى غُفِرَ لَهُ (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلكُ) رواه الترمذي (٢٨٩١) وقال: حديث حسن، وصححه ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢٢/٢٧٧) ، وابن الملقن في "البدر المنير" (٣/٥٦١) ، وقال ابن حجر "التلخيص الحبير" (١/٣٨٢) : أعله البخاري وله شاهد بإسناد صحيح، وصححه الألباني في صحيح أبي داود. وانظر جواب السؤال رقم (٢٦٢٤٠) . وأما سورة الكافرون: فالذي صح في فضلها، ما جاء عن نوفل ﵁ أن النبي ﷺ قال عنها: (إِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّركِ) رواه أبو داود (٥٠٥٥) وصححه ابن حجر في "تغليق التعليق" (٤/٤٠٨) والألباني في صحيح أبي داود. وسورة الإخلاص أيضا لم يأت في فضلها أنها تمنع النفاق. والمعوذتان تمنعان من الشيطان والعين والحسد وسائر الشرور، فقد جاء عن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (تَعَوَّذ بِهِمَا، فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثلِهِمَا) رواه أبو داود (١٤٦٣) وصححه الألباني في صحيح أبي دواد. الخلاصة: أن هذا الحديث مكذوب لا أصل له. وقد حكم عليه الشيخ ابن عثيمين بالكذب في المجموعة الرابعة من خطب الجمعة، في خطبة مسجلة بعنوان (مسؤوليات الإمام والمأموم في الصلاة، بعض المكذوبات عن الله تعالى ورسوله) ، وهي مطبوعة في موقعه ﵀. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1851

أحاديث فضل قيام ليالي الأسبوع مكذوبة [السُّؤَالُ] ـ[أتتني رسالة تحتوى على أحاديت فى فضل صلاة الليل عن الرسول ﵊، وهذه الأحاديث لأول مرة أسمعها في حياتي، أرجو من حضراتكم أن توضحوا لي إذا كانت هذه الأحاديث صحيحة أو لا: عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﵊: (من صلى ليلة الجمعة ركعتين، وقرأ فى كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة الزلزلة ١٥ مرة، فاذا فرغ من صلاته يقول: يا حي يا قيوم، ياذا الجلال والاكرام (١٠٠ مرة) آمنه الله من عذاب القبر وظلمته وضيقته، وأهوال يوم القيامة، ولا يقوم من مقامه لا جائعا ولا ظمآنا، ويكسى حلة من نور، ولا يخرج من الدنيا حتى يرى مقعده فى الجنة) . الحديث التاني: عن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال رسول الله ﵊: (من صلى ليلة السبت ١٦ ركعة، وقرأ فى كل ركعة الفاتحة وسورة الاخلاص (٣١ مرة) أخرج المكر والوسواس والعجب والرياء من قلبه، ويجمع الله فى قلبه النور والرحمة والرأفة، ويلبسه يوم القيامة المغفرة، ويبقى وجهه كالقمر ليلة البدر، ويبنى له بكل ركعة قصر فى الجنة) ... إلى العديد ممَّا هو مكتوب من الأحاديث عن الرسول ﷺ . أرجوكم أفيدوني، هل أصلي هذه الصلوات، وهل هى صحيحة أم ضعيفة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لم يرد حديث صحيح في فضل تخصيص يوم من أيام الأسبوع أو لياليه بقيام أو صلاة نافلة، وكل ما ورد في ذلك فهو منكر مكذوب على رسول الله ﷺ ، لا تجوز روايته فضلا عن العمل به، ومن عمل بمثل هذه الأحاديث المكذوبة فإنما يبتدع في الدين ما ليس منه، فليحذر عقوبة الله وغضبه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٣/١٣٤) : " والصلاة يوم الأحد والاثنين وغير هذا من أيام الأسبوع - وإن كان قد ذكرها طائفة من المصنفين فى الرقائق - فلا نزاع بين أهل المعرفة بالحديث أن أحاديثه كلها موضوعة، ولم يستحبها أحد من أئمة الدين، وفى صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبى ﷺ أنه قال: (لَا تَخُصُّوا لَيلَةَ الجُمعَةِ بِقِيَامٍ، وَلَا يَومَ الجُمعَةِ بِصِيَامٍ) والله أعلم " انتهى. ويقول ابن القيم في "المنار المنيف" (٩٥) : " أحاديث صلوات الأيام والليالي، كصلاة يوم الأحد وليلة الأحد ويوم الاثنين وليلة الاثنين إلى آخر الأسبوع، كل أحاديثها كذب " انتهى. ويقول العراقي ﵀ في "تخريج الإحياء" (١/٢٥٩) : " ليس يصح في أيام الأسبوع ولياليه شيء، وكلها ضعيفة منكرة " انتهى. وقال الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (٤٦) : " قال في المختصر: لا يصح في صلاة الأسبوع شيء " انتهى. وقد جاء في فضل قيام الليل مطلقا آيات كريمة وأحاديث صحيحة سبق بيانها في جواب السؤال رقم (٥٠٠٧٠) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1852

منهج المحدثين منهج العدل والإنصاف [السُّؤَالُ] ـ[كتب أبو الأعلى المودودي في كتابه (تفاهمات) ما يلي: " قد يكون لدى المحدثين أيضًا ضعف بشري أو أخطاء، فقد كانوا من البشر، وربما كانت هناك عداوة بينهم وبين الراوي، ولذلك فربما يقول المحدث إن راوي الحديث ضعيف لأنه يكرهه " وذكر مولانا في كتابه بعض الأمثلة على محدثين ذائعي الصيت وعداوتهم، معذرة، لا أجد كلمة أخرى أعبر بها بدلا من كلمة عداوة. فمن فضلكم ساعدوني في إزالة هذا الإشكال. لا يمكن أن تتخيلوا كم أربكني وحيرني هذا القول؟ بل لدرجة أني غالبًا أجد الشك في الامتثال لحديث صحيح. رجاء الجواب بأسرع وقت ممكن.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه أولا: علم الحديث والإسناد هو من خصائص هذه الأمة؛ فلا يوجد عند أمة من الأمم مثل ما عندنا من العناية بالإسناد في نقل كتبهم ودينهم، ولذلك دخلها التحريف والتأليف، واستحال وصولهم إلى الدين النقي، أو الوقوف على أحوال أنبيائهم، على ما كانت عليه، من وجه صحيح يوثق به. ولعلماء الحديث في ذلك اليد الطولى، والمقام المنيف الذي حباهم الله تعالى به؛ إذ شرفهم الله بالعمل على حفظ دينه وسنة نبيه ﷺ . قال محمد بن حاتم بن المظفر ﵀: " إن الله أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها، قديمهم وحديثهم إسناد، وإنما هي صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، وليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل مما جاءهم به أنبياؤهم، وتمييز بين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوا عن غير الثقات. وهذه الأمة إنما تنص الحديث من الثقة المعروف في زمانه، المشهور بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم، ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول مجالسة لمن فوقه ممن كان أقل مجالسة، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجها وأكثر حتى يهذبوه من الغلط والزلل، ويضبطوا حروفه ويعدوه عدا؛ فهذا من أعظم نعم الله تعالى على هذه الأمة. نستوزع الله شكر هذه النعمة، ونسأله التثبيت والتوفيق لما يقرب منه ويزلف لديه، ويمسكنا بطاعته، إنه ولي حميد " اهـ شرف أصحاب الحديث (٤٠) . ثانيا: وهم أولى من يتحرى الأمانة في الحكم والنقل، وأوثق من يتحرز من الحيف والجور، حتى ضربوا بذلك أعظم الأمثلة في الإنصاف وتجنب المحاباة في دين الله: فهذا علي بن المديني يطلق الحكم بضعف أبيه، وهو يدرك أن حكمه هذا على والده سيكون كفيلا بالقضاء على مكانته العلمية، فلم يمنعه ذلك من إطلاق رأيه فيه. قال الخطيب البغدادي ﵀: " فليس أحد من أهل الحديث يحابي في الحديث أباه، ولا أخاه، ولا ولده. وهذا علي بن عبد الله المديني، وهو إمام الحديث في عصره، لا يروى عنه حرف في تقوية أبيه بل يروى عنه ضد ذلك " اهـ شرف أصحاب الحديث (٤١) . وقال ابن حبان في "المجروحين" (٢/١٥) : " سئل علي بن المديني عن أبيه؟ فقال: " اسألوا غيري " فقالوا: سألناك، فأطرق، ثم رفع رأسه وقال: " هذا الدين، أبي ضعيف " انتهى. وهذا يحيى بن معين يتكلم في صاحب له ممن كان يحبه، فنقل عنه الحسين بن حبان قوله في (محمد بن سليم القاضي) : " هو والله صاحبنا، وهو لنا محب، ولكن ليس فيه حيلة البتة، وما رأيت أحداً قط يشير بالكتاب عنه ولا يرشد إليه " وقال: " قد والله سمع سماعاً كثيراً، وهو معروف، ولكنه لا يقتصر على ما سمع، يتناول ما لم يسمع "، قلت له: يكتب عنه؟ قال: " لا " انتهى. انظر "تاريخ بغداد" (٥/٣٢٥) وهذا جرير بن عبد الحميد يقول عن أخيه أنس: " لا يكتب عنه؛ فإنه يكذب في كلام الناس " "الجرح والتعديل" (٢/٢٨٩) والإمام البخاري يروي في صحيحه كثيرا عن شيخه محمد بن يحيى الذهلي رغم ما تعرض له من الأذى بسبب كلامه فيه وهجره له، إلا أن العداء لم يمنعه من قبول حديثه وروايته. وقد كانوا يقبلون حديث من يخالفهم في الرأي والمعتقد – إذا ثبت صدقه وتحريه -، ولم يكن ابتداع الراوي بمانع لهم أن يحكموا فيه بالعدل والإنصاف، وهم يسمعون قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) المائدة/٨ سئل يحيى بن معين عن سعيد بن خثيم الكوفي فقال: كوفي ليس به بأس، ثقة، فقيل ليحيى: شيعي؟ فقال: وشيعي ثقة، وقدري ثقة. "تهذيب الكمال" (١٠/٤١٤) وكان عباد بن يعقوب الرواجني الكوفي شيعياً جلداً، ومع ذلك فقد كان ابن خزيمة يقول في صحيحه (٢/٣٧٦) : حدثنا الثقة في روايته المتهم في دينه عباد بن يعقوب. ثالثا: كما كانوا يدركون خطورة التطاول على أعراض الناس بغير حق، وعظم شأن الخوض في أحوال الرواة لما ينبني عليه من قبول حديث رسول الله ﷺ أو رده، حتى قال مُحَمَّد بْن سِيرِينَ: " إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ " رواه مسلم في مقدمة صحيحه. وقال ابن دقيق العيد: " أعراض المسلمين حفرة من الار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام " انتهى. انظر "تدريب الراوي" (٢/٣٦٩) ومثل هذا التدين العظيم، والورع البالغ لا بد وأن يكون له أكبر الأثر في الإنصاف وتحري الصواب حين الحكم على الرواة، وهذا ما يشترطه أهل العلم في كل من يشتغل بالنقد. قال الذهبي في "الموقظة" (٨٢) : " الكلام في الرواة يحتاج إلى ورع تام، وبراءة من الهوى والميل، وخبرة كاملة بالحديث وعلله ورجاله " انتهى. ويقول المعلمي ﵀ في "التنكيل" (١/٥٤) : " أئمة الحديث عارفون متيقظون يتحرزون من الخطأ جهدهم، لكنهم متفاوتون في ذلك " انتهى. رابعا: نعم، ليس الواحد من هؤلاء معصوما، ومن الممكن أن يقع في كلام بعضهم شيء من الخطأ، ومن الممكن أيضا أن يكون الحامل على بعض هذه الأخطاء حب أو سخط، وقد وقع شيء من ذلك فعلا، وذلك ما لا يخلو عنه البشر، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يكون باعثا على التشكك في جميع أحكام النقاد، وذلك لما يلي: ١- لأنها أخطاء يسيرة في جنب التراث العظيم الذي خلفه أئمة الحديث والجرح والتعديل، وهو في غالبه العظيم على جادة الأمانة والإنصاف، فلا يجوز أن يهدر ذلك بسبب النادر من الأخطاء. ٢- ولأن المحققين من النقاد بينوا تلك الأخطاء وميزوها في كلامهم ونقدهم، فما كان الباعث عليه عداء أو حسد أو اختلاف مذهب ردوا الحكم الجائر، وأنصفوا فيه الراوي. ولهذا لم يقبل العلماء قول الإمام مالك في محمد بن إسحاق صاحب "المغازي" أنه دجال من الدجاجلة؛ لما علم أنه صدر من منافرة باهرة، بل حققوا أنه حسن الحديث، واحتجت به أئمة الحديث، ولم يقبل قول النسائي في أحمد بن صالح المصري، ولا قول ربيعة في أبي الزناد عبد الله بن ذكوان. انظر "الرفع والتكميل" (٤٠٩-٤٣٢) . قال أبو حاتم الرازي ﵀: " لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أمناء يحفظون آثار الرسل إلا في هذه الأمة» فقال: له رجل: يا أبا حاتم ربما رووا حديثا لا أصل له ولا يصح؟ فقال: «علماؤهم يعرفون الصحيح من السقيم (١) ، فروايتهم ذلك للمعرفة ليتبين لمن بعدهم أنهم ميزوا الآثار وحفظوها، ثم قال:» رحم الله أبا زرعة، كان والله مجتهدا في حفظ آثار رسول الله ﷺ " شرف أصحاب الحديث (٤٣) . ولتعلم ـ أيها السائل الكريم ـ فقد حفظ الله هذا الدين بمنه وفضله، وأن السنة المشرفة محفوظة بحفظ الله تعالى لدينه [راجع السؤال رقم (٧٧٢٤٣) ] ، فلا يمكن أن يجتمع العلماء على توثيق راو ضعيف، أو جرح راو صدوق، بل لا بد أن تجد الحق والإنصاف باديا ظاهرا في أقوال جمهور أهل العلم وفي معظم مسائل الدين. يقول الإمام الذهبي ﵀ "الموقظة" (٨٤) : " وقد يكون نفس الإمام فيما وافق مذهبه أو في حال شيخه ألطف منه فيما كان بخلاف ذلك، والعصمة للأنبياء والصديقين وحكام القسط. ولكن هذا الدين مؤيد محفوظ من الله تعالى، لم يجتمع علماؤه على ضلالة، لا عمدا ولا خطأ، فلا يجتمع اثنان على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة، وإنما يقع اختلافهم في مراتب القوة أو مراتب الضعف، والحاكم منهم يتكلم بحسب اجتهاده وقوة معارفه، فإن قدر خطؤه في نقده فله أجر واحد، والله الموفق " انتهى. يقول ابن كثير في "الباعث الحثيث" (١/١١) : " أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن، فينبغي أن يؤخذ مسلماً من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفته، واطلاعهم واضطلاعهم في هذا الشأن، واتصافهم بالإنصاف والديانة والخبرة والنصح، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل، أو كونه متروكاً، أو كذاباً أو نحو ذلك، فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفة في موافقتهم، لصدقهم وأمانتهم ونصحهم، ولهذا يقول الشافعي في كثير من كلامه على الأحاديث: " لا يثبته أهل العلم بالحديث "، ويرده، ولا يحتج به بمجرد ذلك " انتهى. وبخصوص ما أشرت إليه ـ أخانا الكريم ـ من كلام الشيخ المودودي ـ عفا الله عنه ـ في كتابه المذكور، فالشيخ المودودي وإن كان له من الفضل والسابقة في الدعوة في شبه القارة الهندية، والتصدي لكثير من الأفكار التغريبية المنحرفة، وجهوده الكبيرة في الدعوة والتأليف، إلا أنه ـ شأن غيره من البشر ليس معصوما عن الخطأ، خاصة إذا تكلم في غير ما يحسن، وفي غير تخصصه، كما هو الحال في موضع السؤال، وقد كانت للشيخ ﵀ هفوات، بل أخطاء عديدة في موقفه من السنة النبوية، ومنهج علماء الحديث في نقدها وتمييزها، ولا يتسع المجال هنا إلى ذكرها أو الإشارة إليها، وقد نبه إلى ذلك عدد من العلماء والمختصين؛ ومن هؤلاء: العلامة الباكستاني " محمد إسماعيل السلفي " ﵀ (ت ١٣٨٧) ، فله دراسة هامة حول " موقف الجماعة الإسلامية من الحديث النبوي "، وانظر أيضا ـ بالعربية ـ: " زوابع في وجه السنة " تأليف صلاح الدين مقبول أحمد، ص (١١٧) وما بعدها. وأخيرا، فلتقر عينك أخي الكريم بنعمة الله تعالى على الأمة بذلك العلم الشريف، ولا تسترسل في التشكك في الأحاديث الصحيحة، فالعقل يقضي بعدم رد جهود آلاف العلماء الأمناء عبر آلاف السنين بأخطاء وقعت هنا وهناك، وما أرى الذي يقع في نفسك إلا من وسواس الشيطان، فاستعذ بالله منه، ولا تلتفت إليه، واحرص على القراءة في كتب علوم الحديث، وأنا واثق أنه سيهولك تلك الجهود الجبارة التي تبذل في سبيل التحقق من صحة الحديث الواحد، وذلك ما آمن به كل من طالع كتب الحديث وعلومه ورجاله، حتى قال المستشرق مرجليوث: " ليفخر المسلمون بعلم حديثهم ". والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1853

كم كانت عدد الركعات في صلاة التراويح على عهد عمر بن الخطاب ﵁ [السُّؤَالُ] ـ[ما يُروى عن عمر ﵁ أنه أمر بصلاة التراويح عشرين ركعة. هل هذا صحيح أم ضعيف؟ أو لا أصل له؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: جاء الأمر عن عمر بن الخطاب ﵁ بصلاة العشرين ركعة عن أربعة من التابعين، وهذه رواياتهم: ١- عن السائب بن يزيد أنه قال: (أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ جَمَعَ النَّاسَ فِي رَمَضَانَ عَلَى أُبَيِّ بنِ كَعبٍ وَعَلَى تَمِيمٍ الدَّارِيِّ عَلَى إِحدَى وَعِشرِينَ رَكعَةً، يَقرَؤُونَ بِالمِئِينَ، وَيَنصَرِفُونَ عِندَ فُرُوعِ الفَجرِ) رواه عن السائب جماعة من الرواة: ومنهم من يذكر (العشرين) أو (إحدى وعشرين) أو (ثلاث وعشرين) وهم: محمد بن يوسف ابن أخت السائب عن السائب: كما عند عبد الرزاق في "المصنف" (٤/٢٦٠) من رواية داود بن قيس وغيره عنه. ويزيد بن خصيفة: أخرجه ابن الجعد في "المسند" (١/٤١٣) ، ومن طريقه البيهقي في السنن (٢/٤٩٦) والحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب: أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (٤/٢٦١) فهذه روايات صحيحة من رواة ثقات عن السائب بن يزيد، وفيها ذكر العشرين ركعة في زمن عمر بن الخطاب ﵁، والزيادة في رواية (إحدى وعشرين) أو (ثلاث وعشرين) إنما هو باعتبار القيام مع الوتر. ٢- عن يزيد بن رومان قال: (كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَانِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فِي رَمَضَانَ بِثَلاثٍ وَعِشرِينَ رَكعةً) رواه عنه مالك في "الموطأ" (١/١١٥) ، وقال النووي في "المجموع" (٤/٣٣) : " مرسل، فإن يزيد بن رومان لم يدرك عمر " انتهى. ٣- عن يحيى بن سعيد القطان: (أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ أَمَرَ رَجُلا يُصَلِّي بِهِم عِشرِينَ رَكعَةً) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢/١٦٣) عن وكيع عن مالك به، ولكن يحيى بن سعيد لم يدرك عمر. ٤- عن عبد العزيز بن رفيع قال: (كَانَ أُبَيُّ بنُ كَعبٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي رَمَضَانَ بِالمَدِينَةِ عِشرِينَ رَكعَةً، وَيُوتِرُ بِثَلاثٍ) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢/١٦٣) . وبمجموع هذه الروايات يتبين أن العشرين ركعة كانت هي السنة الغالبة على التراويح في زمن عمر بن الخطاب ﵁، ومثل صلاة التراويح أمر مشهور يتناقله الجيل وعامة الناس، ورواية يزيد بن رومان ويحيى القطان يعتبر بهما وإن كانا لم يدركا عمر، فإنهما ولا شك تلقياه عن مجموع الناس الذين أدركوهم، وذلك أمر لا يحتاج إلى رجل يسنده، فإن المدينة كلها تسنده. قال الإمام الترمذي ﵀ في سننه (٣/١٦٩) : " وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ. وقَالَ الشَّافِعِيُّ وَهَكَذَا أَدْرَكْتُ بِبَلَدِنَا بِمَكَّةَ يُصَلُّونَ عِشْرِينَ رَكْعَةً. وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٢/٦٩) : " وروي عشرون ركعة عن علي، وشتير بن شكل، وابن أبي مليكة، والحارث الهمداني، وأبي البختري، وهو قول جمهور العلماء، وبه قال الكوفيون والشافعي وأكثر الفقهاء، وهو الصحيح عن أبي بن كعب، من غير خلاف من الصحابة، وقال عطاء: أدركت الناس وهم يصلون ثلاثا وعشرين ركعة بالوتر " انتهى. وانظر ذلك مسندا في "مصنف ابن أبي شيبة" (٢/١٦٣) يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى "مجموع الفتاوى" (٢٣/١١٢) : " ثبت أن أُبَىَّ بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة فى قيام رمضان، ويوتر بثلاث، فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة؛ لأنه أقامه بين المهاجرين والانصار ولم ينكره منكر، واستحب آخرون تسعة وثلاثين ركعة، بناء على أنه عمل أهل المدينة القديم " انتهى. أما ما جاء من رواية الإمام مالك ويحيى القطان وغيرهما عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد في "الموطأ" (١/١١٥) وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (٢/١٦٢) بلفظ: (إحدى عشرة ركعة) فهو محمول على أنه كان في بداية الأمر، ثم خُفِّفَ بعدُ على الناس، فزاد عمر الركعات إلى عشرين ليخفف على الناس القراءة في القيام. قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٢/٦٨) : " إلا أنه يحتمل أن يكون القيام في أول ما عمل به عمر بإحدى عشرة ركعة، ثم خفف عليهم طول القيام، ونقلهم إلى إحدى وعشرين ركعة، يخففون فيها القراءة ويزيدون في الركوع والسجود، إلا أن الأغلب عندي في إحدى عشرة ركعة الوهم، والله أعلم " انتهى. ويقول ابن تيمية ﵀ "مجموع الفتاوى" (٢٣/١١٣) : " وأُبَىٌّ بن كعب لما قام بهم وهم جماعة واحدة لم يمكن أن يطيل بهم القيام، فكثر الركعات ليكون ذلك عوضا عن طول القيام، وجعلوا ذلك ضعف عدد ركعاته، فإنه كان يقوم بالليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة، ثم بعد ذلك كأن الناس بالمدينة ضعفوا عن طول القيام، فكثروا الركعات، حتى بلغت تسعا وثلاثين " انتهى. ثانيا: صلاة الليل الباب فيها واسع، وهي غير محصورة بعدد، فمن شاء قامها بإحدى عشرة ركعة، ومن شاء زاد أو نقص، وكذلك صلاة التراويح في رمضان. يقول ابن تيمية ﵀ "مجموع الفتاوى" (٢٣/١١٣) : " وقال طائفة: قد ثبت فى الصحيح عن عائشة (أن النبى لم يكن يزيد فى رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة) واضطرب قوم فى هذا الأصل؛ لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين وعمل المسلمين. والصواب أن ذلك جميعه حسن، كما قد نص على ذلك الامام أحمد رضى الله عنه، وأنه لا يتوقت فى قيام رمضان عدد، فان النبى لم يوقت فيها عددا " انتهى. ويقول الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى "مجموع الفتاوى" (١١/٣٢٢) : " وثبت عن عمر رضي لله عنه أنه أمر من عين من الصحابة أن يصلي إحدى عشرة، وثبت عنهم أنهم صلوا بأمره ثلاثا وعشرين، وهذا يدل على التوسعة في ذلك، وأن الأمر عند الصحابة واسع، كما دل عليه قوله ﵊: (صلاة الليل مثنى مثنى) " انتهى وانظر جواب السؤال رقم (٩٠٣٦) (٣٨٠٢١) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1854

قول من قال: لئن حاسبني ربي على بخلي لأحاسبنه على كرمه [السُّؤَالُ] ـ[ما صحة القصة التي تردد في كثير من المواقع والكتب عن الأعرابي الذي لقي الرسول ﷺ وقال له: لئن حاسبني ربي على بخلي حاسبته على كرمه..ولئن حاسبني على ذنوبي حاسبته على عفوه..ولئن حاسبني على خطاياي حاسبته على رحمته ... وإن كانت غير صحيحة هل يجوز أن نردد مثل هذه العبارات؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله المنهج العام الذي ينبغي أن يسلكه كل مسلم فيما يسمع أو يقرأ هو: التحري والتثبت من صحة ذلك، قبل أن يبني عليه شيئا من علم أو عمل؛ وبهذا أمر الله في كتابه فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) الحجرات/٦ كما حذر النبي ﷺ من التسليم بكل ما ينشر ويعلن ويذاع، فإن النقل والرواية أمانة ينبغي أداؤها على وجهها، ولا يكون ذلك إلا بالتحري والتثبت. يقول النبي ﷺ : (كَفَى بِالمَرْءِ كَذِباً أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) رواه مسلم (٥) وهذه القصة لم يخرجها أحد من أهل العلم بالحديث، ولا يُعرف لها سند ضعيفٌ، فضلا عن السند الصحيح، كما أن النكارة في متنها ظاهرة، فإن الأعراب وإن كان لا يستبعد أن يصدر عن أحدهم مثل هذا الكلام في حق الله تعالى – وذلك بحكم جهلهم وجفائهم – إلا أنه لا يمكن أن يسمع النبي ﷺ هذا الكلام الذي يحمل أدب السوء مع الله تعالى ثم يقره ويسكت عنه، فضلا عن أن يبكي إقرارا له كما ينقلون في الرواية. والله يحب الخضوع في سؤاله والتواضع في اللجوء إليه، وصدق التذلل والتعبد إليه، والاعتراف بالضعف والعجز والذنب والتقصير. فهذا آدم ﵇ يقول في دعائه: (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) الأعراف/٢٣ وهذا نوح ﵇ يقول: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ) هود/٤٧ وقد علَّمَنا نبينا ﷺ لغة التذلل والخضوع، والاعتراف بالذنب في الدعاء. عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: (أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى سَيِّدِ الِاسْتِغْفَارِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، وَأَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَعْتَرِفُ بِذُنُوبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، لَا يَقُولُهَا أَحَدُكُمْ حِينَ يُمْسِي فَيَأْتِي عَلَيْهِ قَدَرٌ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَلَا يَقُولُهَا حِينَ يُصْبِحُ فَيَأْتِي عَلَيْهِ قَدَرٌ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) البخاري (٦٣٠٦) . هذا هو أدب الدعاء الذي يحبه الله ، وهو أدب الأنبياء والمرسلين، وليس أن يجفو العبد في خطابه ليتطاول على جناب الخالق سبحانه في ألفاظه فيقول (لئن حاسبني لأحاسبنه) ؟!! فإن المقام بين يدي الله عظيم، والعبد ذليل فقير إلى الله تعالى، لا يليق بعبوديته أن يتطاول على سيده بألفاظه، وإن كانت مقاصدُه صحيحةً، فإنَّ فرضَ العبد التأدبُ باللفظ والمعنى. فالحاصل أن هذا حديث مكذوب موضوع، لا تجوز روايته ولا نسبته إلى النبي ﷺ ، كما لا يجوز أن يخاطب العبد ربه بمثل هذا الخطاب الذي يذكر عن الأعرابي، بل يستعمل المسلم خطاب العبودية التي هي مقامه ومنزلته الحقيقية. يقول الشيخ حاتم الشريف: " إن الحديث المذكور يصلح مثالاً للأحاديث التي تظهر فيها علامات الوضع والكذب، وفيه من ركاكة اللفظ، وضعف التركيب، وسمج الأوصاف، ولا يَشُكُّ من له معرفة بالسنة النبوية وما لها من الجلالة والجزالة أنه لا يمكن أن يكون حديثاً صحيحاً ثابتاً عن النبي ﷺ ، ولم أجده بهذا اللفظ، وليت أن السائل يخبرنا بالمصدر الذي وجد فيه هذا الحديث ليتسنى لنا تحذير الناس منه. على أن أبا حامد الغزالي على عادته ﵀ قد أورد حديثاً باطلاً في "إحياء علوم الدين" (٤/١٣٠) قريباً من مضمونه من الحديث المسؤول عنه، وفيه أن أعرابياً قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! من يلي حساب الخلق يوم القيامة؟ فقال ﷺ : الله ﵎، قال: هو بنفسه؟ قال: نعم، فتبسم الأعرابي، فقال ﷺ : ممَّ ضحكت يا أعرابي؟ قال: إن الكريم إذا قدر عفا، وإذا حاسب سامح.. إلى آخر الحديث. وقد قال العراقي عن هذا الحديث:" لم أجد له أصلاً " وذكره السبكي ضمن الأحاديث التي لم يجد لها إسناداً (تخريج أحاديث الإحياء: رقم ٣٤٦٦، وطبقات الشافعية الكبرى: ٦/٣٦٤) ، ومع ذلك فالنصوص الدالة على سعة رحمة الله تعالى وعظيم عفوه وقبوله لتوبة التائبين واستجابته لاستغفار المستغفرين كثيرة في الكتاب وصحيح السنة. قال تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) طه/٨٢ وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) الشورى/٢٥ وقال تعالى: (ورحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) الأعراف/١٥٦ وفي الصحيحين البخاري (٧٥٥٤) ومسلم (٢٧٥١) من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي) والله أعلم " انتهى. رابط المصدر: http://saaid.net/Doat/Zugail/٣٢١.htm والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1855

حول حديث: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) [السُّؤَالُ] ـ[قال الإمام الألباني في رسالته " قيام رمضان " في جزء الاعتكاف ما نصه: " ثم وقفت على حديث صحيح صريح يخصص هذه المساجد، وهو: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) وأشار إلى أنه من حديث حذيفة عند الطحاوى والبيهقى والإسماعيلي، ومن ثَمَّ هو في السلسلة الصحيحة، فما حكم هذا الحديث؟ وماذا يستفاد منه في بابه؟ أي: النفي نفي تحريم أم نفي كمال؟ وإن كان فما القرينة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه أولا: دل الكتاب والسنة والإجماع على استحباب الاعتكاف في المساجد. قال تعالى: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) البقرة/١٢٥ وقال تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) البقرة/١٨٧ ونقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على ذلك، انظر: "الإجماع" لابن المنذر (٤٧) ، "المغني" (٣/١٢٢) والعلماء وإن اختلفوا في صفة المسجد الذي يشرع فيه الاعتكاف، إلا أن كل مسجد تقام فيه الجمعة والجماعة لا يكاد يختلف الفقهاء في جواز الاعتكاف فيه، ولم تنقل المخالفة إلا عن بعض التابعين في ذلك. وقد سبق تقرير المسألة في موقعنا جواب السؤال رقم (٤٩٠٠٦) ، (٤٨٩٨٥) ثانيا: أما الحديث المذكور في السؤال (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) فهو من حديث الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان، جاء عنه من طريق سفيان بن عيينة عن جامع بن أبي راشد عن أبي وائل: (قَالَ حُذَيْفَةُ لِعَبْدِ اللَّهِ يَعْنِى ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ: عَكُوفًا بَيْنَ دَارِكَ وَدَارِ أَبِى مُوسَى وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا اعْتِكَافَ فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ قَالَ فِى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَعَلَّكَ نَسِيتَ وَحَفِظُوا وَأَخْطَأْتَ وَأَصَابُوا) إلا أن أصحاب سفيان بن عيينة اختلفوا عليه: فمنهم من رواه عنه من قول النبي ﷺ ، وهم: محمد بن الفرج عند الإسماعيلي في "معجم شيوخه" (٢/١١٢) . ومحمود بن آدم المروزي عند البيهقي في "السنن" (٤/٣١٦) ، وهشام بن عمار عند الطحاوي في "بيان مشكل الآثار" (٧/٤٠) ، وسعيد بن منصور، كما في "التحقيق في أحاديث الخلاف" لابن الجوزي (٢/١٢٧) ومنهم من رواه عنه وجعله من قول حذيفة موقوفا عليه، وهم: عبد الرزاق في "المصنف" (٤/٣٤٨) ، وسعيد بن عبد الرحمن ومحمد بن أبي عمر عند الفاكهي في "أخبار مكة" (٢/١٤٩) . والراجح – والله تعالى أعلم – هي الرواية الموقوفة على حذيفة، يعني أنه قال هذا الكلام من رأيه واجتهاده، ولم يسمعه من النبي ﷺ ، وذلك لما يلي: ١- ورود هذا النص من قول حذيفة ﵁ من طريق أخرى، فقد رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢/٣٣٧) وعبد الرزاق أيضا (٤/٣٤٧) من طريق سفيان الثوري عن واصل الأحدب عن إبراهيم النخعي قال: جاء حذيفة إلى عبد الله فقال: ألا أعجبك من قومك عكوف بين دارك ودار الأشعري يعني المسجد؟! قال عبد الله: ولعلهم أصابوا وأخطأت؟! فقال حذيفة: أما علمت أنه لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد رسول الله ﷺ ، وما أبالي أعتكف فيه أو في سوقكم هذه. ورواية إبراهيم النخعي عن عبد الله بن مسعود رواية مقبولة لدى أهل العلم. انظر: "جامع التحصيل" (١٤١) ، "شرح العلل" (١/٢٩٤) ٢- اختلاف الروايات على حذيفة ﵁، فقد جاء عنه من طرق أخرى أنه قال: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة. ولم يحصره في المساجد الثلاثة فقط. يقول ابن حزم ﵀ "المحلى" (٥/١٩٥) بعد أن ذكر هذا الاختلاف: " قلنا: هذا شك من حذيفة أو ممن دونه، ولا يقطع على رسول الله ﷺ بشك، ولو أنه ﵇ قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) لحفظه الله تعالى ولم يدخل فيه شك، فصح يقينا أنه ﵇ لم يقله قط " انتهى. ٣- أن أكابر الصحابة على خلافه، فقد أفتى علي بن أبي طالب وعائشة وابن عباس بالاعتكاف في كل مسجد تقام فيه الجماعة، ولم يثبت عن أحد من الصحابة مخالفة في ذلك، بل كان هذا العمل مشهوراً بينهم في كل الأمصار دون نكير، إلا ما جاء عن حذيفة ﵁ والله أعلم. قاله الشيخ سليمان العلوان. فالخلاصة أنه لا يصح رفع هذا الحديث إلى النبي ﷺ ، وأنه من قول حذيفة واجتهاده ورأيه الذي خالف فيه باقي الصحابة رضوان الله عليهم، كما خالف فيه ظاهر القرآن الكريم الذي جاء بإطلاق محل الاعتكاف فقال: (وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) البقرة/١٨٧، ولا ينبغي مخالفة ظاهر القرآن وعمل أكثر الصحابة برواية موقوفة فيها بعض الاضطراب، لم يروها أهل الصحاح ولا السنن، ولم يفت بها أحد من الفقهاء المتقدمين، وإن ذهب إليها بعض العلماء المتأخرين، فقد أخطأ اجتهادُهم الصوابَ في هذه المسألة. يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "الشرح الممتع" (٦/٥٠٤) : " فكل مساجد الدنيا يُسن فيها الاعتكاف، وليس خاصا بالمساجد الثلاث، كما روي ذلك عن حذيفة بن اليمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) فإن هذا الحديث ضعيف. ويدل على ضعفه أن ابن مسعود ﵁ وهَّنَه فقال: (لعلهم أصابوا فأخطأت، وذكروا فنسيت) فأوهن هذا حكما ورواية. أما حكما ففي قوله: (أصابوا فأخطأت) وأما رواية: (فذكروا ونسيت) والإنسان معرَّض للنسيان. وإن صح هذا الحديث فالمراد به: لا اعتكاف تام، أي أن المساجد الأخرى الاعتكاف فيها دون المساجد الثلاث، كما أن الصلاة في المساجد فيها دون الصلاة في المساجد الثلاثة. ويدل على أنه عام في كل مسجد قوله تعالى: (وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) ثم كيف يكون هذا الحكم في كتاب الله للأمة من مشارق الأرض ومغاربها ثم نقول: لا يصح إلا في المساجد الثلاثة، فهذا بعيد أن يكون حكم مذكور على سبيل العموم للأمة الإسلامية ثم نقول إن هذه العبادة لا تصح إلا في المساجد الثلاثة " انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1856

تعريف بموطأ الإمام مالك [السُّؤَالُ] ـ[ما عدد أحاديث (موطأ) الإمام مالك؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا بيان موجز حول كتاب موطأ الإمام مالك نسأل الله أن ينفع به: أولا: الموطأ: هو واحد من دواوين الإسلام العظيمة، وكتبه الجليلة، يشتمل على جملة من الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة من كلام الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ثم هو أيضا يتضمن جملة من اجتهادات المصنف وفتاواه. وقد سمي الموطأ بهذا الاسم لأن مؤلفه وطَّأَهُ للناس، بمعنى أنه: هذَّبَه ومهَّدَه لهم. ونُقِل عن مالك ﵀ أنه قال: عرضت كتابي هذا على سبعين فقيها من فقهاء المدينة، فكلهم واطَأَنِي عليه، فسميته الموطأ. ثانيا: سبب تأليفه: ذكر ابن عبد البر ﵀، في كتاب الاستذكار (١/١٦٨) أن أبا جعفر المنصور قال للإمام مالك: (يا مالك! اصنع للناس كتابا أحْمِلُهم عليه، فما أحد اليوم أعلم منك!!) فاستجاب الإمام مالك لطلبه، ولكنه رفض أن يُلزِم الناس جميعا به. ثالثا: مكث الإمام مالك أربعين سنة يقرأ الموطَّأَ على الناس، فيزيد فيه وينقص ويُهذِّب، فكان التلاميذ يسمعونه منه أو يقرؤونه عليه خلال ذلك، فتعددت روايات الموطأ واختلفت بسبب ما قام به الإمام من تعديل على كتابه، فبعض تلاميذه رواه عنه قبل التعديل، وبعضهم أثناءه، وبعضهم رواه في آخر عمره، وبعضهم رواه كاملا، وآخرون رووه ناقصا، فاشتُهِرت عدة روايات للموطأ، أهمها: رواية يحيى بن يحيى المصمودي الليثي (٢٣٤هـ) : وهي أشهر رواية عن الإمام مالك، وعليها بنى أغلب العلماء شروحاتهم. رواية أبي مصعب الزهري: تمتاز بما فيها من الزيادات، وبأنها آخر رواية نقلت عن مالك، وهي متداولة بين أهل العلم. رواية عبد الله بن مسلمة القعنبي (٢٢١هـ) : وهي أكبر روايات الموطأ وعبد الله من أثبت الناس في الموطأ عند ابن معين والنسائي وابن المديني. رواية محمد بن الحسن الشيباني. رواية عبد الله بن سلمة الفهري المصري. وغيرها كثير. [تكلم الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي ﵀ عن رواة الموطأ، وذكر تعريفا بأربعة عشر نسخة من نسخه، في مقدمته للطبعة التي حققها من الموطأ ص ٦-١٦] . وهذه الروايات تختلف فيما بينها في ترتيب الكتب والأبواب، وفي عدد الأحاديث المرفوعة والمرسلة والموقوفة والبلاغات، كما تختلف في كثير من ألفاظ الأحاديث اختلافا كبيرا. رابعا: عدد أحاديث الموطأ يختلف باختلاف الروايات، كما يختلف بحسب اختلاف طريقة العدّ، وذلك أن بعض أهل العلم يعد كل أثر من كلام الصحابة أو التابعين حديثا مستقلا، وبعضهم لا يعتبره ضمن العدد، لذلك نكتفي بذكر العدد الذي جاء في بعض الطبعات المحققة للموطأ، وهي: رواية يحيى الليثي: (وهي الرواية الأشهر، والمقصودة عند إطلاق الموطأ) : رقمها ترقيما كاملا الشيخ خليل شيحا، فبلغ عدد الأحاديث بترقيمه (١٩٤٢) حديثا، تشمل المرفوع والموقوف. وأما رواية أبي مصعب الزهري: فقد رقمت في طبعة مؤسسة الرسالة، فبلغ عدد أحاديثها (٣٠٦٩) حديثا، وقد شمل الترقيم كل شيء حتى أقوال الإمام مالك، لهذا السبب كان العدد كبيرا. خامسا: شرطه في كتابه من أوثق الشروط وأشدها، فقد كان يسلك منهج التحري والتوخي وانتقاء الصحيح. قال الشافعي ﵀: ما في الأرض بعد كتاب الله أكثر صوابا من موطأ مالك بن أنس. وعن الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: كان مالك إذا شك في الحديث طرحه كله. وقال سفيان بن عيينة: رحم الله مالكا، ما كان أشد انتقاده للرجال. "الاستذكار" (١/١٦٦) "التمهيد" (١/٦٨) لذلك تجد أن أكثر أسانيد مالك الموصولة في الدرجة العليا من الصحيح، ومن أجل هذا استوعب الشيخان البخاري ومسلم أكثر حديثه في كتابيهما. تنبيه: إنما قال الإمام الشافعي ﵀ كلامه المنقول سابقا، قبل أن يكتب البخاري ومسلم كتابيهما، كما نبه عليه الحافظ ابن كثير ﵀ في اختصار علوم الحديث ص (٢٤-٢٥) سادسا: اتبع مالك في موطئه طريقة المؤلفين في عصره، فمزج الحديث بأقوال الصحابة والتابعين والآراء الفقهية، حتى بلغت آثار الصحابة: ٦١٣ أثرا، وأقوال التابعين: ٢٨٥ قولا. يقدم في الباب الحديث المرفوع ثم يتبعه بالآثار وأحيانا يذكر عمل أهل المدينة، فكتابه كتاب فقه وحديث في وقت واحد، وليس كتابَ جمع للروايات فقط، لذلك تجد بعض الأبواب تخلو من المرويات، وإنما يسوق فيها أقوال الفقهاء وعمل أهل المدينة واجتهاداته، ومن ذلك: باب ما لا زكاة فيه من الثمار، وباب صيام الذي يقتل خطأ..وغيرها. ونجد أيضا أنه اقتصر على كتب الفقه والأدب وعمل اليوم والليلة، وليس في كتابه شيء في التوحيد أو الزهد أو البعث والنشور والقصص والتفسير. [انظر: الفكر المنهجي عند المحدثين، د همام سعيد ص (١١١-١١٨) ، مناهج المحدثين، د ياسر الشمالي ص (٢٨٥) فما بعده، مقدمة تحقيق الموطأ، ط فؤاد عبد الباقي] . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1857

شروط الحديث الصحيح [السُّؤَالُ] ـ[ما هي شروط الحديث الصحيح؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله للحديث الصحيح إطلاقان: إطلاق عام: يشمل المتواتر والصحيح لذاته والصحيح لغيره والحسن. يقول الحافظ ابن حجر: " واعلم أن أكثر أهل الحديث لا يفردون الحسن من الصحيح " انتهى. "النكت" (١/٤٨٠) . وإطلاق خاص: يشمل الصحيح لذاته والصحيح لغيره فقط. وهو بهذا التعريف: الحديث الذي يرويه العدل تام الضبط، بسند متصل، ولا يكون شاذاً ولا معلَّلاً. فإن كان الضبط خفيفاً وليس تاماً فهو الحسن لذاته. فإن تعددت طرقه فهو الصحيح لغيره. انظر: "نخبة الفِكَر" للحافظ ابن حجر ﵀. ومن هذا التعريف يمكن إجمال شروط الحديث الصحيح بما يلي: ١- عدالة جميع رواته. ٢- تمام ضبط رواته لما يروون. ٣- اتصال السند من أوله إلى منتهاه، بحيث يكون كل راوٍ قد سمع الحديث ممن فوقه. ٤- سلامة الحديث من الشذوذ في سنده ومتنه، ومعنى الشذوذ: أن يخالف الراوي من هو أرجح منه. ٥- سلامة الحديث من العلة في سنده ومتنه، والعلة: سبب خفي يقدح في صحة الحديث، يطّلع عليه الأئمة المتقنون. وتحديد هذه الشروط جاء نتيجة استقراء الأئمة المتأخرين كلام أهل الحديث وعباراتهم مع تطبيقاتهم، ولذلك تجد في كلام المتقدمين ما يدل على هذه الشروط. فمثلاً: قال الإمام الشافعي ﵀ في "الرسالة" (٣٧٠-٣٧١) : " ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا، منها: أن يكون من حَدَّثَ به ثقةً في دينه، معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلا لما يحدث به، عالما بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى؛ لأنه إذا حدث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل به معناه لم يدر لعله يحيل الحلال إلى حرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يُخاف فيه إحالته الحديث، حافظا إذا حدث به من حفظه، حافظا لكتابه إذا حدث من كتابه، إذا شرك أهل الحفظ في حديث وافق حديثهم، بَرِيًّا من أن يكون مدلسا يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه، ويحدث عن النبي ﷺ ما يحدث الثقات خلافه عن النبي ﷺ . ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه حتى ينتهي بالحديث موصولا إلى النبي ﷺ أو إلى من انتهى به إليه دونه " انتهى. فإذا اجتمعت هذه الشروط في الحديث فهو حديث صحيح باتفاق أهل العلم، كما نقله ابن الصلاح ﵀. انظر: "المقدمة في علوم الحديث" (٨) والذهبي في "الموقظة" (٢٤) . ثم إن من أهل العلم من نقص من هذه الشروط: فقد قبل الإمام مالك وأبو حنيفة الحديث المرسل، وهذا تنازل عن شرط الاتصال إلى منتهى الحديث. كما قبل بعض أهل العلم حديث المدلس ولو لم ينص على السماع. وقال الذهبي ﵀ "الموقظة" (٢٤) : وزاد أهل الحديث سلامته من الشذوذ والعلة، وفيه نظر على مقتضى أصول الفقهاء، فإن كثيرا من العلل يأبونها. وانظر: "تدريب الراوي" (١/٦٨-٧٥، ١٥٥) . والمقصود: أن اختلاف العلماء في تصحيح الأحاديث إنما يكون لسببين: الأول: اختلافهم في بعض شروط الصحة، وذلك أن من تنازل عن بعض هذه الشروط، لا بد أنه سيصحح ما لا يصححه غيره. الثاني: اختلافهم في انطباق هذه الشروط على حديث معين. فقد يختلفون في عدالة بعض الرواة، أو اتصال السند ونحو ذلك. واعلم أن ما سبق تقريره من شروط الحديث الصحيح، قد اجتمع عليها أدلةٌ من الشرع، وأدلةٌ من العقل، وليست هذه الشروط تعبدية محضة، بل معقولة المعنى، ظاهرة المقصد، وما هي إلا خلاصة لجهود آلاف العلماء، وعصارة لأفكار أهل الحديث المتقدمين عبر سنوات التدوين الطويلة في القرون الثلاثة الأولى ومن بعدهم. ومن أراد الإطلاع على ذلك فليرجع إلى كتاب الخطيب البغدادي " الكفاية في علم الرواية ". والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1858

حديث (كل التجار يدخلون النار إلا المتقين) [السُّؤَالُ] ـ[هل هذا الحديث صحيح (كل التجار يدخلون النار إلا المتقين) ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لم نقف على هذا الحديث، وبهذا اللفظ، في شيء من كتب السنة، ولكن قد ورد في السنة الصحيحة ما يشبهه، فمن ذلك: عن رفاعة بن رافع ﵁ قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ التُجَّارَ يُبعَثُونَ يَومَ القِيَامَةِ فُجَّارًا، إِلَّا مَن اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ) أخرجه الترمذي (١٢١٠) والدارمي (٢/٢٤٧) وابن ماجه (٢١٤٦) وابن حبان (١١/٢٧٦) قال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٩٩٤) قال المباركفوري في "تحفة الأحوذي" (٤/٣٣٦) : " (إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ) بأن لم يرتكب كبيرة ولا صغيرة، مِن غِشٍّ وخيانة، أي: أَحسَنَ إلى الناس في تجارته، أو قام بطاعة الله وعبادته، (وَصَدَقَ) أي: في يمينه وسائر كلامه. قال القاضي: لمَّا كان من دَيدَنِ التجار التدليس في المعاملات، والتهالُكُ على ترويج السلع بما تيسر لهم من الأيمان الكاذبة ونحوها، حكم عليهم بالفجور، واستثنى منهم من اتقى المحارم، وبرَّ في يمينه، وصدق في حديثه. وإلى هذا ذهب الشارحون، وحملوا الفجور على اللغو والحلف، كذا في المرقاة " انتهى. كما جاء في السنة الصحيحة ما يدل على سبب وصف التجار بالفجور، وهو ما يتلبَّسُونَ به من الحلف الكاذب وإخلاف الوعد. عن عبد الرحمن بن شبل ﵁، قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ التُجَّارَ هُمُ الفُجَّارَ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ أَوَ لَيسَ قَد أَحَلَّ اللَّهُ البَيعَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلِكِنَّهُم يُحَدِّثُونَ فَيَكذِبُونَ، وَيَحلِفُونَ فَيَأثَمُونَ) رواه أحمد (٣/٤٢٨) والحاكم (٢/٨) وقال صحيح الإسناد، وصححه محققو المسند. والألباني في "السلسلة الصحيحة" (٣٦٦) وإلا فإن التجارة من أفضل أنواع المكاسب لمن بَرَّ وصدق، فإن التاجر الصدوق الأمين له من الأجر الشيء العظيم. عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ : (التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ) رواه الترمذي (١٢٠٩) وقال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال ابن تيمية كما في "المستدرك على مجموع الفتاوى" (١/١٦٣) : إسناده جيد. يقول أبو حامد الغزالي ﵀ في "إحياء علوم الدين" (٢/٧٩) : " وجه الجمع بين هذه الأخبار تفصيل الأحوال: فنقول: لسنا نقول التجارةُ أفضل مطلقا من كل شيء، ولكنّ التجارة إما أن تُطلَبَ بها الكفاية أو الزيادة على الكفاية. فإن طَلب منها الزيادة على الكفاية، لاستكثار المال وادخاره، لا ليُصرَف إلى الخيرات والصدقات، فهي مذمومة؛ لأنه إقبال على الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة، فإن كان مع ذلك ظالما خائنا فهو ظلم وفسق. فأما إذا طلب بها الكفاية لنفسه وأولاده، فالتجارة تعففا عن السؤال أفضل " انتهى. وانظر سؤال رقم (٢١٥٧٥) [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1859

من هم القَصَّاصُون ؟ [السُّؤَالُ] ـ[من هم القُصَّاصُ الذين يعتبرون من التالفين الضعفاء، الذين يعيبهم أنهم قَصَّاصُون؟ هل هم أي شخص يعظ الناس ويذكر القَصَص؟ أم هناك تفصيل في المسألة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله القَصُّ هو فن مخاطبة العامة ووعظهم بالاعتماد على القصة. يقول ابن الجوزي ﵀: " القاص هو الذي يتبع القصة الماضية بالحكاية عنها والشرح لها ... والتذكير هو تعريف الخلق نِعَمَ الله عليهم، وحثهم على شكره، وتحذيرهم من مخالفته. وأما الوعظ فهو تخويف يرق له القلب.. وقد صار اسم القاصِّ عامًّا للأحوال الثلاثة " انتهى. "القُصَّاص والمذكرون" (١٥٧-١٥٩) . والقصص والوعظ محمود وممدوح من حيث الأصل؛ وذلك أن الله تعالى يقول: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الأعراف/١٧٦ وقال تعالى: (وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) النساء/٦٣. وقال تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) الذاريات/٥٥. كما كان النبي ﷺ يُذكِّرُ الناس ويعظهم، ويقص عليهم من أنباء الأمم السابقة ما فيه العبرة والموعظة. فعن العرباض بن سارية ﵁ قال: (وَعَظَنَا رَسُولُ الَّلهِ ﷺ مَوعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَت مِنهَا العُيونُ، وَوَجِلَت مِنهَا القُلوبُ) . رواه الترمذي (٢٦٧٦) وقال: حسن صحيح وصححه الألباني في صحيح الترمذي. وعن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ حدث الناس عن قصة الثلاثة نفر الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، فسألوا الله بأعمالهم الصالحة أن يفرجها عنهم حتى انفرجت. رواه البخاري (٢٢١٥) ومسلم (٢٧٤٣) . وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يذكرون الناس بالله تعالى، ويقرؤون عليهم القرآن والحديث، ويدعونهم إلى الاعتبار والادكار بأحوال الماضين. فعن أبي وائل قال: (كَانَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَه رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَن، لَوَدِدتُ أَنَّك ذَكَّرتَنَا كُلَّ يَومٍ، قَالَ: أَمَا إِنَّه يَمنَعُنِي مِن ذَلك أَنِّي أَكرَه أَن أُمِلَّكم، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُم بِالمَوعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِي ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَينَا) . رواه البخاري (٧٠) ومسلم (٢٨٢١) . فمن سار على هدي النبي ﷺ وأصحابه فوعظ الناس وذكرهم بالله تعالى على علم وبصيرة، ولم يَتَقَحَّم أبوابَ الكذب والرياء والمبالغة والجهل، فذلك لا سبيل إلى الإنكار عليه، بل هو مأجور مشكور. قال الإمام أحمد: إذا كان القاص صدوقاً فلا أرى بمجالسته بأساً. وسئل الأوزاعي عن القوم يجتمعون فيأمرون رجلا فيقص عليهم فقال: إذا كان ذلك يوما بعد الأيام فليس به بأس. وروى الخلال عن أبي بكر المروذي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: يعجبني أمر القصاص لأنهم يذكرون الميزان وعذاب القبر، قلت له: فترى الذهاب إليهم؟ قال: إي لعمري إذا كان صدوقا. قال: وجاء رجل إلى الإمام أحمد فشكا له الوسوسة فقال: عليك بالقاص، ما أنفع مجالستهم. ولكن لما دخل في باب الوعظ والقص والتذكير من يتقحم ما لا علم له به، فيكذب في الحديث أو يزيد وينقص، أو يظهر عليه حب الظهور والسمعة، أو يكون سيئ السيرة والعمل، لما كان ذلك: اضطر الأئمة من أهل العلم إلى التحذير من أمثال هؤلاء والتنفير منهم. فعن ابن عمر ﵄ أنه كان يخرج من المسجد ويقول: ما أخرجني إلا القصاص ولولاهم ما خرجت. وعن أم الدرداء أنها بعثت إلى رجلين من الناس: قل لهما فليتقيا الله تعالى وتكون موعظتهما للناس لنفسهما. وعن شعبة بن الحجاج أنه دنا منه شاب فسأل عن حديث فقال له: أقاص أنت؟ فقال: نعم، قال: اذهب فإنا لا نحدث القصاص، فقال له: لم؟ قال: يأخذون الحديث منا شبرا فيجعلونه ذراعا! أي أنهم يزيدون في الحديث. وسئل سفيان الثوري: نستقبل القصاص بوجوهنا؟ فقال: ولوا البدع ظهوركم. انظر الآثار السابقة في "الآداب الشرعية" (٢/٨٢-٨٩) . وقال ابن الجوزي: "معظم البلاء في وضع الحديث إنما يجري من القصاص" انتهى. "القصاص" (٣٠٨) فالحاصل: أن القص ليس مذموما لذاته، وإنما لما قد يختلط به من الكذب والمبالغة والجرأة على الدين. يقول ابن الجوزي: " والقُصَّاصُ لا يُذَمون من حيث هذا الاسم، وإنما ذُم القُصَّاصُ لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القَصَصِ دون ذكر العلم المفيد، ثم غالبُهم يُخَلِّط فيما يورده، وربما اعتمد على ما أكثره محال " انتهى. "تلبيس إبليس" (١٣٤) . وقال الإمام أحمد: " القصاص الذي يذكر الجنة والنار والتخويف وله نية وصدق الحديث، فأما هؤلاء الذين أحدثوا من وضع الأخبار والأحاديث فلا أراه " انتهى. "الآداب الشرعية" (٢/٨٥) . وبذلك تعلم أن وصف الراوي بأنه م القُصَّاص لا يَلزم منه توثيقا له ولا تجريجا، فقد كان من القصاص الرواة الثقات، كما كان منهم الضعفاء، وهذه بعض الأمثلة: سعيد بن حسان المخزومي: قاص أهل مكة، قال ابن معين وأبو داود والنسائي: ثقة. "تهذيب التهذيب" (٤/١٥) . عائذ الله بن عبد الله بن عمرو: قال مكحول: ما رأيت أعلم منه، وقال الزهري: كان قاص أهل الشام وقاضيهم. "تهذيب التهذيب" (٥/٧٤) . ثابت بن أسلم البناني: قال أحمد: ثابت يتثبت في الحديث، وكان يقص، وقتادة كان يقص. "تهذيب التهذيب" (٢/٣) . قال ابن الجوزي: وقد بلغنا عن حماد بن سلمة أنه قال: كنت أسمع أن القصاص لا يحفظون الحديث، فكنت أقلب الأحاديث على ثابت، أجعل أنسا لابن أبي ليلى، وأجعل ابن أبي ليلى لأنس، أشوشها عليه، فيجيء بها على الاستواء " انتهى. يعني: أنه اختبره فوجده حافظاً للحديث. "القصاص" (٢٦٠) . وممن كان يقص من الضعفاء: أحمد بن عبد الله بن عياض المكي: له مناكير، قال أبو حاتم: كان يقص. "ميزان الاعتدال" (١/٢٤٨) . دراج أبو السمح: قال أحمد: أحاديثه مناكير ولَيَّنَه، وقال ابن يونس: كان يقص بمصر. "ميزان الاعتدال" (٣/٤٠) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1860

قراءة سورة يس على المحتضَر [السُّؤَالُ] ـ[قرأت في جواب السؤال (٢١٨٧٠) أنه يُشرع لمن كان موجوداً عند مسلم يحتضر أن يقرأ عليه سورة يس لأنها تسهّل خروج الروح. فهل هناك دليل على هذا؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ذهب جمهور العلماء (منهم الحنفية والشافعية والحنابلة) إلى استحباب قراءة سورة يس عند المحتضر , واستدلوا على ذلك ببعض الأدلة , ولكنها لا تخلو من ضعف: روى أحمد (١٩٧٨٩) وأبو داود (٣١٢١) عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ) . والحديث ضعيف، ضعفه النووي في "الأذكار"، وقال ابن حجر في " التلخيص" (٢/١٠٤) : " أعله ابن القطان بالاضطراب وبالوقف وبجهالة حال روايه أبي عثمان وأبيه. ونقل ابن العربي عن الدارقطني أنه حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث " انتهى. وضعفه الألباني في "إرواء الغليل" (٦٨٨) . وروى أحمد (٤/١٠٥) (١٦٥٢١) عن صَفْوَان قال: حَدَّثَنِي الْمَشْيَخَةُ أَنَّهُمْ حَضَرُوا غُضَيْفَ بْنَ الْحَارِثِ الثُّمَالِيَّ (صحابي) حِينَ اشْتَدَّ سَوْقُهُ، فَقَالَ: هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ يَقْرَأُ يس؟ قَالَ: فَقَرَأَهَا صَالِحُ بْنُ شُرَيْحٍ السَّكُونِيُّ، فَلَمَّا بَلَغَ أَرْبَعِينَ مِنْهَا قُبِضَ. قَالَ: فَكَانَ الْمَشْيَخَةُ يَقُولُونَ: إِذَا قُرِئَتْ عِنْدَ الْمَيِّتِ خُفِّفَ عَنْهُ بِهَا. قَالَ صَفْوَانُ: وَقَرَأَهَا عِيسَى بْنُ الْمُعْتَمِرِ عِنْدَ ابْنِ مَعْبَدٍ. قال الحافظ في "الإصابة" (٥/٣٢٤) : إسناده حسن. وانظر: "المجموع" (٥/١٠٥) ، "شرح منتهى الإرادات" (١/٣٤١) ، "حاشية ابن عابدين" (٢/١٩١) . وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. ففي "الاختيارات" (ص ٩١) : " والقراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضر، فإنها تستحب بياسين " انتهى. قالوا: والسبب في استحباب قراءتها: أن هذه السورة مشتملة على التوحيد والمعاد , والبشرى بالجنة لمن مات على التوحيد , بقوله: (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي) فتستبشر الروح بذلك , فيسهل خروجها. انظر: "مطالب أولي النهى" (١/٨٣٧) . وذهب الإمام مالك ﵀ إلى كراهة قراءة سورة يس أو غيرها عند المحتضر، لضعف الحديث الوارد في ذلك، ولأنه ليس من عمل الناس. انظر: الفواكه الدواني" (١/٢٨٤) ، "شرح مختصر خليل" (٢/١٣٧) . قال الشيخ الألباني في "أحكام الجنائز": " وأما قراءة سورة يس عنده (يعني عند المحتضر) ، وتوجيهه نحو القبلة، فلم يصح فيه حديث " انتهى. وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز: هل قراءة سورة (يس) عند الاحتضار جائزة؟ فأجاب: " قراءة سورة (يس) عند الاحتضار جاءت في حديث معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: (اقرأوا على موتاكم يس) صححه جماعة وظنوا أن إسناده جيد، وأنه من رواية أبي عثمان النهدي عن معقل بن يسار، وضعفه آخرون، وقالوا: إن الراوي له ليس هو أبا عثمان النهدي ولكنه شخص آخر مجهول. فالحديث المعروف فيه أنه ضعيف لجهالة أبي عثمان، فلا يستحب قراءتها على الموتى. والذي استحبها ظن أن الحديث صحيح فاستحبها، لكن قراءة القرآن عند المريض أمر طيب، ولعل الله ينفعه بذلك، أما تخصيص سورة (يس) فالأصل أن الحديث ضعيف فتخصيصها ليس له وجه " انتهى. "فتاوى ابن باز" (١٣/٩٣) . وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل قراءة سورة (يس) عند المحتضر ثابتة في السنة أم لا؟ فأجاب: " قراءة (يس) عند المحتضر سنة عند كثير من العلماء , لقوله ﷺ : (اقرأوا على موتاكم يس) ، لكن هذا الحديث تكلم فيه بعضهم وضعفه، فعند من صححه تكون قراءة هذه السورة سنة، وعند من ضعفه لا تكون سنة. والله أعلم " انتهى. "فتاوى ابن عثيمين" (١٧/٧٢) . وقال أيضاً: " (اقرأوا على موتاكم يس) هذا الحديث ضعيف، فيه شيء من الضعف، ومحل القراءة إذا صح الحديث عند الموت إذا أخذه النزع، فإنه يقرأ عليه سورة يس، قال أهل العلم: وفيها فائدة وهو تسهيل خروج الروح، لأن فيها قوله تعالى: (قِيلَ ?دْخُلِ ?لْجَنَّةَ قَالَ ي?لَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ?لْمُكْرَمِينَ) فيقرأها عند المحتضر هذا إن صح الحديث، وأما قراءتها على القبر فلا أصل له " انتهى. "فتاوى ابن عثيمين" (١٧/٧٤) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →