Полный текст (16 344 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
هل صح في عدد الأنبياء والرسل شيء ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يوجد حديث صحيح يوضح عدد الأنبياء والرسل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أرسل الله تعالى رسلاً إلى كل أمةٍ من الأمم، وقد ذكر الله تعالى أنهم متتابعون، الرسول يتبعه الرسول، قال : (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) المؤمنون/٤٤، وقال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) فاطر/٢٤.
وقد سمَّى الله تعالى مِن أولئك الرسل مَن سمَّى، وأخبر بقصص بعضهم، دون الكثير منهم، قال تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا. وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) النساء/١٦٣-١٦٤.
قال ابن كثير – ﵀:
وهذه تسمية الأنبياء الذين نُصَّ على أسمائهم في القرآن، وهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، والْيَسَع، وزكريا، ويحيى، وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين، وسيدهم محمد صلى الله وعليه وسلم.
وقوله: (وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) أي: خلقاً آخرين لم يذكروا في القرآن.
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٤٦٩) .
ثانياً:
قد اختلف أهل العلم في عدد الأنبياء والمرسلين، وذلك بحسب ما ثبت عندهم من الأحاديث الوارد فيها ذِكر عددهم، فمن حسَّنها أو صححها فقد قال بمقتضاها، ومن ضعَّفها فقد قال بأن العدد لا يُعرف إلا بالوحي فيُتوقف في إثبات العدد.
الأحاديث الواردة في ذِكر العدد:
١. عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: (مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًاً) ، قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال: (ثلاثمائة وثلاثة عشر جَمّ غَفِير) ، قلت: يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: (آدم) ... .
رواه ابن حبان (٣٦١) .
والحديث ضعيف جدّاً، فيه إبراهيم بن هشام الغسَّاني، قال الذهبي عنه: متروك، بل قال أبو حاتم: كذّاب، ومن هنا فقد حكم ابن الجوزي على الحديث بأنه موضوع مكذوب.
قال ابن كثير – ﵀:
قد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم ابن حبان البستي في كتابه: " الأنواع والتقاسيم "، وقد وَسَمَه بالصحة، وخالفه أبو الفرج بن الجوزي، فذكر هذا الحديث في كتابه " الموضوعات "، واتهم به إبراهيم بن هشام هذا، ولا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث.
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٤٧٠) .
وقال شعيب الأرناؤط: إسناده ضعيف جدّاً – وذكر كلام العلماء في إبراهيم بن هشام -.
" تحقيق صحيح ابن حبان " (٢ / ٧٩) .
٢. وروي الحديث بذلك العدد – مائة وأربعة وعشرون ألفاً – من وجه آخر:
عن أبي أُمَامة قال: قلت: يا نبي الله، كم الأنبياء؟ قال: (مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمّاً غَفِيراً) .
رواه ابن حاتم في " تفسيره " (٩٦٣) .
قال ابن كثير – ﵀:
مُعَان بن رفاعة السَّلامي: ضعيف، وعلي بن يزيد: ضعيف، والقاسم أبو عبد الرحمن: ضعيفٌ أيضاً.
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٤٧٠) .
٣. وروي حديث أبي ذر ﵁ من وجه آخر، وليس فيه ذكر عدد الأنبياء، وإنما ذُكر عدد المرسلين:
قال: قلت: يا رسول الله كم المرسلون؟ قال: (ثلاث مئة وبضعة عشر جمّاً غفيراً) .
رواه أحمد (٣٥ / ٤٣١) .
وفي رواية أخرى (٣٥ / ٤٣٨) : (ثلاثمئة وخمسة عشر جمّاً غفيراً) .
قال شعيب الأرناؤط:
إسناده ضعيف جدّاً؛ لجهالة عبيد بن الخشخاش؛ ولضعف أبي عمر الدمشقي، وقال الدارقطني: المسعودي عن أبي عمر الدمشقي: متروك.
المسعودي: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة.
" تحقيق مسند أحمد " (٣٥ / ٤٣٢) .
٤. عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (بعث الله ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف إلى بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس) .
رواه أبو يعلى في " مسنده " (٧ / ١٦٠) .
والحديث: ضعيف جدّاً.
قال الهيثمي – ﵀:
رواه أبو يعلي وفيه: موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف جدّاً.
" مجمع الزوائد " (٨ / ٢١٠) .
وقال ابن كثير – ﵀:
وهذا أيضاً إسناد ضعيف؛ فيه الربذي: ضعيف، وشيخه الرَّقَاشي: أضعف منه أيضاً.
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٤٧٠) .
٥. عَنْ أَبِى الْوَدَّاكِ، قَالَ: قَالَ لِى أَبُو سَعِيدٍ: هَلْ يُقِرُّ الْخَوَارِجُ بِالدَّجَّالِ؟ فَقُلْتُ: لَا. فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنِّى خَاتَمُ أَلْفِ نَبِيٍ، أَوْ أَكْثَرُ، مَا بُعِثَ نَبِىٌّ يُتَّبَعُ، إِلَاّ قَدْ حَذَّرَ أُمَّتَهُ الدَّجَّالَ ... ) .
رواه أحمد (١٨ / ٢٧٥) .
والحديث ضعيف؛ لضعف مجالد بن سعيد.
قال الهيثمي – ﵀:
رواه أحمد، وفيه مجالد بن سعيد، وثقه النسائي في رواية، وقال في أخرى: ليس بالقوى، وضعفه جماعة.
" مجمع الزوائد " (٧ / ٣٤٦) .
وضعَّفه الأرناؤط في " تحقيق المسند " (١٨ / ٢٧٦) .
٦. وروي هذا الحديث من رواية جابر بن عبد الله ﵁:
رواه البزار في " مسنده " (٣٣٨٠) " كشف الأستار ".
وفيه مجالد بن سعيد، وسبق أنه ضعيف.
قال الهيثمي – ﵀:
رواه البزار، وفيه مجالد بن سعيد، وقد ضعفه الجمهور، فيه ثوثيق.
" مجمع الزوائد " (٧ / ٣٤٧) .
وبما سبق من الأحاديث – ويوجد غيرها تركناها خشية التطويل وكلها ضعيفة – يتبين أنه قد اختلفت الروايات بذكر عدد الأنبياء والمرسلين، فقال كل قوم بمقتضى ما صحَّ عنده، والأشهر فيما سبق هو حديث أبي ذر ﵁، وأن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، والرسل منهم: ثلاثمائة وخمسة عشر، حتى قال بعض العلماء: إن عدد الأنبياء كعدد أصحاب النبي ﷺ ، وعدد الرسل كعدد أصحاب بدر.
لكن بالنظر في أسانيد تلك الروايات: لا يتبين لنا صحة تلك الأحاديث لا بمفردها، ولا بمجموع طرقها.
ثالثاً:
وهذه أقوال بعض الأئمة الذين يقولون بعدم صحة تلك الأحاديث وما تحويها من عدد:
١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
وهذا الذي ذكره أحمد، وذكره محمد بن نصر، وغيرهما، يبين أنهم لم يعلموا عدد الكتب والرسل، وأن حديث أبي ذر في ذلك لم يثبت عندهم.
" مجموع الفتاوى " (٧ / ٤٠٩) .
ففي هذا النقل عن الإمامين أحمد بن حنبل، ومحمد بن نصر المروزي: بيان تضعيف الأحاديث الواردة في ذكر العدد، والظاهر أن شيخ الإسلام ﵀ يؤيدهم في ذلك، وقد أشار إلى حديث أبي ذر بصيغة التضعيف فقال: " وقد روي في حديث أبي ذر أن عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر "، ولم يستدل به، بل استدل بالآيات الدالة على كثرتهم.
٢. وقال ابن عطية – ﵀ – في تفسير آية النساء -:
وقوله تعالى: (ورسلاً لم نقصصهم عليك) النساء/١٦٤: يقتضي كثرة الأنبياء، دون تحديد بعدد، وقد قال تعالى (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) فاطر/٢٤، وقال تعالى: (وقروناً بين ذلك كثيراً) الفرقان/٣٨، وما يُذكر من عدد الأنبياء فغير صحيح، الله أعلم بعدتهم، صلى الله عليهم. انتهى
٣. وسئل علماء اللجنة الدائمة:
كم عدد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؟ .
فأجابوا:
لا يعلم عددهم إلا الله؛ لقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) غافر/٧٨، والمعروف منهم من ذكروا في القرآن أو صحت بخبره السنَّة.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٣ / ٢٥٦) .
٤. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
وجاء في حديث أبي ذر عند أبي حاتم بن حبان وغيره أنه سأل النبي ﷺ عن الرسل وعن الأنبياء فقال النبي ﷺ : الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفا والرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر، وفي رواية أبي أمامة: ثلاثمائة وخمسة عشر، ولكنهما حديثان ضعيفان عند أهل العلم، ولهما شواهد ولكنها ضعيفة أيضا، كما ذكرنا آنفا، وفي بعضها أنه قال ﵊ ألف نبي فأكثر، وفي بعضها أن الأنبياء ثلاثة آلاف وجميع الأحاديث في هذا الباب ضعيفة، بل عد ابن الجوزي حديث أبي ذر من الموضوعات. والمقصود أنه ليس في عدد الأنبياء والرسل خبر يعتمد عليه، فلا يعلم عددهم إلا الله ، لكنهم جم غفير، قص الله علينا أخبار بعضهم ولم يقص علينا أخبار البعض الآخر، لحكمته البالغة جل وعلا.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٢ / ٦٦، ٦٧) .
٥.وسئل الشيخ عبد الله بن جبرين – حفظه الله -:
كم عدد الأنبياء والمرسلين؟ وهل عدم الإيمان ببعضهم (لجهلنا بهم) يعتبر كفراً؟ وكم عدد الكتب السماوية المنزلة؟ وهل هناك تفاوت في عدد الكتب بين نبي وآخر؟ ولماذ؟.
فأجاب:
ورد في عدة أحاديث أن عدد الأنبياء: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وأن عدد الرسل منهم: ثلاثمائة وثلاثة عشر، كما ورد أيضاً أن عددهم ثمانية آلاف نبي، والأحاديث في ذلك مذكورة في كتاب ابن كثير " تفسير القرآن العظيم "، في آخر سورة النساء على قوله تعالى: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ) ، ولكن الأحاديث في الباب لا تخلو من ضعف على كثرتها والأوْلى في ذلك التوقف، والواجب على المسلم الإيمان بمن سمَّى الله ورسوله منهم بالتفصيل، والإيمان بالبقية إجمالاً؛ فقد ذم الله اليهود على التفريق بينهم بقوله تعالى: (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) فنحن نؤمن بكل نبي وكل رسول أرسله الله في زمن من الأزمان، ولكن شريعته لأهل زمانه وكتابه لأمته وقومه.
فأما عدد الكتب: فورد في الحديث الطويل عن أبي ذر أن عدد الكتب مائة كتاب وأربعة كتب، كما ذكره ابن كثير في التفسير عند الآية المذكورة، ولكن الله أعلم بصحة ذلك، وقد ذكر الله التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، فنؤمن بذلك ونؤمن بأن لله كتباً كثيرة لا نحيط بها علماً، ويكفي أن نصدق بها إجمالاً.
" فتاوى إسلامية " (١ / ٤١) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 212
كيف نزيد محبة النبي ﷺ في قلوبنا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف يستطيع المسلم أن ينمّي داخله محبة النبي ﷺ أكثر من أي شيء آخر في الدنيا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
محبة الرسول ﷺ تكون قوتها تبعاً لإيمان المسلم فإن زاد إيمانه زادت محبته له، فحبه ﷺ طاعة وقربة، وقد جعل الشرع محبة النبي ﷺ من الواجبات.
عن أنس قال: قال النبي ﷺ : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ". رواه البخاري (١٥) ومسلم (٤٤) .
ويمكن أن تتأتى محبة الرسول ﷺ بمعرفة ما يلي:
أولاً: أنه مرسل من ربه اختاره واصطفاه على العالمين ليبلغ دين الله للناس وأن الله اختاره لحبه له ورضاه عنه، ولولا أن الله رضي عنه لما اختاره ولا اصطفاه، وعلينا أن نحب من أحب الله وأن نرضى بمن ﵁، وأن نعلم أنه خليل الله والخلة مرتبةٌ عُليا وهي أعلى درجات المحبة.
عن جندب قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: " إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ". رواه مسلم (٥٣٢) .
ثانياًُ: أن نعلم منزلته التي اجتباه الله بها، وأنه أفضل البشر ﷺ .
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع ". رواه مسلم (٢٢٧٨) .
ثالثاً: أن نعلم أنه لقي المحن والمشقة من أجل أن يصلنا الدين وقد كان ذلك ـ والحمد لله ـ ويجب أن نعلم أن الرسول ﷺ أوذي وضرب وشتم وسُبّ وتبرأ منه أقرب الناس إليه ورموه بالجنون والكذب والسحر وأنه قاتل الناس ليحمي الدين من أجل أن يصل إلينا فقاتلوه وأخرجوه من أهله وماله ودياره وحشدوا له الجيوش.
رابعاً: الاقتداء والتأسي بأصحابه في شدة محبتهم له، فقد كانوا يحبونه أكثر من المال والولد بل وأكثر من أنفسهم وإليك بعض النماذج:
عن أنس قال: " لقد رأيت رسول الله ﷺ والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل ". رواه مسلم (٢٣٢٥) .
وعن أنس ﵁ قال: " لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ وأبو طلحة بين يدي النبي ﷺ مُجَوّب به عليه بحَجَفَة له وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد القِد يكسر يومئذ قوسين أو ثلاثا وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول انشرها لأبي طلحة فأشرف النبي ﷺ ينظر إلى القوم فيقول أبو طلحة يا نبي الله بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك. . .
رواه البخاري (٣٦٠٠) ومسلم (١٨١١) .
(الحجفة) هي الدرع، ويقال لها: جوبة، والمعنى أن أبا طلحة معه درع يحمي بها النبي ﷺ .
(شديد القد) القد هو وتر القوس، والمعنى أنه شديد الرمي
خامساً: أن تُتبع سنته من قول أو عمل وأن تكون سنته منهجاً لك تتبعه في حياتك كلها وأن تقدم قوله على كل قول وتقدم أمره على كل أمر ثم تتبع عقيدة أصحابه الكرام ثم عقيدة من تبعهم من التابعين ثم عقيدة من تبع نهجهم إلى يومنا هذا من أهل السنة والجماعة غير متبع بدعة ولاسيما الروافض فإن قلوبهم غليظة على رسول الله ﷺ وإنهم يقدمون أئمتهم عليه ويحبونهم أكثر مما يحبونه.
نسأل الله أن يرزقنا محبة رسوله ﷺ وأن يجعله أحب إلينا من أولادنا وآبائنا وأهلينا ونفوسنا.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 213
مراتب الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي رتبة أنبياء الله الكرام: (شعيب ويوسف وأيوب ويونس وموسى وإلياس واليسع وذو الكفل وداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام..) في القرآن الكريم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد للَّه
أخبرنا الحق ﵎ أنه فضل بعض النبيين على بعض، قال جل وعلا:
(وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً) الإسراء/٥٥
وقد أجمعت الأمة على أن الرسل أفضل من الأنبياء، والرسل بعد ذلك متفاضلون فيما بينهم كما قال تعالى:
(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) البقرة/٢٥٣
انظر في الفرق بين الرسول والنبي جواب السؤال رقم (٥٤٥٥) ، (١١٧٢٥)
ثم أفضل الرسل والأنبياء خمسة:
محمد ﷺ ، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم الصلاة والسلام جميعا.
وهؤلاء هم أولو العزم من الرسل، قال تعالى:
(فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ) الأحقاف/٣٥
وجاءت تسميتهم في موضعين من القرآن الكريم.
قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً) الأحزاب/٧
وقال تعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) الشورى/١٣
وقد خص الله تعالى مَن فَضَّلَه منهم ببعض الأعطيات التي أوجبت تفضيلهم.
يقول القرطبي في تفسيره (٣/٢٤٩) :
" والقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما مُنح من الفضائل، وأُعطي من الوسائل " انتهى.
فَفَضَّلَ نوحا بأنه أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماه عبدا شكورا.
وفَضَّلَ إبراهيم باتخاذه خليلا: (واتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) النساء/١٢٥، وجعله إماما للناس (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) البقرة/١٢٤
وفَضَّل موسى بكلامه سبحانه له: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ) الأعراف/١٤٤، واصطنعه لنفسه سبحانه كما قال: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) طه/٤١، وصنعه على عينه: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) طه/٣٩
وفضَّل عيسى بأنه رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، يكلم الناس في المهد.
ويتفاضل الأنبياء من جهة أخرى:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٣٥/٣٤) :
" والتحقيق أن من النبوة ما يكون مُلكا: فإن النبي له ثلاثة أحوال:
إما أن يُكَذَّب ولا يُتبع ولا يطاع: فهو نبي لم يؤت ملكا.
وإما أن يطاع فنفس كونه مطاعا هو مُلك، لكن إن كان لا يأمر إلا بما أُمِر به، فهو عبد رسول ليس له ملك.
وإن كان يأمر بما يريده مباحا له، ذلك بمنزلة الملك كما قيل لسليمان: (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) فهذا نبي ملك.
فالملك هنا قسيم العبد الرسول، كما قيل للنبى ﷺ : (اختر إما عبدا رسولا وإما نبيا ملكا) وحال نبينا ﷺ أنه كان عبدا رسولا مؤيدا مطاعا متبوعا، فأعطي فائدة كونه مطاعا متبوعا ليكون له مثل أجر من اتبعه، ولينتفع به الخلق، ويُرحموا به، ويرحم بهم، ولم يختر أن يكون ملكا لئلا ينقص - لما فى ذلك من الاستمتاع بالرياسة والمال - عن نصيبه فى الآخرة، فإن العبد الرسول أفضل عند الله من النبي الملك، ولهذا كان أمر نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم أفضل من داود وسليمان ويوسف " انتهى.
هكذا يمكن أن نصف مراتب الأنبياء عند الله ، فأكرمهم عنده مرتبة أولو العزم من الرسل، وأكرم أولي العزم نبينا محمد ﷺ .
عن أَبُي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ) رواه مسلم (٤٢٢٣) .
وأما ما سوى ذلك من الترتيب والتفضيل على ذكر الأسماء فلا دليل عليه في كتاب الله وسنة رسوله، ولا حاجة بالمسلم إلى تكلف طلبه والبحث عنه، ولأجل ذلك لم يذكره أحد من أهل العلم في مصنفاتهم في العقيدة وأصول السنة.
ولمزيد فائدة انظر جواب السؤال رقم (٧٤٥٩) ، (١٠٦٦٩)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 214
الرد على من زعم أن الإسراء والمعراج خرافة
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد تجرأ أحد المتعالمين منا في ليبيا على حادثة الإسراء والمعراج، فقال في مقالة نشرتها إحدى الصحف: إن حادثة المعراج هي محض خرافات، ولا يمكن أن تحدث لبشر، واستدل بذلك بالآية الكريمة في سورة الإسراء التي يقول الله عزل وجل فيها: (أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً) الإسراء/٩٣؛ فقال إن القرآن ينفي إمكانية رقي الرسول صلى الله عليه سلم للسماء، وقال: إن ذلك يخالف القران بنص الآية، وأن المعراج مجرد رؤية مناميه واستدل بالآية: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) الإسراء/٦٠. وفي النهاية أقول لفضيلتكم: إن هذا الموضوع أدخل علي شبهة، ولكني مؤمن بأنها معجزة؛ أرجو الإجابة والتوضيح، بحيث ينتفي التعارض بين الآية التي تنفي رقي البشر، وبين معجزة الرسول ﷺ ؛ علما بأنني مؤمن بأنه لا تعارض في القرءان. أفيدونا جزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا ريب أن الإسراء والمعراج من آيات الله العظيمة الدالة على صدق رسوله محمد ﷺ ، وعلى عظم منزلته عند الله ، كما أنها من الدلائل على قدرة الله الباهرة، وعلى علوه على جميع خلقه، قال الله : (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الإسراء/١.
وتواتر عن رسول الله ﷺ أنه عرج به إلى السماوات، وفتحت له أبوابها حتى جاوز السماء السابعة، فكلمه ربه سبحانه بما أراد، وفرض عليه الصلوات الخمس، وكان الله سبحانه فرضها أولا خمسين صلاة، فلم يزل نبينا محمد ﷺ يراجعه ويسأله التخفيف، حتى جعلها خمسا، فهي خمس في الفرض، وخمسون في الأجر , لأن الحسنة بعشر أمثالها، فلله الحمد والشكر على جميع نعمه.
وقد اختلف الناس في الإسراء والمعراج، فمنهم من قال: إنه كان مناما، والصحيح أنه أسري وعرج به يقظة؛ لأدلة كثيرة يأتي ذكرها.
قال الطحاوي ﵀ في عقيدته المشهورة: " والمعراج حق، وقد أسري بالنبي وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه الله بما شاء وأوحى إليه ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى؛ فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى " انتهى.
وقال ابن أبي العز الحنفي في "شرح الطحاوية" ﵀: " اختلف الناس في الإسراء:
فقيل: كان الإسراء بروحه ولم يُفْقد جسدُه، نقله ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية ﵄، ونقل عن الحسن البصري نحوه. لكن ينبغي أن يعرف الفرق بين أن يقال كان الإسراء مناما وبين أن يقال كان بروحه دون جسده، وبينهما فرق عظيم، فعائشة ومعاوية ﵄ لم يقولا كان مناما، وإنما قالا: أسري بروحه ولم يفقد جسده، وفرق ما بين الأمرين أن ما يراه النائم قد يكون أمثالا مضروبة للمعلوم في الصورة المحسوسة، فيرى كأنه قد عرج إلى السماء وذهب به إلى مكة، وروحه لم تصعد ولم تذهب؛ وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال، فما أرادا أن الإسراء كان مناما، وإنما أرادا أن الروح ذاتها أسري بها؛ ففارقت الجسد ثم عادت إليه، ويجعلان هذا من خصائصه فإن غيره لا تنال ذات روحه الصعود الكامل إلى السماء إلا بعد الموت.
وقيل: كان الإسراء مرتين: مرة يقظة، ومرة مناما ... ، وكذلك منهم من قال: بل كان مرتين: مرة قبل الوحي ومرة بعده، ومنهم من قال: بل ثلاث مرات: مرة قبل الوحي ومرتين بعده؛ وكلما اشتبه عليهم لفظ زادوا مرة للتوفيق، وهذا يفعله ضعفاء أهل الحديث، وإلا فالذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة قبل الهجرة بسنة، وقيل بسنة وشهرين، ذكره ابن عبد البر ...
وكان من حديث الإسراء أنه أسري بجسده في اليقظة على الصحيح، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، راكبا على البراق صحبة جبرائيل ﵇، فنزل هناك وصلى بالأنبياء إماما، وربط البراق بحلقه باب المسجد، وقد قيل: إنه نزل بيت لحم وصلى فيه، ولا يصح عنه ذلك ألبتة.
ثم عرج به من بيت المقدس تلك الليلة إلى السماء الدنيا، فاستفتح له جبرائيل ففتح لهما، فرأى هناك آدم أبا البشر، فسلم عليه فرحب به ورد ﵇ وأقر بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الثانية ... "
إلى أن قال ﵀: " ومما يدل على أن الإسراء بجسده في اليقظة قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) الإسراء /١؛ والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح، كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح؛ هذا هو المعروف عند الإطلاق، وهو الصحيح؛ فيكون الإسراء بهذا المجموع، ولا يمتنع ذلك عقلا، ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة؛ وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهو كفر " انتهى من "شرح الطحاوية" (١/٢٤٥) .
وقال ابن كثير ﵀ في تفسيره (٣/٣٣) : " ثم اختلف الناس: هل كان الإسراء ببدنه ﵇ وروحه، أو بروحه فقط؟ على قولين، فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا مناماً، ولا ينكرون أن يكون رسول الله ﷺ رأى قبل ذلك مناماً، ثم رآه بعد يقظة، لأنه كان ﵇ لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، والدليل على هذا قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) الاسراء/ ١، فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان مناماً لم يكن فيه كبير شيء، ولم يكن مستعظماً، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذبيه، ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم، وأيضاً فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وقال تعالى: (أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً) وقال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) الاسراء /٦٠، قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به، والشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم، رواه البخاري [٢٨٨٨] ، وقال تعالى:
(مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) النجم/١٧، والبصر من آلات الذات لا الروح.
وأيضاً فإنه حمل على البراق، وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان، وإنما يكون هذا للبدن، لا للروح لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه، والله أعلم " انتهى.
وقال الشيخ حافظ الحكمي في "معارج القبول" (٣/١٠٦٧) : " ولو كان الإسراء والمعراج بروحه في المنام لم تكن معجزة، ولا كان لتكذيب قريش بها وقولهم: كنا نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس، شهرا ذهابا وشهرا إيابا، ومحمد يزعم أنه أسرى به اللية وأصبح فينا إلى آخر تكذيبهم واستهزاءهم به ﷺ لو كان ذلك رؤيا مناما لم يستبعدوه ولم يكن لردهم عليه معنى؛ لأن الإنسان قد يرى في منامه ما هو أبعد من بيت المقدس ولا يكذبه أحد استبعاد لرؤياه، وإنما قص عليهم رسول الله ﷺ مسرى حقيقة يقظة لا مناما فكذبوه واستهزؤوا به استبعاد لذالك واستعظاما له مع نوع مكابرة لقلة علمهم بقدرة الله وأن الله يفعل ما يريد ولهذا لما قالوا للصديق وأخبروه الخبر قال: إن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا وتصدقه بذلك؟ قال: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك في خبر السماء يأتيه بكرة وعشيا أو كما قال " انتهى.
وقال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه (التنوير في مولد السراج المنير) : " وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وأبي ذر ومالك بن صعصعة وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس، وشداد بن أوس وأبي بن كعب وعبد الرحمن بن قرط وأبي حبة وأبي ليلى الأنصاريين، وعبد الله بن عمرو وجابر وحذيفة وبريدة، وأبي أيوب وأبي أمامة وسمرة بن جندب وأبي الحمراء، وصهيب الرومي وأم هانىء، وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق ﵃ أجمعين، منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد، وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة، فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون " انتهى نقلا عن "تفسير ابن كثير" (٣/٣٦) .
ثانيا:
لا ينقضي العجب من هذا المسلك الذي سلكه الكاتب المذكور في الاستدلال، فإنه اقتصر على ذكر مطلب واحد من مطالب الكفار، فأوهم أن الجواب القرآني: (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا) منصب على هذا المطلب، وهو الرقي في السماء، وأن هذا يدل على عدم إمكانه. والحق أن هذا الجواب وارد على مجموع ما طلبه المشركون تعنتا وتفننا في الجحود والإنكار، وإليك هذه المطالب كما بينها القرآن: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً) الاسراء/٩٠- ٩٣ فتأمل في هذه المطالب التي لا يحسن في جوابها إلا الجواب القرآني: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً) .
فهل بإمكان من هو بشر أن يفجر الأرض، والأنهار، ويسقط السماء، ويأتي بالله! وبالملائكة! ويرقى في السماء فيأتي منها بكتاب موجه إلى كل كافر! كما جاء في التفسير عن مجاهد وغيره، وهو موافق لقوله تعالى: (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً) المدثر /٥٢. لا شك أن ذلك ليس من خصائص البشر، ولا هو في إمكانهم، فهذا الاستبعاد منصب على مجموع هذه المطالب، لا على آحاد كل منها، وإلا ففيها مطالب مما هو ممكن عادة، فقد ثبت أن الماء نبع من بين أصبعيه الشريفتين ﷺ ، كما في صحيح البخاري (٣٥٧٦) ، وغيره، فكيف بتفجير نبع من الأرض، ولا استحالة ـ أيضا ـ في أن يكون له جنة من نخيل..، على نحو ما طلبوا، إلا أن هؤلاء لم يكن له غرض في حصول هذه الأشياء حقيقة، إنما هي من باب المبالغة في العناد، والتعنت مع الرسول، من أجل التمادي في طغيانهم.
قال الطاهر ابن عاشور ﵀: " ولما كان اقتراحهم اقتراح مُلاجّة [المبالغة في الخصومة] وعناد، أمره الله بأن يجيبهم بما يدل على التعجب من كلامهم بكلمة (سبحان ربي) التي تستعمل في التعجب.. ثم بالاستفهام الإنكاري، وصيغة الحصر المقتضية قصر نفسه على البشرية والرسالة قصرا إضافيا، أي لست ربا متصرفا أخلق ما يطلب مني، فكيف آتي بالله والملائكة، وكيف أخلق في الأرض ما لم يخلق فيها ". انتهى.
"التحرير والتنوير" (١٥/٢١٠-٢١١) .
ثالثا:
احرص على قلبك يا عبد الله، وكن على دينك أحرص منك على الدرهم والدينار؛ فلا تدع لشياطين الإنس والجن سبيلا أن يسترقوا اليقين من قلبك، أو يزعزعوا الإيمان فيه؛ وما دمت لم تحصل من العلم الشرعي، ما يحصنك ضد شبهات المشككين، ففر من هؤلاء، ومجالسهم، ومنتدياتهم، ولا تسمع لزخارف قولهم، فإنك لا تدري إذا نزلت الشبهة في قلبك متى تخرج منه، وإذا عرضت الفتنة، هل أنت ناج منها أم من المفتونين.
نسأل الله تعالى لنا ولجميع عباده الموحدين الهداية والتوفيق والسداد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 215
الأدلة على تفضيل النبي ﷺ على سائر الأنبياء
[السُّؤَالُ]
ـ[هل توجد آية في القرآن الكريم تفضل الرسول على باقي الأنبياء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ننبه الأخ السائل وعموم من يقرأ كلامنا هذا أنه لا يٌشترط أن يرد كل حكم في القرآن الكريم؛ فالشرع المطهَّر أدلته الكتاب والسنَّة، وليس الكتاب وحده، فقد ترد أحكام الله تعالى في السنَّة النبوية ولا ترد في القرآن، وقد ترد في القرآن دون السنة، وقد تأتي الأحكام في القرآن الكريم مطلقة عامة مجملة، وتأتي السنة بالتقييد والتخصيص والتبيين.
وليس في كتاب الله تعالى آية واحدة تدعو للأخذ بما فيه دون ما يأتي في السنَّة، فعلى من يزعم أنه يأخذ بالقرآن وحده دون السنة أن يستدل على قوله بآية ليصلح منهجه وفهمه، وأنَّى له ذلك، بل في كتاب الله تعالى الأمر بأخذ ما جاء به النبي ﷺ ، والانتهاء عما نهى عنه، فقال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) الحشر / ٧، وقال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) المائدة/٩٢، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ) الأنفال/٢٠.
والسنَّة هي " الحكمة " الواردة في كتاب الله تعالى في آيات كثيرة، منها قوله تعالى (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) البقرة/١٥١، وقوله تعالى: (وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) البقرة/٢٣١.
والقرآن والسنة يصدران من مشكاة واحدة، وكلاهما وحي الله تعالى، قال الله : (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) النجم/٣-٥.
ثانياً:
تفضيل الأنبياء ﵈ بعضهم على بعض: أمر منصوص عليه، ذكره الله تعالى في كتابه، والنبي ﷺ في سنَّته.
قال تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) البقرة/٢٥٣.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: وقوله تعالى: (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)
أشار في مواضع أخر إلى أن منهم محمداً ﷺ كقوله: (عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً) الإسراء/٧٩، وقوله: (وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ) سبأ/٢٨، الآية، وقوله (إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) الأعراف/١٥٨، وقوله (تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) الفرقان/١.
وأشار في مواضع أخر إلى أن منهم إبراهيم كقوله: (واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) النساء/١٢٥، وقوله: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) البقرة/١٢٤، إلى غير ذلك من الآيات.
وأشار في موضع آخر إلى أن منهم داود وهو قوله: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً) الإسراء/٥٥.
وأشار في موضع آخر إلى أن منهم إدريس وهو قوله: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً) مريم/٥٧.
وأشار هنا إلى أن منهم عيسى بقوله: (وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات) البقرة/٨٧] الآية.
" أضواء البيان " (١ / ١٨٤، ١٨٥) .
وأما ما ورد في السنة من النهي عن تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض، أو من النهي عن تفضيل نبينا ﷺ – مثل حديث الصحيحين " لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ "، وحديث الصحيحين " لَا تُخَيِّرُوني عَلَى مُوسَى " -: فقد جاء في كلام أهل العلم ما يحل هذا الإشكال، وقد اختلف العلماء في ذلك على وجوه.
َقَالَ الْخَطَّابِيُّ: (مَعْنَى هَذَا تَرْك التَّخْيِير بَيْنهمْ عَلَى وَجْه الإِزْرَاء بِبَعْضِهِمْ فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى فَسَاد الاعْتِقَاد فِيهِمْ وَالإِخْلال بِالْوَاجِبِ مِنْ حُقُوقهمْ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُعْتَقَد التَّسْوِيَة بَيْنهمْ فِي دَرَجَاتهمْ فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ: (تِلْكَ الرُّسُل فَضَّلْنَا بَعْضهمْ عَلَى بَعْض) الآيَة اِنْتَهَى
وقال في "عون المعبود": (يَعْنِي: لا تُفَضِّلُوا بَعْضهمْ عَلَى بَعْض مِنْ عِنْد أَنْفُسكُمْ..)
وذكر القرطبي أقوالا أخرى في معنى ذلك، ثم قال:
(وأحسن من ذل قول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها، ولذلك منهم رسل، وأولو عزم، ومنهم من اتُخذ خليلاً، ومنهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً) الإسراء/٥٥
ثم قال: (وهذا قول حسن؛ فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ)
تفسير القرطبي (٣/٢٤٩)
ثالثاً:
لا خلاف بين العلماء في تفضيل نبينا محمد ﷺ على سائر إخوانه الأنبياء ﵈، وقد جاء ذلك موضَّحاً في الأدلة الشرعية من الكتاب والسنَّة، ومن ذلك:
١- له ﷺ المقام المحمود يوم القيامة
قال الله تعالى: (وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) الإسراء/٧٩.
وهو الشفاعة يوم القيامة للفصل بين الخلائق، وذلك بعد أن تطول مدة الحشر، ويصيب الناس ما يصيبهم، فيذهب الناس للأنبياء، وكلٌّ يعتذر عن الشفاعة لهم، حتى تصل لنبينا محمد ﷺ ، فيذهب إلى ربه فيخر ساجداً، ويطلب الشفاعة للناس فيعطاها، وسمي بـ " المقام المحمود " لأنّ جميع الخلائق يحمدون محمَّداً ﷺ على ذلك المقام؛ لأنّ شفاعته كانت سبباً في رفع معاناتهم من طول المحشر.
عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: (إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُثًا، كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا يَقُولُونَ: يَا فُلانُ اشْفَعْ، يَا فُلانُ اشْفَعْ، حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ) رواه البخاري (٤٤٤١) .
٢ - جوامع الكلم، والنصر بالرعب، وحل الغنائم، وجعل الأرض مسجداً وطهوراً، وختم النبيين به، والشفاعة.
قال الله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) الأحزاب/٤٠.
وقال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) الفرقان/١.
عَنْ جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ) رواه البخاري (٤٢٧) ومسلم (٤٢١) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ) . رواه مسلم (٥٢٣) .
٣- أنه ﷺ أول من يجوز الصراط من الرسل.
روى البخاري (٧٧٣) من حديث أبي هريرة الطويل، وفيه قوله ﷺ :
( ... فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِن الرُّسل بِأُمَّتِهِ) .
٤- أنه أول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفَّع
عَن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ) . رواه مسلم (٢٢٧٨) .
٥- غفر الله تعالى له ﷺ ذنبه كلَّه ما تقدَّم منه وما تأخر
قال الله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) الفتح/١،٢.
٦- النداء بالنبوة والرسالة
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) الأحزاب/٤٥.
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) المائدة/٦٧.
وأما إخوانه الأنبياء ﵈ فنودوا بأسمائهم المجردة.
٧- أمر الله تعالى نبيه ﷺ بالاقتداء بهدي الأنبياء ﵈.
قال الله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) الأنعام/٩٠.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
أي: امش أيها الرسول الكريم خلف هؤلاء الأنبياء الأخيار، واتبع ملتهم، وقد امتثل ﷺ ، فاهتدى بهدي الرسل قبله، وجمع كل كمال فيهم، فاجتمعت لديه فضائل وخصائص، فاق بها جميع العالمين، وكان سيد المرسلين، وإمام المتقين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
وبهذا الملحظ استدل بهذه من استدل من الصحابة أن رسول الله ﷺ أفضل الرسل كلهم. " تفسير السعدي " (ص ٢٦٣) .
وانظر أجوبة الأسئلة (٢٠٣٦) و (٧٤٥٩) و (١٠٦٦٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 216
المسيح ويحيى ﵉ ابنا خالة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل كانت السيدة مريم ﵍ وحيدة لأهلها، وإذا كان ذلك صحيحا فكيف يكون السيد المسيح ﵇ وسيدنا يحيى ﵇ ابنا خالة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الذي يذكره أهل التاريخ والسير أن عمران والد مريم تزوج من امرأة اسمها (حَنَّة) ، وأن زكريا ﵇ تزوج من امرأة اسمها (إِيشَاع) ، فأنجب عمران وحنة مريم ﵍، وأنجب زكريا وإيشاع يحيى ﵇.
ثم اختلفوا: من تكون (إِيشَاع) أم يحيى ﵇؟ على قولين:
الأول: أنها أخت مريم ﵍، وهو قول الجمهور كما يقول ابن كثير في "البداية والنهاية" (١/٤٣٨) .
وعليه فيكون عيسى ويحيى ﵉ ابنا خالة على الحقيقة، لأنهما أبناء أختين (مريم وإِيشَاع) .
واستدلوا بظاهر حديث المعراج عن مالك بن صعصعة ﵁، أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به فكان مما قال: (ثُمَّ صَعدَ حَتَّى إِذَا أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاستَفتَحَ، قِيلَ مَن هَذَا؟ قَالَ: جِبرِيلُ. قِيلَ: وَمَن مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَد أُرسِلَ إِلَيهِ؟ قَالَ: نَعَم. قِيلَ: مَرحَبًا بِهِ، فَنِعمَ المَجِيءُ جَاءَ. فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصتُ إِذَا يَحيَى وَعِيسَى - وَهُمَا ابنَا الخَالَةِ -، قَالَ: هَذَا يَحيَى وَعِيسَى، فَسَلِّمَ عَلَيهِمَا، فَسَلَّمتُ، فَرَدَّا، ثُمَّ قَالا: مَرحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) رواه البخاري (٣٢٠٧) وهذا لفظه ومسلم (١٦٤)
الثاني: أن (إِيشَاع) هي أخت أم مريم (حَنَّة) ، فتكون إِيشَاع خالة مريم ﵍، وهو الذي ذكره ابن إسحاق وابن جرير "جامع البيان" (٣/٢٣٤) ، واقتصر عليه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٦/٦٨)
فعلى هذا القول: كيف يكون عيسى ويحيى ﵉ ابنا خالة؟
قالوا: لأن خالة الأم بمنزلة الخالة الحقيقية، فأم يحيى هي خالة مريم، فهي خالة ابنها عيسى ﵈ جميعا، كما أن مريم تكون ابنة خالة يحيى، فيكون ابنها عيسى ابن خالته أيضا.
يقول الإمام أبو السعود في تفسيره (٢/٢٧) :
" وأما قوله ﵊ في شأن يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام هما (ابنا خالة) قيل: تأويله أن الأخت كثيرا ما تطلق على بنت الأخت، وبهذا الاعتبار جعلهما عليهما الصلاة والسلام ابني خالة " انتهى.
ودليلهم على ذلك أن المشهور أن امرأة عمران (حَنَّة) لم تكن تحمل ولا تلد، فلما حملت بمريم بإذن الله نذرتها لله ولخدمة بيت المقدس، وهذا ما يؤيده السياق القرآني.
يقول الله تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً، فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) آل عمران/٣٥
قال ابن كثير ﵀ في "تفسير القرآن العظيم" (١/٤٧٨) :
" قال محمد بن إسحاق: وكانت [يعني: امرأة عمران] امرأةً لا تحمل، فرأت يوما طائرا يزُق فَرخَهُ، فاشتهت الولد، فدعت الله تعالى أن يهبها ولدا، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها فحملت منه، فلما تحققت الحمل نذرت أن يكون محررا - أي: خالصا - مفرغا للعبادة ولخدمة بيت المقدس، فقالت: (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً، فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم) أي: السميع لدعائي العليم بنيتي " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 217
هل كان النبي ﷺ نوراً أم بشراً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل كان النبي ﷺ نوراً، أم بشراً، وهل صحيح أنه لم يكن له ظل حتى وإن كان في الضوء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نبينا محمد ﷺ سيد ولد آدم أجمعين، وهو بشر من بني آدم، وُلِد من أبوين، يأكل الطعام ويتزوج النساء، يجوع ويمرض، ويفرح ويحزن، ومن أظهر مظاهر بشريته أن الله سبحانه توفاه كما يتوفى الأنفس، ولكن الذي يميز النبي ﷺ هو النبوة والرسالة والوحي.
قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) الكهف/١١٠.
وحال النبي ﷺ في بشريته هو حال جميع الأنبياء والمرسلين.
قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ) الأنبياء/٨.
وقد أنكر الله على الذين تعجبوا من بشرية الرسول ﷺ ، فقال سبحانه: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ) الفرقان/٧.
فلا يجوز تجاوز ما يقرره القرآن الكريم من رسالة النبي ﷺ وبشريته، ومن ذلك: أنه لا يجوز وصفه ﷺ بأنه نور أو لا ظل له، أو أنه خلق من نور، بل هذا من الغلو الذي نهى عنه النبي ﷺ حين قال: (لاْ تُطْرُونِيْ كَمَا أُطرِيَ عِيْسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَقُولُوْا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ) رواه البخاري (٦٨٣٠) .
وقد ثبت أن الملائكة هي التي خلقت من نور، وليس أحد من بني آدم، قال النبي ﷺ : (خُلِقَت المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وَخُلِقَ إِبلِيسُ مِن نَارِ السَّمومِ، وَخُلِقَ آدَمُ ﵇ مِمَّا وُصِفَ لَكُم) رواه مسلم (٢٩٩٦) .
قال الشيخ الألباني ﵀ في "السلسلة الصحيحة" (٤٥٨) :
" وفيه إشارة إلى بطلان الحديث المشهور على ألسنة الناس: (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر) ! ونحوه من الأحاديث التي تقول بأنه ﷺ خلق من نور، فإن هذا الحديث دليل واضح على أن الملائكة فقط هم الذين خلقوا من نور، دون آدم وبنيه، فتنبّه ولا تكن من الغافلين " انتهى.
وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء السؤال التالي:
هنا في الباكستان علماء فرقة (البريلوية) يعتقدون أنه لا ظل للنبي ﷺ ، وهذا دلالة على عدم بشرية النبي ﷺ . هل هذا الحديث صحيح. ليس الظل للنبي ﷺ ؟
فأجابت: " هذا القول باطل، مناف لنصوص القرآن والسنة الصريحة الدالة على أنه صلوات الله وسلامه عليه بشر لا يختلف في تكوينه البشري عن الناس، وأن له ظلا كما لأي إنسان، وما أكرمه الله به من الرسالة لا يخرجه عن وصفه البشري الذي خلقه الله عليه من أم وأب، قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوْحَى إِلَيَّ) الآية، وقال تعالى: (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) الآية.
أما ما يروى من أن النبي ﷺ خلق من نور الله، فهو حديث موضوع " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٤٦٤) .
وانظر سؤال رقم (٤٥٠٩) (٦٠٨٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 218
الفرق بين النبي والرسول
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الفرق بين النبي والرسول؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
في المسألة عدة أقوال منها قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما يلي: (فالنبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول..) أ. هـ النبوات ص (٢٥٥) ولغيره تفريقات أخرى هذا أهمها، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 219
حكم قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما درجة الحديث التالي:
أن نافعا روى أن عبد الله بن عمر ﵁ لم يكن يقرأ الفاتحة على الميت." موطأ الإمام مالك ".]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الأثر في أعلى درجات الصحة، فقد رواه الإمام مالك في "الموطأ" (٥٣٥) عن نافع عن ابن عمر، وهي ما يسمى عند بعض العلماء " السلسلة الذهبية " وهي أصح – أو من أصح – الأسانيد.
ولفظه: عن نافع أن عبد الله بن عمر كان لا يقرأ في الصلاة على الجنازة.
ومعنى " لا يقرأ " أي: لا يقرأ فاتحة الكتاب ولا غيرها، وهي من مسائل الخلاف المعروفة عند أهل العلم، وقد ذهب بعضهم إلى أنها ركن في صلاة الجنازة، وذهب آخرون إلى عدم ركنيتها ولا استحبابها، وتوسط آخرون فقالوا باستحبابها وعدم وجوبها، وهو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإنه قال:
" وتنازع العلماء في القراءة على الجنازة على ثلاثه أقوال: قيل: لا تستحب بحال , كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك، وقيل: بل يجب فيها القراءة بالفاتحة، كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد، وقيل: بل قراءة الفاتحة فيها سنة , وإن لم يقرأ بل دعا بلا قراءة جاز , وهذا هو الصواب " انتهى.
" الفتاوى الكبرى " (٢ / ١٢١) .
والذي يظهر – والعلم عند الله تعالى - أن قراءة الفاتحة ركن في صلاة الجنازة، وهي داخلة في عموم قوله ﷺ : (لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) رواه البخاري (٧١٤) ومسلم (٥٩٥) ، ولعله من أجل قول ابن عمر كان ابن عباس يجهر بها – أحياناً – مع أن السنة الإسرار بها، وقد سئل عن ذلك فقال: (ليعلموا أنها سنة) رواه البخاري (١٢٤٩) .
وليس المقصود بقوله " سنة " هو المستحب؛ وإنما المراد سنة النبي ﷺ ، يعني أن النبي ﷺ قرأها.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" والفاتحة في صلاة الجنازة ركن؛ لقول النبي ﵊: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ، وصلاة الجنازة صلاة؛ لقوله تعالى: (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً) فسماها الله صلاة؛ ولأن ابن عباس ﵄ قرأ الفاتحة على جنازة، وقال: (لتعلموا أنها سنة) .
" الشرح الممتع " (٥ / ٤٠١) .
وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
ما حكم قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة؟
فأجاب:
" واجبة، كما قال ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، وقال ﵊: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) متفق على صحته.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (١٣ / ١٤٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 220
هل سطع نور عند ولادة النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك أي حقيقة على أنه قبل ولادة الرسول ﷺ ظهر ضوء في السماء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
كان من المبشرات بنبوة نبينا محمد ﷺ أنه عندما حملت به أمه رأت في منامها أنه خرج منها نور بلغ الشام.
فعن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك. قال: (دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام) . رواه ابن إسحاق بسنده (١/١٦٦ سيرة ابن هشام) ومن طريقه أخرجه الطبري في تفسيره (١/٥٦٦) ، والحاكم في مستدركه (٢/٦٠٠) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وانظر السلسلة الصحيحة (١٥٤٥) .
وروى الطبراني أن النبي ﷺ قال: (ورأت أمي في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام) حسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٢٤) .
وروى أحمد (١٦٧٠٠) عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله قال: (. . . وذكر الحديث وفيه: إِنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْهُ نُورًا أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ) .
قال الهيثمي في مجمع الزوائد: وإسناده حسن اهـ
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح:
فَلَمَّا وَلَدَتْ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهُ الْبَيْت وَالدَّار. وَشَاهِده حَدِيث الْعِرْبَاض بْن سَارِيَة قَالَ: سَمِعْت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول: (إِنِّي عَبْد اللَّه وَخَاتَم النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَم لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَته , وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: إِنِّي دَعْوَة أَبِي إِبْرَاهِيم , وَبِشَارَة عِيسَى بِي , وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ , وَكَذَلِكَ أُمَّهَات النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ , وَإِنَّ أُمّ رَسُول اللَّه ﷺ رَأَتْ حِين وَضَعَتْهُ نُورًا أَضَاءَتْ لَهُ قُصُور الشَّام) أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ وَالْحَاكِم وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةُ عِنْد أَحْمَد نَحْوه اهـ
ومما يجب أن يعلم أن دلائل نبوة نبينا محمد ﷺ ليست محصورة في هذه الآية، فسواء ثبتت أم لم تثبت فإن نبوته ﷺ ثابتة بالدلائل القطعية التي لا يستطيع منصف أن ينكرها. وإنما أنكرها من أنكرها إما جهلاً أو مكابرة.
نسأل الله تعالى أن يظهر دينه ويعلي كلمته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 221
شبهة حول ما أخبر به القرآن في شأن عيسى ﵇ !!
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف تطلبون من غير المسلمين أن يصدقوا ما في كتابكم بشأن عيسى، ورفض صلبه، وبنوته لله، مع أن الكتاب المقدس قد أخبر بذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لعله من القول المعاد هنا أن ننبه على أن الأناجيل، أو الكتاب المقدس الذي نتكلم عنه، والذي يوجد في أيدي الناس اليوم، هو شيء آخر غير الذي نزل من عند الله على عبده ورسوله عيسى بن مريم، ﵇؛ فذاك الذي نزل من عند الله لا يصح لأحد إيمانه إذا كفر به، أو بشيء منه، وقد سبق التنبيه على ذلك في السؤال رقم [٤٧٥١٦] .
غير أنه، ولحكمة بالغة، لم يزل تحريف الأيدي، وليّ الألسن يعبث بذلك الكتاب، ولم تزل تعدو عليه صروف الدهر، وحوادث الأيام من قديم، حتى ضاع أصله الإلهي، وانقطع من أيدي الناس، ولم يعد بين أيديهم إلا خليط مختلف من ظلمات الشرك والتثليث، مع بصيص من نور التوحيد، وأخلاط من الكذب والتحريف المتتابع، زمانا بعد زمان، مع أثارة من الصدق وعلم النبيين.
ولقد صار من المتعذر، بل من المستحيل، مع بعد العهد، وتتابع العبث، أن يقطع أحد بصدق شيء من ذلك الكتاب أو كذبه، إلا إذا عرض على الحق المهيمن على ما قبله، والمصدق لما بين يديه، الذي لم يشب نوره الإلهي بظلمة من الجهل أو الهوى، ولا صدقه الخالص بكذبة، أو حتى غلطه، وليس ذلك إلا القرآن الكريم الذي تكفل الله بحفظه، كما قال الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر/٩.
ومع أن واحدا من كبار الدارسين عند القوم، والمدافعين عن الكتاب المقدس، وهو نورتن، حاول أن يدافع عن الكتاب المقدس أمام طعن إكهارن الجرمني، فقد اضطر إلى أن يعترف بأن تمييز الصدق من الكذب في هذا الزمان عسير!!
ومن هنا نصل إلى موضوع السؤال، لنقول: إن من لم يؤمن بالقرآن، لن يصح له كتاب يؤمن به، ومن طعن في صدق النبي، ﷺ ، وصحة دين الإسلام، لم يمكنه أن يقيم دليلا على صحة دينه الذي يتمسك به.
ووجه ذلك أن من طعن في صدق النبي ﷺ ، فيما أخبر به من نبوته، والوحي المنزل عليه من السماء، مع أن ظهرت على يديه المعجزات الدالة على صدقه في ما قال، وبقي حياته يتحدى أعداءه بالكتاب الذي ينسبه إلى وحي ربه أن يأتوا بمثله، أو بشيء منه، بل أن تحدى الإنس والجن جميعا أن يجتمعوا ويتظاهروا، ويتساعدوا، من أجل أن يأتوا بمثل هذا القرآن: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرا ً) الإسراء/٨٨
ولم يحدث أنهم فعلوا وأتوا بمثله، على ما مر من التاريخ بعده، وعلى كثرة ما عارضه من الأعداء، وودوا لو أثبتوا كذبه، وهيهات!!
ثم بقي ذلك النبي بعد ذلك منصورا على أعدائه، لم يبطلوا له حجة، ولا وقفوا له على كذبة في خبر، ولو كان من حديث الناس الذي يألفونه، فضلا عن أن يكذب على ربه الذي أرسله.
وليت شعري، إذا طعنوا في ذلك كله، فأنى لهم أن يقيموا دليلا على صحة "الإلهام" الذي اعتمدوا عليه في تصديق كتبهم، مع أنهم لا يدعون أن هذه الأناجيل أنزلت على عيسى، أو أنه كتبها، أو أملاها، أو حتى كتبت في حياته!!
هذا مع أنه لا يوجد دليل محقق على شخصية الأربعة الذين كتبوا هذه الأناجيل، ومن يكونون، وكيف كانت سيرتهم وحياتهم، وهل كان ما كتبوه كان من من الوحي الإلهي، أو الإلهام، على حد تعبيرهم، أو كان من بنات أفكارهم، ووحي شياطينهم. يقول هورن، أحد كبار مفسري الكتاب المقدس: (إذا قيل إن الكتب المقدسة أوحيت من جانب الله، فلا يراد أن كل لفظ، والعبارة كلها من إلهام الله، بل يُعلم من اختلاف محاورة المصنفين، واختلاف بيانهم أنهم كانوا مُجَازين (؟!) [يعني: كانوا مسموحا لهم] أن يكتبوا على حسب طبائعهم وعاداتهم وفهومهم، ولا يُتخيل أنهم كانوا ملهمين في كل أمر يبينونه، أو في كل حكم كانوا يحكمونه) .
وقد أشارت دائرة المعارف البريطانية إلى خلاف علماء النصارى وباحثيهم في شأن هذا الإلهام: هل كل قول مندرج في الكتب المقدسة إلهامي أو لا؟ ثم علقت في موضع منها (١٩/٢٠) على ذلك: (إن الذين قالوا إن كل قول مندرج فيها إلهامي، لا يقدرون أن يثبتوا دعواهم بسهولة) .
ونقول: ولا بصعوبة!!
وإزاء عشرات المواضع المتضاربة فيما بين هذه الأناجيل، بعضها وبعض، وعشرات الأغلاط التاريخية، والنبوءات الكاذبة التي لم تتحقق، قرر فريدريك جرانت أن (العهد الجديد كتاب غير متجانس، ذلك أنه شتات مجمع، فهو لا يمثل وجهة نظر واحدة تسوده من أوله إلى آخره، لكنه في الواقع يمثل وجهات نظر مختلفة) .
وأما دائرة المعارف الأمريكية فتذكر (أن هناك مشكلة هامة وصعبة تنجم عن التناقض الذي يظهر في نواح كثيرة بين الإنجيل الرابع، والثلاثة المتشابهة؛ إن الاختلاف بينهم عظيم، لدرجة أنه لو قبلت الأناجيل المتشابهة، باعتبارها صحيحة وموثوقا فيها، فإن ما يترتب على ذلك هو عدم صحة إنجيل يوحنا) .
هذا مع اعتبار أن إنجيل يوحنا هو أشد هذه الأناجيل تقريرا لعقيدتهم في التثليث، بل إنهم ليعترفون أنه ألف من أجل تقرير هذه العقيدة التي أخلت بها الأناجيل الأخرى، وقطع اختلاف الناس في شأنها!!
إن الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تتمسك بشدة بعقيدة الإلهام، كأصل للكتاب المقدس، وأكدت على ذلك في مجمع الفاتيكان عام (١٨٦٩-١٨٧٠) ، عادت أمام هذه الحقائق لتعترف، بعد نحو قرن، في المجمع المسكوني الثاني للفاتيكان (١٩٦٢-١٩٦٥) بأن هذه الكتب تحتوي على شوائب، وشيء من البطلان، على ما نقله الباحث الفرنسي الكاثوليكي [الذي أسلم فيما بعد] د موريس بوكاي.
ثم إن من كذب بشيء من معجزات النبي ﷺ ، وأحواله وسيرته الدالة على صدقه، كيف له أن يثبت معجزات هؤلاء الرسل المزعومين الذي كتبوا الأناجيل، أو يدلل على صدقهم في دعوى الإلهام؟!
إن دعوى الإلهام صادقة في زعمهم بدليل شهادة الكتاب المقدس، وما فيه من ذكر معجزاتهم، والكتاب المقدس وما فيه صادق لأنه إلهام!!
وهكذا ينتهي استدلالهم إلى الدور الباطل، كما نقله ريس في دائرة معارفه عن بعض المحققين: فالكتاب المقدس صحيح لأنه إلهام، وإلهامهم صادق لأن الكتاب المقدس شهد به!!
ومن كذب بالقرآن المنقول بالتواتر، الفاشي في مشارق أرض الإسلام ومغاربها، جيلا بعد جيل، حفظا وكتابة، لا تختلف نسخه، ولا تضطرب ولا تتعارض، أنى له أن يثبت صحة الأناجيل التي يعتمد عليها، والتي لم توجد مجرد إشارة لها، فضلا عن أن توجد أعيانها، قبل مضي نحو قرنين من وفاة المسيح، على ما نقله نورتن عن إكهارن الجرمني، ثم ما وقع في مطلع القرن الرابع بالنصارى من البلاء، والهدم لكنائسهم، وتحريق كتبهم، ما يفقد الثقة بكتبهم التي وجدت بعد ذلك: فمتى وجدت، وعند من كانت في فترة الاضطهاد والاستخفاء، وكيف وصلت إلينا، وكيف، وكيف ... ، أسئلة كثيرة تدور حول هذه المعضلة، فيما عبرت عنه دائرة المعارف البريطانية بقولها:
(ليس لدينا أية معرفة مؤكدة بالنسبة للكيفية التي تشكلت بموجبها قانونية الأناجيل الأربعة، ولا بالمكان الذي تقرر فيه ذلك) .
وأما الجهل بالمترجم الذي نقلها عن اللغة الأصلية التي كتبت بها، وما مدى الثقة بعلمه ودينه وكفايته لهذه المهمة، وكيف لنا أن نتأكد من أنه نقلها على وجهها، فذلك لون آخر!!
[يمكن مراجعة تفصيل ما أجملناه في هذا الجواب في: إظهار الحق، للشيخ رحمة الله الهندي، ومناظرة بين الإسلام والنصرانية، للشيخ محمد جميل غازي وآخرين]
والله يهدينا وإياكم إلى صراطه المستقيم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 222
هل الخضر نبي ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الخضر ملَك أم رسول أم نبي أم ولي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الظاهر من إطلاق القرآن أنه نبي.
قال الشيخ الشنقيطي – رحمة الله تعالى عليه – في تفسير قوله تعالى: ﴿فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمةً من عندنا وعلمناه من لدنا علماً﴾ الكهف/٦٥:
ولكنه يفهم من بعض الآيات أن هذه الرحمة المذكورة هنا رحمة نبوة، وأن هذا العلم اللدني علم وحي ... ومعلوم أن الرحمة وإيتاء العلم اللدني أعم من كون ذلك عن طريق النبوة وغيرها، والاستدلال بالأعم على الأخص في أن وجود الأعم لا يستلزم وجود الأخص كما هو معروف، ومن أظهر الأدلة في أن الرحمة والعلم اللدني الذين امتن الله بهما على عبده الخضر عن طريق النبوة والوحي قوله تعالى: ﴿وما فعلته عن أمري﴾ الكهف / ٨٢، أي: وإنما فعلته عن أمر الله جل وعلا، وأمر الله إنما يتحقق بطريق الوحي، إذ لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه إلا الوحي من الله جل وعلا، ولا سيما قتل الأنفس البريئة في ظاهر الأمر، وتعييب سفن الناس بخرقها؛ لأن العدوان على أنفس الناس وأموالهم لا يصح إلا عن طريق الوحي من الله تعالى، وقد حصر تعالى طرق الإنذار في الوحي في قوله تعالى: (قل إنما أنذركم بالوحي) الأنبياء/٤٥، و " إنما " صيغة حصر.
" أضواء البيان " (٤ / ١٧٢، ١٧٣) .
وقال:
". . . وبهذا كله تعلم: أن قتل الخضر للغلام، وخرقه للسفينة وقوله: (وما فعلته عن أمري) ، دليل ظاهر على نبوته، وعزا الفخر الرازي في تفسيره القول بنبوته للأكثرين، ومما يستأنس به للقول بنبوته تواضع موسى ﵊ له في قوله: (هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا) الكهف/٦٦، وقوله: (ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا) الكهف/٦٩، مع قول الخضر له: (وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا) الكهف/٦٨. "
أضواء البيان (٣/٣٢٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 223
إبراهيم ﵇
[السُّؤَالُ]
ـ[هل لك أن تعطيني بعض المعلومات عن النبي إبراهيم ﵇؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أرسل الله نبيه إبراهيم ﵊ وجعل في ذريته النبوة والكتاب: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً) مريم/٤١.
وقد ربى الله إبراهيم وأكرمه بفضائل وصفات حميدة: (إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين، شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم، وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين) النحل/١٢٠- ١٢١- ١٢٢.
وإبراهيم ﵇ أبو الأنبياء فلم يبعث نبياً من بعده إلا من نسله وقد كان له ولدان اصطفاهما الله بالنبوة وهما إسماعيل جد العرب ومن نسله بعث الله النبي محمد ﷺ أما الآخر فهو إسحاق وقد رزقه الله نبياً اسمه يعقوب ويلقب بإسرائيل وإليه ينسب بنو إسرائيل مع أنبيائهم.
وقد أشار القرآن إلى أبوة إبراهيم للأنبياء بقوله عن إبراهيم: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاً هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين، وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلاً فضلنا على العالمين) الأنعام/٨٤ - ٨٦.
وقد دعا إبراهيم ﵇ قومه في العراق إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأوثان التي لا تنفع ولا تضر قال تعالى: (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، إنما تعبدون من دون الله أوثاناً وتخلقون إفكاً، إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون) العنكبوت/١٦-١٧.
وقد أراد إبراهيم ﵇ أن يحرر قومه من عبادة الأصنام. ويخلصهم من الخرافات والأساطير فسأل قومه عن هذه الأصنام كما قال تعالى: (واتل عليهم نبأ إبراهيم، إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون، قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين، قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) الشعراء/٦٧ - ٧٤.
ثم بين لهم أن لا ينقادوا لغيرهم بلا عقل كالبهائم وقرر لهم الحقيقة العظمى وهي عبادة الله وحده الذي بيده ملكوت كل شيء: (قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) الشعراء/٧٥ - ٨٢.
وقد كان أبو إبراهيم من عبدة الأصنام وكان ينحتها ويبيعها فعز على إبراهيم كفر أبيه فخصه بالنصيحة وقال له: (يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سوياً) مريم/٤٢ - ٤٣.
ولكن أباه لم يستجب له بل هدده بالرجم والهجر فقال: (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني ملياً) مريم/٤٦.
فما كان من إبراهيم إلا أن تركه وقال له: (سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً) مريم/٤٧.
وظل إبراهيم يستغفر لأبيه ويرجو ربه هدايته فلما تبن له أنه عدو لله تبرأ منه وترك الاستغفار له قال تعالى: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلاّ عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم) التوبة/١١٤.
ولما أصر قوم إبراهيم على عبادة الأصنام أراد إبراهيم أن يبين لهم بالبرهان العملي أن تلك الأصنام لا تضر ولا تنفع بعد أن لم يؤثر في قومه الوعظ والإرشاد: (فنظر نظرة في النجوم، فقال إني سقيم، فتولوا عنه مدبرين، فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون، ما لكم لا تنطقون، فراغ عليهم ضرباً باليمين) الصافات/٨٨-٩٣.
وقد كسر إبراهيم الأصنام إلا الكبير فتركه لعلهم يسألونه عمن فعل ذلك: (فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون) الأنبياء/٥٨.
فلما رجعوا من عيدهم الذي خرجوا له رأوا الأصنام مكسرة واتهموا إبراهيم فقال لهم: (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) الأنبياء/٦٣.
ولما كانوا يعلمون أن تلك الأصنام لا تنطق لأنها جمادات حينئذ قالوا لإبراهيم: (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) الأنبياء/٦٥.
فلما اعترفوا بعجز تلك الأصنام قال لهم إبراهيم: (أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، أفٍ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) الأنبياء/٦٧.
ولما انقطعت حجتهم لجأوا إلى استعمال القوة فقالوا: (حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين) الأنبياء/٦٨.
فجمعوا حطباً كثيراً وأضرموه ناراً لها شرر ولهب عظيم ثم ألقوا إبراهيم ﵇ في تلك لنار فقال حسبي الله ونعم الوكيل فأنجاه الله منها وجعلها عليه برداً وسلاماً , وأبطل كيد أعدائه: (قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين) الأنبياء/٦٩-٧٠.
ولما نجا إبراهيم من النار أمره الله بالخروج والهجرة من أرض العراق إلى الأرض المقدسة في الشام فتزوج ابنة عمه - سارة - وخرج بها مهاجراًً مع ابن أخيه لوط إلى بلاد الشام كما قال سبحانه: (ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) الأنبياء/٧١.
ثم نزلت بأرض الشام ضائقة شديدة فنزح إبراهيم إلى مصر ومعه زوجته ثم عاد منها إلى فلسطين ومعه زوجته - سارة - وجارية لها تدعى - هاجر - ورغب إبراهيم في الذرية وزوجته كانت عقيماً وقد تقدمت بها السن ولما رأت رغبة زوجها في الولد أهدت إليه جاريتها -هاجر - فتزوجها ورزق منها ابنه إسماعيل: (رب هب لي من الصالحين، فبشرناه بغلام حليم) الصافات/١٠٠-١٠١.
وبعد أن ولدت هاجر إسماعيل ثارت الحسرة والغيرة في نفس سارة فطلبت من إبراهيم إقصاءهما عنها فأوحى الله إلى إبراهيم أن يأخذ هاجر وإسماعيل الرضيع ويذهب بهما إلى مكة فسار بهما وأنزل هاجر وطفلها إسماعيل في مكان قفر موحش ليس فيه ماء ثم تركهما وقفل راجعاً إلى فلسطين فقالت له هاجر لمن تتركنا بهذا الوادي القفر الموحش؟ ولكن إبراهيم مضى وتركها فقالت حينئذ آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، فقالت: إذن لا يضيعنا الله.
واستسلم إبراهيم لأمر ربه وصبر على فراق زوجته وولده ثم التفت إليهم في مكانهم عند البيت الحرام ودعا بهذه الدعوات: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) إبراهيم/٣٧.
مكثت هاجر في مكة تأكل من الزاد وتشرب من الماء اللذين تركهما إبراهيم لها ولابنها فلما نفد ذلك عطشت وعطش ابنها فطلبت الماء وصعدت جبل الصفا فلم ترى شيئاً ثم صعدت جبل المروة فلم ترى شيئاً فعلت ذلك سبع مرات ثم التفتت إلى إسماعيل فإذا الماء ينبع من تحت قدميه ففرحت وشربت وسقت ابنها ثم جاءت قبيلة - جرهم - إلى هاجر واستأذنوها في السكن عند الماء فأذنت لهم فسكنوا بجوارها ولما كبر إسماعيل تزوج منهم وتعلم العربية منهم.
وفي تلك الفترة كان إبراهيم يزور ابنه من وقت إلى لآخر وفي إحدى الزيارات رأى إبراهيم في المنام أنّ الله يأمره بذبح ابنه إسماعيل ورؤيا الأنبياء حق فعزم إبراهيم على تنفيذ أمر الله مع أنه في سن الشيخوخة وإسماعيل ابنه الوحيد قال تعالى: (فبشرناه بغلام حليم، فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه أن يا إبرهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين، إن هذا لهو البلاء المبين، وفديناه بذبح عظيم) الصافات/١٠١-١٠٧.
ثم بشره الله بولد آخر وهو إسحاق ثم رجع إبراهيم إلى فلسطين: (وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين) الصافات/١١٢.
وولد له إسحاق من زوجته سارة: (وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب) هود/٧١.
ثم أقام إبراهيم في فلسطين مدة ثم جاء إلى مكة مرة أخرى لأمر عظيم فقد أمره الله أن يبني في مكة أول بيت يقام لعبادة الله فقام إبراهيم بالبناء وابنه إسماعيل يناوله الحجارة فلما ارتفع البنيان قام إبراهيم على حجر وهو مقام إبراهيم الموجود حول الكعبة قال تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) البقرة/١٢٧.
وقد أمر الله إبراهيم وإسماعيل أن يطهرا البيت من الأصنام والنجاسات ليكون طاهراً للطائفين والقائمين والركع السجود ولما بنى إبراهيم البيت أمره الله أن يدعوا الناس للحج بقوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) الحج/٢٧.
ثم دعا إبراهيم ﵇ بهذه الدعوات العظيمة لمكة ومن فيها: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً وأرزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير) البقرة/١٢٦.
ثم دعا له ولذريته بقوله: (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم) البقرة/١٢٧-١٢٨.
ثم دعا لأهل الحرم أن يبعث الله فيهم رسولاً منهم يدعوهم إلى عبادة الله وحده فقال: (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) البقرة/١٢٩.
وقد استجاب الله دعاء نبيه إبراهيم فجعل مكة بلداً آمناً ورزق أهلها من الثمرات وبعث فيهم رسولاً منهم هو خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ فلله الحمد والشكر
وقد كانت النبوة والرسالة بعد إبراهيم في بني إسرائيل زمناً طويلاً حتى بعث الله محمداً ﷺ من نسل إسمايل رسولاً إلى الناس جميعاً وأمره بقوله: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً) الأعراف/١٥٨.
وقد أمر الله محمداً ﷺ أن يتبع ملة إبراهيم فقال سبحانه: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين) النحل/١٢٣.
وكانت وصية إبراهيم إلى أبنائه هي التمسك بدين الإسلام والعمل به حتى الممات قال تعالى: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون) البقرة/١٣٢.
اللهم صل على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
ومن الأنبياء في زمان إبراهيم ﵇ لوط , وإسماعيل , وإسحق , ويعقوب ثم يوسف , ثم شعيب ثم أيوب ثم ذو الكفل ثم أرسل الله موسى وهارون عليهما وعلى سائر الأنبياء أفضل الصلاة والسلام.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب أصول الدين الإسلامي للشيخ محمد بن ابراهيم التويجري.
стр. 224
حوار مع نصراني حول صلب المسيح
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا يصعب على المسلمين أن يؤمنوا بأن المسيح قد صلب لمحو ذنوبنا، ويرفضون فكرة الصلب من أصلها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أما رفض المسلمين لهذه الفكرة فليس فيه عجب ولا غرابة، إذ كان القرآن الذي يؤمنون به، ويصدقون بخبره قد نفى ذلك الأمر نفيا قاطعا، كما قال الله تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً) النساء/١٥٧
لكن الشأن إنما هو في النصارى الذين صارت عقيدة الصلب والفداء عندهم من الأهمية بمكانٍ، بحيث صار الصليب شعارا لدينهم!!
والعجيب أنهم يختلفون في شكل هذا الصليب اختلافا يُلمح إلى تخبطهم في أصل هذه الفرية!!
إن كل ما يتعلق بقصة الصلب هو محل اختلاف بين أناجيلهم ومؤرخيهم:
فقد اختلفوا في وقت العشاء الأخير بزعمهم، الذي كان مقدمة من مقدمات الصلب، واختلفوا في التلميذ الخائن الذي دل على السيد المسيح:
هل كان قبل العشاء الأخير بيوم على الأقل، كما يروي لوقا، أو أثناءه، بعد أن أعطاه المسيح اللقمة، كما يروي يوحنا؟!
وهل المسيح هو الذي حمل صليبه كما يروي يوحنا، على ما كان معتادا فيمن يصلب، على حد قول نيتنهام، أو هو سمعان القيرواني، كما يروي الثلاثة الآخرون؟!
وإذا كانوا قد ذكروا أن اثنين من اللصوص صلبا كما صلب المسيح، أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فما كان موقف هذين المصلوبين من المسيح المصلوب، بزعمهم:
هل عيره اللصان بصلبه، وأن ربه أسلمه إلى أعدائه، أو عيره أحدهما فقط، والثاني انتهر هذا المُعَيِّر؟!
ثم في أي ساعة كان هذا الصلب: الثالثة كما يروي مرقس، أو السادسة كما يروي يوحنا؟!
وماذا حدث بعد الصلب الذي زعموه:
إن مرقس يروي أن حجاب الهيكل قد انشق من فوق إلى أسفل، ويزيد متى أن الأرض تزلزلت، والصخور تشققت، وقام كثير من القديسين من قبورهم، ودخلوا المدينة المقدسة، وظهروا لكثيرين، بينما لوقا يروي أن الشمس أظلمت، وانشق حجاب الهيكل من وسطه، فلما رأى قائد المائة ما كان، مجد الله قائلا: بالحقيقة كان هذا الإنسان بارا.
وأما يوحنا فلا يعلم عن ذلك شيئا!!
وليس هذا فقط هو كل ما تحويه قصة الصلب، كما توردها الأناجيل، من عناصر الضعف، ودلائل البطلان، وإنما يمكن للناظر في تفاصيل الروايات التي توردها الأناجيل لهذه القصة أن يلمس بأدنى نظر ما بينها من اختلاف شديد في تفاصيل تلك القصة، وما دار حولها، بحيث يتعذر الإيمان بذلك كله، أو التصديق بأي ذلك كان!!
وكم هي شاقة تلك المحاولة اليائسة لسد تلك الثغرات، وستر عورات الكتب المحرفة، وصدق الله العظيم إذ يقول في كتابه المحفوظ: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختِْلافاً كَثِيراً) النساء/٨٢ إنها محاولة قروي ساذج لإقناع العلماء أن قنابل الذَّرَّة مصنوعة من كيزان الذٌّرَة، على حد تعبير بعض الدعاة!!
وبعيدا عن سقوط الثقة بأخبار الأناجيل المحرفة، والتي اعترف أهلها أنفسهم بأنها لم تنزل على المسيح هكذا، بل ولا كتبت في حياته، فإن شهود الإثبات جميعاً لم يحضروا الواقعة التي يشهدون فيها، كما قال مرقس: ﴿فتركه الجميع وهربوا﴾ (مرقس ١٤/٥٠)
وإزاء ذلك الموقف الذي لم يشهده أحد ممن حكاه، فلتذهب الظنون كل مذهب، والخيال مثل الشِّعر: أعذبه أكذبه!!
ولنكمل صورة الحديث عن أسطورة صلب المسيح ﵇، بما ذكرته الأناجيل من تنبؤات المسيح بنجاته من القتل:
ذات مرة أرسل الفريسيون ورؤساء الكهنة الحرس ليمسكوا به، فقال لهم:
﴿سأبقى معكم وقتا قليلا، ثم أمضي إلى الذي أرسلني، ستطلبوني فلا تجدوني، وحيث أكون أنا لا تقدرون أن تجيئوا﴾ [يوحنا: ٧/٣٢-٣٤﴾
وفي موقف آخر يقول:
﴿أنا ذاهب، وستطلبوني، وفي خطيئتكم تموتون، وحيث أنا ذاهب لا تقدرون أنتم أن تجيئوا.
فقال اليهود: لعله سيقتل نفسه، لأنه قال: حيث أنا ذاهب لا تقدرون أن تجيئوا.
وقال لهم: أنتم من أسفل، أما أنا فمن فوق، أنتم من هذا العالم، وما أنا من هذا العالم.....
متى رفعتم ابن الإنسان، عرفتم أني أنا هو، وأني لا أعمل شيئا من عندي، ولا أقول إلا ما علمني الآب، والآب الذي أرسلني هو معي، وما تركني وحدي، لأني في كل حين أعمل ما يرضيه﴾ . [يوحنا: ٨/٢١-٢٩]
ثم يعود ليقول لهم آخر الأمر:
﴿لن تروني إلا يوم تهتفون: تبارك الآتي باسم الرب. وخرج يسوع من الهيكل ... ﴾ [متى: ٣٢/٣٩، ٢٤/١] وأيضا: [لوقا ١٣/٣٥] .
لقد كان المسيح، كما تصوره هذه النصوص وغيرها أيضا، على ثقة من أن الله ـ تعالى ـ لن يسلمه إلى أعدائه، ولن يتخلى عنه:
﴿تجيء ساعة، بل جاءت الآن، تتفرقون فيها، كل واحد في سبيله، وتتركوني وحدي؛ ولكن لا أكون وحدي، لأن الآب معي ... ستعانون الشدة في هذا العالم، فتشجعوا؛ أنا غلبت العالم!!﴾ [يوحنا: ١٦/٣٢-٣٣] .
ولأجل هذا كان المارة، بل كل من حضر التمثيلية المزعومة لصلبه (!!) يسخرون من المسيح، حاشاه من ذلك ﷺ ، كما يقول كاتب هذا الإنجيل:
﴿وكان المارة يهزون رؤوسهم ويشتمونه، ويقولون: ... إن كنت ابن الله، فخلص نفسك، وانزل عن الصليب. وكان رؤساء الكهنة، ومعلمو الشريعة والشيوخ يستهزئون به، فيقولون: خلَّصَ غيره، ولا يقدر أن يخلص نفسه؟! هو ملك إسرائيل، فلينزل الآن عن الصليب لنؤمن به؛ توكَلَ على الله وقال: أنا ابن الله، فلينقذه الله إن كان راضيا عنه. وعيره اللصان المصلوبان معه أيضا، فقالا مثل هذا الكلام.﴾
لكن يبدو أن يقين عسى بمعية الله له قد بدأ يتزعزع، على ما تصوره أناجيلهم المحرفة، حاشاه ﵇ من ذلك:
﴿جاء معهم يسوع إلى موضع اسمه جَتْسِماني، فقال لهم: اجلسوا ههنا حتى أذهب وأصلّي هناك، ثم أخذ معه بطرس وابني زبدي، وبدأ يشعر بالحزن والكآبة، فقال لهم: نفسي حزينة حتى الموت، امكثوا ههنا واسهروا معي. وابتعد عنهم قليلاً وارتمى على وجهه، وصلّى فقال: إن أمكن يا أبي فلتعبر عني هذه الكأس، ولكن ليس كما أريد أنا، بل كما أنت تريد. ثم جاء إلى التلاميذ فوجدهم نياماً.. وابتعد ثانية، وصلّى فقال: يا أبي إذا كان لا يمكن أن تعبر عني هذه الكأس، إلا إن أشربها، فلتكن مشيئتك، ثم جاء فوجدهم أيضاً نياماً ... وعاد إلى الصلاة مرة ثالثة، فردد الكلام نفسه. ثم رجع إلى التلاميذ، وقال لهم: أنيام بعدُ ومستريحون؟! جاءت الساعة التي فيها يُسْلَم ابن الإنسان إلى أيدي الخاطئين﴾ [متى ٢٦/٣٦ -٤٠] .
ويصف لوقا المشهد، فيقول: ﴿ ... ووقع في ضيق، فأجهد نفسه في الصلاة، وكان عرقه مثل قطرات دم تتساقط على الأرض، وقام عن الصلاة، ورجع إلى التلاميذ فوجدهم نياما من الحزن، فقال لهم ما بالكم نائمين، قوموا وصلوا لئلا تقعوا في التجربة﴾ [لوقا ٢٢/٤٤] .
ولأجل هذا الاستهزاء بدعوى المسيح، في زعمهم، ولأجل ما كان يظنه المسيح من أن الله معه ولن يخذله، كان منطقيا أن ينهي الكاتب الذي افترى هذا المشهد الدرامي، بلقطة بائسة تمثل حسرة المسيح، وخيبة ظنه في معية الله له، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، يقول الكاتب المفتري:
﴿وعند الظهر خيم على الأرض كلها ظلام حتى الساعة الثالثة , ونحو الساعة الثالثة صرخ يسوع بصوت عظيم: إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟!!﴾ [متى: ٢٧/٣٨-٤٧] وأيضا:
[مرقس: ١٥/٢٩-٣٥] .
وإذ قد عرفنا قيمة تلك القصة في ميزان النقد، فإن ما بني عليها من عقيدة الفداء والتضحية تبع لها.
وانظر أيضا حول عقيدة الفداء عند النصارى: السؤال رقم [٦]
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، لا رب سواه.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 225
هل يمكن للبشر رؤية الملائكة والنبي ﷺ يقظة عياناً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كنا قد قمنا بمسيرة احتجاجية كبيرة بالعاصمة لمساندة الشعب الفلسطيني والشعب العراقي ضد الاحتلال الإسرائيلي والأمريكي، بعد انتهاء المسيرة سمعت بعض الإخوان والأخوات يتحدثون أنهم رأوا سيدنا جبريل نازلاً من السماء وكذلك رأوا سيدنا محمد (ص) والكثير من الملائكة يرافقونهم، تأييداً لهذه المسيرة، فهل هذه المشاهدات قد تكون حقيقية ويجب علينا تصديقها وإلا سوف نعاقب بسوء الظن في إخواننا المسلمين؟ بالنسبة لي لم أستطع التصديق علما أن أهل بدر والصحابة الأجلاء العشرة المبشرين بالجنة لم يروا الملائكة الكرام بالعين المجردة ولا رأوا سيدنا جبريل! فهل نستطيع أن نقول إن هذا وهَم المشاهدة؟ أي: تخيل رؤية الشيء حتى يصبح حقيقة يصدقه العقل وتراه العين؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
سبق في جواب السؤال رقم (١١٤٦٩) بيان حكم المظاهرات فلينظر.
ثانياً:
لا ينبغي اختصار الصلاة والسلام على النبي ﷺ بحرف الصاد، ولا بكلمة " صلعم "! ومن كتب مثل هذا السؤال الطويل لا يعجزه كتابة الصلاة والسلام عليه كاملة.
وقد سبق بيان حكم كتابة هذين الاختصارين في جواب السؤال رقم (٤٧٩٧٦) فلينظر.
ثالثاً:
الملائكة خلقت من نور – كما رواه مسلم (٢٩٩٦) - ولا يمكن لأحدٍ أن يدَّعي أنه رآها على صورتها الحقيقية إلا أن يكون نبيّاً يُصدَّق قوله، وأما أن يراهم متشكلين على هيئات أحدٍ من البشر فيمكن هذا لعامة الناس وخاصتهم، وقد جاء في السنَّة النبوية من ذلك كثير، سواء في هذه الأمة أم في الأمم التي قبلها.
وإذا كان النبي ﷺ وهو موفور العقل والدين لم يحتمل رؤية جبريل ﵇ على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها، فكيف أطاقه هؤلاء - هذا إن سلَّمنا أنهم رأوه أصلاً -؟!
قال الشيخ عمر الأشقر:
ولما كانت الملائكة أجساماً نورانيَّة لطيفة؛ فإن العباد لا يستطيعون رؤيتهم، خاصة أن الله لم يُعطِ أبصارنا القدرة على هذه الرؤية، ولم يرَ الملائكةَ في صُوَرهم الحقيقية من هذه الأمَّة إلا الرسول ﷺ ؛ فإنه رأى جبريل مرتين في صورته التي خلَقه الله عليها، وقد دلَّت النصوص على أن البشر يستطيعون رؤية الملائكة إذا تمثَّلت الملائكة في صورة البشر.
" عالَم الملائكة الأبرار " (ص ١١) .
وقال أيضاً – في سياق إثبات بشرية الرسل والرد على من اقترح أن يكونوا من الملائكة -:
الرابع: صعوبة رؤية الملائكة، فالكفار عندما يقترحون رؤية الملائكة، وأن يكون الرسل إليهم ملائكة لا يدركون طبيعة الملائكة، ولا يعلمون مدى المشقة والعناء الذي سيلحق بهم من جراء ذلك.
فالاتصال بالملائكة ورؤيتهم أمر ليس بسهل، فالرسول ﷺ مع كونه أفضل الخلق، وهو على جانب عظيم من القوة الجسميَّة والنفسيَّة عندما رأى جبريل على صورته أصابه هول عظيم ورجع إلى منزله يرجف فؤاده، وقد كان ﷺ يعاني من اتصال الوحي به شدّة، ولذلك قال في الردّ عليهم: (يومَ يروْنَ الملائكةَ لا بُشرى يومئذٍ للمُجرمين) الفرقان/٢٢، ذلك أنَّ الكفار لا يرون الملائكة إلا حين الموت أو حين نزول العذاب، فلو قُدّر أنّهم رأوا الملائكة لكان ذلك اليوم يوم هلاكهم.
فكان إرسال الرسل من البشر ضروريّاً كي يتمكنوا من مخاطبتهم، والفقه عنهم، والفهم منهم، ولو بعث الله رسله إليهم من الملائكة لما أمكنهم ذلك (ومَا مَنَعَ النَّاس أنْ يؤمنوا إذ جاءَهُم الهُدى إلاّ أنْ قالوا أبَعَثَ اللهُ بشراً رسُولاً. قُلْ لو كان في الأرضِ ملائكةٌ يمشون مطمئنينَ لنزّلنا عليهم من السّماء ملكاً رسُولاً) الإسراء/٩٤، ٩٥، أما وأن الذين يسكنون الأرض بشر فرحمة الله وحكمته تقتضي أن يكون رسولهم من جنسهم (لَقَدْ مَنَّ اللهُ على المؤمنينَ إذْ بعثَ فيهم رسُولاً من أنفسِهِم) آل عمران/١٦٤.
وإذا كان البشر لا يستطيعون رؤية الملائكة والتلقي عنهم بيسر وسهولة فيقتضي هذا - لو شاء الله أن يرسل مَلكا رسولا إلى البشر - أن يجعله رجلا (ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لجعلناهُ رَجُلاً ولَلَبسْنا عليهم ما يلبِسون) الأنعام/٩.
والتباس الأمر عليهم بسبب كونه في صورة رجل، فلا يستطيعون أن يتحققوا من كونه ملكاً، وإذا كان الأمر كذلك فلا فائدة من إرسال الرسل من الملائكة على هذا النحو، بل إرسالهم من الملائكة على هذا النحو لا يحقق الغرض المطلوب، لكون الرسول الملك لا يستطيع أن يحس بإحساس البشر وعواطفهم وانفعالاتهم وإن تشكل بأشكالهم.
" الرسل والرسالات " (٧٢، ٧٣) .
رابعاً:
وأما رؤية النبي ﷺ يقظة فهو من أقوال المخرفين من الصوفية، ولا أصل له في الشرع ولا في واقع الحال، وقد وقعت للصحابة ﵃ أمورٌ عظيمة بعد وفاته ﷺ ، وكانوا في أمس الحاجة لوجوده بينهم، فَلِمَ لمْ يظهر لهم؟ ولم يروه وهو أحب الناس إليهم، وهم أحب الناس إليه؟!
وأما استدلال بعضهم بالحديث الذي في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة) على إمكانية رؤية النبي صلى الله عليه وسم يقظة: فليس فيه ما يدل على ما قالوه، بل هذا فيه البشرى لمن رآه في المنام أن يراه في الجنة، وليس المعنى أنه يراه يقظة في الدنيا.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
وشذ بعض الصالحين فزعم أنها تقع - يعني الرؤية - بعيني الرأس حقيقة.
" فتح الباري " (١٢ / ٣٨٤) .
وقال النووي ﵀ في معنى قول النبي ﷺ : (فسيراني في اليقظة) : فيه أقوال:
أحدها: أن يراد به أهل عصره، ومعناه: أن من رآه في النوم ولم يكن هاجر يوفقه الله للهجرة ورؤيته ﷺ في اليقظة عياناً.
وثانيها: أنه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة؛ لأنه يراه في الآخرة جميع أمته.
وثالثها: أنه يراه في الآخرة رؤية خاصة في القرب منه وحصول شفاعته، ونحو ذلك.
" شرح مسلم " (١٥ / ٢٦) .
ولا يتعارض ما ذكره النووي في القول الأول مع ما أنكره الحافظ ابن حجر؛ لأن النووي ذكر أنه يراد به أهل عصره ﷺ ، وما أنكره الحافظ إنما هو لمن زعم الرؤية حقيقة بعد وفاته ﷺ .
وقال أبو العباس القرطبي – ردّاً على من قال برؤيته ﷺ يقظة -:
وهذا يدرك فساده بأوائل العقول، ويلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها، وأن يراه رائيان في آن واحد في مكانين، وأن يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه، ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده ولا يبقى في قبره منه شيء، فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب؛ لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره.
نقله عنه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (١٢ / ٣٨٤) .
وأيضاً لو كان صحيحاً أن أحداً يرى النبي ﷺ يقظة لكان عداده في الصحابة ولاستمرت الصحبة إلى يوم القيامة.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني أن ابن أبى جمرة نقل عن جماعة من المتصوفة " أنهم رأوا النبي ﷺ في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها فجاء الأمر كذلك "! ثم تعقب الحافظ ذلك بقوله:
" وهذا مشكل جدّاً، ولو حمل على ظاهره: لكان هؤلاء صحابة، ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة، ويعكِّر عليه أن جمعاً جمّاً رأوه في المنام ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة، وخبر الصادق لا يتخلف.
" فتح الباري " (١٢ / ٣٨٥) .
وفي رد علماء اللجنة الدائمة على عقيدة التيجاني قالوا:
ولم يثبت عن الخلفاء الراشدين ولا سائر الصحابة ﵃ أن أحداً منهم وهم خير الخلق بعد الأنبياء ادعى أنه رأى النبي ﷺ يقظة، ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن التشريع قد أكمل في حياته ﷺ ، وأن الله قد أكمل للأمة دينها وأتم عليها نعمته قبل أن يتوفى رسوله ﷺ إليه، قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً) المائدة/٣، فلا شك أن ما زعمه أحمد التيجاني لنفسه من رؤية النبي ﷺ يقظة وأنه أخذ عنه الطريقة التيجانية يقظة مشافهة، وأنه عيَّن له الأوراد التي يذكر الله بها ويصلي على رسوله بها لاشك أن هذا من البهتان والضلال المبين.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢ / ٣٢٥، ٣٢٦) .
وقالوا أيضاً:
فتوفي رسول الله ﷺ بعدما بلغ الرسالة وأكمل الله به دينه وأقام به الحجة على خلقه، وصلى عليه أصحابه ﵃ صلاة الجنازة، ودفنوه حيث مات في حجرة عائشة ﵂، وقام من بعده الخلفاء الراشدون، وقد جرى في أيامهم أحداث ووقائع فعالجوا ذلك باجتهادهم، ولم يرجعوا في شيء منها إلى رسول الله ﷺ ، فمن زعم بعد ذلك أنه رآه في اليقظة حيا وكلمه أو سمع منه شيئا قبل يوم البعث والنشور فزعمه باطل؛ لمخالفته النصوص والمشاهدة وسنة الله في خلقه، وليس في هذا الحديث دلالة على أنه سيرى ذاته في اليقظة في الحياة الدنيا؛ لأنه يحتمل أن المراد بأنه: فسيراني يوم القيامة، ويحتمل أن المراد: فسيرى تأويل رؤياه؛ لأن هذه الرؤيا صادقة بدليل ما جاء في الروايات الأخرى من قوله ﷺ : " فقد رآني " الحديث، وقد يراه المؤمن في منامه رؤيا صادقة على صفته التي كان ﷺ عليها أيام حياته الدنيوية.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١ / ٤٨٦، ٤٨٧) .
وخلاصة ما سبق:
أنه لا يجوز لأحدٍ – بعد الأنبياء - أن يدَّعي رؤية الملائكة؛ فهم أجسام نورانية لم يجعل الله تعالى في مقدور البشر رؤيتهم إلا إن تشكلوا.
ولا يجوز لأحدٍ أن يدَّعي رؤية النبي ﷺ يقظة، ولعل هذه الأوهام والخيالات كانت من بعض مَنْ ليس عنده علم شرعي ولا عقل ناضج فراح يتخيل ويتصور وجود ما لا حقيقة له.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 226
طفل يسأل لماذا يجب علينا أن نحبّ ونحترم رسولنا محمد ﷺ إلى أقصى درجة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً ﷺ إلى أقصى درجة؟ (أو أكثر من أي شخص آخر) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
مرحباً بك أيها الابن الحبيب، مراسلا لنا في موقعنا، ونسأل الله أن ينبتك أنت وأولاد المسلمين نباتاً حسناً، وأن يوفق والديك لتربيتك تربية إسلامية لتحمل لواء الإيمان، وتكون بطلاً من جند هذا الدين.
وبعد فإني أسألك أيها الحبيب:
إذا كنت تحب اللعب، وأمرك أبوك بترك اللعب في وقت من الأوقات لتذاكر دروسك، فماذا تفعل؟
لو كنت تحب أباك محبة صادقة، سوف تنفذ ما طلبه، حتى وإن كنت تحب اللعب!!
لو كنت تخاف أن يعاقبك أبوك، وتعلم أنه يعاقب من لا يسمع كلامه، فسوف تترك اللعب لتذاكر!!
لو كنت تنتظر هدية أو مكافأة من أبيك على مذاكرتك ونجاحك، فسوف تمنع نفسك من اللعب في بعض الأوقات، وتتحمل تعب المذاكرة، من أجل أن تفوز بالجائزة!!
أيها الابن الكريم:
إن فضل النبي ﷺ علينا أعظم من فضل الوالد والوالدة، والناس أجمعين، فكل خير عندنا وعند الوالدين من عند الله (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) النحل/٥٣، والجائزة التي أعدها الله لمن يطيعه أعظم جائزة: الجنة (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) المائدة/٩، والعقاب الذي أعده لمن يعصيه شر عقاب وأشده (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) النساء/١٤، وطاعة الله لا تتم إلا بطاعة الرسول ﷺ : (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) النساء/٨٠
وهكذا دخول الجنة لا يتم إلا بطاعة الرسول:
روى الترمذي (٢٨٦٠) عن جابر ﵁ قال: (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسِي وَمِيكَائِيلَ عِنْدَ رِجْلَيَّ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اضْرِبْ لَهُ مَثَلا. فَقَالَ: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ، وَاعْقِلْ عَقَلَ قَلْبُكَ، إِنَّمَا مَثَلُكَ وَمَثَلُ أُمَّتِكَ كَمَثَلِ مَلِكٍ اتَّخَذَ دَارًا ثُمَّ بَنَى فِيهَا بَيْتًا ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا مَائِدَةً، ثُمَّ بَعَثَ رَسُولا يَدْعُو النَّاسَ إِلَى طَعَامِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ الرَّسُولَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَهُ، فَاللَّهُ هُوَ الْمَلِكُ، وَالدَّارُ الإِسْلامُ، وَالْبَيْتُ الْجَنَّةُ، وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ رَسُولٌ، فَمَنْ أَجَابَكَ دَخَلَ الإِسْلامَ، وَمَنْ دَخَلَ الإِسْلامَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ أَكَلَ مَا فِيهَا) انظر السلسلة الصحيحة للألباني (٣٥٩٥)
أعرفت الآن لماذا يجب علينا أن نحب الرسول ﷺ ونحترمه إلى أقصى درجة؟
لأنه ﷺ هو الذي أرشدنا إلى طريق الجنة، فلا يمكن لنا أن ندخل الجنة إلا باتباعه ﷺ والعمل بسنّته، والجنة هي أعظم شيء يرجوه المسلم ويسعى إليه.
والآن أيها الابن العزيز أذكرك بتطبيق حي لهذه المحبة البالغة، والطاعة الكاملة:
لابد أنك سمعت قصة هجرة النبي ﷺ – من والدك، أو في المسجد الذي تصلي فيه، أو من معلمك في المدرسة، وأسألك:
لو لم يكن علي بن أبي طالب ﵁ – يحب الرسول ﷺ إلى أقصى درجة، ويحترمه ويطيعه أيضاً إلى أقصى درجة، هل كان من الممكن أن يقوم بهذه المهمة الخطرة.
وأخيراً: نشكرك على هذا السؤال المهم، ولأهميته فقد أعدنا الجواب عنه بأسلوب آخر فراجعه إن شئت برقم (١٤٢٥٠) واطلب من والدك أن يشرح لك تلك الإجابة.
وفقنا الله جميعا إلى أعلى مراتب الإيمان، وأنزلنا برحمته عالي الجنان.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 227
أفضلية النبي ﷺ على سائر الخلق
[السُّؤَالُ]
ـ[أعتقد موقنا بأن رسول الله محمد ﷺ هو أفضل الرسل ﵈. فهل ورد في القرآن أو السنة ما يؤيد ذلك؟ لقد ورد في آية قوله تعالى " لا نفرق بين أحد من رسله ... " وشكرا لك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا: قول الله تعالى: (لا نُفَرِّق بَيْن أحدٍ من رُسُلِه) البقرة/٢٨٥، قال ابن كثير في تفسيرها:
المؤمنون يصدِّقون بجميع الأنبياء والرسل، والكتب المُنَزَّلة من السماء، على عباد الله المرسلين والأنبياء لا يُفَرِّقون بين أحدٍ منهم، فَيُؤْمِنُون بِبَعْضٍ ويَكْفُرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بَارُّون راشدون مَهْدِيُّون هادون إلى سبيل الخير، وإنْ كان بعضهم يَنْسَخ شريعة بعض، حتى نُسِخَ الجميع بشرع محمدٍ خَاتَم الأنبياء والمرسَلِين، الذي تَقُومُ الساعة على شريعَتِهِ. تفسير ابن كثير١/٧٣٦
أما تفاضل الأنبياء بعضهم على بعض فإن الله أخبرنا بذلك فقال: (تِلْكَ الرُّسل فضَّلنا بعضهم على بعضٍ منهم من كَلَّم الله ورَفَعَ بعضهم دَرَجَاتٍ) البقرة/٢٥٣، فأخبرنا الله أن بعضهم فوق بعض درجات ولذلك كان المصطفى من الرسل هم ألو العزم قال تعالى: (وإذ أخذنا من النَّبيينَ ميثاقَهُمْ ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً) الأحزاب/٧.
ومحمد ﷺ أفضلهم ويَدَلُّ لذلك أنه إمامهم ليلة المعراج، ولا يقدم إلا الأفضل ومما يدل على أنه أفضلهم ما جاء عن أَبُي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ " رواه مسلم (الفضائل/٤٢٢٣)
قال النووي في شرحه لصحيح مسلم قَوْله ﷺ : (أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم يَوْم الْقِيَامَة , وَأَوَّل مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْر , وَأَوَّل شَافِع وَأَوَّل مُشَفَّع) قَالَ الْهَرَوِيُّ: السَّيِّد هُوَ الَّذِي يَفُوقُ قَوْمه فِي الْخَيْر , وَقَالَ غَيْره: هُوَ الَّذِي يُفْزَعُ إِلَيْهِ فِي النَّوَائِب وَالشَّدَائِد , فَيَقُومُ بِأَمْرِهِمْ , وَيَتَحَمَّلُ عَنْهُمْ مَكَارِههمْ , وَيَدْفَعُهَا عَنْهُمْ. وَأَمَّا قَوْله ﷺ : (يَوْم الْقِيَامَة) مَعَ أَنَّهُ سَيِّدهمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة , فَسَبَبُ التَّقْيِيد أَنَّ فِي يَوْم الْقِيَامَة يَظْهَرُ سُؤْدُده لِكُلِّ أَحَدٍ , وَلا يَبْقَى مُنَازِع , وَلا مُعَانِد , وَنَحْوه , بِخِلافِ الدُّنْيَا فَقَدْ نَازَعَهُ ذَلِكَ فِيهَا مُلُوكُ الْكُفَّار وَزُعَمَاء الْمُشْرِكِينَ. قَالَ الْعُلَمَاء: وَقَوْله ﷺ : (أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم) لَمْ يَقُلْهُ فَخْرًا , بَلْ صَرَّحَ بِنَفْيِ الْفَخْر فِي غَيْر مُسْلِم فِي الْحَدِيث الْمَشْهُور: (أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم وَلا فَخْرَ) وَإِنَّمَا قَالَهُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا اِمْتِثَال قَوْله تَعَالَى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّك فَحَدِّثْ) وَالثَّانِي أَنَّهُ مِنْ الْبَيَان الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْلِيغه إِلَى أُمَّته لِيَعْرِفُوهُ , وَيَعْتَقِدُوهُ , وَيَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهُ , وَيُوَقِّرُوهُ ﷺ بِمَا تَقْتَضِي مَرْتَبَتُهُ كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّه تَعَالَى. وَهَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِتَفْضِيلِهِ ﷺ عَلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ ; لأَنَّ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة أَنَّ الآدَمِيِّينَ أي أهل الطاعة والتقى أفضل مِنْ الْمَلائِكَة , وَهُوَ ﷺ أَفْضَل الآدَمِيِّينَ وَغَيْرهمْ. وَأَمَّا الْحَدِيث الآخَر: " لا تُفَضِّلُوا بَيْن الأَنْبِيَاء " فَجَوَابه مِنْ خَمْسَة أَوْجُه: أَحَدهَا أَنَّهُ ﷺ قَالَهُ قَبْل أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ سَيِّد وَلَد آدَم , فَلَمَّا عَلِمَ أَخْبَرَ بِهِ. وَالثَّانِي قَالَهُ أَدَبًا وَتَوَاضُعًا. وَالثَّالِث أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيص الْمَفْضُول. وَالرَّابِع إِنَّمَا نَهْيٌ عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إِلَى الْخُصُومَة وَالْفِتْنَة كَمَا هُوَ الْمَشْهُور فِي سَبَب الْحَدِيث. وَالْخَامِس أَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالتَّفْضِيلِ فِي نَفْس النُّبُوَّة , فَلا تَفَاضُلَ فِيهَا , وَإِنَّمَا التَّفَاضُل بِالْخَصَائِصِ وَفَضَائِل أُخْرَى وَلا بُدَّ مِنْ اِعْتِقَادِ التَّفْضِيل , فَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) وَاَللَّه أَعْلَم.أهـ
وخصائص النبي ﷺ التي تؤكد أفضليته على باقي الرسل كثيرة نذكر بعضا منها مما جاء في الكتاب والسنة:
أن الله خصَّ القرآن الكريم المُنَزَّل عليه بالحفظ دون غيره من الكتب، قال تعالى: (إنّا نحن نزَّلنا الذِّكر وإنّا له لحافظون) الحجر/٩، أما الكتب الأخرى فقد وَكَلَ الله أمْرَ حفظها إلى أهلها قال تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونور يَحْكُم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربَّانِيُّون والأحبار بما اسْتُحْفِظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء) المائدة/٤٤.
أنه خاتم الأنبياء والمرسلين قال تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) الأحزاب/٤٠.
اختصاصه بأنه أرسل إلى الناس عامة قال تعالى: (تَبَارَكَ الذي نَزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً) الفرقان/١.
ومن خصائصه ﷺ في الأخرة:
أنه صاحب المقام المحمود يوم القيامة قال تعالى: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يَبْعَثَكَ ربك مقاماً محموداً) الإسراء/٧٩، قال ابن جرير: قال أكثر أهل التأويل: ذلك المقام الذي يقومه ﷺ للشفاعة يوم القيامة للناس، لِيُرِيحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم. تفسير ابن كثير٥/١٠٣
أنه سيد الخلق يوم القيامة، وتقدم ذكر الحديث فيه.
أنه أول من يَجُوزُ الصِّراط بأمته يوم القيامة أخرج البخاري في ذلك حديث أبي هريرة الطويل، وفيه ....." فأكون أول من يَجُوزُ من الرسل بأمته " (الأذان/٧٦٤) . ومن الأدلة الواضحة على أنه أفضل الأنبياء أنهم كلهم لا يشفعون، ويحيل الواحد منهم الناس على الآخر، حتى يحيلهم عيسى على محمد ﷺ ، فيقول: أنا، ثمَّ يتقدم فيشفع للجميع، فيحمده على ذلك الأولون والآخرون، والأنبياء وسائر الخلق.
وخصائصه ﵊ التي وردت الآيات والأحاديث الصحيحة أكثر من أن نذكرها في مقام مُوجَز، فقد أُلِّفَتْ فيها الكتب.
انظر كتاب خصائص المصطفى صلى الله عيه وسلم بين الغلو والجفاء للصادق بن محمد ٣٣-٧٩
والخلاصة: أننا نفضل نبينا محمداً ﷺ عن سائر الأنبياء والناس، للأدلة الواردة في ذلك، مع حفظنا لحقوق جميع الأنبياء والمرسلين والإيمان بهم وتوقيرهم. والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 228
أوّلُ الأنبياء، وأوّل الرسُلْ
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد معرفة ما إذا كان آدم ﵇ نبيا. وإذا لم يكن آدم ﵇ هو نبينا الأول , فمن يكون نبينا الأول إذن؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
آدم ﵇ هو أول الأنبياء، كما جاء في الحديث الذي أخرجه ابن حبان في صحيحه، أن النبي ﷺ : سُئِلَ عن آدم أنبي هو؟ قال: (نعم نَبِِيٌ مُكَلَّمْ) ، ولكنه ليس برسول لما جاء في حديث الشفاعة أن الناس يذهبون إلى نوح فيقولون: " أنت أول رسول بعثه الله إلى الأرض ".
وهذا نص صريح بأن نوحا أول الرسل، والله أعلم.
مجموع فتاوى ابن عثيمين ١/٣١٧
فآدم أبو البشر وهو نبي، فهو أول الأنبياء.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 229
الإيمان بالكتب والرسل
[السُّؤَالُ]
ـ[من هم الأنبياء الذين أرسلهم الله تعالى؟ وما هي الكتب التي أنزلها معهم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله،
حين أهبط الله آدم إلى الأرض وانتشرت ذريته لم يتركهم هملاً بل أوجد لهم الرزق وأنزل عليه وعلى أبنائه الوحي فمنهم من آمن ومنهم من كفر: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة) النحل/٣٦.
والكتب السماوية التي أنزلها الله أربعة وهي التوراة والإنجيل والزبور والقرآن: (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل) آل عمران/٣.
وقال تعالى: (وآتينا داود زبوراً) الإسراء/٥٥.
والأنبياء والرسل كثيرون ولا يعلم عددهم إلا الله منهم من قص الله علينا ومنهم من لم يقصه علينا: (ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك) النساء/١٦٤.
يجب الإيمان بجميع الكتب التي أنزلها الله وجميع الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله كما قال سبحانه: (يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً) النساء/١٣٦.
الرسول والنبي اسمان لمسمى واحد هو من بعثه الله ليدعو الناس إلى عبادة الله وحده من الأنبياء والرسل الذين اصطفاهم الله وأرسلهم إلى عباده يبلغون دينه: (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) النساء/١٦٢.
والأنبياء والرسل كثيرون وقد ذكر الله منهم في القرآن خمسة وعشرين فيجب الإيمان بهم جميعاً وهم، آدم، إدريس، نوح، هود، صالح، إبراهيم، لوط، إسماعيل، إسحاق، يعقوب، يوسف، شعيب، أيوب، ذو الكفل، موسى، هارون، داوود، سليمان، إلياس، اليسع، يونس، زكريا، يحيى، عيسى، محمد عليهم الصلاة والسلام أجمعين.
والقرآن الكريم أعظم الكتب السماوية وآخرها وهو ناسخ لما قبله من الكتب ومهيمن عليه فيجب العمل به , وترك ما سواه: (وأنزلنا إليك الكتب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله) المائدة/٤٨.
وقد اصطفى الله من بني آدم رسلاً وأنبياء وبعثهم في كل أمة , وأمرهم بالدعوة إلى عبادة الله وحده وبيان الشرائع التي فيها سعادة الدنيا والآخرة والبشرى بالجنة لمن آمن والإنذار بالنار لمن كفر: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة) النحل/٣٦.
وقد فضل الله بعض الأنبياء والرسل على بعض فأفضلهم أولوا العزم وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وأفضل أولي العزم محمد ﷺ فقد كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة حتى بعث الله محمداً ﷺ إلى الناس كافة وهو آخر الأنبياء والرسل وأفضلهم كما قال الله عنه: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون) سبأ/٢٨.
والأنبياء والرسل اصطفاهم الله وجعلهم قدوة لأممهم رباهم وأدبهم وكرمهم بالرسالة وعصمهم من الوقوع في المعاصي وأيدهم بالمعجزات فهم أكمل البشر خَلقاً وخُلقاً وأفضلهم علماً وأصدقهم قولاً وأعطرهم سيرة قال الله عنهم: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين) الأنبياء/٧٣.
ولما كان الأنبياء والرسل بهذه المنزلة العالية من الطاعة وحسن الخلق أمرنا الله بالاقتداء بهم فقال: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) الأنعام/٩٠.
وقد اجتمعت في نبينا محمد ﷺ جميع صفات الأنبياء والرسل وأكرمه الله بالأخلاق العظيمة لذا أمر الله بالاقتداء به في كل أحواله: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً) الأحزاب/٢١.
الإيمان بجميع الأنبياء والرسل من أركان العقيدة الإسلامية التي لا يتم إيمان المسلم إلا بها لأنهم يدعون إلى عقيدة واحدة هي الإيمان بالله قال تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) البقرة/١٣٦.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب أصول الدين الإسلامي للشيخ محمد بن إبراهيم التويجري.
стр. 230
غلام بريطاني يسأل عن اختيار النبي ﷺ للأركان الخمسة
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا اختار محمد ﷺ الأركان الخمسة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لقد لفت هذا السؤال انتباهنا، إذ إنه يدل على اهتمامك بدين الإسلام ونبي الإسلام، فنحيي فيك أيها السائل الصغير هذا الاهتمام، والحرص على السؤال، والسعي في الحصول عليه من مصادره الموثوقة، ولعل هذا السؤال أن يكون فاتحة خيرٍ لك للوصول إلى طريق الحق، والله الهادي إلى سواء السبيل.
وإليك الجواب:
(محمد) ﷺ هو النبي الذي أرسله الله إلى الناس جميعاً ليخرجهم من ظلمات الشرك والكفر إلى نور الهدى والإسلام، فأمره أن يدعو الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يأمرهم بمكارم الأخلاق، من الكرم والشجاعة وإكرام الضيف، والإحسان إلى الجار وطاعة الوالدين، واحترام الكبير والشفقة على الصغير، وإرشاد الضال ورحمة المساكين وإعانة المحتاجين وإغاثة الملهوفين، والتفريج عن المكروبين، ... إلى غير ذلك من المحاسن والفضائل. وأن ينهاهم عن الشرك والكفر وسفاسف الأخلاق، ورديئها، من الزنا والكذب والخيانة والغش وعقوق الوالدين والظلم، وغير ذلك. راجع سؤال (٢١٩) .
وأما أركان الإسلام، فاعلم - هداك الله - بأن الرسول ﷺ مأمور بأن يُبلغ ما يوحى إليه من الله من غير زيادةٍ ولانقص قال الله تعالى: ﴿إن هو إلا وحيٌ يُوحى﴾ ، فالرسول ﷺ ، لا يمكن أن يكذب على الله قال : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (٤٤) لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) ﴾ سورة الحاقة.
ولو تأملنا في أركان الإسلام الخمسة لوجدناها قد تنوعت فالركن الأول - وهو الشهادتان - جمع بين عمل القلب واللسان، والركن الثاني الصلاة وهو فعل عملٍ بدني وصلة بين العبد والرب في أوقات موزَّعة على الليل والنهار، والركن الثالث الصوم وهو التعبد لله بالإمساك عن الطعام والشراب والجماع وسائر المفطرات من طلوع الشمس إلى غروبها، فيصوم المسلم تعبداً لله ثم إحساساً بحال إخوانه الفقراء، والركن الرابع الزكاة، وهو عمل مالي يبذل المسلم القادر جزءً من ماله لإخوانه من الفقراء والمساكين، والركن الخامس الحج وهو عملٌ جمع بين بذل المال والعمل البدني، وإذا تأملت هذه الأركان الخمسة وجدت فيها حكماً عظيمة، فالإسلام قائمٌ على الاستسلام لله بالتوحيد والخلوص من الشرك وألا يُعبد الله إلا بما شرع، فمن الناس من يسهل عليه أن يعمل عملاً بدنياً لكنه يشق عليه أن يبذل مالاً فكان في الزكاة تمحيص لهؤلاء، واختبار لهم، ومن الناس من يسهل عليه أن يبذل مالاً كثيراً لكنه يصعب عليه أن يقوم ببذل مجهود بدني فكان في الصلاة اختبار لهم، ومن الناس من يسهل عليه فعل الصلاة وإخراج الزكاة، لكنه يشق عليه ترك ما يُحبه من الطعام والشراب ولذة الجماع، فكان في الصوم امتحان لهؤلاء، وأما الحج فقد جمع بين المال، وعمل البدن، ... إلى غير ذلك من الحكم والغايات المحمودة من هذه العبادات العظيمة.
وهذه الأركان إنما هي وحي من عند الله بلَّغَنَا إياها الصادق المصدوق ﷺ ، وتلقاها المسلمون بالقبول والتسليم. فنسأل الله الهداية للجميع.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 231
لماذا يجب علينا أن نحب النبي ﷺ أكثر من أي شخص آخر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا يجب علينا أن نحب ونطيع ونتبع ونحترم رسولنا محمَّداً ﷺ إلى أقصى درجة؟ (أو أكثر من أي شخص آخر) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١- أوجب الله تعالى علينا طاعة النبيِّ ﷺ ، قال الله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) المائدة/٩٢.
٢- وأخبر الله تعالى أن طاعة النبي ﷺ هي طاعة لله تعالى، قال الله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) النساء/٨٠
٣- وحذَّر الله من التولي عن طاعته، وأن هذا قد يصيب المسلم بالفتنة وهي فتنة الشرك، قال الله : (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) النور/٦٣ وأخبر الله تعالى أن مقام النبوة الذي أعطاه لنبيه ﷺ يستوجب من المؤمنين احترام النبي ﷺ وتوقيره، قال الله تعالى: (إناأَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا) الفتح/٨-٩
٤- ولا يتم إيمان المسلم حتى يحبَّ النبيَّ ﷺ ، بل حتى يكون النبيُّ ﷺ أحبَّ إليه من والده وولده ونفسه والناس أجمعين. عن أنس قال: قال النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) رواه البخاري (١٥) ومسلم (٤٤) .
وعن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء، إلا من نفسي. فقال النبي ﷺ : (لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك) فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي ﷺ : (الآن يا عمر) رواه البخاري (٦٢٥٧) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما السبب في وجوب محبته ﷺ وتعظيمه أكثر من أي شخص فلأن أعظم الخير في الدنيا والآخرة لا يحصل لنا إلا على يد النبي ﷺ بالإيمان به واتباعه، وذلك أنه لا نجاة لأحد من عذاب الله، ولا وصول له إلى رحمة الله إلا بواسطة الرسول؛ بالإيمان به ومحبته وموالاته واتباعه، وهو الذى ينجيه الله به من عذاب الدنيا والآخرة، وهو الذى يوصله إلى خير الدنيا والآخرة. فأعظم النعم وأنفعها نعمة الإيمان، ولا تحصل إلا به وهو أنصح وأنفع لكل أحد من نفسه وماله؛ فإنه الذى يخرج الله به من الظلمات إلى النور، لا طريق له إلا هو، وأما نفسه وأهله فلا يغنون عنه من الله شيئا..) اهـ مجموع الفتاوى ٢٧/٢٤٦
وقال بعض أهل العلم: إِذَا تَأَمَّل العبدُ النَّفْع الْحَاصِل لَهُ مِنْ جِهَة الرَّسُول ﷺ الَّذِي أَخْرَجَهُ الله به مِنْ ظُلُمَات الْكُفْر إِلَى نُور الْإِيمَان، عَلِمَ أَنَّهُ سَبَب بَقَاء نَفْسه الْبَقَاء الأَبَدِيّ فِي النَّعِيم السَّرْمَدِيّ , وَعَلِمَ أَنَّ نَفْعه بِذَلِكَ أَعْظَم مِنْ جَمِيع وُجُوه الانْتِفَاعَات , فَاسْتَحَقَّ لِذَلِكَ أَنْ يَكُون حَظّه مِنْ مَحَبَّته أَوْفَر مِنْ غَيْره , وَلَكِنَّ النَّاس يَتَفَاوَتُونَ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ اِسْتِحْضَار ذَلِكَ وَالْغَفْلَة عَنْهُ، وكلّ مَنْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِيمَانًا صَحِيحًا لا يَخْلُو عَنْ وِجْدَان شَيْء مِنْ تِلْكَ الْمَحَبَّة الرَّاجِحَة , غَيْر أَنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ. فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَ مِنْ تِلْكَ الْمَرْتَبَة بِالْحَظِّ الأَوْفَى , وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَ مِنْهَا بِالْحَظِّ الْأَدْنَى , كَمَنْ كَانَ مُسْتَغْرِقًا فِي الشَّهَوَات مَحْجُوبًا فِي الْغَفَلات فِي أَكْثَر الأَوْقَات , لَكِنَّ الْكَثِير مِنْهُمْ إِذَا ذُكِرَ النَّبِيّ ﷺ اِشْتَاقَ إِلَى رُؤْيَته , بِحَيْثُ يُؤْثِرهَا عَلَى أَهْله وَوَلَده وَمَاله وَوَالِده، غَيْر أَنَّ ذَلِكَ سَرِيع الزَّوَال بِتَوَالِي الْغَفَلَات , وَاَللَّه الْمُسْتَعَان. انظر فتح الباري ١/٥٩.
وإلى هذا المعنى يشير قول الله : (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) الأحزاب/٦.
قال ابن كثير ﵀:
(قد علم شفقة رسوله ﷺ على أمته، ونصحه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم مقدما على اختيارهم) ٦/٣٨٠.
وقال الشيخ ابن سعدي ﵀:
(يخبر تعالى المؤمنين خبرا يعرفون به حالة الرسول ﷺ ، ومرتبته؛ فيعاملونه بمقتضى تلك الحالة، فقال: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) : أقرب ما للإنسان، وأولى ما له نفسه، فالرسول أولى به من نفسه، لأنه ﵊، بذل لهم من النصح والشفقة والرأفة، ما كان به أرحم الخلق وأرأفهم، فرسول الله أعظم الخلق منة عليهم من كل أحد، فإنه لم يصل إليهم مثقال ذرة من خير، ولا اندفع عنهم مثقال ذرة من الشر إلا على يديه وبسببه. فلذلك وجب عليه أنه إذا تعارض مراد النفس، أو مراد أحد من الناس مع مراد الرسول أن يقدم مرا الرسول، وأن لا يعارض قول الرسول بقول أحد كائنا من كان، وأن يفدوه بأنفسهم وأموالهم وأولادهم، ويقدموا محبته على محبة الخلق كلهم، وألا يقولوا حتى يقول، ولا يقدموا بين يديه) . اهـ
وحاصل ما ذكره أهل العلم في بيان ذلك أن غضب الله والنار هما أعظم مرهوب للعبد؛ ولا نجاة منها إلا على يد الرسول ﷺ ، ورضى الله والجنة هما أعظم مطلوبه، ولا فوز بهما إلا على يد الرسول ﷺ .
وإلى الأمر الأول يشير النبي ﷺ بقوله: (مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي) مسلم ٢٢٨٥ من حديث جابر، ونحوه في البخاري ٣٤٢٧ من حديث أبي هريرة.
﴿ (الفَراش) َقَالَ الْخَلِيل: هُوَ الَّذِي يَطِيرُ كَالْبَعُوضِ
وَأَمَّا (الْجَنَادِب) فَجَمْع جُنْدُب , وَالْجَنَادِب هَذَا الصِّرَار الَّذِي يُشْبِهُ الْجَرَاد.
أَمَّا (التَّقَحُّم) فَهُوَ الإِقْدَامُ وَالْوُقُوعُ فِي الأُمُور الشَّاقَّة مِنْ غَيْر تَثَبُّت.
وَ (الْحُجَز) جَمْع حُجْزَة وَهِيَ مَعْقِد الإِزَار وَالسَّرَاوِيل.
وَمَقْصُود الْحَدِيث أَنَّهُ ﷺ شَبَّهَ تَسَاقُط الْجَاهِلِينَ وَالْمُخَالِفِينَ بِمَعَاصِيهِمْ وَشَهَوَاتهمْ فِي نَار الآخِرَة , وَحِرْصهمْ عَلَى الْوُقُوع فِي ذَلِكَ , مَعَ مَنْعه إِيَّاهُمْ , وَقَبْضه عَلَى مَوَاضِع الْمَنْع مِنْهُمْ , بِتَسَاقُطِ الْفِرَاش فِي نَار الدُّنْيَا , لِهَوَاهُ وَضَعْف تَمْيِيزه , وَكِلاهُمَا حَرِيصٌ عَلَى هَلَاكِ نَفْسه , سَاعٍ فِي ذَلِكَ لِجَهْلِهِ.) ﴾ شرح مسلم، للنووي
وأما الثاني فيشير إليه قوله ﷺ : (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ أَبَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) البخاري ٧٢٨٠ من حديث أبي هريرة
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 232
بطلان حديث (لولاك ما خلقت الأفلاك)
[السُّؤَالُ]
ـ[ما رأيك بهذا الحديث: " إذا لم يكن يوجد محمد ﷺ فإن الله لم يكن ليخلق الكون". بصراحة فأنا أشتبه بصحة هذا الحديث فهل يمكن أن تلقي بعض الضوء.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قد رويت أحاديث باطلة وموضوعة بهذا المعنى، فمن ذلك:
(لو لاك ما خلقت الأفلاك)
ذكره الشوكاني في "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" (ص ٣٢٦) وقال:
قال الصغاني: موضوع اهـ
قال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٢٨٢) : موضوع اهـ
ومنها: ما رواه الحاكم عن ابن عباس قال:
أوحى الله إلى عيسى ﵇: يا عيسى آمن بمحمد، وأمر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فسكن.
قال الحاكم: صحيح الإسناد!! وتعقبه الذهبي بقوله:
أظنه موضوعاً على سعيد اهـ.
يعني: سعيد بن أبي عروبة (أحد رواة هذا الحديث) ، وقد روى هذا الحديث عنه عمرو بن أوس الأنصاري وهو المتهم بوضع هذا الحديث، وقد ذكره الذهبي في "الميزان" وقال: أتى بخبر منكر، ثم ساق هذا الحديث، وقال: وأظنه موضوعاً. ووافقه الحافظ ابن حجر كما في "اللسان".
وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٢٨٠) : لا أصل له اهـ.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
هل الحديث الذى يذكره بعض الناس: لولاك ما خلق الله عرشاً ولا كرسياً ولا أرضاً ولا سماء ولا شمسا ولا قمرا ولا غير ذلك صحيح هو أم لا؟
فأجاب:
محمد ﷺ سيد ولد آدم، وأفضل الخلق وأكرمهم عليه، ومن هنا قال من قال: إن الله خلق من أجله العالم. أو أنه لولا هو لما خلق عرشا ولا كرسيا ولا سماء ولا أرضا ولا شمسا ولا قمرا.
لكن ليس هذا حديثا عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لا صحيحا ولا ضعيفا، ولم ينقله احد من أهل العلم بالحديث عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بل ولا يعرف عن الصحابة بل هو كلام لا يُدْرَى قائله اهـ. مجموع الفتاوى (١١/٨٦-٩٦) .
وسئلت اللجنة الدائمة:
هل يقال: إن الله خلق السماوات والأرض لأجل خلق النبي ﷺ وما معنى لولاك لما خلق الأفلاك هل هذا حديث أصلا؟
فأجابت:
لم تخلق السماوات والأرض من أجله ﷺ بل خُلقت لما ذكره الله سبحانه في قوله : "الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما" , أما الحديث المذكور فهو مكذوب على النبي ﷺ لا أساس له من الصحة اهـ. فتاوى اللجنة الدائمة (١/٣١٢) .
وسئل الشيخ ابن باز عن هذا الحديث فقال:
الجواب: هذا ينقل من كلام بعض العامة وهم لا يفهمون، يقول بعض الناس إن الدنيا خلقت من أجل محمد ولولا محمد ما خلقت الدنيا ولا خلق الناس وهذا باطل لا أصل له، وهذا كلام فاسد، فالله خلق الدنيا ليعرف ويُعلم وليُعبد جل وعلا، خلق الدنيا وخلق الخلق ليُعرف بأسمائه وصفاته، وبقدرته وعلمه، وليعبد وحده لا شريك له ويطاع ، لا من أجل محمد، ولا من أجل نوح، ولا موسى، ولا عيسى، ولا غيرهم من الأنبياء، بل خلق الله الخلق ليعبد وحده لا شريك له اهـ فتاوى نور على الدرب (٤٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 233
التفضيل بين الرسل
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف نجمع بين قوله تعالى: (وتلك الرسل فضلنا بعضها على بعض) وقوله: (لا نفرق بين أحد من رسله) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضها على بعض) كقوله تعالى: (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض) فالأنبياء والرسل لا شك أن بعضهم أفضل من بعض، فالرسل أفضل من الأنبياء، وأولوا العزم من الرسل أفضل ممن سواهم، وأولو العزم من الرسل هم الخمسة الذين ذكرهم الله تعالى في آيتين من القرآن إحداهما في سورة الأحزاب: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم) محمد ﵊ ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم.
والآية الثانية في سورة الشورى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى) فهؤلاء خمسة وهم أفضل ممن سواهم، وأما قوله تعالى عن المؤمنين: (كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله لا نُفرق بين أحد من رسله) فالمعنى لا نفرق بينهم في الإيمان بل نؤمن أنهم كلهم رسل من عند الله حقاً، وأنهم ما كذبوا فهم صادقون مصدقون، وهذا معنى قوله: (لا نفرق بين أحد من رسله) أي في الإيمان فنؤمن أنهم كلهم عليهم الصلاة والسلام رسل من عند الله حقاً.
لكن في الإيمان المتضمن للاتباع هذا يكون لمن بعد الرسول ﷺ خاص بالرسول ﷺ لأنه ﷺ هو المتَّبع لأن شريعته نسخت ما سواها من الشرائع، وبهذا نعلم أن الإيمان يكون للجميع كلهم، نؤمن بهم وأنهم رسل الله حقاً، وأما بعد أن بُعث الرسول ﵊ فإن جميع الأديان السابقة نُسخت بشريعته ﷺ ، وصار الواجب على جميع الناس أن ينصروا محمداً ﷺ وحده، ولقد نسخ الله تعالى بحكمته جميع الأديان سوى دين الرسول ﷺ ، ولهذا قال تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا الله هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) فكانت الأديان سوى دين الرسول ﵊ كلها منسوخة، لكن الإيمان بالرسول وأنهم حق هذا الأمر لابد منه.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى الشيخ ابن عثيمين في كتاب فتاوى إسلامية ١/٨١.
стр. 234
كيف سحر الرسول ﷺ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف يسحر الرسول ﷺ والله يقول له: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) ؟ وكيف يسحر وهو يتلقى الوحي عن ربه ويبلغ ذلك للمسلمين، فكيف يبلغ وهو مسحور وقول الكفار والمشركين: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا) ؟ نرجو إيضاحها، وبيان هذه الشبهات.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فقد ثبت في الحديث الصحيح أن هذا السحر وقع في المدينة، عندما استقر الوحي واستقرت الرسالة، وبعد أن قامت دلائل النبوة وصدق الرسالة، ونصر الله نبيه على المشركين وأذلهم، تعرض له شخص من اليهود يدعى: لبيد بن الأعصم، فعمل له سحراً في مشط ومشاطة وجب طلعة ذكر النخل، فصار يخيل إليه ﵊ أنه فعل بعض الشيء مع أهله ولم يفعله، لكن لم يَزَل بحمد الله تعالى عقله وشعوره وتمييزه معه فيما يحدث به الناس، واستمر يكلم الناس بالحق الذي أوحاه الله إليه، لكنه أحس بشيء أثَّر عليه بعض الأثر مع نسائه، كما قالت عائشة ﵂:" إنه كان يخيل إليه أنه فعل بعض الشيء في البيت مع أهله وهو لم يفعله فجاءه الوحي من ربه بواسطة جبرائيل ﵇ فأخبره بما وقع فبعث من استخرج ذلك الشيء من بئر لأحد الأنصار فأتلفه " وزال عنه بحمد الله تعالى ذلك الأثر وأنزل عليه سبحانه سورتي المعوذتين فقرأهما وزال عنه كل بلاء وقال ﵊ ما تعوذ المتعوذون بمثلهما ولم يترتب على ذلك شيء مما يضر الناس أو يخل بالرسالة أو بالوحي، والله جل وعلا عصمه من الناس مما يمنع وصول الرسالة وتبليغها.
أما ما يصيب الرسل من أنواع البلاء فإنه لم يُعصم منه ﵊، بل أصابه شيء من ذلك، فقد جُرح يوم أحد، وكُسرت البيضة على رأسه، ودخلت في وجنتيه بعض حلقات المغفر، وسقط في بعض الحفر التي كانت هناك، وقد ضيقوا عليه في مكة تضييقا شديدا، فقد أصابه شيء مما أصاب من قبله من الرسل، ومما كتبه الله عليه، ورفع الله به درجاته، وأعلى به مقامه، وضاعف به حسناته، ولكن الله عصمه منهم فلم يستطيعوا قتله ولا منعه من تبليغ الرسالة، ولم يحولوا بينه وبين ما يجب عليه من البلاغ فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ﷺ . والحمد لله رب العالمين.
[الْمَصْدَرُ]
انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ ابن باز ﵀ (٨/ ١٤٩) .
стр. 235
الحكمة من إمامة النبي ﷺ للأنبياء في حادثة الإسراء
[السُّؤَالُ]
ـ[ما العلة في إمامة النبي محمد للأنبياء في ليلة الإسراء والمعراج، على ماذا يدل هذا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
العلة من تقديم النبي ﷺ للصلاة بالأنبياء إماماً في المسجد الأقصى الذي هو دار الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل ﵇ هي الدلالة على أن نبينا محمداً ﷺ هو الإمام الأعظم والرئيس المقدم كما نص على ذلك الحافظ ابن كثير ﵀ عند أول تفسيره لسورة الإسراء، وقال أيضاً ﵀ في معرض حديثه عن إمامة النبي ﷺ بالأنبياء: " ثم أُظْهِرَ شرفُه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل ﵇ له "
ولا شك أن نبينا ﷺ هو مقدم الأنبياء وأفضلهم فقد قال ﷺ : (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ) رواه مسلم (٢٢٧٨)
وقد التمس بعض العلماء حكمة أخرى من تقدمه ﵊ إماماً للأنبياء فقال:
قوله في الحديث: (فأممتهم) فيه – والله أعلم – إشارة إلى تولي هذه الأمة أمر قيادة البشرية. "
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 236
قصة الذبيح
[السُّؤَالُ]
ـ[حسب معتقد المسلمين فإن النبي إبراهيم كان يريد أن يذبح ولده إسماعيل، حصل نقاش بيني وبين كافر وذكر بأن هذا لم يُذكر في القرآن.
بعد البحث يبدو لي أن في القرآن غموض حول هوية الابن الذي أراد ذبحه (حسب النسخة المترجمة التي أمتلكها) في سورة رقم ٣٧
أرجو أن توضح موقف المسلمين من إبراهيم والأضحية مع ذكر الأدلة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الله تعالى عن عبده وخليله إبراهيم ﵇: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: يذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه سأل ربه أن يهب له ولدا صالحا فبشره الله تعالى بغلام حليم وهو إسماعيل ﵇ لأنه أول من وُلد (لإبراهيم الخليل ﵇ ، وهذا لا خلاف فيه بين أهل الملل (أنّ إسماعيل كان) أول ولده وبكره.
وقوله: (فلما بلغ معه السعي) أي: شبّ وصار يسعى في مصالحه كأبيه قال مجاهد فلما بلغ معه السعي أي شب وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل فلما كان هذا رأى إبراهيم ﵇ في المنام أنه يؤمر بذبح ولده هذا، وفي الحديث عن ابن عباس مرفوعا: " رؤيا الأنبياء وحي ".. وهذا اختبار من الله لخليله في أن يذبح هذا الولد العزيز الذي جاءه على كِبَر وقد طعن في السن بعد ما أمر بأن يسكنه هو وأمه في بلاد قفر وواد ليس به حسيس ولا أنيس ولا زرع ولا ضرع فامتثل أمر الله في ذلك وتركهما هناك ثقة بالله وتوكلا عليه فجعل الله لهما فرجا ومخرجا ورزقهما من حيث لا يحتسبان ثم لما أمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا الذي.. هو بكره ووحيده الذي ليس له غيره أجاب ربه وامتثل أمره وسارع إلى طاعته ثم عرض ذلك على ولده ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قسرا ويذبحه قهرا: (قال يا بنيّ إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى) ، فبادر الغلام الحليم.. (فقال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد قال الله تعالى: (فلما أسلما وتلّه للجبين) ، قيل أسلما أي استسلما لأمر الله وعزما على ذلك،.. ومعنى تله للجبين أي ألقاه على وجهه قيل أراد أن يذبحه من قفاه لئلا يشاهد (وجهه) في حال ذبحه قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك.. وأسلما أي سمّى إبراهيم وكبر وتشهّد الولد للموت قال السدي وغيره أمَرَّ السكين على حلقه فلم تقطع شيئا ويقال جُعل بينها وبين حلقه صفيحة من نحاس والله أعلم فعند ذلك نودي من الله : (أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) ، أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك ومبادرتك إلى أمر ربك وبذْلِك ولدك للقربان كما سمحت ببدنك للنيران وكما مالك مبذول للضيفان ولهذا قال تعالى: (إن هذا لهو البلاء المبين أي الاختبار الظاهر البيّن، وقوله: (وفديناه بذِبْح عظيم) أي وجعلنا فداء ذبح ولده ما يسَّرَه الله تعالى له من العِوَض عنه والمشهور عن الجمهور أنه كبش أبيض أعْيَن أقرن.. قال الثوري عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا.
وروي عن ابن عباس أن رأس الكبش لم يزل معلقا عند ميزاب الكعبة قد يبس وهذا وحده دليل على أن الذبيح إسماعيل لأنه كان هو المقيم بمكة وإسحق لا نعلم أنه قدمها في حال صغره والله أعلم.
انظر البداية والنهاية لابن كثير ١/١٥٧-١٥٨
فالذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق لما تقدّم وقد ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآيات عدّة وجوه في إثبات أن الذبيح هو إسماعيل وملخصها:
١- أن إسماعيل هو أول ولد بُشِّر به إبراهيم، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، وقد ذكر عند أهل الكتاب أن الله تعالى أمره أن يذبح ابنه الوحيد وفي نسخة بكره.
٢- أن أول ولد له من المعزَّة ما ليس لمن بعده من الأولاد فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار.
٣- أنه ذكر البشارة بغلام حليم وذكر أنه الذبيح ثم قال بعد ذلك: " وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين "، والملائكة لما بشروا إبراهيم بإسحاق قالوا: " إنا بشرناك بغلام عليم "
٤- أن الله تعالى قال: " فبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب " أي يولد له في حياتهما ولد يسمى يعقوب فيكون من ذريته عقب ونسل.. فلا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير لأن الله تعالى قد وعدهما بأنه سيُعْقب ويكون له نسل.
٥- أن إسماعيل وصف ههنا بالحليم لأنه مناسب لهذا المقام. تفسير ابن كثير ٤/١٥ والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 237
كيف تمّ خلْق عيسى ﵇
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن أن تخبرني كيف تم خلق النبي عيسى بالنسبة للحمل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١- أمر الله تعالى جبريل الأمين أن ينفخ في جيب درعها وهو رقبة الثوب ومدخل الرأس منه فنزلت النّفخة بإذن الله فولجت رحمها فصارت روحاً خلقها الله تعالى. وقد بيّن مبدأ خلق عيسى ﵇ فقال تعالى ﴿والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا﴾ ، ثم بيَّن تعالى أن النفخ وصل إلى الفرج، فقال ﴿ومريم بنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا﴾ .
ودلَ قوله تعالى ﴿إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكيّاً﴾ على أن النافخ هو جبريل، وهو لا يفعل إلا بأمر الله.
٢- وقد جاءت أقوال عن بعض المفسرين في مدة الحمل، وأنها لحظات، وهذا غير واضح ولا تدل عليه النصوص، ولو كان كذلك لكان آية في نفسه، يمكن أن يسلموا أنه ليس بالحمل العادي الذي تحمل به النساء، وبعده: لا يتهمونها بالزنى كما قالوا ﴿قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فريّاً﴾ ، وفيما يلي كلام لإمامين جليلين من أهل التفسير، أحدهما ممن مضى - وهو ابن كثير ﵀، والآخر من المعاصرين - وهو الشنقيطي ﵀ في بيان هذا الأمر.
٣- قال الإمام ابن كثير ﵀:
اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى ﵇ فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر،.... وقال ابن جريج أخبرني المغيرة بن عتبة بن عبد الله الثقفي سمع ابن عباس وسئل عن حمل مريم قال لم يكن إلا أن حملت فوضعت!!
وهذا غريب وكأنه مأخوذ من ظاهر قوله تعالى ﴿فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة﴾ ، فالفاء وإن كانت للتعقيب لكن تعقيب كل شيء بحسبه كقوله تعالى ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما﴾ ، فهذه الفاء للتعقيب بحسبها وقد ثبت في الصحيحين - البخاري ٣٢٠٨، مسلم ٢٦٤٣ - " أن بين كل صفتين أربعون يوما "، وقال تعالى ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرّة﴾ .
فالمشهور الظاهر - والله على كل شيء قدير - أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن.
.... ولما استشعرت مريم من قومها إتهامها بالريبة انتبذت منهم ﴿مكانا قصيا﴾ أي قاصيا منهم بعيدا عنهم لئلا تراهم ولا يروها،.... وتوارت من الناس واتخذت ﴿من دونهم حجابا﴾ فلا يراها أحد ولا تراه. " تفسير ابن كثير " (٣ / ١٢٢) .
وقال الشيخ الشنقيطي ﵀:
وأقوال العلماء في قدر المدة التي حملت فيها مريم بعيسى قبل الوضع: لم نذكرها؛ لعدم دليل على شيءٍ منها، وأظهرها: أنه حمل كعادة حمل النساء، وإن كان منشؤه خارقاً للعادة. والله تعالى أعلم. " أضواء البيان " (٤ / ٢٦٤) .
٥- وقد استدل بعض الجهلة بقوله تعالى ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ على أن المسيح جزء من روح الله!!
وقد بين ابن القيم ﵀ ضلال هذا الاستدلال، فقال:
وأما استدلالهم بإضافتها إليه سبحانه بقوله تعالى ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ فينبغي أن يعلم أن المضاف إلى الله سبحانه نوعان:
صفات لا تقوم بأنفسها كالعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر فهذه إضافة صفة إلى الموصوف بها فعلمه وكلامه وإرادته وقدرته وحياته وصفات له غير مخلوقة وكذلك وجهه ويده سبحانه.
والثاني: إضافة أعيان منفصلة عنه كالبيت والناقة والعبد والرسول والروح فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه ومصنوع إلى صانعه لكنها إضافة تقتضي تخصيصا وتشريفا يتميز به المضاف عن غيره كبيت الله وإن كانت البيوت كلها ملكا له وكذلك ناقة الله والنوق كلها ملكه وخلقه لكن هذه إضافة إلى إلهيته تقتضي محبته لها وتكريمه وتشريفه بخلاف الإضافة العامة إلى ربوبيته حيث تقتضي خلقه وإيجاده فالإضافة العامة تقتضي الإيجاد والخاصة تقتضي الاختيار والله يخلق ما يشاء ويختار مما خلقه كما قال تعالى ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ وإضافة الروح إليه من هذه الإضافة الخاصة لا من العامة ولا من باب إضافة الصفات فتأمل هذا الموضع فإنه يخلّصك من ضلالات كثيرة وقع فيها من شاء الله من الناس. أ. هـ
"الروح" (ص ١٥٤، ١٥٥) .
فالخلاصة أنّ وصف عيسى ﵇ بأنّه روح الله هو من باب التشريف والتكريم لعيسى وهذه الإضافة (وهي إضافة كلمة روح إلى لفظ الجلالة) ليست إضافة صفة إلى الموصوف كيد الله ووجه الله وإنما هي إضافة المخلوق إلى خالقه كوصف الكعبة بأنها بيت الله وأيضا ناقة الله وهي المعجزة التي آتاها الله نبيه صالحا ﵇
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 238
هل النبي ﷺ يُخْطِئ
[السُّؤَالُ]
ـ[سؤالي عن الرسول ﷺ . بعض المسلمين يقولون إنه بدون خطايا، وآخرون يقولون إنه ليس بدون خطايا. أنا شخصيا لا أعتقد أنه بدون خطايا لأنه بشر. هل يمكنك أن تخبرني بالرأي الصحيح من الكتاب والسنة؟ ولكم جزيل الشكر. والله أكبر]ـ
[الْجَوَابُ]
أولا: استعمال كلمة خطايا في السؤال خطأ كبير، لأن الخطايا جمع خطيئة وهذا مُحال على الرسل والأصح أن تقول أخطاء جمع خطأ لأن الخطأ قد يكون عفوياً وليس كذلك الخطيئة.
ثانياً: أما الخطيئة فاٍن الرسل ومنهم محمد ﷺ لم يرتكبوا شيئاً منها بقصد معصية الله تعالى بعد الرسالة وهذا بإجماع المسلمين، فهم معصومون عن كبائر الذنوب دون الصغائر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
إن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر: هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف ... وهو أيضاً قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم يُنقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول. " مجموع الفتاوى " (٤ / ٣١٩) .
وهذا سؤال موجه إلى اللجنة الدائمة حول الموضوع:
سؤال: بعض الناس يقولون ومنهم الملحدون: إن الأنبياء والرسل يكون في حقهم الخطأ يعني يخطئون كباقي الناس، قالوا: إن أول خطأ ارتكبه ابن آدم قابيل هو قتل هابيل ... داود عندما جاء إليه الملكان سمع كلام الأول ولم يسمع قضية الثاني.... يونس وقصته لما التقمه الحوت، وقصة الرسول مع زيد بن حارثة قالوا بأنه أخفى في نفسه شيئا يجب عليه أن يقوله ويظهره، قصته مع الصحابة: انتم أدرى بأمور دنياكم، قالوا بأنه اخطأ في هذا الجانب. قصته مع الأعمى وهي ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى﴾ فهل الأنبياء والرسل حقا يخطئون وبماذا نرد على هؤلاء الآثمين؟
الجواب:
ج: نعم الأنبياء والرسل يخطئون ولكن الله تعالى لا يقرهم على خطئهم بل يبين لهم خطأهم رحمة بهم وبأممهم ويعفو عن زلتهم ويقبل توبتهم فضلا منه ورحمة والله غفور رحيم كما يظهر ذلك من تتبع الآيات القرآنية التي جاءت فيما ذكر من الموضوعات في هذا السؤال ... وأما أبناء آدم فمع انهما ليسا من الأنبياء.... بين الله سوء صنيعه بأخيه....انتهى
عبد العزيز بن باز - عبد الرزاق عفيفي - عبد الله بن غديان - عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " برقم ٦٢٩٠ (٣ / ١٩٤) .
ثالثاً: أما قبل الرسالة فقد جوَّز عليهم العلماء أنه قد يصدر منهم بعض صغائر الذنوب، وحاشاهم من الكبائر والموبقات كالزنا وشرب الخمر وغيرها فهم معصومون من هذا.
= وأما بعد الرسالة، فإن الصحيح أنه قد يصدر منهم بعض الصغائر لكن لا يُقرون عليها.
قال شيخ الإسلام:
وعامة ما يُنقل عن جمهور العلماء أنهم غير معصومين عن الإقرار على الصغائر، ولا يقرون عليها، ولا يقولون إنها لا تقع بحال، وأول من نُقل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقاً، وأعظمهم قولاً لذلك: الرافضة، فإنهم يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل. " مجموع الفتاوى " (٤ / ٣٢٠) .
= وهو معصومون في التبليغ عن الله تعالى.
قال شيخ الإسلام ﵀:
فان الآيات الدالة على نبوة الأنبياء دلت على أنهم معصومون فيما يخبرون به عن الله فلا يكون خبرهم إلا حقا وهذا معنى النبوة وهو يتضمن أن الله ينبئه بالغيب وأنه ينبئ الناس بالغيب والرسول مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه. " مجموع الفتاوى " (١٨ / ٧) .
رابعاً: أما الخطأ الذي بغير قصد فهو في سبيلين:
في أمور الدنيا فهذا يقع ووقع من رسول الله ﷺ وهو فيه مثل سائر البشر كأمور الزراعة، والطب والنجارة وغيرها لأن الله تعالى لم يقل لنا إنه أرسل إلينا تاجراً أو مزارعاً أو نجاراً أو طبيباً، فالخطأ في هذه الأمور جِبلِّيّ لا يقدح برسالته ﷺ .
عن رافع بن خديج قال: " قدم نبي الله ﷺ المدينة وهم يُأبِّرون النخل قال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنفه قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان أحسن فتركوه فنقصت فذكروا ذلك له فقال: إنما أنا بشر مثلكم، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوه، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر. رواه مسلم (٢٣٦١) .
ومعنى التأبير: التلقيح.
نلاحظ أن الرسول ﷺ قد أخطأ في هذا الأمر من أمور الدنيا لأنه كسائر البشر ولكنه لا يخطئ في أمر الدين.
وأما الخطأ بأمور الدين من غير قصد:
فالراجح في ذلك من أقوال العلماء: أنه يقع من النبي مثل هذا ولكن على سبيل فعل خلاف الأولى.
فقد تعْرِض له المسألة وليس عنده في ذلك نص شرعي يستند إليه فيجتهد برأيه كما يجتهد العالِم من آحاد المسلمين فإن أصاب نال من الأجر كِفْلين وإن أخطأ نال أجراً واحداً وهذا قوله ﷺ " إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد ". رواه البخاري (٦٩١٩) ومسلم (١٧١٦) من حديث أبي هريرة.
وقد حدث هذا منه في قصة أسرى بدر.
عن أنس قال: استشار رسول الله ﷺ الناس في الأسارى يوم بدر فقال إن الله قد أمكنكم منهم، قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم قال فأعرض عنه النبي ﷺ ، قال: ثم عاد رسول الله ﷺ ، فقال: يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس، قال: فقام عمر فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي ﷺ ، قال: ثم عاد النبي ﷺ فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله إن ترى أن تعفو عنهم وتقبل منهم الفداء، قال: فذهب عن وجه رسول الله ﷺ ما كان فيه من الغم قال فعفا عنهم وقبل منهم الفداء، قال: وأنزل الله (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) [سورة الأنفال /٦٧] . رواه أحمد (١٣١٤٣) .
فنلاحظ أن هذه الحادثة لم يكن عند رسول الله فيها نص صريح فاجتهد واستشار أصحابه، فأخطأ في الترجيح.
ومثل هذا في السنّة قليل فيجب أن نعتقد العصمة للرسل والأنبياء وأن نعلم أنهم لا يعصون الله تعالى، وأن ننتبه غاية الانتباه لقول من يُريد أن يطْعن في تبليغه للوحي من خلال كونه ﷺ قد يُخْطئ في أمور الدنيا، وشتّان ما بين هذا وهذا، وكذلك أن ننتبه للضالين الذين يقولون إنّ بعض الأحكام الشّرعية التي أخبر بها النبي ﷺ هي اجتهادات شخصيّة قابلة للصواب والخطأ أين هؤلاء الضلال من قول الله تعالى. (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى) ، نسأل الله أن يجنّبنا الزّيغ وأن يعصمنا من الضلالة، والله تعالى أعلم، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 239
هل الأحاديث في أمور الغيب المستقبلي وحي من الله
[السُّؤَالُ]
ـ[أعرف أن النبي ﷺ لم يكن يتكلم في الدين من تلقاء نفسه، فكيف عرف عن أمارات الساعة وما إلى ذلك فهل أخبره الله بها؟ أرجو التوضيح.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
كُلُّ ما أخبر به الرسول ﵊ من الغيب الماضي، والحاضر، والمستقبل، مثل بدء الخلق، والقيامة، والجنَّة، والنَّار، وأشراط الساعة، والملائكة، والأنبياء كُلُّ ذلك بوحيٍ من الله ، كما قال تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى) ، وقال تعالى: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك) ، وقال تعالى: (قُل لا أقول لكم عِندي خزائُن الله ولا أعلمُ الغيبَ ولا أقول لكم إِنِّي مَلك إِن أتَّبع إِلَاّ ما يُوحى إِليْ) . فلذلك يجب تصديق الرسول ﵊ في كُلِّ ما أخبر الله به في أمور الغيب وغيرها لأنه الصادق المصدوق، فمن كذّبه ولو في خبرٍ واحد يعلم أنه ثبت، فإنه بذلك يصير مرتداً عن الإسلام إن كان مسلماً.
[الْمَصْدَرُ]
كتبه: الشيخ عبد الرحمن البراك.
стр. 240
هل الأنبياء متساوون
[السُّؤَالُ]
ـ[أساعد في تعليم فتيات عن الإسلام مرة أسبوعياً. وفي الأسبوع الماضي إحدى البنات سألتني السؤال التالي وحقيقة لم أستطع الرد عليه وأخبرتها أنني سأبحث لها عن الجواب أو أسأل لها شخصا ما، كان السؤال هل الأنبياء يعتبرون متساوين؟ لو كان الأمر هكذا، لماذا يوجد نبي في كل مستوى من الجنة والنبي محمد في أعلاها السماء السابعة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن العباد جميعاً خلق لله تعالى وهم عباده، وهو سبحانه له الحكم وله الأمر من قبل ومن بعد، ولقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يصطفي من الملائكة بعضهم على بعض، وفضَّل بعضهم على بعض كتفضيل جبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك ورضوان وغيرهم على من سواهم، كما اقتضت حكمته وعدله أن يصطفي من بني آدم بعضاً منهم، وأنه فضَّل بعضهم على بعض في المنزلة والمكانة والخيرية، كما قال تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير) وقال (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، منهم من كلَّم اللهُ ورفع بعضهم درجات) وأخبر أنه قد اصطفى واجتبى من الناس هؤلاء الرسل فقال جل وعلا بعدما ذكر جملة من الأنبياء والمرسلين (ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم) وقال تعالى (والله فضَّل بعضكم على بعض في الرزق) ، اقتضت حكمته أن يكون آدم ﵇ هو أبو البشر، واقتضت حكمته ورحمته وعدله أن يختار من ذريته أصفيائه من المرسلين والأنبياء الكرام عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، وكان ممن اصطفاهم واختارهم وفضلهم على غيرهم من الأنبياء والمرسلين أولوا العزم من الرسل وهم: محمد وإبراهيم ونوح وموسى وعيسى بن مريم عليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم، واختار وفضَّل عليهم جميعاً إمامهم وسيدهم وخاتمهم نبينا محمد بن عبد الله ﷺ فهو بحق سيد ولد آدم ولا فخر، وهو صاحب اللواء والشفاعة، وهو الذي له المقام المحمود في الجنة التي لا تنبغي إلا لشخص واحد فقط وهو نبينا ﷺ ، لهذا فقد أخذ الله تعالى العهد والميثاق على كل الأنبياء والمرسلين أنه لو بُعث محمد ﷺ في حال حياة أحدهم فالواجب عليه اتباعه ﷺ وترك ما معه إلى ما مع نبينا ﷺ كما قال تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين، فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) ، وقال ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁ (والله لو كان أخي موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي) ولما ينزل المسيح عيسى بن مريم ﵊ في آخر الزمان فإنه ينزل حكماً بشريعة محمد ﷺ ، ويكون تابعاً له ﷺ .
وهذا كله بالنسبة لمكانتهم عند الله، وأما بالنسبة لدينهم فدينهم واحد وقد اتفقوا جميعاً في الدعوة إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، وأما شرائعهم فكل شريعة خاصة به له ولقومه فحسب قال تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) أما شريعة نبينا محمد ﷺ فهي أكمل وأفضل وأحسن وأتمُّ وأحب الشرائع إلى الله، وهي ناسخة لكل شريعة قبلها، ولا شكَّ أن الأنبياء يتفاوتون في الدرجة والمنزلة، فهم درجات وطبقات وأفضلهم - كما سبق أولوا العزم الخمسة، وأفضلهم على الإطلاق هو خاتمهم محمد ﷺ ، وأما ما ورد من أحاديث صحيحة مثل (لا تفضلوني على يونس بن متى) وحديث (والذي اصطفى موسى على العالمين) فإنها كلها تدل على شدة تواضعه ﷺ مع إخوانه الرسل الكرام، وإلا فهو بلا شك أفضلهم على الإطلاق إذ كان إمامهم ليلة الإسراء في بيت المقدس، وهو سيد ولد آدم يوم القيامة، وهو الذي له الشفاعة الكبرى يوم القيامة دون غيره من المرسلين، وهو القائل ﷺ (إن الله اصطفى من بني آدم قريشاً، واصطفى من قريشٍ كنانة، واصطفى من كنانة بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) فهو المصطفى من الخلق كلهم ﷺ .
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 241
رؤية النبي ﷺ في الدنيا أمورا من الآخرة
[السُّؤَالُ]
ـ[بما أن يوم القيامة لم يحن بعد ولا يوجد أحد في الجنة ولا في النار فكيف رأى النبي محمد ﷺ الناس يعاقبون في النار ورأى الأنبياء والأطفال وبعض الناس في الجنة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كنّا نؤمن بأن الله على كل شيء قدير هان علينا الأمر وآمنا بما أخبَرَنا به ﵊، والله خالق الزمان قادر على أن يري رسوله في الدنيا أمورا ستكون يوم القيامة، كما أنه أقدره على رؤية الجنة والنار في عرض الحائط لمّا كان يصلي صلاة الكسوف وكاد يأتي أصحابه بعنقود من عنب من ثمر الجنة مع البعد العظيم في المسافة بين الأرض والجنّة، والذي يقرّب المكان لا يُعجزه أن يفعل في الزمان ما يشاء وأن يُري نبيه في الدنيا مشاهد حيّة مما سيكون يوم القيامة، وربك على كل شيء قدير.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 242
مدة حمل مريم بعيسى ﵇
[السُّؤَالُ]
ـ[هل حملت مريم العذراء بعيسى ﵇ تسعة أشهر? أم عندما جاءها الملاك وأمرها باللجوء إلى جدع النخلة ووضعته ﵇ عندئذ؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اختلف العلماء في مدة حمل مريم بعيسى ﵇.
فذهب الجمهور إلى أنها تسعة أشهر كغيره من البشر.
وقال عكرمة: ثمانية أشهر. قال: ولهذا لا يعيش ولد الثمانية أشهر، حفظاً لخاصة عيسى.
وروي عن ابن عباس أنه قال: لم يكن إلا أن حملت فوضعت.
قال ابن كثير ﵀ (٣/١١٧) عن هذا الأثر المروي عن ابن عباس:
"وهذا غريب، وكأنه مأخوذ من ظاهر قوله تعالى: (فحملته فانتبذت به مكانا قصيا * فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة) فالفاء وإن كانت للتعقيب لكن تعقيب كل شيء بحسبه، كقوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما) فهذه الفاء للتعقيب بحسبها. وقد ثبت في الصحيحين أن بين كل صفتين أربعين يوما [يعني: تبقى النطفة أربعين يوماً والعلقة أربعين والمضغة أربعين] . وقال تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة) فالمشهور الظاهر - والله على كل شيء قدير- أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن، ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل بها وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس يقال له يوسف النجار، فلما رأى ثقل بطنها وكبره أنكر ذلك من أمرها ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها ثم تأمل ما هي فيه فجعل أمرها يجوس في فكره لا يستطيع صرفه عن نفسه، فحمل نفسه على أن عَرَّض لها في القول، فقال: يا مريم إني سائلك عن أمر فلا تعجلي عليّ. قالت: وما هو؟ قال: هل يكون قط شجر من غير حب؟ وهل يكون زرع من غير بذر؟ وهل يكون ولد من غير أب؟ فقالت: نعم، وفهمت ما أشار إليه، أما قولك: هل يكون شجر من غير حب؟ وزرع من غير بذر؟ فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب ولا بذر. وهل يكون ولد من غير أب؟ فإن الله تعالى قد خلق آدم من غير أب ولا أم. فصدقها وسَلَّم لها حالَها.
ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة انتبذت منهم مكانا قصيا أي قاصيا منهم بعيدا عنهم لئلا تراهم ولا يروها قال محمد بن إسحاق فلما حملت به وملأت قلتها ورجعت استمسك عنها الدم وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب والترحم وتغير اللون حتى فطر لسانها فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا وشاع الحديث في بني إسرائيل فقالوا إنما صاحبها يوسف ولم يكن معها في الكنيسة غيره وتوارت من الناس واتخذت من دونهم حجابا فلا يراها أحد ولا تراه "
انتهى كلام ابن كثير ﵀.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 243
هل محمد ﷺ هو أول الخلق
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن يقول المسلم في مدح محمد ﷺ : يا أول خلق الله؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
محمد ﷺ هو أفضل خلق الله، وأرفعهم رتبة. ولكنه ليس أول من خلق الله، إنما أول ما خلق الله العرش، وليس آدم ولا محمد ﷺ ، أما ما يروى أن الله خلق محمدا من نور وأنه قرن اسمه مع اسمه، وأن آدم لما خلق ونفخ فيه الروح رأى أن اسمه مكتوب عند العرش فهذا لا يثبت فيه شيء عن النبي ﷺ . والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى سماحة الشيخ عبد الله بن حميد ص ١٦
стр. 244
هل الرسول ﷺ حي وحاضر في الأرض الآن
[السُّؤَالُ]
ـ[المقالة التالية أعلنت أن روح النبي ﷺ موجودة دائماً في جميع الأوقات والآتي هو معظم المقالة وأدلتها. هل ما يقولونه صحيح؟
إنه اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الرسول ﷺ
١- حاضر ويرى في جميع الأوقات
٢- على علم ومشاهدة بخلق الله
٣- قادر على أن يكون موجوداً في أماكن متعددة في نفس الوقت
وهاهي الأدلة:
(ياأيها النبي إنا أرسلناك شاهداً) (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً)
لاحظ أن النبي ﷺ كونه يدعى شاهداً على كل الأمم التي خلقها الله على هذه الأرض لذلك فلا بد أن النبي ﷺ حاضراً قبل ظهوره المبكر ولا يزال حاضراً بعد الميراث الأرضي، وإلا ما كان يمكن أن يقال عنه شاهداً على مجريات الأمور الحقيقية ويوجد آيات كثيرة تقول بأن الرسول ﷺ شاهداً.
نقطة فنية: الآيات القرآنية التالية تبين أن النبي ﷺ لم يكن موجودا قبل ظهوره المبكر (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) أي أن النبي ﷺ موجوداً " أي بجسمه يتكلم ".]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الرسول ﵊ أكمل الخلق، وأفضلهم، وأحبهم إلى الله، وأكرمهم عنده ولا يعني هذا أن يسلب خصائص البشر، أو أن يصرف شيئا من حقوق الرب له. فالرسول ﵊ بشر يعتريه ما يعتري البشر من الأمراض والموت الحقيقي قال تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون) ، وقال تعالى: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن متّ فهم الخالدون) . فالرسول ﵊ مات ودفن في قبره، ولذا قال الصدّيق أبو بكر ﵁: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
وكونه ﵊ شاهدا ومبشرا ونذيرا، وكونه شهيدا يوم القيامة لا يعني أنه حاضر جميع الأمم، ولا أن حياته ﵊ مستمرة دائمة إلى يوم القيامة ولا أنه يشاهد وهو في قبره إذ ليس طريق الشهادة مقتصرا على المشاهدة، بل يشهد على الأمم بما أخبره الله به ، وإلا فهو لا يعلم الغيب، قال تعالى: (ولو كنت أعلم الغيب لا ستكثرت من الخير) . ولا يقدر ﵊ أن يوجد في أماكن متعددة بل هو في مكان واحد وهو قبره ﵊ وهذا بإجماع المسلمين.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الكريم الخضير.
стр. 245
نبذة عن نبي الله عيسى ﵇
[السُّؤَالُ]
ـ[هل من الممكن أن تعطينا نبذة عن عيسى ﵇؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
- كانت مريم ابنة عمران امرأة صالحة تقية.. واجتهدت في العبادة حتى لم يكن لها نظير في النسك والعبادة.. فبشرتها الملائكة باصطفاء الله لها.. (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين - يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين) آل عمران / ٤٢ - ٤٣.
- ثم بشرت الملائكة مريم بأن الله سيهب لها ولداً يخلقه بكلمة كن فيكون وهذا الولد اسمه المسيح عيسى ابن مريم.. وسيكون وجيهاً في الدنيا والآخرة ورسولاً إلى بني إسرائيل.. ويعلم الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل.. وله من الصفات والمعجزات ما ليس لغيره.. كما قال تعالى: (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين - ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين - قالت رب أنى يكون لي ولدٌ ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) آل عمران /٤٥-٤٧.
- ثم أخبر الله تعالى عن تمام بشارة الملائكة لمريم بابنها عيسى ﵇ فقال عن تشريف عيسى , وتأييده بالمعجزات.. (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل - ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين - ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) آل عمران/ ٤٨ - ٥١.
- والله سبحانه له الكمال المطلق في الخلق.. يخلق ما يشاء كيف يشاء.. فقد خلق آدم من تراب بلا أب ولا أم.. وخلق حواء من ضلع آدم من أب بلا أم.. وجعل نسل بني آدم من أب وأم.. وخلق عيسى من أم بلا أب.. فسبحان الخلاق العليم.
- وقد بين الله في القرآن كيفية ولادة عيسى بياناً شافياً فقال سبحانه (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً - فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً - قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً - قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً - قالت أنّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً - قال كذلك قال ربك هو عليّ هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضياً) مريم/١٦ - ٢١.
- فلما قال لها جبريل ذلك استسلمت لقضاء الله فنفخ جبريل في جيب درعها.. (فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً - فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسيا) مريم /٢٢ - ٢٣.
- ثم ساق الله لمريم الماء والطعام.. وأمرها أن لا تكلم أحداً.. (فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً - وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً - فكلي واشربي وقرِّي عيناً فإما ترين من البشر أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً) مريم /٢٤ - ٢٦.
- ثم جاءت مريم إلى قومها تحمل ولدها عيسى.. فلما رأوها أعظموا أمرها جداً واستنكروه.. فلم تجبهم.. وأشارت لهم اسألوا هذا المولود يخبركم.. قال تعالى.. (فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً - يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً - فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً) مريم/٢٧ - ٢٩.
- فأجابهم عيسى على الفور وهو طفل في المهد.. (قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً - وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً - وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً - والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً) مريم/٣٠ -٣٣.
ذلك خبر عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله.. ولكن أهل الكتاب اختلفوا فيه فمنهم من قال هو ابن الله.. ومنهم من قال هو ثالث ثلاثة.. ومنهم من قال هو الله.. ومنهم من قال هو عبد الله ورسوله وهذا الأخير هو القول الحق قال تعالى.. (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون - ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون - وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم - فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم) مريم/٣٤ -٣٧.
- ولما انحرف بنو إسرائيل عن الصراط المستقيم.. وتجاوزوا حدود الله.. فظلمو ا , وأفسدوا في الأرض وأنكر فريق منهم البعث والحساب والعقاب.. وانغمسوا في الشهوات والملذات غير متوقعين حساباً.. حينئذ بعث الله إليهم عيسى ابن مريم رسولاً وعلمه التوراة والإنجيل كما قال سبحانه عنه (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسواً إلى بني إسرائيل) آل عمران/٤٨.
- وقد أنزل الله على عيسى ابن مريم الإنجيل هدى ونوراً.. ومصدقاً لما في التوراة.. (وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين) المائدة/٤٦.
- وعيسى ﵇ قد بشر بمجيء رسول من الله يأتي من بعده اسمه أحمد وهو محمد ﷺ قال تعالى.. (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) الصف/٦.
- قام عيسى ﵇ بدعوة بني إسرائيل إلى عبادة الله وحده.. والعمل بأحكام التوراة والإنجيل.. وأخذ يجادلهم ويبين فساد مسلكهم.. فلما رأى عنادهم وظهرت بوادر الكفر فيهم.. وقف في قومه قائلاً من أنصاري إلى الله؟ فآمن به الحواريون وعددهم اثنا عشر قال تعالى (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون - ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين) آل عمران /٥٢ -٥٣.
- أيد الله عيسى بمعجزات عظيمة تذكر بقدرة الله.. وتربي الروح.. وتبعث الإيمان بالله واليوم الآخر.. فكان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله.. وكان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، ويخبر الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم.. فقام اليهود الذين أرسل الله إليهم عيسى بمعاداته وصرف الناس عنه.. وتكذيبه، وقذف أمه بالفاحشة.
- فلما رأوا أن الضعفاء والفقراء يؤمنون به.. ويلتفون حوله حينئذ دبروا له مكيدة ليقتلوه فحرضوا الرومان عليه.. وأوهموا الحاكم الروماني أن في دعوة عيسى زوالاً لملكه فأصدر أمره بالقبض على عيسى وصلبه.. فألقى الله شبه عيسى على الرجل المنافق الذي وشى به فقبض عليه الجنود يظنونه عيسى فصلبوه.. ونجى الله عيسى من الصلب والقتل كما حكى الله عن اليهود.. (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلاّ اتباع الظن وما قتلوه يقينا - بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً) النساء/١٥٧ - ١٥٨
- فعيسى ﵇ لم يمت بل رفعه الله إليه.. وسينزل قبل يوم القيامة ويتبع محمداً ﷺ .. وسيكذب اليهود الذين زعموا قتل عيسى وصلبه.. والنصارى الذين غلوا فيه وقالوا هو الله.. أو ابن الله.. أو ثالث ثلاثة.قال النبي ﵊.. (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما ًمقسطاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) . متفق عليه أخرجه مسلم برقم ١٥٥.
- فإذا نزل عيسى قبل يوم القيامة آمن به أهل الكتاب كما قال تعالى.. (وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً) النساء/١٥٩.
- وعيسى ابن مريم عبد الله ورسوله.. أرسله الله لهداية بني إسرائيل والدعوة إلى عبادة الله وحده كما قال سبحانه لليهود والنصارى.. (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلاّ الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً) النساء/ ١٧١.
- والقول بأن عيسى ابن الله قول عظيم ومنكر كبير.. (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً - لقد جئتم شيئاً إداً - تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً - أن دعوا للرحمن ولداً - وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداًً - إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً) مريم/٨٨- ٩٣.
- وعيسى ابن مريم بشر وهو عبد الله ورسوله فمن اعتقد أن المسيح عيسى ابن مريم هو الله فقد كفر.. (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) المائدة/٧٢.
- ومن قال إن المسيح ابن الله أو ثالث ثلاثة فقد كفر.. (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم) المائدة /٧٣.
- فالمسيح ابن مريم بشر.. ولد من أم.. يأكل ويشرب.. ويقوم وينام.. ويتألم ويبكي.. والإله منزه عن ذلك.. فكيف يكون إلهاً.. بل هو عبد الله ورسوله (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون) المائدة/٧٥.
- وقد أفسد اليهود والنصارى والصليبيون وأتباعهم دين المسيح وحرفوا فيه وبدلوا وقالوا لعنهم الله إن الله قدم ابنه المسيح للقتل والصلب فداءً للبشرية.. فلا حرج على أحد أن يعمل ما شاء فقد تحمل عنه عيسى كل الذنوب.. ونشروا ذلك بين طوائف النصارى حتى جعلوه جزءاً من عقيدتهم.. وهذا كله من الباطل والكذب على الله والقول عليه بغير علم.. بل كل نفس با كسبت رهينة.. وحياة الناس لا تصلح ولا تستقيم إن لم يكن لهم منهج يسيرون عليه.. وحدود يقفون عندها.
- فانظر كيف يفترون على الله الكذب , ويقولون على الله غير الحق.. (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) البقرة/٧٩.
- وقد أخذ الله على النصارى الأخذ على عيسى والعمل بما جاء به , فبدلوا وحرفوا فاختلفوا ثم أعرضوا.. فعاقبهم الله بالعداوة والبغضاء في الدنيا.. وبالعذاب في الآخرة كما قال تعالى: (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون) المائدة / ١٤.
- وسيقف عيسى ﵇ يوم القيامة أمام رب العالمين فيسأله على رؤوس الأشهاد ماذا قال لبني إسرائيل كما قال سبحانه: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب - ما قلت لهم إلاّ ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد - إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) المائدة / ١١٦ -١١٨.
- وقد جعل الله في أتباع عيسى والمؤمنين رأفة ورحمة.. وهم أقرب مودة لأتباع محمد من غيرهم كما قال تعالى: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون) المائدة/٨٢.
- وعيسى ابن مريم هو آخر أنبياء بني إسرائيل.. ثم بعث الله بعده محمداً ﷺ من نسل إسماعيل إلى الناس كافة، وهو آخر الأنبياء والمرسلين.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب أصول الدين الإسلامي: تأليف فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم التويجري.
стр. 246
نبذة عن موسى ﵇
[السُّؤَالُ]
ـ[نريد نبذة عن نبي الله موسى ﵇ وقومه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
- أوحى الله إلى موسى ابن عمران ﵊ وأرسله إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى عبادة الله وحده كما قال سبحانه: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله) إبراهيم/٥.
- وهارون ﵇ أخو موسى من النسب أرسله الله عضداً لموسى حين أراد بعثه إلى فرعون ليدعوه إلى عبادة الله بناءً على طلب موسى.. (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبياً) مريم/٥٣.
- وكان بنوا إسرائيل حينذاك في مصر تحت حكم فرعون.. وقد استعبدهم وأذلهم فكان يستحيي نسائهم ويقتل أبنائهم..
(يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين) القصص/٤.
- وقد وُلد موسى في مصر.. وأراد الله أن يتربى في بيت فرعون.. فوضعته أمه في تابوت وألقته في اليم.. فالتقطه آل فرعون.. وفرحت به زوجته آسية ونهتهم عن قتله.. ولما بلغ أشده آتاه الله حكماً وعلماً.
- وفي يوم من الأيام استغاث بموسى رجل من بني إسرائيل على عدوه.. فوكزه موسى فقضى عليه.. فندم موسى واستغفر ربه فغفر له.. وأصبح في المدينة خائفاً يترقب.. وفي اليوم الثاني وجد موسى ذلك الرجل يقاتل عدواً له.. فاستنصره مرة أخرى فغضب موسى عليه.. وظن الرجل أنه يريد قتله.. فقال له.. (أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس) القصص /١٩.
- فأخبر ذلك العدو قوم فرعون.. فراحوا يبحثون عن موسى ليقتلوه فجاء رجل صالح وأخبر موسى بما يدبر له القوم ونصحه بالخروج من مصر.. (فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين) القصص/٢١.
- وتوجه موسى إلى أرض مدين.. وتزوج هنالك بنتاً لشيخ كريم.. مقابل تأجير نفسه له ثمان سنين..فلما تم الأجل سار موسى بأهله إلى مصر.. فلما كان بطور سيناء أراد الله أن يخصه بكرامته ونبوته وكلامه..فضل موسى الطريق فرأى ناراً.. (فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى - فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى - وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى - إنني أنا الله لا إله إلاّ أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري - إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى) طه /١٠-١٥.
- ثم أراه الله بعض المعجزات فأمره أن يلقي عصاه على الأرض فانقلبت حية.. وأن يدخل يده في جيبه فخرجت بيضاء.. ثم قال له اذهب بهاتين المعجزتين إلى فرعون لعله يتذكر أو يخشى.. فقد جاوز الحد في الطغيان والفساد.. وأرسل مع موسى أخاه هارون كما قال تعالى: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى - قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علنا أو أن يطغى- قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى - فأتياه فقولا إنّا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى) طه / ٤٣- ٤٧.
- ذهب موسى وهارون ﵉ إلى فرعون وبلّغاه الرسالة.. وسأل فرعون موسى.. (قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين) الشعراء /٢٣.
- ثم طلب فرعون من موسى آية تشهد بصدقه.. (قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين - فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين - ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) الأعراف / ١٠٦ - ١٠٨.
- فلما رأى فرعون وحاشيته ذلك اتهموا موسى بالسحر.. ثم جمعوا له السحرة.. ودفعوا لهم الأجر الجزيل.. وجُمع الناس يوم الزينة.. فألقى السحرة حبالهم وعصيهم.. (فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم) الأعراف /١١٦.
- ثم نصر الله موسى على السحرة وبطل كيدهم وآمن السحرة برب العالمين.. (وأوحينا إلى موسى أن الق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين وألقى السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين - رب موسى وهارون) الأعراف / ١١٧ -١٢٢.
- ولما آمن السحرة بالله.. قطع فرعون أيدي السحرة وأرجلهم من خلاف وصلبهم.. فصبروا ولم يبالوا بتهديده حتى لقوا الله مسلمين..ثم أشار الأشراف بقتل موسى وقومه لئلا يفسدوا في الأرض فقتلوا الأبناء واستحيوا النساء.. فأوصى موسى بني إسرائيل بالصبر.. ثم ضاق فرعون بموسى فأتمر وقومه على قتله.. (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد) غافر/٢٦.
- وحينما كانوا يفكرون في قتل موسى.. دفعت المروءة رجلاً مؤمناً من آل فرعون يكتم إيمانه فدافع عن موسى.. وقال إن كان كاذباً فلن يضرنا..وإن كان صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم وتابع هذا الرجل نصح فرعون وقومه فلم يستجيبوا له.. (قال ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) غافر/٢٩.
- وظل موسى يدعو فرعون وقومه بالموعظة الحسنة.. ولكن ما زادهم ذلك إلا علواً في الأرض وطغياناً وتعذيباً للمؤمنين.. فدعا عليهم موسى.. فعاقبهم الله بالجدب والقحط ونقص الثمرات لعلهم يذكرون.. ولكنهم لم يذعنوا بل استمروا في إجرامهم وطغيانهم.. فأصابهم الله بصنوف أخرى من المصائب لعلهم يرجعون.. (وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين) الأعراف / ١٣٢- ١٣٣.
- ولما ازداد طغيان فرعون.. جاء الأمر الإلهي بالفرج فأمر الله موسى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر سراً.. فلما علم فرعون جمع جيشاً كبيراً ليدرك موسى وقومه قبل أن يصلوا فلسطين.. وخرج فرعون وجنوده تاركين وراءهم البساتين والجنات والأموال.. فأدركوا موسى وقومه مع شروق الشمس عند ساحل البحر الأحمر فنجى الله موسى وقومه.. وأغرق فرعون وجنوده كما قال تعالى: (وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون - فأرسل فرعون في المدائن حاشرين - إن هؤلاء لشرذمة قليلون - وإنهم لنا لغائظون - وإنا لجميع حاذرون - فأخرجناهم من جنات وعيون - وكنوز ومقام كريم - كذلك وأورثناها بني إسرائيل - فأتبعوهم مشرقين - فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون- قال كلا إن معي ربي سيهدين - فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم - وأزلفنا ثم الآخرين - وأنجينا موسى ومن معه أجمعين - ثم أغرقنا الآخرين - إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين - وإن ربك لهو العزيز الرحيم) الشعراء/ ٥٢ -٦٨.
- وهكذا هلك فرعون وجنوده، ولما أدركه الغرق آمن.. ولكن لم ينفعه ذلك.. وأبقى الله بدنه ليكون عبرة لمن بعده.. وكانت عقوبة آل فرعون في الدنيا الغرق في البحر وفي الآخرة العذاب الشديد.. (وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) غافر/٤٦-٤٧.
- وقد شاهد بنو إسرائيل معجزات موسى وكان آخرها معجزة نجاتهم وهلاك عدوهم وكانت هذه المعجزات كافية لنزع رواسب الوثنية من قلوبهم إلا أنها كانت تعاودهم أحياناً.. ولقي موسى الأهوال في سبيل ردهم إلى عبادة الله وحده.. ومن ذلك:
عندما جاوز البحر مروا على قوم يعبدون الأصنام.. فطلبوا من موسى أن يتخذ لهم صنماً يعبدونه كهؤلاء فقال لهم موسى (إنكم قوم تجهلون - إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون - قال أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين) الأعراف / ١٣٨ـ ١٤٠.
وسار بنوا إسرائيل إلى الأرض المقدسة وفي الطريق أصابهم العطش فشكوا إلى موسى فدعا ربه فسقاهم.. (وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً قد علم كل أناس مشربهم) الأعراف/١٦٠.
وفي طريقهم شكوا شدة حرارة الشمس.. وقلة الطعام فدعا موسى ربه فظللهم بالغمام.. ورزقهم من الطيبات ولكنهم لم يشكروا بل طلبوا غيرها.. (وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) الأعراف /١٦٠.
ثم اشتكوا وقالوا.. (لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها) البقرة/٦١.
وكان الله قد وعد موسى أن ينزل عليه كتاباً فيه الأوامر والنواهي لبني إسرائيل.. فلما هلك فرعون سأل الله موسى ربه الكتاب فأمره أن يصوم أربعين يوماً فخلف أخاه هارون في قومه وصام تلك الأيام.. ثم أنزل الله عليه التوراة عند جبل الطور.. فيها المواعظ وتفصيل كل شيء.. فلما رجع إلى قومه وجدهم يعبدون العجل الذي صنعه لهم السامري من الحلي وقال لهم هذا إلهكم وإله موسى.. (فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي - أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً - ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري - قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى) طه/٨٨-٩١.
فلما جاء موسى غضب عليهم ولامهم وبين لهم الحق.. ثم حرق العجل , ورماه في البحر , وعاقب السامري فكان يتألم من مس أي شيء.
ندم بنو إسرائيل على عبادة العجل.. فاختار منهم موسى سبعين رجلاً وذهب بهم إلى جبل الطور ليقدموا الطاعة لله.. والندم على ما فعلوا.. وهناك كلم الله موسى.. ولكن بعضهم لم يؤمن بأن الله هو الذي يكلم موسى فعصوا وقالوا أرنا الله جهرة.. (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون - ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون) البقرة/ ٥٥-٥٦.
ولما عاد موسى إلى بني إسرائيل ومعه التوراة أبوا أن يقبلوها وتذمروا من أحكامها فهددهم فقبلوا.. كما قال تعالى.. (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون - ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين) البقرة / ٦٣ -٦٤.
ثم أمر موسى بني إسرائيل أن يذهبوا معه إلى الأرض المقدسة في فلسطين فذهبوا معه ثم خافوا من أهلها الجبارين وعصوا موسى وتمردوا عليه.. (قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون) المائدة / ٢٤.
فدعا عليهم موسى.. واستجاب الله دعاءه.. وأخبره بأن الأرض المقدسة محرمة عليهم.. وأنهم سيتيهون في الأرض أربعين سنة فلا يحزن عليهم.. (قال ربي إني لا أملك إلاّ نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ـ قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين) المائدة/ ٢٥ ـ٢٦.
ـ وهكذا ظل موسى صابراً على تذمر بني إسرائيل.. وكثرة شكواهم.. وفي مدة التيه توفى هارون..ثم توفي موسى.. ومات أكثرهم.. فلما انقضت المدة دخل يوشع بن نون بهم الأرض المقدسة وحاصرها حتى فتحها.. وأمرهم أن يدخلوا الأرض المقدسة سجدا ًفلم يمتثلوا.. ودخلوها على أُستاهم.
- وقد امتن الله على بني إسرائيل بنعم عظيمة فأنجاهم من فرعون.. ورزقهم من الطيبات..وجعل منهم الأنبياء والملوك.. وفضلهم على العالمين ولكنهم كفروا تلك النعم ولم يشكروها.. (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين) المائدة / ٢٠.
- ولليهود أقوال سيئة وأفعال خبيثة أوجبت لعنهم وسخط الله عليهم.
- فقد اتهموا الله بالبخل.. (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء) المائدة/٦٤.
وكفروا بقولهم هذا البهتان العظيم.. (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء) آل عمران / ٨١ ١.
ـ ونسبوا إلى الله الولد قاتلهم الله أنى يؤفكون.. (وقالت اليهود عزير ابن الله) التوبة/٣٠.
- ولما بلغتهم التوراة كفر كثير منهم بأحكامها.. وصدوا عن سبيل الله.. واستباحوا الظلم فعاقبهم الله بذنوبهم.. قال تعالى.. (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيراً وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً) النساء/ ٦١.
- ومن بهتانهم قولهم إنهم أبناء الله وأحباؤه.. (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق) المائدة /١٨.
- ومن كذبهم وبهتانهم قولهم.. (وقالوا لن يدخل الجنة إلاّ من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) البقرة /١١١.
- ومن إفترائهم وكذبهم قولهم.. (وقالوا لن تمسنا النار إلاّ أياماً معدودة قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون) البقرة/٨٠.
- ومن مكرهم وخيانتهم أنهم كانوا يحرفون كتابهم التوراة.. (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه) النساء /٤٦.
- ومن جرائمهم أنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق فعاقبهم الله بذنوبهم كما قال تعالى.. (وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) البقرة/٦١.
- ولما لليهود من مظالم , وافتراءات , وأعمال سيئة , وفساد في الأرض ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء فلن تقوم لهم قائمة إلى يوم القيامة.. (وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين) المائدة /٦٤.
- واليهود ضعاف النفوس..قلوبهم متفرقة.. وأهواؤهم مختلفة.. (لا يقاتلونكم جميعاً إلاّ في قرىً محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) الحشر/١٤.
- واليهود أشد الناس عداوة للذين آمنوا.. واليهود لطغيانهم وفسادهم يكرهون الموت فراراً مما بعد الموت كما قال تعالى.. (قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين - ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين) الجمعة/٦-٧.
- وظل اليهود على فسادهم وطغيانهم وتحريفهم.. وأرسل الله إلى بني إسرائيل كثيراً من الأنبياء والرسل لردهم إلى الصراط المستقيم فمنهم من آمن بهم.. ومنهم من كفر.. حتى أرسل الله إليهم عيسى بن مريم ﵇.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب أصول الدين الإسلامي: تأليف الشيخ محمد بن ابراهيم التويجري.
стр. 247
هل النبي محمد ﷺ ذُكِر في الإنجيل
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو أن تخبرني أين ذُكر النبي ﷺ في الإنجيل؟ وهل تم ذكر اسمه أم رمز له؟ وما هي المراجع التي يمكن أن أستعملها لأثبت هذه المسألة، وهل الكُتاب والمترجمون النصارى قد حرفوا ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الله تعالى في كتابه: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) الصف /٦
وقال تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) الأعراف/١٥٧
فهاتان الآيتان تدلان على أن النبي ﷺ مذكور في التوراة والإنجيل، مهما أدعى اليهود والنصارى عدم ذلك، فإن كلام الله تعالى أحسن حديثا، وأصدق قيلا.
ومما وورد في الكتاب السابقة ما يلي:
أولا: جاء في التوراة في سفر التثنية الإصحاح الثامن عشر الفقرات ١٨و١٩: " يا موسى أني سأقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم مثلك أجعل كلامي فيه ويقول لهم ما أمره به والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه "، وهذا النص موجود عندهم الآن، فقوله:" من إخوانهم "، لو كان منهم من بني إسرائيل لقال سأقيم لهم نبياً منهم قال من إخوتهم أي أبناء إسماعيل.
ثانيا: جاء في إنجيل يوحنا الإصحاح السادس عشر الفقرات ١٦-١٧: " إن خيراً لكم أن أنطلق لأني إن لم أذهب لم يأتكم الفارقليط فإذا انطلقت أرسلته إليكم فإذا جاء فهو يوبخ العالم على الخطيئة، وان لي كلاماً كثيراً أريد قوله ولكنكم لا تستطيعون حمله لكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بكل ما يأتي "، وهذا لا ينطبق إلا على النبي ﷺ .
ثالثا: قال ابن القيم ﵀: " قال في التوراة في السفر الخامس: -: " أقبل الله من سيناء، وتجلى من ساعير، وظهر من جبال فاران، ومعه ربوات الإظهار عن يمينه " وهذه متضمنة للنبوات الثلاثة: نبوة موسى، ونبوة عيسى، ونبوة محمد ﷺ ، فمجيئه من " سينا ": وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى، ونبأه عليه إخبار عن نبوته، وتجليه من ساعير هو مظهر المسيح من بيت المقدس، و " ساعير ": قرية معروفة هناك إلى اليوم، وهذه بشارة بنبوة المسيح.
"وفاران ": هي مكة، وشبه سبحانه نبوة موسى بمجيء الصبح، ونبوة المسيح بعدها بإشراقه وضيائه ونبوة خاتم الأنبياء باستعلاء الشمس، وظهور ضوءها في الآفاق، ووقع الأمر كما أخبر به سواء. فإن الله سبحانه صدع بنبوة موسى ليل الكفر فأضاء فجره بنبوته، وزاد الضياء والإشراق بنبوة المسيح، وكمل الضياء واستعلن وطبق الأرض بنبوة محمد صلوات الله وسلامه عليهم، وذكر هذه النبوات الثلاثة التي اشتملت عليها هذه البشارة نظير ذكرها في أول سورة (والتين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين " ا. هـ[انظر هداية الحيارى ص ١١٠، وما ذكره ابن القيم هو في العهد القديم سفر التثنية الإصحاح ٣٣ فقرة ١]
رابعا: ذكر الشيخ عبد المجيد الزنداني في كتابه: (البشارات بمحمد ﷺ في الكتب السماوية السابقة) أن إنجيل برنابا في الباب ٢٢ جاء فيه: " وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله "، وجاء في سفر أشعيا: إني جعلت اسمك محمدا يا محمد، يا قدوس الرب: اسمك موجود من الأبد، وجاء في سفر أشعيا: " وما أعطيته لا أعطيه لغيره، أحمد يحمد الله حمدا حديثا يأتي من أفضل الأرض، فتفرح به البرية، ويوحدون على كل شرف، ويعظمونه على كل رابية " انتهى.
وقد ذكر العلماء العديد من المواضع التي ذكر فيها اسم النبي ﷺ ، مرة بذكر اسمه الصريح، ومرة بذكر وصف لا ينطبق إلا عليه ﷺ .
ويمكنك مراجعة العديد من النصوص في الوصلة التالية:
http://arabic.islamicweb.com/christianity/
واعلم أنه قد طرأ تغيير على الكتب الموجودة الآن من التوراة والإنجيل وحدث تغيير فيها، وقد ذكر المؤرخون من غير المسلمين هذا الأمر، لكن مع ذلك كله لازلنا نجد في التوراة والإنجيل التبشير بمقدم رسول الله ﷺ ، وقد ذكر الشيخ رحمة الله الهندي أن النصارى كلما استطاعوا تحريف موضع حرفوه، ولذلك تجد بعض العلماء القدامى يذكرون مواضع في التوراة والإنجيل ليست موجودة الآن، لكن هناك مواضع أخرى لا زالت تبشر بنبوة النبي ﷺ وقدومه.
واعلم أنه لا بد من تسلح الإنسان بالعلم الصحيح الوافي عند مناقشة النصارى، وهم وإن لم يكن لديهم حجج، إلا إنه يسعون لبث الشبه في نفوس الناس، ليستسلموا ها، وليغيب الحق، والله متم نوره ولو كره الكافرون.
ومن الكتب المفيدة في هذا السياق كتاب إظهار الحق للشيخ رحمة الله الهندي، وكتاب هداية الحيارى لابن القيم، ومن قبله الجواب الصحيح لابن تيمية.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 248
إجابة عن إشكالات في آيات حياة المسيح ﵇ وموته
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا من متابعي موقعكم ولا أشك أبداً في أن حرفا واحدا من القرآن قد تم تحريفه وأرجو أن تشرح لي اللبس في هاتين الآيتين الأولى في سورة مريم (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) فما معني يوم أموت؟
وفي آية ") وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) النساء/١٥٩، فما معنى هذا؟) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً) النساء/١٥٧
أدرس في الصين ولدي الكثير من الأصدقاء من أديان مختلفة ويسألوني عن القرآن وموقف الإسلام من عيسى ﵇، أحاول أن أجيب على أسئلتهم وأرجو أن تجيبني في أسرع وقت.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
بدايةً نشكر لك حرصك على السؤال عن أمر دينك، وسعيك للتبصر في تفسير كتاب الله جل وعلا، ونسأل الله أن يرزقنا وإياك العلم النافع،
أما فيما يتعلق بقوله تعالى: (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً) مريم/٣٣، فقد قال الطبري في تفسيره:" وقوله ﴿والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾ يقول: والأمن من الله عليَّ من الشيطان وجنده يوم ولدت أن ينالوا مني ما ينالون ممن يولد عند الولادة، من الطعن فيه، ويوم أموت، من هول المطلع، ويوم أبعث حياً يوم القيامة أن ينالني الفزع الذي ينال الناس بمعاينتهم أهوال ذلك اليوم " [تفسير الطبري ٨ / ٣٤٠]
وقال القرطبي:" ﴿والسلام علي﴾ أي السلامة علي من الله تعالى. قال الزجاج ذكر السلام قبل هذا بغير ألف ولام فحسن في الثانية ذكر الألف واللام. وقوله: يوم ولدت يعني في الدنيا. وقيل: من همز الشيطان كما تقدم في ((آل عمران)) . ويوم أموت يعني في القبر. ويوم أبعث حيا يعني في الآخرة، لأن له أحوالاً ثلاثة: في الدنيا حياً، وفي القبر ميتاً، وفي الآخرة مبعوثاً، فسلم في أحواله كلها " [تفسير القرطبي ١١ / ٩٨]
ومما سبق من أقوال المفسرين تعلم أن قوله ﴿ويوم أموت﴾ ليس معناه أنه قد مات، وإنما معناه أنه عند موته – وذلك بعد نزوله وقتله للدجال كما ثبت في الأحاديث – فإنه يسلم من الموت على غير الإيمان بالله تعالى، وهذا كما أنه قال ﴿ويوم أبعث حيا﴾ وليس معناه أنه قد بعث يوم القيامة!! ، فكلامه ﷺ إنما هو عن أحواله في ولادته، وفي موته، وفي بعثه، ولا شك أنه سيموت، لكن كما دلت الآيات الأخرى التي سقتها، فإنه لم يمت بالقتل أو الصلب، وإنما رفعه الله إليه، وسيموت بعد نزوله من السماء، وقتله للدجال.
أما قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) النساء/ ١٥٩، فقد اختلف أهل العلم في مرجع الضمير في قوله ﴿موته﴾ على قولين:
القول الأول: أن مرجع الضمير إلى عيسى ابن مريم ﵇، وعلى هذا يكون معنى الآية، أنه ما من أحد من أهل الكتاب إلا سيؤمن بعيسى ﵇، وذلك قبل موته – أي عيسى -، فإنه إذا نزل من السماء، وقتل الدجال، فإنه يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام، وحينها يؤمن أهل الكتاب به، قبل موته ﷺ ، ويعلمون أنه حق، وأنه لم يمت من قبل، فالكلام في الآية عن علامة من علامات الساعة، وشرط من أشراط يوم القيامة، سيكون بعد نزول عيسى، وأنه قبل أن يموت في ذلك الزمان سيؤمن به أهل الكتاب. وقد ورد ما يؤيد هذا القول من قول أبي هريرة ﵁ بعد روايته للحديث الدال على نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، فعن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) النساء/١٥٩) . البخاري ٣١٩٢ مسلم ٢٢٠.
القول الثاني: أن مرجع الضمير إلى الكتابي نفسه، وعلى هذا يكون معنى الآية، أنه ما من أحد من أهل الكتاب إلا سيؤمن بعيسى ﵇، وأنه حق، وأنه لم يمت، وذلك عندما يعاين سكرات الموت، ويرى الحقائق والبراهين، فعند موت ذلك الكتابي سيعلم أن ما كان عليه هو الباطل، لكن لا ينفعه ذلك الإيمان حينئذ.
وعلى كلا القولين السابقين فليس في الآية دليل أو إشارة إلى موته ﷺ ، وإنما الكلام – في القول الأول – على أمر غيبي سيحصل في المستقبل، وهو بلا شك سيموت ﵇، لكن بعد نزوله كما سبق، وعلى القول الثاني: فالمراد بقوله (قبل موته) أي موت الكتابي نفسه.
وقد رجح الطبري وابن كثير وغيرهما من أئمة التفسير القول الأول، قال ابن كثير:" وقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) النساء/١٥٩ "، قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ يعني قبل موت عيسى، يوجه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية، دين إبراهيم ﵇..... عن ابن عباس قال: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته، قال: قبل موت عيسى بن مريم ﵇. ... وعن الحسن ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ قال: قبل موت عيسى والله إنه لحي عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون..... قال ابن جرير: وقال آخرون: يعني بذلك قبل موت صاحب الكتاب، ذكر من كان يوجه ذلك إلى أنه علم الحق من الباطل لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، في الآية، قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى..... وقال ابن عباس: لو ضربت عنقه لم تخرج نفسه حتى يؤمن بعيسى.... وعن ابن عباس، قال: لا يموت اليهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله.
قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصحة القول الأول، وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى ﵇ إلا آمن به قبل موت عيسى ﵇، ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح، لأنه المقصود من سياق الاي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن كذلك، وإنما شبه لهم، فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة ... فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية يعني لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم، ولهذا قال: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته أي قبل موت عيسى ﵇ الذي زعم اليهود ومن وافقههم من النصارى أنه قتل وصلب، ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً أي بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء وبعد نزوله إلى الأرض " [تفسير ابن كثير ١ / ٧٦٢]
ولا بد من التنبيه – أيها الأخ الكريم – على أن مناقشة النصارى لا بد أن تكون عن علم وبينة، حتى لا يكون الإنسان سببا في عدم قبول الناس للحق بسبب ضعف حجته، وإلا فليس عند النصارى حجة صحيحة أصلا، إلا إنهم يلقون بالشبهات ليزيفوا الحقائق، وليلبسوا الحق بالباطل، أعاذنا الله من طرق الزائغين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 249
اعتقاد المسلمين في المسيح ﵇
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو اعتقاد المسلمين في المسيح عيسى ابن مريم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اعتقادنا في المسيح عيسى ابن مريم ﵇ هو ما دل عليه كتاب الله وسنة رسولنا محمد ﷺ .
فنؤمن بأن عيسى ﵇ عبد من عباد الله، ورسول من رسله الكرام، أرسله الله تعالى إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى توحيد الله تعالى وعبادته.
قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) الصف /٦. وقال: (وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) المائدة /٧٢.
فليس عيسى ﵇ إلهاً، ولا ابن الله كما يزعم ذلك النصارى.
قال الله : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) المائدة /٧٢.
وقال جل شأنه: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) التوبة /٣٠.
وأول كلمة قالها عيسى ﵇ لما أنطقه الله وهو في المهد: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) مريم /٣٠.
ونؤمن بأن الله تعالى أيده بالآيات الدالة على صدقه.
قال تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ) المائدة /١١٠.
ونؤمن بأن عيسى ﵇ وُلد من مريم العذراء البتول بلا أب، وليس ذلك ممتنعاً على قدرة الله الذي إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون.
قال الله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) آل عمران /٥٩.
وقال تعالى: (إِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنْ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) آل عمران /٤٥-٤٧.
ونؤمن بأنه ﵇ أحل لليهود بعض ما كان محرماً عليهم.
قال الله عن عيسى ﵇ أنه قال لبني إسرائيل: (وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) آل عمران /٥٠.
ونؤمن بأنه لم يمت ولم يقتله أعداؤه اليهود، بل نجاه الله تعالى منهم، ورفعه إلى السماء حياً.
قال عن اليهود: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) النساء /١٥٦-١٥٨.
ونؤمن بأنه بَشَّر أتباعه بنبينا محمد ﷺ .
قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) الصف /٦.
ونؤمن بأنه سينزل في آخر الزمان، فيكذب أعداءه اليهود في زعمهم أنهم قتلوه، ويكذب النصارى في دعواهم أنه الله أو ابن الله، ولا يقبل منهم إلا الإسلام.
روى البخاري ومسلم (٢٢٢٢) ومسلم (١٥٥) عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ (وفي رواية: لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ) حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ) .
(لَيُوشِكَن) أَيْ لَيَقْرَبَن أَيْ لا بُدّ مِنْ ذَلِكَ سَرِيعًا.
(أَنْ يَنْزِل فِيكُمْ) أَيْ فِي هَذِهِ الأُمَّة.
(حَكَمًا مُقْسِطًا) أَيْ حَاكِمًا عَادِلاً , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَنْزِل حَاكِمًا بِهَذِهِ الشَّرِيعَة فَإِنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَة بَاقِيَة لا تُنْسَخ , بَلْ يَكُون عِيسَى حَاكِمًا مِنْ حُكَّام هَذِهِ الْأُمَّة.
(فَيَكْسِر الصَّلِيب، وَيَقْتُل الْخِنْزِير) أَيْ يُبْطِل دِين النَّصْرَانِيَّة بِأَنْ يَكْسِر الصَّلِيب حَقِيقَة وَيُبْطِل مَا تَزْعُمهُ النَّصَارَى مِنْ تَعْظِيمه.
(وَيَضَع الْجِزْيَة)
قال النووي:
الصَّوَاب فِي مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لا يَقْبَلهَا، وَلا يَقْبَل مِنْ الْكُفَّار إِلا الإِسْلام، وَمَنْ بَذَلَ مِنْهُمْ الْجِزْيَة لَمْ يَكُفّ عَنْهُ بِهَا، بَلْ لا يَقْبَل إِلا الإِسْلام أَوْ الْقَتْل. هَكَذَا قَالَهُ الإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى اهـ.
(َيَفِيض الْمَال) أَيْ: يَكْثُر , وَسَبَب كَثْرَته نُزُول الْبَرَكَات، وَتَوَالِي الْخَيْرَات، بِسَبَبِ الْعَدْل وَعَدَم الظُّلْم، وَحِينَئِذٍ تُخْرِج الأَرْض كُنُوزهَا، وَتَقِلّ الرَّغَبَات فِي اِقْتِنَاء الْمَال لِعِلْمِهِمْ بِقُرْبِ السَّاعَة.
ثم يموت ﵇ ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه.
روى أحمد (٩٣٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (أنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ. . . ثم ذكر نزوله ﵇ في آخر الزمان. ثم قال: فَيَمْكُثُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَيَدْفِنُونَهُ) . صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢١٨٢) .
ونؤمن بأنه ﵇ سيتبرأ يوم القيامة ممن زعموا أنه إله.
قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) المائدة /١١٦-١١٧.
(مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) المائدة / ١١٧
فهذا اعتقاد المسلمين في المسيح عيسى ابن مريم ﵇.
وقد روى البخاري (٣٤٣٥) ومسلم (٢٨) عَنْ عُبَادَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ) .
نسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان ويتوفانا عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 250
عصمة الأنبياء
[السُّؤَالُ]
ـ[أود أن أسال عن العقيدة، هل من عقيدتنا الإيمان بصدور الذنب عن الأنبياء وأنهم غير معصومين؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأنبياء هم صفوة البشر، وهم أكرم الخلق على الله تعالى، اصطفاهم الله تعالى لتبليغ الناس دعوة لا إله إلا الله، وجعلهم الله تعالى الواسطة بينه وبين خلقه في تبليغ الشرائع، وهم مأمورون بالتبليغ عن الله تعالى، قال الله تعالى: " أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين " الأنعام / ٨٩.
والأنبياء وظيفتهم التبليغ عن الله تعالى مع كونهم بشرا، ولذلك فهم بالنسبة للأمر المتعلق بالعصمة على حالين:
١- العصمة في تبيلغ الدين.
٢- العصمة من الأخطاء البشرية.
أولاً: أما بالنسبة للأمر الأول، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون في التبليغ عن الله ﵎، فلا يكتمون شيئاً مما أوحاه الله إليهم، ولا يزيدون عليه من عند أنفسهم، قال الله تعالى لنبيه محمد – ﷺ – " يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " المائدة /٦٧، وقال تعالى: " ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين " الحاقة /٤٧ - ٤٤.
وقال تعالى: " وما هو على الغيب بضنين " التكوير /٢٤، قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي – ﵀ – في تفسير هذه الآية " وما هو على ما أوحاه الله إليه بشحيح، يكتم بعضه، بل هو – ﷺ – أمين أهل السماء، وأهل الأرض، الذي بلغ رسالات ربه، البلاغ المبين، فلم يشح بشيء منه، عن غني ولا فقير، ولا رئيس ولا مرؤوس، ولا ذكر ولا أنثى، ولا حضري ولا بدوي، ولذلك بعثه الله في أمة أمية جاهلة جهلاء، فلم يمت – ﷺ – حتى كانوا علماء ربانيين، إليهم الغاية في العلوم ... " انتهى
فالنبي في تبليغه لدين ربه وشريعته لا يخطأ في شيء البتة لا كبير ولا قليل، بل هو معصوم دائماً من الله تعالى.
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀ – (فتاوى ابن باز ج٦/٣٧١) :
" قد أجمع المسلمون قاطبة على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام – ولاسيما محمد – ﷺ – معصومون من الخطأ فيما يبلغونه عن الله ، قال تعالى: " والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى " النجم /١-٥) ، فنبينا محمد – ﷺ – معصوم في كل ما يبلغ عن الله قولاً وعملاً وتقريراً، هذا لا نزاع فيه بين أهل العلم " انتهى.
وقد اتفقت الأمة على أن الرسل معصومون في تحمل الرسالة، فلا ينسون شيئا مما أوحاه الله إليهم، إلا شيئا قد نسخ، وقد تكفل الله جل وعلا لرسوله _ ﷺ _ أن يقرئه فلا ينسى، إلا شيئاً أراد الله أن ينسيه إياه وتكفل له بأن يجمع له القرآن في صدره. قال تعالى. " سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله " الأعلى / ٧، وقال تعالى: " إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه " القيامة /١٧-١٨.
قال شيخ الإسلام ﵀ (مجموع الفتاوى ج١٨ / ٧) :
" فان الآيات الدالة على نبوة الأنبياء دلت على أنهم معصومون فيما يخبرون به عن الله فلا يكون خبرهم إلا حقاً وهذا معنى النبوة وهو يتضمن أن الله ينبئه بالغيب وأنه ينبئ الناس بالغيب والرسول مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه " انتهى.
ثانيا: بالنسبة للأنبياء كأناس يصدر منهم الخطأ، فهو على حالات:
١- عدم الخطأ بصدور الكبائر منهم:
أما كبائر الذنوب فلا تصدر من الأنبياء أبدا وهم معصومون من الكبائر، سواء قبل بعثتهم أم بعدها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (مجموع الفتاوى: ج٤ / ٣١٩) :
" إن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف ... وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم يُنقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول " انتهى.
٢- الأمور التي لا تتعلق بتبيلغ الرسالة والوحي.
وأما صغائر الذنوب فربما تقع منهم أو من بعضهم، ولهذا ذهب أكثر أهل العلم إلى أنهم غير معصومين منها، وإذا وقعت منهم فإنهم لا يُقرون عليها بل ينبههم الله ﵎ عليها فيبادرون بالتوبة منها.
والدليل على وقوع الصغائر منهم مع عدم إقرارهم عليها: - قوله تعالى عن آدم: " وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) طه / ١٢١-١٢٢، وهذا دليل على وقوع المعصية من آدم – ﵊، وعدم إقراره عليها، مع توبته إلى الله منها.
- قوله تعالى " قال هذا من عمل الشيطان إنه عدوٌ مضلٌ مبين* قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم " القصص/١٥،١٦. فموسى – ﵊ اعترف بذنبه وطلب المغفرة من الله بعد قتله القبطي، وقد غفر الله له ذنبه.
- قوله تعالى: " فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب * فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب " ص / ٢٣،٢٤، وكانت معصية داود هي التسرع في الحكم قبل أن يسمع من الخصم الثاني.
وهذا نبينا محمد ﷺ يعاتبه ربه في أمور ذكرت في القرآن، منها:
- قوله تعالى " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم " التحريم /١، وذلك في القصة المشهورة مع بعض أزواجه – ﷺ .
- كذا عتاب الله تعالى للنبي – ﷺ في أسرى بدر:
فقد روى مسلم في صحيحه (٤٥٨٨) " قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله – ﷺ – لأبي بكر وعمر – ﵄: " ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ " فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العم والعشيرة , أرى أن تأخذ منهم فدية , فتكون لنا قوة على الكفار , فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله – ﷺ : " ما ترى يا ابن الخطاب؟! " قال: قلت لا، والله يا رسول الله – ﷺ – ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان - نسيبا لعمر – فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله – ﷺ – ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله – ﷺ – وأبو بكر قاعدين وهما يبكيان، قلت: يا رسول الله! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله – ﷺ : " أبكي للذي عَرَضَ عليّ أصحابُك من أخذهم الفداء، لقد عُرِض عليّ عذابُهم أدنى من هذه الشجرة " – شجرة قريبة من نبي الله – ﷺ وأنزل الله : " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " إلى قوله: " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " الأنفال / ٦٧–٦٩، فأحل الله الغنيمة لهم.
ففي هذا الحديث اتضح أن اختيار النبي ﷺ للعفو عن الأسرى إنما كان أمرا اجتهاديا منه بعد مشاورة أصحابه، ولم يكن عنده ﷺ فيه من الله تعالى نص.
- قوله تعالى: " عبس وتولى * أن جاءه الأعمى " عبس /١-٢، وهذه قصة الصحابي الجليل عبد الله ابن أم مكتوم الشهيرة مع رسول الله ﷺ والتي عاتبه الله فيها.
قال شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى: ج٤ / ٣٢٠) :
" وعامة ما يُنقل عن جمهور العلماء أنهم (أي الأنبياء) غير معصومين عن الإقرار على الصغائر، ولا يقرون عليها، ولا يقولون إنها لا تقع بحال، وأول من نُقل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقاً، وأعظمهم قولاً لذلك: الرافضة، فإنهم يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل " انتهى.
وقد يستعظم بعض الناس مثل هذا ويذهبون إلى تأويل النصوص من الكتاب والسنة الدالة على هذا ويحرفونها. والدافع لهم إلى هذا القول شبهتان:
الأولى: أن الله تعالى أمر باتباع الرسل والتأسي بهم، والأمر باتباعهم يستلزم أن يكون كل ما صدر عنهم محلاً للاتباع، وأن كل فعل، أو اعتقاد منهم طاعة، ولو جاز أن يقع الرسول ﷺ في معصية لحصل التناقض، لأن ذلك يقتضي أن يجتمع في هذه المعصية التي وقعت من الرسول الأمر باتباعها وفعلها، من حيث إننا مأمورون بالتأسي به، والنهي عن موافقتها، من حيث كونها معصية.
وهذه الشبهة صحيحة وفي محلها لو كانت المعصية خافية غير ظاهرة بحيث تختلط بالطاعة، ولكن الله تعالى ينبه رسله ويبين لهم المخالفة، ويوفقهم إلى التوبة منها من غير تأخير.
الثانية: أن الذنوب تنافي الكمال وأنها نقص. وهذا صحيح إن لم يصاحبها توبة، فإن التوبة تغفر الذنب، ولا تنافي الكمال، ولا يتوجه إلى صاحبها اللوم، بل إن العبد في كثير من الأحيان يكون بعد توبته خيراً منه قبل وقوعه في المعصية ومعلوم أنه لم يقع ذنب من نبي إلا وقد سارع إلى التوبة والاستغفار، فالأنبياء لا يقرون على ذنب، ولا يؤخرون توبة، فالله عصمهم من ذلك، وهم بعد التوبة أكمل منهم قبلها.
٣- الخطأ في بعض الأمور الدنيوية – بغير قصد -:
وأما الخطأ في الأمور الدنيوية، فيجوز عليهم الخطأ فيها مع تمام عقلهم، وسداد رأيهم، وقوة بصيرتهم، وقد وقع ذلك من بعض الأنبياء ومنهم نبينا محمد ﷺ ويكون ذلك في مناحي الحياة المختلفة من طب وزراعة وغير ذلك.
فقد روى مسلم في صحيحه (٦١٢٧) عن رافع بن خديج قَالَ: قَدِمَ نَبِيّ اللهِ ﷺ – الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يَأْبُرُونَ النّخْلَ. يَقُولُونَ يُلَقّحُونَ النّخْلَ. فَقَالَ: "مَا تَصْنَعُونَ؟ " قَالُوا: كُنّا نَصْنَعُهُ. قَالَ: "لَعَلّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْراً " فَتَرَكُوهُ. فَنَفَضَتْ أَوْ قال: فَنَقَصَتْ. قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: " إِنّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيي، فَإِنّمَا أَنَا بَشَرٌ" وبهذا يكون قد علم أن أنبياء الله تعالى معصومون عن الخطأ في الوحي، ولنحذر ممن يطعنون في تبليغ الرسول ﷺ ، ويشككون في تشريعاته ويقولون هي اجتهادت شخصية من عنده حاشاه ﷺ قال الله تعالى: " وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى " النجم /٣-٤.
وسئلت اللجنة الدائمة: هل الأنبياء والرسل يخطئون؟
فأجابت:
نعم، يخطئون ولكن الله تعالى لا يقرهم على خطئهم بل يبين لهم خطأهم رحمة بهم وبأممهم، ويعفو عن زلتهم، ويقبل توبتهم فضلاً منه ورحمة، والله غفور رحيم، كما يظهر ذلك من تتبع الآيات القرآنية التي جاءت في هذا" اهـ
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٣/١٩٤) .
وللمزيد راجع سؤال رقم (٧٢٠٨)
والله اعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →