Полный текст (16 344 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
تعريف بموطأ الإمام مالك
[السُّؤَالُ]
ـ[ما عدد أحاديث (موطأ) الإمام مالك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا بيان موجز حول كتاب موطأ الإمام مالك نسأل الله أن ينفع به:
أولا:
الموطأ: هو واحد من دواوين الإسلام العظيمة، وكتبه الجليلة، يشتمل على جملة من الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة من كلام الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ثم هو أيضا يتضمن جملة من اجتهادات المصنف وفتاواه.
وقد سمي الموطأ بهذا الاسم لأن مؤلفه وطَّأَهُ للناس، بمعنى أنه: هذَّبَه ومهَّدَه لهم.
ونُقِل عن مالك ﵀ أنه قال: عرضت كتابي هذا على سبعين فقيها من فقهاء المدينة، فكلهم واطَأَنِي عليه، فسميته الموطأ.
ثانيا:
سبب تأليفه: ذكر ابن عبد البر ﵀، في كتاب الاستذكار (١/١٦٨) أن أبا جعفر المنصور قال للإمام مالك: (يا مالك! اصنع للناس كتابا أحْمِلُهم عليه، فما أحد اليوم أعلم منك!!) فاستجاب الإمام مالك لطلبه، ولكنه رفض أن يُلزِم الناس جميعا به.
ثالثا:
مكث الإمام مالك أربعين سنة يقرأ الموطَّأَ على الناس، فيزيد فيه وينقص ويُهذِّب، فكان التلاميذ يسمعونه منه أو يقرؤونه عليه خلال ذلك، فتعددت روايات الموطأ واختلفت بسبب ما قام به الإمام من تعديل على كتابه، فبعض تلاميذه رواه عنه قبل التعديل، وبعضهم أثناءه، وبعضهم رواه في آخر عمره، وبعضهم رواه كاملا، وآخرون رووه ناقصا، فاشتُهِرت عدة روايات للموطأ، أهمها:
رواية يحيى بن يحيى المصمودي الليثي (٢٣٤هـ) : وهي أشهر رواية عن الإمام مالك، وعليها بنى أغلب العلماء شروحاتهم.
رواية أبي مصعب الزهري: تمتاز بما فيها من الزيادات، وبأنها آخر رواية نقلت عن مالك، وهي متداولة بين أهل العلم.
رواية عبد الله بن مسلمة القعنبي (٢٢١هـ) : وهي أكبر روايات الموطأ وعبد الله من أثبت الناس في الموطأ عند ابن معين والنسائي وابن المديني.
رواية محمد بن الحسن الشيباني.
رواية عبد الله بن سلمة الفهري المصري.
وغيرها كثير. [تكلم الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي ﵀ عن رواة الموطأ، وذكر تعريفا بأربعة عشر نسخة من نسخه، في مقدمته للطبعة التي حققها من الموطأ ص ٦-١٦] .
وهذه الروايات تختلف فيما بينها في ترتيب الكتب والأبواب، وفي عدد الأحاديث المرفوعة والمرسلة والموقوفة والبلاغات، كما تختلف في كثير من ألفاظ الأحاديث اختلافا كبيرا.
رابعا:
عدد أحاديث الموطأ يختلف باختلاف الروايات، كما يختلف بحسب اختلاف طريقة العدّ، وذلك أن بعض أهل العلم يعد كل أثر من كلام الصحابة أو التابعين حديثا مستقلا، وبعضهم لا يعتبره ضمن العدد، لذلك نكتفي بذكر العدد الذي جاء في بعض الطبعات المحققة للموطأ، وهي:
رواية يحيى الليثي: (وهي الرواية الأشهر، والمقصودة عند إطلاق الموطأ) : رقمها ترقيما كاملا الشيخ خليل شيحا، فبلغ عدد الأحاديث بترقيمه (١٩٤٢) حديثا، تشمل المرفوع والموقوف.
وأما رواية أبي مصعب الزهري: فقد رقمت في طبعة مؤسسة الرسالة، فبلغ عدد أحاديثها (٣٠٦٩) حديثا، وقد شمل الترقيم كل شيء حتى أقوال الإمام مالك، لهذا السبب كان العدد كبيرا.
خامسا:
شرطه في كتابه من أوثق الشروط وأشدها، فقد كان يسلك منهج التحري والتوخي وانتقاء الصحيح.
قال الشافعي ﵀: ما في الأرض بعد كتاب الله أكثر صوابا من موطأ مالك بن أنس.
وعن الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: كان مالك إذا شك في الحديث طرحه كله.
وقال سفيان بن عيينة: رحم الله مالكا، ما كان أشد انتقاده للرجال.
"الاستذكار" (١/١٦٦) "التمهيد" (١/٦٨)
لذلك تجد أن أكثر أسانيد مالك الموصولة في الدرجة العليا من الصحيح، ومن أجل هذا استوعب الشيخان البخاري ومسلم أكثر حديثه في كتابيهما.
تنبيه: إنما قال الإمام الشافعي ﵀ كلامه المنقول سابقا، قبل أن يكتب البخاري ومسلم كتابيهما، كما نبه عليه الحافظ ابن كثير ﵀ في اختصار علوم الحديث ص (٢٤-٢٥)
سادسا:
اتبع مالك في موطئه طريقة المؤلفين في عصره، فمزج الحديث بأقوال الصحابة والتابعين والآراء الفقهية، حتى بلغت آثار الصحابة: ٦١٣ أثرا، وأقوال التابعين: ٢٨٥ قولا.
يقدم في الباب الحديث المرفوع ثم يتبعه بالآثار وأحيانا يذكر عمل أهل المدينة، فكتابه كتاب فقه وحديث في وقت واحد، وليس كتابَ جمع للروايات فقط، لذلك تجد بعض الأبواب تخلو من المرويات، وإنما يسوق فيها أقوال الفقهاء وعمل أهل المدينة واجتهاداته، ومن ذلك:
باب ما لا زكاة فيه من الثمار، وباب صيام الذي يقتل خطأ..وغيرها.
ونجد أيضا أنه اقتصر على كتب الفقه والأدب وعمل اليوم والليلة، وليس في كتابه شيء في التوحيد أو الزهد أو البعث والنشور والقصص والتفسير.
[انظر: الفكر المنهجي عند المحدثين، د همام سعيد ص (١١١-١١٨) ، مناهج المحدثين، د ياسر الشمالي ص (٢٨٥) فما بعده، مقدمة تحقيق الموطأ، ط فؤاد عبد الباقي] .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1857
شروط الحديث الصحيح
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي شروط الحديث الصحيح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
للحديث الصحيح إطلاقان:
إطلاق عام: يشمل المتواتر والصحيح لذاته والصحيح لغيره والحسن.
يقول الحافظ ابن حجر:
" واعلم أن أكثر أهل الحديث لا يفردون الحسن من الصحيح " انتهى. "النكت" (١/٤٨٠) .
وإطلاق خاص: يشمل الصحيح لذاته والصحيح لغيره فقط.
وهو بهذا التعريف:
الحديث الذي يرويه العدل تام الضبط، بسند متصل، ولا يكون شاذاً ولا معلَّلاً.
فإن كان الضبط خفيفاً وليس تاماً فهو الحسن لذاته. فإن تعددت طرقه فهو الصحيح لغيره.
انظر: "نخبة الفِكَر" للحافظ ابن حجر ﵀.
ومن هذا التعريف يمكن إجمال شروط الحديث الصحيح بما يلي:
١- عدالة جميع رواته.
٢- تمام ضبط رواته لما يروون.
٣- اتصال السند من أوله إلى منتهاه، بحيث يكون كل راوٍ قد سمع الحديث ممن فوقه.
٤- سلامة الحديث من الشذوذ في سنده ومتنه، ومعنى الشذوذ: أن يخالف الراوي من هو أرجح منه.
٥- سلامة الحديث من العلة في سنده ومتنه، والعلة: سبب خفي يقدح في صحة الحديث، يطّلع عليه الأئمة المتقنون.
وتحديد هذه الشروط جاء نتيجة استقراء الأئمة المتأخرين كلام أهل الحديث وعباراتهم مع تطبيقاتهم، ولذلك تجد في كلام المتقدمين ما يدل على هذه الشروط.
فمثلاً: قال الإمام الشافعي ﵀ في "الرسالة" (٣٧٠-٣٧١) :
" ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا، منها: أن يكون من حَدَّثَ به ثقةً في دينه، معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلا لما يحدث به، عالما بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى؛ لأنه إذا حدث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل به معناه لم يدر لعله يحيل الحلال إلى حرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يُخاف فيه إحالته الحديث، حافظا إذا حدث به من حفظه، حافظا لكتابه إذا حدث من كتابه، إذا شرك أهل الحفظ في حديث وافق حديثهم، بَرِيًّا من أن يكون مدلسا يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه، ويحدث عن النبي ﷺ ما يحدث الثقات خلافه عن النبي ﷺ .
ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه حتى ينتهي بالحديث موصولا إلى النبي ﷺ أو إلى من انتهى به إليه دونه " انتهى.
فإذا اجتمعت هذه الشروط في الحديث فهو حديث صحيح باتفاق أهل العلم، كما نقله ابن الصلاح ﵀.
انظر: "المقدمة في علوم الحديث" (٨) والذهبي في "الموقظة" (٢٤) .
ثم إن من أهل العلم من نقص من هذه الشروط:
فقد قبل الإمام مالك وأبو حنيفة الحديث المرسل، وهذا تنازل عن شرط الاتصال إلى منتهى الحديث.
كما قبل بعض أهل العلم حديث المدلس ولو لم ينص على السماع.
وقال الذهبي ﵀ "الموقظة" (٢٤) : وزاد أهل الحديث سلامته من الشذوذ والعلة، وفيه نظر على مقتضى أصول الفقهاء، فإن كثيرا من العلل يأبونها.
وانظر: "تدريب الراوي" (١/٦٨-٧٥، ١٥٥) .
والمقصود: أن اختلاف العلماء في تصحيح الأحاديث إنما يكون لسببين:
الأول: اختلافهم في بعض شروط الصحة، وذلك أن من تنازل عن بعض هذه الشروط، لا بد أنه سيصحح ما لا يصححه غيره.
الثاني: اختلافهم في انطباق هذه الشروط على حديث معين. فقد يختلفون في عدالة بعض الرواة، أو اتصال السند ونحو ذلك.
واعلم أن ما سبق تقريره من شروط الحديث الصحيح، قد اجتمع عليها أدلةٌ من الشرع، وأدلةٌ من العقل، وليست هذه الشروط تعبدية محضة، بل معقولة المعنى، ظاهرة المقصد، وما هي إلا خلاصة لجهود آلاف العلماء، وعصارة لأفكار أهل الحديث المتقدمين عبر سنوات التدوين الطويلة في القرون الثلاثة الأولى ومن بعدهم.
ومن أراد الإطلاع على ذلك فليرجع إلى كتاب الخطيب البغدادي " الكفاية في علم الرواية ".
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1858
حديث (كل التجار يدخلون النار إلا المتقين)
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هذا الحديث صحيح (كل التجار يدخلون النار إلا المتقين) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم نقف على هذا الحديث، وبهذا اللفظ، في شيء من كتب السنة، ولكن قد ورد في السنة الصحيحة ما يشبهه، فمن ذلك:
عن رفاعة بن رافع ﵁ قال رسول الله ﷺ :
(إِنَّ التُجَّارَ يُبعَثُونَ يَومَ القِيَامَةِ فُجَّارًا، إِلَّا مَن اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ)
أخرجه الترمذي (١٢١٠) والدارمي (٢/٢٤٧) وابن ماجه (٢١٤٦) وابن حبان (١١/٢٧٦)
قال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.
وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٩٩٤)
قال المباركفوري في "تحفة الأحوذي" (٤/٣٣٦) :
" (إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ) بأن لم يرتكب كبيرة ولا صغيرة، مِن غِشٍّ وخيانة، أي: أَحسَنَ إلى الناس في تجارته، أو قام بطاعة الله وعبادته، (وَصَدَقَ) أي: في يمينه وسائر كلامه.
قال القاضي: لمَّا كان من دَيدَنِ التجار التدليس في المعاملات، والتهالُكُ على ترويج السلع بما تيسر لهم من الأيمان الكاذبة ونحوها، حكم عليهم بالفجور، واستثنى منهم من اتقى المحارم، وبرَّ في يمينه، وصدق في حديثه.
وإلى هذا ذهب الشارحون، وحملوا الفجور على اللغو والحلف، كذا في المرقاة " انتهى.
كما جاء في السنة الصحيحة ما يدل على سبب وصف التجار بالفجور، وهو ما يتلبَّسُونَ به من الحلف الكاذب وإخلاف الوعد.
عن عبد الرحمن بن شبل ﵁، قال رسول الله ﷺ :
(إِنَّ التُجَّارَ هُمُ الفُجَّارَ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ أَوَ لَيسَ قَد أَحَلَّ اللَّهُ البَيعَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلِكِنَّهُم يُحَدِّثُونَ فَيَكذِبُونَ، وَيَحلِفُونَ فَيَأثَمُونَ)
رواه أحمد (٣/٤٢٨) والحاكم (٢/٨) وقال صحيح الإسناد، وصححه محققو المسند. والألباني في "السلسلة الصحيحة" (٣٦٦)
وإلا فإن التجارة من أفضل أنواع المكاسب لمن بَرَّ وصدق، فإن التاجر الصدوق الأمين له من الأجر الشيء العظيم.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ :
(التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ)
رواه الترمذي (١٢٠٩) وقال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال ابن تيمية كما في "المستدرك على مجموع الفتاوى" (١/١٦٣) : إسناده جيد.
يقول أبو حامد الغزالي ﵀ في "إحياء علوم الدين" (٢/٧٩) :
" وجه الجمع بين هذه الأخبار تفصيل الأحوال: فنقول:
لسنا نقول التجارةُ أفضل مطلقا من كل شيء، ولكنّ التجارة إما أن تُطلَبَ بها الكفاية أو الزيادة على الكفاية.
فإن طَلب منها الزيادة على الكفاية، لاستكثار المال وادخاره، لا ليُصرَف إلى الخيرات والصدقات، فهي مذمومة؛ لأنه إقبال على الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة، فإن كان مع ذلك ظالما خائنا فهو ظلم وفسق.
فأما إذا طلب بها الكفاية لنفسه وأولاده، فالتجارة تعففا عن السؤال أفضل " انتهى.
وانظر سؤال رقم (٢١٥٧٥)
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1859
من هم القَصَّاصُون ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[من هم القُصَّاصُ الذين يعتبرون من التالفين الضعفاء، الذين يعيبهم أنهم قَصَّاصُون؟ هل هم أي شخص يعظ الناس ويذكر القَصَص؟ أم هناك تفصيل في المسألة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
القَصُّ هو فن مخاطبة العامة ووعظهم بالاعتماد على القصة.
يقول ابن الجوزي ﵀:
" القاص هو الذي يتبع القصة الماضية بالحكاية عنها والشرح لها ...
والتذكير هو تعريف الخلق نِعَمَ الله عليهم، وحثهم على شكره، وتحذيرهم من مخالفته.
وأما الوعظ فهو تخويف يرق له القلب..
وقد صار اسم القاصِّ عامًّا للأحوال الثلاثة " انتهى.
"القُصَّاص والمذكرون" (١٥٧-١٥٩) .
والقصص والوعظ محمود وممدوح من حيث الأصل؛ وذلك أن الله تعالى يقول:
(فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الأعراف/١٧٦
وقال تعالى: (وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) النساء/٦٣.
وقال تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) الذاريات/٥٥.
كما كان النبي ﷺ يُذكِّرُ الناس ويعظهم، ويقص عليهم من أنباء الأمم السابقة ما فيه العبرة والموعظة.
فعن العرباض بن سارية ﵁ قال:
(وَعَظَنَا رَسُولُ الَّلهِ ﷺ مَوعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَت مِنهَا العُيونُ، وَوَجِلَت مِنهَا القُلوبُ) . رواه الترمذي (٢٦٧٦) وقال: حسن صحيح وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وعن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ حدث الناس عن قصة الثلاثة نفر الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، فسألوا الله بأعمالهم الصالحة أن يفرجها عنهم حتى انفرجت. رواه البخاري (٢٢١٥) ومسلم (٢٧٤٣) .
وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يذكرون الناس بالله تعالى، ويقرؤون عليهم القرآن والحديث، ويدعونهم إلى الاعتبار والادكار بأحوال الماضين.
فعن أبي وائل قال: (كَانَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَه رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَن، لَوَدِدتُ أَنَّك ذَكَّرتَنَا كُلَّ يَومٍ، قَالَ: أَمَا إِنَّه يَمنَعُنِي مِن ذَلك أَنِّي أَكرَه أَن أُمِلَّكم، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُم بِالمَوعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِي ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَينَا) . رواه البخاري (٧٠) ومسلم (٢٨٢١) .
فمن سار على هدي النبي ﷺ وأصحابه فوعظ الناس وذكرهم بالله تعالى على علم وبصيرة، ولم يَتَقَحَّم أبوابَ الكذب والرياء والمبالغة والجهل، فذلك لا سبيل إلى الإنكار عليه، بل هو مأجور مشكور.
قال الإمام أحمد: إذا كان القاص صدوقاً فلا أرى بمجالسته بأساً.
وسئل الأوزاعي عن القوم يجتمعون فيأمرون رجلا فيقص عليهم فقال: إذا كان ذلك يوما بعد الأيام فليس به بأس.
وروى الخلال عن أبي بكر المروذي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: يعجبني أمر القصاص لأنهم يذكرون الميزان وعذاب القبر، قلت له: فترى الذهاب إليهم؟ قال: إي لعمري إذا كان صدوقا.
قال: وجاء رجل إلى الإمام أحمد فشكا له الوسوسة فقال: عليك بالقاص، ما أنفع مجالستهم.
ولكن لما دخل في باب الوعظ والقص والتذكير من يتقحم ما لا علم له به، فيكذب في الحديث أو يزيد وينقص، أو يظهر عليه حب الظهور والسمعة، أو يكون سيئ السيرة والعمل، لما كان ذلك: اضطر الأئمة من أهل العلم إلى التحذير من أمثال هؤلاء والتنفير منهم.
فعن ابن عمر ﵄ أنه كان يخرج من المسجد ويقول: ما أخرجني إلا القصاص ولولاهم ما خرجت.
وعن أم الدرداء أنها بعثت إلى رجلين من الناس: قل لهما فليتقيا الله تعالى وتكون موعظتهما للناس لنفسهما.
وعن شعبة بن الحجاج أنه دنا منه شاب فسأل عن حديث فقال له: أقاص أنت؟ فقال: نعم، قال: اذهب فإنا لا نحدث القصاص، فقال له: لم؟ قال: يأخذون الحديث منا شبرا فيجعلونه ذراعا! أي أنهم يزيدون في الحديث.
وسئل سفيان الثوري: نستقبل القصاص بوجوهنا؟ فقال: ولوا البدع ظهوركم.
انظر الآثار السابقة في "الآداب الشرعية" (٢/٨٢-٨٩) .
وقال ابن الجوزي: "معظم البلاء في وضع الحديث إنما يجري من القصاص" انتهى.
"القصاص" (٣٠٨)
فالحاصل: أن القص ليس مذموما لذاته، وإنما لما قد يختلط به من الكذب والمبالغة والجرأة على الدين.
يقول ابن الجوزي: " والقُصَّاصُ لا يُذَمون من حيث هذا الاسم، وإنما ذُم القُصَّاصُ لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القَصَصِ دون ذكر العلم المفيد، ثم غالبُهم يُخَلِّط فيما يورده، وربما اعتمد على ما أكثره محال " انتهى.
"تلبيس إبليس" (١٣٤) .
وقال الإمام أحمد: " القصاص الذي يذكر الجنة والنار والتخويف وله نية وصدق الحديث، فأما هؤلاء الذين أحدثوا من وضع الأخبار والأحاديث فلا أراه " انتهى.
"الآداب الشرعية" (٢/٨٥) .
وبذلك تعلم أن وصف الراوي بأنه م القُصَّاص لا يَلزم منه توثيقا له ولا تجريجا، فقد كان من القصاص الرواة الثقات، كما كان منهم الضعفاء، وهذه بعض الأمثلة:
سعيد بن حسان المخزومي: قاص أهل مكة، قال ابن معين وأبو داود والنسائي: ثقة.
"تهذيب التهذيب" (٤/١٥) .
عائذ الله بن عبد الله بن عمرو: قال مكحول: ما رأيت أعلم منه، وقال الزهري: كان قاص أهل الشام وقاضيهم. "تهذيب التهذيب" (٥/٧٤) .
ثابت بن أسلم البناني: قال أحمد: ثابت يتثبت في الحديث، وكان يقص، وقتادة كان يقص. "تهذيب التهذيب" (٢/٣) .
قال ابن الجوزي: وقد بلغنا عن حماد بن سلمة أنه قال: كنت أسمع أن القصاص لا يحفظون الحديث، فكنت أقلب الأحاديث على ثابت، أجعل أنسا لابن أبي ليلى، وأجعل ابن أبي ليلى لأنس، أشوشها عليه، فيجيء بها على الاستواء " انتهى. يعني: أنه اختبره فوجده حافظاً للحديث.
"القصاص" (٢٦٠) .
وممن كان يقص من الضعفاء:
أحمد بن عبد الله بن عياض المكي: له مناكير، قال أبو حاتم: كان يقص.
"ميزان الاعتدال" (١/٢٤٨) .
دراج أبو السمح: قال أحمد: أحاديثه مناكير ولَيَّنَه، وقال ابن يونس: كان يقص بمصر. "ميزان الاعتدال" (٣/٤٠) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1860
قراءة سورة يس على المحتضَر
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت في جواب السؤال (٢١٨٧٠) أنه يُشرع لمن كان موجوداً عند مسلم يحتضر أن يقرأ عليه سورة يس لأنها تسهّل خروج الروح. فهل هناك دليل على هذا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذهب جمهور العلماء (منهم الحنفية والشافعية والحنابلة) إلى استحباب قراءة سورة يس عند المحتضر , واستدلوا على ذلك ببعض الأدلة , ولكنها لا تخلو من ضعف:
روى أحمد (١٩٧٨٩) وأبو داود (٣١٢١) عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ) .
والحديث ضعيف، ضعفه النووي في "الأذكار"، وقال ابن حجر في " التلخيص" (٢/١٠٤) : " أعله ابن القطان بالاضطراب وبالوقف وبجهالة حال روايه أبي عثمان وأبيه. ونقل ابن العربي عن الدارقطني أنه حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث " انتهى.
وضعفه الألباني في "إرواء الغليل" (٦٨٨) .
وروى أحمد (٤/١٠٥) (١٦٥٢١) عن صَفْوَان قال: حَدَّثَنِي الْمَشْيَخَةُ أَنَّهُمْ حَضَرُوا غُضَيْفَ بْنَ الْحَارِثِ الثُّمَالِيَّ (صحابي) حِينَ اشْتَدَّ سَوْقُهُ، فَقَالَ: هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ يَقْرَأُ يس؟ قَالَ: فَقَرَأَهَا صَالِحُ بْنُ شُرَيْحٍ السَّكُونِيُّ، فَلَمَّا بَلَغَ أَرْبَعِينَ مِنْهَا قُبِضَ. قَالَ: فَكَانَ الْمَشْيَخَةُ يَقُولُونَ: إِذَا قُرِئَتْ عِنْدَ الْمَيِّتِ خُفِّفَ عَنْهُ بِهَا. قَالَ صَفْوَانُ: وَقَرَأَهَا عِيسَى بْنُ الْمُعْتَمِرِ عِنْدَ ابْنِ مَعْبَدٍ.
قال الحافظ في "الإصابة" (٥/٣٢٤) : إسناده حسن.
وانظر: "المجموع" (٥/١٠٥) ، "شرح منتهى الإرادات" (١/٣٤١) ، "حاشية ابن عابدين" (٢/١٩١) .
وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ففي "الاختيارات" (ص ٩١) :
" والقراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضر، فإنها تستحب بياسين " انتهى.
قالوا: والسبب في استحباب قراءتها:
أن هذه السورة مشتملة على التوحيد والمعاد , والبشرى بالجنة لمن مات على التوحيد , بقوله: (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي) فتستبشر الروح بذلك , فيسهل خروجها.
انظر: "مطالب أولي النهى" (١/٨٣٧) .
وذهب الإمام مالك ﵀ إلى كراهة قراءة سورة يس أو غيرها عند المحتضر، لضعف الحديث الوارد في ذلك، ولأنه ليس من عمل الناس.
انظر: الفواكه الدواني" (١/٢٨٤) ، "شرح مختصر خليل" (٢/١٣٧) .
قال الشيخ الألباني في "أحكام الجنائز":
" وأما قراءة سورة يس عنده (يعني عند المحتضر) ، وتوجيهه نحو القبلة، فلم يصح فيه حديث " انتهى.
وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز: هل قراءة سورة (يس) عند الاحتضار جائزة؟
فأجاب:
" قراءة سورة (يس) عند الاحتضار جاءت في حديث معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: (اقرأوا على موتاكم يس) صححه جماعة وظنوا أن إسناده جيد، وأنه من رواية أبي عثمان النهدي عن معقل بن يسار، وضعفه آخرون، وقالوا: إن الراوي له ليس هو أبا عثمان النهدي ولكنه شخص آخر مجهول. فالحديث المعروف فيه أنه ضعيف لجهالة أبي عثمان، فلا يستحب قراءتها على الموتى. والذي استحبها ظن أن الحديث صحيح فاستحبها، لكن قراءة القرآن عند المريض أمر طيب، ولعل الله ينفعه بذلك، أما تخصيص سورة (يس) فالأصل أن الحديث ضعيف فتخصيصها ليس له وجه " انتهى.
"فتاوى ابن باز" (١٣/٩٣) .
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل قراءة سورة (يس) عند المحتضر ثابتة في السنة أم لا؟
فأجاب:
" قراءة (يس) عند المحتضر سنة عند كثير من العلماء , لقوله ﷺ : (اقرأوا على موتاكم يس) ، لكن هذا الحديث تكلم فيه بعضهم وضعفه، فعند من صححه تكون قراءة هذه السورة سنة، وعند من ضعفه لا تكون سنة. والله أعلم " انتهى.
"فتاوى ابن عثيمين" (١٧/٧٢) .
وقال أيضاً:
" (اقرأوا على موتاكم يس) هذا الحديث ضعيف، فيه شيء من الضعف، ومحل القراءة إذا صح الحديث عند الموت إذا أخذه النزع، فإنه يقرأ عليه سورة يس، قال أهل العلم: وفيها فائدة وهو تسهيل خروج الروح، لأن فيها قوله تعالى: (قِيلَ ?دْخُلِ ?لْجَنَّةَ قَالَ ي?لَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ?لْمُكْرَمِينَ) فيقرأها عند المحتضر هذا إن صح الحديث، وأما قراءتها على القبر فلا أصل له " انتهى.
"فتاوى ابن عثيمين" (١٧/٧٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1861
تخريج حديث استئذان ملك الموت على النبي ﷺ ليقبض روحه
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة هذا الحديث: (دخل الملك جبريل على النبي ﷺ وقال: ملك الموت بالباب، ويستأذن أن يدخل عليك، وما استأذن من أحد قبلك، فقال له: ائذن له يا جبريل. ودخل ملك الموت وقال: السلام عليك يا رسول الله، أرسلني الله أخيرك بين البقاء في الدنيا وبين أن تلحق بالله، فقال النبي ﷺ : بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى. فوقف ملك الموت عند رأس النبي ﷺ (كما سيقف عند رأس كل واحد منا) وقال: أيتها الروح الطيبة، روح محمد بن عبد الله، اخرجي إلى رضى من الله ورضوان ورب راضٍ غير غضبان) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
في قصة وفاة النبي ﷺ أحداثٌ كثيرةٌ، روى فيها الرواةُ الشيءَ الكثير، ولكن خُلِطَ الصحيح فيه بالمكذوب، وتساهل الكثيرون في ذكر ما ليس له أصل، وما لم يأت إلا من طريق منكر متروك، والذي يبتغي السلامة في هذا الباب عليه بالأحاديث الصحيحة، إذ فيها الغنية والكفاية، وفيها من وصف أحداث وفاة النبي ﷺ ما فيه العبرة والعظة والحكمة.
قال الحافظ ابن كثير ﵀ "البداية والنهاية" (٥/٢٥٦) :
" وقد ذكر الواقدي وغيره في الوفاة أخبارًا كثيرةً فيها نكارات وغرابة شديدة، أضربنا عن أكثرها صفحا لضعف أسانيدها، ونكارة متونها، ولا سِيَّما ما يورده كثير من القُصَّاص المتأخرين وغيرهم، فكثير منه موضوع لا محالة، وفي الأحاديث الصحيحة والحسنة المروية في الكتب المشهورة غُنيةٌ عن الأكاذيب وما لا يعرف سنده، والله أعلم " انتهى.
وبعد البحث في مرويات قصة وفاة النبي ﷺ لم نقف على الحديث الذي ذكره السائل بهذا اللفظ لكن رويت أحاديث في استئذان ملك الموت على النبي ﷺ بلفظ قريب مما ذكره السائل، ولكنها أحاديث ضعيفة حكم عليها العلماء بالنكارة والوضع، فمن ذلك:
حديث يرويه علي بن الحسين عن أبيه في قصة طويلة فيها ذكر استئذان ملك الموت على النبي ﷺ ومخاطبته له.
وهذه قصة رواها الطبراني في المعجم الكبير (٣/١٢٩) وفي كتاب الدعاء (١/٣٦٧) .
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/٣٥) : فيه عبد الله بن ميمون القداح، وهو ذاهب الحديث.
وكذلك حكم عليه الحافظ العراقي في تخريج الإحياء (٤/٥٦٠) والحافظ ابن حجر في "أجوبة بعض تلامذته" (١/٨٧) وابن كثير في البداية والنهاية (٥/٢٩٠) وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٥٣٨٤) : موضوع.
وحديث آخر يرويه ابن عباس ﵂، وفيه ذكر استئذان ملك الموت على النبي ﷺ في مرضه الذي قبض فيه.
رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/١٤١) .
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/٣٦) : وفيه المختار بن نافع وهو ضعيف.
وقال العراقي في تخريج الإحياء (٤/٥٦٠) : وفيه المختار بن نافع منكر الحديث.
وأما تخييره ﷺ بين الموت والبقاء في الدنيا، وكذلك قوله: (بل الرفيق الأعلى) فهذا ثابت عنه في الصحيحين من حديث عائشة ﵂، وقد سبق ذكره في جواب السؤال رقم (٤٥٨٤١) فليرجع إليه.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين بالنسبة لقصة وفاة النبي ﷺ ، ذكرت بعض كتب التاريخ أن ملك الموت أتى النبي ﷺ يستأذنه على شكل أعرابي، ما صحة هذا الكلام؟
فأجاب ﵀:
" هذا غير صحيح ... لم يأته ملك الموت ولم يستأذن منه، بل خطب – ﷺ – في آخر حياته خطبة وقال: (إن عبدا خيَّره الله تعالى بين الخلد في الدنيا ما شاء الله، وبين لقاء ربه، فاختار لقاء ربه) هكذا قال في آخر حياته، فبكى أبو بكر، فتعجب الناس كيف يبكي أبو بكر من هذه الكلمات، فكان النبي ﷺ هو المُخيَّر، وكان أبو بكر أعلم الناس برسول الله ﷺ ، هذا الذي ورد، أما أن ملك الموت جاء يستأذنه فهذا غير صحيح " انتهى. "لقاء الباب المفتوح" (٢/٣٤٠)
ومن أراد المزيد من الأحاديث الصحيحة في قصة وفاة النبي ﷺ فليرجع إلى كتاب "البداية والنهاية" للحافظ ابن كثير (٥/٢٤٨) باب احتضاره ووفاته ﵊، وكذلك كتاب "صحيح السيرة النبوية" تأليف إبراهيم العلي، الباب السادس: مرض الرسول – ﷺ – ووفاته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1862
نعم، كان خلقه ﷺ القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو أن تؤكد ما إذا كانت عائشة ﵂ قالت عن النبي ﷺ ما يلي: (كان خلقه القرآن) . لقد أمضيت ساعات وأنا أبحث عن الدليل لكن دون جدوى.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نعم، ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت ذلك في وصف النبي ﷺ .
فقد جاء في حديث طويل في قصة سعد بن هشام بن عامر حين قدم المدينة، وأتى عائشة ﵂ يسألها عن بعض المسائل، فقال:
(فَقُلتُ: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ! أَنبئِينِي عَن خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟
قَالَت: أَلَستَ تَقرَأُ القُرآنَ؟
قُلتُ: بَلَى.
قَالَت: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ كَانَ القُرآنَ.
قَالَ: فَهَمَمْتُ أَن أَقُومَ وَلَا أَسأَلَ أَحَدًا عَن شَيْءٍ حَتَّى أَمُوتَ ... الخ) رواه مسلم (٧٤٦)
وفي رواية أخرى:
(قُلتُ: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ! حَدِّثِينِي عَن خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَت: يَا بُنَيَّ أَمَا تَقرَأُ القُرآنَ؟ قَالَ اللَّهُ: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) خُلُقُ مُحَمَّدٍ القُرآنُ)
أخرجها أبو يعلى (٨/٢٧٥) بإسناد صحيح.
قال النووي رحمه الله تعالى في "شرح مسلم" (٣/٢٦٨) :
" معناه: العمل به، والوقوف عند حدوده، والتأدب بآدابه، والاعتبار بأمثاله وقصصه، وتدبره، وحسن تلاوته " انتهى.
وقال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (١/١٤٨) :
" يعني أنه كان يتأدب بآدابه ويتخلق بأخلاقه، فما مدحه القرآن كان فيه رضاه، وما ذمه القرآن كان فيه سخطه، وجاء في رواية عنها قالت: (كَانَ خُلُقُهُ القُرآنُ، يَرضَى لِرِضَاه، وَيَسخَطُ لِسَخَطِهِ) " انتهى.
وقال المُناوي في "فيض القدير" (٥/١٧٠) :
" أي ما دل عليه القرآن من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده إلى غير ذلك.
وقال القاضي: أي خلقه كان جميع ما حصل في القرآن، فإنَّ كُلَّ ما استحسنه وأثنى عليه ودعا إليه فقد تحَلَّى به، وكل ما استهجنه ونهى عنه تَجَنَّبَه وتَخَلَّى عنه، فكان القرآن بيان خلقه ... " انتهى.
ثانيا:
ومن حق النبي ﷺ علينا – خاصة في هذه الأيام التي يتعرض فيها شخصه الكريم لحملة الكذب والتشويه – أن نَذكُرَ شيئا من شمائله الكريمة، وصفاته الحميدة، ليعلم العالَم أن في شخصه الكريم ﷺ أطهر شخص وأعظم نفس وأكرم قلب.
يقول أبو حامد الغزالي ﵀ في "إحياء علوم الدين" (٢/٤٣٠-٤٤٢) :
" بيان جملة من محاسن أخلاقه التي جمعها بعض العلماء والتقطها من الأخبار، فقال:
كان أحلم الناس، وأشجع الناس، وأعدل الناس، وأعف الناس، لم تمسَّ يده قط يد امرأة لا يملك رقها أو عصمة نكاحها أو تكون ذات محرم منه، وكان أسخى الناس، لا يبيت عنده دينار ولا درهم، وإن فضل شيء ولم يجد من يعطيه وفَجَأَهُ الليلُ لم يأو إلى منزله حتى يتبرَّأَ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت عامه فقط من أيسر ما يجد من التمر والشعير، ويضع سائر ذلك في سبيل الله، لا يُسأَلُ شيئا إلا أعطاه، ثم يعود على قوت عامه فيؤثِرُ منه حتى إنه ربما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء، وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله، ويقطع اللحم معهن، وكان أشد الناس حياء، لا يثبت بصره في وجه أحد، ويجيب دعوة العبد والحر، ويقبل الهدية ولو أنها جرعة لبن ويكافئ عليها، ولا يأكل الصدقة، ولا يستكبر عن إجابة الأمة والمسكين، يغضب لربه ولا يغضب لنفسه، وينفذ الحق وإن عاد ذلك عليه بالضرر أو على أصحابه، وَجَدَ مِن فُضَلاء أصحابه وخيارهم قتيلا بين اليهود فلم يَحِفْ عليهم ولا زاد على مُرِّ الحق، بل وداه بمائة ناقة وإنَّ بأصحابه لحاجة إلى بعير واحد يتقوون به، وكان يعصب الحجر على بطنه من الجوع، ولا يتورع عن مطعم حلال، لا يأكل متكئا ولا على خِوان، لم يشبع من خبزٍ ثلاثةَ أيام متوالية حتى لقي الله تعالى، إيثارا على نفسه لا فقرا ولا بخلا، يجيب الوليمة، ويعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويمشي وحده بين أعدائه بلا حارس، أشد الناس تواضعا، وأسكنهم في غير كبر، وأبلغهم من غير تطويل، وأحسنهم بِشْرًا، لا يهوله شيء من أمور الدنيا، ويلبس ما وجد، يردف خلفه عبده أو غيره، يركب ما أمكنه، مرة فرسا، ومرة بعيرا، ومرة بغلة، ومرة حمارا، ومرة يمشي حافيا بلا رداء ولا عمامة ولا قلنسوة، يعود المرضى في أقصى المدينة، يحب الطيب، ويكرة الرائحة الرديئة، يجالس الفقراء، ويؤاكل المساكين، ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم، ويتألف أهل الشرف بالبر لهم، يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم، لا يجفو على أحد، يقبل معذرة من اعتذر إليه، يمزح ولا يقول إلا حقا، يضحك من غير قهقهة، يرى اللعب المباح فلا ينكره، يسابق أهله، وترفع الأصوات عليه فيصبر، وكان له عبيد وإماء لا يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس، ولا يمضي له وقت في غير عمل لله تعالى أو فيما لا بد منه من صلاح نفسه، لا يحتقر مسكينا لفقره وزمانته [الزمانة: المرض المزمن] ، ولا يهاب ملكا لملكه، يدعو هذا وهذا إلى الله دعاء مستويا.
ومما رواه أبو البختري قال: ما شتم رسول الله ﷺ أحدا من المؤمنين بشتيمة إلا جعل لها كفارة ورحمة، وقال: (إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعانا) ، وكان إذا سئل أن يدعو على أحد، مسلم أو كافر، عدل عن الدعاء عليه إلى الدعاء له، وما ضرب بيده أحدا قط، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون فيه إثم أو قطيعة رحم، وقد وصفه الله تعالى في التوراة قبل أن يبعثه، فقال: محمد رسول الله، عبدي المختار، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، وكان من خلقة أن يبدأ من لقيه بالسلام، ومن قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر، ولم يكن يُعرَف مجلسه من مجلس أصحابه، قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) آل عمران/١٥٩
قد جمع الله له السيرة الفاضلة والسياسة التامة وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، نشأ في بلاد الجهل والصحارى في فقره وفي رعاية الغنم، يتيما لا أب له ولا أم، فعلمه الله تعالى جميع محاسن الأخلاق، والطرق الحميدة وأخبار الأولين والآخرين، وما فيه النجاة والفوز في الآخرة والغبطة والخلاص في الدنيا، ولزوم الواجب وترك الفضول، وفقنا الله لطاعته في أمره والتأسي به في فعله آمين يا رب العالمين " انتهى بشيء من الاختصار.
ولا يحسبن أحد أن ما سبق من قبيل الكلام الإنشائي الخطابي، بل كل جملة فيه جاء في المسانيد والصحاح والسنن عشرات الأحاديث الصحيحة المسندة مما يدل عليه ويشهد له، ولكن آثرت عدم ذكرها اختصارا، ومن أراد الاطلاع عليها فليرجع إلى كتاب (الشمائل المحمدية) للإمام الترمذي.
رابعا:
وفي النهاية أنصحك أخي السائل أن تستعين في بحثك بجهاز الحاسوب والبرامج الحديثية الميسرة، وهي كثيرة بحمد الله، فإنها تختصر عليك الوقت والجهد، كما أنك تستطيع من خلالها الوصول إلى الحديث الذي تريد ومعرفة حكمه، وأنصحك بشراء بعض الكتب الشاملة،مما تجمع أحاديث النبي ﷺ وترتبها على المواضيع، ومن أعظمها وأوسعها وأيسرها كتاب (رياض الصالحين) للإمام النووي، وكذلك (الترغيب والترهيب) للإمام المنذري، فقد رتب أحاديثه على الموضوعات، وجمع من جميع كتب السنة ما يتعلق بالموضوع الذي يتحدث عنه، وقد خدمه أهل العلم بالتحقيق وبيان الصحيح من الضعيف، منهم الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
أسأل الله تعالى لك الأجر على جهدك وبحثك، وأسأله سبحانه أن يوفقنا وإياك لما فيه الخير.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1863
حديث: (من اعتمد على عقله ضل)
[السُّؤَالُ]
ـ[معنى الحديث: (من اعتمد على ماله قلَّ , ومن اعتمد على عقله ضلَّ , ومن اعتمد على الله فلا يضل) . فهل هذا يعني أن العقل لا يستخدم في الاجتهاد؟ ومتى يستخدم العقل في الاجتهاد؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
حديث: (من اعتمد على ماله قلَّ ومن اعتمد على عقله ضلَّ ومن اعتمد على الله فلا يضل)
لم نجده بعد الاطلاع والبحث منسوباً إلى النبي ﷺ ، ووجدناه في بعض الكتب منسوباً لعلي بن أبي طالب ﵁.
والعقل في الإسلام له أهمية كبيرة، وتكمن أهميته في أمور، منها:
١. أنه شرط التكليف، فمن شروط التكليف بالأوامر وترك النواهي أن يكون المكلَّف عاقلاً.
٢. أن العقل هو إحدى الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها والاهتمام بها، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، ومن تشريعات حفظ العقل في الإسلام تحريم شرب الخمر والمخدرات.
٣. أن استعمال الإنسان لعقله استعمالاً صحيحاً يجعله يفهم الآيات والأحاديث على وجهها الصحيح، وإذا كان كافراً فإن الله تعالى جعل في دينه من الحجج والبراهين ما لا يخفى على عاقل، لكن من لم يستخدم عقله لم ينتفع بهذه الحجج والبراهين، لذا سيندم هؤلاء يوم القيامة وسيتمنون لو أنهم استخدموا عقولهم على وجهها الصحيح، قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ. فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ) الملك/١٠،١١، وليس في الإسلام شيء يخالف العقل الصريح، بل العقل موافق لما جاء في الشرع، وإنما ضلَّ أقوام حكَّموا عقولهم هم في نصوص الشرع فضلوا وأضلوا، أما من استعمل عقله ليفهم ما جاء من نصوص وفق قواعد السلف ومنهجهم فهو المجتهد المأجور.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" فيأخذ المسلمونَ جميعَ دينهم من الاعتقادات , والعبادات , وغير ذلك من كتاب الله , وسنَّةِ رسولِهِ , وما اتفق عليه سلف الأمّة وأئمتها، وليس ذلك مخالفاً للعقل الصريح؛ فإنّ ما خالف العقل الصريح فهو باطلٌ.
وليس في الكتاب والسنَّةِ والإجماع باطل، ولكن فيه ألفاظ قد لا يفهمها بعضُ النَّاس , أو يفهمون منها معنى باطلاً , فالآفةُ منهم , لا من الكتاب والسُّنَّة؛ فإن الله تعالى قال: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدى وَرَحْمَة وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِين) " انتهى.
" مجموع الفتاوى " (١١ / ٤٩٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1864
ما هي السورة التي تعدل نصف القرآن ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي السورة التي تعدل نصف القران؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جاء في فضل بعض سور القرآن الكريم أحاديث كثيرة، منها الصحيح، وكثير منها ضعيف أو منكر، ومن ذلك ما جاء في فضل سورة الزلزلة أنها تعدل نصف القرآن، فقد ورد ذلك في أحاديث منكرة، وهي:
الأول: عن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ :
(إذَا زُلْزِلَت تَعدِلُ نِصفَ القُرْآَنِ) رواه الترمذي (٢٨٩٤) والحاكم (١/٧٥٤)
وفي سنده يمان بن المغيرة العنزي، قال فيه البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدا، يروي المناكير التي لا أصول لها فاستحق الترك. انظر "تهذيب التهذيب (٤/٤٥٢) "
وقد تفرد يمان بهذا الحديث، دون جميع أصحاب عطاء، ومثله لا يحتمل منه التفرد، بل تفرده منكر، والله أعلم.
وكلمة جماهير أهل العلم على تضعيف الحديث بسبب يمان بن المغيرة، خلافا لمن صححه من أهل العلم. فقد ضعفه الترمذي حيث قال بعد أن أخرجه: غريب لا نعرفه إلا من حديث يمان بن المغيرة، وضعفه ابن عبد البر في "التمهيد") بقوله: هو من أحاديث الشيوخ وليس من أحاديث الأئمة، وضعفه ابن حجر في فتح الباري (٨/٦٨٧) ، والذهبي في تلخيص المستدرك، والمناوي في "فيض القدير" (١/٣٦٧) ، والشوكاني في الفتح الرباني (١٢/٥٩٣٠) ، وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (١٣٤٢) : منكر.
الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(مَن قَرَأَ إِذَا زُلزِلَتْ عُدِلَت لَهُ بِنِصفِ القُرْآنِ) رواه الترمذي (٢٨٩٣)
وفي سنده الحسن بن سالم العجلي، قال المزي: هو شيخ مجهول له حديث واحد، وقال العقيلي: مجهول في النقل، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات.
انظر "تهذيب التهذيب" (١/٣٩٦)
وقد اتفقت كلمة أهل العلم على تضعيف هذا الحديث أيضا، فقد ضعفه الترمذي بقوله بعد إخراجه: غريب، والعقيلي بقوله: "غير محفوظ" كما في "تهذيب التهذيب" (١/٣٩٦) ، وابن حبان في "المجروحين" (١/٢٧٩) ، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢/٤٩٧) ، وقال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (١/٥٢٣) : منكر، وكذا قال الألباني في "الضعيفة" (١٣٤٢)
الثالث: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من قَرَأَ إِذَا زُلزِلَتْ فِي لَيلَةٍ كَانَت لَهُ بِعَدل ِنِصفِ القُرْآنِ) رواه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٦٩١)
ويقول الشيخ الألباني ﵀ "السلسلة الضعيفة" (١٣٤٢) :: " أخرجه أبو أمية الطرسوسي في مسند أبي هريرة (٢/١٩٥) ، وإسناده ضعيف جدا، فيه عيسى بن ميمون المدني، ضعفه الجماعة، وقال أبو حاتم وغيره: متروك الحديث " انتهى.
وقال ابن حجر في نتائج الأفكار (٣/٢٦٨) : " في إسناده راو شديد الضعف " انتهى.
فيتبين بما سبق أنه لم يصح عن النبي ﷺ شيء في كون سورة الزلزلة تعدل نصف القرآن، ولكن يبدو أن بعض الأئمة من السلف كان يأخذ بهذه الأحاديث، ويذهب في اجتهاده إلى أن ما في سورة الزلزلة من المعاني العظيمة تعدل نصف المقاصد التي جاء القرآن الكريم لتحقيقها.
جاء في "مصنف عبد الرزاق" (٣/٣٧٢) : عن معمر قال:
(سمعت رجلا يحدث أن إذا زلزلت تعدل شطر القرآن)
وعن جعفر عن هشام بن مسلم قال: سمعت بكر بن عبد الله المزني يقول:
(إذا زلزلت الأرض نصف القرآن) .
وروى أبو عبيد عن الحسن البصري مرسلا:
(إذا زلزلت تعدل نصف القرآن، والعاديات تعدل نصف القرآن)
انظر "الإتقان" للسيوطي (٢/٤١٣)
وجاء عن عاصم بن أبي النجود الإمام المقرئ قوله:
(كان يقال: من قرأ إذا زلزلت فكأنما قرأ نصف القرآن)
قال ابن حجر في "نتائج الأفكار" (٣/٢٧٠) : رجاله ثقات.
يقول المناوي في "فيض القدير" (١/٣٦٧) :
" لأن المقصود الأعظم بالذات من القرآن بيان المبدأ والمعاد، و" إذا زلزلت " مقصورة على ذكر المعاد، مستقلة ببيان أحواله، فعادلت نصفه، ذكره القاضي " انتهى.
فهو اجتهاد لبعض السلف، لا يجوز أن ينسب إلى النبي ﷺ ، ولا يعني أبدا أنها تعدل نصف القرآن في الأجر والمثوبة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1865
ماذا يفعل المسلم مع اختلاف العلماء في التصحيح والتضعيف ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا نفعل إذا اختلف علماء الحديث في تصحيح وتضعيف حديث ما يتعلق بالعبادة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا فرق عند أهل العلم بين اختلاف العلماء في مسائل الحديث تصحيحا وتضعيفاً وبين اختلافهم في مسائل الفقه؛ وذلك لأن تصحيح الحديث وتضعيفه خاضع للاجتهاد، وفيه تفاوت بين العلماء في العلم بأحوال الرجال وطرق الحديث، فما يعرفه بعضهم من حالٍ للراوي قد يخفى على غيره، وما يقف عليه آخر من شواهد ومتابعات قد لا يتيسر لغيره، فيختلف حكمهم على الحديث الواحد تبعاً لذلك، وأحياناً يقف كل واحد منهم على ترجمة الراوي وطرق الحديث، ويختلف ترجيحهم تصحيحاً وتضعيفاً تبعاً لاجتهادهم في الراجح من حال الرواي، وفي الراجح من خلو طرق الحديث من الشذوذ والعلة.
قال الإمام الترمذي:
وقد اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف الرجال كما اختلفوا في سوى ذلك من العلم.
" سنن الترمذي " (٥ / ٧٥٦) وهو كتاب " العلل " في آخر " السنن ".
وفي بيان أسباب اختلاف العلماء قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
السبب الثالث: اعتقاد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره، مع قطع النظر عن طريق آخر، سواء كان الصواب معه أو مع غيره، أو معهما عند من يقول: كل مجتهد مصيب؛ ولذلك أسباب: منها: أن يكون المحدث بالحديث يعتقده أحدهما ضعيفا؛ ويعتقده الآخر ثقة، ومعرفة الرجال علم واسع؛ ثم قد يكون المصيب من يعتقد ضعفه؛ لاطلاعه على سبب جارح، وقد يكون الصواب مع الآخر لمعرفته أن ذلك السبب غير جارح؛ إما لأن جنسه غير جارح؛ أو لأنه كان له فيه عذر يمنع الجرح.
وهذا باب واسع وللعلماء بالرجال وأحوالهم في ذلك من الإجماع والاختلاف مثل ما لغيرهم من سائر أهل العلم في علومهم.
ومنها: ألا يعتقد أن المحدث سمع الحديث ممن حدث عنه، وغيره يعتقد أنه سمعه لأسباب توجب ذلك معروفة.
ومنها: أن يكون للمحدث حالان: حال استقامة، وحال اضطراب؛ مثل أن يختلط أو تحترق كتبه، فما حدث به في حال الاستقامة صحيح، وما حدث به في حال الاضطراب ضعيف؛ فلا يدري ذلك الحديث من أي النوعين، وقد علم غيره أنه مما حدث به في حال الاستقامة.
ومنها: أن يكون المحدث قد نسي ذلك الحديث فلم يذكره فيما بعد، أو أنكر أن يكون حدثه معتقدا أن هذا علة توجب ترك الحديث، ويرى غيره أن هذا مما يصح الاستدلال به، والمسألة معروفة ... إلى أسباب أخر غير هذه.
" مجموع الفتاوى " (٢٠ / ٢٤٠ – ٢٤٢) باختصار.
ثانياً:
أما موقف المسلم من هذا الاختلاف الحاصل بين أهل العلم في التصحيح والتضعيف للحديث الواحد: فهو الموقف ذاته من اختلافهم في الفقه، فإن كان مؤهلاً للترجيح بين أقوالهم رجَّح ما يراه صواباً من أحد الحكمَين، وإن كان غير مؤهل فواجبه التقليد، وعليه أن يأخذ بترجيح من يراه أكثر ديناً وعلماً في هذا الباب، ولا ينبغي أن يغتر بكونه فقيهاً أو أصوليّا أو مفسِّراً، بل ينبغي أن يكون المقلَّد في التصحيح والتضعيف من أهل هذه الصنعة وهذا الفن، وهو فن علم الحديث، ولا حرج عليه فيما يترتب على تقليده، فإن كان الحديث صحيحاً عنده وقلَّده فيه، وكان يحوي حكماً فقهيّاً فالواجب عليه العمل به، ولا حرج عليه إن ترك العمل به إن كان الحديث ضعيفاً.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
وإذا اختلفت العلماء عليه في الفتيا، أو فيما يسمع من مواعظهم ونصائحهم مثلاً: فإنه يتبع من يراه إلى الحق أقرب في علمه ودينه.
" لقاء الباب المفتوح " (اللقاء " ٤٦ "، سؤال ١١٣٦) .
ولينظر جواب السؤال رقم (٢٢٦٥٢) وفيه بيان الموقف الصحيح من اختلاف العلماء.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1866
درجة حديث ما يسمى " دعاء جبريل "
[السُّؤَالُ]
ـ[فضل هذا الدعاء: قال رسول الله ﵌: (نزل عليّ جبرائيل وأنا أصلي خلف المقام، فلما فرغت من الصلاة دعوت الله تعالى وقلت: حبيبي علمني لأمتي شيئا إذا خرجت من الدنيا عنهم يدعون الله تعالى فيغفر لهم، فقال جبريل: ومن أمتك يشهدون لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله، ويصومون أيام الثلاثة البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر، ثم يدعون الله بهذا الدعاء، فإنه مكتوب حول العرش، وأنا يا محمد بقوة هذا الدعاء أهبط وأصعد، وملك الموت بهذا الدعاء يقبض أرواح المؤمنين، وهذا الدعاء مكتوب على أستار الكعبة وأركانها، ومن قرأ من أمتك هذا الدعاء يأمن عذاب القبر، ويكون من آمناً يوم الفزع الأكبر، ومن موت الفجّار، وغناه عن خلقه، ويرزقه من حيث لا يحتسب، وأنت شفيعه يوم القيامة يا محمد. . . .
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد وآله الطاهرين سبحانك، أنت الله لا إله إلا أنت المؤمن المهيمن سبحانك، أنت الله لا إله إلا أنت المصور الرحيم سبحانك، أنت الله لا إله إلا أنت السميع العليم سبحانك، أنت الله لا إله إلا أنت الحي القيّوم سبحانك، أنت الله لا إله إلا أنت البصير الصادق سبحانك، أنت الله لا إله الله إلا أنت الواسع اللطيف سبحانك، أنت الله لا إله إلا أنت العليّ الكبير سبحانك. . .إلخ الدعاء.
هل ما كتب صحيح؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث والذي يسمَّى " دعاء جبريل " لا أصل له في السنة الصحيحة، بل ولا في الضعيفة، وهو من الأحاديث المكذوبة على النبي ﷺ ، ومن قرأ ألفاظ الحديث والدعاء لم يشك أنه من وضع الزنادقة، ففي بيان بعض فضائل هذا الدعاء قوله: " ومَن كتبه على كفنه بتربة الحسين ﵇ أمِنَ مِن عذاب القبر "! .
وفي بعض ألفاظه ما يدل على حماقة قائله، وظنه أنه قد ينطلي هذا الدعاء على حماة الدِّين، فاسمع إليه يقول: " قال رسول الله ﷺ : فحفظته، وعلَّمته المؤمنين من شيعتنا وموالينا "!!
أما المبالغات في الأجور والثواب، والأخطاء في النحو والإملاء: فحدِّث عن هذا ولا حرج، ونص أوله: " اللهم صلِّ على محمد وآل محمد لا إله إلا الله بعدد ما هلَّله المهللون، الله أكبر بعدد ما كبّره المكبرون، الحمد لله الحمد لله بعدد ما حَمِدهُ الحامدون، سبحان الله بعدد ما سبّحه المسبحون، أستغفر الله أستغفر الله بعدد ما استغفره المستغفرون ".
وعلى كل حال: ففي صحيح السنَّة ما يغني عن مثل هذه الخرافات والضلالات، والوصية للأخ السائل أن يقرأ كتاب " حصن المسلم " أو " صحيح الكلِم الطيب "، وكذا ما ذكره الأئمة الثقات كالبخاري ومسلم في كتبهم في أبواب الأدعية، ففيه الخير الكثير.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1867
هل تشرع صلاة الحاجة؟ وهل تنفع التجربة لفعلها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[صلاة الحاجة باثنتي عشرة ركعة مع التشهد بين كل ركعتين وفي التشهد الأخير نثني على الله ونصلي على النبي ﷺ ثم نسجد ونقرأ فاتحة الكتاب سبع مرات وآية الكرسي سبع مرات ونقول عشر مرات " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير "، ثم نقول: " اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك واسمك الأعظم وجدك الأعلى وكلماتك التامة " ثم نسأل حاجتنا ونرفع رأسنا من السجود ونسلم يميناً ويساراً.
سؤالي هو:
قيل لي إن النبي ﷺ نهى عن قراءة القرآن في السجود وقد جربتها في أيام الدراسة والله استجاب دعائي وأنا لي حاجة إلى الله وأريد أن أصليها فما هي نصيحتكم لي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
رويت " صلاة الحاجة " في أربعة أحاديث: اثنان منهما موضوعان، والصلاة في أحدهما اثنتا عشرة ركعة، وفي الآخر ركعتان، والثالث ضعيف جدّاً، والرابع ضعيف، والصلاة فيهما ركعتان.
أما الأول: فهو الذي جاء في السؤال وهو من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (اثنتا عشرة ركعة تصليهن من ليل أو نهار وتتشهد بين كل ركعتين، فإذا تشهدت من آخر صلاتك فأثنِ على الله، وصلِّ على النبي ﷺ ، واقرأ وأنت ساجد فاتحة الكتاب سبع مرات، وقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات، ثم قل: اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك واسمك الأعظم وجدك الأعلى وكلماتك التامة، ثم سل حاجتك ثم ارفع رأسك، ثم سلِّم يميناً وشمالاً ولا تعلموها السفهاء فإنهم يدعون بها فيستجاب لهم) .
رواه ابن الجوزي في " الموضوعات " (٢ / ٦٣) من طريق عامر بن خداش عن عمرو بن هارون البلخي.
ونقل ابن الجوزي تكذيب عمرو البلخي عن ابن معين، وقال: وقد صح النهي عن القراءة في السجود.
انظر: " الموضوعات " (٢ / ٦٣) و " ترتيب الموضوعات " للذهبي (ص ١٦٧) .
وفي الدعاء بـ " معاقد العز من عرش الله " خلاف بين العلماء، على حسب المقصود من هذا اللفظ الذي لم يرد في الشرع، وقد منع الدعاء به بعض أهل العلم، ومنهم الإمام أبو حنيفة؛ لأنه من التوسل البدعي، وأجازه آخرون لاعتقادهم أنه توسل بصفة من صفات الله لا أنه يجوز عندهم التوسل بالمخلوقين.
قال الشيخ الألباني ﵀:
" أقول: لكن الأثر المشار إليه باطل لا يصح، رواه ابن الجوزي في " الموضوعات " وقال: " هذا حديث موضوع بلا شك "، وأقره الحافظ الزيلعي في " نصب الراية " (٢٧٣) فلا يحتج به، وإن كان قول القائل: " أسألك بمعاقد العز من عرشك " يعود إلى التوسل بصفة من صفات الله : فهو توسل مشروع بأدلة أخرى، تغني عن هذا الحديث الموضوع.
قال ابن الاثير ﵀: " أسألك بمعاقد العز من عرشك، أي: بالخصال التي استحق بها العرش العز، أو بمواضع انعقادها منه، وحقيقة معناه: بعز عرشك، وأصحاب أبي حنيفة يكرهون هذا اللفظ من الدعاء ".
فعلى الوجه الأول من هذا الشرح وهو الخصال التي استحق بها العرش العز: يكون توسلاً بصفة من صفات الله تعالى فيكون جائزاً، وأما على الوجه الثاني الذي هو مواضع انعقاد العز من العرش: فهو توسل بمخلوق فيكون غير جائز، وعلى كلٍّ فالحديث لا يستحق زيادة في البحث والتأويل؛ لعدم ثبوته، فنكتفي بما سبق " انتهى كلام الألباني.
" التوسل أنواعه وأحكامه " (ص ٤٨، ٤٩) .
وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله:
" هذا الحديث فيه من الغرابة كما ذكر السائل من أنه شرع قراءة الفاتحة في غير القيام في الركوع أو في السجود، وتكرار ذلك، وأيضًا في السؤال بمعاقد العز من العرش وغير ذلك، وكلها أمور غريبة، فالذي ينبغي للسائل أن لا يعمل بهذا الحديث، وفي الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ التي لا إشكال فيها، وفيها من نوافل العبادات والصلوات والطاعات ما فيه الخير والكفاية إن شاء الله " انتهى.
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (١ / ٤٦) .
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود.
فعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ راكعاً أو ساجداً. رواه مسلم (٤٨٠) .
وفي جواب السؤال رقم (٣٤٦٩٢) سبق ذكر الحديث وتضعيفه من جهة السند والمتن عن علماء اللجنة الدائمة فلينظر.
وأما الحديث الثاني الوارد في صلاة الحاجة فهو:
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (جاءني جبريل ﵇ بدعوات فقال: إذا نزل بك أمر من أمر دنياك فقدمهن ثم سل حاجتك: يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا صريخ المستصرخين، يا غياث المستغيثين، يا كاشف السوء، يا أرحم الراحمين، يا مجيب دعوة المضطرين، يا إله العالمين، بك أنزل حاجت وأنت أعلم بها فاقضها) .
رواه الأصبهاني – كما في " الترغيب والترهيب " (١ / ٢٧٥) -، وذكر الشيخ الألباني – ﵀ – في " ضعيف الترغيب " (٤١٩) و " السلسلة الضعيفة " (٥٢٩٨) أنه موضوع.
وأما الحديث الثالث: فهو:
عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ : " من كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ فليحسن الوضوء ثم ليصل ركعتين ثم ليثن على الله وليصل على النبي ﷺ ، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين) .
رواه الترمذي (٤٧٩) وابن ماجه (١٣٨٤) .
قال الترمذي: هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال.
وذكر الألباني ﵀ في " ضعيف الترغيب " (٤١٦) وقال: حديث ضعيف جدّاً.
وقد سبق تضعيف الحديث في جواب السؤال رقم (١٠٣٨٧) فلينظر.
وأما الحديث الرابع فهو:
عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يا علي، ألا أعلمك دعاء إذا أصابك غم أو هم تدعو به ربك فيستجاب لك بإذن الله، ويفرج عنك؟ توضأ وصل ركعتين واحمد الله وأثن عليه، وصل على نبيك، واستغفر لنفسك وللمؤمنين والمؤمنات، ثم قل: اللهم أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم كاشف الغم، مفرج الهم، مجيب دعوة المضطرين إذا دعوك، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، فارحمني في حاجتي هذه بقضائها ونجاحها رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك) .
رواه الأصبهاني – كما في " الترغيب والترهيب " (١ / ٢٧٥) وضعفه الألباني ﵀ في " ضعيف الترغيب " (٤١٧) وقال: إسناده مظلم، فيه من لا يُعرف، وانظر " السلسلة الضعيفة " (٥٢٨٧) .
والخلاصة: أنه لم يصح في هذه الصلاة حديث، فلا يشرع للمسلم أن يصليها، ويكفيه ما ورد في السنة الصحيحة من صلوات وأدعية وأذكار ثابتة.
ثانياً:
وأما قول السائلة إنها جربتها فوجدتها نافعة: فهذا قد قاله غيرها قبلها، والشرع لا يثبت بمثل هذا.
قال الشوكاني ﵀:
" السنَّة لا تثبت بمجرد التجربة، وقبول الدعاء لا يدل على أن سبب القبول ثابت عن رسول الله ﷺ ، فقد يجيب الله الدعاء من غير توسل بسنَّة، وهو أرحم الراحمين، وقد تكون الاستجابة استدراجاً " انتهى باختصار.
" تحفة الذاكرين " (ص ١٤٠) .
وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله:
" وأما ما ذكر من أن فلانًا جرَّبه فوجده صحيحاً، وفلانًا جرَّبه فوجده صحيحاً؛ هذا كله لا يدل على صحة الحديث، فكون الإنسان يُجرِّب الشيء ويحصل له مقصوده لا يدل على صحة ما قيل فيه أو ما ورد فيه؛ لأنه قد يصادف حصول هذا الشيء قضاءً وقدراً، أو يصادف ابتلاءً وامتحاناً للفاعل، فحصول الشيء لا يدل على صحة ما ورد به " انتهى.
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (١ / ٤٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1868
ما صحة حديث إحياء أبوي النبي ﷺ ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة الحديث القائل بإحياء أم النبي محمد ﷺ فآمنت به ثم ماتت؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم يصح حديث في أن الله تعالى أحيا أبوي النبي ﷺ وأنهما آمنا به ثم ماتا، بل الأحاديث الصحيحة الثابتة تدل على أنهما ماتا على الكفر، وأنهما من أهل النار.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله عليه وسلم: (اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي) رواه مسلم (٩٧٦) .
وعن أنس بن مالك ﵁ أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: فِي النَّارِ. فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ. رواه مسلم (٢٠٣) .
ومما يدل على عدم صحة هذه الأحاديث: أن هذا الأمر لو وقع لاشتهر وانتشر، لأنه يكون آية عظيمة من آيات الله تعالى، فتتوفر الدواعي على نقلها.
وقد حكم أئمة العلم المحققون على هذه الأحاديث الواردة بأنها موضوعة مكذوبة.
عن عائشة ﵂ قالت: حجَّ بنا رسول الله ﷺ حجة الوداع، فمرَّ بي على عقبة الحجون وهو باكٍ حزين مغتم، فبكيتُ لبكاء رسول الله ﷺ ، ثم إنه نزل فقال: يا حميراء استمسكي، فاستند إلى البعير فمكث عني طويلاً، ثم إنه عاد إليَّ وهو فرح مبتسم، فقلت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، نزلت من عندي وأنت حزين مغتم فبكيت لبكائك، ثم إنك عدت إليّ وأنت فرح مبتسم، فعَمَ ذا يا رسول الله؟ فقال: ذهبت لقبر أمي آمنة فسألت الله أن يحييها فأحياها، فآمنت بي وردها الله .
رواه ابن شاهين في " الناسخ والمنسوخ " والخطيب البغدادي في " السابق اللاحق " – كما قال السيوطي في " الحاوي " (٢ / ٤٤٠) -.
قال ابن الجوزي:
" هذا حديث موضوع بلا شك، والذي وضعه قليل الفهم عديم العلم، إذ لو كان له علم لعلم أن من مات كافراً لا ينفعه أن يؤمن بعد الرجعة، لا؛ بل لو آمن عند المعاينة لم ينتفع، ويكفي رد هذا الحديث قوله تعالى: (فيمت وهو كافر) وقوله في الصحيح: (استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي) وقد كان أقوام يضعون أحاديث ويدسونها في كتب المغفلين فيرويها أولئك، قال شيخنا أبو الفضل بن ناصر: هذا حديث موضوع وأم رسول الله ﷺ ماتت بالأبواء بين مكة والمدينة ودفنت هناك وليست بالحجون " انتهى.
"الموضوعات" (١/٢٨٣) .
الحجون: موضع بمكة.
وقال الحافظ ابن كثير ﵀:
" وأما الحديث الذي ذكره السهيلي وذكر أن في إسناده مجهولين إلى أبي الزناد عن عروة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ سأل ربه أن يحيي أبويه، فأحياهما وآمنا به: إنه حديث منكر جدّاً، وإن كان ممكناً بالنظر إلى قدرة الله تعالى، لكن الذي ثبت في الصحيح يعارضه " انتهى.
"البداية " (٢/٢٦١) .
وقال ملا علي القاري عن هذا الحديث:
" موضوع، كما قال ابن دحية، وقد وضعت في هذه المسألة رسالة مستقلة " انتهى.
"الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة" (ص ٨٣) .
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: هل صح عن النبي ﷺ : أن الله ﵎ أحيا له أبويه حتى أسلما على يديه ثم ماتا بعد ذلك؟
فأجاب:
" لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث ; بل أهل المعرفة متفقون على أن ذلك كذب مختلق، وإن كان قد روى في ذلك أبو بكر - يعني الخطيب - في كتابه "السابق واللاحق" وذكره أبو القاسم السهيلي في "شرح السيرة" بإسناد فيه مجاهيل، وذكره أبو عبد الله القرطبي في "التذكرة" وأمثال هذه المواضع، فلا نزاع بين أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذباً، كما نص عليه أهل العلم، وليس ذلك في الكتب المعتمدة في الحديث ; لا في الصحيح ولا في السنن ولا في المسانيد ونحو ذلك من كتب الحديث المعروفة، ولا ذكره أهل كتب المغازي والتفسير، وإن كانوا قد يروون الضعيف مع الصحيح، لأن ظهور كذب ذلك لا يخفى على متدين، فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فإنه من أعظم الأمور خرقا للعادة من وجهين: من جهة إحياء الموتى، ومن جهة الإيمان بعد الموت. فكان نقل مثل هذا أولى من نقل غيره، فلما لم يروه أحد من الثقات عُلِم أنه كذب.
ثم هذا خلاف الكتاب والسنة الصحيحة والإجماع. قال الله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما) وقال: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار) . فبين الله تعالى: أنه لا توبة لمن مات كافراً. وقال تعالى: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون) فأخبر أن سنته في عباده أنه لا ينفع الإيمان بعد رؤية البأس ; فكيف بعد الموت؟ ونحو ذلك من النصوص. . . " انتهى باختصار.
"مجموع الفتاوى" (٤/٣٢٥) .
وبعض أهل التصوف لم يستطع تصحيح هذه الأحاديث وفق القواعد الحديثية فصححها بالكشف!
يقول البيجوري:
" ولعل هذا الحديث - حديث إحياء والدي النبي ﷺ وإيمانهما ثم موتهما- صح عند أهل الحقيقة بطريق الكشف " انتهى.
"جوهرة التوحيد" (ص ٣٠) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رادّاً على مثل هذا:
" وعامة هؤلاء إذا خوطبوا ببيان فساد قولهم قالوا من جنس قول النصارى: هذا أمر فوق العقل! ويقول بعضهم: يثبت عندنا في الكشف ما يناقض صريح العقل " انتهى باختصار.
"الجواب الصحيح" (٢/٩٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1869
صحة رواية في كتاب الآيات الشيطانية
[السُّؤَالُ]
ـ[في كتاب آيات شيطانية لسلمان رشدي قال أن بعض آيات القرآن أُنزلت للموافقة على اكثر ثلاثة أرباب مشهورة ومحببة كانت توجد في مكة ذلك الوقت لتكون القادة على الأرباب.
تلك الآيات أُلغيت وقيل أن تلك الآيات لم تُنزل عن طريق جبريل وإنما كان الشيطان هو الذي وسوس بتلك الآيات ولم يعلم بذلك النبي محمد ﷺ ذلك الوقت.
ما هي صحة هذا؟. إذا كان هناك نسبة من الصحة في هذه الرواية فما هي تلك النسبة؟ وأرجو أن تذكر الرواية الحقيقية لما حدث.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الكلام مبني على رواية باطلة، قال عنها ابن كثير وغيره: " لم تصح عن النبي ﷺ بسند صحيح ". وهي: " أن النبي ﷺ قرأ سورة النجم على المشركين حنى إذا بلغ: (أَفَرَأَيْتُمْ اللاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى) ألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ قوله: (تلك الفرانيق العُلى وإنّ شفاعتهم لتُرتجى) فأعجب الكفار هذا المدح لهذه لأصنام الثلاثة فسجدوا "
هذه الرواية باطلة بلا ريب في وجوه عدة:
١. أنّ أسانيدها واهية لا تصح.
٢. أن النبى ﷺ معصوم في تبليغه للرسالة.
٣. على تقدير صحة الأثر، فقد ذكر العلماء أن هذا يكون ممّا ألقاه الشيطان في مسامع الكفار لا على لسان رسول الله ﷺ ، فسمعوه منه.
وانظر كلام ابن كثير ﵀ في الرد على هذا في تفسير سورة الحج آية رقم ٥٢. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1870
ضعف رواية وأنا على ذلك من الشاهدين بعد تلاوة سورة التين
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك حديث يقرأ بعد الانتهاء من قراءة سورة التين يقول الإنسان " بلا شك واشهد" وما صحته وأين أجده؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الترمذي ﵀ في سننه: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَال: سَمِعْتُ رَجُلا بَدَوِيًّا أَعْرَابِيًّا يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ يَقُولُ مَنْ قَرَأَ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فَقَرَأَ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ فَلْيَقُلْ بَلَى وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الشَّاهِدِينَ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ إِنَّمَا يُرْوَى بِهَذَا الإِسْنَادِ عَنْ هَذَا الأَعْرَابِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلا يُسَمَّى، وهذا تبيين منه ﵀ لعلّة هذا السّند وهو جهالة هذا الأعرابي وبناء عليه فإنّ السّند ضعيف والحديث غير صحيح وقد رواه أبو داود ﵀ ٧٥٣ من طريق الأعرابي المذكور. وقد ضعّف العلامة الألباني الحديث في كتابه ضعيف الجامع رقم ٥٧٨٤ وبما أنّ الحديث لم يثبت فلا نعمل به، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1871
مبيت الرسول ﷺ وأبي بكر في غار ثور
[السُّؤَالُ]
ـ[أبحث عن الحديث الذي روى قصة الرسول ﷺ عندما هاجر لمكة واختبأ في الكهف وكانت الملائكة تغطي بأجنحتها على مدخل الكهف حتى لا يراه من كان يبحث عنه من الكفار.
ما يعرفه أغلب الناس أن عنكبوتاً بنى بيته على مدخل الكهف ولكنني وجدت أن هذه الرواية ضعيفة أو ملفقة وأن الرواية التي تخبر أن الملائكة غطت بأجنحتها مدخل الكهف هي الرواية الصحيحة.
هل يمكن أن تخبرني باسم الراوي وفي أي كتاب حديث أو سيرة أجد هذه الرواية؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذكر مبيت النبي ﷺ وأبي بكر رضي الله في الغار في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وإليك بيانها:
أولاً: من كتاب الله..
ورد في كتاب الله قصة المبيت في الغار قال تعالى: " إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " المائدة / ٤٠.
فالآية نص واضح على ائتمار المشركين على قتله ﷺ ، وأنهما باتا في الغار.
ثانياً: السنة..
أما ما صح من السنة النبوية في قصة المبيت في الغار:
١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: ... ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ (أي حاذق سريع الفهم) ، فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ (أي يخرج من عندهما آخر الليل) فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ فَلا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلامُ ... الحديث.
رواه البخاري (٣٩٠٥) في قصة طويلة بوب عليها: هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.
٢ - عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا فِي الْغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا. فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا. رواه البخاري (٣٦٥٣) .
وأما قصة نسج العنكبوت فقد رواها الإمام أحمد (٣٢٤١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ) قَالَ: تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَصْبَحَ فَأَثْبِتُوهُ بِالْوَثَاقِ يُرِيدُونَ النَّبِيَّ ﷺ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ اقْتُلُوهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أَخْرِجُوهُ. فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ فَبَاتَ عَلِيٌّ عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى لَحِقَ بِالْغَارِ، وَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا يَحْسَبُونَهُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا ثَارُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَوْا عَلِيًّا رَدَّ اللَّهُ مَكْرَهُمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ صَاحِبُكَ هَذَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. فَاقْتَصُّوا أَثَرَهُ، فَلَمَّا بَلَغُوا الْجَبَلَ خُلِّطَ عَلَيْهِمْ، فَصَعِدُوا فِي الْجَبَلِ فَمَرُّوا بِالْغَارِ، فَرَأَوْا عَلَى بَابِهِ نَسْجَ الْعَنْكَبُوتِ، فَقَالُوا: لَوْ دَخَلَ هَاهُنَا لَمْ يَكُنْ نَسْجُ الْعَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِهِ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ.
وقد اختلف العلماء في هذا الحديث، فحسن إسناده الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" وابن كثير في "البداية والنهاية" (٣/٢٢٢) . وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، وقال أحمد شاكر في تحقيق المسند (٣٢٥١) : في إسناده نظر اهـ. وقال محققو المسند (٣٢٥١) : إسناده ضعيف اهـ. والله أعلم.
وأما قصة الحمامتين فقد ذكرها ابن كثير في "البداية والنهاية" (٣/٢٢٣) وقال رواها ابن عساكر ثم قال: هذا حديث غريب جداً من هذا الوجه اهـ وضعفها كذلك محققو المسند في الموضع المشار إليه سابقاً.
وقال الألباني في " السلسلة الضعيفة " (٣/٣٣٩) : واعلم أنه لا يصح حديث في عنكبوت الغار والحمامتين على كثرة ما يذكر ذلك في عض الكتب والمحاضرات التي تلقى بمناسبة هجرته ﷺ إلى المدينة، فكن من ذلك على علم اهـ.
وأما ستر الملائكة للنبي ﷺ وأبي بكر فقد رواه الطبراني في "الكبير" (٢٤/١٠٦-١٠٨) من حديث أسماء بنت أبي بكر. وهو حديث طويل وفيه: (فقال أبو بكر لرجل يراه مواجه الغار: يا رسول الله إنه ليرانا، فقال: كلا إن ملائكة تسترنا بأجنحتها ... الحديث) .
وهذا الحديث في سنده يعقوب بن حُمَيْد بن كاسِب المدني، وقد اختلف فيه أهل العلم. انظر: "تهذيب الكمال" للمزي (٣٢/٣١٨-٣٢٣) .
فضعفه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، ووهَّاه أبو زرعة الرازي.
وقال أبو داود السجستاني رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها، فطالبناه بالأصول، فدافعنا، ثم أخرجها بعد، فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري، كانت مراسيل، فأسندها وزاد فيها.
وقال ابن عدي: لا بأس به وبرواياته، وهو كثير الحديث، كثير الغرائب.
وقال الذهبي: كان من علماء الحديث لكنه له مناكير وغرائب.
ووثقه ابن حبان. وقال عنه الحافظ ابن حجر: صدوق له أوهام.
والألباني ﵀ يحسن حديثه غير أنه توقف في تحسين هذا الحديث،
قال ﵀ في "السلسلة الضعيفة" (٣/٢٦٣) :
المتقرر في يعقوب هذا أنه حسن الحديث. . . فإن لم يكن في الإسناد علة أخرى فهو حسن. . . ثم قال: وشيخ الطبراني أحمد بن عمرو الخلال المكي لم أقف له على ترجمة، وقد أخرج له في "المعجم الأوسط" نحو ١٦ حديثا، مما يدل على أنه من شيوخه المشهورين، فإن عرف أو توبع فالحديث حسن اهـ.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1872
درجة حديث "من كنت مولاه فعلي مولاه "ومعناه
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة الحديث (من كنت مولاه فعلي مولاه) ومعنى الحديث وشكرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث رواه الترمذي ٣٧١٣ وابن ماجه ١٢١، وقد اختُلِفَ في صحته َقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي تَخْرِيجِ الْهِدَايَةِ١/١٨٩ (وَكَمْ مِنْ حَدِيثٍ كَثُرَتْ رُوَاتُهُ وَتَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ كحَدِيثِ " مَنْ كُنْت مَوْلَاهُ فِعْلِيٌّ مَوْلاهُ ") ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما قوله من كنت مولاه فعلي مولاه فليس هو في الصحاح لكن هو مما رواه العلماء وتنازع الناس في صحته فنقل عن البخاري وإبراهيم الحربي وطائفة من أهل العلم بالحديث انهم طعنوا فيه ... وأما الزيادة وهي قوله اللهم وال من والاه وعاد من عاداه الخ فلا ريب انه كذب) منهاج السنة ٧/٣١٩. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: (وَأَمَّا حَدِيثُ: مَنْ كُنْت مَوْلاهُ فَلَهُ طُرُقٌ جَيِّدَةٌ) . وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ١٧٥٠ وناقش من قال بضعفه.
وصحة هذه الجملة عن النبي ﷺ إن صحت ـ لا تكون بحال دليلا على إثبات ما ألحقه به الغالون من زيادات في الحديث للتوصل إلى تقديمه ﵁ على بقية الصحابة كلهم، أو إلى الطعن في الصحابة بأنهم سلبوه حقه، وقد أشار شيخ الإسلام إلى بعض هذه الزيادات وتضعيفها في عشرة مواضع من منهاج السنة.
ومعنى الحديث اختلف فيه، وأيَّاً كان فإنه لا يناقض ما هو ثابت ومعروف بالأحاديث الصحاح من أن أفضل الأمة أبو بكر وأنه الأحقُّ بالخلافة، ثم يليه عمر ثم عثمان ثم علي ﵁ الله عنهم أجمعين لأن ثبوت فضل معين لأحد الصحابة، لا يدل على أنه أفضلهم، ولا ينافي كون أبي بكر أفضلهم كما هو مقرر في أبواب العقائد.
ومن هذه المعاني التي ذكرت لهذا الحديث (قِيلَ مَعْنَاهُ مَنْ كُنْت أَتَوَلاهُ فِعْلِيٌّ يَتَوَلاهُ مِنْ الْوَلِيِّ ضِدُّ الْعَدُوِّ. أَيْ مَنْ كُنْت أُحِبُّهُ فِعْلِيٌّ يُحِبُّهُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَنْ يَتَوَلَاّنِي فِعْلِيٌّ يَتَوَلَاّهُ ذَكَرَهُ الْقَارِي عَنْ بَعْضِ عُلَمَائِهِ , وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ: قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الْمَوْلَى فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ اِسْمٌ يَقَعُ عَلَى جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ فَهُوَ الرَّبُّ وَالْمَالِكُ وَالسَّيِّدُ وَالْمُنْعِمُ وَالْمُعْتِقُ وَالنَّاصِرُ وَالْمُحِبُّ وَالتَّابِعُ وَالْجَارُ وَابْنُ الْعَمِّ وَالْحَلِيفُ وَالْعَقِيدُ وَالصِّهْرُ وَالْعَبْدُ وَالْمُعْتَقُ وَالْمُنْعَمُ عَلَيْهِ وَأَكْثَرُهَا قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فَيُضَافُ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِيهِ وَكُلُّ مَنْ وَلِيَ أَمْرًا أَوْ قَامَ بِهِ فَهُوَ مَوْلاهُ وَوَلِيُّهُ , والحديث المذكور يُحْمَلُ عَلَى أَكْثَرِ الأَسْمَاءِ الْمَذْكُورَةِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ يَعْنِي بِذَلِكَ ولاءَ الإِسلامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ " قَالَ الطِّيبِيُّ: لا يَسْتَقِيمُ أَنْ تُحْمَلَ الْوِلايَةُ عَلَى الإِمَامَةِ الَّتِي هِيَ التَّصَرُّفُ فِي أُمُورِ الْمُؤْمِنِينَ لأَنَّ الْمُتَصَرِّفَ الْمُسْتَقِلَّ فِي حَيَاتِهِ ﷺ هُوَ هُوَ لا غَيْرُهُ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَحَبَّةِ ووَلاءِ الإِسْلامِ وَنَحْوِهِمَا) عن تحفة الأحوذي شرح الترمذي حديث ٣٧١٣ بتصرف.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1873
حكم النوم بعد العصر
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي درجة حديث " من نام بعد العصر، فاختُلس عقله، فلا يلومنَّ إلا نفسه "؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث ضعيف جدّاً.
انظر: "الموضوعات" لابن الجوزي (٣/٦٩) ، و"اللآلئ المصنوعة" للسيوطي (٢/٢٧٩) و"ترتيب الموضوعات" للذهبي (٨٣٩) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1874
هل وردت أحاديث صحيحة في عتق الأحياء والأموات في رمضان ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت من أحدهم أن الله يعتق من أموات المسلين كل ليلة واحداً فقط ولا يعتق من الأحياء إلا في آخر ليلة من رمضان بعدد ما أعتق خلال الشهر من أموات، فهل هذا صحيح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم نجد – بعد البحث – أحاديث وردت بذلك.
وقد وردت أحاديث أن لله تعالى عتقاء من النار في رمضان، وذلك كل ليلة.
وهذه الأحاديث منها ما هو صحيح، ومنها ما هو ضعيف، ومنها ما هو موضوع.
فمما صح من الأحاديث في ذلك:
١- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ) .
رواه الترمذي (٦٨٢) وابن ماجه (١٦٤٢) . وحسَّنه الشيخ الألباني في " صحيح الجامع " (٧٥٩) .
٢- عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ لِلَّهِ عِنْدَ كُلِّ فِطْرٍ عُتَقَاءَ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ) . رواه أحمد (٢١٦٩٨) وابن ماجه (١٦٤٣) . وصححه الشيخ الألباني في " صحيح ابن ماجه ".
وأما الأحاديث الضعيفة والموضوعة الواردة في ذلك، فمنها:
١- ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إلى خلقه، وإذا نظر الله إلى عبد لم يعذبه أبداً، ولله في كل يوم ألف ألف عتيق من النار، فإذا كانت ليلة تسع وعشرين أعتق الله فيها مثل جميع ما أعتق في الشهر كله) . وهو حديث موضوع. انظر: " ضعيف الترغيب " (٥٩١) و " السلسلة الضعيفة " (٥٤٦٨) .
٢- وروي عن ابن عباس ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن الجنة لتبخر وتزين من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان، فإذا كانت أول ليلة من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش يقال لها المثيرة ... قال: ولله في كل يوم من شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النار كلهم قد استوجبوا النار، فإذا كان آخر يوم من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم بقدر ما أعتق من أول الشهر إلى آخره ... ) . وهو حديث موضوع. انظر: " ضعيف الترغيب " (٥٩٤) .
٣- وعن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله في كل ليلة من رمضان ستمائة ألف عتيق من النار، فإذا كان آخر ليلة أعتق الله بعدد من مضى) . وهو حديث ضعيف. انظر: " ضعيف الترغيب " (٥٩٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1875
هل هذا حديث صحيح (أدَّبني ربي فأحسن تأديبي)
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي درجة حديث " أدَّبني ربي فأحسن تأديبي "؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث ضعيف.
قال ابن تيمية: لا يعرف له إسناد ثابت.
انظر: "أحاديث القصاص" (٧٨) ، وأورده الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (١٠٢٠) .
والفتني في "تذكرة الموضوعات" (٨٧) .
ولكن معناه صحيح.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1876
هل يصوم يوم النصف من شعبان حتى لو كان الحديث ضعيفاً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز بعد العلم بضعف حديث أن نأخذ به؛ وذلك من باب فضائل الأعمال " إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها " علماً أن الصوم نفلاً في تعبد لله وكذلك قيام الليل.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ما ورد في فضل الصلاة والصيام والعبادة في النصف من شعبان ليس من قسم الضعيف، بل هو من قسم الموضوع والباطل، وهذا لا يحل الأخذ به ولا العمل بمقتضاه لا في فضائل الأعمال ولا في غيرها.
وقد حكم ببطلان الروايات الواردة في ذلك جمعٌ من أهل العلم، منهم ابن الجوزي في كتابه " الموضوعات " (٢ / ٤٤٠ - ٤٤٥) ، وابن قيم الجوزية في " المنار المنيف " رقم ١٧٤ – ١٧٧) ، وأبو شامة الشافعي في " الباعث على إنكار البدع والحوادث " (١٢٤- ١٣٧) ، والعراقي في " تخريج إحياء علوم الدين " (رقم ٥٨٢) ، وقد نقل شيخُ الإسلام الاتفاق على بطلانها في " مجموع الفتاوى " (٢٨ / ١٣٨)
وقال الشيخ ابن باز – ﵀: في " حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان "
إن الاحتفال بليلة النصف من شعبان بالصلاة أو غيرها وتخصيص يومها بالصيام: بدعة منكرة عند أكثر أهل العلم، وليس له أصل في الشرع المطهر.
وقال – ﵀:
ليلة النصف من شعبان ليس فيها حديث صحيح، كل الأحاديث الواردة فيها موضوعة وضعيفة لا أصل لها، وهي ليلة ليس لها خصوصية لا قراءة ولا صلاة خاصة ولا جماعة، وما قاله بعض العلماء أن لها خصوصية: فهو قول ضعيف، فلا يجوز أن تُخصَّ بشيءٍ، هذا هو الصواب، وبالله التوفيق.
" فتاوى إسلامية " (٤ / ٥١١) .
انظر السؤال رقم (٨٩٠٧)
ثانياً:
وإن سلَّمنا أنها ضعيفة وليست موضوعة: فإن الصحيح من أقوال أهل العلم هو عدم الأخذ بالحديث الضعيف مطلقاً وإن كان في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب، وفي الصحيح ما يغني المسلم عن الأخذ بالضعيف، ولا يُعرف تخصيص هذه الليلة ونهارها بشيء في الشرع لا عند النبي ﷺ ولا عند أصحابه.
وقال العلَاّمة أحمد شاكر: لا فرقَ بين الأحكام وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة، بل لا حجةَ لأحدٍ إلا بما صحَّ عن رسول الله ﷺ من حديث صحيحٍ أو حسنٍ.
" الباعث الحثيث " (١ / ٢٧٨) .
وانظر لزيادة البيان " القول المنيف في حكم العمل بالحديث الضعيف ".
وانظر جواب السؤال رقم: (٤٤٨٧٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1877
بيان ضعف حديث في فضل رمضان
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة الحديث المروي عن سلمان الفارسي ﵁ أنه قال: (خطبنا رسول الله ﷺ في آخر يوم من شعبان فقال: أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعاً، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار ... الحديث) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث رواه ابن خزيمة بلفظه في صحيحه ٣/١٩١ رقم (١٨٨٧) وقال: إن صح الخبر، وسقطت (إن) من بعض المراجع مثل (الترغيب والترهيب) للمنذري (٢/٩٥) فظنوا أن ابن خزيمة قال: صح الخبر، وهو لم يجزم بذلك.
رواه المحاملي في أماليه (٢٩٣) والبيهقي في شعب الإيمان (٧/٢١٦) وفي فضائل الأوقات ص ١٤٦ رقم ٣٧ وأبو الشيخ ابن حبان في كتاب (الثواب) عزاه له الساعاتي في (الفتح الرباني) (٩/٢٣٣) وذكره السيوطي في (الدر المنثور) وقال: أخرجه العقيلي وضعفه) والأصبهاني في الترغيب، وذكره المنقي في (كنز العمال) ٨/٤٧٧، كلهم عن طريق سعيد بن المسيب عن سلمان الفارسي، والحديث ضعيف الإسناد لعلتين هما:
١- فيه انقطاع حيث لم يسمع سعيد بن المسيب من سلمان الفارسي ﵁.
٢- في سنده " علي بن زيد بن جدعان " قال فيه ابن سعد: فيه ضعف ولا يحتج به، وضعفه أحمد وابن معين والنسائي وابن خزيمة والجوزجاني وغيرهم كما في (سير أعلام النبلاء) (٥/٢٠٧)
وحكم أبو حاتم الرازي على الحديث بأنه منكر، وكذا قال العيني في (عمدة القاري) ٩/٢٠ ومثله قال الشيخ الألباني في (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة) ج٢/٢٦٢ رقم (٨٧١) فيتبين ضعف إسناد هذا الحديث ومتابعته كلها ضعيفة، وحكم المحدثين عليه بالنكارة، إضافة إلى اشتماله على عبارات في ثبوتها نظر، مثل تقسيم الشهر قسمة ثلاثية: العشر الأولى عشر الرحمة ثم المغفرة ثم العتق من النار وهذه لا دليل عليها، بل فضل الله واسع، ورمضان كله رحمة ومغفرة، ولله عتقاء في كل ليلة، وعند الفطر كما ثبتت بذلك الأحاديث.
وأيضاً: في الحديث (من تقرب فيه بخصلة من الخير كمن أدى فريضة) وهذا لا دليل عليه بل النافلة نافلة والفريضة فريضة في رمضان وغيره، وفي الحديث أيضاً: (من أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه) وفي هذا التحديد نظر، إذ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف في رمضان وغيره، ولا يخص من ذلك إلا الصيام فإن أجره عظيم دون تحديد بمقدار، للحديث القدسي (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁.
فينبغي الحذر من الأحاديث الضعيفة، والتثبت من درجتها قبل التحديث بها، والحرص على انتقاء الأحاديث الصحيحة في فضل رمضان، وفق الله الجميع وتقبل منا الصيام والقيام وسائر الأعمال.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الدكتور / أحمد بن عبد الله الباتلي
стр. 1878
الرد على من شكك في صحيح البخاري
[السُّؤَالُ]
ـ[صديقي الشيعي سألني سؤالاً وهو: كيف نعتمد صحيح البخاري وندعي صحته مع أن الإمام البخاري ﵀ كان موجوداً بعد ٤٠٠ سنة من موت النبي ﷺ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الإمام البخاري ﵀: مات سنة ٢٥٦ هـ أي بعد وفاة النبي ﷺ بـ (٢٤٥) سنة. وليس كما يزعم صاحبك الشيعي، ولكن الكذب من معدنه لا يُستغرب، وليس معنى ذلك أن البخاري يمكنه أن يروي عن النبي ﷺ مباشرة، فهذا ليس مرادا قطعا. وإنما ذكرنا هذا فقط لمجرد التوضيح.
وأما كيف نعتمد على صحيح البخاري وهو لم يلتق بالنبي ﷺ مباشرة؟
فالجواب أن البخاري في صحيحه لا يروي عن النبي ﷺ مباشرة، بل هو يروي عن شيوخ ثقات، في أعلى درجات الحفظ والضبط والأمانة عن مثلهم إلى أن يصل إلى الصحابة عن رسول الله ﷺ ، وأقل عدد بين البخاري والنبي ﷺ ثلاثة من الرواة، فاعتمادنا على صحيح البخاري لأن الرواة الذين نقل عنهم اختارهم بعناية تامة. فهم في أعلى درجات الثقة، ومع هذا فكان لا يكتب حديثا في هذا الصحيح حتى يغتسل، ثم يصلي ركعتين يستخير الله في هذا الحديث ثم يكتبه، وقد استغرق تأليفه لهذا الكتاب ستة عشر عاما، وقد تلقته أمة الإسلام بالقبول، وأجمعوا على صحة ما ورد فيه، وقد عصم الله هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة.
قال الإمام النووي ﵀ في مقدمة شرح مسلم (١/١٤) : اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد. انتهى
ولو سألت هذا الشيعي أو (الرافضي) عن ما ينقله زعماؤهم من الأقوال عن علي ﵁، والباقر، وجعفر الصادق، وغيرهم من آل البيت ﵏، هل سمعوه منهم أم ينقلونه بالأسانيد؟ الجواب واضح. وهناك فرقٌ كبيرٌ بين أسانيد البخاري، وأسانيد هؤلاء الضالين الذين لا تجد أسماء رجالهم المعتمدين في الرواية إلا في كتب الضعفاء، والكذابين، والمجروحين.
وهذه الدعوى التي يثيرها هذا الرافضي إنما هي مقدمة للطعن في السنة التي تُبين بطلان مذهبهم، وفساد معتقدهم، فلم يجدوا بدا من التهويش بهذه الضلالات. ولكن هيهات فالحق واضح، والباطل مضطرب.
ثم ننصحك أيها السائل ـ وفقك الله ـ أن تحرص على مصاحبة من تنفعك مصاحبتهم من أهل السنة، وأن تجتنب مصاحبة أهل البدع، فقد حذر العلماء من مصاحبتهم لأنهم لا يزالون بالشخص حتى يبعدوه عن الحق بشتى أنواع الحيل والتلبيسات.
نسأل الله لنا ولك التوفيق للسنة والبعد عن البدعة وأهلها،،، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1879
صحة حديث من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما تقولون في حديث أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث رواه النسائي في عمل اليوم والليلة وابن السني في عمل اليوم والليلة والطبراني في الكبير وغيرهم من طريق محمد بن حمير عن محمد بن زياد الألهاني عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ . وإسناده لا بأس به وقد صححه ابن حبان في كتاب الصلاة والمنذري وابن عبد الهادي وابن كثير.
وقد بالغ ابن الجوزي فأورده في كتابه الموضوعات ولا يُوافق على ذلك.
والحديث تفرد به محمد بن حمير عن الألهاني.
وهذا يحتمل التعليل ولا سيما أن الفسوي ﵀ قال: محمد بن حمير ليس بالقوي.
وخالفه ابن معين فقال ثقة وقال الإمام أحمد. ما علمت إلا خيراً. وقال النسائي ليس به بأس.
والحديث جيد الإسناد وليس من صحاح الأخبار ومثله يقبل وذلك لأمور.
الأول: أن الإمام النسائي ﵀ رواه ولم يعله وأورده في المختارة وصححه.
الثاني: أن الحديث ليس من أصول الأحكام.
الثالث: أن تفرد الصدوق بالحديث يقبل إذا دلت قرينة على ضبطه وتفرد محمد بن حمير من هذا، وقد جاء للحديث شواهد من حديث المغيرة ابن شعبة وأبي مسعود وعلى بن أبي طالب ولا يصح من ذلك شيء والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ سليمان بن ناصر العلوان.
стр. 1880
صحة حديث (توسلوا بجاهي)
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي درجة حديث " توسلوا بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم "؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث لا أصل له.
قال ابن تيمية والألباني: لا أصل له.
انظر: "اقتضاء الصراط المستقيم" لابن تيمية (٢/٤١٥) ، "السلسلة الضعيفة" (٢٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1881
لا يصح حديث: (لا سياحة في الإسلام)
[السُّؤَالُ]
ـ[ما مدى صحة حديث " لا سياحة في الإسلام "؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جاء في حديث رواه عبد الرزاق في مصنفه عن ليث عن طاووس قال: قال رسول الله ﷺ ( ... ولا سياحة ولا تبتّل ولا ترهّب في الإسلام) . قال الألباني في ضعيف الجامع (ضعيف) برقم (٦٢٨٧)
وإنما الصحيح ما رواه أبو داود في سننه من حديث أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: (سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله) صححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٢٠٩٣)
ومعنى سائحات في قوله تعالى: (مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) التحريم / ٥، سائحات أي صائمات، فالسياحة وردت بمعنى الجهاد وبمعنى الصيام في النصوص الشرعية، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1882
كيف نعرف الأحاديث الصحيحة من المكذوبة
[السُّؤَالُ]
ـ[أعلم أن علينا الاقتداء بالرسول ﷺ ، لكن ما هو مدى تأكدنا من أن بعض الأحاديث الموجودة اليوم ليست مكذوبة أو مغيرة؟ أرجو أن تتفهم أني لا أقوّمُ الأحاديث ولست أقول أنها خطأ بأي حال من الأحوال، لكن الكثير من الأحاديث التي رُويت لي من قبل بعض المسلمين كانت ضعيفة ومكذوبة. أنا أتمثل الأحاديث ما استطعت. أرجو مساعدتي بتقديم أية معلومات حول ذلك]ـ
[الْجَوَابُ]
١. تكفل الله تعالى بحفظ دينه، ومنه حفظ الكتاب المعجز، ومعه حفظ السنة النبوية التي تعين على فهم القرآن، قال الله تعالى ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ ، والذكر يشمل القرآن والسنة.
٢. وقد حاول كثيرون - في الماضي والحاضر - أن يدسوا الأحاديث الضعيفة والموضوعة في الشرع المطهر وفي السنة النبوية، لكن الله تعالى ردَّ كيدهم في نحورهم، وسخَّر الله الأسباب لحفظ دينه ومنها العلماء الأثبات الثقات الذين ينخلون الروايات، ويتتبعون مصادرها ويقفون على تراجم رواتها حتى إنهم ليذكرون متى اختلط الراوي ومن الذين رووا عنه قبل الاختلاط ومن روى عنه بعد الاختلاط، ويعرفون رحلات الراوي ودخوله البلدان وعمن أخذ من أهلها، وهكذا في قائمة طويلة يصعب حصرها، وكل ذلك يدل على أن هذه الأمة محفوظة في دينها مهما حاول الأعداء الكيد والعبث والتحريف.
قال سفيان الثوري: الملائكة حراس السماء وأصحاب الحديث حراس الأرض.
وذكر الحافظ الذهبي أن هارون الرشيد أخذ زنديقا ليقتله فقال الزنديق: أين أنت من ألف حديث وضعتها، فقال الرشيد: أين أنت يا عدو الله من أبى إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفاً حرفاً.
ويستطيع طالب العلم معرفة الأحاديث الضعيفة والموضوعة بكل يسر وسهولة وذلك بالنظر في أسانيد الرواية ومعرفة حال رجالها من كتب الرجال وكتب الجرح والتعديل.
٣. وقد جمع كثير من العلماء مثل هذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة في كتب خاصة ليسهل النظر فيها مجموعة فيحذر الإنسان ويُحذِّر غيره، ومنها " العلل المتناهية " لابن الجوزي، و " المنار المنيف " لابن القيم، و"اللآليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" للسيوطي، و " الفوائد المجموعة " للشوكاني و"الأسرار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة" لابن عرّاق، و " ضعيف الجامع الصغير " و " سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة " كلاهما للشيخ الألباني ﵀.
٤. وكون الأخ السائل يسمع الضعيف والموضوع كما يقول فهو يدل على أنه يميز - ولله الحمد - بين ما كان صحيحاً وما كان غير صحيح! وهذا من فضل الله وهو يدل على ما ذكرنا من حفظ الله لهذه الشريعة.
٥. وإننا ننصح الأخ السائل بالقراءة في كتب الرجال والجرح والتعديل وكتب مصطلح الحديث ليعرف مدى الجهود المبذولة لخدمة السنة النبوية.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1883
من الذي جمع الأحاديث الصحيحة غير البخاري ومسلم
[السُّؤَالُ]
ـ[من هم الذين جمعوا الأحاديث الصحيحة غير البخاري ومسلم؟ (التي تعتبر صحيحة) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هناك من قام بجمع الأحاديث الصحيحة غير البخاري ومسلم مثل إبن خزيمة وابن حبّان في صحيحيهما وابن السكن في صحيحه، والحاكم في المستدرك، والضياء المقدسي في المختارة، ولكن لم يبلغ عمل أحد منهم مبلغ الصحيحين.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ سعد الحميد.
стр. 1884
ما هي درجة حديث " من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني "؟ .
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي درجة حديث " من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني "؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث موضوع.
انظر: "ترتيب الموضوعات" للذهبي (٦٠٠) ، و"الموضوعات" للصغاني (٥٢) ، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (٣٢٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1885
ثلاثة أحاديث موضوعة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة هذه الأحاديث المشهورة على الألسنة؟
حب الوطن من الإيمان
يخلق الله من الشبه أربعين
من أنقذ امرأة من غرق فهي أخته.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قد كثرت في زماننا الأحاديث الموضوعة والآثار الباطلة والحكايات المختلقة. وقد اعتاد الكثير تناقل هذه الأخبار دون تثبت من صحتها ولا بحث عن حقيقتها.
وهذا محرم شرعاً وقبيح عقلاً.
وهذه الأحاديث الثلاثة مكذوبة مختلقة على رسول الله ﷺ . فلا تحل روايتها ولا التحديث بها بدون بيان بطلانها.
وقد روى البخاري في صحيحه (٣٥٠٩) عن علي بن عياش حدثنا حريز قال حدثني عبد الواحد بن عبد الله النصري قال سمعتُ واثلة بن الأسقع يقول قال رسول الله ﷺ ((إن من أعظم الفِرَى أن يدّعي الرجلُ إلى غير أبيه أو يُرِي عينه ما لم تر أو يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل)) .
وروى البخاري (١١٠) ومسلم في مقدمة صحيحه (٣) من طريق أبي حَصين عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) .
وكلُّ مَنْ حدث بالأحاديث الباطلة والحكايات الموضوعة على رسول الله ﷺ ولم يبين صحيحها من سقيمها وحقها من باطلها فقد باءَ بالإثم وتعرض للوعيد.
وقد ذكر السيوطي في كتابه ((تحذير الخواص من أكاذيب القصاص ص (١٦٧) أن من أقدم على رواية الأحاديث الباطلة يستحق الضرب بالسياط ويهدّد بما هو أكثر من ذلك ويزجر ويهجر ولا يسلم عليه ويغتاب في الله ويُستعدى عليه عند الحاكم ويحكم عليه بالمنع من رواية ذلك ويشهد عليه)) .
وذلك للذب عن سنة المصطفى ﷺ ونفي الأخبار الكاذبة عنها ولحماية الأفراد والمجتمعات من هذه الأساطير والأكذوبات. نسأل الله السلامة والعافية.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ سليمان بن ناصر العلوان.
стр. 1886
هل حديث " اختلاف أمتي رحمة " صحيح ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي درجة حديث " اختلاف أمتي رحمة "؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث موضوع.
انظر: "الأسرار المرفوعة" (٥٠٦) ، و"تنزيه الشريعة" (٢/٤٠٢) ، و"السلسلة الضعيفة" (١١) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1887
تخريج حديث (ما أحل الله في كتابه فهو حلال) والحكم عليه
[السُّؤَالُ]
ـ[ي حول حديث: " ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله العافية، فإن الله لم يكن نسيا، ثم تلا هذه الآية (وما كان ربك نسيا) " هذا الحديث صححه الشيخ الألباني ﵀ في السلسلة الصحيحة ٥ صفحة رقم ٣٢٥ , وحسنه في صفحة رقم ١٤ في غاية المرام.
لكنه حسب موقع الدرر السنية قد قال عن هذا الحديث أشياء كثيرة فمثلا: " إسناده ضعيف جدا لكن معناه صحيح ثابت " و " إسناده صالح " و " إسناده صحيح " و " صحيح موقوفاً ويمكن تحسينه بشاهده مرفوعاً " و " في إسناده سيف بن هارون البرجمي ضعفه جماعة ووثقه أبو نعيم " و " ضعيف "
وقال عنه الشيخ أبو إسحاق الحويني على موقعه " ضعيف "
فما رأيكم في هذا الحديث؟ وهل يصح لنا أن نحتج به؟
وهل نترك الأحاديث التي تضارب فيها أقوال أهل العلم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
روي هذا الحديث بألفاظ متقاربة عن جماعة من الصحابة ﵃، وهم:
١- عن أبي الدرداء ﵁ مرفوعا بلفظ:
(مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالٌُ، وَمَا حَرَّمَ فَهوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنهُ فَهُوَ عَفْوٌ، فَاقبَلُوا مِنَ اللهِ عَافِيَتَه (وَمَا كَانَ رَبُّك نَسِيَّا) أخرجه الدارقطني في سننه (٢/١٣٧) والحاكم في المستدرك (٢/٤٠٦) (١٠/١٢) والطبراني في مسند الشاميين (٣/٢٠٩) من طرق عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ به.
وهذا إسناد منقطع، فإن الانقطاع ظاهر بين رجاء بن حيوة وأبي الدرداء، إذ وفاة رجاء كانت سنة ١١٢ هـ، ووفاة أبي الدرداء سنة ٣٢ هـ.
قال ابن حجر في ترجمة رجاء بن حيوة "تهذيب التهذيب" (٣/٢٢٩) : " روايته عن أبي الدرداء مرسلة " انتهى.
وقال الذهبي ﵀ عن هذا الحديث: " إسناده منقطع " انتهى.
"المهذب في اختصار السنن الكبرى للبيهقي" (٨/٣٩٧٥) .
وكذا قال المعلمي ﵀ في "الأنوار الكاشفة" (٣٠١) .
٢- عن سلمان الفارسي ﵁، بلفظ: (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ السَّمنِ وَالجبنِ والفِراءِ فَقَالَ: الحَلالُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كِتَابِه، وَمَا سَكَتَ عَنهُ فَهوَ مِمَّا عَفَا عَنهُ) أخرجه الترمذي (١٧٢٦) وابن ماجه (٣٣٦٧) والحاكم في المستدرك (٤/١٢٩) ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٩/٣٢٠) (١٠/١٢) ، وأخرجه الطبراني في الكبير (٦/٢٥٠) من طريق سيف بن هارون البرجمي عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان به.
قال المزي في "تهذيب الكمال" (٨/٢٥٥) : " فيه سيف بن هارون، قال ابن معين: ليس بذاك وقال النسائي: ضعيف، وقال الدارقطني: ضعيف متروك " انتهى.
وقال الترمذي: " وهذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وروى سفيان وغيره عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قوله، وكأن الحديث الموقوف أصح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظا، روى سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان موقوفا، قال البخاري: وسيف بن هارون مقارب الحديث " انتهى.
وقال ابن أبي حاتم في "علل الحديث" (٢/١٠) :
" قال أبي: هذا خطأ، رواه الثقات عن التيمي عن أبي عثمان عن النبي ﷺ مرسل ليس فيه سلمان، وهو الصحيح " انتهى.
وقال أحمد: منكر، وأنكره ابن معين أيضا.
كذا نقله ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (٢/٦٩) .
وقال الشيخ الألباني في "التعليقات الرضية" (٣/٥٤) :
" إسناده ضعيف جدا، ولكن معناه صحيح ثابت " انتهى.
٣- عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعتدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشيَاءَ فَلا تَنتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَن أَشيَاءَ رَحمَةً لَكم مِن غَيرِ نِسيانٍ فَلا تَبحَثُوا عَنهَا)
رواه جماعة من أهل العلم كلهم من طريق داود بن أبي هند عن مكحول عن أبي ثعلبة به.
واختلف على داود بن أبي هند:
فرواه حفص بن غياث موقوفا عليه كما عند البيهقي (١٠/١٢) وتابعه يزيد بن هارون على وقفه كما ذكره الدارقطني في "العلل" (٦/٣٢٤) .
ورواه علي بن مسهر مرفوعا عند البيهقي في الكبرى (١٠/١٢) وكذا إسحاق الأزرق عند الدارقطني (٤/١٨٤) ومحمد بن فضيل كما ذكر ذلك الدارقطني في "العلل" (٦/٣٢٤) .
قال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (٢/٦٨) :
" له علتان:
إحداها: أن مكحولا لم يصح له السماع عن أبي ثعلبة، كذلك قال أبو شهر الدمشقي وأبو نعيم الحافظ وغيرهما.
الثانية: أنه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة، ورواه بعضهم عن مكحول من قوله، لكن قال الدارقطني "العلل" (٦/٣٢٤) : الأشبه بالصواب المرفوع، قال: وهو أشهر " انتهى.
وقال ابن حجر: " رجاله ثقات إلا أنه منقطع " انتهى. "المطالب العالية" (٣/٢٧١) .
وقال الذهبي: " منقطع " انتهى. "المهذب" (٨/٣٩٧٦) .
وقل الألباني: " في إسناده انقطاع " انتهى. "تحقيق رياض الصالحين" (١٨٤١) .
والحاصل: أن أسانيد هذا الحديث لا تخلو من ضعف، ولكن هل يمكن أن تتقوى بمجموعها؟
ذهب بعض أهل العلم إلى ذلك، فقد حسن النووي حديث أبي ثعلبة كما في الأذكار (٥٠٥) ، وصححه ابن القيم في إعلام الموقعين (١/٢٢١) وابن كثير في تفسيره (١/٤٠٥) وقال الألباني في تحقيق الإيمان لابن تيمية (٤٣) : حسن بشاهده.
وحسَّن الألباني حديث سلمان الفارسي في صحيح الترمذي (١٧٢٦) وقال في المشكاة (٤١٥٦) : صحيح موقوفا، يمكن تحسينه بشاهده مرفوعا.
لكن ذهب آخرون إلى أن الضعف الشديد الذي في طرق هذا الحديث يمنع تقوية الحديث بمجموع طرقه، فحديث أبي الدرداء انقطاعه بيِّن ظاهر، وحديث سلمان الفارسي رفعه خطأ منكر، وحديث أبي ثعلبة منقطع ومختلف في رفعه.
وقد صح هذا الأثر عن ابن عباس ﵄ من كلامه. أخرجه أبو داود (٣٨٠٠) ، قال ابن كثير في إرشاد الفقيه (١/٣٦٧) : إسناده صحيح.
وصححه الألباني في صحيح أبي داود ومشكاة المصابيح (٤٠٧٤) .
كما أن معنى الحديث الإجمالي مقرر في قواعد الدين وأصوله، ومحل استشهاد وقبول عند أهل العلم.
قال ابن العربي في "عارضة الأحوذي" (٤/١٨٥) : " معنى هذا الحديث ثابت في الصحيح " انتهى.
وقال أبو بكر بن السمعاني: " هذا الحديث أصل كبير من أصول الدين وفروعه، قال: وحكي عن بعضهم أنه قال: ليس في أحاديث رسول الله ﷺ حديث واحد أجمع بانفراده لأصول الدين وفروعه من حديث أبي ثعلبة " انتهى.
"جامع العلوم والحكم" (٢/٧٠) .
وللاستزادة من معنى الحديث وشرحه انظر: شرح ابن رجب على هذا الحديث في "جامع العلوم والحكم" شرح الحديث الثلاثون (٢/٦٨-٨٧) .
ثانياً:
ينبغي التنبه إلى أن حكم بعض العلماء بالصحة أو الضعف على حديث معين، قد يكون المقصود به طريقاً معينة من طرق الحديث وليس حكماً على الحديث بكل طرقه، بمعنى أن العالم قد يحكم على إحدى الطرق بالضعف مثلا، ثم يحكم في مكان آخر على طريق أخرى للحديث نفسه بالصحة، وليس ذلك تناقضاً وإنما اختلفت الطريق المحكوم عليها، وهذا هو الذي وقع من الشيخ الألباني في كلامه على الحديث الذي معنا، أنه صححه من رواية أبي الدرداء، وضعف إسناده من رواية سلمان الفارسي لكنه حسنه بشاهده أي هو حسن لغيره عنده، وليس ذلك تناقضاً بل تفصيل يقتضيه علم الحديث.
والواجب على المسلم اتباع الحق فيما يظهر له بعد البحث والاجتهاد، فإن لم يكن له وسع في الاجتهاد اكتفى بتقليد من يثق بعلمه وأمانته من أهل العلم المشهورين، ولا يلتفت إلى غيره، وهذا يعم المسائل الحديثية والفقهية.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1888
الحديث المتواتر
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الحديث المتواتر في الإسلام؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تعريف الحديث المتواتر في اللغة: مشتق من التواتر، بمعنى التتابع، قال تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تتْرَى) المؤمنون / ٤٤
واصطلاحا: ما رواه جمع لا يمكن تواطؤهم وتوافقهم على الكذب عن مثلهم، ومستند خبرهم الحس.
وقد ذكر العلماء أربعة شروط للحديث المتواتر:
١ – أن يرويه عدد كثير.
٢ – أن يكون عدد رواته بحيث تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.
٣ – أن تكون كثرة الرواة في جميع طبقات السند، فيرويه عدد كثير عن عدد كثير حتى ينتهي إلى النبي ﷺ .
٤ – أن يكون مستند خبرهم الحس، فيقولوا سمعنا أو رأينا، لأن ما لا يكون كذلك يحتمل أن يدخل فيه الغلط فلا يكون متواتراً
وأما أقسامه فأربعة:
١ – التواتر اللفظي. وهو ما تواتر لفظه ومعناه.
مثاله: " مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ "
رواه البخاري (١٠٧) ، ومسلم (٣) ، وأبو داود (٣٦٥١) ، والترمذي (٢٦٦١) ، وابن ماجه (٣٠، ٣٧) ، وأحمد (٢/١٥٩) .
وهذا الحديث رواه أكثر من اثنين وسبعين صحابيا، وعنهم جمع غفير لا يمكن حصرهم.
٢ – التواتر المعنوي. وهو ما تواتر معناه دون لفظه.
مثاله: أحاديث رفع اليدين عند الدعاء، فقد ورد عن النبي ﷺ نحو مئة حديث، كل منها فيه أنه ﷺ رفع يديه في الدعاء، وقد جمعها السيوطي في جزء سماه: " فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء ".
وأما حكمه: فالخبر المتواتر يجب تصديقه ضرورة، لأنه مفيد للعلم القطعي الضروري؛ وإن لم يدل عليه دليل آخر، ولا حاجة إلى البحث عن أحوال رواته، وهذا أمر لا يستريب فيه عاقل.
المراجع:
- نزهة النظر للحافظ ابن حجر
- الحديث المتواتر. د/ خليل ملا خاطر
- الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به، للشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير.
- معجم مصطلحات الحديث ولطائف الأسانيد، للدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1889
هل صحيح أنه لا توجد أي رواية ضعيفة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما عدد الروايات للحديث مقارنة بعدد الرواة. وهل هو صحيح أنه لا توجد أي رواية ضعيفة مع وجود عدد كبير من الرواة الضعاف؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يصعب عقد مقارنة بين عدد الروايات وعدد الرواة؛ لأن الحديث الواحد قد يرويه جماعة من الرواة، كما أن الراوي قد يروى عددا من الأحاديث.
والقول بأنه لا توجد رواية ضعيفة، قول عار عن الصحة، فإن حال الراوي ومنزلته في العدالة والضبط والحفظ، له أثر في الحكم على مروياته.
ونحن نضرب لك أمثلة على ذلك:
الأول: حديث " اقرؤوا يسن على موتاكم" رواه أبو داود وابن ماجه، من طريق سليمان التيمي عن أبي عثمان عن أبيه عن معقل بن يسار.
والحديث ضعيف لجهالة أبي عثمان، وجهالة أبيه. [انظر: إرواء الغليل ٣/١٥٠ رقم ٦٨٨] .
الثاني: حديث " لا يفرق بين والدة وولدها " رواه البيهقي، من حديث حسين بن عبد الله بن ضمرة عن أبيه عن جده. قال النووي ﵀: (وهو حديث ضعيف، وحسين بن عبد الله هذا مجمع على ضعفه) المجموع ٩/٤٤٥
فهذه الأحاديث ضعفت لضعف رواتها.
وقد يكون السند ضعيفا، ويصح الحديث؛ لوروده من طريق آخر صحيح.
كما أنه قد يصح السند، ويضعف المتن، لعلة فيه.
وهذا علم واسع يحتاج إلى دراسة وممارسة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1890
هل وقت النّزول الإلهي هو السدس الخامس من الليل، أو ثلث الليل الأخير كله؟
[السُّؤَالُ]
ـ[اطّلعت على الفتاوي أرقام: ٣٤٨١٠ و ٢٢٤٣٨ وفهمت أن ثلث الليل الأخير هو وقت السّحر هو وقت النّزول الإلهي وقد ورد بالتّحديد في الفتوى رقم ٣٤٨١٠: "وأول الثلث وآخره يعرف في كل زمان بحسبه فإذا كان الليل تسع ساعات كان أول وقت النزول أول الساعة السابعة إلى طلوع الفجر". وهذا ينطبق علينا تماماً حيث أن آذان المغرب عند السّاعة الثّامنة وآذان الفجر عند السّاعة الخامسة أي أن طول الليل ٩ ساعات فيكون وقت النّزول ابتداءً من السّاعة الثّانية وحتى السّاعة الخامسة حسب الفتوى رقم ٣٤٨١٠. ولكني قرأت في الفتوى رقم ١٣٢٩٥٠ أن وقت جوف الليل الآخر هو وقت النّزول وهو السّدس الخامس من أسداس الليل: (قال الحافظ ابن رجب: " جوف الليل إذا أُطلق فالمراد به: وسطه، وإن قيل: جوف الليل الآخر، فالمراد به وسط النصف الثاني، وهو السدس الخامس من أسداس الليل، وهو الوقت الذي ورد فيه النزول الإلهي " انتهى "جامع العلوم والحكم" صـ ٢٧٣) . فيكون وقت النّزول في مدينتنا حسب الفتوى السّابقة ابتداءً من السّاعة الثّانية وحتى السّاعة الثّالثة والنّصف (السّدس الخامس من أسداس الليل) . فمتى وقت النّزول الإلهي: هل هو وقت جوف الليل الآخر، أم ثلث الليل الأخير كله؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
روى البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) .
وقد تظاهرت الروايات على تحديد وقت النزول الإلهي إلى السماء الدنيا بـ "ثلث الليل الآخر"، كالذي ورد هنا في حديث أبي هريرة ﵁. قال الإمام الترمذي ﵀: " وهو أصح الروايات". "سنن الترمذي" (٢/٣٠٩) .
ولا يمنع ذلك أن يقال: إن السدس الخامس من أسداس الليل هو وقت النزول الإلهي؛ فإن الثلث الأخير هو عبارة عن السدسين: الخامس والسادس، وأول هذا الثلث هو السدس الخامس؛ فلذلك يصح أن يقال: إن وقت النزول هو الثلث الأخير، وهو أيضا: السدس الخامس.
فإذا عرفنا أن بعض الروايات صرحت بامتداد ذلك النزول إلى الفجر؛ كما في رواية لمسلم (٧٥٨) : (فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ) ؛ ازداد الأمر وضوحا، وعرفنا أن النزول يبدأ في الثلث الآخر من الليل، وهو أيضا: السدس الخامس، ليشمل السدس السادس ـ أيضا ـ بعده.
على أنه قد يقال: إنه إذا كان لهذا السدس الخامس خصوصية؛ فلعله أن يكون أرجى أوقات الإجابة في الليل، كما في الحديث عن أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: (جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ) رواه الترمذي (٣٤٩٩) وحسنه الألباني.
هذا مع أن غير واحد من أهل العلم يعبرون عن جوف الليل الآخر بأنه الثلث الآخر، وأنه ـ أيضا ـ السدس الخامس، لما قد ذكرناه فيما سبق من أن السدس الخامس هو أول ذلك الثلث.
قال الخطابي ﵀:
" قوله (أي الساعات أسمع) ، يريد: أيها أوقع للسمع، والمعنى أيها أولى بالدعاء، وأرجى للاستجابة؟ وهذا كقول ضماد الأزدي، حين عرض عليه رسول الله الإسلام، قال: فسمعت كلاما لم أسمع قولا قط أسمع منه؛ يريد أبلغ منه ولا أنجع في القلب.
وجوف الليل الآخر: إنما هو الجزء الخامس من أسداس الليل، وهذا موافق للحديث الذي يروى أن الله يمهل حتى يبقى الثلث الآخر من الليل فينزل إلى السماء الدنيا فيقول هل من سائل فيعطى هل من تائب فيغفر له " انتهى. "غريب الحديث"، للخطابي (١/١٣٤) .
وقال ابن الأثير ﵀:
" وفيه: (قِيل له: أيُّ اللَّيل أسْمَعُ؟ قال: جَوْف الليل الآخِرُ) ، أي: ثُلثُه الآخِرُ، وهو الجُزء الخامِس من أسداس الليل " انتهى. "النهاية" (١/٨٤١) .
وقال المرتضى الزبيدي ﵀:
" وجَوْفُ اللَّيْلِ: الآخِرُ في الحَدِيثِ وهو قَوْلُهُ ﷺ لَمَّا سُئِلَ: أَي اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ قال: (َوْفُ اللَّيْلِ الآخِرِ) أَي: ثُلُثُةُ الآخِرُ، وهو الجُزْءُ الْخَامِسُ مِن أَسْدَاسِ اللَّيْلِ؛ أَي لا نِصْفُه كما زَعَمَهُ بَعْضُهم " انتهى. "تاج العروس" (٢٣/١٠٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1891
تفسير حديث (لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين)
[السُّؤَالُ]
ـ[أولا أود أن أشكرك على ما تقدمه من عمل وجهد على هذا الموقع، فلقد استفدت منه كثيرا، والحمد لله، وجزاك الله خيرا. سؤالي يتعلق بحديث قرأته في تفسير ابن كثير، في تفسيره للآية الواحدة والخمسين من سورة القلم، والحديث يقول: (نَعَمْ فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ يَسْبِقُ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْن) وسؤالي هو: إذا كان الله قد قدر لكل مخلوق ما سيكون، وحفظ ذلك في اللوح المحفوظ، وأن ما قدره سيحدث بكل تأكيد، فكيف تتفوق العين الشريرة على القدر؟ هل المقصود من هذا هو التأكيد على قوة العين الشريرة؟ أرجو أن يكون السؤال واضحا. وجزاك الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث رواه الإمام مسلم (٢١٨٨) في صحيحه عن عبد الله بن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ) .
وروى الترمذي (٢٠٥٩) عن أسماء بنت عميس ﵂ قالت: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ الْعَيْنُ أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ) وصححه ابن عبد البر في "الاستذكار" (٧/٤٠٩) ، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٢٥٢) .
وليس في هذا الحديث ما يدل على معارضة العين لقدر الله ، بل هي من القدر، وكل ما يصيب الناس من مصائب وابتلاءات إنما هي من أقدار الله، ولكن الحديث جرى مجرى المبالغة في إثبات أثر العين، كي يندفع ما في قلوب بعض الناس من الشك في تأثير العين على الإنسان، ففي هذا الحديث إثبات أثر العين، وتأكيد ذلك بأسلوب المبالغة في سرعة التأثير وقوته، وفيه أيضا إثبات أن العين من قدر الله.
قال القرطبي ﵀:
" (ولو كان شيء سبق القدر لسبقته العين) : هذا تحقيق لإصابة العين، ومبالغة فيه تجري مجرى التمثيل، لا أنه يمكن أن يرد القدر شيء، فإن القدر عبارة عن سابق علم الله تعالى ونفوذ مشيئته، ولا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وإنما هذا خرج مخرج قولهم: لأطلبنك ولو تحت الثرى. أو: لو صعدت إلى السماء، ونحوه مما يجري هذا المجرى، وهو كثير" انتهى بتصرف يسير.
"المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم" (٥/٥٦٦) .
وقال ابن عبد البر ﵀:
"وفي قوله ﷺ : (لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين) دليل على أن المرء لا يصيبه إلا ما قدر له، وأن العين لا تسبق القدر، ولكنها من القدر" انتهى.
"التمهيد" (٦/٢٤٠) .
وقال أيضا ﵀:
"وفي قوله: (لو سبق شيء القدر لسبقته العين) دليل على أن الصحة والسقم قد علمهما الله تعالى، وما علم فلا بد من كونه على ما علمه، لا يتجاوز وقته، ولكن النفس تسكن إلى العلاج والطب والرقى وكل سبب من أسباب قدر الله وعلمه" انتهى.
"الاستذكار" (٨/٤٠٣) .
وقال القاضي عياض ﵀:
" (لو سبق شيء القدر سبقته العين) : بيان أن لا شيء إلا ما قدره الله، وأن كل شيء من عين وغيره إنما هو بقدر الله ومشيئته، لكن فيه صحة أمر العين وقوة دائه" انتهى.
"إكمال المعلم" (٧/٨٥) .
قال النووي ﵀:
" (ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين) فيه إثبات القدر، وهو حق بالنصوص وإجماع أهل السنة، ومعناه أن الأشياء كلها بقدر الله تعالى، ولا تقع إلا على حسب ما قدرها الله تعالى، وسبق بها علمه، فلا يقع ضرر العين ولا غيره من الخير والشر إلا بقدر الله تعالى" انتهى.
"شرح مسلم" (١٤/١٧٤) .
وقال أبو الوليد الباجي ﵀:
" (لو سبق القدر شيء لسبقته العين) يقتضي أنه لا يسبق اقدر شيء ... لكن لما كان تأثير العين تأثيرا متواليا بينا قال فيه ﷺ هذا القول على معنى المبالغة فيه" انتهى.
"المنتقى شرح الموطأ" (٧/٢٥٨) .
وقال الحافظ ابن حجر ﵀:
"جرى الحديث مجرى المبالغة في إثبات العين، لا أنه يمكن أن يرد القدر شيء، إذ القدر عبارة عن سابق علم الله، وهو لا راد لأمره، أشار إلى ذلك القرطبي، وحاصله: لو فرض أن شيئا له قوة بحيث يسبق القدر لكان العين، لكنها لا تسبق، فكيف غيرها؟! " انتهى.
"فتح الباري" (١٠/٢٠٣-٢٠٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1892
من الأحاديث الصحيحة الواردة في ذم الأسواق
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو إرسال الحديث الخاص بالسوق، وهل أمر النبي ﷺ بالابتعاد عن الأسواق؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأحاديث والآثار الصحيحة الواردة في ذم الأسواق ثابتة في كتب السنة الصحيحة، ومن ذلك:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا) رواه مسلم (٦٧١) ، وتروى في مناسبة هذا الحديث قصة طويلة، لكنها موضوعة لا تصح، انظر "السلسلة الضعيفة" (٦٥٠٠) .
قال النووي ﵀:
"لأنها محل الغش، والخداع، والربا، والأيمان الكاذبة، وإخلاف الوعد، والإعراض عن ذكر الله، وغير ذلك مما في معناه، والمساجد محل نزول الرحمة، والأسواق ضدها" انتهى باختصار.
"شرح مسلم" (٥/١٧١) .
وقال سلمان الفارسي ﵁: (لَا تَكُونَنَّ إِنْ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ) رواه مسلم (٢٤٥١) .
وقال ميثمٌ - رجلٌ من أصحاب النبي ﷺ : (بَلَغَنِي أَنَّ المَلَكَ يَغْدُو بِرَايَتِهِ مَعَ أَوَّلِ مَنْ يَغْدُو إِلى المَسْجِدِ، فَلَا يَزَالُ بِهَا مَعَهُ حَتَّى يَرْجِعَ، فَيَدْخُلَ بِهَا مَنْزِلَهُ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَغْدُو بِرَايَتِهِ مَعَ أَوَّلِ مَنْ يَغْدُو إِلى السُّوقِ) رواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٥/١٨٣) وقال ابن حجر: "موقوف صحيح السند" انتهى. "الإصابة" (٣/٤٩٦) ، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب".
قال ابن بطال ﵀:
"هذا إنما خرج على الأغلب؛ لأن المساجد يذكر فيه اسم الله تعالى، والأسواق قد غلب عليها اللغط واللهو والاشتغال بجمع المال، والكَلَب على الدنيا من الوجه المباح وغيره، وأما إذا ذُكر الله في السوق فهو من أفضل الأعمال" انتهى.
"شرح صحيح البخاري" (٦/٢٤٩) .
وقال القرطبي ﵀:
"في هذه الأحاديث ما يدل على كراهة دخول الأسواق، لا سيما في هذه الأزمان التي يخالط فيها الرجال النسوان، وهكذا قال علماؤنا، لما كثر الباطل في الأسواق وظهرت فيها المناكر: كره دخولها لأرباب الفضل والمقتدى بهم في الدين، تنزيها لهم عن البقاع التي يعصى الله فيها، فحق على من ابتلاه الله بالسوق أن يخطر بباله أنه قد دخل محل الشيطان ومحل جنوده، وأنه إن أقام هناك هلك، ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على قدر ضرورته، وتحرز من سوء عاقبته وبليته" انتهى.
"الجامع لأحكام القرآن" (١٣/١٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1893
هل صح حديث: (لقد جئتكم بالذبح) ، وما توجيه معناه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن من فضلك أن تعلق لي على هذا الحديث وعلى إسناده؟ هل قال الرسول ﷺ لقريش إنه جاءهم ليذبحهم؟ وكيف لنا أن نفهم هذا الحديث؟ وما هو معنى الحديث؟ أرجو منكم أن تشرحوا لأنني أجد الحديث محيراً جداً بالنسبة إلي. ونص الحديث يقول: (لقد جئتكم بالذبح) وقد ترجم الحديث من قبل الشيخ: عبد السلام الشامي: قال يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: وحدثني يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه عروة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابت من رسول الله فيما كانت تظهر من عداوته؟ قال حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ ، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفَّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا. قال: فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فلما أن مر بهم غمزوه ببعض ما يقول، قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، ثم مر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فقال: تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح؛ فأخذت القوم كلمته حتى ما فيهم رجل إلا كأن على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وطأة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول؛ حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولاً. فانصرف ﷺ ، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله ﷺ ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا - لِما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم – قال: فيقول رسول الله ﷺ : نعم أنا الذي أقول ذلك. قال: فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه. قال: وقام أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه دونه يقول - وهو يبكي -: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله. ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً بلغت منه قط. رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث رواه أحمد في " المسند " (١١/٦٠٩) طبعة مؤسسة الرسالة من رواية الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وحسنه المحققون، والشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند أيضا، وحسنه الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٦/١٩) ، وكذا الشيخ الألباني في " صحيح الموارد " (١٤٠٣) .
وجاء في رواية الإمام البخاري (٣٦٧٨) لأصل القصة أن عروة بن الزبير ﵀ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنْ أَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ: رَأَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَوَضَعَ رِدَاءَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَفَعَهُ عَنْهُ فَقَالَ: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ) .
وروي أن الرسول ﷺ قال لهم: (أما والله لا تنتهوا حتى يحل بكم عقابه عاجلاً. – وبعد ذلك قال لأصحابه ﷺ : أبشروا فإن الله مظهر دينه، ومتم كلمته، وناصر نبيه، إن هؤلاء الذين ترون ممن يذبح الله بأيديكم عاجلاً) .
عزاه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (٧/١٦٨) للزبير بن بكار، والدارقطني في " الأفراد " وأشار إلى ضعف هذه الرواية.
وانظر "فتح الباري" (٧/١٦٦-١٧٠) للوقوف على روايات الحديث.
وهذا اللفظ: (جئتكم بالذبح) له معنى صحيح بلا شك، ولا ينبغي أن يثير الحيرة في نفس السائل ولا في نفس أي عاقل، فالمقصود بالذبح هم أشخاص معينون محدودون، وهم أولئك الذين يصرون على الكفر بالله، وعلى حرب الإسلام وأهله، واضطهاد المستضعفين، والتسلط على النساء والشيوخ من المؤمنين، لفتنتهم عن دينهم، وفرض مبادئهم وأفكارهم بالدم والتعذيب والتنكيل، هؤلاء هم الذين قتلوا أصحاب رسول الله ﷺ شر تقتيل، طعنوا سمية زوجة ياسر في عفتها، وقتلوا ياسر في شيخوخته، وعذبوا بلالاً بالرمضاء، وهموا بقتل خير الخلق محمد ﷺ ، ولم يتركوا أسلوباً من أساليب التعذيب والظلم إلا مارسوه على هذه الفئة المؤمنة، حتى اضطروهم إلى الهجرة إلى الحبشة، مكفكفين جراحهم، ومتحملين آلامهم، لعلهم يجدون لدى ملك الحبشة طعم الراحة والأمان.
هذا بعض ما فعلته هذه الفئة من مجرمي كفار قريش مع المؤمنين، أما عن تطاولهم على رب العباد فذلك شأن آخر، حكاه الله عنهم في عشرات الآيات في القرآن الكريم. ألا يستحق هؤلاء – بعدئذ - القتل دفعا لشرهم، وتخليصا للعباد من آذاهم.
أليس من الحكمة والعقل مجابهتهم – في بعض الأحيان – بالقوة والتهديد والوعيد، وذلك حين يطفح الكيل من مكرهم وظلمهم؟
لماذا يحتار العاقل في قبول تهديد النبي ﷺ لهم بالعقوبة العاجلة من الله ، وهم أجدر بها، وأحق بها من قوم عاد وثمود وسائر الأنبياء الذين عرفنا عدوانهم على الأنبياء والمؤمنين في القرآن الكريم؟!
ألهذا الحد ينسى العاقل ما فعله هؤلاء المجرمون بالمؤمنين المستعضفين، وينسى أيام العذاب والهوان التي ذاقوها مما يتقطع له قلب كل إنسان وهو يقرأ صفحاتها، ثم يتعاطف مع الجلادين – وهم صناديد كفار قريش – لأن النبي ﷺ هددهم بالقتل والذبح مرة من المرات.
أهكذا تقاس الأمور في موازين العقول؟!
وإذا لبَّس الحاقدون على الناس، فاجتزؤوا هذه الكلمة من سياقها، وأرادوا أن يظهروا النبي ﷺ سفاكاً للدماء، محباً للموت والقتل، فلا يجوز أن ينطلي ذلك على العقلاء من المسلمين ومن غير المسلمين، بل الواجب التعامل مع هذه الحادثة، وكذلك كل حادثة بمقياسين مهمين رئيسيين:
١- السياق الذي جاءت به، ونوع المخاطبين بها، والحادثة التي تفسرها وتبين المقصود منها.
٢- النظر في جميع النصوص المتعلقة بالموضوع، والتي من خلالها يمكن الوصول إلى فهم نظرة الإسلام إلى المسألة، وليس من خلال نص واحد فقط.
ومن لم يفعل ذلك ضلَّ وتاه، وباع عقله وفكره لكل ناعق بشبهة، ولكل من يحسن الوسوسة بالشر والفساد.
ونقول أيضاً:
كيف تُصَدَّقُ دعوى مَن يدَّعي أن الإسلام جاء بقتل من لم يتبعه مطلقاً، وقد علم الناس جميعاً علم اليقين أن النبي ﷺ عفا عن أهل مكة بعد أذاهم الشديد له فجاءه ملك الجبال ليطبق عليهم الأخشبين (جبلان بمكة) ، فقال ﷺ : (أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) رواه البخاري (٣٢٣١) ومسلم (١٧٩٥) ، وعفا أيضاً ﷺ عن كفار قريش الذين ظلموا المؤمنين وأكلوا أموالهم بعد فتح مكة، بل وأكرم بعض كبرائهم رجاء حسن إسلامهم، وذلك حين قال – يوم فتح مكة -: (مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ) رواه مسلم (٣٣١) ؟!
كيف تُصدَّق هذه الدعوى وقد شرع الله تعالى لنا قبول الجزية من أهل الأديان الأخرى، والموافقة على بقائهم في حماية دولة الإسلام وكفالتها؟!
كيف تُصدَّق هذه الدعوى وقد علمنا يقيناً كيف قبل النبي ﷺ الصلح مع يهود المدينة، وتعايش معهم رجاء أن يحفظوا العهد ولا يخونوا، ولم يقاتل أحداً منهم حتى كانوا هم البادئين بالغدر والخيانة؟!!
ألم يقل رب العزة شارحاً مقاصد البعثة والرسالة في كلمة واحدة عن نبينا محمد ﷺ : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء/١٠٧.؟!!
بل قال أيضاً: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) الأنعام/١٤٧.
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
"يقول تعالى: فإن كذّبك - يا محمد - مخالفوك من المشركين واليهود ومن شابههم، فقل: (رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) ، وهذا ترغيب لهم في ابتغاء رحمة الله الواسعة واتباع رسوله، (وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) ترهيب لهم من مخالفتهم الرسول خاتم النبيين " انتهى.
" تفسير القرآن العظيم " (٣/٣٥٧)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ! قَالَ: (إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً) رواه مسلم (٢٥٩٩) .
نرجو أن يكون في هذه الكلمات ذكرى نافعة يزيل الله بها عن الأخ السائل حيرته في معنى هذا الحديث.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1894
ما معنى في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[اللهم متعنا بالنظر لوجهك الكريم، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة. ما معنى هذا الدعاء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الدعاء يرويه الصحابي الجليل عمار بن ياسر ﵁، فيقول:
(أَمَا إِنِّي قَدْ دَعَوْتُ فِيهِمَا – يعني في الركعتين - بِدُعَاءٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو بِهِ: اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَمِنْ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ)
رواه أحمد في " المسند " (٣٠/٢٦٥) وصححه محققو طبعة مؤسسة الرسالة، ورواه النسائي في " السنن " (رقم/١٣٠٥) : وفي لفظه بعض الزيادة:
(أَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ) وصححه الشيخ الألباني في " صحيح النسائي " وكتب أخرى.
وقوله ﷺ (في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة) احتراز عن أن يكون الشوق إلى لقاء الله سببه ضرر أو فتنة لحقت بالعبد، بل يسأل الله شوقا إليه، سبَبُهُ حبه ، ورجاءُ ما عنده من الفضل.
وقد شرح الحافظ ابن رجب جملا من هذا الدعاء في رسالة بعنوان: " شرح حديث لبيك الله لبيك " (ص/٩٥) ، فكان مما قاله:
" وإنما قال: (من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة) لأن الشوق إلى لقاء الله يستلزم محبة الموت، والموت يقع تمنيه كثيرا من أهل الدنيا بوقوع الضراء المضرة في الدنيا، وإن كان منهيا عنه في الشرع، ويقع من أهل الدين تمنيه لخشية الوقوع في الفتن المضلة، فسأل تمني الموت خاليا من هذين الحالين، وأن يكون ناشئا عن محض محبة الله، والشوق إلى لقائه، وقد حصل هذا المقام لكثير من السلف، قال أبو الدرداء: أحب الموت اشتياقا إلى ربي. وقال أبو عتبة الخولاني: كان إخوانكم للقاء الله أحب إليهم من الشهد. وقالت رابعة: طالت عليَّ الأيام والليالي بالشوق إلى لقاء الله " انتهى.
ويقول الشوكاني ﵀ في شرح هذا الدعاء:
" قوله: (بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق) فيه دليل على جواز التوسل إليه تعالى بصفات كماله وخصال جلاله.
قوله: (أحييني) إلى قوله: (خيرا لي) هذا ثابت في الصحيحين من حديث أنس بلفظ: (اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي) وهو يدل على جواز الدعاء بهذا، لكن عند نزول الضرر، كما وقع التقييد بذلك في حديث أنس المذكور المتفق عليه، ولفظه: (قال: قال رسول الله ﷺ : لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيا فليقل: اللهم أحيني) إلى آخره.
قوله: (خشيتك في الغيب والشهادة) أي: في مغيب الناس وحضورهم؛ لأن الخشية بين الناس فقط ليست من الخشية لله، بل من خشية الناس.
قوله: (وكلمة الحق في الغضب والرضا) إنما جمع بين الحالتين؛ لأن الغضب ربما حال بين الإنسان وبين الصدع بالحق، وكذلك الرضا ربما قاد في بعض الحالات إلى المداهنة وكتم كلمة الحق.
قوله: (والقصد في الفقر والغنى) القصد في كتب اللغة بمعنى: استقامة الطريق والاعتدال، وبمعنى ضد الإفراط، وهو المناسب هنا؛ لأن بطر الغنى ربما جر إلى الإفراط.
وعدم الصبر على الفقر ربما أوقع في التفريط، فالقصد فيهما هو اطريقة القويمة.
قوله: (والشوق إلى لقائك) إنما سأله ﵌ لأنه من موجبات محبة الله للقاء عبده، لحديث: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه) ومحبة الله تعالى لذلك من أسباب المغفرة.
قوله: (مُضِرَّة) إنما قيد ﵌ بذلك لأن الضراء ربما كانت نافعة آجلا أو عاجلا، فلا يليق الاستعاذة منها.
قوله: (مُضِلَّة) وصفها ﵌ بذلك لأن من الفتن ما يكون من أسباب الهداية، وهذا بهذا الاعتبار مما لا يستعاذ منه. قال أهل اللغة: الفتنة الامتحان والاختبار " انتهى.
" نيل الأوطار " (٢/٣٣٣)
وينظر: " فيض القدير " للمناوي (٢/١٨٤-١٨٥) ، " فقه الأدعية والأذكار" (٣/١٦٠-١٦٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1895
هل يجب علي أن أذكر الله في كل مجلس ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى هذه الأحاديث الثلاثة: ١- (من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة , ومن اضطجع مضجعاً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة) ٢- (ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه , ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة , فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم) ٣- (ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان لهم حسرة) هل يعني هذا أني لا بد أن أذكر الله دائماً، وأصلي على الرسول ﷺ كلما تكلمت مع أي شخص، وأني لو لم أفعل أثمت؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تدل هذه الأحاديث وغيرها على استحباب إعمار المجالس بذكر الله تعالى، وقضاء الأوقات في النافع المفيد، كما تدل على التحذير من الوقوع فيما يؤدي إلى الندم يوم القيامة، لا نعني الندم بسبب الوقوع في المعاصي، بل الندم بسبب عدم الاستكثار من الخير الذي يرفع الدرجات، ويبلغ بالمؤمن أعلى المقامات.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
(مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ اللَّهِ تِرَةٌ، وَمَنْ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ اللَّهِ تِرَةٌ)
رواه أبو داود (٤٨٥٦) وبوب عليه بقوله: باب كراهية أن يقوم الرجل من مجلسه ولا يذكر الله. وروى نحوه ابن حبان في " صحيحه " (٣/١٣٣) وبوب عليه بقوله: ذكر استحباب الذكر لله جل وعلا في الأحوال، حَذَرَ أن يكون المواضع عليه ترة في القيامة.
وذكره المنذري في " الترغيب والترهيب " (٢/٢٦٢) تحت باب: " الترهيب من أن يجلس الإنسان مجلساً لا يذكر الله فيه، ولا يصلى على نبيه محمد ﷺ " انتهى.
ولفظ الترمذي للحديث: (مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ)
رواه الترمذي في السنن (رقم/٣٣٨٠) وبوب عليه بقوله: باب في القوم يجلسون ولا يذكرون الله. وقال عقب الرواية: هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ومعنى قوله: (ترة) : يعني حسرة وندامة " انتهى.
فقد استدل العلماء بهذه الأحاديث على كراهة أن تخلو المجالس من ذكر الله، وليس على تحريم ذلك، فالحسرة لا يلزم أن تكون بسبب ترك الواجبات، بل يمكن أن تقع بسبب ترك المستحبات التي ترفع إلى أعلى الدرجات، وقد جاء عن بعض السلف أنه قال: يعرض على ابن آدم يوم القيامة ساعات عمره، فكل ساعة لم يذكر الله فيها تتقطع نفسه عليها حسرات. كما نقل ذلك الحافظ ابن رجب في " جامع العلوم والحكم " (ص/١٣٥) .
وقوله في الحديث: (إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم) يدل بظاهره على وجوب الذكر في كل مجلس، لأن العذاب والمغفرة لا يكون إلا عن ذنب، إما بترك واجب، وإما بفعل محرم. قال ابن علان ﵀:
" (فإن شاء عذبهم) جزاء ما قصروا في ذلك بتركها (وإن شاء غفر لهم) ذلك النقص. وهذا يقتضي وجوب وجود الذكر والصلاة على النبي في المجلس، لأنه رتب العذاب على ترك ذلك وهو آية الوجوب، ولم أر من ذكر عنه القول بوجوب ذلك في كل مجلس، والحديث يقتضيه " انتهى. دليل الفالحين شرح رياض الصالحين (٦/١٢٧) .
والذي حمل أهل العلم الحديث عليه هو كراهة إخلاء المجلس من ذكر الله تعالى.
قال الإمام النووي ﵀:
" يكره لمن قعد في مكان أن يفارقه قبل أن يذكر الله تعالى فيه، لحديث أبي هريرة ن رسول الله صلي الله عليه وسلم ... وذكر الحديث " انتهى.
" المجموع " (٤/٤٧٧-٤٧٨) .
وأما المغفرة المذكورة فهي محمولة على ذنوب أخرى، أو على التشديد في ترك ذلك.
قال الملا علي القاري ﵀:
" (إن شاء عذبهم) أي: بذنوبهم السابقة وتقصيراتهم اللاحقة.. قال الطيبى: قوله فإن شاء عذبهم، من باب التشديد والتغليظ، ويحتمل أن يصدر من أهل المجلس ما يوجب العقوبة ".
"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (٨/٣٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →