Полный текст (16 344 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
تفسير حديث (لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين)
[السُّؤَالُ]
ـ[أولا أود أن أشكرك على ما تقدمه من عمل وجهد على هذا الموقع، فلقد استفدت منه كثيرا، والحمد لله، وجزاك الله خيرا. سؤالي يتعلق بحديث قرأته في تفسير ابن كثير، في تفسيره للآية الواحدة والخمسين من سورة القلم، والحديث يقول: (نَعَمْ فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ يَسْبِقُ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْن) وسؤالي هو: إذا كان الله قد قدر لكل مخلوق ما سيكون، وحفظ ذلك في اللوح المحفوظ، وأن ما قدره سيحدث بكل تأكيد، فكيف تتفوق العين الشريرة على القدر؟ هل المقصود من هذا هو التأكيد على قوة العين الشريرة؟ أرجو أن يكون السؤال واضحا. وجزاك الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث رواه الإمام مسلم (٢١٨٨) في صحيحه عن عبد الله بن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ) .
وروى الترمذي (٢٠٥٩) عن أسماء بنت عميس ﵂ قالت: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ الْعَيْنُ أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ) وصححه ابن عبد البر في "الاستذكار" (٧/٤٠٩) ، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٢٥٢) .
وليس في هذا الحديث ما يدل على معارضة العين لقدر الله ، بل هي من القدر، وكل ما يصيب الناس من مصائب وابتلاءات إنما هي من أقدار الله، ولكن الحديث جرى مجرى المبالغة في إثبات أثر العين، كي يندفع ما في قلوب بعض الناس من الشك في تأثير العين على الإنسان، ففي هذا الحديث إثبات أثر العين، وتأكيد ذلك بأسلوب المبالغة في سرعة التأثير وقوته، وفيه أيضا إثبات أن العين من قدر الله.
قال القرطبي ﵀:
" (ولو كان شيء سبق القدر لسبقته العين) : هذا تحقيق لإصابة العين، ومبالغة فيه تجري مجرى التمثيل، لا أنه يمكن أن يرد القدر شيء، فإن القدر عبارة عن سابق علم الله تعالى ونفوذ مشيئته، ولا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وإنما هذا خرج مخرج قولهم: لأطلبنك ولو تحت الثرى. أو: لو صعدت إلى السماء، ونحوه مما يجري هذا المجرى، وهو كثير" انتهى بتصرف يسير.
"المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم" (٥/٥٦٦) .
وقال ابن عبد البر ﵀:
"وفي قوله ﷺ : (لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين) دليل على أن المرء لا يصيبه إلا ما قدر له، وأن العين لا تسبق القدر، ولكنها من القدر" انتهى.
"التمهيد" (٦/٢٤٠) .
وقال أيضا ﵀:
"وفي قوله: (لو سبق شيء القدر لسبقته العين) دليل على أن الصحة والسقم قد علمهما الله تعالى، وما علم فلا بد من كونه على ما علمه، لا يتجاوز وقته، ولكن النفس تسكن إلى العلاج والطب والرقى وكل سبب من أسباب قدر الله وعلمه" انتهى.
"الاستذكار" (٨/٤٠٣) .
وقال القاضي عياض ﵀:
" (لو سبق شيء القدر سبقته العين) : بيان أن لا شيء إلا ما قدره الله، وأن كل شيء من عين وغيره إنما هو بقدر الله ومشيئته، لكن فيه صحة أمر العين وقوة دائه" انتهى.
"إكمال المعلم" (٧/٨٥) .
قال النووي ﵀:
" (ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين) فيه إثبات القدر، وهو حق بالنصوص وإجماع أهل السنة، ومعناه أن الأشياء كلها بقدر الله تعالى، ولا تقع إلا على حسب ما قدرها الله تعالى، وسبق بها علمه، فلا يقع ضرر العين ولا غيره من الخير والشر إلا بقدر الله تعالى" انتهى.
"شرح مسلم" (١٤/١٧٤) .
وقال أبو الوليد الباجي ﵀:
" (لو سبق القدر شيء لسبقته العين) يقتضي أنه لا يسبق اقدر شيء ... لكن لما كان تأثير العين تأثيرا متواليا بينا قال فيه ﷺ هذا القول على معنى المبالغة فيه" انتهى.
"المنتقى شرح الموطأ" (٧/٢٥٨) .
وقال الحافظ ابن حجر ﵀:
"جرى الحديث مجرى المبالغة في إثبات العين، لا أنه يمكن أن يرد القدر شيء، إذ القدر عبارة عن سابق علم الله، وهو لا راد لأمره، أشار إلى ذلك القرطبي، وحاصله: لو فرض أن شيئا له قوة بحيث يسبق القدر لكان العين، لكنها لا تسبق، فكيف غيرها؟! " انتهى.
"فتح الباري" (١٠/٢٠٣-٢٠٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1892
من الأحاديث الصحيحة الواردة في ذم الأسواق
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو إرسال الحديث الخاص بالسوق، وهل أمر النبي ﷺ بالابتعاد عن الأسواق؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأحاديث والآثار الصحيحة الواردة في ذم الأسواق ثابتة في كتب السنة الصحيحة، ومن ذلك:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا) رواه مسلم (٦٧١) ، وتروى في مناسبة هذا الحديث قصة طويلة، لكنها موضوعة لا تصح، انظر "السلسلة الضعيفة" (٦٥٠٠) .
قال النووي ﵀:
"لأنها محل الغش، والخداع، والربا، والأيمان الكاذبة، وإخلاف الوعد، والإعراض عن ذكر الله، وغير ذلك مما في معناه، والمساجد محل نزول الرحمة، والأسواق ضدها" انتهى باختصار.
"شرح مسلم" (٥/١٧١) .
وقال سلمان الفارسي ﵁: (لَا تَكُونَنَّ إِنْ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ) رواه مسلم (٢٤٥١) .
وقال ميثمٌ - رجلٌ من أصحاب النبي ﷺ : (بَلَغَنِي أَنَّ المَلَكَ يَغْدُو بِرَايَتِهِ مَعَ أَوَّلِ مَنْ يَغْدُو إِلى المَسْجِدِ، فَلَا يَزَالُ بِهَا مَعَهُ حَتَّى يَرْجِعَ، فَيَدْخُلَ بِهَا مَنْزِلَهُ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَغْدُو بِرَايَتِهِ مَعَ أَوَّلِ مَنْ يَغْدُو إِلى السُّوقِ) رواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٥/١٨٣) وقال ابن حجر: "موقوف صحيح السند" انتهى. "الإصابة" (٣/٤٩٦) ، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب".
قال ابن بطال ﵀:
"هذا إنما خرج على الأغلب؛ لأن المساجد يذكر فيه اسم الله تعالى، والأسواق قد غلب عليها اللغط واللهو والاشتغال بجمع المال، والكَلَب على الدنيا من الوجه المباح وغيره، وأما إذا ذُكر الله في السوق فهو من أفضل الأعمال" انتهى.
"شرح صحيح البخاري" (٦/٢٤٩) .
وقال القرطبي ﵀:
"في هذه الأحاديث ما يدل على كراهة دخول الأسواق، لا سيما في هذه الأزمان التي يخالط فيها الرجال النسوان، وهكذا قال علماؤنا، لما كثر الباطل في الأسواق وظهرت فيها المناكر: كره دخولها لأرباب الفضل والمقتدى بهم في الدين، تنزيها لهم عن البقاع التي يعصى الله فيها، فحق على من ابتلاه الله بالسوق أن يخطر بباله أنه قد دخل محل الشيطان ومحل جنوده، وأنه إن أقام هناك هلك، ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على قدر ضرورته، وتحرز من سوء عاقبته وبليته" انتهى.
"الجامع لأحكام القرآن" (١٣/١٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1893
هل صح حديث: (لقد جئتكم بالذبح) ، وما توجيه معناه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن من فضلك أن تعلق لي على هذا الحديث وعلى إسناده؟ هل قال الرسول ﷺ لقريش إنه جاءهم ليذبحهم؟ وكيف لنا أن نفهم هذا الحديث؟ وما هو معنى الحديث؟ أرجو منكم أن تشرحوا لأنني أجد الحديث محيراً جداً بالنسبة إلي. ونص الحديث يقول: (لقد جئتكم بالذبح) وقد ترجم الحديث من قبل الشيخ: عبد السلام الشامي: قال يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: وحدثني يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه عروة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابت من رسول الله فيما كانت تظهر من عداوته؟ قال حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ ، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفَّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا. قال: فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فلما أن مر بهم غمزوه ببعض ما يقول، قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، ثم مر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فقال: تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح؛ فأخذت القوم كلمته حتى ما فيهم رجل إلا كأن على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وطأة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول؛ حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولاً. فانصرف ﷺ ، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله ﷺ ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا - لِما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم – قال: فيقول رسول الله ﷺ : نعم أنا الذي أقول ذلك. قال: فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه. قال: وقام أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه دونه يقول - وهو يبكي -: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله. ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً بلغت منه قط. رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث رواه أحمد في " المسند " (١١/٦٠٩) طبعة مؤسسة الرسالة من رواية الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وحسنه المحققون، والشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند أيضا، وحسنه الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٦/١٩) ، وكذا الشيخ الألباني في " صحيح الموارد " (١٤٠٣) .
وجاء في رواية الإمام البخاري (٣٦٧٨) لأصل القصة أن عروة بن الزبير ﵀ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنْ أَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ: رَأَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَوَضَعَ رِدَاءَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَفَعَهُ عَنْهُ فَقَالَ: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ) .
وروي أن الرسول ﷺ قال لهم: (أما والله لا تنتهوا حتى يحل بكم عقابه عاجلاً. – وبعد ذلك قال لأصحابه ﷺ : أبشروا فإن الله مظهر دينه، ومتم كلمته، وناصر نبيه، إن هؤلاء الذين ترون ممن يذبح الله بأيديكم عاجلاً) .
عزاه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (٧/١٦٨) للزبير بن بكار، والدارقطني في " الأفراد " وأشار إلى ضعف هذه الرواية.
وانظر "فتح الباري" (٧/١٦٦-١٧٠) للوقوف على روايات الحديث.
وهذا اللفظ: (جئتكم بالذبح) له معنى صحيح بلا شك، ولا ينبغي أن يثير الحيرة في نفس السائل ولا في نفس أي عاقل، فالمقصود بالذبح هم أشخاص معينون محدودون، وهم أولئك الذين يصرون على الكفر بالله، وعلى حرب الإسلام وأهله، واضطهاد المستضعفين، والتسلط على النساء والشيوخ من المؤمنين، لفتنتهم عن دينهم، وفرض مبادئهم وأفكارهم بالدم والتعذيب والتنكيل، هؤلاء هم الذين قتلوا أصحاب رسول الله ﷺ شر تقتيل، طعنوا سمية زوجة ياسر في عفتها، وقتلوا ياسر في شيخوخته، وعذبوا بلالاً بالرمضاء، وهموا بقتل خير الخلق محمد ﷺ ، ولم يتركوا أسلوباً من أساليب التعذيب والظلم إلا مارسوه على هذه الفئة المؤمنة، حتى اضطروهم إلى الهجرة إلى الحبشة، مكفكفين جراحهم، ومتحملين آلامهم، لعلهم يجدون لدى ملك الحبشة طعم الراحة والأمان.
هذا بعض ما فعلته هذه الفئة من مجرمي كفار قريش مع المؤمنين، أما عن تطاولهم على رب العباد فذلك شأن آخر، حكاه الله عنهم في عشرات الآيات في القرآن الكريم. ألا يستحق هؤلاء – بعدئذ - القتل دفعا لشرهم، وتخليصا للعباد من آذاهم.
أليس من الحكمة والعقل مجابهتهم – في بعض الأحيان – بالقوة والتهديد والوعيد، وذلك حين يطفح الكيل من مكرهم وظلمهم؟
لماذا يحتار العاقل في قبول تهديد النبي ﷺ لهم بالعقوبة العاجلة من الله ، وهم أجدر بها، وأحق بها من قوم عاد وثمود وسائر الأنبياء الذين عرفنا عدوانهم على الأنبياء والمؤمنين في القرآن الكريم؟!
ألهذا الحد ينسى العاقل ما فعله هؤلاء المجرمون بالمؤمنين المستعضفين، وينسى أيام العذاب والهوان التي ذاقوها مما يتقطع له قلب كل إنسان وهو يقرأ صفحاتها، ثم يتعاطف مع الجلادين – وهم صناديد كفار قريش – لأن النبي ﷺ هددهم بالقتل والذبح مرة من المرات.
أهكذا تقاس الأمور في موازين العقول؟!
وإذا لبَّس الحاقدون على الناس، فاجتزؤوا هذه الكلمة من سياقها، وأرادوا أن يظهروا النبي ﷺ سفاكاً للدماء، محباً للموت والقتل، فلا يجوز أن ينطلي ذلك على العقلاء من المسلمين ومن غير المسلمين، بل الواجب التعامل مع هذه الحادثة، وكذلك كل حادثة بمقياسين مهمين رئيسيين:
١- السياق الذي جاءت به، ونوع المخاطبين بها، والحادثة التي تفسرها وتبين المقصود منها.
٢- النظر في جميع النصوص المتعلقة بالموضوع، والتي من خلالها يمكن الوصول إلى فهم نظرة الإسلام إلى المسألة، وليس من خلال نص واحد فقط.
ومن لم يفعل ذلك ضلَّ وتاه، وباع عقله وفكره لكل ناعق بشبهة، ولكل من يحسن الوسوسة بالشر والفساد.
ونقول أيضاً:
كيف تُصَدَّقُ دعوى مَن يدَّعي أن الإسلام جاء بقتل من لم يتبعه مطلقاً، وقد علم الناس جميعاً علم اليقين أن النبي ﷺ عفا عن أهل مكة بعد أذاهم الشديد له فجاءه ملك الجبال ليطبق عليهم الأخشبين (جبلان بمكة) ، فقال ﷺ : (أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) رواه البخاري (٣٢٣١) ومسلم (١٧٩٥) ، وعفا أيضاً ﷺ عن كفار قريش الذين ظلموا المؤمنين وأكلوا أموالهم بعد فتح مكة، بل وأكرم بعض كبرائهم رجاء حسن إسلامهم، وذلك حين قال – يوم فتح مكة -: (مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ) رواه مسلم (٣٣١) ؟!
كيف تُصدَّق هذه الدعوى وقد شرع الله تعالى لنا قبول الجزية من أهل الأديان الأخرى، والموافقة على بقائهم في حماية دولة الإسلام وكفالتها؟!
كيف تُصدَّق هذه الدعوى وقد علمنا يقيناً كيف قبل النبي ﷺ الصلح مع يهود المدينة، وتعايش معهم رجاء أن يحفظوا العهد ولا يخونوا، ولم يقاتل أحداً منهم حتى كانوا هم البادئين بالغدر والخيانة؟!!
ألم يقل رب العزة شارحاً مقاصد البعثة والرسالة في كلمة واحدة عن نبينا محمد ﷺ : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء/١٠٧.؟!!
بل قال أيضاً: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) الأنعام/١٤٧.
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
"يقول تعالى: فإن كذّبك - يا محمد - مخالفوك من المشركين واليهود ومن شابههم، فقل: (رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) ، وهذا ترغيب لهم في ابتغاء رحمة الله الواسعة واتباع رسوله، (وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) ترهيب لهم من مخالفتهم الرسول خاتم النبيين " انتهى.
" تفسير القرآن العظيم " (٣/٣٥٧)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ! قَالَ: (إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً) رواه مسلم (٢٥٩٩) .
نرجو أن يكون في هذه الكلمات ذكرى نافعة يزيل الله بها عن الأخ السائل حيرته في معنى هذا الحديث.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1894
ما معنى في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[اللهم متعنا بالنظر لوجهك الكريم، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة. ما معنى هذا الدعاء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الدعاء يرويه الصحابي الجليل عمار بن ياسر ﵁، فيقول:
(أَمَا إِنِّي قَدْ دَعَوْتُ فِيهِمَا – يعني في الركعتين - بِدُعَاءٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو بِهِ: اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَمِنْ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ)
رواه أحمد في " المسند " (٣٠/٢٦٥) وصححه محققو طبعة مؤسسة الرسالة، ورواه النسائي في " السنن " (رقم/١٣٠٥) : وفي لفظه بعض الزيادة:
(أَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ) وصححه الشيخ الألباني في " صحيح النسائي " وكتب أخرى.
وقوله ﷺ (في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة) احتراز عن أن يكون الشوق إلى لقاء الله سببه ضرر أو فتنة لحقت بالعبد، بل يسأل الله شوقا إليه، سبَبُهُ حبه ، ورجاءُ ما عنده من الفضل.
وقد شرح الحافظ ابن رجب جملا من هذا الدعاء في رسالة بعنوان: " شرح حديث لبيك الله لبيك " (ص/٩٥) ، فكان مما قاله:
" وإنما قال: (من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة) لأن الشوق إلى لقاء الله يستلزم محبة الموت، والموت يقع تمنيه كثيرا من أهل الدنيا بوقوع الضراء المضرة في الدنيا، وإن كان منهيا عنه في الشرع، ويقع من أهل الدين تمنيه لخشية الوقوع في الفتن المضلة، فسأل تمني الموت خاليا من هذين الحالين، وأن يكون ناشئا عن محض محبة الله، والشوق إلى لقائه، وقد حصل هذا المقام لكثير من السلف، قال أبو الدرداء: أحب الموت اشتياقا إلى ربي. وقال أبو عتبة الخولاني: كان إخوانكم للقاء الله أحب إليهم من الشهد. وقالت رابعة: طالت عليَّ الأيام والليالي بالشوق إلى لقاء الله " انتهى.
ويقول الشوكاني ﵀ في شرح هذا الدعاء:
" قوله: (بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق) فيه دليل على جواز التوسل إليه تعالى بصفات كماله وخصال جلاله.
قوله: (أحييني) إلى قوله: (خيرا لي) هذا ثابت في الصحيحين من حديث أنس بلفظ: (اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي) وهو يدل على جواز الدعاء بهذا، لكن عند نزول الضرر، كما وقع التقييد بذلك في حديث أنس المذكور المتفق عليه، ولفظه: (قال: قال رسول الله ﷺ : لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيا فليقل: اللهم أحيني) إلى آخره.
قوله: (خشيتك في الغيب والشهادة) أي: في مغيب الناس وحضورهم؛ لأن الخشية بين الناس فقط ليست من الخشية لله، بل من خشية الناس.
قوله: (وكلمة الحق في الغضب والرضا) إنما جمع بين الحالتين؛ لأن الغضب ربما حال بين الإنسان وبين الصدع بالحق، وكذلك الرضا ربما قاد في بعض الحالات إلى المداهنة وكتم كلمة الحق.
قوله: (والقصد في الفقر والغنى) القصد في كتب اللغة بمعنى: استقامة الطريق والاعتدال، وبمعنى ضد الإفراط، وهو المناسب هنا؛ لأن بطر الغنى ربما جر إلى الإفراط.
وعدم الصبر على الفقر ربما أوقع في التفريط، فالقصد فيهما هو اطريقة القويمة.
قوله: (والشوق إلى لقائك) إنما سأله ﵌ لأنه من موجبات محبة الله للقاء عبده، لحديث: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه) ومحبة الله تعالى لذلك من أسباب المغفرة.
قوله: (مُضِرَّة) إنما قيد ﵌ بذلك لأن الضراء ربما كانت نافعة آجلا أو عاجلا، فلا يليق الاستعاذة منها.
قوله: (مُضِلَّة) وصفها ﵌ بذلك لأن من الفتن ما يكون من أسباب الهداية، وهذا بهذا الاعتبار مما لا يستعاذ منه. قال أهل اللغة: الفتنة الامتحان والاختبار " انتهى.
" نيل الأوطار " (٢/٣٣٣)
وينظر: " فيض القدير " للمناوي (٢/١٨٤-١٨٥) ، " فقه الأدعية والأذكار" (٣/١٦٠-١٦٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1895
هل يجب علي أن أذكر الله في كل مجلس ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى هذه الأحاديث الثلاثة: ١- (من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة , ومن اضطجع مضجعاً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة) ٢- (ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه , ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة , فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم) ٣- (ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان لهم حسرة) هل يعني هذا أني لا بد أن أذكر الله دائماً، وأصلي على الرسول ﷺ كلما تكلمت مع أي شخص، وأني لو لم أفعل أثمت؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تدل هذه الأحاديث وغيرها على استحباب إعمار المجالس بذكر الله تعالى، وقضاء الأوقات في النافع المفيد، كما تدل على التحذير من الوقوع فيما يؤدي إلى الندم يوم القيامة، لا نعني الندم بسبب الوقوع في المعاصي، بل الندم بسبب عدم الاستكثار من الخير الذي يرفع الدرجات، ويبلغ بالمؤمن أعلى المقامات.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
(مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ اللَّهِ تِرَةٌ، وَمَنْ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ اللَّهِ تِرَةٌ)
رواه أبو داود (٤٨٥٦) وبوب عليه بقوله: باب كراهية أن يقوم الرجل من مجلسه ولا يذكر الله. وروى نحوه ابن حبان في " صحيحه " (٣/١٣٣) وبوب عليه بقوله: ذكر استحباب الذكر لله جل وعلا في الأحوال، حَذَرَ أن يكون المواضع عليه ترة في القيامة.
وذكره المنذري في " الترغيب والترهيب " (٢/٢٦٢) تحت باب: " الترهيب من أن يجلس الإنسان مجلساً لا يذكر الله فيه، ولا يصلى على نبيه محمد ﷺ " انتهى.
ولفظ الترمذي للحديث: (مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ)
رواه الترمذي في السنن (رقم/٣٣٨٠) وبوب عليه بقوله: باب في القوم يجلسون ولا يذكرون الله. وقال عقب الرواية: هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ومعنى قوله: (ترة) : يعني حسرة وندامة " انتهى.
فقد استدل العلماء بهذه الأحاديث على كراهة أن تخلو المجالس من ذكر الله، وليس على تحريم ذلك، فالحسرة لا يلزم أن تكون بسبب ترك الواجبات، بل يمكن أن تقع بسبب ترك المستحبات التي ترفع إلى أعلى الدرجات، وقد جاء عن بعض السلف أنه قال: يعرض على ابن آدم يوم القيامة ساعات عمره، فكل ساعة لم يذكر الله فيها تتقطع نفسه عليها حسرات. كما نقل ذلك الحافظ ابن رجب في " جامع العلوم والحكم " (ص/١٣٥) .
وقوله في الحديث: (إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم) يدل بظاهره على وجوب الذكر في كل مجلس، لأن العذاب والمغفرة لا يكون إلا عن ذنب، إما بترك واجب، وإما بفعل محرم. قال ابن علان ﵀:
" (فإن شاء عذبهم) جزاء ما قصروا في ذلك بتركها (وإن شاء غفر لهم) ذلك النقص. وهذا يقتضي وجوب وجود الذكر والصلاة على النبي في المجلس، لأنه رتب العذاب على ترك ذلك وهو آية الوجوب، ولم أر من ذكر عنه القول بوجوب ذلك في كل مجلس، والحديث يقتضيه " انتهى. دليل الفالحين شرح رياض الصالحين (٦/١٢٧) .
والذي حمل أهل العلم الحديث عليه هو كراهة إخلاء المجلس من ذكر الله تعالى.
قال الإمام النووي ﵀:
" يكره لمن قعد في مكان أن يفارقه قبل أن يذكر الله تعالى فيه، لحديث أبي هريرة ن رسول الله صلي الله عليه وسلم ... وذكر الحديث " انتهى.
" المجموع " (٤/٤٧٧-٤٧٨) .
وأما المغفرة المذكورة فهي محمولة على ذنوب أخرى، أو على التشديد في ترك ذلك.
قال الملا علي القاري ﵀:
" (إن شاء عذبهم) أي: بذنوبهم السابقة وتقصيراتهم اللاحقة.. قال الطيبى: قوله فإن شاء عذبهم، من باب التشديد والتغليظ، ويحتمل أن يصدر من أهل المجلس ما يوجب العقوبة ".
"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (٨/٣٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1896
الجمع بين حديثي (لأعلمن أقواماً يأتون بحسنات) و (كل أمتي معافى إلا المجاهرين)
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف نستطيع الجمع بين الحديثين الشريفين: (أناس من أمتي يأتون يوم القيامة بأعمال كجبال تهامة فيجعلها الله هباء منثوراً) ، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الذين إذا خلو بمحارم الله انتهكوها) أو كما قال ﷺ ، وبين قوله ﷺ (كل أمتي معافى إلا المجاهرون) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نص الحديثين موضع الإشكال:
أ. عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: (أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا) .
رواه ابن ماجه (٤٢٤٥) ، وصححه الألباني في " صحيح ابن ماجه ".
الهباء في الأصل: الشَّيءُ المُنْبَثُّ الَّذي تَراه في ضَوْء الشمسِ.
محارم الله: هي كل ما حرَّمه الله تعالى من المعاصي، الصغائر، والكبائر.
ب. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ) .
رواه البخاري (٥٧٢١) ومسلم (٢٩٩٠) .
ثانياً:
قد استشكل كثير من الناس الجمع بين هذين الحديثين، وتعددت أماكن سؤالهم عن ذلك الجمع، ونذكر ما تيسر من أوجه الجمع بينهما، سائلين الله تعالى التوفيق، فنقول:
إن الذي دعا إلى استشكال الحديثين هو ما حواه معناهما مما ظاهره التعارض، فإن الحديث الأول ليس فيه أن أصحاب المعاصي قد جاهروا بمعاصيهم، وبمقتضى الحديث الثاني فهم " معافوْن "، فكيف تحبط أعمالهم، ويتوعدون بالسخط والعذاب؟! ومن هنا جاء الإشكال في ظاهر الحديثين، فذهب العلماء في الجمع بينهما مذاهب شتَّى، ومن ذلك:
١. القول بتضعيف حديث ثوبان، وقد علَّله بعضهم فضعَّف سنده بالراوي " عقبة بن علقمة المعافري "، وحكم على متنه بالنكارة.
أ. ويرد على تضعيف سنده:
بأن الراوي عقبة بن علقمة وثَّقه كثيرون، وممن وثقه: ابن معين، والنسائي، ومن حكم على رواياته بالرد فإنما هو إذا روى عنه ابنه " محمد "، أو روى هو عن " الأوزاعي "، وهذا قول الأئمة المحققين في حاله، وليست روايته في هذا الحديث عن الأوزاعي، ولا رواه عنه ابنه محمد، فالسند حسن على أقل أحواله.
ب. ويرد على نكارة متنه بأن له نظائر معروفة، كما في قوله تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) النساء/ ١٠٨.
وهو وإن لم يكن فيه حبوط أعمال أولئك بلفظ الآية، إلا أنه يُعرف ذلك بمعناها.
قال ابن كثير ﵀:
هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس؛ لئلا ينكروا عليهم، ويجاهرون الله بها؛ لأنه مطّلع على سرائرهم، وعالم بما في ضمائرهم، ولهذا قال: (وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) تهديد لهم، ووعيد.
" تفسير ابن كثير " (٢ / ٤٠٧) .
٢. أن حديث ثوبان في المنافقين، وحديث أبي هريرة في المسلمين، فلا تعارض بينهما، لا سيما إذا حملنا النفاق هنا على النفاق العملي الذي لا ينافي أخوة الإيمان.
والواقع أن المتأمل في حال بعض من يقع في المنكرات هذه الأيام من أهل الخير والصلاح الظاهر، وباعتراف من يتوب منهم يجد عجباً، من ارتكاب ذنوب " الخلوات " بشكل يمكن إطلاق وصف " انتهاك " عليه! فمن هؤلاء من تكون خلواته في مشاهدة الفضائيات الفاسدة، والنظر في الإنترنت إلى مواقع الجنس الفاضح، واستعمال أسماء مستعارة للمحادثة والمراسلة مع الأجنبيات، ثم تجد هؤلاء لهم نصيب في الظاهر من الاستقامة، في اللباس، والصلاة، والصيام، ومن هنا كان هذا الحديث محذِّراً لهؤلاء أن يكون حالهم حال المنافقين، أو أن يكونوا أعداء لإبليس في الظاهر، أصدقاء له في السرِّ، كما قال بعض السلف.
قال ابن حجر الهيتمي ﵀:
الكبيرة السادسة والخمسون بعد الثلاثمائة: إظهار زي الصالحين في الملأ، وانتهاك المحارم، ولو صغائر في الخلوة: أخرج ابن ماجه بسند رواته ثقات عن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لأعلمنَّ أقواماً مِن أمتي يأتون....) .
لأن من كان دأبه إظهار الحسن، وإسرار القبيح: يعظم ضرره، وإغواؤه للمسلمين؛ لانحلال ربقة التقوى، والخوف، من عنقه.
" الزواجر عن اقتراف الكبائر " (٢ / ٧٦٤) .
٣. قوله ﷺ (إِذَا خَلوا بِمَحَارِمِ الله) لا يقتضي خلوتهم في بيوتهم وحدهم! بل قد يكونون مع جماعتهم، ومن على شاكلتهم، فالحديث فيه بيان خلوتهم بالمحارم، لا خلوتهم مع أنفسهم في بيوتهم، فليس هؤلاء بمعافين، والمعافى الذي في حديث أبي هريرة الذي يظهر لنا أنه يفعل المعصية الغالبة عليه وحده، ولذا جاء في الحديث أنه شخص بعين، وأن ربَّه قد ستره، (يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) ، وحديث ثوبان فيه الجمع (قوْم) و (خَلَوا) .
قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀:
الذي يبدو أن (خلوا بمحارم الله) ليس معناها " سرّاً "، وإنما: إذا سنحت لهم الفرصة انتهكوا المحارم، فـ " خلَوا " ليس معناها " سرّاً "، وإنما من باب " خلا لكِ الجو فبيضي واصفري ".
" سلسلة الهدى والنور " شريط رقم (٢٢٦) .
٧. وصف هؤلاء المذكورون في حديث ثوبان بأنهم "ينتهكون" محارم الله، وهو وصف يدل على استحلالهم لذلك، أو مبالغتهم فيها في هذه الحال، وأمنهم من مكر الله، وعقوبته، وعدم مبالاتهم باطلاعه عليهم. فلذا استحقوا العقوبة بحبوط أعمالهم، وليس الوعيد على مجرد الفعل لتلك المعصية، ولعله لذلك سأل ثوبان ﵁ النبيَّ ﷺ أن يجلِّي حال أولئك، وأن يصفهم؛ خشية أن يكونوا منهم، وهم لا يدرون، ومثل هذا إنما هو طلب لمعرفة حال قلوب أولئك العصاة، وليس لمعرفة أفعالهم مجردة.
قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله:
أي: أن عندهم استهتاراً، واستخفافاً بالله ، فهناك فرق بين المعصية التي تأتي مع الانكسار، والمعصية التي تأتي بغير انكسار، بين شخص يعصي الله في ستر، وبين شخص عنده جرأة على الله ، فصارت حسناته في العلانية أشبه بالرياء، وإن كانت أمثال الجبال، فإذا كان بين الصالحين: أَحْسَنَ أيما إحسانٍ؛ لأنه يرجو الناس ولا يرجو الله، فيأتي بحسنات كأمثال الجبال، فظاهرها حسنات، (لكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) فهم في السر لا يرجون لله وقاراً، ولا يخافون من الله ، بخلاف من يفعل المعصية في السر وقلبه منكسر، ويكره هذه المعصية، ويمقتها، ويرزقه الله الندم، فالشخص الذي يفعل المعصية في السر وعنده الندم، والحرقة، ويتألم: فهذا ليس ممن ينتهك محارم الله ؛ لأنه - في الأصل - معظِّم لشعائر الله، لكن غلبته شهوته، فينكسر لها، أما الآخر: فيتسم بالوقاحة، والجرأة على الله؛ لأن الشرع لا يتحدث عن شخص، أو شخصين، ولا يتحدث عن نص محدد، إنما يعطي الأوصاف كاملة.
مِن الناس مَن إذا خلا بالمعصية: خلا بها جريئاً على الله، ومنهم من يخلو بالمعصية، وهو تحت قهر الشهوة، وسلطان الهوة، ولو أنه أمعن النظر وتريث: ربما غلب إيمانُه شهوتَه، وحال بينه وبين المعصية، لكن الشهوة أعمته، والشهوة قد تعمي وتصم، فلا يسمع نصيحة، ولا يرعوي، فيهجم على المعصية فيستزله الشيطان، قال تعالى: (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) آل عمران/ ١٥٥، فإذا حصل الاستزلال من الشيطان، فزلت قدم العبد، لكن في قرارة قلبه الاعتراف بالمعصية، والله يعلم أنه لما وقع في المعصية أنه نادم، وأنه كاره لها، حتى إن بعضهم يفعل المعصية وهو في قرارة قلبه يتمنى أنه مات قبل أن يفعلها: فهذا معظِّم لله ، ولكنه لم يرزق من الإيمان ما يحول بينه وبين المعصية، وقد يكون سبب ابتلاء الله له أنه عيَّر أحداً، أو أنه عق والداً، أو قطع رحمه، فحجب الله عنه رحمته، أو آذى عالماً، أو وقع في أذية ولي من أولياء الله، فآذنه الله بحرب، فأصبح حاله حال المخذول، مع أنه في قرارة قلبه لا يرضى بهذا الشيء ... .
فالذي يعصي في السر على مراتب: منهم من يعصي مع وجود الاستخفاف، فبعض العُصاة تجده لما يأتي إلى معصية لا يراه فيها أحد: يذهب الزاجر عنه، ويمارسها بكل تهكم، وبكل وقاحة، وبكل سخرية، ويقول كلمات، ويفعل أفعالاً، ولربما نصحه الناصح، فيرد عليه بكلمات كلها وقاحة، وإذا به يستخف بعظمة الله ، ودينه، وشرعه، لكنه إذا خرج إلى الظاهر صلى، وصام، وإذا خلا بالمعصية لا يرجو لله وقاراً - والعياذ بالله - فليس هذا مثل من يضعف أمام شهوة، أو يفتن بفتنةٍ يراها، ويحس أن فيها بلاء، وشقاء، ويقدم عليها، وقلبه يتمعر من داخله، ويتألم من قرارة قلبه، ثم إذا أصاب المعصية ندم.
... .
فهذا الحديث – أي: حديث ثوبان - ليس على إطلاقه، وإنما المراد به: من كانت عنده الجرأة - والعياذ بالله -، والاستخفاف بحدود الله.
" شرح زاد المستقنع " (رقم الدرس ٣٣٢) .
نسأل الله أن يحبب إلينا الإيمان، وأن يزينه في قلوبنا، ونسأله أن يبغِّض إلينا الكفر، والفسوق، والعصيان.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 1897
التوفيق بين حديث (لن تُغزى مكة بعد هذا العام) وغزو الحجاج والقرامطة لها
[السُّؤَالُ]
ـ[لي سؤال مرتبط بالحديث التالي من كتاب صحيح الجامع الصغير: (لَنْ تُغزى مكةُ بعد هذا العام أبداً) ، فيكف يكون فهمنا للحديث وهناك حوادث، مثل: غزو مكة على يد أبي طاهر من القرامطة، والعراك الذي دار بين الحَجَّاج وعبد الله بن الزبير؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نص الحديث الذي سأل عنه السائل: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ الأَسْوَدِ أَخِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لَا تُغْزَى مَكَّةُ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ أَبَداً) رواه أحمد في "مسنده" (٢٤/١٣٣) ، وحسَّنه المحققون.
وللحديث شاهد عند الترمذي (١٦١١) عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْبَرْصَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يَقُولُ: (لَا تُغْزَى هَذِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وأما معنى الحديث فهو محمول على معنيين:
الأول: أن أهل مكة لا يَكفرون أبداً , ولا يُغزون على الكفر؛ وهكذا فسَّره سفيان بن عيينة، كما نقله عنه الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٤ / ١٦٢) .
ويشهد لذلك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا تَنْتَهِي الْبُعُوثُ عَنْ غَزْوِ هَذَا الْبَيْتِ حَتَّى يُخْسَفَ بِجَيْشٍ مِنْهُمْ) رواه النسائي (٢٨٧٨) ، وصححه الألباني في "صحيح النسائي".
والثاني: أنه إخبارٌ بمعنى النهي، أي: لا يجوز لمسلم، أو لجيش أن يتعرض لحرمتها.
ويشهد لهذا المعنى قول النبي ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْقَتْلَ - أَوِ: الْفِيلَ - وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) رواه البخاري (١١٢) ومسلم (١٣٥٥) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
"وَمُحَصِّله: أَنَّهُ خَبَر بِمَعْنَى النَّهْي، بِخِلَافِ قَوْله: (فَلَمْ تَحِلّ لِأَحَدٍ قَبْلِي) فَإِنَّهُ خَبَر مَحْض، أَوْ مَعْنَى قَوْله: (وَلَا تَحِلّ لِأَحَدٍ بَعْدِي) أَيْ: لَا يُحِلّهَا اللَّه بَعْدِي، لِأَنَّ النَّسْخ يَنْقَطِع بَعْده؛ لِكَوْنِهِ خَاتَم النَّبِيِّينَ" انتهى.
"فتح الباري" (٤/٤٦) .
وعلى كلا الوجهين لا يرِد ما فعله الجنابي القرمطي، ولا الحجَّاج الظالم، بالكعبة، وأهلها، فهم لم يغزوا مكة لأجل كفر أهلها، بل الأول هو الكافر كفراً أشد من كفر أهل الكتاب، والثاني لم يرد إلا إخضاع عبد الله بن الزبير لطاعة الخليفة المسلم.
وقد ذكر ابن كثير ﵀ ما فعله أبو طاهر الجنابي بمكة وأهلها، ثم قال:
"وقد سأل بعضهم ههنا سؤالاً فقال: قد أحلَّ الله سبحانه بأصحاب الفيل , وكانوا نصارى ما ذكره في كتابه , ولم يفعلوا بمكة شيئاً مما فعله هؤلاء , ومعلوم أن القرامطة شرٌّ من اليهود، والنصارى، والمجوس؛ بل ومن عبَدة الأصنام , وأنهم فعلوا بمكة ما لم يفعله أحد؛ فهلا عوجلوا بالعذاب، والعقوبة، كما عوجل أصحاب الفيل؟
وقد أجيب عن ذلك: بأن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهاراً لشرف البيت , ولِما يراد به من التشريف العظيم بإرسال النبي الكريم من البلد الذي فيه البيت الحرام، فلما أرادوا إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها , وإرسال الرسول منها: أهلكهم سريعاً عاجلاً , ولم يكن شرائع مقررة تدل على فضله، فلو دخلوه وأخربوه: لأنكرت القلوب فضله , وأما هؤلاء القرامطة: فإنما فعلوا ما فعلوا بعد تقرير الشرائع , وتمهيد القواعد , والعلم بالضرورة من دين الله بشرف مكة، والكعبة , وكل مؤمنٍ يعلم أن هؤلاء قد ألحدوا في الحرم إلحاداً بالغاً عظيماً , وأنهم من أعظم الملحدين الكافرين، بما تبيَّن من كتاب الله وسنَّة رسوله، فلهذا لم يحتج الحال إلى معالجتهم بالعقوة، بل أخرهم الرب تعالى ليوم تشخص فيه الأبصار , والله سبحانه يمهل، ويُملي، ويستدرج، ثم يأخذ أخذ عزيزٍ مقتدرٍ" انتهى.
" البداية والنهاية " (١١ / ١٦٢) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1898
هل لمن سلم عليه النبي ﷺ في المنام فضل معين ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أخي حين كان عمره (١٠) سنين في قريتنا رأى النبي الله صلي الله عليه وسلم، وسلَّم عليه، وعلى عمِّي، وأمي، وأخي، وعليَّ أنا، وكان صفته كما ذكر في الحديث، كما قال أخي، وأخبره ﷺ عن كنز بجانب الطريق الذي بجانب بيتنا. سؤالي حفظكم الله: هل مَن سلَّمَ عليه رسول الله ﷺ لم تمسه النار، كما سمعت من بعض الناس، وما هو الكنز.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
رؤيا النبي ﷺ في المنام - إذا وقعت على صورته الحقيقية - فهي رؤيا حق وصدق كما أخبر النبي ﷺ ، وقد سبق تقرير ذلك في جواب السؤال رقم: (٢٣٣٦٧)
ثانيا:
إذا رأى الرائي في المنام رسول الله ﷺ على صورته الحقيقية، ورآه في حالٍ مُبَشِّرٍ بالخير أو متكلِّمٍ به: فلا شك أن ذلك مِن عاجل البشرى، ويُرجى لصاحبها الخير من ورائها، إن شاء الله.
أما إن رآه على حال الغضب منه، والإنكار عليه، أو بما يُؤَوِّلُه المعبِّرُ العارف الصادقُ أنه أمارة شرٍّ في الرائي: فيجب عليه حينئذ أن يتَّعظ بهذه الرؤيا، ويتدارك ما فرط وقصر.
يقول الحافظ ابن حجر ﵀:
" إن رآه مقبلا عليه مثلا فهو خير للرائي وفيه – أي وخيرٌ فيه -، وعلى العكس فبالعكس ... - فمن رأى النبي ﷺ فقد - رأى الحق الذي قصد إعلام الرائي به، فإن كانت على ظاهرها وإلا سعى في تأويلها، ولا يهمل أمرها؛ لأنها إما بشرى بخير، أو إنذار من شر، إما ليخيف الرائي، وإما لينزجر عنه، وإما لينبه على حكم يقع له في دينه أو دنياه.... " انتهى.
" فتح الباري " (١٢/٣٨٤)
ثالثا:
بذلك نعلم خطأ دعوى أنَّ كلَّ مَن رأى النبي ﷺ في المنام على أي حال كانت هذه الرؤيا أنه قد حرمه الله على النار، وبشره بدخول الجنة، فهذا فَضْلٌ غيبيٌّ لا يجوز تصديقه إلا إذا جاء به دليل خاص من الكتاب والسنة الصحيحة، وقد بحثنا عنه فلم نقف إلا على حديثين يَستدل بهما بعض الناس، ولا يصح الاستدلال بهما على ذلك:
أما الحديث الأول:
فعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(لَا تَمَسُّ النَّارُ مُسْلِمًا رَآنِي أَوْ رَأَى مَنْ رَآنِي)
رواه الترمذي (٣٨٥٨) وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم. ولكنه حديث ضعيف، وعبارة الترمذي تشير إلى تضعيف هذا الوجه، وضعفه الشيخ الألباني في " ضعيف الترمذي ".
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
" وأما الحديث: (من رآني فقد حرمت عليه النار) فهذا لا أصل له، وليس بصحيح " انتهى. باختصار.
" فتاوى الشيخ ابن باز " (٤ / ٤٤٥) و (٢٥ / ١٢٦) .
وأما الحديث الثاني:
فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي)
رواه البخاري (٦٩٩٣) ، ومسلم (٢٢٦٦) ولفظه: (مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ - أَوْ لَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ - لَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي)
فذهب بعض العلماء – كما ذكره القاضي عياض وجها في تأويل الحديث - أن في قوله ﷺ : (فسيراني في اليقظة) بشرى لكل من رأى النبي ﷺ في المنام، أنه سيكون معه ﷺ في الجنة، ويراه هناك، وسينال شفاعته يوم القيامة.
والأقرب للصواب في تأويل الحديث هو ما توضحه رواية الإمام مسلم ﵀، حيث جاء فيها (لكأنما رآني في اليقظة) ، يريد بذلك ﷺ تأكيد أن من رآه في المنام على صورته الحقيقية لا ينبغي له التشكك في صورته ووجهه، كأنما رآه في اليقظة، وهذا اللفظ هو الأكثر في روايات الحديث.
ينظر: " فتح الباري " (١٢/٣٨٣) ، " السلسلة الصحيحة " (رقم/٢٧٢٩) .
وأما رواية (فسيراني في اليقظة) ، فقد فسرها العلماء بما يتوافق مع ألفاظ الأحاديث الأخرى.
قال الإمام النووي ﵀:
" قال العلماء: إن كان الواقع في نفس الأمر: (فكأنما رآني) فهو كقوله ﷺ : (فقد رآني) أو (فقد رأى الحق) كما سبق تفسيره.
وإن كان: (سيراني في اليقظة) ففيه أقوال:
أحدها: المراد به أهل عصره، ومعناه أنَّ مَن رآه في النوم ولم يكن هاجر، يوفقه الله تعالى للهجرة ورؤيته ﷺ في اليقظة عيانا.
والثاني: معناه أنه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة؛ لأنه يراه في الآخرة جميع أمته: مَن رآه في الدنيا ومَن لم يره.
والثالث: يراه في الآخرة رؤية خاصة في القرب منه وحصول شفاعته " انتهى.
" شرح مسلم " (١٥/٢٦) ، وينظر: " فتح الباري " (١٢/٣٨٥) ، فيض القدير، للمناوي (٦/١٣٣) .
وجاء في " فتاوى اللجنة الدائمة " (١/٤٨٤) :
" معنى الحديث على هذه الرواية: أن من رأى النبي ﷺ في المنام على صورته التي كان عليها في الدنيا فسيرى تأويل رؤياه، ووقوع ما أشارت إليه من الخبر في دنياه؛ لأن رؤياه على صورته حق؛ لما دل عليه قوله آخر الحديث: (فإن الشيطان لا يتمثل بي) " انتهى.
والحاصل: أننا نرجو أن تكون الرؤيا التي رآها الأخ السائل من مبشرات الخير له، ولكل من سلم عليهم النبي ﷺ في المنام، ولكننا لا نجزم بتحريم أحد على النار بسبب هذه الرؤيا، كما لا نجزم في تفسير الكنز المذكور في المنام بشيء معين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1899
المقصود بالنهي عن كثرة السؤال
[السُّؤَالُ]
ـ[روى المغيرة بن شعبة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال) رواه البخاري (١٤٠٧) ومسلم (٥٩٣) . فهل يعني كثرة السؤال هنا كثرة الطلب من الناس؟ وهل يتعارض هذا مع كثرة الطلب من الله، فالله يقول في كتابه الكريم: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) غافر/٦٠؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله أولا: هذا الحديث من آداب الإسلام العظيمة، إذا امتثله المسلم حفظ به عمرَه، ومالَه، وجهدَه، ووقاه من شر النفس ونوازع التفريط والضياع. وقد ذكر العلماء ﵏ في تفسير قوله ﷺ (وكثرة السؤال) أوجها عديدة، كلها تدخل في إطلاق هذا اللفظ، وهي: ١- سؤال الناس أموالهم، وبذل ماء الوجه في سبيل ذلك. ٢- سؤال العلماء عن المسائل العويصة التي لا تنفع المسلمين، وإنما تفتح عليهم أبواب النزاع، وتثير بينهم مكنون الشقاق. ٣- السؤال عن المسائل التي يندر وقوعها أو يستحيل، لما فيه من التنطع والتكلف. ٤- كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان وتفاصيل الوقائع مما لا يقدم منفعة وإنما يضيع به الوقت. ٥- كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل حاله، والدخول في خصوصيات حياته التي يكره أن يطلع الناس عليها، فيقع في الضيق والحرج بسبب سؤاله عن ذلك. ٦- سؤال السائل عما لا يعنيه، ولا شأن له به. وهذه أمور مذمومة كلها – كما ترى - فالأوجَهُ في تفسير الحديث حمله على إطلاقه، واعتبار أن كل ما دل الشرع والأدب على كراهة السؤال عنه وكراهة طلبه فهو داخل في هذا الحديث. قال الحافظ ابن حجر ﵀: "قوله: (وكثرة السؤال) هل هو سؤال المال، أو السؤال عن المشكلات والمعضلات، أو أعم من ذلك؟ الأولى حمله على العموم. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المراد به كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان، أو كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل حاله، فإن ذلك مما يكره المسئول غالبا، وقد ثبت النهي عن الأغلوطات. أخرجه أبو داود من حديث معاوية. وثبت عن جمع من السلف كراهة تكلف المسائل التي يستحيل وقوعها عادة أو يندر جدا، وإنما كرهوا ذلك لما فيه من التنطع والقول بالظن، إذ لا يخلو صاحبه من الخطأ" انتهى. "فتح الباري" (١٠/٤٠٧) . وقال القرطبي ﵀: "والوجه: حمل الحديث على عمومه، فيتناول جميع تلك الوجوه كلها" انتهى. "المفهم" (٥/١٦٤) . وقال النووي ﵀: "وأما (كثرة السؤال) فقيل: المراد به القطع في المسائل، والإكثار من السؤال عما لم يقع ولا تدعو إليه حاجة، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك، وكان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف المنهي عنه، وفي الصحيح: (كره رسول الله ﷺ المسائل وعابها) . وقيل: المراد به سؤال الناس أموالهم وما في أيديهم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك. وقيل: يحتمل أن المراد كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان وما لا يعني الإنسان، وهذا ضعيف؛ لأنه قد عرف هذا من النهي عن (قيل وقال) . وقيل: يحتمل أن المراد كثرة سؤال الإنسان عن حاله وتفاصيل أمره، فيدخل ذلك في سؤاله عما لا يعنيه، ويتضمن ذلك حصول الحرج في حق المسؤول، فإنه قد لا يؤثر إخباره بأحواله، فإن أخبره شق عليه، وإن كذبه في الأخبار أو تكلف التعريض لحقته المشقة، وإن أهمل جوابه ارتكب سوء الأدب" انتهى. "شرح مسلم" (١٢/١١) . وعلى هذا، فمعنى (كثرة السؤال) أي: سؤال الناس. وأما سؤال الله ودعائه فهو من أفضل العبادات، فالله تعالى يحب من عباده أن يسألوه، ويحب الملحين في الدعاء. وبهذا يتبين معنى الحديث، والفرق بين سؤال الناس الذين هم فقراء إلى الله، وسؤال الله الغني الحميد. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1900
شرح حديث: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا)
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد شرح الحديث: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث من الأحاديث العظيمة الجليلة التي تكسو القلوب انكسارا بين يدي الله، واعترافا بالفقر إليه، ورجاء رحمته وعفوه وإحسانه، فالأمر خطير جد خطير، والله يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) الحج/١-٢.
هذا الحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة وأبي هريرة وأنس بن مالك ﵃، وكذا رواه الإمام مسلم وغيره، وذلك في أحاديث عدة، ترد بمناسبات مختلفة، وسياقات متعددة، كلها تتضمن هذه الجملة العظيمة: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
"والمراد بالعلم هنا ما يتعلق بعظمة الله، وانتقامه ممَّن يعصيه، والأهوال التي تقع عند النزع، والموت، وفي القبر، ويوم القيامة، ومناسبة كثرة البكاء وقلة الضحك في هذا المقام واضحة، والمراد به التخويف" انتهى.
"فتح الباري" (١١/٣١٩) .
وقال النووي ﵀:
"لو رأيتم ما رأيتُ، وعلمتم ما علمت مما رأيته اليوم وقبل اليوم لأشفقتم إشفاقا بليغا، ولقلَّ ضحككم وكثر بكاؤكم" انتهى.
"شرح مسلم" (١٥/١١٢) .
وقال القرطبي ﵀:
"وقوله ﷺ : (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) : يعني ما يعلم هو من أمور الآخرة وشدة أهوالها، ومما أعد في النار من عذابها وأنكالها، ومما أعد في الجنة من نعيمها وثوابها، فإنه ﷺ قد كان رأى كل ذلك مشاهدة وتحقيقا، ولذلك كان ﷺ متواصل الأحزان، قليل الضحك، جُلُّه التبسم" انتهى.
"المفهم" (٢/٥٥٧) .
وقال المناوي ﵀:
" (لو تعلمون ما أعلم) أي: من عظم انتقام الله من أهل الجرائم وأهوال القيامة وأحوالها ما علمته لما ضحكتم أصلا، المعبر عنه بقوله (لضحكتم قليلا) إذ القليل بمعنى العديم على ما يقتضيه السياق، لأن (لو) حرف امتناع لامتناع" انتهى.
"فيض القدير" (٥/٤٠٢) .
ومن أعظم سياقات هذا الحديث ما رواه الترمذي (٢٣١٢) عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ) وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٧٢٢) .
قال المباركفوري ﵀:
"قوله: (إني أرى ما لا ترون) أي: أبصر ما لا تبصرون.
(أطَّت السماء) : أي: صوَّتت، أي: أصدرت صوتاً. وأطيط الإبل: أصواتها وحنينها.
(وحُقَّ) أي: ويستحق وينبغي (لها أن تئط) أي: تصوت.
(ما فيها موضع أربع أصابع إلا ومَلَك) أي: فيه مَلَك.
(واضع جبهته لله ساجداً) قال القاري: أي منقاداً، ليشمل ما قيل إن بعضهم قيام، وبعضهم ركوع، وبعضهم سجود، كما قال تعالى حكاية عنهم: (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ) أو خص السجود باعتبار الغالب منهم، أو هذا مختص بإحدى السماوات.
(إلى الصُّعُدات) أي: الطرق. وقيل: المراد بالصعدات هنا البراري والصحاري.
(تجأرون إلى الله) أي: تتضرعون إليه بالدعاء ليدفع عنكم البلاء" انتهى باختصار.
"تحفة الأحوذي" (٦/٦٠١-٦٠٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1901
حكم تمثيل الأحاديث النبوية، ووضع صور توضيحية أثناء قراءة القرآن
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك قنوات تأتي ببعض الأحاديث، وتمثلها، وتأتي ببعض الآيات، وتكون الخلفية على نفس الآية، يعني: إذا كانت الآيات تتحدث عن الجنَّة، فيأتون بصور حدائق، ما حكم ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
قد اطلعنا على جملة من مقاطع مصورة فيها تمثيل لأحاديث نبوية، ويمكن تقسيم ما رأيناه إلى أقسام ثلاثة:
الأول:
مقاطع ساعدت الصورة فيها على فهم الحديث، وليس فيها محظور شرعي
ومن أمثلة ذلك مما رأيناه:
أ. عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَثَلِى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِى فِى النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا ... ) رواه مسلم (٢٢٤٨) .
وفي المقطع المرئي: رجل أوقد ناراً، وفراشات، ودواب، اجتمعن عليها، ووقعن فيها، وهو يذبها عن النار، وهو أمر مطابق لما أخبر عنه النبي ﷺ من أمرٍ يتكرر مع كل من يوقد ناراً في صحراء، أو فضاء.
ب. عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَثَلُ الْقَلْبِ مَثَلُ الرِّيشَةِ تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ بِفَلَاةٍ) رواه ابن ماجه (٨٨) ، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
وفي المقطع المرئي: ريشة تتقلب في فلاة بفعل الرياح، وليس في هذا محظور شرعي.
ج. عن ابن عمر ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَثَلُ المُؤْمِنِ مَثَلُ النَّخْلَةِ مَا أَخَذْتَ مِنْهَا مِنْ شَيْءٍ نَفَعَكَ) رواه الطبراني (١٢/٤١١) وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٢٨٥) .
وفي المقطع المرئي: نخلة يؤخذ منها أجزاء منها، وتستعمل فيما ينتفع به الناس، وهو أمر مطابق يقرِّب الصورة لذهن من يستمع الحديث، ويراه واقعاً عمليّاً.
والأمثلة على هذا القسم كثيرة.
القسم الثاني:
مقاطع لم تفد الصورة كثيراً في تقريب معنى الحديث؛ للبعد عن الصورة الحقيقية، وبين المشهد التمثيلي.
ومن أمثلة ما رأيناه في ذلك:
أ. عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ) رواه مسلم (٧٧٩) .
والمقطع المرئي وإن كان فيه صورتان متقابلتان لبيت يُذكر الله فيه، وآخر فيه غفلة عن ذلك: لكنه لم يظهر فيه الفرق بين الحياة، والموت.
ب. عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) رواه مسلم (٢٥٨٥) .
والمقطع المرئي لم يعبِّر عن حقيقة تداعي البدن لشكوى عضو منه، بل كانت الصورة لمريض لم تظهر عليه أعراض الحمى، ولا السهر، بل كان نائماً! .
القسم الثالث:
ومن أسوء ما رأيناه، وقفَّ شعرنا من مشاهدته: هو مقطع تمثيلي لرجل ذهب يغرس فسيلة، فصوِّر وقوع يوم القيامة! فاستمر في غرسها، وفي ظنِّ القائمين على إنشاء هذا المقطع أن الأمر مطابق لحديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صََّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ) رواه أحمد (٢٠/٢٩٦) وصححه محققو المسند.
وقد سئل الشيخ العلامة عبد الرحمن البرَّاك حفظه الله، عن هذا المقطع تحديداً، فأنكره، وبيَّن السبب، فنكتفي بذِكر ما قاله الشيخ حفظه الله:
نص السؤال:
في قناة " المجد " مقطع بعنوان (أمثال الحديث النبوي) وقد عرضوا فيه صورة رجل يحمل معه فسيلة نخل، ثم عرضوا في السماء بروقاً، وسحاباً أسود، وأصواتاً، ورعوداً، ثم ظهر على الشاشة نص حديث: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها) ، ثم قام الرجل بغرس النخلة، وانتهى المقطع، فما حكم هذا العمل؟
فأجاب:
"الحمد لله، من الأمور المسلَّمة أن حسن القصد لا يُسوِّغ الوسيلة، بل غاية ما يحصل: رفع الإثم، إذا لم تكن المخالفة الشرعية مشوبة بهوى، وحقائق الغيب من الماضي، والحاضر، والمستقبل لا يمكن تصورها، فضلاً عن تصويرها! ومِن ذلك: أحوال القيامة؛ كالبعث، والصراط، والميزان، وما يسبق ذلك من النفخ في الصور، وما ينشأ عنه من فزع، وصعق، وتغيرات في العالم العلوي، والسفلي، وما يصاحب ذلك من أهوال.
وما تضمنه هذا الحديث المذكور في السؤال: يفهمه كل مَن يفهم العربية، فإنه يعرف معنى النخلة، ويعرف معنى الغرس، ومعنى الرجل، وإن كان لا يتصور حقيقة الهول، فلا معنى لتوضيح الواضح! ولا يمكن تصور الهول عند قيام الساعة، وهذا الحديث إن كان صحيحاً: فمقصودة: المبالغة في الحث على غرس الشجر المثمر؛ لما فيه مِن النفع العام، والأجر المترتب على ذلك.
ومعلوم أنه إذا قامت الساعة: فلن يُستطاع غرس، ولا يُرجى، ولا يُجنى ثمر، فقد ذهب ما هنالك، وانشغل كلٌّ بنفسه.
إذا ثبت هذا: فنحب من إخواننا القائمين على "قناة المجد" وفقهم الله أن يتجنبوا تمثيل الغيبيات، ويكتفوا بذِكر النصوص، وتفسير، وشرح، ما تدعو إليه الحاجة، فجزاهم الله خيراً على ما أرادوا، وقدموا من الخير، وعفا عما يقع من أخطاء، إنه تعالى سميع الدعاء،
ومما يلاحظ على هذا المقطع: أن عنوانه غير مطابق لمضمونه، وكأن الذي وضع العنوان اختلط عليه المثل بالتمثيل الاصطلاحي، فإن هذا الحديث ليس من " أمثال الحديث "، وإنما أضيف إليه التمثيل، وصلَّى الله وسلم على محمّد" انتهى. وفي ظننا أن أحاديث الأمثال هي أبعد ما يكون عن الوقوع في المحذور الشرعي؛ فلا حرج من تصويرها وتقديمها للمشاهد؛ لتقريب الصورة لذهنه، بخلاف غيرها من الأحاديث، فقد يوقع في شيء من المحظور، مع كونه لم يفد كثيراً ـ كما سبق ـ، في تقريب المعنى لمن يسمعه ويشاهده، وإن كان الحديث في أمرٍ غيبي مما لا يمكن تصويره على الحقيقة: صار الوقوع في المحظور حتميّاً، فالابتعاد عن القسم الثالث: واجب، وعن الثاني: أسلم.
وفي جوابي السؤالين (١٤٤٨٨) و (١٠٨٣٦) بيان شروط التمثيل، فلتُنظر لمن أراد أن يمثِّل غير ما ذكرناه من أحاديث " الأمثال "؛ خشية الوقوع في الإثم.
ثانياً:
قد قرأنا لمن يُنكر ذلك التمثيل لأحاديث الأمثال، ولم يظهر لنا صواب قوله، وبيان ذلك من وجوه:
١. أن الفعل نفسه ليس بعبادة يفعلونه من أجل التقرب إلى الله.
٢. أن الأمثال بحد ذاتها هي لتقريب الشيء مراد إيصاله للناس، فما يحصل من تمثيل لذلك المثال ليس فيه ما يُنكر، وهو مؤدٍ لدور المثال نفسه.
٣. استعمل النبي ﷺ طرقاً كثيرة من أجل إيصال معانٍ جليلة للصحابة، ومن ذلك:
أ. تقريب معنى رحمة الله تعالى بالعباد بصورة واقعية لامرأة وابنها:
فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قال: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : (أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا) رواه البخاري (٥٦٥٣) ومسلم (٢٧٥٤) .
ب. تقريب معنى رؤية الله تعالى برؤية شيء محسوس مشاهَد.
فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً يَعْنِي الْبَدْرَ فَقَالَ: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ) رواه البخاري (٥٢٩) ومسلم (٦٣٣) .
٤. استعمال النبي ﷺ للرسم لتوضيح الصورة في أذهان من يراه.
ومن أمثلة ذلك:
أ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّاً ثُمَّ قَالَ: (هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ) ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: (هَذِهِ سُبُلٌ مُتَفَرِّقَةٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ: (إِنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) رواه أحمد (٧/٢٠٨) وحسَّنه المحققون.
ب- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسْعود ﵁ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ وَخَطَّ خُطَطًا صِغَاراً إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ، وَقَالَ: (هَذَا الْإِنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ - أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ - وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا) رواه البخاري (٦٠٥٤) .
فهذان الحديثان فيهما أن النبي ﷺ أحياناً كان يستعمل ما نسميه الآن "الرسم التوضيحي" لبيان معنى بعض الأحاديث.
ثالثاً:
أما جعل لوحات خلفية تعبيرية وتصويرية مع قراءة القرآن: فينبغي ترك ذلك؛ لأسباب، منها:
١. الغالب على الآيات القرآنية أنها تحوي معانٍ متعددة، وفي كل كلمة من القرآن إعجاز بلاغي، فالصورة التي ستكون مع القراءة ستعطل التأمل في الآية، وسينحصر الذهن في كلمة فيها، كصورة فاكهة، أو نهر، ويترك ما عداها.
٢. وجود صورة مع قراءة الآيات قد يأتي بغير المراد من الآية، فمثلاً: وضع صورة جبل مع قراءة قوله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً) طه/ ١٠٥: من شأنه أن يصرف الذهن عن المراد من التهويل بما يحدث يوم القيامة، فالجبل لا يكاد يجهله أحد، وأما النسف له: فهي الصورة التي لا يمكن لأحدٍ أن يصورها في ذهن الناس، فضلاً عن تصويرها! .
٣. وضع الصور مع القراءة لا يطابق الواقع في الآخرة، فصورة الأشجار، والفاكهة، والأنهار، وغيرها مما يشبهها: ليست هي ذاتها التي في الآخرة، وإنما الاشتراك بينهما في الأسماء، لا غير، فصار وضع تلك الصور مع القراءة لا يعبِّر عن الحقيقة.
٤. قد تشتمل الآية على معنيين متقابلين، فكيف يمكن جمع ذلك في وقت واحد أثناء قراءة الآية؟! وذلك مثل قوله تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) الحجر/ ٤٩، ٥٠، مثل قوله تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) النساء/ ١٦٥.
وكثير من آيات القرآن الكريم تذكر المقابلة بين جزاء أهل الجنة وجزاء أهل النار، فكيف سيتم المقابلة بينهما في الصورة؟
٥. وأخيراً: فقد أمر المسلمون عند سماع القرآن بالاستماع والإنصات، ومن شأن النظر في الصور والمشاهد أن يمنع من تفكر القلب، والتدبر بآيات الله تعالى، ومثل هذا ليس مأموراً به من استمع لحديث النبي ﷺ .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1902
هل معنى حديث (شقي أو سعيد) الشقاء والسعادة في الدنيا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت أنا وبعض الإخوة في الله نناقش مغزى حديث رسولنا الكريم الذي رواه عبد الله بن مسعود ﵁، قال: حدَّثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم ليُجمع خلْقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملَك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) متفق عليه، صدق رسولنا الكريم ﷺ . ومن المعلوم أننا كمسلمين يجب أن نؤمن بلب هذا الحديث إيماناً راسخاً، ولكن وردت الأسئلة التالية أثناء النقاش، ولقلة زادنا الشرعي: رغبنا أن نستزيد من علمكم: ١. هل السعادة والشقاء من منظور شرعي - التي وردت في الحديث - هما نفس السعادة والشقاء من منظور حسي - أي: التي نعيشهما، ونحسهما في هذه الدنيا الفانية؟ . ٢. هل يمكن للإنسان أن يعرف مع أيِّ الفريقين هو؟ هل هناك علامات نستدل بها؟ . ٣. في واقعنا الإنساني نجد بعض القصور في التسليم بذلك - أي: بما ورد في الحديث - فهل هذا يعتبر قصوراً في الدين، أو التقوى؟ . ٤. بسبب طبيعتنا الإنسانية نتذمر في العادة عندما يتلبسنا الإحساس بالتعاسة، هل ذلك يعتبر إنكاراً لقدَر الله؟ . ٥. عندما تغمرنا السعادة من كل جانب، وتنبسط لنا الدنيا: قلَّ أن ننسب ذلك لقدر الله، ولكن نحاول الإيحاء أن ذلك بجهدنا، وعلو همتنا، هل هذا يعتبر نقضاً، أو إنكاراً لقدر الله؟ . نسأل الله أن لا يحرمكم الأجر، وأن ينفع الإسلام والمسلمين بجهودكم، وعلمكم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لفظا " السعادة " و " الشقاء " الواردان في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ ليسا هما ما نحسه في الدنيا من " سعادة "، وما يصيبنا فيها من " شقاء "، بل هما " الإسلام " و " الكفر "، وهما الطريقان إلى " الجنة " و " النار "، والمقصود بالحديث: ما يختم للإنسان بأحد الأمرين في الدنيا، فمن ختم له بخير فهو سعيد، وهو من أهل السعادة، وجزاؤه الجنة، ومن خُتم له بشرٍّ فهو شقي، وهو من أهل الشقاء، ومصيره النار – والعياذ بالله -.
وقد جاء هذا اللفظان في الكتاب والسنَّة بذات المعنى الذي قلناه:
أ. (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ. فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ. خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) هود/ ١٠٥ – ١٠٨.
ب. عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنَّا فِى جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَاّ وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَاّ وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً) قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ فَقَالَ: (اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ) ، ثُمَّ قَرَأَ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) .
رواه البخاري (٤٦٦٦) ومسلم (٢٦٤٧) .
(المِخصرة) : ما اختصر الإنسان بيده، فأمسكه من عصا، أو عَنَزة.
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي – ﵀:
وقد تكاثرت النُّصوص بذكرِ الكتابِ السابقِ، بالسَّعادة والشقاوة، ففي " الصحيحين " عن عليِّ بن أبي طالب – وذكر الحديث -.
ففي هذا الحديث: أنَّ السعادة، والشقاوة: قد سبقَ الكتابُ بهما، وأنَّ ذلك مُقدَّرٌ بحسب الأعمال، وأنَّ كلاًّ ميسر لما خُلق له من الأعمال التي هي سببٌ للسعادة، أو الشقاوة.
وفي " الصحيحين " عن عمرانَ بن حُصينٍ، قال: قال رجل:يا رسول الله، أيُعرَفُ أهلُ الجَنَّةِ مِنْ أهلِ النَّارِ؟ قالَ: (نَعَمْ) ، قالَ: فَلِمَ يعملُ العاملونَ؟ قال: (كلٌّ يعملُ لما خُلِقَ له، أو لما ييسر له) .
وقد روي هذا المعنى عنِ النَّبيِّ ﷺ من وجوهٍ كثيرةٍ، وحديث ابن مسعود فيه أنَّ السعادة والشقاوة بحسب خواتيم الأعمال.
" جامع العلوم والحِكَم " (ص ٥٥) . وينظر: " فتح الباري " (١١ / ٤٨٣) .
ثانياً:
ما يشير إليه السائل من الغنى أو الفقر، والصحة أو المرض ... ، وسائر ما يصيب الناس من السراء والضراء في عيشهم، وهو ما يعنيه بقوله: السعادة والشقاوة من المنظور الحسي: هذا كله قد سبق به الكتاب، من قبل أن تخلق السموات والأرض، وقد كتب أيضا فيما كتب للجنين من رزقه: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) القرآن/٤٩.
وإنما يُعرف المؤمن أنه محقق للإيمان في هذا الباب، وأنه مسلِّم لقدَر الله تعالى، مؤمن به: إذا شكر ربه في السرَّاء، وصبر عند الضرَّاء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
جعل اللهُ لعباده المؤمنين بكل منزلة خيراً منه، فهم دائماً في نعمةٍ من ربهم، أصابَهم ما يُحِبَّون، أو ما يكرهون، وجعل أقضيته، وأقداره التي يقضيها لهم، ويُقدرها عليهم: متاجرَ يَربحون بها عليه، وطُرُقًا يصلون منها إليه، كما ثبت في الصحيح عَن إمامهم ومتبوعهم - الذي إذا دُعي يوم القيامة كلُّ أناسٍ بإمامهم دُعُوا به صلواتُ الله وسلامه عليه - أنه قال: (عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله عجب، ما يقضي الله له من قضاء إلاّ كان خيراً له، إن أصابته سرَّاءُ شكَرَ فكان خيراً له، وإن أصابَتْه ضرَّاءُ صَبَر فكان خيراً له) .
فهذا الحديث يَعمُّ جميعَ أَقضيتِه لعبده المؤمن، وأنها خير له إذا صبر على مكروهها، وشكرَ لمحبوبها، بل هذا داخلٌ في مسمَّى الإيمان، فإنه كما قال السلف: " الإيمان نصفان، نصفٌ صبر، ونصفٌ شكر "، كقوله تعالى: (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) ، وإذا اعتَبر العبدُ الدينَ كلَّه: رآه يَرجِعُ بجملته إلى الصبر، والشكر.
" جامع المسائل " (١ / ١٦٥) .
فعلى المسلم أن يؤمن بقدر الله تعالى خيره وشرِّه، ولا يسعه غير ذلك؛ لأن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، والذي لا يصح من غيره.
وعلى المسلم أن يرضى بقضاء الله، ويسلِّم لما يكتبه الله له، أو عليه؛ فإن في ذلك حكَم بالغة، ولا يتعجل في النظر لظاهر الأمر أنه نعمة، أو نقمة، بل العبرة بما يترتب على ذلك من شكر للنعم، ومن رضى بالمصائب، فهمنا يكون مؤمناً محققا لما طلبه الله منه، ويكون مستفيداً من ذلك دوافع تدفعه للعمل وعدم القنوط واليأس، كما تدفعه لشكر الله تعالى لنيل المزيد منها.
ثالثاً:
ثمة علامات يمكن للمسلم أن يستدل بها على كون أصحابها من أهل الجنة، أو أهل النار؛ وذلك بحسب اتصافه بها، وتخلقه بأخلاقها، ظاهراً وباطناً، وعليه بوَّب الإمام النووي ﵀ بقوله في " شرح مسلم ": " بَاب الصِّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ "، وقد جعل تبويبه هذا على حديث عياض بن حمار المجاشعي، والذي رواه مسلم (٢٢٦٥) ، وفيه:
(وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ وَرَُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ.
قَالَ:
وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ وَذَكَرَ الْبُخْلَ أَوْ الْكَذِبَ وَالشِّنْظِيرُ الْفَحَّاشُ) .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
(ذو سلطان مقسط موفق) وهذا هو الشاهد، يعني: صاحب سلطان، والسلطان يعم السلطة العليا، وما دونها.
(مقسط) أي: عادل بين مَن ولَاّه الله عليهم.
(موَّفق) أي: مهتد لما فيه التوفيق والصلاح، قد هدى إلى ما فيه الخير.
فهذا من أصحاب الجنة.
(ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم) رجل رحيم، يرحم عبادَ الله، يرحم الفقراء، يرحم العجزة، يرحم الصغار، يرحم كل من يستحق الرحمة.
(رقيق القلب) ليس قلبه قاسياً.
(لكل ذي قربى ومسلم) وأما للكفار: فإنه غليظ عليهم.
هذا أيضاً من أهل الجنة: أن يكون الإنسان رقيق القلب، يعني: فيه لين، وفيه شفقة على كل ذي قربى ومسلم.
والثالث: (رجل عفيف متعفف ذو عيال) يعني: أنه فقير، ولكنه متعفف لا يسأل الناس شيئاً يحسبه الجاهل غنيّاً من التعفف.
(ذو عيال) أي: أنه مع فقره عنده عائلة، فتجده صابراً، محتسباً، يكد على نفسه، فربما يأخذ الحبل ويحتطب ويأكل منه، أو يأخذ المخلب يحتش فيأكل منه، المهم: أنه عفيف، متعفف، ذو عيال، ولكنه صابر على البلاء، صابر على عياله، فهذا من أهل الجنة، نسأل الله أن يجعلنا من أحد هؤلاء الأصناف.
" شرح رياض الصالحين " (٣ / ٦٤٨، ٦٤٩) .
وقال النووي – ﵀:
شرح النووي على مسلم - (١٧ / ١٩٩)
(الضعيف الذي لا زَبر له الذين هم فيكم تبعاً لا يبتغون أهلاً، ولا مالاً) .
فقوله (زبر) بفتح الزاي وإسكان الموحدة، أي: لا عقل له يزبره، ويمنعه مما لا ينبغى، وقيل: هو الذي لا مال له، وقيل: الذي ليس عنده ما يعتمده.
وقوله (لا يتبعون) بالعين المهملة، مخفف، ومشدد، من الاتباع، وفي بعض النسخ " يبتغون " بالموحدة والغين المعجمة، أي: لا يطلبون.
قوله ﷺ (والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانة) معنى (لا يخفى) : لا يظهر، قال أهل اللغة: يقال خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته وكتمته، هذا هو المشهور، وقيل: هما لغتان فيهما جميعاً.
قوله (وذكر البخل والكذب) هي في أكثر النسخ (أو الكذب) بـ (أو) ، وفي بعضها (والكذب) ، بالواو، والأول: هو المشهور في نسخ بلادنا، وقال القاضي: روايتنا عن جميع شيوخنا بالواو إلا ابن أبي جعفر عن الطبري فبـ (أو) وقال بعض الشيوخ: ولعله الصواب، وبه تكون المذكورات خمسة.
وأما (الشنظير) فبكسر الشين والظاء المعجمتين وإسكان النون بينهما، وفسَّره في الحديث بأنه الفحَّاش، وهو السيء الخلق.
" شرح مسلم " (١٧ / ١٩٩، ٢٠٠) .
فليتأمل العبد الموفق، كيف أن النبي ﷺ قد جعل علامة أهل الجنة في الآخرة أن يعملوا بأعمالهم في الدنيا، وجعل علامة أهل النار في الآخرة أن يعملوا بأعمالهم في الدنيا.
قال الإمام أحمد ﵀: " سمعت سفيان بن عيينة يقول: من يزرع خيرا يحصد غِبطة، ومن يزرع شرا يحصد ندامة؛ تفعلون السيئات وترجون أن تُجْزَوُا الحسنات؟!
أجل؛ كما يجني من الشوك العنب!! "
"العلل ومعرفة الرجال" (٢/٣٧٣) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1903
مسائل في أصل خلق الجنين، وفي كونه ذكَراً أو أنثى، وفي شبهه بأبيه أو أمه
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت بعض الأحاديث عن تكون الجنين، والتي أوردها ابن القيم في كتابه " التبيان في أقسام القرآن "، ذكر أن النبي ﷺ قال: (إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة كان الجنين ذكراً وإذا سبق ماء المرأة الرجل كان الجنين أنثى ... ) ثم ذكر حديثاً آخر أن النبي ﷺ سُئل من ماذا خُلق الإنسان؟ فأجاب ﷺ قائلاً (من ماء الرجل والمرأة معاً، فماء الرجل تُخلق منه العظام والأعصاب لأنه غليظ، وماء المرأة يُخلق منه الدم واللحم لأنه ليّن) ، هل من الممكن شرح وتوضيح هذه الفكرة على ضوء هذين الحديثين؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الحديث الثاني المذكور في السؤال: لا يصح، وهذا لفظه، وكلام الأئمة عليه:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُود قَالَ: (مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: يَا يَهُودِيُّ، إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَقَالَ: لَأَسْأَلَنَّهُ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ. قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ / مِمَّ يُخْلَقُ الْإِنْسَانُ؟ قَالَ: يَا يَهُودِيُّ، مِنْ كُلٍّ يُخْلَقُ مِنْ نُطْفَةِ الرَّجُلِ، وَمِنْ نُطْفَةِ الْمَرْأَةِ، فَأَمَّا نُطْفَةُ الرَّجُلِ فَنُطْفَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْهَا الْعَظْمُ وَالْعَصَبُ، وَأَمَّا نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ فَنُطْفَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْهَا اللَّحْمُ وَالدَّمُ، فَقَامَ الْيَهُودِيُّ فَقَالَ: هَكَذَا كَانَ يَقُولُ مَنْ قَبْلَكَ) رواه أحمد في "مسنده" (٧/٤٣٧) .
قال الشيخ أحمد شاكر ﵀:
إسناده ضعيف؛ لضعف حسين بن الحسن، وهو الأشقر. والحديث في " مجمع الزوائد " (٨ / ٢٤١) ، وقال: " رواه أحمد والطبراني والبزار بإسنادين، وفي أحد إسناديه عامر بن مدرك، وثقه ابن حبان، وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات، وفي إسناد الجماعة عطاء بن السائب، وقد اختلط ".
"مسند أحمد" تحقيق الشيخ أحمد شاكر (٦ / ١٩٩) .
وكذا ضعفه محققو المسند (٧ / ٤٣٧) طبعة الرسالة، وقالوا:
إسناده ضعيف؛ لضعف حسين بن الحسن، وهو الأشقر، وعطاء بن السائب اختلط بأخرة، ولم نقف على سماع أبي كدينة - وهو يحيى بن المهلب - منه، هل كان قبل الاختلاط أم بعده، وعبد الرحمن والد القاسم - وهو ابن عبد الله بن مسعود - لم يثبت سماعه لهذا الحديث من أبيه، فهو إنما سمع من أبيه شيئاً يسيراً. انتهى.
ومع ضعف سند الحديث: فإن في متنه إشكالاً، حيث ذُكر فيه أن لحم الجنين يكون من نطفة الأم، وعظمه من نطفة الأب، وظاهر النصوص: أن اللحم والعظم من مجموع النطفتين.
ونقل محققو المسند عن نور الدين أبي الحسن السندي ﵀ قوله:
"قوله: (وَأَمَّا نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ فَنُطْفَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْهَا اللَّحْمُ وَالدَّم) : قلت: ظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً....) الآية المؤمنون/١٤: يدل على أن مجموع النطفتين يصير عظاماً" انتهى.
ثانياً:
أما خلق الجنين، وكونه ذكراً أو أنثى، وشبهه بأبيه، أو أمه: فكلها مسائل لها ما يدل عليها من الكتاب والسنَّة، وفيها خلاف بين العلماء، ونحن نذكر ذلك مختصراً:
١. خلق الجنين:
قال تعالى: (فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرَائِبِ) الطارق/ ٥ – ٧.
وقد اختلف العلماء في معنى هذه الآية، وقد ذكرنا اختلافهم في جواب السؤال رقم (١١٨٨٧٩) ، ورجحنا قول طائفة من المفسرين والعلماء أن " الصلب " – وهو الظهر -، و " الترائب " – وهي عظام الصدر -: هي للرجل نفسه.
٢. الذكورة والأنوثة، والشبه:
وفي هذا خلاف كبير بين العلماء المتقدمين والمعاصرين، ونحن نذكر طائفة من الأحاديث في المسألة، ثم نختار أشهر أقوال العلماء فيها.
١. عن أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ سأل النَّبِيِّ ﷺ : (مَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِى بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا، أَمَّا الْوَلَدُ، فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتِ الْوَلَدَ. قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ) رواه البخاري (٣٧٢٣) .
ومعنى (ينزع) : يذهب إليه - أو إليها – بشبهه.
٢. عن ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ حِبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ ... قَالَ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ الْوَلَدِ، قَالَ: (مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ آنَثَا بِإِذْنِ اللَّهِ) قَالَ الْيَهُودِيُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ. رواه مسلم (٣١٥) .
٣. عن أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّهَا سَأَلَتْ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا رَأَتْ ذَلِكِ الْمَرْأَةُ فَلْتَغْتَسِلْ) فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ - وَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ ذَلِكَ - قَالَتْ: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : (نَعَمْ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ، إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ، فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلَا أَوْ سَبَقَ يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ) رواه مسلم (٣١١) .
٤. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ: (امْرَأَةً قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَلْ تَغْتَسِلُ الْمَرْأَةُ إِذَا احْتَلَمَتْ وَأَبْصَرَتْ الْمَاءَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَهَلْ يَكُونُ الشَّبَهُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ ذَلِكِ، إِذَا عَلَا مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ، وَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أَشْبَهَ أَعْمَامَهُ) . رواه مسلم (٣١٤) .
ونذكر هنا قولين لأهل العلم في معنى تلك الأحاديث السابقة، ومرجع الكلام إنما هو في فهم معنى "السبق"، و "العلو".
أ. قال ابن القيم ﵀:
"إن سبق أحد الماءين سبب لشبه السابق ماؤه، وعلو أحدهما: سبب لمجانسة الولد للعالي ماؤه، فها هنا أمران: سبق، وعلو، وقد يتفقان، وقد يفترقان، فإن سبق ماءُ الرجل ماءَ المرأة، وعلاه: كان الولد ذكراً، والشبه للرجل، وإن سبق ماءُ المرأة، وعلا ماءَ الرجل: كانت أنثى، والشبه للأم، وإن سبق أحدُهما، وعلا الآخر: كان الشبه للسابق ماؤه، والإذكار، والإيناث لمن علا ماؤه" انتهى.
" تحفة المودود بأحكام المولود " (ص ٢٧٨) .
ب. وقال الحافظ ابن حجر ﵀:
"ووقع عند مسلم من حديث عائشة: (إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أشبه أعمامه، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه أخواله) ونحوه للبزار عن ابن مسعود وفيه: (ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فأيهما أعلى كان الشبه له) ، والمراد بالعلو هنا: السبق؛ لأن كلَّ مَن سبق: فقد علا شأنه، فهو علوٌّ معنوي.
وأما ما وقع عند مسلم من حديث ثوبان - رفعه – (ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا منيُّ الرجل منيَّ المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا منيُّ المرأة منيَّ الرجل آنثا بإذن الله) : فهو مُشكل من جهة أنه يلزم منه اقتران الشبه للأعمام إذا علا ماء الرجل، ويكون ذكراً، لا أنثى، وعكسه، والمشاهد خلاف ذلك؛ لأنه قد يكون ذكراً ويشبه أخواله، لا أعمامه، وعكسه، قال القرطبي: يتعين تأويل حديث " ثوبان " بأن المراد بالعلو: السبق، قلت: والذي يظهر: ما قدمتُه، وهو تأويل العلو في حديث عائشة، وأما حديث ثوبان: فيبقى العلو فيه على ظاهره، فيكون لسبق علامة التذكير والتأنيث، والعلو علامة الشبه، فيرتفع الاشكال، وكأن المراد بالعلو الذي يكون سبب الشبه: بحسب الكثرة، بحيث يصير الآخر مغموراً فيه، فبذلك يحصل الشبه، وينقسم ذلك ستة أقسام:
الأول: أن يسبق ماءُ الرجل، ويكون أكثر، فيحصل له الذكورة، والشبه.
والثاني: عكسه.
والثالث: أن يسبق ماءُ الرجل، ويكون ماء المرأة أكثر، فتحصل الذكورة، والشبه للمرأة.
والرابع: عكسه.
والخامس: أن يسبق ماءُ الرجل، ويستويان، فيذكر، ولا يختص بشبَه.
والسادس: عكسه.
" فتح الباري " (٧ / ٢٧٣) .
فتلخص مما سبق:
أ. أن ابن القيم ﵀ يرى في تفسير " السبق "، و " العلو " إلى أن سبق أحد الماءيْن: سبب لشبه السابق ماؤه، وعلوُّ أحدهما: سببٌ للتذكير والتأنيث.
ب. وذهب ابن حجر ﵀ إلى أن السبق علامة التذكير والتأنيث، والعلو علامة الشبه.
والأمر محتمل، ولعلَّ الحقائق – لا النظريات – الطبية الحديثة تقوي أحد القولين، ويمكن الرجوع إلى الكتب المتخصصة في الموضوع لزيادة المعرفة.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1904
ما معنى قول النبي ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى قول النبي ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"هذا حديث من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، ومعنى (ومثله معه) يعني أن الله أعطاه وحيا آخر وهو السنة التي تفسر القرآن وتبين معناه، كما قال الله : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل/٤٤، فالله أوحى إليه القرآن وأيضا السنة وهي الأحاديث التي ثبتت عنه ﷺ فيما يتعلق بالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من أمور الدين والدنيا، فالسنة وحي ثان أوحاه الله إليه لإكمال الرسالة وتمام البلاغ، وهو ﷺ يعبر عن ذلك بالأحاديث التي بينها للأمة قولا وفعلا وتقريرا، مثل قوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) وقوله ﵊: (لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) ، وقوله ﷺ : (لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول) ، وقوله ﷺ : (الصلوات الخمس، ورمضان إلى رمضان، والجمعة إلى الجمعة، كفارات لما بينهن ما لم تغش الكبائر) إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة في كل ما يحتاجه العباد، وفيما يتعلق بتفسير كتاب الله عليه من ربه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهذا الوحي وحي أوحاه الله إليه، وأخبر عنه النبي ﷺ وبَيَّنه للأمة، فهو من الله وحي بالمعنى، وهو من كلام النبي ﷺ مثل ما تقدم في قوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات. . . إلخ) . ومثل قوله ﷺ : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. . . إلخ) الحديث.
ويدخل في الوحي الثاني الذي أوتيه النبي ﷺ : الأحاديث القدسية التي يرويها الرسول عن ربه ، فهي وحي من الله، ومن كلامه سبحانه، ولكن ليس لها حكم القرآن، مثل قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه : (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا، يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم. . . إلى آخر الحديث) وهو حديث طويل رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر الغفاري ﵁، وكل ذلك داخل في قوله سبحانه: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * [يعني محمدا ﷺ ] وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) النجم/١-٤" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٥/٥٨-٦١) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1905
كيفية التفريق بين الأولاد في المضاجع
[السُّؤَالُ]
ـ[نرجو إيضاح كيفية التفريق بين الأولاد في المضاجع الوارد في حديث الرسول ﷺ ، هل المقصود به التفريق بين البنين والبنات، أم بين البنين بعضهم بعضا، وبين البنات بعضهن بعضا؟ وهل المقصود به التفريق بينهم في الفرش أم لا بد أن يكون كل منهم في غرفة مستقلة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الحديث عام، يعم البنين والبنات، والتفريق يكون بجعل كل واحد من البنين، وكل واحدة من البنات في فراش مستقل، ولو كانوا في غرفة واحدة؛ لأن وجود كل واحد مع الآخر في فراش واحد قد يكون وسيلة لوقوع الفاحشة. وفق الله الجميع لكل خير" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٥/٣٥٧) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1906
شرح حديث ويل للأعقاب من النار
[السُّؤَالُ]
ـ[عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (تخلَّفَ عنَّا النبي ﷺ في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: (ويل للأعقاب من النار) مرتين أو ثلاثا. أريد شرحا مفصلا للحديث.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يمكن الكلام عن هذا الحديث ضمن المباحث الآتية:
أولا: نص الحديث وتخريجه.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ:
(تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِي ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ. مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) رواه البخاري (حديث رقم/٦٠) ، ورواه مسلم (رقم/٢٤١) بلفظ آخر فيه:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:
(رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَتَوَضَّئُوا وَهُمْ عِجَالٌ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ)
وقد روي هذا الحديث عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم، كما قال الإمام الترمذي ﵀ – بعد أن روى الحديث نفسه عن أبي هريرة ﵁:
" وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وعائشة، وجابر، وعبد الله بن الحارث، ومعيقيب، وخالد بن الوليد، وشرحبيل ابن حسنة، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان " انتهى.
" سنن الترمذي " (١/٩٦)
ثانيا: راوي الحديث.
هو الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص، وكان من علماء الصحابة ومن المكثرين مِن الرواية، فقد كان يَكتب كل شيء يسمعه من النبي ﷺ في صحف خاصة عنده، حتى اشتهرت إحدى صحائفه التي سماها بـ " الصادقة "، توفي ليالي الحرة بالطائف.
ثالثا: معاني كلماته (غريب الحديث) .
(تخلف عنا) : أي تأخر عنا.
(أرهقتنا الصلاة) : أي كاد وقتها أن يخرج.
يقول بدر الدين العيني ﵀:
" أي: غشيتنا الصلاة. أي: حملتنا الصلاة على أدائها. وقيل قد أعجلتنا لضيق وقتها. وقال القاضي: ومنه المراهق بالفتح في الحج، ويقال بالكسر: وهو الذي أعجله ضيق الوقت أن يطوف " انتهى.
" عمدة القاري " (٢/٨)
(ويل) : اختلف العلماء في معناها، فمنهم من قال: هو واد في جهنم، ومنهم من قال غير ذلك، والجميع متفق على أنها كلمة وعيد وتخويف وتهديد.
يقول بدر الدين العيني ﵀:
" ويل من المصادر التي لا أفعال لها وهي كلمة عذاب وهلاك " انتهى.
" عمدة القاري " (٢/٩)
(الأعقاب) : جمع عقب، وهو مؤخر القدم.
رابعا: الفوائد الفقهية المستنبطة من الحديث.
١- وجوب غسل الرجلين في الوضوء، وعدم إجزاء المسح من غير غسل، نأخذ ذلك من إنكار النبي ﷺ على الصحابة مسحهم أرجلهم مسحا سريعا من غير غسل وإجراء للماء عليها، وهذا الحكم متفق عليه بين مذاهب المسلمين الأربعة، ولذلك بوب عليه الإمام البخاري بقوله: " باب غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين " انتهى. " صحيح البخاري " (كتاب الوضوء/ باب رقم ٢٧) ، وقال الإمام الترمذي ﵀: " وفقه هذا الحديث أنه لا يجوز المسح على القدمين إذا لم يكن عليهما خفان أو جوربان " انتهى. " سنن الترمذي " (١/٩٦) وبوب عليه النسائي بقوله: باب إيجاب غسل الرجلين. " سنن النسائي " (كتاب الطهارة/ باب رقم ٨٩) ، كما بوب عليه البيهقي ﵀ بقوله: " باب الدليل على أن فرض الرجلين الغسل وأن مسحهما لا يجزئ " انتهى. " السنن الكبرى " (١/٦٨) ، وبوب عليه الإمام ابن خزيمة بقوله: " باب التغليظ في ترك غسل العقبين في الوضوء، والدليل على أن الفرض غسل القدمين لا مسحهما إذا كانتا غير مغطيتين بالخف أو ما يقوم مقام الخف، لا على ما زعمت الروافض أن الفرض مسح القدمين لا غسلهما، إذ لو كان الماسح على القدمين مؤديا للفرض لما جاز أن يقال لتاركٍ فضيلةً: ويل له " انتهى. " صحيح ابن خزيمة " (١/٨٣)
٢- وجوب تعميم أعضاء الوضوء بالغسل، وذلك بإيصال الماء إلى جميع أجزاء أعضاء الوضوء وعدم ترك أي محل منها، نجد ذلك في قوله ﷺ في الحديث: (ويل للأعقاب من النار) فتخصيصه ذكر الأعقاب لأنها في مؤخرة القدم، فهي مظنة لعدم وصول الماء إليها لمن لم يتعاهدها بذلك، فدل على ضرورة العناية بإسباغ الوضوء في محل الفرض. وقد استنبط الإمام البخاري ﵀ هذه الفائدة من الحديث في إحدى المواضع التي أخرجه فيها، فقال: " باب غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين " انتهى. " صحيح البخاري " (كتاب الوضوء/باب رقم ٢٧) وبوب النووي ﵀ على هذا الحديث في " شرح مسلم " بقوله: باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما. " صحيح مسلم " (كتاب الوضوء/باب رقم ٩) . وبوب عليه أبو داود في سننه: باب في إسباغ الوضوء. " سنن أبي داود " (كتاب الطهارة، باب رقم ٤٦)
خامسا: الفوائد الأخرى المستنبطة من الحديث.
في هذا الحديث فوائد كثيرة أخرى للمتأمل، منها:
١- شفقة النبي ﷺ على أصحابه، حيث كان يتأخر عن القافلة ويمشي آخرها كي يعين ضعيفهم ويحمل عاجزهم ويتفقد أحوالهم.
٢- حرص الصحابة رضوان الله عليهم على أداء الصلاة وعدم تأخيرها عن وقتها ولو كانوا في حال السفر والتعب والنصب.
٣- حرص النبي ﷺ على تعليم أصحابه وبيان الحكم الشرعي عند حاجتهم إليها، وعدم سكوته ﷺ عن الخطأ إن وقع منهم.
٤- وفي الحديث فائدةٌ نبَّه عليها البخاري ﵀ بقوله في تبويب الحديث بقوله: " باب من رفع صوته بالعلم " انتهى. صحيح البخاري " (كتاب العلم/باب رقم ٣) . يقول الحافظ ابن حجر ﵀: " واستدل المصنف على جواز رفع الصوت بالعلم بقوله: (فنادى بأعلى صوته) ، وإنما يتم الاستدلال بذلك حيث تدعو الحاجة إليه لبعد أو كثرة جمع أو غير ذلك، ويلحق بذلك ما إذا كان في موعظة كما ثبت ذلك في حديث جابر: (كان النبي ﷺ إذا خطب وذكر الساعة اشتد غضبه وعلا صوته) الحديث أخرجه مسلم " انتهى. " فتح الباري " (١/١٤٣)
٥- وفي قول الراوي ﵁ (مرتين أو ثلاثا) دليل أيضا على الأسلوب التعليمي النافع الذي كان يستعمله ﷺ ، وذلك بتكرار الكلام بالعلم كي يحفظ عنه المستمعون ويتثبت المتشككون، وقد أخرج البخاري الحديث أيضا في موقع آخر وبوب عليه بقوله: باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه. " صحيح البخاري " (كتاب العلم/ باب رقم ٣٠)
٦- وفي الحديث أيضا تذكير المسلم بضرورة تحري موافقة الشريعة في جميع أفعاله وأقواله، ولا يتهاون في شيء منها، فقد توعد النبي ﷺ أولئك الذين لا يبلغ الماء أعقابهم في الوضوء بالويل والنار يوم القيامة، وهو أمر يسير في نظر كثير من الناس، ولكنه عند الله عظيم، فليحذر المسلمون أن يتهاون فيما قد يكون سبب هلاكه في الآخرة، وقد قال الله تعالى: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) النور/١٥.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1907
المراد بنفي الإيمان في حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)
[السُّؤَالُ]
ـ[في الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه) ، هل المقصود أن الشخص كافر - حتى لو أنه يؤمن بالقرآن والسنة - حتى يحب إخوانه، أم المقصود أنه غير كامل الإيمان؟ أرجو التوضيح.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يرد نفي الإيمان في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ويراد به تارةً: نفي أصل الإيمان، فيكون الشخص كافراً. ويراد به تارة أخرى: نفي كمال الإيمان، فيكون الشخص معه أصل الإيمان، فهو ليس كافراً، غير أنه ناقص الإيمان.
والحديث المسؤول عنه هو من النوع الثاني.
قال النووي ﵀:
"قال العلماء ﵏: معناه: لا يؤمن الإيمان التام، وإلا فأصل الإيمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة" انتهى.
"شرح مسلم" (٢/١٦) .
وقال القرطبي:
"معناه: أنه لا يتم إيمانُ أحد الإيمان التام الكامل، حتى يضم إلى إسلامه سلامة الناس منه، وإرادة الخير لهم، والنصح لجميعهم فيما يحاوله معهم" انتهى.
"المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم" (١/٢٢٤) .
وقال أيضا:
"أي: لا يكمل إيمانه؛ إذ من يغش المسلم ولا ينصحه مرتكب كبيرة، ولا يكون كافراً بذلك؛ كما قد بَيَّنَّاه غير مرة.
وعلى هذا: فمعنى الحديث: أن الموصوف بالإيمان الكامل: من كان في معاملته للناس ناصحاً لهم، مريداً لهم ما يريده لنفسه، وكارهاً لهم ما يكرهه لنفسه" انتهى.
"المفهم" (١/٢٢٧) .
ويدل على أن المراد من النفي في هذا الحديث نفي كمال الإيمان، أنه قد جاء الحديث عند ابن حبان بلفظ: (لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير) وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" (١٧٨٠) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
"والمراد بالنفي: كمال الإيمان ...
وقد صرح ابن حبان - من رواية ابن أبي عدي عن حسين المعلم - بالمراد ولفظه: (لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان) ومعنى الحقيقة هنا الكمال، ضرورة أنَّ مَن لم يتصف بهذه الصفة لا يكون كافراً" انتهى.
"فتح الباري" (١/٥٧) .
وقال ابن رجب ﵀:
" (لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير) هذه الرواية تبين معنى الرواية المخرجة في الصحيحين، وأن المراد بنفي الإيمان نفي بلوغ حقيقته ونهايته، فإن الإيمان كثيرا ما يُنفَى لانتفاء بعض أركانه وواجباته، كقوله ﷺ : (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) ، وقوله: (لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ) " انتهى.
"جامع العلوم والحكم" (١٢٠) .
ومعنى نفي كمال الإيمان هنا: أي: الكمال الواجب، فمن لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه كان مقصراً يما يجب عليه من الإيمان، مرتكباً شيئاً محرماً، يستحق عليه العقاب.
قال الحافظ ابن رجب ﵀:
"لمَّا نفى النبي ﷺ الإيمان عمن لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه، دل على أن ذلك من خصال الإيمان، بل من واجباته، فإن الإيمان لا يُنفَى إلا بانتفاء بعض واجباته، كما قال ﷺ : (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ) الحديث، وإنما يحب الرجل لأخيه ما يحب لنفسه إذا سلم من الحسد والغل والغش والحقد، وذلك واجب" انتهى.
"فتح الباري" (١/٤١) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1908
يستحب إغلاق أبواب المنازل في الليل
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هذا الحديث صحيح: وقت غروب الشمس نقول: بسم الله. ونغلق الشبابيك، كي لايدخل الجن؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
صح عن النبي ﷺ أنه أمرنا بإغلاق الأبواب وذكر اسم الله في الليل، عند دخول الليل، وعند النوم والمبيت، وذلك كي يحفظ المسلم بيته وأهله من دخول كل شيطان ضار من شياطين الإنس والجن، وكذلك من دخول الحيوانات والحشرات المؤذية.
عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا، وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا، وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ)
رواه البخاري (٣٢٨٠) واللفظ له، ومسلم (٢٠١٢) ولفظه:
(غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الْبَابَ، وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحُلُّ سِقَاءً، وَلَا يَفْتَحُ بَابًا، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً)
وقد بوب عليه الإمام النووي بقوله:
" باب الأمر بتغطية الإناء، وإيكاء السقاء، وإغلاق الأبواب، وذكر اسم الله عليها، وإطفاء السراج والنار عند النوم، وكف الصبيان والمواشي بعد المغرب " انتهى.
وروى مسلم (٢٠١٣) في الباب نفسه عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْبَعِثُ إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ)
ورواه ابن حبان في " صحيحه " (٤/٩٠) بلفظ:
(أَوْكُوا الأَسْقِيَةَ، وَغَلِّقُوا الأَبْوَابَ إِذَا رَقَدْتُمْ بِاللَّيْلِ، وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْبَابَ مُغْلَقًا دَخَلَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ السِّقَاءَ مُوكًى شَرِبَ مِنْهُ، وَإِنْ وَجَدَ الْبَابَ مُغْلَقًا وَالسِّقَاءَ مُوكًى لَمْ يَحْلِلْ وِكَاءً وَلَمْ يَفْتَحْ بَابًا مُغْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ لِإِنَائِهِ الَّذِي فِيهِ شَرَابُهُ مَا يُخَمِّرُهُ، فَلْيَعْرِضْ عَلَيْهِ عُودًا)
قال الإمام ابن عبد البر ﵀:
" وفي هذا الحديث الأمر بغلق الأبواب من البيوت في الليل، وتلك سنة مأمور بها رفقا بالناس لشياطين الإنس والجن، وأما قوله: (إن الشيطان لا يفتح غلقا، ولا يحل وكاء) فذلك إعلام منه وإخبار عن نعم الله على عباده من الإنس، إذ لم يعط قوة على فتح باب ولا حل وكاء ولا كشف إناء، وأنه قد حرم هذه الأشياء، وإن كان قد أعطي ما هو أكثر منها من التخلل والولوج حيث لا يلج الإنس " انتهى.
" الاستذكار " (٨/٣٦٣)
وقال الحافظ ابن حجر ﵀:
" قال ابن دقيق العيد: في الأمر بإغلاق الأبواب من المصالح الدينية والدنيوية حراسة الأنفس والأموال من أهل العبث والفساد، ولا سيما الشياطين.
وأما قوله: (فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا) فإشارة إلى أن الأمر بالإغلاق لمصلحة إبعاد الشيطان عن الاختلاط بالإنسان، وخصه بالتعليل تنبيها على ما يخفى مما لا يطلع عليه إلا من جانب النبوة، قال: واللام في الشيطان للجنس، إذ ليس المراد فردا بعينه " انتهى.
" فتح الباري " (١١/٨٧)
وقال أيضا ﵀:
" قال القرطبي: جميع أوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة، ويحتمل أن تكون للندب، ولا سيما في حق من يفعل ذلك بنية امتثال الأمر.
وقال ابن العربي: ظن قوم أن الأمر بغلق الأبواب عام في الأوقات كلها، وليس كذلك، وإنما هو مقيد بالليل؛ وكأن اختصاص الليل بذلك لأن النهار غالبا محل التيقظ بخلاف الليل، والأصل في جميع ذلك يرجع إلى الشيطان، فإنه هو الذي يسوق الفأرة إلى حرق الدار " انتهى.
" فتح الباري " (٦/٣٥٦-٣٥٧)
وقال الخطيب الشربيني الشافعي ﵀:
" ويسن إذا جن الليل تغطية الإناء ولو بعرض عود، وإيكاء السقاء، وإغلاق الأبواب مسميا لله تعالى في الثلاثة، وكف الصبيان والماشية أول ساعة من الليل، وإطفاء المصباح للنوم " انتهى.
" مغني المحتاج " (١/٣١)
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" ينبغي للإنسان إذا نام أن يجافي الباب بمعنى يغلقه " انتهى.
" شرح رياض الصالحين "
وانظر جواب السؤال رقم (١٢٥٩٢٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1909
حديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هذا الحديث صحيح: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) يعني: جهاد النفس؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"حديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر، إلي الجهاد الأكبر) رواه البيهقي بسند ضعيف، قاله الحافظ العراقي في تحقيق أحاديث الإحياء، نقله عنه العجلوني في كشف الخفاء، وقال الحافظ ابن حجر ﵀: هو كلام إبراهيم بن أبي عبلة وليس بحديث، نقله أيضا العجلوني عن الحافظ في الكشف، وهذا ملخص ما ذكره العجلوني، وفي رواية البيهقي: (قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب) ، ورواه الخطيب البغدادي بلفظ: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلي الجهاد الأكبر، قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: مجاهدة العبد هواه) ، وقد روياه جميعا عن جابر، كذا في كشف الخفاء، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "الفتاوى" (١١/١٩٧) : أما الحديث الذي يرويه بعضهم أنه قال في عزوة تبوك: (رجعنا من الجهاد الأصغر، إلى الجهاد الأكبر، فلا أصل له) ، ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي ﷺ وأفعاله" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٦/٣٨١) .
وانظر جواب السؤال رقم (١٠٤٥٥) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1910
حديث إذا كان جنح الليل فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ حديث صحيح
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك دليل على أن وقت المغرب هو وقت انتشار الشياطين، وأنه يجب إدخال الأطفال إلى المنزل في هذا الوقت؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم، ورد في هذا الأدب جملة من الأحاديث الصحيحة. فمن ذلك ما جاء عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا، وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا، وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ)
رواه البخاري (٣٢٨٠) ومسلم (٢٠١٢) ، وبوب عليه النووي بقوله: باب الأمر بتغطية الإناء، وإيكاء السقاء، وإغلاق الأبواب، وذكر اسم الله عليها، وإطفاء السراج والنار عند النوم، وكف الصبيان والمواشي بعد المغرب.
وروى مسلم (٢٠١٣) عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ – أي كل ما ينتشر من ماشية وغيرها - وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْبَعِثُ إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الحديث الأول ـ:
" (جُِنح الليل) هو بضم الجيم وبكسرها، والمعنى: إقباله بعد غروب الشمس، يقال: جنح الليل: أقبل.
قوله: (فخلوهم) قال ابن الجوزي: إنما خيف على الصبيان في تلك الساعة، لأن النجاسة التي تلوذ بها الشياطين موجودة معهم غالبا، والذكر الذي يحرز منهم مفقود من الصبيان غالبا، والشياطين عند انتشارهم يتعلقون بما يمكنهم التعلق به، فلذلك خيف على الصبيان في ذلك الوقت.
والحكمة في انتشارهم حينئذ أن حركتهم في الليل أمكن منها لهم في النهار؛ لأن الظلام أجمع للقوى الشيطانية من غيره، وكذلك كل سواد " انتهى.
" فتح الباري " (٦/٣٤١)
وقال الإمام النووي ﵀:
" هذا الحديث فيه جمل من أنواع الخير والأدب الجامعة لمصالح الآخرة والدنيا، فأمر ﷺ بهذه الآداب التي هي سبب للسلامة من إيذاء الشيطان، وجعل الله هذه الأسباب أسبابا للسلامة من إيذائه، فلا يقدر على كشف إناء، ولا حل سقاء، ولا فتح باب، ولا إيذاء صبي وغيره إذا وجدت هذه الأسباب، وهذا كما جاء في الحديث الصحيح أن العبد إذا سمى عند دخول بيته قال الشيطان: (لا مبيت) أي: لا سلطان لنا على المبيت عند هؤلاء، وكذلك إذا قال الرجل عند جماع أهله: (اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا) كان سبب سلامة المولود من ضرر الشيطان، وكذلك شبه هذا مما هو مشهور في الأحاديث الصحيحة.
وفى هذا الحديث الحث على ذكر الله تعالى في هذه المواضع، ويلحق بها ما في معناها، قال أصحابنا: يستحب أن يذكر اسم الله تعالى على كل أمر ذي بال، وكذلك يحمد الله تعالى في أول كل أمر ذي بال، للحديث الحسن المشهور فيه.
قوله (جنح الليل) هو بضم الجيم وكسرها، لغتان مشهورتان، وهو ظلامه، ويقال: أجنح الليل: أي: أقبل ظلامه، وأصل الجنوح الميل.
قوله ﷺ : (فكفوا صبيانكم) أي: امنعوهم من الخروج ذلك الوقت.
قوله ﷺ : (فإن الشيطان ينتشر) أي: جنس الشيطان، ومعاه أنه يخاف على الصبيان ذلك الوقت من إيذاء الشياطين لكثرتهم حينئذ. والله أعلم " انتهى.
" شرح مسلم " (١٣/١٨٥)
وسئلت اللجنة الدائمة السؤال الآتي:
" في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: (إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم) ثم جاء فيه: (وأطفئوا مصابيحكم) فهل هذا الأمر للوجوب؟ وإن كان للاستحباب فما هي القرينة الصارفة له عن الوجوب؟
فأجابت:
" هذه الأوامر الواردة في الحديث محمولة على الندب والإرشاد عند أكثر العلماء، كما نص عليه جماعة من أهل العلم، منهم: ابن مفلح في " الفروع " (١/١٣٢) ، والحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (١١/٨٧) والله أعلم " انتهى.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٦/٣١٧)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1911
وقفات مهمة مع حديث الحوض، وبيان الطوائف التي تردهم الملائكة عنده
[السُّؤَالُ]
ـ[ما تفسير الحديث القدسي في ما معناه - أن الرسول ﷺ عندما يرِد المسلمون إلى حوضه، يُرجع الله طائفة من الناس فيقول الرسول ﷺ : (يا رب، أمتي، أمتي) فيقول : إنك لا تدري ما فعلوا بعدك؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اصطلح المحدثون على تسمية الحديث الوارد هنا: " حديث الحوض "، وللحديث ألفاظ وروايات متعددة، ليس بينها – بفضل الله – اختلاف.
وهذه بعض الروايات بألفاظها المختلفة:
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا، سُحْقًا، لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي) .
رواه البخاري (٦٢١٢) ومسلم (٢٢٩٠) .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا) قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ) فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: (أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ؛ أُنَادِيهِمْ: أَلَا هَلُمَّ. فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا) .
رواه مسلم (٢٤٩) .
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُهُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، فَلَيُقَطَّعَنَّ رِجَالٌ دُونِي، فَلَأَقُولَنَّ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَلَيُقَالَنَّ لِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) .
رواه أحمد (٤١ / ٣٨٨) وصححه المحققون.
عن أَنَس بْن مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ رِجَالٌ مِمَّنْ صَاحَبَنِي، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُهُمْ وَرُفِعُوا إِلَيَّ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَلَأَقُولَنَّ: أَيْ رَبِّ أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي، فَلَيُقَالَنَّ لِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ) .
رواه البخاري (٦٢١١) ومسلم (٢٣٠٤) .
عن عَبْد اللَّهِ بنِ مسعود قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ لَيُرْفَعَنَّ إِلَيَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ حَتَّى إِذَا أَهْوَيْتُ لِأُنَاوِلَهُمْ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَصْحَابِي يَقُولُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ) .
رواه البخاري (٦٦٤٢) ومسلم (٢٢٩٧) .
ثانياً:
عند التأمل في الأحاديث السابقة نجد أن الكلام قد انحصر في مجموعات ترِد حوض النبي ﷺ لتشرب منه، فتردهم الملائكة، ويناديهم النبي ﷺ بألفاظ هي " أمتي "، " أصحابي "، " أصيحابي "، وليس بينها اختلاف تضاد، بل هي محمولة على أناس تشملهم معاني تلك الكلمات، ويمكننا أن نجملهم بهذه الطوائف:
١. مرتدون عن الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ ، وكانوا أسلموا في حياته ورأوه وهم على الإسلام.
٢. مرتدون عن الإسلام في أواخر حياته ﷺ ، ولم يكن يعلم بكفرهم.
٣. أهل النفاق ممن أظهر الإسلام، وأبطن الكفر.
٤. أهل الأهواء الذين غيَّروا سنَّة النبي صلى الله وسلم وهديه، كالروافض، والخوارج.
٥. وبعض العلماء يُدخل فيهم: أهل الكبائر، وله ما يؤيد من السنَّة، فقد روى الإمام أحمد في مسنده (٩ / ٥١٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَأْمُرُونَكُمْ بِمَا لَا يَفْعَلُونَ فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكِذْبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ وَلَنْ يَرِدَ عَلَيَّ الْحَوْضَ) وصححه المحققون.
ولفظ " أمتي " في الأحاديث يصدق على أهل القول الرابع، والخامس، ولفظ " أصحابي " و " أصيحابي " على الأقوال الثلاثة الأوَل.
ومما يدل على أنهم من أمته ﷺ : أنه عرفهم بالغرة والتحجيل، وهي سيما خاصة بهذه الأمة، ويكون تعرف النبي صلى الله عليهم وسلم هناك بصفاتهم، لا بأعيانهم؛ لأنهم جاءوا بعده.
ومما يدل على دخول المنافقين في اسم " أصحابي ": قوله ﷺ (لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) رواه البخاري (٣٥١٨) ، وهذا معنى لغوي بحت للصحبة، ليس أنهم استحقوا شرفها؛ لأن تعريف الصحابي الاصطلاحي لا يصدق على هؤلاء.
وهذه طائفة من أقوال أهل العلم في تلك الأحاديث:
١. قال النووي ﵀ – في شرح الحديث -:
هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال:
أحدها: أن المراد به المنافقون، والمرتدون، فيجوز أن يُحشروا بالغرة والتحجيل، فيناديهم النبي ﷺ للسيما التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء مما وُعدتَ بهم، إن هؤلاء بدَّلوا بعدك، أي: لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.
والثاني: أن المراد من كان في زمن النبي ﷺ ، ثم ارتد بعده، فيناديهم النبي ﷺ ، وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان يعرفه ﷺ في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك.
والثالث: أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام.
" شرح مسلم " (٣ / ١٣٦، ١٣٧) .
٢. وقال الحافظ ابن حجر – ﵀:
وقال الخطابي: لم يرتد من الصحابة أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة العرب، ممن لا نصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحاً في الصحابة المشهورين، ويدل قوله: (أصيحابي) بالتصغير على قلة عددهم.
" فتح الباري " (١١ / ٣٨٥) .
٣. وقال الشيخ عبد القاهر البغدادي – ﵀:
أجمع أهل السنَّة على أن الذين ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ من كِندة، وحنيفة، وفزارة، وبني أسد، وبني بكر بن وائل، لم يكونوا من الأنصار، ولا من المهاجرين قبل فتح مكة، وإنما أطلق الشرع اسم المهاجرين على من هاجر إلى النبي ﷺ قبل فتح مكة، وأولئك بحمد الله ومنِّه درجوا على الدين القويم، والصراط المستقيم.
وأجمع أهل السنة على أن من شهد مع رسول الله بدراً: من أهل الجنة، وكذلك كل مَن شهد معه بيعة الرضوان بالحديبية.
" الفَرْق بين الفِرق " (ص ٣٥٣) .
٤. وقال الشاطبي – ﵀:
والأظهر: أنهم من الداخلين في غمار هذه الأمة؛ لأجل ما دل على ذلك فيهم، وهو الغرة والتحجيل؛ لأن ذلك لا يكون لأهل الكفر المحض، كان كفرهم أصلاً، أو ارتداداً.
ولقوله: (قد بدلوا بعدك) ، ولو كان الكفر: لقال: " قد كفروا بعدك "، وأقرب ما يحمل عليه: تبديل السنة، وهو واقع على أهل البدع، ومن قال: إنه النفاق: فذلك غير خارج عن مقصودنا؛ لأن أهل النفاق إنما أخذوا الشريعة تقيةً، لا تعبداً، فوضعوها غير مواضعها، وهو عين الابتداع.
ويجري هذا المجرى كل من اتخذ السنَّة والعمل بها حيلةً وذريعةً إلى نيل حطام الدنيا، لا على التعبد بها لله تعالى؛ لأنه تبديل لها، وإخراج لها عن وضعها الشرعي.
" الاعتصام " (١ / ٩٦) .
٥. قال القرطبي – ﵀:
قال علماؤنا رحمة الله عليهم أجمعين: فكلُّ مَن ارتد عن دين الله، أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله: فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه، وأشدهم طرداً: مَن خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدِّلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور، والظلم، وتطميس الحق، وقتل أهله، وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر، المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ، والأهواء، والبدع.
ثم البعد قد يكون في حال، ويقربون بعد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال، ولم يكن في العقائد، وعلى هذا التقدير يكون نور الوضوء، يُعرفون به، ثم يقال لهم (سحقاً) ، وإن كانوا من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ يُظهرون الإيمان، ويُسرون الكفر: فيأخذهم بالظاهر، ثم يكشف له الغطاء فيقول لهم: (سحقاً سحقاً) ، ولا يخلد في النار إلا كافر، جاحد، مبطل، ليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.
" التذكرة في أحوال الموتى والدار الآخرة " (ص ٣٥٢) .
ثالثاً:
مما يبين كذب الروافض في زعمهم أن الصحابة الأجلاء أبا بكر وعمر وعثمان من أولئك المرتدين: أنه قد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه قد حصلت ردة، وقتال للمرتدين، فمَن قاتل مَن؟ إن الذي ارتد هم الذين ذكرنا وصفهم، من بعض قبائل العرب، وإن الذي قاتلهم هو أبو بكر الصدِّيق ﵁، وإخوانه من المهاجرين والأنصار - وقد شاركهم في قتالهم: علي بن أبي طالب ﵁، وسبى من بني حنيفة امرأة، أنجبت له فيما بعد الإمام العلَم " محمد بن الحنفية " -؛ فإذا كان الصحابة الكرام: أبو بكر وعمر، ومن معهما من المهاجرين والأنصار: مرتدين؛ فماذا يكون حال مسليمة وأتباعه، والعنسي وأتباعه؟! إلا إن هذا هو عين النفاق والشقاق، وقول الباطل وشهادة الزور.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
الله أكبر على هؤلاء المرتدين المفترين، أتباع المرتدين، الذين برزوا بمعاداة الله ورسوله وكتابه، ودينه، ومرقوا من الإسلام، ونبذوه وراء ظهورهم، وشاقوا الله ورسوله وعباده المؤمنين، وتولوا أهل الردة والشقاق؛ فإن هذا الفصل وأمثاله من كلامهم: يحقق أن هؤلاء القوم المتعصبين على الصدِّيق ﵁ وحزبه ـ من أصولهم ـ من جنس المرتدين الكفار، كالمرتدين الذين قاتلهم الصدِّيق ﵁.
" منهاج السنة النبوية " (٤ / ٤٩٠) .
وقال – ﵀:
وفي الجملة: فأمر مسيلمة الكذاب، وادعاؤه النبوة، واتباع بني حنيفة له باليمامة، وقتال الصدِّيق لهم على ذلك: أمر متواتر، مشهور، قد علمه الخاص، والعام، كتواتر أمثاله، وليس هذا من العلم الذي تفرد به الخاصة، بل عِلْم الناس بذلك أظهر من علمهم بقتال " الجمَل " و " صفِّين "، فقد ذُكر عن بعض أهل الكلام أنه أنكر " الجمل "، و " صفين "، وهذا الإنكار وإن كان باطلا: فلم نعلم أحداً أنكر قتال أهل " اليمامة "، وأن مسيلمة الكذاب ادعى النبوة، وأنهم قاتلوه على ذلك.
لكن هؤلاء الرافضة مِن جحدهم لهذا، وجهلهم به: بمنزلة إنكارهم لكون أبي بكر وعمر دُفِنَا عند النبي ﷺ ، وإنكارهم لموالاة أبي بكر، وعمر للنبي ﷺ ، ودعواهم أنه نص على " علي " بالخلافة، بل منهم من ينكر أن تكون زينب، ورقية، وأم كلثوم من بنات النبي ﷺ ! ويقولون: إنهن لخديجة من زوجها الذي كان كافراً قبل النبي ﷺ .
" منهاج السنة النبوية " (٤ / ٤٩٢، ٤٩٣) .
وقال – أيضاً -:
وهم – أي: الرافضة - يدَّعون أن أبا بكر وعمر، ومن اتبعهما ارتدوا عن الإسلام! وقد علم الخاص والعام: أن أبا بكر هو الذي قاتل المرتدين، فإذا كانوا يدَّعون أن أهل اليمامة مظلومون، قتلوا بغير حق، وكانوا منكرين لقتال أولئك، متأولين لهم: كان هذا مما يحقق أن هؤلاء الخلف تبع لأولئك السلف، وأن الصدِّيق وأتباعه يقاتلون المرتدين في كل زمان.
وقوله – أي: ابن المطهر الحلي الرافضي – " إنهم سمُّوا بني حنيفة مرتدين لأنهم لم يحملوا الزكاة إلى أبي بكر ": فهذا مِن أظهر الكذب، وأبينِه؛ فإنه إنما قاتل بني حنيفة لكونهم آمنوا بمسيلمة الكذاب، واعتقدوا نبوته، وأما مانعو الزكاة: فكانوا قوماً آخرين، غير بني حنيفة، وهؤلاء كان قد وقع لبعض الصحابة شبهة في جواز قتالهم، وأما بنو حنيفة فلم يتوقف أحد في وجوب قتالهم ... .
" منهاج السنة النبوية " (٤ / ٤٩٣، ٤٩٤) .
رابعاً:
يقال لهؤلاء الروافض: لماذا ارتد الخلفاء الثلاثة دون علي؟! وما الذي استثنى مثل " عمار بن ياسر " و " المقداد بن الأسود " و " أبا ذر " و " سلمان الفارسي " من الردة؟! أم هو التحكم والهوى؟! .
ونحن نعتقد أن المهاجرين والأنصار في الجنة خالدين فيها أبداً، قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة/ ١٠٠.
ونعتقد أن أبا بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وهكذا كل من سماهم النبي ﷺ ، وأن هؤلاء جميعاً سيشربون من حوض النبي ﷺ شراباً هنيئاً، والويل والثبور لمن لعنهم، وكفرهم، فهو أولى أن يكون يوم القيامة في صف المرتدين الذين حاربهم أولئك الأطهار.
خامساً:
هذه الأحاديث حجة على الروافض؛ حيث يثبتون فيها ردة الصحابة ﵃ إلا نفراً قليلاً، ويزعمون أنهم " أحدثوا " بعد وفاة النبي ﷺ ، ومعنى هذا أنهم كانوا على الإيمان قبل ذلك! فأي دين اعتقدوه بعد ذلك؟ وماذا فعلوا ما استحقوا به التكفير؟! فإن قالوا: سلب الخلافة من علي ﵁: فيقال لهم هذه معصية! تكفرها الحسنات، ويكفي الصحابة سبكم ولعنكم لهم حتى توضع أوزارهم عليكم إن شاء الله.
وإن قالوا: قتل جنين فاطمة! : قلنا قد قُتل في زمن علي ﵁ الآلاف! فهل تطبقون عليه القاعدة نفسها في التكفير؟! .
فتبين مما سبق: أن الصحابة الأجلاء هم الذين دافعوا عن دين الله، وهم الذين أوقفوا مدَّ الردة، والتي قام على إذكائها ونشرها سلف أولئك الروافض، من أمثال مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وأن الله تعالى قد أثنى في كتابه الكريم على المهاجرين والأنصار في قرآن يُتلى إلى قيام الساعة، وقد نزههم ربهم عن الوقوع في البدعة، فكيف يقعون في الردة، وهم الذين نشروا الإسلام في الآفاق؟! .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1912
طلب الصفات الدنيوية في الخاطب والمخطوبة
[السُّؤَالُ]
ـ[عندما جاء أحد الأشخاص لخطبتي , ذكر الحديث التالي , قال ﷺ : (تنكح المرأة لأربع: لدينها، ومالها، وجمالها، ونسبها , فاظفر بذات الدين تربت يداك) سؤالي هو: هل يجوز للمرأة أن تتزوج شخصا ما لتلك الأسباب نفسها؟ إذا كان ذلك جائزا , فلماذا لم يذكر النبي ﷺ ذلك في الحديث نفسه، أم كان الخطاب خاصاً بالرجال دون النساء؟ وفيما يتعلق باختيار المرأة لزوجها , فقد قرأت حديثا يقول فيه النبي ﷺ : (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه , إلا تفعلوا تكن في الأرض فتنة وفساد كبير) فلماذا لم يذكر النبي ﷺ إلا صفة واحدة للرجل وهي الدين , ولم يذكر باقي الصفات التي ذكرها في حق المرأة من أنها تنكح لأربع؟ وهل يجوز تطبيق الحديث الأول عل كلٍ من الرجل والمرأة؟ ولماذا كان التخصيص فقط للرجل؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ينبغي أولا أن نوضح أن الشريعة الإسلامية إنما حثت على طلب الزوجة الصالحة ذات الدين، وكذلك الزوج الصالح صاحب الدين المستقيم، فالدين هو المقصد الأول والرئيس، وغيره من الصفات كالجمال والمال والحسب والنسب إنما هي تابعة، ليست مذمومة في نفسها، ولا هي مقصودة بالأساس، ولكنها صفات تكميلية إذا وجدت فهي الغنيمة الكاملة، وإذا لم توجد فالدين معيار كل خير.
يدل على ذلك ما جاء في السنة من الثناء على بعض هذه الصفات في الزوجة، ومنه ما جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ النِّسَاءِ خَيرٌ؟ قال: التِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ إِليهَا، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَر، وَلا تُخَالِفُهُ فِي نَفسِهَا وَلا فِي مَالِهِ بِمَا يَكرَهُ)
رواه أحمد (٢/٢٥١) وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٨٣٨)
وكذلك الشأن بالنسبة للزوج، فالأصل طلب الزواج من الصالح التقي الذي جاء وصفه في الحديث بقوله ﷺ : (ترضون دينه وخلقه) ، فإن صاحَبَ ذلك جمال ومال وحسب فذلك مِن نعم الله تعالى، فقد عد النبي ﷺ إضاعة الرجل ماله وعدم قدرته على الإنفاق على زوجته سببا في العدول عن الزواج به، وذلك في حديث فاطمة بنت قيس ﵂ أنها قالت: (لَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ – تعني للنبي ﷺ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) رواه مسلم (١٤٨٠)
يقول العلامة السعدي ﵀:
" فإن حصل مع الدين غيرُه فذاك، وإلا فالدين أعظم الصفات المقصودة " انتهى.
" بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار " (ص/١٢٠)
إذا تبين ما سبق عرفنا الجواب عما ذُكِر، وعرفنا أن المال والحسب والجمال من الأمور المرغوبة في الزوجين عند عامة الناس، مؤمنهم وكافرهم، والرغبة بها مركوزة في طبائع البشر وعادات الناس، والشريعة لا تعارض ذلك، وإنما لم يأت التنبيه عليها لأن الناس ـ بطبيعتهم ـ منتبهون إلى ذلك ويطلبون، حتى إنهم ليبالغون فيه، ويهملون غيره من المهمات؛ فجاءت الشريعة بالتأكيد على ما يغفل الناس عنه، أو يهملونه، مع أن هذا هو المقصود الأعظم من الصفات في ميزان الشرع، وهذا ـ أيضا ـ هو الذي يميز مسلك المؤمن الصالح من مسلك غيره من الناس.
ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث المشهور:
(تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ)
رواه البخاري (٥٠٩٠) ومسلم (١٤٦٦)
قال الإمام النووي ﵀:
" الصحيح في معنى هذا الحديث أن النبي ﷺ أخبر بما يفعله الناس في العادة، فإنهم يقصدون هذه الخصال الأربع، وآخرها عندهم ذات الدين، فاظفر أنت أيها المسترشد بذات الدين، لا أنه أمر بذلك " انتهى.
" شرح مسلم " (١٠/٥١-٥٢)
وقال ﵀:
" ومعنى ذلك: أن الناس يقصدون في العادة من المرأة هذه الخصال الأربع، فاحرص أنت على ذات الدين واظفر بها، واحرص على صحبتها " انتهى.
" رياض الصالحين " (ص/٤٥٤)
وقال القرطبي ﵀:
" هذه الأربع الخصال هي الْمُرغِّبة في نكاح المرأة، وهي التي يقصدها الرِّجال من النساء، فهو خبرٌ عما في الوجود من ذلك، لا أنه أمرٌ بذلك، وظاهره إباحة النكاح لقصد مجموع هذه الخصال، أو لواحدة منها، لكن قصد الدِّين أولى وأهم " انتهى.
" المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم " (٤/٢١٥)
ويقول الشيخ سليمان بن منصور العجيلي الجمل – من فقهاء الشافعية -:
" وبعضهم استدل بهذا الحديث على استحباب كونها جميلة، واعترضه الزركشي بأن الاستدلال بذلك على كونها جميلة عجيب؛ لأن هذا بيان لما هو عادة الناس، ولا أمر فيه بنكاح الجميلة، وهو اعتراض واضح، كما لا أمر فيه بنكاح ذات المال والجمال والحسب " انتهى.
" فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب المعروف بحاشية الجمل " (٤/١١٨)
وانظر جواب السؤال رقم: (٣٤١٧٠)
وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذه الصفات مرغب بها شرعا، وأنه يستحب للخاطب تطلبها في مخطوبته، لكن بشرط أن يكون الدين هو الأساس ـ أيضا ـ وألا تعارضه غيره من الصفات المذكورة؛ فإن حصل تعارض قدم الدين حتما.
قال ابن حجر ﵀:
" ويؤخذ منه – أي من هذا الحديث - أن الشريف النسيب يستحب له أن يتزوج نسيبة، إلا إن تعارض: نسيبة غير دينة، وغير نسيبة دينة، فتقدم ذات الدين، وهكذا في كل الصفات.
قوله: (وجمالها) يؤخذ منه استحباب تزوج الجميلة، إلا إن تعارض: الجميلة الغير دينة، والغير جميلة الديِّنَة، نعم لو تساوتا في الدين فالجميلة أولى، ويلتحق بالحسنة الذات الحسنة الصفات، ومن ذلك أن تكون خفيفة الصداق.
قوله: (فاظفر بذات الدين) في حديث جابر: (فعليك بذات الدين) والمعنى: أن اللائق بذي الدين والمروءة أن يكون الدين مطمح نظره في كل شيء، لا سيما فيما تطول صحبته، فأمره النبي ﷺ بتحصيل صاحبة الدين الذي هو غاية البغية، وقد وقع في حديث عبد الله بن عمرو عند ابن ماجة رفعه [وفيه ضعف] : (لا تزوجوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهن - أي يهلكهن -، ولا تزوجوهن لأموالهن: فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة سوداء ذات دين أفضل) " انتهى باختصار.
" فتح الباري " (٩/١٣٥-١٣٦) .
وقد استدلت كثير من كتب الشافعية بهذا الحديث على استحباب التزوج من الجميلة.
وجاء في " شرح منتهى الإرادات " (٢/٦٢٣) - من كتب الحنابلة -: " ويسن أيضا تخير الجميلة للخبر – يعني الحديث السابق – " انتهى.
والأمر في ذلك واسع إن شاء الله، ما دام المقصود الرئيس في الزوجين متفقا عليه وهو الدين، وما دامت الصفات الدنيوية الأخرى غير مذمومة بل ممدوحة.
أما عدم ذكر الصفات المقصودة من الرجال في الزواج كما ذكرت صفات النساء، فليس ذلك بسبب التفريق بينهما، بل لأن الرجل في العادة هو الذي يبحث عن الزوجة ويطلب فيها ما يختاره من الصفات، والمرأة إنما تفكر في صفات من يتقدم لها، فكان الأنسب أن يوجه الخطاب في حديث (تنكح المرأة لأربع) على ما يجري به الغالب من عوائد الناس، وليس على القليل النادر.
ثم إن الغالب في خطاب الشريعة أنه موجه للرجال، وقد قرر الأصوليون أن خطاب الرجال يشمل النساء إلا بقرينة صارفة، وإلا فليس من اللازم ورود نص في كل حكم شرعي للرجال، وآخر للنساء. وقد قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ) .
رواه الترمذي (١١٣) وغيره، وصححه الألباني في صحيح الجامع.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1913
تقدير المسافات في الأحاديث النبوية
[السُّؤَالُ]
ـ[قال رسول الله ﷺ : (صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، على رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) وفى حديث آخر فيما معناه: (وإن ريحها ليشم من مسيرة مئة عام) والسؤال هو: لماذا عبر الرسول ﷺ عن المسافة بوحدة زمنية وهي العام، أما كان أحرى أن يقول: مائة كيلو، أو أي وحدة من وحدات المسافة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الواجب على المؤمن أن يكون معظماً للرسول ﷺ متأدباً معه، ولا يجوز له أن يجترئ على مقام النبوة فيزعم أن الأفضل أن الرسول ﷺ كان يقول كذا ولا يقول كذا، فمقام النبوة أعظم من هذا، فما قاله النبي ﷺ هو الأفضل وهو الأحكم والأحسن.
ولا مانع من أن يسأل المؤمن عن حكمة قول الرسول ﷺ كذا، ولكن يختار لذلك من الألفاظ ما لا يخدش جناب النبوة ومقامها العظيم.
ثانياً:
بعث النبي ﷺ في العرب وكانوا أمة أمية (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ) الجمعة/٢، وكانت أشهر مقاييسهم في تحديد المسافات هي تحديد ذلك بالمسافة التي تقطع في الوقت معين.
فذلك الضبط بالنسبة لهم كان أظهر وأوضح في بيان المقصود من أي تقدير آخر، لأنهم كانوا يكثرون السفر والتنقل، ويعرفون كم تقطع الإبل بهم في مسيرة اليوم والليلة الواحدة، فكثر ذلك في خطابهم.
فكان من حكمة النبي ﷺ أن يستعمل المقاييس المشهورة المعروفة عندهم، حتى يحصل المقصود من الكلام، ويفهم معناه، ولو تكلم الرسول ﷺ بالمقاييس غير المشهورة عندهم لكان هذا خلاف البيان والبلاغة، حيث يخاطب الناس بما لا يعرفون، أو بما لا يعرفه أكثرهم، من غير فائدة لذلك.
وليس في تحديد المسافة بذلك أي غضاضة، بل هو أمر اصطلاحي يختلف باختلاف الزمان والمكان، ولا يزال هذا التقدير مستعملاً إلى اليوم.
فنحن نسمع اليوم في المقاييس الحديثة ما يسمى بـ "السنة الضوئية": وهي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة واحدة، يعني مسيرة سنة بالنسبة للضوء. فهذا يوافق التقدير المنقول في بعض الأحاديث، والتقدير المشهور عند العرب في الجاهلية قبل الإسلام، وفي صدر الإسلام.
قال الدكتور جواد علي:
"استخدم الجاهليون مصطلحات خاصة في تقدير المسافات والأبعاد، ولا سيما في الأسفار. فاستعملوا مصطلح: مسيرة ساعة، ومسيرة ليلة، ومسيرة نهار، ومسيرة قافلة، وأمثال ذلك، وقصدوا بذلك معدَّل ما يقطعه الإنسان والقافلة في المدد المذكورة" انتهى.
"المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" (١٤/٣١٣) .
وقد جاء في السنة النبوية استعمال مصطلح "الميل":
فعن المقداد بن الأسود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ) رواه مسلم (٢٨٦٤) .
كما استعمل العرب وحدة: " الإصبع "، و " الشبر "، و" الباع "، و " البريد "، و " الفرسخ "، وغير ذلك من الوحدات المشتهرة في كتب الفقهاء، ويمكن الرجوع إلى بعض الدراسات المعاصرة التي تبين مقادير هذه الوحدات بالمقاييس المعاصرة. منها بحث الشيخ عبد الله بن منيع المقدم للندوة التاسعة لقضايا الزكاة المعاصرة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1914
شرح حديث لا يشاد الدين أحد إلا غلبه
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى حديث رسول الله ﷺ : (لا يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ:
(إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَاّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ) رواه البخاري (٣٩) ومسلم (٢٨١٦)
قال الحافظ ابن رجب ﵀:
" معنى الحديث: النهي عن التشديد في الدين، بأن يحمِّل الإنسان نفسه من العبادة ما لا يحتمله إلا بكلفة شديدة، وهذا هو المراد بقوله ﷺ : (لن يشاد الدين أحد إلا غلبه) يعني: أن الدين لا يؤخذ بالمغالبة، فمن شاد الدين غلبه وقطعه.
وفي " مسند الإمام أحمد " – (٥/٣٢) وحسنه محققو المسند - عن محجن بن الأدرع قال:
(أقبلت مع النبي ﷺ ، حتى إذا كنا بباب المسجد إذا رجل يصلي قال: " أتقوله صادقا "؟ قلت: يا نبي الله هذا فلان، وهذا من أحسن أهل المدينة أو من أكثر أهل المدينة صلاة، قال: " لا تسمعه فتهلكه - مرتين أو ثلاث - إنكم أمة أريد بكم اليسر)
وفي رواية له: (إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره) – " مسند أحمد " (٣/٤٧٩) وحسنه المحققون -.
وقد جاء في رواية عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا:
(إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تُبَغِّض إلى نفسك عبادة الله؛ فإن المُنْبَتَّ لا سفرا قطع، ولا ظهرا أبقى) – " السنن الكبرى " البيهقي (٣/١٩) وضعفه الألباني في " السلسلة الضعيفة " (١/٦٤) -
والمُنْبَتُّ: هو المنقطع في سفره قبل وصوله، فلا سفرا قطع، ولا ظهره الذي يسير عليه أبقى حتى يمكنه السير عليه بعد ذلك؛ بل هو كالمنقطع في المفاوز، فهو إلى الهلاك أقرب، ولو أنه رفق براحلته واقتصد في سيره عليها لقطعت به سفره وبلغ إلى المنزل " انتهى باختصار. " فتح الباري " لابن رجب (١/١٣٦-١٣٩)
وقال الحافظ ابن حجر ﵀:
" والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب.
قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع.
وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته، كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة " انتهى.
" فتح الباري " لابن حجر (١/٩٤)
ويقول العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀:
" ما أعظم هذا الحديث وأجمعه للخير والوصايا النافعة والأصول الجامعة، فقد أسّس ﷺ في أوله هذا الأصل الكبير، فقال: (إن الدين يسر) أي: ميسر مسهل في عقائده وأخلاقه وأعماله، وفي أفعاله وتُروكه:
فإن عقائده التي ترجع إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقَدَر خيره وشره: هي العقائد الصحيحة التي تطمئن لها القلوب، وتوصِّل مقتديها إلى أجلِّ غاية وأفضل مطلوب.
وأخلاقه وأعماله أكمل الأخلاق وأصلح الأعمال، بها صلاح الدين والدنيا والآخرة، وبفواتها يفوت الصلاح كله، وهي كلها ميسرة مسهلة، كل مكلف يرى نفسه قادراً عليها لا تشق عليه ولا تكلفه.
عقائده صحيحة بسيطة، تقبلها العقول السليمة، والفطر المستقيمة.
وفرائضه أسهل شيء:
أما الصلوات الخمس: فإنها تتكرر كل يوم وليلة خمس مرات في أوقات مناسبة لها، وتمم اللطيف الخبير سهولتها بإيجاب الجماعة والاجتماع لها؛ فإن الاجتماع في العبادات من المنشطات والمسهلات لها، ورتب عليها من خير الدين وصلاح الإيمان وثواب الله العاجل والآجل ما يوجب للمؤمن أن يستحليها، ويحمد الله على فرضه لها على العباد؛ إذ لا غنى لهم عنها.
وأما الزكاة: فإنها لا تجب على فقير ليس عنده نصاب زكوي، وإنما تجب على الأغنياء تتميماً لدينهم وإسلامهم، وتنمية لأموالهم وأخلاقهم، ودفعاً للآفات عنهم وعن أموالهم، وتطهيراً لهم من السيئات، ومواساة لمحاويجهم، وقياماً لمصالحهم الكلية، وهي مع ذلك جزءٌ يسير جداً بالنسبة إلى ما أعطاهم الله من المال والرزق.
وأما الصيام: فإن المفروض شهر واحد من كل عام، يجتمع فيه المسلمون كلهم، فيتركون فيه شهواتهم الأصلية - من طعام وشراب ونكاح - في النهار , ويعوضهم الله على ذلك من فضله وإحسانه تتميم دينهم وإيمانهم، وزيادة كمالهم، وأجره العظيم، وبره العميم، وغير ذلك مما رتبه على الصيام من الخير الكثير، ويكون سبباً لحصول التقوى التي ترجع إلى فعل الخيرات كلها، وترك المنكرات.
وأما الحج: فإن الله لم يفرضه إلا على المستطيع، وفي العمر مرة واحدة، وفيه من المنافع الكثيرة الدينية والدنيوية ما لا يمكن تعداده، قال تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) الحجّ/٢٨, أي: دينية ودنيوية.
ثم بعد ذلك بقية شرائع الإسلام التي هي في غاية السهولة الراجعة لأداء حق الله وحق عباده. فهي في نفسها ميسرة، قال تعالى: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) البقرة/١٨٥، ومع ذلك إذا عرض للعبد عارض مرض أو سفر أو غيرهما، رتب على ذلك من التخفيفات، وسقوط بعض الواجبات، أو صفاتها وهيئتها ما هو معروف.
ثم إذا نظر العبد إلى الأعمال الموظفة على العباد في اليوم والليلة المتنوعة من فرض ونفل، وصلاة وصيام وصدقة وغيرها، وأراد أن يقتدي فيها بأكمل الخلق وإمامهم محمد ﷺ ، رأى ذلك غير شاق عليه، ولا مانع له عن مصالح دنياه، بل يتمكن معه من أداء الحقوق كلها: حقّ الله، وحقّ النفس، وحقّ الأهل والأصحاب، وحقّ كلّ من له حقّ على الإنسان برفق وسهولة.
وأما من شدد على نفسه فلم يكتف بما اكتفى به النبي ﷺ ، ولا بما علَّمه للأمة وأرشدهم إليه، بل غلا وأوغل في العبادات: فإن الدين يغلبه، وآخر أمره العجز والانقطاع، ولهذا قال: (ولن يَشادَّ الدينَ أحد إلا غلبه)
فمن قاوم هذا الدين بشدة وغلو ولم يقتصد: غلبه الدين، واستحسر، ورجع القهقرى.
ولهذا أمر ﷺ بالقصد، وحثّ عليه فقال: (والقصد القصد تبلغوا)
ثم وصى ﷺ بالتسديد والمقاربة، وتقوية النفوس بالبشارة بالخير، وعدم اليأس.
فالتسديد: أن يقول الإنسان القول السديد، ويعمل العمل السديد، ويسلك الطريق الرشيد، وهو الإصابة في أقواله وأفعاله من كل وجه، فإن لم يدرك السداد من كل وجه فليتق الله ما استطاع، وليقارب الغرض، فمن لم يدرك الصواب كله فليكتف بالمقاربة، ومن عجز عن العمل كله فليعمل منه ما يستطيعه.
ويؤخذ من هذا أصل نافع دلّ عليه أيضاً قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن/١٦, وقوله ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم) والمسائل المبنية على هذا الأصل لا تنحصر.
وفي حديث آخر: (يسِّروا، ولا تعسروا، وبَشِّروا، ولا تنفروا) .
ثم ختم الحديث بوصية خفيفة على النفوس، وهي في غاية النفع فقال: (واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدُّلجة)
وهذه الأوقات الثلاثة كما أنها السبب الوحيد لقطع المسافات القريبة والبعيدة في الأسفار الحسِّية، مع راحة المسافر، وراحة راحلته، ووصوله براحة وسهولة، فهي السبب الوحيد لقطع السفر الأخروي، وسلوك الصراط المستقيم، والسير إلى الله سيراً جميلاً، فمتى أخذ العامل نفسه، وشغلها بالخير والأعمال الصالحة المناسبة لوقته - أوّل نهاره وآخر نهاره وشيئاً من ليله، وخصوصاً آخر الليل - حصل له من الخير ومن الباقيات الصالحات أكمل حظ وأوفر نصيب، ونال السعادة والفوز والفلاح وتم له النجاح في راحة وطمأنينة، مع حصول مقاصده الدنيوية، وأغراضه النفسية.
وهذا من أكبر الأدلة على رحمة الله بعباده بهذا الدين الذي هو مادة السعادة الأبدية؛ إذ نصبه لعباده، وأوضحه على ألسنة رسله، وجعله ميسراً مسهلاً، وأعان عليه من كل وجه، ولطف بالعاملين، وحفظهم من القواطع والعوائق.
فعلمت بهذا: أنه يؤخذ من هذا الحديث العظيم عدة قواعد:
القاعدة الأولى: التيسير الشامل للشريعة على وجه العموم.
القاعدة الثانية: المشقة تجلب التيسير وقت حصولها.
القاعدة الثالثة: إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم.
القاعدة الرابعة: تنشيط أهل الأعمال، وتبشيرهم بالخير والثواب المرتب على الأعمال.
القاعدة الخامسة: الوصية الجامعة في كيفية السير والسلوك إلى الله، التي تغني عن كل شيء ولا يغني عنها شيء.
فصلوات الله وسلامه على من أوتي جوامع الكلم ونوافعها " انتهى.
" بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار " (ص/٧٧-٨٠)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1915
حديث إخراج أناس من النار لم يعملوا خيرا قط لا يعني الكفار
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف نجمع بين حديث: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان) ... قال: (فيقبض قبضة من النار - أو قال قبضتين - ناسا لم يعملوا لله خيرا قط..) وبين خلود الكافر في النار؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا تعارض بين إخراج أناس من النار جاء في وصفهم أنهم (لم يعملوا خيرا قط) ، وبين الآيات الكثيرة التي تقرر خلود الكفار في نار جهنم، وذلك لأن هؤلاء الموصوفين في الحديث ليسوا من الكفار، بل هم من المؤمنين الموحدين، ولكنهم فرطوا في جنب الله، وأسرفوا على أنفسهم حتى تركوا أكثر العبادات والطاعات، ولم يبق لهم ما يدخلهم الجنة إلا الشفاعة.
والحديث يرويه الإمام مسلم في صحيحه (رقم/١٨٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ، وَيَحُجُّونَ. فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ. فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتْ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ.
فَيَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ.
فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا.
ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ.
فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا.
ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ.
فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا.
وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)
فَيَقُولُ اللَّهُ : شَفَعَتْ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ، قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمْ الْخَوَاتِمُ يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ)
والحديث يرويه أيضا الإمام أحمد في " المسند " (١٨/٣٩٤) من طريق أخرى.
وقد بين العلماء أن هذه الشفاعة هي لمن قال لا إله إلا الله، وجاء بأصل التوحيد، ولكنه لم يعمل خيرا قط.
يقول ابن حجر ﵀:
" وشفاعة أخرى هي شفاعته فيمن قال لا إله إلا الله ولم يعمل خيرا قط " انتهى.
" فتح الباري " (١١/٤٢٨)
ويقول الحافظ ابن عبد البر ﵀ – في شرح رواية أبي هريرة لحديث الرجل الذي أوصى بنيه أن يحرقوه ويذروا نصفه في البر ونصفه في البحر خوفا من عقاب الله، حيث جاء فيها: (قال رجل لم يعمل خيرا قط إلا التوحيد) – قال ابن عبد البر ﵀:
" وهذه اللفظة – يعني (إلا التوحيد) - إن صحت رفعت الإشكال في إيمان هذا الرجل، وإن لم تصح من جهة النقل فهي صحيحة من جهة المعنى، والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها؛ لأنه محال غير جائز أن يغفر للذين يموتون وهم كفار، لأن الله قد أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به لمن مات كافرا، وهذا ما لا مدفع له، ولا خلاف فيه بين أهل القبلة، وفي هذا الأصل ما يدلك على أن قوله في هذا الحديث: (لم يعمل حسنة قط) ، أو (لم يعمل خيرا قط لم يعذبه) إلا ما عدا التوحيد من الحسنات والخير، وهذا سائغ في لسان العرب جائز في لغتها، أن يؤتى بلفظ الكل والمراد البعض، والدليل على أن الرجل كان مؤمنا قوله حين قيل له: لم فعلت هذا؟ فقال: من خشيتك يا رب)
والخشية لا تكون إلا لمؤمن مصدق، بل ما تكاد تكون إلا لمؤمن عالم، كما قال الله : (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) قالوا: كل من خاف لله فقد آمن به وعرفه ومستحيل أن يخافه من لا يؤمن به. وهذا واضح لمن فهم وألهم رشده.
ومثل هذا الحديث في المعنى ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا أبو صالح حدثني الليث عن ابن العجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (إن رجلا لم يعمل خيرا قط وكان يداين الناس فيقول لرسوله: خذ ما يسر واترك ما عسر، وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا. فلما هلك قال الله: هل عملت خيرا قط؟ قال لا، إلا أنه كان لي غلام فكنت أداين الناس، فإذا بعثته يتقاضى قلت له خذ ما يسر واترك ما عسر، وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا، قال الله قد تجاوزت عنك)
قال أبو عمر: فقول هذا الرجل الذي لم يعمل خيرا قط غير تجاوزه عن غرمائه (لعل الله يتجاوز عنا) : إيمان وإقرار بالرب، ومجازاته، وكذلك قول الآخر: (خشيتك يا رب) إيمان بالله واعتراف له بالربوبية والله أعلم " انتهى.
" التمهيد " (١٨/٤٠-٤١)
ويقول الإمام ابن خزيمة ﵀ – وقد أورد هذا الحديث تحت باب: " ذكر الدليل أن جميع الأخبار التي تقدم ذكري لها إلى هذا الموضع في شفاعة النبي ﷺ في إخراج أهل التوحيد من النار إنما هي ألفاظ عامة مرادها خاص ":
" هذه اللفظة: (لم يعملوا خيرا قط) من الجنس الذي يقول العرب، ينفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل: لم يعملوا خيرا قط على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به، وقد بينت هذا المعنى في مواضع من كتبي " انتهى.
" التوحيد " (٢/٧٣٢)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1916
تفصيل القول في حديث " أعضوه بهن أبيه " والرد على من قال إنه من الفحش
[السُّؤَالُ]
ـ[سألني ملحد: كيف يتكلم الرسول ﵇ بالألفاظ البذيئة!! وهو نبي، مثل: (أعضوه بهن أبيه) ، ويقر قول أبي بكر: " امصص بظر اللات "، مع أنه ﵇: نهى عن التفحش؟ . فما الجواب المفصل بارك الله فيكم؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا ينبغي للمسلم أن يلتفت لطعن الطاعنين بنبينا محمد ﷺ ، فقد زكَّاه ربُّه تعالى في خلُقه فقال (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم/ ٤، فإذا كانت هذه تزكية رب السموات والأرض له ﷺ : فكل طعنٍ فيه لا قيمة له، ولسنا نتبع نبيّاً لا نعرف دينه وخلُقه، بل نحن على علم بأدق تفاصيل حياته، وقد كانت منزلته عالية حتى قبل البعثة، وشهد له الجاهليون بكمال خلقه، ولم يجدوا مجالاً للطعن فيها، والعجب هو عندما يأتي ملحد قد سبَّ رب العالمين أعظم السب فنفى وجوده، يأتي ليطعن في أخلاق النبي ﷺ ، ويتهمه بالفحش والبذاءة، ويعمى عن كمال خلقه، وينسى سيرته وهديه، وما أحقه بقول القائل:
وَهَبني قُلتُ هَذا الصُبحُ لَيلٌ أَيَعمى العالَمونَ عَنِ الضِياءِ
ثانياً:
قد كان نبينا محمد ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، ومع بعثه بأعظم رسالة للعالَمين، وفيها أحكام لأدق تفاصيل الحياة، إلا أنه في الأبواب التي لها تعلق بالعورة لا نراه إلا عفَّ اللسان، يستعمل أرقى عبارة، ويبتعد عن الفحش في الكلام، ويوصل المقصود بما تحتويه لغة العرب الواسعة، وذلك في أبواب متعددة، مثل: قضاء الحاجة، والاغتسال، والنكاح، وغير ذلك، وقد تنوعت عباراته حتى إن الرجل ليستطيع التحدث بها أمام النساء، ولعلَّنا نكتفي بمثال واحدٍ يؤكد ما سبق ذِكره، وإلا فالأمثلة كثيرة جدّاً:
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنْ الْمَحِيضِ، فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، قَالَ: (خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا) ، قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: (تَطَهَّرِي بِهَا) قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: (سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي) ، فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ.
رواه البخاري (٣٠٨) ومسلم (٣٣٢) .
ومعنى (فِرصة من مِسك) أي: قطعة صوف أو قطن عليها ذلك الطيب المعروف.
وفي رواية للبخاري (٣٠٩) :
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنْ الْمَحِيضِ؟ قَالَ: (خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِي ثَلَاثًا) ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَحْيَا، فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، أَوْ قَالَ: (تَوَضَّئِي بِهَا) فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ .
ثالثاً:
بخصوص الجواب عن الحديث المذكور في السؤال: فإننا ننبِّه على أمرين قبل ذِكر تفصيل الجواب:
الأول: أن هذا اللفظ الوارد في الحديث لم يستعمله النبي ﷺ في حياته، وهو لم يكن لابتداء الكلام به، بل هو عقوبة لقائله، أي: أنه شُرع ردّاً على مرتكبٍ لمحرَّم وهو التعصب الجاهلي.
الثاني: أن ما يوجد في شرع الله تعالى من عقوبات وحدود إنما يراد منها عدم وقوع المعاصي والآثام التي تُفسد على الناس حياتهم، فمن رأى قطع اليد عقوبةً شديدة فليعلم أنه بها يحفظ ماله من أهل السرقة، ومن استبشع الرجم للزاني المحصن فليعلم أنه به يأمن من تعدِّي أهل الفجور على عرضه، وهكذا بقية الحدود والعقوبات، ومثله يقال في الحد من التعصب الجاهلي للقبيلة، والآباء، والأجداد، فجاء تشريع هذه الجملة التي تقال لمن رفع راية العصبية الجاهلية؛ لقطعها من الوجود، ولكف الألسنة عن قولها، وفي كل ذلك ينبغي النظر إلى ما تحققه تلك العقوبات والروادع من طهارة في الأقوال، والأفعال، والأخلاق، وهذا هو المهم لمن كان عاقلاً، يسعى لخلو المجتمعات من الشر وأهله.
رابعاً:
أما الجواب التفصيلي عن الحديث الوارد في السؤال: فنحن نذكر ألفاظ الحديث، ثم نعقبها بشروح أهل العلم له.
عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَجُلًا اعْتَزَى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعَضَّهُ وَلَمْ يُكَنِّهِ، فَنَظَرَ الْقَوْمُ إِلَيْهِ فَقَالَ لِلْقَوْمِ: إِنِّي قَدْ أَرَى الَّذِي فِي أَنْفُسِكُمْ؛ إِنِّي لَمْ أَسْتَطِعْ إِلَّا أَنْ أَقُولَ هَذَا؛ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا: (إِذَا سَمِعْتُمْ مَنْ يَعْتَزِي بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ وَلَا تَكْنُوا) .
رواه أحمد (٣٥ / ١٥٧) وحسَّنه محققو المسند.
عَنْ أُبَيٍّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا اعْتَزَى، فَأَعَضَّهُ أُبَيٌّ بِهَنِ أَبِيهِ، فَقَالُوا: مَا كُنْتَ فَحَّاشًا؟ قَالَ: إِنَّا أُمِرْنَا بِذَلِكَ.
رواه أحمد (٣٥ / ١٤٢) وحسَّنه محققو المسند، وصححه الألباني في صحيح الجامع.
قال أبو جعفر الطحاوي – ﵀:
ففي هذا الحديث أمر رسول الله ﷺ فيمن سُمِع يدعو بدعاء الجاهلية ما أمر به فيه.
فقال قائل: كيف تقبلون هذا عن رسول الله ﷺ وأنتم تروون عنه: (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء من النار) ؟ .
قال: ففي هذا الحديث أن البذاء في النار، ومعنى البذاء في النار هو: أهل البذاء في النار؛ لأن البذاء لا يقوم بنفسه، وإنما المراد بذِكره من هو فيه.
فكان جوابنا في ذلك بتوفيق الله وعونه:
أن " البذاء " المراد في هذا الحديث خلاف البذاء المراد في الحديث الأول، وهو البذاء على مَن لا يستحق أن يُبذأ عليه، فمن كان منه ذلك البذاء: فهو من أهل الوعيد الذي في الحديث المذكور ذلك البذاء فيه، وأما المذكور في الحديث الأول: فإنما هو عقوبة لمن كانت منه دعوى الجاهلية؛ لأنه يدعو برجل من أهل النار، وهو كما كانوا يقولون: " يا لبكر، يا لتميم، يا لهمدان "، فمن فمن دعا كذلك من هؤلاء الجاهلية الذين من أهل النار: كان مستحقّاً للعقوبة، وجعل النبي ﷺ عقوبته أن يقابل بما في الحديث الثاني؛ ليكون ذلك استخفافاً به، وبالذي دعا إليه، ولينتهي الناس عن ذلك في المستأنف، فلا يعودون إليه.
وقد روي هذا الحديث بغير هذا اللفظ، فعن عُتيّ بن ضمرة قال: شهدتُه يوماً - يعني: أبي بن كعب، وإذا رجل يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضّه بكذا أبيه، ولم يكنه، فكأن القوم استنكروا ذلك منه، فقال: لا تلوموني فإن نبي الله ﷺ قال لنا: (من رأيتموه تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه، ولا تكنوا) .
ومعناه: معنى الحديث الذي قبله؛ لأن معنى (من تعزى بعزاء الجاهلية) : إنما هو مِن عزاء نفسه إلى أهل الجاهلية، أي: إضافتها إليهم.
" بيان مشكل الآثار " (٨ / ٥١ – ٥٤) باختصار وتهذيب.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
ولهذا قال من قال من العلماء إن هذا يدل على جواز التصريح باسم العورة للحاجة، والمصلحة، وليس من الفحش المنهي عنه، كما في حديث أبيّ بن كعب عن النبي ﷺ قال: (من سمعتموه يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه هن أبيه ولا تكنوا) رواه أحمد، فسمع أبي بن كعب رجلاً يقول: يا فلان، فقال: اعضض أير أبيك، فقيل له في ذلك فقال: بهذا أمرنا رسول الله ﷺ .
" منهاج السنة النبوية " (٨ / ٤٠٨، ٤٠٩) .
وقال ابن القيم – ﵀ – عند التعليق على حديث أبي داود: أن رجلاً عَطَسَ عند النبى ﷺ ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ! فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : (وَعَلَيْكَ السَّلامُ وعَلَى أُمِّكَ) -:
ونظيرُ ذِكر الأُم هاهنا: ذكرُ " هَنِ " الأب لمن تعزَّى بعزاءِ الجاهلية، فيقال له: اعضُضْ هَنَ أَبِيكَ، وكَانَ ذِكرُ " هَنِ " الأب هاهنا أحسن تذكيراً لهذا المتكبِّرِ بدعوى الجاهلية بالعُضو الذى خَرَجَ منه، وهو " هَنُ " أبيه، فَلَا يَنْبَغِى لَهُ أن يتعدَّى طَوْرَهُ، كما أن ذِكرَ الأُم هاهنا أحسنُ تذكيراً له، بأنه باقٍ على أُمِّيته، والله أعلم بمراد رسوله ﷺ .
" زاد المعاد في هدي خير العباد " (٢ / ٤٣٨) .
خامساً:
قد عمل كبار الصحابة بهذه الوصية، ورأوا ذلك عقوبة وقعت على مستحقها، ولم يروا ذلك مستقبحاً في شيء؟! وقد سبق ذِكر قول أبي بن كعب راوي الحديث لها، وقد قالها – أيضاً – أبو بكر الصدِّيق ﵁، فقد قال عروة بن مسعود لما جاء مفاوضاً عن المشركين في " الحديبية " للنبي ﷺ : " فَإِنِّى وَاللَّهِ لأَرَى وُجُوهًا، وَإِنِّى لأَرَى أَوْشَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ "، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: " امْصُصْ بَظْرَ اللَاّتِ، أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ "، فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ.
رواه البخاري (٢٥٨١) .
قال ابن حجر – ﵀:
و" البَظْر ": بفتح الموحدة، وسكون المعجمة: قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة.
و" اللات ": اسم أحد الأصنام التي كانت قريش وثقيف يعبدونها، وكانت عادة العرب الشتم بذلك، لكن بلفظ الأم، فأراد أبو بكر المبالغة في سب عروة بإقامة من كان يعبد مقام أمه، وحمَله على ذلك ما أغضبه به من نسبة المسلمين إلى الفرار.
وفيه: جواز النطق بما يستبشع من الألفاظ لإرادة زجر من بدا منه ما يستحق به ذلك، وقال ابن المنيِّر: في قول أبي بكر تخسيس للعدو، وتكذيبهم، وتعريض بإلزامهم من قولهم " إن اللات بنت الله! " تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، بأنها لو كانت بنتاً: لكان لها ما يكون للإناث.
" فتح الباري " (٥ / ٣٤٠) .
وقال ابن القيم – ﵀:
وفى قول الصِّدِّيق لعروة: " امصُصْ بَظْرَ اللَاّتِ ": دليلٌ على جواز التصريح باسم العَوْرة، إذا كان فيه مصلحة تقتضيها تلك الحال، كما أذن النبي ﷺ أن يُصرَّح لمن ادَّعى دعوى الجاهلية بِهَنِ أبيه، ويقال له: " اعضُضْ أيْرَ أبيك "، ولا يُكْنَى له، فلكل مقام مقال.
" زاد المعاد في هدي خير العباد " (٣ / ٣٠٥) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1917
معنى (لعن الله من ذبح لغير الله) .
[السُّؤَالُ]
ـ[يقول ﷺ : (لعن الله من ذبح لغير الله) ما هو المقصود من ذلك؟ وهل الذبح للضيف يكون من الذبح لغير الله؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"المقصود من الحديث: تحريم الذبح لمن مات من الأنبياء والأولياء؛ رجاء بركتهم، والذبح للجن؛ إرضاء لهم، ورجاء قضائهم للحاجات، أو دفعاً لشرهم، فإن هذا شرك أكبر يستحق فاعله لعنة الله وغضبه.
أما الذبح للضيوف إكراماً لهم، أو للأهل توسعةً عليهم، والذبح تقرباً إلى الله من أجل أن تجعل صدقة على الأموات يرجى ثوابها من الله للحي والميت، فهذا جائز، بل هو إحسان يرجى ثوابه من الله، وهكذا الضحايا يوم النحر عن الأموات والأحياء.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١/١٩٦) .
وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" أيضاً (١/٢٢٥) :
" يجوز ذبح الذبيحة للضيف ويذكر اسم الله عليها عند الذبح، وليس ذلك داخلا في عموم قوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) ، بل المقصود في الآية ما ذبح لغير الله، كالذبح للأموات ونحوهم تقربا إليهم، أما الذبح للضيف، فالمقصود به إكرامه لا عبادته؛ لأن الرسول ﷺ أمر بإكرام الضيف.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
وللفائدة ينظر جواب السؤال رقم (٤٤٧٣٠) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1918
حديث: (من فطر صائما ... ) يَعُمُّ الغني والفقير
[السُّؤَالُ]
ـ[حديث: (من فطر صائما كان له مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيئاً) هل المقصود بالصائم الفقير؟ أو يدخل في هذا الأقارب والأصدقاء؟ وهل صيام التطوع فيه نفس الأجر إذا فطر صائما؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الحديث عام يعم الغني والفقير، والفرض والنفل، وفضل الله واسع " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٥/٢٠٧) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1919
شرح حديث: (خير صفوف النساء آخرها)
[السُّؤَالُ]
ـ[نحن مجموعة من النساء نصلي في المسجد في رمضان في مكان منعزل عن الرجال بحيث لا يروننا ولا نراهم، وقد لاحظت أن الأخوات لا يكملن الصفوف الأول ولا يسوينها، وقد احتج بعضهن بحديث الرسول ﷺ الذي يقول فيه: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها) فقلت لهن: إن هذا الحديث يقصد به عندما كان النساء يصلين خلف الرجال بدون ساتر، أما الآن فقد اختلف الوضع. فهل هذا الكلام الذي قلته صحيح؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الحديث المذكور صحيح، ولكنه محمول عند أهل العلم على المعنى الذي ذكرت، وهو كون الرجال ليس بينهم وبين النساء حائل، أما إذا كُنَّ مستورات عن الرجال فخير صفوفهن أولها، وشرها آخرها كالرجال، وعليهن إتمام الصفوف الأول فالأول، وسد الفرج، كالرجال، لعموم الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ في ذلك. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٥/١٤٥) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1920
الجمع بين حديث غربة الدين وبقاء الطائفة المنصورة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الجمع بين حديث (بدأ الإسلام غريبا) وحديث: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا منافاة بينهما: فالأول ظاهر من الواقع. وتمامه: (فسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء) وفي رواية لغير مسلم: (يحيون ما أمات الناس من سنتي) وفي رواية أخرى: (الذين يُصلحون ما أفسد الناس) .
والحديث الثاني يدل على بقاء الإصلاح والدعوة والعلم والتعليم، وفيه بشارة أن هنالك طائفة لا تزال ظاهرة على الحق، فالغربة لا تنافي الطائفة، ولا يلزم أن تكون بمكان واحد، والحق لا بد من بقائه حتى يخرج الدجال، وحتى تأتي الريح [التي تقبض أرواح المؤمنين قُبيل قيام الساعة] .
ثم إن هذه الغربة قد تزداد في مصر من الأمصار وتقل في مصر آخر، وقد تكون الغربة ذات معان متعددة: في كثرة البدع، أو إنكار صلاة الجماعة، أو عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أعظمها: غربة أهل التوحيد وظهور الشرك. نسأل الله العافية.
وقد يظهر الإسلام في ناحية ويكون فيها أحسن مما قبل، كما هو الواقع، وقد يكون في زمان أفضل من زمان آخر.
أما حديث: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه) فهو محمول على الأغلب، فلا يمنع أن يكون في بعض الزمان أحسن مما قبله، كما جرى في زمان عمر بن عبد العزيز، فإن زمانه أحسن من زمان سليمان والوليد، وكما حصل في زمان شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من ظهور السنة والرد على المبتدعة، وكما جرى في الجزيرة بعد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٥/١٠٣) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1921
الجمع بين حديث الجساسة وحديث: (أرأيتكم ليلتكم هذه ... )
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت في أشراط الساعة أن المسيح الدجال حي إلى خروجه من حديث تميم الداري، وأيضا حديث النبي ﵄ (أن كل من الأرض في عهده سيموتون خلال مائة سنة) ، واستدلوا بذلك أنه لا يوجد صحابي بعد سنة ١١٠، سؤالي كيف يتم التوفيق بين الحديثين؟ ولماذا لم يمت المسيح الدجال؟ أعاذنا الله وإياكم من فتنته جميعا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
حديث تميم الداري رواه مسلم في صحيحه، وقد سبق إيراده بنصه في جواب السؤال رقم (٨٢٦٤٣)
وهو يدل على أن الدجال حي موجود الآن، وفي زمن النبي ﷺ ، وأنه سيظل محبوسا حتى يؤذن له في الخروج، ولا يعارض هذا ما جاء في الصحيحين عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ، فَقَالَ: (أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ) رواه البخاري (١١٦) ومسلم (٢٥٣٧) .
فهذا الحديث عام، وحديث تميم خاص، فيكون مستثنى من العموم، أو أن الدجال كان يومئذ في البحر، لا على الأرض، فلا يشمله حديث ابن عمر.
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في "أضواء البيان" (٣/٣٩٧) في الجواب على من قال بحياة الخضر محتجا بأن العموم ليس نصا في الاستغراق، يعني العموم في قوله ﷺ : (لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ) قال: " لأن الدجال أخرجه دليل صالح للتخصيص، وهو حديث ثابت في الصحيح من حديث فاطمة بنت قيس ﵂، سمعت النَّبي ﷺ يقول إنه حدثه به تميم الداري، وأنه أعجبه حديث تميم المذكور، لأنه وافق ما كان يحدث به أصحابه من خبر الدجال " ثم ذكر حديث تميم، ثم قال:
" فهذا نص صريح في أن الدجال حي موجود في تلك الجزيرة البحرية المذكورة في حديث تميم الداري المذكور، وأنه باق وهو حي حتى يخرج في آخر الزمان، وهذا نص صالح للتخصيص يخرج الدجال من عموم حديث موت كل نفس في تلك المائة. والقاعدة المقررة في الأصول: أن العموم يجب إبقاؤه على عمومه، فما أخرجه نص مخصِّص خرج من العموم وبقي العام حجة في بقية الأفراد التي لم يدلّ على إخراجها دليل، كما قدمناه مراراً وهو الحق ومذهب الجمهور، وهو غالب ما في الكتاب والسنة من العمومات يخرج منها بعض الأفراد بنص مخصِّص، ويبقي العام حجة في الباقي" انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1922
إطلاق لفظ الرب مقيدا على السيد
[السُّؤَالُ]
ـ[ي عن نهي النبي ﷺ عن قول: (أطعم ربك) ، وقول المولى جل وعلا في سورة يوسف ﵇: (أما الآخر فيسقي ربه خمرا) ، فكيف الجمع بين النصين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
وردت في هذه المسألة بعض النصوص التي ظاهرها التعارض:
فقد جاء في السنة النبوية نهي عن استعمال لفظ العبودية أو الربوبية مضافا لغير الله تعالى:
فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ. وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلَاي. وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي. وَلْيَقُلْ فَتَاي وَفَتَاتِي وَغُلَامِي) رواه البخاري (٢٥٥٢) ومسلم (٢٢٤٩) ، وزاد فيه: (ولا يقل أحدكم ربي) .
ولكن جاء في القرآن الكريم، وفي السنة الصحيحة أيضا، ما يدل على استعمال هذه الألفاظ مضافة لغير الله تعالى.
يقول الله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) النور/٣٢، وقال سبحانه: (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) يوسف/٢٣، وقال : (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) يوسف/٤٢.
وقال النبي ﷺ في جوابه لجبريل ﵇ حين سأله عن أمارات الساعة: (أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا) رواه مسلم برقم (٨) ، وأصله في البخاري برقم (٥٠) .
وقال ﷺ في ضالة الإبل: (فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) رواه البخاري (٩١) ومسلم (١٧٢٢) ، وقال ﷺ : (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ) رواه البخاري (١٤١٢) ومسلم (١٥٧) .
وقال عمر بن الخطاب ﵁ لمولاه: (وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ) رواه البخاري (٣٠٥٩) .
ثانيا:
تعددت أجوبة العلماء على هذا التعارض:
١. فذهب بعضهم إلى أن الجواز كان في شرع من قبلنا، ولذلك استعملها النبي يوسف ﵇، أما في شرعنا فلا يجوز.
قال ابن حزم ﵀ في "المحلى" (٩/٢٥٠) : " فإن احتج محتج بقول يوسف ﵊: (إنه ربى أحسن مثواي) ، وقوله: (اذكرني عند ربك) ، فتلك شريعة وهذه أخرى، وتلك لغة وهذه أخرى، وقد كان هذا مباحا عندنا وفي شريعتنا حتى نهى رسول الله ﷺ عن ذلك " انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (١٥/١١٨) : " فإن قيل: لا ريب أن يوسف سمى السيد ربا في قوله: (اذكرني عند ربك) ، وقوله: (ارجع إلى ربك) ونحو ذلك، وهذا كان جائزا في شرعه، كما جاز في شرعه أن يسجد له أبواه وإخوته، وكما جاز في شرعه أن يؤخذ السارق عبدا، وإن كان هذا منسوخا في شرع محمد ﷺ " انتهى.
٢. وذهب بعض أهل العلم إلى تخصيص النهي بالذي يضيف اللفظ إلى نفسه، فيقول: عبدي، وأما إذا قال: هذا عبدك: فلا بأس.
قال ابن حزم ﵀: " لا يجوز للسيد أن يقول لغلامه: هذا عبدي، ولا لمملوكته: هذه أَمَتي، لكن يقول: غلامي وفتاي ومملوكي ومملوكتي وخادمي وفتاتي.
ولا يجوز للعبد أن يقول: هذا ربي، أو مولاي، أو ربتي، ولا يقل أحد لمملوك: هذا ربك، ولا ربتك، لكن يقول: سيدي.
وجائز أن يقول المرء لآخر: هذا عبدك، وهذا عبد فلان، وأمة فلان، ومولى فلان؛ لأن النهى لم يرد إلا فيما ذكرنا فقط، وجائز أن يقول: هؤلاء عبيدك، وعبادك، وإماؤك " انتهى.
"المحلى" (٩/٢٤٩) .
٣. النهي للكراهة وليس للتحريم.
وهو توجيه أكثر الشراح والفقهاء.
٤. النهي هو عن اتخاذ ذلك عادة، وليس عن استعماله أحيانا.
قال النووي ﵀ في "شرح مسلم" (١٥/٦) : " الجواب من وجهين:
أحدهما: أن الحديث الثاني لبيان الجواز، وأن النهي في الأول للأدب وكراهة التنزيه لا للتحريم.
والثاني: أن المراد النهي عن الإكثار من استعمال هذه اللفظة واتخاذها عادة شائعة، ولم ينه عن إطلاقها في نادر من الأحوال، واختار القاضي هذا الجواب " انتهى.
وقال ﵀ أيضاً: " قال العلماء: وإنما كره للمملوك أن يقول لمالكه: ربي؛ لأن في لفظه مشاركة لله تعالى في الربوبية.
وأما حديث: (حتى يلقاها ربها) فإنما استعمل لأنها غير مكلفة، فهي كالدار والمال، ولا شك أنه لا كراهة في قول: رب الدار، ورب المال.
وأما قول يوسف ﷺ : (اذكرني عند ربك) فعنه جوابان:
أحدهما: أنه خاطبه بما يعرفه، وجاز هذا الاستعمال للضرورة، كما قال موسى ﷺ للسامري: (وانظر إلى إلهك) طه /٩٧، أي: الذي اتخذته إلها.
والجواب الثاني: أن هذا شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا لا يكون شرعا لن إذا ورد شرعنا بخلافه، وهذا لا خلاف فيه " انتهى.
"الأذكار" (ص/٣٦٣) .
وقال القرطبي ﵀:
" قال العلماء: قوله ﵇: (لا يقل أحدكم) ، (وليقل) : من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى، لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم، ولأنه قد جاء عنه ﵇: (أن تلد الأمة ربها) أي: مالكها وسيدها، وهذا موافق للقرآن في إطلاق ذلك اللفظ، فكان محل النهي في هذا الباب ألا نتخذ هذه الأسماء عادة فنترك الأولى والأحسن.
وقد قيل: إن قول الرجل عبدي وأمتي يجمع معنيين:
أحدهما: أن العبودية بالحقيقة إنما هي لله تعالى، ففي قول الواحد من الناس لمملوكه عبدي وأمتي تعظيم عليه، وإضافة له إلى نفسه بما أضافه الله تعالى به إلى نفسه، وذلك غير جائز.
والثاني: أن المملوك يدخله من ذلك شيء في استصغاره بتلك التسمية، فيحمله ذلك على سوء الطاعة.
وقال ابن العربي: يحتمل أن يكون ذلك جائزا في شرع يوسف ﵇ " انتهى.
"الجامع لأحكام القرآن" (٩/١٩٥) .
وانظر جواب السؤال رقم (١١٤٧٤٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1923
فوائد السواك الطبية في السنة النبوية
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد قرأت وسمعت أن هناك فوائد عديدة من استخدام المسواك، مثلا علاج الصداع، منع فقدان الذاكرة، إلخ. أتساءل ما إذا مر بكم حديث لدعم هذا القول. جزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ورد الحث على السواك في السنة النبوية في أحاديث كثيرة، وجاء وصف أثر استعمال السواك بأنه (مطهرة للفم) ، يطهره من الأذى والخبث، ويطيب رائحته، ويمنع الفساد من التسارع إليه، فهي كلمة مطلقة، تثبت للسواك كل طهارة وحماية ووقاية.
يقول الدكتور عبد الله عبد الرزاق السعيد:
" إنها لمعجزة حقا من الرسول الأمي الأمين صلوات الله عليه، حين يقول: عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: (السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ) رواه النسائي (حديث رقم/٥) وعلقه البخاري بصيغة الجزم في كتاب الصوم، باب سواك الرطب واليابس للصائم. وصححه المنذري في "الترغيب والترهيب" (١/١٣٣) ، وحسنه النووي في "المجموع" (١/٢٦٧) ، وفي زيادة في "المعجم الأوسط" للطبراني (٧/٢٧٨) (ومجلاة للبصر) ولكنها ضعيفة جدا، انظر "السلسلة الضعيفة" للألباني (رقم/٥٢٧٦)
كيف لا يكون السواك مطهرة للفم والنبي الأمي ﷺ لا ينطق عن الهوى، علمه شديد القوى، أمرنا بالسواك، فوضع لنا الأسس لوقاية أسناننا وأفواهنا من الأمراض لتنظيفهما، وهذا ما يقوله الآن طب الأسنان الوقائي، وكما يقال " الوقاية خير من العلاج " لما توفر لنا من حياة مليئة بالسعادة والهناء.
وإن جميع الوسائل المتبعة لنظافة الفم والأسنان ذات قيمة كبيرة في الطب الوقائي، ومن هذه الوسائل المتبعة عود الأراك الذي ورد ذكره في كثير من الأحاديث النبوية الشريفة، وهذا العود يسمى " السواك " ...
يقول الأستاذ الدكتور محمد سعيد الجريدلي - رئيس قسم النسج المرضية للفم بجامعة القاهرة -:
" إن المسواك يفوق من الناحية الكيماوية والميكانيكية الفرشاة والمعجون بمرات عديدة "
وبعد أبحاث عدة وجد أن المواد التي بالسواك تقتل الجراثيم، فتشفي أفواهنا من الأمراض، فهو بمفرده يقوم مقامهما لما يحتويه من مواد عديدة تفوق ما تحويه المعاجين السنية، وكذلك ألياف طبيعية قوية لينة ناعمة ومتينة تعمل أحسن مما تقوم به ألياف الفرشاة، فلا تؤذي اللثة، كما أنها تزيل بكل فعالية ما يتبقى بأفواهنا ويعلق بأسناننا من فضلات الطعام، والتي تتسبب في أمراض وآفات الفم والأسنان، كما أنه لا يوجد حتى اليوم، وفي عالمنا المتحضر هذا معجون للأسنان يحتوي المواد التي يحويها السواك ... كذلك جاء في مجلة جمعية أطباء الأسنان الأمريكية أن أكثر المعاجين المستعملة في الولايات المتحدة الأمريكية ليست طبية وصحية.
من هذا نرى أن أغلب المعاجين الموجودة بالسوق تجارية ورخيصة لا يقصد بها إلا الربح، وقد لا يستفيد منها الفم ولا اللثة مطلقا..أما المسواك فلقد وجد فيه – بعد أبحاث علمية – الكثير من المواد الفعالة التي يحملها بين أليافه من مطهرات، كالسنجرين، ومواد قابضة تقوي اللثة كالعفص، وزيوت عطرية حسنة النكهة تطيب بها رائجة الفم، وكلوريد الصوديوم، وبيكربونات الصوديوم، وكلوريد البوتاسيوم، وإكسالات الجير، ومواد عديدة تجلي وتنظف الأسنان، كما أن بعض المواد التي بالمسواك تقتل الجراثيم، ففيهما عناصر ذات أثر وفعل يشبه فعل البنسلين.
إذن فالمسواك مطهرة للفم والأسنان حقا وصدقا، فصلوات الله عليك يا حبيب الله، ويا شفيع الخلق، يا رسولنا الأمين إلى يوم الدين، جئتنا بالقرآن المبين من عند رب العالمين، وأحكم الحاكمين، فصدقت فيما نطقت وقلت: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) " انتهى.
"السواك والعناية بالأسنان" (ص/٩-١٤) .
وجاء في بحث للدكتور جيمس ترنر من كلية الطب بجامعة تينيسي الأمريكية والمنشور في مجلة (طب الفم والأسنان الاستوائية) : إن مسواك الأراك يحتوي على مواد مطهرة وقاتلة للميكروبات أهمها: الكبريت، ومادة (سيتوسيترول ب) كما يحتوي على الصوديوم.
ودلت الأبحاث والتجارب على أن السواك يحتوي على مادة مضادة لنزيف الدم، ومطهرة للثة، ومعقمة للجروح اللثوية. . . كما يحتوي في أليافه على كميات عديدة من الأملاح المعدنية، وشوارد الكالسيوم، والحديد، والفوسفات، والصوديوم.
ويحتوي السواك على نسبة من الفيتامين (C) ومعلوم عند العلماء أن المشاركة بين هذا الفيتامين والمضادات الحيوية يعد من أرفع مستويات التقنية الطبية كما يحتوي على مادة التانين التي تساعد على شد النسيج اللثوي المرتخي.
وانظر جواب السؤال رقم: (٢٥٧٧)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1924
حديث من أصبح منكم آمنا في سربه
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة هذا الحديث: قال رسول الله ﷺ : (من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بأسرها) ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث يرويه سَلَمَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنٍ الخَطْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا)
رواه البخاري في "الأدب المفرد" (رقم/٣٠٠) والترمذي في "السنن" (٢٣٤٦) وقال: حسن غريب.
وقال الشيخ الألباني ﵀ بعد تخريجه الحديث عن جماعة من الصحابة: " وبالجملة، فالحديث حسن إن شاء الله بمجموع حديثي الأنصاري وابن عمر. والله أعلم. انتهى. "السلسلة الصحيحة" (رقم/٢٣١٨)
يقول المباركفوري ﵀ في شرح هذا الحديث:
" قوله: (من أصبح منكم) أي: أيها المؤمنون. (آمناً) أي: غير خائف من عدو.
(في سِربه) أي: في نفسه، وقيل: السرب: الجماعة، فالمعنى: في أهله وعياله. وقيل بفتح السين أي: في مسلكه وطريقه، وقيل بفتحتين أي: في بيته. كذا ذكره القاري عن بعض الشراح. وقال التوربشتي:
(معافى) اسم مفعول من باب المفاعلة، أي: صحيحاً سالماً من العلل والأسقام.
(في جسده) أي: بدنه ظاهراً وباطناً. (عنده قوت يومه) أي: كفاية قوته من وجه الحلال. (فكأنما حيزت) : بصيغة المجهول من الحيازة، وهي الجمع والضم. (له) الضمير عائد لـ (من) ، وزاد في " المشكاة ": " بحذافيرها ". قال القاري: أي: بتمامها، والحذافير الجوانب، وقيل الأعالي، واحدها: حذفار أو حذفور. والمعنى: فكأنما أعطي الدنيا بأسرها " انتهى.
"تحفة الأحوذي" (٧/١١)
وقال المناوي ﵀:
" يعني: من جمع الله له بين عافية بدنه، وأمن قلبه حيث توجه، وكفاف عيشه بقوت يومه، وسلامة أهله، فقد جمع الله له جميع النعم التي من ملك الدنيا لم يحصل على غيرها، فينبغي أن لا يستقبل يومه ذلك إلا بشكرها، بأن يصرفها في طاعة المنعم، لا في معصية، ولا يفتر عن ذكره. قال نفطويه:
إذا ما كساك الدهرُ ثوبَ مصحَّةٍ * ولم يخل من قوت يُحَلَّى ويَعذُب
فلا تغبطنّ المترَفين فإنه * على حسب ما يعطيهم الدهر يسلب
" انتهى. "فيض القدير" (٦/٨٨)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1925
شرح معنى مائلات مميلات
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى قول الرسول ﵊ في الحديث مائلات مميلات؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا حديث صحيح، رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: (صنفان من أهل النار لم أرهما رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها) وهذا وعيد عظيم يجب الحذر مما دل عليه.
فالرجال الذين في أيديهم سياط كأذناب البقر هم من يتولى ضرب الناس بغير حق من شرط أو من غيرهم، سواء كان ذلك بأمر الدولة أو بغير أمر الدولة. فالدولة إنما تطاع في المعروف، قال ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف) وقال ﵊: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وأما قوله ﷺ : (نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات) فقد فسر ذلك أهل العلم بأن معنى " كاسيات " يعني من نعم الله.
" عاريات " يعني من شكرها، لم يقمن بطاعة الله، ولم يتركن المعاصي والسيئات مع إنعام الله عليهن بالمال وغيره، وفسر الحديث أيضا بمعنى آخر وهو أنهن كاسيات كسوة لا تسترهن إما لرقتها أو لقصورها، فلا يحصل بها المقصود، ولهذا قال: " عاريات "، لأن الكسوة التي عليهن لم تستر عوراتهن.
" مائلات " يعني: عن العفة والاستقامة. أي عندهن معاصي وسيئات كاللائي يتعاطين الفاحشة، أو يقصرن في أداء الفرائض، من الصلوات وغيرها.
" مميلات " يعني: مميلات لغيرهن، أي يدعين إلى الشر والفساد، فهن بأفعالهن وأقوالهن يملن غيرهن إلى الفساد والمعاصي ويتعاطين الفواحش لعدم إيمانهن أو لضعفه وقلته، والمقصود من هذا الحديث الصحيح هو التحذير من الظلم وأنواع الفساد من الرجال والنساء.
وقوله ﷺ : (رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة) ، قال بعض أهل العلم: إنهن يعظمن الرءوس بما يجعلن عليها من شعر ولفائف وغير ذلك، حتى تكون مثل أسنمة البخت المائلة، والبخت نوع من الإبل لها سنامان، بينهما شيء من الانخفاض والميلان، هذا مائل إلى جهة وهذا مائل إلى جهة، فهؤلاء النسوة لما عظمن رءوسهن وكبرن رءوسهن بما جعلن عليها أشبهن هذه الأسنمة.
أما قوله ﷺ : (لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها) فهذا وعيد شديد، ولا يلزم من ذلك كفرهن ولا خلودهن في النار كسائر المعاصي، إذا متن على الإسلام، بل هن وغيرهن من أهل المعاصي كلهم متوعدون بالنار على معاصيهم، ولكنهم تحت مشيئة الله إن شاء سبحانه عفا عنهم وغفر لهم وإن شاء عذبهم، كما قال في سورة النساء في موضعين: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) النساء / ٤٨، ومن دخل النار من أهل المعاصي فإنه لا يخلد فيها خلود الكفار بل من يخلد منهم كالقاتل والزاني والقاتل نفسه لا يكون خلوده مثل خلود الكفار بل هو خلود له نهاية عند أهل السنة والجماعة، خلافا للخوارج والمعتزلة ومن سار على نهجهم من أهل البدع؛ لأن الأحاديث الصحيحة قد تواترت عن رسول الله ﷺ دالة على شفاعته ﷺ في أهل المعاصي من أمته، وأن الله يقبلها منه ﷺ عدة مرات، في كل مرة يحد له حدا فيخرجهم من النار، وهكذا بقية الرسل والمؤمنون والملائكة والأفراط كلهم يشفعون بإذنه سبحانه، ويشفعهم فيمن يشاء من أهل التوحيد الذين دخلوا النار بمعاصيهم وهم مسلمون، ويبقى في النار بقية من أهل المعاصي لا تشملهم شفاعة الشفعاء، فيخرجهم الله سبحانه برحمته وإحسانه، ولا يبقى في النار إلا الكفار فيخلدون فيها أبد الآباد كما قال في حق الكفرة: (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا) الإسراء / ٩٧، وقال تعالى: (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا) النبأ / ٣٠، وقال سبحانه في الكفرة من عباد الأوثان: (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) البقرة / ١٦٧، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) المائدة / ٣٦ – ٣٧، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
نسأل الله العافية والسلامة من حالهم.
[الْمَصْدَرُ]
مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز ٦ / ٣٥٥
стр. 1926
حكم الشرب من فم الزجاجة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل النهى عن الشرب من فم السقاء ينطبق على الشرب من فم الزجاجات؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ثبت أن النبي ﷺ : (نَهَى أَنْ يُشْرَبَ مِنْ فِي السِّقَاءِ) رواه البخاري (٥٦٢٨) و (٥٦٢٩) من حديث أبي هريرة وابن عباس ﵃.
و"السقاء" هو: الإناء الذي يوضع فيه الماء ويكون له فم يشرب منه، كالقربة.
وقد ذكر العلماء ﵏ عدة علل لهذا النهي:
١- أن القربة لا يظهر ما بداخلها، فقد يكون بداخلها حشرة أو حية فتؤذيه، كما روي أن رجلا شرب من في السقاء فخرجت حية.
وهذه العلة غير موجودة في الشرب من الزجاجات اليوم؛ لأن الغالب أن ما بداخلها ظاهر.
٢- أن الذي يشرب من في السقاء قد يغلبه الماء، فينصب أكثر مما يحتاج إليه، فيشرق به أو تبتل ثيابه.
وهذه العلة موجودة فيمن يشرب من الزجاجات، كما تراه في كثير من الناس.
٣- أن النهي عن ذلك حتى لا يصيب ريقه فم السقاء أو يختلط بالماء الموجود بداخله، أو يصيب نَفَسُه فم السقاء، فيتقذره غيره، وقد يكون ذلك سبباً لانتقال الأمراض.
وهذه العلة ـ أيضاً ـ موجودة فيمن يشرب من الزجاجة، ولكنها فيمن يمس الزجاجة بفمه، أما إذا كان يَصُبُّ منها ولا يمسها بفمه فلا بأس.
وكذلك أيضاً: هي خاصة بما إذا كان سيشرب من هذه الزجاجة غيره، أما إذا كانت الزجاجة خاصة به، فلا بأس حينئذ من الشرب من فمها.
ولا يبعد أن يكون النهي عن الشرب من في السقاء من أجل هذه العلل كلها، كما قال ذلك ابن العربي وابن أبي جمرة رحمهما الله تعالى.
وانظر: "فتح الباري" شرح الحديث رقم (٥٦٢٨) .
وبعض هذه العلل كما سبق، موجودة فيمن يشرب من الزجاجة، ولذلك فينبغي أن لا يشرب من فمها، لاسيما إذا كان سيشرب من الزجاجة غيره.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1927
هل يلزم البقاء في مكان صلاة الفجر كي يدرك الفضيلة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[من صلى الفجر ثم بدل المكان الذى صلى فيه، وقعد يذكر الله، هل يجوز أم أن عليه أن يبقى في مكانه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
روى الترمذي (٥٨٦) عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
(مَنْ صَلَّى الغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ) ، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" برقم (٣٤٠٣) .
والذي يظهر أن هذا الثواب لا يشترط لحصوله بقاء المصلي في المكان الذي صلى فيه، فما دام في المسجد يذكر الله تعالى فإنه يرجى له حصول هذا الثواب، ويدل على ذلك: إطلاق الحديث: (مَنْ صَلَّى الغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) ، فلم يشترط النبي ﷺ بقاءه في المكان الذي صلى فيه، فلو انتقل إلى مكان آخر داخل المسجد، وجلس يذكر الله تعالى، شمله الحديث، وقد نص على ذلك بعض أهل العلم.
قال ابن رجب ﵀ في "فتح الباري" (٤/٥٦) :
" ورد في فضل من جلس في مصلاه بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس أحاديث متعددة.
وهل المراد بـ (مُصلاه) نفس الموضع الَّذِي صلى فِيهِ، أو المسجد الَّذِي صلى فِيهِ كله مصلى لَهُ؟ هَذَا فِيهِ تردد.
وفي صحيح مُسْلِم عَن جابر بن سمرة، أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ إذا صلى الفجر جلس فِي مصلاه حَتَّى تطلع الشمس حسناء.
وفي رِوَايَة لَهُ: كَانَ النَّبِيّ ﷺ لا يقوم من مُصلاه الَّذِي يصلي فِيهِ الصبح أو الغداة حَتَّى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام.
ومعلوم أَنَّهُ ﷺ لَمْ يكن جلوسه فِي الموضع الَّذِي صلى فِيهِ؛ لأنه كَانَ ينفتل إلى أصحابه عقب الصلاة ويقبل عليهم بوجهه.
وخرجه الطبراني، وعنده: كَانَ إذا صلى الصبح جلس يذكر الله حَتَّى تطلع الشمس.
ولفظة: (الذكر) غريبة.
وفي تمام حَدِيْث جابر بْن سمرة الَّذِي خرجه مُسْلِم: وكانوا يتحدثون فيأخذون فِي أمر الجَاهِلِيَّة، فيضحكون ويتبسم.
فهذا الحديث يدل على أن المراد بـ (مصلاه الذي يجلس فيه) : المسجد كله.
وإلى هذا ذهب طائفة من العلماء، منهم: ابن بطة من أصحابنا وغيره " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1928
ما المقصود بـ " محارم الله "؟
[السُّؤَالُ]
ـ[السؤال: ما المقصود بمحارم الله، وما هو انتهاك محارم الله الواردة بحديث النبي ﷺ : (لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بأعمال أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله هباء منثورا. قال ثوبان: يا رسول الله! صفهم لنا، جَلِّهِم لنا لا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) هل المقصود بانتهاك محارم الله الزنا، وهل انتهاك محارم الله يستلزم الحد عملا بقول الله تعالى: (والحرمات قصاص) ؟ هل من ينتهك محارم الله ومات ولم يتب جزاؤه النار؟ هل الخلوة والوقوع بالفاحشة هي انتهاك لمحارم الله؟ هل الشخص الذي لا يغض البصر هو منتهك لمحارم الله؟ وهل المرأة غير المتحجبة والمبتذلة في لبسها والمتعطرة التي تفتن شباب المسلمين هي منتهكه لمحارم الله؟ هل انتهاك محارم الله المقصود به الخيانة الزوجية أخذا بقول الرسول ﷺ : (أيما امرأة خلعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد برئت منها ذمة الله ورسوله) وقوله أيضا: (أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد هتكت ستر ما بينها وبين الله) ؟ هل من ينتهك محارم الله هو خائن لله وللرسول وللأمانة؟ هل قول رسول الله ﷺ : (اتق المحارم تكن أعبد الناس) المقصود به هم الأقارب فقط، أم أنه مصطلح عام يشمل المسلم والكافر؟ هل محارم الله هي اقتراف السيئات وعدم التناهي عنها، وهذا نجده في قول الله تعالى: (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه) ؟ هل محارم الله اتباع الشهوات وترك العبادات، وهذا نجده في قول الله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
محارم الله: هي كل ما حرمه الله تعالى من الصغائر والكبائر، كالنظر والاختلاط والتبرج المحرم، ومثله الزنا والربا والرشوة والظلم والسرقة والغيبة والنميمة، ونقض ما أمر الله بالوفاء به، وقطع ما أمر الله به أن يوصل؛ فهو لفظ عام تدخل فيه المعاصي بجميع أنواعها. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) الرعد:٢٥.
وقد جاء استعمال لفظ " محارم الله " في أحاديث كثيرة، منها:
ما رواه الإمام مسلم في صحيحه برقم (٢٣٢٨) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
(مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ
ومنها ما رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/١٨٢) عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ! ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا، وَلَا تَتَفَرَّجُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ جَوْفِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ! فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، وَالصِّرَاطُ الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ ، وَالدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ) .
صححه الحاكم في "المستدرك" (١/١٤٤) على شرط مسلم، وكذا الذهبي في التلخيص، وحسنه محققو مسند أحمد، والشيخ الألباني في "صحيح الجامع" (٣٨٨٧) .
وأما حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
(مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ!
فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّ خَمْسًا وَقَالَ:
اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ) .
رواه أحمد (٢/٣١٠) والترمذي (٢٣٠٥) والطبراني في "الأوسط" (٧/١٢٥) وغيرهم من طريق جعفر بن سليمان عن أبي طارق عن الحسن عن أبي هريرة.
قال الطبراني: " لم يرو هذا الحديث عن الحسن إلا أبو طارق، تفرد به جعفر بن سليمان " انتهى.
وقال الترمذي: " هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان، والحسن لم يسمع عن أبي هريرة شيئا، هكذا روي عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، وروى أبو عبيدة الناجي عن الحسن هذا الحديث قوله، ولم يذكر فيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ " انتهى.
وفيه علة أخرى هي جهالة أبي طارق السعدي، إذ لم يرد فيه توثيق ولا تجريح عن أحد من أهل العلم، فقال فيه الذهبي في "الميزان" (٤/٥٤٠) : " لا يعرف " انتهى.
ولبعض جمل هذا الحديث شواهد اقتضت تصحيح الحديث عند بعض أهل العلم، كالشيخ الألباني ﵀ في "السلسلة الصحيحة" (برقم/٩٣٠) ، غير أن جملة الشاهد وهي (اتق المحارم تكن أعبد الناس) لم يرد ما يشهد لها، والله أعلم بالصواب.
يقول المناوي في "فيض القدير" (١/١٦١) :
" أي: احذر الوقوع في جميع ما حرم الله عليك تكن أعبد الناس، أي: مِن أعبدهم، لما أنه يلزم من ترك المحارم فعل الفرائض، فباتقاء المحارم تبقى الصحيفة نقية من التبعات، فالقليل من التطوع مع ذلك ينمو وتعظم بركته، فيصير ذلك المتقي من أكابر العباد، وقال الذهبي: هنا والله تسكب العبرات، فيلزم أن يكون بصيرا بكل واجب فيقوم به، وعارفا بكل محرم فيجتنبه " انتهى بتصرف يسير.
وقد جاء في الكتاب الكريم من التحذير والترهيب من الوقوع في محارم الله ما يغني ويكفي،
يقول الله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) البقرة/٢٢٩
ويقول : (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) النساء/١٤
على أننا ننبه أخانا الكريم على أن حديث (اتق المحارم تكن أعبد الناس) ليس له علاقة بالأقارب أو الأهل، أو المسلم والكافر؛ وإنما اختلط عليك المحارم المشار إليها في هذه الأحاديث وأمثالها، والتي يقصد بها: ما حرمه الله على عباده، والمحارم في باب النكاح، كالأم والأخت ونحو ذلك؛ وهذا لا علاقة له بما نحن فيه.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1929
حديث لا غيبة لفاسق
[السُّؤَالُ]
ـ[ما قولكم في هذا الحديث: (لا غيبة لفاسق) ؟ فإذا صح فهل التحذير من صاحب العين (العائن) يعتبر غيبة له أو لا؟ ومن الذي يحذر منه ولا تعتبر في حقه غيبة أو نميمة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الغيبة محرمة، شديدة التحريم؛ لقوله تعالى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا) الحجرات/١١، ولما ثبت عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) رواه الإمام أحمد وأبو داود بإسناد صحيح، وقد فسر النبي ﷺ الغيبة بأنها ذكرك أخاك بما يكره.
وتجوز في مواضع معدودة دلت عليها الأدلة الشرعية إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ كأن يستشيرك أحد في تزويجه أو مشاركته، أو يشتكيه أحد إلى السلطان لكف ظلمه والأخذ على يده ـ فلا بأس بذكره حينئذ بما يكره؛ لأجل المصلحة الراجحة في ذلك. وقد جمع بعضهم المواضع التي تجوز فيها الغيبة في بيتين فقال:
الذم ليس بغيبة في ستة متظلم ومعرف ومحذر
ولمظهر فسقا ًومستفت ومن طلب الإعانة في إزالة منكر
أما إذا لم يكن هناك مصلحة راجحة في ذكره بما يكره فإنه يكون من الغيبة المحرمة.
وأما السؤال عن لفظ: (لا غيبة لفاسق) هل هو حديث أو لا؟ فقد قال الإمام أحمد: منكر، وقال الحاكم والدارقطني والخطيب: باطل.
ولكن دل على أنه لا غيبة لفاسق قد أظهر المعصية ما ثبت عن النبي ﷺ أنه مُرَّ عليه بجنازة فأثنى عليها الحاضرون شراً، فقال ﷺ : (وجبت) ومُرَّ عليه بأخرى فأثنوا عليها خيراً، فقال ﷺ : (وجبت) فسألوه ﷺ عن معنى قوله وجبت؟ فقال: (هذه أثنيتم عليها شراً فوجبت لها النار، وهذه أثنيتم عليها خيراً فوجبت له الجنة، أنتم شهداء الله في أرضه) ولم ينكر عليهم ثناءهم على الجنازة شراً التي علموا فسق صاحبها، فدل ذلك على أن من أظهر الشر لا غيبة له.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ بكر أبو زيد.
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/١٩) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1930
هل هذا الحديث مخالف لمبدأ المساواة والعدل في الإسلام ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة الحديث الذي رواه أبو داود وغيره ونصه: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم) لأنني قرأت أن بعض الناس شكك فيه لأنه يعارض القرآن الكريم وآياته الداعية إلى إقامة المساواة والعدل.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي وغيرهم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) وله طرق كثيرة لا تخلو من مقال، ولكنه بمجموعها يكون حديثاً حسناً.
ومعنى الحديث: استحباب ترك مؤاخذه ذي الهيئة إذا وقع في زلة أو هفوة لم تعهد عنه إلا ما كان حداً من حدود الله تعالى وبلغ الحاكم فيجب إقامته.
والمراد بـ (ذوي الهيئات) أهل المروءة والخصال الحميدة من عامة الناس، الذين دامت طاعتهم واشتهرت عدالتهم، ولكن زلت في بعض الأحايين أقدامهم، فوقعوا في ذنب وخطأ، ورد هذا المعنى العلامة ابن القيم ﵀ قائلاً: إن النبي ﷺ لا يعبر عن أهل التقوى والطاعة والعبادة بأنهم ذوو الهيئات، ولا عهد بهذه العبارة في كلام الله ورسوله للمطيعين المتقين، والظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد، فإن الله تعالى خصّهم بنوع تكريم وتفضيل على بني جنسهم، فمن كان منهم مستوراً مشهوراً بالخير حتى كبا به جواده، وأديل عليه شيطانه فلا نسارع إلى تأنبيه وعقوبته، بل تقال عثرته ما لم يكن حداً من حدود الله فإنه يتعيّن استيفاؤه من الشريف كما يتعيّن أخذه من الوضيع، فإن النبي ﷺ قال: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرق لقطعت يدها) متفق على صحته، وهذا باب عظيم من أبواب محاسن هذه الشريعة الكاملة، وسياستها للعالم وانتظامها لمصالح العباد في المعاش والمعاد. انتهى كلامه.
وبما تقدم ذكره يتبيّن أن معنى الحديث ليس معارضاً لمبدأ المساواة والعدل في الإسلام وإنما فيه رفع المؤاخذة بالخطأ والذنب الذي ليس فيه حد إذا صدر عمن لم يكن من عادته ذلك، لم يترتب على ترك تعزيره مفسدة.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى اللجنة الدائمة (٢٢/١٨-٢٠) .
следующие страницы →