← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

حكم الشرب من فم الزجاجة [السُّؤَالُ] ـ[هل النهى عن الشرب من فم السقاء ينطبق على الشرب من فم الزجاجات؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ثبت أن النبي ﷺ : (نَهَى أَنْ يُشْرَبَ مِنْ فِي السِّقَاءِ) رواه البخاري (٥٦٢٨) و (٥٦٢٩) من حديث أبي هريرة وابن عباس ﵃. و"السقاء" هو: الإناء الذي يوضع فيه الماء ويكون له فم يشرب منه، كالقربة. وقد ذكر العلماء ﵏ عدة علل لهذا النهي: ١- أن القربة لا يظهر ما بداخلها، فقد يكون بداخلها حشرة أو حية فتؤذيه، كما روي أن رجلا شرب من في السقاء فخرجت حية. وهذه العلة غير موجودة في الشرب من الزجاجات اليوم؛ لأن الغالب أن ما بداخلها ظاهر. ٢- أن الذي يشرب من في السقاء قد يغلبه الماء، فينصب أكثر مما يحتاج إليه، فيشرق به أو تبتل ثيابه. وهذه العلة موجودة فيمن يشرب من الزجاجات، كما تراه في كثير من الناس. ٣- أن النهي عن ذلك حتى لا يصيب ريقه فم السقاء أو يختلط بالماء الموجود بداخله، أو يصيب نَفَسُه فم السقاء، فيتقذره غيره، وقد يكون ذلك سبباً لانتقال الأمراض. وهذه العلة ـ أيضاً ـ موجودة فيمن يشرب من الزجاجة، ولكنها فيمن يمس الزجاجة بفمه، أما إذا كان يَصُبُّ منها ولا يمسها بفمه فلا بأس. وكذلك أيضاً: هي خاصة بما إذا كان سيشرب من هذه الزجاجة غيره، أما إذا كانت الزجاجة خاصة به، فلا بأس حينئذ من الشرب من فمها. ولا يبعد أن يكون النهي عن الشرب من في السقاء من أجل هذه العلل كلها، كما قال ذلك ابن العربي وابن أبي جمرة رحمهما الله تعالى. وانظر: "فتح الباري" شرح الحديث رقم (٥٦٢٨) . وبعض هذه العلل كما سبق، موجودة فيمن يشرب من الزجاجة، ولذلك فينبغي أن لا يشرب من فمها، لاسيما إذا كان سيشرب من الزجاجة غيره. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1927

هل يلزم البقاء في مكان صلاة الفجر كي يدرك الفضيلة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[من صلى الفجر ثم بدل المكان الذى صلى فيه، وقعد يذكر الله، هل يجوز أم أن عليه أن يبقى في مكانه؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله روى الترمذي (٥٨٦) عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ صَلَّى الغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ) ، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" برقم (٣٤٠٣) . والذي يظهر أن هذا الثواب لا يشترط لحصوله بقاء المصلي في المكان الذي صلى فيه، فما دام في المسجد يذكر الله تعالى فإنه يرجى له حصول هذا الثواب، ويدل على ذلك: إطلاق الحديث: (مَنْ صَلَّى الغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) ، فلم يشترط النبي ﷺ بقاءه في المكان الذي صلى فيه، فلو انتقل إلى مكان آخر داخل المسجد، وجلس يذكر الله تعالى، شمله الحديث، وقد نص على ذلك بعض أهل العلم. قال ابن رجب ﵀ في "فتح الباري" (٤/٥٦) : " ورد في فضل من جلس في مصلاه بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس أحاديث متعددة. وهل المراد بـ (مُصلاه) نفس الموضع الَّذِي صلى فِيهِ، أو المسجد الَّذِي صلى فِيهِ كله مصلى لَهُ؟ هَذَا فِيهِ تردد. وفي صحيح مُسْلِم عَن جابر بن سمرة، أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ إذا صلى الفجر جلس فِي مصلاه حَتَّى تطلع الشمس حسناء. وفي رِوَايَة لَهُ: كَانَ النَّبِيّ ﷺ لا يقوم من مُصلاه الَّذِي يصلي فِيهِ الصبح أو الغداة حَتَّى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام. ومعلوم أَنَّهُ ﷺ لَمْ يكن جلوسه فِي الموضع الَّذِي صلى فِيهِ؛ لأنه كَانَ ينفتل إلى أصحابه عقب الصلاة ويقبل عليهم بوجهه. وخرجه الطبراني، وعنده: كَانَ إذا صلى الصبح جلس يذكر الله حَتَّى تطلع الشمس. ولفظة: (الذكر) غريبة. وفي تمام حَدِيْث جابر بْن سمرة الَّذِي خرجه مُسْلِم: وكانوا يتحدثون فيأخذون فِي أمر الجَاهِلِيَّة، فيضحكون ويتبسم. فهذا الحديث يدل على أن المراد بـ (مصلاه الذي يجلس فيه) : المسجد كله. وإلى هذا ذهب طائفة من العلماء، منهم: ابن بطة من أصحابنا وغيره " انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1928

ما المقصود بـ " محارم الله "؟ [السُّؤَالُ] ـ[السؤال: ما المقصود بمحارم الله، وما هو انتهاك محارم الله الواردة بحديث النبي ﷺ : (لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بأعمال أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله هباء منثورا. قال ثوبان: يا رسول الله! صفهم لنا، جَلِّهِم لنا لا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) هل المقصود بانتهاك محارم الله الزنا، وهل انتهاك محارم الله يستلزم الحد عملا بقول الله تعالى: (والحرمات قصاص) ؟ هل من ينتهك محارم الله ومات ولم يتب جزاؤه النار؟ هل الخلوة والوقوع بالفاحشة هي انتهاك لمحارم الله؟ هل الشخص الذي لا يغض البصر هو منتهك لمحارم الله؟ وهل المرأة غير المتحجبة والمبتذلة في لبسها والمتعطرة التي تفتن شباب المسلمين هي منتهكه لمحارم الله؟ هل انتهاك محارم الله المقصود به الخيانة الزوجية أخذا بقول الرسول ﷺ : (أيما امرأة خلعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد برئت منها ذمة الله ورسوله) وقوله أيضا: (أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد هتكت ستر ما بينها وبين الله) ؟ هل من ينتهك محارم الله هو خائن لله وللرسول وللأمانة؟ هل قول رسول الله ﷺ : (اتق المحارم تكن أعبد الناس) المقصود به هم الأقارب فقط، أم أنه مصطلح عام يشمل المسلم والكافر؟ هل محارم الله هي اقتراف السيئات وعدم التناهي عنها، وهذا نجده في قول الله تعالى: (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه) ؟ هل محارم الله اتباع الشهوات وترك العبادات، وهذا نجده في قول الله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) ]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله محارم الله: هي كل ما حرمه الله تعالى من الصغائر والكبائر، كالنظر والاختلاط والتبرج المحرم، ومثله الزنا والربا والرشوة والظلم والسرقة والغيبة والنميمة، ونقض ما أمر الله بالوفاء به، وقطع ما أمر الله به أن يوصل؛ فهو لفظ عام تدخل فيه المعاصي بجميع أنواعها. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) الرعد:٢٥. وقد جاء استعمال لفظ " محارم الله " في أحاديث كثيرة، منها: ما رواه الإمام مسلم في صحيحه برقم (٢٣٢٨) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ ومنها ما رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/١٨٢) عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ! ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا، وَلَا تَتَفَرَّجُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ جَوْفِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ! فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، وَالصِّرَاطُ الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ ، وَالدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ) . صححه الحاكم في "المستدرك" (١/١٤٤) على شرط مسلم، وكذا الذهبي في التلخيص، وحسنه محققو مسند أحمد، والشيخ الألباني في "صحيح الجامع" (٣٨٨٧) . وأما حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ! فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّ خَمْسًا وَقَالَ: اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ) . رواه أحمد (٢/٣١٠) والترمذي (٢٣٠٥) والطبراني في "الأوسط" (٧/١٢٥) وغيرهم من طريق جعفر بن سليمان عن أبي طارق عن الحسن عن أبي هريرة. قال الطبراني: " لم يرو هذا الحديث عن الحسن إلا أبو طارق، تفرد به جعفر بن سليمان " انتهى. وقال الترمذي: " هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان، والحسن لم يسمع عن أبي هريرة شيئا، هكذا روي عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، وروى أبو عبيدة الناجي عن الحسن هذا الحديث قوله، ولم يذكر فيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ " انتهى. وفيه علة أخرى هي جهالة أبي طارق السعدي، إذ لم يرد فيه توثيق ولا تجريح عن أحد من أهل العلم، فقال فيه الذهبي في "الميزان" (٤/٥٤٠) : " لا يعرف " انتهى. ولبعض جمل هذا الحديث شواهد اقتضت تصحيح الحديث عند بعض أهل العلم، كالشيخ الألباني ﵀ في "السلسلة الصحيحة" (برقم/٩٣٠) ، غير أن جملة الشاهد وهي (اتق المحارم تكن أعبد الناس) لم يرد ما يشهد لها، والله أعلم بالصواب. يقول المناوي في "فيض القدير" (١/١٦١) : " أي: احذر الوقوع في جميع ما حرم الله عليك تكن أعبد الناس، أي: مِن أعبدهم، لما أنه يلزم من ترك المحارم فعل الفرائض، فباتقاء المحارم تبقى الصحيفة نقية من التبعات، فالقليل من التطوع مع ذلك ينمو وتعظم بركته، فيصير ذلك المتقي من أكابر العباد، وقال الذهبي: هنا والله تسكب العبرات، فيلزم أن يكون بصيرا بكل واجب فيقوم به، وعارفا بكل محرم فيجتنبه " انتهى بتصرف يسير. وقد جاء في الكتاب الكريم من التحذير والترهيب من الوقوع في محارم الله ما يغني ويكفي، يقول الله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) البقرة/٢٢٩ ويقول : (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) النساء/١٤ على أننا ننبه أخانا الكريم على أن حديث (اتق المحارم تكن أعبد الناس) ليس له علاقة بالأقارب أو الأهل، أو المسلم والكافر؛ وإنما اختلط عليك المحارم المشار إليها في هذه الأحاديث وأمثالها، والتي يقصد بها: ما حرمه الله على عباده، والمحارم في باب النكاح، كالأم والأخت ونحو ذلك؛ وهذا لا علاقة له بما نحن فيه. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1929

حديث لا غيبة لفاسق [السُّؤَالُ] ـ[ما قولكم في هذا الحديث: (لا غيبة لفاسق) ؟ فإذا صح فهل التحذير من صاحب العين (العائن) يعتبر غيبة له أو لا؟ ومن الذي يحذر منه ولا تعتبر في حقه غيبة أو نميمة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "الغيبة محرمة، شديدة التحريم؛ لقوله تعالى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا) الحجرات/١١، ولما ثبت عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) رواه الإمام أحمد وأبو داود بإسناد صحيح، وقد فسر النبي ﷺ الغيبة بأنها ذكرك أخاك بما يكره. وتجوز في مواضع معدودة دلت عليها الأدلة الشرعية إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ كأن يستشيرك أحد في تزويجه أو مشاركته، أو يشتكيه أحد إلى السلطان لكف ظلمه والأخذ على يده ـ فلا بأس بذكره حينئذ بما يكره؛ لأجل المصلحة الراجحة في ذلك. وقد جمع بعضهم المواضع التي تجوز فيها الغيبة في بيتين فقال: الذم ليس بغيبة في ستة متظلم ومعرف ومحذر ولمظهر فسقا ًومستفت ومن طلب الإعانة في إزالة منكر أما إذا لم يكن هناك مصلحة راجحة في ذكره بما يكره فإنه يكون من الغيبة المحرمة. وأما السؤال عن لفظ: (لا غيبة لفاسق) هل هو حديث أو لا؟ فقد قال الإمام أحمد: منكر، وقال الحاكم والدارقطني والخطيب: باطل. ولكن دل على أنه لا غيبة لفاسق قد أظهر المعصية ما ثبت عن النبي ﷺ أنه مُرَّ عليه بجنازة فأثنى عليها الحاضرون شراً، فقال ﷺ : (وجبت) ومُرَّ عليه بأخرى فأثنوا عليها خيراً، فقال ﷺ : (وجبت) فسألوه ﷺ عن معنى قوله وجبت؟ فقال: (هذه أثنيتم عليها شراً فوجبت لها النار، وهذه أثنيتم عليها خيراً فوجبت له الجنة، أنتم شهداء الله في أرضه) ولم ينكر عليهم ثناءهم على الجنازة شراً التي علموا فسق صاحبها، فدل ذلك على أن من أظهر الشر لا غيبة له. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ بكر أبو زيد. "فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/١٩) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1930

هل هذا الحديث مخالف لمبدأ المساواة والعدل في الإسلام ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما صحة الحديث الذي رواه أبو داود وغيره ونصه: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم) لأنني قرأت أن بعض الناس شكك فيه لأنه يعارض القرآن الكريم وآياته الداعية إلى إقامة المساواة والعدل.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي وغيرهم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) وله طرق كثيرة لا تخلو من مقال، ولكنه بمجموعها يكون حديثاً حسناً. ومعنى الحديث: استحباب ترك مؤاخذه ذي الهيئة إذا وقع في زلة أو هفوة لم تعهد عنه إلا ما كان حداً من حدود الله تعالى وبلغ الحاكم فيجب إقامته. والمراد بـ (ذوي الهيئات) أهل المروءة والخصال الحميدة من عامة الناس، الذين دامت طاعتهم واشتهرت عدالتهم، ولكن زلت في بعض الأحايين أقدامهم، فوقعوا في ذنب وخطأ، ورد هذا المعنى العلامة ابن القيم ﵀ قائلاً: إن النبي ﷺ لا يعبر عن أهل التقوى والطاعة والعبادة بأنهم ذوو الهيئات، ولا عهد بهذه العبارة في كلام الله ورسوله للمطيعين المتقين، والظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد، فإن الله تعالى خصّهم بنوع تكريم وتفضيل على بني جنسهم، فمن كان منهم مستوراً مشهوراً بالخير حتى كبا به جواده، وأديل عليه شيطانه فلا نسارع إلى تأنبيه وعقوبته، بل تقال عثرته ما لم يكن حداً من حدود الله فإنه يتعيّن استيفاؤه من الشريف كما يتعيّن أخذه من الوضيع، فإن النبي ﷺ قال: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرق لقطعت يدها) متفق على صحته، وهذا باب عظيم من أبواب محاسن هذه الشريعة الكاملة، وسياستها للعالم وانتظامها لمصالح العباد في المعاش والمعاد. انتهى كلامه. وبما تقدم ذكره يتبيّن أن معنى الحديث ليس معارضاً لمبدأ المساواة والعدل في الإسلام وإنما فيه رفع المؤاخذة بالخطأ والذنب الذي ليس فيه حد إذا صدر عمن لم يكن من عادته ذلك، لم يترتب على ترك تعزيره مفسدة. [الْمَصْدَرُ] فتاوى اللجنة الدائمة (٢٢/١٨-٢٠) .

стр. 1931

معنى المجثمة [السُّؤَالُ] ـ[ورد أن النبي ﷺ نهى عن المجثمة فما المقصود بها؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله: ورد عن النبي ﷺ النهي عن المجثمة، وذلك في الحديث الذي رواه الترمذي (١٣٩٣) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْمُجَثَّمَةِ، وَهِيَ الَّتِي تُصْبَرُ بِالنَّبْلِ) . وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٨٥٧) . والمقصود بالمجثمة قد بَيَّنه راوي الحديث فقال: (وهي التي تصبر بالنبل) . أي: هي الحيوان الذي يمسك أو يقيد ويرمى بالنبل حتى يموت، ونهى النبي ﷺ عن أكلها لأنها ميتة، وليست مذبوحة ذبحاً شرعياً. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1932

حكم سفر الإنسان بمفرده [السُّؤَالُ] ـ[هل صح أن النبي ﷺ نهى عن سفر الإنسان بمفرده؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نعم، ثبت عن النبي ﷺ النهي عن ذلك في أحاديث، منها: ١- عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ) رواه البخاري (٢٩٩٨) وقد أخرج الإمام أحمد في "المسند" (٢/٩١) هذا الحديث بزيادة فيها: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْوَحْدَةِ أَنْ يَبِيتَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ أَوْ يُسَافِرَ وَحْدَهُ) إلا أن هذه الرواية تعتبر شاذة، وترجح عليها رواية البخاري لسببين اثنين: أ - أن رواية البخاري رواها تسعة من أصحاب عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن ابن عمر. كلهم يقتصر على ذكر السفر دون المبيت، وانفرد واحد من تلاميذ عاصم بن محمد وهو عبد الواحد بن واصل بذكر النهي عن المبيت وحده. وهو وإن كان ثقة، إلا أن رواية الثقات أرجح من روايته. ب - ويدل عليه أن رواية أحمد مروية بالمعنى، إذ لم يذكر الراوي لفظ النبي ﷺ ، بخلاف رواية الأكثرين. ولذلك حكم محققو مسند أحمد (٩/٤٦٧) ومثلهم الشيخ مقبل الوادعي في "أحاديث معلة" (٢٤٩) بشذوذ رواية عبد الواحد. بخلاف الشيخ الألباني حيث حكم بصحتها، كما في "السلسلة الصحيحة" (٦٠) وقد ورد النهي عن مبيت الرجل وحده مرسلا عن عطاء، كذا رواه أبو داود في "كتاب المراسيل" (٣٨٠) وابن أبي شيبة في "المصنف" (٧/٧٢٦) وروى الطبراني في "الأوسط" (٢٠٧٩) من طريق محمد بن القاسم الأسدي عن زهير بن معاوية عن أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال: (لو يعلم الناس ما في الوحدة ما سار راكب بليل أبدا، ولا نام رجل في بيت وحده) إلا أنها رواية مردودة بسبب محمد بن القاسم الأسدي، لأنه متهم بالكذب. كما جاء النهي عن المبيت وحيدا في بعض الآثار الصحيحة: فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " لا يسافرن رجل وحده، ولا ينامن في بيت وحده " انتهى. صححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١/١٣٠) وسئل الإمام أحمد عن الرجل يبيت وحده؟ قال: أحب إليَّ أن يتوقى ذلك. نقلا عن "الآداب الشرعية" (١/٤٢٨) ٢- عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: (الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ) رواه الترمذي (١٦٧٤) وقال حديث حسن. وحسنه ابن حجر في "فتح الباري" (٦/٥٣) والألباني في "السلسلة الصحيحة" (٦٢) وهذه الأحاديث تدل على كراهة الوحدة فيما يخشى المرء فيه على نفسه، من ضعف وهلكة ومشقة، أو ما يخشاه من إغواء الشيطان وإضلاله، فإن الفائدة من وجود الرفقة والصحبة الصالحة لا تقتصر على الإعانة والمساعدة، بل الأهم أنها تثبت على الخير والتقوى، فإن الشيطان من الإثنين أبعد. يقول الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٦/٥٣) : " وترجم له ابن خزيمة: " النهي عن سفر الاثنين وأن ما دون الثلاثة عصاة "؛ لأن معنى قوله (شيطان) أي: عاص. وقال الطبري: " هذا الزجر زجر أدب وإرشاد لما يخشى على الواحد من الوحشة والوحدة، وليس بحرام، فالسائر وحده في فلاة وكذا البائت في بيت وحده لا يأمن من الاستيحاش، لا سيما إذا كان ذا فكرة رديئة وقلب ضعيف. والحق أن الناس يتباينون في ذلك، فيحتمل أن يكون الزجر عن ذلك وَقَعَ لحسم المادة، فلا يتناول ما إذا وقعت الحاجة لذلك، وقيل في تفسير قوله: (الراكب شيطان) أي سفره وحده يحمله عليه الشيطان، أو أشبه الشيطان في فعله، وقيل إنما كره ذلك لأن الواحد لو مات في سفره ذلك لم يجد من يقوم عليه، وكذلك الاثنان إذا ماتا أو أحدهما لم يجد من يعينه، بخلاف الثلاثة، ففي الغالب تؤمن تلك الخشية " انتهى. والظاهر من الحديث أن النهي وارد على من يسافر في الطرق الخالية الموحشة، أما الطرق الآهلة، والتي يأمن فيها المرء ألا تنقطع به السبيل، ولا يعدم معينا ولا أنيسا، فلا يرد الكراهة ولا النهي عنه، ومثله السفر في أيامنا هذه في الطائرات أو السفن أو الحافلات، لأن من فيها كلها يعتبرون رفقة، فلم يتحقق وصف الوحدة المنهي عنه. يقول الشيخ ابن عثيمين في "فتاوى نور على الدرب" (متفرقات/الآداب) : " وهذا يدل على الحذر من سفر الإنسان وحده، ولكن هذا في الأسفار الذي لا يكون طريقها مسلوكاً بكثرة، وأما الأسفار الذي يكون طريقها مسلوكاً بكثرة وكأنك في وسط البلد، مثل طريق القصيم الرياض، أو الرياض الدمام وما أشبه ذلك من الطرق التي يكثر فيها السالكون، ومثل طريق الحجاز في أيام المواسم، فإن هذا لا يعد انفراداً في الحقيقة؛ لأن الناس يمرون به كثيراً، فهو منفرد في سيارته وليس منفرداً في السفر، بل الناس حوله ووراءه وأمامه في كل لحظة " انتهى. ويقول الشيخ الألباني في تعليقه على هذا الحديث "الصحيحة" (٦٢) : " ولعل الحديث أراد السفر في الصحارى والفلوات التي قلما يرى المسافر فيها أحدا من الناس، فلا يدخل فيها السفر اليوم في الطرق المعبدة الكثيرة المواصلات. والله أعلم " انتهى. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1933

ما هو التنطع المذموم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى التنطع في الإسلام؟ وهل تغطية الوجه وإعفاء اللحى والالتزام بجميع أفعال النبي ﷺ ورفض كل ما هو مستحدث فى الدين يعد تشددا؟ وما معنى أنه ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: الحديث الذي ورد في ذم التنطع جاء عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ. قَالَهَا ثَلَاثًا) رواه مسلم (٢٦٧٠) وللعلماء في تفسير " التنطع " و " المتنطعين " عبارات كثيرة، تتوافق ولا تتعارض، وكلها تجتمع في معنى واحد، يرجع إلى التكلف والتشدد فيما لا ينبغي وفي غير موضعه الصحيح. ومن هذه المعاني: ١- الغلو في العبادة والمعاملة، بحيث يؤدي إلى المشقة الزائدة، والشريعة لم تأمر إلا بما فيه يسر وسماحة، ونهت عن التشدد في الدين، وصور الغلو التي أحدثها الناس في الدين وعدها العلماء من التنطع لا تكاد تحصى بعدد. يقول النووي في "شرح مسلم" (١٦/٢٢٠) : " أي: المتعمقون، الغالون، المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم " انتهى. ٢- الابتداع في الدين، بتحريم ما لم يحرمه الله ورسوله، واستحداث صور من العبادات والإلزامات لم تكن على عهد النبي ﷺ . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – كما في "مجموع الفتاوى" (١٠/٦٢٠) -: " الرهبانيات والعبادات المبتدعة التي لم يشرعها الله ورسوله من جنس تحريمات المشركين وغيرهم ما أحل الله من الطيبات، ومثل التعمق والتنطع الذي ذمه النبي ﷺ حيث قال: (هلك المتنطعون) ، وقال: (لو مد لي الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم) مثل الجوع أو العطش المفرط الذي يضر العقل والجسم، ويمنع أداء واجبات أو مستحبات أنفع منه، وكذلك الاحتفاء والعري والمشي الذي يضر الإنسان بلا فائدة، مثل حديث أبي إسرائيل الذي نذر أن يصوم، وأن يقوم قائما ولا يجلس، ولا يستظل، ولا يتكلم، فقال النبي ﷺ : (مروه فليجلس، وليستظل، وليتكلم، وليتم صومه) رواه البخاري. وهذا باب واسع " انتهى. ٣- التقعر في الكلام، والتشدق باللسان، بتكلف الكلمات التي تميل قلوب الناس إليه، حيث لا معنى ولا مضمون، ولا فائدة ترجى من تشدقه وتقعره. فقد أورد ابن أبي الدنيا هذا الحديث في رسالة " الغيبة والنميمة " في باب " ما جاء في ذم التقعر في الكلام " (ص/١٥) وروى فيه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ) رواه أيضا أحمد في "المسند" (١/٢٢) وحسنه محققو المسند. وروى فيه أيضا قول عمر بن الخطاب ﵁: (إن شقاشق الكلام من شقاشق الشيطان) قال ابن الأثير في "النهاية" (٥/١٦٤) : " المُتَنَطِّعون: هم المُتعَمِّقون المُغالون في الكلام، المتكلِّمون بأقْصَى حُلوقهم. مأخوذ من النِّطَع، وهو الغارُ الأعْلى من الفَم، ثم استُعْمِل في كل تَعَمُّق قولاً وفعلا " انتهى. ٤- الخوض فيما لا يعني، والسؤال عما لا ينبغي، وتكلف البحث فيما لا يغني. قال الخطابي: " المتنطع: المتعمق في الشيء، المتكلف للبحث عنه على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم " انتهى. نقلا عن " عون المعبود " (١٢/٢٣٥) ويقول ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (ص/٢٨٥) : " المتنطع: هو المتعمق، البحاث عما لا يعنيه؛ فإن كثرة البحث والسؤال عن حكم ما لم يذكر في الواجبات ولا في المحرمات، قد يوجب اعتقاد تحريمه، أو إيجابه لمشابهته لبعض الواجبات أو المحرمات، فقبول العافية فيه، وترك البحث عنه والسؤال خير " انتهى بتصرف. ثم ذكر ابن رجب ﵀ أمثلة لما ينبغي تجنب البحث فيه من تفاصيل أمور الغيب المجهولة والفروق الفقهية المتكلفة، والتفريع على المسائل التي يندر وقوعها، ونحوها. قال الشيخ ابن عثيمين في "شرح رياض الصالحين" (١/٤١٦-٤١٨) : " كذلك أيضاً من التشديد في العبادة، أن يشدد الإنسان على نفسه في الصلاة أو في الصوم أو في غير ذلك مما يسره الله عليه، فإنه إذا شدد على نفسه فيما يسره الله فهو هالك. ومن ذلك ما يفعله بعض المرضى - ولا سيما في رمضان - حين يكون الله قد أباح له الفطر وهو مريض، ويحتاج إلي الأكل والشرب، ولكنه يشدد على نفسه فيبقى صائماً، فهذا أيضاً نقول إنه ينطبق عليه الحديث: هلك المتنطعون. ومن ذلك ما يفعله بعض الطلبة المجتهدين في باب التوحيد؛ حيث تجدهم إذا مرت بهم الآيات والأحاديث في صفات الرب جعلوا ينقبون عنها، ويسألون أسئلة ما كلفوا بها، ولا درج عليها سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى من بعدهم، فتجد الواحد ينقب عن أشياء ليست من الأمور التي كلف بها تنطعاً وتشدقاً، فنحن نقول لهؤلاء: إن كان يسعكم ما وسع الصحابة ﵃ فأمسكوا، وإن لم يسعكم فلا وسع الله عليكم، وثقوا بأنكم ستقعون في شدة وفي حرج وفي قلق ... ومن ذلك أيضاً ما يفعله بعض الطلبة من إدخال الاحتمالات العقلية في الدلائل اللفظية؛ فتجده يقول: يحتمل كذا ويحتمل كذا، حتى تضيع فائدة النص، وحتى يبقى النص كله مرجوجاً لا يستفاد منه. هذا غلط. خذ بظاهر النصوص ودع عنك هذه الاحتمالات العقلية، فإننا لو سلطنا الاحتمالات العقلية على الأدلة اللفظية في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما بقى لنا حديث واحد أو آية واحدة يستدل بها الإنسان، ولأورد عليها كل شيء، وقد تكون هذه الأمور العقلية وهميات وخيالات من الشيطان، يلقيها في قلب الإنسان حتى يزعزع عقيدته وإيمانه والعياذ بالله. ومن ذلك أيضاً ما يفعله بعض المتشددين في الوضوء، حيث تجده مثلاً يتوضأ ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر، وهو في عافية من ذلك. أيضاً في الاغتسال من الجنابة، تجده يتعب تعباً عظيماً عند الاغتسال، في إدخال الماء في أذنيه، وفي إدخال الماء في منخريه. وكل هذا داخل في قول الرسول ﵊: (هلك المتنطعون. هلك المتنطعون. هلك المتنطعون) فكل من شدد على نفسه في أمر قد وسع الله له فيه فإنه يدخل في هذا الحديث " انتهى باختصار. ثانيا: أما الالتزام بشعائر الدين الظاهرة، والمحافظة على حدود الله، وامتثال أوامره، فهذا من واجبات الدين، وسبيل دخول جنة رب العالمين، ولا يعدها مِن التنطع إلا مَن يريد التحلل من الشريعة، والطعن في الأحكام الثابتة؛ فإن التنطع المذموم هو خروج عن قانون الشريعة وآدابها، فكيف يكون التزامها، والتمسك بها، والعض عليها بالنواجذ تنطعا؟!! والحَكَمُ الفصل في ذلك هو الأدلة من الكتاب والسنة، فما جاءت به الأدلة الصحيحة الظاهرة بإيجاب شيء – كغطاء الوجه وإعفاء اللحية –، أو تحريم شيء – كتحريم المعازف والاختلاط بالنساء ونحوه – فهذا لا يجوز وصفه بالتنطع والتشدد، إذ يلزم منه اتهام النبي ﷺ الذي أمرنا بها - بأنه متنطع!! وحاشاه ﷺ من ذلك. أما ما لم تأت به النصوص، وكان من أحد الأوجه الأربعة السابقة في تفسير التنطع، فهذا هو ما ينبغي ذمه واجتنابه، ولا يخلط بينه وبين أحكام الشريعة الظاهرة الثابتة. ثالثا: أما حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَيْسَرُ مِنْ الْآخَرِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ) رواه البخاري (٣٣٦٧) ومسلم (٢٣٢٧) فلا يعني بوجه من الوجوه التخلي عن الشريعة، والتقصير في الواجبات، بل كان النبي ﷺ أحرص الناس على تحقيق العبودية لله بجميع لوازمها، ولكن المراد بقوله (بين أمرين) أي من أمور الدنيا التي ليس للشرع فيها أمر أو نهي، أو من الأمور التي يسع فيها الاختيار من السنن والمستحبات، أما إذا جاء التكليف بالوجوب أو التحريم فيجب الوقوف عنده من غير تعد ولا تقصير. يقول الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٦/٥٧٥) : " قوله: (بين أمرين) أي: من أمور الدنيا، يدل عليه قوله: (ما لم يكن إثما) ؛ لأن أمور الدين لا إثم فيها، وقوله: (ما لم يكن إثما) أي: ما لم يكن الأسهل مقتضيا للإثم، فإنه حينئذ يختار الأشد. وفي حديث أنس عند الطبراني في الأوسط: (إلا اختار أيسرهما ما لم يكن لله فيه سخط) " انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1934

حديث (إنَّ مِن إجلال الله ... ) [السُّؤَالُ] ـ[ما صحة ومعنى الحديث التالي: عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن مِن إجلال الله تعالى إكرامَ ذي الشيبة المسلم، وحاملِ القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرامَ ذي السلطان المُقسط) ]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يروي هذا الحديث الصحابي الجليل أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ) رواه أبو داود (٤٨٤٣) وحسنه النووي في "رياض الصالحين" (رقم/٣٥٨) ، والذهبي في "ميزان الاعتدال" (٤/٥٦٥) ، وابن مفلح في "الآداب الشرعية" (١/٤٣٤) ، والعراقي في "تخريج الإحياء" (٢/٢٤٥) وابن حجر في "تلخيص الحبير" (٢/٦٧٣) والشيخ الألباني في "صحيح أبي داود". جاء في "عون المعبود بشرح سنن أبي داود" (١٣/١٣٢) : " (إِنَّ مِن إجلالِ الله) أي: تبجيله وتعظيمه. (إكرام ذي الشيبة المسلم) أي: تعظيم الشيخ الكبير في الإسلام، بتوقيره في المجالس، والرفق به، والشفقة عليه، ونحو ذلك، كل هذا مِن كمالِ تعظيم الله، لحرمته عند الله. (وحاملِ القرآن) أي: وإكرام حافِظِهِ، وسماه حاملا له لِما يَحمِل لمشاق كثيرة، تزيد على الأحمال الثقيلة، قاله العزيزي. وقال القارى: أي: وإكرام قارئه، وحافظه، ومفسره. (غيرِ الغالي فيه) أي: في القرآن. والغلو: التشديد ومجاوزة الحد، يعني: غير المتجاوز الحد في العمل به، وتتبع ما خفي منه واشتبه عليه من معانية، وفي حدود قراءته ومخارج حروفه، قاله العزيزي. (والجافي عنه) أي: وغير المتباعد عنه، المعرض عن تلاوته، وإحكام قراءته، وإتقان معانيه، والعمل بما فيه. وقيل: الغلو: المبالغة في التجويد، أو الإسراع في القراءة بحيث يمنعه عن تدبر المعنى. والجفاء: أن يتركه بعد ما علمه، لا سيما إذا كان نسيه، فإنه عُدَّ مِن الكبائر. قال في النهاية: ومنه الحديث (اقرؤوا القران ولا تجفوا عنه) أي: تعاهدوه ولا تبعدوا عن تلاوته بأن تتركوا قراءته، وتشتغلوا بتفسيره وتأويله. ولذا قيل: " اشتغل بالعلم بحيث لا يمنعك عن العمل، واشتغل بالعمل بحيث لا يمنعك عن العلم ". وحاصله أن كلا من طرفي الإفراط والتفريط مذموم، والمحمود هو الوسط العدل المطابق لحاله ﷺ في جميع الأقوال والأفعال. كذا في "المرقاة شرح المشكاة". (وإكرام ذي السلطان المُقسط) بضم الميم. أي: العادل " انتهى مِن "عون المعبود". وانظر جواب السؤال رقم (٣٣٦٨٠) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1935

حديث هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان [السُّؤَالُ] ـ[أود أن أعرف رأيكم بشأن شرح الحديث رقم (٩٩٠) في صحيح البخاري، الذى لَمْ يَدعُ فيه النبى ﷺ لِنَجد، حيث قال: إن الفتنة والزلازل ونفير الشيطان سيخرجون من نجد. وقد سمعت بعض العلماء يشيرون إلى هذا الحديث عند الحديث عن علماء نجد، كالشيخ عبد الوهاب ﵀، كما يصح القول بأن كثيرا من زعماء الحركة السلفية ينحدرون من نجد. فما هو الشرح الصحيح لهذا الحديث الصحيح.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: الحديث المقصود في السؤال جاء عن جماعة من الصحابة، ورواه عنهم جماعة كبيرة من التابعين، وأنقل واحدا من هذه الأحاديث، فهي متقاربة في اللفظ والمعنى: عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا وفِي يَمَنِنَا. قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا وفِي يَمَنِنَا. قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) رواه البخاري (١٠٣٧) ومسلم (٢٠٩٠٥) ، واللفظ للبخاري. ثم الكلام على هذا الحديث في مسائل: المسألة الأولى: من المعلوم لدى أهل العلم أن ما ورد في الكتاب أو السنة من النصوص التي فيها تفضيل بعض الأماكن أو الأقوام على بعض، لا يعني ذلك أبدا تفضيلا لكل من انتسب إلى ذلك المكان، أو لأولئك القوم، على غيرهم من البشر، وكذلك ما ورد في النصوص من ذم بعض الأماكن، وذكر ما فيها من الشر، فلا يعني ذلك – بأي حال من الأحوال – ذم وانتقاص جميع من ينتمي إلى ذلك المكان. والدليل على ذلك قوله : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات/١٣ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ) رواه مسلم (٢٥٦٤) فميزان الصلاح والفساد هو القلب والعمل، وليس القبيلة أو العرق أو الجنس أو اللون، وهذا التقرير متفق عليه بين أهل العلم. روى مالك في "الموطأ" (١٤٥٩) عن يحيى بن سعيد: أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسي أن هَلُمَّ إلى الأرض المقدسة – يعني بلاد الشام -، فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدا، وإنما يُقدِّسُ الإنسانَ عملُهُ " انتهى. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في "مجموع الفتاوى" (٢٧/٤٥-٤٧) : " وهو كما قال سلمان الفارسى، فإن مكة حرسها الله تعالى أشرف البقاع، وقد كانت فى غربة الإسلام دار كفر وحرب يحرم المقام بها، وحرم بعد الهجرة أن يرجع إليها المهاجرون فيقيموا بها، وقد كانت الشام فى زمن موسى ﵇ قبل خروجه ببني إسرائيل دار الصابئة المشركين الجبابرة الفاسقين، وفيها قال تعالى لبنى إسرائيل: (سأريكم دار الفاسقين) فإن كون الأرض دار كفر أو دار السلام أو إيمان، أو دار سلم أو حرب، أو دار طاعة أو معصية، أو دار المؤمنين أو الفاسقين، أوصافٌ عارضةٌ لا لازمة، فقد تنتقل من وصف إلى وصف، كما ينتقل الرجل بنفسه من الكفر إلى الإيمان والعلم، وكذلك بالعكس. وأما الفضيلة الدائمة فى كل وقت ومكان ففي الإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم) الآية. وقال تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه) الآية. وقال تعالى: (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم) فلا ينبغي للرجل أن يلتفت إلى فضل البقعة فى فضل أهلها مطلقا، بل يعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ولكن العبرة بفضل الإنسان فى إيمانه وعمله الصالح والكلم الطيب. وإذا فضلت جملة على جملة لم يستلزم ذلك تفضيل الأفراد على الأفراد: كتفضيل القرن الثاني على الثالث، وتفضيل العرب على ما سواهم، وتفضيل قريش على ما سواهم، فهذا هذا والله أعلم " انتهى. المسألة الثانية: وعليه فلا يجوز أن يفهم الحديث السابق على أنه ذم لجميع أهل نجد عبر التاريخ، بل وليس فيه ذم (نجد) مطلقا، وإنما ورد الذم والتنفير عنها مقيدا بوجود الفتن والشرور، ولا يلزم أن يكون ذلك في جميع القرون مُطَّرِدًا، بل قد يكون في عصر من العصور منارة علم وهدى وفضل وخير. يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن في "مجموعة الرسائل والمسائل" (٤/٢٦٥) : " وعلى كل حال؛ فالذم إنما يكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، بحسب حال الساكن؛ لأن الذم إنما يكون للحال دون المحل، وإن كانت الأماكن تتفاضل، وقد تقع المداولة فيها، فإن الله يداول بين خلقه، حتى في البقاع، فمحل المعصية في زمن قد يكون محل طاعة في زمن آخر، وبالعكس " انتهى. المسألة الثالثة: ليس في لفظ الحديث ذم لأهل (نجد) وساكنيها، وإنما فيه ذكر الفتن والشرور التي ستقع وتخرج منها، ولا يعني ذلك ذمَّ الساكنين مطلقا. فقد جاء في السنة النبوية ذكر وقوع الفتن في المدينة المنورة، كقوله ﷺ لأصحابه: (إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ) رواه البخاري (١٨٧٨) ومسلم (٢٨٨٥) ولا يجوز أن يفهم من ذلك أي ذم لأهل المدينة المنورة. يقول الشيخ محمد بشير السهسواني الهندي (ت ١٣٢٦هـ) في كتابه "صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان" (ص/٥٠٠) : " وهذه الأحاديث وغيرها مما ورد في هذا الباب دالة على وقوع الفتن في المدينة النبوية، فلو كان وقوع الفتن في موضع مستلزماً لذم ساكنيه، لزم ذم سكان المدينة كلهم أجمعين، وهذا لا يقول به أحد، على أن مكة والمدينة كانتا في زَمَنٍ موضع الشرك والكفر، وأي فتنة أكبر منهما، بل وما من بلد أو قرية إلا وقد كانت في زمن أو ستصير في زمان موضع الفتنة، فكيف يجترئ مؤمن على ذم جميع مسلمي الدنيا؟ وإنما مناطُ ذم شخصٍ معينٍ كونُه مصدراً للفتن من الكفر والشرك والبدع " انتهى. فالمقصود من الحديث هو ذكر ما سيقع في منطقة (نجد) من الفتن والبلايا العظيمة في مرحلة من التاريخ، وأنها ستكون كالزلازل التي تطال كل من فيها، وسيكون كثير من أهل تلك البلاد ضحايا الفتنة، ولا يعني أن جميع أهلها هم من يُثيرُها ويقومُ عليها، ومَن فهم ذلك من الحديث فقد أساء وظلم. يقول الشيخ الألباني ﵀ في "السلسلة الصحيحة" (٥/٣٠٥) : " وجهلوا أيضاً أنَّ كونَ الرجل من بعض البلاد المذمومة لا يستلزم أنه هو مذموم أيضاً إذا كان صالحاً في نفسه , والعكس بالعكس، فكم في مكة والمدينة والشام من فاسق وفاجر , وفي العراق من عالم وصالح , وما أحكم قول سلمان الفارسي لأبي الدرداء حينما دعاه أن يهاجر من العراق إلي الشام: أما بعد , فإن الأرض المقدسة لا تقدس أحداً , وإنما يقدس الإنسان بعمله " انتهى. المسألة الرابعة: فسر العلماء المتقدمون هذا الحديث، وقالوا المقصود بالفتن التي أخبر عنها النبي ﷺ هي فتنة مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة، والشر الذي يأتي به، وما يلحقه من المتنبئين الكذابين. يقول الحافظ ابن حبان ﵀ كما في "الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان" (١٥/٢٤) بعد أن روى حديث عبد الله بن عمر أنه قال: (ثم رأيت رسول الله ﷺ يشير نحو المشرق ويقول: إن الفتنة هاهنا، إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان) قال أبو حاتم ﵀: " مشرق المدينة هو البحرين، ومسيلمة منها، وخروجه كان أول حادث حدث في الإسلام " انتهى. كما فسره بعض أهل العلم أيضا بالفتن التي تحدث في (العراق) ، فهي في جهة المشرق عموما بالنسبة لمن في الحجاز، وفي العراق (نجد) أيضا، فإن كل منطقة مرتفعة بالنسبة لغيرها تسمى نجدا، وقد شملها بعض الصحابة في فهمهم لهذا الحديث: فعن سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قال: (يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ! مَا أَسْأَلَكُمْ عَنْ الصَّغِيرَةِ وَأَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةِ! سَمِعْتُ أَبِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِيءُ مِنْ هَاهُنَا - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ - مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ، وَأَنْتُمْ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) رواه مسلم (٢٩٠٥) فالحديث يشمل كل (نجد) : أي كل مرتفع من الأرض بالنسبة للحجاز في جهة المشرق، وذلك يشمل نجد الحجاز ونجد العراق. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "مجموع الفتاوى" (٢٧/٤١-٤٢) : " هذه لغة أهل المدينة النبوية فى ذاك الزمان، كانوا يسمون أهل نجد والعراق أهل المشرق " انتهى. ويقول الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (١٣/٤٧) : " كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر، فأخبر ﷺ أن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر، وأول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة. وقال الخطابي: (نجد) من جهة المشرق، ومَن كان بالمدينة كان نَجدُهُ باديةَ العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة، وأصل النجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور فإنه ما انخفض منها، وتهامة كلها من الغور ومكة من تهامة. انتهى كلام الخطابي. وعُرف بهذا وهاء ما قاله الداودي: أن (نجدا) من ناحية العراق، فإنه توهم أن نجدا موضع مخصوص، وليس كذلك، بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجدا، والمنخفض غورا " انتهى كلام الحافظ ابن حجر. ويقول علامة العراق محمود شكري الآلوسي عن بلده العراق في "غاية الأماني" (٢/١٤٨) : " ولا بدع، فبلاد العراق معدن كل محنة وبلية، ولم يزل أهل الإسلام منها في رزية بعد رزية، فأهل حروراء وما جرى منهم على الإسلام لا يخفى، وفتنة الجهمية الذين أخرجهم كثير من السلف من الإسلام إنما خرجت ونبغت بالعراق، والمعتزلة وما قالوه للحسن البصري وتواتر النقل به ... إنما نبغوا وظهروا بالبصرة، ثم الرافضة والشيعة وما حصل فيهم من الغلو في أهل البيت، والقول الشنيع في علي وسائر الأئمة ومسبة أكابر الصحابة..كل هذا معروف مستفيض " انتهى باختصار. وللشيخ "حكيم محمد أشرف سندهو" ﵀، رسالة في بيان ما ذكرناه بعنوان: " أكمل البيان في شرح حديث: نجد قرن الشيطان "، وهي مطبوعة، قال الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندي في تقدمته لها ـ ص (٨) ـ: " والموضع الذي يُعَيَّن من قِبَل أهل الجهل والضلالة اليوم [يعني: نجد المعروف في السعودية] لم يقله أحد من السلف ولا من الخلف، إلا بعد ظهور دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، التجديدية للدين الحنيف، إلا هؤلاء الذين لم يفهموا هذه العقيدة الصحيحة، أو يتجاهلون عنها، ولم يعرفوا التاريخ الإسلامي الصحيح الذي يدلهم على تلك الفتن العظيمة التي ظهرت ظهورا واضحا بينا في ذلك النجد الحقيقي ... " انتهى. المسألة الخامسة: ويخطئ كثير من الناس حين يظنون أن المقصود بـ (قرن الشيطان) شخص معين، إذ المقصود هو مطلع الشمس وما يعتريها عند الشروق، فقد قال ﷺ : (فَإِنَّهَا – يعني الشمس - تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ) رواه البخاري (٣٢٧٣) ومسلم (٦١٢) ودليل ذلك ما في رواية البخاري (٧٠٩٢) : قال ﷺ : (الْفِتْنَةُ هَا هُنَا، الْفِتْنَةُ هَا هُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ، أَوْ قَالَ: قَرْنُ الشَّمْسِ) والشك من الراوي. يقول الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (١٣/٤٦) : " وأما قوله: " قرن الشمس " فقال الداودي: للشمس قرن حقيقة، ويحتمل أن يريد بالقرن قوة الشيطان، وما يستعين به على الإضلال، وهذا أوجه، وقيل إن الشيطان يقرن رأسه بالشمس عند طلوعها ليقع سجود عبدتها له، قيل: ويحتمل أن يكون للشمس شيطان تطلع الشمس بين قرنيه " انتهى. المسألة السابعة: فأي حجة تبقى بعد ذلك لمن استدل بهذا الحديث على ذم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، ودعوته التجديدية؟!! وبأي برهان يُعَيِّنُ بعضُ الحاقدين - من غلاة المتصوفة ومن الرافضة - مقصودَ النبي ﷺ من الذم في واحد من أشهر علماء المسلمين، وأشهر دعاة الإصلاح في القرون المتأخرة، والذي تحمل دعوة التوحيد علما وعملا ودعوة، وعَدَّهُ أهلُ العلم مجدِّدَ ذلك القرن؟!! أهكذا تُفَسَّرُ الأحاديث النبوية، بالهوى والتشهي! وهكذا تحول الأحاديث لأغراض مذهبية أو عنصرية أو طائفية؟!! وانظر عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب للفائدة: جوابَ السؤال رقم (٣٦٦١٦) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1936

هل حرّم الإسلام كنز المال ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لم حرم الإسلام كنز الأموال؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الإسلام لم يحرم كنز المال مطلقا، وإنما ورد التحريم والوعيد الشديد على صاحب الكنز إذا لم يؤد زكاته، وأما إن أدى الزكاة، فليس بصاحب كنز مذموم. قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) التوبة/٣٤. وروى أبو داود (١٥٦٤) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أن النبي ﷺ قال: (مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَزُكِّيَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ) وحسنه الألباني في صحيح أبي داود. وروى البخاري (١٤٠٤) عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرًا لِلْأَمْوَالِ. وروى مالك في الموطأ (٥٩٥) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَهُوَ يُسْأَلُ عَنْ الْكَنْزِ مَا هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ الْمَالُ الَّذِي لَا تُؤَدَّى مِنْهُ الزَّكَاةُ. قال ابن كثير ﵀ في تفسير آية التوبة: " وأما الكنز فقال مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر: هو المال الذي لا يؤدى زكاته. وروى الثوري وغيره عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وما كان ظاهراً لا تؤدى زكاته فهو كنز، وقد روي هذا عن ابن عباس وجابر وأبي هريرة موقوفاً ومرفوعاً، وقال عمر بن الخطاب نحوه: أيما مال أديت زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفوناً في الأرض، وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض " انتهى فتبين بهذا أن الكنز المذموم هو الذي لا تؤدى زكاته، وأما ما كان دون النصاب، أو بلغ النصاب وأديت زكاته فليس بكنز. وبهذا يتبيّن أن الإسلام لم يحرم كنز المال وإنما حرّم عدم إيتاء الزكاة. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1937

النمرود وأصحاب الأخدود [السُّؤَالُ] ـ[في أي كتب الحديث ورد شرح لقصة قتل النمرود للطفل خلال أيام حضرة إبراهيم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله النمرود ملك بابل، وهو ملك كافر، وقد جرى له مع إبراهيم ﵇، ما ذكره الله بقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) البقرة / ٢٥٨ ولم يرد في شأنه قصة مع طفل أو غلام من وجه ثابت فيما نعلم. وإن كنت تسأل عن قصة الغلام المؤمن مع الملك الكافر، وما جرى فيها من قتل الغلام، وإيمان الناس بالله، واحتمالهم الأذى في سبيل ذلك. وهي قصة أصحاب الأخدود، فقد رواها مسلم (٣٠٠٥) من حديث صُهَيْبٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: " كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلامًا يُعَلِّمُهُ فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلامَهُ فَأَعْجَبَهُ فَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَّاهِبِ وَقَعَدَ إِلَيْهِ فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ فَقَالَ إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ حَبَسَنِي أَهْلِي وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ فَقُلْ حَبَسَنِي السَّاحِرُ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتْ النَّاسَ فَقَالَ الْيَوْمَ أَعْلَمُ آلسَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمْ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ فَأَخَذَ حَجَرًا فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى فَإِنْ ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّ عَلَيَّ وَكَانَ الْغُلامُ يُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الأَدْوَاءِ فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ فَقَالَ مَا هَاهُنَا لَكَ أَجْمَعُ إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي فَقَالَ إِنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ فَآمَنَ بِاللَّهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ فَأَتَى الْمَلِكَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ قَالَ رَبِّي قَالَ وَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي قَالَ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلامِ فَجِيءَ بِالْغُلامِ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ أَيْ بُنَيَّ قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ فَقَالَ إِنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ فَقِيلَ لَهُ ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى فَدَعَا بِالْمِئْشَارِ فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ فَقِيلَ لَهُ ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلامِ فَقِيلَ لَهُ ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلا فَاطْرَحُوهُ فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ فَقَالَ اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ فَرَجَفَ بِهِمْ الْجَبَلُ فَسَقَطُوا وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ قَالَ كَفَانِيهِمُ اللَّهُ فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلا فَاقْذِفُوهُ فَذَهَبُوا بِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ فَانْكَفَأَتْ بِهِمْ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ قَالَ كَفَانِيهِمُ اللَّهُ فَقَالَ لِلْمَلِكِ إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي ثُمَّ ضَعْ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قُلْ بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلامِ ثُمَّ ارْمِنِي فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلامِ ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ فَقَالَ النَّاسُ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ قَدْ آمَنَ النَّاسُ فَأَمَرَ بِالأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ وَقَالَ مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا أَوْ قِيلَ لَهُ اقْتَحِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتْ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا فَقَالَ لَهَا الْغُلامُ يَا أُمَّهْ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَق". وقولك في سؤالك: (حضرة إبراهيم) تعبير حادث الأولى اجتنابه، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم شعار اختصوا به، وهو (الصلاة والسلام عليم) ، وقد انعقد الإجماع على ذلك، كما نقله ابن القيم في (جلاء الأفهام) عن الإمام النووي رحمهما الله. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1938

ما صحة حديث " من تهاون في الصلاة عاقبه الله بخمس عشرة عقوبة "؟ [السُّؤَالُ] ـ[عن صحة الحديث التالي قبل أن أوزعه على الأصدقاء: منكر أو تارك الصلاة يعاقبه الله خمس عشرة عقوبة ٦ أثناء حياته و٣ حين الموت و٣ في القبر و٣ يوم القيامة: العقوبات في الدنيا: ١- يمحق الله البركة في عمره ٢- لا يستجيب الله لدعائه ٣- تذهب من وجهه علامات الصلاح ٤- تمقته جميع المخلوقات على الأرض ٥- لا يثيبه الله على عمله الصالح ٦- لن يشمله الله في دعاء المؤمنين العقوبات أثناء الموت: ١- يموت ذليلاً ٢- يموت جوعاناً ٣- يموت عطشاناً ولو شرب جميع ماء البحر العقوبات في القبر: ١- يضيق الله قبره حتى تختلف أضلاعه ٢- يوقد الله عليه ناراً ذات جمر ٣- يرسل الله إليه ثعباناً يقال له الشجاع الأقرع يضربه من الفجر للظهر لتركه صلاة الفجر ومن الظهر للعصر لتركه صلاة الظهر وهكذا ... وفي كل ضربة يدخله في عمق الأرض ٧٠ ذراعاً. العقوبات يوم القيامة: ١- يرسل الله إليه من يسحبه على وجهه ٢- ينظر الله إليه نظرة غضب يسقط معها لحم وجهه ٣- يحاسبه الله بصرامة ويقذف به في النار.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: حديث " من تهاون في الصلاة عاقبه الله بخمسة عشر عقوبة: ستة منها في الدنيا، وثلاثة عند الموت، وثلاثة في القبر، وثلاثة عند خروجه من القبر ... ": حديث موضوع مكذوب على رسول الله ﷺ . قال عنه سماحة الشيخ ابن باز ﵀ في مجلة " البحوث الإسلامية " (٢٢ / ٣٢٩) : أما الحديث الذي نسبه صاحب النشرة إلى رسول الله ﷺ في عقوبة تارك الصلاة وأنه يعاقب بخمس عشرة عقوبة الخ: فإنه من الأحاديث الباطلة المكذوبة على النبي ﷺ كما بين ذلك الحفاظ من العلماء ﵏ كالحافظ الذهبي في " لسان الميزان " والحافظ ابن حجر وغيرهما. وكذلك أصدرت " اللجنة الدائمة " فتوى برقم ٨٦٨٩ ببطلان هذا الحديث كما في " فتاوى اللجنة " (٤ / ٤٦٨) ومما ورد في الفتوى مما يحسن ذكره قول اللجنة: ( ... وإن فيما جاء عن الله وعن رسوله في شأن الصلاة وعقوبة تاركها ما يكفي ويشفي، قال تعالى: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) النساء / ١٠٣، وقال تعالى عن أهل النار: (ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ... ) المدثر ٤٢ – ٤٣، فذكر من صفاتهم ترك الصلاة ... ، وقال ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) رواه الترمذي (٢٦٢١) والنسائي (٤٣١) ، وابن ماجه (١٠٧٩) وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٢١١٣) ، والآيات والأحاديث من ترك الصلاة أن النبي ﷺ سماه كفراً. راجع سؤال (٢١٨٢) وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: هذا الحديث موضوع مكذوب على رسول الله ﷺ لا يحل لأحد نشره إلا مقروناً ببيان أنه موضوع حتى يكون الناس على بصيرة منه. " فتاوى الشيخ الصادرة من مركز الدعوة بعنيزة " (١ / ٦) . نسأل الله تعالى أن يثيبك على حرصك على دعوة إخوانك ونصحهم إلا أنه ينبغي أن يتقرر عند كل راغب في بذل الخير للناس وترهيبهم من الشر أن ذلك لابد أن يكون بما ثبت عن النبي ﷺ وأن في الصحيح غنية وكفاية عن الضعيف. سألين الله أن يكلل مسعاك بالنجاح وأن يهدي من تدعوهم إلى سلوك طريق الاستقامة وجميع المسلمين. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1939

ليس في شريعتنا جواز إتيان الدبر [السُّؤَالُ] ـ[أرجو مساعدتي في معرفة الصواب، في البخاري الحديث رقم (٤١٧٠) و (٤١٧١) إن الإتيان في الدبر حلال، وموقعكم يقول إنه حرام، فما هو الصواب؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه أولاً: الأحاديث الصحيحة التي جاءت في تحريم إتيان الزوجة في الدبر كثيرة، فمن ذلك: ١- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ رواه أبو داود (٣٩٠٤) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. ٢- وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ) رواه الترمذي (١١٦٥) وصححه ابن دقيق العيد في "الإلمام" (٢/٦٦٠) ، والألباني في صحيح الترمذي. ٣- وعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ) رواه ابن ماجه (١٩٢٤) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه. والأحاديث في ذلك كثيرة، حتى قال الطحاوي ﵀ في "شرح معاني الآثار" (٣/٤٣) : "جاءت الآثار متواترة بذلك " انتهى. ولذلك كانت كلمة العلماء على الأخذ بهذه الأحاديث. قال الماوردي رحمه الله تعالى في "الحاوي" (٩/٣١٩) : " لأنه إجماع الصحابة: روي ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء " انتهى. وجاء في "المغني" (٧/٣٢) : " ولا يحل وطء الزوجة في الدبر في قول أكثر أهل العلم: منهم علي وعبد الله وأبو الدرداء وابن عباس وعبد الله بن عمرو وأبو هريرة، وبه قال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن ومجاهد وعكرمة والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر " وقد سبق في موقعنا بيان ذلك بشيء من التفصيل، فانظر إجابات الأسئلة: (١١٠٣) ، (٥٢٨٠٣) . ثانياً: يتوهم بعض الناس جواز إتيان المرأة في دبرها، ويفهمون من قول الله تعالى: (نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) البقرة/٢٢٣، أن الله سبحانه أباح في هذه الآية كل شيء، حتى الوطء في الدبر، وقد يتأكد هذا الوهم عندهم إذا قرؤوا الحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه – ولعله الحديث الذي قصده السائل - والذي فيه: عن جابر ﵁ قال: كَانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: إِذَا جَامَعَهَا مِن وَرَائِهَا جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَل فنزلت (نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) . وهذا فهم خاطئ للآية، فإن قوله تعالى: (فأتوا حرثكم أنى شئتم) يعني إباحة أحوال وأوضاع الجماع المختلفة، إذا كانت في موضع الحرث: وهو الفرج، وليس الدبر، فيجوز أن يأتي الرجل زوجته من الخلف أو الأمام أو على جنب إذا كان ذلك في موضع الحرث، وليس الدبر. ودليل ذلك أن رواية مسلم برقم (١٤٣٥) لحديث جابر السابق في سبب نزول الآية فيها: (إِنْ شَاءَ مُجَبِّيَةً، وَإِنْ شَاءَ غَيْرَ مُجَبِّيَةٍ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ) . (مُجَبِّيَةً) : أي: منكبة على وجهها، كهيئة السجود. (في صمام واحد) : هو القبل. وفي رواية أبي داود للحديث نفسه برقم (٢١٦٣) : عن محمد بن المنكدر قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: إِنَّ الْيَهُودَ يَقُولُونَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ فِي فَرْجِهَا مِنْ وَرَائِهَا كَانَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ : (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) . وفي سنن الترمذي (٢٩٨٠) وحسنه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكْتُ. قَالَ: وَمَا أَهْلَكَكَ؟! قَالَ: حَوَّلْتُ رَحْلِي اللَّيْلَةَ. قَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، قَالَ: فَأُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ، وَاتَّقِ الدُّبُرَ وَالْحَيْضَةَ. حسنه الألباني في صحيح الترمذي. فهذه الأحاديث والروايات توضح المقصود من الآية، فلا يجوز لمسلم أن يتجاوز ذلك إلى فهمه الذي لا يدل عليه الأثر ولا اللغة. قال ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" (٤/٢٦١) : " وقد دلت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين: أحدهما أنه أباح إتيانها في الحرث، وهو موضع الولد، لا في الحُش الذي هو موضع الأذى، وموضع الحرث هو المراد من قوله: (من حيث أمركم الله) الوجه الثاني: أنه قال: (أنى شئتم) أي: من أين شئتم: من أمام أو من خلف. ال ابن عباس: (فأتوا حرثكم) يعني: الفرج " انتهى بتصرف. ثالثاً: ولعل السائل يعني أيضا ما رواه البخاري عن نافع عن ابن عمر ﵄: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) قال: يأتيها في. . . قال ابن حجر في "فتح الباري" (٨/١٨٩) : " هكذا وقع في جميع النسخ، لم يذكر ما بعد الظرف وهو المجرور " انتهى. ثم ذكر ما جاء من بعض الروايات خارج صحيح البخاري أن ابن عمر قال: يأتيها في دبرها. وقد أجاب عن ذلك أهل العلم بجوابين: الأول: أنه حصل خطأ من بعض الرواة عن ابن عمر، وأنهم فهموا منه جواز إتيان الدبر، وهو إنما كان يحكي جواز إتيان المرأة في قبلها من خلفها، بدليل ما جاء من طرق صحيحة عنه أنه كان يرى حرمة إتيان الزوجة في دبرها، فقد روى النسائي في "السنن الكبرى" (٥/٣١٥) بسند صحيح أن ابن عمر سئل عنه فقال: أو يفعل ذلك مسلم؟! قال ابن القيم ﵀ في "تهذيب السنن" (٦/١٤٢) : " فقد صح عن ابن عمر أنه فسر الآية بالإتيان في الفرج من ناحية الدبر،وهو الذي رواه عنه نافع، وأخطأ من أخطأ على نافع فتوهم أن الدبر محل للوطء لا طريق إلى وطء الفرج، فوقع الاشتباه في كون الدبر طريقا إلى موضع الوطء أو هو مأتى، واشتبه على من اشتبه عليه معنى (من) بمعنى (في) فوقع الوهم " انتهى. الجواب الثاني: أنه اجتهاد من ابن عمر ﵄ في فهم الآية، وقد دلت السنة، وأقوال سائر الصحابة، أنه اجتهاد مجانب للصواب، وقد روى أبو داود برقم (٢١٦٤) وحسنه الألباني في صحيح أبي داود عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ - وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ - أَوْهَمَ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ - وَهُمْ أَهْلُ وَثَنٍ - مَعَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ يَهُودَ - وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ -، وَكَانُوا يَرَوْنَ لَهُمْ فَضْلًا عَلَيْهِمْ فِي الْعِلْمِ، فَكَانُوا يَقْتَدُونَ بِكَثِيرٍ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَأْتُوا النِّسَاءَ إِلَّا عَلَى حَرْفٍ، وَذَلِكَ أَسْتَرُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ، فَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَدْ أَخَذُوا بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ يَشْرَحُونَ النِّسَاءَ شَرْحًا مُنْكَرًا، وَيَتَلَذَّذُونَ مِنْهُنَّ مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ،فَذَهَبَ يَصْنَعُ بِهَا ذَلِكَ فَأَنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: إِنَّمَا كُنَّا نُؤْتَى عَلَى حَرْفٍ، فَاصْنَعْ ذَلِكَ وَإِلَّا فَاجْتَنِبْنِي. حَتَّى شَرِيَ أَمْرُهُمَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) أَيْ: مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ، يَعْنِي بِذَلِكَ مَوْضِعَ الْوَلَدِ. وهذا قد يؤيد أن ابن عمر كان يقول بجواز الإتيان في الدبر، فلعله رجع إلى الصواب، بعد أن بَيَّن له ابن عباس أو غيره سبب نزول الآية ومعناها الصحيح، ولذلك ثبت عنه – كما تقدم – أنه كان يقول بتحريمه، ويقول: أو يفعل ذلك مسلم!! والحاصل أن شريعتنا جاءت بتحريم هذا الفعل، وليس فيها شيء يدل على جوازه، ومن ظن في شيء من الكتاب أو السنة ما يدل عليه فقد أخطأ وأوهم. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1940

حديث تميم الداري عن المسيح الدجال [السُّؤَالُ] ـ[ما حقيقة أن جماعة من المسلمين كانوا على سفر، فالتقوا برجل سألهم عن الزمان وعن بعثة محمد ﷺ ، فرجع وقال إن هذا ليس زمن خروجه، فقيل إنه الدجال؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله القصة التي ذكرتها جاءت في حديث مشهور، يعرف بـ (حديث الجسّاسة) ، وهو حديث عظيم، فيه علم من أعلام النبوة، فأترك لك فرصة الاستفادة والاستمتاع بقراءته. عن فاطمة بنت قيس ﵂ قالت: (سَمِعْتُ نِدَاءَ الْمُنَادِي، مُنَادِى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يُنَادِي (الصَّلَاةَ جَامِعَةً) . فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكُنْتُ فِى صَفِّ النِّسَاءِ الَّتِى تَلِى ظُهُورَ الْقَوْمِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ «لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَاّهُ» . ثُمَّ قَالَ «أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ» ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «إِنِّى وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لأَنَّ تَمِيماً الدَّارِىَّ كَانَ رَجُلاً نَصْرَانِيًّا فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِى حَدِيثاً وَافَقَ الَّذِى كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ، حَدَّثَنِى أَنَّهُ رَكِبَ فِى سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلاً مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامَ، فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْراً فِى الْبَحْرِ، ثُمَّ أَرْفَئُوا (أي: التجؤوا) إِلَى جَزِيرَةٍ فِى الْبَحْرِ حَتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، فَجَلَسُوا فِى أَقْرُبِ السَّفِينَةِ (وهي سفينة صغيرة تكون مع الكبيرة كالجنيبة يتصرف فيها ركاب السفينة لقضاء حوائجهم، الجمع قوارب والواحد قارب) فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ (أي: غليظ الشعر) كَثِيرُ الشَّعَرِ، لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقَالُوا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ (قيل سميت بذلك لتجسسها الأخبار للدجال) . قَالُوا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتْ: أَيُّهَا الْقَوْمُ! انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِى الدَّيْرِ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالأَشْوَاقِ. قَالَ لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلاً فَرِقْنَا (أي خفنا) مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، قَالَ فَانْطَلَقْنَا سِرَاعاً حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ، فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقاً، وَأَشَدُّهُ وِثَاقاً، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ، قُلْنَا: وَيْلَكَ مَا أَنْتَ؟ قَالَ: قَدْ قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِي، فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ، رَكِبْنَا فِى سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ (أي هاج) ، فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْراً، ثُمَّ أَرْفَأْنَا إِلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ، فَجَلَسْنَا فِى أَقْرُبِهَا، فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ لَا يُدْرَى مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ. قُلْنَا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتِ: اعْمِدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِى الدَّيْرِ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِاْلأَشْوَاقِ. فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعاً، وَفَزِعْنَا مِنْهَا وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، فَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ. قُلْنَا: عَنْ أَىِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: أَسْأَلُكُمْ عَنْ نَخْلِهَا هَلْ يُثْمِرُ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ. قَالَ: أَخْبِرُونِى عَنْ بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ؟ قُلْنَا: عَنْ أَىِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟ قَالُوا: هِىَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ. قَالَ: أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ. قَالَ: أَخْبِرُونِى عَنْ عَيْنِ زُغَرَ؟ (وهي بلدة تقع في الجانب القبلي من الشام) قَالُوا: عَنْ أَىِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِى الْعَيْنِ مَاءٌ؟ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، هِىَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا. قَالَ: أَخْبِرُونِى عَنْ نَبِىِّ الأُمِّيِّينَ مَا فَعَلَ؟ قَالُوا: قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ. قَالَ: أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَطَاعُوهُ، قَالَ لَهُمْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ؟ قُلْنَا نَعَمْ. قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَاكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَإِنِّى مُخْبِرُكُمْ عَنِّي، إِنِّى أَنَا الْمَسِيحُ، وَإِنِّى أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِى فِى الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ فَأَسِيرَ فِى الأَرْضِ فَلَا أَدَعَ قَرْيَةً إِلَاّ هَبَطْتُهَا فِى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً أَوْ وَاحِداً مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِى مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتاً يَصُدُّنِى عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ فِى الْمِنْبَرِ -: «هَذِهِ طَيْبَةُ هَذِهِ طَيْبَةُ هَذِهِ طَيْبَةُ» . يَعْنِى الْمَدِينَةَ «أَلَا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذَلِكَ؟» . فَقَالَ النَّاسُ:نَعَمْ. «فَإِنَّهُ أَعْجَبنِى حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِى كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ وَعَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، أَلَا إِنَّهُ فِى بَحْرِ الشَّامِ أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ، لَا بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ما هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ» (قال القاضي: لفظة (ما هو) زائدة، صلة للكلام، ليست بنافية، والمراد إثبات أنه فى جهات المشرق) وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ. قَالَتْ فَحَفِظْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٩٤٢) ، فهو حديث صحيح، رواه أهل العلم في كتبهم، من طريقين عن فاطمة بنت قيس ﵂، وقال الترمذي ﵀ "الجامع الصحيح" (٢٢٥٣) : " هذا حديث صحيح غريب " انتهى. وقال ابن عبد البر "الاستذكار" (٧/٣٣٨) : " ثابت صحيح من جهة الإسناد والنقل " انتهى. وللاستزادة انظر الأرقام التالية (٨٣٠١) (٨٨٠٦) (٣٢٦٦٥) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1941

هل يأتي فيمن بعد الصحابة من هو أكثر منهم أجرا ؟ [السُّؤَالُ] ـ[كيف يمكن الموازنة بين الحديثين عن رسول الله ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) والحديث الذي يقول فيه: إن لنا خمسين مثلا من الأجر الذي لهم، لأننا لم نره ولكننا صدقنا به بالغيب والأحاديث ووجود الأجيال المتتابعة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: أما الحديث الأول فهو حديث متفق على صحته بين أهل العلم، رواه البخاري (٣٦٧٣) ومسلم (٢٥٤١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) وأما الحديث الثاني فقد جاء بسياقات متقاربة عن ثمانية من الصحابة، هم أبو ثعلبة الخشني وعبد الله بن مسعود وأبو أمامة وعتبة بن غزوان وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر ومعاذ بن جبل، ومحل الشاهد الذي ذكره السائل هو قدر مشترك بين هذه السياقات، ولفظه من حديث أبي ثعلبة عند الترمذي (٣٠٥٨) أن النبي ﷺ قال: (َإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَزَادَنِي غَيْرُ عُتْبَةَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟! قَالَ بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ) وقد تبين بعد البحث أن في جميع طرق الحديث وشواهده ما يضعفه عن الاحتجاج به، ولا يسلم منها طريق من مطعن، إلا أن بعض أهل العلم ذهب إلى تحسين الحديث لكثرة طرقه وشواهده، فقد قال الترمذي في حديث أبي ثعلبة هذا: حديث حسن غريب. وصححه أيضا بمجموع طرقه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٤٩٤) ثانيا: على القول بتصحيح الحديث الثاني يبدو أن فيه معارضة للحديث الأول، فإن مقتضى الأول أن الأجر الذي يكتبه الله لعمل الصحابة السابقين أعظم من أجر العمل نفسه إذا قام به مَن بعدهم، والحديث الثاني فيه أن أجر مَن بعد الصحابة في زمن الفتنة والشدة أكثر من أجر الصحابة؟ وقد سلك أهل العلم في التوفيق بين هذين الحديثين وحل هذا التعارض الظاهري مسلكين اثنين: الأول: قالوا بأن جميع أعمال السابقين من الصحابة أكثر أجورا وأعظم ثوابا إلا عملا واحدا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن المتأخرين من المسلمين من الذين يعيشون زمان الغربة لهم عليه من الأجور ما يفوق أجر الصحابة عليه، لأنهم لا يجدون على الحق أعوانا. قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: " الإنفاق في أول الإسلام أفضل لقوله ﵇ لخالد بن الوليد ﵁: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) أي مد الحنطة. والسبب فيه أن تلك النفقة أثمرت في فتح الإسلام وإعلاء كلمة الله ما لا يثمر غيرها. وكذلك الجهاد بالنفوس، لا يصل المتأخرون فيه إلى فضل المتقدمين، لقلة عدد المتقدمين، وقلة أنصارهم، فكان جهادهم أفضل، ولأن بذل النفس مع النصرة ورجاء الحياة ليس كبذلها مع عدمها، ولذلك قال ﵇: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) جعله أفضل الجهاد ليأسه من حياته. وأما النهي عن المنكر بين ظهور المسلمين وإظهار شعائر الإسلام فإن ذلك شاق على المتأخرين لعدم المعين، وكثرة المنكر فيهم، كالمنكر على السلطان الجائر، ولذلك قال ﵇: (يكون القابض كالقابض على الجمر) لا يستطيع دوام ذلك لمزيد المشقة، فكذلك المتأخر في حفظ دينه، وأما المتقدمون فليسوا كذلك لكثرة المعين وعدم المنكر، فعلى هذا يُنَزَّل الحديث " انتهى. نقلا عن "عون المعبود" (١١/٣٣٣) فهذا المسلك يخصص نوع العمل، فيجعل جميع أعمال الصحابة فاضلة في أجورها على من بعدهم إلا عملا واحدا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. المسلك الثاني: أن أعمال الصحابة أجرها أعظم وثوابها أكبر من أعمال من بعدهم، إلا في أيام الفتنة وغربة الدين، فإن أعمال من بعدهم أفضل من أعمال الصحابة في زمن الطمأنينة وانتشار الإسلام، فالتخصيص هنا في زمان العمل وليس في أنواع العمل. يقول الشوكاني في "نيل الأوطار" (٨٩/٣٦٨) : " أعمال الصحابة فاضلة مطلقا من غير تقييد لحالة مخصوصة، كما يدل عليه: (لو أنفق أحدكم مثل أحد) الحديث. إلا أن هذه المزية للسابقين منهم. وأما أعمال من بعد الصحابة فلم يَرِد ما يدل على كونها أفضل على الإطلاق، إنما ورد ذلك مقيدا بأيام الفتنة وغربة الدِّين، حتى كان أجر الواحد يعدل أجر خمسين رجلا من الصحابة، فيكون هذا مخصصا لعموم ما ورد في أعمال الصحابة، فأعمال الصحابة فاضلة، وأعمال من بعدهم مفضولة، إلا في مثل تلك الحالة " انتهى. ثالثا: وعلى جميع الأحوال فإن أحدا من أهل العلم لم يقل بأن مِن المتأخرين مِن المسلمين مَن يفوق السابقين مِن صحابة رسول الله ﷺ أهل بدر وأحد وبيعة الرضوان، وليس في الحديث ما يدل على ذلك، بل غاية ما فيه – إن سلَّمنا بصحته – أنَّ أجورَ بعض الأعمال في زمن الفتنة والغربة تضاعف لهم على أجور من لم يدرك غربة الإسلام الأولى من الصحابة ﵃. يقول الحافظ ابن حجر ﵀ في "فتح الباري" (٧/٧) : " على أن حديث (للعامل منهم أجر خمسين منكم) لا يدل على أفضلية غير الصحابة على الصحابة؛ لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وأيضا فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل، فأما ما فاز به من شاهد النبي ﷺ من زيادة فضيلة المشاهدة فلا يعدله فيها أحد " انتهى. فالفضل والقدر والمنزلة الأعلى ثابتة لصحابة النبي ﷺ ، فقد أكرمهم الله بمشاهدة ومصاحبة خير البشر محمد ﷺ ، وهذا الفضل لن يدركه بحال أحد ممن جاء بعدهم، وزيادة أجور مَن بعدهم في بعض الأعمال أو الأحوال لا يلزم منه أبدا التقدم عليهم في الفضل والمنزلة، خاصة وأن أجور مَن بعد الصحابة تؤول في محصَّلها إلى موازين حسنات الصحابة الذين نقلوا لنا الدين والشريعة، وحملوا لنا هذا الفضل العظيم، فبلغوا الأمانة على وجهها، والنبي ﷺ يقول: (مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ) رواه مسلم (١٨٩٣) وقد سبق تفصيل ذلك في موقعنا في جواب السؤال رقم (٣٣٧٤) والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1942

معنى حديث (مَن صَلَّى الصُّبحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ) [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى حديث رسول الله ﷺ : (مَن صَلَّى الصُّبحَ فِي جَمَاعَةٍ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ ... ) ؛ وكيف أكون في ذمة الله؟ وهل صلاة الرجل مع زوجته في البيت جماعة له نفس معنى الجماعة المراد في الحديث؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله روى مسلم (٦٥٧) عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَن صَلَّى الصُّبحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلا يَطلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِن ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) . قال النووي في "شرح مسلم" (٥/١٥٨) :" الذِّمَّة هنا: الضمان، وقيل الأمان " انتهى. قال الطيبي ﵀: " وإنما خص صلاة الصبح بالذكر؛ لما فيها من الكلفة والمشقة، وأداؤها مظنة خلوص الرجل، ومنه إيمانه؛ ومن كان مؤمنا خالصا فهو في ذمة الله تعالى وعهده. " شرح مشكاة المصابيح، للطيبي (٢/١٨٤) . وفي المراد بالحديث قولان للعلماء: الأول: أن يكون في الحديث نهي عن التعرض بالأذى لكل مسلم صلى صلاة الصبح، فإن من صلى صلاة الصبح فهو في أمان الله وضمانه، ولا يجوز لأحد أن يتعرض لِمَن أمَّنَه الله، ومن تعرض له، فقد أخفر ذمة الله وأمانه، أي أبطلها وأزالها، فيستحق عقاب الله له على إخفار ذمته، والعدوان على من في جواره. انظر: فيض القدير للمناوي (٦/١٦٤) . قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ "شرح رياض الصالحين" (١/٥٩١) : " في هذا دليل على أنه يجب احترام المسلمين الذي صدَّقوا إسلامهم بصلاة الفجر؛ لأن صلاة الفجر لا يصليها إلا مؤمن، وأنه لا يجوز لأحد أن يعتدي عليهم " انتهى. ويدل لهذا المعنى ما رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٤/٥) بسنده، وقال الألباني عنه في "صحيح الترغيب" (١/١١٠) : صحيح لغيره: عن الأعمش قال: كان سالم بن عبد الله بن عمر قاعدا عند الحجاج، فقال له الحجاج: قم فاضرب عنق هذا، فأخذ سالم السيف، وأخذ الرجل، وتوجه باب القصر، فنظر إليه أبوه وهو يتوجه بالرجل، فقال: أتراه فاعلا؟! فردَّه مرتين أو ثلاثا، فلما خرج به قال له سالم: صليت الغداة؟ قال: نعم. قال: فخذ أي الطريق شئت، ثم جاء فطرح السيف، فقال له الحجاج: أضربت عنقه؟ قال: لا، قال: ولِمَ ذاك؟ قال: إني سمعت أبي هذا يقول: قال رسول الله ﷺ : (مَن صَلَّى الغَدَاةَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ حَتَّى يُمسِيَ) !! والقول الثاني: أن يكون المقصود من الحديث التحذير من ترك صلاة الصبح والتهاون بها، فإن في تركها نقضا للعهد الذي بين العبد وربه، وهذا العهد هو الصلاة والمحافظة عليها. قال البيضاوي: " ويحتمل أن المراد بالذمة الصلاة المقتضية للأمان، فالمعنى: لا تتركوا صلاة الصبح ولا تتهاونوا في شأنها، فينتقض العهد الذي بينكم وبين ربكم، فيطلبكم الله به، ومن طلبه الله للمؤاخذة بما فرط في حقه أدركه، ومن أدركه كبه على وجهه في النار، وذلك لأن صلاة الصبح فيها كلفة وتثاقل، فأداؤها مظنة إخلاص المصلي، والمخلص في أمان الله " انتهى. نقلا عن "فيض القدير" (٦/١٦٤) وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن فضيلة الدخول في ذمة الله تعالى وجواره، المذكورة في هذا الحديث، إنما تثبت لمن صلى الصبح في جماعة؛ ولذلك بوب عليه النووي ﵀ في تبويبه لصحيح مسلم: باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة، وسبقه إلى ذلك المنذري ﵀، فذكر الحديث في كتابه: الترغيب والترهيب، باب: (الترغيب في صلاة الصبح والعشاء خاصة، في جماعة، والترهيب من التأخر عنهما) . بل إن هذا هو ظاهر صنيع الإمام مسلم؛ حيث روى قبل الحديث نحوا من عشرين حديثا، وبعده بضعة عشر حديثا، كلها تتحدث عن صلاة الجماعة، وما يتعلق بها. ولذلك أورده الحافظ عبد الحق الأشبيلي في الجمع بين الصحيحين له، في باب: صلاة الجماعة (٩٢٣) . واعتمده المباركفوري في شرح الترمذي. قال: " (من صلى الصبح) في جماعة ". انتهى. وقال ابن علان في دليل الفالحين (٣/٥٥٠) : " أي: جماعة، كما في رواية أخرى ". ويشهد لهذا التقييد ـ من حيث الرواية ـ حديث أبي بكرة ﵁: (من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله ... ) قال الهيثمي ﵀ (٢/٢٩) : رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح، وقال المنذري في الترغيب: "ورجال إسناده رجال الصحيح "، وقال الألباني: صحيح لغيره. انظر: صحيح الترغيب، رقم (٤٦١) . تنبيه: هذه الزيادة اعتمدها المناوي أيضا، ونسبها إلى مسلم. وهو وهم منه، فزيادة (جماعة ليست في مسلم، بل ولا في شيء من الكتب الستة. وقيل: إن هذه الفضيلة تحصل لكل من صلى صلاة الصبح في وقتها، حتى ولو لم يدرك الجماعة، لعدم التقييد بذلك في رواية مسلم وغيره من أصحاب الكتب الستة. وهذا هو الظاهر من تبويب ابن ماجة ﵀ على هذا الحديث في سننه: باب: المسلمون في ذمة الله، من كتاب الفتن. وعلى ذلك ـ أيضا ـ ابن حبان في صحيحه (٥/٣٦) : " باب ذكر إثبات ذمة الله جل وعلا للمصلي صلاة الغداة "، هكذا بإطلاق المصلي. ثالثا:الجماعة الشرعية التي جاء الأمر بها وترتيب الأجور عليها هي جماعة المسجد، وليست أي جماعة أخرى، وقد سبق تفصيل ذلك في الأسئلة (٨٩١٨) (٤٩٩٤٧) (٧٢٣٩٨) وفي خصوص فضل صلاة الصبح في جماعة جاءت بعض الأدلة: فقد جاء في تفسير الطبري (٣/٢٧٠) في تفسير قوله تعالى (وَالمُستَغفِرِينَ بِالأَسحَارِ) عن زيد بن أسلم أنه قال: هم الذين يشهدون الصبح في جماعة. وفي تفسير قوله تعالى (تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ يَدعُونَ رَبَّهُم خَوفًا وَطَمَعًا) السجدة/١٦ قال أبو الدرداء والضحاك: صلاة العشاء والصبح في جماعة. انظر "زاد المسير" (٦/٣٣٩) وفي صحيح مسلم (٦٥٦) من حديث عثمان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (مَن صَلَّى العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصفَ الَّليلِ، وَمَن صَلَّى الصُّبحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى الَّليلَ كُلَّهُ) . وروى البخاري (٦١٥) ومسلم (٤٣٧) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (وَلَو يَعلَمُونَ مَا فِي العَتمَةِ وَالصُّبحِ لَأَتَوهُمَا وَلَو حَبوًا) وقال عمر بن الخطاب ﵁: لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إلي من أن أقوم ليلة. "الاستذكار" (٢/١٤٧) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1943

حكم الانتحار والصلاة على المنتحر والدعاء له [السُّؤَالُ] ـ[لدي ابنة خالة توفيت ومعظم الاحتمالات تبين أنها انتحرت، فما حكم من ينتحر؟ وما حالته عند ربه؟ وماذا يفعل والداها ليخففا عنها؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الانتحار من كبائر الذنوب، وقد بيَّن النبي ﷺ أن المنتحر يعاقب بمثل ما قتل نفسه به. فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (مَن تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً، ومَن تحسَّى سمّاً فقتل نفسه فسمُّه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومَن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) رواه البخاري (٥٤٤٢) ومسلم (١٠٩) . وعن ثابت بن الضحاك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (مَن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة) رواه البخاري (٥٧٠٠) ومسلم (١١٠) . وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكيناً فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات. قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة) رواه البخاري (٣٢٧٦) ومسلم (١١٣) وقد ترك النبي ﷺ الصلاة على المنتحر، عقوبةً له، وزجراً لغيره أن يفعل فعله، وأذن للناس أن يصلوا عليه، فيسن لأهل العلم والفضل ترك الصلاة على المنتحر تأسيّاً بالنبي ﷺ . فعن جابر بن سمرة ﵁ قال: (أُتي النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمَشاقص فلم يصل عليه) رواه مسلم (٩٧٨) . قال النووي: " المَشاقص: سهام عراض. وفي هذا الحديث دليل لمن يقول: لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه , وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي , وقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: يصلى عليه , وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي ﷺ لم يصل عليه بنفسه زجرا للناس عن مثل فعله , وصلت عليه الصحابة " انتهى. " شرح مسلم " (٧ / ٤٧) . ولا يعني هذا – إن ثبت انتحارها – أن تتركوا الدعاء لها بالرحمة والمغفرة، بل هو متحتم عليكم لحاجتها له، والانتحار ليس كفراً مخرجاً من الملة كما يظن بعض الناس، بل هو من كبائر الذنوب التي تكون في مشيئة الله يوم القيامة إن شاء غفرها وإن شاء عذَّب بها، فلا تتهاونوا بالدعاء لها، وأخلصوا فيه، فلعله يكون سببا لمغفرة الله لها. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1944

هل يمكن للبشر رؤية الملائكة والنبي ﷺ يقظة عياناً ؟ [السُّؤَالُ] ـ[كنا قد قمنا بمسيرة احتجاجية كبيرة بالعاصمة لمساندة الشعب الفلسطيني والشعب العراقي ضد الاحتلال الإسرائيلي والأمريكي، بعد انتهاء المسيرة سمعت بعض الإخوان والأخوات يتحدثون أنهم رأوا سيدنا جبريل نازلاً من السماء وكذلك رأوا سيدنا محمد (ص) والكثير من الملائكة يرافقونهم، تأييداً لهذه المسيرة، فهل هذه المشاهدات قد تكون حقيقية ويجب علينا تصديقها وإلا سوف نعاقب بسوء الظن في إخواننا المسلمين؟ بالنسبة لي لم أستطع التصديق علما أن أهل بدر والصحابة الأجلاء العشرة المبشرين بالجنة لم يروا الملائكة الكرام بالعين المجردة ولا رأوا سيدنا جبريل! فهل نستطيع أن نقول إن هذا وهَم المشاهدة؟ أي: تخيل رؤية الشيء حتى يصبح حقيقة يصدقه العقل وتراه العين؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: سبق في جواب السؤال رقم (١١٤٦٩) بيان حكم المظاهرات فلينظر. ثانياً: لا ينبغي اختصار الصلاة والسلام على النبي ﷺ بحرف الصاد، ولا بكلمة " صلعم "! ومن كتب مثل هذا السؤال الطويل لا يعجزه كتابة الصلاة والسلام عليه كاملة. وقد سبق بيان حكم كتابة هذين الاختصارين في جواب السؤال رقم (٤٧٩٧٦) فلينظر. ثالثاً: الملائكة خلقت من نور – كما رواه مسلم (٢٩٩٦) - ولا يمكن لأحدٍ أن يدَّعي أنه رآها على صورتها الحقيقية إلا أن يكون نبيّاً يُصدَّق قوله، وأما أن يراهم متشكلين على هيئات أحدٍ من البشر فيمكن هذا لعامة الناس وخاصتهم، وقد جاء في السنَّة النبوية من ذلك كثير، سواء في هذه الأمة أم في الأمم التي قبلها. وإذا كان النبي ﷺ وهو موفور العقل والدين لم يحتمل رؤية جبريل ﵇ على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها، فكيف أطاقه هؤلاء - هذا إن سلَّمنا أنهم رأوه أصلاً -؟! قال الشيخ عمر الأشقر: ولما كانت الملائكة أجساماً نورانيَّة لطيفة؛ فإن العباد لا يستطيعون رؤيتهم، خاصة أن الله لم يُعطِ أبصارنا القدرة على هذه الرؤية، ولم يرَ الملائكةَ في صُوَرهم الحقيقية من هذه الأمَّة إلا الرسول ﷺ ؛ فإنه رأى جبريل مرتين في صورته التي خلَقه الله عليها، وقد دلَّت النصوص على أن البشر يستطيعون رؤية الملائكة إذا تمثَّلت الملائكة في صورة البشر. " عالَم الملائكة الأبرار " (ص ١١) . وقال أيضاً – في سياق إثبات بشرية الرسل والرد على من اقترح أن يكونوا من الملائكة -: الرابع: صعوبة رؤية الملائكة، فالكفار عندما يقترحون رؤية الملائكة، وأن يكون الرسل إليهم ملائكة لا يدركون طبيعة الملائكة، ولا يعلمون مدى المشقة والعناء الذي سيلحق بهم من جراء ذلك. فالاتصال بالملائكة ورؤيتهم أمر ليس بسهل، فالرسول ﷺ مع كونه أفضل الخلق، وهو على جانب عظيم من القوة الجسميَّة والنفسيَّة عندما رأى جبريل على صورته أصابه هول عظيم ورجع إلى منزله يرجف فؤاده، وقد كان ﷺ يعاني من اتصال الوحي به شدّة، ولذلك قال في الردّ عليهم: (يومَ يروْنَ الملائكةَ لا بُشرى يومئذٍ للمُجرمين) الفرقان/٢٢، ذلك أنَّ الكفار لا يرون الملائكة إلا حين الموت أو حين نزول العذاب، فلو قُدّر أنّهم رأوا الملائكة لكان ذلك اليوم يوم هلاكهم. فكان إرسال الرسل من البشر ضروريّاً كي يتمكنوا من مخاطبتهم، والفقه عنهم، والفهم منهم، ولو بعث الله رسله إليهم من الملائكة لما أمكنهم ذلك (ومَا مَنَعَ النَّاس أنْ يؤمنوا إذ جاءَهُم الهُدى إلاّ أنْ قالوا أبَعَثَ اللهُ بشراً رسُولاً. قُلْ لو كان في الأرضِ ملائكةٌ يمشون مطمئنينَ لنزّلنا عليهم من السّماء ملكاً رسُولاً) الإسراء/٩٤، ٩٥، أما وأن الذين يسكنون الأرض بشر فرحمة الله وحكمته تقتضي أن يكون رسولهم من جنسهم (لَقَدْ مَنَّ اللهُ على المؤمنينَ إذْ بعثَ فيهم رسُولاً من أنفسِهِم) آل عمران/١٦٤. وإذا كان البشر لا يستطيعون رؤية الملائكة والتلقي عنهم بيسر وسهولة فيقتضي هذا - لو شاء الله أن يرسل مَلكا رسولا إلى البشر - أن يجعله رجلا (ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لجعلناهُ رَجُلاً ولَلَبسْنا عليهم ما يلبِسون) الأنعام/٩. والتباس الأمر عليهم بسبب كونه في صورة رجل، فلا يستطيعون أن يتحققوا من كونه ملكاً، وإذا كان الأمر كذلك فلا فائدة من إرسال الرسل من الملائكة على هذا النحو، بل إرسالهم من الملائكة على هذا النحو لا يحقق الغرض المطلوب، لكون الرسول الملك لا يستطيع أن يحس بإحساس البشر وعواطفهم وانفعالاتهم وإن تشكل بأشكالهم. " الرسل والرسالات " (٧٢، ٧٣) . رابعاً: وأما رؤية النبي ﷺ يقظة فهو من أقوال المخرفين من الصوفية، ولا أصل له في الشرع ولا في واقع الحال، وقد وقعت للصحابة ﵃ أمورٌ عظيمة بعد وفاته ﷺ ، وكانوا في أمس الحاجة لوجوده بينهم، فَلِمَ لمْ يظهر لهم؟ ولم يروه وهو أحب الناس إليهم، وهم أحب الناس إليه؟! وأما استدلال بعضهم بالحديث الذي في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة) على إمكانية رؤية النبي صلى الله عليه وسم يقظة: فليس فيه ما يدل على ما قالوه، بل هذا فيه البشرى لمن رآه في المنام أن يراه في الجنة، وليس المعنى أنه يراه يقظة في الدنيا. قال الحافظ ابن حجر ﵀: وشذ بعض الصالحين فزعم أنها تقع - يعني الرؤية - بعيني الرأس حقيقة. " فتح الباري " (١٢ / ٣٨٤) . وقال النووي ﵀ في معنى قول النبي ﷺ : (فسيراني في اليقظة) : فيه أقوال: أحدها: أن يراد به أهل عصره، ومعناه: أن من رآه في النوم ولم يكن هاجر يوفقه الله للهجرة ورؤيته ﷺ في اليقظة عياناً. وثانيها: أنه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة؛ لأنه يراه في الآخرة جميع أمته. وثالثها: أنه يراه في الآخرة رؤية خاصة في القرب منه وحصول شفاعته، ونحو ذلك. " شرح مسلم " (١٥ / ٢٦) . ولا يتعارض ما ذكره النووي في القول الأول مع ما أنكره الحافظ ابن حجر؛ لأن النووي ذكر أنه يراد به أهل عصره ﷺ ، وما أنكره الحافظ إنما هو لمن زعم الرؤية حقيقة بعد وفاته ﷺ . وقال أبو العباس القرطبي – ردّاً على من قال برؤيته ﷺ يقظة -: وهذا يدرك فساده بأوائل العقول، ويلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها، وأن يراه رائيان في آن واحد في مكانين، وأن يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه، ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده ولا يبقى في قبره منه شيء، فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب؛ لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره. نقله عنه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (١٢ / ٣٨٤) . وأيضاً لو كان صحيحاً أن أحداً يرى النبي ﷺ يقظة لكان عداده في الصحابة ولاستمرت الصحبة إلى يوم القيامة. وقد ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني أن ابن أبى جمرة نقل عن جماعة من المتصوفة " أنهم رأوا النبي ﷺ في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها فجاء الأمر كذلك "! ثم تعقب الحافظ ذلك بقوله: " وهذا مشكل جدّاً، ولو حمل على ظاهره: لكان هؤلاء صحابة، ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة، ويعكِّر عليه أن جمعاً جمّاً رأوه في المنام ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة، وخبر الصادق لا يتخلف. " فتح الباري " (١٢ / ٣٨٥) . وفي رد علماء اللجنة الدائمة على عقيدة التيجاني قالوا: ولم يثبت عن الخلفاء الراشدين ولا سائر الصحابة ﵃ أن أحداً منهم وهم خير الخلق بعد الأنبياء ادعى أنه رأى النبي ﷺ يقظة، ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن التشريع قد أكمل في حياته ﷺ ، وأن الله قد أكمل للأمة دينها وأتم عليها نعمته قبل أن يتوفى رسوله ﷺ إليه، قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً) المائدة/٣، فلا شك أن ما زعمه أحمد التيجاني لنفسه من رؤية النبي ﷺ يقظة وأنه أخذ عنه الطريقة التيجانية يقظة مشافهة، وأنه عيَّن له الأوراد التي يذكر الله بها ويصلي على رسوله بها لاشك أن هذا من البهتان والضلال المبين. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢ / ٣٢٥، ٣٢٦) . وقالوا أيضاً: فتوفي رسول الله ﷺ بعدما بلغ الرسالة وأكمل الله به دينه وأقام به الحجة على خلقه، وصلى عليه أصحابه ﵃ صلاة الجنازة، ودفنوه حيث مات في حجرة عائشة ﵂، وقام من بعده الخلفاء الراشدون، وقد جرى في أيامهم أحداث ووقائع فعالجوا ذلك باجتهادهم، ولم يرجعوا في شيء منها إلى رسول الله ﷺ ، فمن زعم بعد ذلك أنه رآه في اليقظة حيا وكلمه أو سمع منه شيئا قبل يوم البعث والنشور فزعمه باطل؛ لمخالفته النصوص والمشاهدة وسنة الله في خلقه، وليس في هذا الحديث دلالة على أنه سيرى ذاته في اليقظة في الحياة الدنيا؛ لأنه يحتمل أن المراد بأنه: فسيراني يوم القيامة، ويحتمل أن المراد: فسيرى تأويل رؤياه؛ لأن هذه الرؤيا صادقة بدليل ما جاء في الروايات الأخرى من قوله ﷺ : " فقد رآني " الحديث، وقد يراه المؤمن في منامه رؤيا صادقة على صفته التي كان ﷺ عليها أيام حياته الدنيوية. " فتاوى اللجنة الدائمة " (١ / ٤٨٦، ٤٨٧) . وخلاصة ما سبق: أنه لا يجوز لأحدٍ – بعد الأنبياء - أن يدَّعي رؤية الملائكة؛ فهم أجسام نورانية لم يجعل الله تعالى في مقدور البشر رؤيتهم إلا إن تشكلوا. ولا يجوز لأحدٍ أن يدَّعي رؤية النبي ﷺ يقظة، ولعل هذه الأوهام والخيالات كانت من بعض مَنْ ليس عنده علم شرعي ولا عقل ناضج فراح يتخيل ويتصور وجود ما لا حقيقة له. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1945

ما ثياب الكفار التي نهينا عن لبسها ؟ [السُّؤَالُ] ـ[كيف كان المسلمون في زمن النبي ﷺ يميزون أنفسهم عن الكفار في اللباس؟ هل كان كفار مكة يلبسون هم أيضا الثوب الطويل (الذي يعرف اليوم بالجلابية) ؟ وبناء على ذلك هل يعتبر الثوب الواسع من الملابس اللائقة إسلاميّا؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اللباس من نعم الله تعالى على عباده، فهي تستر العورة وتقي الحر والبرد، وقد امتن الله به عليهم فقال: (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) الأعراف/٢٦، وقال: (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) النحل/٨١. والأصل في اللباس الإباحة، فللمسلم أن يلبس ما يشاء مما يصنعه هو أو يصنعه له غيره من المسلمين وغيرهم، وهذا هو حال الصحابة ﵃ في مكة وفي غيرها، فلم يكن من يُسلم منهم يلبس لباساً خاصّاً به، وكان النبي صلى الله صلى الله عليه يبلس الجبة الشامية والحلة اليمنية، ولم يكن أهل صناعتهما من المسلمين، فالعبرة بموافقة اللباس للشروط الشرعية، وتجد في جواب السؤال رقم (٣٦٨٩١) ملخصاً لأحكام اللباس بالنسبة للرجال، فلينظر. وقد نهانا النبي ﷺ عن التشبه بالكفار عموماً – في اللباس وغيره -، فقال النبي ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه أبو داود (٤٠٣١) وصححه العراقي في "تخريج إحياء علوم الدين" (١/٣٤٢) والألباني في "إرواء الغليل" (٥/١٠٩) . ونهانا نهياً خاصاً عن: التشبه بهم في اللباس، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ رأى عليه ثوبين معصفرين فقال له: (إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها) رواه مسلم (٢٠٧٧) . وروى مسلم (٢٠٦٩) عن عمر ﵁ أنه كتب للمسلمين في أذربيجان: (إياكم والتنعم وزي أهل الشرك) رواه مسلم (٢٠٦٩) . وثياب الكفار التي يحرم على المسلمين لبسها هي ما يختص بلبسه الكفار , فلا يلبسها غيرهم , أما ما يلبسه الكفار والمسلمون , فلا حرج في لبسه ولا كراهية فيه، لأنه ليس خاصاً بالكفار. وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء عن المشابهة بالكفار المنهي عنها فأجابوا: " المراد بمشابهة الكفار المنهي عنها: مشابهتهم فيما اختصوا به من العادات، وما ابتدعوه في الدين من عقائد وعبادات، كمشابهتهم في حلق اللحية ... . أما لبس البنطلون والبدلة وأمثالهما من اللباس، فالأصل في أنواع اللباس الإباحة، لأنَّهُ من أمور العادات، قال تعالى: (قل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) الآية، ويستثنى من ذلك ما دلَّ الدليل الشرعي على تحريمه أو كراهته كالحرير للرجال، والذي يصف العورة لكونه شفافاً يُرى من ورائه لون الجلد، أو ككونه ضيقاً يحدد العورة، لأنه حينئذ في حكم كشفها , وكشفها لا يجوز، وكالملابس التي هي من سيما الكفار فلا يجوز لبسها لا للرجال ولا للنساء , لنهي النبي ﷺ عن التشبه بهم، وكلبس الرجال ملابس النساء , ولبس النساء ملابس الرجال , لنهي النبي ﷺ عن تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال. وليس اللباس المسمى بالبنطلون مما يختصُّ بالكفار، بل هو لباس عام في المسلمين والكافرين في كثير من البلاد والدول، وإنما تنفر النفوس من لبس ذلك في بعض البلاد لعدم الإلف ومخالفة عادة سكانها في اللباس، وإن كان ذلك موافقاً لعادة غيرهم من المسلمين، لكن الأولى بالمسلم إذا كان في بلد لم يعتد أهلها ذلك اللباس ألَاّ يلبسه في الصلاة ولا في المجامع العامة ولا في الطرقات " انتهى. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٣ / ٣٠٧ - ٣٠٩) . وقالوا أيضاً: " يجب على المسلمين والمسلمات أن يحرصوا على الأخلاق الإسلامية، وأن يسيروا على منهج الإسلام في أفراحهم وأتراحهم ولباسهم وطعامهم وشرابهم وجميع شؤونهم. ولا يجوز لهم أن يتشبَّهوا بالكفار في لباسهم بأن يلبسوا الملابس الضيقة التي تحدِّد العورة، أو الملابس الشفافة الرقيقة التي تشف عن العورة ولا تسترها، أو الملابس القصيرة التي لا تغطي الصدر أو الذراعين أو الرقبة أو الرأس أو الوجه " انتهى. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٣ / ٣٠٦، ٣٠٧) . وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ عن مقياس التشبُّه بالكفار؟ فأجاب: " مقياس التشبه: أن يفعل المتشبِّه ما يختص به المتشبَّه به، فالتشبُّه بالكفار أن يفعلَ المسلم شيئاً من خصائصهم. أما ما انتشر بين المسلمين وصار لا يتميز به الكفار فإنه لا يكون تشبُّهاً، فلا يكون حراماً من أجل أنَّه تشبّه إلَاّ أن يكون محرَّماً من جهة أخرى. وهذا الذي قلناه هو مقتضى مدلول هذه الكلمة، وقد صرَّح بمثله صاحب "فتح الباري" حيث قال (١٠/٢٧٢) : " وقد كره بعض السلف لبس البرنس؛ لنَّهُ كان من لباسِ الرهبانِ، وقد سئل مالكٌ عنه فقال: لا بأس به، قيل: فإنَّهُ من لبوس النصارى، قال: كان يلبس ههنا " انتهى. قلت: لو استدلَّ مالك بقول النبي ﷺ حين سئل ما يلبس المحرم؟ فقال: (لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرانس ... ) لكان أولى. وفي "الفتح" أيضاً (١٠/٣٠٧) : " وإن قلنا النهي عنها (أي: عن المياثر الأرجوان) من أجل التشبُّه بالأعاجم: فهو لمصلحة دينية، لكن كان ذلك شعارهم حينئذ وهم كفار، ثم لما لم يصر الآن يختص بشعارهم زال ذلك المعنى، فتزول الكراهة، والله أعلم " انتهى. " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (١٢ / ٢٩٠) . وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: " وتباح ثياب الكفار إذا لم تعلم نجاستها؛ لأن الأصل الطهارة؛ فلا تزول بالشك، ويباح ما نسجوه أو صبغوه؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يلبسون ما نسجه الكفار وصبغوه " انتهى. " الملخص الفقهي " (١ / ٢٠) . وخلاصة الجواب: أنه يحرم على المسلم أن يتشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم من اللباس وغيره , أما ما لا يختص به الكفار فلا حرج فيه. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1946

معنى الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: أما " الصلاة على النبي ﷺ " فمعناها - عند جمهور العلماء -: من الله تعالى: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: الدعاء، وذهب آخرون – ومنهم أبو العالية من المتقدمين، وابن القيم من المتأخرين، وابن عثيمين من المعاصرين – إلى أن معنى " الصلاة على النبي ﷺ " هو الثناء عليه في الملأ الأعلى، ويكون دعاء الملائكة ودعاء المسلمين بالصلاة عليه ﷺ بأن يثني الله تعالى عليه في الملأ الأعلى، وقد ألَّف ابن القيم – ﵀ – كتاباً في هذه المسألة، سمّاه " جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام " وقد توسع في بيان معنى الصلاة على النبي ﷺ ، وأحكامها، وفوائدها، فلينظره من أراد التوسع. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: " قوله: " صلِّ على محمد " قيل: إنَّ الصَّلاةَ مِن الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: الدُّعاء. فإذا قيل: صَلَّتْ عليه الملائكة، يعني: استغفرت له. وإذا قيل: صَلَّى عليه الخطيبُ، يعني: دعا له بالصلاة. وإذا قيل: صَلَّى عليه الله، يعني: رحمه. وهذا مشهورٌ بين أهل العلم، لكن الصحيح خِلاف ذلك، أن الصَّلاةَ أخصُّ من الرحمة، ولذا أجمع المسلمون على جواز الدُّعاء بالرحمة لكلِّ مؤمن، واختلفوا: هل يُصلَّى على غير الأنبياء؟ ولو كانت الصَّلاةُ بمعنى الرحمة لم يكن بينهما فَرْقٌ، فكما ندعو لفلان بالرحمة نُصلِّي عليه. وأيضاً: فقد قال الله تعالى: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) البقرة١٥٧، فعطف " الرحمة " على " الصلوات " والعطفُ يقتضي المغايرة فتبيَّن بدلالة الآية الكريمة، واستعمال العلماء ﵏ للصلاة في موضع والرحمة في موضع: أن الصَّلاة ليست هي الرحمة. وأحسن ما قيل فيها: ما ذكره أبو العالية ﵀ أنَّ صلاةَ الله على نبيِّه: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى. فمعنى " اللَّهمَّ صَلِّ عليه " أي: أثنِ عليه في الملأ الأعلى، أي: عند الملائكة المقرَّبين. فإذا قال قائل: هذا بعيد مِن اشتقاق اللفظ؛ لأن الصَّلاة في اللُّغة الدُّعاء وليست الثناء: فالجواب على هذا: أن الصلاة أيضاً من الصِّلَة، ولا شَكَّ أن الثناء على رسول الله ﷺ في الملأ الأعلى من أعظم الصِّلات؛ لأن الثناء قد يكون أحياناً عند الإنسان أهمُّ من كُلِّ حال، فالذِّكرى الحسنة صِلَة عظيمة. وعلى هذا فالقول الرَّاجح: أنَّ الصَّلاةَ عليه تعني: الثناء عليه في الملأ الأعلى " انتهى. " الشرح الممتع " (٣ / ١٦٣، ١٦٤) . ثانياً: وأما معنى " السلام عليه ﷺ ": فهو الدعاء بسلامة بدنه – في حال حياته -، وسلامة دينه ﷺ ، وسلامة بدنه في قبره، وسلامته يوم القيامة. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: قوله: " السلام عليك ": " السَّلام " قيل: إنَّ المراد بالسَّلامِ: اسمُ الله؛ لأن النبي ﷺ قال: " إنَّ اللَّهَ هو السَّلامُ " كما قال الله تعالى في كتابه: (الملك القدوس السلام) الحشر/٢٣، وبناءً على هذا القول يكون المعنى: أنَّ الله على الرسول ﷺ بالحِفظ والكَلاءة والعناية وغير ذلك، فكأننا نقول: اللَّهُ عليك، أي: رقيب حافظ مُعْتَنٍ بك، وما أشبه ذلك. وقيل: السلام: اسم مصدر سَلَّمَ بمعنى التَّسليم، كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) الأحزاب/٥٦ فمعنى التسليم على الرسول ﷺ : أننا ندعو له بالسَّلامة مِن كُلِّ آفة. إذا قال قائل: قد يكون هذا الدُّعاء في حياته ﵊ واضحاً، لكن بعد مماته كيف ندعو له بالسَّلامةِ وقد مات ﷺ ؟ فالجواب: ليس الدُّعاءُ بالسَّلامة مقصوراً في حال الحياة، فهناك أهوال يوم القيامة، ولهذا كان دعاء الرُّسل إذا عَبَرَ النَّاسُ على الصِّراط: " اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ "، فلا ينتهي المرءُ مِن المخاوف والآفات بمجرد موته. إذاً؛ ندعو للرَّسول ﷺ بالسَّلامةِ من هول الموقف. ونقول - أيضاً -: قد يكون بمعنى أعم، أي: أنَّ السَّلامَ عليه يشمَلُ السَّلامَ على شرعِه وسُنَّتِه ِ، وسلامتها من أن تنالها أيدي العابثين؛ كما قال العلماءُ في قوله تعالى: (فردوه إلى الله والرسول) النساء/٥٩، قالوا: إليه في حياته، وإلى سُنَّتِهِ بعد وفاته. وقوله: " السلام عليك " هل هو خَبَرٌ أو دعاءٌ؟ يعني: هل أنت تخبر بأن الرسولَ مُسَلَّمٌ، أو تدعو بأن الله يُسلِّمُه؟ الجواب: هو دُعاءٌ تدعو بأنَّ الله يُسلِّمُه، فهو خَبَرٌ بمعنى الدُّعاء. ثم هل هذا خطاب للرَّسول ﵊ كخطابِ النَّاسِ بعضهم بعضاً؟ . الجواب: لا، لو كان كذلك لبطلت الصَّلاة به؛ لأن هذه الصلاة لا يصحُّ فيها شيء من كلام الآدميين؛ ولأنَّه لو كان كذلك لجَهَرَ به الصَّحابةُ حتى يَسمعَ النبي ﷺ ، ولردَّ ﵈ كما كان كذلك عند ملاقاتِهم إيَّاه، ولكن كما قال شيخ الإسلام في كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم ": لقوَّة استحضارك للرسول ﵊ حين السَّلامِ عليه، كأنه أمامك تخاطبه. ولهذا كان الصَّحابةُ يقولون: السلام عليك، وهو لا يسمعهم، ويقولون: السلام عليك، وهم في بلد وهو في بلد آخر، ونحن نقول: السلام عليك، ونحن في بلد غير بلده، وفي عصر غير عصره " انتهى. " الشرح الممتع " (٣ / ١٤٩، ١٥٠) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1947

قصة سحر النبي ﷺ ومعناها [السُّؤَالُ] ـ[هل الحديث بخصوص تعرض النبي ﷺ للسحر صحيح؟ فقد سمعت الكثير حول الموضوع.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله حديث سحر النبي ﷺ حديث صحيح، وقد رواه البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث، وتلقاه أهل السنَّة بالقبول والرضا، ولم يُنكره إلا المبتدعة، وفيما يلي نص الحديث، وتخريجه، ومعناه، ورد العلماء على من أنكره. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (سُحِرَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ , حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا , وَدَعَا ثُمَّ قَالَ: أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا فِيهِ شِفَائِي؟ أَتَانِي رَجُلانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ , فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ؟ قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ. قَالَ: فِيمَا ذَا؟ قَالَ: فِي مُشُطٍ وَمُشَاقَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ. قَالَ فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ. فَخَرَجَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ: نَخْلُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ. فَقُلْتُ: اسْتَخْرَجْتَهُ؟ فَقَالَ: لا , أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّهُ , وَخَشِيتُ أَنْ يُثِيرَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا , ثُمَّ دُفِنَتْ الْبِئْرُ) رواه البخاري (٣٢٦٨) ومسلم (٢١٨٩) . مطبوب: مسحور. (مُشط) : آلة تسريح الشعر. (مشاقة) أو (مشاطة) : ما يسقط من الشعر. (وجف طلع نخلة ذَكَر) : هو الغشاء الذي يكون على الطلع، ويطلق على الذكر والأنثى , فلهذا قيده بالذَّكَر. قال الحافظ ابن حجر ﵀: " قال المازري: أنكر المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها , قالوا: وكل ما أدَّى إلى ذلك فهو باطل , وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعه من الشرائع إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثَمَّ (هناك) , وأنه يوحي إليه بشيء ولم يوح إليه بشيء , قال المازري: وهذا كله مردود؛ لأن الدليل قد قام على صدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن الله تعالى وعلى عصمته في التبليغ , والمعجزات شاهدات بتصديقه , فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل، وأما ما يتعلق ببعض الأمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر كالأمراض , فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين. قال: وقد قال بعض الناس: إن المراد بالحديث أنه كان ﷺ يخيل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطأهن , وهذا كثيراً ما يقع تخيله للإنسان في المنام فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة. قلت – أي: ابن حجر -: وهذا قد ورد صريحاً في رواية ابن عيينة عند البخاري، ولفظه: (حتى كان يرى (أي: يظن) أنه يأتي النساء ولا يأتيهن) وفي رواية الحميدي: (أنه يأتي أهله ولا يأتيهم) . قال عياض: فظهر بهذا أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على تمييزه ومعتقده ... . وقال المهلب: صون النبي ﷺ من الشياطين لا يمنع إرادتهم كيده , ففي الصحيح أن شيطاناً أراد أن يفسد عليه صلاته فأمكنه الله منه , فكذلك السحر، ما ناله من ضرره لا يدخل نقصا على ما يتعلق بالتبليغ , بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض من ضعف عن الكلام , أو عجز عن بعض الفعل , أو حدوث تخيل لا يستمر , بل يزول ويبطل الله كيد الشياطين " انتهى. "فتح الباري" (١٠/٢٢٦، ٢٢٧) باختصار. وقال ابن القيم ﵀: " هديه ﷺ في علاج السحر الذي سحرته اليهود به: قد أنكر هذا طائفة من الناس، وقالوا: لا يجوز هذا عليه، وظنُّوه نقصاً وعيباً، وليس الأمر كما زعموا، بل هو من جنس ما كان يعتريه من الأسقام والأوجاع، وهو مرض من الأمراض، وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق بينهما، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: (سُحِر رسول الله حتى إن كان ليخيَّل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتهن، وذلك أشد ما يكون من السحر) قال القاضي عياض: والسحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل، يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا يُنكر، ولا يَقدح في نبوته. وأما كونه يخيَّل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله: فليس في هذا ما يُدخل عليه داخلة في شيء من صدقه؛ لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز أن يطرأ عليه في أمر دنياه التي لم يُبعث لسببها، ولا فُضِّل من أجلها، وهو فيها عُرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أنه يخيَّل إليه مِن أمورها ما لا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما كان " انتهى. "زاد المعاد" (٤/١٢٤) . وبعد، فقد تبيَّن صحة الحديث، وعدم تنقصه من منصب النبوة، والله يعصم نبيَّه ﷺ قبل السحر وأثناءه وبعده، ولا يعدو سحره عن كونه متعلقاً بظن النبي ﷺ أنه يأتي أهله وهو لم يفعل، وهو في أمرٍ دنيوي بحت، ولا علاقة لسحره بتبليغ الرسالة البتة، وفيما سبق من كلام أهل العلم كفاية، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى "فتح الباري" و "زاد المعاد". والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1948

ما هي التلبينة؟ وكيف يتم العلاج بها ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أرجو إفادتي عن طريقة العلاج بالتلبينة الواردة بالطب النبوي؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ورد ذِكر " التلبينة " في أحاديث صحيحة، منها: أ. عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ، ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا، أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ، ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّتْ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: كُلْنَ مِنْهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: (التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ) رواه البخاري (٥١٠١) ومسلم (٢٢١٦) . ب. وعنها ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ بِالتَّلْبِينِ لِلْمَرِيضِ وَلِلْمَحْزُونِ عَلَى الْهَالِكِ، وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِنَّ التَّلْبِينَةَ تُجِمُّ فُؤَادَ الْمَرِيضِ، وَتَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ) رواه البخاري (٥٣٦٥) ومسلم (٢٢١٦) . قال النووي: " (مَجَمَّةٌ) وَيُقَال: (مُجِمَّةٌ) أَيْ: تُرِيح فُؤَاده , وَتُزِيل عَنْهُ الْهَمّ , وَتُنَشِّطهُ " انتهى. وواضح من الحديثين أنه يعالج بها المريض، وتخفف عن المحزون حزنه، وتنشط القلب وتريحه. والتلبينة: حساء يُعمل من ملعقتين من مطحون الشعير بنخالته، ثم يضاف لهما كوب من الماء، وتطهى على نار هادئة لمدة ٥ دقائق. وبعض الناس يضيف عليها ملعقة عسل. وسمِّيت " تلبينة " تشبيهاً لها باللبن في بياضها ورقتها. قال ابن القيم: " وإذا شئتَ أن تعرف فضل التلبينة: فاعرف فضل ماء الشعير، بل هي ماء الشعير لهم؛ فإنها حساء متخذ من دقيق الشعير بنخالته، والفرق بينها وبين ماء الشعير أنه يطبخ صحاحاً، والتلبينة تطبخ منه مطحوناً، وهي أنفع منه لخروج خاصية الشعير بالطحن، وقد تقدم أن للعادات تأثيراً في الانتفاع بالأدوية والأغذية، وكانت عادة القوم أن يتخذوا ماء الشعير منه مطحوناً لا صحاحاً، وهو أكثر تغذية، وأقوى فعلاً، وأعظم جلاءً.... " انتهى. " زاد المعاد " (٤ / ١٢٠) . وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في تعريف التلبينة: " طعام يتخذ من دقيق أو نخالة، وربما جُعل فيها عسل، سميت بذلك لشبهها باللبن في البياض والرقة، والنافع منه ما كان رقيقاً نضيجاً، لا غليظاً نيئاً " انتهى. " فتح الباري " (٩ / ٥٥٠) . ومما لا شك فيه أن للشعير فوائد متعددة، وقد أظهرت الدراسات الحديثة بعضها، منها: تخفيض الكولسترول، ومعالجة القلب، وعلاج الاكتئاب، وعلاج ارتفاع السكر والضغط، وكونه مليِّناً ومهدِّئاً للقولون، كما أظهرت نتائج البحوث أهمية الشعير في تقليل الإصابة بسرطان القولون. قالت الدكتورة صهباء بندق – وقد ذكرت العلاجات السابقة وفصَّلتها -: وعلى هذا النحو يسهم العلاج بـ " التلبينة " في الوقاية من أمراض القلب والدورة الدموية؛ إذ تحمي الشرايين من التصلب - خاصة شرايين القلب التاجية - فتقي من التعرض لآلام الذبحة الصدرية وأعراض نقص التروية، واحتشاء عضلة القلب. أما المصابون فعليّاً بهذه العلل الوعائية والقلبية: فتساهم " التلبينة " بما تحمله من خيرات صحية فائقة الأهمية في الإقلال من تفاقم حالتهم المرضية، وهذا يُظهر الإعجاز في قول النبي ﷺ : " التلبينة مجمة لفؤاد المريض ... " أي: مريحة لقلب المريض " انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1949

معنى حديث استوصوا بالنساء خيرا [السُّؤَالُ] ـ[في الحديث: ﴿استوصوا بالنساء خيرا فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج ما في الضلع أعلاه﴾ إلخ الحديث، الرجاء توضيح معنى الحديث مع توضيح معنى: أعوج ما في الضلع أعلاه. .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا حديث صحيح رواه الشيخان في الصحيحين عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁، قال ﷺ : ﴿استوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فاستوصوا بالنساء خيرا﴾ انتهى. هذا أمر للأزواج والآباء والإخوة وغيرهم أن يستوصوا بالنساء خيرا وأن يحسنوا إليهن وألا يظلموهن وأن يعطوهن حقوقهن ويوجهوهن إلى الخير، وهذا هو الواجب على الجميع لقوله ﵊: ﴿استوصوا بالنساء خيرا﴾ وينبغي ألا يمنع من ذلك كونها قد تسيء في بعض الأحيان إلى زوجها وأقاربها بلسانها أو فعلها لأنهن خلقن من ضلع كما قال النبي ﷺ وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه. ومعلوم أن أعلاه مما يلي منبت الضلع فإن الضلع يكون فيه اعوجاج، هذا معروف. فالمعنى أنه لا بد أن يكون في خلقها شيء من العوج والنقص، ولهذا ورد في الحديث الآخر في الصحيحين: ﴿ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن﴾ والمقصود أن هذا حكم النبي ﷺ ، وهو ثابت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، ومعنى نقص العقل كما قال النبي ﷺ أن شهادة المرأتين تعدل شهادة رجل واحد، وأما نقص الدين فهو كما قال النبي ﷺ أنها تمكث الأيام والليالي لا تصلي؛ يعني من أجل الحيض، وهكذا النفاس، وهذا نقص كتبه الله عليها ليس عليها فيه إثم. فينبغي لها أن تعترف بذلك على الوجه الذي أرشد إليه النبي ﷺ ولو كانت ذات علم وتقى؛ لأن النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى وإنما ذلك منه وحي يوحيه الله إليه فيبلغه الأمة كما قال : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى [الْمَصْدَرُ] مجموع فتاوى ومقالات الشيخ عبد العزيز ابن باز – ﵀ الجزء الخامس.

стр. 1950

ما صحة حديث: من زار قبري بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي [السُّؤَالُ] ـ[لقد علمت أن رسول الله ﷺ قال أن زيارة قبره بعد موته كزيارته وهو على قيد الحياة ولهذا عندما نزور قبره في المدينة لا يعد حراما أن نتحدث إليه كما لو كان حيا وأن نطلب منه الشفاعة لنا عند الله يوم الحساب، لكني قلق من أن يكون هذا من الشرك في شيء.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله روى الدارقطني في سننه (٢/٢٧٨) بإسناده عن حاطب قال: قال رسول الله ﷺ : من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي.. الحديث " وهذا حديث حكم عليه كثير من علماء الحديث بالبطلان وأنه لا يصح عن النبي ﷺ فممن حكم عليه بذلك الحافظ الذهبي في لسان الميزان (٤/٢٨٥) عند ترجمته لأحد رواته وهو هارون بن أبي قزعة فقال الذهبي: هارون بن أبي قزعة المدني عن رجل " عن زيارة قبر النبي ﷺ " قال البخاري: لا يتابع عليه. وقال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (٦/٢١٧) : قال الأزدي: هارون أبوقزعة يروي عن رجل من آل حاطب المراسيل. قلت: (أي الحافظ) : فتعين أنه الذي أراد الأزدي وقد ضعفه أيضا يعقوب بن شيبة.. وقد ذكره الحافظ ابن حجر أيضا في التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير (٢/٢٦٦) وقال: وفي إسناده الرجل المجهول. ومقصود الحافظ بالرجل هو رجل من آل حاطب. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في التوسل والوسيلة (ص١٣٤) عن الحديث: إن هذا كذبه ظاهر مخالف لدين المسلمين، فإن من زاره في حياته، وكان مؤمنا به، كان من أصحابه، لاسيما إن كان من المهاجرين إليه، المجاهدين معه. وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: " لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " أخرجاه في الصحيحين. والواحد من بعد الصحابة لايكون مثل الصحابة بأعمال مأمور بها واجبة؛ كالحج والجهاد والصلوات الخمس والصلاة عليه، فكيف بعمل ليس بواجب باتفاق المسلمين، بل ولا شرع السفر إليه، بل هو منهي عنه. وأما السفر إلى مسجده للصلاة فيه، والسفر إلى المسجد الأقصى للصلاة فيه هو مستحب، والسفر إلى الكعبة للحج فواجب. فلو سافر أحد السفر الواجب والمستحب لم يكن مثل واحد من الصحابة الذين سافروا إليه في حياته، فكيف بالسفر المنهي عنه. وقال أيضاً في (ص ١٣٣) : فإن أحاديث زيارة قبره كلها ضعيفة، لا يعتمد على شيء منها في الدين؛ ولهذا لم يرو أهل الصحاح والسنن شيئا منها، وإنما يرويها من يروي الضعاف كالدارقطني والبزار وغيرهما. وقال الشيخ الألباني في الضعيفة (رقم١٠٢١) عن الحديث: باطل. وذكر علل الحديث وهي الرجل الذي لم يسم وضعف هارون أبي قزعة وعلة ثالثة وهي الاختلاف والاضطراب ثم قال الشيخ: وبالجملة فالحديث واهي الإسناد. وقال أيضا في الضعيفة رقم (٤٧) : يظن كثير من الناس أن شيخ الإسلام ابن تيمية ومن نحى نحوه من السلفيين يمنع من زيارة قبره ﷺ ؛ وهذا كذب وافتراء وليست أول فرية على ابن تيمية رحمه الله تعالى، وعليهم، وكل من له اطلاع على كتب ابن تيمية يعلم أنه يقول بمشروعية زيارة قبره ﷺ واستحبابها إذا لم يقترن بها شيء من المخالفات والبدع، مثل شد الرحل والسفر إليها لعموم قوله ﷺ : " لا تشد الرحل إلا إلى ثلاثة مساجد ". والمستثنى منه في الحديث ليس هو المساجد فقط كما يظن كثيرون بل هو كل مكان يقصد للتقرب إلى الله فيه سواء كان مسجداً أو قبراً أو غير ذلك، بدليل ما رواه أبو هريرة قال (في الحديث له) : " فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطّور، فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت! سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تُعْمل المُطيّ إلا إلى ثلاثة مساجد " الحديث أخرجه أحمد وغيره بسند صحيح. فهذا دليل صريح على أن الصحابة فهموا الحديث على عمومه، ويؤيده أنه لم ينقل عن أحد منهم أنه شدّ الرّحْل لزيارة قبر ما، فهم سلف ابن تيمية في هذه المسألة، فمن طعن فيه فإنما يطعن في السلف الصالح ﵃، ورحم الله من قال: وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف. انتهى والخلاصة أنّ السّفر بنية زيارة القبر النبوي بدعة وحرام لأجل الحديث الوارد في النهي عن شد الرّحال إلى بقعة للعبادة غير المساجد الثلاثة، وأمّا زيارة قبره ﷺ لمن كان بالمدينة فهو أمر صحيح ومشروع وكذلك السّفر بنية الصّلاة في المسجد النبوي قربة وطاعة وعبادة لله تعالى وإنما يقع في الخطأ والإشكال من لم يفهم الفرق بين ما هو مشروع وما هو ممنوع والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 1951

صحة حديث: (لا تكتبوا عني ... ) وبيان معناه [السُّؤَالُ] ـ[هل هذا الحديث صحيح , وما هو معنى هذا الحديث , لا تكتبوا عني ومن كتب غير القرآن فليمحه ... وجزاكم الله خير.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لا تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلا حَرَجَ ... ) رواه مسلم (الزهد والرقائق/٥٣٢٦) قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: قَالَ الْقَاضِي: كَانَ بَيْن السَّلَف مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ اِخْتِلاف كَثِير فِي كِتَابَة الْعِلْم , فَكَرِهَهَا كَثِيرُونَ مِنْهُمْ , وَأَجَازَهَا أَكْثَرهمْ , ثُمَّ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازهَا , وَزَالَ ذَلِكَ الْخِلاف. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَاد بِهَذَا الْحَدِيث الْوَارِد فِي النَّهْي , فَقِيلَ: هُوَ فِي حَقّ مَنْ يَوْثُق بِحِفْظِهِ , وَيُخَاف اِتِّكَاله عَلَى الْكِتَابَة إِذَا كَتَبَ. وَتُحْمَل الأَحَادِيث الْوَارِدَة بِالإِبَاحَةِ عَلَى مَنْ لا يَوْثُق بِحِفْظِهِ كَحَدِيثِ: " اُكْتُبُوا لأَبِي شَاه " وَحَدِيث صَحِيفَة عَلِيّ ﵁ , وَحَدِيث كِتَاب عَمْرو بْن حَزْم الَّذِي فِيهِ الْفَرَائِض وَالسُّنَن وَالدِّيَات. وَحَدِيث كِتَاب الصَّدَقَة وَنُصُب الزَّكَاة الَّذِي بَعَثَ بِهِ أَبُو بَكْر ﵁ أَنَسًا ﵁ حِين وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ , وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ اِبْن عَمْرو بْن الْعَاصِ كَانَ يَكْتُب وَلا أَكْتُب , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الأَحَادِيث. وَقِيلَ: إِنَّ حَدِيث النَّهْي مَنْسُوخ بِهَذِهِ الأَحَادِيث , وَكَانَ النَّهْي حِين خِيفَ اِخْتِلَاطُهُ بِالْقُرْآنِ فَلَمَّا أَمِنَ ذَلِكَ أَذِنَ فِي الْكِتَابَة , وَقِيلَ: إِنَّمَا نَهَى عَنْ كِتَابَة الْحَدِيث مَعَ الْقُرْآن فِي صَحِيفَة وَاحِدَة ; لِئَلا يَخْتَلِط , فَيَشْتَبِه عَلَى الْقَارِئ فِي صَحِيفَة وَاحِدَة. وَاللَّهُ أَعْلَم.ا. هـ. "شرح مسلم" (١٨/١٢٩-١٣٠) . وحديث أبي شاه أخرجه البخاري من حديث أَبُي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: (لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهَا لا تَحِلُّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَإِنَّهَا لا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي فَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلا يُخْتَلَى شَوْكُهَا وَلا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلا لِمُنْشِدٍ وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ فَقَالَ الْعَبَّاسُ إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلا الإِذْخِرَ فَقَامَ أَبُو شَاهٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ) (اللقطة/٢٢٥٤) ومسلم (الحج/١٣٥٥) . قال ابن حجر: وَيُسْتَفَاد..َ مِنْ قِصَّة أَبِي شَاه (أكتبوا لأبي شاه) أَنَّ النَّبِيّ ﷺ أَذِنَ فِي كِتَابَة الْحَدِيث عَنْهُ , وَهُوَ يُعَارِض حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ " لا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا غَيْر الْقُرْآن " رَوَاهُ مُسْلِم. وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ النَّهْي خَاصّ بِوَقْتِ نُزُول الْقُرْآن خَشْيَة اِلْتِبَاسه بِغَيْرِهِ , وَالإِذْن فِي غَيْر ذَلِكَ. أَوْ أَنَّ النَّهْي خَاصّ بِكِتَابَةِ غَيْر الْقُرْآن مَعَ الْقُرْآن فِي شَيْء وَاحِد وَالإِذْن فِي تَفْرِيقهمَا , أَوْ النَّهْي مُتَقَدِّم وَالإِذْن نَاسِخ لَهُ عِنْد الأَمْن مِنْ الِالْتِبَاس وَهُوَ أَقْرَبهَا مَعَ أَنَّهُ لا يُنَافِيهَا. وَقِيلَ النَّهْي خَاصّ بِمَنْ خُشِيَ مِنْهُ الاتِّكَال عَلَى الْكِتَابَة دُون الْحِفْظ , وَالإِذْن لِمَنْ أُمِنَ مِنْهُ ذَلِكَ.. قَالَ الْعُلَمَاء. كَرِهَ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كِتَابَة الْحَدِيث وَاسْتَحَبُّوا أَنْ يُؤْخَذ عَنْهُمْ حِفْظًا كَمَا أَخَذُوا حِفْظًا , لَكِنْ لَمَّا قَصُرَتْ الْهِمَم وَخَشِيَ الأَئِمَّة ضَيَاع الْعِلْم دَوَّنُوهُ..أهـ "فتح الباري" (١/٢٠٨) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 1952

لماذا خص الصوم بقوله تعالى: (الصيام لي وأنا أجزي به) ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لماذا خص الله جزاء الصوم به ؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله روى البخاري (١٧٦١) ومسلم (١٩٤٦) عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ. . . الحديث) . ولما كانت الأعمال كلها لله وهو الذي يجزي بها، اختلف العلماء في قوله: (الصيام لي وأنا أجزي به) لماذا خص الصوم بذلك؟ وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ من كلام أهل العلم عشرة أوجه في بيان معنى الحديث وسبب اختصاص الصوم بهذا الفضل، وأهم هذه الأوجه ما يلي: ١- أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره، قال القرطبي: لما كانت الأعمال يدخلها الرياء، والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله فأضافه الله إلى نفسه ولهذا قال في الحديث: (يدع شهوته من أجلي) . وقال ابن الجوزي: جميع العبادات تظهر بفعلها وقلّ أن يسلم ما يظهر من شوبٍ (يعني قد يخالطه شيء من الرياء) بخلاف الصوم. ٢- أن المراد بقوله: (وأنا أجزى به) أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته. قال القرطبي: معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير. ويشهد لهذا رواية مسلم (١١٥١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ : إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) أي أجازي عليه جزاء كثيرا من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) . ٣- أن معنى قوله: (الصوم لي) أي أنه أحب العبادات إلي والمقدم عندي. قال ابن عبد البر: كفى بقوله: (الصوم لي) فضلا للصيام على سائر العبادات. وروى النسائي (٢٢٢٠) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : (عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ) . صححه الألباني في صحيح النسائي. ٤- أن الإضافة إضافة تشريف وتعظيم، كما يقال: بيت الله، وإن كانت البيوت كلها لله. قال الزين بن المنير: التخصيص في موضع التعميم في مثل هذا السياق لا يفهم منه إلا التعظيم والتشريف. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " وَهَذَا الحديثُ الجليلُ يدُلُّ على فضيلةِ الصومِ من وجوهٍ عديدةٍ: الوجه الأول: أن الله اختصَّ لنفسه الصوم من بين سائرِ الأعمال، وذلك لِشرفِهِ عنده، ومحبَّتهِ له، وظهور الإِخلاصِ له سبحانه فيه، لأنه سِرُّ بَيْن العبدِ وربِّه لا يطَّلعُ عليه إلاّ الله. فإِن الصائمَ يكون في الموضِعِ الخالي من الناس مُتمكِّناً منْ تناوُلِ ما حرَّم الله عليه بالصيام، فلا يتناولُهُ؛ لأنه يعلم أن له ربّاً يطَّلع عليه في خلوتِه، وقد حرَّم عَلَيْه ذلك، فيترُكُه لله خوفاً من عقابه، ورغبةً في ثوابه، فمن أجل ذلك شكر اللهُ له هذا الإِخلاصَ، واختصَّ صيامَه لنفْسِه من بين سَائِرِ أعمالِهِ ولهذا قال: (يَدعُ شهوتَه وطعامَه من أجْلي) . وتظهرُ فائدةُ هذا الاختصاص يوم القيامَةِ كما قال سَفيانُ بنُ عُييَنة ﵀: إِذَا كانَ يومُ القِيَامَةِ يُحاسِبُ الله عبدَهُ ويؤدي ما عَلَيْه مِن المظالمِ مِن سائِر عمله حَتَّى إِذَا لم يبقَ إلَاّ الصومُ يتحملُ اللهُ عنه ما بقي من المظالِم ويُدخله الجنَّةَ بالصوم. الوجه الثاني: أن الله قال في الصوم: (وأَنَا أجْزي به) فأضافَ الجزاءَ إلى نفسه الكريمةِ؛ لأنَّ الأعمالَ الصالحةَ يضاعفُ أجرها بالْعَدد، الحسنةُ بعَشْرِ أمثالها إلى سَبْعِمائة ضعفٍ إلى أضعاف كثيرةٍ، أمَّا الصَّوم فإِنَّ اللهَ أضافَ الجزاءَ عليه إلى نفسه من غير اعتبَار عَددٍ، وهُوَ سبحانه أكرَمُ الأكرمين وأجوَدُ الأجودين، والعطيَّةُ بقدر مُعْطيها. فيكُونُ أجرُ الصائمِ عظيماً كثيراً بِلَا حساب. والصيامُ صبْرٌ على طاعةِ الله، وصبرٌ عن مَحارِم الله، وصَبْرٌ على أقْدَارِ الله المؤلمة مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ وضعفِ البَدَنِ والنَّفْسِ، فَقَدِ اجْتمعتْ فيه أنْواعُ الصبر الثلاثةُ، وَتحقَّقَ أن يكون الصائمُ من الصابِرِين. وقَدْ قَالَ الله تَعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) الزمر/١٠. . . " انتهى. "مجالس شهر رمضان" (ص ١٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1953

يسأل عن معنى كلمة أنواط [السُّؤَالُ] ـ[في حديث أبي واقد الليثي، ﵁، قال: (خرجنا مع النبي ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط ... ) ، فما معنى كلمة أنواط؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الحديث رواه الإمام أحمد٢١٣٩٠، والترمذي ٢١٨٠وقال: حسن صحيح، وابن أبي عاصم في السنة، وقال المناوي: إسناده صحيح، وصححه الألباني في رياض الجنة رقم ٧٦] وردت هذه الكلمة في حديث أبي واقد الليثي، ﵁: (أنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ، قَالَ وَكَانَ لِلْكُفَّارِ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُم،ْ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، قَالَ: فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ خَضْرَاءَ عَظِيمَةٍ، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : قُلْتُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه،ِ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إِنَّهَا لَسُنَنٌ لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ سُنَّةً سُنَّة.) ً وعند ابن أبي عاصم في كتاب السنة: (ونحن حديثو عهد بكفر) سدرة أي: شجرة وقَوْلُهُ: يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ، الأنواط: جمع نوط، وهو كل شيء يعلق، وذات الأنواط هي الشجرة التي يعلق عليها هذه المعاليق. قَالَ ابن الأثير فِي النِّهَايَةِ: هِيَ اِسْمُ شَجَرَةٍ بِعَيْنِهَا كَانَتْ لِلْمُشْرِكِين، يَنُوطُونَ بِهَا سِلَاحَهُمْ، أَيْ يُعَلِّقُونَهُ بِهَا، وَيَعْكُفُونَ حَوْلَهَا، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ مِثْلَهَا، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ. وقوله: " قُلْتُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه،ِ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ "، شبه مقالتهم هذه بقول بني إسرائيل لما مروا على قوم عاكفين على أصنام لهم، طلبوا من موسى ﵇ أن يجعل لهم إلهاً يعكفون عليه كما لأولئك إله. (إنها لسنن) ، أي: طرق، (لَتَرْكَبُنَّ) أي: لَتَتَّبِعُنَّ، (سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أي: طريقة من كان قبلكم من الأمم، وَالْمُرَادُ هُنَا طَرِيقَةُ أَهْلِ الأْهَوَاءِ وَالْبِدَعِ الَّتِي اِبْتَدَعُوهَا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ بَعْدَ أَنْبِيَائِهِمْ مِنْ تَغْيِيرِ دِينِهِمْ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: " لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا , وَذِرَاعًا ذِرَاعًا , حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ " قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى. قَالَ " فَمَنْ "؟ قال النووي: وَفِي هَذَا مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛َ فَقَدْ وَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ ﷺ . وفي هذا الحديث من الفوائد: ١- التحذير من الشرك، وأن الإنسان قد يستحسن شيئا يظن أنه يقربه إلى الله، وهو أبعد ما يبعده من رحمة ربه، ويقربه من سخطه. ٢- بيان أن التبرك بالأشجار والأحجار، والعكوف عليها، والتعلق بها، من الشرك الذي وقع في هذه الأمة، وأن من وقع فيه فهو تابع لطريق اليهود والنصارى، تارك لطريق النبي، ﷺ . ٣- أن العبرة بالمعاني، وليس بالألفاظ؛ فالنبي ﷺ شبه قولهم بقول بني إسرائيل، مع أنهم لم يطلبوا إلها من دون الله، صراحة. ٤- النهي عن التشبه بأهل الجاهلية والكتاب فيما هو من خصائصهم وعباداتهم. ٥- وفيه أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده، لا يأمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة لأن الصحابة الذين طلبوا ذلك لم يكن مضى على إسلامهم إلا أيام معدودة، لأنهم أسلموا يوم فتح مكة ثم خرج بهم النبي ﷺ إلى غزوة حنين فوقعت تلك الوقعة وهم في طريقهم إلى حنين. [انظر فتح المجيد، بشرح كتاب التوحيد، ١٣٩-١٤٧، القول المفيد، للشيخ ابن عثيمين] . ونذكر السائل الكريم بأن هذا الحديث قد ذكره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ﵀، في كتابه المبارك: كتاب التوحيد، في باب: من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما. فننصح لتمام الفائدة، باقتنائه، مع شيء من شروحه، خاصة الشرحين المشار إليهما. والله الموفق. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1954

صحة حديث الحج كل خمس سنوات ومعناه [السُّؤَالُ] ـ[كيف نفهم الحديث الموجود في صحيح الترغيب والترهيب للألباني وهو حديث قدسي، ويقول الله " من أعطاه الله الصحة ولم يزر بيت الله كل خمس سنوات فهو محروم "؟ . هل يقصد الحج أم العمرة أم كلاهما؟ ماذا نفهم من الحديث؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نص الحديث: عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: قال الله: " إنَّ عبداً أصححتُ له جسمه ووسعتُ عليه في المعيشة تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إليَّ لمحروم ". رواه أبو يعلى (٢ / ٣٠٤) والبيهقي (٥ / ٢٦٢) . ثانياً: الكلام عليه: قد تكلم بعض أهل العلم على الحديث فذهب بعضهم - كابن العربي المالكي - إلى أنه موضوع، وضعفه آخرون كالدارقطني والعقيلي والسبكي، وقد ذهب ابن حبان والشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١٦٦٢) إلى أنه صحيح. ثالثاً: حمل بعض العلماء معنى الحديث على الحج أو العمرة، وعلى هذا بوَّب الهيثمي للحديث في كتابه " موارد الظمآن "، فقال: " باب فيمن مضت عليه خمسة أعوام وهو غني ولم يحج أو يعتمر ". " موارد الظمآن " (ص ٢٣٩) . وحمله آخرون على الحج فقط كما بوب له المنذري في الترغيب والترهيب بقوله: (ترهيب من قدر على الحج فلم يحج) ا. هـ وقد استدلَّ بعض العلماء بالحديث على وجوب الحج في كل خمس سنوات مرة على المستطيع، وهو قول ضعيف، إما لضعف الحديث وعدم صحته أو لأن الحديث محمول على الاستحباب لا الوجوب. قال السبكي: وقد اتفق العلماء على أن الحج فرض عين على كل مكلف حر مسلم مستطيع مرة في العمر إلا من شذ فقال: إنه يجب كل خمسة أعوام مرة , ومتعلقه ما روي أن النبي ﷺ قال: " على كل مسلم في كل خمسة أعوام أن يأتي بيت الله الحرام " حكاه ابن العربي، وقال: قلنا: رواية هذا الحديث حرام فكيف إثبات حكم به، انتهى كلامه. وقال الدارقطني: وقد روي من غير طريق، ولا يصح منها شيء. " فتاوى السبكي " (١ / ٢٦٣) . وقال الحطاب: (وقال بعض من شذ: إنه يجب في كل سنة وعن بعضهم أنه يجب في كل خمسة أعوام لما روي أنه ﵊ قال " على كل مسلم في كل خمسة أعوام أن يأتي بيت الله الحرام "، قال ابن العربي: رواية هذا الحديث حرام فكيف إثبات حكم به؟ , يعني أنه موضوع , وقال النووي: هذا خلاف الإجماع فقائله، محجوج بإجماع من قبله. ا. هـ وعلى تسليم وروده فيحمل على الاستحباب والتأكد في مثل هذه المدة. أ. هـ " مواهب الجليل " (٢ / ٤٦٦) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1955

متعجب من طول آدم ﵇ [السُّؤَالُ] ـ[في صحيح البخاري، حديث رقم ٢٤٦ ذكر رسول الله بأن آدم خُلق وطوله ٣٠ متراً، أنا لا أستطيع أن أفهم هذا أو أتخيله، فأرجو أن تشرح لي.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لفظ هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا، ثم قال: اذهب فسلم على أولئك من الملائكة فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك. فقال السلام عليكم فقالوا: السلام عليكم ورحمة الله. فزادوه: ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن) . رواه البخاري (٣٣٣٦) ومسلم (٧٠٩٢) . وفي لفظ مسلم: (فكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعاً فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن) . وقول النبي ﷺ : (فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن) . قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٦/٣٦٧) : (أي أن كل قرن يكون نشأته في الطول أقصر من القرن الذي قبله، فانتهى تناقص الطول إلى هذه الأمة واستقر الأمر على ذلك) أ. هـ. وعلى المسلم أن يؤمن بكل خبر جاء به الدليل من كتاب الله والسنة الصحيح عن رسول الله ﷺ ، يقول الإمام الشافعي ﵀: (آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله) انظر الإرشاد شرح لمعة الاعتقاد ص (٨٩) . فالمؤمن يجب عليه أن يؤمن إيماناً جازماً بكل ما أخبر به الله ﷻ ، وبكل ما أخبر به النبي ﷺ إذا ثبتت صحته إليه ﷺ ، إيماناً جازماً لا يعتريه أدنى شك ويجب عليه أن يقبله جملة وتفصيلاً سواء فهمه أو لم يفهمه، أو استغربه أم لم يستغربه؛ لأن عدم استيعابه للأمر الصادق المجزوم بصحته وثبوته لا يعني عدم ثبوت هذا الأمر، ولكن القضية أن عقله لم يستطع أن يستوعب ذلك الأمر ويفهمه، والمولى أمرنا أن نؤمن بكل ما أخبر عنه سبحانه أو أخبر عنه نبيه ﷺ ، قال تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) الحجرات / ١٥. ومن جملة الإيمان الإيمان بالغيب، وهذا الحديث الذي بين أيدينا من هذا القبيل، ولقد أثنى الله ﷻ على الذين يؤمنون بالغيب فقال تعالى: (آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ... ) البقرة / ١-٣. واعلم أخي الكريم أن الله على كل شيء قدير فكما خلق الإنسان في صورته التي هو عليها الآن قادر على أن يخلقه في صورة أكبر من ذلك أو أصغر. وإذا أشكل عليك هذا الأمر فاعتبر ذلك بهؤلاء الأقزام الذين نراهم وهم رجال في حجم الأطفال فإذا كان ذلك واقعاً فما الذي يمنع من العكس وهو أن يكون رجلاً وطوله ستون ذراعاً، وقد وجد في التاريخ البشري عماليق كما يقول ذلك علماء الآثار والحفريات. وأصل المسألة هو التسليم لكمال قدرة الله تعالى والتسليم لخبره وخبر رسوله ﷺ ، ونقول كما قال الراسخون في العلم: (آمنا به كل من عند ربنا) آل عمران / ٧ نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1956

معنى قوله " كنت سمعه الذي يسمع به وبصره.. " الخ [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى قوله تعالى في الحديث القدسي: (وإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها) ؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا أدى المسلم ما فرض الله عليه.. ثم اجتهد في التقرب إلى الله تعالى بنوافل الطاعات واستمر على ذلك ما وسعه أحبه الله تعالى، وكان عوناً له في كل ما يأتي ويذر فإذا سمع كان مسدداً من الله في سمعه، فلا يسمع إلا إلى الخير، ولا يقبل إلا الحق وينزاح عنه الباطل بتأييد الله وتوفيقه، فيرى الحق حقاً والباطل باطلاً، وإذا بطش بشيء بطش بقوة من الله فكان بطشه من بطش الله نصرة للحق، وإذا مشى كان مشيه في طاعة الله طلباً للعلم، وجهاداً في سبيل الله، وبالجملة كان عمله بجوارحه الظاهرة والباطنة بهداية من الله وقوة منه سبحانه. وبهذا يتبين أنه ليس في الحديث دليل على حلول الله في خلقه أو اتحاده بأحد منهم، ويُرشِد إلى ذلك ما جاء في آخر الحديث من قوله تعالى: ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنَّه، وما جاء في بعض الروايات من قوله تعالى: فبي يسمع وبي يبصر.. الخ ففي ذلك إرشاد إلى المراد من أول الحديث، وتصريح بسائل ومسؤول ومستعيذ ومُعيذ.. وهذا الحديث نظير الحديث القدسي الآخر: (يقول الله تعالى: عبدي مرضتُ فلم تعُدني الخ ... ) فكل منهما يشرح آخره أوله، ولكن أرباب الهوى يتبعون ما تشابه من النصوص، ويعرضون عن المُحْكم منها فضلوا سواء السبيل. [الْمَصْدَرُ] اللجنة الدائمة من كتاب فتاوى إسلامية ١/٣٥.

стр. 1957

معنى حديث لا هامة ولا صفر ولا نوء ولا غول [السُّؤَالُ] ـ[قرأت حديثا غريبا فيه نفي الهامة والصفر والنوء والغول فما معنى هذه العبارات.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال ابن مفلح الحنبلي: في المسند والصحيحين وغيرها عنه ﵇ قال: " لا هامة ولا صفر "، زاد مسلم وغيره " ولا نَوء ولا غُول ". فالهامَة: مفرد الهام، وكان أهل الجاهلية يقولون: ليس أحد يموت فيدفن إلا خرج من قبره هامَة، وكانت العرب تزعم أن عظام الميت تصير هامَة فتطير، وكانوا يقولون: إن القتيل يخرج من هامته أي: من رأسه هامة، فلا تزال تقول: اسقوني، اسقوني حتى يؤخذ بثأره ويقتل قاتله. وقوله " لا صَفَر " قيل: كانوا يتشاءمون بدخول صفر، فقال ﵇ " لا صَفَر "، وقيل: كانت العرب تزعم أن في البطن حية تصيب الإنسان إذا جامع وتؤذيه وإنما تعدي فأبطله الشارع. وقال مالك: كان أهل الجاهلية يحلون صفر عاماً ويحرمونه عاماً. والنَّوء: واحد الأنواء، وهي ثمانية وعشرون منزلة، وهي منازل القمر ومنه قوله تعالى ﴿والقمر قدرناه منازل﴾ ، ويسقط في الغرب كل ثلاث عشرة ليلة منزلة مع طلوع الفجر، ويطلع أخرى مقابلها ذلك الوقت في الشرق فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع نظيرها يكون مطر فينسبونه إليها فيقولون مطرنا بنوء كذا، وإنما سمي نوءا لأنه إذا سقط الساقط منها بالغرب ناء الطالع بالشرق ينوء نوءا أي: نهض وطلع، وقيل: أراد بالنوء الغروب وهو من الأضداد. فأما من جعل المطر من فعل الله تعالى وأراد بقوله مطرنا بنوء كذا أي: في نوء كذا أي: إن الله أجرى العادة بالمطر في هذا الوقت فلنا خلاف في تحريمه وكراهته. والغول: أحد الغيلان وهي جنس من الجن، والشياطين، كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة يتراءى للناس فيتغول تغولا أي: يتلون تلونا في صور شتى ويغولهم أي: يضلهم عن الطريق ويهلكهم، فنفاه الشارع وأبطله قيل هذا. وقيل: ليس نفياً لعين الغول ووجوده وإنما فيه إبطال زعم العرب وتلونه بالصور المختلفة واغتياله فيكون معنى " لا غول " لأنها لا تستطيع أن تضل أحداً، ويشهد له الحديث الأخير " لا غول ولكن السعالي "، وهو في مسلم وغيره، و " السعالي ": سحرة الجن لكن في الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل، ... وروى الخلال عن طاوس أن رجلا صحبه فصاح غراب فقال: خير، خير، فقال له طاوس: وأي خير عند هذا، وأي شر؟ لا تصحبني. " الآداب الشرعية " (٣ / ٣٦٩، ٣٧٠) . وقال ابن القيم: ذهب بعضهم إلى أن قوله " لا يورد ممرض على مصح " منسوخ بقوله " لا عدوى "، وهذا غير صحيح، وهو مما تقدم آنفاً أن المنهي عنه نوع غير المأذون فيه، فإن الذي نفاه النبي ﷺ في قوله " لا عدوى ولا صَفَر " هو ما كان عليه أهل الإشراك من اعتقادهم ثبوت ذلك على قياس شركهم وقاعدة كفرهم، والذي نهى عنه النبي ﷺ من إيراد الممرض على المصح فيه تأويلان: أحدهما: خشية توريط النفوس في نسبة ما عسى أن يقدره الله تعالى من ذلك إلى العدوى، وفيه التشويش على من يورد عليه وتعريضه لاعتقاد العدوى فلا تنافي بينهما بحال. والتأويل الثاني: أن هذا إنما يدل على أن إيراد الممرض على المصح قد يكون سبباً يخلق الله تعالى به فيه المرض، فيكون إيراده سبباً، وقد يصرف الله سبحانه تأثيره بأسباب تضاده أو تمنعه قوة السببية وهذا محض التوحيد بخلاف ما كان عليه أهل الشرك. وهذا نظير نفيه سبحانه الشفاعة في يوم القيامة بقوله ﴿لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾ فإنه لا تضاد الأحاديث المتواترة المصرحة بإثباتها، فإنه سبحانه إنما نفى الشفاعة التي كان أهل الشرك يثبتونها وهي شفاعة يتقدم فيها الشافع بين يدي المشفوع عنده وإن لم يأذن له، وأما التي أثبتها الله ورسوله فهي الشفاعة التي تكون من بعد إذنه كقوله ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ وقوله ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ وقوله ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ . " حاشية تهذيب سنن أبي داود " (١٠ / ٢٨٩ - ٢٩١) . والله الموفق للصواب. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 1958

شرح حديث " صنفان من أهل النار لم أرهما ... " [السُّؤَالُ] ـ[قرأت جوابًا على أحد الأسئلة ولم أستطع فهم الحديث الذي ذكرتموه هناك، رقم السؤال ١٠٢٢١، حيث قلتم: فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجد ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا " رواه أحمد ومسلم في الصحيح. أرجو تفسير هذا الحديث شيئًا ما حتى أفهمه؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الحديث فيه إخبار عن صنفين من الناس لم يرهما النبي ﷺ ، يظهران بعد مضي زمنه ﷺ ويكون مصيرهما إلى النار لعصيانهما، وقد عدَّ العلماء ظهورَ هذين الصنفين من أشراط الساعة الصغرى، وهما: الصنف الأول: رجال معهم سياط ... ، والمراد بهم من يتولى ضرب الناس بغير حق من ظَلَمَة الشُّرَط أو من غيرهم، سواء كان ذلك بأمر الدولة أو بغير أمر الدولة. قال النووي: " فأما أصحاب السياط فهم غلمان والي الشرطة " شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/١٩١. وقال السخاوي: " وهم الآن أعوان الظلمة ويطلق غالبا على أقبح جماعة الوالي، وربما توسع في إطلاقه على ظلمة الحكام ". الإشاعة لأشراط الساعة ص ١١٩. والدليل على كون ظهورهم من أشراط الساعة روايةُ الإمام أحمد وفيها " يخرج رجال من هذه الأمة في آخر الزمان معهم أسياط كأنها أذناب البقر، يغدون في سخط الله ويروحون في غضبه ". المسند ٥/٣١٥. صححه الحاكم في المستدرك ٤/٤٨٣ وابن حجر في القول المسدد في الذب عن المسند ص٥٣-٥٤. الصنف الثاني: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة. قال النووي في المراد من ذلك: " أَمَّا (الْكَاسِيَات العاريات) فمَعْنَاهُ تَكْشِف شَيْئًا مِنْ بَدَنهَا إِظْهَارًا لِجَمَالِهَا , فَهُنَّ كَاسِيَات عَارِيَات. وقيل: يَلْبَسْنَ ثِيَابًا رِقَاقًا تَصِف مَا تَحْتهَا , كَاسِيَات عَارِيَات فِي الْمَعْنَى. وَأَمَّا (مَائِلات مُمِيلات) : فَقِيلَ: زَائِغَات عَنْ طَاعَة اللَّه تَعَالَى , وَمَا يَلْزَمهُنَّ مِنْ حِفْظ الْفُرُوج وَغَيْرهَا , وَمُمِيلَات يُعَلِّمْنَ غَيْرهنَّ مِثْل فِعْلهنَّ , وَقِيلَ: مَائِلَات مُتَبَخْتِرَات فِي مِشْيَتهنَّ , مُمِيلات أَكْتَافهنَّ , وَقِيلَ: مَائِلات إِلَى الرِّجَال مُمِيلات لَهُمْ بِمَا يُبْدِينَ مِنْ زِينَتهنَّ وَغَيْرهَا. وَأَمَّا (رُءُوسهنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْت) فَمَعْنَاهُ: يُعَظِّمْنَ رُءُوسهنَّ بِالْخُمُرِ وَالْعَمَائِم وَغَيْرهَا مِمَّا يُلَفّ عَلَى الرَّأْس , حَتَّى تُشْبِه أَسْنِمَة الإِبِل الْبُخْت , هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي تَفْسِيره , قَالَ الْمَازِرِيّ: وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ يَطْمَحْنَ إِلَى الرِّجَال وَلا يَغْضُضْنَ عَنْهُمْ , وَلا يُنَكِّسْنَ رُءُوسهنَّ.... " شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/١٩١. باختصار قال الشيخ بن عثيمين: " قد فُسِّر قوله " كاسيات عاريات ": بأنهن يلبسن ألبسة قصيرة، لا تستر ما يجب ستره من العورة، وفسر: بأنهن يلبسن ألبسة خفيفة لا تمنع من رؤية ما وراءها من بشرة المرأة، وفسرت: بأن يلبسن ملابس ضيقة، فهي ساترة عن الرؤية لكنها مبدية لمفاتن المرأة ". فتاوى الشيخ محمد بن عثيمين ٢/٨٢٥. وفي الحديث الترهيب والوعيد الشديد من فعل هاتين المعصيتين: ١- ظلم الناس وضربهم بغير حق. ٢- تبرج المرأة وإظهارها مفاتنها وعدم التزامها بالحجاب الشرعي والخلق الإسلامي النبيل. وهَذَا الْحَدِيث مِنْ مُعْجِزَات النُّبُوَّة , فَقَدْ وَقَعَ هَذَانِ الصِّنْفَانِ , وَهُمَا مَوْجُودَانِ. كما قال النووي ﵀. يراجع للأهمية جواب سؤال رقم (١٤٦٢٧) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1959

معنى حديث: (من وبَّخ أخاه بذنب) ودرجة صحَّته [السُّؤَالُ] ـ[روى معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من عيَّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله ". رواه الترمذي. أرجو أن تشرح الحديث أعلاه بالتفصيل؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الحديث رواه الترمذي (كتاب صفة القيامة والورع/٢٤٢٩) ، ولفظه: " من عيَّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله ". والحديث قال عنه الشيخ الألباني في " ضعيف الجامع " رقم (٥٧١٠) : (موضوع) . والحديث الضعيف والموضوع لا يُبنى عليهما أحكام ولا يُعمل بهما. أما معنى الحديث، فقال الشيخ المباركفوري: قَوْلُهُ: (مَنْ عَيَّرَ) مِنْ التَّعْيِيرِ أَيْ عَابَ (أَخَاهُ) أَيْ فِي الدِّينِ (بِذَنْبٍ) أَيْ قَدْ تَابَ مِنْهُ عَلَى مَا فَسَّرَ بِهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ (لَمْ يَمُتْ) الضَّمِيرُ لِمَنْ (حَتَّى يَعْمَلَهُ) أَيْ الذَّنْبَ الَّذِي عَيَّرَ بِهِ أَخَاهُ , وَكَأَنَّ مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ أَيْ عَابَهُ مِنْ الْعَارِ , وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ لَزِمَ بِهِ عَيْبٌ كَمَا فِي الْقَامُوسِ يُجَازَى بِسَلْبِ التَّوْفِيقِ حَتَّى يَرْتَكِبَ مَا عَيَّرَ أَخَاهُ بِهِ وَذَاكَ إِذَا صَحِبَهُ إِعْجَابُهُ بِنَفْسِهِ لِسَلامَتِهِ مِمَّا عَيَّرَ بِهِ أَخَاهُ. " تحفة الأحوذي " (٧ / ١٧٣) . هذا، ولا يعني ضعْف الحديث جواز التعيير لمن وقع في الذنب، والذي يقع منه الذنب أقسام: منهم من يتوب ويرجع إلى ربه تعالى أو يقام عليه الحد، فهذا لا يحل تعييره لأنه طهَّر نفسه بالتوبة أو بالحد وقد قال النبي ﷺ " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " رواه ابن ماجه (٤٢٤٠) وصححه البوصيري كما في " الزوائد / حاشية سنن ابن ماجه ". وقد حل الإمام أحمد العقوبة التي في الحديث على من عيَّر من تاب من ذنبه كما نقل عنه الترمذي بعد تخريجه الحديث قال: قال أحمد: مِن ذنب قد تاب منه. ومنهم من يعمل الذنب ولا يجهر به، فيجب على من علم به نصحه والستر عليه. ومنهم من يجهر بذنبه، فهذا ينصح كذلك، ويحذَّر منه حسب المقام الذي يقتضي التحذير. قال ابن القيم ﵀: ويحتمل أن يريد: أن تعييرك لأخيك بذنبه أعظم إثما من ذنبه وأشد من معصيته لما فيه من صولة الطاعة وتزكية النفس وشكرها والمناداة عليها بالبراءة من الذنب، وأن أخاك باء به، ولعل كسرته بذنبه وما أحدث له من الذلة والخضوع والإزراء على نفسه والتخلص من مرض الدعوى والكبر والعجب ووقوفه بين يدي الله ناكس الرأس خاشع الطرف منكسر القلب: أنفع له وخير من صولة طاعتك وتكثرك بها والاعتداد بها والمنة على الله وخلقه بها. فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله، وما أقرب هذا المُدِّل من مقت الله، فذنب تذل به لديه أحب إليه من طاعة تُدِلُّ بها عليه، وإنك أن تبيت نائما وتصبح نادما خير من أن تبيت قائما وتصبح معجبا؛ فإن المعجب لا يصعد له عمل، وإنك أن تضحك وأنت معترف خير من أن تبكي وأنت مدل، وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المُدِلِّين، ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلا هو فيك ولا تشعر، فلله في أهل طاعته ومعصيته أسرار لا يعلمها إلا هو ولا يطالعها إلا أهل البصائر فيعرفون منها بقدر ما تناله معارف البشر ووراء ذلك مالا يطلع عليه الكرام الكاتبون، وقد قال النبي: " إذا زنت أمة أحدكم فليُقم عليها الحد ولا يُثرَّب " أي: لا يعير، كقول يوسف ﵇ لإخوته ﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾ فإن الميزان بيد الله، والحكم لله، فالسوط الذي ضُرب به هذا العاصي بيد مقلب القلوب، والقصد إقامة الحد لا التعيير والتثريب، ولا يأمن كرات القدر وسطوته إلا أهل الجهل بالله، وقد قال الله تعالى لأعلم الخلق به وأقربهم إليه وسيلة ﴿ولولا أن ثبَّتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا﴾ وقال يوسف الصديق ﴿وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين﴾ وكانت عامة يمين رسول الله " لا، ومقلِّب القلوب "، وقال: " ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه " ثم قال: " اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ". " مدارج السالكين (١ / ١٧٧، ١٧٨) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 1960

معنى الإحسان في حديث (فأحسن إليهن) [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى الإحسان إلى البنات في حديث الرسول ﷺ : (من كانت له ابنتان فأحسن إليهما كن له ستراً من النار) ؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الإحسان للبنات ونحوهن بتربيتهن التربية الإسلامية، وتعليمهن وتنشئتهن على الحق، والحرص على عفتهن وبعدهن عما حرم الله من التبرج وغيره، وهكذا تربية الأخوات والأولاد الذكور إلى غير ذلك من وجوه الإحسان حتى يتربى الجميع على طاعة الله ورسوله، والبعد عن محارم الله والقيام بحق الله ، وبذلك يُعلم أنه ليس المقصود مجرد الإحسان بالأكل والشرب والكسوة فقط بل المراد ما هو أعظم من ذلك من الإحسان إليهن في عمل الدين والدنيا. [الْمَصْدَرُ] فتاوى الشيخ ابن باز في الفتاوى الجامعة للمرأة المسلمة ج/٣ ص ١٠٧

стр. 1961

ما هي الاستطاعة في حديث الحث على الزواج [السُّؤَالُ] ـ[ما المقصود بكلمة " من استطاع " في الحديث الذي حث فيه الرسول ﷺ الشباب على الزواج؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله عن ابن مسعود قال: قال النبي ﷺ : (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) . رواه البخاري (٥٠٦٥) ومسلم (١٤٠٠) . وجاء: أي وقاية من الوقوع في الفاحشة. وقد اختلف العلماء في معنى " الباءة " هنا على قولين، فقال بعضهم: إنها القدرة على مؤن النكاح [أي: تكاليفه ونفقاته] ، وقال آخرون: إنها القدرة على الجماع، ولا منافاة بينهما، فيكون المعنى: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤونته فليتزوج. قال النووي: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِالْبَاءَةِ هُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنَى وَاحِد أَصَحّهمَا: أَنَّ الْمُرَاد مَعْنَاهَا اللُّغَوِيّ وَهُوَ الْجِمَاع , فَتَقْدِيره: مَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْجِمَاع لِقُدْرَتِهِ عَلَى مُؤَنه وَهِيَ مُؤَن النِّكَاح فَلْيَتَزَوَّجْ , وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْجِمَاع لِعَجْزِهِ عَنْ مُؤَنه فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ لِيَدْفَع شَهْوَته , وَيَقْطَع شَرّ مَنِيّه , كَمَا يَقْطَعهُ الْوِجَاء اهـ. " شرح مسلم " (٩ / ١٧٣) . وقال ابن القيم: وقوله " من استطاع منكم الباءة فليتزوج ": فسرت الباءة بالوطء، وفسرت بمؤن النكاح، ولا ينافي التفسير الأول إذ المعنى على هذا مؤن الباءة. " روضة المحبين " (ص ٢١٩) . وقال شيخ الإسلام: وَاسْتِطَاعَةُ النِّكَاحِ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَئُونَةِ لَيْسَ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْوَطْءِ , فَإِنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِلْقَادِرِ عَلَى فِعْلِ الْوَطْءِ , وَلِهَذَا أُمِرَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَصُومَ فَإِنَّهُ وِجَاءٌ اهـ الفتاوى الكبرى (٣/١٣٤) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1962

النصيحة لمن يريد الزواج ولا يقدر عليه [السُّؤَالُ] ـ[حصل عندنا في المسجد برنامج يتناقش فيه شباب المسلمين مع من هو أكبر منهم سنّاً عن أحاديث الرسول ﷺ عن الزواج وأنه يجب عليهم تسهيل أمور الزواج للشباب، هذا الموضوع فتح العديد من النقاشات حيث أن الآباء مهتمون بحالة ورفاهية الزوجين وخصوصاً عند إنجاب الأطفال. والشباب الآن لا ينتهون من الدراسة الجامعية إلا في سن ٢١ أو ٢٣ لطلاب الطب ولا يستطيعون على مصاريف الزواج، فما هي النصيحة العملية التي تنصحهم بها، والكثير من شباب المسلمين في الغرب الذين يريدون أن يكملوا نصف دينهم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: النقاش في الأمور الشرعيَّة وقضاء الوقت في ذلك هو من أنفع ما يقدمه المرء لنفسه؛ لأن طلب العلم فريضة وعبادة، وهو يقضي وقته فيما ينفعه وينفع غيره، وإذا أشكل على المتناقشين شيء فإن عليهم أن يسألوا أهل العلم. ثانياً: النصيحة لمن يعيش في بلاد الفسق والكفر أن يهاجر منها إلى بلاد المسلمين حيث لا يجد فيها من فتن الدنيا والنساء ما يجده هناك، وهي متفاوتة فيما بينها وعليه أن يختار أحسنها. وننصحه بترك كل بيئة يمكن أن تزل فيها قدمه سواء كانت البيئة مسكناً أم عملاً أم دراسة. وننصحه بتعجيل الزواج، واختيار المرأة الصالحة والتي لا ترهقه في مهرها وطلباتها. وننصحه إن عجز عن الزواج أن يتقي الله تعالى فلا يطلق بصره ولا سمعه في المحرمات ولا يمشي إلى حرام ولا يلمس ما لا يحل له لمسه، وليستعن على ذلك بالصيام والصلاة والدعاء والرفقة الصالحة، وليشتغل بما ينفعه من طلب العلم وحفظ القرآن والدعوة إلى الله، فإن النفس إن لم تشغَلها بطاعة الله أشغلتْك بمعصيته. ثالثاً: النصيحة لأولياء الأمور والشباب والفتيات ألا يعتبروا إكمال التعليم عائقاً ومانعاً من الزواج. فمتى كان الزواج عائقا عن التحصيل العلمي؟ ! بل الواقع والتجربة شاهد على العكس، لأن الزواج يعين على تفرغ الذهن وصفاء النفس وراحة الفكر. وفوق كل ذلك فيه المبادرة إلى امتثال أمر الرسول ﷺ بتزويج الشباب. وعلى أولياء الأمور ألا يرهقوا كاهل الشباب بكثير من الطلبات التي تعتبر نوعاً من الترف والإسراف، وليقتصروا في طلباتهم على ما تحتاج إليه المرأة والبيت فقط. وليعلموا أن الزواج من الأسباب التي يطلب بها الرزق، قال الله تعالى: (وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) النور/٣٢. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1963

متى يقال " الصلاة خير من النوم " في الأذان الأول أم الثاني ؟ [السُّؤَالُ] ـ[قد كشف أحد المشايخ عما يقال إنه حقيقة مذهلة أن لفظة " الصلاة خير من النوم " في أذان الفجر بدعة؛ لأن بلالاً كان يورد هذه اللفظة في أذان التهجد، غير أن ابن مكتوم كان ينادي لأذان الفجر ولم يكن يذكرها. والدليل الثاني: أنه بمعنى هذه الكلمات فالمرء يحاول أن يقارن النوم بصلاة الفجر، وهذا مما لا يجب، فإذا كان مدرسي على حق فلماذا يعمل بذلك في مكة والمدينة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ورد التثويب في أذان الفجر وهو قول: " الصلاة خير من النوم " في عدد من الأحاديث الصحيحة، وقد ذُكر في بعضها التثويب في الأذان الأول مجملاً دون بيان ما هو المقصود بالأذان الأول، هل هو الأذان الذي يكون قبل الفجر أم أنه هو أذان الفجر ذاته، ومن هذه الأحاديث: ١- عن أبي محذورة ﵁ قال: كنت أؤذن لرسول الله ﷺ , وكنت أقول في أذان الفجر الأول: " حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله ". رواه أبو داود (٥٠٠) والنسائي (٦٤٧) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". ٢- وعن ابن عمر ﵄ قال: (كان في الأذان الأول بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم) . قال الشيخ الألباني ﵀: أخرجه الطحاوي (١ / ٨٢) بسند حسن كما قال الحافظ في " التلخيص " (٣ / ١٦٩) . " الثمر المستطاب " (ص ١٣١) . وعلى هذه الأحاديث اعتمد من قال: إن التثويب في أذان الفجر يكون في الأذان الأول الذي يكون في آخر الليل، والصحيح أنه يكون في الأذان الذي يكون بعد دخول وقت الصلاة. وذلك لأمور: أ. أن لفظة " الأول " تعني الأول بالنسبة للإقامة، وتكون الإقامة هي الأذان الثاني، وقد ورد في السنة الصحيحة تسمية الإقامة أذاناً، وذلك في قوله ﷺ : (بين كل أذانين صلاة) رواه البخاري (٥٩٨) ومسلم (٨٣٨) . وجاء في صحيح مسلم (٧٣٩) تسمية الأذان الذي يكون بعد دخول الوقت بالأذان الأول، وذلك فيما حدثته عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﷺ قالت: (كان ينام أول الليل ويحيي آخره، ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ثم ينام فإذا كان عند النداء الأول قالت: وثب فأفاض عليه الماء، وإن لم يكن جنبا توضأ وضوء الرجل للصلاة ثم صلى الركعتين) . والمقصود بالركعتين: سنة الفجر الراتبة. قاله النووي في "شرح مسلم". ب. جاء التصريح في بعض الأحاديث الصحيحة أن هذا التثويب يقال في " أذان صلاة الصبح " و " أذان الفجر " و " وصلاة الغداة " وهي ألفاظ تدل على أن التثويب يكون بعد دخول وقت الصلاة والآذان الذي يكون آخر الليل يكون قبل دخول وقت الصلاة، ومن هذه الأحاديث: ١- عن أبي محذورة ﵁ قال: قلت يا رسول الله علِّمني سنة الأذان، قال: فمسح مقدم رأسي وقال: تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر ... فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم , الصلاة خير من النوم. وفي رواية أخرى نحو هذا الخبر وفيه: (الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح) . رواه أبو داود (٥٠١) والنسائي (٦٣٣) وصححه الشيخ الألباني في " صحيح أبي داود ". وفي رواية أخرى عند أبي داود (٥٠٤) من حديث أبي محذورة ﵁: (وكان يقول في الفجر الصلاة خير من النوم) وصححها الشيخ الألباني في " صحيح أبي داود ". ٢- عن أنس ﵁ قال: من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر: حي على الفلاح قال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم (مرتين) . قال الشيخ الألباني ﵀: أخرجه الدارقطني (٩٠) وابن خزيمة في " صحيحه " والبيهقي في " سننه " (١ / ٤٢٣) ، وقال: " إسناده صحيح ". ثم أخرجه الدارقطني والطحاوي أيضا (١ / ٨٢) من طريق هشيم عن ابن عون به بلفظ: (كان التثويب في صلاة الغداة إذا قال المؤذن: حي على الفلاح قال: الصلاة خير من النوم) (مرتين) ، وهذا اللفظ رواه ابن السكن وصححه كما في " التلخيص " (٣ / ١٤٨) . " الثمر المستطاب " (ص ١٣٢) . ففي هذه الأحاديث: أن التثويب يكون في أذان صلاة الصبح. والأذان الذي يكون للصلاة هو الذي يكون بعد دخول الوقت، لقول النبي ﷺ : (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) متفق عليه. وأما الأذان الذي يكون في آخر الليل فليس أذاناً لصلاة الصبح , وإنما هو (ليرجع القائم ويوقظ النائم) كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ في الصحيحين. وبهذا يتبين أن التثويب في الأذان الذي يكون بعد دخول وقت الصلاة ليس بدعة بل هو السنة. وقد سئل علماء اللجنة الدائمة: ما المانع من الإتيان بسنة المصطفى ﷺ في التثويب في الأذان الأول للفجر كما جاء في سنن النسائي وابن خزيمة والبيهقي؟ فأجابوا: " نعم، ينبغي الإتيان بالتثويب في الأذان الأول للفجر امتثالا لأمر النبي ﷺ ، وواضح من الحديث أنه الأذان الذي يكون عند طوع الفجر الصادق، وسمي أولاً بالنسبة للإقامة، فإنها أذان شرعاً، كما في حديث: (بين كل أذانين صلاة) ، وليس المراد بالأذان الأول ما ينادى به قبل ظهور الفجر الصادق؛ فإنه شرع ليلاً ليستيقظ النائم، وليرجع القائم، وليس أذاناً للإعلام بالفجر، ومن تدبر أحاديث التثويب لم يفهم منها إلا أن التثويب في أذان الإعلام بوقت الفجر لا الأذان الذي يكون ليلا قبيل الفجر " انتهى. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء " (٦ / ٦٣) . وانظر تفصيلاً علميّاً في الرد على من قال إن التثويب يكون في الأذان الذي قبل دخول وقت الصلاة للشيخ العثيمين ﵀ في كتاب "الشرح الممتع" (٢ / ٦١ – ٦٤) . وأما قول مدرسك: إنه بهذا يقارن المرء بين النوم وصلاة الفجر! فهذا ليس بصحيح , لأن هذا اللفظ هو خبر بأن الصلاة خير من النوم , وفي ذلك حث للنائم أن يترك النوم ويقوم إلى ما هو خير. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1964

نسبة أهل الجنة إلى أهل النار [السُّؤَالُ] ـ[يوجد في صحيح البخاري حديثان برقمي (٦٥٢٩ , ٦٥٣٠) بترقيم فتح الباري , في الحديث رقم (٦٥٢٩) ما يفيد أن: " بعث جهنم من كل مائة تسعة وتسعين "، وفي الحديث رقم (٦٥٣٠) ما يفيد أن: " بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ". أرجو الشرح والتوضيح جزاكم الله خيراً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الحديث الأول رواه البخاري (٦٥٢٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ آدَمُ، فَتَرَاءَى ذُرِّيَّتُهُ، فَيُقَالُ: هَذَا أَبُوكُمْ آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ جَهَنَّمَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، كَمْ أُخْرِجُ؟ فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا أُخِذَ مِنَّا مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فَمَاذَا يَبْقَى مِنَّا؟ قَالَ: إِنَّ أُمَّتِي فِي الأُمَمِ كَالشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ. الحديث الثاني رواه البخاري (٣٣٤٨) ومسلم (٢٢٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ قَالَ: أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلا، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلا كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ. ومعنى "بَعْثَ النَّارِ" أي: الذين يبعثون إلى النار من ذرية آدم. ومعنى "أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ" أي: مَيِّزْ أَهْلَ النَّارِ مِنْ غَيْرهمْ. ففي الحديث الأول أن عدد الناجين يوم القيامة عشرة من الألف، وفي الحديث الثاني واحد من الألف. وقد جمع العلماء بين الحديثين بعدة طرق، ومنها: ١- أن مفهوم العدد لا اعتبار له، فالتخصيص بعددٍ لا يدل على نفي الزائد، والمقصود من العددين واحدٌ وهو تقليل عدد المؤمنين وتكثير عدد الكافرين. ٢- حمْل حديث أبي سعيد الخدري على جميع ذرية آدم، فيكون مِن كل ألف واحدٌ، وحمْل حديث أبي هريرة على مَن عدا يأجوج ومأجوج، فيكون من كل ألف عشرة، ويقرب ذلك أن يأجوج ومأجوج ذكروا في حديث أبي سعيد دون حديث أبي هريرة. ٣- ويحتمل أن تقع القسمة مرتين: مرة من جميع الأمم قبل هذه الأمة فيكون من كل ألف واحدٌ، ومرة من هذه الأمة فقط فيكون من كل ألف عشرة. ٤- ويحتمل أن يكون المراد ببعث النار: " الكفار ومن يدخلها من العصاة " فيكون من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون كافراً، ومن كل مائة تسعة وتسعون عاصياً. ذكر هذه الأجوبة الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (١١ / ٣٩٠) . والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 1965

معنى حديث إلا رقماً بثوب [السُّؤَالُ] ـ[ما المقصود بالرقم في حديث (إلا رقماً في ثوب) ؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فسر العلماء ﵏ الرقم بأمرين: أحدهما أنه الصورة التي تكون في البسط ونحوها فيداس ويمتهن كالوسائد، فهذا معفو عنه، لأن الرسول ﷺ عفا عنه، والمقصود: العفو عن استعماله أما التصوير فلا يجوز. والثاني: أنه النقوش التي تكون في الثياب من غير الصور، فإن النقوش في الثياب لا تضر وليس حكمها حكم الصورة، إنما المحرم صورة ما له روح من آدمي وغيره؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه دخل على عائشة ورأى ثوباً فيه صورة فغضب وهتكه، وقال (إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم) ، قالت عائشة: فجعلت منها وسادتين يرتفق بهما النبي ﷺ ، واخرج النسائي بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان على موعد مع جبرائيل ﵇ فتأخر عنه فخرج إليه، ينتظره فقال له جبرائيل: إن في البيت تمثالاً وستراً فيه صورة، وكلباً، فأمر برأس التمثال أن يقطع حتى يكون كهيئة الشجرة، وأمر بالستر أن يتخذ منها وسادتان منتبذتان توطآن، وأمر بالكلب أن يخرج، ففعل النبي ﷺ ، فدخل جبرائيل ﵇، قال أبو هريرة: وكان الكلب جرواً تحت نضد في البيت أدخله الحسن والحسين. [الْمَصْدَرُ] كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. ص / ٩١.
следующие страницы →