Полный текст (16 344 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
ما هي الاستطاعة في حديث الحث على الزواج
[السُّؤَالُ]
ـ[ما المقصود بكلمة " من استطاع " في الحديث الذي حث فيه الرسول ﷺ الشباب على الزواج؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عن ابن مسعود قال: قال النبي ﷺ : (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) .
رواه البخاري (٥٠٦٥) ومسلم (١٤٠٠) .
وجاء: أي وقاية من الوقوع في الفاحشة.
وقد اختلف العلماء في معنى " الباءة " هنا على قولين، فقال بعضهم: إنها القدرة على مؤن النكاح [أي: تكاليفه ونفقاته] ، وقال آخرون: إنها القدرة على الجماع، ولا منافاة بينهما، فيكون المعنى: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤونته فليتزوج.
قال النووي:
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِالْبَاءَةِ هُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنَى وَاحِد أَصَحّهمَا: أَنَّ الْمُرَاد مَعْنَاهَا اللُّغَوِيّ وَهُوَ الْجِمَاع , فَتَقْدِيره: مَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْجِمَاع لِقُدْرَتِهِ عَلَى مُؤَنه وَهِيَ مُؤَن النِّكَاح فَلْيَتَزَوَّجْ , وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْجِمَاع لِعَجْزِهِ عَنْ مُؤَنه فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ لِيَدْفَع شَهْوَته , وَيَقْطَع شَرّ مَنِيّه , كَمَا يَقْطَعهُ الْوِجَاء اهـ.
" شرح مسلم " (٩ / ١٧٣) .
وقال ابن القيم:
وقوله " من استطاع منكم الباءة فليتزوج ": فسرت الباءة بالوطء، وفسرت بمؤن النكاح، ولا ينافي التفسير الأول إذ المعنى على هذا مؤن الباءة.
" روضة المحبين " (ص ٢١٩) .
وقال شيخ الإسلام:
وَاسْتِطَاعَةُ النِّكَاحِ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَئُونَةِ لَيْسَ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْوَطْءِ , فَإِنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِلْقَادِرِ عَلَى فِعْلِ الْوَطْءِ , وَلِهَذَا أُمِرَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَصُومَ فَإِنَّهُ وِجَاءٌ اهـ الفتاوى الكبرى (٣/١٣٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1962
النصيحة لمن يريد الزواج ولا يقدر عليه
[السُّؤَالُ]
ـ[حصل عندنا في المسجد برنامج يتناقش فيه شباب المسلمين مع من هو أكبر منهم سنّاً عن أحاديث الرسول ﷺ عن الزواج وأنه يجب عليهم تسهيل أمور الزواج للشباب، هذا الموضوع فتح العديد من النقاشات حيث أن الآباء مهتمون بحالة ورفاهية الزوجين وخصوصاً عند إنجاب الأطفال.
والشباب الآن لا ينتهون من الدراسة الجامعية إلا في سن ٢١ أو ٢٣ لطلاب الطب ولا يستطيعون على مصاريف الزواج، فما هي النصيحة العملية التي تنصحهم بها، والكثير من شباب المسلمين في الغرب الذين يريدون أن يكملوا نصف دينهم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
النقاش في الأمور الشرعيَّة وقضاء الوقت في ذلك هو من أنفع ما يقدمه المرء لنفسه؛ لأن طلب العلم فريضة وعبادة، وهو يقضي وقته فيما ينفعه وينفع غيره، وإذا أشكل على المتناقشين شيء فإن عليهم أن يسألوا أهل العلم.
ثانياً:
النصيحة لمن يعيش في بلاد الفسق والكفر أن يهاجر منها إلى بلاد المسلمين حيث لا يجد فيها من فتن الدنيا والنساء ما يجده هناك، وهي متفاوتة فيما بينها وعليه أن يختار أحسنها.
وننصحه بترك كل بيئة يمكن أن تزل فيها قدمه سواء كانت البيئة مسكناً أم عملاً أم دراسة.
وننصحه بتعجيل الزواج، واختيار المرأة الصالحة والتي لا ترهقه في مهرها وطلباتها.
وننصحه إن عجز عن الزواج أن يتقي الله تعالى فلا يطلق بصره ولا سمعه في المحرمات ولا يمشي إلى حرام ولا يلمس ما لا يحل له لمسه، وليستعن على ذلك بالصيام والصلاة والدعاء والرفقة الصالحة، وليشتغل بما ينفعه من طلب العلم وحفظ القرآن والدعوة إلى الله، فإن النفس إن لم تشغَلها بطاعة الله أشغلتْك بمعصيته.
ثالثاً:
النصيحة لأولياء الأمور والشباب والفتيات ألا يعتبروا إكمال التعليم عائقاً ومانعاً من الزواج.
فمتى كان الزواج عائقا عن التحصيل العلمي؟ ! بل الواقع والتجربة شاهد على العكس، لأن الزواج يعين على تفرغ الذهن وصفاء النفس وراحة الفكر. وفوق كل ذلك فيه المبادرة إلى امتثال أمر الرسول ﷺ بتزويج الشباب.
وعلى أولياء الأمور ألا يرهقوا كاهل الشباب بكثير من الطلبات التي تعتبر نوعاً من الترف والإسراف، وليقتصروا في طلباتهم على ما تحتاج إليه المرأة والبيت فقط. وليعلموا أن الزواج من الأسباب التي يطلب بها الرزق، قال الله تعالى: (وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) النور/٣٢.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1963
متى يقال " الصلاة خير من النوم " في الأذان الأول أم الثاني ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[قد كشف أحد المشايخ عما يقال إنه حقيقة مذهلة أن لفظة " الصلاة خير من النوم " في أذان الفجر بدعة؛ لأن بلالاً كان يورد هذه اللفظة في أذان التهجد، غير أن ابن مكتوم كان ينادي لأذان الفجر ولم يكن يذكرها.
والدليل الثاني: أنه بمعنى هذه الكلمات فالمرء يحاول أن يقارن النوم بصلاة الفجر، وهذا مما لا يجب، فإذا كان مدرسي على حق فلماذا يعمل بذلك في مكة والمدينة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ورد التثويب في أذان الفجر وهو قول: " الصلاة خير من النوم " في عدد من الأحاديث الصحيحة، وقد ذُكر في بعضها التثويب في الأذان الأول مجملاً دون بيان ما هو المقصود بالأذان الأول، هل هو الأذان الذي يكون قبل الفجر أم أنه هو أذان الفجر ذاته، ومن هذه الأحاديث:
١- عن أبي محذورة ﵁ قال: كنت أؤذن لرسول الله ﷺ , وكنت أقول في أذان الفجر الأول: " حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله ".
رواه أبو داود (٥٠٠) والنسائي (٦٤٧) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
٢- وعن ابن عمر ﵄ قال: (كان في الأذان الأول بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم) .
قال الشيخ الألباني ﵀:
أخرجه الطحاوي (١ / ٨٢) بسند حسن كما قال الحافظ في " التلخيص " (٣ / ١٦٩) .
" الثمر المستطاب " (ص ١٣١) .
وعلى هذه الأحاديث اعتمد من قال: إن التثويب في أذان الفجر يكون في الأذان الأول الذي يكون في آخر الليل، والصحيح أنه يكون في الأذان الذي يكون بعد دخول وقت الصلاة. وذلك لأمور:
أ. أن لفظة " الأول " تعني الأول بالنسبة للإقامة، وتكون الإقامة هي الأذان الثاني، وقد ورد في السنة الصحيحة تسمية الإقامة أذاناً، وذلك في قوله ﷺ : (بين كل أذانين صلاة) رواه البخاري (٥٩٨) ومسلم (٨٣٨) .
وجاء في صحيح مسلم (٧٣٩) تسمية الأذان الذي يكون بعد دخول الوقت بالأذان الأول، وذلك فيما حدثته عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﷺ قالت: (كان ينام أول الليل ويحيي آخره، ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ثم ينام فإذا كان عند النداء الأول قالت: وثب فأفاض عليه الماء، وإن لم يكن جنبا توضأ وضوء الرجل للصلاة ثم صلى الركعتين) .
والمقصود بالركعتين: سنة الفجر الراتبة. قاله النووي في "شرح مسلم".
ب. جاء التصريح في بعض الأحاديث الصحيحة أن هذا التثويب يقال في " أذان صلاة الصبح " و " أذان الفجر " و " وصلاة الغداة " وهي ألفاظ تدل على أن التثويب يكون بعد دخول وقت الصلاة والآذان الذي يكون آخر الليل يكون قبل دخول وقت الصلاة، ومن هذه الأحاديث:
١- عن أبي محذورة ﵁ قال: قلت يا رسول الله علِّمني سنة الأذان، قال: فمسح مقدم رأسي وقال: تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر ... فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم , الصلاة خير من النوم.
وفي رواية أخرى نحو هذا الخبر وفيه: (الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح) .
رواه أبو داود (٥٠١) والنسائي (٦٣٣) وصححه الشيخ الألباني في " صحيح أبي داود ".
وفي رواية أخرى عند أبي داود (٥٠٤) من حديث أبي محذورة ﵁: (وكان يقول في الفجر الصلاة خير من النوم) وصححها الشيخ الألباني في " صحيح أبي داود ".
٢- عن أنس ﵁ قال: من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر: حي على الفلاح قال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم (مرتين) .
قال الشيخ الألباني ﵀:
أخرجه الدارقطني (٩٠) وابن خزيمة في " صحيحه " والبيهقي في " سننه " (١ / ٤٢٣) ، وقال: " إسناده صحيح ".
ثم أخرجه الدارقطني والطحاوي أيضا (١ / ٨٢) من طريق هشيم عن ابن عون به بلفظ: (كان التثويب في صلاة الغداة إذا قال المؤذن: حي على الفلاح قال: الصلاة خير من النوم) (مرتين) ، وهذا اللفظ رواه ابن السكن وصححه كما في " التلخيص " (٣ / ١٤٨) .
" الثمر المستطاب " (ص ١٣٢) .
ففي هذه الأحاديث: أن التثويب يكون في أذان صلاة الصبح.
والأذان الذي يكون للصلاة هو الذي يكون بعد دخول الوقت، لقول النبي ﷺ : (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) متفق عليه.
وأما الأذان الذي يكون في آخر الليل فليس أذاناً لصلاة الصبح , وإنما هو (ليرجع القائم ويوقظ النائم) كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ في الصحيحين. وبهذا يتبين أن التثويب في الأذان الذي يكون بعد دخول وقت الصلاة ليس بدعة بل هو السنة.
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة:
ما المانع من الإتيان بسنة المصطفى ﷺ في التثويب في الأذان الأول للفجر كما جاء في سنن النسائي وابن خزيمة والبيهقي؟
فأجابوا:
" نعم، ينبغي الإتيان بالتثويب في الأذان الأول للفجر امتثالا لأمر النبي ﷺ ، وواضح من الحديث أنه الأذان الذي يكون عند طوع الفجر الصادق، وسمي أولاً بالنسبة للإقامة، فإنها أذان شرعاً، كما في حديث: (بين كل أذانين صلاة) ، وليس المراد بالأذان الأول ما ينادى به قبل ظهور الفجر الصادق؛ فإنه شرع ليلاً ليستيقظ النائم، وليرجع القائم، وليس أذاناً للإعلام بالفجر، ومن تدبر أحاديث التثويب لم يفهم منها إلا أن التثويب في أذان الإعلام بوقت الفجر لا الأذان الذي يكون ليلا قبيل الفجر " انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء " (٦ / ٦٣) .
وانظر تفصيلاً علميّاً في الرد على من قال إن التثويب يكون في الأذان الذي قبل دخول وقت الصلاة للشيخ العثيمين ﵀ في كتاب "الشرح الممتع" (٢ / ٦١ – ٦٤) .
وأما قول مدرسك: إنه بهذا يقارن المرء بين النوم وصلاة الفجر!
فهذا ليس بصحيح , لأن هذا اللفظ هو خبر بأن الصلاة خير من النوم , وفي ذلك حث للنائم أن يترك النوم ويقوم إلى ما هو خير.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1964
نسبة أهل الجنة إلى أهل النار
[السُّؤَالُ]
ـ[يوجد في صحيح البخاري حديثان برقمي (٦٥٢٩ , ٦٥٣٠) بترقيم فتح الباري , في الحديث رقم (٦٥٢٩) ما يفيد أن:
" بعث جهنم من كل مائة تسعة وتسعين "، وفي الحديث رقم (٦٥٣٠) ما يفيد أن: " بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ". أرجو الشرح والتوضيح جزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحديث الأول رواه البخاري (٦٥٢٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ آدَمُ، فَتَرَاءَى ذُرِّيَّتُهُ، فَيُقَالُ: هَذَا أَبُوكُمْ آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ جَهَنَّمَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، كَمْ أُخْرِجُ؟ فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا أُخِذَ مِنَّا مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فَمَاذَا يَبْقَى مِنَّا؟ قَالَ: إِنَّ أُمَّتِي فِي الأُمَمِ كَالشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ.
الحديث الثاني رواه البخاري (٣٣٤٨) ومسلم (٢٢٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ قَالَ: أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلا، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلا كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ.
ومعنى "بَعْثَ النَّارِ" أي: الذين يبعثون إلى النار من ذرية آدم.
ومعنى "أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ" أي: مَيِّزْ أَهْلَ النَّارِ مِنْ غَيْرهمْ.
ففي الحديث الأول أن عدد الناجين يوم القيامة عشرة من الألف، وفي الحديث الثاني واحد من الألف.
وقد جمع العلماء بين الحديثين بعدة طرق، ومنها:
١- أن مفهوم العدد لا اعتبار له، فالتخصيص بعددٍ لا يدل على نفي الزائد، والمقصود من العددين واحدٌ وهو تقليل عدد المؤمنين وتكثير عدد الكافرين.
٢- حمْل حديث أبي سعيد الخدري على جميع ذرية آدم، فيكون مِن كل ألف واحدٌ، وحمْل حديث أبي هريرة على مَن عدا يأجوج ومأجوج، فيكون من كل ألف عشرة، ويقرب ذلك أن يأجوج ومأجوج ذكروا في حديث أبي سعيد دون حديث أبي هريرة.
٣- ويحتمل أن تقع القسمة مرتين: مرة من جميع الأمم قبل هذه الأمة فيكون من كل ألف واحدٌ، ومرة من هذه الأمة فقط فيكون من كل ألف عشرة.
٤- ويحتمل أن يكون المراد ببعث النار: " الكفار ومن يدخلها من العصاة " فيكون من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون كافراً، ومن كل مائة تسعة وتسعون عاصياً.
ذكر هذه الأجوبة الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (١١ / ٣٩٠) .
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1965
معنى حديث إلا رقماً بثوب
[السُّؤَالُ]
ـ[ما المقصود بالرقم في حديث (إلا رقماً في ثوب) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فسر العلماء ﵏ الرقم بأمرين:
أحدهما أنه الصورة التي تكون في البسط ونحوها فيداس ويمتهن كالوسائد، فهذا معفو عنه، لأن الرسول ﷺ عفا عنه، والمقصود: العفو عن استعماله أما التصوير فلا يجوز.
والثاني: أنه النقوش التي تكون في الثياب من غير الصور، فإن النقوش في الثياب لا تضر وليس حكمها حكم الصورة، إنما المحرم صورة ما له روح من آدمي وغيره؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه دخل على عائشة ورأى ثوباً فيه صورة فغضب وهتكه، وقال (إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم) ، قالت عائشة: فجعلت منها وسادتين يرتفق بهما النبي ﷺ ، واخرج النسائي بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان على موعد مع جبرائيل ﵇ فتأخر عنه فخرج إليه، ينتظره فقال له جبرائيل: إن في البيت تمثالاً وستراً فيه صورة، وكلباً، فأمر برأس التمثال أن يقطع حتى يكون كهيئة الشجرة، وأمر بالستر أن يتخذ منها وسادتان منتبذتان توطآن، وأمر بالكلب أن يخرج، ففعل النبي ﷺ ، فدخل جبرائيل ﵇، قال أبو هريرة: وكان الكلب جرواً تحت نضد في البيت أدخله الحسن والحسين.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. ص / ٩١.
стр. 1966
حديث: (اللهم أحيني مسكيناً)
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى دعاء النبي ﷺ (اللهم أحيني مسكيناً) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث رواه الترمذي (٢٣٥٢) عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . وقَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ورواه ابن ماجه (٤١٢٦) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
وقد ضعفه كثير من أهل العلم، وعلى فرض صحته فالمراد بالمسكنة هنا التواضع والإخبات، وليس المراد قلة المال.
قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (٦/٧٥) :
" فأمَّا الحديث الذي رواه ابن ماجه عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: (اللهم أحيني مسكيناً. . . الحديث) فإنَّه حديث ضعيف، لا يثبت من جهة إسناده، لأن فيه يزيد بن سنان أبا فروة الرَّهاويّ وهو ضعيف جداً، والله أعلم.
وقد رواه التّرمذيّ من وجه آخر عن أنس. . . ثم قال: هذا حديث غريب.
قلت (ابن كثير) : وفي إسناده ضعف، وفي متنه نكارة، والله أعلم " انتهى.
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي "التَّلْخِيصِ" (٣/١٠٩) بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ:
" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ , وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ أَيْضًا , وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ عَنْهُ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ " انتهى.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذا الحديث فقال:
" هذا يُرْوَى، لكنه ضعيف لا يثبت، ومعناه: أحيني خاشعا متواضعا، لكن اللفظ لم يثبت " انتهى. "مجموع الفتاوى" (١٨/٣٥٧) .
وقال أيضاً (١٨/٣٢٦) :
" هذا الحديث قد رواه الترمذي، وقد ذكره أبو الفرج (ابن الجوزي) في الموضوعات، وسواء صح لفظه أو لم يصح: فالمسكين المحمود هو المتواضع الخاشع لله ; ليس المراد بالمسكنة عدم المال، بل قد يكون الرجل فقيراً من المال وهو جبار، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ملك كذاب، وفقير مختال، وشيخ زان) وكان النبي ﷺ يقول: (أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد) فالمسكنة خلق في النفس، وهو التواضع والخشوع واللين ضد الكبر. كما قال عيسى ﵇: (وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً) مريم/٣٢. ومنه قول الشاعر:
مساكين أهل الحب حتى قبورهم عليها تراب الذل بين المقابر
أي: أذلاء " انتهى.
وفي "لسان العرب" (١٣/٢١٦) :
" وأَصل المسكين في اللغة الخاضع، وأَصل الفقير المحتاج.
ولهذا قال ﷺ : (اللهم أَحْيِني مِسْكيناً) أَراد به التواضع والإِخْبات، وأَن لا يكون من الجبارين المتكبرين. أي: خاضعاً لك يا رب ذليلاً غير متكبر، وليس يراد بالمسكين هنا الفقير المحتاج " انتهى.
ونقل الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (٣/١٠٩) عن البيهقي أنه قال عن هذا الحديث:
" وَوَجْهُهُ عِنْدِي أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ الْمَسْكَنَةَ الَّتِي يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إِلَى الْقِلَّةِ , وَإِنَّمَا سَأَلَ الْمَسْكَنَةَ الَّتِي يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إِلَى الإِخْبَاتِ وَالتَّوَاضُعِ " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1967
ما معنى أن الله يحبّ الجمال
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى حديث إن الله جميل يحبّ الجمال، ما هو المقصود بالجمال خصوصا وأن بعض الناس يستدل بهذا الحديث على جواز النظر إلى النساء الجميلات وجواز الاستمتاع بكل شيء جميل، هل من توضيح.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحديث المذكور في السؤال قد أخرجه مسلم في صحيحه رقم ١٣١ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ.
قال ابن القيم ﵀ شارحا ومبيّنا: وقوله في الحديث إن الله جميل يحب الجمال يتناول جمال الثياب المسؤول عنه في نفس الحديث ويدخل فيه بطريق العموم الجمال من كل شيء، وفي صحيح مسلم برقم ١٦٨٦: " إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا "، وفي سنن الترمذي " إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده " رواه الترمذي برقم ٢٩٦٣ وقال حسن صحيح، وعن أبي الأحوص الجشمي قال رآني النبي ﷺ وعليَّ أطمار فقال هل لك من مال قلت نعم قال من أي المال قلت من كل ما آتى الله من الإبل والشاه قال فلتر نعمته وكرامته عليك " رواه أحمد برقم ١٥٣٢٣ والترمذي ١٩٢٩ والنسائي ٥١٢٨، فهو سبحانه يحب ظهور أثر نعمته على عبده فإنه من الجمال الذي يحبه وذلك من شكره على نعمه وهو جمال باطن، فيحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة والجمال الباطن بالشكر عليها، ولمحبته سبحانه للجمال أنزل على عباده لباسا وزينة تجمل ظواهرهم وتقوى تجمل بواطنهم؛ فقال: " يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير " الأعراف ٢٦، وقال في أهل الجنة: " ولقَّاهم نضرة وسرورا (١١) وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (١٢) " الإنسان، فجمل وجوههم بالنضرة وبواطنهم بالسرور وأبدانهم بالحرير وهو سبحانه كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال واللباس والهيأة يبغض القبيح من الأقوال والأفعال والثياب والهيأة فيبغض القبيح وأهله ويحب الجمال وأهله ولكن ضلّ في هذا الموضوع فريقان: فريق قالوا كل ما خلقه جميل فهو يحبّ كل ما خلقه ونحن نحب جميع ما خلقه فلا نبغض منه شيئا، قالوا: ومن رأى الكائنات منه رآها كلها جميلة.. وهؤلاء قد عدمت الغيرة لله من قلوبهم والبغض في الله والمعاداة فيه وإنكار المنكر والجهاد في سبيله وإقامة حدوده ويرى جمال الصور من الذكور والإناث من الجمال الذي يحبه الله فيتعبدون بفسقهم وربما غلا بعضهم حتى يزعم أن معبوده يظهر في تلك الصورة ويحل فيها.
وقابلهم الفريق الثاني فقالوا قد ذم الله سبحانه جمال الصور وتمام القامة والخلقة فقال عن المنافقين: " وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم " المنافقون ٤ وقال: " وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا " مريم ٧٤ أي أموالا ومناظر، وفي صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " صحيح مسلم رقم ٤٦٥١.. وفي الحديث: " البذاذة من الإيمان " رواه ابن ماجه ٤١٠٨ وأبو داود ٣٦٣٠ وصححه الألباني ﵀
وفصل النزاع أن يقال الجمال في الصورة واللباس والهيأة ثلاثة أنواع منه ما يحمد ومنه ما يذم ومنه مالا يتعلق به مدح ولا ذم، فالمحمود منه ما كان لله وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة له كما كان النبي ﷺ يتجمل للوفود وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه والمذموم منه ما كان للدنيا والرياسة والفخر والخيلاء والتوسل إلى الشهوات وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه فإن كثيرا من النفوس ليس لها همة في سوى ذلك، وأما مالا يحمد ولا يذم هو ما خلا عن هذين القصدين وتجرد عن الوصفين.
والمقصود أن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين فأوله معرفة وآخره سلوك فيُعرف الله سبحانه بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء ويعبد بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق فيحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل وجوارحه بالطاعة وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور المكروهة والختان وتقليم الأظفار فيعرفه بصفات بالجمال ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه فجمع الحديث قاعدتين المعرفة والسلوك.
الفوائد ١/١٨٥
أين هذه المعاني العظيمة للحديث من ضلالات أصحاب الهوى الذين يريدون فهما منحرفا لتبرير مقاصدهم السيئة نسأل الله العافية وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1968
أسماء شروح لصحيح الإمام مسلم
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد شروح موسعة لصحيح الإمام مسلم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عليك بكتاب (فتح الملهم لشرح صحيح مسلم) للإمام السبكي، وكذلك كتاب الشراج الوهاج لأبي الطيب صديق بن حسن خان القنوجي البخاري المولود عام ١٢٤٨ هـ والمتوفي عام ١٣٠٧ هـ وهو مكون من ١٣ مجلد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1969
ما معنى حديث إنا أمة امية لا نكتب ولا نحسب
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى قوله ﷺ (نحن أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب) وهل ينافي هذا ما يتعلمه المسلمون اليوم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس لفظ الحديث كما ورد في السؤال وإنما سياقه كما يلي: عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: " إنَّا أمَّة أمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين ". رواه البخاري (١٨١٤) ومسلم (١٠٨٠) .
وقد ورد هذا الحديث في مسألة دخول الشهر الهلالي، وهو يدل على أنه لا يُلتفت في معرفة دخول الشهر إلى الحسابات الفلكية وإنما يُعتمد على الرؤية الظاهرة للقمر عند ولادته فنعرف دخول الشهر، فالحديث سيق لبيان أنّ الاعتماد على الرؤية لا على الحساب ولم يأت لحثّ الأمة الإسلامية للبقاء على الجهل وترك تعلّم الحساب العادي وسائر العلوم النافعة ولذلك فلا ينافي هذا الحديث ما يتعلمه المسلمون اليوم من العلوم المختلفة التي تفيدهم في دنياهم، والإسلام دين العلم، وهو يدعو إليه ويوجبه على كلّ مسلم أن يتعلّم ما افترضه الله عليه ويتعلم أحكام ما يحتاج إليه من العبادات والمعاملات وأما العلوم الدنيوية كالطبّ والهندسة والزراعة وغيرها فيجب على المسلمين أن يتعلّموا منها ما تحتاج إليه الأمّة ولو احتاج المسلمون لصنع إبرة لوجب عليهم أن يكون فيهم من يتعلّم صنعة تلك الإبرة.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية شرح وافٍ لهذا الحديث استقصى فيه فأجاد وفيما يلي مختارات من جوابه:
قوله " إنا أمة أمية " ليس هو طلبا، فإنهم أمِّيُّون قبل الشريعة كما قال الله تعالى ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم﴾ وقال ﴿وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم﴾ فإذا كانت هذه صفة ثابتة لهم قبل المبعث لم يكونوا مأمورين بابتدائها، نعم قد يؤمرون بالبقاء على بعض أحكامها، فإنا سنبيِّن أنهم لم يؤمروا أن يبقوا على ما كانوا عليه مطلقاً.
...
والأمة التي بعثه الله إليها فيهم مَن يقرأ ويكتب كثيراً كما كان في أصحابه، وفيهم من يحسب، وقد بعث ﷺ بالفرائض التي فيها مِن الحساب ما فيها وقد ثبت عنه ﷺ أنه لما قدِم عاملُه على الصدقة ابن اللتبيَّة حاسَبه، وكان له كتاب عدة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وزيد ومعاوية يكتبون الوحي ويكتبون العهود ويكتبون كُتُبَه إلى الناس إلى مَن بعثه الله إليه مِن ملوك الأرض ورؤوس الطوائف وإلى عماله وولاته وسعاته وغير ذلك وقد قال الله تعالى في كتابه ﴿لتعلموا عدد السنين والحساب﴾ في آيتين من كتابه فأخبر أنه فعل ذلك ليُعلم الحساب.
وإنما الأمي هو في الأصل منسوب إلى " الأمة " التي هي جنس الأميين وهو من لم يتميز عن الجنس بالعلم المختص من قراءة أو كتابة كما يقال " عامي " لمن كان من العامة غير متميز عنهم بما يختص به غيرهم مِن علوم، وقد قيل: إنه نسبة إلى " الأم " أي: هو الباقي على ما عوَّدته أمُّه من المعرفة والعلم ونحو ذلك.
ثم التميز الذي يخرج به عن الأمية العامة إلى الاختصاص تارة يكون فضلاً وكمالاً في نفسه كالتميز عنهم بقراءة القرآن وفهم معانيه وتارة يكون بما يتوصل به إلى الفضل والكمال كالمتميز عنهم بقراءة القرآن وفهم معانيه، وتارة يكون بما يتوصل به إلى الفضل والكمال كالتميز عنهم بالكتابة وقراءة المكتوب، فيمدح في حق من استعمله في الكمال ويذم في حق من عطَّله، أو استعمله في الشر، ومن استغنى عنه بما هو أنفع له كان أكمل وأفضل، وكان تركه في حقه مع حصول المقصود به أكمل وأفضل.
فإذا تبين أن التميز عن الأميين نوعان؛ فالأمة التي بُعث فيها النبي ﷺ أولاهم العرب وبواستطهم حصلت الدعوة لسائر الأمم؛ لأنه إنما بُعث بلسانهم فكانوا أميين عامة ليست فيهم مزية علم ولا كتاب ولا غيره مع كون فِطَرهم كانت مستعدة للعلم أكمل من استعداد سائر الأمم بمنزلة أرض الحرث القابلة للزرع، لكن ليس لها من يقوم عليها فلم يكن لهم كتاب يقرأونه منزَّل من عند الله كما لأهل الكتاب، ولا علوم قياسية مستنبطة كما للصابئة ونحوهم، وكان الخط فيهم قليلاً جدّاً، وكان لهم من العلم ما ينال بالفطرة التي لا يخرج بها الإنسان عن الأموَّة العامة كالعلم بالصانع سبحانه، وتعظيم مكارم الأخلاق، وعلم الأنواء، والأنساب، والشِّعر، فاستحقوا اسم الأمية من كل وجه كما قال فيهم ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم﴾ وقال تعالى ﴿قل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فان أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ﴾ ، فجعل الأميين مقابلين لأهل الكتاب، فالكتابي غير الأمي.
فلما بُعث فيهم ووجب عليهم اتباع ما جاء به من الكتاب وتدبره وعقله والعم به وقد جعله تفصيلاً لكل شيءٍ وعلَّمهم نبيُّهم كلَّ شيءٍ حتى الخراءة: صاروا أهلَ كتاب وعلم، بل صاروا أعلم الخلق وأفضلهم في العلوم النافعة، وزالت عنهم الأميُّة المذمومة الناقصة وهي عدم العلم والكتاب المنزل إلى أن علِموا الكتاب والحكمة وأورثوا الكتاب كما قال فيهم ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبلُ لفي ضلال مبين﴾ فكانوا أميين مِن كل وجهٍ فلما علمهم الكتاب والحكمة: قال فيهم ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله﴾ وقال تعالى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أُنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أُنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم﴾ ، واستجيب فيهم دعوة الخليل حيث قال: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾ وقال: ﴿لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ .
فصارت هذه الأميَّة منها ما هو محرَّم، ومنها ما هو مكروه، ومنها ما هو نقص وترك الأفضل، فمن لم يقرأ الفاتحة أو لم يقرأ شيئاً من القرآن تسمِّيه الفقهاء في " باب الصلاة " أميّاً ويقابلونه بالقارئ، فيقولون: لا يصح اقتداء القارئ بالأمي، ويجوز أن يأتم الأمي بالأمي ونحو ذلك من المسائل، وغرضهم بالأمِّيِّ هنا الذي لا يقرأ القراءة الواجبة سواء كان يكتب أولا يكتب يحسب أولا يحسب.
فهذه الأميَّة منها: ما هو تَرك واجبٍ يُعاقب الرجل عليه إذا قدر على التعلم فتركه.
ومنها: ما هو مذموم، كالذي وصفه الله عن أهل الكتاب حيث قال: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون﴾ فهذه صفة من لا يفقه كلام الله ويعمل به وإنما يقتصر على مجرد تلاوته، كما قال الحسن البصري: نَزَل القرآن ليُعمل به فاتَّخذوا تلاوتَه عملاً، فالأمي هنا قد يقرأ حروف القرآن أو غيرها ولا يفقه بل يتكلم في العلم بظاهر من القول ظنّاً فهذا أيضا أميٌّ مذموم كما ذمَّه الله لنقص علمه الواجب سواء كان فرض عين أم كفاية.
ومنها: ما هو الأفضل الأكمل، كالذي لا يقرأ مِن القرآن إلا بعضه، ولا يفهم منه إلا ما يتعلق به، ولا يفهم من الشريعة إلا مقدار الواجب عليه، فهذا أيضاً يقال له أميٌّ وغيره ممن أوتى القرآن علماً وعملاً أفضل منه وأكمل.
فهذه الأمور المميزة للشخص عن الأمور التي هي فضائل وكمال فقدها إما فقد واجب عيناً أو واجب على الكفاية أو مستحب، وهذه يوصف الله بها وأنبياؤه مطلقا فإن الله عليم حكيم جمع العلم والكلام النافع طلباً وخبراً وإرادةً وكذلك أنبياؤه ونبينا سيد العلماء والحكماء.
وأما الأمور المميزة التي هي وسائل وأسباب إلى الفضائل مع إمكان الاستغناء عنها بغيرها فهذه مثل الكتاب الذي هو الخط والحساب فهذا إذا فقدها مع أن فضيلته في نفسه لا تتم بدونها وفقدها نقص إذا حصلها واستعان بها على كماله وفضله كالذي يتعلم الخط فيقرأ به القرآن وكتب العلم النافعة أو يكتب للناس ما ينتفعون به كان هذا فضلاً في حقه وكمالا وإن استعان به على تحصيل ما يضره أو يضر الناس كالذي يقرأ بها كتب الضلالة ويكتب بها ما يضر الناس كالذي يزوِّر خطوط الأمراء والقضاة والشهود: كان هذا ضرراً في حقه وسيئةً ومنقصةً، ولهذا نهى " عمر " أن تعلَّم النساءُ الخطَّ، وان أمكن أن يستغني عنها بالكليَّة بحيث ينال كمال العلوم من غيرها وينال كمال التعليم بدونها كان هذا أفضل له وأكمل وهذه حال نبينا ﷺ الذي قال الله فيه ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأميَّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل﴾ فان أموَّته لم تكن من جهة فقْدِ العلم والقراءة عن ظهر قلبٍ فإنه إمام الأئمة في هذا، وإنما كان مِن جهة أنه لا يكتب ولا يقرأ مكتوباً كما قال الله فيه: ﴿وما كنت تتلو مِن قبله مِن كتاب ولا تخطه بيمينك﴾ .
.....
(ثم عاد ﵀ لبيان المُراد بحديث إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، وأنّ فيه قرينة تدلّ على المراد فقال:)
فلما قرن ذلك بقوله الشهر ثلاثون والشهر تسعة وعشرون بيَّن أن المراد به: إنا لا نحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب، إذ هو تارة كذلك، وتارة كذلك، والفارق بينهما هو الرؤية فقط ليس بينهما فرقٌ آخر من كتابٍ ولا حسابٍ
وظهر بذلك أن الأميَّة المذكورة هنا صفة مدح وكمال مِن وجوه:
من جهة الاستغناء عن الكتاب والحساب بما هو أبيَن منه وأظهر وهو الهلال.
ومن جهة أن الكتاب والحساب هنا يدخلهما غلط.
.. إلى آخر كلامه ﵀.
[الْمَصْدَرُ]
" مجموع الفتاوى " (٢٥ / ١٦٤ - ١٧٥)
стр. 1970
الجمع بين أحاديث تفضيل الجماعة على صلاة المنفرد
[السُّؤَالُ]
ـ[يوجد في صحيح البخاري حديثان برقمي (٦٤٥ , ٦٤٦) - بترقيم فتح الباري - في الحديث رقم (٦٤٥) قال رسول الله ﷺ : " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة "، وفي الحديث رقم (٦٤٦) قال رسول الله ﷺ : " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة ". أرجو الشرح والتوضيح.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحديث الأول جاء من حديث عبد الله بن عمر، وقد رواه البخاري (٦١٩) ومسلم (٦٥٠) ، ولفظه: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ".
والثاني: جاء من حديث أبي سعيد الخدري، وقد رواه البخاري (٦١٩) ، ولفظه: " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة ".
وقد جمع العلماء بين الحديثين، فقال النووي – ﵀:
والجمع بينهما من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا منافاة فذكر القليل لا ينفي الكثير , ومفهوم العدد باطل عند الأصوليين.
والثاني: أن يكون أخبر أولاً بالقليل ثم أعلمه الله - تعالى - بزيادة الفضل فأخبر بها.
الثالث: أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة , وتكون لبعضهم خمس وعشرون , ولبعضهم سبع وعشرون بحسب كمال الصلاة ومحافظته على هيئاتها وخشوعها وكثرة جماعتها وفضلهم وشرف البقعة ونحو ذلك , والله أعلم.
" المجموع " (٤ / ٨٤) .
وهناك وجوه أخر في الجمع غير هذا، وبعضه متفرع عما سبق، وقد رجَّح الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (٢ / ١٣٢) وجهاً في الجمع غير ما ذكره النووي وهو أن " السبع والعشرين " للصلاة الجهرية، و " الخمس والعشرين " للصلاة السريَّة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1971
معنى حديث: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ)
[السُّؤَالُ]
ـ[ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب) ، وورد في حديث آخر: (لا يذهب الليل والنهار حتى تُعْبد اللات والعزى) ، وفي رواية: (حتى تضطرب أليات نساء دوس عند ذي الخلصة)
والإشكال: أنه في الحديث الأول يفهم أن الشرك لا يقع في الجزيرة العربية والحديث الثاني يدل على أنه سيقع؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من الأمور المقررة عند أهل العلم أن الشرك واقع في هذه الأمة كما دلت على ذلك النصوص الصحيحة، والواقع يؤيد ذلك.
وقد ارتد أكثر العرب بعد وفاة النبي ﷺ ، وكثير منهم رجع إلى عبادة الأوثان.
وقال الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀: باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبدون الأوثان، ثم ذكر بعض الأحاديث الدالة على ذلك.
وأما قوله ﷺ : (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون ... ) فللعلماء عليه أجوبة:
١- أن الشيطان قد أيس أن يجمع كل المصلين على الكفر.
واختار هذا القول العلامة ابن رجب الحنبلي. الدرر السنة (١٢/١١٧)
٢- أن هذا إخبار عما وقع في نفس الشيطان من اليأس لما رأى الفتوح، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، فالحديث أخبر عن ظن الشيطان وتوقعه، ثم كان الواقع بخلاف ذلك لحكمة يريدها الله . واختار هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀. القول المفيد (١/٢١١)
٣- أن الشيطان أيس من المؤمنين كاملي الإيمان، فلم يطمع فيهم الشيطان أن يعبدوه، واختاره الألوسي. وانظر دعاوى المناوئين. (٢٢٤)
٤- أن (أل) في كلمة (المصلون) للعهد، والمراد بهم الصحابة.
والأقوال كلها قريبة، وأقربها الثاني، والله أعلم.
انظر " أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين " (٢/٢٣٢-٢٣٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1972
معنى أن الإيمان يأرز للمدينة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى قول النبي ﷺ : إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث يقول فيه الرسول ﵊: (إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها) . و (يأرز) بكسر الراء ويجوز فيها الفتح والضم , ومعنى (يأرز) يرجع ويثبت في المدينة كما أن الحية إذا خرجت من جحرها رجعت إليه , وهذا إشارة من النبي ﷺ إلى أن هذا الدين سوف يرجع إلى المدينة بعد أن تفسد البلدان الأخرى كما أن الحية تخرج وتنتشر في الأرض ثم بعد ذلك ترجع إلى جحرها.
وفيه أيضاً إشارة إلى أن الإسلام كما انطلق من المدينة فإنه يرجع إليها أيضا ً, فإن الإسلام بقوته وسلطته لم ينتشر إلا من المدينة وإن كان أصله نابعاً في مكة , ومكة هي المهبط الأول للوحي لكن لم يكن للمسلمين دولة وسلطان وجهاد إلا بعد هاجروا إلى المدينة , فلهذا كان الإسلام بسلطته ونفوذه وقوته منتشراً من المدينة وسيرجع إليها في آخر الزمان.
وقال بعض أهل العلم: إن هذا إشارة إلى أمر سبق , وأن المعنى أن الناس يفدون إلى المدينة ويرجعون إليها ليتلقوا من رسول الله ﷺ الشريعة والتعاليم الإسلامية.
ولكن المعنى الأول هو ظاهر الحديث وهو الأصح.
[الْمَصْدَرُ]
مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ج/١ ص ٥٥.
стр. 1973
قصة ماشطة ابنة فرعون
[السُّؤَالُ]
ـ[أسأل عن صحة القصة التالية:
خلال المعراج بالنبي ﷺ وجد رائحة طيبة كرائحة المسك وعندما سأل ﵊ عن ذلك، أجابه جبرائيل ﵇ أنه رائحة الوصيفة التي كانت تعمل في بيت فرعون (زمن موسى ﵇ . وهي امرأة كانت قد تركت دينها سراً لكن افتضح أمرها عندما سقط المشط من يدها وقالت " بسم الله ". وعندما سمع فرعون بذلك أحرقها هي وأبناءها. وقد قيل إن رضيعها كلمها في تلك اللحظة وطلب منها أن تحتفظ بهدوئها والتمسك بإيمانها. وبسبب إيمانها العظيم، رفع الله مكانتها. هل هذه القصة صحيحة؟ أم هل توجد قصص مقاربة؟ وهل هذه القصة مأخوذة من مصادر نصرانية أو يهودية؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
وردت قصة ماشطة ابنة فرعون كما يلي:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ بِي فِيهَا، أَتَتْ عَلَيَّ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلادِهَا، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهَا؟ قَالَ: بَيْنَا هِيَ تُمَشِّطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ سَقَطَتْ الْمِدْرَى مِنْ يَدَيْهَا، فَقَالَتْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: أَبِي؟ قَالَتْ: لا، وَلَكِنْ رَبِّي وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ، قَالَتْ: أُخْبِرُهُ بِذَلِكَ! قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْبَرَتْهُ، فَدَعَاهَا فَقَالَ: يَا فُلانَةُ؛ وَإِنَّ لَكِ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ؛ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُلْقَى هِيَ وَأَوْلادُهَا فِيهَا، قَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، قَالَ: وَمَا حَاجَتُكِ؟ قَالَتْ: أُحِبُّ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَتَدْفِنَنَا، قَالَ: ذَلِكَ لَكِ عَلَيْنَا مِنْ الْحَقِّ، قَالَ: فَأَمَرَ بِأَوْلادِهَا فَأُلْقُوا بَيْنَ يَدَيْهَا وَاحِدًا وَاحِدًا إِلَى أَنْ انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى صَبِيٍّ لَهَا مُرْضَعٍ، وَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِهِ، قَالَ: يَا أُمَّهْ؛ اقْتَحِمِي فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، فَاقْتَحَمَتْ) . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: تَكَلَّمَ أَرْبَعَةُ صِغَارٍ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَشَاهِدُ يُوسُفَ، وَابْنُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ.
أخرجه الإمام أحمد في " المسند " (١/٣٠٩) ، والطبراني (١٢٢٨٠) ، وابن حبان (٢٩٠٣) ، والحاكم (٢/٤٩٦) .
قال الذهبي في " العلو " (٨٤) عن: " هذا حديث حسن الإسناد "، وقال ابن كثير في " التفسير " (٣/١٥) : " إسناده لا بأس به "، وصحح إسناده العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٤/٢٩٥) ، وقال الأرنؤوط في تخريج المسند (٥/٣٠ – ٣١ رقم ٢٨٢١) : " إسناده حسن، فقد سمع حماد بن سلمة من عطاء قبل الاختلاط عند جمع من الأئمة ".
وبهذا يتبين أن هذه القصة صحيحة ثابتة عن نبينا ﷺ ، وليست مأخوذة من مصادر يهودية أو نصرانية.
(المِدْرَى) : هي حديدة يسوَّى بها شعر الرَّأس.
(فأمَر ببَقَرة من نُحاس فأُحْمِيت) : قال ابن الأثير في " النهاية " (١/١٤٥) : قال الحافظ أبو موسى: الذي يقَعُ لي في معناه أنه لا يريد شيئاً مَصُوغا على صورة البَقرة، ولكنَّه ربَّمَا كانت قِدرا كبيرةً واسعة، فسماها بقرة، مأخوذا من التَّبقُّر: التوسع، أو كان شيئاً يَسع بقَرة تامَّة بِتَوابِلِها فسمِّيت بذلك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1974
شرح حديث: (تنكح المرأة لأربع . . . .)
[السُّؤَالُ]
ـ[لم أفهم معنى قول الرسول ﷺ : (تنكح المرأة لأربع مالها وجمالها وحسبها ودينها) فهل هذا يعني أن المرأة يجب أن تكون غنية وجميلة وذات حسب وأن تكون متدينة؟ موضوع التدين واضح بالنسبة لي ولكن ماذا عن بقية الأشياء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
هذا الحديث رواه البخاري (٤٨٠٢) ومسلم (١٤٦٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) .
وليس في الحديث أمر أو ترغيب في نكاح المرأة لأجل جمالها أو حسبها أو مالها.
وإنما المعنى: أن هذه مقاصد الناس في الزواج، فمنهم من يبحث عن ذات الجمال، ومنهم من يطلب الحسب، ومنهم من يرغب في المال، ومنهم من يتزوج المرأة لدينها، وهو ما رغب فيه النبي ﷺ بقوله: (فاظفر بذات الدين تربت يداك) .
قال النووي ﵀ في شرح مسلم:
" الصحيح في معنى هذا الحديث أن النبي ﷺ أخبر بما يفعله الناس في العادة فإنهم يقصدون هذه الخصال الأربع، وآخرها عندهم ذات الدين، فاظفر أنت أيها المسترشد بذات الدين، لا أنه أمر بذلك ... وفي هذا الحديث الحث على مصاحبة أهل الدين في كل شيء لأن صاحبهم يستفيد من أخلاقهم وحسن طرائقهم ويأمن المفسدة من جهتهم " اهـ باختصار.
وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي:
" قال القاضي ﵀: من عادة الناس أن يرغبوا في النساء ويختاروها لإحدى الخصال واللائق بذوي المروءات وأرباب الديانات أن يكون الدين مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون، لا سيما فيما يدوم أمره، ويعظم خطره " اهـ.
وقد اختلف العلماء في معنى قوله ﷺ : (تربت يداك) اختلافاً كثيراً، قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:
" وَالْأَصَحّ الْأَقْوَى الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ فِي مَعْنَاهُ: أَنَّهَا كَلِمَة أَصْلُهَا اِفْتَقَرَتْ , وَلَكِنَّ الْعَرَب اِعْتَادَتْ اِسْتِعْمَالهَا غَيْر قَاصِدَة حَقِيقَة مَعْنَاهَا الْأَصْلِيّ , فَيَذْكُرُونَ تَرِبَتْ يَدَاك , وَقَاتَلَهُ اللَّه , مَا أَشْجَعه , وَلَا أُمّ لَهُ , وَلَا أَب لَك , وَثَكِلَتْهُ أُمّه , وَوَيْل أُمّه , وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ أَلْفَاظهمْ يَقُولُونَهَا عِنْد إِنْكَار الشَّيْء , أَوْ الزَّجْر عَنْهُ , أَوْ الذَّمّ عَلَيْهِ , أَوْ اِسْتِعْظَامه , أَوْ الْحَثّ عَلَيْهِ , أَوْ الْإِعْجَاب بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَم " اهـ.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1975
ما هي درجة حديث: " لا يصيب رجلاً خدشُ عود .. "؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي درجة هذا الحديث:
روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يصيب رجلا خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب , وما يعفو الله أكثر) .
وهل يعني أن كل ما يصيب الإنسان هو بسبب ذنوبه؟ هذا قرأته في " تفسير القرطبي ". مع العلم أني بحثت في " صحيح البخاري " وفي " فتح الباري " ولكني لم أجده.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
هذا الحديث رواه الطبري في " التفسير " (٥ / ١٧٥) والبيهقي في " شعب الإيمان " (٧ / ١٥٣) من مرسل قتادة.
والمرسل هو ما يرويه التابعي عن النبي ﷺ دون واسطة بينهما، وهو من أقسام الضعيف، فالحديث إسناده ضعيف. وقد ذكره الألباني في "السلسلة الضعيفة" (١٧٩٦) .
ثانياً:
معنى الحديث صحيح شهدت له أدلة أخرى من كتاب اله وسنة رسوله ﷺ ، فالمصائب التي تصيب الإنسان قد تكون بذنب أذنبه، فيكون البلاء كفارة لذلك الذنب.
قال الله : (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً) النساء /٧٩، وقال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) الشورى /٣٠.
قال ابن كثير ﵀ في تفسيره (١/٥٢٩) :
(ما أصابك مِن حسنة فمِن الله) أي: مِن فضل الله ومنَّته ولطفه ورحمته، (وما أصابك مِن سيئة فمِن نفسك) أي: فمِن قِبَلك ومن عملك أنت، كما قال تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) قال السدي والحسن البصري وابن جريج وابن زيد: (فمِن نفسك) أي: بذنبك، وقال قتادة في الآية (فمن نفسك) عقوبة لك يا ابن آدم بذنبك اهـ.
ثالثاً:
المصائب التي يصاب بها المؤمن في الدنيا، ترفع في درجاته وتكفر عنه سيئاته.
ولذلك ينبغي للمؤمن أن يرضى بما يقدره الله تعالى عليه من المصائب، ويعلم أن ذلك خير له.
عن عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا) . رواه البخاري (٥٦٤٠) ومسلم (٢٥٧٢) .
وروى مسلم (٢٥٧٢) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَا مِنْ شَيْءٍ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ حَتَّى الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1976
حديث (عمران بيت المقدس خراب يثرب)
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو منكم التفضل بشرح هذا الحديث بالتفصيل: روى أحمد وأبو داود عن معاذ: أن رسول الله ﷺ قال: " عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال ".]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحديث رواه ابن أبي شيبة (٧ / ٤٩١) وأحمد (٥ / ٢٤٥) وأبو داود (٤٢٩٤) وعلي بن الجعد في مسنده (ص ٤٨٩) .
كلهم: من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل.
ورواه أبو عمرو الداني في " السنن الواردة في الفتن " (٤ / ٩٣٠) من طريق ابن ثوبان عن أبيه أنه سمع مكحولا يقول: حدثني مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ .
وفيه: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وهو ضعيف، وقد عدَّ الذهبي هذا الحديث من منكراته، كما في " ميزان الاعتدال " (٤ / ٢٦٥) .
واختلف عنه فيه أيضاً.
قال الدارقطني – وسئل عن الحديث -:
يرويه ابن ثوبان، واختلف عنه: فرواه أبو حيوة شريح بن يزيد عن ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول قال حدثني مالك بن يخامر عن معاذ، وخالفه علي بن الجعد فرواه عن ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن مالك بن يخامر عن معاذ، زاد في الإسناد جبيراً، والله أعلم.
" علل الدارقطني " (٦ / ٥٣) .
والحديث ضعفه الشيخ شعيب الأرناؤط في تحقيقه لمسند أحمد (٣٦ / ٣٥٢) . وقد حسنه الشيخُ الألباني ﵀ في صحيح سنن أبي داود.
وعلى فرض صحته فإن معناه:
أن كُلّ وَاحِد مِنْ هَذِهِ الْأُمُور أَمَارَة لِوُقُوعِ مَا بَعْده، وَإِنْ وَقَعَ هُنَاكَ فترة زمنية بينهما.
(عُمْرَان بَيْت الْمَقْدِس) أَيْ: عِمَارَته بِكَثْرَةِ الرِّجَال وَالْعَقَار وَالْمَال.
(خَرَاب يَثْرِب) : أَيْ: سَبَب خَرَاب الْمَدِينَة. وَقَالَ الْقَارِي: أَيْ وَقْت خَرَاب الْمَدِينَة.
ويحتمل أن يكون المراد بعمارة بيت المقدس نزول الخلافة فيه في آخر الزمان. ويدل عليه ما رواه أبو داود (٢٥٣٥) عن عبد الله بن حَوَالة الأزدي، قال: بعثنا رسول الله ﷺ لنغنم على أقدامنا فرجعنا، فلم نغنم شيئا، وعرف الجهد في وجوهنا، فقام فينا فقال: (اللهم لا تكلهم إليّ فأضعف عنهم، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم) ثم وضع يده على رأسي أو قال: على هامتي، ثم قال: (يا ابن حوالة، إذا رأيت الخلافة قد نزلت أرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلابل [البلابل: الهموم والأحزان] والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب من الناس من يدي هذه من رأسك) . وصححه الألباني في صحيح أبي داود. فظاهره أن نزول الخلافة في الأرض المقدسة سيكون قريبا جداً من الساعة، فقد يكون هذا هو المراد بعمارتها. والله أعلم.
(وَخَرَاب يَثْرِب خُرُوج الْمَلْحَمَة) : أَيْ ظُهُور الْحَرْب الْعَظِيمة، وتكون بَيْن أَهْل الشَّام وَالرُّوم.
(وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ) يعني: فإذا خرجت الملحمة فبعدها فتح القسطنطينية.
(وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ خُرُوجُ الدَّجَّالِ) يعني إذا فتحت القسطنطينية خرج الدجال.
وفي الحديث إشكال؛ وهو كون خراب المدينة قبل الدجال، مع ما ورد من أن الدجال يمنع من دخول المدينة، فإنها ترجف بأهلها ثلاث رجفات فيخرج إليه كل منافق ومنافقة.
وقد أجاب ابن كثير عن هذا الإشكال فقال في "النهاية" (١/٩٤) :
"وليس المراد أن المدينة تخرب بالكلية قبل خروج الدجال، وإنما ذلك آخر الزمان، بل تكون عمارة بيت المقدس سببا في خراب المدينة النبوية، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الدجال لا يقدر على دخولها، يُمنع من ذلك بما على أبوابها من الملائكة القائمين بأيدهم السيوف المصلتة" انتهى.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1977
ما معنى لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الحديث لا تسبوا الوقت فإن الله هو الوقت يصح عن الرسول ﷺ ؟ وإذا كان صحيحا, فكيف تفسره؟ فقد أشكل علي هذا الموضوع.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحديث ليس بهذا اللفظ " لا تسبوا الوقت فإن الله هو الوقت "، وإنما هو بلفظ " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " (وقد يكون اللفظ المذكور جاء بسبب طريقة ترجمة السؤال) ، وقد رواه مسلم عن أبي هريرة (٥٨٢٧) ، وفي لفظ آخر: " لا يسب أحدكم الدهر فإن الله هو الدهر "، وفي لفظ آخر: " لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر "، وفي لفظ: " قال الله : يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر فلا يقولن يا خيبة الدهر فأنا الدهر أقلب الليل والنهار فإذا شئت قبضتهما ".
وأما معنى الحديث فقد قال النووي:
قالوا: هو مجاز وسببه أن العرب كان شأنها أن تسب الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك فيقولون " يا خيبة الدهر " ونحو هذا من ألفاظ سب الدهر فقال النبي ﷺ : " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " أي: لا تسبوا فاعل النوازل فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع السب على الله تعالى لأنه هو فاعلها ومنزلها، وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له بل هو مخلوق من جملة خلق الله تعالى.
ومعنى " فإن الله هو الدهر " أي: فاعل النوازل والحوادث وخالق الكائنات والله أعلم.
" شرح مسلم " (١٥ / ٣) .
وينبغي أن يعلم أنه ليس من أسماء الله اسم " الدهر " وإنما نسبته إلى الله تعالى نسبة خلق وتدبير، أي: أنه خالق الدهر، بدليل وجود بعض الألفاظ في نفس الحديث تدل على هذا مثل قوله تعالى: " بيدي الأمر أقلِّب ليلَه ونهارَه " فلا يمكن أن يكون في هذا الحديث المقلِّب - بكسر اللام - والمقلَّب - بفتح اللام - واحداً، وإنما يوجد مقلِّب - بكسر اللام - وهو الله، ومقلَّب - بفتح اللام - وهو الدهر، الذي يتصرف الله فيه كيف شاء ومتى شاء.
انظر " فتاوى العقيدة " للشيخ ابن عثيمين (١ / ١٦٣) .
قال الحافظ ابن كثير - عند قول الله تعالى: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر﴾ [الجاثية / ٢٤]-:
قال الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما في تفسير قوله ﷺ : " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا: " يا خيبة الدهر " فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه وإنما فاعلها هو الله تعالى فكأنهم إنما سبوا الله لأنه فاعل ذلك في الحقيقة فلهذا نهى عن سب الدهر بهذا الاعتبار لأن الله تعالى هو الدهر الذي يصونه ويسندون إليه تلك الأفعال.
وهذا أحسن ما قيل في تفسيره، وهو المراد. والله أعلم
" تفسير ابن كثير " (٤ / ١٥٢) .
وسئل الشيخ ابن عثيمين حفظه الله عن حكم سب الدهر:
فأجاب قائلا:
سب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام.
القسم الأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم: فهذا جائز مثل أن يقول " تعبنا من شدة حر هذا اليوم أو برده " وما أشبه ذلك لأن الأعمال بالنيات واللفظ صالح لمجرد الخبر.
القسم الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل كأن يقصد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلِّب الأمور إلى الخير أو الشر: فهذا شرك أكبر لأنه اعتقد أن مع الله خالقا حيث نسب الحوادث إلى غير الله.
القسم الثالث: أن يسب الدهر ويعتقد أن الفاعل هو الله ولكن يسبه لأجل هذه الأمور المكروهة: فهذا محرم لأنه مناف للصبر الواجب وليس بكفر؛ لأنه ما سب الله مباشرة، ولو سب الله مباشرة لكان كافراً.
" فتاوى العقيدة " (١ / ١٩٧) .
ومن منكرات الألفاظ عند بعض الناس أنه يلعن الساعة أو اليوم الذي حدث فيه الشيء الفلاني (مما يكرهه) ونحو ذلك من ألفاظ السّباب فهو يأثم على اللعن والكلام القبيح وثانيا يأثم على لعن ما لا يستحقّ اللعن فما ذنب اليوم والسّاعة؟ إنْ هي إلا ظروف تقع فيها الحوادث وهي مخلوقة ليس لها تدبير ولا ذنب، وكذلك فإنّ سبّ الزمن يعود على خالق الزّمن، فينبغي على المسلم أن ينزّه لسانه عن هذا الفحش والمنكر. والله المستعان.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1978
حديث من رضي من الله بالقليل من الرزق ..
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي درجة حديث " مَن رضي من الله بالقليل من الرزق: رضي الله منه بالقليل من العمل "؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحديث: رواه البيهقي في " شعب الإيمان " (٧ / ٢٠٤) .
وفيه: إسحاق بن محمد الفروي، وقد ضعفه النسائي وأبو داود والدارقطني.
انظر: " ميزان الاعتدال " (١ / ٣٥١) ، و " تهذيب التهذيب " (١ / ٢١٧) .
وقد ضعفه الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " (٤ / ٣٣٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1979
صَادَر بحكم وظيفته رخاماً قبل ثلاثين سنَة على أن يتلفه ولم يفعل فهل يضمنه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[في عام ١٤٠١ هـ تقريباً كان عمري حينها في بداية العشرينات , وكنت أعمل في شركة للنظافة في مدينتي بجانب كوني طالباً بالجامعة , وكان العمل الموكَّل لي " فرقة للطوارئ " - حينها - لإزالة أي مخالفات، أو متروكات، بعد الكتابة عليها، بالإزالة خلال فترة محددة حسب تعليمات البلدية. وكان لي قريب يعمِّر عمارة , وخلال جولاتنا وجدتُ صناديق تحوي رخاماً , وكتبْتُ عليها: " تُرفع عن الشارع وإلا ستزال وتعدم "؛ حيث كنا أي مخلَّف نجده ولا يزيله صاحبُه: نزيله، ونرميه في مرمى البلدية العام. صاحب الرخام لم يَرفع الرخام من الشارع، وخطر ببالي بدلاً من دفنه بمرمى البلدية أن أعطيه لقريبي ليستفيد منه، وبالفعل عقب فوات المدة المقررة: رفعنا الرخام، وبدلاً من المرمى العام للبلدية: أوصلته لعمارة قريبي الذي سبق أن أبلغته بأن هناك رخاماً سأحضره له لو لم يرفعه صاحبه بعد رفعه , وللأمانة لأني أريد أن أقابل الله بعمل صالح: حضر صاحب البلاط لنا، وقدَّم شكوى، وهدَّد، وقلنا له: البلاط أُتلف. سؤالي: والله، ثم والله، ثم والله، لي فترة من الزمن وأمْر البلاط في بالي، فصاحب المنزل والله لا أعرف من هو , وأريد فتوى، هل تصرفي فيه شيء، وإن كان فيه: أريد أن أبرئ ذمتي قبل أن يأتي عليَّ يوم لا ينفع فيه الندم. القصة مرَّ عليها قرابة ٣٠ عاماً، والصناديق والله لا أعلم إن كانت ٤، أو أكثر، أو أقل. أفتوني، جزاكم الله خير الجزاء.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
تعزير ولي الأمر المخالفين للأنظمة التي فيها منافع للناس، وتدفع عنهم الضرر - كأنظمة المرور، والأغذية -: لا حرج فيه، بل هو واجب عليهم إن لم يرتدع المخالفون إلا بذلك.
وهناك خلاف بين العلماء في جواز التعزير بالمال، والراجح: جواز التعزير بالمال، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وهو ما رجحه "مجمع الفقه الإسلامي"، كما تجده في أجوبة الأسئلة: (٢١٩٠٠) و (١٣٠٢٢٢) و (٦٩٨٧٢) و (٧٢٨٣١) .
وعليه: فيجوز مصادرة البضاعة التي خالف صاحبها الأنظمة بوضعها في طريق الناس، أو باحتمال تسببها بأذى، أو ضرر، وكان قد أُنذر صاحبها بأنها ستصادر إن لم يرفعها من طريق الناس.
وعلى هذا، فلو صادرت هذه الصناديق وأتلفتها لم يكن عليك حرج، ولكنك أخذتها لنفسك، ولم تتلفها، وهذا اعتداء وغصب، فتكون ضامنا لهذا الرخام لصاحبه.
فيجب عليك البحث والسؤال عنه، عن طريق معرفتك بالبيت الذي أخذت الرخام من عنده، فإن وصلت إليه أو إلى ورثته فالواجب أن ترد إليهم قيمة هذا الرخام، وتطلب منهم العفو والمسامحة.
وإذا يئست من الوصول إليه فإنك تتصدق بقيمة هذا الرخام عنه.
وأما بخصوص تقدير كمية الصناديق: فإنك تبني على الأكثر، فإن ترددت في كونها ثلاثة أو أربعة: فاجعلها الأكثر، وهي أربعة.
وانظر لمزيد الفائدة جواب السؤال رقم: (٣١٢٣٤) .
ونسأل الله أن يتقبل توبتك.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1980
مرض " نقص الانتباه " عند الأطفال؟ وهل يجوز تناول دواء " الريالتين " له ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو حكم الإسلام في إعطاء " الريتالين " لطفلة تم تشخيص حالتها على أنها تعانى من اضطراب " نقص الانتباه "، وتجد الطفلة صعوبة في التعلم، ولا تستطيع التركيز لفترات طويلة، ولهذا فقد وصف لها طبيب أطفال " الريتالين "، والوالدان في غاية الحيرة، ويعارضان إعطاءه لطفلتهما؛ لأنه يتسبب في زيادة سرعة الطفلة، لكن الأهم من اهتمامهما بمصلحة الطفلة فهما لا يريدان أن يقترفا إثماً أمام الله . برجاء تقديم العون للوالدين، فهما في أشد الحاجة إليها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
تعريف المرض – واختصاره ADD، أو ADHD -:
جاء في " الموسوعة العربية العالمية ":
" اعتلال نقص الانتباه " Attention deficit disorder ":
اعتلال نقص الانتباه: مشكلة سلوكية، يجد الذين يعانون منها صعوبة غير معتادة في الانتباه، والجلوس، دون حركة، أو التحكم في اندفاعاتهم العصبية، والمصطلح الرسمي المستخدم للإشارة لهذا الاعتلال هو: " اعتلال نقص الانتباه - فرط النشاط "، وهو أكثر المشاكل السلوكية شيوعاً بين الأطفال، ويبلغ معدل الإصابة بهذا الاعتلال لدى الصبيان أكثر من ضعف معدل الإصابة لدى البنات، ويعاني عدد ملحوظ من المراهقين والراشدين أيضاً من هذا الاعتلال.
... .
ويُظهر الأطفال الذين يعانون من هذا النوع قدراً كبيراً من التململ العصبي، والضجر، ويكونون - في الغالب - من النوع الذي لا يستطيع انتظار دوره لكي يتحدث في الفصل، أو يشارك في النشاط الجماعي، ولا يُظهر الأشخاص الذين يعانون من النوع اللاانتباهي أي علامات جسدية للتململ، والضجر، ولكنهم يجدون صعوبة في التركيز، ويتسم هؤلاء بالنسيان، وعدم النظام، ويفشلون - غالباً - في إكمال فروضهم المدرسية، أو الواجبات الأخرى التي كلفوا بأدائها، وتتعرض الفتيات للإصابة بالنوع اللاانتباهي أكثر من تعرضهن للإصابة بالنوع الذي يتسم بفرط النشاط، ويعاني معظم مرضى " نقص الانتباه - فرط النشاط " من النوع المشترك الذي يجمع بين أعراض كلٍّ من " فرط النشاط " و " النوع اللانتباهي ".
http://mousou٣a.educdz.com/c/c٠٠٠٥٠_١.htm
ومما علمناه من كلام الاختصاصيين في هذا المرض:
١. أنه لم تتفق كلمة الأطباء إلى الآن على الجزم بسبب هذا المرض.
أ. ففي " الموسوعة العربية ":
ويعتقد معظم الخبراء أن لاعتلال نقص الانتباه سبب جسدي لم يتم التعرف عليه بعد. انتهى.
ب. وقال الدكتور خالد التركاوي – استشاري طب الأطفال بالرياض -:
إن أسباب المرض ما زالت غير معروفة، والفرضيات حوله كثيرة، مع وجود بعض الدلائل غير القاطعة التي تشير إلى دور للعوامل الوراثية في ذلك.
جريدة " الشرق الأوسط "، الاثنين ٢٧ جمادى الأولى ١٤٢١ هـ، ٢٨ أغسطس ٢٠٠٠ العدد ٧٩٤٤.
٢- هناك علاجات أخرى تربوية وسلوكية ونفسية ينبغي أن يؤخذ بها مع العلاجات الكيميائية.
أ. ففي "الموسوعة العربية":
ويستفيد الأطفال الذين يعانون من المرض - أيضاً - من تقنية " تعديل السلوك "، وفي هذه المعالجة يساعِد البالغون الأطفالَ على اكتساب التحكم الذاتي، عن طريق توفير الإشراف الحميم، وتقديم المكافآت المتكررة، في مقابل السلوك الملائم.
http://mousou٣a.educdz.com/c/c٠٠٠٥٠_١.htm
وقالوا:
إنَّ تناول "الريتالين" فقط لا يكفي للقضاء على أعراض نقص الانتباه، ومرض النشاط المفرط، فمعظم مرضى هذا المرض في حاجة إلى علاج يتضمن إعمل أساليب نفسية، وسلوكية. انتهى.
http://mousou٣a.educdz.com/c/c٠٠٠٧٨_١.htm
ب. وقال الدكتور خالد بن عوض بازيد - استشاري الطب النفسي - أطفال ومراهقين - مركز الظهران الصحي، مستشفى أرامكو السعودية -:
علاج ADHD:
١. " العلاج السلوكي المعرفي "، حيث يهدف هذا النوع من العلاج إلى إعانة الطفل على تقوية التركيز، وتقليل التشتت الذهني، وتعديل السلوك الاندفاعي من خلال النظام، والتدريب، والوضوح، والتدعيم.
٢. " الإرشاد النفسي التربوي للوالدين والمعلمين والمرشدين الطلابيين " في كيفية التعامل مع الطفل المبتلى بـADHD في البيت، أو المدرسة.
٣. " توفير المناخ التعليمي الخاص للحالات الشديدة "، من خلاله تدريبهم على المهارات الاجتماعية المفقودة، وإعانتهم في تحصيلهم العلمي. انتهى.
http://www.lakii.com/vb/showthread.php?t=١١١٣٦٩
ثالثاً:
أما الدواء الطبي الذي يُستعمل - غالباً - في علاج هذا المرض فهو: " الميثيلفنديت "، والمعروف تجاريّاً باسم " الريتالين ".
أ. ففي " الموسوعة العربية ":
" الريتالين " اسم تجاري لعقار " الميثيلفنديت "، وهو دواء يوصف – غالباً - لعلاج " نقص الانتباه " ومرض " النشاط المفرط ".
... .
ونظراً لشيوع هذا المرض فإن ملايين من الناس يتناولون الريتالين، ويحسِّن هذا الدواء درجة التركيز، ويخفض القلق لمعظم مرضى قصور الانتباه، والنشاط المفرط. انتهى.
http://mousou٣a.educdz.com/c/c٠٠٠٧٨_١.htm
ب. وقال الدكتور حسان المالح - استشاري في الطب النفسي، عضو الجمعية البريطانية للعلاج النفسي والأسري، وعضو الجمعية الأمريكية للطب النفسي -:
العلاج الدوائي:
وهو يتضمن العلاج بالمنشطات النفسية، من زمرة " الأمفيتامين "، وقد بدأ استعمالها منذ ١٩٣٧، ويعتبر مثيلفينيديت (Methylphenidat - Ritalin) أكثرها استعمالاً بعد سن السادسة. انتهى.
http://www.hayatnafs.com/specialtopics/adhd-overview.htm
وقد سألنا الدكتور عمرو هيبة الأستاذ المساعد في كلية الطب جامعة طنطا، والحاصل على الدكتوراة في الأمراض النفسية والعصبية عن "تناول هذا الدواء الريتالين" وعن "أعراضه الجانبية"، وعن "الاكتفاء بالعلاج السلوكي والتربوي والنفسي والاستغناء عن هذا الدواء".
فأفاد بما يلي:
"هذا الدواء "الريتالين" من أحسن الأدوية التي تستعمل في علاج هذا المرض، ونتائجه ممتازة، ولا يسبب الإدمان ...
وأما الأعراض الجانبية، فلا يخلو منها دواء من الأدوية، والشركات المنتجة للأدوية تكتب هذه الأعراض، حتى لا تقع عليها مسؤولية أو يتقدم أحد بشكوى ضدها، وقد تكون هذه الأعراض نسبتها قليلة جداً بحيث لا تكون خطراً.
وما دام هذا الدواء سيؤخذ بإرشاد طبيب ومتابعته، فلا مانع من ذلك.
ولا يكفي تعديل الجانب السلوكي والتربوي، بل لا بد من الأمرين معاً: العلاج الكيميائي، والعلاج النفسي، وذلك لأن هذا المرض يؤثر على التركيبة الكيمائية للمخ فلا بد من العلاج الكيميائي" انتهى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1981
المقصود بجملة " اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان "
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك ما يعرف بـ " اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان " , فهل هناك ما يثبت ذلك من الكتاب والسنَّة النبوية؟ . أفيدونا، أفادكم الله , وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
مسألة " اختلاف – أو تغيُّر - الفتوى باختلاف الزمان والمكان ": لنا معها وقفات:
١. يجب أن يُعلم أن الأحكام الشرعية المبنية على الكتاب والسنَّة: غير قابلة للتغيير، مهما اختلف الزمان، والمكان، فتحريم الخمر، والزنا، والربا، وعقوق الوالدين، وما يشبه ذلك من الأحكام: لن يكون حلالاً في زمان، أو في مكان؛ لثبوت تلك الأحكام الشرعية بنصوص الوحي، ولاكتمال التشريع بها.
٢. اتخذ بعض أهل الأهواء من تلك الجملة مطية لهم للعبث بالأحكام الشرعية الثابتة بنصوص الوحي المطهَّر، ولتمييع الدين من خلال تطبيقها على أحكام قد أجمع أهل العلم على حكمها منذ الصدر الأول، ولا يسلم لهم الاستدلال بها، فهي لا تخدم أغراضهم، وإنما نص الجملة في " الفتوى "، لا في " الأحكام الشرعية "، وبينهما فرق كبير، فالأول في مسائل الاجتهاد، وما كان بحسب الواقع، فاختلاف الواقع والزمان له تأثير في الفتوى باحتمال تغيرها.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀:
وحكم الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان، وتطور الأحوال، وتجدد الحوادث؛ فإنه ما من قضية، كائنة ما كانت، إلا وحكمها في كتاب الله تعالى، وسنَّة رسوله ﷺ ، نصّاً أو ظاهراً أو استنباطاً أو غير ذلك، علِم ذلك مَن علمهُ، وجهله من جهله، وليس معنى ما ذكره العلماء من " تغير الفتوى بتغير الأحوال ": ما ظنه من قَلَّ نصيبهم - أو عُدم - من معرفة مدارك الأحكام وعِلَلها، حيث ظنوا أن معنى ذلك بحسب ما يلائم إراداتهم الشهوانية البهيمية، وأغراضهم الدنيوية، وتصوراتهم الخاطئة الوبية، ولهذا تجدهم يحامون عليها، ويجعلون النصوص تابعة لها، منقادة إليها، مهما أمكنهم، فيحرفون لذلك الكلِم عن مواضعه، وحينئذ معنى " تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمان ": مراد العلماء منه: ما كان مستصْحَبة فيه الأصول الشرعية، والعلل المرعية، والمصالح التي جنسها مراد لله تعالى، ورسوله ﷺ .
" فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم " (١٢ / ٢٨٨، ٢٨٩) .
٣. القول بتغير الأحكام الشرعية الثابتة بالوحي يعني تجويز تحريف الدِّين، وتبديل أحكامه، والقول بذلك يعني تجويز النسخ بعد كمال التشريع، ووفاة النبي ﷺ ، وليُعلم أن الإجماع نفسه لا يمكن أن ينسخ حكماً ثابتاً في الشرع إلا أن يكون مستنده النص، فإن لم يكن كذلك – وهو غير واقع في حقيقة الأمر -: كان القول به تجويزا لتبديل الشريعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
وكنا نتأول كلام هؤلاء على أن مرادهم أن " الإجماع " يدل على نص ناسخ، فوجدنا من ذُكر عنهم: أنهم يجعلون الإجماع نفسه ناسخاً! فإن كانوا أرادوا ذلك: فهذا قول يجوِّز تبديل المسلمين دينَهم بعد نبيِّهم، كما تقول النصارى مِن: أن المسيح سوَّغ لعلمائهم أن يحرِّموا ما رأوا تحريمه مصلحة، ويحلوا ما رأوا تحليله مصلحة، وليس هذا دين المسلمين، ولا كان الصحابة يسوِّغون ذلك لأنفسهم، ومَن اعتقد في الصحابة أنهم كانوا يستحلون ذلك: فإنه يستتاب، كما يستتاب أمثاله، ولكن يجوز أن يجتهد الحاكم، والمفتي، فيصيب، فيكون له أجران، ويخطئ، فيكون له أجر واحد.
" مجموع الفتاوى " (٣٣ / ٩٤) .
وهذا من أعظم خصائص الشريعة وأحكامها القطعية.
قال الإمام الشاطبي ﵀ في بيان ميزات أحكام التشريع القطعية -:
الثبوت من غير زوال، فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخاً، ولا تخصيصاً لعمومها، ولا تقييداً لإطلاقها، ولا رفعاً لحكم من أحكامها، لا بحسب عموم المكلفين، ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمان دون زمان، ولا حال دون حال، بل ما أثبت سبباً: فهو سبب أبداً لا يرتفع، وما كان شرطاً: فهو أبداً شرط، وما كان واجباً: فهو واجب أبداً، أو مندوباً: فمندوب، وهكذا جميع الأحكام، فلا زوال لها، ولا تبدل، ولو فُرض بقاء التكليف إلى غير نهاية: لكانت أحكامها كذلك.
" الموافقات " (١ / ١٠٩، ١١٠) .
٤. ضابط فهم هذه العبارة في أمرين:
أ. التغير في الفتوى، لا في الحكم الشرعي الثابت بدليله.
ب. التغير سببه اختلاف الزمان، والمكان، والعادات، من بلد لآخر.
وقد جمعهما الإمام ابن القيم ﵀ في قوله:
" فصل، في تغير الفتوى، واختلافها، بحسب تغير الأزمنة، والأمكنة، والأحوال، والنيات، والعوائد "، والعوائد: جمع عادة، وهو فصل نفيس، ذكر فيه – ﵀ – أمثلة كثيرة، فلتنظر في " إعلام الموقعين " (٣ / ٣ فما بعدها) .
ونضرب على ذلك أمثلة، منها:
١. اللُّقَطة، فإنها تختلف من بلد لآخر، ومن زمان لآخر، في تحديد قيمة ما يجوز التقاطه، وتملكه من غير تعريف، فيختلف الأمر في البلد نفسه، فالمدينة غير القرية، ويختلف باختلاف البلدان، والأزمنة.
٢. زكاة الفطر، ومن المعلوم أن النبي ﷺ قد شرعها طعاماً، بمقدار صاع، وقد نص الحديث على " الشعير "، و " التمر "، و " الإقط "، وهي الآن ليست أطعمة في كثير من البلدان، فالشعير صار طعاماً للبهائم، والتمر صار من الكماليات، والإقط لا يكاد يأكله إلا القليل، وعليه: فيفتي العلماء في كل بلد بحسب طعامهم الدارج عندهم، فبعضهم يفتي بإخراج الأرز، وآخر يفتي بإخراجها ذرة، وهكذا.
فالحكم الشرعي ثابت ولا شك، وهو وجوب زكاة الفطر، وثابت من حيث المقدار، ويبقى الاختلاف والتغير في نوع الطعام المُخرَج.
والأمثلة كثيرة جدّاً، في الطلاق، والنكاح، والأيمان، وغيرها من أبواب الشرع.
وانظر مثالاً صالحاً لهذا في جوابنا على السؤال رقم (١٢٥٨٥٣) .
قال القرافي ﵀:
فمهما تجدد في العُرف: اعتبره، ومهما سقط: أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك: لا تُجْرِه على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وأَجْرِه عليه، وأفته به دون عرف بلدك، ودون المقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح.
والجمود على المنقولات أبداً: ضلال في الدِّين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين، والسلف الماضين، وعلى هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلاق، والعتاق، وجميع الصرائح والكنايات، فقد يصير الصريح كناية فيفتقر إلى النية، وقد تصير الكناية صريحا فتستغني عن النية.
" الفروق " (١ / ٣٢١) .
وقد أثنى ابن القيم ﵀ على هذا الفقه الدقيق فقال – بعد أن نقل ما سبق -:
وهذا محض الفقه، ومَن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عُرفهم، وعوائدهم، وأزمنتهم، وأحوالهم، وقرائن أحوالهم: فقد ضلَّ، وأضل، وكانت جنايته على الدِّين أعظم من جناية مَن طبَّب الناس كلهم على اختلاف بلادهم، وعوائدهم، وأزمنتهم، وطبائعهم، بما في كتابٍ من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل، وهذا المفتي الجاهل: أضر ما يكونان على أديان الناس، وأبدانهم، والله المستعان.
" إعلام الموقعين " (٣ / ٧٨) .
ولينظر جواب السؤال رقم: (٣٩٢٨٦) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1982
هل أُغلق باب الاجتهاد ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل ما زال باب الاجتهاد مفتوحاً؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" الاجتهاد لغة: مأخوذ من الجَهد، وهو المشقة، أو الوسع، أو الطاقة.
وأما الاجتهاد عند علماء الفقه، أو الأصول: فقد عرَّفوه بتعاريف متقاربة في ألفاظها، ومعانيها، وكلها تدور حول بذل الجَهد، والطاقة لمعرفة الحكم الشرعي من دليله.
وأدق ما قيل في تعريفه: "إن الاجتهاد هو: بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظنِّي" انتهى.
" الموسوعة الفقهية " (١ / ١٨، ١٩) .
ولم تزل الأمة تمر عليها النوازل، ويحتاج المسلمون إلى معرفة حكم الله تعالى فيها، ولا يتم ذلك إلا بالاجتهاد في النظر في الأدلة الشرعية لمعرفة الحكم الشرعي لها.
وقد اجتهد الصحابة ﵃ في معرفة الأحكام الشرعية، واجتهد التابعون ومن بعدهم العلماء ونُقلت إلينا اجتهاداتهم.
وفي أوائل القرن السادس ظهرت الدعوة إلى غلق باب الاجتهاد، وكان من أسباب ذلك: التعصب الذي وُجد في تلك العصور لمذاهب الأئمة، حتى قال البعض بالمنع من الخروج عن أقوال الأئمة المدونة في كتبهم وكتب أتباعهم، فأطلقوا تلك الدعوى (غلق باب الاجتهاد) حتى يقطعوا الطريق أمام من يجتهد في فهم النصوص ويستنبط أحكاماً تخالف ما قاله الأئمة السابقون.
ومما لا شك فيه أن هذه الدعوى غير صحيحة، فهناك الكثير والكثير من المسائل المستجدات يحتاج الناس إلى بيان حكم الله تعالى فيها، ولم يتكلم فيها الأئمة السابقون، لأنها لم تكن موجودة في زمنهم.
فالقول بإغلاق باب الاجتهاد يعني أن يبقى المسلمون لا يعلمون حكم الله في وقائع كثيرة ومسائل كثيرة.
ثم القائل بغلق باب الاجتهاد إنما قال هذا القول اجتهاداً منه، لم يقل به الأئمة السابقون، فكيف يسمح لنفسه بالاجتهاد ويجعل هذا آخر اجتهاد يُقبل من المسلمين، ويعلن إغلاق الباب بعد اجتهاده هذا؟!
وقد ذهب آخرون إلى هذه الدعوة "غلق باب الاجتهاد" لما رأوه من جراءة البعض على الأحكام الشرعية، وصاروا يتلاعبون بالنصوص والأحكام بدعوى الاجتهاد.
ولكن الموقف الصحيح تجاه هؤلاء: أن يُبين خطؤهم وتلاعبهم، ويُكشف تزويرهم وكذبهم، لا أن يُغلق باب الاجتهاد.
وقد وضع العلماء شروطاً وضوابط للاجتهاد حتى يكون مقبولاً، وهذه الشروط تضمن له ألا يتحول الاجتهاد إلى التلاعب بالنصوص، فليست المسألة فوضى، يقول مَنْ شاء ما شاء، بل هناك شروط للاجتهاد، يجب على المجتهد التقييد بها، وإلا كان اجتهاده نوعاً من التلاعب والعبث.
جاء في " الموسوعة الفقهية " (١ / ٤٢، ٤٣) :
"والذي نَدين الله عليه: أنه لا بد أن يكون في الأمة علماء متخصصون، على علمٍ بكتاب الله، وسنَّة رسوله، ومواطن الإجماع، وفتاوى الصحابة، والتابعين، ومن جاء بعدهم، كما ينبغي أن يكونوا على خبرة تامة باللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، ودونت بها السنَّة النبوية، وأن يكونوا قبل ذلك وبعد ذلك على الصراط المستقيم، لا يخشون في الله لومة لائم، لترجع إليهم الأمة فيما نزل بها من أحداث، وما يجدّ من نوازل، وألا يُفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، فيلج فيه من لا يحسن قراءة آية من كتاب الله في المصحف، كما لا يُحسن أن يجمع بين أشتات الموضوع، ويرجح بعضها على بعض.
والذين أفتوا بإقفال باب الاجتهاد إنما نزعوا عن خوفٍ من أن يدَّعي الاجتهاد أمثال هؤلاء، وأن يفتري على الله الكذب، فيقولون هذا حلال وهذا حرام، من غير دليل ولا برهان، وإنما يقولون ذلك إرضاء للحكام، ولقد رأينا بعض من يدَّعي الاجتهاد يتوهم أن القول بكذا وكذا فيه ترضية لهؤلاء السادة، فيسبقونهم بالقول، ويعتمد هؤلاء الحكام على آراء هؤلاء المدعين، فقد رأينا في عصرنا هذا من أفتى بحل الربا الاستغلالي دون الاستهلاكي، بل منهم من قال بحله مطلقاً؛ لأن المصلحة - في زعمه - توجب الأخذ به، ومنهم مَن أفتى بجواز الإجهاض ابتغاء تحديد النل، لأن بعض الحكام يرى هذا الرأي، ويسميه " تنظيم الأسرة "، ومنهم من يرى أن إقامة الحدود لا تثبت إلا على من اعتاد الجريمة الموجبة للحدِّ، ومنهم ... ومنهم ... فأمثال هؤلاء هم الذين حملوا أهل الورع من العلماء على القول بإقفال باب الاجتهاد.
ولكنا نقول: إن القول بحرمة الاجتهاد وإقفال بابه جملة وتفصيلاً لا يتفق مع الشريعة نصّاً وروحاً، وإنما القولة الصحيحة هي إباحته، بل وجوبه على من توفرت فيه شروطه؛ لأن الأمَّة في حاجة إلى معرفة الأحكام الشرعية فيما جدَّ من أحداث لم تقع في العصور القديمة" انتهى.
وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
هل يعتبر باب الاجتهاد في الأحكام الإسلامية مفتوحاً لكل إنسان، أو أن هناك شروطاً لا بد أن تتوفر في المجتهد؟ وهل يجوز لأي إنسان أن يفتي برأيه، دون معرفته بالدليل الواضح؟ فأجابوا:
"باب الاجتهاد في معرفة الأحكام الشرعية لا يزال مفتوحاً لمن كان أهلاً لذلك، بأن يكون عالماً بما يحتاجه في مسألته التي يجتهد فيها، من الآيات والأحاديث، قادراً على فهمهما، والاستدلال بهما على مطلوبه، وعالماً بدرجة ما يستدل به من الأحاديث، وبمواضع الإجماع في المسائل التي يبحثها حتى لا يخرج على إجماع المسلمين في حكمه فيها، عارفاً من اللغة العربية القدر الذي يتمكن به من فهم النصوص؛ ليتأتَّى له الاستدلال بها، والاستنباط منها، وليس للإنسان أن يقول في الدين برأيه، أو يُفتي الناس بغير علم، بل عليه أن يسترشد بالدليل الشرعي، ثم بأقوال أهل العلم، ونظرهم في الأدلة، وطريقتهم في الاستدلال بها، والاستنباط، ثم يتكلم، أو يفتي بما اقتنع به، ورضيه لنفسه ديناً" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (٥ / ١٧، ١٨) .
وذكر الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ في كتابه "الأصول من علم الأصول" شروط الاجتهاد، فقال: "للاجتهاد شروط منها:
١- أن يعلم من الأدلة الشرعية ما يحتاج إليه في اجتهاده كآيات الأحكام وأحاديثها.
٢- أن يعرف ما يتعلق بصحة الحديث وضعفه، كمعرفة الإسناد ورجاله، وغير ذلك.
٣- أن يعرف الناسخ والمنسوخ ومواقع الإجماع حتى لا يحكم بمنسوخ أو مخالف للإجماع.
٤- أن يعرف من الأدلة ما يختلف به الحكم من تخصيص، أو تقييد، أو نحوه حتى لا يحكم بما يخالف ذلك.
٥- أن يعرف من اللغة وأصول الفقه ما يتعلق بدلالات الألفاظ، كالعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين، ونحو ذلك؛ ليحكم بما تقتضيه تلك الدلالات.
٦- أن يكون عنده قدرة يتمكن بها من استنباط الأحكام من أدلتها" انتهى.
"الأصول من علم الأصول" (ص ٨٥، ٨٦) .
وبهذه الشروط يكون الاجتهاد منضبطاً، بعيداً عن التلاعب والهوى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1983
أقوال وأفعال النبي ﷺ قبل البعثة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يعتبر فعل وقول الرسول ﷺ قبل البعثة سنة مثلا زواجه من خديجة ﵂؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
الأصل في أفعال النبي ﷺ قبل البعثة أنها خارجة عن السنة التشريعية، وأنه لا يلزمنا متابعته والائتساء به فيها، إلا ما جاء به شرعه ـ بعد البعثة ـ بمشروعيتها، إما على جهة الوجوب أو الاستحباب، من نحو (الوفاء بالوعد، وإعانة الملهوف، وإكرام الضيف، والإعانة على نوائب الحق، ونحو ذلك) فيلزمنا الاقتداء به فيه؛ لأنه صار شريعة لنا بعد نبوته، لا لمجرد أنه ﵊ فعله قبل النبوة، وعلى هذا فيوجد في أفعاله ﷺ قبل البعثة ما لا يلزم اتباعه فيه، إما لأنه لم يثبت في حقنا تشريعه، وإما لورود ما ينسخه ويعارضه بعد البعثة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والأمور التي جرت قبل النبوة لا تذكر للأخذ والتشريع كفعله بعد النبوة , لأن المسلمين أجمعوا على أن الذي فرض على العباد من الإيمان به ﷺ ، والعمل بما جاء به، إنما ذلك لما كان بعد النبوة.
ولهذا كان عندهم: من ترك الجمعة والجماعة، وتخلى في الغيران والكهوف والجبال، حيث لا جمعة ولا جماعة، وزعم أنه يقتدي بالنبي صلى الله عليه لكونه كان متحنثا في غار حراء قبل النبوة، فترك ما شرع له من العبادات الشرعية التي أمر الله بها ورسوله، واقتدى بما كان يفعل قبل النبوة ـ كان مخطئا؛ فإن النبي ﷺ بعد أن أكرمه الله بالنبوة، لم يكن يفعل ما فعله قبل ذلك، من حيث التحنث في غار حراء أو نحو ذلك.
ولم يكن أحد من أصحابه صلوات الله عليه من بعده، يأتي لغار حراء، ولا يتخلفون عن الجمعة والجماعة في الأماكن المنقطعة، ولا عمل أحد منهم خلوة أربعينية، كما يفعله بعض المتأخرين، بل كانوا يعبدون الله بالعبادات الشرعية التي شرعها لهم النبي ﵌ " ا. هـ من مجموع الفتاوى (١٨ / ١٠) .
وأما المحدِّثون فإنهم يعتنون بذكر ما ورد عنه ﷺ في كل وقت، ولو كان قبل البعثة، فهي تدخل في السنة على تعريف المحدثين، الذين يعتبرون كل ما نقل عن النبي ﷺ سنة، فيروونه في كتبهم بناء على ذلك.
انظر: أفعال الرسول ﷺ ودلالتها على الأحكام، للدكتور محمد العروسي (١٤٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1984
هل يشرع قصد ما فيه مشقة لزيادة الأجر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت في إجابة السؤال (١١٣٣٨٥) (لا يؤجر المكلف على المشقة إذا قصدها، وإنما يؤجر عليها إذا كانت مقارنة للفعل المكلف به، وذلك أن المشقة ليست مقصودة لذاتها) ، وأشكل علي حديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: (كَانَ رَجُلٌ لَا أَعْلَمُ رَجُلًا أَبْعَدَ مِنْ الْمَسْجِدِ مِنْهُ وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ صَلَاةٌ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ، أَوْ قُلْتُ لَهُ لَوْ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ وَفِي الرَّمْضَاءِ، قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ) ، فقد أقره النبي ﷺ على ترك شراء الدابة طلباً لزيادة الثواب.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قد علم من أصول الشريعة أن الشارع لا يقصد بالتكليف المشقة، بل يريد ما فيه مصلحة المكلف في العاجلة والآجلة، وقد يقتضي ذلك تكليفه بما فيه مشقة كالجهاد، وحينئذ يزيد له الشارع في الأجر، ترغيبا له في أداء العمل.
قال الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) البقرة/١٨٥، وقال: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) الحج/٧٨.
وقال النبي ﷺ : (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا) رواه البخاري (٣٩) .
وقد رغب الشارع في قصد المساجد للصلاة، ورتب عليه الثواب، وجعل كل خطوة يخطوها المصلي إلى المسجد له بها حسنة، فمن كان بيته بعيدا ومشى إلى المسجد كتب له ممشاه، وزيد في أجره لما يلحقه من المشقة، لكن هذا لا يدل على أن المشقة تقصد ابتداء، لا من الشارع ولا من المكلف.
والحديث الذي ذكرت يدل على فضل المشي إلى المسجد، وأن الماشي يؤجر على هذا ما لا يؤجره الراكب، وقد ثبت هذا الفضل بنصوص أخر، كالحديث الذي رواه مسلم (٦٥٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: خَلَتْ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: لَهُمْ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ، قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ، فَقَالَ: (يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ) .
والعلة في ترغيب النبي ﷺ لهم في البقاء في ديارهم البعيدة، ليست إلحاق المشقة بهم، ولا قصد المشقة ليثابوا عليها، وإنما العلة هي كراهة أن تصير المدينة خالية إذا تحول الناس جميعا إلى قرب المسجد، وقد جاء النص على ذلك، فيما رواه البخاري (١٨٨٧) عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُعْرَى الْمَدِينَةُ، وَقَالَ: (يَا بَنِي سَلِمَةَ أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ فَأَقَامُوا) .
وقوله (تعرى المدينة) أي تصير خالية.
ومن فقه البخاري ﵀ أنه ترجم للحديث بترجمتين، الأولى في احتساب الآثار، والثانية في كراهة النبي ﷺ أن تعرى المدينة.
قال الحافظ في الفتح: " قَوْله: (بَاب كَرَاهِيَة النَّبِيّ ﷺ أَنَّ تُعْرَى الْمَدِينَة) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة بَنِي سَلَمَة، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي " بَاب اِحْتِسَاب الْآثَار " فِي أَوَائِل صَلَاة الْجَمَاعَة. (تَنْبِيه) : تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ بِالتَّعْلِيلَيْنِ , فَتَرْجَمَ فِي الصَّلَاة بِاحْتِسَابِ الْآثَار لِقَوْلِهِ ﷺ " مَكَانَكُمْ تُكْتَب لَكُمْ آثَاركُمْ " وَتَرْجَمَ هُنَا بِمَا تَرَى لِقَوْلِ الرَّاوِي " فَكَرِهَ النَّبِيّ ﷺ أَنْ تُعْرَى الْمَدِينَة " وَكَأَنَّهُ ﷺ اِقْتَصَرَ فِي مُخَاطَبَتهمْ عَلَى التَّعْلِيل الْمُتَعَلِّق بِهِمْ لِكَوْنِهِ أَدْعَى لَهُمْ إِلَى الْمُوَافَقَة " انتهى.
" فتح الباري " (٤/٩٩) .
فحصول المشقة والبعد ليس مقصودا، لكن من كان بعيدا كتب له أجر ممشاه.
يقول الإمام الشاطبي ﵀: " المشقة ليس للمكلف أن يقصدها في التكليف نظرا إلى عظم أجرها، وله أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته، من حيث هو عمل:
أما هذا الثاني؛ فلأنه شأن التكليف في العمل كله؛ لأنه إنما يقصد نفس العمل المترتب عليه الأجر، وذلك هو قصد الشارع بوضع التكليف به، وما جاء على موافقة قصد الشارع هو المطلب.
وأما الأول؛ فإن الأعمال بالنيات، والمقاصد معتبرة في التصرفات كما يذكر في موضعه إن شاء الله، فلا يصلح منها إلا ما وافق قصد الشارع، فإذا كان قصد المكلف إيقاع المشقة، فقد خالف قصد الشارع، من حيث إن الشارع لا يقصد بالتكليف نفس المشقة، وكل قصد يخالف قصد الشارع باطل، فالقصد إلى المشقة باطل، فهو إذن من قبيل ما ينهى عنه، وما ينهى عنه لا ثواب فيه، بل فيه الإثم إن ارتفع النهي عنه إلى درجة التحريم، فطلب الأجر بقصد الدخول في المشقة قصد مناقض.
فإن قيل: هذا مخالف لما في " الصحيح " من حديث جابر ﵁ قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال لهم: " إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا إلى قرب المسجد ". قالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك، فقال: " بني سلمة! دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم ".
في رواية: فقالوا: ما كان يسرنا أنا كنا تحولنا. وفي رواية عن جابر ﵁، قال: كانت ديارنا نائية عن المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقترب من المسجد، فنهانا رسول الله ﷺ ، فقال: " إن لكم بكل خطوة درجة ".
وفي " رقائق ابن المبارك " عن أبي موسى الأشعري ﵁: أنه كان في سفينة في البحر مرفوع شراعها، فإذا رجل يقول: " يا أهل السفينة قفوا سبع مرار، فقلنا: ألا ترى على أي حال نحن؟ ثم قال في السابعة: " لقضاء قضاه الله على نفسه أنه من عطش لله نفسه في يوم حار من أيام الدنيا شديد الحر، كان حقا على الله أن يرويه يوم القيامة ".
فكان أبو موسى ﵁ يتتبع اليوم المعمعاني الشديد الحر فيصومه.
وفي الشريعة من هذا ما يدل على أن قصد المكلف إلى التشديد على نفسه في العبادة، وسائر التكاليف صحيح مثاب عليه، فإن أولئك الذين أحبوا الانتقال أمرهم ﵊ بالثبوت لأجل عظم الأجر بكثرة الخطا، فكانوا كرجل له طريقان إلى العمل: أحدهما سهل، والآخر صعب، فأُمِرَ بالصعب ووُعِدَ على ذلك بالأجر، بل جاء نهيهم عن ذلك إرشادا إلى كثرة الأجر.
وتأمل أحوال أصحاب الأحوال من الأولياء، فإنهم ركبوا في التعبد إلى ربهم أعلى ما بلغته طاقتهم، حتى كان من أصلهم الأخذ بعزائم العلم، وترك الرخص جملة، فهذا كله دليل على خلاف ما تقدم.
وفي "الصحيح" أيضا عن أبي بن كعب ﵁، قال: كان رجل من الأنصار بيته أقصى بيت في المدينة، فكان لا تخطئه الصلاة مع رسول الله ﷺ ، قال: فتوجعنا له، فقلنا له: يا فلان! لو أنك اشتريت حمارا يقيك من الرمضاء، ويقيك من هوام الأرض؟ فقال: أما والله ما أحب أن بيتي مطنب ببيت رسول الله ﷺ .
قال: فحملت به حتى أتيت نبي الله ﷺ فأخبرته، قال: فدعاه، فقال له مثل
ذلك، وذكر أنه يرجو له في أثره الأجر، فقال النبي ﷺ : " إن لك ما احتسبت "، فالجواب أن نقول:
أولا: إن هذه أخبار آحاد في قضية واحدة لا ينتظم منها استقراء قطعي، والظنيات لا تعارض القطعيات، فإن ما نحن فيه من قبيل القطعيات.
ثانيا: إن هذه الأحاديث لا دليل فيها على قصد نفس المشقة، فالحديث الأول قد جاء في "البخاري" ما يفسره، فإنه زاد فيه: " وكره أن تعرى المدينة قِبَلَ ذلك، لئلا تخلو ناحيتهم من حراستها "، وقد روي عن مالك بن أنس أنه كان أولا نازلا بالعقيق، ثم نزل إلى المدينة وقيل له عند نزوله العقيق: لم تنزل العقيق فإنه يشق بعده إلى المسجد؟ فقال: بلغني أن النبي ﷺ كان يحبه ويأتيه، وأن بعض الأنصار أرادوا النقلة منه إلى قرب المسجد، فقال له النبي ﷺ : " أما تحتسبون خطاكم "، فقد فهم مالك أن قوله: " ألا تحتسبون خطاكم " ليس من جهة إدخال المشقة، ولكن من جهة فضيلة المحل المنتقل عنه.
وأما حديث ابن المبارك فإنه حجة من عمل الصحابي إذا صح سنده عنه، ومع ذلك فإنما فيه الإخبار بأن عظم الأجر ثابت لمن عظمت مشقة العبادة عليه، كالوضوء عند الكريهات، والظمأ والنصب في الجهاد، فإذن اختيار أبي موسى ﵁ للصوم في اليوم الحار كاختيار من اختار الجهاد على نوافل الصلاة والصدقة ونحو ذلك، لا أن فيه قصد التشديد على النفس؛ ليحصل الأجر به، وإنما فيه قصد الدخول في عبادة عظم أجرها؛ لعظم مشقتها، فالمشقة في هذا القصد تابعة لا متبوعة، وكلامنا إنما هو فيما إذا كانت المشقة في القصد غير تابعة، وكذلك حديث الأنصاري ليس فيه ما يدل على قصد التشديد، وإنما فيه دليل على قصد الصبر على مشقة بعد المسجد ليعظم أجره، وهكذا سائر ما في هذا المعنى.
وأما شأن أرباب الأحوال، فمقاصدهم القيام بحق معبودهم، مع اطراح النظر في حظوظ نفوسهم، ولا يصح أن يقال: إنهم قصدوا مجرد التشديد على النفوس واحتمال المشقات، لما تقدم من الدليل عليه، ولما سيأتي بعدُ إن شاء الله.
ثالثا: إن ما اعتُرِض به معارَض بنهي رسول الله ﷺ الذين أرادوا التشديد بالتبتل، حين قال أحدهم: أما أنا، فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أما أنا، فأقوم ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا، فلا آتي النساء، فأنكر ذلك عليهم وأخبر عن نفسه أنه يفعل ذلك كله، وقال: " من رغب من سنتي، فليس مني "، وفي الحديث: " وردَّ النبي ﷺ التبتل على عثمان بن مظعون، ولو أذن له لاختصينا "، وردَّ ﷺ على من نذر أن يصوم قائما في اشمس، فأمره بإتمام صيامه، ونهاه عن القيام في الشمس "، وقال: " هلك المتنطعون "، ونهيه عن التشديد شهير في الشريعة، بحيث صار أصلا فيها قطعيا، فإذا لم يكن من قصد الشارع التشديد على النفس، كان قصد المكلف إليه مضادا لما قصد الشارع من التخفيف المعلوم المقطوع به، فإذا خالف قصده قصد الشارع، بطل ولم يصح، وهذا واضح، وبالله التوفيق " انتهى.
"الموافقات" (٢/٢٢٢-٢٢٩) .
على أن الذي يترجح عندنا من الجواب عن أحاديث المشي إلى الصلاة، كهذا الذي ذكره السائل، وغيره مما أخبر فيه النَّبِيُّ ﷺ أن (أَعْظَم النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الَّذِي يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ) رواه البخاري (٦٥١) ومسلم (٦٦٢) ، ونحو ذلك، الذي يترجح أن نفسي المشي إلى الصلاة، وكثرة الخطا إلى المساجد، هي عبادة في نفسها، كما أن الطواف حول البيت عبادة مقصودة في نفسها، والسعي بين الصفا والمروة عبادة مقصودة في نفسها.
ويدل على ذلك الأحاديث الكثيرة التي وردت في فضل المشي، وتكثير الخطا إلى المساجد، وتفضيل المسجد البعيد.
ولذلك قيد الفضل في المشي إلى الجمعة بترك الركوب: عن أَوْس بْن أَوْسٍ الثَّقَفِيُّ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنْ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا) رواه أبو داود (٣٤٥) ، وصححه الألباني.
وفي حديث اختصام الملأ الأعلى: (.. وَالْكَفَّارَاتُ: الْمُكْثُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَالْمَشْيُ عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ..) رواه أحمد (٣٤٧٤) والترمذي (٣٢٣٣) ، وصححه الألباني.
قال ابن رجب ﵀ "فتح الباري، لابن رجب" (٥/٢١) : " وقد دلت هذه الأحاديث عَلَى أن المشي إلى المساجد يكتب لصاحبه أجرهُ، وهذا مِمَّا تواترت السنن بِهِ " انتهى.
وإلى ذلك يشير الشاطبي ﵀ فيما سبق، بأن مثل هذه المشقة تابعة، لا متبوعة، والمقصود إنما هو هذا العمل، الذي اتفق أن مشقته زائدة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1985
ما هي الأحاديث التي تصلح دليلا شرعيا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي الأحاديث التي يتم الأخذ بها والاستدلال بها شرعا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأحاديث التي يجب الأخذ بها والاستدلال بها هي الأحاديث المقبولة: الصحيحة أو الحسنة، أما الأحاديث الضعيفة أو المكذوبة فلا يجوز الاستدلال بها على الحكم الشرعي:
قال الإمام الشافعي ﵀ في "الرسالة" (ص/٤٦٣) :
" ويجب أن يقبل الخبر في الوقت الذي ثبت فيه، وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر " انتهى. يعني: متى ثبت الحديث عن النبي ﷺ وجب العمل به.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل:
" سألت أبي عن الرجل يكون عنده الكتب المصنفة، فيها قول رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين، وليس للرجل بَصَرٌ بالحديث الضعيف المتروك، ولا الإسناد القوي عن الضعيف، فيجوز أن يعمل بما شاء ويتخير منها فيفتي به ويعمل به؟
قال: لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح، ويسأل عن ذلك أهل العلم " انتهى.
"إعلام الموقعين" (٤/١٧٩)
وقال الإمام مسلم ﵀:
" اعلم رحمك الله أن صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة، لأنهم الحفاظ لروايات الناس العارفين بها دون غيرهم إذ الأصل الذي يعتمدون لأديانهم: السنن والآثار المنقولة من عصر إلى عصر من لدن نبينا ﷺ إلى عصرنا هذا " انتهى.
"التمييز" (ص/٢١٨)
وقال الإمام السرخسي ﵀:
" ترك العمل بالحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ حرام، كما أن العمل بخلافه حرام " انتهى.
"أصول السرخسي" (٢/٧) .
وقال النووي ﵀:
" قال العلماء: الحديث ثلاثة أقسام , صحيح , وحسن , وضعيف. قالوا: وإنما يجوز الاحتجاج من الحديث في الأحكام بالحديث الصحيح أو الحسن، فأما الضعيف فلا يجوز الاحتجاج به في الأحكام والعقائد، وتجوز روايته والعمل به في غير الأحكام، كالقصص , وفضائل الأعمال , والترغيب والترهيب " انتهى.
"المجموع" (١/٩٨) .
وقال الحافظ ابن رجب ﵀:
" فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان " انتهى.
"فضل علم السلف" (ص/٥٧) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" لا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (١/٢٥٠) .
وقال العلامة زكريا الأنصاري ﵀:
" من أراد الاحتجاج بحديث من السنن أو المسانيد إن كان متأهلا لمعرفة ما يحتج به من غيره فلا يحتج به حتى ينظر في اتصال إسناده وأصول رواته، وإلا فإن وجد أحدا من الأئمة صححه أو حسنه فله تقليده، وإلا فلا يحتج به " انتهى.
"فتح الباقي شرح ألفية العراقي"
وانظر جواب السؤال رقم (١١٥١٢٥) لمعرفة حكم من يرد الحديث الصحيح.
و (٧٩١٦٣) لمعرفة شروط الحديث الصحيح.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1986
يستحب قراءة سورتي الكافرون والإخلاص في سنتي الفجر والمغرب
[السُّؤَالُ]
ـ[هل قراءة سورتي الكافرون والإخلاص في أول النهار وآخره، أي: في ركعتي السنة في الفجر والمغرب مستحبة وسنة عن رسول الله ﷺ ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نعم، يستحب قراءة سورتي "الكافرون" و "الإخلاص" في سنة الفجر وفي سنة المغرب، وقد ثبت ذلك في السنة الصحيحة عن النبي ﷺ :
فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ (قَرَأَ فِي رَكعَتَي الفَجرِ "قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ " و " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ") رواه مسلم (٧٢٦) .
وعن ابن عمر ﵄ قال: (رَمَقتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِشرِينَ مَرَّةً يَقرَأُ فَي الرَّكعَتَينِ بَعدَ المَغرِبِ، وَفِي الرَّكعَتَينِ قَبلَ الفَجرِ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ " و " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ") رواه النسائي (٩٩٢) وقال النووي في "المجموع" (٣/٣٨٥) : إسناده جيد. وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٣٣٢٨) والشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند (٨/٨٩) .
قال المباركفوري في "تحفة الأحوذي" (٢/٤١٨) :
" أي: يقرأ في الركعة الأولى منهما " قل يا أيها الكافرون"، وفي الثانية " قل هو الله أحد " انتهى.
وقد نص العلماء على استحباب قراءة هاتين السورتين في سنتي الفجر والمغرب، عملاً بهذه الأحاديث.
انظر: "المغني" (١/٤٣٥) ، "مغني المحتاج" (١/٤٦٤) ، "الفتاوى الفقهية الكبرى" (١/١٩٢) ، الموسوعة الفقهية (٢٧/١٥٩) .
ثانيا:
وأما الحكمة من قراءة هاتين السورتين، فلأنهما قد اشتملتا على أنواع التوحيد الثلاثة، فسورة "قل هو الله أحد" اشتملت على توحيد الربوبية والأسماء والصفات، فأثبتت أن الله تعالى إله واحد، ونفت عنه الولد والوالد والنظير، وهو مع هذا "الصمد" الذي اجتمعت له صفات الكمال كلها.
وسورة "قل يا أيها الكافرون" تضمنت توحيد العبادة، وأن العبد لا يعبد إلا الله، ولا يشرك به في عبادته أحداً، فلذلك " كان الرسول ﷺ يفتتح بهما النهار في سنة الفجر، ويختم بهما في سنة المغرب، وفي السنن أنه كان يوتر بهما، فيكونان خاتمة عمل الليل كما كانا خاتمة عمل النهار " انتهى.
قاله ابن القيم في "بدائع الفوائد" (١/١٤٥-١٤٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1987
موقفنا من اختلاف الأئمة في مسألة تغطية الوجه
[السُّؤَالُ]
ـ[بصراحة قضية مهمة تؤرقني، وهي ما معنى اختلاف الأئمة في قضية معينة؟ فإذا قلت لشخص ما إن الشيخ فلان قال إن ذلك الشيء حرام، قال لي: إن هذا في مذهبه هو، أو مذهب بلاده، ونحن نتبع مذهبا آخر يقول إنه حلال، وهذا التفكير أوصلني إليه قضية الحجاب معي، فمثلا البلد الذي أنتمي إليه مذهبه المالكية الذي يقول أئمته إن (مَا ظَهَرَ مِنْهَا) هو الوجه والكفان، أضف إلى ذلك أن الخمار شبه محرم في بلدي، يعني لا يمكن أبدا أن تمارس به حياتك اليومية، كالذهاب به إلى العمل أو المدرسة، وهناك قرارات تمنعه هو والقفازات، رغم أني شخصيا مقتنعة تمام الاقتناع بالخمار، ولكني لا أستطيع أبدا ارتداءه، فما حكمك في ذلك؟ لأني كلما سمعت أشرطة الحجاب للمشايخ الذين من مذهب آخر، أحس أن حجابي ليس شرعيّاً، وأفهم من كلامهم أني الآن سافرة ومتبرجة ومسببة للفتنة في هذه الأمة، فماذا نفعل ونحن حيارى بين هذا وهذا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
كان المسلمون في زمن الوحي يتلقون أحكام الدين عن النبي ﷺ من خلال آيات القرآن الكريم وأحاديثه النبويَّة الشريفة، ولذلك لم يقع الخلاف بينهم إلا في أشياء يسيرة، وإن وقع فإن النبي ﷺ كان يبين لهم وجه الصواب.
ثم لما توفي النبي ﷺ وانتشر الصحابة في الآفاق يعلِّمون الناس الدِّين ظهر الخلاف في بعض مسائل الفقه التي احتاج الناس إليها على اختلاف مكانهم وزمانهم، وكان لهذا الخلاف مجموعة من الأسباب، نلخصها هنا من كلام أهل العلم:
١. أن يكون الدليل لم يبلغ هذا المخالف الذي أخطأ في حكمه.
٢. أن يكون الحديث قد بلغ العالِم، ولكنه لم يثق بناقله، ورأى أنه مخالف لما هو أقوى منه، فأخذ بما يراه أقوى منه.
٣. أن يكون الحديث قد بلغه ولكنه نسيه.
٤. أن يكون بَلَغَهُ وفهم منه خلاف المراد.
٥. أن يكون قد بلغه الحديث، لكنه منسوخ، ولم يعلم بالناسخ.
٦. أن يعتقد أنه معارض بما هو أقوى منه من نص أو إجماع.
٧. أن يأخذ العالِم بحديث ضعيف أو يستدل استدلالاً ضعيفاً.
وينظر في تفصيل هذه الأسباب، وذِكر غيرها: " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " لشيخ الإسلام ابن تيمية " و " الخلاف بين العلماء أسبابه وموقفنا منه " للشيخ العثيمين.
ونظن بهذا الذي سقناه من أسباب الخلاف بين العلماء أن معنى اختلاف الأئمة في مسائل الفقه أصبح ظاهراً عندكِ إن شاء الله.
ثانياً:
ما هو موقف المسلم تجاه الخلاف الذي يكون بين العلماء؟ وبعبارة أخرى: بأي قول يأخذ المسلم من أقوال أهل العلم التي اختلفوا إليها؟ الجواب فيه تفصيل:
١. إذا كان المسلم ممن درس العلم الشرعي وتعلم أصوله وقواعده، ويستطيع أن يميز الخطأ من الصواب من أقوال أهل العلم: فإن الواجب عليه أن يتبع ما يراه صوابا، ويترك ما يراه خطأ.
٢. أما إذا كان من العامة، أو ممن لم يدرسوا العلم الشرعي، وعليه: فهو لا يفرِّق بين صواب الأقوال وخطئها: فهذا الواجب في حقه أن يأخذ بفتوى من يثق بعلمه وأمانته ودينه من أهل العلم، سواء كانوا من أهل بلده أو من غيره، ولا يضره اختلاف العلماء بعد ذلك، فلا يجب عليه أن يغير ما يعمل به لأنه سمع عالما آخر يفتي بخلاف من أفتاه سابقا، إلا أن يكون ما علِمه بعد ذلك هو الحق بناءً على ثقته بالمفتي الآخر بدينه وعلمه.
يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
" الواجب على مَن علِم بالدليل أن يتبع الدليل، ولو خالف مَن خالف من الأئمة، إذا لم يخالف إجماع الأمة.
ومَن ليس عنده علم: فهذا يجب عليه أن يسأل أهل العلم لقوله تعالى: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لَا تَعْلَمُونَ) يسأل مَن يراه أفضل في دينه وعلمه، لا على سبيل الوجوب؛ لأن من هو أفضل قد يخطئ في هذه المسألة المعينة، ومن هو مفضول قد يصيب فيها الصواب، فهو على سبيل الأولوية، والأرجح: أن يسأل من هو أقرب إلى الصواب لعلمه وورعه ودينه ".
انتهى باختصار من كتابه " الخلاف بين العلماء " (ص ١٥ – ١٧) .
وانظري جواب السؤال رقم (٨٢٩٤) و (١٠٦٤٥) .
ثالثا:
فإن سألت عن قولنا في مسألة غطاء الوجه: فالراجح من أقوال أهل العلم عندنا هو وجوب ستر الوجه عن الرجال الأجانب، وقد جاءت بذلك الأدلة الكثيرة وأقوال جماهير أهل العلم، ومنهم المالكية، فقد قال كثير منهم إنَّ المرأة لا يجوز لها كشف وجهها أمام الرِّجال الأجانب، لا لكونه عورة، بل لأنَّ الكشف مظنَّة الفتنة، وبعضهم يراه عورة مطلقاً، لذلك فإنَّ النِّساء - في مذهبهم - ممنوعات من الخروج سافرات عن وجوههنَّ أمام الرجال الأجانب.
قال الله : (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) الأحزاب/١٨.
قال القاضي أبو بكر بن العربيِّ المالكي – ﵀:
" المرأة كلُّها عورة، بدنها وصوتها، فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة أو لحاجة، كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها، أو سؤالها عمَّا يعّ ويعرض عندها " انتهى.
" أحكام القرآن " لابن العربي (٣ / ١٥٧٨، ١٥٧٩) .
وقال القرطبي – ﵀ – وهو مالكي أيضاً:
" في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مسألتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض، أو مسألة يستفتين فيها، ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى، وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة: بدنها وصوتها - كما تقدم - فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها، أو سؤالها عما يعرض وتعيَّن عندها " انتهى.
في " الجامع لأحكام القرآن " (١٤ / ٢٢٧) .
ولمطالعة مزيد من أقول الفقهاء المالكية في وجوب تغطية المرأة وجهها، يُنظر: " المعيار المعرب " للونشريسي (١٠ / ١٦٥ و ١١ / ٢٢٦ و ٢٢٩) و " مواهب الجليل " للحطّاب (٣ / ١٤١) و " الذّخيرة " للقرافي (٣ / ٣٠٧) و " حاشية الدسوقي على الشرح الكبير " (٢ / ٥٥) .
وقد سبق في موقعنا ذكر المسألة بأدلتها في أكثر من إجابة، فانظر أجوبة الأسئلة: (١١٧٧٤) ، (١٢٥٢٥) ، (١٣٩٩٨) ، (٢١١٣٤) ، (٢١٥٣٦) .
رابعاً:
أما ما ذكرتِ من منع القوانين عندكم من تغطية المرأة وجهها: فذلك مما يدمَى له القلب، وتأسف له النفس، أن يحارب الستر والعفاف، ويشجع التبرج والسفور في كل مكان، وخاصة إذا كان ذلك في بلاد تنتسب للإسلام.
فإذا كانت القوانين تمنع من ستر المرأة، وخشيتم من الأذى بسبب لبس غطاء الوجه: فلا حرج عليكم حينئذ من تركه، على أن يكون ذلك بقدر الضرورة، فلا تخرج المرأة من بيتها كاشفة وجهها إلا لحاجة، وإن استطاعت أن تخالف القوانين وتحتمل الأذى اليسير فلتفعل، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وانظري جواب السؤال رقم (٢١٩٨) و (٤٥٦٧٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1988
مرض " نقص الانتباه " عند الأطفال؟ وهل يجوز تناول دواء " الريالتين " له ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو حكم الإسلام في إعطاء " الريتالين " لطفلة تم تشخيص حالتها على أنها تعانى من اضطراب " نقص الانتباه "، وتجد الطفلة صعوبة في التعلم، ولا تستطيع التركيز لفترات طويلة، ولهذا فقد وصف لها طبيب أطفال " الريتالين "، والوالدان في غاية الحيرة، ويعارضان إعطاءه لطفلتهما؛ لأنه يتسبب في زيادة سرعة الطفلة، لكن الأهم من اهتمامهما بمصلحة الطفلة فهما لا يريدان أن يقترفا إثماً أمام الله . برجاء تقديم العون للوالدين، فهما في أشد الحاجة إليها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
تعريف المرض – واختصاره ADD، أو ADHD -:
جاء في " الموسوعة العربية العالمية ":
" اعتلال نقص الانتباه " Attention deficit disorder ":
اعتلال نقص الانتباه: مشكلة سلوكية، يجد الذين يعانون منها صعوبة غير معتادة في الانتباه، والجلوس، دون حركة، أو التحكم في اندفاعاتهم العصبية، والمصطلح الرسمي المستخدم للإشارة لهذا الاعتلال هو: " اعتلال نقص الانتباه - فرط النشاط "، وهو أكثر المشاكل السلوكية شيوعاً بين الأطفال، ويبلغ معدل الإصابة بهذا الاعتلال لدى الصبيان أكثر من ضعف معدل الإصابة لدى البنات، ويعاني عدد ملحوظ من المراهقين والراشدين أيضاً من هذا الاعتلال.
... .
ويُظهر الأطفال الذين يعانون من هذا النوع قدراً كبيراً من التململ العصبي، والضجر، ويكونون - في الغالب - من النوع الذي لا يستطيع انتظار دوره لكي يتحدث في الفصل، أو يشارك في النشاط الجماعي، ولا يُظهر الأشخاص الذين يعانون من النوع اللاانتباهي أي علامات جسدية للتململ، والضجر، ولكنهم يجدون صعوبة في التركيز، ويتسم هؤلاء بالنسيان، وعدم النظام، ويفشلون - غالباً - في إكمال فروضهم المدرسية، أو الواجبات الأخرى التي كلفوا بأدائها، وتتعرض الفتيات للإصابة بالنوع اللاانتباهي أكثر من تعرضهن للإصابة بالنوع الذي يتسم بفرط النشاط، ويعاني معظم مرضى " نقص الانتباه - فرط النشاط " من النوع المشترك الذي يجمع بين أعراض كلٍّ من " فرط النشاط " و " النوع اللانتباهي ".
http://mousou٣a.educdz.com/c/c٠٠٠٥٠_١.htm
ومما علمناه من كلام الاختصاصيين في هذا المرض:
١. أنه لم تتفق كلمة الأطباء إلى الآن على الجزم بسبب هذا المرض.
أ. ففي " الموسوعة العربية ":
ويعتقد معظم الخبراء أن لاعتلال نقص الانتباه سبب جسدي لم يتم التعرف عليه بعد. انتهى.
ب. وقال الدكتور خالد التركاوي – استشاري طب الأطفال بالرياض -:
إن أسباب المرض ما زالت غير معروفة، والفرضيات حوله كثيرة، مع وجود بعض الدلائل غير القاطعة التي تشير إلى دور للعوامل الوراثية في ذلك.
جريدة " الشرق الأوسط "، الاثنين ٢٧ جمادى الأولى ١٤٢١ هـ، ٢٨ أغسطس ٢٠٠٠ العدد ٧٩٤٤.
٢- هناك علاجات أخرى تربوية وسلوكية ونفسية ينبغي أن يؤخذ بها مع العلاجات الكيميائية.
أ. ففي "الموسوعة العربية":
ويستفيد الأطفال الذين يعانون من المرض - أيضاً - من تقنية " تعديل السلوك "، وفي هذه المعالجة يساعِد البالغون الأطفالَ على اكتساب التحكم الذاتي، عن طريق توفير الإشراف الحميم، وتقديم المكافآت المتكررة، في مقابل السلوك الملائم.
http://mousou٣a.educdz.com/c/c٠٠٠٥٠_١.htm
وقالوا:
إنَّ تناول "الريتالين" فقط لا يكفي للقضاء على أعراض نقص الانتباه، ومرض النشاط المفرط، فمعظم مرضى هذا المرض في حاجة إلى علاج يتضمن إعمل أساليب نفسية، وسلوكية. انتهى.
http://mousou٣a.educdz.com/c/c٠٠٠٧٨_١.htm
ب. وقال الدكتور خالد بن عوض بازيد - استشاري الطب النفسي - أطفال ومراهقين - مركز الظهران الصحي، مستشفى أرامكو السعودية -:
علاج ADHD:
١. " العلاج السلوكي المعرفي "، حيث يهدف هذا النوع من العلاج إلى إعانة الطفل على تقوية التركيز، وتقليل التشتت الذهني، وتعديل السلوك الاندفاعي من خلال النظام، والتدريب، والوضوح، والتدعيم.
٢. " الإرشاد النفسي التربوي للوالدين والمعلمين والمرشدين الطلابيين " في كيفية التعامل مع الطفل المبتلى بـADHD في البيت، أو المدرسة.
٣. " توفير المناخ التعليمي الخاص للحالات الشديدة "، من خلاله تدريبهم على المهارات الاجتماعية المفقودة، وإعانتهم في تحصيلهم العلمي. انتهى.
http://www.lakii.com/vb/showthread.php?t=١١١٣٦٩
ثالثاً:
أما الدواء الطبي الذي يُستعمل - غالباً - في علاج هذا المرض فهو: " الميثيلفنديت "، والمعروف تجاريّاً باسم " الريتالين ".
أ. ففي " الموسوعة العربية ":
" الريتالين " اسم تجاري لعقار " الميثيلفنديت "، وهو دواء يوصف – غالباً - لعلاج " نقص الانتباه " ومرض " النشاط المفرط ".
... .
ونظراً لشيوع هذا المرض فإن ملايين من الناس يتناولون الريتالين، ويحسِّن هذا الدواء درجة التركيز، ويخفض القلق لمعظم مرضى قصور الانتباه، والنشاط المفرط. انتهى.
http://mousou٣a.educdz.com/c/c٠٠٠٧٨_١.htm
ب. وقال الدكتور حسان المالح - استشاري في الطب النفسي، عضو الجمعية البريطانية للعلاج النفسي والأسري، وعضو الجمعية الأمريكية للطب النفسي -:
العلاج الدوائي:
وهو يتضمن العلاج بالمنشطات النفسية، من زمرة " الأمفيتامين "، وقد بدأ استعمالها منذ ١٩٣٧، ويعتبر مثيلفينيديت (Methylphenidat - Ritalin) أكثرها استعمالاً بعد سن السادسة. انتهى.
http://www.hayatnafs.com/specialtopics/adhd-overview.htm
وقد سألنا الدكتور عمرو هيبة الأستاذ المساعد في كلية الطب جامعة طنطا، والحاصل على الدكتوراة في الأمراض النفسية والعصبية عن "تناول هذا الدواء الريتالين" وعن "أعراضه الجانبية"، وعن "الاكتفاء بالعلاج السلوكي والتربوي والنفسي والاستغناء عن هذا الدواء".
فأفاد بما يلي:
"هذا الدواء "الريتالين" من أحسن الأدوية التي تستعمل في علاج هذا المرض، ونتائجه ممتازة، ولا يسبب الإدمان ...
وأما الأعراض الجانبية، فلا يخلو منها دواء من الأدوية، والشركات المنتجة للأدوية تكتب هذه الأعراض، حتى لا تقع عليها مسؤولية أو يتقدم أحد بشكوى ضدها، وقد تكون هذه الأعراض نسبتها قليلة جداً بحيث لا تكون خطراً.
وما دام هذا الدواء سيؤخذ بإرشاد طبيب ومتابعته، فلا مانع من ذلك.
ولا يكفي تعديل الجانب السلوكي والتربوي، بل لا بد من الأمرين معاً: العلاج الكيميائي، والعلاج النفسي، وذلك لأن هذا المرض يؤثر على التركيبة الكيمائية للمخ فلا بد من العلاج الكيميائي" انتهى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1989
شروط إباحة المحرم عند الضرورة
[السُّؤَالُ]
ـ[أعرف أن من الأمور ما تكون حراماً ثم لظروف معينة تصير حلالاً بدافع الضرورة، أرجو أن تدلني على شروط ذلك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من القواعد المقررة في شريعتنا أن " الضرورات تبيح المحظورات "، وقد دل على هذه القاعدة أدلة كثيرة، من الكتاب، والسنَّة، منها: قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) البقرة/ ١٧٣.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀:
(فَمَنِ اضْطُرَّ) أي: ألجئ إلى المحرَّم، بجوع، أو عدم [يعني: عدم وجود طعام غير الميتة] ، أو إكراه.
(غَيْرَ بَاغٍ) أي: غير طالب للمحرَّم، مع قدرته على الحلال، أو مع عدم جوعه.
(وَلا عَادٍ) أي: متجاوز الحد في تناول ما أبيح له اضطراراً، فمَن اضطر وهو غير قادر على الحلال، وأكل بقدر الضرورة: فلا يزيد عليها.
(فَلا إِثْمَ) أي: جناح عليه، وإذا ارتفع الجناح - الإثم -: رجع الأمر إلى ما كان عليه، والإنسان بهذه الحالة مأمور بالأكل، بل منهي أن يلقي بيده إلى التهلكة، وأن يقتل نفسه، فيجب إذًا عليه الأكل، ويأثم إن ترك الأكل حتى مات، فيكون قاتلاً لنفسه , وهذه الإباحة والتوسعة من رحمته تعالى بعباده، فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين غاية المناسبة فقال: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
ولما كان الحِلُّ مشروطاً بهذين الشرطين، وكان الإنسان في هذه الحالة ربما لا يستقصي تمام الاستقصاء في تحقيقها: أخبر تعالى أنه غفور، فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال، خصوصاً وقد غلبته الضرورة، وأذهبت حواسه المشقة.
وفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة: " الضرورات تبيح المحظورات "، فكل محظور اضطر إليه الإنسان: فقد أباحه له الملك الرحمن، فله الحمد والشكر، أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً.
" تفسير السعدي " (ص ٨١) .
ومن أدلة السنَّة:
عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضٍ تُصِيبُنَا بِهَا مَخْمَصَةٌ، فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ الْمَيْتَةِ؟ قَالَ: (إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا وَلَمْ تَغْتَبِقُوا وَلَمْ تَحْتَفِئُوا بَقْلًا فَشَأْنُكُمْ بِهَا) رواه أحمد (٣٦/٢٢٧) ، وحسنه المحققون لطرقه وشواهده.
تصطبحوا: المراد به الغداء.
تغتبقوا: المراد به العشاء.
تحتفئوا: بقلا. أي: تجمعوا بقلاً وتأكلوه.
وقد مَثَّل العلماء على الضرورات تبيح المحظورات – غير أكل الميتة عند المخمصة -: إساغة اللقمة بالخمر , والتلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه , ودفع المعتدي ولو أدى إلى قتله.
انظر: "الأشباه والنظائر" (ص ٨٥) لابن نجيم.
والضرورة التي تبيح فعل المحرم هي:
ما يلحق العبد ضرر بتركه - وهذا الضرر يلحق الضروريات الخمس: الدِّين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال.
وأما شروط إباحة المحرم للضرورة فقد قال الدكتور عبد الله التهامي – وفقه الله - في بيان ذلك:
"هناك شروط، وقيود، لا بد من حصولها في حالةٍ ما؛ ليسوغ تسميتها ضرورة شرعية، ولا يمكن أن تكون تلك الحالة ضرورة شرعية مع تخلف شيء من هذه الضوابط، وإليك بيان هذه الضوابط، مع الاستدلال لها:
١. أن يترتب على الامتثال للدليل الراجح المحرّم ضرر متعلق بإحدى الكليات الخمس، كأن تتعرض نفسه للهلاك إن لم يأكل من الميتة.
٢. أن يكون حصول الضرر أمراً قاطعاً، أو ظنًّا غالباً، ولا يلتفت إلى الوهم والظن البعيد، كأن يكون المضطر في حالة تسمح له بانتظار الطعام الحلال الطيب، فلا يقدم على تناول الميتة والحالة كذلك حتى يجزم بوقوع الضرر على نفسه، فيجوز حينها تناول الميتة، ودليل ذلك: ما علم في الشريعة من أن الأحكام تناط باليقين والظنون الغالبة، وأنه لا التفات فيها إلى الأوهام، والظنون المرجوحة البعيدة.
٣. ألاّ يُمكن دفع هذا الضرر إلا بالمخالفة، وعدم الامتثال للدليل المحرِّم، فإن أمكن المضطر أن يدفع هذا الضرر بأمرين أحدهما جائز والآخر ممنوع: حرُم عليه ارتكاب المخالفة للدليل المحرم، ووجب عليه دفع الضرر بالأمر الجائز، كأن يغص بلقمة وأمامه كأسان من الماء، والخمر.
٤. ألا يعارِض هذه الضرورة عند ارتكابها ما هو أعظم منها، أو مثلها، كأن يأكل المضطر طعام مضطر آخر، ووجه ذلك: ما ورد من قواعد مثل: " الضرر لا يزال بمثله" انتهى من "مجلة البيان" (عدد ١٢٠، ص ٨) .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: "ليس هناك ضرورة تبيح المحرم إلا بشرطين:
١. أن نعلم أنه لا تزول ضرورته إلا بهذا.
٢. أن نعلم أن ضرورته تزول به" انتهى.
"لقاء الباب المفتوح" (٣/١٩) .
وعلى هذا، فشروط إباحة المحرم للضرورة هي:
١- وجود الضرورة.
٢- ألا توجد وسيلة لدفع الضرر إلا بفعل هذا المحرم.
٣- أن يكون فعل المحرم مزيلاً للضرورة قطعاً، فإن حصل شك هل تزول الضرورة بهذا الفعل أم لا؟ فلا يجوز فعل المحرم حينئذ.
٤- ألا يعارض هذه الضرورة ما هو مثلها أو أعظم منها.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1990
إباحة المحرم للضرورة وشروط ذلك
[السُّؤَالُ]
ـ[أعرف أن المحرمات تكون حلالاً إذا وجدت ضرورة لفعلها، فهل لهذا الحكم شروط، حتى يكون تطبيقه صحيحاً؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية، والتي اتفق عليها العلماء: أن "الضرورات تبيح المحظورات".
وقد دل على هذه القاعدة أدلة كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية، قمن ذلك قوله الله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَاّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) المائدة/٣.
وقوله تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) الأنعام/١١٩.
ومن أمثلة هذه القاعدة:
١- أكل الميتة لمن لم يجد غيرها وخشي الموت من الجوع.
٢- التلفظ بكلمة الكفر تحت وطأة التعذيب والإكراه.
٣- دفع الصائل المعتدي الظالم ولو أدى ذلك إلى قتله.
انظر: "الأشباه والنظائر" لابن نجيم ص ٨٥.
والضرورة هي: ما يلحق الإنسان ضرر بتركه، وهذا الضرر يلحق الضروريات الخمس وهي: (الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال) .
وأما شروط إباحة المحرم للضرورة، فقد ذكر الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ شرطين لذلك، وشرحهما شرحاً وافياً مع الأمثلة وذكر بعض الاعتراضات والجواب عليها، ولهذا نكتفي بذكر كلامه، قال ﵀:
"وهذه القاعدة من القواعد الفقهية الأصولية التي دل عليها الشرع، "كل شيء ممنوع فإنه يحل للضرورة" ...
فالممنوع يباح للضرورة ولكن بشرطين:
الشرط الأول:
أن نضطر إلى هذا المحرم بعينه، بمعنى: أن لا نجد شيئاً يدفع الضرورة إلا هذا الشيء المحرم، فإن وجد سواه فإنه لا يحل، ولو اندفعت الضرورة به.
الشرط الثاني: أن تندفع الضرورة به، فإن لم تندفع الضرورة به فإنه يبقى على التحريم، وإن شككنا هل تندفع أو لا؟ فإنه يبقى أيضاً على التحريم، وذلك لأن ارتكاب المحظور مفسدة متيقنة، واندفاع الضرورة به مشكوك فيه، ولا ينتهك المحرم المتيقن لأمر مشكوك فيه.
ومن ثَمَّ يختلف الحكم في رجل جائع لم يجد إلا ميتة، فهنا نقول: كُلْ من الميتة. فإذا قال: هذا انتهاك للمحرم، قلنا: حَلَّ لك للضرورة، لأنه ليس عندك ما تأكله سوى هذا، ولأنك إذا أكلت اندفعت الضرورة به.
ورجل قيل له: إن تناول الخمر يشفيك من المرض، فهنا نقول: لا يحل لك أن تتناول الخمر ولو قيل لك: إنه يشفيك من المرض. لماذا؟
أولاً: لأنه لا يتيقن الشفاء به، فإنه ربما يشربه ولا يبرأ من المرض، فإننا نرى كثيراً من المرضى يتناولون أدوية نافعة، ثم لا ينتفعون بها.
ثانياً: أن المريض قد يبرأ بدون علاج، بتوكله على الله، ودعائه ربه، ودعاء الناس له، وما أشبه ذلك. هذا من حيث التعليل.
أما من حيث الدليل؛ فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) فهذا الحكم معقول العلة، لأن الله سبحانه لم يحرمه علينا إلا لأنه ضار بنا، فكيف يكون المحرم شفاءً ودواءً؟
ولهذا يحرم التداوي بالمحرم، كما نص عليه أهل العلم، ولا يقال: هذا ضرورة؛ كما يظنه بعض الناس.
لو قال قائل: إنسان غَصَّ، وليس عنده إلا كوب خمر، فهل يجوز أن يشرب هذا الكوب لدفع الغصة؟
الجواب: يجوز، لأن الشرطين وجدا فيه.
فهو قد اضطر إلى هذا بعينه، ونتيقن زوال الضرورة به، فنقول: اشرب الخمر، ولكن إذا زالت الغصة فكفَّ عن الشراب.
لو قال قائل: رجل وجد لحماً مذبوحاً حلالاً ولحماً لحيوان ميت، فهل له أكل الميت لكونه مضطراًّ لذلك؟
الجواب: ليس له ذلك، لأن الضرورة تندفع بغيره، فلا يحل، لعدم تحقق الشرط الأول.
ولو قال: أنا عطشان وليس عند إلا كوب خمر. فهل أشرب؟
الجواب: لا، كما قال العلماء، لأنه لا تندفع به الضرورة، بل لا يزيده إلا عطشاً، فإذاً لا فائدة من انتهاك المحرم، لأنه لا تندفع به الضرورة، فلم يتحقق الشرط الثاني.
ولو قال قائل: لو اضطر المريض إلى شرب الدم للتداوي به فهل يجوز له ذلك؟
الجواب: لا يجوز له ذلك، لانتفاء الشرطين" انتهى.
"شرح منظومة أصول الفقه وقواعده (صـ ٥٩ – ٦١) .
ولمزيد الفائدة عن هذه القاعدة انظر جواب السؤال رقم (١٣٧٠٣٥) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1991
حكم النقاش في المنتديات في مسائل الشرع، والتصويت عليها
[السُّؤَالُ]
ـ[ينتشر في الآونة الأخيرة في كثير من المنتديات قيام بعض المحسوبين على الالتزام الديني بمناقشة القضايا الشرعية المختلفة، مثل لون الحجاب، وصفته، وإغلاق المحلات أوقات الصلوات، وفتح دور السينما، وقيادة المرأة للسيارة بشكل مفتوح بين عوام الناس. ويبدأ كل واحد يدلي بدلوه بين مؤيد ومعارض ومتحفظ، وكأنها مسابقة مثلاً، بل تصل أن بعضهم يصف ارتداء أخت مسلمة في كندا للعباءة السوداء، وتجمع أهل البلد عليها مستغربين بالمنظر المقزز!! وعندما يرد عليهم أحد يتهمونه بالتشدد، والانغلاق، وعدم تقبل الرأي الآخر، ورغم أن أصحاب هذه النقاشات محسوبون على أهل الدين: غالباً ما تخلو هذه النقاشات من الأدلة الشرعية، أو الاستدلال برأي العلماء، وعندما يناقَشون في الأمر يقولون: إن هذه مجرد آراء شخصية، لا علاقة لها بالفتوى، وما شابه، وأصبحت هذه النقاشات مصدراً للتناحر، والبغضاء بين الشباب الملتزم. فما هو حكم مناقشة القضايا الشرعية في المجالس المفتوحة بين الناس؟ وماذا تقول للقائمين على هذه المنتديات التي يتم بها مثل هذه الأمور؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ما جاء في السؤال هو من القضايا المهمة التي ينبغي التنبيه عليها، ويمكن أن نقسِّم الأمر إلى مسائل:
المسألة الأولى: النقاش في مسائل شرعية ثابتة بالنص أو الإجماع.
المسألة الثانية: نقاش في مسائل اجتهادية، أدلتها محتملة، وفيها خلاف بين العلماء.
المسألة الثالثة: عرض شيء من قضايا الشرع على التصويت.
أما المسألة الأولى: فيجب أن يُعلم أن ما ثبت فيه نص من القرآن، أو صحَّ فيه دليل من السنَّة، أو أجمع العلماء على القول به، سواء من مسائل الاعتقاد، أو من الفقه: فإنه لا يجوز لأحدٍ أن يشكك فيها، ولا أن يجعلها عرضة للنقاش، لا بين العلماء وطلبة العلم، ولا - من باب أولى – بين عامة النّاس، وإنما يُدعى الناس للعمل بتلك المسائل، وتبني ما فيها من اعتقاد.
وأما المسألة الثانية: فكثير من المسائل الشرعية وقع فيها خلاف بين العلماء، من حيث أدلتها، أو الاستدلال بها، ومثل هذه المسائل لا بأس بعرضها في المنتديات ليتم النقاش فيها، والتحاور حولها، على أن يكون ذلك وفق ضوابط، وشروط، منها:
١. أن يكون النقاش والتحاور فيها مبنياً على الأدلة وأقوال العلماء، لا بمجرد الهوى أو الرأي الشخصي، فإنه لا يجوز الكلام في الشرع إلا إذا كان الكلام مبنياً على الأدلة الشرعية.
٢. أن يكون الحوار والنقاش بأدب، وأن يُبتعد عن فحش القول، وعن التعصب.
٣. أن لا تُعطى المسائل أكبر من حجمها، وأن تعطى المسائل المهمة الأولوية في البحث، والنقاش.
وأما التصويت على شيء من مسائل الشرع – وهي المسألة الثالثة – وفتح المجال لكل إنسان ليقول رأيه فيها: فهو أمر مرفوض، والناس فيهم المسلم والكافر، والطائع والعاصي، والعالم والجاهل، والكبير والصغير، فكيف تُعرض أحكام الله تعالى على هؤلاء جميعاً ليصوتوا على ما يرونه مناسباً أن يكون هو شرع الله؟!
والأحكام الشرعية لا تثبت بهذا الأسلوب، وليس بعدد الأصوات يُعرف الصواب من الخطأ، أو الراجح من المرجوح فيها، بل يُعرف ذلك بنقاش علمي حول الأدلة التي في المسألة، وكيفية الاستدلال بها للتوصل إلى معرفة حكم الله تعالى.
وقد قرأنا في بعض المنتديات: " شارك معنا بصوتك: هل توافق على التعدد "! ومثل: " ما رأيك بالنقاب، وهل تؤيده "!
وإذا نظرنا إلى اختيارات المشاركين وآراءهم، تبين لنا خطورة مثل هذا الأسلوب، فموضوع النقاب – مثلاً – كان من ضمن اختيارات المشاركين فيه: " تخلف ورجعية "! " إرهاب وتطرف "! " استمرار لظلم المرأة "! " أؤيده لأن النساء منحرفات "!
وهذا الكلام سب وتنقص لأحكام شرعية شرعها الله تعالى، وذلك أمر خطير على إيمان من فعل ذلك.
نسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1992
الفرق بين القصد والنية وأهمية المقاصد في الفقه
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الفرق بين القصد والنية؟ وما موقع المقاصد في الفقه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
القصد في اصطلاح الفقهاء هو: العزم المتجه نحو إنشاء فعل. "معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية" (٣/٩٦) .
والنية هي كما يقول القرافي ﵀: " قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله ". "الذخيرة" (١/٢٠) .
وعرفها النووي بأنها " عزم القلب على عمل فرض أو غيره ". "المجموع" (١/٣١٠) .
ومن تعريف القرافي يتبين أن النية والقصد متقاربان، ولهذا عرف النية بالقصد، لكن ذهب ابن القيم ﵀ إلى أن بينهما فرقا، قال: " فالنية هي القصد بعينه ولكن بينها وبين القصد فرقان:
أحدهما: أن القصد معلق بفعل الفاعل نفسه وبفعل غيره. والنية لا تتعلق إلا بفعله نفسه، فلا يتصور أن ينوي الرجل فعل غيره، ويُتصور أن يقصده ويريده.
الفرق الثاني: أن القصد لا يكون إلا بفعلٍ مقدورٍ يقصده الفاعل. وأما النية فينوي الإنسان ما يقدر عليه وما يعجز عنه، ولهذا في حديث أبي كبشة الأنماري الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن النبي ﷺ : (إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِي مَالِه رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ عند الله، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فيه بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، وَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ. وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فذلك شَرُّ مَنْزِلَةٍ عِنْدَ الله. ثم قال: وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، وَهُما فِي الوِزْرِ سَوَاءٌ) فالنية تتعلق بالمقدور عليه والمعجوز عنه، بخلاف القصد والإرادة فإنهما لا يتعلقان بالمعجوز عنه، لا من فعله ولا من فعل غيره " انتهى من "بدائع الفوائد" (٣/١٩٠) ، وانظر: "القواعد الكلية والضوابط الفقهية" للدكتور محمد عثمان شبير ص ٩٣، ٩٤.
ثانيا:
المقاصد لها موقع كبير مهم من الفقه، وحسبك من ذلك أن من القواعد الكلية الكبرى قاعدة: الأمور بمقاصدها، المأخوذة من قول النبي ﷺ : (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) رواه البخاري (١) ومسلم (١٩٠٧) .
قال السيوطي ﵀: " اعلم أنه قد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر حديث النية: قال أبو عبيدة: ليس في أخبار النبي ﷺ شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة منه. واتفق الإمام الشافعي وأحمد بن حنبل وابن مهدي وابن المديني وأبو داود والدارقطني وغيرهم على أنه ثلث العلم، ومنهم من قال: ربعه، ووجه البيهقي كونه ثلث العلم بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها؛ لأنها قد تكون عبادة مستقلة، وغيرها يحتاج إليها " إلى أن قال: " وقال الشافعي: يدخل في سبعين بابا " انتهى من "الأشباه والنظائر" ص ٩.
وهذا يدل على أهمية معرفة المقاصد واعتبارها.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 1993
باب في أحكام الغصب
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم أخذ شيء من أملاك الغير غصباً؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الغصب لغة: أخذ الشيء ظلماً ومعناه في اصطلاح الفقهاء: الاستيلاء على حق غيره قهراً بغير حق.
والغصب محرم بإجماع المسلمين؛ لقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) , والغصب من أعظم أكل المال بالباطل , ولقوله ﷺ : (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) , وقال ﷺ : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه) .
والمال المغصوب قد يكون عقاراًً وقد يكون منقولاً؛ لقوله ﷺ : (من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً؛ طوقه من سبع أرضين) .
فيلزم الغاصب أن يتوب إلى الله , ويرد المغصوب إلى صاحبه , ويطلب منه العفو؛ قال ﷺ : (من كانت عنده لأخيه مظلمة؛ فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم [يعني يوم القيامة] : إن كانت له حسنات؛ أخذ من حسناته وأعطيت للمظلوم، وإن لم تكن له حسنات؛ أخذ من سيئات المظلوم , فطرحت عليه , وطرح في النار , أو كما قال ﷺ , فإن كان المغصوب باقياً؛ رده بحاله , وإن كان تالفا؛ رد بدله.
قال الإمام الموفق: (أجمع العلماء على وجوب رد المغصوب إذا كان بحاله لم يتغير) انتهى.
وكذلك يلزمه رد المغصوب بزيادته , سواء كانت متصلة أو منفصلة , لأنها نماء المغصوب , فهي لمالك الأصل.
وإن كان الغاصب قد بنى في الأرض المغصوبة أو غرس فيها , لزمه قلع البناء والغراس إذا
طالبه المالك بذلك , لقوله ﷺ : (ليس لعرق ظالم حق) , رواه الترمذي وغيره وحسنه , وإن كان ذلك يؤثر على الأرض , لزمه غرامة نقصها , ويلزمه أيضا إزالة آثار الغراس والبناء المتبقية , حتى يسلم الأرض لمالكها سليمة.
ويلزمه أيضاً دفع أجرتها منذ أن غصبها إلى أن سلمها؛ أي أجرة مثلها؛ لأنه منع صاحبها من الانتفاع بها في هذه المدة بغير حق.
وإن غصب شيئاً وحبسه حتى رخص سعره؛ ضمن له نقصه على الصحيح.
وإن خلط المغصوب مع غيره مما يتميز - كحنطة بشعير -؛ لزم الغاصب تخليصه ورده , وإن خلطه بما لا يتميز - كما لو خلط حنطة بمثلها -؛ لزمه رد مثله كيلاً أو وزناً من غير المخلوط , وإن خلطه بمثله أو أحسن منه أو خلطه بغير جنسه مما لا يتميز؛ بيع المخلوط , وأعطي كل منهما قدر حصته من الثمن , وإن نقص المغصوب في هذه الصورة عن قيمته منفردا ًضمن الغاصب نقصه.
ومما ذكروه في هذا الباب قولهم: " والأيدي المترتبة على يد الغاصب كلها أيدي ضمان ": ومعناه أن الأيدي التي ينتقل إليها المغصوب عن طريق الغاصب كلها تضمن المغصوب إذا تلف فيها , وهذه الأيدي عشر: يد المشتري وما في معناه , ويد المستأجر , ويد القابض تملكاً بلا عوض كيد المنتهب , ويد القابض لمصلحة الدافع كالوكيل , ويد المستعير , ويد الغاصب , ويد المتصرف في المال كالمضارب , ويد المتزوج للمغصوبة , ويد القابض تعويضا بغير بيع , ويد المتلف للمغصوب نيابة عن غاصبه، وفي كل هذه الصور إذا علم الثاني بحقيقة الحال , وأن الدافع إليه غاصب؛ فقرار الضمان عليه؛ لتعديه على ما يعلمه غير مأذون فيه من مالكه؛ وإن لم يعلم بحقيقة الحال؛ فالضمان على الغاصب الأول.
وإن كان المغصوب مما جرت العادة بتأجيره لزم الغاصب أجره مثله مدة بقائه بيده؛ لأن المنافع مال متقوم , فوجب ضمانها كضمان العين.
وكل تصرفات الغاصب الحكمية باطلة؛ لعدم إذن المالك.
وإن غصب شيئاً وجهل صاحبه ولم يتمكن من رده إليه؛ سلمه إلى الحاكم الذي يضعه في موضعه الصحيح , أو تصدق به عن صاحبه , وإذا تصدق به؛ صار ثواباً لصاحبه , وتخلص منه الغاصب.
وليس اغتصاب الأموال مقصوراً على الاستيلاء عليها بالقوة بل ذلك يشمل الاستيلاء عليها بطريق الخصومة الباطلة والأيمان الفاجرة: قال الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا ً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون) ؛ فالأمر شديد والحساب عسير.
وقال ﷺ : (من غصب شبراً من الأرض طوقه من سبع أرضين) , وقال ﷺ : (من قضيت له بحق أخيه؛ فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من نار) .
[الْمَصْدَرُ]
الملخص الفقهي للشيخ صالح الفوزان ص ١٣٠.
стр. 1994
هل يعتبر شهيداً من مات في سفر تجاري بحري
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يعتبر شهيداً من مات في سفر تجاري بحري؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
عن رجل ركب البحر للتجارة فغرق، فهل مات شهيداً؟
أجاب: نعم، مات شهيداً، إذا لم يكن عاصياً بركوبه، فإنَّه قد صحَّ عن النَّبي ﷺ أنه قال: " الغريق شهيدٌ، والمبطون شهيدٌ، والحريق شهيدٌ، والميت بالطاعون شهيدٌ، والمرأة تموت في نفاسها شهيدةٌ، وصاحب الهدم شهيدٌ "، وجاء ذكر غير هؤلاء.
وركوب البحر للتجارة جائزٌ إذا غلب على الظن السلامة، وأما بدون ذلك فليس له أن يركبه للتجارة، فإن فعل فقد أعان على قتل نفسه، ومثل هذا لا يقال: إنه شهيد، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
" الفتاوى الكبرى " (٣ / ٢٣) .
стр. 1995
يخشى على نفسه العطش في الصحراء فهل يعطي الماء لعطشان آخر
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كان شخص يمشي في الصحراء ومعه ماءٌ لكنه يخشى العطش في المآل، وهناك عطشان في الحال فهل يجب عليه بذله له أو لا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سُئل ابن حجر الهيتمي السؤال السابق:
فأجاب بقوله:
ذكر في " المجموع " في المقدَّم منهما وجهين، ولم أرَ من رجَّح منهما شيئاً، والذي يظهر ترجيحه: أنه يقدَّم العطشان في الحال إذا خشي من العطش الهلاك؛ لأن إتلاف مهجته محقَّق بخلاف المالك فإنه قد يحصل له ماء، فإن كان ببرية أيس فيها من حصول ماء وغلب على ظنه الهلاك لو بذل ما معه فللنَّظر في ذلك مجال، وعدم وجوب البذل حينئذٍ أقرب، وكذا لو خشي العطشان من العطش في الحال إتلاف عضو أو حدوث مرضٍ ونحوه، وخشي المالك من العطش في المآل إتلاف النفس، فلا يجب البذل أيضا على الأقرب.
[الْمَصْدَرُ]
" الفتاوى الفقهية الكبرى " (١ / ٦٩) .
стр. 1996
أحكام إحياء الموات
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو إحياء الموات، وما هو أحكامه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الموات - بفتح الميم والواو -: هو ما لا روح فيه، والمراد به هنا الأرض التي لا مالك لها.
ويعرفه الفقهاء ﵏ بأنه الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم.
فيخرج بهذا التعريف شيئان:
الأول: ما جرى ملك معصوم من مسلم وكافر بشراء أو عطية أو غيرها.
الثاني: ما تعلقت به مصلحة ملك المعصوم؛ كالطرق والأفنية ومسيل المياه، أو تعلقت به مصالح العامر من البلد، كدفن الموتى وموضع القمامة والبقاع المرصدة لصلاة العيدين والمحتطبات والمراعي؛ فكل ذلك لا يملك بالإحياء.
فإذا خلت الأرض عن ملك معصوم واختصاصه، وأحياها شخص؛ ملكها؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعاً: (من أحيا أرضاً ميتة؛ فهي له) , رواه أحمد والترمذي وصححه , وورد بمعناه أحاديث , وبعضها في (صحيح البخاري) .
وعامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإحياء، وإن اختلفوا في شروطه؛ إلا موات الحرم وعرفات؛ فلا يملك بالإحياء؛ لما فيه من التضييق في أداء المناسك، واستيلائه على محل الناس فيه سواء.
ويحصل إحياء الموات بأمور:
الأول: إذا أحاطه بحائط منيع مما جرت العادة به؛ فقد أحياه؛ لقوله ﷺ : (من أحاط حائطاً على أرض؛ فهي له) ، رواه أحمد وأبو داود عن جابر، وصححه ابن الجارود، وعن سمرة مثله , وهو يدل على أن التحويط على الأرض مما يستحق به ملكها، والمقدار المعتبر ما يسمى حائطاً في اللغة، أما لو أدار حول الموت أحجاراً ونحوها كتراب أو جدار صغير لا يمنع ما وراءه أو حفر حولها خندقاً؛ فإنه لا يملكه بذلك، لكن يكون أحق بإحيائه من غيره، ولا يجوز له بيعه إلا بإحيائه.
الثاني: إذا حفر في الأرض الموات بئراً، فوصل إلى مائها؛ فقد أحياها؛ فإن حفر البئر ولم يصل إلى الماء؛ لم يملكها بذلك، وإنما يكون أحق بإحيائها من غيره؛ لأنه شرع في أحيائها.
الثالث: إذا أوصل إلى الأرض الموات ماء أجراه من عين أو نهر؛ فقد أحياها بذلك؛ لأن نفع الماء للأرض أكثر من الحائط.
الرابع: إذا حبس عن الأرض الموات الماء الذي كان يغمرها ولا تصلح معه للزراعة، فحبسه عنها حتى أصبحت صالحة لذلك؛ فقد أحياها؛ لأن نفع الأرض بذلك أكثر من نفع الحائط الذي ورد في الدليل أنه يملكها بإقامته عليها.
ومن العلماء من يرى أن إحياء الموات لا يقف عند هذه الأمور بل يرجع فيه إلى العرف فما عده الناس إحياء؛ فإنه يملك به الأرض الموات؛ واختار ذلك جمع من أئمة الحنابلة وغيرهم؛ لأن الشرع ورد بتعليق الملك عليه ولم يبينه , فوجب الرجوع إلى ما كان إحياء في العرف.
ولإمام المسلمين إقطاع الأرض الموات لمن يحييها؛ لأن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث العقيق , وأقطع وائل بن حجر أرضاً بحضرموت , وأقطع عمر وعثمان وجمعاً من الصحابة , لكن لا يملكه بمجرد الإقطاع حتى يحييه , بل يكون أحق به من غيره , فإن أحياه ملكه , وإن عجز عن إحيائه؛ فللإمام استرجاعه وإقطاعه لغيره ممن يقدر على إحيائه؛ لأن عمر بن الخطاب ﵁ استرجع الإقطاعات من الذين عجزوا عن إحيائها.
ومن سبق إلى مباح غير الأرض الموات؛ الصيد، والحطب؛ فهو أحق به.
وإذا كان يمر بأملاك الناس ماء مباح (أي: غير مملوك) كماء النهر وماء الوادي , فللأعلى أن يسقي منه ويحبس الماء إلى الكعب ثم يرسله لمن بعده ... وهكذا، لقول النبي ﷺ : (اسق يا زبير! ثم احبس الماء حتى يصل إلى الجدر) ؛ متفق عليه، وذكر عبد الرزاق عن معمر الزهري؛ قال: نظرنا إلى قول النبي ﷺ : (ثم احبس الماء حتى يصل إلى الجدر) . فكان إلى الكعبين؛ أي: قاسوا ما وقعت فيه القصة، فوجدوه يبلغ الكعبين , فجعلوا ذلك معياراً لاستحقاق الأول فالأول , وروى أبو داود وغيره عن عمرو بن شعيب؛ أنه ﷺ قضى في سيل مهزور (واد في المدينة مشهور) : (أن يمسك الأعلى حتى يبلغ السيل الكعبين , ثم يرسل الأعلى إلى الأسفل) .
أما إن كان الماء مملوكاً؛ فإنه يقسم بين الملاك بقدر أملاكهم , ويتصرف كل واحد في حصته بما شاء.
ولإمام المسلمين أن يحمي مرعى لمواشي بيت مال المسلمين؛ كخيل الجهاد , وإبل الصدقة؛ ما لم يضرهم بالتضييق عليهم؛ لما روى ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ حمى النقيع لخيل المسلمين) ؛ فيجوز للإمام أن يحمي العشب في أرض الموات لإبل الصدقة وخيل المجاهدين وأنعام الجزية والضوال إذا احتاج إلى ذلك ولم يضيق على المسلمين.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب الملخص الفقهي للشيخ صالح آل فوزان.
стр. 1997
معنى كلمة بوكيمون
[السُّؤَالُ]
ـ[لعله وصلكم الترجمة التي للبوكيمون لكن أنا أسأل عن صحة هذه الترجمة لأنكم في شريطك عن البوكيمون لم تذكروا هذه الترجمة وفتوى كبار العلماء كذلك لم تذكر هذه الترجمة فنرجو ذكر صحة الترجمة من عدمها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سمعنا عن كثيرٍ من الأقوال في ترجمة هذه الكلمة، ولعلها من مبالغات بعض الناس، أو أنه من شركات منافسة.
والصحيح: أن اسم المنتج في اليابان هو " بوكيت مونستر " Poket monster، ومعناه: الحيوان المسخ الصغير بحجم الجيب، وبوكيمون: هو اختصار لهاتين الكلمتين.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 1998
طريقة التعامل مع الأوراق المحترمة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو حكم الشريعة بالأسماء المحترمة التي توجد في الجرائد بما فيها أسماء الأنبياء أو أسماء الله عبد الله أو عبد الكريم؟
كيف نتلف هذه الأوراق؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه الأوراق التي فيها ذكر الله يجب الاحتفاظ بها وصيانتها عن الابتذال والامتهان حتى يفرغ منها، فإذا فرع منها لم يبق لها حاجة وجب دفنها في محلّ طاهر أو إحراقها أو حفظها في محلّ يصونها عن الابتذال كالدواليب والرفوف ونحو ذلك.
[الْمَصْدَرُ]
فتوى الشيخ ابن باز من كتاب فتاوى إسلامية ج/٤ ص/٣١٣.
стр. 1999
تسأل عن زكاة الذهب الأبيض وبيت مسكون بالجن
[السُّؤَالُ]
ـ[في محلات ومعارض الذهب يباع معدن لونه أبيض مثل الفضة وبعض الناس يسمونه ذهب أبيض وآخرين يسمونه بلاتين. هل عليّ زكاه فيه وهل الزكاة بنفس قيمه زكاة الذهب الأصفر؟
ثانيا: هناك علامة معينه تظهر في جبين بعض الرجال ويطلق عليها الناس علامة صلاه وزوجي لا تظهر عنده هذه العلامة رغم أنه مواظب على كل الصلوات في المسجد ومتدين جدا فهل هذه العلامة هي ما يقصد بها "سيماهم في وجوههم من أثر السجود"؟ ولماذا لا تظهر لكل الرجال ولماذا لا تظهر للنساء وهل عدم ظهورها يعنى شيء؟
ثالثا: نسكن في شقه إيجار منذ ٥ سنوات وكنا نشعر ونلاحظ أشياء كثيرة تجعلنا نشك بأن الشقة يسكنها الجان وفى الأيام الأخيرة رأيت بنفسي كوب من الزجاج في المطبخ يطير ويرمى وحده في الحائط وينزل عبارة عن فتافيت من الزجاج ولا نعلم ماذا نفعل؟
رابعا: أنا امرأة مسلمة مثل غيري الكثيرات أتقطع حزنا عما تفعله أمريكا واليهود في المسلمين ولا أعلم ما هو واجبي أمام الله تجاه هذا الموضوع وما هو بيدي أن أفعله حتى أكون بريئة الذمة أمام الله وهل على شيء معين واجب أن أفعله؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: إذا كان ذهبا أو فضة ففيه الزكاة والمرجع في تحديد نوعيته لأهل الخبرة.
ثانياً: ليس بالضرورة أن تظهر هذه العلامة في الجبهة لكل مصل بل تتفاوت طبائع جلود الأشخاص كما أنّ ظهورها لا يدلّ على صلاح الشخص والمشهور عن المفسرين في معنى قوله تعالى سيماهم في وجوههم: أي نور الطاعة
ثالثاً: عليكم بقراءة سورة البقرة في البيت ثلاثة أيام في كل يوم مرة
رابعاً: اجتهدي بالدعاء لإخوانك هناك لعلّ الله أن يستجيب وتصدقي عليهم بما تستطيعين.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 2000
لماذا قدّمت الوصية في قوله تعالى: (من بعد وصيّة يوصى بها أو دَيْن)
[السُّؤَالُ]
ـ[لمادا أتت لفظة الوصية في القرآن الكريم قبل الدين ونحن نعلم أن الدين ينفد قبل الوصية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال القرطبي ﵀: " إن قيل: ما الحكمة في تقديم ذكر الوصية على ذكر الدَّيْن, والدين مقدم عليها بإجماع، أي تقضى ديون الميت من تركته قبل إخراج ما أوصى به ... فالجواب من أوجه خمسة:
الأول: إنما قصد تقديم هذين الفصلين على الميراث ولم يقصد ترتيبهما في أنفسهما ; فلذلك تقدمت الوصية في اللفظ.
جواب ثان: لما كانت الوصية أقل لزوما من الدين قدمها اهتماما بها; كما قال تعالى: "لا يغادر صغيرة ولا كبيرة" الكهف/٤٩.
...
جواب ثالث: إنما قدمت الوصية إذ هي حظ مساكين وضعفاء , وأخَّر الدَّيْن إذ هو حظ غريم يطلبه بقوة وسلطان وله فيه مقال.
جواب رابع: لما كانت الوصية ينشئها من قبل نفسه قدَّمها , والدين ثابت مؤدّى ذكره أو لم يذكره. "
انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج/٥ ص/٧٤
وزاد بعض العلماء وجهين آخرين
" وإنما قدّمت الوصيّة على الدَّين في الذكر لأن الوصية إنما تقع على سبيل البر والصلة بخلاف الدَّين فإنه إنما يقع غالباً بنوع تفريط فوقعت البداءة بالوصية لكونها أفضل.
وقيل قدمت الوصية لأنها شيء يؤخذ بغير عوض والدَّين يؤخذ بعوض فكان إخراج الوصية أشقُّ على الوارث من إخراج الدَّيْن وكان أداؤها مظنّة للتفريط بخلاف الدَّيْن فإن الوارث مطمئن بإخراجه فقدّمت الوصية لذلك ". انظر التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية للشيخ صالح للفوزان ص/٢٧.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
следующие страницы →