Полный текст (16 344 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
نبذة عن موسى ﵇
[السُّؤَالُ]
ـ[نريد نبذة عن نبي الله موسى ﵇ وقومه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
- أوحى الله إلى موسى ابن عمران ﵊ وأرسله إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى عبادة الله وحده كما قال سبحانه: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله) إبراهيم/٥.
- وهارون ﵇ أخو موسى من النسب أرسله الله عضداً لموسى حين أراد بعثه إلى فرعون ليدعوه إلى عبادة الله بناءً على طلب موسى.. (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبياً) مريم/٥٣.
- وكان بنوا إسرائيل حينذاك في مصر تحت حكم فرعون.. وقد استعبدهم وأذلهم فكان يستحيي نسائهم ويقتل أبنائهم..
(يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين) القصص/٤.
- وقد وُلد موسى في مصر.. وأراد الله أن يتربى في بيت فرعون.. فوضعته أمه في تابوت وألقته في اليم.. فالتقطه آل فرعون.. وفرحت به زوجته آسية ونهتهم عن قتله.. ولما بلغ أشده آتاه الله حكماً وعلماً.
- وفي يوم من الأيام استغاث بموسى رجل من بني إسرائيل على عدوه.. فوكزه موسى فقضى عليه.. فندم موسى واستغفر ربه فغفر له.. وأصبح في المدينة خائفاً يترقب.. وفي اليوم الثاني وجد موسى ذلك الرجل يقاتل عدواً له.. فاستنصره مرة أخرى فغضب موسى عليه.. وظن الرجل أنه يريد قتله.. فقال له.. (أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس) القصص /١٩.
- فأخبر ذلك العدو قوم فرعون.. فراحوا يبحثون عن موسى ليقتلوه فجاء رجل صالح وأخبر موسى بما يدبر له القوم ونصحه بالخروج من مصر.. (فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين) القصص/٢١.
- وتوجه موسى إلى أرض مدين.. وتزوج هنالك بنتاً لشيخ كريم.. مقابل تأجير نفسه له ثمان سنين..فلما تم الأجل سار موسى بأهله إلى مصر.. فلما كان بطور سيناء أراد الله أن يخصه بكرامته ونبوته وكلامه..فضل موسى الطريق فرأى ناراً.. (فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى - فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى - وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى - إنني أنا الله لا إله إلاّ أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري - إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى) طه /١٠-١٥.
- ثم أراه الله بعض المعجزات فأمره أن يلقي عصاه على الأرض فانقلبت حية.. وأن يدخل يده في جيبه فخرجت بيضاء.. ثم قال له اذهب بهاتين المعجزتين إلى فرعون لعله يتذكر أو يخشى.. فقد جاوز الحد في الطغيان والفساد.. وأرسل مع موسى أخاه هارون كما قال تعالى: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى - قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علنا أو أن يطغى- قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى - فأتياه فقولا إنّا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى) طه / ٤٣- ٤٧.
- ذهب موسى وهارون ﵉ إلى فرعون وبلّغاه الرسالة.. وسأل فرعون موسى.. (قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين) الشعراء /٢٣.
- ثم طلب فرعون من موسى آية تشهد بصدقه.. (قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين - فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين - ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) الأعراف / ١٠٦ - ١٠٨.
- فلما رأى فرعون وحاشيته ذلك اتهموا موسى بالسحر.. ثم جمعوا له السحرة.. ودفعوا لهم الأجر الجزيل.. وجُمع الناس يوم الزينة.. فألقى السحرة حبالهم وعصيهم.. (فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم) الأعراف /١١٦.
- ثم نصر الله موسى على السحرة وبطل كيدهم وآمن السحرة برب العالمين.. (وأوحينا إلى موسى أن الق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين وألقى السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين - رب موسى وهارون) الأعراف / ١١٧ -١٢٢.
- ولما آمن السحرة بالله.. قطع فرعون أيدي السحرة وأرجلهم من خلاف وصلبهم.. فصبروا ولم يبالوا بتهديده حتى لقوا الله مسلمين..ثم أشار الأشراف بقتل موسى وقومه لئلا يفسدوا في الأرض فقتلوا الأبناء واستحيوا النساء.. فأوصى موسى بني إسرائيل بالصبر.. ثم ضاق فرعون بموسى فأتمر وقومه على قتله.. (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد) غافر/٢٦.
- وحينما كانوا يفكرون في قتل موسى.. دفعت المروءة رجلاً مؤمناً من آل فرعون يكتم إيمانه فدافع عن موسى.. وقال إن كان كاذباً فلن يضرنا..وإن كان صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم وتابع هذا الرجل نصح فرعون وقومه فلم يستجيبوا له.. (قال ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) غافر/٢٩.
- وظل موسى يدعو فرعون وقومه بالموعظة الحسنة.. ولكن ما زادهم ذلك إلا علواً في الأرض وطغياناً وتعذيباً للمؤمنين.. فدعا عليهم موسى.. فعاقبهم الله بالجدب والقحط ونقص الثمرات لعلهم يذكرون.. ولكنهم لم يذعنوا بل استمروا في إجرامهم وطغيانهم.. فأصابهم الله بصنوف أخرى من المصائب لعلهم يرجعون.. (وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين) الأعراف / ١٣٢- ١٣٣.
- ولما ازداد طغيان فرعون.. جاء الأمر الإلهي بالفرج فأمر الله موسى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر سراً.. فلما علم فرعون جمع جيشاً كبيراً ليدرك موسى وقومه قبل أن يصلوا فلسطين.. وخرج فرعون وجنوده تاركين وراءهم البساتين والجنات والأموال.. فأدركوا موسى وقومه مع شروق الشمس عند ساحل البحر الأحمر فنجى الله موسى وقومه.. وأغرق فرعون وجنوده كما قال تعالى: (وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون - فأرسل فرعون في المدائن حاشرين - إن هؤلاء لشرذمة قليلون - وإنهم لنا لغائظون - وإنا لجميع حاذرون - فأخرجناهم من جنات وعيون - وكنوز ومقام كريم - كذلك وأورثناها بني إسرائيل - فأتبعوهم مشرقين - فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون- قال كلا إن معي ربي سيهدين - فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم - وأزلفنا ثم الآخرين - وأنجينا موسى ومن معه أجمعين - ثم أغرقنا الآخرين - إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين - وإن ربك لهو العزيز الرحيم) الشعراء/ ٥٢ -٦٨.
- وهكذا هلك فرعون وجنوده، ولما أدركه الغرق آمن.. ولكن لم ينفعه ذلك.. وأبقى الله بدنه ليكون عبرة لمن بعده.. وكانت عقوبة آل فرعون في الدنيا الغرق في البحر وفي الآخرة العذاب الشديد.. (وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) غافر/٤٦-٤٧.
- وقد شاهد بنو إسرائيل معجزات موسى وكان آخرها معجزة نجاتهم وهلاك عدوهم وكانت هذه المعجزات كافية لنزع رواسب الوثنية من قلوبهم إلا أنها كانت تعاودهم أحياناً.. ولقي موسى الأهوال في سبيل ردهم إلى عبادة الله وحده.. ومن ذلك:
عندما جاوز البحر مروا على قوم يعبدون الأصنام.. فطلبوا من موسى أن يتخذ لهم صنماً يعبدونه كهؤلاء فقال لهم موسى (إنكم قوم تجهلون - إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون - قال أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين) الأعراف / ١٣٨ـ ١٤٠.
وسار بنوا إسرائيل إلى الأرض المقدسة وفي الطريق أصابهم العطش فشكوا إلى موسى فدعا ربه فسقاهم.. (وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً قد علم كل أناس مشربهم) الأعراف/١٦٠.
وفي طريقهم شكوا شدة حرارة الشمس.. وقلة الطعام فدعا موسى ربه فظللهم بالغمام.. ورزقهم من الطيبات ولكنهم لم يشكروا بل طلبوا غيرها.. (وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) الأعراف /١٦٠.
ثم اشتكوا وقالوا.. (لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها) البقرة/٦١.
وكان الله قد وعد موسى أن ينزل عليه كتاباً فيه الأوامر والنواهي لبني إسرائيل.. فلما هلك فرعون سأل الله موسى ربه الكتاب فأمره أن يصوم أربعين يوماً فخلف أخاه هارون في قومه وصام تلك الأيام.. ثم أنزل الله عليه التوراة عند جبل الطور.. فيها المواعظ وتفصيل كل شيء.. فلما رجع إلى قومه وجدهم يعبدون العجل الذي صنعه لهم السامري من الحلي وقال لهم هذا إلهكم وإله موسى.. (فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي - أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً - ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري - قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى) طه/٨٨-٩١.
فلما جاء موسى غضب عليهم ولامهم وبين لهم الحق.. ثم حرق العجل , ورماه في البحر , وعاقب السامري فكان يتألم من مس أي شيء.
ندم بنو إسرائيل على عبادة العجل.. فاختار منهم موسى سبعين رجلاً وذهب بهم إلى جبل الطور ليقدموا الطاعة لله.. والندم على ما فعلوا.. وهناك كلم الله موسى.. ولكن بعضهم لم يؤمن بأن الله هو الذي يكلم موسى فعصوا وقالوا أرنا الله جهرة.. (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون - ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون) البقرة/ ٥٥-٥٦.
ولما عاد موسى إلى بني إسرائيل ومعه التوراة أبوا أن يقبلوها وتذمروا من أحكامها فهددهم فقبلوا.. كما قال تعالى.. (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون - ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين) البقرة / ٦٣ -٦٤.
ثم أمر موسى بني إسرائيل أن يذهبوا معه إلى الأرض المقدسة في فلسطين فذهبوا معه ثم خافوا من أهلها الجبارين وعصوا موسى وتمردوا عليه.. (قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون) المائدة / ٢٤.
فدعا عليهم موسى.. واستجاب الله دعاءه.. وأخبره بأن الأرض المقدسة محرمة عليهم.. وأنهم سيتيهون في الأرض أربعين سنة فلا يحزن عليهم.. (قال ربي إني لا أملك إلاّ نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ـ قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين) المائدة/ ٢٥ ـ٢٦.
ـ وهكذا ظل موسى صابراً على تذمر بني إسرائيل.. وكثرة شكواهم.. وفي مدة التيه توفى هارون..ثم توفي موسى.. ومات أكثرهم.. فلما انقضت المدة دخل يوشع بن نون بهم الأرض المقدسة وحاصرها حتى فتحها.. وأمرهم أن يدخلوا الأرض المقدسة سجدا ًفلم يمتثلوا.. ودخلوها على أُستاهم.
- وقد امتن الله على بني إسرائيل بنعم عظيمة فأنجاهم من فرعون.. ورزقهم من الطيبات..وجعل منهم الأنبياء والملوك.. وفضلهم على العالمين ولكنهم كفروا تلك النعم ولم يشكروها.. (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين) المائدة / ٢٠.
- ولليهود أقوال سيئة وأفعال خبيثة أوجبت لعنهم وسخط الله عليهم.
- فقد اتهموا الله بالبخل.. (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء) المائدة/٦٤.
وكفروا بقولهم هذا البهتان العظيم.. (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء) آل عمران / ٨١ ١.
ـ ونسبوا إلى الله الولد قاتلهم الله أنى يؤفكون.. (وقالت اليهود عزير ابن الله) التوبة/٣٠.
- ولما بلغتهم التوراة كفر كثير منهم بأحكامها.. وصدوا عن سبيل الله.. واستباحوا الظلم فعاقبهم الله بذنوبهم.. قال تعالى.. (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيراً وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً) النساء/ ٦١.
- ومن بهتانهم قولهم إنهم أبناء الله وأحباؤه.. (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق) المائدة /١٨.
- ومن كذبهم وبهتانهم قولهم.. (وقالوا لن يدخل الجنة إلاّ من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) البقرة /١١١.
- ومن إفترائهم وكذبهم قولهم.. (وقالوا لن تمسنا النار إلاّ أياماً معدودة قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون) البقرة/٨٠.
- ومن مكرهم وخيانتهم أنهم كانوا يحرفون كتابهم التوراة.. (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه) النساء /٤٦.
- ومن جرائمهم أنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق فعاقبهم الله بذنوبهم كما قال تعالى.. (وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) البقرة/٦١.
- ولما لليهود من مظالم , وافتراءات , وأعمال سيئة , وفساد في الأرض ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء فلن تقوم لهم قائمة إلى يوم القيامة.. (وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين) المائدة /٦٤.
- واليهود ضعاف النفوس..قلوبهم متفرقة.. وأهواؤهم مختلفة.. (لا يقاتلونكم جميعاً إلاّ في قرىً محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) الحشر/١٤.
- واليهود أشد الناس عداوة للذين آمنوا.. واليهود لطغيانهم وفسادهم يكرهون الموت فراراً مما بعد الموت كما قال تعالى.. (قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين - ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين) الجمعة/٦-٧.
- وظل اليهود على فسادهم وطغيانهم وتحريفهم.. وأرسل الله إلى بني إسرائيل كثيراً من الأنبياء والرسل لردهم إلى الصراط المستقيم فمنهم من آمن بهم.. ومنهم من كفر.. حتى أرسل الله إليهم عيسى بن مريم ﵇.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب أصول الدين الإسلامي: تأليف الشيخ محمد بن ابراهيم التويجري.
стр. 247
هل النبي محمد ﷺ ذُكِر في الإنجيل
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو أن تخبرني أين ذُكر النبي ﷺ في الإنجيل؟ وهل تم ذكر اسمه أم رمز له؟ وما هي المراجع التي يمكن أن أستعملها لأثبت هذه المسألة، وهل الكُتاب والمترجمون النصارى قد حرفوا ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الله تعالى في كتابه: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) الصف /٦
وقال تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) الأعراف/١٥٧
فهاتان الآيتان تدلان على أن النبي ﷺ مذكور في التوراة والإنجيل، مهما أدعى اليهود والنصارى عدم ذلك، فإن كلام الله تعالى أحسن حديثا، وأصدق قيلا.
ومما وورد في الكتاب السابقة ما يلي:
أولا: جاء في التوراة في سفر التثنية الإصحاح الثامن عشر الفقرات ١٨و١٩: " يا موسى أني سأقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم مثلك أجعل كلامي فيه ويقول لهم ما أمره به والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه "، وهذا النص موجود عندهم الآن، فقوله:" من إخوانهم "، لو كان منهم من بني إسرائيل لقال سأقيم لهم نبياً منهم قال من إخوتهم أي أبناء إسماعيل.
ثانيا: جاء في إنجيل يوحنا الإصحاح السادس عشر الفقرات ١٦-١٧: " إن خيراً لكم أن أنطلق لأني إن لم أذهب لم يأتكم الفارقليط فإذا انطلقت أرسلته إليكم فإذا جاء فهو يوبخ العالم على الخطيئة، وان لي كلاماً كثيراً أريد قوله ولكنكم لا تستطيعون حمله لكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بكل ما يأتي "، وهذا لا ينطبق إلا على النبي ﷺ .
ثالثا: قال ابن القيم ﵀: " قال في التوراة في السفر الخامس: -: " أقبل الله من سيناء، وتجلى من ساعير، وظهر من جبال فاران، ومعه ربوات الإظهار عن يمينه " وهذه متضمنة للنبوات الثلاثة: نبوة موسى، ونبوة عيسى، ونبوة محمد ﷺ ، فمجيئه من " سينا ": وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى، ونبأه عليه إخبار عن نبوته، وتجليه من ساعير هو مظهر المسيح من بيت المقدس، و " ساعير ": قرية معروفة هناك إلى اليوم، وهذه بشارة بنبوة المسيح.
"وفاران ": هي مكة، وشبه سبحانه نبوة موسى بمجيء الصبح، ونبوة المسيح بعدها بإشراقه وضيائه ونبوة خاتم الأنبياء باستعلاء الشمس، وظهور ضوءها في الآفاق، ووقع الأمر كما أخبر به سواء. فإن الله سبحانه صدع بنبوة موسى ليل الكفر فأضاء فجره بنبوته، وزاد الضياء والإشراق بنبوة المسيح، وكمل الضياء واستعلن وطبق الأرض بنبوة محمد صلوات الله وسلامه عليهم، وذكر هذه النبوات الثلاثة التي اشتملت عليها هذه البشارة نظير ذكرها في أول سورة (والتين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين " ا. هـ[انظر هداية الحيارى ص ١١٠، وما ذكره ابن القيم هو في العهد القديم سفر التثنية الإصحاح ٣٣ فقرة ١]
رابعا: ذكر الشيخ عبد المجيد الزنداني في كتابه: (البشارات بمحمد ﷺ في الكتب السماوية السابقة) أن إنجيل برنابا في الباب ٢٢ جاء فيه: " وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله "، وجاء في سفر أشعيا: إني جعلت اسمك محمدا يا محمد، يا قدوس الرب: اسمك موجود من الأبد، وجاء في سفر أشعيا: " وما أعطيته لا أعطيه لغيره، أحمد يحمد الله حمدا حديثا يأتي من أفضل الأرض، فتفرح به البرية، ويوحدون على كل شرف، ويعظمونه على كل رابية " انتهى.
وقد ذكر العلماء العديد من المواضع التي ذكر فيها اسم النبي ﷺ ، مرة بذكر اسمه الصريح، ومرة بذكر وصف لا ينطبق إلا عليه ﷺ .
ويمكنك مراجعة العديد من النصوص في الوصلة التالية:
http://arabic.islamicweb.com/christianity/
واعلم أنه قد طرأ تغيير على الكتب الموجودة الآن من التوراة والإنجيل وحدث تغيير فيها، وقد ذكر المؤرخون من غير المسلمين هذا الأمر، لكن مع ذلك كله لازلنا نجد في التوراة والإنجيل التبشير بمقدم رسول الله ﷺ ، وقد ذكر الشيخ رحمة الله الهندي أن النصارى كلما استطاعوا تحريف موضع حرفوه، ولذلك تجد بعض العلماء القدامى يذكرون مواضع في التوراة والإنجيل ليست موجودة الآن، لكن هناك مواضع أخرى لا زالت تبشر بنبوة النبي ﷺ وقدومه.
واعلم أنه لا بد من تسلح الإنسان بالعلم الصحيح الوافي عند مناقشة النصارى، وهم وإن لم يكن لديهم حجج، إلا إنه يسعون لبث الشبه في نفوس الناس، ليستسلموا ها، وليغيب الحق، والله متم نوره ولو كره الكافرون.
ومن الكتب المفيدة في هذا السياق كتاب إظهار الحق للشيخ رحمة الله الهندي، وكتاب هداية الحيارى لابن القيم، ومن قبله الجواب الصحيح لابن تيمية.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 248
إجابة عن إشكالات في آيات حياة المسيح ﵇ وموته
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا من متابعي موقعكم ولا أشك أبداً في أن حرفا واحدا من القرآن قد تم تحريفه وأرجو أن تشرح لي اللبس في هاتين الآيتين الأولى في سورة مريم (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) فما معني يوم أموت؟
وفي آية ") وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) النساء/١٥٩، فما معنى هذا؟) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً) النساء/١٥٧
أدرس في الصين ولدي الكثير من الأصدقاء من أديان مختلفة ويسألوني عن القرآن وموقف الإسلام من عيسى ﵇، أحاول أن أجيب على أسئلتهم وأرجو أن تجيبني في أسرع وقت.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
بدايةً نشكر لك حرصك على السؤال عن أمر دينك، وسعيك للتبصر في تفسير كتاب الله جل وعلا، ونسأل الله أن يرزقنا وإياك العلم النافع،
أما فيما يتعلق بقوله تعالى: (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً) مريم/٣٣، فقد قال الطبري في تفسيره:" وقوله ﴿والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾ يقول: والأمن من الله عليَّ من الشيطان وجنده يوم ولدت أن ينالوا مني ما ينالون ممن يولد عند الولادة، من الطعن فيه، ويوم أموت، من هول المطلع، ويوم أبعث حياً يوم القيامة أن ينالني الفزع الذي ينال الناس بمعاينتهم أهوال ذلك اليوم " [تفسير الطبري ٨ / ٣٤٠]
وقال القرطبي:" ﴿والسلام علي﴾ أي السلامة علي من الله تعالى. قال الزجاج ذكر السلام قبل هذا بغير ألف ولام فحسن في الثانية ذكر الألف واللام. وقوله: يوم ولدت يعني في الدنيا. وقيل: من همز الشيطان كما تقدم في ((آل عمران)) . ويوم أموت يعني في القبر. ويوم أبعث حيا يعني في الآخرة، لأن له أحوالاً ثلاثة: في الدنيا حياً، وفي القبر ميتاً، وفي الآخرة مبعوثاً، فسلم في أحواله كلها " [تفسير القرطبي ١١ / ٩٨]
ومما سبق من أقوال المفسرين تعلم أن قوله ﴿ويوم أموت﴾ ليس معناه أنه قد مات، وإنما معناه أنه عند موته – وذلك بعد نزوله وقتله للدجال كما ثبت في الأحاديث – فإنه يسلم من الموت على غير الإيمان بالله تعالى، وهذا كما أنه قال ﴿ويوم أبعث حيا﴾ وليس معناه أنه قد بعث يوم القيامة!! ، فكلامه ﷺ إنما هو عن أحواله في ولادته، وفي موته، وفي بعثه، ولا شك أنه سيموت، لكن كما دلت الآيات الأخرى التي سقتها، فإنه لم يمت بالقتل أو الصلب، وإنما رفعه الله إليه، وسيموت بعد نزوله من السماء، وقتله للدجال.
أما قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) النساء/ ١٥٩، فقد اختلف أهل العلم في مرجع الضمير في قوله ﴿موته﴾ على قولين:
القول الأول: أن مرجع الضمير إلى عيسى ابن مريم ﵇، وعلى هذا يكون معنى الآية، أنه ما من أحد من أهل الكتاب إلا سيؤمن بعيسى ﵇، وذلك قبل موته – أي عيسى -، فإنه إذا نزل من السماء، وقتل الدجال، فإنه يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام، وحينها يؤمن أهل الكتاب به، قبل موته ﷺ ، ويعلمون أنه حق، وأنه لم يمت من قبل، فالكلام في الآية عن علامة من علامات الساعة، وشرط من أشراط يوم القيامة، سيكون بعد نزول عيسى، وأنه قبل أن يموت في ذلك الزمان سيؤمن به أهل الكتاب. وقد ورد ما يؤيد هذا القول من قول أبي هريرة ﵁ بعد روايته للحديث الدال على نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، فعن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) النساء/١٥٩) . البخاري ٣١٩٢ مسلم ٢٢٠.
القول الثاني: أن مرجع الضمير إلى الكتابي نفسه، وعلى هذا يكون معنى الآية، أنه ما من أحد من أهل الكتاب إلا سيؤمن بعيسى ﵇، وأنه حق، وأنه لم يمت، وذلك عندما يعاين سكرات الموت، ويرى الحقائق والبراهين، فعند موت ذلك الكتابي سيعلم أن ما كان عليه هو الباطل، لكن لا ينفعه ذلك الإيمان حينئذ.
وعلى كلا القولين السابقين فليس في الآية دليل أو إشارة إلى موته ﷺ ، وإنما الكلام – في القول الأول – على أمر غيبي سيحصل في المستقبل، وهو بلا شك سيموت ﵇، لكن بعد نزوله كما سبق، وعلى القول الثاني: فالمراد بقوله (قبل موته) أي موت الكتابي نفسه.
وقد رجح الطبري وابن كثير وغيرهما من أئمة التفسير القول الأول، قال ابن كثير:" وقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) النساء/١٥٩ "، قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ يعني قبل موت عيسى، يوجه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية، دين إبراهيم ﵇..... عن ابن عباس قال: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته، قال: قبل موت عيسى بن مريم ﵇. ... وعن الحسن ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ قال: قبل موت عيسى والله إنه لحي عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون..... قال ابن جرير: وقال آخرون: يعني بذلك قبل موت صاحب الكتاب، ذكر من كان يوجه ذلك إلى أنه علم الحق من الباطل لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، في الآية، قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى..... وقال ابن عباس: لو ضربت عنقه لم تخرج نفسه حتى يؤمن بعيسى.... وعن ابن عباس، قال: لا يموت اليهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله.
قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصحة القول الأول، وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى ﵇ إلا آمن به قبل موت عيسى ﵇، ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح، لأنه المقصود من سياق الاي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن كذلك، وإنما شبه لهم، فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة ... فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية يعني لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم، ولهذا قال: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته أي قبل موت عيسى ﵇ الذي زعم اليهود ومن وافقههم من النصارى أنه قتل وصلب، ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً أي بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء وبعد نزوله إلى الأرض " [تفسير ابن كثير ١ / ٧٦٢]
ولا بد من التنبيه – أيها الأخ الكريم – على أن مناقشة النصارى لا بد أن تكون عن علم وبينة، حتى لا يكون الإنسان سببا في عدم قبول الناس للحق بسبب ضعف حجته، وإلا فليس عند النصارى حجة صحيحة أصلا، إلا إنهم يلقون بالشبهات ليزيفوا الحقائق، وليلبسوا الحق بالباطل، أعاذنا الله من طرق الزائغين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 249
اعتقاد المسلمين في المسيح ﵇
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو اعتقاد المسلمين في المسيح عيسى ابن مريم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اعتقادنا في المسيح عيسى ابن مريم ﵇ هو ما دل عليه كتاب الله وسنة رسولنا محمد ﷺ .
فنؤمن بأن عيسى ﵇ عبد من عباد الله، ورسول من رسله الكرام، أرسله الله تعالى إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى توحيد الله تعالى وعبادته.
قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) الصف /٦. وقال: (وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) المائدة /٧٢.
فليس عيسى ﵇ إلهاً، ولا ابن الله كما يزعم ذلك النصارى.
قال الله : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) المائدة /٧٢.
وقال جل شأنه: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) التوبة /٣٠.
وأول كلمة قالها عيسى ﵇ لما أنطقه الله وهو في المهد: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) مريم /٣٠.
ونؤمن بأن الله تعالى أيده بالآيات الدالة على صدقه.
قال تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ) المائدة /١١٠.
ونؤمن بأن عيسى ﵇ وُلد من مريم العذراء البتول بلا أب، وليس ذلك ممتنعاً على قدرة الله الذي إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون.
قال الله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) آل عمران /٥٩.
وقال تعالى: (إِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنْ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) آل عمران /٤٥-٤٧.
ونؤمن بأنه ﵇ أحل لليهود بعض ما كان محرماً عليهم.
قال الله عن عيسى ﵇ أنه قال لبني إسرائيل: (وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) آل عمران /٥٠.
ونؤمن بأنه لم يمت ولم يقتله أعداؤه اليهود، بل نجاه الله تعالى منهم، ورفعه إلى السماء حياً.
قال عن اليهود: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) النساء /١٥٦-١٥٨.
ونؤمن بأنه بَشَّر أتباعه بنبينا محمد ﷺ .
قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) الصف /٦.
ونؤمن بأنه سينزل في آخر الزمان، فيكذب أعداءه اليهود في زعمهم أنهم قتلوه، ويكذب النصارى في دعواهم أنه الله أو ابن الله، ولا يقبل منهم إلا الإسلام.
روى البخاري ومسلم (٢٢٢٢) ومسلم (١٥٥) عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ (وفي رواية: لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ) حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ) .
(لَيُوشِكَن) أَيْ لَيَقْرَبَن أَيْ لا بُدّ مِنْ ذَلِكَ سَرِيعًا.
(أَنْ يَنْزِل فِيكُمْ) أَيْ فِي هَذِهِ الأُمَّة.
(حَكَمًا مُقْسِطًا) أَيْ حَاكِمًا عَادِلاً , وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَنْزِل حَاكِمًا بِهَذِهِ الشَّرِيعَة فَإِنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَة بَاقِيَة لا تُنْسَخ , بَلْ يَكُون عِيسَى حَاكِمًا مِنْ حُكَّام هَذِهِ الْأُمَّة.
(فَيَكْسِر الصَّلِيب، وَيَقْتُل الْخِنْزِير) أَيْ يُبْطِل دِين النَّصْرَانِيَّة بِأَنْ يَكْسِر الصَّلِيب حَقِيقَة وَيُبْطِل مَا تَزْعُمهُ النَّصَارَى مِنْ تَعْظِيمه.
(وَيَضَع الْجِزْيَة)
قال النووي:
الصَّوَاب فِي مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لا يَقْبَلهَا، وَلا يَقْبَل مِنْ الْكُفَّار إِلا الإِسْلام، وَمَنْ بَذَلَ مِنْهُمْ الْجِزْيَة لَمْ يَكُفّ عَنْهُ بِهَا، بَلْ لا يَقْبَل إِلا الإِسْلام أَوْ الْقَتْل. هَكَذَا قَالَهُ الإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى اهـ.
(َيَفِيض الْمَال) أَيْ: يَكْثُر , وَسَبَب كَثْرَته نُزُول الْبَرَكَات، وَتَوَالِي الْخَيْرَات، بِسَبَبِ الْعَدْل وَعَدَم الظُّلْم، وَحِينَئِذٍ تُخْرِج الأَرْض كُنُوزهَا، وَتَقِلّ الرَّغَبَات فِي اِقْتِنَاء الْمَال لِعِلْمِهِمْ بِقُرْبِ السَّاعَة.
ثم يموت ﵇ ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه.
روى أحمد (٩٣٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (أنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ. . . ثم ذكر نزوله ﵇ في آخر الزمان. ثم قال: فَيَمْكُثُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَيَدْفِنُونَهُ) . صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢١٨٢) .
ونؤمن بأنه ﵇ سيتبرأ يوم القيامة ممن زعموا أنه إله.
قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) المائدة /١١٦-١١٧.
(مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) المائدة / ١١٧
فهذا اعتقاد المسلمين في المسيح عيسى ابن مريم ﵇.
وقد روى البخاري (٣٤٣٥) ومسلم (٢٨) عَنْ عُبَادَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ) .
نسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان ويتوفانا عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 250
عصمة الأنبياء
[السُّؤَالُ]
ـ[أود أن أسال عن العقيدة، هل من عقيدتنا الإيمان بصدور الذنب عن الأنبياء وأنهم غير معصومين؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأنبياء هم صفوة البشر، وهم أكرم الخلق على الله تعالى، اصطفاهم الله تعالى لتبليغ الناس دعوة لا إله إلا الله، وجعلهم الله تعالى الواسطة بينه وبين خلقه في تبليغ الشرائع، وهم مأمورون بالتبليغ عن الله تعالى، قال الله تعالى: " أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين " الأنعام / ٨٩.
والأنبياء وظيفتهم التبليغ عن الله تعالى مع كونهم بشرا، ولذلك فهم بالنسبة للأمر المتعلق بالعصمة على حالين:
١- العصمة في تبيلغ الدين.
٢- العصمة من الأخطاء البشرية.
أولاً: أما بالنسبة للأمر الأول، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون في التبليغ عن الله ﵎، فلا يكتمون شيئاً مما أوحاه الله إليهم، ولا يزيدون عليه من عند أنفسهم، قال الله تعالى لنبيه محمد – ﷺ – " يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " المائدة /٦٧، وقال تعالى: " ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين " الحاقة /٤٧ - ٤٤.
وقال تعالى: " وما هو على الغيب بضنين " التكوير /٢٤، قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي – ﵀ – في تفسير هذه الآية " وما هو على ما أوحاه الله إليه بشحيح، يكتم بعضه، بل هو – ﷺ – أمين أهل السماء، وأهل الأرض، الذي بلغ رسالات ربه، البلاغ المبين، فلم يشح بشيء منه، عن غني ولا فقير، ولا رئيس ولا مرؤوس، ولا ذكر ولا أنثى، ولا حضري ولا بدوي، ولذلك بعثه الله في أمة أمية جاهلة جهلاء، فلم يمت – ﷺ – حتى كانوا علماء ربانيين، إليهم الغاية في العلوم ... " انتهى
فالنبي في تبليغه لدين ربه وشريعته لا يخطأ في شيء البتة لا كبير ولا قليل، بل هو معصوم دائماً من الله تعالى.
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀ – (فتاوى ابن باز ج٦/٣٧١) :
" قد أجمع المسلمون قاطبة على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام – ولاسيما محمد – ﷺ – معصومون من الخطأ فيما يبلغونه عن الله ، قال تعالى: " والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى " النجم /١-٥) ، فنبينا محمد – ﷺ – معصوم في كل ما يبلغ عن الله قولاً وعملاً وتقريراً، هذا لا نزاع فيه بين أهل العلم " انتهى.
وقد اتفقت الأمة على أن الرسل معصومون في تحمل الرسالة، فلا ينسون شيئا مما أوحاه الله إليهم، إلا شيئا قد نسخ، وقد تكفل الله جل وعلا لرسوله _ ﷺ _ أن يقرئه فلا ينسى، إلا شيئاً أراد الله أن ينسيه إياه وتكفل له بأن يجمع له القرآن في صدره. قال تعالى. " سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله " الأعلى / ٧، وقال تعالى: " إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه " القيامة /١٧-١٨.
قال شيخ الإسلام ﵀ (مجموع الفتاوى ج١٨ / ٧) :
" فان الآيات الدالة على نبوة الأنبياء دلت على أنهم معصومون فيما يخبرون به عن الله فلا يكون خبرهم إلا حقاً وهذا معنى النبوة وهو يتضمن أن الله ينبئه بالغيب وأنه ينبئ الناس بالغيب والرسول مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه " انتهى.
ثانيا: بالنسبة للأنبياء كأناس يصدر منهم الخطأ، فهو على حالات:
١- عدم الخطأ بصدور الكبائر منهم:
أما كبائر الذنوب فلا تصدر من الأنبياء أبدا وهم معصومون من الكبائر، سواء قبل بعثتهم أم بعدها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (مجموع الفتاوى: ج٤ / ٣١٩) :
" إن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف ... وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم يُنقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول " انتهى.
٢- الأمور التي لا تتعلق بتبيلغ الرسالة والوحي.
وأما صغائر الذنوب فربما تقع منهم أو من بعضهم، ولهذا ذهب أكثر أهل العلم إلى أنهم غير معصومين منها، وإذا وقعت منهم فإنهم لا يُقرون عليها بل ينبههم الله ﵎ عليها فيبادرون بالتوبة منها.
والدليل على وقوع الصغائر منهم مع عدم إقرارهم عليها: - قوله تعالى عن آدم: " وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) طه / ١٢١-١٢٢، وهذا دليل على وقوع المعصية من آدم – ﵊، وعدم إقراره عليها، مع توبته إلى الله منها.
- قوله تعالى " قال هذا من عمل الشيطان إنه عدوٌ مضلٌ مبين* قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم " القصص/١٥،١٦. فموسى – ﵊ اعترف بذنبه وطلب المغفرة من الله بعد قتله القبطي، وقد غفر الله له ذنبه.
- قوله تعالى: " فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب * فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب " ص / ٢٣،٢٤، وكانت معصية داود هي التسرع في الحكم قبل أن يسمع من الخصم الثاني.
وهذا نبينا محمد ﷺ يعاتبه ربه في أمور ذكرت في القرآن، منها:
- قوله تعالى " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم " التحريم /١، وذلك في القصة المشهورة مع بعض أزواجه – ﷺ .
- كذا عتاب الله تعالى للنبي – ﷺ في أسرى بدر:
فقد روى مسلم في صحيحه (٤٥٨٨) " قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله – ﷺ – لأبي بكر وعمر – ﵄: " ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ " فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العم والعشيرة , أرى أن تأخذ منهم فدية , فتكون لنا قوة على الكفار , فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله – ﷺ : " ما ترى يا ابن الخطاب؟! " قال: قلت لا، والله يا رسول الله – ﷺ – ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان - نسيبا لعمر – فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله – ﷺ – ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله – ﷺ – وأبو بكر قاعدين وهما يبكيان، قلت: يا رسول الله! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله – ﷺ : " أبكي للذي عَرَضَ عليّ أصحابُك من أخذهم الفداء، لقد عُرِض عليّ عذابُهم أدنى من هذه الشجرة " – شجرة قريبة من نبي الله – ﷺ وأنزل الله : " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " إلى قوله: " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " الأنفال / ٦٧–٦٩، فأحل الله الغنيمة لهم.
ففي هذا الحديث اتضح أن اختيار النبي ﷺ للعفو عن الأسرى إنما كان أمرا اجتهاديا منه بعد مشاورة أصحابه، ولم يكن عنده ﷺ فيه من الله تعالى نص.
- قوله تعالى: " عبس وتولى * أن جاءه الأعمى " عبس /١-٢، وهذه قصة الصحابي الجليل عبد الله ابن أم مكتوم الشهيرة مع رسول الله ﷺ والتي عاتبه الله فيها.
قال شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى: ج٤ / ٣٢٠) :
" وعامة ما يُنقل عن جمهور العلماء أنهم (أي الأنبياء) غير معصومين عن الإقرار على الصغائر، ولا يقرون عليها، ولا يقولون إنها لا تقع بحال، وأول من نُقل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقاً، وأعظمهم قولاً لذلك: الرافضة، فإنهم يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل " انتهى.
وقد يستعظم بعض الناس مثل هذا ويذهبون إلى تأويل النصوص من الكتاب والسنة الدالة على هذا ويحرفونها. والدافع لهم إلى هذا القول شبهتان:
الأولى: أن الله تعالى أمر باتباع الرسل والتأسي بهم، والأمر باتباعهم يستلزم أن يكون كل ما صدر عنهم محلاً للاتباع، وأن كل فعل، أو اعتقاد منهم طاعة، ولو جاز أن يقع الرسول ﷺ في معصية لحصل التناقض، لأن ذلك يقتضي أن يجتمع في هذه المعصية التي وقعت من الرسول الأمر باتباعها وفعلها، من حيث إننا مأمورون بالتأسي به، والنهي عن موافقتها، من حيث كونها معصية.
وهذه الشبهة صحيحة وفي محلها لو كانت المعصية خافية غير ظاهرة بحيث تختلط بالطاعة، ولكن الله تعالى ينبه رسله ويبين لهم المخالفة، ويوفقهم إلى التوبة منها من غير تأخير.
الثانية: أن الذنوب تنافي الكمال وأنها نقص. وهذا صحيح إن لم يصاحبها توبة، فإن التوبة تغفر الذنب، ولا تنافي الكمال، ولا يتوجه إلى صاحبها اللوم، بل إن العبد في كثير من الأحيان يكون بعد توبته خيراً منه قبل وقوعه في المعصية ومعلوم أنه لم يقع ذنب من نبي إلا وقد سارع إلى التوبة والاستغفار، فالأنبياء لا يقرون على ذنب، ولا يؤخرون توبة، فالله عصمهم من ذلك، وهم بعد التوبة أكمل منهم قبلها.
٣- الخطأ في بعض الأمور الدنيوية – بغير قصد -:
وأما الخطأ في الأمور الدنيوية، فيجوز عليهم الخطأ فيها مع تمام عقلهم، وسداد رأيهم، وقوة بصيرتهم، وقد وقع ذلك من بعض الأنبياء ومنهم نبينا محمد ﷺ ويكون ذلك في مناحي الحياة المختلفة من طب وزراعة وغير ذلك.
فقد روى مسلم في صحيحه (٦١٢٧) عن رافع بن خديج قَالَ: قَدِمَ نَبِيّ اللهِ ﷺ – الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يَأْبُرُونَ النّخْلَ. يَقُولُونَ يُلَقّحُونَ النّخْلَ. فَقَالَ: "مَا تَصْنَعُونَ؟ " قَالُوا: كُنّا نَصْنَعُهُ. قَالَ: "لَعَلّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْراً " فَتَرَكُوهُ. فَنَفَضَتْ أَوْ قال: فَنَقَصَتْ. قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: " إِنّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيي، فَإِنّمَا أَنَا بَشَرٌ" وبهذا يكون قد علم أن أنبياء الله تعالى معصومون عن الخطأ في الوحي، ولنحذر ممن يطعنون في تبليغ الرسول ﷺ ، ويشككون في تشريعاته ويقولون هي اجتهادت شخصية من عنده حاشاه ﷺ قال الله تعالى: " وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى " النجم /٣-٤.
وسئلت اللجنة الدائمة: هل الأنبياء والرسل يخطئون؟
فأجابت:
نعم، يخطئون ولكن الله تعالى لا يقرهم على خطئهم بل يبين لهم خطأهم رحمة بهم وبأممهم، ويعفو عن زلتهم، ويقبل توبتهم فضلاً منه ورحمة، والله غفور رحيم، كما يظهر ذلك من تتبع الآيات القرآنية التي جاءت في هذا" اهـ
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٣/١٩٤) .
وللمزيد راجع سؤال رقم (٧٢٠٨)
والله اعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 251
نوح ﵇
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد أن أعرف بعض المعلومات عن نبي الله نوح ﵇؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اصطفى الله من بني آدم رسلاً وأنبياء كما قال سبحانه: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) آل عمران/٣٣.
وقد أرسل الله نوحاً إلى قومه ليدعوهم إلى عبادة الله وحده: (لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) الأعراف/٥٩.
وكان قوم نوح يعبدون الأصنام فطغوا، وتمردوا واستكبروا: (وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً) نوح/٢٣.
وقد دعا نوح قومه ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام كما قال سبحانه: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً) العنكبوت/١٤.
ولكن قوم نوح لم يستجيبوا له ولم ينتفعوا بنصحه بل أنكر أشرافهم نبوته واتهموه بالكذب وقالوا إن أتباعه من الفقراء والضعفاء الذين لا فكر لهم ولا رؤية قال تعالى: (فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشراً مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين) هود/٢٧.
واستمر نوح ﵇ في دعوة قومه وتلطف بهم ودعاهم في كل مناسبة ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً فما آمن معه إلا قليل أما الأكثرون فقد كذبوه وسخروا منه واتهموه بالجنون وحالوا بينه وبين تبليغ رسالة ربه وهددوه بالرجم إن لم ينته: (قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين) الشعراء/١١٦.
ولكن نوح لم يبال بتهديدهم فواصل دعوته لهم حتى إذا ضاق ذرعاً باستكبارهم، واستهزائهم لجأ إلى ربه بهذه الشكوى: (قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً، فلم يزدهم دعائي إلا فراراً، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً، ثم إني دعوتهم جهاراً، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً، فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً) نوح/٥-١٢.
فلما أيس نوح ﵇ من إيمان قومه، وهددوه بالقتل وآذوه ومن آمن معه فما كان منه إلا أن دعا عليهم بقوله: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً إنك أن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً) نوح/٢٦ -٢٧.
وقد استجاب الله دعاء نوح ﵇ وقضى بهلاك قوم نوح بالغرق وأمره أن يصنع سفينة النجاة ليركب فيها والمؤمنون معه: (وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون) هود/٣٦-٣٧.
ولما أتم نوح ﵇ صنع السفينة وظهرت علامات بدء العذاب بتفجير العيون من الأرض ونزول الماء من السماء أمر الله نوحاً بأن يحمل فيها من الأحياء والحيوانات زوجين اثنين ذكراً وأنثى ليبقى ويستمر نسلها كما أمره الله أن يحمل معه أهله ما عدا من كفر منهم، وهم إحدى زوجاته وأحد أبنائه كما أمر الله أيضاً أن يحمل معه المؤمنين به وهم قليل قال تعالى: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم، وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين) هود/٤٠-٤٣.
ثم أخذت نوحاً عاطفة الشفقة على ولده فطلب من ربه أن ينجيه من الهلاك: (ونادى نوح ربه فقال ربي إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين، قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألنِ ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين) هود/٤٥-٤٦.
ولما أهلك الله الكفار بالغرق أمر الله الأرض أن تبلع الماء وأمر السماء أن تكف عن المطر فاستوت السفينة راسية على جبل الجودي بالموصل وقضي الأمر وأهلك الظالمون: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين) هود/٤٤.
وبعد أن استوت السفينة على الجبل، أمر الله نوحاً أن ينزل ومن معه محفوفاً بالسلام والبركات: (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) هود/٤٨.
وهكذا نصر الله نوحاً والمؤمنين معه وأهلك من كفر به وجعلهم عبرة للناس: (ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم، ونصرناه من القوم لذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوءٍ فأغرقناهم أجمعين) الأنبياء/٧٦ - ٧٧.
ثم جعل الله في ذرية نوح وإبراهيم ﵉ النبوة والكتاب كما قال سبحانه: (ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون) الحديد/٢٦.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب أصول الدين الإسلامي للشيخ محمد بن إبراهيم التويجري.
стр. 252
سبب عدم وجود صورة للنبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا لا توجد أي صورة للنبي محمد ﷺ في أي مكان في العالم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جاءت الشريعة بسدِّ كلِّ باب يُوصِل إلى الشِّرك بالله، ومن هذه الوسائل التصوير فقد جاءت الشريعة بتحريم الصورة، ولعن من يفعل ذلك بل جاء الوعيد الشديد لمن فعل ذلك، فعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه البخاري (الصلاة/٤٠٩) ، وعن عَائِشَةَ ﵂ قالت قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ سَتَرْتُ بِقِرَامٍ لِي عَلَى سَهْوَةٍ لِي فِيهَا تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَتَكَهُ وَقَالَ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ قَالَتْ فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ) رواه البخاري (اللباس/٥٤٩٨) ، وعن عبد الله بن مسعود قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ) رواه البخاري (اللباس/٥٤٩٤) فكيف يأذن بعمل صورة له، ولذلك لم يجرؤ أحد من الصحابة على رسم صورة له لأنهم يعلمون الحكم بالتحريم.
وحذر الله من الغلو فقال: (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم) النساء /١٧١، وقد حذَّر النبي ﷺ من أيِّ فِعْلٍ يكون فيه غُلُوّ في حقه ﷺ ، فقال: (لا تُطْرُونِي كما أَطْرَتِ النصارى ابن مريم، إنّما أنا عَبْدٌ، فقولوا عبد الله ورسوله) ، رواه البخاري (أحاديث الأنبياء/٣١٨٩) ، وقد بَوّبَ الإمام محمد بن عبد الوهاب باب: ما جاء أنّ سَبَب كُفْر بني آدم هو الغلو في الصالحين ... قال: " وفي الصحيح عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: (وقالوا لا تَذَرُنَّ آلهَتَكُمْ ولا تَذَرُنَّ وَدّاً ولا سُوَاعاً ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْراً) نوح/٢٣، قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم. ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت "، قال ابن القيم: " قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا لهم التماثيل ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم " فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن ص/٢١٩.
ولذلك لا توجد صورة للنبي ﷺ لأنه جاء بالتحذير منها لأنها أدت إلى الشرك.
ومقتضى شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ ، أن نؤمن به وبما جاء به، ولو لم توجد له أي صورة، والمؤمنون لا يحتاجون إلى صورة له حتى يتَّبعوه، ثم إن وصفه الثابت في الروايات الصحيحة يغني عن صورته ومن أوصافه ﷺ الواردة:
١- كان ﵊ أحسن الناس وجهاً
٢- كان عريض ما بين المنكبين
٣- ليس بالطويل ولا بالقصير
٤- مستدير الوجه ووجهه مشرب بحمرة.
٥- أدعج العين وهو: الشَّدِيدُ سَوَادِ الْعَيْنِ.
٦- أَهْدَبُ الأَشْفَارِ: الطَّوِيلُ
٧- وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ أَجْوَدُ النَّاسِ كَفَّا وَأَشْرَحُهُمْ صَدْرًا وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً وَأَلْيَنُهُمْ عَرِيكَةً وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةً مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ يَقُولُ نَاعِتُهُ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ مِثْلَهُ
يراجع سنن الترمذي (المناقب/٣٥٧١) وغيره من كتب السنة في وصفه ﵊.
ولا شك أن المؤمنين يتمنون لقاء النبي ﷺ ولذلك جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأهْلِهِ وَمَالِهِ) رواه مسلم (الجنة وصفة نعيمها/٥٠٦٠) ولا شك أن محبته ﷺ واتباعه سبب للاجتماع به في الجنة، ومن محبته ﵊ رؤيته في المنام، وتكون رؤيته على صفته الصحيحة فقد ثبت من حديث أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ وَلا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي) قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ إِذَا رَآهُ فِي صُورَتِهِ رواه البخاري (التعبير/٦٤٧٨) . والله الموفق وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 253
هل إدريس أول الرسل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت في بعض كتب التاريخ بأن إدريس هو أول الرسل وأنه قبل نوح، فهل هذا صحيح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" أول الرسل عليهم الصلاة والسلام نوح ﵊، وآخرهم محمد ﷺ وأما قبل نوح فلم يبعث رسول، وبهذا نعلم خطأ المؤرخين الذين قالوا: إن إدريس ﷺ كان قبل نوح، لأن الله يقول: في كتابه: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده) النساء / ١٦٣.
وفي الحديث الصحيح في قصة الشفاعة " أن الناس يأتون إلى نوح فيقولون له: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض " فلا رسول قبل نوح، ولا رسول بعد محمد ﷺ لقوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) الأحزاب / ٤٠
وأما نزول عيسى بن مريم، ﵇ في آخر الزمان فإنه لا ينزل على أنه رسول مجدد، بل ينزل على أنه حاكم بشريعة النبي محمد ﷺ لأن الواجب على عيسى وعلى غيره من الأنبياء الإيمان بمحمد ﷺ كما قال الله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) آل عمران / ٨١، وهذا الرسول المصدق لما معهم هو محمد ﷺ كما صح ذلك عن ابن عباس وغيره ".
مجموع فتاوى الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ ١/٣١٥
وانظر سؤال رقم ١٠٥٥١ للمزيد عن هذا الموضوع.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 254
ما هي وظائف عيسى ﵇
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي وظائف وواجبات عيسى ﵇ باعتباره المسيح في الإسلام. بعض النصارى المناهضين للإسلام سألوا هذا السؤال ولا أعرف الإجابة عليه.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لعيسى ﵇ حالان:
١- الحالة الأولى: قبل رفع الله له لما أراد اليهود صلبه. ووظائفه في ذلك الوقت كوظيفة أي نبي اُمر بتبليغ الرسالة، وآتاه الله الإنجيل مصدقا للتوراة، وأعطاه من المعجزات ما هو معلوم مثل أن: يبرىء الأكمه، والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله وغيرها من المعجزات المعروفة. (فدعا قومه إلى عبادة الله وتوحيده وطاعته وكان شهيداً عليهم طيلة مقامه ولبثه فيهم)
٢- الحالة الثانية: في آخر الزمان حين يخرج الدجال، فينزله الله إلى الأرض، ويكون قائدا للمؤمنين وحاكما فيهم بشريعة الإسلام، ويقتل الدجال، وفي زمنه يخرج المهدي، وتنزل البركة من الله حتى إن الناقة ليكفي لبنها العدد الكثير من الناس، ويفيض المال، وفي زمنه يخرج يأجوج ومأجوج، ويعيثون في الأرض فسادا، (فيهلكهم الله ويحكم عيسى ﵇ الأرض بشريعة الإسلام حتى يموت ويصلي عليه المسلمون) ، ثم يرسل الله ريحا باردة فتقبض روح كل مؤمن، فلا يبقى بعد ذلك إلا شِرار الناس، وعليهم تقوم الساعة.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ سعد الحميد.
стр. 255
كيف تغسل المرأة شعرها عن الغسل من الجنابة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم مسح المرأة على الخمار عند غسلها من الجنابة، والمرأة في الدول الأجنبية قد تجد صعوبة بغسل الرأس بعد الجنابة كل مرة مما قد يقف حجر عثرة في طريق إسلامها لكونها تتخذ شكلا لرأسها يغيره الماء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أن المعلوم من الشرع المطهر ومن كلام أهل العلم أن المسح على الحوائل من خف وعمامة وخمار لا يجوز في الجنابة بالإجماع، وإنما يجوز في الوضوء خاصة لحديث صفوان بن عسال ﵁ قال: أمرنا رسول الله إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم، ولا ريب أن الشريعة الإسلامية هي شريعة السماحة والتيسير، ولكن ليس في غسل الرأس من الجنابة حرج شديد؛ لأن الرسول ﷺ لما سألته أم سلمة عن الغسل من الجنابة والحيض قائلة: يا رسول الله إني أشد شعر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة والحيضة قال لها ﵊: (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) أخرجه مسلم في صحيحه.
فعليه يرشد النساء اللاتي يتحرجن من غسل رءوسهن في الجنابة بأنه يكفيهن أن يحثين على رءوسهن ثلاث حثيات من الماء حتى يعمه الماء من غير حاجة إلى نقض ولا تغيير شيء من الزي الذي يشق عليهن تغييره، مع بيان ما لهن عند الله من الأجر العظيم والعاقبة الحميدة والحياة الطيبة الكريمة الدائمة في دار الكرامة إذا صبرن على أحكام الشريعة وتمسكن بها، لكن الحوائل الضرورية التي يحتاجها الإنسان لعروض كسر أو جرح لا بأس بالمسح عليها في الطهارة الكبرى والصغرى، من أجل الضرورة من غير توقيت، ما دامت الحاجة ماسة إلى ذلك، لحديث جابر في الرجل الذي شج في رأسه فأمر النبي صلى الله عيه وسلم أن يعصب على جرحه خرقة ويمسح عليها ثم يغسل سائر جسده، أخرجه أبو داود في سننه.
ومما يحسن التنبيه عليه للراغبين والراغبات في الإسلام عند التوقف في بعض المسائل أو التحرج في بعض الأحكام أن يقال لهم إن الجنة حفت بالمكاره والنار حفت بالشهوات، وأن الله سبحانه أمر عباده بما أمرهم به ليبلوهم أيهم أحسن عملا، فليس الحصول على رضي الرب ودخول جنته والفوز بكرامته بالأمر السهل من كل الوجوه الذي يناله الإنسان بدون أي مشقة، ليس الأمر هكذا، بل لا بد من صبر وجهاد للنفس، وتحمل للكثير من المشاق في سبيل مرضاة الرب جل وعلا، ونيل كرامته والسلامة من غضبه وعقابه، كما قال الله : (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا) الكهف / ٧ وقال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا) الملك / ٢ وقال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) محمد / ٣١، والآيات كثيرة في هذا المعنى.
والله المسئول أن يجعلنا وإياكم من دعاة الهدى، وأن يصلح أحوال المسلمين وأن يمن على الجميع بالبصيرة فيما خلقوا له، وأن يكثر بينهم دعاة الحق إنه على كل شيء قدير.
[الْمَصْدَرُ]
مجموع فتاوى ومقالات للشيخ ابن باز ٦ / ٢٣٧
стр. 256
هل يقال للنبي محمد حبيب الله
[السُّؤَالُ]
ـ[وصف النبي ﷺ بحبيب الله؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
" النبي ﷺ حبيب الله لا شك فهو حاب لله ومحبوب لله، ولكن هناك وصف أعلى من ذلك وهو خليل لله، فالرسول ﷺ خليل الله كما قال ﷺ : " إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً " رواه مسلم (٥٣٢) .
والخلة هي كمال المحبة.
ولهذا من وصفه بالمحبة فقط فإنه نزله عن مرتبته، فالخلة أعظم من المحبة وأعلى، فكل المؤمنين أحباء الله، ولكن الرسول ﷺ في مقام أعلى من ذلك وهو الخلة فقد اتخذه الله خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، لذلك نقول: إن محمداً رسول الله ﷺ خليل الله، وهذا أعلى من قولنا: حبيب الله لأنه متضمن للمحبة، وزيادة لأنه غاية المحبة."
مجموع فتاوى ابن عثيمين ﵀ (١/٣١٩)
وقال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (١٠/٢٠٤) :
وقول بعض الناس إن محمدا حبيب الله وإبراهيم خليل الله، وظنه أن المحبة فوق الخلة، قول ضعيف، فإن محمدا أيضا خليل الله، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة المستفيضة اهـ.
وقال ابن القيم في "روضة المحبين" (١/٤٩)
وقد ظن بعض من لا علم عنده أن الحبيب أفضل من الخليل، وقال: محمد حبيب الله، وإبراهيم خليل الله. وهذا باطل من وجوه كثيرة:
منها: أن الخلة خاصة، والمحبة عامة. فإن الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين، وقال في عباده المؤمنين: (يحبهم ويحبونه) .
ومنها: أن النبي نفى أن يكون له من أهل الأرض خليل، وأخبر أن أحب النساء إليه عائشة، ومن الرجال أبوها.
ومنها: أنه قال: (إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا) .
ومنها: أنه قال: (لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته) اهـ.
فائدة:
قد ورد حديث ظاهره يخالف ما تقدم من أن الخلة أعلى من المحبة، رواه الترمذي (٣١٦١) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ، وَمُوسَى نَجِيُّ اللَّهِ، وَعِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ، أَلا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلا فَخْرَ. . . إلخ الحديث) .
وهذا الحديث ضعيف، لا يصح عن النبي ﷺ . ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 257
لماذا لا يستجيب الناس لشرع الله
[السُّؤَالُ]
ـ[أن الله أنزل الأديان وبعث الرسل ليستقيم أحوال البشر لما في هذه الشرائع من قيم الخير والصلاح والسعادة والعدل.. الخ ... ولكن واقع الحال لا نجد أن هذه الشرائع قد حققت تلك الأهداف إلا في فترات قصيرة جدا عبر التاريخ ...
والسؤال كيف يمكن للمتدين الإيمان بتلك القيم وهي شبيهة بالسراب ولا يجدها على أرض الواقع (إلا في زمن الأنبياء والصحابة) ... أرجوكم بشدة الإجابة لأن هذا السؤال يؤرقني.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
في بداية الجواب نذكر لك وصية مهمة، وصى بها شيخ الإسلام ابن تيمية تلميذه ابن القيم، كما في مفتاح دار السعادة (١/١٤٠) ، قال ابن القيم ﵀:
وقال لي شيخ الإسلام رضى الله عنه - وقد جعلت أورد عليه إيرادا بعد إيراد -:
" لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها، فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها، ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقرا للشبهات " أو كما قال.
فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك ". انتهى كلامه.
واعلم وفقك الله أن المقصود من إرسال الرسل هو دلالة الناس لعبادة الله ، ولكي يقيموا الحجة على عباده، ولم يُكَلّف أنبياء الله أن يدخلوا الإيمان في قلوب الناس، قال تعالى: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) الرعد / ٧، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) صّ / ٦٥، وقال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً) المزمل / ١٩، وقال تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) الكهف / ٢٩.
وفي صحيح مسلم رحمه الله تعالى (٢٨٦٥) عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ:
أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا – ومما قاله -: وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَالَ إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ. قال الله لنبيه: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) الشعراء / ٣ أي مهلك نفسك بالحزن على عدم إيمانهم.
وقال تعالى لنبيه: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) يونس / ٩٩، وقال تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) يوسف / ١٠٣ وقد قدر الله أن يجعل من بني آدم من هو مؤمن، ومن هو كافر قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) التغابن / ٢.
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ. يَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْك. فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. قَال: يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ. قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ، ثُمَّ أَنْتُمْ فِي النَّاسِ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأَبْيَضِ أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا. أخرجه البخاري (٤٧٤١) ، ومسلم (٢٢٢) .
وأخبر النبي ﷺ أن هذا الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، كما رواه مسلم في صحيحه برقم (١٤٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ.
وأخبر النبي ﷺ عمّن قبله من الأنبياء، وأن أتباعهم قليل فقال كما في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٥٧٠٥) عن ابْن عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ قُلْتُ مَا هَذَا أُمَّتِي هَذِهِ قِيلَ بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ قِيلَ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلأُ الأُفُقَ ثُمَّ قِيلَ لِي انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلأَ الأُفُقَ قِيلَ هَذِهِ أُمَّتُكَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ.
واعلم بأنه لا يلزم من صحة القيم أن يعمل الناس كلهم بها، فهؤلاء الناس على اختلاف عصورهم وطبقاتهم ولغاتهم أكثرهم - إلا من رحم الله - لم يقم بما جبلت عليه النفوس من الأخلاق الحميدة، فضلا عما أمر الله به، وتركهم لها لا ينفي كونها أخلاقا حميدة في ذاتها.
والسبب في ذلك أن الله سبحانه خلق النفس البشرية، وجعل من صفاتها الأساسية الجهل والظلم كما قال تعالى عن الإنسان وهو أعلم به: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) الأحزاب / ٧٢، فهذه النفس تُقْدِم على ما يضرها، وهي تعلم ذلك، وهذا لما في نفسها من الظلم والجهل.
ويكفي المسلم المذعن لعبودية الله سورة العصر التي قال عنها الشافعي ﵀: لو ما أنزل الله على عباده إلا هذه السورة لكفتهم "
قال تعالى: (والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) فكل جنس بني آدم في خسارة إلا من حقق هذه الشروط.
نسأل الله أن يجعلنا منهم وأن يثبتنا على هذا الصراط.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 258
ما هي المنزلة الرفيعة للنبي محمد ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[أرغب في معرفة المنزلة الرفيعة للنبي محمد ﷺ ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يشرع لمن سمع النداء والأذان أن يتابع المؤذن فإذا فرغ من المتابعة في جميع الأذان صلى وسلم على النبي محمد ﷺ ثم قال ما ورد في الحديث الصحيح عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. " رواه البخاري ٥٧٩، وليس في الدعاء عبارة: (الدرجة العالية الرفيعة) فلا تقال، والعطف في قوله: " الوسيلة والفضيلة " عطف بيان أي عطف تفسير، والوسيلة هي المرتبة الزائدة على سائر الخلق وفسرها النبي ﷺ في الحديث الذي رواه عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرِو بْن الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ. " رواه مسلم ٥٧٧
والمقام المحمود هو الشفاعة العظمى عند الله للفصل بين العباد ولا يؤذن فيها إلا لمحمد ﷺ وهي المذكورة في قوله تعالى لنبيه ﷺ : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩) سورة الإسراء، وسمي بالمقام المحمود لأنّ جميع الخلائق يحمدون محمدا ﷺ على ذلك المقام لأنّ شفاعته سبب فكّ كربتهم من أهوال المحشر والانتقال إلى الحساب والفصل بين الخلائق، والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 259
لم تتأثر عبادة النبي ﷺ لما سحر
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف سحر النبي ﷺ وهو الذي لا يضاهيه في العبادة أحد؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الصحيح أن النبي ﷺ لم يضره ذلك السحر في بدنه، ولا في عقله وإدراكه، وفي دينه وعبادته، ولا في رسالته التي كلف بإبلاغها، ولذلك لم يستنكر أحد من الناس شيئا من سيرته، ولا معاملته معهم في صلاته وأذكاره، وتعليمه، فعلى هذا إنما كان أثر السحر فيما يتعلق بالجماع مع النساء، أو بعض نسائه،، ولهذا لم ينقله سوى عائشة، وقد ذكرت أنه كان يخيل إليه أنه يأتي النساء وما يأتيهن، وهذا القدر لا يؤثر في الرسالة، وهو من قضاء الله وقدره، لحكمة أن الله قد يبتلي بعض الصالحين كالأنبياء، فأشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
اللؤلؤ المكين من فتاوى الشيخ عبد الرحمن بن جبرين ص٦٥.
стр. 260
هل نزل عيسى إلى الأرض بعد رفعه أم لا
[السُّؤَالُ]
ـ[هل تم رفع عيسى ﵇ مرتين إلى لله؟ لأنني قرأت في أحد الكتب أن عيسى ﵇ رُفع للسماء ثم رجع ثانية للأرض ليريح والدته ويخبر اليهود شيئا ما ثم رُفع ثانية فهل هذا صحيح؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذكر لنا الله رفع عيسى ﵇ إلى السماء مرة واحدة في قوله تعالى " بل رفعه الله إليه " ولم يذكر لنا الله أنه أُرجِع إلى الأرض. لذلك فإن على الذين يزعمون أن عيسى أرجع إلى الأرض أن يقدموا لنا الدليل والبرهان على ذلك. فإن لم يستطيعوا ولن يستطيعوا فإن جدالهم ليس له أساس.
قال الله : (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) سورة آل عمران.
قال ابن جرير ﵀: " توفيه " هو رفعه، وقال الأكثرون المراد بالوفاة هاهنا النوم كما قال تعالى: (وهو الذي يتوفاكم بالليل) الآية وقال تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) الآية وكان رسول الله ﷺ يقول إذا قام من النوم الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور " رواه البخاري ٦٣١٢ ومسلم ٢٧١١.
وذكره لرفع عيسى إلى السماء فيه ردّ على اليهود الذين زعموا أنهم قتلوه، فقال عنهم: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) سورة النساء
فعيسى ﵇ لم يمت بعد بل رفعه الله إليه لما أراد اليهود قتله وسينزل في آخر الزمان ويحكم الأرض بالإسلام ويعيش ما شاء الله أن يعيش ثم يُتوفّى ويُصلي عليه المسلمون، قال ابن كثير ﵀: والضمير في قوله " قبل موته " عائد على عيسى ﵇ أي وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة على ما سيأتي بيانه فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلهم لأنه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام..
وقوله تعالى: (ومطهرك من الذين كفروا) أي برفعي إياك إلى السماء، (وجاعل الذين أتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) وهكذا وقع فإن المسيح ﵇ لما رفعه الله إلى السماء تفرقت أصحابه شيعا بعده فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أَمَته ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله وآخرون قالوا هو الله وآخرون قالوا هو ثالث ثلاثة وقد حكى الله مقالتهم في القرآن ورد على كل فريق فاستمروا على ذلك قريبا من ثلاث مئة سنة ثم نبع لهم ملك من ملوك اليونان يقال له قسطنطين فدخل في دين النصرانية، قيل حيلة ليفسده فإنه كان فيلسوفا وقيل جهلا منه إلا أنه بدل لهم دين المسيح وحرفه وزاد فيه ونقص منه ووضعت له القوانين والأمانة الكبرى التي هي الخيانة الحقيرة وأحل في زمانه لحم الخنزير وصلوا إلى المشرق وصوروا له الكنائس والمعابد والصوامع وزاد في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه فيما يزعمون وصار دين المسيح دين قسطنطين إلى أن بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثني عشر ألف معبد وبنى المدينة المنسوبة إليه وأتبعه طائفة الملكية منهم وهم في هذا كله قاهرون لليهود أيده الله عليهم لأنه أقرب إلى الحق منهم وإن كان الجميع كفارا عليهم لعائن الله فلما بعث الله محمدا ﷺ فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق فكانوا هم أتباع كل نبي على وجه الأرض. انتهى، والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 261
هل خلق النبي ﷺ من نور
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت في كتابين أن النبي المصطفى كان أول من خلق الله وقد خلقه الله من نور وكان هو السبب الوحيد الذي خلق الله بقية الخلق لأجله. أنا غير متأكد من هذا فأرجو أن توضح وشكراً]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ورد مثل هذا السؤال على اللجنة الدائمة للإفتاء وهذا نصه:
السؤال: إن جل الناس يعتقدون أن الأشياء خلقت من نور محمد ﷺ وأن نوره خلق من نور الله ويروون: " أنا نور الله وكل شئ من نوري " ويروون أيضا: " أول ما خلق الله نور محمد ﷺ " فهل لذلك من أصل؟ ويروون: " أنا عرب بلا عين أي رب أنا أحمد بلا ميم أي أحد " فهل لذلك من أصل؟
الجواب:
الحمد لله
وصف الرسول ﷺ بأنه نور من نور الله إن أريد به أنه نور ذاتي من نور الله فهو مخالف للقرآن الدال على بشريته، وإن أريد بأنه نور باعتبار ما جاء به من الوحي الذي صار سببا لهداية من شاء من الخلق فهذا صحيح، وقد صدر من اللجنة فتوى في ذلك هذا نصها: للنبي ﷺ نور هو نور الرسالة والهداية التي هدى الله بها بصائر من شاء من عباده، ولا شك أن نور الرسالة والهداية من الله. قال تعالى: " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليم حكيم وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور " سورة الشورى الآية ٧٣ , وليس هذا النور مكتسبا من خاتم الأولياء كما يزعم بعض الملاحدة، أما جسمه ﷺ فهو دم ولحم وعظم.. إلخ، خلق من أب وأم ولم يسبق له خلق قبل ولادته وما يروى أن أول ما خلق الله نور النبي ﷺ أو أن الله قبض قبضة من نور وجهه وأن هذه القبضة هي محمد ﷺ فنظر إليها فتقاطرت فيها قطرات فخلق من كل قطرة نبيا أو خلق الخلق كلهم من نوره ﷺ فهذا وأمثاله لم يصح منه شئ عن النبي ﷺ ، ومن خلال الفتوى السابقة يظهر أنه اعتقاد باطل. وأما ما يروى:
أنا عرب بلا عين فلا أساس له من الصحة وهكذا أنا أحمد بلا ميم. وصفة الربوبية والانفراد من الصفات المختصة بالله فلا يجوز أن يوصف أحد من الخلق بأنه الرب ولا أنه أحد على الإطلاق، فهذه الصفات من اختصاص الله سبحانه ولا يوصف بها الرسل ولا غيرهم من البشر. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. فتاوى اللجنة الدائمة ١/٣١٠
السؤال: هل يقال أن الله خلق السماوات والأرض لأجل خلق النبي ﷺ وما معنى لولاك لما خلق الأفلاك هل هذا حديث أصلا هل صحيح أم لا. بين لنا حقيقته؟
الجواب:
الحمد لله
لم تخلق السماوات والأرض من أجله ﷺ بل خلق لما ذكره الله سبحانه من قوله : " الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما " , أما الحديث المذكور فهو مكذوب على النبي ﷺ لا أساس له من الصحة. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى اللجنة الدائمة ١/٣١٢
стр. 262
لا يجوز ترك العمل الصالح بحجة شفاعة المؤمنين لنا يوم القيامة
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت أن الشخص الصالح في الأسرة يشفع في أهل بيته، فيخرج الله مَن كان منهم في النار إكراماً له، فهل هذا صحيح؟ وإذا كان ذلك صحيحاً فهل معنى هذا أن لفرد من أفراد الأسرة أن يفعل المنكرات ويشرب المحرمات طالما أن هناك شخصا صالحا في أسرته، وما الفائدة إذا من الحساب ويوم القيامة؟ أو ليس هذا القول شبيهاً بقول اليهود الذين يدعون أنهم شعب الله المختار، اختارهم من بين سائر الناس، وأن لهم أن يفعلوا ما يشاءون فقد ضمنوا الجنة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
يؤمن أهل السنة والجماعة أن الله يقبل يوم القيامة شفاعة شافعين من غير الأنبياء، من الشهداء والعلماء والصالحين وغيرهم، فقد وردت بذلك أحاديث كثيرة صحيحة، لا يجوز ردها ولا إنكارها.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ)
رواه مسلم (٢٢٧٨)
فقوله ﷺ (وأول شافع) يدل على كثرة الشفعاء يوم القيامة.
وعن حذيفة بن اليمان ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(يُخْرِجُ اللَّهُ قَوْمًا مُنْتِنِينَ قَدْ مَحَشَتْهُمْ النَّارُ بِشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ، فَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، فَيُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيُّونَ)
رواه أحمد (٣٨/٤٢٠) طبعة مؤسسة الرسالة وقال المحققون: حديث صحيح وهذا إسناد حسن.
وقال ﷺ : (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ)
رواه الترمذي (٢٤٣٨) وقال: حسن صحيح غريب.
ونحوها أحاديث شفاعة الشهيد في سبعين من أهل بيته، وأحاديث شفاعة المؤمنين لإخوانهم المعذبين في النار يوم القيامة فيخرجون من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وأحاديث أخرى كثيرة.
يقول السفاريني ﵀:
" يجب أن يعتقد أن غير النبي ﷺ من سائر الرسل والأنبياء والملائكة والصحابة والشهداء والصديقين والأولياء على اختلاف مراتبهم ومقاماتهم عند ربهم يشفعون، وبقدر جاههم ووجاهتهم يشفعون، لثبوت الأخبار بذلك، وترادف الآثار على ذلك، وهو أمر جائز غير مستحيل، فيجب تصديقه والقول بموجبه لثبوت الدليل ... والحاصل أن للناس شفاعات بقدر أعمالهم، وعلو مراتبهم، وقربهم من الله تعالى، والقرآن يشفع لأهله، والإسلام يشفع لأهله، والحجر الأسود يشفع لمستلمه، ولكن لا يشفعون (إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) " انتهى.
" لوامع الأنوار البهية " (٢/٢٠٩-٢١١) ، وانظر باب " شفاعة العلماء والشهداء يوم القيامة " في كتاب " الشريعة " للآجري.
ثانيا:
لا يجوز أن يكون الإيمان بهذه الشفاعة سببا في التقاعس عن العمل اتكالا عليها، فسبب النجاة الأول يوم القيامة هو العمل الصالح، فإذا قصر المسلم فيه فهو على خطر عظيم من أوجه كثيرة:
١-فهو لا يدري متى يشفع له الشافعون، وكم سيبقى في النار من أزمان وأحقاب، وإذا كانت نار الدنيا لا يقوى عليها أحد ساعة من نهار، فكيف يقوى على نار جهنم هذه الأزمان.
٢-ثم من هذا الذي يملك الجزم لأحد من البشر أنه من الشافعين يوم القيامة، الذين سيقبل الله شفاعتهم للناس، وإذا كنا لا نقطع لأحد بالجنة ولا بالشهادة، فكيف نطمئن إلى قبول شفاعة من نعرفهم من الشهداء والعلماء والصالحين.
٣-ثم إذا قبل الله شفاعة فلان أو فلان ممن نعرفهم من الناس، فهل نعرف إن كان الله سيقبل شفاعتهم فينا خاصة، والله يقول: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) الأنبياء/٢٨. فهل نحن ممن يرضى ربنا أن يشفع الشافعون لنا؟!
هذه الأسئلة وغيرها تبعث في قلب المسلم الخوف من عقوبة الله، وترك الركون إلى أسباب الرجاء التي ليس لنا فيها من الله سلطان مبين.
إن الاغترار بمثل ذلك إنما هو علامة خذلان الله تعالى لعبده، نسأل الله العافية؛ فلتعلم ـ يا عبد الله ـ أنه لا شفاعة أعظم من شفاعة نبينا محمد ﷺ ، صاحب المقام المحمود، مقام الشفاعة، وأول شافع، وأول مشفع، ومع ذلك يحذر عشيرته، وأهل بيته، وأقرب الناس منه من الاغترار بذلك والتفريط في العمل:
عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ : (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) ، قَالَ:
(يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ـ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا ـ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا!! يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا!! يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا!! وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا!! وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا!!) . رواه البخاري (٢٥٤٨) ومسلم (٣٠٥) .
فهل يغتر عاقل بعد ذلك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 263
الحكمة في أن الطفل إذا مات يدخل الجنة مباشرة بينما بقية الناس يحاسبون
[السُّؤَالُ]
ـ[أين يكمن العدل في أن الطفل إذا مات يدخل الجنة مباشرة بينما بقية الناس يحاسبون؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا يشك مسلم أن الله هو أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين، وأعدل العادلين , وأنه تعالى لكمال عدله حرم الظلم على نفسه فقال: (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) الكهف/ من الآية ٤٩، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) النساء/ من الآية ٤٠.
ومن كمال عدله تعالى: أنه لا يعذب أحداً إلا بعد البلاغ، وقيام الحجّة عليهم.
وانظر في ذلك جواب السؤال رقم: (١٢٤٤) .
ثانياً:
اتفق أهل السنة والجماعة على أن أطفال المسلمين في الجنة، وتقدم الحديث عن ذلك، فانظره في جواب السؤال رقم: (١١٧٤٣٢) .
ثالثاً:
من أصول الإيمان التي لا خلاف فيها بين الأمة، ولا تردد أو تلجلج فيها: ألا يعترض العبد على أحكام ربه ، ولا يتوقف في الشهادة لها بأن فيها الحكمة البالغة، وحينذٍ فإنه لا يصير من المخاطبين بقوله تعالى: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) الأنبياء/ ٢٣.
قال ابن كثير – ﵀:
ثم أخبر تعالى أنه لا يظلم أحداً شيئًا، وإن كان قد هدى به من هدى من الغيِّ، وبصَّر به من العمى، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صمّاً، وقلوباً غُلفاً، وأضلَّ به عن الإيمان آخرين، فهو الحاكم المتصرف في ملكه بما يشاء، الذي لا يُسْأل عما يفعل وهم يسألون، لعِلمه، وحكمته، وعدله.
" تفسير ابن كثير " (٤ / ٢٧١) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" وَهُوَ سُبْحَانَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ، وَلَهُ فِيمَا خَلَقَهُ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ، وَنِعْمَةٌ سَابِغَةٌ، وَرَحْمَةٌ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، وَهُوَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ؛ لَا لِمُجَرَّدِ قُدْرَتِهِ وَقَهْرِهِ، بَلْ لِكَمَالِ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ. فَإِنَّهُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وَهُوَ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا، وَقَدْ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ " انتهى.
"مجموع الفتاوى" (٨/٧٩) .
ثالثاً:
وأما الحكمة من عدم محاسبة الأطفال فيقال فيها:
١. إن مناط التكليف عند الله هو البلوغ , ولذلك جاء في الحديث عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَكْبَرَ) .
رواه أبو داود (٤٣٩٨) وابن ماجه (٢٠٤١) والنسائي (٣٤٣٢) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وهذا الطفل اخترمته المنية قبل البلوغ , فمن تمام عدل الله أنه لا يحاسَب.
ويبين ما ذهب طائفة من العلماء والمحققين – كالبخاري، والنووي، وغيرهما – من أن هذا الحكم مشترك مع أطفال المشركين كذلك – ولتنظر المسألة في جوابي السؤالين: (٦٤٩٦) (١١٨١٠٣) .
٢. الأصل أن الأطفال تبع لوالديهم، كما جاء في الحديث عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ما مِنْ مَوْلُودٍ إِلَاّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ) .
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) . رواه البخاري (١٢٩٣) .
ولما كان والداه على الإيمان – أو والده إن كانت أمُّه كتابية -: فهو تبع لهما , ولما مات قبل مناط التكليف ناسب أن يدخل الجنة بلا حساب، فدخوله الجنة باعتباره مسلماً، وعدم حسابه باعتبار أنه لم يكن مكلَّفاً في الدنيا.
٣. أن فيه كرامة لوالدي الطفل الصغير، ورحمة بهم , وتطييباً لخاطرهم، على موت ولدهم وهو صغير.
هذه بعض الحِكَم , والأمر قد يحتمل وجود حكَم، وغايات، ومقاصد أخرى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 264
هل صح أن موت الخنازير من أشراط الساعة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل صحيح أن موت الخنازير من علامات يوم القيامة الصغرى؟؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الوارد في هذا الخصوص أن قتل الخنازير يكون على يد عيسى ﵇ إذا نزل آخر الزمان، وذلك ليبطل ما عليه النصارى المنتسبون إليه كذبا وزروا، ويثبت لهم كفرهم حين حرفوا شرعه وبدلوا دينه باعتقاد الصلب، واستحلال الخنزير وغير ذلك، واستدل به فقهاء المسلمين على استحباب قتل الخنزير مطلقا.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ)
رواه البخاري (٢٢٢٢) وبوب عليه بقوله: باب قتل الخنزير، ومسلم (١٥٥) ، ورواه البيهقي في " السنن الكبرى " (١/٢٤٤) وبوب عليه بقوله: باب الدليل على أن الخنزير أسوأ حالا من الكلب.
يقول ابن حزم ﵀:
" أخبر ﵇ أن قتل الخنزير من العدل الثابت في ملته التي يحييها عيسى أخوه، ﵉ " انتهى.
" المحلى " (٧/٢٩٦)
وقال النووي ﵀:
" فيه دليل للمختار من مذهبنا ومذهب الجمهور: أنا إذا وجدنا الخنزير في دار الكفر، أو غيرها، وتمكنا من قتله: قتلناه. وإبطالٌ لقول مَن شذ مِن أصحابنا وغيرهم فقال: يترك إذا لم يكن فيه ضراوة " انتهى.
" شرح مسلم " (٢/١٩٠)
وقال ابن بطال ﵀:
" أجمعوا على قتل كل ما يُسْتَضَرُّ به ويؤذي، مما لا يبلغ أذى الخنزير، كالفواسق التي أمر النبي ﷺ المُحرِمَ بقتلها، فالخنزير أولى بذلك، لشدة أذاه، ألا ترى أن عيسى ابن مريم يقتله عند نزوله؟! فقتله واجب.
وفيه دليل أن الخنزير حرام في شريعة عيسى، وقتله له تكذيب للنصارى أنه حلال في شريعتهم " انتهى.
" شرح صحيح البخاري " (٦/٣٤٤)
يقول الحافظ ابن حجر ﵀:
" قوله: (باب قتل الخنزير) أي: هل يشرع، كما شرع تحريم أكله؟ ووجه دخوله في أبواب البيع: الإشارة إلى أن ما أمر بقتله لا يجوز بيعه.
قال ابن التين: شذ بعض الشافعية فقال: لا يقتل الخنزير إذا لم يكن فيه ضراوة.
قال: والجمهور على جواز قتله مطلقا.
ثم ذكر المصنف في الباب حديث أبي هريرة في نزول عيسى بن مريم فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، وموضع الترجمة منه قوله: (ويقتل الخنزير) أي: يأمر بإعدامه، مبالغة في تحريم أكله، وفيه توبيخ عظيم للنصارى الذين يدَّعون أنهم على طريقة عيسى ثم يستحلون أكل الخنزير ويبالغون في محبته " انتهى.
" فتح الباري " (٤/٤١٤)
وقال أيضا ﵀:
" قوله: (فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير) أي: يبطل دين النصرانية؛ بأن يكسر الصليب حقيقة، ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه
ويستفاد منه: تحريم اقتناء الخنزير، وتحريم أكله، وأنه نجس؛ لأن الشيء المنتفع به لا يشرع إتلافه ...
ويستفاد منه أيضا تغيير المنكرات وكسر آلة الباطل " انتهى باختصار.
" فتح الباري " (٦/٤٩١) . وينظر: " فتاوى الرملي " (١/٩٧) .
وأما إن كان المقصود هو السؤال عن أحاديث تخبر عن أن موت الخنازير وانقراضها ـ من غير تقتيل بي آدم لها ـ هو من أشراط الساعة، فهذا ما لا نعلم له أصلا في أخبار النبي ﷺ .
وينظر جواب السؤال رقم: (١١٨٥٩٧)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 265
مسيرة المسيح الدجال وأتباعه فيها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[عندما نطالع حديث ظهور الدجال نجد أن جزيرة العرب والشام والعراق هي الأماكن التي ستشهد قوات المسلمين الذين سيتصدون للدجال، وأن الصالحين من أهل الشام والعراق سيستنصرون بالمهدي في أرض الحجاز. لكن لم أجد ذكرا لبلدان إسلامية أخرى مثل مصر والمغرب وخراسان والهند، فهل يمكن أن نعرف ماذا سيحدث للمسلمين في تلك البلدان؟ هل ارتدوا في ذلك الوقت عن الإسلام قبل ظهور الدجال؟ أم إن الدجال قد أهلكهم جميعا فلم يستطيعوا محاربته ولاقوا حتفهم على يديه؟ أم آمنوا واعتقدوا في الدجال وصاروا من جنده وأتباعه؟ ولقد ذكر أن كثيرا من أتباع الدجال هم من الأعراب ومن النساء ومن أهل فارس والترك والأعاجم، بسبب ضحالة معرفتهم. ولقد أخبرني شخص ما أيضا بأن أتباعه ليسوا من متحدثي اللغة العربية، لكني لا أجد دليلا على صحة قوله وثبوته، فهل صحيح هذا الأمر؟ وهل يعد هذا تحفيزا للآخرين لتعلم اللغة العربية؟ وهل سيكون من أتباع الدجال مَن هم على الفطرة نتيجة لقلة معرفتهم؟ يبدو أني أثقلت عليك بأسئلتي، لكن أود تبين أمري، وتصحيح رأيي.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يمكن الجواب عن خروج الدجال وطريقه وأتباعه ضمن المسائل الواردة في السؤال في النقاط الآتية:
أولا:
بينت الأدلة الصحيحة أن خروج المسيح الدجال يبدأ من المشرق، وتحديدا من إقليم خراسان، بل بالأخص من أصبهان في إقليم خراسان، وهي من بلاد إيران اليوم:
عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
(الدَّجَّالُ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ بِالْمَشْرِقِ يُقَالُ لَهَا خُرَاسَانُ، يَتْبَعُهُ أَقْوَامٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ)
رواه الترمذي (٢٢٣٧) وقال: حديث حسن غريب، وحسنه الألباني.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مِنْ يَهُودِيَّةِ أَصْبَهَانَ، مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ الْيَهُودِ، عَلَيْهِمْ السيجان)
رواه أحمد (٢١/٥٥) وحسنه المحققون في طبعة مؤسسة الرسالة.
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال:
(وَإِنَّهُ يَخْرُجُ فِي يَهُودِيَّةِ أَصْبَهَانَ) رواه أحمد (٤١/١٥) وحسنه المحققون في طبعة مؤسسة الرسالة.
يقول الحافظ ابن كثير ﵀:
" يكون بدء ظهوره من أصبهان، من حارة يقال لها: اليهودية " انتهى.
" النهاية " (ص/٥٩)
ثانيا:
تنتقل هذه الفتنة - التي هي أكبر فتنة منذ خلق آدم إلى قيام الساعة – إلى أرجاء الأرض، والظاهر من الأحاديث أنها تعم الأرض، فقد جاء أنه لا تبقى مدينة إلا ويدخلها الدجال غير مكة والمدينة والمسجد الأقصى ومسجد الطور.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(إِنَّ الأَعْوَرَ الدَّجَّالَ مَسِيحَ الضَّلَالَةِ يَخْرُجُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ فِي زَمَانِ اخْتِلَافٍ مِنَ النَّاسِ وَفُرْقَةٍ، فَيَبْلُغُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الأَرْضِ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، اللَّهُ أَعْلَمُ مَا مِقْدَارُهَا، اللَّهُ أَعْلَمُ مَا مِقْدَارُهَا - مَرَّتَيْنِ -)
رواه ابن حبان في " صحيحه " (١٥/٢٢٣) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير علي بن المنذر وهو ثقة. وقال الحافظ ابن حجر ﵀: " أخرجه البزار بسند جيد " انتهى. " فتح الباري ". وصححه الألباني في " صحيح الموارد " (١٥٩٨)
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
" وأما متى يهلك ومن يقتله؟ فإنه يهلك بعد ظهوره على الأرض كلها إلا مكة والمدينة، ثم يقصد بيت المقدس فينزل عيسى فيقتله، أخرجه مسلم أيضا " انتهى.
" فتح الباري " (١٣/٩٢)
وانظر جواب السؤال رقم: (٣٢٦٦٥)
ثالثا:
يقول الشيخ مشهور حسن سلمان:
" دلت أحاديث وآثار كثيرة صحيحة على خروج الدجال من (خُراسان) و (أصبهان) ، وهبوطه (خوز) و (كرمان) - وهي جميعاً الآن في (إيران) -، وينزل قرية (كوثا) -وهي في نحو منتصف الطريق بين (المحاويل) و (الصويرة) ، وهي على (٢٦) كيلو متراً من الأولى، وتعرف اليوم بـ (تل إبراهيم) و (تل جبل إبراهيم) ؛ لوجود مرقد عليه قُبة في أعلى التل ينسب إلى إبراهيم - انظر: " بلدان الخلافة الشرقية " (ص ٩٤-٩٥) - وسمي بـ (خلة) بين العراق والشام، ويدخل الأردن، ويبدأ هلاكه بـ (عقبة أفيق) وهي قرية من حوران في طريق (الغور) ، والعامة تقول: (فيق) ، تنزل هذه العقبة إلى (الغور) وهو الأردن، وهي عقبة طويلة نحو ميلين. أفاده ياقوت في " معجم البلدان " (١/٢٣٣) ، ثم يتحول إلى فلسطين، ويتم هلاكه في مدينة (اللد) . ويسبقها - والله أعلم - إتيانه الحجاز، ونزوله بسبخة في المدينة - هي (سبخة الجرف) غربي جبل أحد -، وتفصيل ذلك حديثيّاً يطول، وأكتفي بالإحالة على المصادر ... " انتهى.
" العراق في أحاديث وآثار الفتن "
رابعا:
يتبع الدجال طوائف كثيرة من الناس يومئذ، وهم على أصناف:
١- الكفار عموما، فهم أكثر الناس فتنة به وبما يظهره الله على يديه من الخوارق.
٢- اليهود خاصة، حيث ورد أنه يتبعه سبعون ألفا من يهود أصبهان.
٣- كثير من المسلمين الذين يفتنهم بالخوارق التي تظهر على يديه، وخاصة عوام المسلمين وجهلتهم من الأعراب والنساء والصغار.
يقول الدكتور يوسف الوابل:
" أكثر أتباع الدجال من اليهود والعجم والترك، وأخلاط من الناس، غالبهم الأعراب والنساء. روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة) وفي رواية للإمام أحمد: (سبعون ألفا عليهم التيجان) ، وجاء في حديث أبي بكر: (يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة) رواه الترمذي. قال ابن كثير: والظاهر والله أعلم أن المراد هؤلاء الترك أنصار الدجال. قلت – أي يوسف الوابل -: وكذلك بعض الأعاجم كما جاء وصفهم في حديث أبي هريرة ﵁: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا وكرمان من الأعاجم، حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر) . وأما كون أكثر أتباعه من الأعراب، فلأن الجهل غالب عليهم، ولما جاء في حديث أبي أمامة الطويل قوله ﷺ : (وإن من فتنته – أي الدجال – أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم. فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه فيقولان: يا بني! اتبعه فإنه ربك)
وأما النساء فحالهن أشد من حال الأعراب، لسرعة تأثرهن، وغلبة الجهل عليهن، ففي الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ينزل الدجال في هذه السبخة بمرِّ قناة – واد في المدينة -، فيكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل يرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته وعمته فيوثقها رباطا مخافة أن تخرج إليه) مسند أحمد (٧/١٩٠) " انتهى.
" أشراط الساعة " (٣١١-٣١٢)
والذي يظهر من الأحاديث أن القلة هي التي تثبت على الإيمان، وأن أكثر أهل الأرض يومئذ هم من أتباع الدجال.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
" وأخرج أبو نعيم في ترجمة حسان بن عطية أحد ثقات التابعين من " الحلية " بسند حسن صحيح إليه قال: (لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل، وسبعة آلاف امرأة) وهذا لا يقال من قبل الرأي، فيحتمل أن يكون مرفوعا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب " انتهى.
" فتح الباري " (١٣/٩٢)
خامسا:
وقد لخص الحافظ ابن كثير قصة المسيح الدجال بعبارات جامعة يقول فيها:
" بدء ظهوره من أصبهان، من حارة منها يقال لها اليهودية، وينصره من أهلها سبعون ألف يهودي، عليهم الأسلحة والتيجان، وهي الطيالسة الخضراء، وكذلك ينصره سبعون ألفاً من التتار، وخلق من أهل خراسان.
فيظهر أولاً في صورة ملك من الملوك الجبابرة، ثم يدعي النبوة، ثم يدعي الربوبية.
فيتبعه على ذلك الجهلة من بني آدم، والطغام من الرعاعٍ والعوام، ويخالفه ويَرُدُّ عليه مَن هَدَى الله مِن عباده الصالحين وحزب الله المتقين.
يأخذ البلاد بلداً بلداً، وحصناً حصناً، وإقليماً إقليماً، وكورة كورة، ولا يبقى بلد من البلاد إلا وطئه بخيله ورجله غير مكة والمدينة، ومدة مقامه في الأرض أربعون يوماً يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيام الناس هذه، ومعدل ذلك سنة وشهران ونصف شهر.
وقد خلق الله تعالى على يديه خوارق كثيرة يضل بها من يشاء من خلقه، ويثبت معها المؤمنون فيزدادون بها إيماناً مع إيمانهم، وهدى إلى هداهم.
ويكون نزول عيسى بن مريم مسيح الهدى في أيام المسيح الدجال مسيح الضلالة، على المنارة الشرقية بدمشق، فيجتمع عليه المؤمنون ويلتف به عباد الله المتقون، فيسير بهم المسيح عيسى بن مريم قاصداً نحو الدجال، وقد توجه نحو بيت المقدس، فيدركهم عند عقبة أفيق، فينهزم منه الدجال، فيلحقه عند مدينة باب لد، فيقتله بحربته وهو داخل إليها، ويقول إن لي فيك ضربة لن تفوتني، وإذا واجهه الدجال ينماع كما يذوب الملح في الماء، فيتداركه فيقتله بالحربة بباب لدّ، فتكون وفاته هناك لعنه الله، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح من غير وجه " انتهى.
" النهاية " (ص/٥٩)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 266
أين مكان روح الميّت بعد سؤال الملكين ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أين تكون روح الميت بعد سؤال الملكين له؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه المسألة من مسائل الغيب التي لا مجال للاجتهاد فيها، وإنّما يتّبع فيها الوحي، وقد صحّت عن المصطفى ﷺ أحاديث عدّة في بيان أماكن أرواح العباد؛ لذلك اختلف أهل العلم في تحديد أماكنها بناءً على اختلاف الأحاديث الواردة بذلك.
والذي يظهر -والله أعلم – أنّ الأرواح على أشكال عدّة، ولكلٍّ مكان خاصّ يختلف عن مكان الأخرى؛ فإنّ النّصوص قد جاءت بأنّ منها ما يكون في حواصل طير خضر تسرح في الجنّة، وجاء في بعض النّصوص بأنّها تكون أسودة عن يمين آدم وعن يساره؛ فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة عن شماله أهل النار؛ فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى.
وأخبر النّبيّ ﷺ عن شخص بعد الموت محبوس على باب الجنّة، فقال: (رأيت صاحبكم محبوساً على باب الجنّة) ، وفي الحديث الصّحيح: (ومنهم من يُحبس في قبره بسبب الدَّين، ومنهم من حبس في قبره في غلّة غلّها) ، ومن الأرواح ما يكون مقرّه عند باب الجنّة، كما جاء في حديث ابن عبّاس: (الشّهداء على بارق) ، ما هو بارق؟ (قال: نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنّة بكرةً وعشياً) . حديث صحيح.
فالأرواح منها ما هو في مراتب عليا، تسرح في الجنّة مع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين، ومنها ما يكون على بارق -نهر بباب الجنّة- يخرج رزقهم من الجنّة إليهم بكرة وعشياً، ومنها ما يكون في قناديل، ومنها ما يأوي تحت العرش، ومن الأرواح ما يكون محبوساً في الأرض لا يرفع إلى الملأ الأعلى، ومنها ما يكون محبوساً في تنور من نار يأتيهم النّار من أسفل فيضجّون ويصيحون، وهؤلاء هم الزناة والزواني، وقد أخبر النّبيّ ﷺ عن حالهم في الحديث الصّحيح: (أرواح الزناة والزواني تحبس في تنور من نار يعذّبون إلى أن تقوم السّاعة) . هذا عذابهم في البرزخ، وكذلك أكلة الربا الذين رآهم النّبيّ ﷺ يسبحون في نهر الدم ويلقمون الحجارة، ويسبحون والحجارة في بطونهم في نهرٍ من دم منتن، كما كانوا يأكلون الربا في الدنيا.
ومع أن الأرواح لها أحوال مختلفة، في أماكن مختلفة، فإنه يبقى لها اتّصال بالبدن في الأرض، ولو كانت تطير وتسرح في أنهار الجنة في أعلى علّيّين.
قال ابن قيّم الجوزيّة في كتابه "الرّوح" (١/٩٠-٩٢) : " هذه مسألة عظيمة تكلّم فيها النّاس واختلفوا فيها، وهى إنّما تتلقّّّى من السّمع فقط، واختلف في ذلك:
فقال قائلون: أرواح المؤمنين عند الله في الجنّة، شهداء كانوا أم غير شهداء؛ إذا لم يحبسهم عن الجنّة كبيرة ولا دين، وتلقّاهم ربّهم بالعفو عنهم والرّحمة لهم. وهذا مذهب أبى هريرة وعبد الله بن عمر ﵃.
وقالت طائفة: هم بفِناء الجنّة على بابها، يأتيهم من روحها ونعيمها ورزقها.
وقالت طائفة: الأرواح على أفنية قبورها.
وقال مالك: بلغني أنّ الرّوح مرسلة تذهب حيث شاءت.
وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: أرواح الكفّار في النّار، وأرواح المؤمنين في الجنّة.
وقال أبو عبد الله بن منده: وقال طائفة من الصّحابة والتّابعين: أرواح المؤمنين عند الله ولم يزيدوا على ذلك.
قال: روي عن جماعة من الصّحابة والتّابعين: أرواح المؤمنين بالجابية، وأرواح الكفّار ببَرَهوت بئر بحضرموت.
وقالت طائفة: أرواح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكفّار ببئر برهوت.
وقال سلمان الفارسيّ: أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت، وأرواح الكفّار في سجّين، وفي لفظ عنه: نسمة المؤمن تذهب في الأرض حيث شاءت.
وقالت طائفة: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفّار عن شماله.
وقالت طائفة أخرى منهم ابن حزم: مستقرّها حيث كانت قبل خلق جسادها ".
انتهى بتصرّف يسير.
وقال ابن أبي العزّ عقب ذكر الأقوال في المسألة في شرح "العقيدة الطّحاويّة" (١/٣٩٦) : " ويتلخّص من أدلّتها: أنّ الأرواح في البرزخ متفاوتة أعظم تفاوت فمنها: أرواح في أعلى علّيّين في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه وهم متفاوتون في منازلهم، ومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنّة حيث شاءت، وهي أرواح بعض الشّهداء لا كلّهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه، ... ومن الأرواح من يكون محبوسًا على باب الجنّة، ومنهم من يكون محبوسًا في قبره، ومنهم من يكون في الأرض، ومنها أرواح في تنور الزّناة والزّواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة، كلّ ذلك تشهد له السنة والله أعلم ". انتهى بتصرّف.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 267
هل من الممكن أن يسمع الأحياء ما يدور للموتى في قبورهم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن للأحياء سماع أصوات الموتى في قبورهم، سواء كانوا معذّبين، أو منعّمين؟ لأنّه سمع أنّ هذه القدرة هي المرحلة الأولى لكي يصبح الإنسان من الأولياء الصالحين.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ينتقل الميت بموته إلى عالم " البرزخ "، وهو عالَم آخر غير الذي قضى عمره فيه، وهذا العالَم الغيبي ليس لأحدٍ أن يثبت فيه شيئاً، أو ينفيه، إلا بدليل من الكتاب والسنَّة.
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة تثبت تكلم " الميت " وهو محمول على الأكتاف لدفنه، وأيضاً وهو في قبره، وثبت في تلك الأحاديث وغيرها أن الأحياء لا يسعمون ذلك الكلام الذي قاله الميت، أما الموضع الأول فقد استثنى النبي ﷺ " الإنس " من السماع، وأما الموضع الثاني: فقد استثنى " الإنس والجن ".
أ. الموضع الأول:
عَن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا، يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ وَلَوْ سَمِعَهَا الْإِنْسَانُ لَصَعِقَ) .
رواه البخاري (١٣١٤) .
قال الحافظ ابن حجر – ﵀:
قوله في آخر الحديث (يسمع صوتها كل شيء) : دال على أن ذلك بلسان القال، لا بلسان الحال.
" فتح الباري " (٣ / ١٨٥) .
وقال العيني – ﵀:
واستدل بالحديث المذكور على أن كلام الميت يسمعه كل حيوان غير الإنسان.
" عمدة القاري " (٨ / ١١٤) .
وينظر: " شرح رياض الصالحين "، للشيخ ابن عثيمين ﵀ (٤ / ٥٤٩، ٥٥٠) .
ب. الموضع الثاني:
وهو حديث البراء بن عازب المشهور، وفيه:
فَيَأْتِيهِ آتٍ فَيَقُولُ مَنْ رَبُّكَ مَا دِينُكَ مَنْ نَبِيُّكَ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي فَيَقُولُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَوْتَ وَيَأْتِيهِ آتٍ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِهَوَانٍ مِنْ اللَّهِ وَعَذَابٍ مُقِيمٍ فَيَقُولُ وَأَنْتَ فَبَشَّرَكَ اللَّهُ بِالشَّرِّ مَنْ أَنْتَ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ كُنْتَ بَطِيئًا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ سَرِيعًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَجَزَاكَ اللَّهُ شَرًّا ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَصَمُّ أَبْكَمُ فِي يَدِهِ مِرْزَبَةٌ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ كَانَ تُرَابًا فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً حَتَّى يَصِيرَ تُرَابًا ثُمَّ يُعِيدُهُ اللَّهُ كَمَا كَانَ فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أُخْرَى فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ النَّارِ وَيُمَهَّدُ مِنْ فُرُشِ النَّارِ.
رواه أحمد (٣٠ / ٥٧٨) ، وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (٣ / ٢١٩) .
وفي الفرق بين الموضعين، وعدم سماع الإنس في الأول، وعدم سماع الإنس والجن في الموضع الثاني غيرهم، قال الحافظ ابن حجر ﵀ – تعليقاً على الحديث الأول -:
وقد استُشكل هذا مع ما ورد في حديث السؤال في القبر (فيضربه ضربة فيصعق صعقة يسمعه كل شيء إلا الثقلين) والجامع بينهما: الميت والصعق، والأول استثنى فيه الإنس فقط، والثاني استثنى فيه الجن والإنس؟! والجواب: أن كلام الميت بما ذُكر لا يقتضي وجود الصعق - وهو الفزع - إلا من الآدمي؛ لكونه لم يألف سماع كلام الميت، بخلاف الجن في ذلك، وأما الصيحة التي يصيحها المضروب: فإنها غير مألوفه للإنس والجن جميعاً؛ لكون سببها عذاب الله، ولا شيء أشد منه على كل مكلف، فاشترك فيه الجن، والإنس.
" فتح الباري " (٣ / ١٨٥) .
ولا يستُثنى من الإنس في سماع عذاب القبر إلا النبي ﷺ .
أ. عن زَيْد بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ فَقَالَ: (مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ) فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: (فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ) قَالَ: مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ، فَقَالَ: (إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ) .
رواه مسلم (٢٨٦٨) .
ب. عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵃ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ وَجَبَتْ الشَّمْسُ فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ: (يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا) .
رواه البخاري (١٣٠٩) ومسلم (٢٧٦٩) .
وجبت الشمس: غربت.
والحديث رواه ابن حبان (٧ / ٣٩٤) وبوَّب عليه بقوله: " ذِكر الإخبار بأن المصطفى ﷺ أسمع أصوات الكفرة حيث عذبت في قبورها ".
وفي عدم سماع الإنسان في كلا الموضعين حكَم جليلة.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
قوله: (إلا الإنسان) : يعني: أنه لا يسمع هذا الصياح، وذلك لحِكَم عظيمة؛ منها:
أولاً: ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: (لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر) .
ثانياً: أن في إخفاء ذلك ستراً للميت.
ثالثاً: أن فيه عدم إزعاج لأهله؛ لأن أهله إذا سمعوا ميتهم يعذَّب ويصيح: لم يستقر لهم قرار.
رابعاً: عدم تخجيل أهله؛ لأن الناس يقولون: هذا ولدكم! هذا أبوكم! هذا أخوكم! وما أشبه ذلك.
خامساً: أننا قد نهلك؛ لأنها صيحة ليست هينة، بل صيحة قد توجب أن تسقط القلوب من معاليقها، فيموت الإنسان أو يغشى عليه.
سادساً: لو سمع الناس صراخ هؤلاء المعذبين: لكان الإيمان بعذاب القبر من باب الإيمان بالشهادة، لا من باب الإيمان بالغيب، وحينئذ تفوت مصلحة الامتحان؛ لأن الناس سوف يؤمنون بما شاهدوه قطعاً؛ لكن إذا كان غائباً عنهم، ولم يعلموا به إلا عن طريق الخبر: صار من باب الإيمان بالغيب.
" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٨ / ٤٨٢، ٤٨٣) .
ثالثاً:
أما من يزعم أنه يستطيع سماع الأموات في قبورهم، وأنه يراهم، ويتحدث معهم: فهو يكذب في ذلك، أو مُلَبَّس عليه. وإنما يرى الشياطين تتمثل له بصورة الأموات، أو تخاطبه بأصواتها، وتلبس عليه، وهو يلبس على الناس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀:
ولهذا يحصل عند القبور لبعض الناس من خطابٍ يسمعه، وشخصٍ يراه، وتصرفٍ عجيب، ما يظن أنه من الميت، وقد يكون من الجن والشياطين، مثل أن يرى القبر قد انشق، وخرج منه الميت وكلمه وعانقه، وهذا يُرى عند قبور الأنبياء وغيرهم، وإنما هو شيطان؛ فإن الشيطان يتصور بصور الإنس، ويدَّعي أحدهم أنه النبي فلان، أو الشيخ فلان، ويكون كاذباً في ذلك، وفي هذا الباب من الوقائع ما يضيق هذا الموضع عن ذكره، وهي كثيرة جدّاً، والجاهل يظن أن ذلك الذي رآه قد خرج من القبر وعانقه أو كلمه هو المقبور، أو النبي أو الصالح وغيرهما، والمؤمن يعلم أنه شيطان، ويتبين ذلك بأمور:
أحدها: أن يقرأ آية الكرسي بصدق، فإذا قرأها: تغيب ذلك الشخص، أو ساخ في الأرض، أو احتجب، ولو كان رجلاً صالحاً أو ملَكاً أو جنيّاً مؤمناً: لم تضرَّه آية الكرسي، وإنما تضر الشياطين، كما ثبت في الصحيح مِن حديث أبي هريرة لما قال له الجني: اقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ إذَا أَوَيْت إلَى فِرَاشِك فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ عَلَيْك مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُك شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (صَدَقَك وَهُوَ كَذُوبٌ) .
ومنها: أن يستعيذ بالله من الشياطين.
ومنها: أن يستعيذ بالعوَذ الشرعية ...
والمقصود هنا: أنَّ مِن أعظم أسباب ضلال المشركين ما يرونه أو يسمعونه عند الأوثان كإخبار عن غائب، أو أمر يتضمن قضاء حاجة، ونحو ذلك، فإذا شاهد أحدهم القبر انشق، وخرج منه شيخ بهيٌّ: عانقه، أو كلَّمه: ظنَّ أن ذلك هو النبي المقبور، أو الشيخ المقبور، والقبر لم ينشق؛ وإنما الشيطان مثَّل له ذلك، كما يمثل لأحدهم أن الحائط انشق، وأنه خرج منه صورة إنسان، ويكون هو الشيطان تمثل له في صورة إنسان، وأراه أنه خرج من الحائط.
" مجموع الفتاوى " (١ / ١٦٨ – ١٧٨) باختصار.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 268
شرح حديث يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى
[السُّؤَالُ]
ـ[قمت بإهداء بضعة كتب إسلامية باللغة الفرنسية لشخص غير مسلم , من بين تلك الكتب كتاب ١١٠ أحاديث قدسية، نشر دار السلام , قال لي ذلك الشخص إنه مقتنع أن القرآن لا يمكن أن يكون إلا كلام الله , ولكن أبدى تحفظه، ولم يفهم حديثا قدسيا في ذلك الكتاب، والذي هو: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تحشر هذه الأمة على ثلاثة أصنافٍ، صنف يدخلون الجنة بغير حسابٍ، وصنف يحاسبون حساباً يسيراً ثم يدخلون الجنة، وصنف يجيئون على ظهورهم أمثال الجبال الراسيات ذنوباً، فيسأل الله عنهم وهو أعلم بهم، فيقول: ما هؤلاء؟ فيقولون: هؤلاء عبيد من عبادك، فيقول: حطوها عنهم واجعلوها على اليهود والنصارى، وأدخلوهم برحمتي الجنة) قال لي: لماذا على اليهود والنصارى؟ قلت له: اليهود والنصارى الذين خالفوا شرع الله، وأضلوا الناس، وقاتلوا الأنبياء، وليس الذين اتبعوا شرع الله، واتبعوا الأنبياء! قال: لا لم يذكر هذا في الحديث، ولكن جاء كلمة (اليهود والنصارى) . قلت له: هناك شرح لكل حديث سأخبرك عنه لاحقاً لأسأل بعض أهل الحديث , وللأسف أن بعض الكتب المترجمة لا تشرح لغير المسلم وتوضح له. أريد شرحا مفصلا، أفيدوني بارك الله بكم (أن لا تزر وازرة وزر أخرى) ]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الحديث المذكور أخرجه الطبرانى كما فى مجمع الزوائد (١٠/٣٤٣) ، قال الهيثمى: فيه عثمان بن مطر وهو مجمع على ضعفه. والحاكم (١/١٢٦، رقم ١٩٣) وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي.
وأصل الحديث رواه الإمام مسلم ﵀ في صحيحه عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال:
(إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ هَذَا فِكَاكُكَ مِنْ النَّارِ)
وكان سعيد بن أبي بردة قد حدَّث بهذا الحديث أمام عمر بن عبد العزيز، فاستحلفه عمر بن عبد العزيز بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات أن أباه حدثه عن رسول الله ﷺ ؟ قال: فحلف له.
وفي لفظ:
(لَا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا أَدْخَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ النَّارَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا)
وكلها في صحيح الإمام مسلم ﵀ من طريق أبي بردة عن أبيه حديث رقم: (٢٧٦٧)
وقد أخذ هذا الحديث عن أبي بردة أكثر من ثمانية من الرواة، كما في " مسند أحمد " (٤/٣٩١) ، ومسند عبد بن حميد (٥٣٧،٥٤٠) ، وسنن ابن ماجه (٤٢٩١) ، وغيرها، اختلفت ألفاظ بعضهم عن بعض، إلا أنها متفقة في المعنى كلها، تتحدث عن فداء المسلم من النار بواحد من اليهود والنصارى.
غير أن واحدا من هذه الألفاظ فيه اختلاف عن الباقي، وهو ما يرويه غيلان بن جرير، عن أبي بردة، عن أبيه، بلفظ: (يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ، وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى)
ثانيا:
ولما كان ظاهر هذا الحديث مخالفا لقول الله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) الأنعام/١٦٤، كان للعلماء مسلكان في التعامل مع هذا الحديث:
المسلك الأول:
عدم قبوله وتضعيفه لسببين:
١- اختلاف الرواة عن أبي بردة في إسناد الحديث.
فمرة يقول بعضهم: عن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي ﷺ .
وأخرى يقول آخر: عن أبي بردة، عن عبد الله بن يزيد.
ويقول آخر: عن أبي بردة، عن رجل من أصحاب، عن النبي ﷺ .
وجاء مرة عن أبي بردة، عن رجل من الأنصار، عن أبيه.
ومرة عن أبي بردة، عن رجل من الأنصار، عن بعض أهله.
كل هذه الأوجه نجدها في " التاريخ الكبير " للإمام البخاري ﵀ (١/٣٩)
ثم قال الإمام البخاري ﵀:
" والخبر عن النبي ﷺ في الشفاعة، وأن قوما يُعَذَّبُون ثم يخرجون أكثر وأبين وأشهر ... - ثم قال -: ألفاظهم مختلفة الا أن المعنى قريب " انتهى.
" التاريخ الكبير " (١/٣٩)
وقال الإمام البيهقي ﵀:
" وقد علل البخاري حديث أبي بردة باختلاف الرواة عليه في إسناده، ثم قال: الحديث في الشفاعة أصح " انتهى.
" البعث والنشور " (حديث رقم/ ٨٦)
٢- بسبب شك الراوي فيه، فقد جاءت في رواية الإمام مسلم الأخيرة قول أحد رواة الحديث: (ويضعها على اليهود والنصارى فيما أحسب أنا) قال أبو روح حرمي بن عمارة أحد رواة الحديث: لا أدري ممن الشك.
قال البيهقي ﵀:
" اللفظ الذي تفرد بها شداد أبو طلحة بروايته في هذا الحديث. وهو قوله: (ويضعها على اليهود النصارى) مع شك الراوي فيه: لا أراه محفوظا. والكافر لا يعاقب بذنب غيره. قال الله : (لا تزر وازرة وزر أخرى)
وإنما لفظ الحديث على ما رواه سعيد بن أبي بردة، وغيره، عن أبي بردة " انتهى.
" البعث والنشور " (حديث رقم/٨٦)
وقال الحافظ ابن حجر ﵀:
" وفي حديث الباب وما بعده – وهي أحاديث تحت باب القصاص يوم القيامة - دلالة على ضعف الحديث الذي أخرجه مسلم من رواية غيلان بن جرير ... - وذكر الحديث ونقل عن البيهقي تضعيفه - " انتهى باختصار.
" فتح الباري " (١١/٣٩٨)
وقال الشيخ الألباني ﵀:
" رواه الجماعة عن أبي بردة دون تلك الزيادة – يعني لفظ (ويضعها على اليهود والنصارى) ، فهي عندي شاذة، بل منكرة، لوجوه:
أولا: أن الراوي شك فيها، وهو عندي شداد أبو طلحة الراسبي، أو الراوي عنه حرمي بن عمارة، ولكن هذا قد قال - وهو أبو روح -: (لا أدري ممن الشك) ، فتعين أنه الراسبي، لأنه متكلم فيه من قبل حفظه وإن كان ثقة في ذات نفسه، ولذلك أورده الذهبي في " الضعفاء " وقال: قال ابن عدي: لم أر له حديثا منكرا. وقال العقيلي: له أحاديث لا يتابع
عليها. وقال الحافظ في " التقريب ": صدوق يخطئ. وليس له في مسلم إلا هذا الحديث. قال الحافظ في " التهذيب ": " لكنه في الشواهد ".
ثانيا: ولما كان قد تفرد بهذه الزيادة التي ليس لها شاهد في الطرق السابقة، وكان فيه ما ذكرنا من الضعف في الحفظ، فالقواعد الحديثية تعطينا أنها زيادة منكرة، كما لا يخفى على المهرة.
ثالثا: أن هذه الزيادة مخالفة للقرآن القائل في غير ما آية: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) " انتهى باختصار.
" السلسلة الضعيفة " (حديث رقم/١٣١٦، ورقم/٥٣٩٩) .
المسلك الثاني:
توجيه معنى الحديث بما يتوافق مع ظاهر القرآن الكريم:
قال الإمام البيهقي ﵀:
" ووجه هذا عندي - والله أعلم - أن الله تعالى قد أعد للمؤمن مقعدا في الجنة ومقعدا في النار كما روي في حديث أنس بن مالك، كذلك الكافر كما روي في حديث أبي هريرة، فالمؤمن يدخل الجنة بعدما يرى مقعده من النار ليزداد شكرا، والكافر يدخل النار بعد ما يرى مقعده من الجنة لتكون عليه حسرة، فكأن الكافر يورث على المؤمن مقعده من الجنة، والمؤمن يورث على الكافر مقعده من النار، فيصير في التقدير كأنه فدى المؤمن بالكافر " انتهى.
" البعث والنشور " (حديث رقم/٨٥)
وذكر ﵀ احتمالا آخر في شرح الحديث الذي بعده فقال:
" ويحتمل أن يكون حديث الفداء في قوم قد صارت ذنوبهم مكفرة في حياتهم، وحديث الشفاعة في قوم لم تعد ذنوبهم مكفرة في حياتهم، ويحتمل أن يكون هذا القول لهم في حديث الفداء بعد الشفاعة، فلا يكون بينهما اختلاف، والله أعلم " انتهى.
وقال الإمام النووي ﵀:
" معنى هذا الحديث ما جاء في حديث أبى هريرة: (لكل أحد منزل في الجنة ومنزل في النار) فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار لاستحقاقه ذلك بكفره.
ومعنى: (فكاكك من النار) أنك كنت معرَّضا لدخول النار، وهذا فكاكك؛ لأن الله تعالى قدر لها عددا يملؤها، فإذا دخلها الكفار بكفرهم وذنوبهم صاروا في معنى الفكاك للمسلمين. وأما رواية: (يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب) : فمعناه أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين ويسقطها عنهم، ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم فيدخلهم النار بأعمالهم، لا بذنوب المسلمين، ولا بد من هذا التأويل، لقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ، وقوله: (ويضعها) مَجاز، والمراد يضع عليهم مثلها بذنوبهم كما ذكرناه، لكن لما أسقط عن المسلمين سيئاتهم، وأبقى على الكفار سيئاتهم، صاروا في معنى من حمل إثم الفريقين لكونهم حملوا الإثم الباقي وهو إثمهم، ويحتمل أن يكون المراد آثاما كان للكفار سبب فيها، بأن سنُّوها، فتسقط عن المسلمين بعفو الله تعالى، ويوضع على الكفار مثلها لكونهم سنوها، ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها " انتهى.
" شرح مسلم " (١٧/٨٥)
وقال ﵀:
" معنى (فكاكك) : أنك كنت معرضا لدخول النار، هذا فكاكك؛ لأن الله تعالى قدر للنار عددا يملؤها، فإذا دخلها الكفار بذنوبهم وكفرهم صاروا في معنى الفكاك للمسلمين، والله أعلم " انتهى.
" رياض الصالحين " (ص/٥٣٤) .
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) :
" قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
(ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإن مات فدخل النار وَرثَ أهل الجنة منزله، فذلك قوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ)) - رواه ابن ماجه في السنن برقم (٤٣٤١) قال الحافظ ابن حجر ﵀ في " فتح الباري " (١١/٤٥١) : إسناده صحيح. وقال البوصيري في " الزوائد " (٣/٣٢٧) : " هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين "، وصححه السيوطي في " البدور السافرة " (ص/٤٥٦) -
وقال ابن جُرَيْج، عن لَيْث، عن مجاهد: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ) قال: ما من عبد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فأما المؤمن فيُبنَى بيته الذي في الجنة، ويُهدّم بيته الذي في النار، وأما الكافر فيُهْدَم بيته الذي في الجنة، ويُبنى بيته الذي في النار.
وروي عن سعيد بن جُبَيْر نحو ذلك.
فالمؤمنون يرثون منازل الكفار؛ لأنهم خلقوا لعبادة الله تعالى، فلما قام هؤلاء المؤمنون بما وجب عليهم من العبادة، وترَكَ أولئك ما أمرُوا به مما خُلقوا له - أحرزَ هؤلاء نصيب
أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم ، بل أبلغ من هذا أيضًا، وهو ما ثبت في صحيح مسلم، عن أبي بُردَةَ، عن أبيه، عن النبي ﷺ ... - ثم ذكر الأحاديث السابقة " انتهى باختصار.
" تفسير القرآن العظيم " (٥/٤٦٥)
وقال الحافظ ابن حجر ﵀:
" وقال غيره – يعني غير البيهقي - يحتمل أن يكون الفداء مجازا عما يدل عليه حديث أبي هريرة بلفظ: (لا يدخل الجنة أحد إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا..) الحديث، وفيه في مقابله: (ليكون عليه حسرة) فيكون المراد بالفداء إنزال المؤمن في مقعد الكافر من الجنة الذي كان أعد له، وإنزال الكافر في مقعد المؤمن الذي كان أعد له، وقد يلاحظ في ذلك قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا) ، وبذلك أجاب النووي تبعا لغيره.
وأما رواية غيلان بن جرير فأولها النووي أيضا تبعا لغيره: بأن الله يغفر تلك الذنوب للمسلمين، فإذا سقطت عنهم وضعت على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم، فيعاقبون بذنوبهم لا بذنوب المسلمين، ويكون قوله: (ويضعها) أي: يضع مثلها؛ لأنه لما أسقط عن المسلمين سيئاتهم وأبقى على الكفار سيئاتهم صاروا في معنى من حمل إثم الفريقين لكونهم انفردوا بحمل الإثم الباقي وهو إثمهم.
ويحتمل أن يكون المراد آثاما كانت الكفار سببا فيها بأن سنوها، فلما غفرت سيئات المؤمنين بقيت سيئات الذي سن تلك السنة السيئة باقية، لكون الكافر لا يغفر له، فيكون الوضع كناية عن إبقاء الذنب الذي لحق الكافر بما سنه من عمله السيئ، ووضعه عن المؤمن الذي فعله بما من الله به عليه من العفو والشفاعة، سواء كان ذلك قبل دخول النار أو بعد دخولها والخروج منها بالشفاعة. وهذا الثاني أقوى. والله أعلم " انتهى.
" فتح الباري " (١١/٣٩٨)
وجاء في " فتاوى اللجنة الدائمة " (٣/٤٦٨) :
" أما قوله ﷺ : (فيغفرها للمسلمين ويضعها على اليهود والنصارى) ، فهذا الحديث قد شك راويه فيه، ولا يحتج به مع الشك، ولكونه يخالف ظاهر القرآن الكريم، لكن إن صح عنه ﷺ فهو لا يقول إلا الحق، ويجب حمله على ما يوافق الأدلة الأخرى، وذلك بحمله على اليهود والنصارى الذين كانوا سببا في وقوع المسلمين في الذنوب التي غفرت لهم، لقوله سبحانه: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) ، ولقوله ﷺ : (من دعا إلى ضلالة كان عليه مثل إثم من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا) ولما جاء في معناه من الأحاديث " انتهى.
وانظر جواب السؤال رقم: (٩٤٨٨)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 269
هل يعذَّب في قبره من تكون حسناته أكثر من سيئاته في الميزان ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أفهم، وأدرك، أن المسلم يمكن أن يُعذَّب في القبر، لكن الذي أريد أن أعرفه هو التالي: نعلم أن الإنسان المسلم سوف توزن أعماله يوم القيامة، فإن رجحت الحسنات على السيئات: فإن الله سيغفر لهذا المسلم، أو المسلمة، ويدخله الجنة، سؤالي هو: عندما يكون نفس هذا الإنسان المسلم في القبر , فهل سيعذَّب في قبره على الرغم من أن الله سيغفر له يوم القيامة؟ وهل سنُعذب في الآخرة على الرغم من أننا سندخل الجنة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
ثبت عذاب القبر ونعيمه عند أهل السنَّة والجماعة، كما جاء ذلك دلت في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وعليه أجمع سلف الأمة.
وبيان ذلك في جواب السؤال رقم: (٣٤٦٤٨) .
وتجد في جواب السؤال رقم: (٤٧٠٥٥) أن الأصل في عذاب القبر ونعيمه أنه على الروح، وقد تتصل الروح بالبدن فيصيبه شيء من العذاب أو النعيم.
وفي جواب السؤالين (٧٨٦٢) و (٢١٢١٢) بيان أن عذاب القبر منه ما يستمر إلى قيام الساعة، ومنه ما ينقطع.
ثانياً:
ينبغي أن يُعْلم أن كثرة الحسنات على السيئات ليست بمنجية صاحبَها من عذاب القبر بذاتها؛ لأن الوعيد المترتب على العذاب في البرزخ، ليس هو الوعيد المترتب على العذاب في نار جهنم، وقد يأتي المسلم بسبب واحد من أسباب العذاب في قبره، فيعذَّب عليها، وله أمثال الجبال من الحسنات.
والميزان الذي توزن به أعمال الناس فيشقى بعده طوائف خفت موازينهم، ويسعد آخرون ثقلت موزاينهم: إنما يكون في آخر المطاف، بعد أن يقطع الناس أشواطاً في مراحل الدار الآخرة.
قال أبو عبد الله القرطبي – ﵀:
والذي تدل عليه الآي، والأخبار: أن من ثقل ميزانه: فقد نجا وسلِم، وبالجنة أيقن، وعلِم أنه لا يدخل النار بعد ذلك، والله أعلم.
" التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة " (ص ٢٧٢) .
والمسلم الذي نفترض كثرة حسناته لو وضعت في الميزان بعد موته مباشرة: لا ينجو من عذاب القبر، إن شاء الله تعذيبه على بعض سيئاته تلك، وليتأمل الأخ السائل المسائل التالية فهي تحل الإشكال الوارد في ذهنه:
١. من كثرت حسناته على سيئاته وأجاب الملَكين في القبر عن أسئلتهم: لا يعني بالضرورة أنه ينجو من عذاب القبر إذا جاء بما يستحق عليه العذاب من سيئاته تلك، وشاء الله أن يعذبه عليها في قبره.
٢. من كثرت حسناته على سيئاته ليس بالضرورة إذا رأى مقعده من الجنة في قبره، أنه لن يعذَّب على ما شاء الله من ذنوبه، وللعلماء في هذا قولان:
الأول: أن من ارتكب سيئات وشاء الله تعذيبه في القبر، وهو في الآخرة من أهل الجنة: أنه يرى مقعده من الجنة باعتبار مآله.
والثاني: أنه ير مقعده من النار باعتبار حاله.
وينظر جواب رقم: (١٢١٦٢٨) فهو مهم.
وعليه:
فإن زيادة حسنات العبد على سيئاته، ليس بمانع من أن يعذب في قبره على بعض ذنوبه التي ورد الوعيد لفاعلها بالعذاب في قبره. مثل عقوبة المرابي وأنه يسبح في نهر دم، وعقوبة الزناة والزانيات، والعقوبة على النميمة، والغلول من الغنائم، والكذب، وعدم الاستبراء من البول، وغير ذلك مما جاءت النصوص واضحة في التنصيص على معاصٍ بعينها.
وانظر تفصيل ذلك في جوابي السؤالين (٤٦٠٦٨) و (٤٥٣٢٥) .
ثالثاً:
ومن حكمة الله تعالى أنه لم يجعل الميزان أول موت العبد؛ ويبدو لنا بعض الحكَم من ذلك نرجو أن تكون موافقة للصواب:
١. أنه يُخفف حِمل السيئات على العاصي بما يصيبه من عذاب القبر؛ تخفيفاً عنه من عذاب جهنم، ولا شك أن ما يصيب العاصي من عذاب القبر أهون عليه مما يصيبه من نار جهنم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
ما يحصل للمؤمن في الدنيا والبرزخ والقيامة من الآلام التي هي عذاب: فإن ذلك يُكفِّر الله به خطاياه، كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا حزَن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله به من خطاياه) .
" مجموع الفتاوى " (٢٤ / ٣٧٥) .
قال ﵀:
السبب الثامن: ما يحصل في القبر، من الفتنة، والضغطة، والروعة، فإن هذا مما يكفّر به الخطايا. " مجموع الفتاوى " (٧ / ٥٠٠) .
وانظر جواب السؤال رقم: (٧٨٦١) .
٢. أنه ليس كل مَن جاء بحسنات تبقى معه حتى يدخل بها الجنة، ولا من جاء بسيئات تبقى معه حتى يدخل بسببها النار، فثمة ما يُسمَّى " المقاصة "، وهو أخذ أصحاب الحقوق من حسنات من ظلمهم، أو إلقاء سيئاتهم عليه، كما في حديث " المفلس " الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، وهذا إنما يكون قبل الميزان.
قال أبو عبد الله القرطبي – ﵀:
وأما المخلِّطون: فحسناتهم توضع في الكفة النيرة، وسيئاتهم في الكفة المظلمة، فيكون لكبائرهم ثقل؛ فإن كانت الحسنات أثقل، ولو بصؤابة – وهي بيضة القَمْل -: دخل الجنة، وإن كانت السيئات أثقل، ولو بصؤابة: دخل النار، إلا أن يغفر الله، وإن تساويا: كان من أصحاب الأعراف، هذا إن كانت الكبائر فيما بينه وبين الله، وأما إن كانت عليه تبعات، وكانت له حسنات كثيرة: فإنه ينقص من ثواب حسناته بقدر جزاء السيئات؛ لكثرة ما عليه من التبعات، فيحمل عليه مِن أوزار مَن ظلمه، ثم يعذب على الجميع، هذا ما تقتضيه الأخبار.
" التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة " (ص ٢٦٩، ٢٧٠) .
٣. أنه لم تنقطع الحسنات، ولا السيئات بالموت، بل ثمة " حسنات جارية "، و " سيئات جارية "، فالأول: كمن تصدَّق بصدقة جارية، أو علَّم علماً نافعاً، أو دلَّ غيره على عمل صالحٍ، أو كان له ذرية يعملون بعد موته بطاعات، وكل ذلك مما يجعل للميت مجالاً لزيادة الحسنات، وأما الثاني: فهو لمن دلَّ غيره على عمل فاسد، أو ابتدع بدعة، وغير ذلك مما تجري سيئات أعمالهم على فاعلها، وعلى الميت، الذي كان سبباً في فعل تلك السيئات والبدع.
وبه يُعلم أنه ليس بالموت يقف " عدَّاد " الحسنات، والسيئات، ولذا نرى عظيم الحكمة في عدم اعتبار الميزان أول موت المسلم، بل لا يكون ذلك إلا في آخر المطاف، وبعدها يكون دخول الجنة، أو النار، وعندها يمكن للمسلم أن يفهم معنى قوله تعالى (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الأعراف/ ٨، وقوله (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) القارعة/ ٦، ٧.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 270
متى يكون ذبح الموت؟ وما حال أصحاب الكبائر في البرزخ
[السُّؤَالُ]
ـ[عندما يؤتى بالموت على شكل كبش ويذبح أمام أهل الجنة والنار، ويقال لكل منهم خلود فلا موت هل هذا يكون بعد خروج أصحاب الكبائر من أمة محمد من النار أم قبله؟ وأيضا نفس التساؤل: عندما يُسْألُ أصحاب الكبائر في القبور هل يجاوبون على أسئلة منكر ونكير أم يقولون لا أعلم؟ . وهل يرون مقعدهم من الجنة أو النار؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الذي ينبغي أن يقال هو أن الذبح للموت لا يكون إلا بعد استقرار أهل الجنة في الجنة، واستقرار أهل النار في جهنم، ويقتضي هذا أنه لا يكون الذبح قبل خروج الموحدين من نار جهنم؛ لأن الخطاب يكون لأهل الجنة وأهل النار، ولا ينسب الموحدون للنار وهم سيخروجون منها.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ) ، وَهَؤُلَاءِ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا (وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) .
رواه البخاري (٤٤٥٣) ومسلم (٢٨٤٩) .
وفي رواية ابن عمر في البخاري (٦١٨٢) ومسلم (٢٨٥٠) : (إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ثُمَّ يُذْبَحُ ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ) .
وينظر كلام ابن القيم ﵀ في الرد على من اعترض على هذا الحديث بعقله، وذلك في جواب السؤال رقم: (١٠٠٨٧) .
ثانياً:
وبخصوص فتنة القبر لأصحاب الكبائر: فثمة مسائل ثلاثة:
الأولى: إجابة الملكين منكر ونكير على أسئلتهما في العقيدة: عن ربه ، وعن دينه، وعن نبيه ﷺ .
والثانية: تعذيبه على ذنوبه.
والثالثة: هل يرى الفاسق في قبره مقعده في الجنة؟ .
أما الأولى: فإن الظاهر أن الناس فيها قسمان: مسلم، ومنافق، أو كافر، فالمسلم يجيب عن أسئلة الملَكين، ولو كان فاسقاً، والكافر – أو المنافق – لا يجيب، ويعذَّب على ذلك.
قال ابن حجر الهيتمي – ﵀:
ومقتضى أحاديث سؤال الملكين: أن المؤمن ولو فاسقاً يجيبهما، كالعدل، ولكن بشارته تحتمل أن تكون بحسب حاله.
" الفتاوى الحديثية " (ص ٧) .
وفي جواب السؤال رقم: (٢١٧١٣) تجد حديث البراء بن عازب ﵁ في تفصيل هذين القسمين في القبر.
وأما الثانية: فإنه لا يلزم من إجابة المسلم الفاسق على أسئلة الملَكين أنه لا يعذَّب على اقترافه الذنوب والمعاصي، إن لم يتب منها، بل مِن عذاب هؤلاء ما يستمر إلى قيام الساعة، ومنه ما ينقطع.
قال الشيخ محمد السفاريني – ﵀:
فمن أغضب الله، وأسخطه، في هذه الدار، بارتكاب مناهيه، ولم يتب، ومات على ذلك: كان له عذاب البرزخ بقدر غضب الله، وسخطه عليه، فمستقل، ومستكثر، ومصدق، ومكذب.
" لوامع الأنوار البهية " (٢ / ١٨) .
وقال:
ومن الذين يعذبون في قبورهم، وأخبر عنهم النبي ﷺ : الجبارون، والمتكبرون، والمراءون، والهمازون، واللمازون، والطعانون على السلف، والذين يأتون الكهنة والمنجمين والعرافين فيسألونهم ويصدقونهم، وأعوان الظلمة الذين باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، ونحو هؤلاء، ممن يشتغل بذنوب الناس عن ذنبه، وبعيوبهم عن عيبه، فكل هؤلاء وأمثالهم يعذبون في قبورهم بهذه الجرائم بحسب كثرتها، وقلتها، وصغرها، وكبرها، ولما كان أكثر الناس كذلك: كان أصحاب القبور معذبين، والفائز منهم قليل، فظواهر القبور تراب، وبواطنها حسرات وعذاب، فنسأل الله تعالى العافية، والرحمة، والعفو، والغفران، وبالله الإعانة، والعون.
" لوامع الأنوار البهية " (٢ / ١٩) .
وفي جوابي السؤالين (٤٥٣٢٥) و (٤٦٠٦٨) تجد ذِكر الأسباب المفصلة لعذاب القبر.
وأما المسألة الثالثة: ففيها احتمالان:
١. الأول: أن المسلم يرى مقعده في الجنة باعتباره ليس كافراً، وأن مصيره إليها، لكن هذا لا يعني أنه لن يعذَّب في قبر إن شاء الله تعذيبه.
فنحن نجزم بصحة ما أخبرنا به نبينا ﷺ من وجود من يُعذَّب في قبره من المسلمين إلى يوم القيامة، كمثل آكل الربا الذي رآه ﷺ يسبح في نهر من الدم، وكمثل الزناة والزواني الذين رآهم ﷺ في تنور يصرخون، وغير هؤلاء، ونجزم أن مصير هؤلاء إن كانوا مسلمين هو الجنة في نهاية الأمر.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: (إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَى مَقْعَدِهِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .
رواه البخاري (١٣٧٩) ومسلم (٢٨٦٦) .
قال ابن حجر – ﵀:
قال القرطبي: وهذا في حق المؤمن والكافر واضح، فأما المؤمن المخلِّط: فمحتمل في حقه أيضاً؛ لأنه يدخل الجنة في الجملة.
" فتح الباري " (٣ / ٢٤٣) .
وقال الشيخ أبو الحسن عبيد الله بن العلامة محمد عبد السلام المباركفوري:
ويكون عرض المقعدين على كل واحد من المؤمن المخلص والكافر والمؤمن المخلط؛ لأنه يدخل الجنة في الجملة، فيرى مقعده في الجنة، فيقال له: هذا مقعدك وستصير إليه بعد مجازاتك بالعقوبة على ما تستحق.
" مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح " (١ / ٢٢٢) .
٢. والثاني: أنه يمكن أن يقال: إن عرض مقعد الجنة على المؤمن المخلِّط، أو المسلم الفاسق هو لإخباره بأن هذا مقعدك في قبرك لولا أنك أذنبت، واستحققت العذاب، ويُعرض عليه مقعده من النار ويقال له: هذا بسبب ذنوبك.
قال الحافظ ابن حجر – ﵀:
فعلى هذا: يحتمل في المذنب الذي قُدِّر عليه أن يعذب قبل أن يدخل الجنة أن يقال له – مثلاً - بعد عرض مقعده من الجنة: هذا مقعدك من أول وهلة لو لم تذنب، وهذا مقعدك من أول وهلة لعصيانك، نسأل الله العفو والعافية من كل بلية، في الحياة، وبعد الموت، إنه ذو الفضل العظيم.
" فتح الباري " (١١ / ٣٦٦) .
فالله أعلم بما يكون من ذلك، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل اليمين، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 271
من يقبض أرواح الحيوانات وما مصيرها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ذوات الأرواح غير البشر من الحيوانات والطيور إذا ماتوا أين تذهب أرواحهم؟ وهل ملك الموت يقبضها أم ما الذي يحدث لها بالضبط؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
أخبر سبحانه أن ملك الموت يقبض أرواح بني آدم، فقال: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) السجدة/١١.
وأما أرواح البهائم والطير، فلم يرد فيها نص من الكتاب أو السنة الصحيحة ـ فيما نعلم ـ، وإنما ورد في ذلك حديث لا يصح، وهو ما رواه العقيلي قي الضعفاء بلفظ: (آجال البهائم كلها من القمل والبراغيث والجراد والخيل والبغال كلها والبقر وغير ذلك، آجالها في التسبيح، فإذا انقضى تسبيحها قبض الله أرواحها، وليس إلى ملك الموت من ذلك شيء) . قال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٤/١٨٨) : موضوع.
ولهذا قال بعض أهل العلم: إن ملك الموت هو الذي يقبض أرواح الجميع، وقال بعضهم: إن الله يتوفاها بنفسه، فيعدم حياتها. وينظر: "التذكرة" للقرطبي ص (٧٥) ، "الفواكه الدواني" (١/١٠٠) .
وذهب الشيخ ابن عثيمين ﵀ إلى أن البحث في ذلك من التكلف، فقد سئل ﵀:
" هل ملك الموت موكل بقبض أرواح الحيوانات؟
فأجاب: "ما رأيك إذا قلت: إن ملك الموت موكل بقبض أرواح الحيوانات أو غير موكل، ما الفائدة من هذا؟! هل سأل الصحابة عنه الرسول ﷺ ، هم أحرص منا على العلم، والرسول أقدر منا على الإجابة، ومع ذلك ما سألوا، إنما قال الله : (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) السجدة/١١، موكل بقبض أرواح بني آدم، أما غير أرواح بني آدم لم يثبت، الله أعلم.
ولكننا أهم شيء في جواب هذا السؤال أن الإنسان لا يتنطع، قال النبي ﷺ : (هلك المتنطعون) فلا تسأل عن شيء ليس فيه فائدة، والله لو كانت فيه فائدة بعلمنا أن ملك الموت يقبض أرواح الحيوانات الأخرى لبينها الله ، إما في القرآن أو السنة، أو أن الله يقيض من يسأل الرسول عن هذا، ولهذا كان الصحابة يفرحون أن يأتي أعرابي من البادية يسأل عن شيء ربما يستحون أن يسألوا الرسول عنه.
الحاصل يا أخي أنت ومن يسمع أقول: إن التعمق في هذه الأمور خطأ؛ لأن الرسول قال: (هلك المتنطعون) ما قالها مرة: (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون) ثلاث مرات، في مثل هذه الأمور الغيبية خذ ما ثبت ودع ما لم يذكر ... فعلينا يا إخواني! أن نأخذ من مسائل الغيب ما ثبت عندنا، والباقي نسكت عنه، لو كلفنا به أو كان لنا مصلحة في معرفته لبينه الله، قال الله تعالى للرسول ﵊: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) النحل/٤٤، فالرسول ﷺ ما ترك شيئاً نحتاجه إلا بينه " انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (١٤٦/١١) .
ثانيا:
أما مصير أرواح هذه الحيوانات، فقد روى عبد الرزاق في مصنفه وابن جرير والبيهقي في "البعث" عن أبي هريرة ﵁ في قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون) قال: يحشر الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء [التي لا قرون لها] من القرناء. قال: ثم يقول: كوني ترابا. فلذلك يقول الكافر: (يا ليتني كنت ترابا) النبأ/ ٤٠.
وينظر: "تفسير ابن كثير" (٣/٢٥٥) .
قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٤/٤٦٦) : " أورده السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣١٠) ولم يتكلم على إسناده كما هي عادته، وهو عند ابن جرير (٣٠/١٧) قوي" انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 272
حكم من أنكر حياة الآخرة وكيفية إقناعه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم من أنكر حياة الآخرة؟ وكيف يمكن إقناع هؤلاء المنكرين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"من أنكر حياة الآخرة فهو كافر، لقول الله تعالى: (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ) الأنعام/٢٩، ٣٠، وقال تعالى: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) المطففين/١٠- ١٧، وقال تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا) الفرقان/١١، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) العنكبوت/٢٣.
وأما إقناع هؤلاء المنكرين فبما يأتي:
أولاً: إن أمر البعث تواتر به النقل عن الأنبياء والمرسلين في الكتب الإلهية، والشرائع السماوية، وتلقته أممهم بالقبول، فكيف تنكرونه وأنتم تصدقون بما ينقل إليكم عن فيلسوف أو صاحب مبدأ أو فكرة، وإن لم يبلغ ما بلغه الخبر عن البعث لا في وسيلة النقل ولا في شهادة الواقع؟!
ثانياً: إن أمر البعث قد شهد العقل بإمكانه، وذلك من وجوه:
١- كل أحد لا ينكر أن يكون مخلوقاً بعد العدم، وأنه حادث بعد أن لم يكن، فالذي خلقه وأحدثه بعد أن لم يكن قادر على إعادته بالأولى، كما قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الروم/٢٧، وقال تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) الأنبياء/١٠٤.
٢- كل أحد لا ينكر عظمة خلق السموات والأرض لكبرهما وبديع صنعتهما، فالذي خلقهما قادر على خلق الناس وإعادتهم بالأولى، قال الله تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) غافر/٥٧، وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الأحقاف/٣٣، وقال تعالى: (أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) يس/٨١، ٨٢.
٣- كل ذي بصر يشاهد الأرض مجدبة ميتة النبات، فإذا نزل المطر عليها أخصبت وحيي نباتها بعد الموت، والقادر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الموتى وبعثهم، قال الله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فصلت/٣٩.
ثالثاً: إن أمر البعث قد شهد الحس والواقع بإمكانه فيما أخبرنا الله تعالى به من وقائع إحياء الموتى، وقد ذكر الله تعالى في سورة البقرة خمس حوادث منها قوله: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) البقرة/٢٥٩.
رابعاً: إن الحكمة تقتضي البعث بعد الموت لتجازى كل نفس بما كسبت، ولولا ذلك لكان خلق الناس عبثاً لا قيمة له، ولا حكمة منه، ولم يكن بين الإنسان وبين البهائم فرق في هذه الحياة. قال الله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) المؤمنون/١١٥، ١١٦. وقال الله تعالى: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجَْى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) طه/١٥. وقال تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ * إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) النحل/٣٨- ٤٠. وقال تعالى: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) التغابن/٧.
فإذا بُيِّنت هذه البراهين لمنكري البعث وأصروا على إنكارهم، فهم مكابرون معاندون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" انتهى.
فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (٢/٢٢- ٢٥) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 273
ما هي علامات الساعة الصغرى التي لم تقع إلى الآن ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أقرأ في بعض المنتديات أن جميع علامات الساعة الصغرى قد ظهرت، ويكتبون بأنه لم يبق شيء عن قيام الساعة، فما مدى صحة كلامهم؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يقسِّم بعض العلماء علامات الساعات إلى كبرى، وصغرى، ويقسمها آخرون إلى ثلاثة أقسام، ويجعلون بينهما " وسطى "، ويمثلون له بخروج " المهدي ".
وعلامات الساعة الصغرى يصلح تقسيمها إلى ثلاثة أقسام: قسم منها انقضى، وقسم لا يزال يتكرر، وقسم لم يحدث بعدُ.
وفي ظننا أن هذا التقسيم هو الذي يكون فيه إجابة الأخ السائل عما يتكرر من الكلام في أن أشراط الساعة وعلامات الصغرى قد انقضت كلها.
وقد حصر هذه الأقسام بأحاديثها: الشيخ عمر سليمان الأشقر حفظه الله في كتابه القيِّم " القيامة الصغرى "، وسنحاول تلخيص المواضع التي خارج السؤال، ونبسط القول في مبحث موضوع السؤال.
قال الشيخ عمر سليمان الأشقر - حفظه الله -:
والعلامات الصغرى يمكن تقسيمها إلى قسمين: قسم وقع، وقسم لم يقع بعدُ، والذي وقع قد يكون مضى وانقضى، وقد يكون ظهوره ليس مرة واحدة، بل يبدو شيئاً فشيئاً، وقد يتكرر وقوعه وحصوله، وقد يقع منه في المستقبل أكثر مما وقع في الماضي.
ولذلك سنعقد لعلامات الساعة أربعة فصول:
الأول: العلامات الصغرى التي وقعت وانقضت.
الثاني: العلامات الصغرى التي وقعت، ولا تزال مستمرة، وقد يتكرر وقوعها.
الثالث: العلامات الصغرى التي لم تقع بعد.
الرابع: العلامات الكبرى.
أ. علامات الساعة التي وقعت:
ونعني بها العلامات التي وقعت وانقضت، ولن يتكرر وقوعها، وهي كثيرة، وسنذكر بعضاً منها:
١. بعثة الرسول ﷺ ووفاته.
٢. انشقاق القمر.
٣. نار الحجاز التي أضاءت أعناق الإبل ببُصرى – بلدة في الشام -.
٤. توقف الجزيَة والخراج.
ب. العَلامَات التي وقعت، وهي مستمرة، أو وقعت مَرة وَيمكن أن يتكرّر وقوعُها:
١. الفتوحَات والحروب.
وقد فتحت فارس والروم وزال ملك كسرى وقيصر، وغزا المسلمون الهند، وفتحوا القسطنطينية، وسيكون للمسلمين في مقبل الزمان ملك عظيم ينتشر فيه الإسلام ويذل الشرك، وتفتح روما مصداقاً؛ لحديث الرسول ﷺ القائل: (لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ، أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ) – رواه أحمد (٢٨ / ١٥٤) وصححه محققو المسند -.
٢. قتال الترك والتتر.
٣. إسناد الأمر إلى غيَر أهله.
٤. فسَاد المسلمين.
٥. ولادَة الأمّة ربتها، وَتطاول الحفَاة العراة رعَاة الشاة في البنيان.
٦. تداعي الأمم عَلى الأمَّة الإسلاميَّة.
٧. الخسف والقذف وَالمسخ الذي يعَاقب اللَّه به أقواماً من هَذه الأمّة.
٨. استفاضة المَال.
٩. تسليم الخاصَّة، وفشو التجَارة، وقطع الأرحََام.
١٠. اختلال المقاييس:
أخبرنا الرسول ﷺ أن المقاييس التي يُقَوَّم بها الرجال تختل قبل قيام الساعة، فيقبل قول الكذبة ويصدق، ويرد على الصادق خبره، ويؤتمن الخونة على الأموال والأعراض، ويخون الأمناء ويتهمون، ويتكلم التافهون من الرجال في القضايا التي تهم عامة الناس، فلا يقدمون إلا الآراء الفجّة، ولا يهدون إلا للأمور المُعْوجة، فقد أخرج الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ) ، قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: (الرَّجُلُ التَّافِهُ يتكلم فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ) – رواه ابن ماجه (٤٠٣٦) وصححه الألباني في " صحيح ابن ماجه " -.
١١. شرطة آخر الزمَان الذين يجلدون الناس.
ج. العلامَات التي لم تقع بَعدُ:
١. عودَة جزيرة العَرب جنَّات وَأنهاراً:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا) رواه مسلم (١٥٧) .
وعودتها جنات وأنهاراً إما بسبب ما يقوم أهلها به من حفر الآبار، وزراعة الأرض ونحو ذلك مما هو حاصل في زماننا، وإما بسبب تغير المناخ، فيتحول مناخها الحار إلى جو لطيف جميل، ويفجر خالقها فيها من الأنهار والعيون ما يحول جدبها خصباً، ويحيل سهولها الجرداء إلى سهول مخضرة فيحاء، وهذا هو الأظهر، فإنه يحكي حالة ترجع فيها الجزيرة إلى ما كانت عليه من قبل.
٢. انتفَاخ الأهلّة:
من الأدلة على اقتراب الساعة أن يرى الهلال عند بدو ظهوره كبيراً حتى يقال ساعة خروجه إنه لليلتين أو ثلاثة، فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مِن اقْتِرابِ السَّاعَةِ انتِفَاخُ الأهِلَّةِ) – رواه الطبراني في " الكبير " (١٠ / ١٩٨) ، وصححه الألباني في " صحيح الجامع " (٥٨٩٨) .
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مِنَ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ أَنْ يُرَى الْهِلَالُ قَبَلاً فَيُقَالُ: لِلَيْلَتَيْنِ، وَأَنْ تُتخذَ المَسَاجِدُ طُرُقاً) - رواه الطبراني في " الأوسط " (٩ / ١٤٧) وحسَّنه الألباني في " صحيح الجامع " (٥٨٩٩) .
٣. تكليم السّبَاع والجمَاد الإنسَ:
روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري، قال: " عَدَا الذِّئْبُ عَلَى شَاةٍ فَأَخَذَهَا فَطَلَبَهُ الرَّاعِي فَانْتَزَعَهَا مِنْهُ فَأَقْعَى الذِّئْبُ عَلَى ذَنَبِهِ، قَالَ:: أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ تَنْزِعُ مِنِّي رِزْقًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيَّ فَقَالَ يَا عَجَبِي ذِئْبٌ مُقْعٍ عَلَى ذَنَبِهِ يُكَلِّمُنِي كَلَامَ الْإِنْسِ فَقَالَ الذِّئْبُ أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِيَثْرِبَ يُخْبِرُ النَّاسَ بِأَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ قَالَ فَأَقْبَلَ الرَّاعِي يَسُوقُ غَنَمَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَزَوَاهَا إِلَى زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنُودِيَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ لِلرَّاعِي: (أَخْبِرْهُمْ) ، فَأَخْبَرَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (صَدَقَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ وَيُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ وَشِرَاكُ نَعْلِهِ وَيُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ) رواه أحمد (١٨ / ٣١٥) وصححه محققو المسند.
٤. انحسَار الفرات عَن جَبل من ذهَب:
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا) ، وفي رواية: (يَحْسِرُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ) .
وفي رواية عند مسلم: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ يَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ لَعَلِّي أَكُونُ أَنَا الَّذِي أَنْجُو) .
ورواه مسلم عن أبي بن كعب بلفظ: (يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ فَإِذَا سَمِعَ بِهِ النَّاسُ سَارُوا إِلَيْهِ فَيَقُولُ مَنْ عِنْدَهُ لَئِنْ تَرَكْنَا النَّاسَ يَأْخُذُونَ مِنْهُ لَيُذْهَبَنَّ بِهِ كُلِّهِ قَالَ فَيَقْتَتِلُونَ عَلَيْهِ فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ) .
ومعنى انحساره: انكشافه لذهاب مائه، كما يقول النووي، وقد يكون ذلك بسبب تحول مجراه، فإن هذا الكنز أو هذا الجبل مطمور بالتراب وهو غير معروف، فإذا ما تحول مجرى النهر لسبب من الأسباب ومرّ قريباً من هذا الجبل كشفه، والله أعلم بالصواب.
والسبب في نهي الرسول ﷺ من حضره عن الأخذ منه لما ينشأ عن أخذه من الفتنة والاقتتال وسفك الدماء.
٥. إخراجُ الأرضِ كنوزَهَا المخبوءة:
روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (تَقِيءُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ فَيَقُولُ فِي هَذَا قَتَلْتُ وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ، فَيَقُولُ فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ، فَيَقُولُ فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا) .
وهذه آية من آيات الله، حيث يأمر الحقُّ الأرض أن تخرج كنوزها المخبوءة في جوفها، وقد سمى الرسول ﷺ تلك الكنوز (بأفلاذ الكبد) ، وأصل الفلذ: " القطعة من كبد البعير "، وقال غيره: هي القطعة من اللحم، ومعنى الحديث: التشبيه، أي: تخرج ما في جوفها من القطع المدفونة فيها، والأسطوان جمع أسطوانة، وهي السارية والعمود، وشبهه بالأسطوان لعظمته وكثرته ".
وعندما يرى الناس كثرة الذهب والفضة يزهدون فيه، ويألمون لأنهم ارتكبوا الذنوب والمعاصي في سبيل الحصول على هذا العرض التافه.
٦. محاصَرة المسلمين إلى المدينَة:
من أشراط الساعة أن يهزم المسلمون، وينحسر ظلهم، ويحيط بهم أعداؤهم ويحاصروهم في المدينة المنورة.
عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يُوشِكُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُحَاصَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبْعَدَ مَسَالِحِهِمْ سَلَاحِ) – رواه أبو داود (٤٢٥٠) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود " -.
والمسالح، جمع مَسْلَحة، وهي الثغر، والمراد أبعد مواضع المخافة من العدو.
وسَلَاح، موضع قريبٌ من خيبر.
٧. إحراز " الجهجَاه " الملك:
الجهاه رجل من قحطان سيصير إليه الملك، وهو شديد القوة والبطش، ففي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ) رواه البخاري (٣٣٢٩) ومسلم (٢٩١٠) .
وفي رواية لمسلم (٢٩١١) : (لَا تَذْهَبُ الأَيَّامُ وَاللَّيَالِى حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ " الْجَهْجَاهُ ") .
ويحتمل أن يكون هذا الذي في الرواية الأخيرة غير الأول، فقد صَحَّ في سنن الترمذي عن أبي هريرة أن هذا الجهجاه من الموالي، ففي سنن الترمذي (٢٢٢٨) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : (لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنْ الْمَوَالِي يُقَالُ لَهُ " جَهْجَاهُ ") .
والمراد بكونه يسوق الناس بعصاه أنه يغلب الناس فينقادون له ويطيعونه، والتعبير بالسوق بالعصا للدلالة على غلظته وشدته، وأصل الجهجاه الصيَّاح، وهي صفة تناسب العصا كما يقول ابن حجر، وهل يسوق هذا الرجل الناس إلى الخير أم الشر؟ ليس عندنا بيان من الرسول ﷺ بذلك.
٨. فتنَة الأحلاس وَفتنَة الدَهماء، وفتنَة الدهيماء:
عن عبدِ الله بنِ عُمَر قالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُعُودًا فَذَكَرَ الْفِتَنَ فَأَكْثَرَ ذِكْرَهَا حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الْأَحْلَاسِ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا فِتْنَةُ الْأَحْلَاسِ؟ قَالَ: (هِيَ فِتْنَةُ هَرَبٍ وَحَرَبٍ، ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ، دَخَلُهَا - أَوْ: دَخَنُهَا - مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي وَلَيْسَ مِنِّي إِنَّمَا وَلِيِّيَ الْمُتَّقُونَ ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلَعٍ، ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ لَا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا لَطَمَتْهُ لَطْمَةً فَإِذَا قِيلَ انْقَطَعَتْ تَمَادَتْ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ فُسْطَاطُ إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ وَفُسْطَاطُ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ إِذَا كَانَ ذَاكُمْ فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِنْ الْيَوْمِ أَوْ غَدٍ) – رواه أبو داود (٤٢٤٢) وأحمد (١٠ / ٣٠٩) – واللفظ له -، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود " -.
والأحلاس: جمع حلس، وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب، شبهت به الفتنة لملازمتها للناس حين تنزل بهم كما يلازم الحلس ظهر البعير، وقد قال الخطابي: يحتمل أن تكون هذه الفتنة شبهت بالأحلاس لسواد لونها وظلمتها.
والحَرَب بفتح الراء: ذهاب المال والأهل، يقال: حَرِب الرجل فهو حريب فلان إذا سلب ماله وأهله.
والسراء النعمة التي تسر الناس من وفرة المال والعافية، وأضيفت الفتنة إليها لأن النعمة سببها، إذ إن الإنسان يرتكب الآثام والمعاصي بسبب ما يتوفر له من الخير.
وقوله: " كورك على ضلع " هذا مثل للأمر الذي لا يستقيم ولا يثبت، لأن الورك لا يتركب على الضلع ولا يستقيم معه.
والدهيماء: الداهية التي تدهم الناس بشرها.
٩. خروُج المَهدي:
ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الله ﵎ يبعث في آخر الزمان خليفة يكون حكماً عدلاً، يلي أمر هذه الأمة من آل بيت الرسول ﷺ من سلالة فاطمة، يوافق اسمه اسم الرسول ﷺ ، واسم أبيه اسم أبي الرسول ﷺ ، وقد وصفته الأحاديث بأنه أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض عدلاً، بعد أن ملئت جوراً وظلماً، ومن الأحاديث التي وردت في هذا:
عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمْلِكَ الْعَرَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي) رواه الترمذي (٢٢٣٠) وأبو داود، وفي رواية لأبي داود (٤٢٨٢) قال: (لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَاّ يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَبْعَثَ فِيهِ رَجُلاً مِنِّى - أَوْ: مِنْ أَهْلِ بَيْتِى - يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِى وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِى يَمْلأُ الأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا) .
" القيامة الصغرى " (١٣٧ – ٢٠٦) باختصار، وتهذيب.
وبه يتبين أنه ثمة تسع علامات للساعة الصغرى لم تظهر بعدُ، ويتبين أن ما يتكرر من كلام كثير من الناس أن علامات الساعة الصغرى قد ظهرت كلها ولم يبق إلا " المهدي " قول عارٍ عن الصحة.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 274
هل عذاب القبر يشمل المؤمن العاصي أو هو خاص بالكفار ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل عذاب القبر يشمل المؤمن العاصي أو هو خاص بالكفار؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"عذاب القبر المستمر يكون للمنافق والكافر. وأما المؤمن العاصي فإنه قد يعذب في قبره، لأنه ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) . وهذا معروف أنهما كانا مسلمين" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (٢/١٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 275
رؤية المؤمنين جميعهم لله تعالى في الجنة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل رؤية الله في الجنة خاصة بالمؤمنين الذين لا يعذبون في النار؟ أم هي عامة لكل أهل الجنة، وكذلك المسلمين العصاة؟ أرجو منكم التفصيل مع الأدلة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
النظر إلى وجه الله ثابت للمؤمنين كلهم من غير تفريق بين عاصيهم ومطيعهم ومن يعذب منهم ومن لا يعذب، وذلك لعموم الأدلة من الكتاب والسنة , فمن الكتاب قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) القيامة/٢٢-٢٥.
فالناضرة وجوه المؤمنين , والباسرة وجوه الكافرين , وقد قال الله تعالى عن الكافرين: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) المطففين/١٥.
ومن السنة قوله ﷺ : (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ ْ) رواه البخاري (٥٢١) ومسلم (١٠٠٢) .
وهذا خطاب لجميع المؤمنين.
ونص العلماء على رؤية المؤمنين لربهم من غير تفريق بين مطيعهم وعاصيهم، ومعذبهم وناجيهم , ومن ذلك قول ابن بطة في "الإبانة" (٢/١) : "باب الإيمان بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصار رؤوسهم فيكلمهم ويكلمونه لا حائل بينه وبينهم ولا ترجمان.
اعلموا رحمكم الله أن أهل الجنة يرون ربهم يوم القيامة ... " انتهى.
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في "لقاء الباب المفتوح": "الناس يوم القيامة على ثلاثة أقسام: كفار خُلَّص، ومؤمنون خُلَّص، ومنافقون.
أما الكفار الخلص فإنهم لا يرون الله أبداً، لقول الله تعالى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) المطففين/١٥.
وأما المؤمنون الخلص فيرون الله يوم القيامة وفي الجنة؛ لقول الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) القيامة/٢٢-٢٣.
وأما المنافقون فإنهم يرون الله في عرصات القيامة ولا يرونه بعد ذلك، وهذا أشد حسرةً عليهم.. أن يستمتعوا بالنظر إلى الله ، ثم بعد ذلك يحجبون عنه.
فهذه أقسام الناس يوم القيامة بالنسبة للنظر إلى الرب ، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يرون ربهم في عرصات القيامة وبعد دخول الجنة" انتهى.
والخلاصة: أن هذه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله , وما نقل عن السلف والخلف من أهل السنة تفيد أن المؤمنين كلهم سيرون ربهم.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال جواب
стр. 276
من مات شهيدا في سبيل الله يأمن سؤال القبر
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض المؤمنين، من الذين قاموا بأعمال جليلة، أو أصيبوا بمصائب كبيرة، يأمنون فتنة القبر وعذابه، ومن هؤلاء الشهيد: فقد روى المقدام بن معدي كرب، قال: قال رسول الله ﷺ : (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده في الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقربائه) رواه الترمذي وابن ماجه. وروى النسائي في سننه عن راشد بن سعد، عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، أن رجلا قال: يا رسول الله! ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) وسنده صحيح. سؤالي هو: ما مدى صحة هذه الأحاديث..؟؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المقرر في عقائد المسلمين أن الأموات يُفتَنون – أي يُسألون ويُمتحنون – في قبورهم، فقد ورد ذلك في أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، من أصحها وأظهرها قوله ﷺ : (مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي، حَتَّى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ. يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوْ الْمُوقِنُ فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلَاثًا. فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوْ الْمُرْتَابُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ) رواه البخاري (٨٦) ومسلم (٩٠٥)
يقول الإمام السيوطي ﵀:
" أطبق العلماء على أن المراد بقوله: (يُفتنون) ، و (بفتنة القبر) سؤال الملكين: منكر ونكير، والأحاديث صريحة فيه، ولهذا سُمِّيَ ملكا السؤال " الفتَّانين " " انتهى.
"الحاوي للفتاوي" (٢/١٧٥)
ولكن جاءت أحاديث أخرى تخصص هذا الحديث، وتستثني من عموم الفتنة أناسا صدقوا الله في الدنيا، فرفع الله عنهم فتنة القبر وسؤاله.
يقول الإمام القرطبي ﵀:
" اعلم رحمك الله أن هذا الباب – يعني الذين يأمنون فتنة القبر - لا يعارض ما تقدم من الأبواب – يعني عموم فتنة القبر -، بل يخصها، ويبين مَن يُسأل في قبره ولا يفتن فيه ممن يجري عليه السؤال ويقاسي تلك الأهوال، وهذا كله ليس فيه مدخل للقياس، ولا مجال للنظر فيه، وإنما فيه التسليم والانقياد لقول الصادق المرسل للعباد ﷺ وعلى آله وأصحابه إلى يوم التناد " انتهى.
"التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة" (ص/٤٢٣)
ومن هؤلاء الذين يأمنون فتنة القبر: الشهيد.
دليله: ما رواه رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا الشَّهِيدَ؟
قَالَ: (كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً)
رواه النسائي (رقم/٢٠٥٣) ، وحسنه ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (٥/٧٤٣) ، وصححه الشيخ الألباني في "أحكام الجنائز" (ص/٥٠)
ويدل على ذلك أيضا: الحديث الأول المذكور في السؤال: (للشهيد عن الله ست خصال..)
والحديث رواه الإمام أحمد (١٦٧٣٠) والترمذي (١٦٦٣) وابن ماجة (٢٧٩٩) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني.
يقول الإمام القرطبي ﵀:
" قوله ﷺ في الشهيد: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) ، معناه: أنه لو كان في هؤلاء المقتولين نفاق، كان إذا التقى الزحفان وبرقت السيوف: فروا؛ لأن من شأن المنافق الفرار والروغان عند ذلك، ومن شأن المؤمن البذل والتسليم لله نفسا، وهيجان حمية الله، والتعصب له لإعلاء كلمته، فهذا قد أظهر صدق ما في ضميره، حيث برز للحرب والقتل، فلماذا يعاد عليه السؤال في القبر؟ قاله الحكيم الترمذي " انتهى.
"التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة" (ص/٤٢٤) .
ويقول المناوي ﵀:
" (ببارقة السيوف) أي: بلمعانها. قال الراغب: البارقة: لمعان السيف.
(على رأسه) يعني: الشهيد.
(فتنة) : فلا يفتن في قبره، ولا يسأل، إذ لو كان فيه نفاق لفر عند التقاء الجمعين، فلما ربط نفسه لله في سبيله ظهر صدق ما في ضميره. وظاهره اختصاص ذلك بشهيد المعركة، لكن أخبار الرباط تؤذن بالتعميم " انتهى.
"فيض القدير" (٥/٦)
وسئل الحافظ ابن حجر الهيتمي ﵀ السؤال الآتي:
هل يسأل الشهيد؟
فأجاب:
" لا، كما صرح به جماعة، واستدل له القرطبي بخبر مسلم: (هل يفتن الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) ، قال: ومعناه أن السؤال في القبر إنما جعل لامتان المؤمن الصادق في إيمانه من المنافق، وثبوته تحت بارقة السيوف أدل دليل على صدقه في إيمانه، وإلا لفر للكفار. قال: وإذا كان الشهيد لا يفتن فالصديق أولى لأنه أجل قدرا.ووردت أحاديث أن المرابط لا يسأل أيضا، وكذا المطعون، والصابر في بلد الطعن محتسبا ومات بغير الطاعون، كما في بذل الماعون لشيخ الإسلام ابن حجر. والله تعالى أعلم " انتهى.
"الفتاوى الفقهية الكبرى" (٢/٣٠) .
ويقول الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" وأما الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله فإنهم لا يسألون؛ لظهور صدق إيمانهم بجهادهم. قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) التوبة/١١١، وقال: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) آل عمران/١٦٩. وقال النبي ﷺ : (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) ، وإذا كان المرابط إذا مات أمن الفتان؛ لظهور صدقه؛ فهذا الذي قتل في المعركة مثله أو أولى منه؛ لأنه بذل وعرَّض رقبته لعدو الله؛ إعلاء لكلمة الله، وانتصارا لدينه، وهذا من أكبر الأدلة على صدق إيمانه " انتهى.
"مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين" (٨/٤٧٧)
وقد جمع الإمام القرطبي في "التذكرة لأحوال الموتى وأمور الآخرة" (ص/٤١٥-٤٢٦) طبعة دار المنهاج، وكذلك العلامة ابن القيم في كتابه " الروح " (ص/٧٩-٨٢) الأسباب المنجية من عذاب القبر وفتنة القبر بالتفصيل، فمن أراد الاطلاع عليها والتوسع فيها فليرجع إلى هذين الكتابين، وإن كان في بعض ما ذكراه توقف ونظر.
وانظر جواب السؤال رقم: (١٠٤٠٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 277
من مات مرابطا في سبيل الله يأمن سؤال القبر
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض المؤمنين من الذين قاموا بأعمال جليلة، أو أصيبوا بمصائب كبيرة، يأمنون فتنة القبر وعذابه، ومن هؤلاء، الذي مات مرابطا في سبيل الله: فقد روى فضالة بن عبيد ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (كل ميت يختم على عمله، إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله، فإنه ينمى له عمله يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر) رواه الترمذي وأبو داود. سؤالي هو: ما مدى صحة هذه الأحاديث؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ورد في فضل من مات مرابطا في سبيل الله أنه يأمن فتنة القبر، وذلك يعني أنه لا يُسأل في قبره الأسئلة المعروفة الواردة في أحاديث فتنة القبر: من ربك؟ وما هو دينك؟ ومن هو النبي الذي بعث فيكم؟
وإنما تشهد له مرابطته وجهاده في سبيل الله على صدقه ويقينه وإيمانه، والمرابط في سبيل الله هو من أقام في الثغور التي يخاف فيها من هجمات العدو، مأخوذ من ربط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر مرابطا، فارسا كان أو راجلا. انظر "التذكرة" للقرطبي (ص/٤١٨) .
والدليل على فضل الرباط في سبيل أحاديث عن النبي ﷺ ، منها:
الحديث الأول:
عَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ) رواه مسلم (١٩١٣) .
قال النووي ﵀: " هذه فضيلة ظاهرة للمرابط، وجريان عمله عليه بعد موته فضيلة مختصة به لا يشاركه فيها أحد، وقد جاء صريحا في غير مسلم: (كل ميت يختم على عمله الا المرابط فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة) .
قوله ﷺ : " وأجرى عليه رزقه " موافق لقول الله تعالى في الشهداء: (أحياء عند ربهم يرزقون) ، والأحاديث السابقة أن أرواح الشهداء تأكل من ثمار الجنة.
قوله ﷺ : " أمن الفتان " ضبطوا (أمن) بوجهين: أحدهما أَمِن بفتح الهمزة وكسر الميم من غير واو، والثاني: (أُومِن) بضم الهمزة وبواو.
وقوله " الفتان " فقال القاضي: رواية الأكثرين بضم الفاء، جمع فاتن، قال: ورواية الطبري بالفتح، وفي رواية أبى داود في سننه (أومن من فتاني القبر) " انتهى.
"شرح مسلم" (١٣/٦١) .
وقال المناوي ﵀: " (من فتان القبر) أي: فتانَيْه: منكر ونكير، أي: لا يأتيانه، ولا يختبرانه، بل يكتفى بموته مرابطا شاهدا على صحة إيمانه " انتهى.
"فيض القدير" (٥/٤٤) .
الحديث الثاني:
عن فَضَالَةَ بْنُ عُبَيْدٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ، إِلَاّ الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِنَّهُ يُنْمَى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ) رواه الترمذي (١٦٢١) وغيره، وقال الترمذي ﵀: حسن صحيح، وصححه ابن العربي في "عارضة الأحوذي" (٤/١١٣) ، وابن دقيق العيد في "الاقتراح" (ص/١٢٤) ، وابن حجر في "فتح الباري" (١٢/٤٢١) ، والشيخ الألباني في "صحيح الترمذي".
قال الإمام السرخسي ﵀: " ومعنى هذا الوعد في حق من مات مرابطا - والله أعلم - أنه في حياته كان يُؤمِّن المسلمين بعمله، فيجازَى في قبره بالأمن مما يخاف منه.
أو لَمَّا اختار في حياته المقام في أرض الخوف والوحشة لإعزاز الدين، يُجازَى بدفع الخوف والوحشة عنه في القبر " انتهى.
"شرح السير الكبير" (١/٩) .
وقد جمع الإمام القرطبي في "التذكرة لأحوال الموتى وأمور الآخرة" (ص/٤١٥-٤٢٦) طبعة دار المنهاج، وكذلك العلامة ابن القيم في كتابه " الروح " (ص/٧٩-٨٢) جميع الأسباب المنجية من عذاب القبر وفتنة القبر بالتفصيل، فمن أراد الاطلاع عليها والتوسع فيها فليرجع إلى هذين الكتابين.
وانظر جواب السؤال رقم: (١٠٤٠٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 278
أي الملائكة تقبض روح المسلم: ملائكة الرحمة، أم ملائكة العذاب؟
[السُّؤَالُ]
ـ[المسلم العاصي إذا مات هل تقبض روحه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، مع العلم بأنه مصلي، ولكنه يرتكب المعاصي: مثل النظر للحرام، أو سماع الأغاني؟ جزاك الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
عامة النصوص الواردة في هذا الموضوع تقسم الناس إلى قسمين:
١- مؤمنون: تتولى ملائكة الرحمة قبض أرواحهم، وترفعها إلى السماء، تحفها بعنايتها، وتتلقاها بالبشرى، وتناديها بأحب أسمائها، فترى من النعيم والسرور والحبور ما يسرها ويثبتها.
٢- كافرون ومنافقون: تتولى ملائكة العذاب نزع أرواحهم، وتتلقاها بالشدة والوعيد، تغلق في وجهها أبواب السماء، فتلقى في الأرض لتنال من الويل والعذاب جزاء ما كسبت في الدنيا من ظلم وكفر وعدوان.
وقد ذكر الله ذلك في القرآن الكريم، فقال : (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا. وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا. وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا) النازعات/١-٣
يقول الحافظ ابن كثير ﵀:
" قال ابن مسعود، وابن عباس، ومسروق، وسعيد بن جبير، وأبو صالح، وأبو الضحى، والسُّدِّي: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا) الملائكة، يعنون حين تنزع أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعُنف فَتُغرق في نزعها، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حَلَّته من نشاط، وهو قوله: (وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا) قاله ابن عباس.
وعن ابن عباس: (والنازعات) هي أنفس الكفار، تُنزع ثم تُنشَط، ثم تغرق في النار. رواه ابن أبي حاتم " انتهى.
"تفسير القرآن العظيم" (٨/٣١٢)
ثانيا:
يبقى الخوف على المسلم العاصي، أو المسلم الفاسق - والمقصود هو المصر على كبائر الذنوب، أو الظالم المعتدي على الخلق ومات على ذلك -: بأي القسمين السابقين يلحق؟ هل تقبض روحه ملائكة الرحمة ويلقى ما يلقاه المؤمنون، أم تقبضها ملائكة العذاب ويلقى ما يلقاه الكافرون؟
هذا من عالم الغيب الذي لم نقف فيه على نصوص صريحة تجزم لنا بحقيقة الحال الذي سيؤول إليه أصحاب الكبائر.
ولكن ثمة بعض الإشارات التي يمكن أن تدل على أن ملائكة العذاب هي التي تتولى قبض أرواح أصحاب الكبائر، ومن ذلك:
١- حديث الرجل الذي قتل مائة نفس، ثم تاب إلى الله ، فلما قبضت روحه اختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب أيهم يقبضها ويرفعها، فقد جاء في قصته التي يرويها أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ : (فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ. وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ. فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ) رواه البخاري (٣٧٤٠) ، ومسلم (٢٧٦٦)
فتأمل كيف أن ملائكة العذاب همت أن تقبض روح هذا العاصي الذي قتل مائة نفس، ولولا صدق توبته لكانت روحه من نصيب ملائكة العذاب، فالخوف على جميع أصحاب الكبائر بعد ذلك أن تتولى ملائكة العذاب قبض أرواحهم إن لم يتوبوا إلى الله .
٢- الأحاديث الكثيرة التي جاءت في وصف حضور الملائكة قبض روح الميت، وإصعادها بها إلى السماوات العلى، والمقابلة بين حال المؤمنين وحال الكافرين، جاء في بعض روايات هذه الأحاديث ذكر (الفاجر) بدلا من (الكافر) ، وفي بعضها تصفه بـ (الرجل السوء) وقد يكون في ذلك إشارة أيضا إلى أن أصحاب الكبائر على خطر عظيم في هذا الشأن.
عن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ قال – في حديث طويل يبين فيه حال المؤمن والفاجر عند قبض الأرواح -:
(وأما الفاجر: فإذا كان في قبل من الآخرة، وانقطاع من الدنيا، أتاه ملك الموت، فيقعد عند رأسه، وينزل الملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيقعدون منه مد البصر، فيقول ملك الموت: أخرجي أيتها النفس الخبيثة إلى سخط من الله وغضب ... إلى آخر الحديث)
هذه رواية الحاكم في "المستدرك" (١/٩٣) ، وصححها الشيخ الألباني في "أحكام الجنائز" (فقرة/١٠٨) ، والحديث أصله في السنن. وقد جمع ابن طولون في كتابه: "التحرير المرسخ في أحوال البرزخ" (ص/٧٥-١١٢) الأحاديث والآثار الواردة في هذا الشأن يمكن الاطلاع عليها هناك.
إلا إذا قلنا: إن المراد بالفاجر، أو الرجل السوء، في هذه الروايات، هو: الكافر، المذكور في الروايات الأخرى، لتتفق روايات الحديث، كما هو الأظهر، فيعود الأمر إلى السكوت عن أهل المعاصي والكبائر من المسلمين. والله أعلم.
قال الشيخ الشنقيطي ﵀:
" (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) النحل/٣٢
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المتقين الذين كنوا يمتثلون أوامر ربهم، ويجتنبون نواهيه، تتوفاهم الملائكة: أي يقبضون أرواحهم، في حال كونهم طيبين: أي طاهرين من الشرك والمعاصي - على أصح التفسيرات - ويبشرونهم بالجنة، ويسلمون عليهم.
وبين هذا المعنى أيضاً في غير هذا الموضع. كقوله: ﴿إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة أَلَاّ تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بالجنة التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] ، وقوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ، وقوله: ﴿وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار﴾ [الرعد: ٢٣-٢٤] . والبشارة عند الموت، وعند دخول الجنة من باب واحد. لأنها بشارة بالخير بعد الانتقال إلى الآخرة.
ويفهم من صفات هؤلاء الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ويقولون لهم سلام عليكم ادخلوا الجنة - أن الذين لم يتصفوا بالتقوى لم تتوفهم الملائكة على تلك الحال الكريمة، ولم تسلم عليهم، ولم تبشرهم.
وقد بين تعالى هذا المفهوم في مواضع أخر. كقوله: ﴿الذين تَتَوَفَّاهُمُ الملائكة ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السلم﴾ [النحل: ٢٨] الآية، وقوله: ﴿إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ﴾ [النساء: ٩٧]- إلى قوله - ﴿وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: ٩٧] ، وقوله: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠] الآية، إلى غير ذلك من الآيات " انتهى. أضواء البيان (٣/٣) .
ولعله أن يقال هنا ـ والله أعلم ـ أن حال أهل المعاصي والكبائر، عند الموت، يتفاوت بحسب معاصيهم وطاعاتهم؛ فمن كان من الموحدين، الطيبين المستقيمين، فله من البشارة وطيب الحال ما وعد الله به هنا، ومن خلط خُلط له، فيحرم من البشارة وطيب الحال، ورحمة الملائكة به، بحسب حاله وعمله.
وانظر جواب السؤال رقم: (٥٢٨٨٧)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 279
هل صحيح أن القيامة ستقوم يوم الجمعة ١٠ محرم
[السُّؤَالُ]
ـ[أخبرت أن يوم القيامة سيأتي يوم الجمعة ١٠ محرم والسؤال هو ربما يكون يوم الجمعة في السعودية ويوم آخر في الولايات المتحدة فمن هنا يكون يوم ١٠ محرم مختلف. فما هو حل هذا الإشكال؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
كُلُّ من أخبر عن موعدٍ لقيام القيامة محدد فهو مفترٍ كذّاب، فقيام القيامة هو الساعة التي قال الله فيها: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو) .
وأمّا إذا جاء يوم القيامة في الميعاد الذي يعلمه الله وهو في يوم جمعة، فسيتغير نظام هذا العالم من الليل، والنهار، والشمس، والقمر، والنجوم، ولا ندري هل تكون أمريكا موجودة في ذلك اليوم أو غير موجودة، فالله قادر على إهلاك من شاء من هذه الأمم قبل يوم القيامة، إنّ الله على كلِّ شيءٍ قدير.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 280
حكم الرسم التوضيحي للميزان الأخروي
[السُّؤَالُ]
ـ[يقوم بعض المعلمين بنشاط دعوي داخل المدرسة، ولكن بعض وسائل الدعوة يقع في نفسي منها شيء، من ذلك: أنهم قاموا بإعداد لوحة كبيرة قد رسم فيها ميزان له كفتان في إحداهما مصحف ومسجد وأدوات تدل على الطاعة وفي الكفة الأخرى عود غناء وآلات لهو وأمور محرمة، ثم كتبوا تحت هذه الصورة قول الحق ﵎: (والوزن يومئذ الحق ... ) الآية، فهل يجوز مثل هذا أم أنه تمثيل لأمور غيبية لا نعلم كيفيتها؟ وهل لي أن أنكر عليهم أم هي أمور اجتهادية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا العمل لا ينبغي؛ لأن هذه الأمور الغيبية لا نعلم كيفيتها، ورسمها قد يهوّن من قدرها وعظمتها، فيُكتفى ببيان ما جاء في النصوص من وضع الموازين، وأن الأعمال توزن، كما يوزن أصحابها، وينظر: جواب السؤال رقم (٣١٨٠٥) .
وأما المصحف والمسجد فلا نعلم في الأدلة ما يفيد أنهما يوضعان في الميزان، والظاهر أن المراد من الرسم وزن قراءة القرآن وعمارة المساجد.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: ما حكم رسم بستان كأنه يمثل الجنة، ونار كأنها تمثل النار؟
فأجاب: " هذا لا يجوز؛ لأننا لا نعلم كيفية ذلك، كما قال : (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) السجدة/١٧، ولا يعلم كيفية النار، فهي فضلت على نار الدنيا بتسع وستين جزءاً بما فيها النار الغليظة كنار الغاز وغيرها وما هو أشد، فهل أحد يستطيع أن يمثل النار؟ لا أحد يستطيع، ولهذا بلِّغ من يفعل ذلك أن هذا حرام، ومع الأسف الشديد أن الناس الآن بدءوا يجعلون الأمور الأخروية كأنها أمور حسية مشاهدة، وقد رأيت ورقة مكتوب فيها مربعات كذا الموت وآخر القبر وآخر القيامة وهكذا، فهذا كأنه صور ما بعد الموت خطوط ومربعات هندسية، جرأة عظيمة والعياذ بالله، ثم يقال: ما الذي أدراك أن هذا بعد هذا؟ نحن نعرف أن القبر بعد الحياة الدنيا وأن البعث بعد القبر، ولكن تفاصيل ما يكون يوم القيامة من الحساب والموازين وغير ذلك مَنْ يعلم الترتيب؟ لكن هذه جرأة عظيمة، والغريب أن هذه الورقة توزع، فيجب الحذر والتحذير من هذه الأوراق " انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (٢٢٠/٢١) .
وينظر: جواب السؤال رقم (٢٢٧٢٣) .
وعليه فينبغي لك نصح هؤلاء المعلمين، وحثهم على الاكتفاء بالوارد، وعدم التكلف والتوسع.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 281
حكم القول بتناسخ الأرواح
[السُّؤَالُ]
ـ[أحد أعضاء أسرتي يؤمن بتناسخ الأرواح وأنا أعارض هذا الأمر بقوة، ما هو التفسير الإسلامي (إذا وجد) لهذا الأمر؟ لأنني أتمنى أن أصحح أفكارهم (لأن إيمانهم قد قل) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
المقصود تناسخ الأرواح هو أن الجسد إذا مات، انتقلت الروح لتسكن جسدا آخر، تسعد فيه أو تشقى نتيجة ما قدمته من عمل، وهكذا تنتقل من جسد إلى جسد، والقول به من أبطل الباطل، وأعظم الكفر بالله تعالى وبكتبه ورسله، فإن الإيمان بالآخرة والحساب، والجنة والنار مما علم بالضرورة مجيء الرسل به، واشتمال الكتب المنزلة عليه. والقول بالتناسخ تكذيب لذلك كله.
والتفسير الإسلامي لأمر المعاد واضح في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومن ذلك قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون) العنكبوت/٥٧، وقوله: (إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون) يونس/٤، وقوله: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا) مريم/ ٨٥، ٨٦ وقوله: (لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) مريم/٩٤ – ٩٥، وقوله: (الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه) النساء/٨٦، وقوله: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير) التغابن/٧ إلى غير ذلك من الآيات المحكمات.
وفي السنة من ذكر المعاد وتقريره وتفصيل أمره ما لا يحصى كثرة، ومن ذلك قوله ﷺ : "إنكم محشورون حفاة عراة غرلا ثم قرأ: (كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين) وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم" الحديث، رواه البخاري (٣١٠٠) ومسلم (٥١٠٤) .
وقوله ﷺ : " إن في الإنسان عظما لا تأكله الأرض أبدا فيه يركب يوم القيامة " قالوا أي عظم هو يا رسول الله؟ قال: عجْب الذنَب " رواه مسلم (٥٢٥٥) .
وقوله: "تُدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل. قال سليم بن عامر [أحد رواة الحديث] : فوالله ما أدري ما يعني بالميل أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين. قال ﷺ : فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما. قال وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه " رواه مسلم (٥١٠٨) .
وقوله: "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك " رواه مسلم (٢٩٢) . إلى غير ذلك من الأحاديث.
فالقول بتناسخ الأرواح، تكذيب لهذه النصوص ورد لها، وإنكار للبعث.
وما جاء في الشريعة من إثبات عذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين أدلة ظاهرة على أن روح الإنسان لا تنتقل إلى غيره، بل يقع عليها وعلى الجسد العذاب والنعيم، حتى يحشر الناس إلى ربهم.
يقول الإمام ابن حزم ﵀: (فيكفي من الرد عليهم إجماع جميع أهل الإسلام على تكفيرهم، وعلى أن من قال بقولهم فإنه على غير الإسلام، وأن النبي ﷺ أتى بغير هذا) الفصل في الملل والأهواء والنحل ١/١٦٦
واعتقاد أن الجسد سيفنى، دون أن يكون له عودة أخرى يذوق فيها النعيم أو يتجرع فيها العذاب، سبيل إلى إغراق الإنسان في الشهوات والظلم والظلمات، وهذا ما يريده الشيطان من أصحاب هذه العقيدة الفاسدة، إضافة إلى غمسهم في الكفر بهذا المذهب الرديء.
والواجب عليك نصح هذا الإنسان، وتذكيره بكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ، ودعوته للتوبة من هذا الكفر، فإن تاب وأناب، وإلا وجب البعد عنه، والتحذير من مجالسته، وإعلان البراءة من معتقده، لئلا يغتر الناس به.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلم سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 282
القصاص يوم القيامة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يقتص الكافر المظلوم يوم القيامة من المسلم الظالم له؟ وهل يقتص الكفار بعضهم من بعض؟ وهل تقتص البهيمة من الإنسان؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
العدل هو ميزان الحكم يوم القيامة، وقد حرَّم الله الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرما، وهو يعلم سبحانه أن قيام المظالم كائنٌ ولا شك في الدنيا، بين الخلق كلهم: مؤمنهم وكافرهم، إنسهم وجنهم، عاقلهم وجاهلهم، ولذلك رصد لهم يوما يُقيم فيه الحقوق بموازين الحق والقسط، فينتصف فيه للمظلوم، ويعاقب الظالم.
يقول الله : (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) الأنبياء/٤٧
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَقْتَصُّ الْخَلْقُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، حَتَّى الْجَمَّاءُ مِنْ الْقَرْنَاءِ، وَحَتَّى الذَّرَّةُ مِنْ الذَّرَّةِ) رواه أحمد (٢/٣٦٣) وصححه محققو المسند، والألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٩٦٧)
فهو قصاص شامل وعام بين جميع الخلائق:
١- يقتص المؤمن المظلوم ممن ظلمه من الخلائق، مؤمنهم وكافرهم، إنسهم وجنهم.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
(إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ) رواه البخاري (٢٤٤٠)
٢- ويقتص الكافر المظلوم أيضا ممن ظلمه من الخلائق: فيقتص من الكافر الظالم، ويقتص من المسلم الظالم المعتدي، لعموم حديث أبي هريرة السابق: (يقتص الخلق بعضهم من بعض) .
غير أن المسلم لا يعد ظالما للكافر إذا كان الكافر محاربا معتديا، أما إذا كان ذميا أو معاهدا أو مؤتمنا، فلا يجوز للمسلم أن يظلمه ولا أن يعتدي عليه، بل جاء التشديد في أمره في كثير من الآيات والأحاديث، يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) المائدة/٨
يقول البيضاوي في "تفسيره" (٣٠٣) :
" لا يحمِلَنَّكم شدة بُغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم، فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل، كمُثلةٍ وقذفٍ وقتلِ نساءٍ وصِبيةٍ ونقضِ عهدٍ، تشفياً مما في قلوبكم " انتهى.
ويقول النبي ﷺ : (مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه أبو داود (٣٠٥٢) وحسنه ابن حجر في "موافقة الخبر" (٢/١٨٤) وصححه الألباني في "صحيح أبي داود"
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) رواه البخاري (٣١٦٦)
وعَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا بِإِذْنٍ، وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ، وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ إِذَا أَعْطَوْكُمْ الَّذِي عَلَيْهِمْ) رواه أبو داود (٣٠٥٠) وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٨٨٢)
فهذه النصوص تدل على حرمة الاعتداء على الكافر، وأن ذلك من الظلم الذي حرمه الله تعالى، وللمظلوم حق عنده سبحانه.
ولذلك كان الصحابة والفقهاء يدركون أن حق الذمي محفوظ عند الله ، فلا يجترئ أحد عليه إلا أخذه الله به.
روى القاضي أبو يوسف في "الخراج" (ص/١٨) أن علي بن أبي طالب ﵁ كتب إلى عُمَّالِه على الخراج:
" إذا قدمت عليهم فلا تبيعن لهم كسوة، شتاءً ولا صيفاً، ولا رزقاً يأكلونه، ولا دابة يعملون عليها، ولا تضربن أحداً منهم سوطاً واحداً في درهم، ولا تقمه على رجله في طلب درهم، ولا تبع لأحد منهم عَرَضاً في شيء من الخراج، فإنا إنما أَمَرَنا الله أن نأخذ منهم العفو، فإن أنت خالفت ما أمرتك به يأخذك الله به دوني، وإن بلغني عنك خلاف ذلك عزلتُك " انتهى.
٣- وتقتص الدواب بعضُها من بعض: وهي وإن كانت غير مكلفة، إلا أن قصاصها قصاص مقابلة واستحقاق، كي يقام العدل الذي به تقوم السماوات والأرض.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
(لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ) رواه مسلم (٢٥٨٢) والجلحاء: التي لا قرن لها.
وروى أحمد في "المسند" (٥/١٧٢) وحسنه المحققون، وكذا الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" تحت حديث رقم (١٩٦٧) عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ جَالِسًا، وَشَاتَانِ تَقْتَرِنَانِ، فَنَطَحَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى فَأَجْهَضَتْهَا، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: عَجِبْتُ لَهَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُقَادَنَّ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. أي لَيُقْتَصَّنَّ لها)
يقول النووي في "شرح مسلم" (١٦/١٣٧) :
" وأما القصاص من القرناء للجلحاء فليس هو من قصاص التكليف، إذ لا تكليف عليها، بل هو قصاص مقابلة " انتهى.
وجاء في "مرقاة المفاتيح" للشيخ علي القاري (٤/٧٦١) :
" قال ابن الملك: ... فإن قيل: الشاة غير مكلفة، فكيف يقتص منها؟ قلنا: إن الله تعالى فعال لما يريد، ولا يسأل عما يفعل، والغرض منه إعلام العباد أن الحقوق لا تضيع، بل يقتص حق المظلوم من الظالم ". قال القاري: " وهو وجه حسن، وتوجيه مستحسن،.. وجملة الأمر أن القضية دالة بطريق المبالغة على كمال العدالة بين كافة المكلفين، فإنه إذا كان هذا حال الحيوانات الخارجة عن التكليف، فكيف بذوي العقول من الوضيع والشريف، والقوي والضعيف؟ " انتهى.
بل إن الدواب تقتص من بني آدم يوم القيامة:
يقول ابن حجر الهيتمي في "الزواجر" (٢/١٤١) :
" فهذا من الدليل على القصاص بين البهائم، وبينها وبين بني آدم، حتى الإنسان لو ضرب دابة بغير حق أو جوَّعها، أو عطَّشها، أو كلفها فوق طاقتها فإنها تقتص منه يوم القيامة بنظير ما ظلمها أو جوَّعها، ويدل لذلك حديث الهرة، وفي الصحيح: (أَنَّهُ ﷺ رَأَى الْمَرْأَةَ مُعَلَّقَةً فِي النَّارِ وَالْهِرَّةُ تَخْدِشُهَا فِي وَجْهِهَا وَصَدْرِهَا وَتُعَذِّبُهَا كَمَا عَذَّبَتْهَا فِي الدُّنْيَا بِالْحَبْسِ وَالْجُوعِ) انظر: صحيح البخاري (٧٤٥) ومسند أحمد (٢/١٥٩) .
وهذا عام في سائر الحيوانات ... " انتهى.
وجاء في كتاب "بريقة محمودية" (٤/١٢٦) لأبي سعيد محمد بن محمد الخادمي:
" ويجتنب كل الجهد من حق الحيوان؛ لانسداد طرق التحليل والإرضاء في الآخرة والأولى، فإن الفقهاء قالوا: العذاب فيه متعين، وأمكن عفوه تعالى في نفسه، لكن حكم شريعته يقتضي عدم العفو، ولذا حكموا بتعيُّنِ العذاب، وفي قاضي خان: ومن هذا قالوا: إن خصومة الدابة أشد من خصومة الآدمي على الآدمي " انتهى.
وانظر جواب السؤال رقم (٢١٦٧٩)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 283
أسئلة القبر الثلاثة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي الأسئلة التي يواجهها الإنسان في القبر والتي نتعوذ منها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إذا مات ابن آدم وخرجت روحه ووضع في قبره فإنه عندئذٍ سيكون في أول مراحل الآخرة لأن القبر هو أول منزل من منازل الآخرة.
عن هانئ مولى عثمان بن عفان قال: كان عثمان بن عفان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته فيقال له: قد تَذكر الجنَّةَ والنَّار فلا تبكي وتبكي مِن هذا؟ فيقول: إن رسول الله ﷺ قال: " إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه "، وقال رسول الله ﷺ : " ما رأيت منظرا إلا والقبر أفظع منه ". رواه الترمذي (٢٣٠٨) وابن ماجه (٤٥٦٧) . وحسَّنه الألباني في " صحيح الجامع " (١٦٨٤)
ثانياً:
يأتيه الملكان الموكلان به يسألانه عما كان يؤمن به في الدنيا عن ربه وعن دينه وعن نبيِّه، فإن أجابهم بخيرٍ فذلك خيرٌ، وإن لم يجبهم فإنهم يضربونه ضرباً شديداً أليماً.
وإن كان من أهل الصلاح جاءه ملائكة بيض الوجوه، وإن كان من أهل الفساد جاءه ملائكة سود الوجوه، وهذه هي فتنته التي يُفتن بها.
عن عائشة أنَّ النَّبي ﷺ كان يقول: " اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من الكسل والهرم والمغرم والمأثم، اللهمَّ إني أعوذ بك من عذاب النار وفتنة النار، وفتنة القبر وعذاب القبر وشر فتنة الغنى وشر فتنة الفقر ومن شر فتنة المسيح الدجال، اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد ونق قلبي من الخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ".
رواه البخاري (٦٠١٤) .
قال ابن حجر:
قوله: " ومن فتنة القبر " هي سؤال الملكين.
" فتح الباري " (١١ / ١٧٧) .
وقال المباركفوري:
" وفتنة القبر " أي: التحير في جواب الملكين.
" تحفة الأحوذي " (٩ / ٣٢٨) .
ثالثاً:
أمَّا ما هو السؤال الذي تسأله الملائكة في القبر فهو مبين في الحديث الآتي:
عن البراء ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، ثلاث مرات، - أو مرتين - ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس حتى يجلسون منه مد البصر معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة يجيء ملك الموت فيقعد عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فإذا أخذوها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط فيخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: هذا فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح فيفتح لهم فيستقبله من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، قال: فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين في السماء السابعة وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيُجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ . فيقولان: ما عملك؟ فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقت به فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة فيأتيه من طيبها وروحها ويفسح له في قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: ومن أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي. وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح حتى يجلسون منه مد البصر ثم قال: ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: يا أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط الله وغضبه قال: فتفرق في جسده، قال: فتخرج فينقطع معها العروق والعصب كما تنزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في تلك المُسوح فيخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على ظهر الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي به إلى سماء الدنيا فيستفتحون فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ (الأعراف / ٤٠) ، قال: فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فتطرح روحه طرحا وقال ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾ (الحج / ٣١) ، قال: فيعاد روحه في جسده ويأتيه الملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: وما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، قال: فينادي مناد من السماء أفرشوا له من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار. قال: فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف عليه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة رب لا تقم الساعة ".
رواه أبو داود (٤٧٥٣) وأحمد – واللفظ له – (١٨٠٦٣) .
صححه الألباني في " صحيح الجامع " (١٦٧٦) .
فالصحيح أن الملكين لا يسألان الميت في قبره إلا عن أمور التوحيد والعقيدة، وهو واضح بيِّن.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 284
مصير الكفّار الذين لم يبلغهم الإسلام
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو مصير الكفار الذين لم يبلغهم الإسلام؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من عدل الله أنه لا يُعذّب قوما إلا بعد البلاغ وقيام الحجّة عليهم ولا يظلم ربّك أحدا، قال الله : (وما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولا) ، قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" إخبار عن عدله تعالى وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه كقوله تعالى "كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير" وكذا قوله "وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين".. "
فالذي لم يسمع عن الإسلام ولا عن النبي ﷺ ولم تبلغه الدّعوة بشكل صحيح فإنّ الله لا يعذّبه على موته على الكفر، فإن قيل: فما مصيره فالجواب أنّ الله يمتحنه يوم القيامة فإن أطاع دخل الجنّة وإن عصى دخل النّار والدليل على ذلك حديث الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَرْبَعَةٌ [يحتجون] يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَصَمُّ لا يَسْمَعُ شَيْئًا وَرَجُلٌ أَحْمَقُ وَرَجُلٌ هَرَمٌ وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ فَأَمَّا الأَصَمُّ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا وَأَمَّا الأَحْمَقُ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ رَبِّي لَقَدْ جَاءَ الإِسْلامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ رَبِّ مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ قَالَ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلامًا
وفي رواية: فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلامًا وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا يُسْحَبُ إِلَيْهَا الحديث رواه الإمام أحمد وابن حبان وصححه الألباني: صحيح الجامع ٨٨١
فكلّ من وصلته دعوة الإسلام بطريقة سليمة فقد أُقيمت عليه الحجّة ومن مات ولم تصل إليه أو وصلته غير صحيحة فأمره إلى الله، هو أعلم بخلقه ولا يظلم ربّك أحدا والله بصير بالعباد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 285
ما هي الأسئلة التي سيسأل عنها العبد يوم القيامة
[السُّؤَالُ]
ـ[كما نرجو أن تخبرنا عن الأمور المتعلقة "بيوم الحساب" بعذابها, والأسئلة التي ستطرح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ثبت في القرآن والسنة أن الإنسان إذا مات فإنه يحاسب عن كل صغيرة وكبيرة عملها في الدنيا من خير أو شر فالخير يجزى عليه والشر يعاقب عليه، وأول منازل الحساب القبر ففي القبر أول ما يسأل الإنسان عنه: مَن ربك؟ وما دينك؟ ومن هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ ، كما جاء في حديث البراء بن عازب ﵁ كما رواه أبو داود في " سننه " (٤٧٥٣) . صححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٩٧٩)
ثم يوم القيامة يحاسب عن كل صغيرة وكبيرة وإن حوسب عليها في القبر وأول ما يحاسب عليه الصلاة.
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربنا جل وعز لملائكته وهو أعلم: انظروا في صلاة عبدي أتمَّها أم نقصها؟ فإن كانت تامة: كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً: قال: انظروا هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع: قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم ".
رواه أبو داود (٨٦٤) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٧٧٠) .
ويسأل العبد يوم القيامة عن أمور منها:
ما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم ".
رواه الترمذي (٢٤٢٢) . وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (١٩٦٩)
وتسأل الأمم يوم القيامة: ﴿ماذا أجبتم المرسلين﴾ القصص / ٦٥.
هذا بعض ما سيسأل عنه العبد يوم القيامة، فعلى العبد العاقل الحريص على نجاة نفسه أن يعد للسؤال جواباً، نسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →