← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

حكم القول بتناسخ الأرواح [السُّؤَالُ] ـ[أحد أعضاء أسرتي يؤمن بتناسخ الأرواح وأنا أعارض هذا الأمر بقوة، ما هو التفسير الإسلامي (إذا وجد) لهذا الأمر؟ لأنني أتمنى أن أصحح أفكارهم (لأن إيمانهم قد قل) .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد: المقصود تناسخ الأرواح هو أن الجسد إذا مات، انتقلت الروح لتسكن جسدا آخر، تسعد فيه أو تشقى نتيجة ما قدمته من عمل، وهكذا تنتقل من جسد إلى جسد، والقول به من أبطل الباطل، وأعظم الكفر بالله تعالى وبكتبه ورسله، فإن الإيمان بالآخرة والحساب، والجنة والنار مما علم بالضرورة مجيء الرسل به، واشتمال الكتب المنزلة عليه. والقول بالتناسخ تكذيب لذلك كله. والتفسير الإسلامي لأمر المعاد واضح في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومن ذلك قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون) العنكبوت/٥٧، وقوله: (إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون) يونس/٤، وقوله: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا) مريم/ ٨٥، ٨٦ وقوله: (لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) مريم/٩٤ – ٩٥، وقوله: (الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه) النساء/٨٦، وقوله: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير) التغابن/٧ إلى غير ذلك من الآيات المحكمات. وفي السنة من ذكر المعاد وتقريره وتفصيل أمره ما لا يحصى كثرة، ومن ذلك قوله ﷺ : "إنكم محشورون حفاة عراة غرلا ثم قرأ: (كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين) وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم" الحديث، رواه البخاري (٣١٠٠) ومسلم (٥١٠٤) . وقوله ﷺ : " إن في الإنسان عظما لا تأكله الأرض أبدا فيه يركب يوم القيامة " قالوا أي عظم هو يا رسول الله؟ قال: عجْب الذنَب " رواه مسلم (٥٢٥٥) . وقوله: "تُدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل. قال سليم بن عامر [أحد رواة الحديث] : فوالله ما أدري ما يعني بالميل أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين. قال ﷺ : فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما. قال وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه " رواه مسلم (٥١٠٨) . وقوله: "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك " رواه مسلم (٢٩٢) . إلى غير ذلك من الأحاديث. فالقول بتناسخ الأرواح، تكذيب لهذه النصوص ورد لها، وإنكار للبعث. وما جاء في الشريعة من إثبات عذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين أدلة ظاهرة على أن روح الإنسان لا تنتقل إلى غيره، بل يقع عليها وعلى الجسد العذاب والنعيم، حتى يحشر الناس إلى ربهم. يقول الإمام ابن حزم ﵀: (فيكفي من الرد عليهم إجماع جميع أهل الإسلام على تكفيرهم، وعلى أن من قال بقولهم فإنه على غير الإسلام، وأن النبي ﷺ أتى بغير هذا) الفصل في الملل والأهواء والنحل ١/١٦٦ واعتقاد أن الجسد سيفنى، دون أن يكون له عودة أخرى يذوق فيها النعيم أو يتجرع فيها العذاب، سبيل إلى إغراق الإنسان في الشهوات والظلم والظلمات، وهذا ما يريده الشيطان من أصحاب هذه العقيدة الفاسدة، إضافة إلى غمسهم في الكفر بهذا المذهب الرديء. والواجب عليك نصح هذا الإنسان، وتذكيره بكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ، ودعوته للتوبة من هذا الكفر، فإن تاب وأناب، وإلا وجب البعد عنه، والتحذير من مجالسته، وإعلان البراءة من معتقده، لئلا يغتر الناس به. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلم سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 282

القصاص يوم القيامة [السُّؤَالُ] ـ[هل يقتص الكافر المظلوم يوم القيامة من المسلم الظالم له؟ وهل يقتص الكفار بعضهم من بعض؟ وهل تقتص البهيمة من الإنسان؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله العدل هو ميزان الحكم يوم القيامة، وقد حرَّم الله الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرما، وهو يعلم سبحانه أن قيام المظالم كائنٌ ولا شك في الدنيا، بين الخلق كلهم: مؤمنهم وكافرهم، إنسهم وجنهم، عاقلهم وجاهلهم، ولذلك رصد لهم يوما يُقيم فيه الحقوق بموازين الحق والقسط، فينتصف فيه للمظلوم، ويعاقب الظالم. يقول الله : (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) الأنبياء/٤٧ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَقْتَصُّ الْخَلْقُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، حَتَّى الْجَمَّاءُ مِنْ الْقَرْنَاءِ، وَحَتَّى الذَّرَّةُ مِنْ الذَّرَّةِ) رواه أحمد (٢/٣٦٣) وصححه محققو المسند، والألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٩٦٧) فهو قصاص شامل وعام بين جميع الخلائق: ١- يقتص المؤمن المظلوم ممن ظلمه من الخلائق، مؤمنهم وكافرهم، إنسهم وجنهم. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ) رواه البخاري (٢٤٤٠) ٢- ويقتص الكافر المظلوم أيضا ممن ظلمه من الخلائق: فيقتص من الكافر الظالم، ويقتص من المسلم الظالم المعتدي، لعموم حديث أبي هريرة السابق: (يقتص الخلق بعضهم من بعض) . غير أن المسلم لا يعد ظالما للكافر إذا كان الكافر محاربا معتديا، أما إذا كان ذميا أو معاهدا أو مؤتمنا، فلا يجوز للمسلم أن يظلمه ولا أن يعتدي عليه، بل جاء التشديد في أمره في كثير من الآيات والأحاديث، يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) المائدة/٨ يقول البيضاوي في "تفسيره" (٣٠٣) : " لا يحمِلَنَّكم شدة بُغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم، فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل، كمُثلةٍ وقذفٍ وقتلِ نساءٍ وصِبيةٍ ونقضِ عهدٍ، تشفياً مما في قلوبكم " انتهى. ويقول النبي ﷺ : (مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه أبو داود (٣٠٥٢) وحسنه ابن حجر في "موافقة الخبر" (٢/١٨٤) وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) رواه البخاري (٣١٦٦) وعَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا بِإِذْنٍ، وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ، وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ إِذَا أَعْطَوْكُمْ الَّذِي عَلَيْهِمْ) رواه أبو داود (٣٠٥٠) وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٨٨٢) فهذه النصوص تدل على حرمة الاعتداء على الكافر، وأن ذلك من الظلم الذي حرمه الله تعالى، وللمظلوم حق عنده سبحانه. ولذلك كان الصحابة والفقهاء يدركون أن حق الذمي محفوظ عند الله ، فلا يجترئ أحد عليه إلا أخذه الله به. روى القاضي أبو يوسف في "الخراج" (ص/١٨) أن علي بن أبي طالب ﵁ كتب إلى عُمَّالِه على الخراج: " إذا قدمت عليهم فلا تبيعن لهم كسوة، شتاءً ولا صيفاً، ولا رزقاً يأكلونه، ولا دابة يعملون عليها، ولا تضربن أحداً منهم سوطاً واحداً في درهم، ولا تقمه على رجله في طلب درهم، ولا تبع لأحد منهم عَرَضاً في شيء من الخراج، فإنا إنما أَمَرَنا الله أن نأخذ منهم العفو، فإن أنت خالفت ما أمرتك به يأخذك الله به دوني، وإن بلغني عنك خلاف ذلك عزلتُك " انتهى. ٣- وتقتص الدواب بعضُها من بعض: وهي وإن كانت غير مكلفة، إلا أن قصاصها قصاص مقابلة واستحقاق، كي يقام العدل الذي به تقوم السماوات والأرض. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ) رواه مسلم (٢٥٨٢) والجلحاء: التي لا قرن لها. وروى أحمد في "المسند" (٥/١٧٢) وحسنه المحققون، وكذا الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" تحت حديث رقم (١٩٦٧) عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ جَالِسًا، وَشَاتَانِ تَقْتَرِنَانِ، فَنَطَحَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى فَأَجْهَضَتْهَا، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: عَجِبْتُ لَهَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُقَادَنَّ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. أي لَيُقْتَصَّنَّ لها) يقول النووي في "شرح مسلم" (١٦/١٣٧) : " وأما القصاص من القرناء للجلحاء فليس هو من قصاص التكليف، إذ لا تكليف عليها، بل هو قصاص مقابلة " انتهى. وجاء في "مرقاة المفاتيح" للشيخ علي القاري (٤/٧٦١) : " قال ابن الملك: ... فإن قيل: الشاة غير مكلفة، فكيف يقتص منها؟ قلنا: إن الله تعالى فعال لما يريد، ولا يسأل عما يفعل، والغرض منه إعلام العباد أن الحقوق لا تضيع، بل يقتص حق المظلوم من الظالم ". قال القاري: " وهو وجه حسن، وتوجيه مستحسن،.. وجملة الأمر أن القضية دالة بطريق المبالغة على كمال العدالة بين كافة المكلفين، فإنه إذا كان هذا حال الحيوانات الخارجة عن التكليف، فكيف بذوي العقول من الوضيع والشريف، والقوي والضعيف؟ " انتهى. بل إن الدواب تقتص من بني آدم يوم القيامة: يقول ابن حجر الهيتمي في "الزواجر" (٢/١٤١) : " فهذا من الدليل على القصاص بين البهائم، وبينها وبين بني آدم، حتى الإنسان لو ضرب دابة بغير حق أو جوَّعها، أو عطَّشها، أو كلفها فوق طاقتها فإنها تقتص منه يوم القيامة بنظير ما ظلمها أو جوَّعها، ويدل لذلك حديث الهرة، وفي الصحيح: (أَنَّهُ ﷺ رَأَى الْمَرْأَةَ مُعَلَّقَةً فِي النَّارِ وَالْهِرَّةُ تَخْدِشُهَا فِي وَجْهِهَا وَصَدْرِهَا وَتُعَذِّبُهَا كَمَا عَذَّبَتْهَا فِي الدُّنْيَا بِالْحَبْسِ وَالْجُوعِ) انظر: صحيح البخاري (٧٤٥) ومسند أحمد (٢/١٥٩) . وهذا عام في سائر الحيوانات ... " انتهى. وجاء في كتاب "بريقة محمودية" (٤/١٢٦) لأبي سعيد محمد بن محمد الخادمي: " ويجتنب كل الجهد من حق الحيوان؛ لانسداد طرق التحليل والإرضاء في الآخرة والأولى، فإن الفقهاء قالوا: العذاب فيه متعين، وأمكن عفوه تعالى في نفسه، لكن حكم شريعته يقتضي عدم العفو، ولذا حكموا بتعيُّنِ العذاب، وفي قاضي خان: ومن هذا قالوا: إن خصومة الدابة أشد من خصومة الآدمي على الآدمي " انتهى. وانظر جواب السؤال رقم (٢١٦٧٩) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 283

أسئلة القبر الثلاثة [السُّؤَالُ] ـ[ما هي الأسئلة التي يواجهها الإنسان في القبر والتي نتعوذ منها؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إذا مات ابن آدم وخرجت روحه ووضع في قبره فإنه عندئذٍ سيكون في أول مراحل الآخرة لأن القبر هو أول منزل من منازل الآخرة. عن هانئ مولى عثمان بن عفان قال: كان عثمان بن عفان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته فيقال له: قد تَذكر الجنَّةَ والنَّار فلا تبكي وتبكي مِن هذا؟ فيقول: إن رسول الله ﷺ قال: " إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه "، وقال رسول الله ﷺ : " ما رأيت منظرا إلا والقبر أفظع منه ". رواه الترمذي (٢٣٠٨) وابن ماجه (٤٥٦٧) . وحسَّنه الألباني في " صحيح الجامع " (١٦٨٤) ثانياً: يأتيه الملكان الموكلان به يسألانه عما كان يؤمن به في الدنيا عن ربه وعن دينه وعن نبيِّه، فإن أجابهم بخيرٍ فذلك خيرٌ، وإن لم يجبهم فإنهم يضربونه ضرباً شديداً أليماً. وإن كان من أهل الصلاح جاءه ملائكة بيض الوجوه، وإن كان من أهل الفساد جاءه ملائكة سود الوجوه، وهذه هي فتنته التي يُفتن بها. عن عائشة أنَّ النَّبي ﷺ كان يقول: " اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من الكسل والهرم والمغرم والمأثم، اللهمَّ إني أعوذ بك من عذاب النار وفتنة النار، وفتنة القبر وعذاب القبر وشر فتنة الغنى وشر فتنة الفقر ومن شر فتنة المسيح الدجال، اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد ونق قلبي من الخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ". رواه البخاري (٦٠١٤) . قال ابن حجر: قوله: " ومن فتنة القبر " هي سؤال الملكين. " فتح الباري " (١١ / ١٧٧) . وقال المباركفوري: " وفتنة القبر " أي: التحير في جواب الملكين. " تحفة الأحوذي " (٩ / ٣٢٨) . ثالثاً: أمَّا ما هو السؤال الذي تسأله الملائكة في القبر فهو مبين في الحديث الآتي: عن البراء ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، ثلاث مرات، - أو مرتين - ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس حتى يجلسون منه مد البصر معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة يجيء ملك الموت فيقعد عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فإذا أخذوها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط فيخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: هذا فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح فيفتح لهم فيستقبله من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، قال: فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين في السماء السابعة وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيُجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ . فيقولان: ما عملك؟ فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقت به فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة فيأتيه من طيبها وروحها ويفسح له في قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: ومن أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي. وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح حتى يجلسون منه مد البصر ثم قال: ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: يا أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط الله وغضبه قال: فتفرق في جسده، قال: فتخرج فينقطع معها العروق والعصب كما تنزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في تلك المُسوح فيخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على ظهر الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي به إلى سماء الدنيا فيستفتحون فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ (الأعراف / ٤٠) ، قال: فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فتطرح روحه طرحا وقال ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾ (الحج / ٣١) ، قال: فيعاد روحه في جسده ويأتيه الملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: وما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، قال: فينادي مناد من السماء أفرشوا له من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار. قال: فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف عليه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة رب لا تقم الساعة ". رواه أبو داود (٤٧٥٣) وأحمد – واللفظ له – (١٨٠٦٣) . صححه الألباني في " صحيح الجامع " (١٦٧٦) . فالصحيح أن الملكين لا يسألان الميت في قبره إلا عن أمور التوحيد والعقيدة، وهو واضح بيِّن. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 284

مصير الكفّار الذين لم يبلغهم الإسلام [السُّؤَالُ] ـ[ما هو مصير الكفار الذين لم يبلغهم الإسلام؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله من عدل الله أنه لا يُعذّب قوما إلا بعد البلاغ وقيام الحجّة عليهم ولا يظلم ربّك أحدا، قال الله : (وما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولا) ، قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" إخبار عن عدله تعالى وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه كقوله تعالى "كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير" وكذا قوله "وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين".. " فالذي لم يسمع عن الإسلام ولا عن النبي ﷺ ولم تبلغه الدّعوة بشكل صحيح فإنّ الله لا يعذّبه على موته على الكفر، فإن قيل: فما مصيره فالجواب أنّ الله يمتحنه يوم القيامة فإن أطاع دخل الجنّة وإن عصى دخل النّار والدليل على ذلك حديث الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَرْبَعَةٌ [يحتجون] يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَصَمُّ لا يَسْمَعُ شَيْئًا وَرَجُلٌ أَحْمَقُ وَرَجُلٌ هَرَمٌ وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ فَأَمَّا الأَصَمُّ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا وَأَمَّا الأَحْمَقُ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ رَبِّي لَقَدْ جَاءَ الإِسْلامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ رَبِّ مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ قَالَ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلامًا وفي رواية: فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلامًا وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا يُسْحَبُ إِلَيْهَا الحديث رواه الإمام أحمد وابن حبان وصححه الألباني: صحيح الجامع ٨٨١ فكلّ من وصلته دعوة الإسلام بطريقة سليمة فقد أُقيمت عليه الحجّة ومن مات ولم تصل إليه أو وصلته غير صحيحة فأمره إلى الله، هو أعلم بخلقه ولا يظلم ربّك أحدا والله بصير بالعباد. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 285

ما هي الأسئلة التي سيسأل عنها العبد يوم القيامة [السُّؤَالُ] ـ[كما نرجو أن تخبرنا عن الأمور المتعلقة "بيوم الحساب" بعذابها, والأسئلة التي ستطرح؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ثبت في القرآن والسنة أن الإنسان إذا مات فإنه يحاسب عن كل صغيرة وكبيرة عملها في الدنيا من خير أو شر فالخير يجزى عليه والشر يعاقب عليه، وأول منازل الحساب القبر ففي القبر أول ما يسأل الإنسان عنه: مَن ربك؟ وما دينك؟ ومن هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ ، كما جاء في حديث البراء بن عازب ﵁ كما رواه أبو داود في " سننه " (٤٧٥٣) . صححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٩٧٩) ثم يوم القيامة يحاسب عن كل صغيرة وكبيرة وإن حوسب عليها في القبر وأول ما يحاسب عليه الصلاة. عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربنا جل وعز لملائكته وهو أعلم: انظروا في صلاة عبدي أتمَّها أم نقصها؟ فإن كانت تامة: كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً: قال: انظروا هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع: قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم ". رواه أبو داود (٨٦٤) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٧٧٠) . ويسأل العبد يوم القيامة عن أمور منها: ما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم ". رواه الترمذي (٢٤٢٢) . وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (١٩٦٩) وتسأل الأمم يوم القيامة: ﴿ماذا أجبتم المرسلين﴾ القصص / ٦٥. هذا بعض ما سيسأل عنه العبد يوم القيامة، فعلى العبد العاقل الحريص على نجاة نفسه أن يعد للسؤال جواباً، نسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 286

من رجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة وسلم من العذاب [السُّؤَالُ] ـ[أود أن أعرف ماذا يحدث للمسلم بعد وزن جميع أعماله على الميزان؛ هل يذهب للجنة إذا زادت حسناته عن سيئاته؟ أم يذهب للنار أولا لكى يتطهر من السيئات التى اقترفها؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: مما يجب الإيمان به من أمور الآخرة: الميزان الذي يوزن به أعمال العباد، كما قال سبحانه: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) الأنبياء/٤٧ قال الطحاوي ﵀ في عقيدته المشهورة: " وَنُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ وَجَزَاءِ الْأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَالْعَرْضِ وَالْحِسَابِ، وَقِرَاءَة الْكِتَابِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ " انتهى. والميزان يكون بعد الحساب، وقبل الصراط: قال القرطبي ﵀: " قال العلماء: وإذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها، قال الله تعالى (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا﴾ الآية. وقال (فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه) إلى آخر السورة " انتهى من "التذكرة" ص (٣٥٩) . ومع أنه ـ في الواقع ـ ليس ثمة نص يبين تلك الأعمال مرتبة، وليس في ذلك إلا اجتهادات لبعض أهل العلم؛ فإن الترتيب الذي ذكره القرطبي عن العلماء مناسب من حيث الزمن، لأن الله يحاسب الشخص على أعماله ويقرره بها، ثم بعد ذلك ينصب له الميزان ليكون نتيجة لتلك المحاسبة؛ ليُطْلِع الله العبد على مصداق تلك المحاسبة ظاهراً في ميزانه. (انظر: الحياة الآخرة للعواجي ٣/١١٦٩) ثانيا: إذا وزنت الأعمال، كان الناس على ثلاثة أقسام: الأول: من رجحت حسناته على سيئاته، وهذا سعيد مفلح، كما قال تعالى: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) المؤمنون/١٠٢، ١٠٣، وقال: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ) القارعة/٦-١١ الثاني: من رجحت سيئاته على حسناته، وهذا إن كان مسلما، دخل النار، فإذا هُذّب ونقي أخرج منها ودخل الجنة، وإن كان كافرا بقي فيها خالدا مخلدا، كما في آية سورة المؤمنون السابقة. الثالث: من استوت حسناته وسيئاته، وهذا من أصحاب الأعراف، يكونون في مكان بين الجنة والنار، يطلعون على هؤلاء وهؤلاء، كما قال سبحانه: (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) الأعراف/٤٦، ٤٧، ومصير أهل الأعراف دخول الجنة بعد ذلك. قال ابن كثير ﵀ في تفسيره (٢/٢٨٩) : " لما ذكر تعالى مخاطبة أهل الجنة مع أهل النار نبّه أن بين الجنة والنار حجاباً وهو الحاجز المانع من وصول أهل النار إلى الجنة ... قال ابن جرير: والأعراف جمع عرف، وكل مرتفع من الأرض عند العرب يسمى عرفاً، وإنما قيل لعرف الديك عرفاً لارتفاعه. وفي رواية عن ابن عباس: الأعراف: تل بين الجنة والنار، حبس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار، وفي رواية عنه هو سور بين الجنة والنار. وكذا قال الضحاك وغير واحد من علماء التفسير. وقال السدي: إنما سمي الأعراف أعرافاً لأن أصحابه يعرفون الناس. واختلفت عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف من هم؟ وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، نص عليه حذيفة وابن عباس وابن مسعود وغير واحد من السلف والخلف ﵏ ... وقال ابن جرير: حدثني يعقوب حدثنا هشيم أخبرنا حصين عن الشعبي عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة وخلّفت بهم حسناتهم عن النار، قال فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم ... " انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وَقَدْ يَفْعَلُ مَعَ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ تُوَازِيهَا وَتُقَابِلُهَا فَيَنْجُو بِذَلِكَ مِنْ النَّارِ وَلَا يَسْتَحِقُّ الْجَنَّةَ بَلْ يَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ. وَإِنْ كَانَ مَآلُهُمْ إلَى الْجَنَّةِ فَلَيْسُوا مِمَّنْ أُزْلِفَتْ لَهُمْ الْجَنَّةُ أَيْ قُرِّبَتْ لَهُمْ إذْ كَانُوا لَمْ يَأْتُوا بِخَشْيَةِ اللَّهِ وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ ". انتهى من مجموع الفتاوى (١٦/١٧٧) . وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: " سمعت من شخص يقول: إن الأعراف سور بين الجنة والنار يمكثون فيه عدداً من السنين؟ فأجاب: الناس إذا كان يوم القيامة انقسموا إلى ثلاثة أقسام: قسم ترجح حسناتهم على سيئاتهم، فهؤلاء لا يعذبون ويدخلون الجنة، وقسم آخر ترجح سيئاتهم على حسناتهم، فهؤلاء مستحقون للعذاب بقدر سيئاتهم ثم ينجون إلى الجنة، وقسم ثالث سيئاتهم وحسناتهم سواء، فهؤلاء هم أهل الأعراف ليسوا من أهل الجنة، ولا من أهل النار، بل هم في مكان برزخ عالٍ مرتفع يرون النار ويرون الجنة، يبقون فيه ما شاء الله وفي النهاية يدخلون الجنة، وهذا من تمام عدل الله أن أعطى كل إنسان ما يستحق، فمن ترجّحت حسناته فهو من أهل الجنة، ومن ترجحت سيئاته عذّب في النار إلى ما شاء الله، ومن كانت حسناته وسيئاته متساوية فهو من أهل الأعراف، لكنها -أي الأعراف- ليست مستقراً دائماً، وإنما المستقر: إما إلى الجنة، وإما إلى النار، جعلني الله وإياكم من أهل الجنة " انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (١٤/١٦) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 287

والدتها أمية وتشك في البعث [السُّؤَالُ] ـ[والدتي أمية لا تعرف القراءة ولا الكتابة، والصلاة تصليها، ولكن لا تعرف ما تقوله في الصلاة، ولا تحفظ سوى سورة الفاتحة فقط، ماذا أفعل يا شيخ حاولت أن أعلمها أركان الصلاة وماذا تقول فيها، ولكنها لا تستطيع لكبر سنها، ثانيا: لا تستطيع نطق الكلام بشكل جيد، وأيضا لا تؤمن بالحساب بعد الموت لا كفرا منها، ولكنها لكبرها لا تصدق، تقول: هل إذا مت سأعيش مرة أخرى؟ أرجو الرد، والدعاء لي ولها]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: الإنسان إذا كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، فالواجب أن يتعلم ما يقوله في صلاته وكيفية الصلاة، وكونه لا يقرأ ولا يكتب لا يمنع من ذلك؛ لأن هذا أمر سهل والحمد لله، فهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم أكثرهم لم يكن يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك كانوا يحسنون كيف يصلون. وقراءة الفاتحة في الصلاة ركن من أركانها، وأما قراءة السورة بعدها فسنة مستحبة، فإذا لم تأت بها والدتك فلا شيء عليها، لكن ينبغي أن تعينيها على حفظ قصار السور كالإخلاص والمعوذتين. وأما السجود فالذكر الواجب فيه هو قول: سبحان ربي الأعلى، مرة واحدة، والمستحب ألا يقل عن ثلاث مرات. وهذه الجملة لا شك في يسرها وسهولتها، وإنما التقصير والتفريط يقع من الإنسان. وعلى كل ينبغي أن تترفقي بها، وأن تكوني لها عونا على الاستمرار في الصلاة، وتعليمها ما تحتاج إليه من الأذكار الواردة فيها، فإذا عجزت عن تعلِّم ذلك، وكانت تحسن الفاتحة كما ذكرت فإنها تدعو تسبح بما تحسنه، وما تعجز عنه فإنه يسقط عنها، ويعفى لها عنه. روى أبو داود (٧٩٢) أن النبي ﷺ قال لِرَجُلٍ: كَيْفَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: أَتَشَهَّدُ وَأَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ النَّارِ. أَمَا إِنِّي لَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. قال شيخ الإسلام: " ومن اهتدى لهذا الأصل وهو أن نفس واجبات الصلاة تسقط بالعذر فكذلك الواجبات في الجماعات ونحوها فقد هدى لما جاءت به السنة من التوسط بين إهمال بعض واجبات الشريعة رأسا كما قد يبتلى به بعضهم وبين الإسراف في ذلك الواجب حتى يفضى إلى ترك غيره من الواجبات التي هي أوكد منه عند العجز عنه وان كان ذلك الأوكد مقدورا عليه كما قد يبتلى به آخرون فان فعل المقدور عليه من ذلك دون المعجوز عنه هو الوسط بين الأمرين " انتهى من مجموع الفتاوى (٢٣/٢٤٧) ثانيا: إنكار البعث بعد الموت أو الشك في حصوله كفر مخرج عن ملة الإسلام بالإجماع، لقيام الأدلة الصحيحة الصريحة من القرآن والسنة على إثبات البعث، بل العقل والفطرة السليمة يدلان عليه. قال تعالى: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) التغابن /٧، وقال سبحانه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) المؤمنون/١٢- ١٦، وقال سبحانه: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) يس/٥١، ٥٢، وقال سبحانه (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) سورة يس/٧٨-٧٩ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على البعث والجزاء وما بعده من الجنة والنار، وكذلك الأحاديث المتواترة التي تخبر عن قيام الناس من القبور، وجمعهم في أرض المحشر، ووقوفهم حفاة عراة غرلا، ودنو الشمس من الرؤوس، وما يتلو ذلك من الحساب والجزاء، ودخول الجنة والنار. وهذا الأمور من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، بل يعلمها غير المسلمين كاليهود والنصارى، فمن أنكرها أو شك فيها فهو كافر. فالواجب عليك أن تبيني لها ما يكون من إكرام الله تعالى لأهل طاعته، بتيسير الحساب عليهم، وإدخالهم جنته ودار كرامته، وما أعده لأهل معصيته ومخالفته، من العذاب والهوان والشقاء حال الموت وفي القبر ويوم القيامة. واهتمي معها ببيان كمال الله وعدله وحكمته ورحمته، وأنه لا يليق به أن يترك الناس من غير بعث ولا حساب: (أفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) المؤمنون/١١٥-١١٨، وأنه لا يليق به التسوية في نهاية المطاف بين المؤمن والكافر، الصالح والطالح: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) سورة ص/٢٨، (أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ) سورة الجاثية/٢١، وأخبريها أن هذا الظن شتم لله وعيب وتكذيب له: روى البخاري (٣١٩٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، أُرَاهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (يَشْتِمُنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي وَيُكَذِّبُنِي وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ إِنَّ لِي وَلَدًا وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي) واستعيني في تعليمها وإرشادها بمن تثق فيه من أبنائها وأقاربها. نسأل الله تعالى أن يهديها ويصلح حالها. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 288

هل يرى المسلمُ مَن يشاء مِن نساء الجنة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يمكن للمرء المسلم إن كان من أهل الجنة أن يرى صحابيات النبي ﷺ في الجنة إذا بلغ منازلهم، وكذلك الصالحات من النساء كرابعة العدوية وغيرها من النساء المؤمنات؟ وجزاكم الله خيراً]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ليس في الجنة نظر سوء، ولا مرض قلب حتى يبحث الرجال في الجنة عن نساء غيرهم، ولا النساء يبحثن عن رجال يعرفونهم في الدنيا، فالجنة دار كرامة الله تعالى، لا فيها خبث ولا شر ولا سوء، وليس فيها شهوة محرمة لا تمنيّاً ولا وجوداً. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ أَمْشَاطُهُمْ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَجَامِرُهُمْ الْأَلُوَّةُ وَرَشْحُهُمْ الْمِسْكُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنْ الْحُسْنِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا) . رواه البخاري (٣٠٧٣) ومسلم (٢٨٣٤) . وفي البخاري (٣٠٨١) : (وَلَا تَحَاسُد) . ثانياً: ومن نعيم الجنة للرجل أن يرزقه الله زوجات تقصر حبها ونظرها عليه، ولا ترى أحسن منها، ولا تشتهي غيره. قال تعالى: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ) الصافات/٤٨. قال الإمام الطبري – ﵀: يقول تعالى ذِكْره: وعند هؤلاء المخلصين من عباد الله في الجنة: قاصرات الطرف، وهنَّ النساء اللواتي قصرن أطرافهن على بعولتهن، لا يُردن غيرهم، ولا يمددن أبصارهن إلى غيرهم. " تفسير الطبري " (٢١ / ٤١) . وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ) أي: وعند أهل دار النعيم في محلاتهم القريبة حور حسان، كاملات الأوصاف، قاصرات الطرف، إما أنها قصرت طرفها على زوجها، لعفتها وعدم مجاوزته لغيره، ولجمال زوجها وكماله، بحيث لا تطلب في الجنة سواه، ولا ترغب إلا به، وإما لأنها قصرت طرف زوجها عليها، وذلك يدل على كمالها وجمالها الفائق، الذي أوجب لزوجها أن يقصر طرفه عليها، وقصر الطرف أيضاً يدل على قصر النفس والمحبة عليها، وكلا المعنيين محتمل، وكلاهما صحيح، وكل هذا يدل على جمال الرجال والنساء في الجنة، ومحبة بعضهم بعضا، محبة لا يطمح إلى غيره، وشدة عفتهم كلهم، وأنه لا حسد فيها، ولا تباغض، ولا تشاحن، وذلك لانتفاء أسبابه. " تفسير السعدي " (ص ٧٠٢) . والظاهر أن قوله تعالى (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ) ، وقوله تعالى (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ) ص/٥٢: أنها في الحور العين، وفي نساء الدنيا من أهل الجنة، ومعنى (عين) : أي: واسعة العين، ومعنى (أتراب) أي: في سنٍّ واحدة. ثالثاً: ولن تكون امرأة في الجنة من غير زواج، فلكل امرأة زوج، وليس في الجنة أعزب. عَنْ أبي هرَيْرَة ﵁ قال: قَالَ الرسول ﷺ : ( ... وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ) رواه مسلم (٢٨٣٤) . رابعاً: وأما بخصوص هذه المسألة تحديداً: فالظاهر من النصوص أن المرأة تعيش مع زوجها وذريتها في مملكتها في الجنة، وأنها تكتفي بزوجها عن الناس – كما سبق -، ولم يرد نصٌّ خاص في رؤيتها للأجانب عنها هناك، ولا رؤية الرجال للصالحات والعابدات من المؤمنات من أهل الجنة. قال الشيخ عبد الرحمن البراك – حفظه الله -: إن أمور الغيب لا سبيل إلى معرفتها إلا بالخبر عن المعصوم؛ لأن أمور الغيب لا تدرك بالعقول والتفكير، فأمور الجنة من الغيب المستور، والواجب الوقوف عند ما جاءت به النصوص من الكتاب والسنة، فيجب الإيمان بالجنة وما أخبر الله به من أصناف النعيم فيها، مع العلم بأن حقائقها لا يعلمها إلا الله، ولم يأت في النصوص أن الرجل يلقى نساء الآخرة، فلم يرد نفي ولا إثبات للرؤية المسؤول عنها، وليس لنا أن نقول: إن الإنسان يمكن أن يرى أمهات المؤمنين، أو نقول: لا يمكن، بل يجب أن نمسك عن التفكير في هذا والخوض فيه، فإنه من الفضول، وليس مما يشرع الدعاء به، ولا مما يشرع تمنيه، لكن الذي دل عليه القرآن أن المؤمنين يلتقون ويجلسون على السرر متقابلين، كما قال تعالى: (ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين. على سرر موضونة. متكئين عليها متقابلين) الواقعة/١٣ - ١٦، وفي الآية الأخرى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين) الحِجر/٤٧، فلا ينبغي الخوض في أمور الغيب بلا علم، بل إذا طرح مثل هذا السؤال فينبغي أن يجيب الإنسان بقوله: الله أعلم، ويوجه السائل إلى عدم الخوض في ذلك؛ لأنه لا فائدة فيه، (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً) الإسراء/٣٦، وقالت الملائكة: (سبحان لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم) البقرة/٣٢. نسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يجعلنا جميعاً من أهل جنات النعيم، وصلى الله وسلم بارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه. نقلاً عن " موقع الإسلام اليوم ". والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 289

تمثل العمل الصالح رجلا في القبر [السُّؤَالُ] ـ[ما صحة هذا الحديث: (عند موت الإنسان وأثناء انشغال أقربائه بمناسكِه الجنائزيةِ، يقفُ رجلٌ وسيمُ جداً بجوار رأس الميت. وعند تكفين الجثّة، يَدْخلُ ذلك الرجلِ بين الكفنِ وصدرِ الميّتِ. وبعد الدفنِ، يَعُودَ الناس إلى بيوتهم، ويأتي القبرِ ملكان مُنكرٌ ونكير، ويُحاولانَ أَنْ يَفْصلَا هذا الرجلِ الوسيم عن الميتِ لكي يَكُونا قادرين على سؤال الرجلِ الميتِ في خصوصية حول إيمانِه. لكن يَقُولُ الرجل الوسيم: " هو رفيقُي، هو صديقُي. أنا لَنْ أَتْركَه بدون تدخّل في أيّ حالٍ منَ الأحوالِ. إذا كنتم معنينَّن لسؤالهِ، فاعمَلوا بما تؤمرونَ، أما أنا فلا أَستطيعُ تَرْكه حتى أدخلهْ إلى الجنة ِ". ويتحول الرجل الوسيم إلى رفيقه الميت ويَقُولُ له: " أَنا القرآن الذيّ كُنْتَ تَقْرؤُه بصوتٍ عالٍ أحياناً وبصوت خفيض أحياناً أخرى. لا تقلق. فبعد سؤال مُنكرٍ ونكير لا حزن بعد اليوم. وعندما ينتهى السؤال، يُرتّبُ الرجل الوسيم والملائكة فراش من الحرير مُلئ بالمسكِ للميت في الجنة) ]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الذي جاء في السنة النبوية الصحيحة من تمثل العمل الصالح، ومنه قيام العبد بالقرآن الكريم، بالرجل الحسن في القبر ما يلي: ١- عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ أن النبي ﷺ قَالَ: (إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنْ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ... إلى أن قال – في وصف حال المؤمن في القبر -: فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ. قَالَ: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ. فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ. فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ. فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي) رواه أحمد (٤/٣٦٢) وصححه الألباني في "أحكام الجنائز" (١٥٦) ٢- عن بريدة ﵁ قال: سمعت النبي- ﷺ يقول: (َإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ. فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ. فَيَقُولُ لَهُ: أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ، فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لَا يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا. فَيَقُولَانِ: بِمَ كُسِينَا هَذِهِ؟ فَيُقَالُ: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجَةِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ هَذًّا كَانَ أَوْ تَرْتِيلًا) رواه أحمد في "المسند" (٣٩٤) وابن ماجه في "السنن" (٣٧٨١) وحسنه البوصيري في الزوائد والألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٨٢٩) يقول السيوطي في شرح الحديث (٢/١٢٤٢) : " (كالرجل الشاحب) قال السيوطي: هو المتغير اللون، وكأنه يجيء على هذه الهيئة ليكون أشبه بصاحبه في الدنيا، أو للتنبيه له على أنه كما تغير لونه في الدنيا لأجل القيام بالقرآن كذلك القرآن لأجله في السعي يوم القيامة حتى ينال صاحبه الغاية القصوى في الآخرة." انتهى. ولم أقف على شيء من السنة الصحيحة في تمثل العمل الصالح رجلا في القبر إلا هذين الحديثين. أما الحديث الذي ذكرته – أخي السائل الكريم – فلم يرد في كتب السنة المعتمدة، ولم نقف له على إسناد صحيح ولا ضعيف، بل هو مما ينتشر في بعض المنتديات والمواقع من غير تحرٍّ ولا تثبت، ولعل بعض الجهلة من الناس كتبه من قبل نفسه ثم عزاه إلى النبي ﷺ ليحث الناس على الاهتمام بالقرآن والعناية به، ولم يدر هؤلاء أن الكذب على النبي ﷺ من أعظم الذنوب التي توبق صاحبها في نار جهنم، وأن النية الحسنة لا ترفع الإثم عن هؤلاء الذين يكذبون ويضعون الحديث على لسان النبي ﷺ . يقول النبي ﷺ : (إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ) رواه البخاري (١٢٩١) ومسلم (٤) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 290

الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق [السُّؤَالُ] ـ[سمعت أنه قبل قيام الساعة لن يكون هناك مؤمنون ولن يذكر اسم الله، هل هذا قبل قيام الساعة مباشرة أم في الفترة قبل ظهور المسيح الدجال؟ أنا في حيرة من أمري بسبب هذه النقطة لأني أعلم أنه في آخر الزمان ستزيد نسبة المؤمنين ويرجع مرة أخرى تطبيق شرع الله، فكيف هذا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله دلت السنة الصحيحة على أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، حين لا يقال في الأرض: الله. وذلك في آخر عمر الدنيا، بعد ظهور المسيح الدجال وقتله على يد عيسى بن مريم ﵇ وظهور الإسلام وأهله، وتطبيق الشريعة في الأرض. روى البخاري (٢٢٢٢) ومسلم (١٥٥) عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ) . وفي رواية لمسلم: (وَاللَّهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلًا، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ، وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ) . والقلاص: الإبل الفتية. قال النووي ﵀: " وَمَعْنَاهُ أَنْ يُزْهَد فِيهَا وَلَا يُرْغَب فِي اِقْتِنَائِهَا لِكَثْرَةِ الْأَمْوَال , وَقِلَّة الْآمَال , وَعَدَم الْحَاجَة , وَالْعِلْم بِقُرْبِ الْقِيَامَة. وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ الْقِلَاص لِكَوْنِهَا أَشْرَف الْإِبِل الَّتِي هِيَ أَنْفَس الْأَمْوَال عِنْد الْعَرَب. وَهُوَ شَبِيه بِمَعْنَى قَوْل اللَّه : (وَإِذَا الْعِشَار عُطِّلَتْ) وَمَعْنَى (لَا يُسْعَى عَلَيْهَا) : لَا يُعْتَنَى بِهَا أَيْ يَتَسَاهَل أَهْلهَا فِيهَا , وَلَا يَعْتَنُونَ بِهَا " انتهى. فهذه مرحلة خير وإيمان وظهور لأهل الإسلام، ثم تأتي مرحلة أخرى فينقص عدد المؤمنين، حتى يرسل الله تعالى ريحا تقبض أرواحهم ولا يبقى إلا شرار الخلق، فعليهم تقوم الساعة. روى مسلم (١٤٨) عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ) . وروى أحمد (٣٨٤٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ وَمَنْ يَتَّخِذُ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ) حسنه شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند. وجاء تفصيل هذه المراحل في الحديث الذي رواه مسلم (٢٩٤٠) عَنْ عَبْد اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ، قَالَ: فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا فَيَتَمَثَّلُ لَهُمْ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) . قال النووي ﵀ في شرحه: " قَوْله: (فِي كَبِد جَبَل) أَيْ وَسَطه وَدَاخِله. قَوْله ﷺ : (فَيَبْقَى شِرَار النَّاس فِي خِفَّة الطَّيْر وَأَحْلَام السِّبَاع) قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ يَكُونُونَ فِي سُرْعَتهمْ إِلَى الشُّرُور وَقَضَاء الشَّهَوَات وَالْفَسَاد كَطَيَرَانِ الطَّيْر , وَفِي الْعُدْوَان وَظُلْم بَعْضهمْ بَعْضًا فِي أَخْلَاق السِّبَاع الْعَادِيَة. وروى مسلم (٢٩٣٧) عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ﵁ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ. . . ثم ذكر نزول المسيح عيسى ابن مريم، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، وَاضًِا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، فَيَطْلُبُهُ (أي يطلب المسيح الدجال) حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ. . . ثم ذكر خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم، ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ. . . فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ) . (يَتَهَارَجُونَ تَهَارُج الْحُمُر) أَيْ: يُجَامِع الرِّجَال النِّسَاء بِحَضْرَةِ النَّاس كَمَا يَفْعَل الْحَمِير. نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياك لطاعته ومرضاته. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 291

يدعى الناس يوم القيامة بأسماء آبائهم لا أمهاتهم [السُّؤَالُ] ـ[هل صحيح أن الله يوم القيامة يدعو الناس بأسمائهم وأسماء أمهاتهم (فلان ابن فلانة) وما الرد على من يقول ذلك؟....وهل هناك دليل شرعي؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله القول بأن الناس يدعون يوم القيامة بأسماء أمهاتهم، خطأ مخالف لما ثبت في السنة الصحيحة الدالة على أنهم ينسبون لآبائهم، وقد بوب البخاري في صحيحه: باب ما يُدعى الناس بآبائهم، وساق تحته الحديث رقم (٦١٧٧) عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الْغَادِرَ يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) . والحديث رواه مسلم أيضا برقم (١٧٣٥) . وما ورد من أن الناس يدعون بأسماء أمهاتهم، ضعيف. قال ابن القيم ﵀ في "تحفة المودود بأحكام المولود" ص (١٤٧) : " الفصل العاشر في بيان أن الخلق يدعون يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم. هذا الصواب الذي دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة، ونص عليه الأئمة كالبخاري وغيره فقال في صحيحه: باب يدعى الناس يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم، ثم ساق في الباب حديث ابن عمر قال قال رسول الله: (إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع الله لكل غادر لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان بن فلان) . وفي سنن أبي داود [٤٩٤٨] بإسناد جيد عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ) . فزعم بعض الناس أنهم يدعون بأمهاتهم، واحتجوا في ذلك بحديث لا يصح، وهو في معجم الطبراني من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ : (إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل يا فلان بن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيبه ثم يقول يا فلان بن فلانة فإنه يقول أرشدنا يرحمك الله) الحديث، وفيه: فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف اسم أمه؟ قال فلينسبه إلى أمه حواء يا فلان ابن حواء) [قال الهيثمي (٣/١٦٣) : في إسناده جماعة لم أعرفهم. انتهى. وقال في كشف الخفاء (٢/٣٧٥) : وضعفه ابن الصلاح ثم النووي وابن القيم والعراقي والحافظ ابن حجر في بعض تصانيفه وآخرون] قالوا: وأيضا فالرجل قد لا يكون نسبه ثابتا من أبيه كالمنفي باللعان وولد الزنى فكيف يدعى بأبيه؟ والجواب: أما الحديث فضعيف باتفاق أهل العلم بالحديث، وأما من انقطع نسبه من جهة أبيه فإنه يدعى بما يدعى به في الدنيا، فالعبد يُدعى في الآخرة بما يدعى به في الدنيا من أب أو أم والله أعلم " انتهى. تنبيه: قد حمل بعضهم قول الله : (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) الإسراء/ ٧١ على هذا القول الضعيف [انظر القرطبي ١٠/٢٥٧] . قال الزمخشري: " ومن بدع التفاسير: أن الإمام جمع أم، وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم، وأن الحكمة في الدعاء بالأمهات دون الآباء: رعاية حق عيسى ﵇، وإظهار شرف الحسن والحسين، وأن لا يفتضح أولاد الزنا!! وليت شعري أيهما أبدع: أصحة لفظه، أم بهاء حكمته!!؟ " انتهى [الكشاف ٢/٦٨٢] . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 292

الباعث الأول على الطاعة الحب والإجلال [السُّؤَالُ] ـ[أعبد الله ولا أرتكب المعاصي حبّاً فيه واستحياءً منه واحتراماً لجلاله، وليس طمعاً في الجنة أو خوفا من النار، هذا هو سؤالي، هل أنا على حق؟ إذا سألني أحد لماذا لا تزني، أرد عليه وأقول أستحيي من ربي، ولا أقول أخاف من النار؛ لأني أعتقد أن الاحترام أصدق من الخوف، أفيدوني لو سمحتم في أقرب وقت على عنواني الخاص.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ربنا ﵎ هو الله الذي لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو الذي له الألوهية المطلقة، يستحق العبادة والمحبة لكمال ذاته وعظيم صفاته، تألهه قلوب العابدين لجلاله وكماله، ويعبده كل ما دونه لاستحقاقه صفات الحمد والتأله، هذا هو معنى ألوهيته الذي علمه سبحانه لأنبيائه ورسله، وهذا ما ينبغي أن يعيه كل من شهد أنه لا إله إلا هو سبحانه. يقول الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) الأنبياء/٢٥. ويقول : (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى. إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْري) طه/١٣-١٤. فقد رتب العبادة على تفرده سبحانه بالألوهية، واستحقاقه أن يحمد ويعبد لكمال ذاته وعظيم صفاته. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الله سبحانه يستحق لذاته أن يحب ويعبد، وأن يحب لأجله رسوله، والقلوب فيها معنى يقتضي حبه وطاعته، كما فيها معنى يقتضي العلم والتصديق به. " مجموع الفتاوى " (٧ / ٥٤١) . وقال ﵀: فقوله: (لا إله إلا أنت) فيه إثبات انفراده بالإلهية، والإلهية تتضمن كمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته، ففيها إثبات إحسانه إلى العباد، فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، والعبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل. " مجموع الفتاوى " (١٠ / ٢٤٩) . ومن هنا ندرك أنه ينبغي أن يكون الباعث الأول على العبادة هو ما لله سبحانه من الجلال والعظمة والكمال، وما تفرد به سبحانه من صفات الألوهية والربوبية، ثم الباعث الثاني إنعام الله على عباده، وإحسانه إليهم، فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أصل المحبة هو معرفة الله ، ولها أصلان: أحدهما: وهو الذي يقال له (محبة العامة) لأجل إحسانه إلى عباده، وهذه المحبة على هذا الأصل لا ينكرها أحد، فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها، والله سبحانه هو المنعم المحسن إلى عبده بالحقيقة، فإنه المتفضل بجميع النعم وإن جرت بواسطة، إذ هو مُيَسِّرُ الوسائط، ومسبب الأسباب، ولكن هذه المحبة فى الحقيقة إذا لم تجذب القلب إلى محبة الله نفسه فما أحبَّ العبدُ في الحقيقة إلا نفسَه، وكذلك كل من أحب شيئا لأجل إحسانه إليه، فما أحب فى الحقيقة إلا نفسه، وهذا ليس بمذموم بل محمود، والمقتصر على هذه المحبة هو لم يعرف من جهة الله ما يستوجب أنه يحبه إلا إحسانه إليه. الأصل الثانى فيه: هو محبته لما هو له أهل، وهذا حب من عرف من الله ما يستحق أن يحب لأجله، وما من وجه من الوجوه التى يعرف الله بها مما دلت عليه أسماؤه وصفاته إلا وهو يستحق المحبة الكاملة من ذلك الوجه، حتى جميع مفعولاته، إذ كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، ولهذا استحق أن يكون محمودا على كل حال، ويستحق أن يحمد على السراء والضراء، وهذا أعلى وأكمل، وهذا حب الخاصة، وهؤلاء هم الذين يطلبون لذة النظر إلى وجهه الكريم، ويتلذذون بذكره ومناجاته، ويكون لهم أعظم من الماء للسمك، حتى لو انقطعوا عن ذلك لوجدوا من الألم ما لا يطيقون، وهم السابقون. كما فى صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمْدَانُ فَقَالَ سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ قَالُوا وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ) . وفى رواية أخرى: (قَالُوا وَمَا الْمُفْرِدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْمُسْتَهْتَرُونَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ، يَضَعُ الذِّكْرُ عَنْهُمْ أَثْقَالَهُمْ، فَيَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِفَافًا) رواه الترمذي وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ". " مجموع الفتاوى " (١٠ / ٨٤) . ثانياً: ومن أحب الله لكماله وجلاله واستحقاقه المحبة والتأله والتعبد لا شك أنه يحب قربَه سبحانه، ويتشوف إلى النظر إليه، ويتشوق إلى لقائه، يسعى للحصول على رضاه، ويرجو أن ينال محبته وكرمه ويكون عنده من المقربين. وذلك كله لا يكون إلا بدخول الجنة التي هي محل رضوان الله، وفيها ينظر أهلها إلى وجه الله، وتمتلئ قلوبهم بمحبة معبودهم وإلههم الذي تنفطر القلوب شوقا إليه وإجلالا له، كما يكون فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. هذه هي الجنة التي طمَّعنا الله فيها، وطَمِعَ بها الأنبياء والصالحون والأولياء، كي يكونوا فيها بجوار الكريم سبحانه، ويتنعمون فيها برضوانه والقرب منه، فذلك أكبر لذات الجنة. يقول : (وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة/٧٢. وبهذا نعلم أن ليس ثمة تعارض بين عبادة الله محبة له وإجلالا، وبين سؤال الجنة وطلبها والشوق إليها والحرص على المسابقة إليها، وكذا الاستعاذة من النار والخوف منها، فإن العبد الذي يحب الله لذاته إذا استحضر أن الجنة دار رضوان الله ودار كرامته، وأنه سيجد فيها من قرب الله ما يزيد محبته وأنسه وشوقه: فلا شك أنه سيعمل لدخولها، ويسعى للدرجات العلى منها، ويحتسب طاعاته في الدنيا وسائلَ تقربه إليها وتبعده عن النار التي هي دار المهانة والبعد والغضب والعذاب. ثالثا: وأنتِ - أختنا الفاضلة - إذا تصورتِ معي ما سبق علمت خطأك حين ظننت أن الطمع في الجنة والخوف من النار يتعارض مع محبة الله إجلالا وتعظيما؛ لأن محبة الله تعني الشوق إليه، والرغبة في القرب منه، والسعي إلى رضوانه وتجنب سخطه؛ ولأن المحب يشتاق إلى محبوبه، وعذابه في البعد عنه، فكيف بسخطه عليه. ولكن لما توهم كثير من الناس أن نعيم الجنة إنما هو طعام وشراب وحور عين ونحوها من اللذات الحسية قامت في أذهانهم تلك المعارضة بين محبة الله وعبادته وبين سؤال الجنة والاستعاذة من النار. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ومن هنا يتبين زوال الاشتباه فى قول من قال: ما عبدتك شوقاً إلى جنَّتك ولا خوفاً من نارك، وإنما عبدتك شوقاً إلى رؤيتك. فإن هذا القائل ظنَّ هو ومن تابعه أن الجنة لا يدخل فى مسماها إلا الأكل والشرب واللباس والنكاح ونحو ذلك مما فيه التمتع بالمخلوقات، ولهذا قال بعض من غلط من المشائخ لما سمع قوله: (مِنْكُم مَنْ يُريدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ) قال: فأين من يريد الله؟! وقال آخر فى قوله تعالى: (إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ المُؤمِنينَ أنْفُسَهُم وَأَمْوَالُهُم بِأَنَّ لَهُم الجَنَّةَ) قال: إذا كانت النفوس والأموال بالجنة فأين النظر إليه؟! . وكل هذا لظنِّهم أنَّ الجنَّة لا يدخل فيها النظر، والتحقيق أن الجنة هي الدار الجامعة لكل نعيم، وأعلى ما فيها النظر إلى وجه الله، وهو من النعيم الذى ينالونه فى الجنة كما أخبرت به النصوص، وكذلك أهل النار، فإنهم محجوبون عن ربهم يدخلون النار، مع أن قائل هذا القول إذا كان عارفاً بما يقول فإنما قصده أنك لو لم تخلق ناراً، أو لو لم تخلق جنَّة لكان يجب أن تعبد، ويجب التقرب إليك، والنظر إليك، ومقصوده بالجنة هنا ما يتمتع فيه المخلوق. " مجموع الفتاوى " (١٠ / ٦٢، ٦٣) . ويقول ابن القيم ﵀: والتحقيق أن يقال: الجنة ليست اسماً لمجرد الأشجار والفواكه والطعام والشراب والحور العين والأنهار والقصور، وأكثر الناس يغلطون في مسمى الجنة، فإن الجنة اسم لدار النعيم المطلق الكامل، ومن أعظم نعيم الجنة: التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، وقرة العين بالقرب منه وبرضوانه، فلا نسبة للذة ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصور إلى هذه اللذة أبدا، فأيسر يسير من رضوانه: أكبر من الجنان وما فيها من ذلك، كما قال تعالى: (ورضوان من الله أكبر) التوبة/٧٢، وأتى به مُنَكَّرًا في سياق الإثبات، أي أي شيء كان من رضاه عن عبده: فهو أكبر من الجنة. قليل منك يقنعني ... ولكن قليلك لا يقال له قليل وفي الحديث الصحيح حديث الرؤية: (فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجهه) وفي حديث آخر: (أنه سبحانه إذا تجلى لهم ورأوا وجهه عيانا: نسوا ما هم فيه من النعيم وذهلوا عنه ولم يلتفوا إليه) . ولا ريب أن الأمر هكذا، وهو أجل مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال، ولا سيما عند فوز المحبين هناك بمعية المحبة، فإن المرء مع من أحب، ولا تخصيص في هذا الحكم بل هو ثابت شاهدا وغائبا، فأي نعيم وأي لذة وأي قرة عين وأي فوز يداني نعيم تلك المعية ولذتها وقرة العين بها، وهل فوق نعيم قرة العين بمعية المحبوب الذي لا شيء أجل منه ولا أكمل ولا أجمل قرة عين ألبتة؟ . وهذا - والله - هو العلَم الذي شمر إليه المحبون، واللواء الذي أمه العارفون، وهو روح مسمى الجنة وحياتها، وبه طابت الجنة وعليه قامت. فكيف يقال: " لا يعبد الله طلباً لجنته ولا خوفاً من ناره "؟! . وكذلك النار أعاذنا الله منها، فإن لأربابها من عذاب الحجاب عن الله وإهانته وغضبه وسخطه والبعد عنه: أعظم من التهاب النار في أجسامهم وأرواحهم، بل التهاب هذه النار في قلوبهم: هو الذي أوجب التهابها في أبدانهم، ومنها سرت إليها. فمطلوب الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين: هو الجنة، ومهربهم: من النار. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل. " مدارج السالكين " (٢ / ٨٠، ٨١) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 293

اعتقاد المسلمين في مصير الملاحدة يوم القيامة [السُّؤَالُ] ـ[أنا أدرس الإسلام كجزء من دراستي وأتساءل عن موقف الإسلام من الملحدين. هل يعتقد المسلمون أن مصير الملحدين إلى الجحيم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اهتمامك أيتها السائلة الكريمة بدراسة الإسلام أمر عظيم تُشكرين عليه وعلى الإنسان أن يبحث عن الحقّ أينما كان ويتبّعه ولو خالف آباءه وأجداده ودين بلده ومجتمعه لأنّ نجاة نفسه يوم القيامة من عذاب جهنم مقدّمة على كلّ شيء. ومن الأمور المهمة لمن أراد أن يدرس دين الإسلام أن يرجع إلى مراجع الإسلام الأصيلة لمعرفة حقيقة هذا الدين كترجمة معاني القرآن الكريم ومعاني أحاديث رسول الإسلام محمد ﷺ وأن تكون الترجمة صحيحة سليمة. وأما دراسة الإسلام من مراجع وكتب كتبها غير المسلمين أو ممن لا يعلمون حقيقة الدين ولا مارسوه فهو أمر مناف لمنهج البحث العلمي والطريقة الصحيحة للتوصّل إلى الحقيقة. وعودا إلى السؤال الذي أرسلت به وهو ما اعتقاد المسلمين في الموحدين من غير المسلمين؟ وهل سيكون مصيرهم النار يوم القيامة؟ فالجواب على ذلك بكلّ وضوح أنّ الله خلق الخلق وأنعم عليهم بجميع النعم وأرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب وأخبرهم أنّ من وحّده وعبده وحده لا شريك له دخل الجنة ومن جحده أو أشرك به وعبد معه غيره أو اتخذ آلهة أخرى من دونه أو جعل له زوجة أو ولدا أو جعل الملائكة بناته أو اتبع غير شرعه الذي أنزله ليحكم بين الناس بالحقّ أو ترك دينه وأعرض عنه أنّه سيكون يوم القيامة في عذاب جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، وهذا عين العدل وهو ما يستحقّه هذا الذي ظلم ربّه وخالقه وموجده من العدم وصاحب النّعم. وعبادة البشر لله وطاعتهم لأوامره واجتنابهم لنواهيه أمر أساس بل هو حقيقة العلاقة بين الخالق والمخلوق كما قال الله تعالى: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " وكانت الرسل تبعث بأمر واحد يقولونه لأقوامهم وهو " اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ". وهنا يمكن معرفة النقص العظيم الذي يحصل لمن اعتقد أنّ الله واحد لا شريك له ثمّ لم يعبده ولم يطع له أمرا بل عصاه وخالفه ولم يتبّع دينه ولا شرعه ولا وحيه ولا رسله الذين أرسلهم له ولأمثاله. فهل يستحقّ هذا دخول الجنة أم النار؟ فهذا الذي يقول أنا أعتقد أنّ هناك إلها واحدا خلق الكون ولكنني سأقف عند هذا الحدّ فلن أصلي له ولن أصوم ولن أحجّ ولن أؤدي زكاة مالي كما أمر ولن أقوم تجاهه بأيّ واجب وسأتّبع هواي وأفعل ما أشاء سواء كان مما أحلّه أو مما حرّمه فهل يمكن أن ينجو مثل هذا يوم القيامة؟ وقد بعث الله في كلّ أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت، وكانت آخر الأمم هذه الأمة وآخر رسول هو محمد ﷺ بعثه الله إلى هذه البشرية وإلى العالم كافة ونسخ الله به سائر الشرائع السابقة وجعل دينه أكمل الأديان وأتمها وأفضلها وأعلاها وأوجب على كلّ أحد أن يدخل في هذا الدين وأخبر أنه " من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " وبناء على هذا يتبين - من زاوية أخرى - مصير الذي يقول أنا أؤمن بفكرة الإله الواحد ولكنني لا أريد أن أكون مسلما ولا أن أعتنق آخر الأديان ولا أن أتبّع آخر الرسل وخاتمهم. وختاما فإنني أرجو أن تكون القضية قد اتضحت لك أيتها السائلة الكريمة، أسأل الله تعالى أن يهدينا جميعا إلى الحقّ ويرزقنا اتباعه إنه نعم المولى ونعم النصير. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 294

هل المهدي موجود الآن ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل الإمام المهدي المنتظر يشبه الرسول ﷺ . وما الأصوات المتعالية في هذه الأيام الأخيرة على وجوده وانه قد ولد أي أنه حي في وقتنا هذا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله: خروج المهدي في آخر الزمان وأنه يملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعد أن ملئت جوراً وظلماً أمر وردت به السنة الصحيحة حتى إن بعض أهل العلم بالحديث قال: إن أحاديث المهدي متواترة من كثرتها ونزول عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة وسلام وصلاته خلفه أمر معلوم، واسم المهدي واسم أبيه كاسم النبي ﷺ واسم أبيه وهو من ولد فاطمة ﵂، ويجب أن تعلم أن هذا المهدي الذي وردت به الأحاديث ليس المنتظر المزعوم الذي تذكره تلك الطائفة المنحرفة الاثنا عشرية التي تزعم أنه دخل السرداب وأنه ينتظر الأمر بالخروج ويقولون: اسمه محمد بن الحسن العسكري، فهذا وهم وخرافة، والرد على ذلك مبسوط في الكتب وليست هذا محل بسط ذلك، ولكن ننصح بقراءة منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ومختصراته كمنهج الاعتدال للذهبي، وكتاب التحفة الاثنى عشرية لمحب الدين الخطيب، ولا بد أن تعلم أن كل طائفة تنتظر مهدي فاليهود ينتظرون المهدي، وهو عندهم المسيح الدجال الذي سيتبعه يهود أصبهان، والنصارى ينتظرون مهدياً وهو نزول المسيح، ولا شك عندنا – نحن المسلمين – في نزول عيسى ابن مريم ﵇، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية ويحكم بشريعة الإسلام وعندئذٍ تضع الحرب أوزارها. وقد ظهر في التاريخ دجالون ادعوا المهدية وقد عدهم بعض الباحثين فأوصلهم أكثر من ثلاثين منهم ابن تومرت في المغرب ومهدي السودان وغيرهم. وأما القول بأنه موجود الآن، وأنه قد وُلِد، فهذه مجرد دعوى يدعيها البعض، ولا دليل عليها، والأقرب أ، ها خرافة، والأحاديث التي وردت في شأن المهدي لم تذكر أين يولد، ولا متى يولد ن ولم تأمرنا بالبحث عنه ولا بالقيام بتربيته، بل بيّنت أن الله تعالى يصلحه في ليلة، وأن المسلمين يبايعونه على الخلافة ويجتمعون عليه. ومتى يكون ذلك؟! عِلمُه عند الله. والله تعالى أعلم وانظر كتاب المهدي وفقه أشراط الساعة للشيخ محمد بن إسماعيل المقدم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 295

حشر الناس والدواب [السُّؤَالُ] ـ[هل يمكن أن تخبرنا عن هيئة الناس عند البعث؟ هل سيكونون بملابس أم لا؟ وهل الحيوانات ستقوم بعد الموت أم لا؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله سمى الله تعالى يوم القيامة بيوم الجمع لأن الله يجمع فيه العباد إنسهم وجنهم قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) هود / ١٠٣. وقال تعالى: (قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) الواقعة / ٤٩-٥٠. وقال تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) مريم / ٩٣-٩٥. وقال تعالى: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً) الكهف / ٤٧. ومما يدخل في هذا الحشر حشر البهائم، يقول شيخ الإسلام: وأما البهائم فجميعها يحشرها الله سبحانه كما دل عليه الكتاب والسنة قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) الأنعام / ٣٨. وقال تعالى: (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) التكوير / ٥. وقال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ) الشورى / ٢٩. وحرف (إذا) إنما يكون لما يأتي لا محالة والأحاديث في ذلك مشهورة، فإن الله يوم القيامة يحشر البهائم ويقتص لبعضها من بعض ثم يقول لها: كوني ترابا فتصير ترابا، فيقول الكافر حينئذ: (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً) النبأ / ٤٠. ومن قال إنها لا تحيا فهو مخطئ في ذلك أقبح خطأ، بل هو ضال أو كافر والله أعلم. اهـ مجموع الفتاوى ٤/٢٤٨. روى أحمد (٢٠٥٣٤) عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ جَالِسًا، وَشَاتَانِ تَقْتَرِنَانِ، فَنَطَحَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى فَأَجْهَضَتْهَا، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: عَجِبْتُ لَهَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُقَادَنَّ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. أي لَيُقْتَصَّنَّ لها. قال أحمد شاكر: إسناده حسن متصل اهـ. وروى مسلم (٢٥٨٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ) . والجلحاء هي التي لا قرن لها. قال النووي: هَذَا تَصْرِيح بِحَشْرِ الْبَهَائِم يَوْم الْقِيَامَة، وَإِعَادَتهَا يَوْم الْقِيَامَة كَمَا يُعَاد أَهْل التَّكْلِيف مِنْ الآدَمِيِّينَ، وَكَمَا يُعَاد الأَطْفَال وَالْمَجَانِين وَمَنْ لَمْ تَبْلُغهُ دَعْوَة، وَعَلَى هَذَا تَظَاهَرَتْ دَلَائِل الْقُرْآن وَالسُّنَّة. قَالَ اللَّه تَعَالَى: (وَإِذَا الْوُحُوش حُشِرَتْ) وَإِذَا وَرَدَ لَفْظ الشَّرْع، وَلَمْ يَمْنَع مِنْ إِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِره عَقْل وَلا شَرْع وَجَبَ حَمْله عَلَى ظَاهِره. قَالَ الْعُلَمَاء: وَلَيْسَ مِنْ شَرْط الْحَشْر وَالإِعَادَة فِي الْقِيَامَة الْمُجَازَاة وَالْعِقَاب وَالثَّوَاب، وَأَمَّا الْقِصَاص مِنْ الْقَرْنَاء لِلْجَلْحَاءِ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ قِصَاص التَّكْلِيف إِذْ لا تَكْلِيف عَلَيْهَا , بَلْ هُوَ قِصَاص مُقَابَلَة. وَاَللَّه أَعْلَم اهـ. ويحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلا –أي غير مختونين- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا) ثُمَّ قَرَأَ: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ وَإِنَّ أُنَاسًا مِنْ َصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ أَصْحَابِي أَصْحَابِي فَيَقُولُ إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) رواه البخاري ٣٣٤٩. وعن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا) قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ! فَقَالَ: (الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ) رواه البخاري ٦٥٢٧. وجاء في الحديث أن الإنسان يبعث في الثياب التي مات فيها عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا بِثِيَابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَهَا ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ الْمَيِّتَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا) رواه أبو داود (٣١١٤) وصححه الألباني في السلسة الصحيحة ١٦٧١. ولعل هذا الحديث يشكل مع ما قبله من أن العباد يبعثون عراة، فأجاب العلماء بأجوبة للتوفيق بين الأحاديث فمن أوجه الجمع: ١- أنهم يبعثون فيها ثم تبلى بعد القيام فإذا وافوا الموقف كانوا عراة. ٢- أنهم يبعثون عراة ثم إذا كسي الأنبياء والصديقون ومن بعدهم كُسِيَ كلٌّ من جنس ما مات فيه من الثياب. ٣- وحمل بعض العلماء هذا الحديث على الشهداء فإنهم هم الذين أمر الرسول ﷺ أن يدفنوا في ثيابهم التي ماتوا فيها. فيبعثون في ثيابهم تمييزاً لهم عن غيرهم. ٤- أن المراد بالثياب الأعمال الصالحة كما قال تعالى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) وقوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) والمعنى يبعث المرء على ما مات عليه من عمل إن خيرا فخير وإن شرا فشر، يدل عليه حديث جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ : (يَقُولُ يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ) رواه مسلم ٢٨٧٨ وحديث ابْنَ عُمَرَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ) رواه البخاري ٧١٠٨، ومما يدل عليه حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ أَوْ قَالَ فَأَوْقَصَتْهُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلا تُحَنِّطُوهُ وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا) رواه البخاري ١٢٦٥، وعن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا إِذْ طُعِنَتْ تَفَجَّرُ دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالْعَرْفُ عَرْفُ الْمِسْكِ) رواه البخاري ٢٣٧، ومن هنا استحب تلقين الميت لا إله إلا الله وذلك لتكون هذه الكلمة الطيبة آخر كلامه من الدنيا وعليها يبعث يوم القيامة. انظر فتح الباري (١١/٣٨٣) . ويحشر الناس في ذلك اليوم على أرض أخرى غير هذه الأرض، ولها خصائص معينة بينتها السنة فعن سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ) قَالَ سَهْلٌ أَوْ غَيْرُهُ: لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لأَحَد. رواه البخاري ٦٥٢١. والعفراء أي بيضاء تضرب إلى الحمرة قليلا وقيل بيضاء بياضا غير ناصع وقيل خالصة البيضاء. وقرصة النقي هي القرصة من الدقيق النقي من الغش والنخال. والله اعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 296

الذين لم تصلهم أي معلومات عن الإسلام [السُّؤَالُ] ـ[ماذا سيحدث لهؤلاء الذين لم تصل إليهم أية معلومات عن الإسلام؟ وما هو حكمهم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أجاب الشيخ عبد الرحمن البراك عن هذا السؤال بما يلي: الذين لم تصلهم دعوة الإسلام أو وصلت إليهم على وجه غير صحيح فهولاء يمتحنون يوم القيامة فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، لقوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) . انتهى والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 297

البعث بعد الموت [السُّؤَالُ] ـ[هل يتم إعادة خلق الإنسان على أي شكل آخر بعد موته وحتى يوم القيامة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا مات ابن آدم تحلَّل جسده وفني إلا عجْب الذنب وهي عظم في أسفل الظهر، فإذا قامت القيامة أنبت الله تعالى الأجساد بمطر على الأرض يُنبت الأجساد من هذا العظم فيعود خلق الإنسان كما كان قبل موته. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ما بين النفختين أربعون. قال: أربعون يوما؟ قال: أبيتُ، قال: أربعون شهراً؟ قال: أبيت، قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت. قال: ثم يُنزل اللهُ من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً وهو عجْب الذنَب ومنه يركب الخلق يوم القيامة. رواه البخاري (٤٦٥١) ومسلم (٢٩٥٥) . قال النووي: قوله ﷺ : (ما بين النفختين أربعون قالوا: يا أبا هريرة أربعين يوما قال: أبيت. . . إلى آخره) معناه: أبيتُ أن أجزم أن المراد أربعون يوماً، أو سنةً، أو شهراً، بل الذي أجزم به أنها أربعون مجملة، وقد جاءت مفسرة من رواية غيره في غير مسلم أربعون سنة. قوله: (عجَب الذنَب) هو بفتح العين وإسكان الجيم أي العظم اللطيف الذي في أسفل الصلب، وهو رأس العصعص، ويقال له (عجم) بالميم، وهو أول ما يخلق من الآدمي، وهو الذي يبقى منه ليعاد تركيب الخلق عليه. " شرح مسلم " (١٨ / ٩٢) . وإذا خرج من قبره وحشر وحوسب يبقى جسده كما كان قبل موته، فإذا دخل أهل الجنة الجنَّةَ، ودخل أهل النار النارَ غيَّر الله صُوَرهم وأشكالهم. صفة أهل النار: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع ". رواه البخاري (٦١٨٦) ومسلم (٢٨٥٢) . عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ضرس الكافر - أو: ناب الكافر - مثل أُحُد، وغِلَظ جلده مسيرة ثلاث ". رواه مسلم (٢٨٥١) . صفة أهل الجنة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورَشَحهم المسك، ومجامرهم الأَلُوَّة الألنجوج عود الطيب، وأزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء ". رواه البخاري (٣١٤٩) ومسلم (٢٨٣٤) . رشحهم: عرقهم. مجامرهم: مباخرهم. الأَلُوَّة الألَنجوج: عود يُتَبخر به، والألنجوج تفسير لـ: الألوة، و "عود الطيب ": تفسير التفسير، كذا في " فتح الباري " (٦ / ٣٦٧) . عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: " يَدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ جرداً مرداً مكحلين أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة ". رواه الترمذي (٢٥٤٥) . والحديث: صححه الشيخ الألباني في " صحيح الجامع " (٨٠٧٢) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 298

القصاص بين البهائم يوم القيامة [السُّؤَالُ] ـ[سمعت أن هناك قصاصاً بين الحيوانات يوم القيامة، فهل هذا صحيح؟ وإذا كان صحيحاً فكيف يحصل لها ذلك وهي غير مكلفة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله جاء عن النبي ﷺ في الحديث الذي له شواهد وطرق كثيرة - قوله: (يقضي الله بين خلقه الجن والإنس والبهائم، وإنه ليقيد يومئذ الجماء من القرناء، حتى إذا لم يبق تبعة عند واحدة لأخرى قال الله: كونوا تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: " يا ليتني كنت تراباً ". صححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم ١٩٦٦ ومن الطرق التي ذكرها للحديث: - (يقتص الخلق بعضهم من بعض، حتى الجماء من القرناء، وحتى الذّرة من الذرة) - عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ كان جالساً، وشاتان تقترنان، فنطحت إحداهما الأخرى فأجهضتها، قال: فضحك رسول الله ﷺ فقيل له: ما يضحكك يا رسول الله! قال: " عجبت لها، والذي نفسي بيده، ليقادنّ لها يوم القيامة " - (يا أبا ذر! هل تدري فيم تنتطحان؟ قال: لا، قال: لكن الله يدري، وسيقضي بينهما) قال النووي في شرح مسلم تحت حديث الترجمة: (هذا تصريح بحشر البهائم يوم القيامة، وإعادتها يوم القيامة كما يعاد أهل التكليف من الآدميين، وكما يعاد الأطفال والمجانين، ومن لم تبلغه الدعوة، وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة، قال الله تعالى: (وإذا الوحوش حشرت) ، وإذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من إجرائه على ظاهره عقل ولا شرع، وجب حمله على ظاهره، قال العلماء: وليس من شرط الحشر والإعادة في القيامة المجازاة والعقاب والثواب، وأما القصاص من القرناء للجلحاء فليس هو من قصاص التكليف، إذ لا تكليف عليها، بل هو قصاص مقابلة، و (الجلحاء) بالمد هي الجماء التي لا قرن لها، والله أعلم. انتهى. ونقل عنه العلامة الشيخ علي القاري في المرقاة (٤/٧٦١) أنه قال: (فإن قيل: الشاة غير مكلفة، فكيف يقتص منها؟ قلنا: إن الله تعالى فعال لما يريد، ولا يسأل عما يفعل، والغرض منه إعلام العباد أن الحقوق لا تضيع، بل يقتص حق المظلوم من الظالم) . قال القاري: (وهو وجه حسن وتوجيه مستحسن ... ، وجملة الأمر أن القضية دالة بطريق المبالغة على كمال العدالة بين كافة المكلفين، فإنه إذا كان هذا حال الحيوانات الخارجة عن التكليف، فكيف بذوي العقول من الوضيع والشريف، والقوي والضعيف؟) انظر السلسلة الصحيحة ص ٦١٢. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 299

هل يدعو الشيطان المحتضر لليهودية والنصرانية؟ ما معنى " فتنة الممات "؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل صحيح أن من فتن القبر تشكل شيطانين في صورة الوالدين وقولهما إنا اتبعنا اليهودية والنصرانية فأدخلَنا الله الجنة؟ وهل هو قبل نزول منكر ونكير؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ليس على هذا القول دليل من الكتاب والسنة، بل هو من أقوال بعض أهل العلم، وليس هو في القبر، بل عند الاحتضار قبل قبض الروح، وقد ذكر بعض أهل العلم أن هذا داخل في "فتنة المحيا". قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وعرض الأديان على العبد عند الموت ليس عاما لكل أحد , ولا هو أيضاً منفي عن كل أحد، بل من الناس من لا تعرض عليه الأديان , ومنهم من تعرض عليه، وذلك كله من فتنة المحيا التي أمرنا الرسول أن نستعيذ في صلاتنا منها، ووقت الموت يكون الشيطان أحرص ما يكون على إغواء بني آدم " انتهى من "الاختيارات" (ص ٨٥) . ولا يزال الشيطان حريصاً على إغواء الإنسان ما دامت روحه في جسده، فيأتيه ويوسوس له ويزين له الباطل. فعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: قال إبليس: وعزتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني. رواه أحمد (١٠٩٧٤) ، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب " (١٦١٧) . وقد كان النبي ﷺ يستعيذ بالله تعالى من " فتنة المحيا والممات "، وندب المصلين إلى الاستعاذة منها قبل السلام من الصلاة. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال) رواه البخاري (١٣١١) ومسلم (٥٨٨) . قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: " قوله: " ومن فتنة المحيا والممات " معطوفة على " من عذاب جهنم "، والمراد بالفتنة: اختبار المرء في دينه؛ في حياته وبعد مماته، وفتنة الحياة عظيمة وشديدة، وقلَّ من يتخلَّص منها إلا مَنْ شاء الله، وهي تدور على شيئين: ١ – شُبُهات. ٢ – شهوات. أما الشُّبُهات: فتعرض للإنسان في عِلْمِه ِ، فيلتبس عليه الحقُّ بالباطل، فيرى الباطل حقًّا، والحقَّ باطلاً، وإذا رأى الحقَّ باطلاً تجنَّبه، وإذا رأى الباطلَ حقّاً فَعَلَهُ. وأمَّا الشَّهوات فتعرض للإنسان في إرادته، فيريد بشهواته ما كان محرَّماً عليه، وهذه فتنة عظيمة، فما أكثر الذين يرون الرِّبا غنيمة فينتهكونه! وما أكثر الذين يرون غِشَّ النَّاسِ شطارةً وجَودةً في البيع والشِّراء فيغشُّون! وما أكثر الذين يرون النَّظَرَ إلى النساء تلذُّذاً وتمتُّعاً وحرية، فيطلق لنفسه النظر للنساء! بل ما أكثر الذين يشربون الخمر ويرونه لذَّة وطرباً! وما أكثر الذين يرون آلاتِ اللهو والمعازف فنًّا يُدرَّسُ ويُعطى عليه شهادات ومراتب! وأما فتنة الممات: فاختلف فيها العلماءُ على قولين: القول الأول: إن " فتنة الممات ": سؤال الملَكَين للميِّت في قَبْرِه عن ربِّه، ودينه ونبيِّه؛ لقول النبي ﷺ : (إنه أُوحِيَ إليَّ أنكم تُفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة المسيح الدَّجَّال) ، فأمَّا مَنْ كان إيمانُه خالصاً فهذا يسهل عليه الجواب. فإذا سُئل: مَنْ ربُّك؟ قال: ربِّي الله. مَنْ نبيُّك؟ قال: نبيِّي محمَّد. ما دينك؟ قال: ديني الإسلام، بكلِّ سُهولة. وأما غيره - والعياذ بالله - فإذا سُئل قال: هاه ... هاه ... لا أدري؛ سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته. وتأمل قوله: " هاه ... هاه ... " كأنه كان يعلم شيئاً فنسيه، وما أشدَّ الحسرة في شيء علمتَه ثم نسيتَه؛ لأن الجاهل لم يكسب شيئاً، لكن النَّاسي كسب الشيء فخسره، والنتيجة يقول: لا أدري مَنْ ربِّي، ما ديني، مَنْ نبيي، فهذه فتنة عظيمة؛ أسألُ الله أن ينجِّيني وإيَّاكم منها، وهي في الحقيقة تدور على ما في القلب، فإذا كان القلب مؤمناً حقيقة: يرى أمور الغيب كرأي العين، فهذا يجيب بكلِّ سُهولة، وإن كان الأمر بالعكس: فالأمر بالعكس. القول الثاني: المراد بـ " فتنة الممات ": ما يكون عند الموت في آخر الحياة، ونصَّ عليها - وإنْ كانت مِن فتنة الحياة - لعظمها وأهميتها، كما نصَّ على فِتنة الدَّجَّال مع أنها مِن فتنة المحيا، فهي فِتنة ممات؛ لأنها قُرب الممات، وخصَّها بالذِّكر لأنها أشدُّ ما يكون؛ وذلك لأن الإنسان عند موته ووداع العمل صائر إما إلى سعادة، وإما إلى شقاوة، قال الرسول ﷺ : (إن أحدَكُم ليعملُ بعملِ أهلِ الجنَّة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتابُ؛ فيعملُ بعملِ أهل النَّارِ) فالفتنة عظيمة. وأشدُّ ما يكون الشيطانُ حرصاً على إغواء بني آدم في تلك اللحظة، والمعصومُ مَنْ عَصَمَه الله، يأتي إليه في هذه الحال الحرجةِ التي لا يتصوَّرها إلا من وقع فيها، قال تعالى: (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ. وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ. وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ. وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ) القيامة/٢٦– ٣٠، حال حرجة عظيمة، الإنسانُ فيها ضعيفُ النَّفْسِ، ضعيفُ الإِرادة، ضعيفُ القوَّة، ضيقُ الصَّدر، فيأتيه الشيطانُ ليغويه؛ لأن هذا وقت المغنم للشيطان، حتى إنه كما قال أهل العلم: قد يعرضُ للإِنسان الأديان اليهودية، والنصرانية، والإسلامية بصورة أبويه، فيعرضان عليه اليهودية والنصرانية والإسلامية، ويُشيران عليه باليهودية أو بالنصرانية، والشيطان يتمثَّلُ كُلَّ واحد إلا النبي ﷺ ، وهذه أعظم الفِتَن ِ. ولكن هذا - والحمد لله - لا يكون لكلِّ أحدٍ، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وحتى لو كان الإنسان لا يتمكَّن الشيطان من أن يَصِلَ إلى هذه الدرجة معه، لكن مع ذلك يُخشى عليه منه. يقال: إنَّ الإمام أحمد وهو في سكرات الموت كان يُسمَعُ وهو يقول: بعدُ، بعدُ، فلما أفاق قيل له في ذلك؟ قال: إنَّ الشيطان كان يعضُّ أنامله يقول: فُتَّني يا أحمد، يعضُّ أنامله ندماً وحسرة كيف لم يُغوِ الإمام أحمد! فيقول له أحمد: بعدُ، بعدُ، أي: إلى الآن ما خرجت الرُّوح، فما دامت الرُّوح في البدن فكلُّ شيء وارد ومحتمل، (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) آل عمران/٨، في هذه الحال فتنة عظيمة جدّاً، ولهذا نصَّ النبي ﷺ عليها قال: " مِن فِتنة المحيا والممات ". فالحاصل: أنَّ فتنة الممات فيها تفسيران: التفسير الأول: الفتنة التي تكون عند الموت. والثاني: التي تكون بعد الموت، وهي سؤال الملكين الإنسان عن رَبِّه ودينه ونبيِّه. ولا مانع بأن نقول: إنَّها تشمَلُ الأمرين جميعاً، ويكون قد نصَّ على الفتنة التي قبل الموت وعند الموت؛ لأنَّها أعظم فتنة تَرِدُ على الإنسان، وذكر ما يُخشى منها من سوء الخاتمة إذا لم يُجِرِ اللَّهُ العبد من هذه الفتنة. وعلى هذا ينبغي للمتعوِّذ مِن فِتنة الممات أن يستحضر كلتا الحالتين. " الشرح الممتع " (٣ / ١٨٥ – ١٨٨) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 300

هل يزور أو يشعر أو يرى الأموات بعضهم بعضا في القبور ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يزور أو يشعر أو يرى الأموات بعضهم في القبور؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نعم، ثبت لقاء أرواح المؤمنين وتزاورهم، وهذه بعض الأحاديث الدالة على ذلك مع بعض فتاوى أهل العلم في هذه المسألة. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنُ أَتَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ فَيَقُولُونَ اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إِلَى رَوْحِ اللَّهِ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ حَتَّى أَنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ السَّمَاءِ فَيَقُولُونَ مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنْ الأَرْضِ فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدَمُ عَلَيْهِ فَيَسْأَلُونَهُ مَاذَا فَعَلَ فُلانٌ مَاذَا فَعَلَ فُلانٌ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا. فَإِذَا قَالَ: أَمَا أَتَاكُمْ؟ قَالُوا: ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ. وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ أَتَتْهُ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ بِمِسْحٍ ـ كساء من شعر ـ فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي سَاخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ الأَرْضِ فَيَقُولُونَ مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ) رواه النسائي (١٨٣٣) وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢٧٥٨) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما قوله " هل تجتمع روحه مع أرواح أهله وأقاربه؟ ": ففي الحديث عن أبى أيوب الأنصارى وغيره من السلف ورواه أبو حاتم فى الصحيح عن النبى ﷺ : " أن الميت إذا عرج بروحه تلقته الأرواح يسألونه عن الأحياء فيقول بعضهم لبعض: دعوه حتى يستريح، فيقولون له: ما فعل فلان؟ فيقول: عمِل عمَل صلاح، فيقولون: ما فعل فلان؟ فيقول: ألم يقدم عليكم؟ فيقولون: لا، فيقولون: ذُهب به إلى الهاوية ". ولما كانت أعمال الأحياء تُعرض على الموتى: كان أبو الدرداء يقول: " اللهم إنى أعوذ بك أن أعمل عملا أخزى به عند عبد الله بن رواحة "، فهذا اجتماعهم عند قدومه يسألونه فيجيبهم. وأما استقرارهم فبحسب منازلهم عند الله، فمَن كان من المقرَّبين: كانت منزلته أعلى مِن منزلة مَن كان مِن أصحاب اليمين، لكن الأعلى ينزل إلى الأسفل والأسفل لا يصعد إلى الاعلى، فيجتمعون إذا شاء الله كما يجتمعون فى الدنيا، مع تفاوت منازلهم ويتزاورون. وسواء كانت المدافن متباعدة في الدنيا أو متقاربة، قد تجتمع الأرواح مع تباعد المدافن، وقد تفترق مع تقارب المدافن، يدفن المؤمن عند الكافر، وروح هذا في الجنة، وروح هذا في النار، والرجلان يكونان جالسيْن أو نائميْن في موضعٍ واحدٍ وقلبُ هذا ينعَّم، وقلب هذا يعذَّب، وليس بين الروحيْن اتصال، فالأرواح كما قال النبي ﷺ : " جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " رواه مسلم (٢٦٣٨) .) " مجموع الفتاوى " (٢٤ / ٣٦٨) . قال ابن القيم: المسألة الثانية وهى أن ارواح الموتى هل تتلاقي وتتزاور وتتذاكر أم لا؟ وهي أيضاً مسألة شريفة كبيرة القدر وجوابُها: أن الأرواح قسمان: أرواح معذبة، وأرواح منعَّمة؛ فالمعذبة في شغل بما هي فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي، والأرواح المنعمة المرسلة غير المحبوسة تتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها في الدنيا وما يكون من أهل الدنيا، فتكون كل روح مع رفيقها الذي هو على مثل عملها، وروح نبينا محمد ﷺ في الرفيق الأعلى، قال الله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) النساء/٦٩ وهذه المعية ثابتة في الدنيا، وفي دار البرزخ، وفي دار الجزاء، و " المرء مع من أحب " في هذه الدور الثلاثة، ... وقال تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي) الفجر/٢٧-٣٠ أي: ادخلي جملتهم وكوني معهم، وهذا يقال للروح عند الموت ... وقد أخبرنا الله عن الشهداء بأنهم (أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) وأنهم (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ) وأنهم (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ) وهذا يدل على تلاقيهم من ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم عند ربهم يرزقون، وإذا كانوا أحياء فهم يتلاقون، الثاني: أنهم إنما استبشروا بإخوانهم لقدومهم ولقائهم لهم، الثالث: أن لفظ " يستبشرون " يفيد في اللغة أنهم يبشر بعضهم بعضاً مثل يتباشرون. " الروح " (ص ١٧، ١٨) . وقد وردت أحاديث تنص على تزاور الموتى والأمر بتحسين الكفن لأجل هذا، ولكن لم يصح منها حديث، ومنها حديث أبي قتادة عن النبي ﷺ قال: " من ولى أخاه فليحسن كفنه فإنهم يتزاورون فيها." شعب الإيمان " (٧ / ١٠) . وفيه " سلم بن إبراهيم الورَّاق " كذَّبه ابن معين والذهبي، وضعفه آخرون. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 301

حساب الكافر في الآخرة [السُّؤَالُ] ـ[الإنسان المؤمن محل الحساب يوم القيامة، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فكيف يكون الكافر محلاً للحساب كذلك وهو غير مطالب بالتكليفات المطالب بها المؤمن؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا السؤال مبني على فهم ليس بصحيح، فإن الكافر مطالب بما يُطالب به المؤمن لكنه غير ملزم به في الدنيا، ويدل على أنه مطالب قوله تعالى: (إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين) فلولا أنهم تأثروا بترك الصلاة وترك الطعام وإطعام المساكين لولا أنهم تأثروا بترك بذلك ما ذكروه، وهذا دليل على أنهم يعاقبون على فروع الإسلام وكما أن هذا هو مقتضى الأثر فهو أيضاً مقتضى النظر، فإذا كان الله تعالى يعاقب عبده المؤمن على ما أخل به من واجب في دينه فكيف لا يعاقب عبده الكافر؟ بل إني أزيدك أن الكافر يعاقب على كل ما أنعم الله به عليه من طعام وشراب وغيره قال تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين) . فمنطوق الآية رفع الجناح عن المؤمنين فيما طعموه، ومفهومها وقوع الجناح على الكافرين فيما طعموه، وكذلك قول الله : (قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) فإن قوله: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا) دليل على أن غير المؤمن ليس له حق في أن يستمتع بها، أقول ليس له حق شرعي، أما الحق بالنظر إلى الأمر الكوني وهو أن الله خلقها وانتفع بها هذا الكافر فهذا أمر لا يمكن إنكاره، فهذا دليل على أن الكافر يحاسب حتى على ما أكل من المباحات وما لبس، وكما أن هذا مقتضى الأثر فإنه مقتضى النظر، إذ كيف يتمتع هذا الكافر العاصي لله الذي لا يؤمن به كيف يحق له عقلاً أن يستمتع بما خلقه الله وما أنعم الله به على عباده؟ إذا تبين لك هذا فإن الكافر يحاسب يوم القيامة على عمله، ولكن حساب الكافر على عمله يوم القيامة ليس كحساب المؤمن لأن المؤمن يحاسب حساباً يسيراً، يخلو به الرب ويقرره بذنوبه حتى يعترف ثم يقول له : (قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) أما الكافر – والعياذ بالله – فإن حسابه أن يٌقرر بذنوبه ويُخزى بها على رؤوس الأشهاد، (ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين) [الْمَصْدَرُ] من فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين في كتاب فتاوى إسلامية ١/٨٢.

стр. 302

حقيقة الإيمان باليوم الآخر [السُّؤَالُ] ـ[ما المراد بالإيمان باليوم الآخر؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله وبعد: اعلم وفقك الله لطاعته أن المراد بـ (الإيمان باليوم الآخر) هو: التصديق الجازم بإتيان ووقوع كل ما أخبر الله عنه في كتابه وأخبر به رسوله ﷺ مما يكون بعد الموت، ويدخل في ذلك الإيمان بعلامات الساعة التي تكون قبلها، وبالموت وما يصاحبه من أحوال الاحتضار وما بعده من فتنة القبر وعذابه ونعيمه، وبالنفخ في الصور والبعث، وما في موقف القيامة من الأهوال، وتفاصيل الحشر والحساب، وبالجنة ونعيمها الذي أعلاه النظر إلى وجه الله ، وبالنار وعذابها الذي أشده حجبهم عن ربهم . والعمل بمقتضى هذا الاعتقاد. وإذا تحقق هذا الإيمان في قلب العبد أثمر له ثمرات عظيمة جليلة منها: الأولى: الرغبة في فعل الطاعات والحرص عليها رجاء ثواب ذلك اليوم. الثانية: الرهبة من فعل المعصية والرضى بها خوفا من عقاب ذلك اليوم. الثالثة: تسلية المؤمن عما يفوته من النعيم في الدنيا بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها. نسأل الله العظيم أن يمن علينا بالإيمان الصادق واليقين الراسخ..آمين. انظر أعلام السنة المنشورة (١١٠) وشرح الأصول الثلاثة للشيخ ابن عثيمين (٩٨ – ١٠٣) . [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 303

حوض الكوثر ونهر الكوثر [السُّؤَالُ] ـ[ما هو الكوثر؟ وهل هو خاص بالنبي ﷺ ؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الكوثر في لغة العرب وصف يدل على المبالغة في الكثرة أما في الشرع فله معنيان: المعنى الأول: أنه نهر في الجنة أعطاه الله لنبيه ﷺ وهذا المعنى هو المراد في قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) الكوثر/١، كما فسره النبي ﷺ بذلك كما روى مسلم في صحيحه (٦٠٧) عن أنس ﵁ قال: " بينما نحن عند النبي ﷺ إذ غفا إغفاءة , ثم رفع رأسه متبسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت علي سورة. فقرأ. بسم الله الرحمن الرحيم. (إنا أعطيناك الكوثر إلى آخرها) , ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير , وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة " الحديث. وعند الترمذي (٣٢٨٤) عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: " الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت.. الحديث " وقال الترمذي: إنه حسن صحيح. وصححه الألباني كما في صحيح سنن الترمذي (٣ / ١٣٥) . المعنى الثاني: أنه حوض عظيم ـ والحوض هو: مجمع الماء ـ يوضع في أرض المحشر يوم القيامة ترد عليه أمة محمد ﷺ . وهذا الحوض يأتيه ماؤه من نهر الكوثر الذي في الجنة، ولذا يسمى حوض الكوثر والدليل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه (٤٢٥٥) من حديث أبي ذر " أن الحوض يشخب (يصب) فيه ميزابان من الجنة " وظاهر الحديث أن الحوض بجانب الجنة لينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها " كما قال ذلك ابن حجر ﵀ في الفتح (١١ / ٤٦٦) . والله أعلم. وأما هل هو خاص بالنبي ﷺ دون غيره من الأنبياء أم لا؟ فأما نهر الكوثر الذي يُصب من مائه في الحوض فإنه لم يُنقل نظيره لغير النبي ﷺ وامتن الله عليه به في السورة فلا يبعد أنه خاص بنبينا ﷺ دون غيره من الأنبياء. وأما حوض الكوثر فقد اشتهر عند العلماء اختصاص نبينا ﷺ به وممن صرح بذلك القرطبي في المفهم. لكن أخرج الترمذي (٢٣٦٧) من حديث سمرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ لكل نَبِيٍّ حَوْضًا وَإِنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ " وهذا الحديث جميع أسانيده ضعيفة، لكن بعض العلماء حكم له بالقبول لكثرة أسانيده كما فعل الألباني في الصحيحة (١٥٨٩) ، ومنهم من حكم عليه بالضعف. فإذا ثبت الحديث كان المختص بنبينا ﷺ النهر دون الحوض، وإن لم يثبت فلا يبعد أن يكون الحوض أيضا خاصاً به دون غيره. والله أعلم. وقد ورد في السنة الصحيحة ذكر صفات النهر الذي في الجنة والحوض الذي في أرض المحشر فمن صفات نهر الكوثر الذي في الجنة: ما رواه البخاري في صحيحه عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بينا أنا أسير في الجنة، إذا أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك قال: فضرب الملك بيده، فإذا طينه أو طيبه مسك أزفر " وفي المسند (١٢٠٨٤) عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " أعطيت الكوثر، فإذا هو نهر يجري على ظهر الأرض، حافتاه قباب اللؤلؤ، ليس مسقوفاً فضربت بيدي إلى تربته، فإذا تربته مسك أذفر، وحصباؤه اللؤلؤ " وصححه الألباني في الصحيحة (٢٥١٣) وفي رواية عنه في المسند أيضا (١٢٨٢٨) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْكَوْثَرِ فقَالَ: " ذاك نهر أعطانيه الله يعني في الجنة أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فيه طير أعناقها كأعناق الجزر (الإبل) قال عمر إِنَّ تِلْكَ لَطَيْرٌ نَاعِمَةٌ فقال رسول الله ﷺ : "أَكَلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا يَا عُمَر " وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٤٠) وأما صفات الحوض الذي في أرض المحشر فمنها: ما رواه البخاري (٦٠٩٣) ومسلم (٤٢٤٤) عن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنْ اللَّبَنِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلَا يَظْمَأُ أَبدا " وفي صحيح مسلم (٤٢٦١) عن أَنَسٌ ﵁ قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : " تُرَى فِيهِ أَبَارِيقُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَعَدَدِ نُجُومِ السماء " َو في رواية: " أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ " وفيه أيضا (٤٢٥٦) عَنْ ثَوْبَاَن ﵁ أن النبِيَّ ﷺ َسُئِلَ عَنْ شَرَابِهِ؛ فَقَالَ: " أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ يَغُتُّ (يصب) فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنْ الْجَنَّةِ أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ وَالآخَرُ مِنْ وَرِق (فضة) " وأحاديث الحوض لا شك في تواترها عند أهل العلم بأحاديث الرسول ﷺ ، فقد رواها عن النبي ﷺ أكثر من خمسين صحابيا، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أسماء رواة أحاديثه من الصحابة في الفتح (١١/٤٦٨) حتى قال القرطبي في المفهم شرح صحيح مسلم: " مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به أن الله قد خص نبيه محمدا ﷺ بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي.. " وأما عن موقع الحوض في أرض المحشر: فقد اختلف العلماء في هذا: فمنهم من قال:إنه يكون بعد الصراط. ومنهم من قال: إنه يكون قبل الصراط وهو قول الأكثر وهو الأرجح والله أعلم لأنه يؤخذ بعض من يرد عليه إلى النار، فلو كان موقعه بعد الصراط لما استطاعوا الوصول إليه لأنهم يكونون قد سقطوا في النار والعياذ بالله. وفي ختام هذا المبحث لابد من التنبيه على أمر في غاية الأهمية والخطورة وهو: أنه ليس كل من انتمى للأمة المحمدية سينال نعمة وشرف الشرب من حوض النبي ﷺ ، ويده الشريفة، بل قد صرحت الأحاديث أن هناك من رجال هذه الأمة من يذاد ويدفع عن الحوض دفعا شديدا، نسأل الله العافية. فَمَن هؤلاء الذين سيشربون ومن أولئك الذين سيدفعون؟ لقد أجاب الرسول ﷺ على هذا السؤال إجابة واضحة شافية حتى لا يبقى لمعتذر عذر، ولا لمتقاعس حجة فقد روى مسلم في صحيحه (٣٦٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ: " السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا" قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَال:َ" أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ " فَقَالُوا كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: " أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ " قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ أَلا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلا هَلُمَّ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا " والغرّة: بيانض في وجه الفرس والتحجيل: بياض في قوائمه و (دهم بهم) أي: أسود شديد خالص لا يخالطه لون آخر. وفي البخاري (٦٥٢٨) ومسلم (٤٢٤٣) عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ سَهْلا يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " أَنَا فَرَطُكُمْ (أي: سابقكم) عَلَى الْحَوْضِ مَنْ وَرَدَ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا وَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ " قَالَ أَبُو حَازِمٍ فَسَمِعَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ وَأَنَا أُحَدِّثُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ هَكَذَا سَمِعْتَ سَهْلا يَقُولُ قَالَ فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَسَمِعْتُهُ يَزِيدُ فَيَقُول [أي النبي ﷺ ُ] : " إِنَّهُمْ مِنِّي" فَيُقَالُ: إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: "سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي " وعند البخاري في صحيحه (٢١٩٤) ومسلم (٤٢٥٧) عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَذُودَنَّ رِجَالا عَنْ حَوْضِي كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنْ الإِبِلِ عَنْ الْحَوْضِ " قال القرطبي ﵀: " قال علماؤنا ﵏ أجمعين: فكل من ارتد عن دين الله أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه، وأشدهم طردا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها [ومن نحا نحوهم أو سلك طريقهم] وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق وقتل أهله وإذلالهم والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع.. " التذكرة للقرطبي (٣٠٦) فعلى العبد أن يجتهد في متابعة النبي ﷺ وعدم مخالفته في أي شيء من هديه رجاء أن يمن الله عليه بالشرب من هذا الحوض المبارك، وإلا فأي خزي وندامة أشد من خزي وندامة من يدفع من بين يدي النبي ﷺ ، وقد بلغ به العطش مبلغا لا يطاق ولا يحتمل فيمنع من الشرب من ذاك الماء البارد الطيب، ثم يزاد عليه العذاب والخزي والحسرة بدعاء النبي ﷺ بالسحق والبعد والعياذ بالله، فتصَوُّر هذا عذاب، فكيف بمعاينته والتعرض له؟!. نسأل الله أن يمن علينا وعلى إخواننا المسلمين بالتوفيق لمتابعة السنة ومجانبة البدعة والمعصية ... آمين. والحمد لله رب العالمين. يراجع (القيامة الكبرى ٢٥٧ – ٢٦٢) و (الجنة والنار ١٦٦، ١٦٧) للشيخ / عمر الأشقر و (فتح الباري للحافظ ابن حجر ١١ / ٤٦٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 304

كيف يأخذ المسلم العاصي كتابه يوم القيامة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[عند تطاير الصحف هل مَنْ سيأخذ الكتاب بيمينه لن يدخل النار مطلقا؟ والعكس، وكيف سيأخذ أهل الجنة اللذين سيعذبون في النار أولاً كتابهم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله دل الكتاب والسنة على أن الناس يأخذون كتبهم التي هي صحائف أعمالهم يوم القيامة، فآخذ كتابه باليمين، وآخذ كتابه بالشمال من وراء ظهره. قال الله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيه * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيه * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه * يَالَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ. . . إلى قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ) الحاقة/١٩- ٣٣. وقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ) الانشقاق/٧- ١٤. دلت الآيات على أن المؤمن السعيد يأخذ كتابه بيمينه، وأن الكافر الشقي يأخذ كتابه بشماله، من وراء ظهره. والدليل على أن أهل الشمال هم الكفار قوله تعالى في سياق الآيات: (إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ) . وقوله: (إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ) أي ظن أنه لن يرجع إلى الله. ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ) البلد/١٩. قال القرطبي ﵀ في تفسيره (٢٠/٦٥) : (أي يأخذون كتبهم بشمائلهم) انتهى. وهذا كالصريح في أن الأخذ بالشمال مقصور على الكفار. ولا شك أن المؤمن المطيع الناجي من العذاب، يأخذ كتابه بيمينه، ويدل على ذلك سياق الآيات، فإن الحساب اليسير هو مجرد عرض الأعمال، دون مناقشة فيها، ومن نوقش الحساب عُذِّب أو هلك، كما ثبت عن النبي ﷺ . رواه البخاري (٦١٧٢) ومسلم (٢٨٧٦) . ويدل على ذلك أيضا: ما رواه البخاري (٢٤٤١) ومسلم (٢٧٦٨) وابن ماجه (١٨٣) عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ آخِذٌ بِيَدِهِ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ فَقَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، أَيْ رَبِّ. حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ [زاد ابن ماجه: بِيَمِينِهِ] . وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلائِقِ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ. وأما عصاة الموحدين، ممن يدخل النار ثم يخرج منها، فقد اختُلف فيهم: فمن أهل العلم من قال: إنهم يأخذون كتبهم بأيمانهم. ومنهم من قال: يأخذونها بشمائلهم. قال السفاريني ﵀: " يعطى الكافر كتابه بشماله من وراء ظهره، ويعطى المؤمن العاصي كتابه بشماله من أمامه. ويعطى المؤمن الطائع كتابه بيمينه من أمامه. وقد جزم الماوردي بأن المشهور أن الفاسق الذي مات على فسقه دون توبة يأخذ كتابه بيمينه، ثم حكى قولا بالوقوف [أي التوقف في المسألة] قال: ولا قائل بأنه يأخذه بشماله. وقال يوسف بن عمر من المالكية: اختلف في عصاة الموحدين فقيل: يأخذون كتبهم بأيمانهم، وقيل: بشمائلهم. وعلى القول بأنهم يأخذونها بأيمانهم قيل: يأخذونها قبل الدخول في النار، فيكون ذلك علامة على عدم خلودهم فيها. وقيل: يأخذونها بعد الخروج منها. والله أعلم " انتهى من لوامع الأنوار البهية ٢ (/١٨٣) . وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: بالنسبة للعاصي المؤمن هل يأخذ كتابه بيمينه أو بالشمال؟ فأجاب: " يأخذه بيمينه " انتهى من الأسئلة الملحقة بشرح السفارينية (ص ٥٠٠) . والذي يظهر - والله أعلم - أنه لا يأخذ كتابه بشماله إلا الكافر، كما هو ظاهر الآيات المتقدمة. والذي ينبغي للمسلم أن يجتهد في تحصيل الطاعات، وفعل الخيرات، ليكون من أهل اليمين، جعلنا الله تعالى منهم. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 305

حقيقة النفخ في الصور [السُّؤَالُ] ـ[ما هو (الصور) المذكور في قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) الزمر/٦٨، وكيف يكون النفخ فيه؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الصور في لغة العرب هو: القرن (يشبه البوق) وقد سئل رسول الله عن الصور ففسره بما تعرفه العرب من كلامها كما في سنن الترمذي (٣٢٤٤) وغيره عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال أعرابي: يا رسول الله ما الصور؟ قال: " قرن ينفخ فيه " وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٨٠) وأما الذي يَنفُخ فيه: فقد " اشتهر أنه إسرافيل ﵇، ونقل بعض العلماء الإجماع على ذلك، ووقع التصريح به في بعض الأحاديث " انظر (فتح الباري ١١ / ٣٦٨) وقد أخبرنا الرسول ﷺ أن صاحب الصور مستعد للنفخ فيه منذ أن خلقه الله تعالى كما في المستدرك عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن طرف صاحب الصور منذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش، مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه كأن عينيه كوكبان دريان " وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٠٧٨) . وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن النفخ في الصور يكون مرتين: الأولى يحصل بها الصعق، والثانية يحصل بها البعث مستدلين بقوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّه ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) الزمر/٦٨. وبما ورد في الأحاديث الصحيحة التي ذكرت هاتين النفختين وما يترتب عليهما من آثار فقد روى البخاري (٤٦٥١) ومسلم (٢٩٥٥) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ما بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوما؟ قال: أبيت قالوا أربعون شهرا؟ قال: أبيت قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل. قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة " قال النووي: ومعنى قول أبي هريرة (أبيت) أي أبيت أن أجزم أن المراد أربعون يوماً أو سنة أو شهراً بل الذي أجزم به أنها أربعون مجملة. اهـ. وفي صحيح مسلم (٢٩٤٠) عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ".. ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا قال:وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله قال فيصعق ويصعق الناس ثم يرسل الله أو قال ينزل الله مطرا كأنه الطل أو الظل (شك الراوي) فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون " وقوله: (أصغى ليتا) : أصغى أي أمال، والليت هو جانب العنق والمعنى فلا يبقى أحد إلا أمال عنقه، ورفع عنقه، وقوله: (يلوط حوض إبله) : أي يطين ويصلح مجمع الماء الذي تشرب منه إبله. (شرح النووي على مسلم ١٨ /٧٦) ومن العلماء من قال: إنها ثلاث نفخات وزاد فيها نفخة الفزع وأنها تكون قبل نفخة الصعق ثم تليها نفخة الصعق مستندين على ما ورد في قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) النمل/٨٧ ولكن لا يلزم من ذكر الصعق في آية والفزع في الأخرى أن لا يحصلا معا من النفخة الأولى بل هما متلازمان فإذا نفخ في الصور فزع الناس فزعاً صعقوا منه وماتوا. واستدلوا أيضاً ببعض الأحاديث التي ورد فيها أن النفخات ثلاث. لكن الحديث الذي استدلوا به هو حديث الصور الطويل؛ وهو حديث ضعيف مضطرب كما يقول الحافظ ابن حجر ﵀. والله أعلم. انظر التذكرة للقرطبي (١٨٤) وفتح الباري (١١ / ٣٦٩) . فيستفاد مما سبق أن الله تعالى إذا أذن بموت الأحياء أمر ملك الصور أن ينفخ فيه؛ فينفخ نفخة عظيمة تفزع جميع الخلائق فيصعقون منها ويهلكون، ثم يمكثون على ذلك مدة قدرها أربعين من غير تحديد بسنة أو شهر أو يوم ـ الله أعلم بمقدارها ـ فتتحلل أجسادهم في هذه المدة ولا يبقى منها إلا عجب الذنب وهو العظم المستدير الذي في أصل الظهر، ثم يرسل الله سحابا فتمطر مطرا فإذا أصاب الماء هذا العظم نبت منه الجسم كما ينبت النبات ويتركب الخلق من هذا العظم كما بدأ الله الخلق أول مرة يعيده وهو على كل شيء قدير، ثم ينفخ في الصور نفخة البعث فتعود الأرواح إلى الأجساد فيخرجون من القبور سراعا إلى أرض المحشر نسأل الله رحمته ولطفه. وبعد فالواجب على المسلم أن يستعد لهذه اللحظات الحاسمة بالمبادرة للأعمال الصالحة، والمسارعة في الخيرات، والبعد عن الأمور المنكرة، ومجانبة السيئات. وإذا كان أخشى الخلق لله وأتقاهم له يقول: " كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ فينفخ.. "أخرجه الترمذي في السنن (٢٤٣١) وغيره وصححه الألباني في السلسة (١٠٧٩) فكيف بحالنا نحن المقصرين الضعفاء؟! نسأل الله أن يجعلنا ممن لا يحزنهم الفزع الأكبر، وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون.. آمين. والله أعلم. ياجع (القيامة الكبرى للشيخ عمر الأشقر ٣٣- ٤٢) و (أعلام السنة المنشورة ١٢٢) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 306

يسأل عن الموت في شهر رمضان [السُّؤَالُ] ـ[هل صحيح أن كل من يموت في شهر رمضان يدخل الجنة دون أن يحاسب على أعماله؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قد تفضل الله تعالى على نفر من خاصة عباده فوعدهم بدخول الجنة من غير حساب ولا عذاب؛ فعن عبد الله بْنُ عَبَّاس، ﵄،ٍ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :َ عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ (جماعة قليلة من الناس) وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَد.ٌ إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي. فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى ﷺ ، وَقَوْمُهُ وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ الآخَرِ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ. ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ فَلَعَلَّهُمْ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ بَعْضُهُمْ فَلَعَلَّهُمْ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلامِ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّه،ِ وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ. فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيه؟ ِ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: هُمْ الَّذِينَ َلا يَسْتَرْقُونَ وَلا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: أَنْتَ مِنْهُمْ. ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ " البخاري ٥٧٠٥، مسلم ٢٢٠. [الرهط: هم الجماعة دون العشرة، والرهيط تصغير له. رفع لي: ظهر لي، سواد عظيم: السواد الشخص يرى من بعيد لا يدرى من هو، الأفق: منتهى البصر.] ولم يذكر في هؤلاء السبعين ألفا من مات في شهر رمضان، وإنما المذكورون هم خاصة المؤمنين الذين حققوا مقام التوحيد لرب العالمين، قال في فتح المجيد: (قوله وعلى ربهم يتوكلون، ذكر الأصل الجامع الذي تفرعت عنه هذه الأفعال والخصال، وهو التوكل على الله، وصدق الالتجاء إليه، والاعتماد بالقلب عليه، الذي هو نهاية تحقيق التوحيد الذي يثمر كل مقام شريف: من المحبة والرجاء والخوف، والرضا بالله ربا وإلها، الرضا بقضائه.) [ص ٧٤] . وإنما ورد في فضل من مات صائما قول النبي، ﷺ : (َ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) رواه الإمام أحمد ٢٢٨١٣ , من حديث حذيفة، ﵁، وقال الألباني في أحكام الجنائز: إسناده صحيح. ومما ينبغي الاهتمام به، أن الحديث السابق، قد دل على أن علو مقام هؤلاء السبعين ألفا، جعلنا الله وإياكم منهم، في العمل الصالح، هو الذي أنزلهم تلك المنزلة عند الله تعالى؛ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، بعد ما ذكر هذا الحديث في كتاب التوحيد: (فيه.. عمق علم السلف، لمعرفتهم أنهم لن ينالوا ذلك إلا بعمل) ، وليس يخفى على السائل أنه لو كان هناك فضل لمن يموت في رمضان فإن هذا خاص بمن مات من المؤمنين؛ ولا يشمل كل من مات في رمضان. وكذلك الحديث الذي سبق ذكره، في فضل من مات صائما، دل على أن دخول الجنة إنما كان موعودا على عمل صالح، ختم له به، وليس على مجرد الموت في شهر رمضان، مع أنه ليس فيه تلك الفضيلة الخاصة؛ دخول الجنة بغير حساب. والله الموفق. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 307

تفسير الآية ٣٣ من سورة الرحمن [السُّؤَالُ] ـ[أرجو أن تساعدني في تفسير آية رقم ٣٣ من سورة الرحمن لأني لا أتكلم العربية. وجزاك الله خيرا]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال تعالى: يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطَانٍ (٣٣) سورة الرحمن وهذا التحدّي من الله للعباد يكون في أرض المحشر حينما يجمع الخلائق كلهم جنّهم وإنسهم وتنشق السماوات وتهبط الملائكة من كلّ سماء فتحيط بأهل المحشر فيتحدّاهم الله بالهروب فلا يستطيعون، وكيف سيستطيعون وهم لا حول لهم ولا قوّة والملائكة تحاصرهم وتحيط بهم من كلّ جانب. قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: أي لا تستطيعون هربا من أمر الله وقدره بل هو محيط بكم لا تقدرون على التخلص من حكمه ولا النفوذ عن حكمه فيكم أينما ذهبتم أحيط بكم وهذا في مقام الحشر الملائكة محدقة بالخلائق سبع صفوف من كل جانب فلا يقدر أحد على الذهاب "إلا بسلطان" أي إلا بأمر الله "يقول الإنسان يومئذ أين المفر. كلا لا وزر. إلى ربك يومئذ المستقر" [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 308

أعمار أهل الجنة [السُّؤَالُ] ـ[كم سيكون عمر الرجل والمرأة الدائم في الجنة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يدخل أهل الجنة الجنة على أكمل صورة وأجملها، على صورة أبيهم آدم ﵇ وقد خلقه الله تعالى بيده فأتم خلقه وأحسن تصويره وكل من يدخل الجنة يكون على صورة آدم وخلقته، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا ... فكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعا ... ) رواه البخاري (٥٨٧٣) ومسلم (٧٠٩٢) أما أعمارهم فكلهم يدخل الجنة في عمر القوة والفتوة والشباب أبناء ثلاث وثلاثين، فعن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: (يدخل أهل الجنة الجنة جرداً مرداً مكحلين أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة) رواه الترمذي (٢٥٤٥) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٩٢٨) . ورواه أحمد (٨٥٠٥) عن أبي هريرة ﵁ بلفظ (أبناء ثلاث وثلاثين) من غير شك. قال أحمد شاكر: إسناده حسن. (جرداً) الأجرد هو الذي لا شعر على جسده. (مرداً) الأمرد هو الشاب الذي لا لحية له. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 309

إجابة عن إشكالات في آيات حياة المسيح ﵇ وموته [السُّؤَالُ] ـ[أنا من متابعي موقعكم ولا أشك أبداً في أن حرفا واحدا من القرآن قد تم تحريفه وأرجو أن تشرح لي اللبس في هاتين الآيتين الأولى في سورة مريم (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) فما معني يوم أموت؟ وفي آية ") وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) النساء/١٥٩، فما معنى هذا؟) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً) النساء/١٥٧ أدرس في الصين ولدي الكثير من الأصدقاء من أديان مختلفة ويسألوني عن القرآن وموقف الإسلام من عيسى ﵇، أحاول أن أجيب على أسئلتهم وأرجو أن تجيبني في أسرع وقت.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله بدايةً نشكر لك حرصك على السؤال عن أمر دينك، وسعيك للتبصر في تفسير كتاب الله جل وعلا، ونسأل الله أن يرزقنا وإياك العلم النافع، أما فيما يتعلق بقوله تعالى: (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً) مريم/٣٣، فقد قال الطبري في تفسيره:" وقوله ﴿والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾ يقول: والأمن من الله عليَّ من الشيطان وجنده يوم ولدت أن ينالوا مني ما ينالون ممن يولد عند الولادة، من الطعن فيه، ويوم أموت، من هول المطلع، ويوم أبعث حياً يوم القيامة أن ينالني الفزع الذي ينال الناس بمعاينتهم أهوال ذلك اليوم " [تفسير الطبري ٨ / ٣٤٠] وقال القرطبي:" ﴿والسلام علي﴾ أي السلامة علي من الله تعالى. قال الزجاج ذكر السلام قبل هذا بغير ألف ولام فحسن في الثانية ذكر الألف واللام. وقوله: يوم ولدت يعني في الدنيا. وقيل: من همز الشيطان كما تقدم في ((آل عمران)) . ويوم أموت يعني في القبر. ويوم أبعث حيا يعني في الآخرة، لأن له أحوالاً ثلاثة: في الدنيا حياً، وفي القبر ميتاً، وفي الآخرة مبعوثاً، فسلم في أحواله كلها " [تفسير القرطبي ١١ / ٩٨] ومما سبق من أقوال المفسرين تعلم أن قوله ﴿ويوم أموت﴾ ليس معناه أنه قد مات، وإنما معناه أنه عند موته – وذلك بعد نزوله وقتله للدجال كما ثبت في الأحاديث – فإنه يسلم من الموت على غير الإيمان بالله تعالى، وهذا كما أنه قال ﴿ويوم أبعث حيا﴾ وليس معناه أنه قد بعث يوم القيامة!! ، فكلامه ﷺ إنما هو عن أحواله في ولادته، وفي موته، وفي بعثه، ولا شك أنه سيموت، لكن كما دلت الآيات الأخرى التي سقتها، فإنه لم يمت بالقتل أو الصلب، وإنما رفعه الله إليه، وسيموت بعد نزوله من السماء، وقتله للدجال. أما قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) النساء/ ١٥٩، فقد اختلف أهل العلم في مرجع الضمير في قوله ﴿موته﴾ على قولين: القول الأول: أن مرجع الضمير إلى عيسى ابن مريم ﵇، وعلى هذا يكون معنى الآية، أنه ما من أحد من أهل الكتاب إلا سيؤمن بعيسى ﵇، وذلك قبل موته – أي عيسى -، فإنه إذا نزل من السماء، وقتل الدجال، فإنه يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام، وحينها يؤمن أهل الكتاب به، قبل موته ﷺ ، ويعلمون أنه حق، وأنه لم يمت من قبل، فالكلام في الآية عن علامة من علامات الساعة، وشرط من أشراط يوم القيامة، سيكون بعد نزول عيسى، وأنه قبل أن يموت في ذلك الزمان سيؤمن به أهل الكتاب. وقد ورد ما يؤيد هذا القول من قول أبي هريرة ﵁ بعد روايته للحديث الدال على نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، فعن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) النساء/١٥٩) . البخاري ٣١٩٢ مسلم ٢٢٠. القول الثاني: أن مرجع الضمير إلى الكتابي نفسه، وعلى هذا يكون معنى الآية، أنه ما من أحد من أهل الكتاب إلا سيؤمن بعيسى ﵇، وأنه حق، وأنه لم يمت، وذلك عندما يعاين سكرات الموت، ويرى الحقائق والبراهين، فعند موت ذلك الكتابي سيعلم أن ما كان عليه هو الباطل، لكن لا ينفعه ذلك الإيمان حينئذ. وعلى كلا القولين السابقين فليس في الآية دليل أو إشارة إلى موته ﷺ ، وإنما الكلام – في القول الأول – على أمر غيبي سيحصل في المستقبل، وهو بلا شك سيموت ﵇، لكن بعد نزوله كما سبق، وعلى القول الثاني: فالمراد بقوله (قبل موته) أي موت الكتابي نفسه. وقد رجح الطبري وابن كثير وغيرهما من أئمة التفسير القول الأول، قال ابن كثير:" وقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) النساء/١٥٩ "، قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ يعني قبل موت عيسى، يوجه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية، دين إبراهيم ﵇..... عن ابن عباس قال: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته، قال: قبل موت عيسى بن مريم ﵇. ... وعن الحسن ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ قال: قبل موت عيسى والله إنه لحي عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون..... قال ابن جرير: وقال آخرون: يعني بذلك قبل موت صاحب الكتاب، ذكر من كان يوجه ذلك إلى أنه علم الحق من الباطل لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، في الآية، قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى..... وقال ابن عباس: لو ضربت عنقه لم تخرج نفسه حتى يؤمن بعيسى.... وعن ابن عباس، قال: لا يموت اليهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله. قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصحة القول الأول، وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى ﵇ إلا آمن به قبل موت عيسى ﵇، ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح، لأنه المقصود من سياق الاي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن كذلك، وإنما شبه لهم، فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة ... فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية يعني لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم، ولهذا قال: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته أي قبل موت عيسى ﵇ الذي زعم اليهود ومن وافقههم من النصارى أنه قتل وصلب، ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً أي بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء وبعد نزوله إلى الأرض " [تفسير ابن كثير ١ / ٧٦٢] ولا بد من التنبيه – أيها الأخ الكريم – على أن مناقشة النصارى لا بد أن تكون عن علم وبينة، حتى لا يكون الإنسان سببا في عدم قبول الناس للحق بسبب ضعف حجته، وإلا فليس عند النصارى حجة صحيحة أصلا، إلا إنهم يلقون بالشبهات ليزيفوا الحقائق، وليلبسوا الحق بالباطل، أعاذنا الله من طرق الزائغين. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 310

كيف يحتمل الناس دنو الشمس يوم القيامة [السُّؤَالُ] ـ[كيف تدنو الشمس يوم القيامة من الخلائق مقدار ميل ولا تحرقهم وهي لو دنت عما هي عليه الآن في الدنيا لاحترقت الأرض؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " إن وظيفة المؤمن فيما ورد من أخبار الغيب القبول والتسليم وأن لا يسأل عنها بكيف؟ ولم؟ – وهذه قاعدة يجب أن تبنى عليها عقيدتنا – لأن هذا أمر فوق ما تتصوره أنت، فالواجب عليك أن تقبل وتسلم وتقول: آمنا وصدقنا، آمنا بأن الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة بمقدار ميل، وما زاد على ذلك من الإيرادات فهو من البدع، ولهذا لما سئل الإمام مالك- ﵀ – عن استواء الله على العرش كيف استوى؟ قال: " السؤال عنه بدعة " هكذا أيضاً كل أمور الغيب السؤال عنها بدعة وموقف الإنسان منها القبول والتسليم. جواب الشق الثاني بالنسبة لدنو الشمس من الخلائق يوم القيامة فإننا نقول: إن الأجسام تبعث يوم القيامة لا على الصفة التي عليها في الدنيا من النقص وعدم التحمل بل هي تبعث بعثاً كاملاً تاماً، ولهذا يقف الناس يوم القيامة يوماً مقداره خمسون ألف سنة لا يأكلون ولا يشربون، وهذا أمر لا يحتمل في الدنيا، فتدنو الشمس منهم وأجسامهم قد أعطيت من القوة ما يتحمل دنوها، ومن ذلك ما ذكرناه من الوقوف خمسين ألف سنة لا يحتاجون إلى طعام ولا شراب، فالأجسام يوم القيامة لها شأن آخر غير شأنها في هذه الدنيا " [الْمَصْدَرُ] انتهى من مجموع فتاوى بن عثيمين ٢/٣٥.

стр. 311

الدجال يخرج في آخر الزمان فلماذا حذر الأنبياء أقوامهم منه ومتى وأين سيخرج ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لماذا حذر الأنبياء أقوامهم من الدجال مع أنه لا يخرج إلا في آخر الزمان؟ ومتى يخرج الدجال؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: أعظم فتنة على وجه الأرض منذ خلق آدم إلى قيام الساعة هي فتنة الدجال كما قال ذلك النبي، ﷺ ، ولهذا ما من نبي من نوح إلى محمد، صلوات الله عليهم وسلامه، إلا أنذر قومه به تنويهاً بشأنه، وتعظيماً له، وتحذيراً منه، وإلا فإن الله يعلم أنه لن يخرج إلا في آخر الزمان، ولكن أمر الرسل أن ينذروا قومهم إياه من أجل أن تتبين عظمته وفداحته، وقد صح ذلك عن النبي، ﵊، وقال: " إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم – صلوات الله وسلامه عليه يعني أكفيكم إياه - وإلا فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم " مسلم ٥٢٢٨ نِعْمَ الخليفة ربنا – جل وعلا -. فهذا الدجال شأنه عظيم بل هو أعظم فتنة كما جاء في الحديث منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة، فكان حريّاً بأن يُخَصّ من بين فتن المحيا بالتعوذ من فتنته في الصلاة " أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال ". وأما الدجال فهو مأخوذ من الدجل وهو التمويه؛ لأن هذا مموه بل أعظم مموه وأشد الناس دجلاً. ثانياً: خروج المسيح الدجال من علامات الساعة ولكنه غير محدد، لأنه لا يعلم متى تكون الساعة إلا الله فكذلك أشراطها ما نعلم منها إلا ما ظهر، فوقت خروجه غير معلوم لنا لكننا نعلم أنه من أشراط الساعة. ثالثاً: وأما جهة خروجه فإنه يخرج من المشرق من جهة الفتن والشر كما قال النبي، ﷺ : " الفتنة هاهنا " وأشار إلى المشرق (البخاري ٣٢٧٩، ومسلم ٥١٦٧) ، فالمشرق منبع الشر والفتن، يخرج من المشرق من خراسان مارّاً بأصفهان داخلاً الجزيرة من بين الشام والعراق ليس له هم إلا المدينة، لأن فيها البشير النذير، ﵊، فيحب أن يقضي على أهل المدينة، ولكنها محرمة عليه كما ثبت عن النبي ﷺ : " على كل باب منها ملائكة يحفظونها " رواه البخاري ١٨٨٠ ومسلم ٢٤٤٩، هذا الرجل يخرج بين الشام والعراق، ويتبعه من يهود أصفهان سبعون ألفاً لأنهم جنوده (رواه مسلم ٥٢٣٧) ، فاليهود من أخبث عباد الله وهو أضل عباد الله فيتبعونه ويؤوونه وينصرونه، ويكونون مسالح له- أي جنوداً مجندين- هم وغيرهم ممن يتبعهم، قال النبي، ﵊: " يا عباد الله فاثبتوا يا عباد الله فاثبتوا " رواه مسلم ٥٢٢٨، يثبتنا ﵊، لأن الأمر خطير وقال ﵊: "من سمع بالدجال فلينأ عنه فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات " رواه أبو داود ٣٧٦٢ وصححه الألباني في صحيح أبي داود. يأتيه الإنسان ويقول: لن يضلني ولن أتأثر به، ولكن لا يزال يلقي عليه من الشبهات حتى يتبعه والعياذ بالله." نسأل الله أن يحفظنا بحفظه والحمد لله رب العالمين ... [الْمَصْدَرُ] انتهى من مجموع فتاوى ابن عثيمين ﵀.. ٢/١٣.

стр. 312

كيفية سؤال الميت في القبر [السُّؤَالُ] ـ[هل سؤال الميت في قبره حقيقي وأنه يجلس في قبره ويناقش؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " سؤال الميت في قبره حقيقي بلا شك والإنسان في قبره يجلس ويناقش ويسأل. فإن قال قائل: إن القبر ضيق فكيف يجلس؟! فالجواب: أولاً: أن الواجب على المؤمن في الأمور الغيبية أن يقبل ويصدّق، ولا يسأل كيف؟ ولم؟ لأنه لا يسأل عن كيف ولم إلا من شك، وأما من آمن وانشرح صدره لأخبار الله ورسوله، فيسلّم ويقول: الله أعلم بكيفية ذلك. ثانياً: أن تعلق الروح بالبدن في الموت ليس كتعلقها به في حال الحياة، فللروح مع البدن شؤون عظيمة لا يدركها الإنسان، وتعلقها بالبدن بعد الموت لا يمكن أن يقاس بتعلقها به في حال الحياة، وهاهو الإنسان في منامه يرى أنه ذهب، وجاء، وسافر، وكلم أناساً، والتقى بأناس أحياء وأموات، ويرى أن له بستاناً جميلاً، أو داراً موحشة مظلمة، ويرى أنه راكب على سيارة مريحة، ويرى مرة أنه راكب على سيارة مقلقة كل هذا يمكن مع أن الإنسان على فراشه لم يتغير، حتى الغطاء الذي عليه لم يتغير ومع ذلك فإننا نحس بهذا إحساساً ظاهراً، فتعلق الروح بالبدن بعد الموت يخالف تعلقها به في اليقظة أو في المنام ولها شأن آخر لا ندركه نحن، فالإنسان يمكن أن يجلس في قبره ويسأل ولو كان القبر محدوداً ضيقاً. هكذا صح عن النبي ﷺ ، فمنه البلاغ، وعلينا التصديق والإذعان قال الله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) النساء / ٦٥ " [الْمَصْدَرُ] مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/٣٤.

стр. 313

من هم الولدان المخلدون ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل الولدان المخلدون هم أطفال المسلمين الذين ماتوا صغارا؟؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الله تعالى في شأن أهل الجنة: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ) الواقعة /١٧ وقال تعالى: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً) الإنسان/١٩ قال ابن كثير ﵀: أي: يطوف على أهل الجنة للخدمة ولدان من ولدان الجنة، مخلدون: أي: على حالة واحدة، مخلدون عليها لا يتغيرون عنها؛ لا تزيد أعمارهم عن تلك السن. قال ابن عباس ﵄: غلمان لا يموتون. قال ابن القيم ﵀: قال أبو عبيدة والفراء: مخلدون: لا يهرمون ولا يتغيرون؛ قال: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط: إنه لمخلد، وإذا لم تذهب أسنانه من الكبر قيل: هو مخلد. وقوله تعالى في وصفهم، في سورة الإنسان: (إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا) أي: إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة، وكثرتهم وصباحة وجوههم وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، حسبتهم لؤلؤا منثورا، ولا يكون التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن. قال ابن القيم ﵀: وشبههم سبحانه باللؤلؤ المنثور لما فيه من البياض وحسن الخلقة. وفي كونه منثورا فائدتان: إحداهما: الدلالة على أنهم غير معطلين، بل مبثوثون في خدمتهم وحوائجهم. الثانية: أن اللؤلؤ إذا كان منثورا، ولاسيما على بساط من ذهب أو حرير، كان أحسن لمنظره وأبهى، من كونه مجموعا في مكان واحد. وقد اختلف العلماء فيمن يكون هؤلاء الولدان: فروي عن علي بن أبي طالب ﵁، والحسن البصري أن المراد بالولدان هنا ولدان المسلمين الذين يموتون صغارا ولا حسنة لهم ولا سيئة. وروي عن سلمان ﵁ أنه قال: أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة. قال الحسن: لم يكن لهم حسنات يجزون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا في هذا الموضع. قال شيخ الإسلام ﵀: قال شيخ الإسلام ﵀: ولا أصل لهذا القول. " مجموع الفتاوى " (٤/٢٧٩) . وقال ابن القيم ﵀: وقد روى في ذلك حديث لا يثبت. وقيل: إن هؤلاء الولدان أنشأهم الله لأهل الجنة، يطوفون عليهم كما شاء، من غير ولادة. وهذا القول الأخير هو الذي ارتضاه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فقد سئل ﵀: عن الولدان: هل هم ولدان أهل الجنة؟ فأجاب: الولدان الذين يطوفون على أهل الجنة خلق من خلق الجنة ; ليسوا بأبناء أهل الدنيا بل أبناء أهل الدنيا إذا دخلوا الجنة يكمل خلقهم كأهل الجنة؛ على صورة آدم أبناء ثلاث وثلاثين سنة، في طول ستين ذراعا. وقد روي أيضا أن العرض سبعة أذرع. انظر: مجموع الفتاوى: ٤/٣١٢ واستظهر ابن القيم ﵀ هذا القول أيضا. قال: والأشبه أن هؤلاء الولدان مخلوقون من الجنة، كالحور العين، خدما لهم وغلمانا ... ، وهؤلاء غير أولادهم؛ فإن من تمام كرامة الله تعالى لهم أن يجعل أولادهم مخدومين معهم، ولا يجعلهم غلمانا لهم. راجع أيضا: السؤال رقم [٦٤٩٦] . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 314

هل في الجنة مطار وطائرات ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ربما يبدو سؤالي طفوليّاً، إذا كان شخص يحب شيئاً في هذه الدنيا حبّاً عظيماً، فهل يحصل عليه في الجنة؟ كأن يحب الطائرات مثلاً، فهل يحصل عليها في الجنة؟ وهل يمكن أن يحصل على مطار أيضاً؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ليس هذا السؤال طفوليّاً، بل هو شرعي من عاقل يحسن السؤال ويبحث عن الفائدة وعما يزيد شوقه للجنة وعمله للوصول لها، وقد سأل بعض أصحاب النبي ﷺ ما هو من جنس هذا السؤال. فعن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هل في الجنة من خيل؟ قال: إنِ اللهُ أدخلك الجنة فلا تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء يطير بك في الجنة حيث شئت، قال: وسأله رجل فقال يا رسول الله هل في الجنة من إبل؟ قال: فلم يقل له مثل ما قال لصاحبه، قال: إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك. رواه الترمذي (٢٥٤٣) ، والحديث حسَّنه الشيخ الألباني في " صحيح الترغيب " (٣ / ٥٢٢) . أما عن موضوع سؤالك المعين عمن يحب الطيران والطائرات فقد ورد في جنس هذا النعيم أحاديث صحيحة متنوعة. فقد ثبت أن أرواح الشهداء في حواصل طير في الجنة تسرح حيث شاءت رواه مسلم (٢٤١٠) . وثبت أن جعفر بن أبي طالب ﵁ يطير في الجنة بجناحين إكراماً من الله بدل يديه اللتين قطعتا في غزوة مؤتة. فعن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : " رأيتُ جعفراً يطير في الجنة مع الملائكة ". رواه الترمذي (٣٧٦٣) ، وصححه الألباني في " صحيح الجامع " (٣٤٦٥) . وعن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا سلم على ابن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين. رواه البخاري (٣٥٠٦) . والظاهر أن طيران الإنسان بنفسه أبلغ عند أكثر الناس من طيرانه بواسطة، وأن طيرانه بالخيل في الجنة كما في الحديث المذكور في أول السؤال أبلغ من الطيران بالطائرات، وقد جاءت آيات وأحاديث في أن للإنسان في الجنة من النعيم ما تشتهيه نفسه وأبلغ من ذلك. كما في قوله الله تعالى: ﴿يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون﴾ الزخرف / ٧١. قال السعدي في تفسير هذه الآية: " ما تشتهيه الأنفس " هذا اللفظ جامع يأتي على كل نعيم وفرح وقرة عين وسرور قلب ... على أكمل الوجوه وأفضلها. وقوله تعالى: ﴿جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤون كذلك يجزي الله المتقين﴾ النحل / ٣١. وقوله ﷺ : قال الله: " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فاقرءوا إن شئتم ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ . رواه البخاري (٣٠٧٢) ومسلم (٢٨٢٤) . فينبغي أن يقرر الإنسان في نفسه كمال الجنة المطلق وكمال سعادة أهلها. أما الجزم بأن في الجنة طائرات ومطارات ونحو ذلك مما لم يرد إثباته في النصوص فهذا من علم الغيب الذي يحتاج إلى دليل. ونقول كما قال الرسول ﷺ : (إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك) نسأل الله أن يعيننا وإياك للعمل بما يقودنا إلى النعيم المقيم في الجنة. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 315

معنى حديث وضع ذنوب المسلمين على كفار أهل الكتاب [السُّؤَالُ] ـ[نرجو شرح الحديث القدسي الآتي الذي ورد ذكره في كتاب (١١٠ حديث قدسي) ترجمة: سيد مسعود الحسن، راجعه وعلق عليه إبراهيم م قنا نشر دار السلام بالرياض ١٩٩٦م/١٤١٧هـ. الحديث الثامن من ص ١٩ - ٢٠ يقول: روى أبو موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن المسلمين ينقسمون يوم القيامة إلى ٣ أقسام أحده يدخل الجنة بغير حساب والثانية يدخلون الجنة بعد حساب قليل أما الثالثة فيأتون يحملون أوزاراً كثيرة فيسأل الله عنهم الملائكة -وهو أعلم بهم- من هؤلاء؟ فيقولون هؤلاء عبادك المساكين. فيقول خذوا أوزارهم وضعوها على اليهود والنصارى وأبدلوهم حسنات وأدخلوهم الجنة. رواه الحاكم في المستدرك. فما معنى هذا الحديث وما مدى صحته؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الحديث أصله في صحيح مسلم (٢٧٦٧) من حديث أبي موسى ﵁، عن النبي ﵊ قال: " يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى ". هذا من حيث صحته. وأما معناه، فقال النووي في شرحه: (ومعنى هذا الحديث، ما جاء في حديث أبي هريرة: " لكل أحد منزل في الجنة ومنزل في النار "، فالمؤمن إذا دخل الجنة خلَفَه الكافر في النار لاستحقاقه ذلك بكفره. ومعنى " فكاكك من النار ": أنك كنت مُعَرَّضَا لدخول النار، وهذا فكاكك لأن الله تعالى قدّر لها عددا يملؤها، فإذا دخلها الكفار بكفرهم وذنوبهم صاروا في معنى الفكاك للمسلمين. وأما رواية: " يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب ": فمعناه: أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين ويُسقطها عنهم، ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم، فيدخلهم النار بأعمالهم، لا بذنوب المسلمين، ولا بد من هذا التأويل، لقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) . ويحتمل أن يكون المراد: آثاما كان للكفار سبب فيها بأن سنّوها، فتسقط عن المسلمين بعفو الله تعالى، ويوضع على الكفار مثلها لكونهم سنّوها، ومن سنّ سنّة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها. [الْمَصْدَرُ] الشيخ سعد الحميد.

стр. 316

منكر لعذاب القبر بحجة أنه لو كشف القبر لم يلحظ تغير [السُّؤَالُ] ـ[كيف نجيب من ينكر عذاب القبر ويحتج بأنه لو كشف القبر لوجد لم يتغير ولم يضق ولم يتسع؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " يجاب من أنكر عذاب القبر بحجة أنه لو كشف القبر لوجد أنه لم يتغير بعدة أجوبة منها: أولاً: أن عذاب القبر ثابت بالشرع قال الله تعالى في آل فرعون: (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) غافر / ٤٦. وقوله ﷺ : " فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع ثم أقبل بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر" رواه مسلم ٢٨٦٧. وقول النبي ﷺ في المؤمن: " يفسح له في قبره مد بصره " رواه البخاري ١٣٧٤ ومسلم ٢٨٧٠ إلى غير ذلك من النصوص. فلا يجوز معارضة هذه النصوص بوهم من القول بل الواجب التصديق والإذعان. ثانياً: أن عذاب القبر على الروح في الأصل، وليس أمراً محسوساً على البدن فلو كان أمراً محسوساً على البدن لم يكن من الإيمان بالغيب ولم يكن للإيمان به فائدة لكنه من أمور الغيب، وأحوال البرزخ لا تقاس بأحوال الدنيا. ثالثاً: أن العذاب والنعيم وسعة القبر وضيقه، إنما يدركه الميت دون غيره والإنسان قد يرى في المنام وهو نائم على فراشه أنه قائم وذاهب وراجع، وضارب ومضروب، ويرى أنه في مكان ضيق موحش، أو في مكان واسع بهيج، والذي حوله لا يرى ذلك ولا يشعر به. والواجب على الإنسان في مثل هذه الأمور أن يقول: سمعنا وأطعنا، وآمنا وصدقنا. " [الْمَصْدَرُ] مجموع فتاوى ابن عثيمين ﵀ (٢/٢٩) .

стр. 317

الحكمة من إخفاء عذاب القبر عن البشر [السُّؤَالُ] ـ[هل عذاب القبر من أمور الغيب أو من أمور الشهادة؟ وما هي الحكمة من جعله من أمور الغيب؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " عذاب القبر من أمور الغيب، وكم من إنسان في هذه المقابر يعذب ونحن لا نشعر به، وكم جار له منعم مفتوح له باب إلى الجنة ونحن لا نشعر به، فما تحت القبور لا يعلمه إلا علام الغيوب، فشأن عذاب القبر من أمور الغيب، ولولا الوحي الذي جاء به النبي ﵊، ما علمنا عنه شيئاً، ولهذا لما دخلت امرأة يهودية إلى عائشة وأخبرتها أن الميت يعذب في قبره فزعت حتى جاء النبي ﷺ ، وأخبرته وأقر ذلك ﵊، ولكن قد يُطلِعُ الله تعالى عليه من شاء من عباده، مثل ما أطلع نبيه ﷺ على الرجلين اللذين يعذبان، أحدهما يمشي بالنميمة، والآخر لا يستنزه من البول. والحكمة من جعله من أمور الغيب هي: أولاً: أن الله – – أرحم الراحمين فلو كنا نطلع على عذاب القبور لتنكد عيشنا، لأن الإنسان إذا اطّلِع على أن أباه، أو أخاه، أو ابنه، أو زوجه، أو قريبه يعذب في القبر ولا يستطيع فكاكه، فإنه يقلق ولا يستريح. وهذه من نعمة الله سبحانه. ثانياً: أنه فضيحة للميت فلو كان هذا الميت قد ستر الله عليه ولم نعلم عن ذنوبه بينه وبين ربه ثم مات وأطلعنا الله على عذابه، صار في ذلك فضيحة عظيمة له ففي ستره رحمة من الله بالميت. ثالثاً: أنه قد يصعب على الإنسان دفن الميت كما جاء عن النبي ﵊: " لولا ألا تدافنوا لسألت الله أن يسمعكم من عذاب القبر" رواه مسلم ٢٨٦٨. ففيه أن الدفن ربما يصعب ويشق ولا ينقاد الناس لذلك، وإن كان من يستحق عذاب القبر عذب ولو على سطح الأرض، لكن قد يتوهم الناس أن العذاب لا يكون إلا في حال الدفن فلا يدفن بعضهم بعضاً. رابعاً: أنه لو كان ظاهراً لم يكن للإيمان به مزية لأنه يكون مشاهداً لا يمكن إنكاره، ثم إنه قد يحمل الناس على أن يؤمنوا كلهم لقوله تعالى: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده) غافر / ٨٤، فإذا رأى الناس هؤلاء المدفونين وسمعوهم يتصارخون آمنوا وما كفر أحد لأنه أيقن بالعذاب، ورآه رأي العين فكأنه نزل به. وحِكَم الله عظيمة، والإنسان المؤمن حقيقة هو الذي يجزم بخبر الله أكثر مما يجزم بما شاهده بعينه؛ لأن خبر الله لا يتطرق إليه احتمال الوهم ولا الكذب، وما تراه بعينيك يمكن أن تتوهم فيه، فكم من إنسان شهد أنه رأى الهلال، وإذا هي نجمة، وكم من إنسان شهد أنه رأى الهلال وإذا هي شعرة بيضاء على حاجبه وهذا وهم، وكم من إنسان يرى شبحاً ويقول: هذا إنسان مقبل، وإذا هو جذع نخلة، وكم من إنسان يرى الساكن متحركاً والمتحرك ساكناً، لكن خبر الله لا يتطرق إليه الاحتمال أبداً. نسأل الله لنا ولكم الثبات، فخبر الله بهذه الأمور أقوى من المشاهدة، مع ما في الستر من المصالح العظيمة للخلق. والله أعلم." [الْمَصْدَرُ] مجموع فتاوى الشيخ بن عثيمين ﵀ ٢/٣٢.

стр. 318

كيف يحاسب الكافر في الآخرة مع أنه غير مطالب بالتكاليف الشرعية [السُّؤَالُ] ـ[كيف يحاسب الكافر يوم القيامة وهو غير مطالب بالتكاليف الشرعية؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " هذا السؤال مبني على فهم ليس بصحيح فإن الكافر مطالب بما يطالب به المؤمن لكنه غير ملزم به في الدنيا ويدل على أنه مطالب قوله – تعالى: (إلا أصحاب اليمين. في جنات يتساءلون.عن المجرمين. ما سلككم في سقر. قالوا لم نك من المصلين. ولم نك نطعم المسكين. وكنا نخوض مع الخائضين. وكنا نكذب بيوم الدين) المعارج / ٣٩ فلولا أنهم عوقبوا بترك الصلاة، وترك إطعام المساكين ما ذكروه، وذلك دليل على أنهم يعاقبون على فروع الإسلام، وكما أن هذا هو مقتضى الأثر فهو أيضاً مقتضى النظر فإذا كان الله تعالى يعاقب عبده المؤمن على ما أخل به من واجب في دينه فكيف لا يعاقب الكافر؟ بل إني أزيدك أن الكافر يعاقب على كل ما أنعم الله به عليه من طعام وشراب وغيره قال تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين) المائدة / ٩٣، فمنطوق الآية رفع الجناح عن المؤمنين فيما طعموه ومفهومها وقوع الجناح على الكافرين فيما طعموه، وكذلك قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) الأعراف / ٣٢، فإن قوله: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا) دليل على أن غير المؤمن ليس له حق في أن يستمتع بها في الدنيا. أي ليس له حق شرعي، أما الحق بالنظر إلى الأمر الكوني وهو أن الله – خلقها وانتفع بها هذا الكافر فهذا أمر لا يمكن إنكاره، فهذا دليل على أن الكافر يحاسب حتى على ما أكل من المباحات وما لبس، وكما أن هذا مقتضى الأثر فإنه مقتضى النظر، إذ كيف يحق لهذا الكافر العاصي لله الذي لا يؤمن به كيف يحق له عقلاً أن يستمتع بما خلقه الله وما أنعم الله به على عباده، وإذ تبين لك هذا فإن الكافر يحاسب يوم القيامة على عمله، ولكن حساب الكافر يوم القيامة ليس كحساب المؤمن لأن المؤمن يحاسب حساباً يسيراً يخلو به الرب ويقرره بذنوبه حتى يعترف ثم يقول له : " قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم" أما الكافر والعياذ بالله فإن حسابه أن يقرر بذنوبه ويخزى بها على رؤوس الأشهاد: (ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين) هود / ١٨ " [الْمَصْدَرُ] مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/٣٨

стр. 319

هل يوم الحساب واحد [السُّؤَالُ] ـ[هل يوم الحساب يوم واحد؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " يوم الحساب يوم واحد ولكنه يوم مقداره خمسون ألف سنة كما قال الله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع. للكافرين ليس له دافع. من الله ذي المعارج. تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) المعارج / ١-٤ أي إن هذا العذاب يقع للكافرين في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة – ﵁ – أن النبي، ﷺ ، قال: " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار وأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد " وهذا اليوم الطويل هو يوم عسير على الكافرين كما قال تعالى: (وكان يوماً على الكافرين عسيراً) الفرقان / ٢٦ وقال تعالى: (فذلك يومئذ يوم عسير. على الكافرين غير يسير) المدثر / ٩-١٠. ومفهوم هاتين الآيتين أنه على المؤمن يسير وهو كذلك، فهذا اليوم الطويل بما فيه من الأهوال والأشياء العظيمة ييسره الله تعالى على المؤمن، ويكون عسيراً على الكافر. وأسأل الله – تعالى – أن يجعلني وإخواني المسلمين ممن يسره الله عليهم يوم القيامة. والتفكير والتعمق في مثل هذه الأمور الغيبية هو من التنطع الذي قال النبي ﷺ فيه: " هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون ". ووظيفة الإنسان في هذه الأمور الغيبية التسليم وأخذ الأمور على ظاهر معناها دون أن يتعمق أو يحاول القياس بينها وبين الأمور في الدنيا، فإن أمور الآخرة ليست كأمور الدنيا، وإن كانت تشبهها في أصل المعنى وتشاركها في ذلك، لكن بينهما فرق عظيم، وأضرب لك مثلاً بما ذكره الله – – في الجنة من النخل، والرمان، والفاكهة، ولحم الطير، والعسل والماء واللبن، والخمر وما أشبه ذلك مع قوله – : (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) السجدة / ١٧ وقوله في الحديث القدسي: " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر". وهذه الأشياء المذكورة من نعيم الجنة يوجد في الدنيا ما يسمى بهذه الأسماء، ولكن الاشتراك في الاسم لا يعني أن خمر الجنة كخمر الدنيا ـ أو أي فاكهة الجنة كفاكهة الدنيا ... وهكذا. وإن اشتركا في الاسم وفي أصل المعنى، فكل الأمور الغيبية التي تشارك ما يشاهد في الدنيا في أصل المعنى لا تكون مماثلة له في الحقيقة، فينبغي للإنسان أن ينتبه لهذه القاعدة وأن يأخذ أمور الغيب بالتسليم على ما يقتضيه ظاهرها من المعنى وألا يحاول شيئاً وراء ذلك. ولهذا لما سئل الإمام مالك ﵀ – عن قول الله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) طه / ٥ - كيف استوى؟ أطرق –﵀ برأسه حتى علاه الرحضاء – أي العرق – وصار يتصبب عرقاً وذلك لعظم السؤال في نفسه ثم رفع رأسه وقال قولته الشهيرة التي كانت ميزاناً لجميع ما وصف الله به نفسه – ﵀: " الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ". فالسؤال المتعمق في مثل هذه الأمور بدعة لأن الصحابة –﵃ وهم أشد منا حرصاً على العلم وعلى الخير لم يسألوا النبي ﷺ مثل هذه الأسئلة وكفى بهم قدوة، وما قلته الآن بالنسبة لليوم الآخر يجرى بالنسبة لصفات الله – – التي وصف بها نفسه من العلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام وغير ذلك فإن مسميات هذه الألفاظ بالنسبة إلى الله – – لا يماثلها شيء مما يشاركها في هذا الاسم بالنسبة للإنسان، فكل صفة فإنها تابعة لموصوفها فكما أن الله – لا مثيل له في ذاته فلا مثيل له في صفاته. وخلاصة الجواب: أن اليوم الآخر يوم واحد وأنه عسير على الكافرين ويسير على المؤمنين، وأن ما ورد فيه من أنواع الثواب والعقاب أمر لا تدرك حقيقته في هذه الحياة الدنيا وإن كان أصل المعنى معلوماً لنا في هذه الحياة الدنيا ". [الْمَصْدَرُ] مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/٤٠.

стр. 320

القبر ليس هو المثوى الأخير [السُّؤَالُ] ـ[يكثر في الصحف والأخبار قول إذا مات شخص ودفن، يقولون: انتقل إلى مثواه الأخير. فهل القبر هو المثوى الأخير؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "تفسير جزء عم" (ص ١١٧) : القبور ليست آخر المنازل، بل هي مرحلة، سمع أعرابي رجلاً يقرأ قول الله تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) التكاثر/١-٢. فقال الأعرابي: والله ما الزائر بمقيم. فالأعرابي بفطرته عرف أن وراء هذه القبور شيئاً يكون المصير إليه، لأنه كما هو معلوم الزائر يزور ويمشي، وبه نعرف أن ما نقرؤه في الجرائد "فلان توفي ثم نقلوه إلى مثواه الأخير" أن هذه الكلمة غلط كبير، ومدلولها كفر بالله ، وكفر باليوم الآخر، لأنك إذا جعلت القبر هو المثوى الأخير فهذا يعني أنه ليس بعده شيء، والذي يرى أن القبر هو المثوى الأخير وليس بعده مثوى كافر، فالمثوى الأخير إما جنة وإما نار اهـ. [الْمَصْدَرُ] الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "تفسير جزء عم" (ص ١١٧)
следующие страницы →