← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

منكر لعذاب القبر بحجة أنه لو كشف القبر لم يلحظ تغير [السُّؤَالُ] ـ[كيف نجيب من ينكر عذاب القبر ويحتج بأنه لو كشف القبر لوجد لم يتغير ولم يضق ولم يتسع؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " يجاب من أنكر عذاب القبر بحجة أنه لو كشف القبر لوجد أنه لم يتغير بعدة أجوبة منها: أولاً: أن عذاب القبر ثابت بالشرع قال الله تعالى في آل فرعون: (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) غافر / ٤٦. وقوله ﷺ : " فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع ثم أقبل بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر" رواه مسلم ٢٨٦٧. وقول النبي ﷺ في المؤمن: " يفسح له في قبره مد بصره " رواه البخاري ١٣٧٤ ومسلم ٢٨٧٠ إلى غير ذلك من النصوص. فلا يجوز معارضة هذه النصوص بوهم من القول بل الواجب التصديق والإذعان. ثانياً: أن عذاب القبر على الروح في الأصل، وليس أمراً محسوساً على البدن فلو كان أمراً محسوساً على البدن لم يكن من الإيمان بالغيب ولم يكن للإيمان به فائدة لكنه من أمور الغيب، وأحوال البرزخ لا تقاس بأحوال الدنيا. ثالثاً: أن العذاب والنعيم وسعة القبر وضيقه، إنما يدركه الميت دون غيره والإنسان قد يرى في المنام وهو نائم على فراشه أنه قائم وذاهب وراجع، وضارب ومضروب، ويرى أنه في مكان ضيق موحش، أو في مكان واسع بهيج، والذي حوله لا يرى ذلك ولا يشعر به. والواجب على الإنسان في مثل هذه الأمور أن يقول: سمعنا وأطعنا، وآمنا وصدقنا. " [الْمَصْدَرُ] مجموع فتاوى ابن عثيمين ﵀ (٢/٢٩) .

стр. 317

الحكمة من إخفاء عذاب القبر عن البشر [السُّؤَالُ] ـ[هل عذاب القبر من أمور الغيب أو من أمور الشهادة؟ وما هي الحكمة من جعله من أمور الغيب؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " عذاب القبر من أمور الغيب، وكم من إنسان في هذه المقابر يعذب ونحن لا نشعر به، وكم جار له منعم مفتوح له باب إلى الجنة ونحن لا نشعر به، فما تحت القبور لا يعلمه إلا علام الغيوب، فشأن عذاب القبر من أمور الغيب، ولولا الوحي الذي جاء به النبي ﵊، ما علمنا عنه شيئاً، ولهذا لما دخلت امرأة يهودية إلى عائشة وأخبرتها أن الميت يعذب في قبره فزعت حتى جاء النبي ﷺ ، وأخبرته وأقر ذلك ﵊، ولكن قد يُطلِعُ الله تعالى عليه من شاء من عباده، مثل ما أطلع نبيه ﷺ على الرجلين اللذين يعذبان، أحدهما يمشي بالنميمة، والآخر لا يستنزه من البول. والحكمة من جعله من أمور الغيب هي: أولاً: أن الله – – أرحم الراحمين فلو كنا نطلع على عذاب القبور لتنكد عيشنا، لأن الإنسان إذا اطّلِع على أن أباه، أو أخاه، أو ابنه، أو زوجه، أو قريبه يعذب في القبر ولا يستطيع فكاكه، فإنه يقلق ولا يستريح. وهذه من نعمة الله سبحانه. ثانياً: أنه فضيحة للميت فلو كان هذا الميت قد ستر الله عليه ولم نعلم عن ذنوبه بينه وبين ربه ثم مات وأطلعنا الله على عذابه، صار في ذلك فضيحة عظيمة له ففي ستره رحمة من الله بالميت. ثالثاً: أنه قد يصعب على الإنسان دفن الميت كما جاء عن النبي ﵊: " لولا ألا تدافنوا لسألت الله أن يسمعكم من عذاب القبر" رواه مسلم ٢٨٦٨. ففيه أن الدفن ربما يصعب ويشق ولا ينقاد الناس لذلك، وإن كان من يستحق عذاب القبر عذب ولو على سطح الأرض، لكن قد يتوهم الناس أن العذاب لا يكون إلا في حال الدفن فلا يدفن بعضهم بعضاً. رابعاً: أنه لو كان ظاهراً لم يكن للإيمان به مزية لأنه يكون مشاهداً لا يمكن إنكاره، ثم إنه قد يحمل الناس على أن يؤمنوا كلهم لقوله تعالى: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده) غافر / ٨٤، فإذا رأى الناس هؤلاء المدفونين وسمعوهم يتصارخون آمنوا وما كفر أحد لأنه أيقن بالعذاب، ورآه رأي العين فكأنه نزل به. وحِكَم الله عظيمة، والإنسان المؤمن حقيقة هو الذي يجزم بخبر الله أكثر مما يجزم بما شاهده بعينه؛ لأن خبر الله لا يتطرق إليه احتمال الوهم ولا الكذب، وما تراه بعينيك يمكن أن تتوهم فيه، فكم من إنسان شهد أنه رأى الهلال، وإذا هي نجمة، وكم من إنسان شهد أنه رأى الهلال وإذا هي شعرة بيضاء على حاجبه وهذا وهم، وكم من إنسان يرى شبحاً ويقول: هذا إنسان مقبل، وإذا هو جذع نخلة، وكم من إنسان يرى الساكن متحركاً والمتحرك ساكناً، لكن خبر الله لا يتطرق إليه الاحتمال أبداً. نسأل الله لنا ولكم الثبات، فخبر الله بهذه الأمور أقوى من المشاهدة، مع ما في الستر من المصالح العظيمة للخلق. والله أعلم." [الْمَصْدَرُ] مجموع فتاوى الشيخ بن عثيمين ﵀ ٢/٣٢.

стр. 318

كيف يحاسب الكافر في الآخرة مع أنه غير مطالب بالتكاليف الشرعية [السُّؤَالُ] ـ[كيف يحاسب الكافر يوم القيامة وهو غير مطالب بالتكاليف الشرعية؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " هذا السؤال مبني على فهم ليس بصحيح فإن الكافر مطالب بما يطالب به المؤمن لكنه غير ملزم به في الدنيا ويدل على أنه مطالب قوله – تعالى: (إلا أصحاب اليمين. في جنات يتساءلون.عن المجرمين. ما سلككم في سقر. قالوا لم نك من المصلين. ولم نك نطعم المسكين. وكنا نخوض مع الخائضين. وكنا نكذب بيوم الدين) المعارج / ٣٩ فلولا أنهم عوقبوا بترك الصلاة، وترك إطعام المساكين ما ذكروه، وذلك دليل على أنهم يعاقبون على فروع الإسلام، وكما أن هذا هو مقتضى الأثر فهو أيضاً مقتضى النظر فإذا كان الله تعالى يعاقب عبده المؤمن على ما أخل به من واجب في دينه فكيف لا يعاقب الكافر؟ بل إني أزيدك أن الكافر يعاقب على كل ما أنعم الله به عليه من طعام وشراب وغيره قال تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين) المائدة / ٩٣، فمنطوق الآية رفع الجناح عن المؤمنين فيما طعموه ومفهومها وقوع الجناح على الكافرين فيما طعموه، وكذلك قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) الأعراف / ٣٢، فإن قوله: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا) دليل على أن غير المؤمن ليس له حق في أن يستمتع بها في الدنيا. أي ليس له حق شرعي، أما الحق بالنظر إلى الأمر الكوني وهو أن الله – خلقها وانتفع بها هذا الكافر فهذا أمر لا يمكن إنكاره، فهذا دليل على أن الكافر يحاسب حتى على ما أكل من المباحات وما لبس، وكما أن هذا مقتضى الأثر فإنه مقتضى النظر، إذ كيف يحق لهذا الكافر العاصي لله الذي لا يؤمن به كيف يحق له عقلاً أن يستمتع بما خلقه الله وما أنعم الله به على عباده، وإذ تبين لك هذا فإن الكافر يحاسب يوم القيامة على عمله، ولكن حساب الكافر يوم القيامة ليس كحساب المؤمن لأن المؤمن يحاسب حساباً يسيراً يخلو به الرب ويقرره بذنوبه حتى يعترف ثم يقول له : " قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم" أما الكافر والعياذ بالله فإن حسابه أن يقرر بذنوبه ويخزى بها على رؤوس الأشهاد: (ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين) هود / ١٨ " [الْمَصْدَرُ] مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/٣٨

стр. 319

هل يوم الحساب واحد [السُّؤَالُ] ـ[هل يوم الحساب يوم واحد؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " يوم الحساب يوم واحد ولكنه يوم مقداره خمسون ألف سنة كما قال الله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع. للكافرين ليس له دافع. من الله ذي المعارج. تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) المعارج / ١-٤ أي إن هذا العذاب يقع للكافرين في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة – ﵁ – أن النبي، ﷺ ، قال: " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار وأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد " وهذا اليوم الطويل هو يوم عسير على الكافرين كما قال تعالى: (وكان يوماً على الكافرين عسيراً) الفرقان / ٢٦ وقال تعالى: (فذلك يومئذ يوم عسير. على الكافرين غير يسير) المدثر / ٩-١٠. ومفهوم هاتين الآيتين أنه على المؤمن يسير وهو كذلك، فهذا اليوم الطويل بما فيه من الأهوال والأشياء العظيمة ييسره الله تعالى على المؤمن، ويكون عسيراً على الكافر. وأسأل الله – تعالى – أن يجعلني وإخواني المسلمين ممن يسره الله عليهم يوم القيامة. والتفكير والتعمق في مثل هذه الأمور الغيبية هو من التنطع الذي قال النبي ﷺ فيه: " هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون ". ووظيفة الإنسان في هذه الأمور الغيبية التسليم وأخذ الأمور على ظاهر معناها دون أن يتعمق أو يحاول القياس بينها وبين الأمور في الدنيا، فإن أمور الآخرة ليست كأمور الدنيا، وإن كانت تشبهها في أصل المعنى وتشاركها في ذلك، لكن بينهما فرق عظيم، وأضرب لك مثلاً بما ذكره الله – – في الجنة من النخل، والرمان، والفاكهة، ولحم الطير، والعسل والماء واللبن، والخمر وما أشبه ذلك مع قوله – : (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) السجدة / ١٧ وقوله في الحديث القدسي: " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر". وهذه الأشياء المذكورة من نعيم الجنة يوجد في الدنيا ما يسمى بهذه الأسماء، ولكن الاشتراك في الاسم لا يعني أن خمر الجنة كخمر الدنيا ـ أو أي فاكهة الجنة كفاكهة الدنيا ... وهكذا. وإن اشتركا في الاسم وفي أصل المعنى، فكل الأمور الغيبية التي تشارك ما يشاهد في الدنيا في أصل المعنى لا تكون مماثلة له في الحقيقة، فينبغي للإنسان أن ينتبه لهذه القاعدة وأن يأخذ أمور الغيب بالتسليم على ما يقتضيه ظاهرها من المعنى وألا يحاول شيئاً وراء ذلك. ولهذا لما سئل الإمام مالك ﵀ – عن قول الله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) طه / ٥ - كيف استوى؟ أطرق –﵀ برأسه حتى علاه الرحضاء – أي العرق – وصار يتصبب عرقاً وذلك لعظم السؤال في نفسه ثم رفع رأسه وقال قولته الشهيرة التي كانت ميزاناً لجميع ما وصف الله به نفسه – ﵀: " الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ". فالسؤال المتعمق في مثل هذه الأمور بدعة لأن الصحابة –﵃ وهم أشد منا حرصاً على العلم وعلى الخير لم يسألوا النبي ﷺ مثل هذه الأسئلة وكفى بهم قدوة، وما قلته الآن بالنسبة لليوم الآخر يجرى بالنسبة لصفات الله – – التي وصف بها نفسه من العلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام وغير ذلك فإن مسميات هذه الألفاظ بالنسبة إلى الله – – لا يماثلها شيء مما يشاركها في هذا الاسم بالنسبة للإنسان، فكل صفة فإنها تابعة لموصوفها فكما أن الله – لا مثيل له في ذاته فلا مثيل له في صفاته. وخلاصة الجواب: أن اليوم الآخر يوم واحد وأنه عسير على الكافرين ويسير على المؤمنين، وأن ما ورد فيه من أنواع الثواب والعقاب أمر لا تدرك حقيقته في هذه الحياة الدنيا وإن كان أصل المعنى معلوماً لنا في هذه الحياة الدنيا ". [الْمَصْدَرُ] مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/٤٠.

стр. 320

القبر ليس هو المثوى الأخير [السُّؤَالُ] ـ[يكثر في الصحف والأخبار قول إذا مات شخص ودفن، يقولون: انتقل إلى مثواه الأخير. فهل القبر هو المثوى الأخير؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "تفسير جزء عم" (ص ١١٧) : القبور ليست آخر المنازل، بل هي مرحلة، سمع أعرابي رجلاً يقرأ قول الله تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) التكاثر/١-٢. فقال الأعرابي: والله ما الزائر بمقيم. فالأعرابي بفطرته عرف أن وراء هذه القبور شيئاً يكون المصير إليه، لأنه كما هو معلوم الزائر يزور ويمشي، وبه نعرف أن ما نقرؤه في الجرائد "فلان توفي ثم نقلوه إلى مثواه الأخير" أن هذه الكلمة غلط كبير، ومدلولها كفر بالله ، وكفر باليوم الآخر، لأنك إذا جعلت القبر هو المثوى الأخير فهذا يعني أنه ليس بعده شيء، والذي يرى أن القبر هو المثوى الأخير وليس بعده مثوى كافر، فالمثوى الأخير إما جنة وإما نار اهـ. [الْمَصْدَرُ] الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "تفسير جزء عم" (ص ١١٧)

стр. 321

بطلان ما ورد في تحديد عمر الدنيا [السُّؤَالُ] ـ[سمعت أن بعض العلماء ذكروا أن القيامة ستقوم قبل سنة ١٥٠٠ هـ، واستدلوا على ذلك بأحاديث عن النبي ﷺ . فهل هذا الكلام صحيح؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الكلام الذي أشار إليه السائل قال به السيوطي ﵀، فإنه ذكر في كتابه "الحاوي" (٢/٢٤٩–٢٥٦) أن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وأن النبي ﷺ بعث في أواخر الألف السادسة. وآخر الألف السادسة أي: في النصف الثاني منها. وعلى هذا، يكون عمر هذه الأمة أكثر من ألف سنة وأقل من ألف وخمسمائة. قال ﵀: " لا يمكن أن تكون المدة ألفاً وخمسمائة أصلاً " اهـ. يعني: أن المدة لا بد أن تكون أقل من ألف وخمسمائة سنة. ثم ذكر الأحاديث والآثار التي استدل بها على ذلك، وبعضها من الإسرائيليات التي لا يجوز الاحتجاج بها، والبعض الآخر ضعيف، بل حكم عليه أهل العلم بأنه كذب وموضوع. ومما يدل على بطلان هذا الكلام: ١- لو كان هذا الكلام صحيحاً لكان كل أحد يعلم متى تقوم الساعة. وهذا خلاف ما دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية دلالة قطعية أن وقت الساعة لا يعلمه إلا الله. قال الله تعالى: (يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً) . الأحزاب /٦٣. قال ابن كثير (٣/٥٢٧) : يقول تعالى مخبراً لرسوله صلوات الله وسلامه عليه أنه لا علم له بالساعة وإن سأله الناس عن ذلك، وأرشده أن يردّ علمها إلى الله اهـ. وقال الشنقيطي (٦/٦٠٤) : ومعلوم أن (إنما) صيغة حصر، فمعنى الآية: أن الساعة لا يعلمها إلا الله وحده اهـ. وقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسهَا (٤٢) فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبّكَ مُنتَهَهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَهَا) النازعات /٤٢-٤٥. قال ابن كثير (٤/٧٣٦) : أي: ليس علمها إليك، ولا إلى أحد من الخلق، بل مردّها ومرجعها إلى الله ، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين اهـ. وقال السعدي: " ولهذا لما كان علم العباد للساعة ليس لهم فيه مصلحة دينية ولا دنيوية بل المصلحة في إخفائه عليهم طوى علم ذلك عن جميع الخلق واستأثر بعلمه فقال: (إِلَى رَبّكَ مُنتهاهَا) " اهـ. ومن الأحاديث التي تدل على أن وقت الساعة لا يعلمه إلا الله: حديث جبريل المشهور وفيه أن النبي ﷺ قال لجبريل لما سأله عن الساعة: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) . رواه مسلم (٨) . ٢- هذه الآثار التي استدل بها السيوطي ﵀ قد ضعفها أهل العلم بل حكموا عليها بأنها كذب. قال ابن القيم في "المنار المنيف" (١/٨٠) وهو يذكر الطرق التي يعرف بها أن الحديث موضوع، قال: "ومنها: مخالفة الحديث لصريح القرآن، كحديث مقدار الدنيا وأنها سبعة آلاف سنة ونحن الآن في الألف السابعة. وهذا من أبين الكذب، لأنه لو كان صحيحا لكان كل أحد علم أنه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا مئتان وإحدى وخمسون سنة، والله تعالى يقول: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله) الأعراف /١٨٧" اهـ. وقال ابن كثير في "النهاية في الفتن والملاحم" (١/٢٥) : لم يثبت في حديث عن النبي ﷺ أنه حدد وقت الساعة بمدة محصورة، وإنما ذكر شيئاً من أشراطها وأماراتها وعلاماتها اهـ. وقال أيضاً (٢/٢٨) : والذي في كتب الإسرائيليين وأهل الكتاب من تحديد ما سلف بألوف ومائتين من السنين قد نص غير واحد من العلماء على تخطئتهم فيه وتغليطهم، وهم جديرون بذلك حقيقيون به، وقد ورد في حديث: "الدنيا جمعة من جمع الآخرة" ولا يصح إسناده أيضاً، وكذا كل حديث ورد فيه تحديد لوقت يوم القيامة على التعيين لا يثبت إسناده اهـ. وقال السخاوي في " المقاصد الحسنة" (ص: ٤٤٤) : كل ما ورد مما فيه تحديدٌ لوقت يوم القيامة على التعيين، فإما أن يكون لا أصل له، أو لا يثبت إسناده اهـ. ٣- ما ذكره السيوطي نفسه يدل على بطلان هذا القول. فإنه ذكر أن المهدي يظهر بعد الألف بمائتي سنة، وقد انقضت ألف وأربعمائة سنة ولم يظهر المهدي. وذكر أن الناس يمكثون بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة ثم تقوم الساعة. وهذا معناه أن الشمس قد طلعت من مغربها منذ أكثر من عشرين سنة!! وذكر أن الدجال يظهر على رأس مائة سنة، وينزل المسيح عيسى ابن مريم فيقتله، ويبقى بعده أربعين سنة، وها نحن في المائة الأخيرة –على قوله- وقد انقضى رأسها ولم يخرج الدجال ولم ينزل المسيح عيسى ابن مريم ﵇. وذكر أن مجموع الآيات الكبرى كالدجال ونزول المسيح وطلوع الشمس من مغربها ستكون بداية وقوعها قبل الساعة بأكثر من مائتي سنة!!! فكل هذا يدل على بطلان هذا التحديد، وأن الواجب رد علم الساعة إلى الله كما أمر الله بذلك في قوله: (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً) الأحزاب /٦٣. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 322

النبي ﷺ لم يكن يعلم متى تقوم الساعة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل كان النبي ﷺ يعلم متى تقوم الساعة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله علم الساعة من الغيب الذي اختصّ الله تعالى به واستأثر بعلمه، فلم يطلع عليه أحداً من خلقه بما فيهم الأنبياء والمرسلون والملائكة المقربون. حتى أفضل الرسل وهو نبينا محمد ﷺ لم يكن يعلم متى تقوم الساعة. وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة موضّحة أن علم الساعة غيب لا يعلمه أحد من المخلوقين. فمن أدلة القرآن الكريم على ذلك ما يلي: ١- قال تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) الأعراف /١٨٧. ٢- وقال الله تعالى: (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً) الأحزاب /٦٣. فكان الناس يسألون الرسول ﷺ عن وقت قيام الساعة، فأمره الله تعالى أن يفوض علمها إليه (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) . قال ابن كثير (٣/٥٢٧) : يقول تعالى مخبراً لرسوله صلوات الله وسلامه عليه أنه لا علم له بالساعة وإن سأله الناس عن ذلك، وأرشده أن يردّ علمها إلى الله اهـ. وقال الشنقيطي (٦/٦٠٤) : ومعلوم أن (إنما) صيغة حصر، فمعنى الآية: أن الساعة لا يعلمها إلا الله وحده اهـ. ٣- وقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبّكَ مُنتَهاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشاهَا) النازعات / ٤٢-٤٥. قال السعدي: "ولهذا لما كان علم العباد للساعة ليس لهم فيه مصلحة دينية ولا دنيوية بل المصلحة في إخفائه عليهم طوى علم ذلك عن جميع الخلق واستأثر بعلمه فقال: (إِلى رَبّكَ مُنتَهاهَا) اهـ. ٤- وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ) لقمان /٣٤. عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (مفاتح الغيب خمس: (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ) . رواه البخاري (٤٦٢٧) . وعن ابن عباس ﵄ قال: هذه الخمسة لا يعلمها إلا الله تعالى، ولا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل، فمن ادّعى أنه يعلم شيئاً من هذه فقد كفر بالقرآن لأنه خالفه. تفسير القرطبي (١٤/٨٢) . وقال ابن كثير (٣/٤٦٢) : هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها، فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب اهـ. ومن الأحاديث التي تدل على أن وقت الساعة لا يعلمه إلا الله: ١- حديث جبريل المشهور وفيه قول النبي ﷺ لجبريل لما سأله متى الساعة؟ قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) . رواه مسلم (٨) . ٢- وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر: (تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة) رواه مسلم (٢٥٣٨) . ومعنى الحديث: أن كل نفس مخلوقة كانت على ظهر الأرض عندما قال النبي ﷺ هذا الحديث لا تعيش أكثر من مائة سنة. وليس معنى الحديث أن القيامة تقوم قبل مائة سنة. روى مسلم (٢٥٣٧) عن اِبْن عُمَر قال: يُرِيد بِذَلِكَ أَنْ يَنْخَرِم ذَلِكَ الْقَرْن. أَيْ يَنْقَطِع وَيَنْقَضِي. فهذا الحديث ينفي احتمال أن يكون علمها النبي ﷺ بعد سؤال جبريل عنها. لأنه قبل أن يموت بشهر. فمن زعم بعد ذلك أن النبي ﷺ يعلم متى تقوم الساعة فهو جاهل، لأن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية السابقة ترد عليه. قال ابن القيم في "المنار المنيف": " وقد جاهر بالكذب بعض من يدعي في زماننا العلم فزعم أن رسول الله ﷺ كان يعلم متى تقوم الساعة، قيل له: فقد قال في حديث جبريل: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) ، فحرفه عن موضعه وقال: معناه: أنا وأنت نعلمها، وهذا من أعظم الجهل وأقبح التحريف، والنبي ﷺ أعلم بالله من أن يقول لمن كان يظنّه أعرابياً: أنا وأنت نعلم الساعة، إلا أن يقول هذا الجاهل: إنه كان يعرف أنه جبريل، ورسول الله ﷺ هو الصادق في قوله: (والذي نفسي بيده، ما جاءني في صورة إلا عرفته غير هذه الصورة) رواه أحمد (٣٧٤) وقال أحمد شاكر: "إسناده صحيح". . . وإنما علم النبي ﷺ أنه جبريل بعد مدة كما قال عمر فلبثت ملياً ثم قال النبي ﷺ : (يا عمر، أتدري من السائل؟) رواه مسلم (٨) . والمحرِّف يقول: علم وقت السؤال أنه جبريل ولم يخبر الصحابة بذلك إلا بعد مدة. ثم قوله: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) يعمّ كلّ سائل ومسؤول، فكلّ سائل ومسؤول عن الساعة شأنهما كذلك" اهـ بتصرف واختصار. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 323

وزن الأعمال وتوزيع الصحائف يوم القيامة [السُّؤَالُ] ـ[كيف يتم توزيع صحائف الأعمال يوم القيامة على العباد؟ وكيف توزن أعمالهم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله توزيع صحائف الأعمال: إذا تمت محاسبة العباد على أعمالهم، أُعطى كل عبد كتابه المشتمل على أعماله كلها فأما المؤمن فيعطاه بيمينه تكرمة له، وهو الناجي المسرور يوم القيامة قال الله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا) القيامة /٧-٩. وقال: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيه (١٩) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيه (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) الحاقة /١٩-٢٤. أما الكافر والمنافق وأهل الضلال فيعطون كتبهم بشمالهم من وراء ظهورهم قال الله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا) القيامة/١٠-١٢. وقال: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) الحاقة /٢٥-٣٢. فإذا أعطي العباد كتبهم قيل لهم: (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الجاثية /٢٩. (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) الإسراء /١٤. وأما الميزان: فيوضع الميزان لوزن أعمال العباد قال القرطبي: (فإذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال، لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقدير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها) اهـ. وقد دلت النصوص الشرعية على أن الميزان ميزان حقيقي له كِفَّتان، توزن به أعمال العباد. وهو ميزان عظيم لا يقدر قدره إلا الله تعالى، وقد اختلف أهل العلم هل هو ميزان واحد تورزن به أعمال العباد أم أن الموازين متعددة ولكل شخص ميزانه الخاص، فمن قال بالتعدد استدلوا بأن الميزان قد ورد في بعض الآيات بصيغة الجمع، مثل قوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) الأنبياء /٤٧. ومن قال بأنه واحد استدلوا بمثل قول النبي ﷺ : (يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السموات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة: يا رب لمن يزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي ... ) السلسلة الصحيحة (٩٤١) . وحملوا الآية التي ورد فيها الميزان بصيغة الجمع على تعدد الموزونات من الأعمال والأقوال والصحف والأشخاص. فقالوا: إنه جُمِع الأشياء التي توزن فيه. ومما يدل على وزن الأقوال عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ) رواه البخاري ٦٤٠٦. ويدل على وزن الأعمال ما صح عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (مَا مِنْ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلاةِ) صحيح سنن الترمذي ١٦٢٩. ومما يدل على وزن صحائف الأعمال حديث البطاقة عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَقُولُ أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ فَيَقُولُ لَا يَا رَبِّ فَيَقُولُ أَفَلَكَ عُذْرٌ فَيَقُولُ لا يَا رَبِّ فَيَقُولُ بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً فَإِنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولُ احْضُرْ وَزْنَكَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلاتِ فَقَالَ إِنَّكَ لا تُظْلَمُ قَالَ فَتُوضَعُ السِّجِلاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ فَطَاشَتِ السِّجِلاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ فَلا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ) صحيح سنن الترمذي ٢١٢٧. ومما يدل على وزن الأشخاص عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ وَقَالَ اقْرَءُوا (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) رواه البخاري ٤٧٢٩ وكذلك يدل عليه ما ثبت من أن ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنَ الأَرَاكِ وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مِمَّ تَضْحَكُونَ) قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ فَقَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ) حسن إسناده الألباني في شرح الطحاوية برقم ٥٧١ ص ٤١٨. نسأل الله تعالى أن يثقل موازيننا. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 324

لا يمكن الحكم بالإسلام لمن لم يشهد بالشهادتين [السُّؤَالُ] ـ[إذا كان الإنسان كافراً منذ أن وُلد، ولكنه مخلص ولم يقترف معاصٍ كبيرة ويعتقد بأن كل شخص على حقّ، ولم يخبره أحدٌ عن الإسلام، وتوفي في هذه الحالة، أين يذهب مثل هذا يوم القيامة؟ جزاك الله خيراً..]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الشخص الموصوف حاله في السؤال لا يمكن الحكم له بالإسلام حتى ولو كان حسن الأخلاق لأنّه لم يشهد بالشهادتين ولم يؤمن بالله ربا وبمحمد نبيا وبالإسلام دينا، واعتقاد أنّ كلّ الأديان على وجه الأرض صحيحة وانّ أتباعها جميعا على حقّ هو أمر من أبطل الباطل ومن أعظم الكفر قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) سورة الزمر ٩ وقال سبحانه: (وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (٥٨) سورة غافر وقال: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ) الرعد ١٦ وقال : (قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) المائدة ١٠٠ وقال سبحانه: (وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) سورة فاطر أما عن مصير هذا الشخص موضع السؤال، وهل هو معذور بجهله أم لا؟ وما حاله يوم القيامة؟ فإننا نؤمن أنّ أمره إلى الله وقد تقدّمت إجابة عن سؤال مشابه برقم (٢٤٤٣) يُرجى الرجوع إليها. والله تعالى أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 325

لقاء الله يوم القيامة [السُّؤَالُ] ـ[أين الله؟ أنستطيع أن نقابل الله يوم الحساب؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لقد دلّت الأدلّة الشرعية من الكتاب العظيم والسنّة النبوية على أنّ الله فوق سماواته مستوٍ على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته كما قال سبحانه: (الرحمن على العرش استوى) ، ولمزيد من التفصيل يراجع سؤال ٩٩٢. أما عن ملاقاة الله تعالى ورؤيته فإنّ لقاء الله يكون بعد الموت ويكون يوم القيامة ورؤيته سبحانه لا تكون إلا يوم القيامة، فأمّا لقاء الله الذي بعد الموت فقد ورد في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى: بَاب مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءه عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءهُ قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ قَالَ لَيْسَ ذَاكِ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءهُ وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءهُ. " صحيح البخاري ٦٠٢٦ قوله (فليس شيء أحب إليه مما أمامه) أي ما يستقبله بعد الموت وقد أخرج مسلم والنسائي من طريق شريح بن هانئ قال " فأتيت عائشة فقلت سمعت حديثا إن كان كذلك فقد هلكنا " فذكره قال " وليس منا أحد إلا وهو يكره الموت فقالت: ليس بالذي تذهب إليه ولكن إذا شخص البصر - أي فتح المحتضر عينيه إلى فوق فلم يطرف - وحشرج الصدر أي ترددت الروح في الصدر - واقشعر الجلد وتشنجت " أي انقبضت وهذه الأمور هي حالة المحتضر قال الخطابي: اللقاء يقع على أوجه: منها المعاينة ومنها البعث كقوله تعالى (الذين كذبوا بلقاء الله) ومنها الموت كقوله (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت) وقوله (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم) . ولقاء الله (المذكور في الحديث السابق) غير الموت بدليل قوله في الرواية الأخرى " والموت دون لقاء الله " لكن لما كان الموت وسيلة إلى لقاء الله عبر عنه بلقاء الله وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام: ليس (أي المقصود بالحديث) كراهة الموت وشدته لأن هذا لا يكاد يخلو عنه أحد ولكن المذموم من ذلك إيثار الدنيا والركون إليها وكراهية أن يصير إلى الله والدار الآخرة. قال: ومما يبين ذلك أن الله تعالى عاب قوما بحب الحياة فقال (إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها) وقال النووي: معنى الحديث أن المحبة والكراهة التي تعتبر شرعا هي التي تقع عند النزع في الحالة التي لا تقبل فيها التوبة حيث يكشف الحال للمحتضر ويظهر له ما هو صائر إليه. وفي الحديث أن في كراهة الموت في حال الصحة تفصيلا فمن كرهه إيثارا للحياة على ما بعد الموت من نعيم الآخرة كان مذموما ومن كرهه خشية أن يفضي إلى المؤاخذة كأن يكون مقصرا في العمل لم يستعد له بالأهبة بأن يتخلص من التبعات ويقوم بأمر الله كما يجب فهو معذور لكن ينبغي لمن وجد ذلك أن يبادر إلى أخذ الأهبة حتى إذا حضره الموت لا يكرهه بل يحبه لما يرجو بعده من لقاء الله تعالى. وفي الحديث المتقدّم أن الله تعالى لا يراه في الدنيا أحد من الأحياء وإنما يقع ذلك للمؤمنين بعد الموت أخذا من قوله " والموت دون لقاء الله " وقد ورد بأصرح من هذا في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة مرفوعا في حديث طويل وفيه " واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا ". وأمّا ملاقاة الله ورؤيته يوم القيامة فهي ثابتة في أدلّة كثيرة منها قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة) . وفي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ هَلْ تُمَارُونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ قَالُوا لا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ قَالُوا لا قَالَ فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ. رواه البخاري ٧٦٤ نسأل الله تعالى أن يلقانا وهو راض عنّا وصلى الله على نبينا محمد [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 326

حساب المؤمن أقصر من حساب الكافر بكثير [السُّؤَالُ] ـ[هل تختلف مدّة حساب المؤمن عن مدّة حساب الكافر يوم القيامة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله بلا شكّ فإن الله تعالى قال عن يوم القيامة: (الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا) ﴿الفرقان: ٢٦﴾ فتخصيصه عسر ذلك اليوم بالكافرين يدل على أن المؤمنين ليسوا كذلك. وقوله تعالى: (فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير) ﴿المدثر: ٩ , ١٠﴾ يدل بمفهومه أيضا على أنه يسير على المؤمنين غير عسير كما دل عليه قوله تعالى: (مهطعين إلى الداع يقول الكافرين هذا يوم عسر) ﴿القمر: ٨﴾ .ا. هـ. وهذا يعني أن يوم القيامة يطول على الكفار ويقصر على المؤمنين. وقد ذكر الله في كتابه ما يُشير إلى مدّة ما يستغرقه الحساب من يوم القيامة وذلك في قوله : (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا) ﴿الفرقان: ٢٤﴾ : فهذه الآية الكريمة تدل على انقضاء الحساب في نصف نهار لأن المقيل القيلولة أو مكانها، وهي الاستراحة نصف النهار في الحر. وممن قال بانقضاء الحساب في نصف نهار: ابن عباس وابن مسعود وعكرمة وابن جبير، لدلالة هذه الآية على ذلك، كما نقله ابن كثير وغيره. دفع إيهام الاضطراب للشنقيطي (ص١٧٢) وممّا يدلّ دلالة صريحة على تخفيف حساب المؤمن يوم القيامة حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " يوم القيامة على المؤمنين كقدر ما بين الظهر والعصر " رواه الحاكم في المستدرك وصححه الألباني في صحيح الجامع ٨١٩٣، والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 327

هل ينجو أحد من ضمة القبر ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أثناء اطلاعي على مواضيع دينية وجدت هذه الجملة: (للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ) ، وفي رواية: (هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهد له سبعون ألفا من الملائكة، لقد ضم ضمة ثم فرج عنه) فهل هذا يعني أن سعد بن معاذ هو الوحيد من بين البشر الذي نجا من ضغطة القبر , أي هل ضغطة القبر واجبة على كل مسلم حتى لو عمل بأسباب تنجي من عذاب القبر ?]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: ضمَّةُ القبرِ أوَّلُ ما يلاقيه الميتُ في عالم البرزخ، وقد جاءت بإثباتها نصوص صريحة صحيحة عن النبي ﷺ ، منها: ١- عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا نَجَا مِنْهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ) رواه أحمد (٦/٥٥،٩٨) ، قال العراقي في " تخريج الإحياء " (٥/٢٥٩) : إسناده جيد. وقال الذهبي في " السير " (١/٢٩١) : إسناده قوي. وقال الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١٦٩٥) : " وجملة القول أن الحديث بمجموع طرقه وشواهده صحيح بلا ريب " انتهى. وصححه محققو مسند أحمد في طبعة مؤسسة الرسالة (٤٠/٣٢٧) . ٢- عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال عن سعد بن معاذ ﵁ حين توفي: (هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ) رواه النسائي في " السنن " (٢٠٥٥) (٤/١٠٠) وسكت عنه، وبوب عليه بقوله: " ضمة القبر وضغطته "، وصححه الألباني في " صحيح النسائي ". ٣- عن أبي أيوب ﵁: أن صبيًا دُفنَ، فقالَ ﷺ : (لَوْ أَفْلَتَ أَحَدٌ مِنْ ضَمَّةِ القَبْرِ لَأَفْلَتَ هَذَا الصَبِيُّ) . رواه الطبراني " المعجم الكبير " (٤/١٢١) وصحح الحافظ ابن حجر نحوه في " المطالب العالية " (١٣/٤٤) ، وصححه الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٣/٤٧) ، والألباني في " السلسلة الصحيحة " (رقم/٢١٦٤) . وذكر القرطبي في " التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة " (ص/٣٢٣) تحت باب: " ما جاء في ضغطة القبر على صاحبه وإن كان صالحا " نصوصا أخرى في الموضوع، ولكن يغلب عليها الضعف والنكارة. كما أورد ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/٢٣١) كثيرا منها تحت باب ضمة القبر، وفيما ذكرناه من الصحيح كفاية، إن شاء الله. ثانيا: اختلف أهل العلم في المؤمن، هل تصيبه ضمة القبر، وكيف يكون حاله فيها، على قولين: القول الأول: تصيب ضمة القبر كل مؤمن وتشتد عليه، غير أن المؤمن الصالح سرعان ما يفرج عنه ويفسح له في قبره، فلا يطول العذاب عليه، أما الفاسق فتشتد عليه الضمة ويطول عليه ضيق لحده بحسب ذنبه ومعصيته. قال أبو القاسم السعدي ﵀: " لا ينجو من ضغطة القبر صالح ولا طالح غير أن الفرق بين المسلم والكافر فيها دوام الضغط للكافر وحصول هذه الحالة للمؤمن في أول نزوله إلى قبره ثم يعود إلى الانفساح له " انتهى. وقال الحكيم الترمذي ﵀: " سبب هذا الضغط أنه ما من أحد إلا وقد ألم بذنب ما فتدركه هذه الضغطة جزاء لها ثم تدركه الرحمة " انتهى. نقلا عن حاشية السيوطي على " سنن النسائي " (٣/٢٩٢) ، ونقله الرملي في " فتاواه " (٤/٢١٠) القول الثاني: تصيب ضمة القبر المؤمنين الصالحين ولكنها ضمة رفق وحنان، ليس فيها أذى ولا ألم، أما المسلمون العاصون فتشتد عليهم سخطا بحسب كثرة ذنوبهم وسوء أعمالهم. عن محمد التيمي ﵀ قال: (كان يقال: إن ضمة القبر إنما أصلها أنها أُمُّهُم، ومنها خُلقوا، فغابوا عنها الغيبة الطويلة، فلما رد إليها أولادها ضمتهم ضم الوالدة الشفيقة التي غاب عنها ولدها ثم قدم عليها، فمن كان لله مطيعاً ضمته برفق ورأفة، ومن كان لله عاصياً ضمته بعنف سخطاً منها عليه) . ذكره السيوطي في حاشيته على " سنن النسائي " (٣/٢٩٢) من رواية ابن أبي الدنيا، وذكره في " بشرى الكئيب بلقاء الحبيب " (ص/٥) تحت باب: " ذكر تخفيف ضمة القبر على المؤمن ". وقد روي في هذا المعنى حديث مرفوع عن عائشة ﵂ قالت: (يا رسول الله! إنك منذ يوم حدثتني بصوت منكر ونكير وضغطة القبر ليس ينفعني شيء. قال: يا عائشة! إن أصوات منكر ونكير في أسماع المؤمنين كالإثمد في العين، وإن ضغطة القبر على المؤمن كالأم الشفيقة يشكو إليها ابنها الصداع فتغمز رأسه غمزا رفيقا، ولكن يا عائشة ويل للشاكين في الله كيف يُضغطون في قبورهم كضغطة البيضة على الصخرة) رواه البيهقي في " إثبات عذاب القبر " (ص/٨٥، رقم/١١٦) ، والديلمي في " مسند الفردوس " (رقم/٣٧٧٦) ، وفي سنده الحسن بن أبي جعفر وعلي بن زيد بن جدعان ضعيفان. فهو حديث ضعيف. وقد عزاه بعضهم لابن منده وابن النجار ولم أقف عليه. قال الحافظ الذهبي ﵀: " هذه الضمة ليست من عذاب القبر في شيء، بل هو أمر يجده المؤمن كما يجد ألم فقد ولده وحميمه في الدنيا، وكما يجد من ألم مرضه، وألم خروج نفسه، وألم سؤاله في قبره وامتحانه، وألم تأثره ببكاء أهله عليه، وألم قيامه من قبره، وألم الموقف وهوله، وألم الورود على النار، ونحو ذلك. فهذه الأراجيف كلها قد تنال العبد، وما هي من عذاب القبر، ولا من عذاب جهنم قط، ولكن العبد التقي يرفق الله به في بعض ذلك أو كله، ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه. قال الله تعالى: (وأنذرهم يوم الحسرة) ، وقال: (وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر) فنسأل الله تعالى العفو واللطف الخفي. ومع هذه الهزات، فَسَعْدٌ – يعني ابن معاذ - ممن نعلم أنه من أهل الجنة، وأنه من أرفع الشهداء ﵁. كأنك يا هذا تظن أن الفائز لا يناله هول في الدارين، ولا روع ولا ألم ولا خوف؟! سل ربك العافية، وأن يحشرنا في زمرة سعد " انتهى. " سير أعلام النبلاء " (١/٢٩٠-٢٩٢) وقال الشيخ النفراوي المالكي: " وأما ضمَّةُ القبر فلا بد منها، وإن كانت تختلف باختلاف الدرجات " انتهى. " الفواكه الدواني " (٢/٦٨٨) وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " هذا الحديث – يعني حديث (لقد ضم القبر سعدا ضمة..) - مشهور عند العلماء، وعلى تقدير صحته: فإن ضمة الأرض للمؤن ضمة رحمة وشفقة، كالأم تضم ولدها إلى صدرها، أما ضمتها للكافر فهي ضمة عذاب والعياذ بالله، فإن النبي ﷺ أخبر أن الإنسان إذا دفن أتاه ملكان يسألانه عن ثلاثة أصول: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فالمؤمن يقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، أسأل الله أن يجعل جوابي وجوابكم هذا، أما المنافق أو المرتد - أعاذنا الله وإياكم من هذا – فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون قولاً فقلته، فيضيق عليه القبر حتى تختلف أضلاعه والعياذ بالله، يدخل بعضه في بعض من شدة الضم، ففرق بين ضم الأرض للكافر أو المرتد وضمها للمؤمن." انتهى باختصار. " لقاءات الباب المفتوح " (لقاء رقم/١٦١، سؤال رقم/١٧) . والذي يظهر والله أعلم أن القول الأول أرجح القولين في هذه المسألة، لدلالة ظاهر السنة عليه، وأن أحدا من المؤمنين، فضلا عن غيرهم، لا ينجو من ضمة القبر؛ وهذا يدل على شدة هذه الضمة، وأن لها ألما يصيب من ضمه قبره، وإن كان الناس يتفاوتون في ذلك، كل بحسب عمله وحاله. ولأجل ذلك ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ضمة القبر في أسباب مغفرة الذنوب، قال: " السبب الثامن ما يحصل فى القبر من الفتنة والضغطة والروعة فإن هذا مما يكفر به الخطايا". انتهى. مجموع الفتاوى (٧/٥٠٠) . على أن الحديث الوارد في السؤال لا يدل على أن سعدا هو الوحيد الذي نجا من ضمة القبر، كما ظنه السائل، بل هو نص في أن سعدا ﵁ لم ينج من ضمة القبر؛ وقد كان أولى الناس أن ينجو منها، لو كان أحد ناجيا. وانظر جواب السؤال رقم: (٧١١٧٥) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 328

كيف تعاد أرواح الكافرين بعد تحريق أجسادهم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[كيف تعاد أرواح الكافرين بعد تحريق أجسادهم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إن الإيمان بأن الله على كل شيء قدير، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأن الله يبعث من في القبور، وأنه كما خلقهم من عدم قادر على أن يبعثهم كيف شاء ومتى شاء، على اختلاف صورهم، وتعدد مصارعهم، مما لا يتم الإيمان بالله إلا به. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ وَسَائِرُ أَهْلِ الْمِلَلِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ جِدًّا" انتهى. "مجموع الفتاوى" (٨ / ٧) . وقال أيضا: "اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَمَنْ جَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ خَارِجًا عَنْ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ فَقَدْ أَلْحَدَ فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ" انتهى. "مجموع الفتاوى" (١١ / ٣٥٤) . وقال الله : (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) يس/٧٨، ٧٩. قال السعدي: "هذا وجه الشبهة والمثل، وهو أن هذا أمر في غاية البعد على ما يعهد من قدرة البشر، وهذا القول الذي صدر من هذا الإنسان غفلة منه، ونسيان لابتداء خلقه، فلو فطن لخلقه بعد أن لم يكن شيئا مذكورا فَوُجِدَ عيانا، لم يضرب هذا المثل. فأجاب تعالى عن هذا الاستبعاد بجواب شاف كاف، فقال: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) وهذا بمجرد تصوره، يعلم به علما يقينا لا شبهة فيه، أن الذي أنشأها أول مرة قادر على الإعادة ثاني مرة، وهو أهون على القدرة إذا تصوره المتصور" انتهى. "تفسير السعدي" (ص ٦٩٩- ٧٠٠) . وروى البخاري (٣٤٨١) ومسلم (٢٧٥٦) – واللفظ له - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لِأَهْلِهِ: إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَ اللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ. فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ. فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ) . ولفظ البخاري: (إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ) . قال شيخ الإسلام: " فَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ قَدْ وَقَعَ لَهُ الشَّكُّ وَالْجَهْلُ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إعَادَةِ ابْنِ آدَمَ؛ بَعْدَ مَا أُحْرِقَ وَذُرِيَ وَعَلَى أَنَّهُ يُعِيدُ الْمَيِّتَ وَيَحْشُرُهُ إذَا فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ وَهَذَانِ أَصْلَانِ عَظِيمَانِ: أَحَدُهُمَا: مُتَعَلِّقٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. والثَّانِي: مُتَعَلِّقٌ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَهُوَ الْإِيمَانُ بِأَنَّ اللَّهَ يُعِيدُ هَذَا الْمَيِّتَ وَيَجْزِيهِ عَلَى أَعْمَالِهِ " انتهى. "مجموع الفتاوى" (١٢ / ٤٩١) . فمتى علم العبد أن الله على كل شيء قدير، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، وأنه سبحانه أوجد الخلائق من عدم لم يمتنع لديه الإيمان بالبعث والنشور على أي صورة كان، دون أن يرهق عقله وفكره بالبحث والتحري الذي لا يجدي شيئا، ويكفيه دلالة الشاهد الذي لا يغيب عن ناظره، وهو نفسه، قال الله تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) الذاريات/٢٠، ٢. وقال الله لعبده زكريا ﵇: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا * قَالَ رَبِّ أنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) مريم/٧-٩. فليس خلق هذا الغلام من أم عاقر، وأب كبير في السن بأعجب من خلق الأب وإيجاده من العدم. انظر: تفسير الطبري (١٨/١٥١) . وقال تعالى عن مريم: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) آل عمران/٤٧. وقال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) آل عمران/٥٩. ثم هذه السماوات والأرض أمام عينيه، وما يشاهده بينهما من أفلاك ونجوم، لا يحصي عددها إلا الله، ولا يقادر قدرها أحد من خلقه، هي أكبر من خلق الناس، فالذي خلق السماوات والأرض مع عظمهما واتساعها قادر من باب أولى على إعادة خلق الإنسان مرة أخرى. قال تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) غافر/٥٧. وقال تعالى: (أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) يس/٨١، ٨٢. وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) الروم/٢٧. يعني: أيسر عليه. وقال مجاهد: الإعادة أهون عليه من البَدَاءة، والبداءة عليه هَيْنٌ. وكذا قال عكرمة وغيره. "تفسير ابن كثير" (٦/٣١١) . وروى البخاري (٤٩٧٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (قَالَ اللَّهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ , وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي. وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ. وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا. وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْئًا أَحَدٌ) . هذا.. وإن كان قصد السائل بسؤاله: كيف تعاد أرواح الكافرين بعد تحريق أجسادهم، يعني في النار يوم القيامة. فيقال: إن أرواحهم باقية في أجسادهم، وإن حرقت بالنار، فيوم القيامة إذا عادت الروح إلى البدن لا تخرج منه أبدا، فتبقى روح الكافر في جسده معذبة، وتبقى روح المؤمن في جسده منعمة. فإن أهل النار كلما احترقت جلودهم بالنار أبدلهم الله غيرها، حتى يستمر عذابهم ولا ينقضي، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) النساء/٥٦. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 329

هل تلتقي أرواح الأحياء مع أرواح الأموات في المنام؟ وهل ما يرونه من حال يصدَّق ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل تلتقي أرواح الأحياء والأموات في المنام؟ لأن الإنسان يرى أمواتاً من أقاربه، ويتحدث إليهم في منامه، أو يطلبون صدقة، أو يرى الميتَ في نعيم، وبساتين، هل هذه منازله؟ وهل هذه روحه التقت مع روح الميت لأن النوم هو الموتة الصغرى؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ذهب بعض أهل العلم إلى أن أرواح الأحياء وأرواح الأموات تلتقي في البرزخ. واستُدِل لذلك بقوله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الزمر/٤٢. قال القرطبي – ﵀: قال ابن عباس وغيره من المفسرين: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله منها، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى الأجساد: أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها. وقال سعيد بن جبير: إن الله يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى) أي: يعيدها. " تفسير القرطبي " (١٥ / ٢٦٠) . وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀: وفي هذه الآية دليل على أن الروح والنفس جسم قائم بنفسه، مخالف جوهره جوهر البدن، وأنها مخلوقة مدبرة، يتصرف الله فيها في الوفاة، والإمساك، والإرسال، وأن أرواح الأحياء، والأموات، تتلاقى في البرزخ، فتجتمع، فتتحادث، فيرسل الله أرواح الأحياء، ويمسك أرواح الأموات. " تفسير السعدي " (ص ٧٢٥) . لكن قال شيخ الإسلام عن هذا الاستدلال: وما ذُكر من التقاء أرواح النيام والموتى: لا ينافي ما في الآية، وليس في لفظها دلالة عليه. " مجموع الفتاوى " (٥ / ٤٥٣) . وثمة قول آخر في الآية: وهو أن الروح الممسَكة، والمرسَلة: هي روح الميت، وهو الذي يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. ثانياً: انتصر ابن القيم ﵀ لهذا القول بشدة، وذكر أن الواقع يشهد له ويصدقه، ثم قال – ﵀: وقد دلَّ التقاء أرواح الأحياء والأموات: أن الحيَّ يرى الميت في منامه، فيستخبره، ويخبره الميت بما لا يعلم الحيُّ، فيصادف خبره كما أخبر في الماضي، والمستقبل، وربما أخبره بمالٍ دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه، وربما أخبره بدَيْن عليه، وذَكَر له شواهده، وأدلته. وأبلغ من هذا: أنه يخبر بما عملَه من عملٍ لم يطلع عليه أحد من العالمين، وأبلغ من هذا أنه يخبره أنك تأتينا إلى وقت كذا وكذا، فيكون كما أخبر، وربما أخبره عن أمورٍ يقطع الحى أنه لم يكن يعرفها غيره. " الروح " (ص ٢١) ، ثم طول في الاستدلال له، وذكر الحكايات على إثباته. ثالثاً: وأما اللقاء في غير المنام، أو في وقت محدد، أو هيئة معينة، فهو مما لم يدل عليه دليل، والقول فيه، وفي غيره من أمور الغيب، بغير برهان من الوحي من رجم الظنون. ١. قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀: قال ابن القيم ﵀: " وقد دل على التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحيَّ يرى الميت في منامه، فيستخبره، ويخبره الميت بما لا يعلم الحيَّ، فيصادف خبره كما أخبر "، فهذا هو الذي عليه السلف، من أن أرواح الأموات باقية إلى ما شاء الله، وتسمع، ولكن لم يثبت أنها تتصل بالأحياء في غير المنام، كما أنه لا صحة لما يدَّعيه المشعوذون من قدرتهم على تحضير أرواح من يشاءون من الأموات، ويكلمونها، ويسألونها، فهذه إدعاءات باطلة، ليس لها ما يؤيدها من النقل، ولا من العقل، بل إن الله هو العالم بهذه الأرواح، والمتصرف فيها، وهو القادر على ردِّها إلى أجسامها متى شاء ذلك، فهو المتصرف وحده في ملكه، وخلافه لا ينازعه منازع، أما مَن يدعي غير ذلك: فهو يدعي ما ليس له به علم، ويكذب على الناس فيما يروجه من أخبار الأرواح؛ إما لكسب مال، أو لإثبات قدرته على ما لا يقدر عليه غيره، أو للتلبيس على الناس لإفساد الدين والعقيدة. " فتاوى الشيخ ابن باز " (٣ / ٣١١، ٣١٢) : ٢. قال علماء اللجنة الدائمة: دنو أرواح الأموات من قبورهم يوم الجمعة، أو ليلتها، ومعرفتهم مَن زارهم، أو مرَّ بهم، وسلَّم عليهم، أكثر من معرفتهم بهم في غير يوم الجمعة، أو ليلتها، والتقاء الأحياء والأموات ذلك اليوم: كل هذا من الأمور الغيبية التي استأثر الله بعلمها، فلا تُعلم إلا بوحي من الله لنبيٍّ من أنبيائه، ولم يثبت في ذلك حديث عن النبي ﷺ فيما نعلم، ولا يكفي في معرفة ذلك الأحلام؛ فإنها تخطئ، وتصيب، فالقول بها، والاعتماد عليها: رجم بالغيب. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " (١ / ٦٤٦ فما بعدها) ، وقد نقدوا الروايات الواردة في لقاء الأحياء بالأموات في المقابر، وكذا ما جاء في ذلك من منامات، وهو أضعف من أن يُحتج به على أمر غيبي. رابعاً: وما يراه النائم من حال الميت، أو منزلته في الجنة: فإنه إن كانت رؤيا صحيحة: فما يراه هو الواقع، وقد ثبت عن كثير من السلف أنهم رأوا أمواتاً في المنام، فسألوهم عن أحوالهم، فأخبروهم بها، ثم نقلوا ذلك لنا، وهم أئمة أعلام، ولولا أن ذلك مما يؤخذ به: لما كان لهم ذِكر ذلك للناس، على أننا نقول: قد يكون ما رأوه هو حال ذلك الميت في تلك اللحظة، أما الخير والنعيم: فإما أن يثبت، أو يزيد، وأما حال الشر والسوء: فقد يتغير للأحسن بفضل الله ورحمته، ومما ورد في ذلك من نقل العلماء الثقات الأثبات، ونبدأ بما يقطع بصحة الأمر شرعاً، وذلك بالنقل عن صحابي رأى آخر في منامه، وأخبر به النبي ﷺ : ١. عَنْ جَابِرٍ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنْعَةٍ؟ قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي ذَخَرَ اللَّهُ لِلْأَنْصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ. فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ. رواه ملم (١١٦) . قال أبو العباس القرطبي – ﵀: والظاهرُ: أنَّ هذا الرجلَ أدركتْهُ بركةُ دعوةِ النبيِّ ﷺ ، فغُفِرَ ليدَيْهِ، وكُمِّلَ له ما بقي من المغفرة عليه؛ وعلى هذا: فيكونُ قوله: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ ممتدًّا إلى غايةِ دعاءِ النبيِّ ﷺ له؛ فكأنَّه قيل له: لن نصلحَ منك ما أفسدْتَ ما لم يَدْعُ لك النبيُّ ﷺ . " المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم " (١ / ٣٢٤) . ٢. قال أبو داود – صاحب " السنن " -: محمَّد بن محمد بن خلَاّد – وهو من شيوخه - قتله الزِّنج صبراً، فقال بيده هكذا - ومدَّ أبو داود يده، وجعل بطون كفيه إلى الأرض -، قال: ورأيتُه في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: أدخلني الجنة. أبو داود بعد الحديث رقم (٣٢٨١) . ٣. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: رئي عمرو بن مرَّة الجملي - وهو من خيار أهل الكوفة، شيخ الثوري وغيره - بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بحبِّ علي بن أبي طالب، ومحافظتي على الصلاة في مواقيتها. " منهاج السنَّة النبوية " (٦ / ٢٠١) . ٤. وقال الذهبي – ﵀: قال حبيش بن مبشر - أحد الثقات -: رأيتُ " يحيى بن معين " في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: أعطاني، وحبَاني، وزوَّجني ثلاث مائة حوراء، ومهَّد لي بين البابين. " تذكرة الحفَّاظ " (٢ / ١٥) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 330

هل يعذَّب في قبره من تكون حسناته أكثر من سيئاته في الميزان ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أفهم، وأدرك، أن المسلم يمكن أن يُعذَّب في القبر، لكن الذي أريد أن أعرفه هو التالي: نعلم أن الإنسان المسلم سوف توزن أعماله يوم القيامة، فإن رجحت الحسنات على السيئات: فإن الله سيغفر لهذا المسلم، أو المسلمة، ويدخله الجنة، سؤالي هو: عندما يكون نفس هذا الإنسان المسلم في القبر , فهل سيعذَّب في قبره على الرغم من أن الله سيغفر له يوم القيامة؟ وهل سنُعذب في الآخرة على الرغم من أننا سندخل الجنة؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ثبت عذاب القبر ونعيمه عند أهل السنَّة والجماعة، كما جاء ذلك دلت في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وعليه أجمع سلف الأمة. وبيان ذلك في جواب السؤال رقم: (٣٤٦٤٨) . وتجد في جواب السؤال رقم: (٤٧٠٥٥) أن الأصل في عذاب القبر ونعيمه أنه على الروح، وقد تتصل الروح بالبدن فيصيبه شيء من العذاب أو النعيم. وفي جواب السؤالين (٧٨٦٢) و (٢١٢١٢) بيان أن عذاب القبر منه ما يستمر إلى قيام الساعة، ومنه ما ينقطع. ثانياً: ينبغي أن يُعْلم أن كثرة الحسنات على السيئات ليست بمنجية صاحبَها من عذاب القبر بذاتها؛ لأن الوعيد المترتب على العذاب في البرزخ، ليس هو الوعيد المترتب على العذاب في نار جهنم، وقد يأتي المسلم بسبب واحد من أسباب العذاب في قبره، فيعذَّب عليها، وله أمثال الجبال من الحسنات. والميزان الذي توزن به أعمال الناس فيشقى بعده طوائف خفت موازينهم، ويسعد آخرون ثقلت موزاينهم: إنما يكون في آخر المطاف، بعد أن يقطع الناس أشواطاً في مراحل الدار الآخرة. قال أبو عبد الله القرطبي – ﵀: والذي تدل عليه الآي، والأخبار: أن من ثقل ميزانه: فقد نجا وسلِم، وبالجنة أيقن، وعلِم أنه لا يدخل النار بعد ذلك، والله أعلم. " التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة " (ص ٢٧٢) . والمسلم الذي نفترض كثرة حسناته لو وضعت في الميزان بعد موته مباشرة: لا ينجو من عذاب القبر، إن شاء الله تعذيبه على بعض سيئاته تلك، وليتأمل الأخ السائل المسائل التالية فهي تحل الإشكال الوارد في ذهنه: ١. من كثرت حسناته على سيئاته وأجاب الملَكين في القبر عن أسئلتهم: لا يعني بالضرورة أنه ينجو من عذاب القبر إذا جاء بما يستحق عليه العذاب من سيئاته تلك، وشاء الله أن يعذبه عليها في قبره. ٢. من كثرت حسناته على سيئاته ليس بالضرورة إذا رأى مقعده من الجنة في قبره، أنه لن يعذَّب على ما شاء الله من ذنوبه، وللعلماء في هذا قولان: الأول: أن من ارتكب سيئات وشاء الله تعذيبه في القبر، وهو في الآخرة من أهل الجنة: أنه يرى مقعده من الجنة باعتبار مآله. والثاني: أنه ير مقعده من النار باعتبار حاله. وينظر جواب رقم: (١٢١٦٢٨) فهو مهم. وعليه: فإن زيادة حسنات العبد على سيئاته، ليس بمانع من أن يعذب في قبره على بعض ذنوبه التي ورد الوعيد لفاعلها بالعذاب في قبره. مثل عقوبة المرابي وأنه يسبح في نهر دم، وعقوبة الزناة والزانيات، والعقوبة على النميمة، والغلول من الغنائم، والكذب، وعدم الاستبراء من البول، وغير ذلك مما جاءت النصوص واضحة في التنصيص على معاصٍ بعينها. وانظر تفصيل ذلك في جوابي السؤالين (٤٦٠٦٨) و (٤٥٣٢٥) . ثالثاً: ومن حكمة الله تعالى أنه لم يجعل الميزان أول موت العبد؛ ويبدو لنا بعض الحكَم من ذلك نرجو أن تكون موافقة للصواب: ١. أنه يُخفف حِمل السيئات على العاصي بما يصيبه من عذاب القبر؛ تخفيفاً عنه من عذاب جهنم، ولا شك أن ما يصيب العاصي من عذاب القبر أهون عليه مما يصيبه من نار جهنم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ما يحصل للمؤمن في الدنيا والبرزخ والقيامة من الآلام التي هي عذاب: فإن ذلك يُكفِّر الله به خطاياه، كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا حزَن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله به من خطاياه) . " مجموع الفتاوى " (٢٤ / ٣٧٥) . قال ﵀: السبب الثامن: ما يحصل في القبر، من الفتنة، والضغطة، والروعة، فإن هذا مما يكفّر به الخطايا. " مجموع الفتاوى " (٧ / ٥٠٠) . وانظر جواب السؤال رقم: (٧٨٦١) . ٢. أنه ليس كل مَن جاء بحسنات تبقى معه حتى يدخل بها الجنة، ولا من جاء بسيئات تبقى معه حتى يدخل بسببها النار، فثمة ما يُسمَّى " المقاصة "، وهو أخذ أصحاب الحقوق من حسنات من ظلمهم، أو إلقاء سيئاتهم عليه، كما في حديث " المفلس " الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، وهذا إنما يكون قبل الميزان. قال أبو عبد الله القرطبي – ﵀: وأما المخلِّطون: فحسناتهم توضع في الكفة النيرة، وسيئاتهم في الكفة المظلمة، فيكون لكبائرهم ثقل؛ فإن كانت الحسنات أثقل، ولو بصؤابة – وهي بيضة القَمْل -: دخل الجنة، وإن كانت السيئات أثقل، ولو بصؤابة: دخل النار، إلا أن يغفر الله، وإن تساويا: كان من أصحاب الأعراف، هذا إن كانت الكبائر فيما بينه وبين الله، وأما إن كانت عليه تبعات، وكانت له حسنات كثيرة: فإنه ينقص من ثواب حسناته بقدر جزاء السيئات؛ لكثرة ما عليه من التبعات، فيحمل عليه مِن أوزار مَن ظلمه، ثم يعذب على الجميع، هذا ما تقتضيه الأخبار. " التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة " (ص ٢٦٩، ٢٧٠) . ٣. أنه لم تنقطع الحسنات، ولا السيئات بالموت، بل ثمة " حسنات جارية "، و " سيئات جارية "، فالأول: كمن تصدَّق بصدقة جارية، أو علَّم علماً نافعاً، أو دلَّ غيره على عمل صالحٍ، أو كان له ذرية يعملون بعد موته بطاعات، وكل ذلك مما يجعل للميت مجالاً لزيادة الحسنات، وأما الثاني: فهو لمن دلَّ غيره على عمل فاسد، أو ابتدع بدعة، وغير ذلك مما تجري سيئات أعمالهم على فاعلها، وعلى الميت، الذي كان سبباً في فعل تلك السيئات والبدع. وبه يُعلم أنه ليس بالموت يقف " عدَّاد " الحسنات، والسيئات، ولذا نرى عظيم الحكمة في عدم اعتبار الميزان أول موت المسلم، بل لا يكون ذلك إلا في آخر المطاف، وبعدها يكون دخول الجنة، أو النار، وعندها يمكن للمسلم أن يفهم معنى قوله تعالى (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الأعراف/ ٨، وقوله (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) القارعة/ ٦، ٧. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 331

ما هي اللغة التي سيخاطب الناس بها في عالم البرزخ ؟ [السُّؤَالُ] ـ[العديد من اللغات لغات عالمية، فما هي اللغة التي ستسأل بها الملائكة في القبر، والتي يستطيع كل فرد أن يجيب عليها؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله وقفنا في هذه المسألة على أقوال ثلاثة: القول الأول: أنه يُسأل باللغة السريانية. قاله البلقيني – كما نقله عنه تلميذه السيوطي في رسالته "شرح الصدور في أحوال الموتى والقبور" – ولم يذكر له أي دليل يمكن الاعتماد عليه. القول الثاني: يُسأل باللغة العربية. نص عليه الحافظ ابن حجر ﵀: ويمكن الاستدلال له بظواهر الأحاديث الواردة، فقد جاءت تصف ما يكون في البرزخ باللغة العربية، ولا مانع من كونها على الحقيقة، ويلهم الله جميع مَن يُفتن في قبره فهمَ هذه اللغة والجواب بها. يقول ابن حجر ﵀: " وأما سؤال الملكين فظاهر الحديث الصحيح أنه بالعربي؛ لأن فيه أنهما يقولان له: (ما علمك بهذا الرجل) إلى آخر الحديث، ويحتمل مع ذلك أن يكون خطاب كل أحد بلسانه " انتهى. "الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع" (ص/١٢٢) . القول الثالث: يسأل بلغة يفهمها. ذكره ابن حجر احتمالا كما سبق في كلامه. وبه تفتي اللجنة الدائمة، والشيخ ابن عثيمين ﵏ جميعا. جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٣/٤٥٠) : " إذا مات الإنسان ودفن جاءه ملكان وسألاه عن ربه ونبيه ودينه بلغة يفهمها " انتهى. ويقول الشيخ ابن عثيمين ﵀: " قال بعض العلماء: يُسأل بالسريانية، سبحان الله! السريانية لغة النصارى، والظاهر - والله أعلم - أن هذا القول مأخوذٌ من النصارى؛ لأجل أن يفتخروا ويقولوا لغتنا لغة السؤال في القبر لكل ميت. والذي يظهر أنه يُسأل بما يفهم: إن كان من العرب فباللغة العربية، إن كان من غير العرب فبلغته " انتهى. "شرح العقيدة السفارينية" (ص/٤٣٥) دار الوطن. والأولى في نظرنا السكوت عن ذلك كله حيث لم يرد فيه نص صحيح، والاشتغال بمثل هذه التفاصيل مما لا منفعة فيه للسائل في أمر دينه ودنياه، ويكفيه من ذلك أن يؤمن أنه يُسأل في قبره، وأن يسأل الله أن يوفقه للعمل بطاعته، وأن يلهمه الجواب، ويثبته عند السؤال. سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ السؤال الآتي: " بماذا يخاطب الناس يوم البعث؟ وهل يخاطبهم الله تعالى بلسان العرب؟ وهل صح أن لسان أهل النار الفارسية , وأن لسان أهل الجنة العربية؟ فأجاب ﵀: لا يعلم بأي لغة يتكلم الناس يومئذ , ولا بأي لغة يسمعون خطاب الرب جل وعلا؛ لأن الله تعالى لم يخبرنا بشيء من ذلك , ولا رسوله ﵊، ولم يصح أن الفارسية لغة الجهَنَّمِيِّين، ولا أن العربية لغة أهل النعيم الأبدي , ولا نعلم نزاعًا في ذلك بين الصحابة ﵃، بل كلهم يكفون عن ذلك؛ لأن الكلام في مثل هذا من فضول القول ,.. ولكن حدث في ذلك خلاف بين المتأخرين. فقال ناس: يتخاطبون بالعربية. وقال آخرون: إلا أهل النار , فإنهم يجيبون بالفارسية , وهي لغتهم في النار. وقال آخرون: يتخاطبون بالسريانية؛ لأنها لغة آدم , وعنها تفرعت اللغات. وقال آخرون: إلا أهل الجنة , فإنهم يتكلمون بالعربية. وكل هذه الأقوال لا حجة لأربابها , لا من طريق عقل ولا نقل , بل هي دعاوى عارية عن الأدلة , والله أعلم وأحكم " انتهى. "مجموع الفتاوى" (٤/٣٠٠) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 332

صور من نعيم القبر [السُّؤَالُ] ـ[ماذا يحدث للأتقياء في قبورهم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قد دلت الأدلة على أن المؤمن ينعم في قبره، حتى تقوم الساعة فينتقل بفضل الله ورحمته إلى النعيم الذي لا ينفد ولا ينقطع وهو نعيم الجنة. جعلنا الله تعالى من أهلها. وهذه بعض صور مما ينعم به المؤمن في قبره: ١- يفرش له من فراش الجنة. ٢- ويُلبس من لباس الجنة. ٣- ويفتح له باب إلي الجنة، لِيَأْتِيَهُ مِنْ نَسِيمِهَا وَيَشَمُّ مِنْ طِيبِهَا وَتَقَرُّ عَيْنُهُ بِمَا يَرَى فِيهَا مِنْ النعيم. ٤- ويفسح له في قبره. ٥- ويبشر برضوان الله وجنته. ولذلك يشتاق إلى قيام الساعة. فعن البراء بن عازب: قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ وَكَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الأَرْضِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا ثُمَّ قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلائِكَةٌ مِنْ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الشَّمْسُ مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ ﵇ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ قَالَ فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ قَالَ فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ يَعْنِي بِهَا عَلَى مَلإٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِلا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ فَيَقُولُونَ فُلانُ بْنُ فُلانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ وَأَعِيدُوهُ إِلَى الأَرْضِ فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى قَالَ فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ فَيَقُولانِ لَهُ مَا دِينُكَ فَيَقُولُ دِينِيَ الإِسْلامُ فَيَقُولانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ فَيَقُولُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولانِ لَهُ وَمَا عِلْمُكَ فَيَقُولُ قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا الآيَةُ فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ قَالَ فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ قَالَ وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ لَهُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ فَيَقُولُ رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي. . . الحديث رواه أحمد (١٧٨٠٣) وأبو داود (٤٧٥٣) وصححه الألباني في "أحكام الجنائز" (ص ١٥٦) . ٦- سروره برؤيته مقعده من النار الذي أبدله الله به مقعداً من الجنة روى أحمد (١٠٥٧٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جِنَازَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا فَإِذَا الإِنْسَانُ دُفِنَ فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ جَاءَهُ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِطْرَاقٌ فَأقْعَدَهُ قَالَ مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولُ صَدَقْتَ ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ فَيَقُولُ هَذَا كَانَ مَنْزِلُكَ لَوْ كَفَرْتَ بِرَبِّكَ فَأَمَّا إِذْ آمَنْتَ فَهَذَا مَنْزِلُكَ فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَيُرِيدُ أَنْ يَنْهَضَ إِلَيْهِ فَيَقُولُ لَهُ اسْكُنْ وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ مُنَافِقًا يَقُولُ لَهُ مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولَ لا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَيَقُولُ لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ وَلا اهْتَدَيْتَ ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَيَقُولُ هَذَا مَنْزِلُكَ لَوْ آمَنْتَ بِرَبِّكَ فَأَمَّا إِذْ كَفَرْتَ بِهِ فَإِنَّ اللَّهَ أَبْدَلَكَ بِهِ هَذَا وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ ثُمَّ يَقْمَعُهُ قَمْعَةً بِالْمِطْرَاقِ يَسْمَعُهَا خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَحَدٌ يَقُومُ عَلَيْهِ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِطْرَاقٌ إِلا هُبِلَ عِنْدَ ذَلِكَ [أي ذهل] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِت. صححه الألباني في تحقيق كتاب السنة لابن أبي عاصم (٨٦٥) . ٧- ينام نومة العروس. ٨- وينور له قبره. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَوْ قَالَ أَحَدُكُمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ النَّكِيرُ فَيَقُولانِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُولُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولانِ قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ نَمْ فَيَقُولُ أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ فَيَقُولانِ نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لا يُوقِظُهُ إِلا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثْلَهُ لا أَدْرِي فَيَقُولانِ قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ فَيُقَالُ لِلأَرْضِ الْتَئِمِي عَلَيْهِ فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ فَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَضْلاعُهُ فَلا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ. رواه الترمذي (١٠٧١) . والحديث: صححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١٣٩١) . وَإِنَّمَا شَبَّهَ نَوْمَهُ بِنَوْمَةِ الْعَرُوسِ لأَنَّهُ يَكُونُ فِي طَيِّبِ الْعَيْشِ. اهـ تحفة الأحوذي. فهذا بعض النعيم الذي ينعم به المؤمن في قبره، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهله. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 333

تمثل العمل الصالح رجلا في القبر [السُّؤَالُ] ـ[ما صحة هذا الحديث: (عند موت الإنسان وأثناء انشغال أقربائه بمناسكِه الجنائزيةِ، يقفُ رجلٌ وسيمُ جداً بجوار رأس الميت. وعند تكفين الجثّة، يَدْخلُ ذلك الرجلِ بين الكفنِ وصدرِ الميّتِ. وبعد الدفنِ، يَعُودَ الناس إلى بيوتهم، ويأتي القبرِ ملكان مُنكرٌ ونكير، ويُحاولانَ أَنْ يَفْصلَا هذا الرجلِ الوسيم عن الميتِ لكي يَكُونا قادرين على سؤال الرجلِ الميتِ في خصوصية حول إيمانِه. لكن يَقُولُ الرجل الوسيم: " هو رفيقُي، هو صديقُي. أنا لَنْ أَتْركَه بدون تدخّل في أيّ حالٍ منَ الأحوالِ. إذا كنتم معنينَّن لسؤالهِ، فاعمَلوا بما تؤمرونَ، أما أنا فلا أَستطيعُ تَرْكه حتى أدخلهْ إلى الجنة ِ". ويتحول الرجل الوسيم إلى رفيقه الميت ويَقُولُ له: " أَنا القرآن الذيّ كُنْتَ تَقْرؤُه بصوتٍ عالٍ أحياناً وبصوت خفيض أحياناً أخرى. لا تقلق. فبعد سؤال مُنكرٍ ونكير لا حزن بعد اليوم. وعندما ينتهى السؤال، يُرتّبُ الرجل الوسيم والملائكة فراش من الحرير مُلئ بالمسكِ للميت في الجنة) ]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الذي جاء في السنة النبوية الصحيحة من تمثل العمل الصالح، ومنه قيام العبد بالقرآن الكريم، بالرجل الحسن في القبر ما يلي: ١- عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ أن النبي ﷺ قَالَ: (إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنْ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ... إلى أن قال – في وصف حال المؤمن في القبر -: فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ. قَالَ: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ. فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ. فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ. فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي) رواه أحمد (٤/٣٦٢) وصححه الألباني في "أحكام الجنائز" (١٥٦) ٢- عن بريدة ﵁ قال: سمعت النبي- ﷺ يقول: (َإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ. فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ. فَيَقُولُ لَهُ: أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ، فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لَا يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا. فَيَقُولَانِ: بِمَ كُسِينَا هَذِهِ؟ فَيُقَالُ: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجَةِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ هَذًّا كَانَ أَوْ تَرْتِيلًا) رواه أحمد في "المسند" (٣٩٤) وابن ماجه في "السنن" (٣٧٨١) وحسنه البوصيري في الزوائد والألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٨٢٩) يقول السيوطي في شرح الحديث (٢/١٢٤٢) : " (كالرجل الشاحب) قال السيوطي: هو المتغير اللون، وكأنه يجيء على هذه الهيئة ليكون أشبه بصاحبه في الدنيا، أو للتنبيه له على أنه كما تغير لونه في الدنيا لأجل القيام بالقرآن كذلك القرآن لأجله في السعي يوم القيامة حتى ينال صاحبه الغاية القصوى في الآخرة." انتهى. ولم أقف على شيء من السنة الصحيحة في تمثل العمل الصالح رجلا في القبر إلا هذين الحديثين. أما الحديث الذي ذكرته – أخي السائل الكريم – فلم يرد في كتب السنة المعتمدة، ولم نقف له على إسناد صحيح ولا ضعيف، بل هو مما ينتشر في بعض المنتديات والمواقع من غير تحرٍّ ولا تثبت، ولعل بعض الجهلة من الناس كتبه من قبل نفسه ثم عزاه إلى النبي ﷺ ليحث الناس على الاهتمام بالقرآن والعناية به، ولم يدر هؤلاء أن الكذب على النبي ﷺ من أعظم الذنوب التي توبق صاحبها في نار جهنم، وأن النية الحسنة لا ترفع الإثم عن هؤلاء الذين يكذبون ويضعون الحديث على لسان النبي ﷺ . يقول النبي ﷺ : (إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ) رواه البخاري (١٢٩١) ومسلم (٤) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 334

هل حوسب بعض الناس وأدخلوا الجنة أو النار ؟ [السُّؤَالُ] ـ[متى يبدأ الحساب، أهو عند نزول القبر أم يوم القيامة، وقد علمنا أن هناك بعض الأشخاص دخلوا الجنة أمثال ماشطة بنات فرعون وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، وأن هناك بعض الأشخاص دخلوا النار، فكيف يكون ذلك ونحن نعلم أن أول من يدخل الجنة هو رسول الله ﷺ ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه أولا: يجب على كل مسلم أن يعتقد أن الحساب بعد الموت حق، وأن الجزاء يكون بعد الحساب، قال تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الحجر/٩٢-٩٣، وقال سبحانه: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) الأعراف/٦ ثم إن هذا الحساب يكون على مرحلتين: المرحلة الأولى: فى القبر بعد الموت: وذلك حين يأتيه الملكان فيسألانه عن ربه ودينه ونبيه، كما جاءت بذلك الأحاديث المتواترة، وهي فتنة القبر التي أمرنا النبي ﷺ أن نستعيذ منها. عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُم تُفتَنُونَ فِي القُبُورِ) رواه البخاري (١٠٤٩) ومسلم (٥٨٤) يقول ابن حجر ﵀ في "فتح الباري" (١/١٦٥) : " أصل الفتنة الاختبار والامتحان " انتهى. ونقل المناوي في "فيض القدير" (٦/٢٣٤) عن بعض أهل العلم قولهم: " يحاسب المؤمن في القبر ليكون أهون عليه في الموقف، فيمحص في البرزخ، فيخرج وقد اقتص منه " انتهى. ويكون بعد هذا الحساب جزاء أيضا، فمن فاز أتاه من النعيم والسرور في قبره، ومن خسر أصابه من العذاب والشقاء. وكل ذلك في القبر أو في حياة البرزخ، أما الجنة والنار فلا يدخلها أحد دخولا تاما إلا بعد المرحلة الثانية من الحساب، وهي حساب الآخرة. ولكن قد تدخل بعض الأرواح الجنة، فيصيبها بعض نعيمها، كرامة منه . يقول النبي ﷺ : (إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ يَعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ) رواه مالك في الموطأ (١/٢٤٠) وصححه ابن عبد البر في "الاستذكار" (٢/٦١٤) نسمة المؤمن: روحه. يعلق: أي يأكل ويرعى. يقول ابن القيم ﵀ في كتابه "حادي الأرواح" (٤٨) : " وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة " انتهى. كما قد تُعرض بعض الأرواح على النار، فيصيبها من حرها وعذابها. يقول : (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) غافر/٤٦ ومن تجاوز حساب القبر هان عليه حساب الآخرة. عن هَانِئ مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي، وَتَبْكِي مِنْ هَذَا! فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ) رواه الترمذي (٢٣٠٨) وحسنه، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي. المرحلة الثانية من الحساب: بعد البعث في الآخرة، وهو الحساب العظيم الذي يميز فيه بين أهل الجنة وأهل النار، ويتقاص العباد فيه المظالم بينهم، وسمي ذلك اليوم بيوم الحساب. يقول : (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ) ص/٥٣ وقال سبحانه: (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ) غافر/٢٧ ولا يدخل أحد الجنة أو النار إلا بعد هذا الحساب، فمن الناس من يحاسب حسابا يسيرا، ومنهم من يحاسب حسابا عسيرا، ونبينا محمد ﷺ هو أول من يدخل الجنة الدخول الحقيقي التام في الآخرة. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ) رواه مسلم (١٩٧) ثانيا: أما ما جاء من الأحاديث التي يذكر فيها النبي ﷺ أنه رأى أحدا في الجنة أو في النار، فهي على أحد وجهين: ١- إما أنها في رؤيا المنام: كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: (يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ) يقول الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٣/٣٥) : " قال الكرماني: ظاهر الحديث أن الماع المذكور وقع في النوم؛ لأن الجنة لا يدخلها أحد إلا بعد الموت. ويؤيد كونه وقع في المنام ما سيأتي في أول مناقب عمر من حديث جابر مرفوعا: (رأيتني دخلت الجنة فسمعت خشفة، فقيل هذا بلال، ورأيت قصرا بفنائه جاريه فقيل هذا لعمر) الحديث وبعده من حديث أبي هريرة مرفوعا: (بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقيل: هذا لعمر) الحديث فعرف أن ذلك وقع في المنام، وثبتت الفضيلة بذلك لبلال؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي، ولذلك جزم النبي ﷺ له بذلك " انتهى. ٢- يكشف الله للنبي ﷺ ما سيكون في الأخرة حتى يراه رأي عيان أو رأي قلب، ومنه ما رآه النبي ﷺ ليلة المعراج من أمور في الجنة وفي النار. يقول الحافظ النووي ﵀ في "شرح مسلم" (٦/٢٠٧) : " قال القاضي عياض: قال العلماء: تحتمل أنه رآهما رؤية عين، كشف الله تعالى عنهما، وأزال الحجب بينه وبينهما، كما فرج له عن المسجد الأقصى حين وصفه. قالوا: ويحتمل أن يكون رؤية علم وعرض وحي، باطلاعه وتعريفه من أمورها تفصيلا ما لم يعرفه قبل ذلك. قال القاضي: والتأويل الأول أولى وأشبه بألفاظ الحديث، لما فيه من الأمور الدالة على رؤية العين كتناوله ﷺ العنقود، وتأخره مخافة أن يصيبه لفح النار " انتهى. انظر جواب السؤال رقم (٤٠٠٣) ، (٥٦٤٣) ، (١٢٤٧٨) ، (١٤٥٢٦) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 335

طبيعة الحياة في القبر [السُّؤَالُ] ـ[إذا قيل إن الميت يحيا في القبر، فهل هي نفس حياته الأولى، وكم حاسة ترجع إليه، وإلى كم تبقى حياته في القبر، وإذا كان الميت تُسأل جثته، فما مصير الذين يحرقون مثل الهندوس واليابان وغيرهم، وأين يتم سؤالهم؟ إن الطبيب عندما يجري العملية يبعد الحواس لدى الإنسان عنه بمخدر.. أما هذا الموت فإني أتساءل كيف هو؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ينبغي أن يعلم أن الواجب على كل مؤمن ومؤمنة: التصديق بما أخبر الله به في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ من جميع الأمور المتعلقة بالآخرة والحساب والجنة والنار، وفيما يتعلق بالموت والقبر وعذابه ونعيمه، وسائر أمور الغيب مما جاء في القرآن الكريم أو صحت به السنة المطهرة، فعلينا الإيمان والتسليم والتصديق بذلك، لأننا نعلم أن ربنا هو الصادق فيما يقوله سبحانه وفيما يخبر به جل وعلا، لقوله تعالى: (ومن أصدق من الله قيلاً) النساء/١٢٢، وقوله سبحانه: (ومن أصدق من الله حديثاً) النساء /٧٨. ونعلم أن رسول الله ﷺ أصدق الناس، وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فما ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة، وجب التصديق به وإن لم نعرف حقيقته. فالواجب علينا أن نصدق بما جاء به من أمر الآخرة وأمر الجنة والنار، ومن نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار وكون العبد في القبر يعذب أو ينعم، وترد إليه روحه , كل هذا حق جاءت به النصوص، فعلى العبد أن يسلم بذلك، ويصدق كل ما علمه من القرآن , أو صحت به السنة أو أجمع عليه علماء الإسلام. ثم إذا من الله على المؤمن والمؤمنة بمعرفة الحكمة في ذلك والأسرار، فهذا خير إلى خير، ونور على نور وعلم على علم، فليحمد الله وليشكره على ما أعطاه من العلم والبصيرة في ذلك التي من الله بها عليه حتى زاد علمه , وزادت طمأنينته. أما ما يتعلق بالسؤال في القبر، وحال الميت فإن السؤال حق، والميت ترد إليه روحه، وقد صحت بذلك الأخبار عن رسول الله ﷺ وحياة الميت في قبره غير حياته الدنيوية، بل هي حياة خاصة برزخية، ليست من جنس حياته في الدنيا التي يحتاج فيها إلى الطعام والشراب ونحو ذلك , بل هي حياة خاصة يعقل معها السؤال والجواب، فيسأله الملكان من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فالمؤمن يقول: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد نبيي هكذا يجيب المؤمن والمؤمنة , ويقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ (محمد ﷺ فيقول: هو رسول الله، جاءنا بالهدى فآمنا به وصدقناه، واتبعناه، فيقال له: قد علمنا إن كنت لمؤمناً، ويفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها ونعيمها، ويقال: هذا مكانك حتى يبعثك الله إليه، ويرى مقعده من النار، ويقال له: هذا مكانك لو كفرت بالله، أما الآن فقد أعاذك الله منه وصرت إلى الجنة. أما الكافر فإذا سئل عن ربه ودينه ونبيه، فإنه يقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين: يعني الجن والإنس، وتسمعها البهائم، فيفتح له باب إلى النار، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويكون قبره عليه حفرة من حفر النار، ويفتح له باب إلى النار يأتيه من سمومها وعذابها: ويقال: هذا مكانك حتى يبعثك الله إليه، ويفتح له باب إلى الجنة فيرى مقعده في الجنة، ويقال له: هذا مكانك لو هداك الله. وبذلك يعلم أن القبر إما روضة من رياض الجنة أوإما حفرة من حفر النار. والعذاب والنعيم للروح والجسد جميعاً في القبر، وهكذا في الآخرة في الجنة أو في النار. أما من مات بالغرق أو بالحرق أو بأكل السباع: فإن روحه يأتيها نصيبها من العذاب والنعيم، ويأتي جسده من ذلك في البر أو البحر، أو في بطون السباع ما شاء الله من ذلك، لكن معظم النعيم والعذاب على الروح التي تبقى؛ إما منعمة وإما معذبة، فالمؤمن تذهب روحه إلى الجنة، قال النبي ﷺ : (إن روح المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، يأكل من ثمارها، والكافر تذهب روحه إلى النار) . فالواجب على كل مسلم ومسلمة الاطمئنان إلى ما أخبر به الله ، وأخبر به رسوله ﵊، وأن يصدق بذلك على الوجه الذي أراده الله ، وإن خفي على العبد بعض المعنى، فلله الحكمة البالغة سبحانه. [الْمَصْدَرُ] كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. ص / ٣٣٨

стр. 336

عذاب القبر ونعيمه حق يقع على الروح والجسد معاً [السُّؤَالُ] ـ[لدي (سؤال) غريب. أعتقد بأن الإنسان إذا مات فإنه لا يسمع كما أن جسده تصبح عديمة النفع. ولكن طبقا للحديث، فإن هناك عذاب في القبر. فهل يعني ذلك بأن الجسد ما يزال حيا؟ وأيضا فقد ورد في القران أن الشهداء لا يموتون. وكذلك فقد جاء في أحد أحاديث مسلم أنه عندما خاطب الرسول ﷺ أجساد أبي جهل وأمية والآخرين، وسأله عمر ﵁ كيف يمكن للأموات سماع كلامك , فأجاب الرسول ﷺ بأنهم يسمعون ولكنهم لا يمكنهم الرد. أرجو التكرم بالإجابة على سؤالي بالتفصيل.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ١. ما جاء في السؤال من أن الميت لا يسمع شيئا من كلام الأحياء: هو حق وصدق. قال تعالى: (وما أنت بمسمع من في القبور) فاطر/٢٢، وقال تعالى: (فإنك لا تسمع الموتى) الروم/٥٢. ٢. من عقيدة أهل السنة والجماعة أن هناك فتنة وعذاباً في القبر وحياة في البرزخ، كما أن فيه نعيماً وراحة بحسب حال الميت ومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى عن آل فرعون: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) غافر/٤٦، فبيَّن الله تعالى أن آل فرعون يُعرضون على العذاب صباحا ومساء مع أنهم ماتوا، ومن هذه الآية أثبت العلماء عذاب القبر. قال ابن كثير: وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور وهي قوله تعالى: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيّاً) . " تفسير ابن كثير " (٤ / ٨٢) . وفي حديث عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة: " اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم ". رواه البخاري (٧٩٨) ومسلم (٥٨٩) . والشاهد من الحديث: أن النبي ﷺ كان يستعيذ من عذاب القبر وهو من أدلة إثبات عذاب القبر ولم يخالف في إثبات عذاب القبر إلا المعتزلة وطوائف أخرى لا يعبأ بخلافهم. ٣. وأما حديث مخاطبة النبي لأجساد المشركين يوم بدر فيحمل على حال مخصوصة وهي أن الله أحياهم لنبيه ﷺ ليخزيهم وليريهم الذلة والصغار: أ. عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: وقف النبي ﷺ على قليب بدر فقال: " هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ ثم قال: إنهم الآن يسمعون ما أقول. رواه البخاري (٣٩٨٠) ومسلم (٩٣٢) . ب. عن أبي طلحة قال: قال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها فقال رسول الله ﷺ : " والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم "، قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما. رواه البخاري (٣٩٧٦) ومسلم (٢٨٧٥) . انظر فتح الباري (٧ / ٣٠٤) . والشاهد أن أهل القليب اسمعهم الله كلام نبيه ﷺ لإذلالهم وتصغيرهم، ولا يصح الاستدلال بالحديث على أن الميت يسمع كل شيء لأنه خاص بأهل القليب، إلا أن بعض العلماء استثنى من ذلك سماع الميت للسلام، وهو قول يفتقر إلى الدليل الصحيح الواضح. ٤. أن عذاب القبر على الصحيح من أقوال العلماء يقع على الروح والجسد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ومذهب سلف الأمة وأئمتها أن العذاب أو النعيم يحصل لروح الميت وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأيضا تتصل بابدن أحيانا فيحصل له معها النعيم أو العذاب ". وعلينا الإيمان والتصديق بما أخبر الله. "الاختيارات الفقهية" (ص ٩٤) . وقال ابن القيم: وقد سئل شيخ الإسلام عن هذه المسألة، ونحن نذكر لفظ جوابه فقال: بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تُنعَّم النفس وتعذب منفردة عن البدن وتنعم وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها فيكون النعيم والعذاب عليها في هذه الحال مجتمعين كما تكون على الروح منفردة عن البدن. مذهب سلف الأمة وأئمتها: أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحياناً ويحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد وقاموا من قبورهم لرب العالمين ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى. " الروح " (ص ٥١، ٥٢) . ويضرب العلماء مثالا لذلك الحلم في المنام فقد يرى الإنسان أنه ذهب وسافر وقد يشعر بسعادة وهو نائم وقد يشعر بحزن وأسى وهو في مكانه وهو في الدنيا فمن باب أولى أن تختلف في الحياة البرزخية وهي حياة تختلف كلية عن الحياة الدنيا أو الحياة في الآخرة. قال النووي: فان قيل: فنحن نشاهد الميت على حاله في قبره فكيف يُسأل ويُقعد ويضرب بمطارق من حديد ولا يظهر له أثر، فالجواب: أن ذلك غير ممتنع بل له نظر في العادة وهو النائم، فإنه يجد لذة وآلاما لا نحس نحن شيئا منها، وكذا يجد اليقظان لذة وآلما لما يسمعه أو يفكر فيه ولا يشاهد ذلك جليسه منه، وكذا كان جبرئيل يأتي النبي ﷺ فيخبره بالوحي الكريم ولا يدركه الحاضرون، وكل هذا ظاهر جلى. " شرح مسلم " (١٧ / ٢٠١) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والنائم يحصل له في منامه لذة وألم وذلك يحصل للروح والبدن حتى إنه يحصل له في منامه من يضربه فيصبح والوجع في بدنه، ويرى في منامه أَنّه أُطْعِم شيئاً طيباً فيصبح وطعمه في فمه، وهذا موجود، فإذا كان النائم يحصل لروحه وبدنه من النعيم والعذاب ما يحس به والذي إلى جنبه لا يحس به حتى قد يصيح النائم من شدة الألم أو الفزع الذي يحصل له ويسمع اليقظان صياحه وقد يتكلم إما بقرآن وإما بذكر وإما بجواب واليقظان يسمع ذلك وهو نائم عينه مغمضة ولو خوطب لم يسمع: فكيف ينكر حال المقبور الذي أخبر الرسول أنه " يسمع قرع نعالهم "، وقال " ما أنتم أسمع لما أقول منهم "؟ والقلب يشبه القبر، ولهذا قال لما فاتته صلاة العصر يوم الخندق " ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً " وفى لفظ " قلوبهم وقبورهم ناراً " وَفرَّق بينهما في قوله: (بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور) وهذا تقريب وتقرير لإمكان ذلك. ولا يجوز أن يقال ذلك الذي يجده الميت من النعيم والعذاب مثلما يجده النائم في منامه، بل ذلك النعيم والعذاب أكمل وأبلغ وأتم وهو نعيم حقيقي وعذاب حقيقي، ولكن يذكر هذا المثل لبيان إمكان ذلك، إذا قال السائل: الميت لا يتحرك في قبره والتراب لا يتغير ونحو ذلك مع أن هذه المسألة لها بسط يطول وشرح لا تحتمله هذه الورقة والله اعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. " مجموع الفتاوى " (٤ / ٢٧٥، ٢٧٦) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 337

الطريق إلى حسن الخاتمة [السُّؤَالُ] ـ[هل هناك علامات تدل على حسن الخاتمة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: حسن الخاتمة ... حسن الخاتمة هو: أن يُوفق العبد قبل موته للابتعاد عما يغضب الرب سبحانه، والتوبة من الذنوب والمعاصي، والإقبال على الطاعات وأعمال الخير، ثم يكون موته بعد ذلك على هذه الحال الحسنة، ومما يدل على هذا المعنى ما صح عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أراد الله بعبده خيراً استعمله) قالوا: كيف يستعمله؟ قال: (يوفقه لعمل صالح قبل موته) رواه الإمام أحمد (١١٦٢٥) والترمذي (٢١٤٢) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ١٣٣٤. وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَسَلَهُ قِيلَ وَمَا عَسَلُهُ قَالَ يَفْتَحُ اللَّهُ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا قَبْلَ مَوْتِهِ ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ " رواه أحمد ١٧٣٣٠ وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ١١١٤. ولحسن الخاتمة علامات، منها ما يعرفه العبد المحتضر عند احتضاره، ومنها ما يظهر للناس. ثانياً: أما العلامة التي يظهر بها للعبد حسن خاتمته فهي ما يبشر به عند موته من رضا الله تعالى واستحقاق كرامته تفضلا منه تعالى، كما قال جل وعلا: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ فصلت / ٣٠، وهذه البشارة تكون للمؤمنين عند احتضارهم. انظر تفسير ابن سعدي ١٢٥٦ ومما يدل على هذا أيضا ما رواه البخاري (٦٥٠٧) ومسلم (٢٦٨٣) عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " فقلت: يا نبي الله! أكراهية الموت، فكلنا نكره الموت؟ فقال: " ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله، وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه " وقال النووي ﵀: (معنى الحديث أن المحبة والكراهية التي تعتبر شرعا هي التي تقع عند النزع في الحالة التي لا تقبل فيها التوبة، حيث ينكشف الحال للمحتضر، ويظهر له ما هو صائر إليه) أما عن علامات حسن الخاتمة فهي كثيرة، وقد تتبعها العلماء ﵏ باستقراء النصوص الواردة في ذلك فمن هذه العلامات: ١- النطق بالشهادة عند الموت، لقول النبي ﷺ : (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) رواه أبو داوود ٣١١٦، وصححه الألباني في صحيح أبي داوود ٢٦٧٣. ٢- الموت برشح الجبين، أي: أن يكون على جبينه عرق عند الموت، لما رواه بريدة بن الحصيب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " موت المؤمن بعرق الجبين " رواه أحمد (٢٢٥١٣) والترمذي (٩٨٠) والنسائي (١٨٢٨) وصححه الألباني في صحيح الترمذي. ٣- الموت ليلة الجمعة أو نهارها لقول الرسول ﷺ : (ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر) رواه أحمد (٦٥٤٦) والترمذي (١٠٧٤) قال الألباني: الحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح. ٤- الموت غازياً في سبيل الله؛ لقول الله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. يستبشرون بنعمةٍ من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾ . وقال ﷺ : " من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد " رواه مسلم ١٩١٥. ٥- الموت بالطاعون لقوله ﷺ : " الطاعون شهادة كل مسلم " رواه البخاري (٢٨٣٠) ومسلم (١٩١٦) وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الطَّاعُونِ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُصِيبُهُ إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ " رواه البخاري ٣٤٧٤. ٦- الموت بداء البطن، لقول النبي ﷺ : " ... ومن مات في البطن فهو شهيد " رواه مسلم ١٩١٥ ٧- الموت بسبب الهدم والغرق، لقول النبي ﷺ : (الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله) أخرجه البخاري ٢٨٢٩ ومسلم ١٩١٥. ٨- موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها أو وهي حامل به، ومن أدلة ذلك ما رواه أبو داود (٣١١١) أن النبي ﷺ قال: (والمرأة تموت بجُمع شهيد) قال الخطابي: معناه أن تموت وفي بطنها ولد اهـ عون المعبود وروى الإمام أحمد (١٧٣٤١) عن عبادة بن الصامت أنه قال: قال رسول الله ﷺ : أخبر عن الشداء، فذكر منهم: " والمرأة يقتلها ولدها جمعاء شهادة (يجرها ولدها بسُرَرِه إلى الجنة) " صححه الألباني في كتاب الجنائز ص ٣٩ السرة: ما يبقى بعد القطع مما تقطعه القابلة، والسرر ما تقطعه. ٩- الموت بالحرق وذات الجنب والسل، لقول النبي ﷺ : " القتل في سبيل الله شهادة، والطاعون شهادة، والغرق شهادة، والبطن شهادة والنفساء يجرها ولدها بسرره إلى الجنة " (قال وزاد أبو العوام سادن بيت المقدس والحرق والسل) قال الألباني: حسن صحيح، صحيح الترغيب والترهيب (١٣٩٦) . ١٠- الموت دفاعاً عن الدين أو المال أو النفس لقول النبي ﷺ قال: (من قتل دون ما له فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد) رواه الترمذي ١٤٢١. وروى البخاري (٢٤٨٠) ومسلم (١٤١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ". ١١- الموت رباطاً في سبيل الله، لما رواه مسلم (١٩١٣) عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأُمن الفتان ". ١٢- ومن علامات حسن الخاتمة الموت على عمل صالح، لقوله ﷺ : (من قال لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ختم له بها دخل الجنة) رواه الإمام أحمد (٢٢٨١٣) وصححه الألباني في كتاب الجنائز ص٤٣. انظر كتاب الجنائز (ص٣٤) للألباني ﵀. وهذه العلامات هي من البشائر الحسنة التي تدل على حسن الخاتمة، ولكننا مع ذلك لا نجزم لشخص ما بعينه أنه من أهل الجنة إلا من شهد له النبي ﷺ بالجنة كالخلفاء الأربعة.. نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الخاتمة. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 338

ما حالُ الطفلِ الذي لم يبلغْ في قبرِه إذا مات ؟ [السُّؤَالُ] ـ[إذا ماتَ صبيٌّ صغيرٌ لم يصِل إلى سِنِّ التكليفِ، أي أنَّ عمرَه حوالي ما بين ١٠ إلى ١١ سنةً، ما هو مصيرُه في الحياةِ البرزخيةِ من النواحِي التاليةِ: هل يتعرَّضُ لفتنةِ القبرِ (سؤالِ منكَر ونكير) ؟ هل يتعرَّض لعذابِ القبرِ؟ هل بالفعلِ أنَّ هذا الطفلَ يشفعُ لأهلِه في دخولِ الجنةِ؟ سمعتُ أنَّ نبيَّ اللهِ إبراهيمَ ﵇ هو المسئولُ عن رعايةِ أطفالِ المسلمينَ الذين ماتوا في هذا السن، والذي أعرفُه أنَّ سيدَنا إبراهيمَ موجودٌ في السماءِ السابعةِ، فهل هذا يعني أنَّ الطفلَ الميِّتَ يعيشُ في السماءِ السابعةِ أم في القبرِ تحتَ الأرضِ؟ وهل ضغطة القبرِ لا ينجو منها حتى الأطفالُ؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ضمَّةُ القبرِ هي أوَّلُ ما يلاقيه الميتُ حين يوضعُ في قبرِه، وقد جاءَ في النصوصِ ما يدلُّ على أنَّها عامةٌ لكل من يوضعُ في القبرِ، ولا ينجو منها أحدٌ، واللهُ المستعان. روى أحمد (٦/٥٥، ٩٨) عن النبي ﷺ أنه قال: (إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً، فَلَو نَجَا أَو سَلِمَ أَحَدٌ مِنهَا لَنَجَا سَعدُ بنُ مُعاذ) وقال الألباني في الصحيحة (١٦٩٥) : وجملة القول أن الحديث بمجموع طرقه وشواهده صحيح بلا ريب، فنسأل الله تعالى أن يهون علينا ضغطة القبر إنه نعم المجيب. وعن أبي أيوب ﵁: أن صبيًا دُفنَ، فقالَ ﷺ : (لَوْ أَفْلَتَ أَحَدٌ مِنْ ضَمَّةِ القَبْرِ لأَفْلَتَ هَذَا الصَبِيُّ) رواه الطبراني المعجم الكبير (٤/١٢١) وصححه الهيثمي (٣/٤٧) ، والألباني في السلسلة الصحيحة (٢١٦٤) . ثانيًا: اختلفَ العلماءُ في الأطفالِ، هل يسألون في قبورِهم؟ على قولَين: القولُ الأولُ: أنَّهم يُسألون، وهو قول ُبعضِ المالكيةِ وبعض الحنابلة، واختاره القرطبيُّ، واختارَه أيضاً شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية كما نقلَه عنه في الفروع. انظر: "الفروع" (٢/٢١٦) ، "شرح الزرقاني" (٢/٨٥) . قال ابنُ القيِّمِ ﵀ في "الروح" (٨٧-٨٨) : " وحجةُ من قالَ إنَّهم يُسأَلون: أنَّه يُشرَعُ الصلاةُ عليهم، والدعاءُ لهم، وسؤالُ اللهِ أن يقيَهم عذابَ القبرِ وفتنةَ القبرِ. كما ذُكر عن أبي هريرة ﵁: أنَّه صلَّى على جنازةِ صبِيٍّ، فسُمع مِن دُعائِه: اللهم قِهِ عذابَ القبرِ. رواه مالك (٥٣٦) وابن أبي شيبة (٦/١٠٥) . واحتجُّوا بما رواه عليُّ بنُ معبد عن عائشةَ ﵂: أنَّه مُرَّ عليها بجنازة صبيٍّ صغيرٍ، فبكت، فقيلَ لها: ما يُبكيك يا أمَّ المؤمنين؟ فقالت: هذا الصبيُّ، بكيت له شفقةً عليه من ضمةِ القبرِ. قالوا: واللهُ سبحانه يُكمِّل لهم عقولَهم ليعرِفوا بذلك منزلَهم، ويُلهمون الجوابَ عما يُسأَلون عنه " انتهى. القولُ الثاني: أنَّهم لا يُمتحنون ولا يُسأَلون في قبورِهم. وهو قولُ الشافعيةِ، وبعضِ المالكية والحنابلة. قالَ ابنُ مفلح في "الفروع" (٢/٢١٦) : " وهو قولُ القاضي، وابنُ عقيل " انتهى. أما حجَّةُ هذا القول، فيوضِّحُها ابنُ القيم ﵀، ويبدو أنَّه يميلُ إليها، حيث يقولُ في "الروح" (٨٧-٨٨) : " قالَ الآخرون: السؤالُ إنَّما يكونُ لِمَن عَقَلَ الرسولَ والمرسِلَ، فيُسأَل هل آمن بالرسولِ وأطاعَه أم لا؟ فيُقال له: ما كنت تقولُ في هذا الرجلِ الذي بُعِثَ فيكم؟ فأمَّا الطفلُ الذي لا تمييزَ له بوجهٍ ما، فكيف يقالُ له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ الذي بُعِثَ فيكم؟ ولو رُدَّ إليه عقلُه في القبرِ , فإنَّه لا يُسأَل عمَّا لم يتمكن من معرفتِه والعلمِ به، ولا فائدةَ في هذا السؤالِ. وأما حديثُ أبي هريرة ﵁، فليس المرادُ بعذابِ القبرِ فيه عقوبةَ الطفلِ على تركِ طاعةٍ أو فعلِ معصيةٍ قطعًا، فإنَّ اللهَ لا يعذِّبُ أحدًا بلا ذنبٍ عمله. بل عذابُ القبرِ: قد يُرادُ به الألمُ الذي يحصل للميتِ بسببٍ غيرِه، وإن لم يكن عقوبةً على عَمَلٍ عَمِلَه، ومنه قولُه ﷺ : (إنَّ الميتَ ليعذبُ ببكاءِ أهلِه عليه) أي: يتألَّمُ بذلك ويتوجَّعُ منه، لا أنّه يعاقَبُ بذنبِ الحيِّ. ولا ريبَ أن في القبرِ من الآلامِ والهمومِ والحسراتِ ما قد يسرى أثرُه إلى الطفل، فيتألَّمُ به، فيُشرَعُ للمصلي عليه أن يسألَ اللهَ تعالى له أن يقيَه ذلك العذابَ، والله أعلم " انتهى. ثالثاً: أما عن مكانِ من تُوُفِّيَ من الأطفالِ، هل هم في السماءِ السابعةِ مع إبراهيمَ ﵇، أم في قبورِهِم؟ فالذي ورد في ذلك حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ مِمَّا يُكثِرُ أن يَقُولَ لأَصحَابِهِ: هَل رَأَى أَحَدٌ مِنكُم مِن رُؤيَا؟ قالَ: فَيَقُصُّ عَلَيه مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُصَّ. وَإِنَّه قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ: إِنَّه أَتَانِي الليلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهما ابتَعَثَانِي، وَإِنَّهُما قَالا لِي: انطَلِق، وَإِنِّي انطَلَقتُ مَعَهُما. . . فذكر أشياء رآها ثم قال: فانطَلَقنَا، فَأتَينَا عَلَى رَوضَةٍ مُعتَمَّةٍ، فِيهَا مِن كُلِّ لَونِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَي الرَّوضَةِ رَجُلٌ طَويلٌ لا أَكادُ أَرَى رَأسَهُ طُولًا فِي السَّماءِ، وإِذَا حَولَ الرَّجُلِ مِن أَكثَرِ وِلدَانٍ رَأيتُهم قَطُّ،. . . ثم كان مما عبره له الملكان: وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّويلُ الذي فِي الرَّوضَةِ فَإِنَّه إبراهيمُ، وَأَمَّا الوِلدَانُ الذِينَ حَولَه فَكُلُّ مَولُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ، فَقَالَ بَعضُ المُسلِمِين: يَا رَسُولَ اللهِ وَأَوْلادُ المُشْرِكِين؟ فَقَالَ: وَأَوْلادُ المُشرِكِين. رواه البخاري (٧٠٤٧) . فهذا الحديث يدل على أن من مات وهو قبل البلوغ يكون في الجنة في كفالة إبراهيم ﵇، لا أنه يكون في السماء السابعة. وانظر: "شرح مسلم للنووي" حديث رقم (٢٦٥٨) . رابعاً: جاءت الأحاديث المتكاثرة عن النبي ﷺ في شفاعة الصبيان في آبائهم يوم القيامة، ومن ذلك: عن أبي حسان قال: قلتُ لأَبِي هُرَيْرَةَ: إنَّه قَدْ مَاتَ لِي ابنانِ، فَمَا أَنْتَ مُحَدِّثِي عَنْ رَسُولِ اللهِ بِحَدِيْثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا؟ قالَ: نَعَمْ، صِغَارُهُم دَعَامِيْصُ الجَنَّةِ، يَتَلَقَّى أَحَدُهُم أَبَاهُ - أَوْ قَالَ أَبَوَيْهِ - فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ، - أَوْ قَالَ بِيَدِهِ - كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنَفَةِ ثَوْبِكَ هذا، فَلا يَتَنَاهَى حتى يُدخِلَه اللهُ وَأَبَاهُ الجَنَّةَ. رواه مسلم (٢٦٣٥) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 339

هل يستمر عذاب القبر إلى قيام الساعة [السُّؤَالُ] ـ[أود أن أسال عن سؤال القبر: (بعد أن يفرغ الملكان من سؤال الإنسان في قبره.. هل يبقى الفاجر يُعَذَّبُ في قبره إلى قيام الساعة.. وأيضاً هل يبقى المؤمن في نعيم إلى قيام الساعة.. أم أنه مجرد يوم واحد وسينتهي ويصبح بعدها الإنسان جثة هامدة وأيضاً هل هناك دليل على أن الإنسان في قبره ينتقل إلى حياة أخرى تستمر إلى قيام الساعة.. أجيبوني يرحمكم الله) .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الحياة التي يعيشها الإنسان تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١- الحياة الدنيا، والتي تنتهي بالموت. ٢- حياة البرزخ، وهي التي تكون بعد الموت إلى قيام الساعة. ٣- حياة الآخرة، وهي التي تكون بعد قيام الناس من قبورهم إما إلى جنةٍ، نسأل الله من فضله، وإما إلى نار والعياذ بالله. فالحياة البرزخية هي التي تكون بعد موت الإنسان إلى بعثه، وسواء قُبِر أو لم يُقبر أو احترق أو أكلته السباع، والذي يدل على هذه الحياة ما ورد عن النبي ﷺ أن الميت بعدما يوضع في قبره يسمع قرع نعال أهله، كما جاء في الحديث. وهذه الحياة إما أن تكون نعيماً وإما أن تكون جحيماً، والقبر فيها إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران. والذي يدل على النعيم والعذاب فيها، قول الله تعالى عن قوم فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) سورة غافر/٤٦، قال ابن مسعود: إن أرواح آل فرعون ومن كان مثلهم من الكفار تحشر عن النار بالغداة والعشي فيقال هذه داركم. قال ابن كثير: وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور. " تفسير ابن كثير " (٤ / ٨٢) . قال القرطبي: واحتج بعض أهل العلم في إثبات عذاب القبر بقوله: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا) كذلك قال مجاهد وعكرمة ومقاتل ومحمد بن كعب كلهم قال: هذه الآية تدل على عذاب القبر , ألا تراه يقول عن عذاب الآخرة: (ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) . " تفسير القرطبي " (١٥ / ٣١٩) . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَإِنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ) رواه البخاري (بدء الخلق/٣٠٠١) ومسلم (الجنة وصفة نعيمها / ٢٨٦٦) . وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَذَكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَقَالَ: نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) رواه البخاري (الجنائز/١٢٨٣) ومسلم (الكسوف / ٩٠٣) . فهذه الآيات والأحاديث تدل على إثبات عذاب القبر واستمراره في حق بعض الناس. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن عذاب القبر: أما إن كان الإنسان كافراً والعياذ بالله فإنه لا طريق إلى وصول النعيم إليه أبداً، ويكون عذابه مستمراً، وأما إن كان عاصياً وهو مؤمن فإنه إذا عذِّب في قبره يعذَّب بقدر ذنوبه، وربما يكون عذاب ذنوبه أقل من البرزخ الذي بين موته وقيام الساعة، وحينئذ يكون منقطعاً. أهـ " الشرح الممتع " ج/٣ ص/٢٥٣. وانظر جواب سؤال رقم (٧٨٦٢) ففيه زيادة بيان [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 340

شدائد القبر تكفّر عن المؤمن من سيئاته [السُّؤَالُ] ـ[هل يستفيد المسلم من فتنة القبر بتخفيف سيئاته أو محوها؟.]ـ [الْجَوَابُ] من فضل الله تعالى على هذه الأمة أن جعل قبل الحساب مكفِّرات لذنوبها، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ عشرة مكفِّرات، ومنها: عذاب القبر. قال ﵀: ما يحصل للمؤمن في الدنيا والبرزخ والقيامة من الألم التي هي عذاب: فإن ذلك يُكفِّر الله به خطاياه، كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا حزَن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله به من خطاياه. " مجموع الفتاوى " (٢٤ / ٣٧٥) . قال ﵀: السبب الثامن: ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة، فإن هذا مما يكفّر به الخطايا. " مجموع الفتاوى " (٧ / ٥٠٠) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا في " منهاج السنَّة " (٦ / ٢٣٨) أن مما يكفِّر السيئات: ما يُبتلى به المؤمن في قبره من الضغطة، وفتنة الملَكين. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 341

هل عذاب القبر مستمر [السُّؤَالُ] ـ[لي أخ قد مات وهو مفرِّط يعمل المعاصي والكبائر ولكنني كنت أحبّه جدا، وقد قرأت عن عذاب القبر أشياء مخيفة جدا فهل يستمرّ عليه العذاب في القبر، وهل يخفّف عنه أن أعمل طاعات وأهب ثوابها لها مثل الصّدقة أو الحجّ، أرجو إفادتي فأنا حزينة عليه جدا.]ـ [الْجَوَابُ] أمّا مصير أخيك فأمره إلى الله إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له ولا يُمكن أن نقطع فيه بشيء ولكن نتكلّم عن المسألة مجرّدة: فأما مسألة هل عذاب القبر دائم أم منقطع؟ فقد قال ابن القيم عن هذه المسألة: جوابها أنه نوعان: نوع دائم سوى ما ورد في بعض الأحاديث أنه يخفف عنهم ما بين النفختين فإذا قاموا من قبورهم قالوا ﴿يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا﴾ ويدل على دوامه قوله تعالى ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا﴾ . ويدل عليه أيضا ما تقدم في حديث سمرة الذي رواه البخاري في رؤيا النبي ﷺ وفيه فهو يفعل به ذلك إلى يوم القيامة. وفي حديث ابن عباس في قصة الجريدتين لعله يخفف عنهما ما لم تيبسا فجعل التخفيف مقيدا برطوبتهما فقط. وفي حديث الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي هريرة ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر كلما رضخت عادت لا يُفتَّر عنهم من ذلك شيء، وقد تقدم. وفي الصحيح في قصة الذي لبس بردين وجعل يمشي يتبختر فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وفي حديث البراء بن عازب في قصة الكافر ثم يفتح له باب إلى النار فينظر إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعة رواه الإمام أحمد وفي بعض طرقه ثم يخرق له خرقا إلى النار فيأتيه من غمِّها ودخانها إلى القيامة. النوع الثاني: إلى مدة ثم ينقطع: وهو عذاب بعض العصاة الذين خفت جرائمهم فيعذب بحسب جرمه ثم يخفف عنه كما يعذب في النار مدة ثم يزول عنه العذاب. وقد ينقطع عنه العذاب بدعاء أو صدقة أو استغفار أو ثواب حج.. تصل إليه من بعض أقاربه أو غيرهم.. " الروح " (ص ٨٩) . وفي كلامه الأخير إجابة عن الشقّ الثاني من السؤال، نسأل الله أن يتولانا برحمته، وصلى الله على نبينا محمد. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 342

ما هو البرزخ [السُّؤَالُ] ـ[ما هو البرزخ؟ أرجو أن توضح ذلك بالتفصيل. وأيضا، فأنا أريد أن أعرف ما هي أنواع العقوبات على الذنوب؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله المراد بالبرزخ هو ما بين أن يموت الإنسان إلى أن يبعث يوم القيامة، فمن مات على الإسلام والطاعة نُعّم ومن مات على الكفر أو المعصية عُذّب، قال تعالى: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب) . والعقوبات تتنوع بحسب الذنوب وقد ورد حديث في صحيح البخاري يبين عذاب البرزخ الذي يقع على بعض مرتكبي الكبائر فعن سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا قَالَ فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي انْطَلِقْ وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ فَيَتَهَدْهَدُ الْحَجَرُ هَا هُنَا فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى قَالَ قُلْتُ لَهُمَا سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ قَالَ وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاءٍ فَيَشُقُّ قَالَ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الْأَوَّلِ فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى قَالَ قُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ قَالَ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ قَالَ فَاطَّلَعْنَا فِيهِ فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا قَالَ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَؤُلَاءِ قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا قَالَ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَانِ قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ الْمَرْآةِ كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلًا مَرْآةً وَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا قَالَ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَا قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنِ الرَّبِيعِ وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيْ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ قَالَ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَا مَا هَؤُلَاءِ قَالَ قَالَا لِي انْطَلِقْ انْطَلِقْ قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلَا أَحْسَنَ قَالَ قَالَا لِي ارْقَ فِيهَا قَالَ فَارْتَقَيْنَا فِيهَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ فَاسْتَفْتَحْنَا فَفُتِحَ لَنَا فَدَخَلْنَاهَا فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ قَالَ قَالَا لَهُم اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ قَالَ وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ فِي الْبَيَاضِ فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ قَالَ قَالَا لِي هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ قَالَ فَسَمَا بَصَرِي صُعُدًا فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ الْبَيْضَاءِ قَالَ قَالَا لِي هَذَاكَ مَنْزِلُكَ قَالَ قُلْتُ لَهُمَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمَا ذَرَانِي فَأَدْخُلَهُ قَالَا أَمَّا الْآنَ فَلَا وَأَنْتَ دَاخِلَهُ قَالَ قُلْتُ لَهُمَا فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ قَالَ قَالَا لِي أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ أَمَّا الرَّجُلُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنْ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمْ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الْحَجَرَ فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا وَأَمَّا الرَّجُلُ الْكَرِيهُ الْمَرْآةِ الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ قَالَ فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنًا وَشَطْرٌ قَبِيحًا فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ. رواه البخاري برقم ٦٥٢٥ [الْمَصْدَرُ] الشيخ وليد الفريان

стр. 343

هل نعيم القبر وعذابه على الجسد والروح أم على أحدهما دون الآخر [السُّؤَالُ] ـ[كل إنسان مسئول عن أعماله يوم القيامة، وقبل هذا اليوم يبدأ العقاب في القبر. فما هي حال الروح أثناء هذه الفترة؟ وإذا كان عذاب القبر وارداً وصحيحاً، فهل يُعذب الإنسان بجسده وروحه على أعماله داخل قبره؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا شك في ثبوت عذاب القبر ونعيمه كما دلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية واتفاق سلف الأمة. ويمكنك مراجعة سؤال رقم (٣٤٦٤٨) للاطلاع على تفصيل هذه المسألة. وأما كون العذاب على الجسد والروح جميعا أو على أحدهما دون الآخر؟ فالأصل أن العذاب والنعيم في القبر يكون على الروح، وقد تتصل الروح بالبدن فيصيبه شيء من العذاب أو النعيم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:" فَلْيُعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ " سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا " أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا مَاتَ يَكُونُ فِي نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ وَأَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِرُوحِهِ وَلِبَدَنِهِ وَأَنَّ الرُّوحَ تَبْقَى بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْبَدَنِ مُنَعَّمَةً أَوْ مُعَذَّبَةً وَأَنَّهَا تَتَّصِلُ بِالْبَدَنِ أَحْيَانًا فَيَحْصُلُ لَهُ مَعَهَا النَّعِيمُ وَالْعَذَابُ. ثُمَّ إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى أُعِيدَتْ الأَرْوَاحُ إلَى أَجْسَادِهَا وَقَامُوا مِنْ قُبُورِهِمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ" إ. هـ. وَالأَحَادِيثُ التي تدل على هذه الْمَسْأَلَةِ كَثِيرَةٌ منها ما رواه أبو داود (٤١٢٧) وصححه الألباني في صحيح أبي داود عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ. فَانْتَهَيْنَا إلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرُ وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ الأَرْضَ ; فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: اسْتَعِيذُوا بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا. وَذَكَرَ صِفَةَ قَبْضِ الرُّوحَ وَعُرُوجِهَا إلَى السَّمَاءِ ثُمَّ عَوْدَهَا إلَيْهِ. إلَى أَنْ قَالَ: وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ حِينَ يُقَالُ لَهُ يَا هَذَا مَنْ رَبُّك؟ وَمَا دِينُك؟ وَمَنْ نَبِيُّك؟ . وَفِي لَفْظٍ: ﴿فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ وَيَقُولانِ لَهُ: مَنْ رَبُّك؟ فَيَقُولُ: رَبِّي اللَّهُ. فَيَقُولانِ لَهُ: مَا دِينُك؟ فَيَقُولُ دِينِي الإِسْلامُ. فَيَقُولانِ. مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي أُرْسِلَ فِيكُمْ؟ قَالَ: فَيَقُولُ. هُوَ رَسُولُ اللَّهِ. فَيَقُولانِ: وَمَا يُدْرِيك؟ فَيَقُولُ: قَرَأْت كِتَابَ اللَّهِ وَآمَنْت بِهِ وَصَدَّقْت بِهِ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَافْرِشُوا لَهُ فِي الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إلَى الْجَنَّةِ قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا قَالَ: وَيُفْسَحُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ قَالَ: وَإِنَّ الْكَافِرَ فَذَكَرَ مَوْتَهُ. وَقَالَ: وَتُعَادُ رُوحُهُ إلَى جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولانِ لَهُ: مَنْ رَبُّك؟ فَيَقُولُ هاه هاه لا أَدْرِي. فَيَقُولانِ لَهُ: مَا دِينُك؟ فَيَقُولُ: هاه. هاه لا أَدْرِي فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ عَبْدِي فَافْرِشُوا لَهُ مِنْ النَّارِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إلَى النَّارِ قَالَ: وَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا قَالَ: وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلاعُهُ قَالَ: ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا قَالَ: فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إلا الثَّقَلَيْنِ فَيَصِيرُ تُرَابًا. ثُمَّ تُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ﴾ . فَقَدْ صَرَّحَ الْحَدِيثُ بِإِعَادَةِ الرُّوحِ إلَى الْجَسَدِ وَبِاخْتِلافِ أَضْلاعِهِ وَهَذَا بَيِّنٌ فِي أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى الرُّوحِ وَالْبَدَنِ مُجْتَمِعَيْنِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إن المؤمن إذا قبض أتته ْمَلائِكَةُ الرحمة بِحَرِيرَةِ بَيْضَاءَ. فَيَقُولُونَ: اُخْرُجِي إلى رَوْح الله فتخرج كَأَطْيَبِ رِيحِ مِسْكِ حَتَّى إنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا يشمونه حَتَّى يَأْتُون بِهِ بَابَ السَّمَاءِ. فَيَقُولُونَ: ما هذه الريح الطيبة التي جاءت من َالأَرْضِ؟ ..حتى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أهل الغائب بِغَائِبِهِم؟ ..وَأَما الْكَافِرَ فيأتيه مَلائِكَةُ الْعَذَابِ بِمَسْح (قطعة من الصوف الغليظ) فَيَقُولُونَ: اُخْرُجِي مَسْخُوطًا عَلَيْك إلَى عَذَابِ اللَّهِ فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ جِيفَةٍ﴾ رواه ابن حبان (٧/ ٢٨٤) وقال محققه إسناده صحيح. (فَفِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ وَنَحْوِهَا اجْتِمَاعُ الرُّوحِ وَالْبَدَنِ فِي نَعِيمِ الْقَبْرِ وَعَذَابِهِ وأَنَّ الرُّوحَ تُنَعَّمُ مَعَ الْبَدَنِ الَّذِي فِي الْقَبْرِ - إذَا شَاءَ اللَّهُ -. وَأَمَّا انْفِرَادُ الرُّوحِ وَحْدَهَا بالعذاب أو النعيم، فَقَدْ تَقَدَّمَ ما يدل على ذلك وفي سنن النسائي (٢٠٧٣) عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ﴿إنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يبعثه الله إلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ﴾ وصححه الألباني في صحيح النسائي. وَقَوْلُهُ " يَعْلُقُ " أَيْ يَأْكُلُ. فقد دلت هذه الأَحَادِيثِ على أَنَّ الْأَبْدَانَ الَّتِي فِي الْقُبُورِ تُنَعَّمُ وَتُعَذَّبُ - إذَا شَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ - كَمَا يَشَاءُ؛ وأن الروح تُنَعَّمُ فِي الْجَنَّةِ وَحْدَهَا وَكِلاهُمَا حَقٌّ. ودلت كذلك على أَنَّ الأَرْوَاحَ بَاقِيَةٌ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْبَدَنِ َمُنَعَّمَةً أوَمُعَذَّبَةً. وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل عذاب القبر على البدن أو على الروح فأجاب: الأصل أنه على الروح، لأن الحكم بعد الموت للروح، والبدن جثة هامدة، ولهذا لا يحتاج البدن إلى إمداد لبقائه، فلا يأكل ولا يشرب، بل تأكله الهوام، فالأصل أنه على الروح، لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية إن الروح قد تتصل بالبدن فيعذب أو ينعم معها.... فبناء على ذلك قال العلماء إن الروح قد تتصل في البدن فيكون العذاب على هذا وهذا، وربما يستأنس لذلك بالحديث الذي قال فيه رسول الله ﷺ : (إن القبر ليضيق على الكافر حتى تختلف أضلاعه) فهذا يدل على أن العذاب يكون على الجسم لأن الأضلاع في الجسم. مجموع فتاوى ابن عثيمين (١/٢٥) والله تعالى أعلم. انظر (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٤/ ٢٨٢ ـ ٢٩٩) والقيامة الصغرى للشيخ عمر الأشقر (١٠٧) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 344

الأسباب المفصلة لعذاب القبر [السُّؤَالُ] ـ[ما هي المعاصي التي يعذب بها أصحابها في القبور؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله سبق في جواب السؤال رقم (٤٥٣٢٥) ذكر هذه الأسباب، ونذكر هنا مجموعة من هذه المعاصي، مقرونة بأدلتها من القرآن والسنة الصحيحة. الشرك بالله والكفر به قال الله تعالى عن آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) غافر/٤٦. وقال تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) الأنعام/٩٣. وذلك أن الكافر إذا احتُضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والأغلال والسلاسل والجحيم وغضب الله عليه فتفرق روحه في جسده وتعصي وتأبى الخروج فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم قائلين لهم: (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ....) الأنعام/٩٣. ومما يدل على أن الشرك سبب من أسباب عذاب القبر حديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ فَقَالَ: مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الأَقْبُرِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا. قَالَ: فَمَتَى مَاتَ هَؤُلاءِ؟ قَالَ: مَاتُوا فِي الإِشْرَاكِ.. فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلا أَنْ لا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ.. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ.. (الحديث) . رواه مسلم (٢٨٦٧) فقوله في الحديث: (ماتوا في الإشراك) دليل على أن الشرك سبب في عذاب القبر. النفاق سبب من أسباب عذاب القبر والمنافقون أولى الناس بعذاب القبر، كيف لا وهم أصحاب الدرك الأسفل من النار. قال الله تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) التوبة/١٠١. قال قتادة والربيع بن أنس في قوله تعالى: (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ) : إحداهما في الدنيا، والأخرى هي عذاب القبر. وفي أحاديث سؤال الملكين وفتنة القبر، ورد التصريح باسم المنافق، أو المرتاب في كثير من الروايات، كما في البخاري (١٣٧٤) من حديث أنس ﵁: (.. وأما الكافر والمنافق فيُقال له..) ، وفي الصحيحين من حديث أسماء ﵂: (وأما المنافق أو المرتاب) . تغيير شرع الله تعالى؛ بتحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم والدليل على أن ذلك الإلحاد في شرع الله تعالى سبب من أسباب العذاب في القبر قول النبي ﷺ : (رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ؛ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ) . رواه البخاري (٤٦٢٣) . قَوْله ﷺ : (يَجُرّ قُصْبه فِي النَّار) وَهِيَ الأَمْعَاء. والسائبة: هي ناقة أو بقرة أو شاة كانوا يسيبونها فلا تركب ولا تؤكل ولا يحمل عليها، وكان بعضهم ينذر شيئا من ماله يجعله سائبة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " العرب من ولد إسماعيل وغيره، الذين كانوا جيران البيت العتيق الذي بناه إبراهيم وإسماعيل، كانوا حنفاء على ملة إبراهيم، إلى أن غير دينه بعض ولاة خزاعة، وهو عمرو بن لحي، وهو أول من غير دين إبراهيم بالشرك وتحريم ما لم يحرمه الله، ولهذا قال النبي ﷺ : رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه " انتهى. "دقائق التفسير" (٢/٧١) . عدم الاستبراء من البول، والمشي بين الناس بالنميمة فعن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ... الحديث. رواه البخاري (٢١٨) ومسلم (٢٩٢) . وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إن عامة عذاب القبر من البول فتنزهوا منه) أخرجه الدارقطني، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١/١٥٢) . الغيبة وعلى ذلك ترجم البخاري ﵀ في كتاب الجنائز بقوله: " عذاب القبر من الغيبة والبول ". ثم روى فيه حديث القبرين السابق مع أن لفظ البخاري ليس فيه ذكر الغيبة، وإنما فيه النميمة، لكنه جرى عَلَى عَادَته فِي الْإِشَارَة إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُق الحديث: (وأما الآخر فيعذّب في الغيبة) أخرجه أحمد (٥/٣٥) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/٦٦) . الكذب ففي حديث سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ، قَالَ: ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الأُولَى. قَالَ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا هَذَانِ؟ ثم قال عن هذا المعذب في آخر الحديث: (إنه الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق..) رواه البخاري (٧٠٧٤) . فيشرشر: أي يقطعه. والشدق: جانب الفم. هجر القرآن بعد تعلُّمه، والنوم عن الصلاة المكتوبة ففي حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ، فَيَتَدَهْدَه الْحَجَرُ هَا هُنَا فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الأُولَى. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا هَذَانِ؟ وفيه: (والذي رأيته يُشْدَخ رأسُه فرجل علمه الله القُرْآن، فنام عنه بالليل، ولم يعمل به بالنهار) . (يثلغ رأسه) : أي يشدخه ويشقه. (يتدهده) : أي يتدحرج. وفي رواية: (أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنْ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ) رواه البخاري (٧٠٧٦) . وذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن هذه الرواية أوضح من الأولى؛ فإن ظاهر الأولى أنه يعذب على ترك قراءة القُرْآن بالليل، وأما الأخرى فتدل على أنه يعذب على نومه عن الصلاة المكتوبة. قال: ويحتمل أن يكون العذاب على مجموع الأمرين؛ ترك القراءة، وترك العمل. قال ابن حجر: " قال ابن هبيرة: رفض القرآن بعد حفظه جناية عظيمة؛ لأنه يوهم أنه رأى فيه ما يوجب رفضه، فلما رفض أشرف الأشياء وهو القرآن عوقب في أشرف أعضائه وهو الرأس " فتح الباري (٣/٢٥١) . أكل الربا ففي حديث سمرة ﵁ قَالَ: (فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ، وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ، وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا) إلى أن قال: (وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الْحَجَرَ فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا) . الزنا ففي حديث سمرة ﵁: (فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ، فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ، قَالَ: فَاطَّلَعْنَا فِيهِ، فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا [أي: صاحوا] قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَؤُلَاءِ؟) وفي آخره: (وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمْ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي) . أمر الناس بالبر ونسيان النفس فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال ﷺ : (رأيت ليلة أسري بي رجالاً تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: الخطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون؟!) أخرجه أحمد (٣/١٢٠) وصححه الألباني في الصحيحة (٢٩١) . وعند البيهقي: (أتيت ليلة أُسري بي على قوم تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت وفت، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرءون كتاب الله ولا يعملون به) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٢٨) . الإفطار في رمضان من غير عذر فعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان، فأخذا بضَبُعَيَّ، وأتيا بي جباً فقالا لي: اصعد. فقلت: إني لا أطيقه. فقالا: إنا سنسهله لك. قال: فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل، إذا أنا بأصوات شديدة، فقلت: ما هذه الأصوات؟ قال: هذا عواء أهل النار. ثم انْطُلِق بي، فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دماً، قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: هم الذين يفطرون قبل تحلة صومهم. أخرجه ابن حبان والحاكم (١/٢٩٠،٢١٠) ، وصححه الألباني في الصحيحة (٣٩٥١) . الغلول من الغنائم: دل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ في الرجل الذي غل الثوب في بعض مغازيه، فقال النبي ﷺ عنه: (والذي نفسي بيده إن الشملة [ثوب] التي أخذها يوم خيبر من المغانم، لم تُصبها المقاسم، لتشتعل عليه ناراً) أخرجه البخاري (٤٢٣٤) ومسلم (١١٥) . والغلول: هو أخذ الغازي شيئاً من الغنيمة دون عرضه على ولي الأمر لقسمته. جرّ الثوب خيلاء يدل على ذلك حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (بينما رجلٌ يجر إزاره إذ خُسف به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة) أخرجه البخاري (٣٤٨٥) ومسلم (٢٠٨٨) . والتجلجل: أن يسوخ في الأرض مع اضطراب شديد ويندفع من شق إلى شق. فالمعنى: يتجلجل في الأرض أي ينزل فيها مضطرباً متدافعاً. السرقة من الحُجَّاج دلَّ على ذلك حديث جابر ﵁ في صلاة الكسوف.. وفيه قول النبي ﷺ : (لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ؛ كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ، فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي، وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ) رواه مسلم (٩٠٤) والمحجن: عصا معوجة الرأس. حبس الحيوان وتعذيبه وعدم رحمته ففي حديث جابر ﵁ في صلاة الكسوف قال النبي ﷺ : (رَأَيْتُ فِيهَا [أي النار] صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا) رواه مسلم (٩٠٤) . قال البيهقي في كتابه "إثبات عذاب القبر" (ص ٩٧) : " ورأى حين صلى صلاة الخسوف من يجر قصبه في النار، ومن يعذب في السرقة، والمرأة التي كانت تعذب في الهرة وقد صاروا في قبورهم رميماً في أعين أهل زمانه، ولم ير من صلى معه من ذلك ما رأى " انتهى. الدَّيْن إن مما يضر الميت في قبره ما عليه من دين، فعَنْ سَعْدِ بْنِ الْأَطْوَلِ قَالَ: مَاتَ أَخِي وَتَرَكَ ثَلَاثَ مِائَةِ دِينَارٍ، وَتَرَكَ وَلَدًا صِغَارًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ أَخَاكَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ، فَاذْهَبْ فَاقْضِ عَنْهُ) . قَالَ: فَذَهَبْتُ فَقَضَيْتُ عَنْهُ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ قَضَيْتُ عَنْهُ وَلَمْ يَبْقَ إِلا امْرَأَةً تَدَّعِي دِينَارَيْنِ، وَلَيْسَتْ لَهَا بَيِّنَةٌ. قَالَ: (أَعْطِهَا فَإِنَّهَا صَادِقَةٌ) رواه أحمد (١٦٧٧٦) وابن ماجه (٢/٨٢) وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٥٥٠) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 345

صور من عذاب القبر [السُّؤَالُ] ـ[ما هي أنواع العذاب في القبر؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يتنوع العذاب في القبر بحسب الذنب الذي اقترفه صاحبه في الدنيا، سواء كان للكفار أو للعصاة، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بوصف هذا العذاب في القبور لأهل هذه الذنوب، ومنها: ١- الضرب بمطرقة من حديد عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: العبد إذا وضع في قبره وتولى وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ﷺ فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة قال النبي ﷺ فيراهما جميعا وأما الكافر أو المنافق فيقول لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقال لا دريت ولا تليت ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين. رواه البخاري (١٢٧٣) . ٢-٧- يفرش له قبره ناراً، ويلبس ناراً، ويفتح له باب إلى النار، ويضيَّق عليه قبره، ويضرب بمطرقة عظيمة لو ضرب بها جبل لصار ترابا، ويبشر بالعذاب في الآخرة، ولذلك يتمنى ألا تقوم الساعة. روى أحمد (١٧٨٠٣) وأبو داود (٤٧٥٣) عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ وَكَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. . . - ثُمَّ ذكر صفة قبض روح المؤمن ونعيمه في القبر ثم قال -: وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ مَلائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهُمْ الْمُسُوحُ فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَغَضَبٍ قَالَ فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنْ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلإٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِلا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ فَيَقُولُونَ فُلانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلا يُفْتَحُ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ فَيَقُولُ اللَّهُ اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الأَرْضِ السُّفْلَى فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا ثُمَّ قَرَأَ: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لا أَدْرِي فَيَقُولانِ لَهُ مَا دِينُكَ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لا أَدْرِي فَيَقُولانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لا أَدْرِي فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ فَافْرِشُوا لَهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلاعُهُ ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا قَالَ فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إِلا الثَّقَلَيْنِ فَيَصِيرُ تُرَابًا قَالَ ثُمَّ تُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ فَيَقُولُ رَبِّ لا تُقِمْ السَّاعَةَ. والحديث: صححه الشيخ الألباني في " أحكام الجنائز " (ص ١٥٦) . ٨- الخسف في الأرض عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة ". رواه البخاري (٥٣٤٣) ومسلم (٣٨٩٤) . يتجلجل: يغوص ويضطرب. ٩- شق جانبي الفم إلى القفا ١٠- رضخ الرأس بالحجارة ١١- الحرق في تنور من نار ١٢- السباحة في نهر من دم مع الضرب بالحجارة روى البخاري (١٣٨٦) (٧٠٤٧) عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟ قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ: إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالا لِي: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ فَيَتَهَدْهَدُ الْحَجَرُ هَا هُنَا فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ، فَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الأُولَى. قُلْتُ لَهُمَا: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ؟ قَالَ قَالا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيَشُقُّ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ. ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الأُولَى. قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا هَذَانِ؟ قَالا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ، فَاطَّلَعْنَا فِيهِ فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا [أي ارتفعت أصواتهم] . قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَؤُلاءِ؟ قَالا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ، وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ، وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ، فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا، فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا. قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَانِ؟ قَالا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ. . . ثم ذكر الحديث فقال: قُلْتُ لَهُمَا: فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ؟ قَالَ قَالَا لِي: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ، أَمَّا الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ، وَيَنَامُ عَنْ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ. يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشّقُّ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ. فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ، فَإِنَّهُمْ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الْحَجَرَ، فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا. الكلُّوب: حديدة معوجة الرأس. الشدق: جانب الفم. يشدخ: يشج. تدهده: تدحرج. قال الحافظ ابن حجر: وفيه: أن بعض العصاة يعذَّبون في البرزخ اهـ. فتح الباري (١٢ / ٤٤٥) . ١٢- اشتعال المال المسروق من الغنائم على صاحبه روى البخاري (٤٢٣٤) ومسلم (١١٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلا وَرِقًا غَنِمْنَا الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ وَالثِّيَابَ ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الْوَادِي وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَبْدٌ لَهُ يُدْعَى رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ فَلَمَّا نَزَلْنَا الْوَادِي قَامَ عَبْدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَُلُّ رَحْلَهُ فَرُمِيَ بِسَهْمٍ فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ فَقُلْنَا هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَلَّا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا أَخَذَهَا مِنْ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ. قَالَ: فَفَزِعَ النَّاسُ فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ. ١٣- ومع هذا العذاب الحسي هناك أيضاً عذاب معنوي (نفسي) وهو أن الكافر يُرى في قبره مقعده من الجنة لو أطاع الله، فيزداد بذلك حسرة وألما لما يرى من عظم النعيم الذي فاته. روى أحمد (١٠٥٧٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جِنَازَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا فَإِذَا الإِنْسَانُ دُفِنَ فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ جَاءَهُ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِطْرَاقٌ فَأَقْعَدَهُ قَالَ مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولُ صَدَقْتَ ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ فَيَقُولُ هَذَا كَانَ مَنْزِلُكَ لَوْ كَفَرْتَ بِرَبِّكَ فَأَمَّا إِذْ آمَنْتَ فَهَذَا مَنْزِلُكَ فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَيُرِيدُ أَنْ يَنْهَضَ إِلَيْهِ فَيَقُولُ لَهُ اسْكُنْ وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ مُنَافِقًا يَقُولُ لَهُ مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولَ لا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَيَقُولُ لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ وَلا اهْتَدَيْتَ ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَيَقُولُ هَذَا مَنْزِلُكَ لَوْ آمَنْتَ بِرَبِّكَ فَأَمَّا إِذْ كَفَرْتَ بِهِ فَإِنَّ اللَّهَ أَبْدَلَكَ بِهِ هَذَا وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ ثُمَّ يَقْمَعُهُ قَمْعَةً بِالْمِطْرَاقِ يَسْمَعُهَا خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَحَدٌ يَقُومُ عَلَيْهِ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِطْرَاقٌ إِلا هُبِلَ عِنْدَ ذَلِكَ [أي ذهل] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِت. صححه الألباني في تحقيق كتاب السنة لابن أبي عاصم (٨٦٥) . فهذا بعض ما يحصل في القبر من أنواع العذاب لبعض العصاة. نسأل الله تعالى أن يعيذنا من عذاب القبر. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 346

أسباب عذاب القبر [السُّؤَالُ] ـ[أريد أن أسأل عن الذنوب التي يعذب من فعلها عليها في القبر.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الأسباب التي يعذب بها أصحابها في القبور كثيرة، وقد جمعها ابن القيم ﵀ فقال: " وقد يتساءل البعض عن " الأسباب التي يُعذب بها أصحاب القبور؟ وجوابها من وجهين: مجمل ومفصل: أما المجمل فإنهم يعذبون على جهلهم بالله وإضاعتهم لأمره، وارتكابهم لمعاصيه، فلا يُعذب الله روحاً عرفته وأحبته وامتثلت أمره واجتنبت نهيه، ولا بدناً كانت فيه أبدا؛ فإن عذاب القبر وعذاب الآخرة أثرُ غضبِ الله وسخطه على عبده، فمن أغضب الله وأسخطه في هذه الدار ثم لم يتب ومات على ذلك كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه، فمستقل ومستكثر، ومصدق ومكذب. وأما الجواب المفصل: فقد أخبر النبي ﷺ عن الرجلين الذين رآهما يعذبان في قبورهما، يمشى أحدهما بالنميمة بين الناس، ويترك الآخر الاستبراء من البول، فهذا ترك الطهارة الواجبة، وذلك ارتكب السبب الموقع للعداوة بين الناس بلسانه وإن كان صادقا.. وفي هذا تنبيه على أن الموقع بينهم العداوة بالكذب والزور والبهتان أعظم عذابا.. كما أن في ترك الاستبراء من البول تنبيها على أن من ترك الصلاة التي الاستبراء من البول بعض واجباتها وشروطها فهو أشد عذابا، وفي حديث شعبة: (أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس) فهذا مغتاب، وذلك نمام. وفي حديث ابن مسعود ﵁ في الذي ضُرب سوطا امتلأ القبر عليه به ناراً، لكونه صلى صلاة واحدة بغير طهور، ومر على مظلوم فلم ينصره. وفي حديث سمرة في صحيح البخاري في تعذيب من يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق.. وتعذيب من يقرأ القرآن ثم ينام عنه بالليل ولا يعمل به بالنهار.. وتعذيب الزناة والزواني.. وتعذيب آكل الربا كما شاهدهم النبي ﷺ في البرزخ. وفي حديث أبى هريرة ﵁ الذي فيه رضخ رؤوس أقوام بالصخر لتثاقل رؤوسهم عن الصلاة.. والذين يسرحون بين الضريع والزقوم لتركهم زكاة أموالهم.. والذين يأكلون اللحم المنتن الخبيث لزناهم.. والذين تقرض شفاههم بمقاريض من حديد لقيامهم في الفتن بالكلام والخطب.. وفي حديث أبى سعيد عقوبة أرباب تلك الجرائم، فمنهم من بطونهم أمثال البيوت وهم أكلة الربا.. ومنهم من تفتح أفواههم فيلقمون الجمر حتى يخرج من أسافلهم وهم أكلة أموال اليتامى.. ومنهم المعلقات بثديهن وهن الزوانى. ومنهم من تقطع جنوبهم ويطعمون لحومهم وهم المغتابون.. ومنهم من لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم وهم الذين يقعون في أعراض الناس.. وقد أخبرنا النبي ﵌ عن صاحب الشملة التي غلها من المغنم أنها تشتعل ناراً في قبره، هذا وله فيها حق، فكيف بمن ظلم غيره ما لا حق له فيه. فعذاب القبر عن معاصي القلب والعين والأذن والفم واللسان والبطن والفرج واليد والرجل والبدن كله: فالنمام والكذاب والمغتاب وشاهد الزور وقاذف المحصن والموضع في الفتنة والداعي إلى البدعة والقائل على الله ورسوله ما لا علم له به والمجازف في كلامه. وآكل الربا وآكل أموال اليتامى وآكل السحت من الرشوة ونحوها. وآكل مال أخيه المسلم بغير حق أو مال المعاهد وشارب المسكر. والزاني واللوطي والسارق والخائن والغادر والمخادع والماكر. وآخذ الربا ومعطيه وكاتبه وشاهداه، والمحلل والمحلل له والمحتال على إسقاط فرائض الله وارتكاب محارمه. ومؤذي المسلمين ومتتبع عوراتهم. والحاكم بغير ما أنزل الله والمفتي بغير ما شرعه الله والمعين على الإثم والعدوان. وقاتل النفس التي حرم الله، والملحد في حَرَم الله، والمعطل لحقائق أسماء الله وصفاته الملحد فيها.. والمقدم رأيه وذوقه وسياسته على سنة رسول الله. والنائحة والمستمع إليها، ونواحو جهنم وهم المغنون الغناء الذي حرمه الله ورسوله والمستمع إليهم.. والذين يبنون المساجد على القبور ويوقدون عليها القناديل والسرج، والمطففون في استيفاء ما لهم إذا أخذوه وهضم ما عليهم إذا بذلوه. والجبارون والمتكبرون والمراءون والهمازون واللمازون والطاعنون على السلف. والذين يأتون الكهنة والمنجمين والعرافين فيسألونهم ويصدقونهم. وأعوان الظلمة الذين قد باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم. والذي إذا خوفته بالله وذكرته به لم يرعو ولم ينزجر , فإذا خوفته بمخلوق مثله خاف وارعوى وكف عما هو فيه. والذى يُهدَى بكلام الله ورسوله فلا يهتدي ولا يرفع به رأسا , فإذا بلغه عمن يحسن به الظن ممن يصيب ويخطئ عض عليه بالنواجذ ولم يخالفه. والذي يقرأ عليه القرآن فلا يؤثر فيه وربما استثقل به فإذا سمع قرآن الشيطان ورقية الزنا ومادة النفاق طاب سره وتواجد وهاج من قلبه دواعي الطرب وود أن المغنى لا يسكت. والذي يحلف بالله ويكذب فإذا حلف بشيخه أو قريبه أو حياة من يحبه ويعظمه من المخلوقين لم يكذب ولو هدد وعوقب. والذي يفتخر بالمعصية ويتكثر بها بين إخوانه وأضرابه وهو المجاهر. والذي لا تأمنه على مالك وحرمتك , والفاحش اللسان البذيء الذي تركه الخلق اتقاء شره وفحشه. والذي يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها وينقرها ولا يذكر الله فيها إلا قليلا , ولا يؤدى زكاة ماله طيبة بها نفسه , ولا يحج مع قدرته على الحج ولا يؤدى ما عليه من الحقوق مع قدرته عليها. والذي لا يتورع في نظره ولا لفظه ولا أكله ولا خطوه ولا يبالي بما حصل من المال من حلال أو حرام. ولا يصل رحمه ولا يرحم المسكين ولا الأرملة ولا اليتيم ولا الحيوان البهيم , بل يَدُعُّ اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين، ويرائي للعالمين، ويمنع الماعون، ويشتغل بعيوب الناس عن عيبه , وبذنوبهم عن ذنبه. فكل هؤلاء وأمثالهم يعذبون في قبورهم بهذه الجرائم بحسب كثرتها وقلتها وصغيرها وكبيرها. ولما كان أكثر الناس كذلك كان أكثر أصحاب القبور معذبين والفائز منهم قليل. فظواهر القبور تراب وبواطنها حسرات وعذاب. ظواهرها بالتراب والحجارة المنقوشة مبنيات. وفي باطنها الدواهى والبليات، تغلى بالحسرات كما تغلي القدور بما فيها، ويحق لها وقد حيل بينها وبين شهواتها وأمانيها. تالله لقد وَعَظَت فما تركت لواعظ مقالا. ونادت: يا عمار الدنيا، لقد عمرتم دارا موشكة بكم زوالا، وخربتم دارا أنتم مسرعون إليها انتقالا. عمرتم بيوتا لغيركم منافعُها وسكناها، وخربتم بيوتا ليس لكم مساكن سواها. هذه دار الاستباق ومستودع الأعمال وبذر الزرع، وهذه محل للعبر، رياض من رياض الجنة، أو حفر من حفر النار.." انتهى من كتاب الروح (٩٥) بتصرف يسير. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 347

هل الميت يرى الملائكة والجن [السُّؤَالُ] ـ[نحن نعلم أن الملائكة يستطيعون رؤية البشر من غير أن يستطيع البشر رؤيتهم والجن كذلك، فماذا عن الأموات؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا مات الإنسان فقد قامت قيامته، والله أعلم بما يكون من تفاصيل هذه الحال، ولا سبيل لنا لمعرفة شيء من تفاصيل ذلك إلا من خلال الخبر الصادق عن الله تعالى أو رسوله، وقد جاءت الأدلة أن المحتضر يرى ملك الموت وأعوانه، وأنه إذا مات يرى منكرا ونكيرا، وأنهما يقعدانه ويسألانه في قبر. انظر للاستزادة السؤال رقم (٨٤٣) (١٤٦١٠) . والواجب الوقوف فيما دل عليه النص والإيمان به، أما ما سوى ذلك فنكل علمه إلى الله . أما الجن فلم يرد ما يدل على أنه يراهم، والظاهر أنهم من جنس البشر لا يراهم الميت. وعلى كل حال فينبغي على المسلم أن يحرص على ما ينفعه، ويترك التعمق في ما لا يعود عليه بالنفع في دينه وأن يعمر وقته بالتدبر والتأمل فيما يورثه قوة الإيمان والاستعداد الحق لما بعد الموت من أهوال. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 348

هل ثبت شيء عن تخفيف العذاب في النار لأبي لهب ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل ورد شيء صحيح أو ضعيف عن تخفيف العذاب في النار لأبى لهب؟ جزاكم الله خيرا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله دلت آيات القرآن الكريم أن الكافر لا يخفف عنه العذاب على كفره بحال من الأحوال، وذلك في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا) فاطر/٣٦، وقال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ. قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ) غافر/٤٩-٥٠. وأما أعمال الكفار الصالحة فيثاب عليها في الدنيا، بالرزق والولد والنعمة ونحو ذلك، فهم أقوام عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، وأما في الآخرة فلا يكتب له منها شيء من الحسنات، إذ الكفر محبط لجميع الحسنات، ولا ينفع معه عمل صالح. وإن كان الكفار يتفاوتون في عذاب جهنم، بحسب جرائمهم في الدنيا، مع خلودهم جيمعا في جهنم أبد الآبدين. يقول الله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) الفرقان/٢٣. وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) رواه مسلم (رقم/٢١٤) ثانيا: أما ما يروى في تخفيف العذاب عن أبي لهب بسبب عتقه ثويبة مرضعة النبي ﷺ فلم يرد ذلك من كلام النبي ﷺ ، ولا من كلام الصحابة، وإنما رؤيا منام أريها بعض أهله، لا يجوز أن يعارض به ما سبق تقريره من بطلان حسنات الكافرين في الدنيا، وأنها لا تغني عنهم عند الله شيئا، فضلا عن أن الوارد في ذلك إنما هو بسند مرسل. روى البخاري (٥١٠١) من قول عروة بن الزبير ﵀ ما يلي: " وثُوَيْبَةُ مَوْلَاةٌ لِأَبِي لَهَبٍ، كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا فَأَرْضَعَتْ النَّبِيَّ ﷺ ، َلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ – أي بسوء حال -، قَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ " قال ابن حجر ﵀: قوله: (وثويبة مولاة لأبي لهب) ذكرها ابن منده في " الصحابة " وقال: اختلف في إسلامها. وقال أبو نعيم: لا نعلم أحدا ذكر إسلامها غيره , والذي في السير أن النبي ﷺ كان يكرمها , وكانت تدخل عليه بعدما تزوج خديجة , وكان يرسل إليها الصلة من المدينة , إلى أن كان بعد فتح خيبر ماتت ومات ابنها مسروح. قوله: (وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي ﷺ ظاهره أن عتقه لها كان قبل إرضاعها , والذي في السير يخالفه , وهو أن أبا لهب أعتقها قبل الهجرة وذلك بعد الإرضاع بدهر طويل، وحكى السهيلي أيضا أن عتقها كان قبل الإرضاع , وسأذكر كلامه. قوله: (بعض أهله) ذكر السهيلي أن العباس قال: لما مات أبو لهب رأيته في منامي بعد حول في شر حال فقال: ما لقيت بعدكم راحة , إلا أن العذاب يخفف عني كل يوم اثنين , قال: وذلك أن النبي ﷺ ولد يوم الاثنين , وكانت ثويبة بشرت أبا لهب بمولده فأعتقها. قوله (بشر حيبة) أي: سوء حال. قوله (ماذا لقيت) أي: بعد الموت. قوله (لم ألق بعدكم , غير أني) كذا في الأصول بحذف المفعول , وفي رواية الإسماعيلي: (لم ألق بعدكم رخاء) ، وعند عبد الرزاق ع معمر عن الزهري: (لم ألق بعدكم راحة) قال ابن بطال: سقط المفعول من رواية البخاري , ولا يستقيم الكلام إلا به. قوله: (غير أني سقيت في هذه) كذا في الأصول بالحذف أيضا , ووقع في رواية عبد الرزاق المذكورة: (وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه) وفي ذلك إشارة إلى حقارة ما سقي من الماء. وفي الحديث دلالة عل أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة ; لكنه مخالف لظاهر القرآن , قال الله تعال (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) ، وأجيب: أولا: بأن الخبر مرسل، أرسله عروة، ولم يذكر من حدثه به، وعلى تقدير أن يكون موصولا فالذي في الخبر رؤيا منام، فلا حجة فيه , ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد، فلا يحتج به. وثانياً: على تقدير القبول فيحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي ﷺ مخصوصا من ذلك , بدليل قصة أبي طالب كما تقدم أنه خفف عنه فنقل من الغمرات إلى الضحضاح. وقال البيهقي: ما ورد من بطلان الخير للكفار فمعناه أنهم لا يكون لهم التخلص من النار ولا دخول الجنة , ويجوز أن يخفف عنهم من العذاب الذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر بما عملوه من الخيرات. وأما عياض فقال: انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب ; وإن كان بعضهم أشد عذابا من بعض. قلت – أي الحافظ ابن حجر -: وهذا لا يرد الاحتمال الذي ذكره البيهقي , فإن جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلق بذنب الكفر , وأما ذنب غير الكفر فما المانع من تخفيفه؟ وقال القرطبي: هذا التخفيف خاص بهذا وبمن ورد النص فيه. وقال ابن المنير في الحاشية: هنا قضيتان: إحداهما محال: وهي اعتبار طاعة الكافر مع كفره , لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح , وهذا مفقود من الكافر. الثانية: إثابة الكافر على بعض الأعمال تفضلا من الله تعالى , وهذا لا يحيله العقل , فإذا تقرر ذلك لم يكن عتق أبي لهب لثويبة قربة معتبرة , ويجوز أن يتفضل الله عليه بما شاء كما تفضل على أبي طالب , والمتبع في ذلك التوقيف نفيا وإثباتا. قلت – أي الحافظ ابن حجر -: وتتمة هذا أن يقع التفضل المذكور إكراما لمن وقع من الكافر البر له ونحو ذلك. والله أعلم " انتهى. " فتح الباري " (٩/١٤٥-١٤٦) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 349

هل يحرم سماع الغناء في الجنة مَن سمعه في الدنيا ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل من يسمع الأغاني في الدنيا لا يسمعها في الجنة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: ورد في السنة بعض ما يدل على أن من أنواع النعيم الذي يلقاه أهل الجنة الاستماع إلى أصوات جميلة تستفرغ لذاتهم، حتى عقد ابن القيم ﵀ في كتابه " حادي الأرواح " في الباب السابع والخمسين فصلا كاملا في " ذكر سماع الجنة وغناء الحور العين وما فيه من الطرب واللذة " (ص/٣٥٨-٣٦٥) جمع فيه كل ما ورد في هذا الباب من صحيح وضعيف. ولعل من أصح ما ورد في ذلك حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ أَزْوَاجَ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُغَنِّينَ أَزْوَاجَهُنَّ بِأَحْسَنِ أَصْوَاتٍ سَمِعَهَا أَحَدٌ قَطُّ، إِنَّ مِمَّا يُغَنِّينَ: نَحْنُ الْخَيِّرَاتُ الْحِسَانُ أَزْوَاجُ قَوْمٍ كِرَامٍ) رواه الطبراني في " المعجم الأوسط " (٥/١٤٩) ، وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (٣/٢٦٩) ثانيا: من المعلوم أيضا أن استماع المعازف في الدنيا من المحرمات التي ثبت تحريمها في الكتاب والسنة الصحيحة، وقرر ذلك فقهاء المذاهب الأربعة، فمن تهاون في الوقوع في هذه المعصية استحق الإثم والعذاب على ارتكابه لذلك، كما هو الحال في سائر ما حرم الله على عباده في الدنيا. ولم يرد دليل على أن من سمع المعازف في الدنيا حُرم من سماع الغناء والأصوات الجميلة في الجنة حين يدخلها، وإن كان بعض أهل العلم يذكر أن من عقوبة من تنعم بشيء على وجه محرم في الدنيا، أن يحرم من التنعم به في الجنة، أو ينقص حظه منه فيها، كما أن من لبس الذهب أو الحرير من الرجال في الدنيا، يحرم منه في الجنة. قال ابن القيم ﵀: " إذا كان – الله قد عاقب لابس الحرير في الدنيا بحرمانه لبسه يوم القيامة، وشارب الخمر في الدنيا بحرمانه إياها يوم القيامة، فكذلك مَن تمتع بالصور المحرمة في الدنيا، بل كل ما ناله العبد في الدنيا، فإن توسع في حلاله، ضيق من حظه يوم القيامة بقدر ما توسع فيه، وإن ناله من حرامٍ فاته نظيرُه يوم القيامة " انتهى. " روضة المحبين " (ص/٣٦٢) . لكن الجزم بذلك، أو القول بأن هذا الحرمان على وجه التأبيد: مما يحتاج إلى دليل بخصوصه، فالله أعلم بحقيقة الحال. ثالثا: أما ما ورد من أحاديث يدل ظاهرها على أن من سمع الغناء في الدنيا لم يسمعه في الآخرة فهي أحاديث ضعيفة جدا، من أشهرها حديث: (من لها بالغناء، لم يؤذن له أن يسمع صوت الروحانيين يوم القيامة. قيل: وما الروحانيون؟ قال: قراء أهل الجنة) قال الشيخ الألباني ﵀: " موضوع، أخرجه الواحدي في تفسيره "الوسيط" (٣/٤٤١ - ٤٤٢ – طبع دار الكتب العلمية) من طريق حماد بن عمرو عن أبي موسى - من ولد أبي هريرة - عن أبيه عن جده مرفوعاً. قلت – أي الشيخ الألباني ﵀: وهذا موضوع، آفته (حماد بن عمرو) - وهو: النصيبي -، قال الذهبي في "المغني": روى عن الثقات موضوعات، قاله النقاش، وقال النسائي: متروك. وهو معدود فيمن يضع الحديث، كما قال ابن عدي وغيره - كما يأتي في الحديث الذي بعده – " انتهى. " السلسلة الضعيفة " (رقم/٦٥١٦) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 350

الحكمة في أن الطفل إذا مات يدخل الجنة مباشرة بينما بقية الناس يحاسبون [السُّؤَالُ] ـ[أين يكمن العدل في أن الطفل إذا مات يدخل الجنة مباشرة بينما بقية الناس يحاسبون؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا يشك مسلم أن الله هو أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين، وأعدل العادلين , وأنه تعالى لكمال عدله حرم الظلم على نفسه فقال: (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) الكهف/ من الآية ٤٩، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) النساء/ من الآية ٤٠. ومن كمال عدله تعالى: أنه لا يعذب أحداً إلا بعد البلاغ، وقيام الحجّة عليهم. وانظر في ذلك جواب السؤال رقم: (١٢٤٤) . ثانياً: اتفق أهل السنة والجماعة على أن أطفال المسلمين في الجنة، وتقدم الحديث عن ذلك، فانظره في جواب السؤال رقم: (١١٧٤٣٢) . ثالثاً: من أصول الإيمان التي لا خلاف فيها بين الأمة، ولا تردد أو تلجلج فيها: ألا يعترض العبد على أحكام ربه ، ولا يتوقف في الشهادة لها بأن فيها الحكمة البالغة، وحينذٍ فإنه لا يصير من المخاطبين بقوله تعالى: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) الأنبياء/ ٢٣. قال ابن كثير – ﵀: ثم أخبر تعالى أنه لا يظلم أحداً شيئًا، وإن كان قد هدى به من هدى من الغيِّ، وبصَّر به من العمى، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صمّاً، وقلوباً غُلفاً، وأضلَّ به عن الإيمان آخرين، فهو الحاكم المتصرف في ملكه بما يشاء، الذي لا يُسْأل عما يفعل وهم يسألون، لعِلمه، وحكمته، وعدله. " تفسير ابن كثير " (٤ / ٢٧١) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وَهُوَ سُبْحَانَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ، وَلَهُ فِيمَا خَلَقَهُ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ، وَنِعْمَةٌ سَابِغَةٌ، وَرَحْمَةٌ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، وَهُوَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ؛ لَا لِمُجَرَّدِ قُدْرَتِهِ وَقَهْرِهِ، بَلْ لِكَمَالِ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ. فَإِنَّهُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وَهُوَ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا، وَقَدْ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ " انتهى. "مجموع الفتاوى" (٨/٧٩) . ثالثاً: وأما الحكمة من عدم محاسبة الأطفال فيقال فيها: ١. إن مناط التكليف عند الله هو البلوغ , ولذلك جاء في الحديث عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَكْبَرَ) . رواه أبو داود (٤٣٩٨) وابن ماجه (٢٠٤١) والنسائي (٣٤٣٢) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". وهذا الطفل اخترمته المنية قبل البلوغ , فمن تمام عدل الله أنه لا يحاسَب. ويبين ما ذهب طائفة من العلماء والمحققين – كالبخاري، والنووي، وغيرهما – من أن هذا الحكم مشترك مع أطفال المشركين كذلك – ولتنظر المسألة في جوابي السؤالين: (٦٤٩٦) (١١٨١٠٣) . ٢. الأصل أن الأطفال تبع لوالديهم، كما جاء في الحديث عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ما مِنْ مَوْلُودٍ إِلَاّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ) . ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) . رواه البخاري (١٢٩٣) . ولما كان والداه على الإيمان – أو والده إن كانت أمُّه كتابية -: فهو تبع لهما , ولما مات قبل مناط التكليف ناسب أن يدخل الجنة بلا حساب، فدخوله الجنة باعتباره مسلماً، وعدم حسابه باعتبار أنه لم يكن مكلَّفاً في الدنيا. ٣. أن فيه كرامة لوالدي الطفل الصغير، ورحمة بهم , وتطييباً لخاطرهم، على موت ولدهم وهو صغير. هذه بعض الحِكَم , والأمر قد يحتمل وجود حكَم، وغايات، ومقاصد أخرى. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 351

الحكمة من عدم دخول المسترقي في السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب [السُّؤَالُ] ـ[لماذا لا يدخل من يطلب الرقية من الآخرين ضمن أولئك السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب؟ أليس يجوز طلب الرقية من الغير؟ كما أن لدي مشكلة تؤرقني ولا أجد أن لدي الصبر أو مهارة عمل الرقية لنفسي وقد بدأتها عدة أيام ثم امتنعت.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: روى البخاري (٦٤٧٢) ومسلم (٢٢٠) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ ولَاَ يكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) . وهؤلاء إنما يدخلون الجنة بغير حساب؛ لكمال توحيدهم، وكمال توكلهم على الله، واستغنائهم عن الناس. ولا يدخل من يطلب الرقية من الآخرين ضمن أولئك السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب لنقصان توكله على الله؛ لأن طلب الرقية فيه نوع تذلل وحاجة إلى الراقي، ومن كمال التوكل والتوحيد أن لا يسأل المسلم الناس شيئا. وقد روى مسلم (١٠٤٣) عن عَوْف بْن مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً فَقَالَ: أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: (عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَتُطِيعُوا، وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا) . فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ. قال ابن القيم ﵀: "وذلك لأن هؤلاء دخلوا الجنة بغير حساب لكمال توحيدهم، ولهذا نفى عنهم الاسترقاء وهو سؤال الناس أن يرقوهم، ولهذا قال: (وعلى ربهم يتوكلون) فلكمال توكلهم على ربهم وسكونهم إليه وثقتهم به ورضاهم عنه وإنزال حوائجهم به لا يسألون الناس شيئا لا رقية ولا غيرها، ولا يحصل لهم طيرة [التشاؤم] تصدهم عما يقصدونه؛ فإن الطيرة تنقص التوحيد وتضعفه" انتهى. "زاد المعاد" (١/٤٧٥) . وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: "المراد: أنهم لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم، ولا أن يكويهم، بل يتوكلون على الله، ويعتمدون عليه في كشف ما بهم ودفع ما يضرهم، وإيصال ما به نفعهم" انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٤/٣٩٧) . ثانيا: طلب الرقية من الغير ليس بمحرم، ولكنه خلاف الأفضل والأكمل. قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: "طلب الدعاء وطلب الرقية مباحان، وتركهما والاستغناء عن الناس وقيامه بهما لنفسه أحسن" انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٤/٢٦١) . وقال الشيخ ابن باز ﵀: "هذا الحديث يدل على أن ترك الطلب أفضل، وهكذا ترك الكي أفضل، لكن عند الحاجة إليهما لا بأس بالاسترقاء والكي؛ لأن النبي ﵇ أمر عائشة أن تسترقي من مرض أصابها، وأمر أم أولاد جعفر بن أبي طالب ﵁ وهي أسماء بنت عميس ﵂ أن تسترقي لهم، فدل ذلك على أنه لا حرج في ذلك عند الحاجة إلى الاسترقاء" انتهى. "مجموع فتاوى ابن باز" (٢٥/١١٨-١١٩) . ثالثا: أما قولك: لا أجد لدي الصبر أو مهارة عمل الرقية لنفسي. فطلب الرقية جائز كما سبق، مع أن الرقية لا تحتاج إلى مهارة، وإنما هي بمنزلة الدعاء، فكل إنسان يستطيع أن يدعو ربه بحصول الشفاء، ولا يصعب عليه ذلك، فيستطيع الإنسان أن يرقي نفسه بسورة الفاتحة، أو غير ذلك من القرآن الكريم، أو بالأدعية الثابتة عن النبي ﷺ في ذلك، ومنها: (اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ مُذْهِبَ الْبَاسِ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا) رواه البخاري (٥٧٥٠) ومسلم (٢١٩١) . (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ) رواه البخاري (٣٣٧١) . وروى مسلم (٢٢٠٢) والترمذي (٢٠٨٠) عن عثمان بن أبي العاص ﵁ أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعاً يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله ﷺ : ضع يدك على المكان الذي تَأَلَّم من جسدك وقل: (بسم الله ثلاثاً، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) زاد الترمذي: "قال: ففعلت، فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم". نسأل الله تعالى أن يشفيك شفاء لا يغادر سقماً. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 352

هل يكون مع المؤمن في الجنة أولاده وممتلكاته التي كانت له في الدنيا ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل كل ما يملكه الشخص من أشياء هنا في الدنيا، كأولاد وممتلكات، ستكون معه هناك في الجنة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: أفادت النصوص الشرعية، من الكتاب والسنة، أن أهل الجنة لهم فيها ما يشاءون مما يشتهون، لا يطلبون شيئا إلا وجدوه، ولا يريدون حاجة إلا نالوها، وهم مع ذلك لا يكدر نعيمهم، ولا ينغص عليهم بانقطاع أو زوال أو نقصان أو عيب. ومن ذلك أهله وذريته - إن كانوا صالحين – فإن الله يلحقهم به، وإن كانوا دونه في العمل، لتقر بهم عينه، منة منه وفضلا – سبحانه -. قال الله : (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) فصلت/٣١-٣٢. وقال سبحانه: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الزخرف/٧١. قال الحافظ ابن كثير ﵀: " (لهم فيها ما يشاءون) أي: من الملاذ: من مآكل ومشارب، وملابس ومساكن، ومراكب ومناظر، وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب أحد. وهم في ذلك خالدون أبدا دائما سرمدا بلا انقطاع ولا زوال، ولا انقضاء، لا يبغون عنها حولا. وهذا من وعد الله الذي تفضل به عليهم، وأحسن به إليهم " انتهى. "تفسير ابن كثير" (٦ / ٩٨) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) رواه البخاري (٣٢٤٤) ومسلم (٢٨٢٤) . وروى البخاري (٧٥١٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ لَهُ: أَوَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ (أي سبق ذلك لمح البصر) فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ. فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَجِدُ هَذَا إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، فَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قال ابن حجر ﵀: " وفي هذا الحديث من الفوائد أن كل ما اشتهي في الجنة من أمور الدنيا ممكن فيها. قاله المهلب " انتهى. "فتح الباري" (٥ / ٢٧) ثانيا: ليس يعني ذلك أن هذه الأشياء الموجودة في الجنة هي نفس الأشياء الموجودة في الدنيا، بل ولا هي مماثلة لها من كل وجه، وإنما هي تفاح حقيقة ـ مثلا ـ كما نفهمه من اسم التفاح، وهي لحم طير حقيقة، كما نفهمه من لحم الطير، وبينهما من التفاوت العظيم، ما الله به عليم. قال ابن عباس ﵄: " لا يشبه شَيءٌ مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء "، وفي رواية: " ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء ". رواه ابن جرير من رواية الثوري وابن أبي حاتم في تفسيره (١/٦٦) ، وغيرهما. قال البوصيري: " رواه مُسَدَّد موقوفًا، ورواته ثقات". انتهى. "إتحاف الخيرة المهرة" (٨/٢٧٣) ، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" (٣٧٦٩) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " يَعْنِي أَنَّ مَوْعُودَ اللَّهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ وَالْخَمْرِ وَاللَّبَنِ تُخَالِفُ حَقَائِقُهُ حَقَائِقَ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ فِي الدُّنْيَا " انتهى. "الفتاوى الكبرى" (٦/٤٦٨) . وقال ابن كثير ﵀: " يعني: أن بين ذلك بَونًا عظيما، وفرقًا بينا في التفاضل ". انتهى. "تفسير ابن كثير" (٧/٥٠٣) . والخلاصة: أن الله تعالى يمن على عبده في الجنة بما يشتهيه، وتقر به عينه فيها، لكن حقائق هذا النعيم: ليست هي نفس الأشياء التي كانت معه في الدنيا، بل هي مشابهة لها. والله أعلم. يراجع للاستزادة إجابة السؤال رقم (١٢٦٦٢٩) ، (٢٠٢٨٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 353

من كان له زوجتان وكانت إحداهما في درجة أعلى منه فهل يُلحق هو والأخرى بها ؟ [السُّؤَالُ] ـ[قرأت في الحديث أنه إذا كان منزلة الوالدين أعلى من منزلة الأبناء في الجنة فإن الله برحمةٍ منه وفضل يرفع الأبناء إلى درجة الوالدين، والعكس، وأنه أيضاً إذا كانت منزلة الزوجة، أو الزوج أعلى أحدهما من الآخر بما قدم من أعمال أفضل: فإن الله بفضله يرفعه إلى منزلة الآخر، ولكن السؤال هنا: إذا كان الرجل له زوجتان، وكانت إحداهما في درجة أعلى من الأخرى: فهل تُرفع الزوجة الأقل درجة هي والزوج إلى منزلة الزوجة الأعلى درجة، مع أنها اجتهدت في الدنيا أكثر؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ما ذكره الأخ السائل في مقدمة سؤاله ليس عليه دليل صحيح من السنَّة، فيما نعلم، ولكن جاءت أثار بذلك عن الصحابة والتابعين في تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) الطور/٢١. فعن عَمْرُو بنِ مُرَّةَ قال: سَأَلْت سَعِيدَ بن جُبَيْرٍ عن هذه الآيَةِ (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) قال: قال ابن عَبَّاسٍ: الْمُؤْمِنُ تُرْفَعُ له ذُرِّيَّتُهُ لِيُقِرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ في الْعَمَلِ. رواه االطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٣ / ١٠٥) ، وصححه المحققون. وقد ذكر الطحاوي ﵀ أنه في حكم المرفوع، وكذا قال الشيخ الألباني ﵀، ولذلك خرجه في " السلسلة الصحيحة " (٢٤٩٠) . وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم (١٢١١٩٢) أن الإلحاق في الجنة في الدرجات يكون لصغار الذرية، ولمن يكون مع الأسرة في ذات البيت، لا لمن استقل منهم بزواج. ثانياً: الزوجة إن كانت في الجنة في درجة أعلى من زوجها: فإن الله تعالى يجمع بينها وبين زوجها فيها، بأن يلحقه بها في درجتها، دون أن يُنقص من درجتها شيئاً. وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم (٥٩٨١) أن المرأة تجتمع بزوجها وذريتهما في الجنة. وعليه: فإن زوجها، وأولادها منه يلتحقون بتلك المرأة الصالحة – الزوجة له، والأم لهم – في درجتها في الجنة؛ لتقر عينها، وتسعد تلك الأسرة. وفي مثل هذه الحال فإنه يصير الزوج في درجة عالية في الجنة، ولنفرض أن له زوجة أخرى، وأولاداً منها، وهم دون تلك المنزلة التي صار فيها: فإنه يُرجى أن يقر الله عيونهم جميعاً بالالتقاء في تلك المنزلة العالية، اجتماعاً لتلك الأسرة، وتحقيقاً للسعادة التي وعدهم الله تعالى بها، ويدل عليه ما ذكرناه من الآية، وما أحلنا عليه من الأجوبة. فتصير تلك الزوجة الصالحة سبباً في ارتفاع درجة زوجها، وأولادها منه، ثم يكون الزوج سبباً في ارتفاع درجة زوجته الأخرى، وأولادهما. وفضل الله تعالى عظيم، ورحمته واسعة، وبما قلناه يتحقق دعاء الملائكة حملة العرش في قولهم (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) غافر/ ٨. ويتحقق وعد الله تعالى لهم في قوله: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ. جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ) الرعد/ ٢٢، ٢٣. قال الطاهر بن عاشور ﵀: وفي هذه الآية بشرى لمن كان له سلف صالح، أو خلَف صالح، أو زوج صالح، ممن تحققت فيهم هذه الصفات: أنه إذا صار إلى الجنَّة: لحِق بصالح أصوله، أو فروعه، أو زوجه، وما ذكر الله هذا إلا لهذه البشرى، كما قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شِيْءٍ) الطور/ ٢١. والآباء يشمل الأمهات، على طريقة التغليب، كما قالوا: الأبوين. " التحرير والتنوير " (١٣ / ١٣١، ١٣٢) . واجتماع الرجل بزوجاته في الجنة يدل عليه عموم الآيات السابقة، كما تدل عليه آيات مخصوصة على أحد الأقوال فيها، ومنها: ١. قوله تعالى: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ) الزخرف/ ٧٠. ومعنى (تُحبرون) : أي: تُنعَّمون، وتُسرُّون. ٢. وقوله تعالى: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ. هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ) يس/ ٥٥، ٥٦. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسير آية الزخرف -: قوله تعالى في هذه الآية: (وأزواجكم) فيه لعلماء التفسير وجهان: أحدهما: أن المراد بأزواجهم: نظراؤهم، وأشباههم، في الطاعة، وتقوى الله، واقتصر على هذا القول: ابن كثير. والثاني: أن المراد بأزواجهم: نساؤهم في الجنة؛ لأن هذا الأخير أبلغ في التنعم، والتلذذ، من الأول. ولذا يكثر في القرآن، ذكر إكرام أهل الجنة، بكونهم مع نسائهم، دون الامتنان عليهم بكونهم مع نظرائهم وأشباههم في الطاعة. قال تعالى: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ. هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ) يس/ ٥٥، ٥٦. " أضواء البيان " (٧ / ١٤٢) . ونسأل الله أن يدخلنا وإياكم الجنة، مع أهالينا، وذرارينا، من غير حساب، ولا عذاب. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 354

الطريق إلى الفردوس الأعلى [السُّؤَالُ] ـ[هل الوصول للفردوس الأعلى من الجنة طريق صعب، وقليل من يصله؟ رسولنا الكريم قال (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى.... الحديث) فهل لو أكثرت من الدعاء (اللهم إني أسألك الفردوس الأعلى من الجنة) ، هل ممكن أن أبلغها بفضل الله تعالى، حتى ولو كان عملي لا يوصلني لتلك المنزلة؟ وما هي أقرب الأعمال التي توصلنا إلى هناك بإذن الله تعالى؟ أيضا هناك حديث لرسولنا ﷺ (من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة....الحديث) فهل يجوز لي أن أقول مباشرة (اللهم إني أسألك الفردوس الأعلى من الجنة) بدلا من قول (اللهم إني أسألك الجنة) ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: روى الترمذي (٢٤٥٠) وحسنه عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ) . صححه الألباني في "صحيح الترمذي" وغيره. فالجنة سلعة غالية، والفردوس الأعلى أعلى الجنان وأفضلها، ولا يصل إليها إلا من اختصهم الله بمزيد فضله. وروى الترمذي (٣١٧٤) وصححه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: (َالْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا) وصححه الألباني. وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ) متفق عليه. فإذا كانت الجنة محفوفة بالمكاره وأنواع المشاق، فكيف بأعلى درجاتها وأسمى منازلها؟ هذا يدل على أن الأمر ليس بالأمر الهين. قال ابن القيم: " أنزه الموجودات وأظهرها، وأنورها وأشرفها وأعلاها ذاتا وقدرا وأوسعها: عرش الرحمن ﷻ ، ولذلك صلح لاستوائه عليه، وكل ما كان أقرب إلي العرش كان أنور وأنزه وأشرف مما بعد عنه؛ ولهذا كانت جنة الفردوس أعلى الجنان وأشرفها وأنورها وأجلها، لقربها من العرش، إذ هو سقفها، وكل ما بعد عنه كان أظلم وأضيق، ولهذا كان أسفل سافلين شر الأمكنة وأضيقها وأبعدها من كل خير " انتهى. "الفوائد" (ص ٢٧) وأهل الفردوس الأعلى هم السابقون المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا، قال الله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) الواقعة/١٠ – ١٢ قال السعدي: " والمقربون هم خواص الخلق " انتهى. "تفسير السعدي" (ص ٨٣٣) قال ابن كثير: " من سابق إلى هذه الدنيا وسبق إلى الخير، كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان " انتهى. "تفسير ابن كثير" (٧ / ٥١٧) ثانيا: ليعلم أن من أعظم أسباب حصول المطلوب، والنجاة من المرهوب: الدعاء، فإن الدعاء هو العبادة، كما صح عن النبي ﷺ ، وكما أنه عبادة محبوبة لله، فهو سبب في حصول المطلوب، ومن أراده الله به خيرا، وفقه لأسبابه، ويسر له العمل الذي يؤهله لذلك؛ كما قال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) سورة الليل /٥-١٠. روى البخاري (٢٧٩٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ) قال الحافظ: " يَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْفِرْدَوْسَ فَوْقَ جَمِيعِ الْجِنَانِ , وَلِذَا قَالَ ﷺ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ وَتَعْظِيمًا لِلْهِمَّةِ -: (فَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ) " انتهى. ثالثا: اعلم ـ يا عبد الله ـ أن نيل الدرجات في الدنيا والآخرة، ليس بالأماني ولا الأحلام، وإنما هو بسلوك أسباب ذلك، ولولا ذلك ما كان فرق بين الصادق والكاذب، وهذا من حكمة الله تعالى في تكليفه لعباده، وأمرهم بما أمرهم به. قال الله تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) سورة النساء /١٢٣-١٢٤. قال الشيخ ابن سعدي ﵀: أي: ﴿لَيْسَ﴾ الأمر والنجاة والتزكية ﴿بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ والأماني: أحاديث النفس المجردة عن العمل، المقترن بها دعوى مجردة، لو عورضت بمثلها لكانت من جنسها. وهذا عامّ في كل أمر، فكيف بأمر الإيمان والسعادة الأبدية؛ ... فالأعمال تصدق الدعوى أو تكذبها ". "تفسير السعدي" (٢٠٥) . رابعا: ومن أهم الأعمال التي تبلغ المسلم الدرجات العلى، ولعلها أن تبلغه الفردوس الأعلى برحمة الله: - الجهاد في سبيل الله: وقد تقدم في ذلك حديث أبي هريرة ﵁. وروى مسلم في صحيحه (١٨٨٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ. فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ، فَقَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَفَعَلَ ثُمَّ قَالَ، وَأُخْرَى يُرْفَعُ بِهَا الْعَبْدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ!! قَالَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . - الإخلاص والصدق مع الله: روى مسلم (١٩٠٩) من حديث سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ) . قال النووي ﵀: " َفِيهِ: اِسْتِحْبَاب سُؤَال الشَّهَادَة , وَاسْتِحْبَاب نِيَّة الْخَيْر " انتهى. - الإيمان بالله والتصديق بالمرسلين: قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) الكهف / ١٠٧ قال السعدي: " يحتمل أن المراد بجنات الفردوس: أعلى الجنة، وأوسطها، وأفضلها، وأن هذا الثواب، لمن كمل فيه الإيمان والعمل الصالح، والأنبياء والمقربون. ويحتمل أن يراد بها: جميع منازل الجنان، فيشمل هذا الثواب، جميع طبقات أهل الإيمان، من المقربين، والأبرار، والمقتصدين، كل بحسب حاله، وهذا أولى المعنيين لعمومه " انتهى. تفسير السعدي - (٤٨٨) . وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ؟ قَالَ بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ) . متفق عليه. قال الحافظ: " قَوْلُهُ: (وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ) أَيْ حَقّ تَصْدِيقهمْ، وَإِلَّا لَكَانَ كُلّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَصَدَّقَ رُسُله وَصَلَ إِلَى تِلْكَ الدَّرَجَة وَلَيْسَ كَذَلِكَ. - إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) . رواه مسلم (٢٥١) . - الطاعات التي ورد في الأخبار الصحيحة أنها سبب في معية النبي ﷺ ومصاحبته في الجنة: روى مسلم (٤٨٩) عن ربيعة بْن كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: سَلْ فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ هُوَ ذَاكَ. قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ. وروى مسلم (٢٩٨٣) أيضا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ) وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. وروى أيضا (٢٦٣١) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ) وَضَمَّ أَصَابِعَهُ. وروى الإمام أحمد (١٢٠٨٩) عَنْ أَنَسٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ عَالَ ابْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ بَنَاتٍ أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ أَخَوَاتٍ حَتَّى يَمُتْنَ أَوْ يَمُوتَ عَنْهُنَّ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ) وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. صححه الألباني في "الصحيحة" (٢٩٦) وبالجملة: فالاجتهاد في الأعمال الصالحة، والمسارعة في الخيرات، واستدامة العمل الصالح، وصنائع المعروف، ومسابقة أهل الخير والصلاح: أصل الوصول إلى غاية المأمول في الدنيا والآخرة، ولو كانت تلك الغاية هي الفردوس الأعلى. وينظر جواب السؤال رقم: (٢٧٠٧٥) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 355

لا يدخل أحد الجنة إلا في سن الشباب [السُّؤَالُ] ـ[لو افترضنا أن زوجاً مات في سن الواحدة والعشرين، ثم عُمّرت زوجته بعده فعاشت حتى الخمسين، فهل يجمع الله بينهما كلٌ بحسب عمره الذي مات فيه، أم أن الزوجة ستصغر في السن فتعود إلى السن الذي مات فيه زوجها؟ أرجو التوضيح.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أخبرنا النبي ﷺ عن جواب هذا السؤال، وأن جميع أهل الجنة من الشباب والشيوخ والكهول إنما يدخلون الجنة في سن الشباب: أبناء ثلاثين سنة، أو ثلاث وثلاثين. فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا، مُرْدًا، مُكَحَّلِينَ، أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً) رواه الترمذي (٢٥٤٥) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". "جرداً" جمع "أجرد" وهو الذي لا شعر على جسده. "مرداً" جمع "أمرد" وهو الغلام الذي لا شعر على ذقنه، أي: بلا لحية، وقد يراد به: الحُسْن، "مكحلين" أي في أجفان أعينهم سواد كالكحل. "تحفة الأحوذي". وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم: (٢٢٨٠٢) ، (١١٧٤٣٢) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →