Полный текст (16 344 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
معنى الخيط الأبيض والخيط الأسود في آية الصيام
[السُّؤَالُ]
ـ[قال تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) هل هذا يعني بأننا يجب أن نمسك حتى تبدأ الشمس بالشروق؟ ولماذا نمسك عند أذان الفجر وهو قبل الشروق بحوالي ساعة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المراد بالخيط الأسود في الآية الكريمة هو الليل، والخيط الأبيض هو الفجر، وليس طلوع الشمس.
وسمي الفجر خيطاً أبيض لأن أول ما يبدو من الفجر في السماء ضوءٌ كالخيط في الأفق، يمتد يميناً وشمالاً من الشمال إلى الجنوب، ثم لا يزال يزداد حتى ينتشر في السماء كلها. انظر فتح الباري شرح حديث رقم: (١٩١٧)
وروى البخاري (١٩١٦) ومسلم (١٠٩٠) عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ) عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ.
قال النووي ﵀:
قَالَ أَبُو عُبَيْد: الْخَيْط الأَبْيَض: الْفَجْر الصَّادِق , وَالْخَيْط الأَسْوَد: اللَّيْل اهـ
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3257
الاجتماع في المسجد، والأكل والحديث فيه، في أيام العيد
[السُّؤَالُ]
ـ[ألفنا في مسجد حينا كلما حل عيد الفطر أو الأضحى أن يجتمع الرجال في المسجد لشرب الشاي وأكل الحلوى، مع ما يصاحب ذلك من حديث في مختلف المواضيع، فما حكم ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
يشرع للمسلمين أن يظهروا الفرح بالعيد الشرعي، وأن يجتمعوا لذلك، ولا مانع من أن يكون ذلك في المسجد.
روى البخاري (٥٢٣٦) ومسلم (٨٩٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَسْأَمُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ) .
وفي رواية للبخاري (٩٥٠) ومسلم (٨٩٢) أن ذلك (َكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ) .
ولا بأس ـ أيضا ـ أن يصحب ذلك الاجتماع بعض ما يناسب ذلك من الطعام أو الشراب.
قال الزركشي ﵀:
" يجوز أكل الخبر والفاكهة والبطيخ وغير ذلك في المسجد. وقد روى ابن ماجة عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال: كنا نأكل على عهد النبي ﷺ في المسجد الخبز واللحم. [رواه ابن ماجة في سننه (٣٣٠٠) وصححه الألباني] ..
وينبغي أن يبسط شيئا، ويحترز خوفا من التلوث. ولئلا يتناثر شيء من الطعام، فتجتمع عليه الهوام.
هذا إذا لم يكن له رائحة كريهة، فإن كانت، كالثوم والبصل والكرات ونحوه، فيكره أكله فيه، ويمنع آكله من المسجد حتى يذهب ريحه.. " انتهى.
"إعلام الساجد بأحكام المساجد" (٣٢٩) .
وقال الشيخ ابن باز ﵀:
" ولا بأس بالنوم والأكل في المسجد للمعتكف وغيره؛ لأحاديث وآثار وردت في ذلك، ولما ثبت من حال أهل الصفة، مع مراعاة الحرص على نظافة المسجد والحذر من أسباب توسيخه من فضول الطعام أو غيرها؛ لما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «عرضت علي أجور أمتي،حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد» رواه أبو داود والترمذي وصححه ابن خزيمة، ولحديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ «أمر ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب» . رواه الخمسة إلا النسائي وسنده جيد. والدور: هي الحارات والقبائل القاطنة في المدن. " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (١٥/٤٣٩) . وينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (٦/٢٩٠) .
ثانيا:
يجوز الكلام المباح في المسجد، ولو كان ذلك من أمر الدنيا، ما لم يترتب عليه تشويش على المصلين.
روى مسلم في صحيحه (٦٧٠) عن جابر بن سمرة ﵁، أن النبي ﷺ كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ أَوْ الْغَدَاةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ.
قال النووي ﵀:
" يجوز التحدث بالحديث المباح في المسجد، وبأمور الدنيا وغيرها من المباحات، وإن حصل فيه ضحك ونحوه، ما دام مباحا؛ لحديث جابر بن سمرة.. " انتهى.
"المجموع شرح المهذب" (٢/١٧٧) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" الكلام في المسجد ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون فيه تشويش على المصلين والقارئين والدارسين، فهذا لا يجوز، وليس لأحد أن يفعل ما يشوش على المصلين والقارئين والدارسين.
القسم الثاني: أن لا يكون فيه تشويش على أحد، فهذا إن كان في أمور الخير فهو خير.
وإن كان في أمور الدنيا: فإن منه ما هو ممنوع، ومنه ما هو جائز؛ فمن الممنوع البيع والشراء والإجارة، فلا يجوز للإنسان أن يبيع أو يشتري في المسجد، أو يستأجر أو يؤجر في المسجد، وكذلك إنشاد الضالة فإن الرسول ﵊ قال (إذا سمعتم من ينشد الضالة فقولوا لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا) .
ومن الجائز: أن يتحدث الناس في أمور الدنيا بالحديث الصدق الذي ليس فيه شيء محرم ".
"فتاوى نور على الدرب".
وأما حديث: (الكلام في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) ، فليس له أصل عن النبي ﷺ .
ينظر: "السلسلة الضعيفة" للشيخ الألباني ﵀. رقم (٤) .
والخلاصة:
أنه لا بأس باجتماعكم هذا، لكن مع الاحتراز عن تلويث المسجد بشيء من الأطعمة والأشربة، والاحتراز أيضا من التشويش على من يصلي أو يقرأ القرآن أو نحو ذلك من العبادات، إن وجد أحد يفعل ذلك في وقت اجتماعكم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3258
هل يجوز هدم المسجد القديم لتجديده للمصلحة، ولو عارض الواقف ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لدينا في القرية مسجد بناؤه شعبي (غير مسلح) قام ببنائه متبرع بناءا مجردا ثم أكملنا نحن النوافذ والأبواب والتكييف والمنارة وحرم المسجد ودورات المياه. .. والآن أتى متبرع عن طريق جهة خيرية لبناء مسجد حديث ومجهز ونظيف ... إلا أن المتبرع الأول عارض هدم المسجد الذي بناه، ويقول إن المسجد يبقى ولن يسمح بإعادة بناء للمسجد. فهل يحق له ذلك؟ ثم ما العمل إذا كان أهل القرية جميعا لا يريدون بقاء هذا المسجد وهو ليس من سكان هذه القرية.؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجوز هدم المسجد القديم وتجديده إذا كان في تجديده مصلحة، كتوسعة، أو بنائه بناءً حديثاً بعد أن كان مبنياً بناءً شعبياً.
وينبغي أن يكون ذلك بعد موافقة المسؤولين في الأوقاف، حتى يتم التجديد بصورة صحيحة، دون إحداث شغب أو خلاف.
وإذا كان الواقف الأول يعترض على ذلك لأنه يظن أن أجره سوف ينقطع، فليس الأمر كذلك؛
قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: "لا مانع من هدم المسجد القديم وتعميره على الطراز الحديث؛ لما في ذلك من المصلحة العامة لأهل القرية وغيرهم، وأما الذين بنوا الأول فأجرهم كامل ولا ينقطع بتجديده" انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٦ / ٢٣٢-٢٣٣) .
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: نحن جماعة مسجد بُني منذ خمس عشرة سنة، من البلك والخشب، وقد خرج إلينا مندوب الأوقاف قبل ثلاث سنين، وقرر أن المسجد لا يصلح للصلاة فيه، فلما أراد جماعة المسجد أن يبحثوا لهم عن فاعل خير يبني لهم المسجد اعترض عليهم معترض وقال: لا يجوز أن تهدموا المسجد وتزيدوا في مساحته؛ لأنه وقف وصاحبه قد مات، فأشكل هذا على بعض جماعة المسجد، فنرجو منكم جزاكم الله خيراً أن تبينوا لنا: هل يجوز لنا أن نهدم هذا المسجد ونبنيه من جديد، علماً بأن ورثة الواقف ليس لديهم القدرة والاستطاعة على بنائه؟
فأجاب:
"هذه المساجد لها ناظر منصوب من قبل الدولة، وهم مدراء الأوقاف، فالمرجع في ذلك إلى مدراء الأوقاف، إذا قرروا أن هذا المسجد لا بد أن يهدم فليهدم، وأجر صاحبه الذي أوقفه أولاً على الله ، وقد قال الله ﵎: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) النساء/١٠٠، فهذا الذي بناه الأول بناه على أنه سيبقى، فله ما نوى، وأما أن نحصر الناس في هذا المسجد الذي لا يصلح أن يكون مسجداً؛ لأنه وقَّفه فلان فهذا ليس بوارد، وللجماعة أن يهدموه وأن يبنوه على الوجه الذي يريح الناس، وأن يوسعوه، ولكن لا بد من أخذ إذن الأوقاف في ذلك، أو إذن القائمين على المساجد في هذا " انتهى.
"اللقاء الشهري" (١/٤٩٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3259
الإعلان عن دعوة النكاح فى المسجد
[السُّؤَالُ]
ـ[فى بلدنا كانت الدعوة للزواج تتم بدعوة كل فرد من أفراد القرية والقرى المجاورة، بدعوة الفرد من بيته، فإذا لم يدع من بيته لا يعتبر خلاف ذلك دعوة. ولقد اتسعت القرية اتساعا كبيرا، واتسعت بذلك القرى المجاورة، وسكن الناس أطراف وأعالي الجبال، مما جعلت دعوة الفرد من بيته صعبة جدا، وتعب الناس كثيرا، واجتمع الناس على الإعلان عن الدعوة للزواج في المسجد. فهل هذا مباح أم حرام؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
ينبغي أن تنزه المساجد عن الإعلانات المتعلقة بأمور الدنيا، ومنها الإخبار بوليمة النكاح أو الدعوة إليها، لأن المساجد لم تبن لهذا، وإنما بنيت لإقامة الشعائر وتعليم العلم ونشر الخير. روى مسلم في صحيحه (٥٦٨) عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا) .
وفي صحيح مسلم أيضا (٥٦٩) عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلاً نَشَدَ فِى الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الأَحْمَرِ؟
فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (لَا وَجَدْتَ؛ إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ) .
لكن يجوز الإعلان عن الأمور الدنيوية خارج المسجد، ولو بوضع ورقة على جداره من الخارج.
سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: ما حكم وضع بعض الإعلانات في المسجد؟ كالإعلان عن حملة للحج أو للعمرة، أو الإعلان عن وجود محاضرات أو دروس علم؟
فأجاب ﵀: " أما ما كان إعلانا عن طاعة فلا بأس به؛ لأن الطاعة مما يقرب إلى الله، والمساجد بنيت لطاعة الله .
وأما ما كان لأمور الدنيا، فإنه لا يجوز، ولكن يعلن عنه على جدار المسجد من الخارج. فالحملات - حملات الحج - أمر دنيوي، فلا نرى أن نعلن عنها في الداخل.
وحلق الذكر - كدورات العلم - خيرٌ محض، فلا بأس أن يعلن عنها في داخل المسجد؛ لأنها خير " انتهى باختصار من "شرح منظومة القواعد الفقهية" (ص/٥٢) .
وقال أيضا ﵀: " لا يجوز أن تعلق الإعلانات للحج والعمرة داخل المسجد؛ لأن غالب الذين يأخذون هذه الرحلات يقصدون الكسب المالي، فيكون هذا نوعاً من التجارة، لكن بدلاً من أن تكون في المسجد تكون عند باب المسجد من الخارج " انتهى من "لقاءات الباب المفتوح" (لقاء رقم ١٥١، سؤال رقم ١٠) .
وقال الشيخ ابن باز ﵀ في نشد الضالة: " وأما كتابة ذلك في ورقة فهذا إذا كان في الجدار الخارجي للمسجد فلا بأس " انتهى من "فتاوى الشيخ ابن باز" (٣٠/ ٩) .
وعليه: فيمكن كتابة دعوة النكاح على ورقة توضع على جدار المسجد من الخارج، أو توزع الدعوة على المصلين خارجه.
هذا مع أننا نرى أنه بالإمكان التغلب على تلك الصعوبة بالاتصالات الهاتفية، أو رسائل الجوال، ونحو ذلك. ومع هذا الاتساع المذكور لا يظهر أن الداعي يريد دعوة الناس جميعا، بل من شاء أن يخصه بدعوته، ولم يستطع الوصول إليه شخصيا، فبإمكانه أن يتصل به في الهاتف، أو يرسل له رسالة، أو نحو ذلك.
ثانيا:
ذهب جمهور الفقهاء إلى استحباب عقد النكاح في المسجد، واستدلوا لذلك بحديث: (أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف) رواه الترمذي (١٠٨٩) لكنه ضعيف كما قال الألباني في ضعيف الترمذي، وقد حسّن ﵀ جملة: (أعلنوا النكاح) كما في "آداب الزفاف" ص ١١١
وينظر: سؤال رقم (٨٧٨٩٨)
ولا يجوز أن يعتقد أن إجراء النكاح في المسجد سنة، لعدم ثبوت ما يدل على السنية، لكنه أمر مباح، فلو أجروا عقد النكاح في المسجد، ثم انتقلوا إلى محل العرس لحضور الوليمة، تحقق بذلك إعلان النكاح، وعرف الداعي إليه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3260
المصليات التي في البيوت أو الشركات لا تأخذ حكم المسجد
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أعمل بالسعودية وعندي سكن مخصص للعمال به حوالي ٥٠ عامل وبه مصَلَّي تقام فيه ٤ صلوات من الخمس، لأن الفرض الخامس يكون في وقت الدوام، ويصليه العمال بالخارج. السؤال: أريد استغلال مكان المصلي لإنشاء غرف إضافية بالسكن، وقبل ذلك طبعا سأقوم بتجهيز مكان آخر كمصلَّى بالعلم أن المكان الجديد داخل السكن أيضاً ولا يبعد عن المكان القديم إلا ١٥ متر فقط، فهل هناك حرمة من عمل المصلى غرف؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المصليات التي تتخذ في البيوت أو في بعض المؤسسات والشركات ويقصد بها صلاة أهل المكان فقط، ولا يقصد بها أنها مسجد عام مفتوح لجميع المسلمين، لا تأخذ حكم المسجد.
وقد كان عمل الناس قديماً أن الرجل يتخذ موضعاً في داره للصلاة يسمى "مصلى البيت" أو "مسجد البيت" ولم يكن لهذا المسجد أحكام المساجد المعروفة.
فقد روى البخاري (٤٢٥) ومسلم (٣٣) عن عتبان بن مالك ﵁ أنه لما عمي وشق عليه الذهاب إلى المسجد في أيام المطر والسيول طلب من النبي ﷺ أن يأتي إلى داره ليصلي في موضع يتخذه عتبان مصلى، فلبى النبي ﷺ طلبه.
قال الحافظ ابن حجر: "من فوائد الحديث: أن اتخاذ مكان في البيت للصلاة لا يستلزم وقفيته ولو أطلق عليه اسم المسجد" انتهى.
وذكر ابن قدامة في "المغني" (٤/٤٦٤) أن مسجد البيت " لا تثبت له أحكام المسجد الحقيقية" انتهى.
وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٢/١٢١) :
"مسجد البيت ليس بمسجد حقيقةً ولا حكماً، فيجوز تبديله، ونوم الجنب فيه" انتهى.
وعلى هذا، فهذا المصلى الموجود في البيت لا يأخذ حكم المسجد، ولا حرج من تحويله إلى غرف للسكن.
وينبغي التنبيه إلى أن صلاة الجماعة واجبة في المسجد، ولا يجوز صلاتها في البيت ـ ولو كانت جماعة ـ إلا من عذر كالمرض أو بُعد المسجد ... ونحو ذلك.
ولمزيد الفائدة يراجع جواب السؤال رقم (٧٢٨٩٥) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3261
حكم صلاة الذين يصفون آخر المسجد، تاركين الصف مع الجماعة خلف الإمام .
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك مسجد بجوار عملي أصلي فيه مع الجماعة، وهو مسجد كبير ويتسع لحوالي ألف مصلى، ولكني لاحظت أن هناك مجموعة من الرجال يصفون صفا في نهاية المسجد ويتركون مسافة كبيرة جدا بينهم وبين الصفوف المتراصة خلف الإمام، وهذه المسافة قد تكفي لعشرة صفوف في بعض الصلوات، وبعد ذلك صرت أصلي في مسجد آخر خوفا من أن تبطل صلاتي، ونريد من فضيلتكم توضيح الحكم في فعل هؤلاء المصلين، وحكم صلاة الجماعة في ذلك المسجد، والنصح لي بكيفية تغيير هذا الوضع إن كان مخالفا؟ مع العلم أني كلمت الإمام المسؤول عن المسجد وقال لي: (لا فائدة من نصحهم فقد نصحناهم عدة مرات) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
السنة للمصلين أن يتراصوا ويقاربوا الصفوف.
روى أبو داود (٦٦٧) والنسائي (٨١٥) عن أنس ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (رَاصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ) صححه الألباني في "صحيح أبي داود".
قال السندي ﵀:
" قَوْله (رَاصُّوا صُفُوفكُمْ) بِانْضِمَامِ بَعْضكُمْ إِلَى بَعْض عَلَى السَّوَاء (وَقَارِبُوا بَيْنَهَا) أَيْ: اِجْعَلُوا مَا بَيْن صَفَّيْنِ مِنْ الْفَصْل قَلِيلًا، بِحَيْثُ يَقْرَب بَعْض الصُّفُوف إِلَى بَعْض" انتهى.
وقال المناوي ﵀:
" (وقاربوا بينها) بحيث لا يسع بين كل صفين صف آخر حتى لا يقدر الشيطان أن يمر بين أيديكم" انتهى.
"فيض القدير" (٤ / ٧) .
والأفضل للمسلمين عموماً ـ في الصلاة وغيرها ـ أنهم إذا اجتمعوا أن يتقاربوا بأبدانهم، حتى يكون ذلك سبباً لحصول الألفة والمحبة بينهم وتقويتها.
فعن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيّ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنْ الشَّيْطَانِ) فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلًا إِلَّا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، حَتَّى يُقَالَ لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ. رواه أبو داود (٢٦٢٨) وصححه الألباني في "صحيح أبي داود".
فما يفعله هؤلاء من تركهم الصفوف الأولى، وصلاتهم في آخر المسجد: مخالف للسنة، وسبب من أسباب حصول النزاع والتفرق بين أهل المسجد.
وأما صحة الصلاة فصلاتهم صحيحة، ما داموا يصلون داخل المسجد، ويقفون صفاً، ولا يقف أحدهم منفرداً خلف الصفوف.
فقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀:
ما حكم الصلاة التي نصليها في فناء المسجد؟ علما بأن الفناء في المسجد تابع له؟
فأجاب:
"الصلاة في فناء المسجد إن كان جميع المصلين صلوا فيه فلا إشكال في جوازها، وأما إذا كان المصلون يصلون في داخل المسقوف وهؤلاء صاروا في خارج فيقال: خالفتم السنة؛ لأن السنة أن تتقارب الصفوف بعضها من بعض، وأن لا يصلوا في مكان والإمام يصلي في مكان آخر، لكن صلاتهم على كل تقدير صحيحة" انتهى.
"فتاوى نور على الدرب" (١٩٢/١٠) .
وصلاة الجماعة في هذا المسجد صحيحة، وينبغي لكم ولإمام المسجد أن تستمروا في نصح هؤلاء وحثهم على اتباع السنة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3262
حكم تخصيص مكان في البيت للصلاة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم تخصيص مكان في البيت للعبادة والصلاة فيه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا حرج من تخصيص مكان في البيت للعبادة والصلاة فيه، وقد جاء في السنة ما يدل على جواز ذلك.
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ خَالَتِي مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تقول:
(أَنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ حَائِضًا لَا تُصَلِّي، وَهِيَ مُفْتَرِشَةٌ بِحِذَاءِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَتِهِ، إِذَا سَجَدَ أَصَابَنِي بَعْضُ ثَوْبِهِ) رواه البخاري (٣٣٣) .
قال الحافظ ابن رجب ﵀:
"والظاهر: أن مراد ميمونة في هذا الحديث مسجد بيت النَّبيّ ﷺ الذي كانَ يصلي فيهِ من بيته؛ لأن ميمونة لا تفترش إلا بحذاء هذا المسجد، ولم تُرِد - والله أعلم - مسجد المدينة" انتهى.
"فتح الباري" (١/٥٥٠) .
وعَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ: (أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ، وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلَّى، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ؟ فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ مِنْ الْبَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رواه البخاري (٦٦٧) ، ومسلم (٣٣) .
قال النووي ﵀:
"وفيه: أنه لا بأس بملازمة الصلاة في موضع معين من البيت، وإنما جاء في الحديث النهي عن إيطان موضع من المسجد للخوف من الرياء ونحوه" انتهى.
"شرح مسلم" (٥/١٦١) .
قال الحافظ ابن رجب ﵀:
" مساجد البيوت هي أماكن الصلاة منها، وقد كان من عادة السلف أن يتخذوا في بيوتهم أماكن معدة للصلاة فيها. وهذه المساجد لا يثبت لها شيء من أحكام المساجد المسبلة – أي المتخذة وقفاً -، فلا يجب صيانتها عن نجاسة، ولا جنابة، ولا حيض. هذا مذهب أصحابنا وأكثر الفقهاء.
وأما إقامة الجماعة للصلوات في مساجد البيوت فلا يحصل بها فضيلة الصلاة في المساجد، وإنما حكم ذلك حكم من صلى في بيته جماعة وترك المسجد.
وبكل حال؛ فينبغي أن تحترم هذه البقاع المعدة للصلاة من البيوت، وتنظف وتطهر.
قال الثوري في المساجد التي تبنى في البيوت: ترفع ولا تشرف، وتفرغ للصلاة، ولا تجعل فيها شيئا " انتهى باختصار.
"فتح الباري" لابن رجب (٢/٣٧٧-٣٨٠) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3263
هل يصلي في الصفوف الخلفية وراء الإمام، أم في الصفوف الأمامية من الطابق العلوي ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أحيانا أتأخر عن صلاة الجمعة، فلا أجد مكاناً في المسجد إلا في الصفوف الخلفية، فأصعد إلى الطابق العلوي لأجد مكاناً في صفوف متقدمة بدون أذية للمصلين، فهل الأولى الصلاة في الطابق السفلي حيث الإمام ولو في صفوف متأخرة أم الصعود إلى الطابق العلوي في صفوف متقدمة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الصلاة في الصفوف المتأخرة من الطابق السفلي الذي فيه الإمام أفضل من الصلاة في الصفوف المتقدمة من الطابق العلوي؛ لأن الصلاة خلف الإمام هي الأصل، ولا يلجأ الناس إلى الصلاة بالطابق العلوي إلا عند ضيق المسجد وعدم كفايته للمصلين.
وأيضا: فإن القرب من الإمام أفضل، والصلاة بالطابق السفلي أقرب إلى الإمام منها بالطابق العلوي.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: سمعنا أن الصلاة في الطابق السفلي من المسجد الحرام أفضل من الصلاة في الطابق العلوي، فهل هذا صحيح من حيث العلو على الإمام؟
فأجاب بقوله: " الطابق السفلي قد يكون أفضل من حيث قربه من الإمام؛ لأنه بلا شك أقرب إلى الإمام، والصف الأول أفضل لأنه أقرب من الإمام.
وأما من حيث علو المأموم على الإمام فهذه المسألة فيها خلاف، مع أن كثيراً من أهل العلم يقيد هذه المسألة بما إذا صلى الإمام وحده بالأسفل وصلى بقية الجماعة كلهم فوقه فهذه هي التي تكره، وأما إذا كان مع الإمام أحد فإنه لا كراهة في علو المأموم على الإمام، والآن معروف في الحرم أن غالب المصلين يصلون في الأسفل، فعلى هذا فالذين يصلون فوق ليس في صلاتهم كراهة بل ذلك جائز، ولكن كما قلت الأسفل أقرب إلى الإمام فيكون أولى " انتهى.
"مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (١٣/١٩-٢٠)
وقد تكون الصلاة في الطابق العلوي أفضل إذا كانت أقرب إلى الخشوع، لما قد يتأذى به المصلى في الصفوف الخلفية خلف الإمام من الزحام أو شدة الحر.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: أيهما أفضل الصلاة في الدور العلوي أم في الدور الأرضي من المسجد؟
فأجاب: " الصلاة في الأسفل أفضل من الصلاة في الأعلى؛ لأنها أقرب إلى الإمام، والدنو من الإمام أفضل من البعد عنه، لكن إذا اقترن بالصلاة في الأعلى نشاط الإنسان فنشط، ويرى أنه يخشع أكثر فإن هذا أفضل، وذلك لأن المحافظة على الفضيلة المتعلقة بالعبادة أولى من المحافظة على الفضيلة المتعلقة بمكانها، هكذا قال العلماء، وضربوا لذلك مثلاً بالرَّمَل في طواف القدوم أو الدنو من الكعبة، لو قال قائل: أنا إن دنوت من الكعبة لم يحصل لي الرَّمَل، وإن أبعدت عن الكعبة حصل لي الرَّمَل فأيهما أفضل، أن أدنو من الكعبة، أو أن أبتعد وأرمل، فأيهما أفضل؟
يقول العلماء: الأفضل أن تبتعد وترمل؛ لأن الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى بالمحافظة من الفضيلة المتعلقة بمكانها " انتهى.
"مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (١٣/ ١٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3264
هل يجوز لهم السماح للكفار بالاحتفال بأعيادهم في ساحة المسجد ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم دخول غير المسلمين لساحة المسجد، حيث إن بالمسجد ساحة خارجة عن المسجد المعد للصلاة , وهذه الساحة تابعة للمسجد، إذ إن هناك باباً موحداً بينهما , وهذه الساحة مجهزة بكراسي، وطاولات، يتم استغلالها عند الحاجة. ودخول غير المسلمين لها يكون موسميّاً، عندما يكون لهم تجمعات بسبب أحد أعيادهم، فيتم استغلال هذا التواجد لهم , ويتم تجهيز أطباق للغداء , ويتم تقديمها في هذه الساحة , ومدخول هذا اليوم يذهب لخزانة المسجد، لتجهيزه، وما شابه. وما حكم هذا العمل؟ وهل يعتبر بمثابة مشاركتهم في عيدهم؟ مع أن نيتنا تكون مخالفة بحيث يكون هدفنا هو جمع مبالغ من المال لصالح المسجد ونيتنا - إن شاء الله - هذا العام ستكون أسمى بحيث نود استغلال تواجدهم، وتعريفهم بالإسلام. وهل في دخولهم لهذه الساحة حرج مع العلم أن إقامتي في أحد البلدان الغربية؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إذا كانت هذه الساحة عند إنشائها قد نويتم أنها ليست جزءاً من المسجد، بل هي للاحتفالات أو الاجتماعات والندوات، فلا تأخذ حكم المسجد، فيجوز للكافر دخولها.
أما إذا كانت هذه الساحة أعدت على أنها جزء من المسجد، يستفاد منها في هذه الاحتفالات، والصلاة عند الحاجة إليها، فهي جزء من المسجد، فلها حكم المسجد.
وكذلك يكون لها حكم المسجد إذا لم تنوا عند إنشائها شيئاً معيناً، وكانت داخلة في بناء المسجد، أو كان هناك سور يحيط بها وبالمسجد.
قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
"ما كان داخل سور المسجد: فهو من المسجد، وله حكم المسجد، فرحبة المسجد: من المسجد، ومكتبة المسجد: من المسجد، إذا كان كلٌّ منهما داخل سور المسجد" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " المجموعة الثانية (٥ / ٢٣٤) .
وانظر لمزيد الفائدة جواب السؤال رقم (١٠٣١٣٦) .
ودخول الكافر إلى المسجد لا يجوز إلا إذا كان هناك حاجة أو مصلحة من دخوله، كما لو دخل لسماع محاضرة، أو شرب الماء ونحو ذلك، كما سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٢١٩٢) و (٩٤٤٤) .
وإذا كان الكافر سيدخل المسجد مرتكباً بعض المنكرات كالاختلاط المستهتر بين الرجال والنساء، أو دخول النساء المتبرجات فلا ينبغي التوقف في تحريم هذا.
فإذا كانت هذه الساحة لها حكم المسجد فلا يجوز دخول الكفار إليها للاحتفال بعيدهم، لأنه ليس في ذلك مصلحة شرعية.
ولا يجوز تأجيرها لهم، أو لغيرهم، لأن المسجد لا يُبنى لذلك، وإنما يبنى لذكر الله وإقامة الصلاة. وهذا سبب ثانٍ لمنع تأجير المكان لهؤلاء.
وقد سئل ابن القاسم ﵀: أرأيت إن بنى رجل مسجداً، فأكراه (يعني: أجَّره) ممن يصلي فيه؟ قال: لا يصلح هذا في رأيي، لأن المساجد لا تبنى للكراء.
المدونة (٣/٤٣٤) .
ثانياً:
هناك سبب ثالث يقتضي منع هؤلاء من الدخول إلى هذه الساحة ـ سواء كانت من المسجد أم لا ـ وهو أن دخولهم إنما هو للاحتفال بعيدهم، وأعياد المشركين أعياد باطلة، لا يجوز للمسلم أن يشاركهم فيها، ولا أن يعينهم عليها، لقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة/٢.
وروى البيهقي (١٩٣٣٤) عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (اجتنبوا أعداء الله في عيدهم) .
وقد فَسَّر بعض السلف قوله تعالى في صفات عباد الرحمن: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) الفرقان/٧٢، قالوا: هي أعياد المشركين.
وانظر تفسير ابن كثير (٣/٤٣٥) .
ولا شك أن أعياد المشركين من الزور والباطل الذي أمرنا بعدم حضوره، فالآية عامة في عدم شهود الزور الذي يشمل كل قول أو فعل محرم، ومنه: أعياد المشركين.
"تفسير السعدي" ص ٦٨٦.
وانظر لمزيد الفائدة جواب السؤال رقم (١١٤٢٧) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3265
هل يجوز لهم بيع المسجد لمن يحتمل اتخاذه كنيسة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[نحن نعيش في أحد المدن الأمريكية، ومنذ ما يزيد على ٣٠ عاماً اشترى المسلمون كنيسة، وعدلوها لتصبح مسجداً , الآن نظراً لقدم البناية، وصغر مساحة المسجد: نريد بيعه، واستخدام قيمته في تكملة بناء مسجد أكبر في حي مجاور , المعضلة: أنه يغلب على ظننا أنه سيشتريه منَّا بعض النصارى، ثم يجعلونه كنيسة، وخاصة أصحاب كنيسة مجاورة للمسجد، يصدر منها أحياناً أصوات موسيقى عالية تسمع من داخل المسجد , ما هو حكم بيع المسجد لمن يرغب في جعله كنيسة؟ وهل فِعْل ذلك يعدُّ مِن معاونتهم على ما هم فيه من الشرك، والضلال؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اتفق العلماء على حرمة بيع المسجد الذي لم تتعطل منافعه، ولم يهجره أهله، وأن من فعل ذلك فهو آثم، ولا يتملكه من اشتراه.
واختلفوا في حكم بيع المسجد الذي تعطلت منافعه، أو هجره أهله:
فذهب بعضهم إلى أنه يجوز بيع المسجد إذا كان ذلك هو حاله، وإذا بيع: فيصرف ثمنه إلى مسجد آخر، وإن كان قريباً من الأول فهو أفضل.
وهذا قول أبي حنيفة، وصاحبه أبي يوسف، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو الذي عليه مذهب الحنابلة.
وذهب آخرون إلى أنه لا يصح بيع الوقف بحال عموماً، والمسجد لا يكون إلا وقفاً، وعليه: فلا يصح عندهم بيعه، وإن تعطلت منافعه، وهجره المصلون.
وهو رواية أخرى عن أبي حنيفة، وهي المذهب عند الحنفية، وهو مذهب مالك، والشافعي، ورواية عن الإمام أحمد.
والقول بالجواز هو الأصح من القولين.
وانظر المسألة بتفصيلها، وترجيحها في جواب السؤال رقم: (١٠٣٢٣٦) .
ثانياً:
إذا تقرر جواز بيع مسجد القديم ذاك: فهل يجوز لكم بيعه لمن يتخذه كنيسة، أو لإقامة محل يُعصى فيه الله تعالى، كخمارة، أو مؤسسة ربوية؟
والجواب: قطعاً لا يجوز؛ فالوسائل لها حكم الغايات، فالوسيلة إلى فعل المعصية تكون معصية، والوسيلة إلى فعل الطاعة تكون طاعة، ولذلك حرم بيع السلاح وقت الفتنة، وحرم بيع العنب لمن يعصره خمراً، ويقال هنا: يحرم بيع أرض للنصارى بقصد بنائها كنيسة، أو لليهود بقصد بنائها بيعة، ونحو ذلك، كما يحرم تأجيرهم دوراً لإقامة شعائر الكفر فيها.
وفي " الموسوعة الفقهية " (٣٨ / ١٥٧، ١٥٨) :
نصَّ جمهور الفقهاء على أنّه يمنع المسلم من بيع أرضٍ أو دارٍ لتتّخذ كنيسةً:
قال الحنفيّة: إن اشتروا دوراً في مصرٍ من أمصار المسلمين فأرادوا أن يتّخذوا داراً منها كنيسةً، أو بيعةً، أو بيت نارٍ في ذلك لصلواتهم: منعوا عن ذلك.
وقال المالكيّة: يمنع - أي: يحرم - بيع أرضٍ لتتّخذ كنيسةً، وأجبر المشتري من غير فسخٍ للبيع على إخراجه من ملكه، ببيع، أو نحوه.
روى الخلال عن المروذيّ أنّ أبا عبد الله سئل عن رجلٍ باع داره من ذمّيٍّ وفيها محاريب فاستعظم ذلك، وقال: نصراني؟! لا تباع، يضرب فيها النّاقوس وينصب فيها الصلبان؟ وقال: لا تباع من الكافر، وشدّد في ذلك.
وعن أبي الحارث أنّ أبا عبد الله سئل عن الرّجل يبيع داره وقد جاء نصراني فأرغبه وزاده في ثمن الدّار , ترى أن يبيع منه وهو نصراني، أو يهودي، أو مجوسي , قال: لا أرى له ذلك , قال: ولا أرى أن يبيع داره من كافرٍ يكفر فيها بالله تعالى.
إذا اشترى أو استأجر ذمّي داراً على أنّه سيتّخذها كنيسةً: فالجمهور على أنّ الإجارة فاسدة , أمّا إذا استأجرها للسكنى، ثمّ اتّخذها معبداً: فالإجارة صحيحة , ولكن للمسلمين عامّةً منعه حسبةً. انتهى
ثالثاً:
المشتري من الكفار لا ندري ما يصنع بهذا المسجد إن اشتراه، فمتى يكون البيع له محرَّماً؟.
والجواب: أنه يكون محرَّماً في حال العلم باتخاذه له كنيسة، بتصريه، أو بقرائن قوية، أو بغلبة الظن الراجحة، وما عدا ذلك: فلا يحرم بيعه له.
قال أحمد الصاوي – ﵀:
ويمنع أيضاً بيع التوراة، والإنجيل لهم؛ لأنها مبدَّلة، ففيه إعانة لهم على ضلالهم، وكما يُمنع بيع ما ذُكر لهم: يُمنع الهبة، والتصدق، وتمضي الهبة، والصدقة، ويجبرون على إخراجها من ملكهم كالبيع.
تنبيه: كذلك يُمنع بيع كل شيءٍ عُلم أن المشتري قصد به أمراً لا يجوز؛ كبيع جارية لأهل الفساد، أو مملوك، أو بيع أرض لتتخذ كنيسة، أو خمارة، أو خشبة لتتخذ صليباً، أو عنباً لمن يعصره خمراً، أو نحاساً لمن يتخذه ناقوساً، أو آلة حرب للحربيين، وكذا كل ما فيه قوة لأهل الحرب.
" بلغة السالك " (٣ / ٨) .
وقال ابن قدامة – ﵀:
إذا ثبت هذا: فإنما يحرم البيع، ويبطل إذا علم البائع قصْد المشتري ذلك، إما بقوله، وإما بقرائن مختصة به تدل على ذلك، فأما إن كان الأمر محتملاً مثل أن يشتريها مَن لا يُعلم حالُه، أو من يَعمل الخل والخمر معاًً، ولم يلفظ بما يدل على إرادة الخمر: فالبيع جائز، وإذا ثبت التحريم: فالبيع باطل، ويحتمل أن يصح، وهو مذهب الشافعي ...
ولنا: أنه عقد على عين لمعصية الله بها فلم يصح، كإجارة الأمَة للزنا، والغناء ... .
" المغني " (٤ / ٣٠٦) .
والخلاصة:
أنه لا يحل لكم بيع المسجد إذا لم تتعطل منافعه، وأمكن الانتفاع به، ويحل لكم بيعه إن تعطلت منافعه، وصار مهجوراً من أهله، والنصيحة لكم: عدم بيعه، وإبقاؤه وقفاً، وجعله مكتبة، أو مؤسسة خيرية، في حال تعطله عنه الانتفاع به في الصلاة.
وإن لم يتيسر لكم هذا، وتعين عليكم بيعه: فيجوز لكم بيعه لنصراني وغيره، إلا إذا علمتم، أو غلب على ظنكم أنه سيحوله كنيسة ونحوها من دور الكفر: فلا يجوز لكم ذلك البيع، وعليكم تحري من يشتريه لاستخدام مباح، فإن جهلتم حال المشتري، ولم تعلموا نيته: فالبيع له جائز، والاحتياط: التورع بالتحري عن نيته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3266
بناء المسجد بشكل سداسي أو رباعي
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن يكون المسجد على شكل رباعي أو سداسي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"ما نعلم شيئاً في أن يكون رباعياً أو سداسياً، المهم أن يكون على هيئة المساجد الواضحة، في مقدمته محرابه، وبالشكل الذي يناسب الصفوف، فلا يكون فيها اعوجاج، ولا يكون فيها مضايقات للصفوف، فتكون كاملة ومستقيمة.
أما أشكال البناء فأمرها واسع، ولا نعلم في شكل البناء شيئاً خاصاً، لكن يُراد من هذا أن تكون البناية واسعة للمصلين، والصفوف تكون منتظمة مستقيمة على سمت واحد، بحيث إذا رآه الناس أو دخله الناس عرفوا أنه مسجد، فتكون بناية المسجد واضحة على عرف البلاد وطريقة البلاد التي فيها المساجد" انتهى.
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
"فتاوى نور على الدرب" (٢/٧١٦) .
وقد استحب بعض العلماء أن يكون بناء المسجد على شكل مربع أو مستطيل، ويكون جدار المسجد الأمامي إلى جهة القبلة، حتى يكون الصف الأول موازياً له، فتسهل تسوية الصفوف، أما إذا كانت الصفوف مائلة عن جدار المسجد، فالغالب أنها يحصل بها اعوجاج، إلا أنه قد تم التغلب على هذه المشكلة الآن، بوضع خط في الأرض تستقيم عليه الصفوف، أو فرش المسجد بسجاجيد أو موكيت فيه هذا الخط بلون مخالف للون السجاد.
وانظر جواب السؤال رقم (٩٣٦١٥) .
قال في "شرح مختصر خليل" (١/٢٩٤) :
"يكره بناء مسجد غير مربع، لعدم تسوية الصفوف فيه، ولهذا اختلف في الصلاة فيه بالكراهة والجواز ... ومثل غير المربع: ما إذا كان مربعاً لكن قبلته في بعض زواياه" انتهى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3267
التحدث في المساجد بأمور الدنيا
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم التحدث في المسجد؟ مثل أن أرى صديقاً أو قريباً لي في المسجد قبل الصلاة أو بعدها فأسلم عليه، وأسأله عن حاله، وعن صحته، وأدعوه للزيارة، وغير ذلك من الكلام؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"التحدث في المساجد إذا كان في أمور الدنيا والتحدث بين الإخوان والأصحاب في أمور ديناهم إذا كان قليلاً فلا حرج فيه إن شاء الله، أما إذا كان كثيراً فإنه يكره، فيكره أن تتخذ المساجد محلاً لأحاديث الدنيا، فإنها بنيت لذكر الله وقراءة القرآن والصلوات الخمس وغير هذا من وجوه الخير كالتنفل والاعتكاف وحلقات العلم.
أما اتخاذها للسواليف في أمور الدنيا فيكره ذلك، لكن الشيء القليل الذي تدعو له الحاجة عند السلام على أخيه الذي اجتمع به وسؤاله عن حاله وأولاده أو أشياء تتعلق بهذا أو بأمور الدنيا لكن بصفة غير طويلة بل بصفة قليلة فلا بأس بذلك" انتهى.
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
"فتاوى نور على الدرب" (٢/٧٠٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3268
اصطحاب الأولاد إلى المسجد
[السُّؤَالُ]
ـ[نسمع دائماً عند صلاة المغرب والعشاء صريخاً وضجيجاً من الأطفال في بيت الله الحرام، فهل هذا يجوز في هذا المكان، أو في أي مسجد من المساجد؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا حرج في ذلك، لأن من طبيعة الطفل أنه يحدث منه هذا الشيء، وكان الأطفال في عهد النبي ﷺ يسمعهم النبي ﷺ ويسمع صراخهم، ولم يمنع أمهاتهم من الحضور، بل ذلك جائز، ومن طبيعة الطفل أنه يحصل منه بعض الصراخ، وقد ثبت عن النبي ﷺ ما يدل على أنه يسمع ذلك، ولم يمنع، بل كان ﷺ يقوم في الصلاة وينشط لها فيسمع بكاء الصبي فيخفف لئلا تفتتن أمه، فهذا يدل على أنه أقرهن على ذلك وراعاهن في الصلاة أيضاً، ﵊.
ولأن منع الأطفال معناه منع الأمهات من الحضور، وقد يكون حضورهن فيه فائدة للتأسي بالإمام في الصلاة، والطمأنينة فبها، ومعرفتها كما ينبغي، أو لتسمع فائدة من الإمام من العلم.
فالحاصل أن حضورها إلى المسجد مع التستر والتحجب وعدم الطيب فيه فوائد، فإن كانت لا تأتي إلا بتبرج وإظهار محاسنها أو بالطيب فلا يجوز لها ذلك، فصلاتها في بيتها أولى، وبكل حال فصلاتها في بيتها أولى وأفضل إلا إذا كان خروجها تستفيد منه فائدة واضحة، كنشاط في قيام رمضان، وكسماع العلم والفائدة، أو التأسي بالإمام في صلاته والطمأنينة فيها إذا كانت تجهل كيفية الصلاة كما ينبغي، فتستفيد صفة الصلاة والطمأنينة فيها، وتستفيد سماع المواعظ والذكر، وهذا قد يجعل خروجها أولى لأجل المصلحة، وإلا فالأصل أن الصلاة في بيتها خير.
أما خروجها متبرجة بالملابس الحسنة الفاتنة، أو إبراز بعض محاسنها، وإظهار الطيب الذي قد يسبب الفتن لمن تمر عليهم فكل هذا لا يجوز، ويجب عليها أن تبقى في بيتها ولا تخرج بهذه الأحوال التي تفتن الناس وتضر الناس.
أما الطفل فلا بأس بوجوده معها ولكن تتحفظ منه وتجعله في محل محفوظ حتى لا يقذر المسجد ويؤذي المصلين، وإذا دعت الحاجة إلى حمله عند الحاجة ليسكت فلا بأس، فقد حمل النبي ﷺ أمامة بنت زينب، حملها وهو يصلي بالناس، ﵊.
فالحاصل: أن وجود الأطفال في المسجد وحملهن حتى في الصلاة لا حرج فيه عند الحاجة، لكن ينبغي أن يراعى في ذلك سلامة الطفل من النجاسات حتى لا ينجس أمه" انتهى.
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
"فتاوى نور على الدرب" (٢/٧١٤، ٧١٥) .
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 3269
حكم بيع أدوات كهربائية لمسجد فيه ضريح
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم بيع أدوات كهربائية كالسلك والبلاستيك، لمن سيقوم بتركيبها بمسجد، فيه ضريح بجانبه، يفصله عنه جدار فقط، وما واجبي تجاه هذا المشتري؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله:
إذا كان يشتري هذه الأمور لإنارة الضريح الموجود داخل المسجد أو خارجه، فلا يجوز لك بيعه شيئاً من هذه الأغراض، ولا إعانته بأي وجه من وجوه الإعانة، لقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) المائدة/٢.
وإيقاد السرج والأنوار على القبور من البدع المحدثة المحرمة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإسراج المصابيح على القبور مما لم أعلم فيه خلافاً أنه معصية لله ورسوله" انتهى "مجموع الفتاوى" (٣١/٤٥) .
وقال ابن حجر الهيتمي في "الزواجر" (١/١٣٤) : "صرح أصحابنا بحرمة السراج على القبر وإن قلَّ، حيث لم ينتفع به مقيم ولا زائر، وعللوه بالإسراف وإضاعة المال، والتشبه بالمجوس، فلا يبعد في هذا أن يكون كبيرة" انتهى.
وينظر: " أحكام الجنائز " للشيخ الألباني صـ ٢٣٢.
وكذلك الحكم إذا كان يشتريها للمسجد والضريح في داخله، لأنه لا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر أبداً.
فإن كان القبر هو السابق، بأن بُني المسجد على القبر، ففي هذه الحالة يجب هدم هذا المسجد وهجره وعدم الصلاة فيه، ولا يجوز بيع شيء يساعد على بقاء هذا المسجد.
قال شيخ الإسلام: " فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين، وتكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه، ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب؛ لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك ". انتهى
" اقتضاء الصراط المستقيم " (١/ ٣٣٠) .
وإن كان المسجد هو السابق، بحيث دُفن الميت فيه بعد بناء المسجد، فالواجب نبش القبر، وإخراج الميت منه، ودفنه مع الناس.
وفي هذه الحالة أيضاً لا ينبغي معاونة من يريد تركيب هذه الأغراض في المسجد، لأن هذا فيه إقرار هذا المنكر، بل ومعاونة من يأتي إلى المسجد هو يريد التبرك بالضريح أو الاستغاثة به ونحو ذلك.
وأما إذا كان الضريح بجانب المسجد، ويفصل بينهما جدار، بحيث لا يكون للضريح مدخل أو نافذة من المسجد، فهو كبقية المساجد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وان كان المسجد منفصلاً عن القبر، فحكمه حكم سائر مساجد المسلمين" مجموع الفتاوى (٣١/١٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3270
هل يستحب إبرام عقد الزواج في المسجد ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن يكون الزواج أو العقد داخل المسجد؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن عقد النكاح في المسجد مستحب؛ لحديث استدلوا به، ولمعنى قالوا بوجوده.
في " الموسوعة الفقهية " (٣٧ / ٢١٤) :
استحب جمهور الفقهاء عقد النكاح في المسجد؛ للبركة، ولأجل شهرته، فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف) .
انتهى
أما الحديث: فقد رواه الترمذي (١٠٨٩) ، وهو حديث ضعيف، ضعفه الترمذي، وابن حجر، والألباني، وغيرهم.
وأما المعنى: فهو قولهم بأن عقد النكاح في المسجد بركة، لكن يُشْكِل على ذلك أنه لو كان الأمر كذلك لحرص النبي ﷺ على عقد الأنكحة لنفسه في المسجد، ولحرص على تبيين ذلك لأصحابه.
وعليه، فالأظهر هنا أن يقال:
أن إنشاء عقد الزواج في المسجد جائز من حيث الأصل، لا سيما إن كان ذلك في بعض الأحيان، أو كان أبعد لهم عن المنكر، مما لو عقد في مكان آخر. وأما التزام ذلك في كل عقد، أو اعتقاد أن له فضلاً خاصاً: فهو بدعة، ينبغي التنبيه عليها، ونهي الناس عن فعله على هذا الوجه.
وإن كان أثناء العقد وُجد اختلاط بين الرجال والنساء، أو حصل استعمال للمعازف: صار عقده في المسجد أشد حرمة من عقده خارجه؛ لما في ذلك من التعدي على حرمة بيت الله.
ودليل مشروعية عقد النكاح في المسجد، من حيث الأصل: حديث الواهبة نفسها للنبي ﷺ ، والذي رواه البخاري ومسلم، حيث ثبت أنه زوجها لأحد أصحابه في المسجد، ولا يُحفظ أنه كرر ذلك في عقدٍ غيره.
١. سئل علماء اللجنة الدائمة:
أرجو من فضيلتكم التكرم بتوضيح حكم الشرع في إقامة عقد القران في المسجد، مع العلم أن العقد سوف يكون مقروناً بالالتزام بالتعاليم الإسلامية، وهي عدم الاختلاط بين الرجال والنساء، أو اصطحاب المعازف.
فأجابوا:
إذا كان الواقع ما ذكر: فلا بأس بإجراء عقد النكاح في المسجد.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٨ / ١١٠) .
٢. وسئلوا:
هل المواظبة على عقد عقود الزواج في المساجد يعتبر من السنَّة المستحبة، أم يعتبر من البدع؟ .
فأجابوا:
الأمر في إبرام عقد النكاح في المساجد وغيرها: واسع شرعاً، ولم يثبت فيما نعلم دليل يدل على أن إيقاعها في المساجد خاصة سنَّة، فالتزام إبرامها في المساجد: بدعة.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٨ / ١١٠، ١١١) .
٣. وقالوا:
ليس من السنَّة عقد النكاح بالمساجد، والمداومة على عقد النكاح داخل المسجد واعتقاده من السنَّة: بدعة من البدع؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) .
وإن كان يحضر حفلة عقد النكاح نساء متبرجات، وأطفال يؤذون في المسجد: منع عقد ذلك النكاح في المسجد؛ لما في ذلك من المفسدة.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٨ / ١١١، ١١٢) .
٤. وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
استحباب عقد النكاح في المسجد لا أعلم له أصلاً، ولا دليلاً عن النبي ﷺ ، لكن إذا صادف أن الزوج والولي موجودان في المسجد وعقد: فلا بأس؛ لأن هذا ليس من جنس البيع والشراء، ومن المعلوم أن البيع والشراء في المسجد حرام، لكن عقد النكاح ليس من البيع والشراء، فإذا عقد في المسجد: فلا بأس، أما استحباب ذلك بحيث نقول: اخرجوا من البيت إلى المسجد، أو تواعدوا في المسجد ليعقد فيه: فهذا يحتاج إلى دليل، ولا أعلم لذلك دليلاً.
" لقاء الباب المفتوح " (١٦٧ / السؤال رقم ١٢) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 3271
نشد الضالة بمكبر الصوت الخاص بالمسجد وتعليق ورقة بها في المسجد
[السُّؤَالُ]
ـ[يوجد في مسجد قريتنا مكبر للصوت، فهل يجوز استعماله في السؤال عن ضالة ثمينة أو مهمة كأن يُسأل بواسطته عن طفل مفقود ونحوه؟ وهل يدخل ذلك في عموم الحديث الذي معناه: (من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك) ؟ وهل يلحق بذلك الورقة تعلق على باب المسجد أو جداره وتفيد السؤال عن ضالته دون التحدث بذلك مشافهة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"أما نشد الضوال عن طريق مكبر الصوت في المسجد فلا يجوز سواء قصد أهل المسجد أو القرية ما دام في المسجد، فلا يجوز، لعموم الحديث وهو قوله ﷺ : (مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ) ، وهذا حديث صحيح رواه مسلم في الصحيح، ولأن المساجد ما بنيت لهذا، وهكذا الحديث: (إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ) ؛ فالمساجد لم تُبن لنشد الضوال أو البيع والشراء، وإنما بنيت لعبادة الله وطاعته بالصلاة والذكر وحلقات العلم ونحو ذلك.
أما إذا كان المكبر خارج المسجد في بيت أو في محل خارج المسجد، فهذا أمر معلوم ولا حرج في ذلك أن ينشد الضالة ويطلب من المسلمين أن يفيدوه عن حاجته.
وأما كتابة ورقة وتعلق في المسجد فهذا إذا كان في الجدار الخارجي فلا بأس أو على الباب الخارجي فلا بأس، أما من الداخل فلا ينبغي لأن هذا يشبه الكلام، ولأنه قد يشغل الناس بمراجعة الورقة وقراءتها.
فالذي يظهر لنا: أنه لا يجوز، لأن تعليق أوراق في المسجد معناه نشد الضوال، ولكن إذا كتب على الجدار الخارجي من ظهر المسجد أو على الباب وتكون خارج المسجد فلا بأس بهذا " انتهى.
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
"فتاوى نور على الدرب" (٢/٧٠٩) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3272
وجود صناديق الأحذية بين صفوف المصلين
[السُّؤَالُ]
ـ[توجد في بعض المساجد صناديق تحتوي على الأحذية تتخلل الصفوف، فما حكم الصلاة إلى هذه الصناديق؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا حرج في ذلك، الصناديق التي أمام الصف لا حرج فيها، إذا كان فيها نعال أو فيها غير ذلك كمصاحف أو كتب، ولو فرض أن فيها نجاسات فإنها لا تضر المصلي لأنها في مكانها وليست تحت المصلين" انتهى.
[الْمَصْدَرُ]
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
"فتاوى نور على الدرب" (٢/٧١٦)
стр. 3273
الكلام في المسجد بأمور الدنيا والضحك
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك أشخاص بما فيهم مؤذن المسجد يتحدثون في المسجد بغير أمور الدين، وأحياناً يكحكحون بصوت مسموع يؤذي المصلين، وعند نصحي أخذوا يجاهرون، هل هذا جائز أم لا؟ وماذا يترتب على ذلك وفقكم الله؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا ريب أن المساجد لم تبن للقيل والقال وأحاديث الدنيا والسوالف الباطلة والقهقهة ونحو هذا، وإنما بنيت لذكر الله والصلاة، وقراءة القرآن وبيان العلم، فالذين يجلسون في المساجد الواجب عليهم أن يتأدبوا بالآداب الشرعية ويتباعدوا عما يخالف ما بنيت له المساجد، لكن إذا كان التحدث قليلاً في أمور الدنيا فلا كراهة في القليل، أما إذا كان كثيراً فيكره، أقل أحواله الكراهة، وهكذا إذا قهقه إذا كان قليلاً أو تبسم فلا بأس.
وقد كان الصحابة ﵃ وأرضاهم يتحدثون مع النبي ﷺ في المسجد في أمور الجاهلية وربما ضحكوا وتبسم ﵊، فالضحك إذا كان لأمر شرعي أو لأمر تعجب منه من أمور الجاهلية أو ما أشبه ذلك من الأشياء التي توجب الضحك في غير لعب وفي غير امتهان المساجد، بل لأمر عارض في الأحاديث التي تعرض بين الناس في التاريخ ونحو هذا لا بأس به، أما أن يتخذ المسجد موضعاً للقيل والقال والسوالف والقهقهة ونحو ذلك فلا، وأقل أحواله الكراهة.
أما الشيء العارض فلا بأس به، قهقهة عارضة عند مرور شيء يتعجب منه في التاريخ أو غيره، أو التحدث بينهم بما يدعو إلى الضحك، فهذا لا حرج فيه إذا كان قليلاً.
أما إذا كنت نصحتهم وأخذوا يجاهرون فهذا من جهلهم، وهذا غلط، بل الواجب أن يشكروه ويدعو له ويقولون أحسنت، ونحو ذلك ولا يقابلونه بالإساءة، ولكن الجهل قد يوقع أهله في أشياء من الشر بسبب قلة بصيرته" انتهى.
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
"فتاوى نور على الدرب" (٢/٧٠٥) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3274
لا ينبغي طرد الأطفال من الصفوف الأولى
[السُّؤَالُ]
ـ[ما رأي فضيلتكم في صلاة الصبي المميز في الصف الأول: لأن كثيراً من الناس يطردونهم إلى الصفوف الأخيرة مما يسبب اجتماعهم وجلبتهم في المسجد؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"ينبغي أن يشجّع الصبي على الصلاة وألا يُنفّر منها، فإذا تقدم الصف الأول، وهكذا إذا تقدم إلى الصف الثاني، ولا ينبغي تجميعهم في محل واحد؛ لأن هذا أولاً: ينفرهم من التقدم إلى الصلاة، وثانياً: يسبب لعبهم وإشغالهم للمصلين، فلا ينبغي لأهل المسجد أن يفعلوا ذلك؛ بل ينبغي لأهل المسجد أن يلاحظوا تفريقهم في الصفوف حتى يبعد بعضهم عن بعض لئلا يعبثوا ويؤذوا المصلين، ومن سبق منهم إلى الصف الأول فإنه يُقر؛ لأنه سبق إلى شيء ما سبقه إليه غيره فهو أحق به، والله المستعان" انتهى.
[الْمَصْدَرُ]
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
"فتاوى نور على الدرب" (٢/٩٢١)
стр. 3275
الصلاة في مسجد يتم ترميمه والصرف عليه بمال حرام
[السُّؤَالُ]
ـ[الصلاة في مسجد يتم ترميمه والصرف عليه بمال حرام هناك مساحة في مقدمة المسجد تابعة لأملاك المسجد مؤجرة لبنك غير إسلامي يتعامل مع الربا. ويقوم المسجد بالاستفادة من أموال الإجارة في أعمال الترميم وغيرها من الأمور في تطوير المسجد. فهل يجوز الصلاة في هذا المسجد؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
تأجير المحل أو البيت لمن يتخذه للمعصية، لا يجوز، ومن ذلك تأجير المبنى للبنك الربوي؛ لأنه من الإعانة الواضحة على الإثم والعدوان، لأن صاحب المبنى يعلم أن البنك قد استأجر هذا المكان ليتعامل فيه معاملات محرمة، كالربا وغيره.
قال البهوتي في "شرح منتهى الإرادات": (٢/٣٥٨) : " ولا تصح إجارة دار لتعمل كنيسة أو بيعة أو صومعة راهب أو لبيع خمر أو القمار ونحوه. سواء شرط ذلك في العقد أو علم بقرينة ; لأنه فِعلٌ محرمٌ فلم تجز الإجارة عليه " انتهى باختصار.
وانظر جواب السؤال رقم (٢٢٨٧٠) .
فعلى القائمين على المسجد أن يتخلصوا من هذا العقد المحرم، وأن يؤجروا المساحة لجهة تستعملها في المباح، ولا ندري كيف طابت أنفسهم بجعل محل الربا المتوعَّد أهله بالحرب من الله ورسوله ملاصقا ومجاورا لبيت الله؟
ثانياً:
تجوز الصلاة في هذا المسجد، وإثم التعامل مع البنك على من فعل ذلك، وينبغي السعي في إقناع القائمين عليه بتجنيب المسجد هذا المال الخبيث الناتج عن التأجير للبنك الربوي، فإن أصروا، فالإثم عليهم، والصلاة صحيحة.
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: ما حكم الصلاة في المسجد الذي بني ابتغاء وجه الله تعالى، وقد خلط مال بنائه بمال ربا؟
ما حكم الصلاة في المسجد الذي بني من التبرعات ومنها مال مسروق؟
فأجابوا: " تجوز الصلاة في كل منهما وإثم كل من المرابي والسارق على نفسه. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد الرزاق عفيفي ... الشيخ عبد الله بن غديان.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٦/٢٤١) .
وينظر جواب السؤال رقم (٧٥٤١٠) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3276
هل يؤجر على الجلوس في المسجد بعد الصلاة دون ذكر أو انتظار صلاة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كثيراً بعد انتهائي من أداء صلاة الجماعة وانتهائي من الأذكار والسنن بعد الصلاة فإني أجلس في المسجد لأنه يحقق لي الراحة والطمأنينة. هل في جلوسي هذا (غير المقترن بأداء ذكر أو عبادة) ثواب لي؟ أم أنه كجلوسي في أي مكان عام؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا فرغ المصلي من صلاته وجلس في مصلاه الذي صلى فيه فإن الملائكة تستغفر له، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري (٤٤٥) ومسلم (٦٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) .
وفي رواية لهما: (مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ) .
وظاهره: أن هذا الفضل لمن جلس ولم يُحْدث ولم يؤذ بغيبة ونحوها، سواء انشغل بذكر أو لا، وفضل الله واسع، وكرمه عظيم، فيرجى لك هذا الثواب إن شاء الله تعالى، وإن انشغلت بالذكر أو بقراءة القرآن فهذا أكمل وأفضل.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3277
يحرم دفن الموتى في المساجد
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم دفن الموتى في المساجد؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الدفن في المساجد نهى عنه النبي ﷺ ، ونهى عن اتخاذ المساجد على القبور، ولعن من اتخذ ذلك وهو في سياق الموت يحذّر أُمَّته، ويذكر ﷺ أن هذا من فعل اليهود والنصارى، ولأن هذا وسيلة إلى الشرك بالله ، لأن إقامة المساجد على القبور ودفن الموتى فيها وسيلة إلى الشرك بالله في أصحاب هذه القبور، فيعتقد الناس أن أصحاب هذه القبور المدفونين في المساجد ينفعون أو يضرون، أو أن لهم خاصية تستوجب أن يُتَقَرَّب إليهم بالطاعات من دون الله .
فيجب على المسلمين أن يحذروا من هذه الظاهرة الخطيرة، وأن تكون المساجد خالية من القبور، مؤسسة على التوحيد والعقيدة الصحيحة، قال الله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً) الجن/١٨.
فيجب أن تكون المساجد لله خالية من مظاهر الشرك، تُؤَدَّى فيها عبادة الله وحده لا شريك له. هذا هو واجب المسلمين. والله الموفق" انتهى.
فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀
"فتاوى العقيدة" (صـ ٢٦) .
ولمزيد الفائدة ينظر جواب السؤال رقم (١٢٠٢١٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3278
مسجدان متقاربان والثاني منهما قليل المصلين أو معدومه ففي أي المسجدين يصلي ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[نحن في منطقتنا يوجد مسجدان متقاربان، أحدهما يمتلأ عادة بالمصلين، أما الآخر: فيكون خالٍ من المصلين حتى إنَّه في بعض الأحيان لا يفتح المسجد أحيانا، ففي هذه الحالة أيهما أفضل: الصلاة في المسجد الممتلئ، أم إعمار المسجد الآخر؟ . وثانياً: - بارك الله فيك - الإمام الذي في المسجد الممتلئ لا يراعي السنَّة، فهو مسبل، ولا يراعي السنَّة، أما المسجد الآخر: فإمامه نوعاً ما ملتزم ما استطاع بالسنَّة. فنرجو منكم توضيح في أي المساجد الصلاة تكون فيه أفضل.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
انتشار المساجد، وكثرتها، ولو في الحي الواحد: علامة خير، وهو مما يشجع الناس على أداء الصلاة في بيوت الله، لكننا ففي الوقت نفسه ننبه على أمورٍ:
١. أن لا يكون بناء المساجد بتقارب شديد، لئلا يؤدي ذلك إلى تفريق جماعة المسلمين، وقد يكون في بنائها شيء من الإسراف، والمباهاة، وقد يغلق بعضها في بعض الصلوات لعدم وجود من يصلي فيه.
٢. أن لا يصلَّى الجمعة فيهما، بل يصلى في المسجد الكبير منهما؛ ليجتمع المصلون في مسجد واحد.
٣. بناء المساجد في المناطق التي تخلو من مساجد بالكلية أولى من بنائها في أماكن يوجد فيها من المساجد ما يكفي المصلين.
ثانياً:
بما أن الحال هو ما ذكرتَ: فإننا نرى أن تكون الصلاة في المسجد الأول؛ لأمور:
١. أن اجتماع المصلين في مسجد واحد من شأنه أن يحقق الألفة بينهم، ويزيد في ترابطهم، فيُعرف مريضهم فيُعاد، وفقيرهم فيُعان، وميتهم فيُصلَّى عليه، ويُعزى أهله.
٢. أن المسجد الذي يصلي فيه أهل الحي جميعهم يعين على تعليمهم، ووعظهم، بخلاف تشتتهم في أكثر من مكان، فإذا جاء العالم ليُعلِّم، والواعظ ليعظ، ويكون الناس قد اجتمعوا في صعيد واحد: فإن الخير والنفع والفائدة تصل لجميعهم.
٣. كلما زاد عدد المصلين في الجماعة: كان أحب إلى الله.
فعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى) رواه أبو داود (٥٥٤) والنسائي (٨٤٣) وحسنه الألباني في صحيح أبي داود.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
"لو قدِّر أن هناك مسجدين، أحدهما أكثرُ جماعة مِن الآخر: فالأفضلُ أن يذهبَ إلى الأكثرِ جماعة؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (صَلاةُ الرَّجُلِ مع الرَّجُلِ أزكى مِن صلاتِهِ وحدَهُ، ... ) .
وهذا عامٌّ، فإذا وُجِدَ مسجدان: أحدُهما أكثرُ جماعة مِن الآخرِ: فالأفضلُ أن تُصلِّيَ في الذي هو أكثر جماعة" انتهى.
"الشرح الممتع على زاد المستقنع" (٤/١٥٠، ١٥١) .
وقال الشيخ أيضاً:
"الأفضل لغير أهل الثَّغر أنْ يصلِّي في المسجدِ الذي تُقام فيه الجماعةُ إذا حضر، ولا تُقام إذا لم يحضر، مثال ذلك: إذا كان هناك مسجدٌ قائمٌ يصلِّي فيه الناسُ، لكن فيه رَجُلٌ إن حَضَرَ وصار إماماً: أُقيمت الجماعةُ، وإنْ لم يحضُرْ: تفرَّقَ الناسُ: فالأفضلُ لهذا الرَّجُلِ أنْ يصلِّيَ في هذا المسجدِ مِن أجلِ عِمارته؛ لأنَّه لو لم يحضُرْ لتعطَّلَ المسجدُ، وتعطيلُ المساجدِ لا ينبغي، فصلاةُ هذا الرَّجُِ في هذا المسجدِ: أفضلُ مِن صلاتِهِ في مسجدٍ أكثرَ جماعةٍ.
لكن ينبغي أن يقيَّد هذا بشرطٍ، وهو أن لا يكون المسجدُ قريباً مِن المسجدِ الأكثرِ جماعةً، فقد يُقال: إنَّ الأفضلَ أن يجتمعَ المسلمون في مسجدٍ واحدٍ، وأنَّ هذا أَولى مِن التفرُّق، فإذا قُدِّرَ أن هذا مسجدٌ قديمٌ ينتابه خمسةٌ، أو عشرةٌ من الناسِ، وحولَه مسجدٌ يجتمعُ فيه جمعٌ كثيرٌ، ولا يشقُّ على أهلِ المسجدِ القديمِ أنْ يتقدَّموا إلى المسجدِ الآخرِ، فرُبَّما يُقال: إنَّ الأفضلَ أن ينضمُّوا إلى المسجدِ الآخر، وأن يجتمعوا فيه؛ لأنَّه كلَّما كَثُرَ الجمعُ: كان أفضل" انتهى.
"الشرح الممتع على زاد المستنقع" (٤/١٥٠) .
وعليكم بمناصحة هذا الإمام لعل الله يهديه ويوفقه لاتباع السنة والحرص عليها.
وأخيراً.. كان يسعنا أن نفتيكم بالصلاة في المسجد الأقل عدداً من المصلين إذا كان أهل المسجد الآخر معروفين بكراهة السنة ومحاربتها ومحاربة أهلها، وقد قمتم معهم بواجب النصيحة ولكن بلا فائدة.
ففي هذه الحالة: صلاتكم في هذا المسجد يقيمون فيه السنة وتعلمونها الناس أفضل بلا شك.
ولكن ما دام الأمر لم يصل إلى هذا الحد فنرى أن تجتمعوا في مسجد واحد.
ونسأل الله لكم التوفيق والهداية
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3279
غضب من أهل المسجد فأنشأ مسجداً بجانبه
[السُّؤَالُ]
ـ[نحن نعيش في مدينة صغيرة في " الولايات المتحدة الأمريكية "، عدد المسلمين فيها حوالي ٥٠٠٠ مسلم، والذين يداومون على حضور صلاة الجمعة حوالي ٣٠، وعلى صلاة العشاء والفجر حوالي عشرة، سؤالي عن مشكلة حصلت بين إمام المسجد وعضو فعَّال في المجتمع، كلهم عرب، نتج عنها خروج هذا العضو عن الجماعة، وقام بشراء مبنى مجاور للمسجد لا يبعد إلا دقيقتين على الأقدام، وجعله مسجداً آخر، وأصبح يرغِّب الناس في الصلاة بالمسجد الجديد عن طريق تجهيز الولائم، والنشاطات المختلفة، فانقسم الناس، وأصبح يقام في نفس الشارع جماعتان، ووصل الحد إلى أن أصبح هناك صلاتا عيد في نفس الشارع , فهل يعتبر فعله هذا بدعة وتفريقاً بين المجتمع؟ وما نصيحتكم لهذا الأخ؟ وهل يجوز لنا الصلاة معهم في المسجد الجديد، أو هذا يعتبر عوناً لهم على زيادة الفرقة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جاء الإسلام بالأمر بالاجتماع والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، وإذا كان تفرق المسلمين في بلادهم منكَراً: فإنه أشد نكارة إن كان بين ظهراني الكفار، ففيه إظهار الإسلام بصورة سلبيَّة، وإظهار المسلمين أنهم أصحاب أهواء شخصية، وليسوا أصحاب رسالة خالدة.
وحرصاً على اجتماع المسلمين في صلاتهم، فقد منع العلماء تعدد الجمعة في مدينة واحدة، إلا لحاجة إلى ذلك: كضيق المسجد، أو تباعد أطراف المدينة.
وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
ما حكم إقامة الجمعة في موضعين، أو أكثر، من المدينة، أو الحارة، مع بيان الدليل الشافي؟ .
فأجاب:
"اعلم وفقك الله أن الذي عليه جمهور أهل العلم: تحريم تعدد الجمعة في قرية واحدة، إلا من حاجة؛ لأن النبي ﷺ لم يكن يقيم في مدينته المنورة مدة حياته ﷺ سوى جمعة واحدة، وهكذا في عهد خلفائه الراشدين، أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ﵃ أجمعين، وهكذا في سائر الأمصار الإسلامية في صدر الإسلام، وما ذلك إلا لأن الجماعة مرغَّب فيها من جهة الشرع المطهر؛ لما في اجتماع المسلمين في مكان واحد حال إقامة الجمعة، والعيد، من التعاون على البرِّ، والتقوى، وإقامة شعائر الإسلام، ولما في ذلك – أيضاً - من الائتلاف بينهم، والمودة، والتعارف، والتفقه في الإسلام، وتأسي بعضهم ببعض في الخير، ولما في ذلك – أيضاً - من زيادة الفضل، والأجر، بكثرة الجماعة، وإغاظة أعداء الإسلام من المنافقين، وغيرهم، باتحاد الكلمة، وعدم الفُرقة.
وقد وردت النصوص الكثيرة في الكتاب والسنَّة في الحث على الاجتماع، والائتلاف، والتحذير من الفُرقة، والاختلاف، فمِن ذلك قول الله : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ، وقوله سبحانه: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) ، وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم) – رواه مسلم (١٧١٥) -.
ومما تقدم يتضح لكم: أن الواجب هو اجتماع أهل المدينة، أو القرية، على جمعة واحدة، كما يجتمعون على صلاة عيد واحدة حيث أمكن ذلك، من دون مشقة؛ للأدلة المتقدمة، والأسباب السالفة، والمصلحة الكبرى في الاجتماع.
أما إن دعت الحاجة الشديدة إلى إقامة جمعتين، أو أكثر، في البلد، أو الحارة الكبيرة: فلا بأس بذلك، في أصح قولي العلماء، وذلك مثل: أن تكون البلد متباعدة الأطراف، ويشق على أهلها أن يجتمعوا في مسجدٍ واحدٍ: فلا بأس أن يقيموا الجمعة في مسجدين، أو أكثر، على حسب الحاجة، وهكذا لو كانت الحارة واسعة لا يمكن اجتماع أهلها في مسجدٍ واحدٍ: فلا بأس أن يُقام فيها جمعتان، كالقرية، ولهذا لما بُنيت " بغداد "، وكانت واسعة الأرجاء: أقيم فيها جمعتان، إحداهما: في الجانب الشرقي، والثانية: في الجانب الغربي، وذلك في وسط القرن الثاني، بحضرة العلماء المشهورين، ولم ينكروا ذلك؛ لدعاء الحاجة إليه، ولمَّا قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ حين خلافته: إن في الكوفة ضعَفة يشق عليهم الخروج إلى الصحراء لحضور صلاة العيد أمَر مَن يقيم لهم صلاة العيد بالبلد، وصلَّى رضي الل عنه بجمهور الناس في الصحراء.
فإذا جاز ذلك في العيد للحاجة: فالجمعة مثله؛ بجامع المشقة، والحاجة، والرفق بالمسلمين، وقد نصَّ الكثير من العلماء على جواز تعدد الجمعة عند الحاجة" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢/٣٥١) .
فإذا كان هذا في تعدد الجمعة، فلا شك أن منع إقامة جماعتين متجاورتين في شارع واحد أشد منعاً.
وقد نص العلماء على تحريم بناء مسجد بجوار مسجد آخر إذا كان ذلك سيضر المسجد القديم ويؤدي إلى تفرقة أهله.
فقد سئل الإمام أحمد: كم يستحب أن يكون بين المسجدين إذا أرادوا أن يبنوا إلى جانبه مسجداً؟ قال: لا يُبنى مسجد يراد به الضرار لمسجد إلى جنبه , فإن كثر الناس حتى يضيق عليهم فلا بأس أن يُبنى وإن قرب من ذلك.
فإن لم يقصد الإضرار ولم تكن هناك حاجة إلى بناء مسجد آخر، ففي جواز بنائه روايتان عن الإمام أحمد، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يُبنى، ويجب هدمه إذا بُني.
وقال المرداوي في "تصحيح الفروع": "وما اختاره شيخ الإسلام هو الصواب".
انظر: "الفروع" (٢/٣٨) .
فالنصيحة لكم جميعاً أن تعملوا على جمع الكلمة وإزالة ما حصل من عداوة وبغضاء بين أهل المسجد، وتجتمعوا جميعاً على الصلاة في المسجد الذي بني أولاً. وتكون كلمتكم واحدة.
ونسأل الله أن يصلح أحوالكم، ويهدي قلوبكم، وأن يجمع كلمتكم على الحق والهدى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3280
لم يثبت أن علياً ﵁ ولد في الكعبة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمرأة أن تضع مولودة في المسجد؟ وهل صحيح أن سيدنا علي بن أبي طالب قد ولد في الكعبة؟ وإذا كان صحيحا فالمرأة أثناء الوضع لا تكون على طهور، فكيف تدخل المسجد وهو بيت من بيوت الله وهي نفساء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا يجوز للحائض والنفساء أن تبقى في المسجد.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (٢٠/٢٤٣)
"لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ دُخُول الْمَسْجِدِ، وَالْمُكْثُ فِيهِ وَلَوْ بِوُضُوءٍ" انتهى.
وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال (٦٠٢١٣) و (٣٣٦٤٩) .
ثانيا:
أما خبر ولادة علي بن أبي طالب ﵁ في الكعبة:
فقد قال الحاكم أبو عبد الله في "المستدرك" (٥/٢٠٦) : " تواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة " انتهى.
فتعقبه ابن الملقن ﵀ فقال:
"حَكِيم بن حزام ﵁ ولد فِي جَوف الْكَعْبَة، وَلَا يعرف أحد ولد فِيهَا غَيره، وَأما مَا رُوِيَ عَن عَلّي ﵁ أَنه ولد فِيهَا فضعيف، وَخَالف الْحَاكِم فِي ذَلِكَ فَقَالَ فِي «الْمُسْتَدْرك» فِي تَرْجَمَة عَلّي أَن الْأَخْبَار تَوَاتَرَتْ بذلك" انتهى.
"البدر المنير" (٦/٤٨٩) .
وقد سئل د. الشريف حاتم بن عارف العوني (عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى) :
هل صحيح أن سيدنا علياً ﵁ وُلِد داخل الكعبة؟ وإذا كان الجواب نعم فهل في هذا ميزة له ﵁؟
فأجاب:
" لم يرد حديثٌ صحيحٌ بذلك، ولم يرد بذلك شيءٌ في المصادر الموثوقة من مصادر السنة؛ إلا ما جاء في كلامٍ لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري، وما ورد في مناقب علي بن أبي طالب ﵁ لابن المغازلي.
أما الحاكم فأورد ما جاء عن بعض نسّابي قريشٍ، من أن حكيم بن حِزام ﵁ وُلد في جوف الكعبة، فلم يُنكر ذلك، لكنه لما أورد قول مصعب بن عبد الله الزُّبيري عن حكيم: " وأمه فاختة بنت زهير بن أسد بن عبد العزى، وكانت ولدت حكيمًا في الكعبة، وهي حامل، فضربها المخاض وهي في جوف الكعبة، فولدت فيها، فحُمِلت في نِطْعٍ، وغُسل ما كان تحتها من الثياب عند حوض زمزم.
قال مصعب: ولم يُولد قبلَه، ولا بعده، في الكعبة أحدٌ".
فتعقّبه الحاكم قائلًا: " وَهِمَ مصعبٌ في الحرف الأخير، فقد تواترت الأخبار: أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة ".
وأما ما جاء عند ابن المغازلي، فإنه أسند خبرًا فيه قصة مولد علي ﵁ في جوف الكعبة (مناقب علي رقم ٣) ؛ لكن إسناده شديد الضعف، لتتابع المجهولين في إسناده، مع نكارة القصة التي تفرّدوا بها. وهذا أحد أكبر عيوب كتاب ابن المغازلي في المناقب، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن كتابه هذا: "قد جمع في كتابه من الأحاديث الموضوعات ما لا يخفى أنه كذبٌ على من له أدنى معرفةٍ بالحديث". كما في منهاج السنة النبوية (٧/١٥) .
فأما قول الحاكم: " فقد تواترت الأخبار: أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة "، فـ (المتواتر) عند الحاكم ليس هو المتواتر عند الأصوليين، والذي يعنون به الخبر الذي يفيد العلم اليقيني الضروري لكثرة المخبرين به. كما نبّه على ذلك البلقيني في محاسن الاصطلاح (٤٥٣) ، والعراقي في التقييد والإيضاح (١/٧٧٦) .
فلا يتجاوز كلام الحاكم أن يكون إخبارًا عن أن هذا الأمر في زمنه كان من الأمور المشهورة بين الناس، ولا يدل على أكثر من ذلك؛ لما بيّنّاه من أن المتواتر عنده ليس هو المتواتر عند الأصوليين.
وإذا تبيّنَ ذلك: فإن مجرّد الشهرة في زمن الحاكم المتوفَّى سنة (٤٠٥هـ) ، لا تُغني شيئًا؛ خاصةً إذا خالفت مقالةً لمن هو أقرب زمنًا منه من زمن الحادثة التي اشتهرت في زمنه، وهو مصعب الزبيري المتوفَّى سنة (٢٣٦هـ) ، وهو علّامةٌ في نسب قريشٍ وأخبارها، حيث نفى أن يكون أحدٌ قد وُلد في جوف الكعبة غير حكيم بن حزامٍ كما سبق.
أما سبب شهرة هذا الأمر في زمن الحاكم: فهو لأنه مما تدّعيه الشيعةُ لعلي ﵁، وهو عندهم يكاد يكون من المسلّمات، دون أن يكون لديهم برهانٌ صحيحٌ عليه. حتى قال شاعرهم (وهو السيد الحميري، كما في ديوانه ٦٤:) عن فاطمة بنت أسد أمِّ علي بن أبي طالب ﵁ :
ولدتْهُ في حرم الإله وأمنِه والبيتِ حيثُ فناؤه والمسجدُ
بيضاءُ طاهرةُ الثيابِ كريمةٌ طابت وطاب وليدُها والمولدُ
وتناقلت ذلك المصادرُ الشيعيةُ، كأمالي الشيخ الصدوق وأمالي الطوسي وغيرها.
وفي الإمام الحاكم تشيّعٌ يسير، نص عليه أهل العلم. فلعل مصدره هو شهرة هذا الخبر في زمنه بين عموم الناس، والناس أخذوها من الشيعة ومن مثل هذه الأخبار غير المعتمدة "
انتهى.
http://www.alalbayt.com/index.php?option=com_content&task=view&id=٣٤٤٩&Itemid=٨٧%٢٠-%٢٠٣٥k
فتبين بذلك أن خبر ولادة علي ﵁ بالكعبة لا يصح.
وعلى فرض صحة ثبوت ذلك، فلا يستفاد منه حكم شرعي، لأن ولادته ﵁ كانت قبل النبوة، يعني في الجاهلية، قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (٤/٥٦٤) :
" ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح " انتهى.
ونحن مخاطبون بشريعة الإسلام، فلا حجة فيما كان قبل البعثة.
وقد أمرنا الله تعالى بتعظيم المساجد في قوله: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) .
قال السعدي ﵀:
" (أَذِنَ) أي: أمر ووحي
(أَنْ تُرْفَعَ) يدخل في رفعها: بناؤها وكنسها وتنظيفها من النجاسة والأذى، وصونها من المجانين والصبيان الذين لا يحترزون عند النجاسة، وعن الكافر وأن تصان من اللغو ورفع الأصوات فيها" انتهى.
"تفسير السعدي" (ص ٦٦٣) .
فيجب تنزيه المساجد عن كشف العورات والدم الحاصل بسبب الولادة.
وعلى فرض، أن امرأة أخذها الطلق وهي في المسجد ولم نستطع نقلها إلى مكان آخر، فهذه حالة ضرورة لا يستفاد منها جواز هذا العمل.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3281
وجود المصاحف خلف صفوف المصلين
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم وضع المصاحف على الحامل بين الصفوف خلف ظهور المصلين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا نعلم بأسا في ذلك للضرورة" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز " (٢٤/٣٩٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3282
هل تجلس الحائض في المسجد الذي لا تقام فيه الجمعة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[في وقت الغداء أمكث في المسجد بحكم العمل فهل يجوز المكث أثناء فترة الحيض؟ على العلم أنه بدون صومعة ولا تقام به صلاة الجمعة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يحرم على الحائض أن تمكث في المسجد؛ لما روى البخاري (٩٧٤) ومسلم (٨٩٠) عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: (أَمَرَنَا - تَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَأَمَرَ الْحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ) ، فمنع النبي ﷺ الحائض من مصلى العيد، وأمرها باعتزاله، لأن له حكم المسجد، فدل على منعها من دخول المسجد، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم.
وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال (٣٣٦٤٩) ، (٦٠٢١٣) .
ولا فرق بين المسجد الذي تقام فيه الجمعة والذي لا تقام فيه، ولا بين ما له صومعة وما كان بدونها، فالعبرة بكونه مسجداً، أي: مكاناً موقوفاً للصلاة.
وأما مصليات العمل والمدارس التي لم تخرج عن ملك صاحبها ولم توقف لتكون مسجداً، فلا تأخذ حكم المسجد، فيجوز للحائض دخولها والمكث فيها.
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
هل يأخذ المصلى في السكن الجامعي حكم المسجد من حيث أداء تحية المسجد وأذكار الدخول والخروج؟
فأجابوا:
"المصلى الذي في السكن الجامعي أو في غيره لا يأخذ حكم المسجد من كل وجه" انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٥/١٧٠) .
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن مُصلَّى المدرسة المعد لصلاة الظهر فقط، هل يجوز للحائض دخوله؟
فأجاب:
"المصلى في المدارس ليس في حكم المسجد، بل هو مصلى، وليس كل مكان تقام فيه الصلاة يعتبر مسجداً، فالمسجد هو: ما أعد للصلاة على سبيل العموم وهيئ وبني.
وأما مجرد أن يتخذ مكاناً يصلى فيه فهذا لا يجعله مسجداً.
وعلى هذا؛ فيجوز للمرأة الحائض أن تدخل مصلى المدرسة وتمكث فيه" انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (٢٢/٢٧) .
والحاصل: أنه لا يجوز لك الجلوس في المسجد حال الحيض، ويجوز ذلك في المصلى الذي لا يأخذ حكم المسجد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 3283
حكم تزيين المساجد وحكم كتابة الأدعية والآيات على جدرانها
[السُّؤَالُ]
ـ[نحن الآن في طور بناء وترميم المسجد الذي في حيِّنا، هنا في أمريكا، وقد عرض علينا بعض المحسنين أن يتكفلوا بتزيين الجدران الداخلية للمسجد ببعض الآيات القرآنية، والتشكيلات الدينية، والتي ستكون - بإذن الله - بعيدة عن أعين المصلِّين، بحيث لا تشغلهم ـ أو تلهيهم عن الصلاة، كما أن هذا " النحت " سيكون عبارة عن بعض الأدعية، والآيات، التي تعين مَن لا يحفظ مثل هذه الأدعية والآيات أن يقرأها مباشرة من الجدار، إضافة أنها ستضفي رونقاً خاصّاً للمسجد، بحيث يتعرف بعض الزوار من غير المسلمين على مدى اهتمام المسلمين بأماكن العبادة، علاوة على ذلك: فإن لها نكهة خاصة من شأنها أن تربط أبناءنا بنمط " البناء الإسلامي "، لا سيما أنهم يعيشون هنا، ولا يعلمون شيئاً عن ثقافتهم المعمارية. فما الحكم في هذا الشأن؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
عمارة المساجد وبناؤها، وتعظيمها وصيانتها، من العبادات العظيمة، والقربات الجليلة عند الله.
وليس من عمارتها المطلوبة كتابة الآيات، والأحاديث، والأدعية على الجدران، لأن المقصود بالكتابة هو الزينة المتباهى بها، والتي تشغل المصلين في صلاتهم، والتي تجعل المساجد متاحف، وأماكن للسياحة، كما يحدث – للأسف – في كثير من البلدان، وليس هذا الأمر مما يفتخر به المسلمون، وإنما فعله من ركن إلى الدنيا، وأراد منافسة الكفار في بنائهم، أو مباهاة غيره من الحكام، وإنما عمارة المساجد عندنا: إقامة الصلاة فيها، والاعتكاف، والتعليم، وذِكر الله، وليس هو تشييدها بأنواع الحجارة، ولا طليها بمختلف الألوان، ولا تزويقها بأشكال من الخطوط تُرسَم فيها الآيات، وتُكتب فيها الأحاديث والأدعية.
ثانياً:
تعليق الآيات القرآنية على جدران البيوت، أو المساجد: بدعة مكروهة.
" سئل الإمام مالك عن المساجد، هل يُكره أن يكتب في قبلتها بالصبغ مثل آية الكرسي وقل هو الله أحد والمعوذتين ونحوها فقال: " أكره أن يكتب في قبلة المسجد شيء من القرآن والتزويق وقال إن ذلك يشغل المصلي وكذلك ينبغي له أن يغير ما أحدثوه من إلصاق العمد في جدار القبلة وفي الأعمدة أو ما يلصقونه أو يكتبونه في الجدران والأعمدة وكذلك يغير ما يعلقونه من خرق كسوة الكعبة في المحراب وغيره فإن ذلك كله من البدع لأنه لم يكن من فعل من مضى"
انتهى من كتاب "المدخل" لابن الحاج (٢/٢١٥)
فالقرآن لم ينزله الله تعالى من أجل أن يكون زينةً للجدران.
قال الإمام النووي ﵀: " لا تجوز كتابة القرآن بشيء نجس وتكره كتابته على الجدران عندنا " انتهى من "التبيان في آداب حملة القرآن" ص (١١٠)
وقال ابن الهمام الحنفي: " تُكْرَهُ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالْمَحَارِيبِ وَالْجُدْرَانِ وَمَا يُفْرَشُ " انتهى من "فتح القدير" (١/٣١٠) .
ونص عليه السفاريني الحنبلي في غذاء الألباب (٢/٢١١) .
وسئل فضيلة الشيخ ابن العثيمين ﵀:
ما حكم كتابة الآيات والأحاديث على جدران المساجد؟ .
فأجاب:
هذه تشوِّش على النَّاس، أما كتابة الآيات على الجدران سواءً في المساجد، أو غيرها: فإنها من البدع، لم يوجد عن الصحابة أنهم كانوا ينقشون جدرانهم بالآيات، ثم إن اتخاذ الآيات نقوشاً في الجدران: فيه شيء من إهانة كلام الله، ولذلك نجد بعضهم يكتب الآيات وكأنها قصور، أو مآذن، أو مساجد، أو ما أشبه ذلك، يكيف الكتابة حتى تكون كأنها قصر، ولا شك أن هذا عبث بكتاب الله ، ثم لو قدِّر أنها كُتبت بكتابة عربية مفهومة: فإن ذلك ليس من هدي السلف، وما الفائدة من كتابتها على الجدار؟ يقول بعض الناس: يكون تذكيراً للناس، فنقول: التذكير يكون بالقول، لا بكتابة الآيات، ثم إنه أحياناً يكتب على الجدار: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) الحجرات/ ١٢، وتجد الذين تحت الآية هذه يغتابون الناس، فيكون كالمستهزئ بآيات الله.
إذاً: كتابة الآيات في المساجد، وعلى جدران البيوت كلها: من البدع، التي لم تكن معهودة في عهد السلف.
أما كتابة الأحاديث: ففي المساجد إذا كانت في القبلة: لا شك أنها توجب التشويش، وقد يكون هناك نظرة، ولو من بعض المأمومين إليها في الصلاة، وقد كره العلماء ﵏ أن يكتب الإنسانُ في قبلة المسجد شيئاً، أما في البيت: فلا بأس أن يَكتب حديثاً يكون فيه فائدة، مثل كفارة المجلس: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليه) هذا فيها تذكير.
" لقاء الباب المفتوح " (١٩٧ / السؤال رقم ٨) .
وسئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:
ما حكمُ تعليقِ الآيات القرآنية على الجدران؟ .
فأجاب:
يجبُ تعظيمُ القرآنِ الكريمِ، وتلاوته، وتدبُّره، والعمل به، أما تعليقه على الجدران: فهو من العبث، وقد يؤدي ذلك إلى امتهانه.
وأيضاً: قد يتَّخذُ ذلك من باب تجميل الجدران بالديكورات، والرسومات، والكتابات، فيُجعل القرآن ضمن ذلك، وقد يُكتب على شكل نقوش يُقصد منها المناظرُ فقط.
وعلى كل حال: فالقرآن يجب أن يُصان عن هذا العبث، وما كان السَّلف يعملون هذا، والقرآن لم ينزل ليُكتب على الجدران، وإنما أنزل ليُكتب في القلوب، ويظهر أثره على الأعمال والتصرُّفات.
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (٢ / ٧٧) .
وينظر تفصيل نافع في جواب السؤال رقم: (٢٥٤) ورقم (٩٧٤٩٧) .
ثالثاً:
وأما كتابة الأحاديث والأدعية على جدران المسجد: فالأحوط تركه؛ لأنه لا يراد به – عادة وغالباً – إلا الزينة، وإذا كان المراد به الفائدة للناس لحفظها والتذكير بألفاظها: فيجوز إذا التزمت الشروط التالية:
١. عدم جعل الأحاديث والأدعية مكتوبة على الجدران رسماً؛ لأنها لا تزال، فلا يستفاد من مكانها إن حفظها المصلون، بل تكتب على ورق حائط، يسهل تعليقه ونزعه، وخاصة فيما يحتاجه المسلمون من معرفة ما يُكتب في مناسباتهم الموسمية.
٢. أن لا تكون في قبلة المصلين؛ حتى لا تشغلهم في صلاتهم.
٣. أن لا تستعمل الزينة في الكتابة بما تفقد الحديث والدعاء هيبته.
٤. تجنب كتابتها بشكل غير مقروء، أو جعلها على شكل طائر، أو رجل ساجد، وما يشبهه.
٥. أن تغيَّر باستمرار، بحسب حاجة الناس، لإزالة جهل، أو تذكير بفضل، أو تثبيت حفظ.
رابعاً:
وأما تزيين جدران المساجد: فقد اختلف فيه أهل العلم، والراجح: هو المنع منه، خاصة إن كانت الزينة من أموال الوقف، أو كانت مُلهية للمصلين، ومشوشة عليهم في صلاتهم، أو بُذلت أموال طائلة في سبيل ذلك.
عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِى الْمَسَاجِدِ) .
رواه أبو داود (٤٤٩) والنسائي (٦٨٩) وابن ماجه (٧٣٩) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وروى البخاري (١ / ١٧١) عن أَنَس بنِ مالِك: " يَتَبَاهَوْنَ بِهَا، ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَاّ قَلِيلاً ".
والأثر وصله ابن أبي شيبة في " المصنف " (١ / ٣٠٩) ، وفيه رجل مجهول.
قال بدر الدين العيني – ﵀:
قوله " يتباهَون " بفتح الهاء من المباهاة، وهي المفاخرة، والمعنى: أنهم يزخرفون المساجد، ويزينونها، ثم يقعدون فيها، ويتمارون، ويتباهون، ولا يشتغلون بالذِّكْر، وقراءة القرآن، والصلاة.
قوله " بها "، أي: بالمساجد، والسياق يدل عليه.
" عمدة القاري " (٤ / ٢٠٥) .
روى البخاري (١ / ١٧١) عن ابْن عَبَّاسٍ قولَه: " لَتُزَخْرِفُنَّهَا، كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى ".
وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة في " المصنف " (١ / ٣٠٩) وغيره، وصححه الألباني في تحقيق " إصلاح المساجد من البدع والعوائد " لجمال الدين القاسمي (٩٤) ، وفي " صحيح أبي داود " الكامل (٢ / ٣٤٧) .
قال البغوي – ﵀:
وقول ابن عباس: لتزخرفنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى، معناه: أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرفوا وبدلوا أمر دينهم، وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم، وسيصير أمركم إلى المراءاة بالمساجد، والمباهاة بتشييدها، وتزيينها.
" شرح السنة " (٢ / ٣٥٠) .
وفي " الموسوعة الفقهية " (١١ / ٢٧٥) :
يحرُم تزيين المساجد بنقشها، وتزويقها بمال الوقف، عند الحنفية، والحنابلة، وصرَّح الحنابلة بوجوب ضمان الوقف الذي صرف فيه؛ لأنه لا مصلحة فيه، وظاهر كلام الشافعية: منع صرف مال الوقف في ذلك، ولو وقف الواقف ذلك عليهما - النقش، والتزويق -: لم يصح في القول الأصح عندهم، أما إذا كان النقش والتزويق من مال الناقش: فيُكره – اتفاقاً - في الجملة إذا كان يُلهي المصلي، كما إذا كان في المحراب، وجدار القبلة.
انتهى
سئل علماء اللجنة الدائمة:
عن مشروع يتبنى " زخرفة المساجد "؟ .
فأجابوا:
هذا العمل غير مشروع؛ للأحاديث الصحيحة في النهي عن زخرفة المساجد، ولأن في ذلك إشغالاً للمصلين عن صلاتهم بالنظر، والتفكر في تلك الزخارف، والنقوش.
الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " المجموعة الثانية (٥ / ١٩١) .
وقد جُمعت مسألتا كتابة الآيات، وزخرفة المساجد في فتوى واحدة من فتاوى اللجنة الدائمة:
قالوا:
لا يجوز زخرفة المساجد، ولا كتابة الآيات القرآنية على جدرانها؛ لما في ذلك من تعريض القرآن للامتهان، ولما فيه من زخرفة المساجد المنهي عنها، وإشغال المصلين عن صلاتهم بالنظر في تلك الكتابات والنقوش.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " المجموعة الثانية (٥ / ١٩٠) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3284
هل يؤخر الصبي عن الصف الأول إذا تقدم إليه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا تقدم صبي صغير إلى الصف الأول في الصلاة، فهل يجوز أن نؤخره ليصلي مكانه رجل كبير؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أمر الرسول ﷺ أهل العلم والفضل أن يتقدموا إلى الصلاة، ويكونوا قريبين منه ﷺ ، فقال: (لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) . رواه مسلم (٤٣٢) .
غير أن هذا الحديث ليس نهياً لغيرهم عن التقدم، وإنما هو حث لأولي الأحلام والنهى بالتقدم إلى الصلاة، حتى يكونوا خلف الإمام، وفي الصفوف الأولى، فإن تكاسلوا وتأخروا عن الحضور إلى الصلاة، فمن سبق إلى الصف الأول أو خلف الإمام فهو أحق به، ولو كان صبياً صغيراً.
قال ابن حجر الهيتمي في "الفتاوى" (١/٢٢٩) :
" الصِّبْيَانَ مَتَى سَبَقُوا الْبَالِغِينَ إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ إخْرَاجُهُمْ " انتهى.
وذكر المرداوي في "الإنصاف" (٢/٤١) :
أن المجد ابن تيمية اختار أن الصبي لا يُؤخر عن مكانه الذي سبق إليه، قال: وهو الصواب.
وقال الشيخ ابن باز: " الأصح أنهم - أي الصبيان - إذا تقدموا لا يجوز تأخيرهم، فإذا سبقوا إلى الصف الأول أو إلى الصف الثاني فلا يقيمهم من جاء بعدهم، لأنهم سبقوا إلى حق لم يسبق إليه غيرهم فلم يجز تأخيرهم لعموم الأحاديث في ذلك، لأن في تأخيرهم تنفيراً لهم من الصلاة، ومن المسابقة إليها فلا يليق ذلك.
لكن لو اجتمع الناس بأن جاءوا مجتمعين في سفر أو لسبب، فإنه يصف الرجال أولاً، ثم الصبيان ثانياً، ثم النساء بعدهم إذا صادف ذلك وهم مجتمعون، أما أن يؤخذوا من الصفوف ويزالوا ويصف مكانهم الكبار الذين جاءوا بعدهم فلا يجوز ذلك.
وأما قوله ﷺ : (ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى) ، فالمراد به التحريض على المسارعة إلى الصلاة من ذوي الأحلام والنهى وأن يكونوا في مقدم الناس، وليس معناه تأخير من سبقهم من أجلهم " انتهى.
"مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (١٢/٤٠٠) .
وقال الشيخ ابن عثيمين في "الشرح الممتع" (٣/٤) :
" إنَّ الصبيان إذا تقدَّموا إلى مكان، فهم أحقُّ به مِن غيرهم؛ لعموم الأدلَّة على أنَّ مَن سبقَ إلى ما لم يسبق إليه أحدٌ فهو أحقُّ به، والمساجدُ بيوتُ الله، يستوي فيها عباد الله، فإذا تقدَّم الصبيُّ إلى الصفِّ الأول ـ مثلاً ـ وجَلَسَ فليكنْ في مكانِه، ولأننا لو قلنا بإزاحة الصِّبيان عن المكان الفاضل، وجعلناهم في مكان واحد أدى ذلك إلى لَعبِهم؛ لأنَّهم ينفردون بالصَّفِّ " انتهى.
وقال الشيخ أيضا:
" يجوز أن يكون الصبيان في الصف ولو قطعوا الصف؛ لأنهم بشر ليسوا حجراً وليسوا أعمدة , فهم لا يقطعون الصفوف , ولا يجوز لأحد أن يبعدهم من مكانهم - أيضاً - حتى ولو كانوا خلف الإمام مباشرة في الصف الأول، فإنه لا يحل لأحد أن يبعدهم من مكانهم "
انتهى.
"لقاء الباب المفتوح" (١٠٦/٢٤) .
فعلى ما تقدم: فأولى الناس بالصف الأول ولو كان خلف الإمام مباشرة من سبق إليه، ولو كان صبيا، ولو كان مفضولاً، ولا يجوز حينئذ تأخيره.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 3285
الكلام في المسجد في أمور الدنيا
[السُّؤَالُ]
ـ[الكلام في المسجد في أمور الدنيا هل فيه إثم أم لا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الكلام في المسجد ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون فيه تشويش على المصلين والقارئين والدارسين، فهذا لا يجوز، وليس لأحد أن يفعل ما يشوش على المصلين والقارئين والدارسين.
والقسم الثاني: أن لا يكون فيه تشويش على أحد، فهذا إن كان في أمور الخير فهو خير، وإن كان في أمور الدنيا فإن منه ما هو ممنوع، ومنه ما هو جائز، فمن الممنوع: البيع والشراء والإجارة، فلا يجوز للإنسان أن يبيع أو يشتري في المسجد، أو يستأجر أو يؤجر في المسجد، وكذلك إنشاد الضالة، فإن الرسول ﵊ قال: (إذا سمعتم من ينشد الضالة فقولوا: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا) .
ومن الجائز: أن يتحدث الناس في أمور الدنيا بالحديث الصدق، الذي ليس فيه شيء محرم" انتهى.
فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀.
"فتاوى نور على الدرب"
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3286
حكم بناء مسجد قريبا من مقبرة لغير المسلمين
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن نبني أو نشتري مسجدا بالقرب من مقبرة لغير المسلمين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
من الأحكام الشرعية التي قصد بها قطع دابر الفتنة، وسد ذرائع الشرك، وإغلاق أبواب الغلو: النهي عن اتخاذ القبور مساجد، أو الصلاة إليها، أو اتخاذ المقبرة مكانا للصلاة.
ولا فرق في ذلك بين قبور المسلمين، أو قبور المشركين؛ بل قبور المسلمين، والصالحين منهم، أولى بالابتعاد عنها؛ لأنها مظنة الشرك والفتنة بها.
روى البخاري (٤٣٦) ومسلم (٥٣١) أَنَّ عَائِشَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، ﵃، قَالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: (لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ؛ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا) .
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ) .
رواه الإمام أحمد (١١٣٧٩) وأبو داود (٤٩٢) والترمذي (٣١٧) ، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وجوّد شيخ الإسلام ابن تيمية إسناده، كما في اقتضاء الصراط (٢٣٢) ، وصححه أيضا: الشيخ الألباني، ومحققو المسند. لكن رجح الدارقطني، والترمذي إرساله.
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، معلومة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى، في فوائد غزوة تبوك، وما فيها من ذكر مسجد الضرار الذي نهى الله تعالى نبيه ﷺ ، عن الصلاة فيه:
" ومنها: أن الوقف لا يصح على غير برٍّ ولا قُربة، كما لم يصحَّ وقفُ هذا المسجد [يعني: مسجد الضرار] . وعلى هذا: فيُهدم المسجد إذا بُني على قبر، كما يُنبش الميتُ إذا دُفِنَ في المسجد. نص على ذلك الإمام أحمد وغيرُه.
فلا يجتمع فى دين الإسلام مسجدٌ وقبر، بل أيُّهما طرأ على الآخر. منع منه، وكان الحكم لِلسابق، فلو وُضِعا معاً، لم يجز، ولا يصح هذا الوقف ولا يجوز، ولا تَصِحُّ الصلاة فى هذا المسجد؛ لنهى رسولِ الله ﷺ عن ذلك، ولعنه مَن اتخذ القبر مسجداً، أو أوقد عليه سراجاً.
فهذا دينُ الإسلام الذى بعث الله به رسوله ونبيه، وغربتُه بينَ الناس كما ترى!! " انتهى.
"زاد المعاد في هدي خير العباد" (٣/٥٧٢) .
أما إذا كانت القبور أو المقبرة قريبة من المكان الذي يراد بناء المسجد فيه: فلا بأس ببناء المسجد بشروط ثلاثة:
١- ألا يقصد ببناء المسجد تعظيم تلك القبور أو التبرك بها.
٢- ألا تكون القبور في قبلة المسجد. لحديث أبي مرثد الغنوي ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا) رواه مسلم (رقم/٩٧٢) .
٣- أن يفصل المسجد عنها فصلا محكما، بحيث لا تدخل هذه القبور في شيء من ساحات المسجد أو فنائه، وبحيث يظهر للعيان ظهورا بينا أن المسجد منفصل عن المقبرة تماما، بنحو طريق، أو شارع، أو خلاء واسع، أو غير ذلك.
" قال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل ﵀ يُسأل عن الصلاة في المقبرة؟ فكره الصلاة في المقبرة. فقيل له: المسجد يكون بين القبور، أيصلي فيه؟ فكره ذَلِكَ. قيل لَهُ: إنه مسجد وبينه وبين القبور حاجز؟ فكره أن يصلى فيه الفرض، ورخص أن يصلى فيه على الجنائز. وذكر حديث أبي مرثد الغنوي عن النبي ﷺ قال: (لا تصلوا إلى القبور) ، وقال: إسناد جيد " انتهى. " فتح الباري " لابن رجب (٢/٣٩٨) .
وانظر جواب السؤال رقم: (٧٨٧٥) ، (١٣٤٩٠) .
والحاصل: أنه لا مانع من بناء المسجد في منطقة قريبة من مقابر المشركين ـ أو المسلمين ـ بشرط ألا يكون المسجد في حيز المقبرة، وهي منطقة المقابر، بل منفصل عنها انفصالا بينا، بطريق أو نحوه.
لكن متى تيسر لكم مكان آخر، بعيد عن منطقة المقبرة، فهو أولى وأحوط، خشية من أن يصل امتداد المقبرة ـ مع الوقت ـ إلى حدود المسجد.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3287
هل تضعيف الصلاة خاص بمسجد الكعبة أم يعم الحرم كله ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الصلاة في مساجد مكة المكرمة داخل حدود الحرم تضاعف لمائة ألف صلاة أم أن هذا خاص بمسجد الكعبة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ثبت تضعيف أجر الصلاة في المسجد الحرام فيما رواه أحمد وابن ماجه (١٤٠٦) عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ) .
والحديث صححه المنذري والبوصيري، وقال الألباني: " سند صحيح على شرط الشيخين " انتهى من "إرواء الغليل" (٤/١٤٦) .
وقد اختلف الفقهاء في المراد بالمسجد الحرام هنا على أقوال، أشهرها قولان: الأول: اختصاص ذلك بمسجد الكعبة. وإلى هذا ذهب جماعة من العلماء منهم النووي والمحب الطبري، وابن مفلح، وابن حجر الهيتمي واختاره ابن عثيمين ﵏.
والثاني: أنه يشمل الحرم كله، وقد نسب هذا القول إلى الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية، واختاره ابن القيم ﵀، وبه أفتت اللجنة الدائمة والشيخ ابن باز ﵀.
جاء في "الموسوعة الفقهية (٢٧/٢٣٩) : " ذهب الحنفية في المشهور والمالكية والشافعية إلى أن المضاعفة تعم جميع حرم مكة، فقد ورد من حديث عطاء بن أبي رباح قال: بينما ابن الزبير يخطبنا إذ قال: قال رسول الله ﷺ : (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام تفضل بمائة، قال عطاء: فكأنه مائة ألف، قال: قلت: يا أبا محمد، هذا الفضل الذي يذكر في المسجد الحرام وحده أو في الحرم؟ قال: بل في الحرم، فإن الحرم كله مسجد) ....
وقال الزركشي: يتحصل في المراد بالمسجد الحرام الذي تضاعف فيه الصلاة سبعة أقوال:
الأول: أنه المكان الذي يحرم على الجنب الإقامة فيه.
الثاني: أنه مكة.
الثالث: أنه الحرم كله إلى الحدود الفارقة بين الحل والحرم، قاله عطاء وقد سبق مثله عن الماوردي وغيره، وقال الروياني: فضل الحرم على سائر البقاع فرخص في الصلاة فيه في جميع الأوقات لفضيلة البقعة وحيازة الثواب المضاعف، وقال الزركشي: وهذا فيه تصريح بهذا القول.
الرابع: أنه الكعبة، قال الزركشي وهو أبعدها.
الخامس: أنه الكعبة والمسجد حولها، وهو الذي قاله النووي في استقبال القبلة.
السادس: أنه جميع الحرم وعرفة، قاله ابن حزم.
السابع: أنه الكعبة وما في الحجر من البيت، وهو قول صاحب البيان من أصحاب الشافعية. وحكى المحب الطبري خلاف الفقهاء في مكان المضاعفة بالنسبة إلى الصلاة، ورجح أن المضاعفة تختص بمسجد الجماعة " انتهى باختصار. وقال ابن القيم في "زاد المعاد" (٣/٣٠٣) في الكلام على قصة الحديبية: " وروى الإمام أحمد في هذه القصة أن النبي ﷺ كان يُصلِّي في الحرم، وهو مضطرب [أي: مقيم] في الحِل، وفى هذا كالدّلالة على أن مضاعفةَ الصلاة بمكة تتعلق بجميع الحرم لا يخصُّ بها المسجد الذي هو مكانُ الطواف، وأن قوله: (صَلَاةٌ في المَسْجِدِ الحَرَام أَفْضَلُ مِنْ مِائة صَلاةٍ في مسجدي) ، كقوله تعالى: (فَلا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) التوبة/١٢٨، وقوله تعالى: (سُبْحَانَ الذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) الإسراء/١، وكان الإسراء مِن بيت أُم هانئ " انتهى.
ولكن أجيب عن هذا الاستدلال بجوابين: الأول: أن الحديث ضعيف، والثاني: إن صح الحديث فإنه يدل على أن الصلاة في الحرم أفضل، ولكن لا يدل على أنها خير من مائة ألف صلاة.
قال ابن مفلح ﵀: " وظاهر كلامهم في المسجد الحرام أنه نفس المسجد , ومع هذا فالحرم أفضل من الحل , فالصلاة فيه أفضل , ولهذا ذكر في المنتقى قصة الحديبية من رواية أحمد والبخاري , ثم ذكر رواية انفرد بها أحمد , قال: وفيه (كان رسول الله ﷺ يصلي في الحرم , وهو مضطرب في الحل) وهذه الرواية من رواية ابن إسحاق عن الزهري وابن إسحاق مدلس " انتهى من "الفروع" (١/٦٠٠) .
وقال في "الآداب الشرعية" (٣/٤٢٩) : " وهذه المضاعفة تختص بالمسجد على ظاهر الخبر، وقول العلماء من أصحابنا وغيرهم " انتهى.
وينظر: المجموع (٣/١٩٧) ، تحفة المحتاج (٣/٤٦٦) ، فتاوى اللجنة الدائمة (٦/٢٢٣) ، فتاوى الشيخ ابن باز (٤/١٣٠) .
والراجح هو القول الأول، وهو اختصاص المضاعفة بالمسجد الذي فيه الكعبة؛ لما روى مسلم (١٣٩٦) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ امْرَأَةً اشْتَكَتْ شَكْوَى فَقَالَتْ: إِنْ شَفَانِي اللَّهُ لَأَخْرُجَنَّ فَلَأُصَلِّيَنَّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَبَرَأَتْ ثُمَّ تَجَهَّزَتْ تُرِيدُ الْخُرُوجَ فَجَاءَتْ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَأَخْبَرَتْهَا ذَلِكَ، فَقَالَتْ: اجْلِسِي فَكُلِي مَا صَنَعْتِ، وَصَلِّي فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (صَلَاةٌ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ) .
وروى مسلم (١٣٩٧) عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ) .
وهذا نص في أن المراد بالمسجد الحرام في هذين الحديثين: المسجد الذي فيه الكعبة، لا عموم مكة أو الحرم.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل مساجد مكة فيها من الأجر كما في المسجد الحرام؟
فأجاب: " قول السائل: هل مساجد مكة فيها من الأجر كما في المسجد الحرام جوابه: لا ليست مساجد مكة كالمسجد الحرام في الأجر، بل المضاعفة إنما تكون في المسجد الحرام نفسه، القديم والزيادة، لقول النبي ﷺ : (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة) . أخرجه مسلم. فخص الحكم بمسجد الكعبة، ومسجد الكعبة واحد، وكما أن التفضيل خاص بمسجد الرسول ﵊ فهو خاص بالمسجد الحرام أيضاً، ويدل لهذا أيضاً قوله ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) . ومعلوم أننا لو شددنا الرحال إلى مسجد من مساجد مكة غير المسجد الحرام لم يكن هذا مشروعاً بل كان منهياً عنه، فما يشد الرحل إليه هو الذي فيه المضاعفة، لكن الصلاة في مساجد مكة بل في الحرم كله أفضل من الصلاة في الحل، ودليل ذلك أن الرسول ﷺ لما نزل الحديبية، والحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم كان يصلي في الحرم مع أنه نازل في الحل، وهذا يدل على أن الصلاة في الحرم أفضل، لكن لا يدل على حصول التضعيف الخاص في مسجد الكعبة.
فإن قيل: كيف تجيب عن قول الله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) وقد أسرى به من مكة من بيت أم هاني؟
فالجواب: "أنه ثبت في صحيح البخاري أنه أسرى به ﷺ من الحِجْر، قال: (بينا أنا نائم في الحِجْر أتاني آت. . .) إلخ الحديث، والحِجْر في المسجد الحرام، وعلى هذا فيكون الحديث الذي فيه أنه أسري به ﷺ من بيت أم هاني - إن صحت الرواية - يراد ابتداء الإسراء، ونهايته من الحِجر، كأنه نُبِّه وهو في بيت أم هاني، ثم قام فنام في الحجر فأسرى به من الحجر " انتهى من "فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (١٢/٣٩٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3288
هل يصح الاعتكاف في المصليات والمراكز الإسلامية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز الاعتكاف في المصليات أو المراكز الإسلامية (يصلون فيها الصلوات الخمس والجمعة) أم يجوز في المساجد فقط؟ جزاكم الله خير.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يصح الاعتكاف إلا في المساجد، لقول الله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) سورة البقرة/١٨٧.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
"وَوَجَدَ الدَّلَالَة مِنْ الْآيَة أَنَّهُ لَوْ صَحَّ فِي غَيْر الْمَسْجِد لَمْ يَخْتَصَّ تَحْرِيم الْمُبَاشَرَةِ بِهِ , لِأَنَّ الْجِمَاع مُنَافٍ لِلِاعْتِكَافِ بِالْإِجْمَاعِ , فَعُلِمَ مِنْ ذِكْرِ الْمَسَاجِدِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَكُون إِلَّا فِيهَا. وَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُبَاشَرَةِ فِي الْآيَة الْجِمَاعُ , وَرَوَى الطَّبَرِيُّ وَغَيْره مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ فِي سَبَب نُزُولِ الْآيَةِ: كَانُوا إِذَا اِعْتَكَفُوا فَخَرَجَ رَجُلٌ لِحَاجَتِهِ فَلَقِيَ اِمْرَأَتَهُ جَامَعَهَا إِنْ شَاءَ فَنَزَلَتْ" انتهى.
وقال ابن قدامة ﵀ في المغني (٣/٦٥) :
" لَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ إلَّا فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ الْجَمَاعَةُ فِيهِ؛ ...
وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ إذَا كَانَ الْمُعْتَكِفُ رَجُلًا. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا , وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) "
انتهى باختصار.
وقال النووي في "المجموع" (٦/٥٠٥) :
" لا يَصِحُّ الاعْتِكَافُ مِنْ الرَّجُلِ وَلا مِنْ الْمَرْأَةِ إلا فِي الْمَسْجِدِ , وَلا يَصِحُّ فِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَرْأَةِ وَلا مَسْجِدِ بَيْتِ الرَّجُلِ وَهُوَ الْمُعْتَزَلُ الْمُهَيَّأُ لِلصَّلاةِ " انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين:
" الاعتكاف الشرعي لابد أن يكون في المساجد لقوله تعالى: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) " انتهى من "فتاوى نور على الدرب" (٨/١٧٦)
وانظر جواب السؤال رقم (٤٨٩٨٥)
وبناء على هذا، فلا يصح الاعتكاف في المصليات أو المراكز الإسلامية.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3289
حكم تسمية المسجد باسم أهل الحديث
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز تسمية مسجد من المساجد باسم " أهل الحديث "؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
توسع جمهور أهل العلم في تسمية المساجد، فأجازوا تسميتها بكل ما يميزها عن غيرها من أسماء الأنبياء، والعلماء، والصالحين، وأسماء من بناها، وأسماء البلدان التي تقع فيها، أو القبائل التي تسكن عندها، ونحو ذلك، مستدلين عليه بما ورد في صحيح البخاري (رقم/٤٢٠) من تسمية أحد المساجد بـ " مسجد بني زريق "، وقد سبق تقرير ذلك في جواب السؤال رقم: (٧١٣٠١)
وننقل هنا من فتاوى اللجنة الدائمة (المجموعة الثانية ٥/٢٨٠-٢٨٤) فتوى مطولة تتعلق بهذا الموضوع:
" أولا:
المساجد قد حصل بالتتبع وجود تسميتها على الوجوه الآتية، وهي:
١- إضافة المسجد إلى من بناه، وهذا مِن إضافة أعمال البر إلى أربابها، وهي إضافة حقيقية للتمييز، وهذه تسميته جائزة، ومنها: مسجد النبي ﷺ ، ويقال: مسجد رسول الله ﷺ .
٢- إضافة المسجد إلى من يصلِّي فيه [يعني: القبيلة، أو الجماعة، أو الحي الذي يعتاد الصلاة فيه] ، أو إلى المحلة، وهي إضافة حقيقية للتمييز، فهي جائزة، ومنها: مسجد قباء، ومسجد بني زريق كما في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ في حديث المسابقة إلى مسجد بني زريق ومسجد السوق، كما ترجم البخاري ﵀ بقوله: (باب العلماء في مسجد السوق) .
٣- إضافة المسجد إلى وصف تميز به، مثل: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، كما في قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) ، وفي السنة ثبت عن النبي ﷺ من وجوه متعددة: (لا تعمل المطي إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا) ، ومنه: (المسجد الكبير) وقد وقع تسمية بعض المساجد التي على الطريق بين مكة والمدينة باسم (المسجد الأكبر) كما في (صحيح البخاري) ومثله يقال: (الجامع الكبير) .
ثانيا:
تسمية المسجد باسم غير حقيقي لكي يتميز ويعرف به، وهي ظاهرة منتشرة في عصرنا لكثرة بناء المساجد وانتشارها ولله الحمد في بلاد المسلمين في المدينة وفي القرية، بل في الحي الواحد، فيحصل تسمية المسجد باسم يتميز به، واختيار إضافته إلى أحد وجوه الأمة وخيارها من الصحابة ﵃ فمن بعدهم من التابعين لهم بإحسان، مثل: مسجد أبي بكر ﵁، مسجد عمر ﵁، وهكذا للتعريض، فهذه التسمية لا يظهر بها بأس، لا سيما وقد عرف من هدي النبي ﷺ تسميته سلاحه، وأثاثه، ودوابه، وملابسه، كما بينها ابن القيم رحمه الله تعالى في أول كتاب (زاد المعاد) .
ثالثا:
تسمية المسجد باسم من أسماء الله ، مثل: مسجد الرحمن، مسجد القدوس، مسجد السلام، ومعلوم أن الله سبحانه قال وقوله الفصل: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) ، فالمساجد جميعها لله تعالى بدون تخصيص، فتسمية مسجد باسم من أسماء الله ليكتسب العلمية على المسجد أمر محدث، لم يكن عليه من مضى، فالأولى تركه، والله الهادي إلى سواء السبيل " انتهى النقل عن فتاوى اللجنة الدائمة.
وانظر كتاب " أحكام المساجد " (٢/٨٦) لإبراهيم الخضيري.
وبناء على ما سبق فالأصل أنه لا حرج في تسمية المسجد باسم " مسجد أهل الحديث "، فهي نسبة إلى وصف شرعي مقبول، وما زال هذا الاسم عند أهل العلم محل ثناء وذكر بالخير، فتسمية المسجد به أمر سائغ لا بأس به، إن شاء الله تعالى.
وهذا الحكم إنما هو من حيث الأصل والعموم، لكن قبل تطبيقه على حال مسجدكم، ينبغي النظر في واقع بلادكم؛ فإن كان الانتساب إلى أهل الحديث، والتسمي باسمهم، أو تسمية مسجدكم باسم " أهل الحديث "، إن كان ذلك كله يترتب عليه تفريق لجماعة المسلمين، أو إلقاء البغضاء في قلوبهم، أو إحياء العصبيات الجاهلية، ووقوع الفتن والإحن بين المسلمين: فينبغي ترك هذه التسمية، بل ترك ما هو أعلى منها من المباحات والمستحبات إذا ترتب عليها شيء من هذه المفاسد، وأقصى ما في تسمية مسجدكم بهذا أن يكون أمرا مباحا تركتموه، وأمامكم من الأسماء الشرعية المباحة، مما يجمع ولا يفرق، ويؤلف ولا ينفر، ما فيه غنية عن ذلك. ولقد أنكر النبي ﷺ المناداة بالأسماء الشرعية إذا كان باعثها التعصب لغير الحق.
عن جابر بن عبد الله ﵁ قال:
(غَزَوْنَا مَعَ النَّبِي ﷺ ، وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا، وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا، حَتَّى تَدَاعَوْا، وَقَالَ الأَنْصَارِي: يَا لَلأَنْصَارِ. وَقَالَ الْمُهَاجِرِي: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ. فَخَرَجَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ: مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ. ثُمَّ قَالَ: مَا شَأْنُهُمْ. فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِي الأَنْصَارِيَّ. قَالَ: فَقَالَ النَّبِي ﷺ : دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ) رواه البخاري (٣٥١٨) ، ومسلم (٤٦٨٢) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" فهذان الاسمان ـ المهاجرون والأنصار ـ اسمان شرعيان جاء بهما الكتاب والسنة، وسماهما الله بهما، كما سمانا المسلمين من قبل وفي هذا؛ وانتساب الرجل إلى المهاجرين والأنصار انتساب حسن محمود عند الله وعند رسوله، ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط، كالانتساب إلى القبائل والأمصار، ولا من المكروه أو المحرم كالانتساب إلى ما يفضي إلى بدعة أو معصية أخرى؛ ثم مع هذا لما دعا كل واحد منهما طائفةً منتصرا بها: أنكر النبي ﷺ ذلك، وسماها دعوى الجاهلية، حتى قيل له: إن الداعي بها إنما هما غلامان، لم يصدر ذلك من الجماعة؛ فأمر بمنع الظالم وإعانة المظلوم ". اقتضاء الصراط المستقيم (٧١) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3290
هل صلاة الجنازة في الحرم المكي يضاعف ثوابها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا عن أجر صلاة الجنازة في الحرم هل يكون مضاعفا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ثبت عن النبي ﷺ أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة.
وانظر: "إرواء الغليل" (١١٢٩) .
واختلف العلماء في هذا التضعيف: هل يختص بالصلوات المكتوبة أو يشمل غيرها؟
قال النووي ﵀ في "شرح مسلم": " وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبنَا أَنَّهُ لَا يَخْتَصّ هَذَا التَّفْضِيل بِالصَّلَاةِ فِي هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ بِالْفَرِيضَةِ , بَلْ يَعُمّ الْفَرْض وَالنَّفْل جَمِيعًا، وَبِهِ قَالَ مُطَرَّف مِنْ أَصْحَاب مَالِك , وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: يَخْتَصّ بِالْفَرْضِ , وَهَذَا مُخَالِف إِطْلَاق هَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. وَاَللَّه أَعْلَم " انتهى.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل صلاة الجنازة في الحرم المكي تضاعف مثل بقية الصلوات في أجر القيراط؟
فأجاب: "هذا فيه خلاف بين العلماء، بعض العلماء يقول: الذي يضاعف في المسجد الحرام هو الصلوات الخمس فقط وغيرها لا يضاعف، والذي يظهر من الحديث العموم، وتكون الصلاة على الجنازة داخلة في العموم تضاعف في المسجد الحرام. والله أعلم " انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (١١٦/١١) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3291
حكم الصلاة في مساجد الصوفية
[السُّؤَالُ]
ـ[في الحي الذي أسكن فيه يوجد مسجد وتوجد زاوية تابعة لطريقة صوفية، هل تجوز الصلاة في هذه الزاوية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا تصل مع هؤلاء الصوفية في زاويتهم، واحذر صحبتهم والاختلاط بهم، لئلا يصيبك ما أصابهم، وتحر الصلاة في مسجد جماعة يتحرون السنة ويحرصون عليها.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٣/١٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3292
حكم منع المتسولين على أبواب المساجد ونهرهم
[السُّؤَالُ]
ـ[يجلس كثير من المشوهين والسائلين في الحرم الشريف بمكة المكرمة يمدون أيديهم للحجاج والزوار والمعتمرين، وقد سمعت أنه لا يجوز التصدق في المساجد، والسؤال هنا: هل يجوز إعطاء هؤلاء من الصدقات وهم في داخل الحرم، وهل تجوز الصدقة في الحرمين الشريفين خاصة وفي المساجد عامة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن حكم السؤال في المسجد بما نصه: (أصل السؤال محرم في المسجد وخارج المسجد إلا لضرورة، فإن كان به ضرورة وسأل في المسجد ولم يؤذ أحدا؛ بتخطيه رقاب الناس، ولا غير تخطيه، ولم يكذب فيما يرويه ويذكر من حاله، ولم يجهر جهرا يضر الناس مثل أن يسأل والخطيب يخطب، أو وهم يستمعون علما يشغلهم به ونحو ذلك جاز. والله أعلم) .
أما الصدقة في المسجد فلا بأس بها، روى مسلم في صحيحه عن جرير قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) النساء/١، والآية التي في الحشر: (اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ) الحشر/١٨، (تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمرة ... -حتى قال: ولو بشق تمرة، قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله ﷺ : من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) .
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٦/٢٩٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3293
بنى مسجدا وأوصى أن يدفن فيه
[السُّؤَالُ]
ـ[رجل بنى مسجداً، وأوصى أن يدفن فيه فدفن، فما العمل الآن؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه الوصية باطلة، مخالفة للشرع، فلا يجتمع في الإسلام مسجد وقبر أبداً، والحكم للسابق منهما، وطالما أن المسجد هو الذي بني أولاً، فيجب نبش القبر وإخراجه من المسجد، ويدفن الميت مع المسلمين في المقابر.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
" يهدم المسجد إذا بني على قبر، كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد، نص على ذلك الإمام أحمد وغيره، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق، فلو وضعا معاً لم يجز، ولا يصح هذا الوقف ولا يجوز، ولا تصح الصلاة في هذا المسجد؛ لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك ولعنه من اتخذ القبر مسجدا، أو أوقد عليه سراجاً، فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ونبيه وغربته بين الناس كما ترى " انتهى.
"زاد المعاد" (٣/٥٧٢) .
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ مثل هذا السؤال، فأجاب:
" هذه الوصية أعني الوصية أن يدفن في المسجد غير صحيحة؛ لأن المساجد ليست مقابر، ولا يجوز الدفن في المسجد، وتنفيذ هذه الوصية محرم، والواجب الآن نبش هذا القبر وإخراجه إلى مقابر المسلمين " انتهى.
"فتاوى ابن عثيمين" (٢/٢٣٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3294
هل قبر يحيى ﵇ في الجامع الأموي
[السُّؤَالُ]
ـ[رأيت في أحد البرامج الوثائقية عن الجامع الأموي، ورأيت فيه ضريحاً للنبي يحيى، ومقامات كثيرة للصحابة، وبعض زوجات النبي، ومشهد رأس الحسين. سؤالي: ما حكم مثل هذا؟ خصوصاً وأن بعض الناس يجلسون عندها، وربما كان لهم دعاء واستغاثه بهم، وهل هذه القبور والأضرحة حقيقية؟ أعني هل النبي يحيى ـ مثلاً ـ هو هنا أم هو كذب وتدليس.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا يجوز بناء المساجد على القبور، ولا جعل القبور في المساجد؛ لقوله ﷺ : (لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا) رواه البخاري (٤٤٤٤) ومسلم (٥٣١) من حديث عائشة ﵂. وقوله: (إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِيكَ الصُّوَرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه البخاري (٣٨٧٣) ومسلم (٥٢٨) من حديث عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذلك.
وقوله حين بعث عليا ﵁: (أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ) رواه مسلم (٩٦٩) .
وما روى مسلم (٩٧٠) عَنْ جَابِرٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ) .
وروى أحمد (٣٨٤٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ وَمَنْ يَتَّخِذُ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ) والحديث حسنه شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند.
فهذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على تحريم بناء المساجد على القبور، ولهذا لا يظن بأحد من الصحابة أنه أوصى بأن يدفن في مسجد، أو أقر دفن ميت في مسجد، لمصادمة ذلك للنصوص المعلومة المشهورة.
ثانيا:
ما يشاع عند العامة من وجود قبور لبعض الصحابة، أو لغيرهم، في بعض المساجد، أكثره غير ثابت، وما ثبت منه فلا حجة فيه؛ لأن هذه المساجد إنما بنيت في عصور متأخرة، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" أما هذه المشاهد المشهورة فمنها ما هو كذب قطعا: مثل المشهد الذي بظاهر دمشق المضاف إلى " أبي بن كعب ". والمشهد الذي بظاهرها المضاف إلى " أويس القرني " والمشهد الذي بمصر المضاف إلى " الحسين " ﵁ ; إلى غير ذلك من المشاهد التي يطول ذكرها بالشام والعراق ومصر وسائر الأمصار، حتى قال طائفة من العلماء منهم عبد العزيز الكناني: كل هذه القبور المضافة إلى الأنبياء لا يصح شيء منها إلا قبر النبي ﷺ . وقد أثبت غيره أيضا قبر الخليل ﵇.
وأما " مشهد علي " فعامة العلماء على أنه ليس قبره ; بل قد قيل: إنه قبر المغيرة بن شعبة؛ وذلك أنه إنما أظهر بعد نحو ثلاثمائة سنة من موت علي في إمارة بني بويه ... وجمهور أهل المعرفة يقولون: إن عليا إنما دفن في قصر الإمارة بالكوفة أو قريبا منه ... وكذلك " قبر معاوية " الذي بظاهر دمشق قد قيل: إنه ليس قبر معاوية وإن قبره بحائط مسجد دمشق الذي يقال إنه " قبر هود ".
وأصل ذلك أن عامة أمر هذه القبور والمشاهد مضطرب مختلق لا يكاد يوقف منه على العلم إلا في قليل منها بعد بحث شديد. وهذا لأن معرفتها وبناء المساجد عليها ليس من شريعة الإسلام، ولا ذلك من حكم الذكر الذي تكفل الله بحفظه حيث قال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر /٩] ; بل قد نهى النبي ﷺ عما يفعله المبتدعون عندها، مثل قوله الذي رواه مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله قال: ﴿سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك﴾ وقال: ﴿لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾ .
وقد اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء هذه المشاهد على القبور ولا يشرع اتخاذها مساجد، ولا يشرع الصلاة عندها، ولا يشرع قصدها لأجل التعبد عندها بصلاة أو اعتكاف أو استغاثة أو ابتهال أو نحو ذلك، كرهوا الصلاة عندها ; ثم إن كثيرا منهم قال: إن الصلاة عندها باطلة لأجل نهي النبي ﷺ عنها ... " انتهى من "مجموع الفتاوى" (٢٧/٤٤٧) .
وقال ـ أيضا ـ عما يُزْعَم من وجود رأس الحسين في مصر أو الشام:
" ومنها " مشهد الرأس " الذي بالقاهرة؛ فإن المصنفين في قتل الحسين اتفقوا على أن الرأس ليس بمصر، ويعلمون أن هذا كذب. وأصله أنه نقل من مشهد بعسقلان، وذاك المشهد بني قبل هذا بنحو من ستين سنة في أواخر المائة الخامسة، وهذا بني في أثناء المائة السادسة بعد مقتل الحسين بنحو من خمسمائة عام، والقاهرة بنيت بعد مقتل الحسين بنحو ثلاثمائة عام، قد بَيَّن كذب هذا المشهد: ابنُ دحية في " العلم المشهور " وأن الرأس دفن بالمدينة كما ذكره الزبير بن بكار ... ". انتهى.
"مجموع الفتاوى" (٢٧/٤٩١) .
ثالثا:
ليس هناك مستند صحيح يدل على أن يحيى ﵇ مدفون في الجامع الأموي، فضلا عن القول بأن الصحابة رأوا قبره وتركوه في المسجد، كما يدعيه البعض.
قال الشيخ الألباني ﵀: " ونحن نقطع ببطلان قولهم، وأن أحدا من الصحابة والتابعين لم ير قبرا ظاهرا في مسجد بني أمية أو غيره، بل غاية ما جاء فيه بعض الروايات عن زيد بن أرقم بن واقد: أنهم في أثناء العمليات وجدوا مغارة فيها صندوق فيه سفط (وعاء كامل) وفي السفط رأس يحيى بن زكريا ﵉ مكتوب عليه: هذا رأي يحيى ﵇ فأمر به الوليد فرد إلى المكان وقال: اجعلوا العمود الذي فوقه مغيرا من الأعمدة، فجعل عليه عمود مسبك بسفط الرأس. رواه أبو الحسن الربعي في فضائل الشام (٣٣) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه (ج ٢ ق ٩ / ١٠) وإسناده ضعيف جدا، فيه إبراهيم بن هشام الغساني كذبه أبو حاتم وأبو زرعة وقال الذهبي " متروك ".
ومع هذا فإننا نقطع أنه لم يكن في المسجد صورة قبر، حتى أواخر القرن الثاني؛ لِما أخرجه الربعي وابن عساكر، عن الوليد بن مسلم أنه سئل: أين بلغك رأس يحى بن زكريا؟ قال: بلغني أنه ثَم؛ وأشار بيده إلى العمود المسفط الرابع من الركن الشرقي، فهذا يدل على أنه لم يكن هناك قبر في عهد الوليد بن مسلم، وقد توفي سنة أربع وتسعين ومائة.
وأما كون ذلك الرأس هو رأس يحى ﵇ فلا يمكن إثباته، ولذلك اختلف المؤرخون اختلافا كثيرا، وجمهورهم على أن رأس يحيى ﵇ مدفون في مسجد حلب ليس في مسجد دمشق، كما حققه شيخنا في الإجازة العلامة محمد راغب الطباخ في بحث له نشره في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (ج ١ ص ٤١-١٤٨٢) تحت عنوان " رأس يحيى ورأس زكريا " فليراجعه من شاء.
ونحن لا يهمنا من الوجهة الشرعية ثبوت هذا أو ذاك، سواء عندنا أكان الرأس الكريم في هذا المسجد أو ذاك، بل لو تيقنا عدم وجوده في كل من المسجدين، فوجود صورة القبر فيهما كاف في المخالفة؛ لأن أحكام الشريعة المطهرة إنما تبنى على الظاهر لا الباطن كما هو معروف، وسيأتي ما يشهد لهذا من كلام بعض العلماء، وأشد ما تكون المخالفة إذا كان القبر في قبلة المسجد، كما هو الحال في مسجد حلب، ولا منكِر لذلك من علمائها ". انتهى. من "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد" ص ٦٣
رابعا:
ما يفعل عند هذه القبور من دعاء لها، واستغاثة بها، وطواف حولها، كل ذلك من الشرك الذي حرمه الله؛ لأنه صرف للعبادة لغير الله، فليس لأحد أن يدعو أو يستغيث بميت، سواء وقف عند قبره أو بعيدا عنه، بل الدعاء لله وحده، فهو الرب المغيث المجيب المنعم المتفضل سبحانه.
ومن شاهد هذه المنكرات عند الأضرحة المذكورة علم حكمة الشريعة وكمالها في التحذير من بناء المساجد على القبور، لما يترتب على ذلك من الفتنة بها، حتى تعبد من دون الله .
نسأل الله تعالى أن يرد ضال المسلمين إلى الهدى والحق ردا جميلا.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3295
حكم المبيت في المسجد وتدريس الأطفال وإطعامهم فيه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أعيش في بلد أوروبي، وأقوم بطلب العلم الشرعي، وأدرس لأطفال المسلمين في المسجد، وأقيم حالياً في المسجد، والمسجد مسجل عند الحكومة على أنه جمعية إسلامية تقوم بنشاطات مختلفة منها الصلاة، وعند الباب الرئيس للمسجد حمام، وعند هذا الباب ممر يتفرع منه مدخلان، واحد لغرفة للنساء يصلين بها الجمعة، والثاني للمسجد، ووفي آخر المسجد زاوية وهي عبارة عن مطبخ مفتوح على المسجد. ما هي ضوابط إقامتي بالمسجد؟ وأنا أستخدم جهاز كمبيوتر خاص بالمسجد في تعلم القرآن عبر البالتوك، كما أستخدم مكتبة المسجد لطلب العلم وتحضير الخطب. وهل يلزمني صلاة تحية المسجد كلما ذهبت للعمل، أو كلما دخلت الحمام، أو كلما خرجت من المسجد لأداء حاجة سريعة؟ نحن نستخدم مطبخ المسجد لعمل طعام عند عمل إفطار جماعي في رمضان، ولعمل شاي وطعام للضيوف، أو لنفسي، فهل يجوز ذلك؟ وهل يجوز لي الأكل بهذا المطبخ؟ سؤال آخر: بالمسجد جهاز عرض (البروجيكتر) نستخدمه لتعليم الأطفال أمور دينهم، حيث إن هذه الأجهزة تساعد كثيراً في إيصال المعلومات لهم، وبالمكتبة سبورة نستخدمها بالتعليم أيضاً، ونقدم للأطفال البسكويت والعصير حتى نشجعهم على الحضور إلى المسجد، فنقدم لهم ذلك في المسجد، فهل يجوز ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا حرج في إقامتك في إحدى الغرف المتصلة بالمسجد، وفي تعليم الأطفال واستخدام الكمبيوتر والبروجكتر والسبورة وغيرها من الوسائل التي تعين على التعلم.
ولا حرج أيضا في تقديم البسكويت والعصائر للأولاد في المسجد، مع تربيتهم على صيانته من الأذى والحرص على نظافته.
ثانياً:
إذا خرج الإنسان من المسجد وفي نيته الرجوع قريبا، فلا يصلي تحية المسجد.
فقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: دخلتُ المسجد وصليتُ ركعتين تحية المسجد وخرجتُ بنية الرجوع، فإذا رجعتُ هل يلزمني أن أصلي ركعتين؟
فأجاب: "إذا خرج الإنسان من المسجد بنية الرجوع فإن رجع عن قرب فإنه لا يصلي تحية المسجد، مثل لو خرج للوضوء ورجع، أو خرج يأتي بكتاب من البيت ورجع، أو خرج يكلم إنساناً ورجع، هذا لا يصلي؛ لأن الوقت قصير، أما إذا طال الوقت فليصل ركعتين، كلنا إذا صلينا الظهر نخرج من المسجد بنية الرجوع إلى صلاة العصر، فهل نقول إذا رجعنا لصلاة العصر: لا نصلي؟ لا. نصلي. المهم أنه إذا كان لشغل يرجع به قريباً، فهذا لا يصلي اكتفاء بالأول. والدليل أن الرسول ﵊ أذن للمعتكف أن يخرج للحاجة إلى بيته ثم يرجع، فدل هذا على أن الخروج اليسير لا يعتبر خروجاً من المسجد، فكأن هذا الذي خرج من المسجد وهو بنية الرجوع عن قرب، كأنه لم يخرج منه " انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (١٢٥/٣٠) .
ثالثاً:
إذا كانت الغرف المتصلة بالمسجد قد أعدت لتكون مسجدا، أي نواها باني المسجد أن تكون جزءا من المسجد الذي يصلى فيه، فلها أحكام المسجد، فيتأكد صلاة تحية المسجد عند دخولها، وتمنع الحائض والنفساء من المكث فيها.
وأما إن كانت قد نويت لتكون ملاحق للتعليم أو لعقد الاجتماعات، لا لتكون محلا للصلاة، فلا تأخذ حكم المسجد حينئذ.
وإذا جهلت نية باني المسجد، فالأصل أن ما كان داخل سور المسجد، وله باب على المسجد، فله حكم المسجد.
هذا هو محصل كلام أهل العلم في الغرف والملاحق الموجودة بالمساجد، مع مراعاة اختلاف الحال الآن عما كان شائعا في زمن الفقهاء المتقدمين،.
وقد ذكرنا فتاوى أهل العلم في ذلك في جواب السؤال رقم (١١٨٦٨٥)
رابعاً:
لا حرج في استعمال المطبخ لعمل الإفطار الجماعي في رمضان، أو أن يصنع فيه شاي أو طعام للضيوف.
وأما أن يصنع فيه الطعام على الدوام، فلا، لما يترتب عليه من امتلاء المسجد برائحة الطعام، مما ينافي صيانة المسجد واحترامه، إلا أن يقام حائط يفصل المطبخ عن المسجد، وهذا في حال كون المطبخ لم يعد ليكون جزءا من المسجد كما سبق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →