Полный текст (16 344 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
الجلوس في المسجد ومشاهدة التلفاز فيه
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمصلي أن يجلس داخل المسجد وجهاز التلفاز مشغل.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الجلوس في المسجد انتظارا للصلاة، أو انشغالا بالعبادة، عمل مشروع يثاب عليه صاحبه، كما قال النبي ﷺ : (وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ (أي: ما دام منتظرا للصلاة) وَتُصَلِّي عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ) رواه البخاري (٤٧٧) ومسلم (٦٤٩) .
وأما مشاهدة التلفاز في المسجد، فإن كان ما فيه برنامج نافع ومفيد وخالٍ من المنكرات، فنرجو ألا يكون هناك حرج من مشاهدته.
أما إذا كان البرنامج فيه شيء من المحرمات كالنساء المتبرجات أو الموسيقى....أو غير ذلك، فالواجب إخراج هذا الجهاز من المسجد، فإن المساجد أشرف الأماكن وأحبها إلى الله ويجب تطهيرها من القذارة الحسية (النجاسة والأوساخ) ويجب كذلك تطهيرها من القذارة المعنوية (المعاصي) .
قال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) النور/٣٦.
أي: أمر الله أن تعظم، ومن تعظيمها تطهيرها من المعاصي.
وقال النبي ﷺ : (إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ) رواه مسلم (٢٨٥) .
فالمساجد إنما بنيت لطاعة الله تعالى، فيجب تعظيمها وإبعاد المعاصي عنها.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3327
وضع خطوط في المسجد لتسوية الصفوف
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم وضع شريط لاصق أو التعليم بالقلم لرسم خطوط مستقيمة لتسوية الصفوف في الصلاة، فإني أتعرض دوما للفوضى ورفع الأصوات في المسجد احتجاجا على تأخر الإمام (المتحدث) في تسويته للصفوف، ونرجو أن تنقلوا لنا أقوال أهل العلم وخاصة المعاصرين منهم في جواز أو تحريم ذلك، وما العمل في مثل هذه الحال لإخماد الفتنة لأني في مسجد به جماعة متمسكة بقول الشيخ الألباني وتلاميذه في التحريم، ومنهم من يتمسك بقول الشيخ ابن عثيمين في الجواز، وما فتوى هيئة كبار العلماء في هذه المسألة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأمر بتسوية الصفوف وارد في أحاديث كثيرة مشهورة، منها قوله ﷺ : (سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ) رواه البخاري (٧٢٣) ومسلم (٤٣٣) من حديث أنس ﵁.
ومنها قوله ﷺ : (لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ) رواه البخاري (٧١٧) ومسلم (٤٣٦) من حديث النعمان بن بشير ﵁.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى القول بوجوب تسوية الصفوف؛ " لأن النبي ﷺ لما رأى رجلا باديا صدره قال: (عباد الله، لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) ، وهذا وعيد، ولا وعيد إلا على فعل محرم أو ترك واجب. والقول بوجوب تسوية الصفوف قول قوي" انتهى من "فتاوى الشيخ ابن عثيمين" ج١٣ سؤال رقم ٣٧٥.
وينبغي للإمام أن يأمر الناس بالتسوية، وأن يتعاهدهم في ذلك.
وأما وضع خط على الحصير أو السجاد للمساعدة في تسوية الصف، فلا حرج فيه، وليس هو من البدع.
وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء: ما حكم عمل خط على الحصير أو السجاد بالمسجد نظرا إلى أن القبلة منحرفة قليلا بقصد انتظام الصف؟
فأجابت: "لا بأس بذلك، وإن صلوا في مثل ذلك بلا خط فلا بأس؛ لأن الميل اليسير لا أثر له" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز. والشيخ عبد الرزاق عفيفي.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٦/٣١٥) .
وسئل الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: عن حكم رسم خطوط المساجد لتستوي الصفوف عليها.
فأجاب: "إذا كان الناس لا تستقيم صفوفهم إلا بذلك فلا بأس، أو كان المسجد قد بني منحرفا عن القبلة ولا تستقيم الصفوف فيه إلا برسم خطوط فلا بأس بذلك إن شاء الله " انتهى من "فتاوى ورسائل الشيخ عبد الرزاق عفيفي" ص ٤١٢.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " البدعة هي التعبد لله بغير ما شرع. وعلى هذا فالبدع لا تدخل في غير العبادات، بل ما أُحدث من أمور الدنيا ينظر فيه هل هو حلال أم حرام، ولا يقال إنه بدعة. فالبدعة الشرعية هي أن يتعبد الإنسان لله تعالى بغير ما شرع يعني الذي يسمى بدعة شرعاً، وأما البدعة في الدنيا فإنها وإن سميت بدعةً حسب اللغة العربية فإنها ليست بدعةً دينية بمعنى أنه لا يحكم عليها بالتحريم ولا بالتحليل ولا بالوجوب ولا بالاستحباب إلا إذا اقتضت الأدلة الشرعية ذلك. وعلى هذا فما أحدثه الناس اليوم من الأشياء المقربة إلى تحقيق العبادة لا نقول إنها بدعة وإن كانت ليست موجودة، من ذلك مكبّر الصوت. مكبر الصوت ليس موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكنه حدث أخيراً إلا أن فيه مصلحة دينية يبلغ للناس صلاة الإمام وقراءة الإمام والخطبة، وكذلك في اجتماعات المحاضرات فهو من هذه الناحية خير ومصلحة للعباد، فيكون خيراً، ويكون شراؤه للمسجد لهذا الغرض من الأمور المشروعة التي يثاب عليها فاعلها.
ومن ذلك ما حدث أخيراً في مساجدنا من الفرش التي فيها خطوط من أجل إقامة الصفوف وتسويتها فإن هذا وإن كان حادثاً ولكنه وسيلةٌ لأمرٍ مشروع، فيكون جائزاً أو مشروعاً لغيره، ولا يخفى على الناس ما كان الأئمة الحريصون على تسوية الصفوف يعانونه قبل هذه الخطوط، فكانوا يعانون مشاكل إذا تقدم أحد ثم قالوا له تأخر. تأخرَ أكثر ثم قالوا له تقدم. تقدم أكثر يحصل تعب. الآن والحمد لله يقول الإمام: سووا صفوفكم على الخطوط، توسطوا منها، فيحصل انضباطٌ تام في إقامة الصف. هذا بدعة من حيث العمل والإيجاد، لكنه ليس بدعة من حيث الشرع؛ لأنه وسيلة لأمرٍ مطلوبٍ شرعاً " انتهى من "فتاوى نور على الدرب".
هذا وينبغي لمن لم يقنع بهذا الكلام، وأصر على قوله ببدعية الخط في المسجد، أن يبين رأيه للإمام، من باب النصيحة، ثم يمسك عن إثارة الخلاف داخل المسجد، لأن الإمام في حال وضعه للخطوط، يكون قد أخذ بقول معتبر، فلا وجه للإنكار عليه، بل هذا القول هو الصواب كما سبق.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3328
الجامعة تعطيهم مكاناً للصلاة لهم ولغيرهم من الكفار
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا عضو في الجمعية الإسلامية في جامعة كنقستون. وفي محاولاتنا للحصول على غرفة دائمة للصلاة، فقد اقترح المسؤولون أن نحصل على غرفة تخصص لصلاة جميع الأديان. وحسب ما أعلم، فإن ذلك لا يمكن القبول به أبدا. لكن، أرجو أن تقدم لنا فتوى (تتضمن استشهادات من القرآن والسنة) حول الموضوع لنقدمه للمسؤولين على الجامعة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ينبغي أن تكون مطالبتكم بإيجاد مسجد تثبت له أحكام المسجد، وتقيمون الصلاة جماعة، ويكون مركزا لنشاط دعوي تقومون به، وفي هذه الحال لا يجوز أن تقام في هذا المسجد شعيرة من شعائر الكفر لقوله تعالى: (وأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) . وقد نهى النبي ﵊ أن تنشد الضالة في المسجد، وعن البيع والشراء فيه، ونهى ﵊ عن الصلاة إلى القبور لقوله ﵊: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ".
وأما إذا لم يُسمح لكم بذلك، وإنما سمحوا لكم في مكان عام ولغيركم، فهذا تجوز الصلاة فيه كما لو أدركتكم الصلاة وأنتم في حديقة، أو على طريق، أو في طائرة أو في مطار من مطارات الدول. لكن احرصوا على أن يكون المكان خاليا من المنكرات، وبالأخص إذا كان هناك أصنام منصوبة، أو صور معظمة ومعلقة، فكلما أمكنكم الابتعاد عن ذلك المكان فافعلوا.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ سعد الحميد.
стр. 3329
ما مقدار المسافة التي توجب الصلاة في المسجد ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أعلم أنه يجب على الرجال أن يؤدوا الصلوات الخمس في المسجد، ولكن إذا كان شخص يعيش بعيداً عن المسجد، ما هي المسافة التي يجوز له عندها عدم الذهاب للمسجد عند كل صلاة؟
مثال: إذا كان الذهاب يستغرق ٢٠ دقيقة تقريباً، وهذا هو المسجد الوحيد في المدينة، فهل يجوز لي أن أصلي في البيت؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يجب على الرجال حضور صلاة الجماعة في المسجد، والتخلف عن صلاة الجماعة من علامات النفاق. انظر السؤال رقم (١٢٠) .
وكلما كان البيت أبعد زاد الأجر وعظمت المثوبة.
فعن أبي موسى قال: قال النبي ﷺ : (أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى) . رواه البخاري (٦٢٣) ومسلم (٦٢٢) .
ثانياً:
تجب صلاة الجماعة على القريب من المسجد دون البعيد.
وقد وردت السنة بتحديد القريب من المسجد بـ (من يسمع النداء) .
والمراد: من يسمع الأذان المرفوع من المسجد بصوت المؤذن من غير مكبر للصوت، مع رفع المؤذن صوته، وسكون الرياح والضوضاء ونحو ذلك مما يؤثر على السماع.
روى مسلم (٦٥٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه ِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَجِبْ.
وروى ابن ماجه (٧٩٣) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلَا صَلاةَ لَهُ إِلا مِنْ عُذْرٍ) . صححه الألباني في صحيح الجامع (٦٣٧) .
قال النووي ﵀ في "المجموع" (٤/٣٥٣) :
الاعتبار في سماع النداء: أن يقف المؤذن في طرف البلد والأصوات هادئة والريح ساكنة، وهو مستمع فإذا سمع لزمه، وإن لم يسمع لم يلزمه اهـ.
وقد سئلت اللجنة الدائمة: إذا سمعت المؤذن من مسافة تقدَّر بثمانمائة متر فهل أصلي في مكاني أو أذهب إلى هذا المسجد الذي أذن فيه؟
فأجابت:
عليك أن تحضر إلى هذا المسجد تصلي فيه مع الجماعة، أو أي مسجد آخر أيسر لك منه، مادمت قادراً على ذلك. . . ثم استدلت اللجنة بالحديثين السابق ذكرهما.
وسئلت اللجنة أيضا عن رجل يسكن بالدور الثامن ويبعد عنه المسجد حوالي ٥٠٠ متر، هل يجوز له إقامة الصلوات جماعة بأفراد أسرته بالمنزل؟
فأجابت:
صلاة الجماعة في المسجد واجبة، فعليك أن تغشى المساجد لتصلي الفريضة فيها مع المسلمين، وليس لك أن تترخص بصلاتها مع أهلك في البيت من أجل هذه المسافة اهـ.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٨/٥٩) .
وسئل الشيخ ابن عثيمين: هل يوجد تحديد للمسافة من بيته إلى المسجد؟
فأجاب:
المسافة ليس فيها تحديد شرعي، وإنما يحدد ذلك العرف أو سماع النداء على تقدير أنه بغير (الميكرفون) .
"أسئلة الباب المفتوح" (سؤال رقم ٧٠٠) .
وقال الشيخ ابن باز:
الواجب على من سمع النداء بالصوت المعتاد من غير مكبّر أن يجيب إلى الصلاة في الجماعة في المسجد الذي ينادى بها فيه. . .
أما من كان بعيداً عن المسجد لا يسمع النداء إلا بالمكبّر فإنه لا يلزمه الحضور إلى المسجد وله أن يصلي ومن معه في جماعة مستقلة. . . فإن تجشموا المشقة وحضروا مع الجماعة في المساجد التي لا يسمعون منها النداء إلا بالمكبر بسبب بعدهم عنها كان ذلك أعظم لأجرهم اهـ.
مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ﵀ (١٢/٥٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3330
هل يصح إغلاق المسجد إذا كان يدخله السكارى
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا إمام مسجد مؤقت في مدينة في إحدى الولايات الأميريكية حتى يتوفر عندنا المال لنوظف عالم. اعتاد الناس أن يتركوا المسجد مفتوحاً ٢٤ ساعة، كل يوم أذهب لصلاة الفجر أجد ناس مشردين نائمين في المسجد وقد شغلوا جهاز التكييف إلى أقصى حد (نحن ندفع الآلاف من الدولارات للكهرباء) كغيرنا من غير المسلمين، وجدنا زجاجات الخمر وقبل عدة أيام وجدنا شخص مخمور نائم في حمامات المسجد واتصلنا بالشرطة ليأخذوه.
اقترحت أن نغلق المسجد من الداخل والبوابة الخارجية بعد صلاة العشاء (بساعة أو ساعتين) حتى الفجر ونعطي مفاتيح لأكثر الناس الذين يأتون لصلاة الفجر والعشاء وبعض الطلاب الذين يأتون للدراسة في المساء، اشترينا قفلاً ومفاتيح وبدأنا بقفل الباب يومياً، اعترض البعض على الفكرة وقالوا بأننا يجب أن نغلق الباب الداخلي ونترك البوابة الخارجية مفتوحة لأن بيت الله يجب أن يبقى مفتوحاً ٢٤ ساعة يومياً، وإذا أتى شخص ما ليلاً بعد العشاء وأراد الصلاة فلن يستطيع الصلاة.
أرجوأن تعطيني رأيك بأسرع وقت ممكن لأنه يوجد بعض الأشخاص يستفيدون من بقاء المسجد مفتوحاً ويريدون أن يخلقوا الفتنة في المسجد.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأصل أن يبقى المسجد مفتوحا غير مغلق، ليتمكن المسلم من الصلاة فيه في أي وقت، وقد كانت الكلاب تغدو وتروح في مسجد النبي ﷺ في عهده كما في صحيح البخاري، لكن إذا ترتب على ذلك مفسدة من مزاولة منكرات داخل المسجد فينبغي أن يُغلق صيانة له، ولأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وكذلك إذا خشي على أمواله من فرش وآلات وغير ذلك.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ: عبد الكريم الخضير.
стр. 3331
ما هي الحكمة من إدخال قبر الرسول ﷺ في المسجد
[السُّؤَالُ]
ـ[من المعلوم أنه لا يجوز دفن الأموات في المسجد، وأيما مسجد فيه قبر لا تجوز الصلاة فيه، فما الحكمة من إدخال قبر الرسول ﷺ وبعض صحابته في المسجد النبوي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) متفق على صحته البخاري في الجنائز (٣٣٠) ومسلم في المساجد (٥٢٩) ، وثبت عن عائشة ﵂ أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا لرسول الله ﷺ كنيسة رأتاها بأرض الحبشة وما فيها من صور فقال ﷺ : (أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله) متفق عليه: البخاري في الصلاة (٤٣٤) ، ومسلم في المساجد (٥٢٨) ، وروى مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ألا وإنّ من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك) مسلم في الجنائز (٩٧٠) .
وروى مسلم أيضاً عن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يُجصص القبر وأن يُقعد عليه وأن يُبنى عليه) مسلم في الجنائز (٩٧٠) ، فهذه الأحاديث الصحيحة وما جاء في معناها كلها تدل على تحريم اتخاذ المساجد على القبور، ولَعْنُ من فعل ذلك، كما تدل على تحريم البناء على القبور واتخاذ القباب عليها وتجصيصها لأن ذلك من أسباب الشرك بها، وعبادة سكانها من دون الله كما قد وقع ذلك قديماً وحديثاً فالواجب على المسلمين أينما كانوا أن يحذروا مما نهى رسول الله ﷺ عنه، وألا يغتروا بما فعله كثير من الناس، فإن الحق هو ضالة المؤمن متى وجدها أخذها، والحق يُعرف بالدليل من الكتاب والسنة لا بآراء الناس وأعمالهم، والرسول محمد ﷺ وصاحباه ﵄ لم يُدفنوا في المسجد وإنما دفنوا في بيت عائشة، ولكن لما وُسع المسجد في عهد الوليد بن عبد الملك أدخل الحجرة في المسجد في آخر القرن الأول، ولا يعتبر عمله هنا في حكم الدفن في المسجد لأن الرسول ﷺ وصاحبيه لم ينقلوا إلى أرض المسجد، وإنما أدخلت الحجرة التي هم بها في المسجد من أجل التوسعة، فلا يكون في ذلك حجة لأحد على جواز البناء على القبور أو اتخاذ المساجد عليها، أو الدفن فيها لما ذكرته آنفاً من الأحاديث الصحيحة المانعة من ذلك، وعمل الوليد ليس فيه حجة على ما يخالف السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، والله ولي التوفيق.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ ابن باز مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ج/٤ ص ٣٣٧
стр. 3332
حكم الذهاب إلى المساجد البعيدة للصلاة خلف القارئ الجيد
[السُّؤَالُ]
ـ[يوجد في مدينتنا قارئ جيد يخشع في صلاته ويأتي إليه الناس من مدن بعيدة، فما الحكم في مجيء هؤلاء وهل صحيح أنهم وقعوا في النهي الوارد في الحديث: (لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجد الأقصى ومسجدي) البخاري في فضل الصلاة (١١٩٧) . نرجو الإفادة والتوجيه.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا نعلم حرجاً في ذلك، بل ذلك داخل في الرحلة لطلب العلم والتفقه في القرآن الكريم واستماعه من حسن الصوت به، وليس السفر لذلك من شد الرحال المنهي عنه وقد ارتحل موسى ﵊ رحلة عظيمة إلى الخضر ﵇ في مجمع البحرين لطلب العلم، ولم يزل أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم يرتحلون من إقليم إلى إقليم ومن بلاد إلى بلاد لطلب العلم، وقد قال النبي ﷺ : (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) مسلم في الذكر والدعاء (٢٦٩٩)
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ ابن باز في مجلة البحوث عند رقم ٤٢ ص ١٣٧
стр. 3333
فضل تنظيف المسجد
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو أجر تنظيف وترتيب المسجد؟ والاهتمام بالإمام؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الاعتناء بالمسجد وترتيب ما فيه من فرش ونحوها أمر محمود مرغب فيه، وفاعله مثاب عند الله على هذا العمل الصالح.
وقد أمر الله تعالى بتعظيم المساجد في قوله: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ) النور/٣٦-٣٧.
قال السيوطي: في هذه الآية الأمر بتعظيم المساجد وتنزيهها عن اللغو والقاذورات اهـ. من تفسير القاسمي (١٢/٢١٤) .
ومما يدل على فضل من اعتنى بذلك ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رجلاً أسود أو امرأة سوداء كان يقم المسجد فمات فسأل النبي ﷺ عنه فقالوا مات قال أفلا كنتم آذنتموني به؟ دلوني على قبره أو قال قبرها فأتى قبرها فصلى عليها" رواه البخاري ٤٥٨، ومسلم ٩٥٦.
ومعنى يقم: أي ينظف
وما رواه أبو داود (٤٥٥) والترمذي (٥٩٤) وابن ماجة (٧٥٩) من حديث عائشة قالت: " أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدُّور وأن تنظف وتطيب ". وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم ٤٨٧
ومعنى الدُّور: أي الأحياء والقبائل.
وقد عد النبي ﷺ البزاق في المسجد خطيئة وأخبر أن كفارتها دفنها، ففي الصحيحين من حديث أنس قال قال رسول الله ﷺ : " البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها " رواه البخاري ٤١٥، ومسلم ٥٥٢.
وروى النسائي (٧٢٨) وابن ماجة (٧٦٢) عن أنس أن النبي ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد فغضب حتى احمر وجهه، فجاءته امرأة من الأنصار فحكتها وجعلت مكانها خلوقا فقال رسول الله ﷺ " ما أحسن هذا " والحديث صححه الألباني في صحيحي النسائي وابن ماجة.
وثبت أن النبي ﷺ أزال ذلك بنفسه كما في الصحيحين من حديث عائشة قالت "رأى في جدار القبلة مخاطا أو بصاقا أو نخامة فحكها " رواه البخاري ٤٠٧ ومسلم ٥٤٩.
وروي في فضل ذلك أحاديث ضعيفة نذكرها لبيان ضعفها، وفيما صح عن النبي ﷺ كفاية، فروى أبو داود (٤٦١) والترمذي (٢٩١٦) حديث " عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد " والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي.
وروى ابن ماجة (٧٥٧) حديث " من أخرج أذى من المسجد بنى الله له بيتا في الجنة " والحديث ضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجة.
وأما الاهتمام بالإمام فقد قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: " فَلا يُقَصَّرُ بِالرَّجُلِ الْعَالِي الْقَدْرِ عَنْ دَرَجَتِهِ، وَلا يُرْفَعُ مُتَّضِعُ الْقَدْرِ فِي الْعِلْمِ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ، وَيُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ فِيهِ حَقَّهُ، وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ" اهـ.
فإذا كان الإمام من أهل الفضل والعلم والصلاح فمحبته والاهتمام به يدخل في عموم محبة الصالحين وإكرامهم، وهذا عمل صالح.
لكن يجب التنبه إلى أنه لا يجوز أن يصل الأمر إلى التبرك بشخص الإمام أو ذاته أو التمسح به كما يفعل البعض، فإن هذا لم يكن من هدي المسلمين الأوائل مع أئمتهم وعلمائهم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3334
تنظيف المسجد
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو أن تخبرني بالأجر الذي يحصل عليه الشخص إذا قام بترتيب وتنظيف المسجد.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تنظيف المسجد لم يرد فيه فضل خاص، غير أن النبي ﷺ أمر بتنظيف المسجد وتطييبه، فعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَّخِذَ الْمَسَاجِدَ فِي دِيَارِنَا وَأَمَرَنَا أَنْ نُنَظِّفَهَا " رواه أحمد في مسنده (١٩٦٧١) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٧٨) .
وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ (أي الأحياء) وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ ". رواه الترمذي (٥٩٤) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٧٩) .
فهذان الحديثان اشتملا على أمر نبوي، وامتثال أمر النبي ﷺ يؤجر عليه فاعله.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَوْ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ (أي ينظفه) فَمَاتَ فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ فَقَالُوا مَاتَ قَالَ أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ أَوْ قَالَ قَبْرِهَا فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا " رواه البخاري (٤٥٨) ومسلم (٩٥٦) .
قال ابن حجر في فتح الباري: "وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ تَنْظِيفِ الْمَسْجِدِ , وَالسُّؤَالِ عَنْ الْخَادِمِ وَالصَّدِيقِ إِذَا غَابَ " انتهى.
ثم إن المسلم يكفيه لفعل الطاعة أن يعلم أنها أمر الله ورسوله، وهذا من كمال إسلامه، ولا بأس أن يسأل عن الحكمة أو الثواب ليطمئن قلبه.
تنبيه: ورد في فضل تنظيف المسجد حديث ضعيف وهو: " كنس المساجد مهور الحور العين " (السلسلة الضعيفة ٤١٤٧) فيُكتفى بما تقدم مما صح. والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 3335
النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان هل يشمل المرأة
[السُّؤَالُ]
ـ[حديث النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان، هل يشمل المرأة إذا كانت في المسجد؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عرضنا هذا السؤال على فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين فأجاب ﵀:
لا يشملها، لأن المرأة لا تجب عليها الجماعة (أصلا) . والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
стр. 3336
حكم استئجار الكنائس لصلاة الجمعة فيها
[السُّؤَالُ]
ـ[لا يجد المسلمون في العديد من ولايات أمريكا أماكن مناسبة لأداء صلاة الجمعة ما عدا بعض الكنائس المؤجرة رخيصاً أو مجاناً، فأثار بعض الطلاب النقاش حول صحة أداء الصلاة في الكنائس معتمدين على ما روي عن ابن عمر حول منع الصلاة في الكنائس ومعابد اليهود والمقابر وأماكن الذبح لغير الله، وبناء على هذا الرأي فقد امتنع بعض المسلمين عن الحضور لصلاة الجمعة، فضلاً نرجو إفادتنا بالحكم الصحيح في هذه الحالة حتى نستطيع تجاوز الخلافات بين المسلمين في هذا المجتمع، وجزاكم الله خيراً]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا تيسر وجود غير الكنائس ليُصلى فيها لم تجز الصلاة في الكنائس ونحوها، لأنها معبد للكافرين يعبدون فيه غير الله، ولما فيها من التماثيل والصور، (وأما إذا لم يتيسّر غيرها جازت الصلاة فيها) للضرورة، قال عمر ﵁: " إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها والصور " وكان ابن عباس ﵄ يصلي في البيعة إلا بيعة فيها التماثيل والصور. أخرجهما البخاري ١/١١٢
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى اللجنة الدائمة ٦/٢٦٨
стр. 3337
صلى في مسجد ثم علم أن به قبورا وأضرحة
[السُّؤَالُ]
ـ[صليت في مسجد للصوفية، وكان الإمام صوفيا وبعد الانتهاء من الصلاة فيه علمت أنه يوجد في المسجد قبور وأضرحة، وعليها قبة؛ فهل أعيد الصلاة؟ وهل علي إثم إذا كنت أعلم أن هذا المسجد وإمامه صوفي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا تجوز الصلاة في مسجد بني على قبر، أو وضع فيه قبر؛ للأحاديث الواردة في لعن من اتخذ القبور مساجد. ولا تصح الصلاة في هذا المسجد، على الراجح من كلام أهل العلم، وعليه فيلزمك إعادة الصلاة.
سئل الشيخ ابن باز ﵀ ما نصه: " هل تصح الصلاة في المساجد التي يوجد فيها قبور؟
فأجاب: المساجد التي فيها قبور لا يصلى فيها، ويجب أن تنبش القبور وينقل رفاتها إلى المقابر العامة، يجعل رفات كل قبر في حفرة خاصة كسائر القبور، ولا يجوز أن يبقى في المساجد قبور، لا قبر ولي ولا غيره؛ لأن الرسول ﷺ نهى وحذر من ذلك، ولعن اليهود والنصارى على عملهم ذلك، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) قالت عائشة ﵂: (يُحذّر ما صنعوا) متفق عليه.
وقال ﵊ لما أخبرته أم سلمة وأم حبيبة بكنيسة في الحبشة فيها تصاوير فقال: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله) متفق على صحته، وقال ﵊: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) خرجه مسلم في صحيحه، عن جندب بن عبد الله البجلي. فنهى عن اتخاذ القبور مساجد ﵊ ولعن من فعل ذلك، وأخبر: أنهم شرار الخلق، فالواجب الحذر من ذلك. ومعلوم أن كل من صلى عند قبر فقد اتخذه مسجداً، ومن بنى عليه مسجداً فقد اتخذه مسجداً، فالواجب أن تبعد القبور عن المساجد، وألا يجعل فيها قبور؛ امتثالاً لأمر الرسول ﷺ ، وحذراً من اللعنة التي صدرت من ربنا لمن بنى المساجد على القبور؛ لأنه إذا صلى في مسجد فيه قبور قد يزين له الشيطان دعوة الميت، أو الاستغاثة به، أو الصلاة له، أو السجود له، فيقع الشرك الأكبر، ولأن هذا من عمل اليهود والنصارى، فوجب أن نخالفهم، وأن نبتعد عن طريقهم، وعن عملهم السيئ.
لكن لو كانت القبور هي القديمة ثم بني عليها المسجد فالواجب هدمه وإزالته؛ لأنه هو المحدث، كما نص على ذلك أهل العلم؛ حسماً لأسباب الشرك وسدا لذرائعه.
هنا شبهة يشبه بها عباد القبور، وهي وجود قبر النبي ﷺ في مسجده.
والجواب عن ذلك: أن الصحابة ﵃ لم يدفنوه في مسجده، وإنما دفنوه في بيت عائشة ﵂، فلما وسع الوليد بن عبد الملك مسجد النبي ﷺ في آخر القرن الأول أدخل الحجرة في المسجد، وقد أساء في ذلك، وأنكر عليه بعض أهل العلم، ولكنه اعتقد أن ذلك لا بأس به من أجل التوسعة. فلا يجوز لمسلم أن يحتج بذلك على بناء المساجد على القبور، أو الدفن في المساجد؛ لأن ذلك مخالف للأحاديث الصحيحة؛ ولأن ذلك أيضاً من وسائل الشرك بأصحاب القبور، والله ولي التوفيق " انتهى من "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (٥/٣٨٨) .
ومما يدل على عدم صحة الصلاة في المسجد الذي به قبر، ما روى الترمذي (٣١٧) وأبو داود (٤٩٢) وابن ماجه (٧٤٥) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ) والحديث صححه ابن خزيمة وابن حبان والألباني، وينظر: صحيح سنن الترمذي.
قال في زاد المستقنع: " ولا تصح الصلاة في مقبرة ".
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرحه: " قوله: «ولا تصح الصلاة في مقبرة» نفي الصحة يقتضي الفساد؛ لأن كل عبادة إما أن تكون صحيحة، وإما أن تكون فاسدة، ولا واسطة بينهما، فهما نقيضان شرعا، فإذا انتفت الصحة ثبت الفساد.
وقوله: «الصلاة» يعم كل ما يسمى صلاة، سواء كانت فريضة أم نافلة، وسواء كانت الصلاة ذات ركوع وسجود أم لم تكن؛ لأنه قال: «الصلاة» وعليه فيشمل صلاة الجنازة فلا تصح في المقبرة. لكن قد دلت الأدلة على استثناء صلاة الجنازة، كما سنذكره إن شاء الله، وعلى هذا؛ فالمراد بالصلاة ما سوى صلاة الجنازة ...
فإذا قال قائل: ما الدليل على عدم صحة الصلاة في المقبرة؟ .
قلنا: الدليل:
أولا: قول النبي ﷺ : «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» ، وهذا استثناء، والاستثناء معيار العموم.
ثانيا: قول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» والمساجد هنا قد تكون أعم من البناء؛ لأنه قد يراد به المكان الذي يبنى، وقد يراد به المكان الذي يتخذ مسجدا وإن لم يبن؛ لأن المساجد جمع مسجد، والمسجد مكان السجود، فيكون هذا أعم من البناء.
ثالثا: تعليل؛ وهو أن الصلاة في المقبرة قد تتخذ ذريعة إلى عبادة القبور، أو إلى التشبه بمن يعبد القبور، ولهذا لما كان الكفار يسجدون للشمس عد طلوعها وغروبها، نهى النبي ﷺ عن الصلاة عند طلوعها وغروبها؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى أن تعبد الشمس من دون الله، أو إلى أن يتشبه بالكفار.
وأما من علل ذلك بأن علة النهي عن الصلاة في المقبرة خشية أن تكون المقبرة نجسة، فهذا تعليل عليل، بل ميت لم تحل فيه الروح " انتهى من "الشرح الممتع" (٢/٢٣٧) .
وسئل ﵀: " عن حكم الصلاة في مسجد في قبلته قبر؟
فأجاب بقوله: لا يجوز أن يوضع في المسجد قبر، لا في قبلته ولا خلف المصلين، ولا عن أيمانهم، ولا عن شمائلهم، وإذا دفن أحد في المسجد ولو كان هو المؤسس له فإنه يجب أن ينبش هذا القبر وأن يدفن مع الناس، أما إذا كان القبر سابقا على المسجد وبني المسجد عليه، فإنه يجب أن يهدم المسجد وأن يبعد عن القبر، لأن فتنة القبور في المساجد عظيمة جدا فربما يدعو إلى عبادة هذا المقبور ولو بعد زمن بعيد، وربما يدعو إلى الغلو فيه، وإلى التبرك به وهذا خطر عظيم على المسلمين، لكن إن كان القبر سابقا وجب أن يهدم المسجد ويغير مكانه، وإن كان المسجد هو الأول فإنه يجب أن يخرج هذا الميت من قبره ويدفن مع المسلمين، والصلاة إلى القبر محرمة ولا تصح الصلاة إلى القبر لقوله ﷺ : (لا تصلوا إلى القبور) . والله المستعان " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (١٢/٣٧٤) .
ثانيا:
الصلاة خلف الصوفي فيها تفصيل:
فإن كان متلبسا ببدعة شركية كدعاء غير الله، أو اعتقاده أن الأولياء يعلمون الغيب، أو يتصرفون في الكون، فلا تصح الصلاة خلفه.
وإن كانت بدعته غير شركية، صحت الصلاة خلفه.
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٧/٣٥٣) : " وأما الصلاة خلف المبتدعة: فإن كانت بدعتهم شركية كدعائهم غير الله ونذرهم لغير الله واعتقادهم في مشايخهم ما لا يكون إلا لله من كمال العلم، أو العلم بالمغيبات، أو التأثير في الكونيات، فلا تصح الصلاة خلفهم.
وإن كانت بدعتهم غير شركية؛ كالذكر بما أثر عن النبي ﷺ ولكن مع الاجتماع والترنحات، فالصلاة وراءهم صحيحة، إلا أنه ينبغي للمسلم أن يتحرى لصلاته إماما غير مبتدع؛ ليكون ذلك أعظم لأجره وأبعد عن المنكر " انتهى.
وانظر السؤال رقم (٤٩٨٣) للوقوف على شيء من انحراف المتصوفة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3338
حكم عقد النكاح في المسجد والمداومة على افتتاحه بالقرآن والموعظة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم المداومة علي إقامة الأفراح في المساجد مع تخصيص هيئه لها كقراءة القرآن في المقدمة ثم يأتي آخر بإلقاء كلمة ثم يأتي العقد مؤخرا؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
ذهب جمهور الفقهاء إلى استحباب عقد النكاح في المسجد، واستدلوا لذلك بحديث: (أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف) رواه الترمذي (١٠٨٩) لكنه ضعيف –إلا الإعلان- كما قال الألباني في ضعيف الترمذي.
قال في مجمع الأنهر (١/٣١٧) : " ويستحب مباشرة عقد النكاح في المسجد، وكونه في يوم الجمعة، واختلفوا في كراهة الزفاف فيه، والمختار: لا يكره إذا لم يشتمل على مفسدة دينية " انتهى.
وقال الخرشي في شرح خليل (٧/٧١) : " يعني أنه يجوز عقد النكاح أي: مجرد إيجاب وقبول، بل هو مستحب " انتهى.
وقال في "نهاية المحتاج" (٦/١٨٥) : " ويسن أن يتزوج في شوال، وأن يدخل فيه، وأن يعقد في المسجد، وأن يكون مع جمعٍ وأول النهار " انتهى.
وقال في "كشاف القناع" (٢/٣٦٨) : " ويباح فيه عقد النكاح , بل يستحب كما ذكره بعض الأصحاب " انتهى.
ثانيا:
يشترط لعقد النكاح في المسجد ألا يترتب على ذلك امتهان للمسجد، ولا فعل شيء من المنكرات فيه، كضرب الدف، وينبغي ألا تنشد فيه الأناشيد، ويكتفى بالعقد، وإن قرئ القرآن أو تحدث متحدث، فلا بأس. ولا ينبغي المداومة على ذلك؛ لأنه لم يرد دليل على قراءة القرآن في حفلات النكاح، ولا غيرها، وقد عده بعض أهل العلم من البدع.
سئل الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ عن حكم قراءة القرآن جهرا في المحافل والمجامع كحفلات الزواج هل هذا ابتداع؟
فأجاب: " هذا من البدع جعل افتتاح المجالس رسميا بتلاوة القرآن، حيث لم يرد فيه نص، فلا يتخذ عادة، ويجوز فعله أحيانا، وأنا اختلفت مع هيئة كبار العلماء عندما افتتحوا بتلاوة القرآن الكريم. قلت: هذا بدعة، ما حصل هذا من الرسول ﷺ ومجالسه كثيرة، وهو الإمام المقتدى به. أما إذا كانت موعظة مشتملة على آيات من القرآن فما عليه حرج " انتهى من "فتاوى ورسائل الشيخ عبد الرزاق عفيفي" ص ٦٢١
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3339
وضع خطوط في المسجد لتسوية الصفوف
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم وضع خطوط في المسجد حتى يسهل على المصلين أن يستقيموا في قيامهم.. سمعت أنها بدعة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأمر بتسوية الصفوف وارد في أحاديث كثيرة مشهورة، منها قوله ﷺ : (سَوُّوا صُفُوفَكُمْ , فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ) رواه البخاري (٧٢٣) ومسلم (٤٣٣) من حديث أنس ﵁.
ومنها قوله ﷺ : (لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ) رواه البخاري (٧١٧) ومسلم (٤٣٦) من حديث النعمان بن بشير ﵁.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى القول بوجوب تسوية الصفوف؛ " لأن النبي ﷺ لما رأى رجلا باديا صدره قال: (عباد الله , لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) ، وهذا وعيد، ولا وعيد إلا على فعل محرم أو ترك واجب. والقول بوجوب تسوية الصفوف قول قوي " انتهى من "فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (١٣/سؤال ٣٧٥)
وينبغي للإمام أن يأمر الناس بالتسوية، وأن يتعاهدهم في ذلك.
وأما وضع خط على الحصير أو السجاد للمساعدة في تسوية الصف، فلا حرج فيه، وليس هو من البدع.
سئل علماء اللجنة الدائمة: ما حكم عمل خط على الحصير أو السجاد بالمسجد نظرا إلى أن القبلة منحرفة قليلا بقصد انتظام الصف؟
فأجابوا: " لا بأس بذلك، وإن صلوا في مثل ذلك بلا خط فلا بأس؛ لأن الميل اليسير لا أثر له " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٨/١٥)
وسئل الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: عن حكم رسم خطوط المساجد لتستوي الصفوف عليها.
فأجاب: " إذا كان الناس لا تستقيم صفوفهم إلا بذلك فلا بأس، أو كان المسجد قد بني منحرفا عن القبلة ولا تستقيم الصفوف فيه إلا برسم خطوط فلا بأس بذلك إن شاء الله " انتهى من "فتاوى ورسائل الشيخ عبد الرزاق عفيفي" (ص ٤١٢)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3340
هل يمنع الأطفال من القدوم إلى المسجد
[السُّؤَالُ]
ـ[هل نمنع الأطفال من المجيء للمسجد في التراويح مع الأمهات لكثرة الإفساد والإزعاج؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سألت الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ هذا السؤال فأجاب:
يُتركون كما جاء في الأحاديث، (ويسع الآخرين ما وسع الأولين) . والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد العزيز بن باز يرحمه الله
стр. 3341
بماذا يجاب قول المؤذن (الصلاة خير من النوم) ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الذي يقال بعد قول المؤذن (الصلاة خير من النوم) ؟ مع الدليل , وجزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يستحب لمن يسمع الأذان أن يقول مثل ما يقول، إلا في (حي على الصلاة) وفي (حي على الفلاح) فإن المستحب حينئذ أن يقول (لا حول ولا قوة إلا بالله) .
والدليل على ذلك قول النبي ﷺ :
(إِذَا سَمِعتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثلَ مَا يَقُولُ) رواه البخاري (٦١١) ومسلم (٣١٨)
يقول ابن قدامة ﵀ "المغني" (١/٥٩١) :
" لا أعلم خلافا بين أهل العلم في استحباب ذلك " انتهى.
ومن ذلك: إذا قال المؤذن لصلاة الفجر (الصلاة خير من النوم) ، فإنه يستحب لسامعه أن يتابعه بمثلها فيقول (الصلاة خير من النوم) .
يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ "الشرح الممتع" (٢/٨٤) :
" الصحيح أن يقال مثل ما يقول (الصلاة خير من النوم) ؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول) رواه البخاري (٦١١) ومسلم (٣١٨)
وقد ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء المالكية. انظر "الموسوعة الفقهية" (٢/٣٧٢)
أما ما يستحبه بعض الفقهاء أن يقول (صدقت وبررت) ، فلا دليل عليه، وهو مخالف لعموم الحديث السابق (فقولوا مثل ما يقول) ، والأصل في العبادات المنع حتى يثبت الدليل.
يقول الحافظ ابن حجر ﵀ "التلخيص الحبير" (١/٣٧٨) :
" لا أصل لما ذكره في (الصلاة خير من النوم) " انتهى.
ويقول الصنعاني ﵀ "سبل السلام" (١/١٩٠) :
" وقيل: يقول في جواب التثويب (صدقت وبررت) ، وهذا استحسان من قائله، وإلا فليس فيه سنة تعتمد " انتهى.
ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم "مجموع الفتاوى" (٢/رقم ٤٤٨) :
" قوله ﷺ (فَقُوْلُوْا مِثلمَا يَقُوْلُ) يدل على أَنه يقول: الصلاة خير من النوم.
أَما (صَدَقتَ وَبَررْتَ) فإِنما جاءت في حديث ضعيف. ولهذا يختار من يختار أن يقول: الصلاة خير من النوم، فالصحيح - والله أَعلم - أَنه لا يجيب بصدقت وبررت، وأَسمع بعض الناس يجمع بينهما، يقول الصلاة خير من النوم، صدقت وبررت، ولكن ليس على أَصل، بل الأَولى النظر في الأَدلة " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3342
هل صلاة النساء بجوار الرجال مع الفاصل صحيحة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[يوجد في بلدنا مسجد يصلي فيه النساء بجوار الرجال لكن يفصل بينهما جدار فهل هذا العمل صحيح أو لابد أن يصلي النساء خلف الرجال؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
إذا صلت المرأة بمحاذاة الرجل وكان بينهما حائل من جدار أو فرجة يمكن أن يقوم فيها مصلٍ، فالصلاة صحيحة عند عامة أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. وإنما وقع الخلاف بينهم فيما إذا صلت إلى جنبه بلا حائل، فذهب الحنفية إلى أنها تُبطل صلاة ثلاثة من الرجال، واحد عن يمينها، وآخر عن يسارها، وثالث خلفها، بشروط ذكروها، وحاصلها: أن تكون المرأة مشتهاة، وهي من بلغت سبع سنين، أو كانت تصلح للجماع، على خلاف في المذهب، وأن تدخل مع الرجل في صلاة مطلقة أي لها ركوع وسجود، ويشتركان في التحريمة والأداء، وأن يكون الإمام قد نوى إمامتها أو إمامة النساء بصفة عامة، في تفاصيل أخر، تعرف بالرجوع إلى كتبهم. ينظر: "المبسوط" (١/١٨٣) ، "بدائع الصنائع" (١/٢٣٩) ، "تبيين الحقائق" (١/١٣٦- ١٣٩) .
قال النووي رحمه الله تعالى مبينا الخلاف في المسألة وملخصا مذهب الحنفية: " إذا صلى الرجل وبجنبه امرأة لم تبطل صلاته ولا صلاتها سواء كان إماما أو مأموما، هذا مذهبنا وبه قال مالك والأكثرون , وقال أبو حنيفة: إن لم تكن المرأة في صلاة أو كانت في صلاة غير مشاركة له في صلاته صحت صلاته وصلاتها , فإن كانت في صلاة يشاركها فيها - ولا تكون مشاركة له عند أبي حنيفة إلا إذا نوى الإمام إمامة النساء - فإذا شاركته فإن وقفت بجنب رجل بطلت صلاة من إلى جنبيْها , ولا تبطل صلاتها ولا صلاة من يلي الذي يليها ; لأن بينه وبينها حاجزا , وإن كانت في صف بين يديه (يعني: أمامه) بطلت صلاة من يحاذيها من ورائها , ولم تبطل صلاة من يحاذي محاذيها ; لأن دونه حاجزا، فإن صف نساء خلف الإمام وخلفهن صف رجال بطلت صلاة الصف الذي يليهن , قال: وكان القياس أن لا تبطل صلاة من وراء هذا الصف من الصفوف بسبب الحاجز , ولكن نقول تبطل صفوف الرجال وراءه , ولو كانت مائة صف استحسانا , فإن وقفت بجنب الإمام بطلت صلاة الإمام ; لأنها إلى جنبه ومذهبه أنها إذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأمومين أيضا , وتبطل [صلاتها] أيضا ; لأنها من جملة المأمومين.
وهذا المذهب ضعيف الحجة، ظاهر التحكم والتمسك بتفصيل لا أصل له , وعمدتنا أن الأصل أن الصلاة صحيحة حتى يرد دليل صحيح شرعي في البطلان , وليس لهم ذلك ... وقاس أصحابنا على وقوفها في صلاة الجنازة فإنها لا تبطل عندهم , والله أعلم بالصواب وله الحمد والنعمة والمنة , وبه التوفيق والهداية والعصمة" انتهى من المجموع (٣/٣٣١) باختصار يسير.
أما مع وجود الحائل فقد اتفق الأحناف مع الجمهور على أنه لا تبطل صلاة واحد منهما، كما في "تبيين الحقائق" (١/١٣٨)
ثانيا:
لا شك أن السنة أن تكون صفوف النساء خلف الرجال، كما كان الحال على عهد النبي ﷺ ، وقد روى البخاري (٣٨٠) ومسلم (٦٥٨) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ قُومُوا فَلِأُصَلِّ لَكُمْ قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ) .
قال الحافظ في الفتح: " وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد: ... َتَأْخِير النِّسَاء عَنْ صُفُوف الرِّجَال , وَقِيَام الْمَرْأَة صَفًّا وَحْدهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا اِمْرَأَة غَيْرهَا " انتهى.
لكن إذا حصل ما ذكرتَ من كونهن يحاذين الرجال، فالصلاة صحيحة والحمد لله.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3343
حكم بناء المسجد أو ملحقاته من مالٍ حرام
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن يُبنى مسجد أو (ملحقات مسجد) في ساحة الحي السكني الملاصق للمسجد، ليستخدم في أغراض متعددة، كصلاة الجماعة في رمضان، وصلاة العيدين، وما إلى ذلك، من تبرعاتٍ مصدرُها محرم، مع أن إدارة المسجد على علمٍ بذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المال الحرام إما أن يكون محرما لعينه، وإما أن يكون محرماً لكسبه.
فالمحرم لعينه كالمال المغصوب والمسروق، فهذا لا يحل لأحد الانتفاع به وهو يعلم أنه مسروق من فلان، بل يحب رده إلى صاحبه.
وطريقة التوبة من غصب هذا المال: أن يرد إلى صاحبه، ولا يجزئ الغاصب التبرع به لبناء مسجد وهو يقدر على رده إلى صاحبه.
لكن إن تعذر رده إلى صاحبه، (كالمال الذي تغتصبه بعض الحكومات الظالمة من الناس) فلا حرج في إنفاقه في مصالح المسلمين العامة، ومنها بناء المساجد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "السياسة الشرعية" (ص ٣٥) :
" إذا كانت الأموال قد أخذت بغير حق وقد تعذر ردها إلى أصحابها ككثير من الأموال السلطانية (أي التي غصبها السلطان) ; فالإعانة على صرف هذه الأموال في مصالح المسلمين كسداد الثغور ونفقة المقاتلة ونحو ذلك: من الإعانة على البر والتقوى ; إذ الواجب على السلطان في هذه الأموال - إذا لم يمكن معرفة أصحابها وردها عليهم ولا على ورثتهم - أن يصرفها - مع التوبة إن كان هو الظالم - إلى مصالح المسلمين. هذا هو قول جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد وهو منقول عن غير واحد من الصحابة وعلى ذلك دلت الأدلة الشرعية. . .
وإن كان غيره قد أخذها فعليه هو أن يفعل بها ذلك " انتهى.
وأما المحرم لكسبه فهو الذي اكتسبه الإنسان بطريق محرم كبيع الخمر، أو التعامل بالربا، أو أجرة الغناء والزنا ونحو ذلك، فهذا المال حرام على من اكتسبه فقط، أما إذا أخذه منه شخص آخر بطريق مباح فلا حرج في ذلك، كما لو تبرع به لبناء مسجد، أو دفعه أجرة لعامل عنده، أو أنفق منه على زوجته وأولاده، فلا يحرم على هؤلاء الانتفاع به، وإنما يحرم على من اكتسبه بطريق محرم فقط.
وطريقة التوبة من هذا المال المحرم: التخلص منه، وإنفاقه في وجوه البر ومنها بناء المساجد.
قال النووي ﵀ في "المجموع" (٩/٣٣٠) :
" قال الغزالي: إذا كان معه مال حرام وأراد التوبة والبراءة منه - فإن كان له مالك معين - وجب صرفه إليه أو إلى وكيله , فإن كان ميتا وجب دفعه إلى وارثه , وإن كان لمالك لا يعرفه ويئس من معرفته فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة , كالقناطر والربط والمساجد، ونحو ذلك مما يشترك المسلمون فيه , وإلا فيتصدق به على فقير أو فقراء. . . وهذا الذي قاله الغزالي ذكره آخرون من الأصحاب , وهو كما قالوه , لأنه لا يجوز إتلاف هذا المال ورميه في البحر , فلم يبق إلا صرفه في مصالح المسلمين , والله أعلم " انتهى.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: عن حكم الصلاة في مسجد بني من مال حرام؟
فأجاب:
" الصلاة فيه جائزة ولا حرج فيها؛ لأن الذي بناه من مال حرام ربما يكون أراد في بنائه أن يتخلص من المال الحرام الذي اكتسبه، وحينئذٍ يكون بناؤه لهذا المسجد حلالاً إذا قصد به التخلص من المال الحرام، وإن كان التخلص من المال الحرام لا يتعين ببناء المساجد، بل إذا بذله الإنسان في مشروع خيري حصلت به البراءة " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٢/ سؤال رقم ٣٠٤) وانظر "الشرح الممتع" (٤/٣٤٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3344
حكم شراء مسجد بقرض ربوي
[السُّؤَالُ]
ـ[نحن جماعة مغاربة مسلمون, مقيمون بألمانيا، ولدينا مكان استأجرناه للصلاة فيه لجميع الأوقات والجمعات والأعياد, ولكثرة المصلين فيه - والحمد لله - منعتنا الحكومة الألمانية من الصلاة فيه, لأنه ضيق وفي مكان غير مناسب, وأردنا الآن شراء مكان كبير خارج البلد, ووافقت لنا السلطة الألمانية على شرائه, ثمن المكان ٣ مليون مارك ونصف, ويوجد لدينا مليون مارك ونصف فقط. هل يجوز لنا أن نقترض من البنك المبلغ الباقي لشراء هذا المكان بالربا, وهل يعتبر هذا من الضرورات؟ وإن تم شراؤه بالربا هل تجوز الصلاة فيه إلى أن يوجد أماكن أخرى في هذه البلدة للصلاة؟ أفتونا مأجورين.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز لكم الاقتراض بالربا, لأن الله حرم الربا وشدد الوعيد على المرابين, ولعن النبي ﷺ آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه. ولا يباح الربا بأي حال من الأحوال, ولا تشتروا هذا المكان الذي أشرتم إليه إلا إذا كان عندكم إمكانية مالية بدون اللجوء إلى الربا, وصلوا على حسب استطاعتكم, مجتمعين أو متفرقين إلى جماعات في أمكنة متعددة.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٣/٢٩٠.
стр. 3345
حكم تسمية المسجد باسم شخص معين
[السُّؤَالُ]
ـ[لمعروف أن تسمية المساجد بأسماء الأشخاص غير محبب ويعتبر مكروهاً ما رأيك في ذلك؟ وإن كان صحيحاً ما رأيك في تسمية مسجد السيدة زينب باسمها , ومسجد الحسين , ومسجد أحمد الرفاعي باسمه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ما ذكرت من أن تسمية المساجد بأسماء الأشخاص مكروه قد قال به بعض العلماء , إلا أن جمهور العلماء على جواز ذلك بلا كراهة.
قال الإمام البخاري ﵀:
" بَاب هَلْ يُقَال مَسْجِد بَنِي فُلان " ثم أورد حديث ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ مِنْ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ , وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ , وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا) .
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري":
" يُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَازُ إِضَافَة الْمَسَاجِد إِلَى بَانِيهَا أَوْ الْمُصَلِّي فِيهَا , وَيَلْتَحِق بِهِ جَوَاز إِضَافَة أَعْمَال الْبِرّ إِلَى أَرْبَابهَا , وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْمُصَنِّف (الإمام البخاري) التَّرْجَمَة بِلَفْظِ الاسْتِفْهَام لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ فِيهِ اِحْتِمَالا إِذْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ قَدْ عَلِمَهُ النَّبِيّ ﷺ بِأَنْ تَكُون هَذِهِ الإِضَافَة وَقَعَتْ فِي زَمَنه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِمَّا حَدَثَ بَعْده , وَالأَوَّل أَظْهَر وَالْجُمْهُور عَلَى الْجَوَاز , وَالْمُخَالِف فِي ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِيمَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَه أَنْ يَقُول مَسْجِد بَنِي فُلان وَيَقُول مُصَلَّى بَنِي فُلان لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ) .
وَجَوَابه: أَنَّ الإِضَافَة فِي مِثْل هَذَا إِضَافَة تَمْيِيز لا مِلْك " انتهى.
وقال ابن العربي في "أحكام القرآن" (٤/٢٧٧) :
" المساجد وإن كانت لله ملكا وتشريفا، فإنها قد نسبت إلى غيره تعريفا , فيقال: مسجد فلان " انتهى.
وقال النووي في "المجموع" (٢/٢٠٨) :
" ولا بأس أن يقال مسجد فلان، ومسجد بني فلان على سبيل التعريف " انتهى.
وعلى هذا؛ فلا حرج من تسمية المسجد باسم شخص معين لكونه هو الذي بناه أو يصلي فيه , وكذلك لا حرج من إطلاق اسم أحد علماء المسلمين أو أعلامهم على المسجد من باب التعريف فقط , لكن لا ينبغي: أن يسمى المسجد باسم من عُرِفَ بالبدعة، لآن في ذلك تعظيماً له، وإغراء للعوام أن يسلكوا طريقته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3346
أول مسجد بناه النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي مساحة أول مسجد بناه النبي محمد ﷺ ؟ وهل كان به محراب؟ مع ذكر الدليل.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
أول مسجد بناه النبي ﷺ هو مسجد قباء في المدينة النبوية.
قال ابن القيم في "زاد المعاد" (٣/٥٨) وهو يذكر دخول الرسول ﷺ المدينة: " وكبَّر المسلمون فرحا بقدومه وخرجوا للقائه.... فسار حتى نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، وأسس مسجد قباء، وهو أول مسجد أسس بعد النبوة " انتهى بتصرف.
وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀:
" ومن حيث الأولية النسبية: فالمسجد الحرام أول بيت وضع للناس، ومسجد قباء أول مسجد بناه المسلمون، والمسجد الحرام بناه الخليل، ومسجد قباء بناه خاتم المرسلين، والمسجد الحرام كان مكانه باختيار من الله وشبيه به مكان مسجد قباء " انتهى.
" أضواء البيان " (٨ / ٣٢٦) .
ولا نعلم عن مساحته حين بنائه شيئاً، وهو يقع جنوبي المدينة، لكن ببناء حديث ليس فيه من معالم البناء الأول شيء.
وقد اهتم المسلمون بمسجد قباء خلال العصور الماضية فجدده عثمان بن عفان ﵁، ثم عمر بن عبد العزيز. . . وتتابع الخلفاء على توسيعه وتجديد بنائه، حتى كانت التوسعة الأخيرة في عام ١٤٠٦ هـ.
وقد بلغت مساحة المصلى وحده ٥٠٣٥ متراً مربعاً، وبلغت المساحة التي يشغلها مبنى المسجد مع مرافق الخدمة التابعة له ١٣٥٠٠ متر مربع.
ثانياً:
قد وردت أحاديث عن النبي ﷺ تبين فضل الصلاة في مسجد قباء:
روى البخاري (١١٩٣) ومسلم (١٣٩٩) عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا.
وفي رواية لمسلم: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) .
وروى الترمذي (٣٢٤) عن أُسَيْد بْن ظُهَيْرٍ الْأَنْصَارِيَّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ كَعُمْرَةٍ) . صححه الألباني في صحيح الترمذي.
وروى النسائي (٦٩٩) عن سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ مَسْجِدَ قُبَاءَ فَصَلَّى فِيهِ كَانَ لَهُ عَدْلَ عُمْرَةٍ) صححه الألباني في صحيح النسائي.
ثالثاً:
وأما المحراب، فلم يكن به محراب أول ما بُني، وقد ذكر العلماء أن بناء المحاريب في المساجد بدأ في القرن الثاني.
وانظر لمعرفة حكم هذه المحاريب جواب السؤال رقم (٦٨٨٢٧) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3347
الذهاب إلى المسجد ماشياً
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الذهاب إلى المسجد راكبا له ثواب الماشي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اعلم أنه قد ورد الأجر العظيم في المشي إلى المسجد , وأن أعظم المصلين أجراً أبعدهم منزلاً.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ , قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ , وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ , وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ , فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ , فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ) رواه مسلم (٢٥١) .
وعنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلاةِ أَبْعَدُهُمْ إِلَيْهَا مَمْشًى فَأَبْعَدُهُمْ) رواه مسلم (٦٦٢) .
فهذا الحديث وما قبله دليل على فضل المنزل البعيد عن المسجد؛ لحصول كثرة الخُطَا الذي من ثمرته حصول الثواب , وكثرتها تكون ببعد الدار , كما تكون بكثرة التردد إلى المسجد.
وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ لا أَعْلَمُ رَجُلًا أَبْعَدَ مِنْ الْمَسْجِدِ مِنْهُ وَكَانَ لا تُخْطِئُهُ صَلاةٌ , فَقِيلَ لَهُ أَوْ قُلْتُ لَهُ: لَوْ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ وَفِي الرَّمْضَاءِ؟ قَالَ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ , إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِدِ , وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ) رواه مسلم (٦٦٣) .
فانظر أخي المسلم إلى هذا الثواب العظيم من الرب الكريم , حيث دل الحديث على إثبات الأجر في الخطا في الرجوع من الصلاة كما في الذهاب إليها , ولهذا آثر هذا الصحابي ﵁ المشي على قدميه مع بعد داره عن المسجد.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً , وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً) رواه مسلم (٦٦٦) .
وعَنْ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (بَشِّرْ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه أبو داود (٥٦١) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
قال في دليل الفاتحين (٣/٥٥٨-٥٥٩) : " الظُّلَم: جمع ظلمة، وهي تعم ظلمة العشاء والفجر. وفي الحديث: فضل المشي إلى الصلاة سواء كان المشي طويلاً أو قصيراً , وفضل المشي إليها للجماعات في ظلم الليل " انتهى.
وهذا الفضل ثابت ـ إن شاء الله ـ لمن صلى العشاء والفجر مع الجماعة , ولو كانت الطرق مضاءة. لأن هاتين الصلاتين في ظلمة الليل.
فهذه الأحاديث وغيرها فيها حث للمسلم على أن يجتهد في إتيان المسجد ماشياً لا راكباً ولو كانت داره بعيدة , ما لم تكن مشقة أو عذر ككبر ونحوه , وألا يعوَّد نفسه ركوب السيارة , إذا كان المسجد تصله القدم بلا مشقة.
ومع هذه الفضائل العظيمة في المشي إلى المسجد من محو الخطايا ورفع الدرجات والأجر العظيم والنور التام يوم القيامة؛ فإن هناك فوائد أخرى عظيمة تعود على البدن:
إن المشي إلى المسجد هو رياضة بحد ذاته , وفوائده لا تحصى؛ وله دور كبير في تقوية الجسم وتنشيطه بإذن الله تعالى؛ ليكون أهلاً لمقاومة الأمراض والآفات.
إن السعي إلى بيوت الله كل يوم في أوقات معلومة متقطعة يكفي لتمرين العضلات وتنشيط الأوصال وتحسين حالة الجسم , كما أن المشي إلى المساجد يساهم في الوقاية من الأمراض التي يسببها الخمول وكثرة الجلوس وعلى رأسها السمن؛ لأن المشي يعمل على إذابة الشحوم والدهون.
كما أن المشي علاج لأمراض القلب حيث إنه يعطي القلب ـ بإذن الله ـ القدرة على العمل وتحمل الجهود , حيث تكون الدورة الدموية أكثر انتظاماً.
كما أن المشي إلى المسجد علاج للتعب الذهني والتفكير الطويل؛ إذ إنه يعيد العقل إلى حالته الطبيعية , ويساعد على الاسترخاء العصبي والعضلي.
وبالجملة ففي المشي إلى بيوت الله تعالى من الفوائد الصحية الشيء الكثير مما أبان عنه الطب الحديث , وهي فوائد عاجلة ينعم الله تعالى بها على عبده المؤمن في الدنيا حيث لبى النداء وأجاب داعي الله , وهناك الأجر العظيم والنور التام في الدار الآخرة إن شاء الله.
انظر: " أحكام حضور المساجد" (٦٠-٦٢) لفضيلة الشيخ عبد الله الفوزان.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3348
الصلاة بالنعال في المسجد المفروش بالسجاد
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الصلاة في النعال في مسجد الجامعة، بحجة أن الحذاء يصعب فكه وربطه مع ضيق الوقت؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الصلاة بالنعال من الأمور المباحة، بل أمر بها النبي ﷺ مخالفةً لليهود، وقد كان النبي ﷺ وأصحابه يصلون بنعالهم، وقد أخبرهم النبي ﷺ أن ينظروا فيها خشية أن يكون فيها قذر، وقد خلع النبي ﷺ نعله في الصلاة لإخبار جبريل له بوجود أذى فيه، فخلع الصحابة نعالهم، وكل هذه الأحاديث صحيحة، وستأتي في فتوى علماء اللجنة الدائمة بنصها وتخريجها.
ولا شك أن مساجدهم لم تكن مفروشة بالسجاد بل بالرمل والحصباء، فكانت لا تتأثر بدخولها بالنعال، أما المساجد اليوم وقد فرشت بالسجاد فدخولها بالنعال قد يؤدي إلى تراكم الأوساخ في المسجد، وقد يتهاون البعض فيدخلون المساجد بأحذيتهم وعليها قاذورات أو نجاسة.
ولو أنه سمح لكل مصل أن يصلي بنعاله على السجاد لاحتجنا إلى مجموعات من العمال لتقوم بتنظيف المسجد بعد كل صلاة ولا نقول في كل يوم، ولا نظن أن من يقبل بهذا يرضى أن يصلي على سجاد مليء بالغبار والأتربة، فضلاً عن غير ذلك من القاذورات أو النجاسات إذا تهاون الناس.
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة:
حصل خلاف في حكم دخول المساجد بالأحذية والصلاة فيها، فما حكم الشرع في ذلك؟
فأجابوا:
" مِن هدي الرسول ﷺ دخول المسجد بالنعل والصلاة فيها؛ فروى أبو داود في سننه بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: بينما النبي ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: (ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟) قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ : (إن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً) ، وقال: (إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصل فيهما) وروى أبو داود أيضا عن يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم) ، وروى أبو داود أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافياً ومنتعلاً) ، وأخرجه ابن ماجه.
لكن بعد أن فرشت المساجد بالفرش الفاخرة - في الغالب - ينبغي لمن دخل المسجد أن يخلع نعليه رعاية لنظافة الفرش، ومنعاً لتأذي المصلين بما قد يصيب الفرش مما في أسفل الأحذية من قاذورات وإن كانت طاهرة.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٦/٢١٣، ٢١٤) .
وسئل الشيخ ابن باز ﵀: ما حكم الصلاة في النعال؟
فأجاب:
" حكمها الاستحباب بعد التأكد من نظافتها؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي في نعليه، ولقوله ﷺ : (إن اليهود والنصارى لا يصلون في خفافهم ولا في نعالهم فخالفوهم) ومن صلى حافيا فلا بأس؛ لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يصلي في بعض الأحيان حافيا لا نعل عليه.
وإذا كان المسجد مفروشا فإن الأولى خلعها؛ حذراً من توسيخ الفرش، وتنفير المسلمين من السجود عليها " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز"
وقال الشيخ الألباني ﵀: "وقد نصحت إخواننا السلفيين أن لا يتشددوا في هذه المسألة - أي الصلاة بالنعال في المساجد - لما هناك من فارق بين المساجد اليوم المفروشة بالسجاد الفاخر، وبين ما كان عليه المسجد النبوي في زمنه الأول، وقد قرنت لهم ذلك بِمَثَلٍ من السنة في قصة أخرى: أن النبي ﷺ قد أمر من بادره البصاق أو المخاط وهو يصلي أن يبصق عن يساره أو تحت قدميه، وهذا أمر واضح أن هذا يتماشى مع كون الأرض - أرض المسجد التي سيضطر للبصاق فيها - من الرمل أو الحصباء، فاليوم المصلَّى مسجد مفروش بالسجاد، فهل يقولون إنه يجوز أن يبصق على السجاد؟! فهذه كتلك " انتهى.
وهذا الذي قاله الشيخ الألباني ﵀ قد قاله من قبل الإمام أحمد ﵀.
فقد نقل ابن رجب ﵀ في "فتح الباري" عن بكر بن محمد قال: قلت لأبي عبد الله - يعني: الإمام أحمد بن حنبل -: ما ترى في الرجل يبزق في المسجد ثم يدلكه برجله؟ قال: هذا ليس هو في كل الحديث. قال: والمساجد قد طرح فيها بواري ليس كما كانت.
قال: فأعجب إلي إذا أراد أن يبزق وهو يصلي أن يبزق عن يساره إذا كان البزاق يقع في غير المسجد، يقع خارجاً، وإذا كان في مسجد ولا يمكنه أن يقع بزاقه خارجاً أن يجعله في ثوبه " انتهى.
البواري: الحصير المنسوج. كما في "القاموس المحيط".
فذكر ﵀ أن البزاق في المسجد ودلكه بالرِّجْل إنما كان لما كانت المساجد غير مفروشة.
وإذا كان خلع النعال فيه صعوبة، مثل ما يلبسه العسكريون فيجوز لهم الصلاة بحذائهم بشرط التأكد من نظافته.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
ما حكم دخول المسجد بالحذاء (البسطار) خاصة وأن العسكريين تطلب عملهم لبس الحذاء دائماً، علماً بأن المساجد مفروشة؟
فأجابوا:
" يجوز دخول المسجد بالحذاء والصلاة به إذا كان طاهراً، مع مراعاة العناية به عند دخول المسجد حتى لا يكون به أذى " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٦/٢١٥، ٢١٦) .
وعلى هذا فالأولى عدم الصلاة في المساجد بالنعال الآن، إلا لمن عليه مشقة من خلع نعليه، فيصلي بهما بعد التأكد من نظافتهما، وعدم أذية من بجانبه، وإذا كان هذا سيؤدي إلى نوع من الاختلاف والبغضاء والتنفير فالأولى أن يخلع نعليه حرصاً على حصول الألفة بين المسلمين، وعدم ما يسبب العداوة والبغضاء، ويمكن للمسلم أن يؤدي السنة، ويمتثل أمر النبي ﷺ بالصلاة في نعليه، حيث لا يترتب على ذلك مفسدة، كما لو صلاها في بيته، أو إذا صلى على أرض غير مفروشة ونحو ذلك.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3349
حكم تركيب أجهزة صدى الصوت في المساجد
[السُّؤَالُ]
ـ[انتشر في المساجد في السنوات الأخيرة تركيب جهاز يسمى جهاز ترديد الصدى يضاف إلى مكبر الصوت لتضخيمه وترديد صداه في جنبات المسجد فما حكم تركيب هذا الجهاز؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" إذا كان لا يحصل من جهاز ترديد الصدى إلا تحسين الصوت داخل المسجد فلا بأس به؛ أما إذا كان يحصل منه ترديد الحروف فحرام؛ لأنه يلزم منه زيادة حرف أو حرفين في التلاوة , فيغير كلام الله تعالى عما أنزل عليه , قال في كتاب "الإقناع": " وكره أحمد قراءة الألحان وقال: وهي بدعة. فإن حصل معها تغيير نظم القرآن وجعل الحركات حروفاً حرم " انتهى كلامه.
وأما إذا كان الصوت يخرج عن المسجد من فوق المنارة فإن كان ليس حوله مساجد يشوش عليهم أو مساكن يتأذى أهلها بالصوت فأرجو أن لا يكون بذلك حرج , وأما إذا كان حوله مساجد يشوش عليهم أو مساكن يتأذى أهلها بالصوت فلا يرفعه من فوق المنارة لما في ذلك من أذية الآخرين والتشويش عليهم , وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ فَكَشَفَ السِّتْرَ وَقَالَ: (أَلا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ فَلا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَلا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ قَالَ فِي الصَّلاةِ) أخرجه أبو داود، ونحوه عن البياضي فروة بن عمرو رواه مالك في الموطأ , قال ابن عبد البر: حديث البياضي وأبي سعيد ثابتان صحيحان. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس لأحد أن يجهر بالقراءة بحيث يؤذي غيره كالمصلين " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٥/١٦٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3350
حكم المحراب الذي في المساجد
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم بناء المحراب في قبلة المسجد؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المحراب الذي يصلي فيه الإمام في المسجد لم يكن موجودا على عهد النبي ﷺ , ولا في القرن الأول، وإنما ظهر في القرن الثاني وتتابع المسلمون على بنائه في مساجدهم لما فيه من المصلحة، كدلالة الداخل إلى المسجد على جهة القبلة.
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة:
المحراب في المسجد، هل كان على عهد رسول الله ﷺ ؟
فأجابوا:
" لم يزل المسلمون يعملون المحاريب في المساجد في القرون المفضلة وما بعدها؛ لما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين، ومن ذلك بيان القبلة، وإيضاح أن المكان مسجد " انتهى.
" فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء " (٦ / ٢٥٢، ٢٥٣) .
وذهب بعض العلماء إلى أن اتخاذ هذه المحاريب بدعة، ويُنهى عنها، واستدلوا بما رواه الطبراني والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (اتقوا هذه المذابح) . يعني: المحاريب. صححه الألباني في صحيح الجامع (١٢٠) .
ولكن يجاب عن هذا الاستدلال بأن المحاريب في هذا الحديث ليست هي المحاريب التي في المساجد، وإنما المراد بذلك صدور المجالس، فهذا نهي من النبي ﷺ عن التصدر في المجلس، لما يُخشى منه من حصول الرياء أو شيء من العجب في صاحبه.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": قلت: المحاريب صدور المجالس. انتهى.
وقال ابن الأثير في "النهاية":
المحْرابُ: المَوْضع العَالي المُشْرِفُ، وهُو صَدْر المَجْلس أيضاً، ومنه سُمّي محْراب المسْجد، وهو صَدْرُه وأشْرَف مَوْضِع فيه. انتهى.
وقال المناوي في "فيض القدير":
أي: تجنبوا تحري صدور المجالس يعني التنافس فيها، ووقع للمصنف (يعني السيوطي) أنه جعل هذا نهياً عن اتخاذ المحاريب في المساجد والوقوف فيها وقال: خفي على قوم كون المحراب بالمسجد بدعة وظنوا أنه كان في زمن النبي ﷺ ولم يكن في زمنه ولا في زمن أحد من خلفائه بل حدث في المئة الثانية مع ثبوت النهي عن اتخاذه. . .
ثم قال المناوي: أقول: وهذا بناء منه على ما فهمه من لفظ الحديث أن مراده بالمحراب ليس إلا ما هو المتعارف في المسجد الآن، ولا كذلك، فإن الإمام الشهير المعروف بابن الأثير قد نص على أن المراد بالمحاريب في الحديث صدور المجالس. . . واقتفاه في ذلك جمع جازمين به ولم يحكوا خلافه منهم الحافظ الهيتمي وغيره. . . انتهى.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن موسى الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى) .
وهذا الحديث إن صح، فالمراد بهذا النهي إذا اتخذت محاريب كمحاريب النصارى، فإما إن كانت ليست كمحاريب النصارى فلا يُنهى عنها.
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
عن حكم اتخاذ المحاريب في المساجد؟ وما الجواب عما روي من النهي عن مذابح كمذابح النصارى؟
فأجاب: " اختلف العلماء ﵏ في اتخاذ المحراب هل هو سنة، أو مستحب، أو مباح؟ والذي أرى أن اتخاذ المحاريب مباح، وهذا هو المشهور من المذهب، ولو قيل باستحبابه لغيره لما فيه من المصالح الكثيرة، ومنها تعليم الجاهل القبلة: لكان حسناً.
وأما ما روي عن النبي ﷺ : " النهي عن مذابح كمذابح النصارى " أي: المحاريب: فهذا النهي وارد على ما إذا اتخذت محاريب كمحاريب النصارى، أما إذا اتخذت محاريب متميزة للمسلمين فإن هذا لا ينهى عنه " انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (١٢ / السؤال رقم ٣٢٦) .
وسئل – أيضاً -:
عدَّ بعض أهل العلم المحاريب في المساجد من البدع ومن التشبه بالكافرين، فهل هذا القول صحيح؟
فأجاب:
" هذا القول - فيما أرى - غير صحيح؛ وذلك لأن الذين يتخذونه إنما يتخذونه علامة على القبلة، ودليلاً على جهتها.
وما ورد عن النبي ﷺ عن اتخاذ مذابح كمذابح النصارى: فإن المراد به أن نتخذ محاريب كمحاريب النصارى، فإذا تميزت عنها زال الشبه " انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (١٢ / السؤال رقم ٣٢٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3351
هل يأخذ أجر الصف الأول ولو لم يكن في المسجد إلا صف واحد ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الأفضل أن أذهب إلى مسجد به عدد كبير من المصلين حتى إن كان بعيداً؟ وهل آخذ ثواب "الصف الأول" إذا كان المسجد الذي أصلي فيه به صف واحد فقط؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
قد دلت الأدلة على أن أجر صلاة الجماعة يزداد بكثرة عدد المصلين، وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٣٨١٩٤) .
وخطواتك إلى المسجد – مهما بعُد – مكتوب لك أجرها عند الله، كما في قوله ﷺ : (وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ) رواه البخاري (٢٩٨٩) ومسلم (١٠٠٩) .
وروى مسلم (٦٦٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: خَلَتْ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمْ: (إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ) قَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ. فَقَالَ: (يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ) .
قال النووي ﵀: " معناه الزموا دياركم فإنكم إذا لزمتموها كتبت آثارُكم وخطاكم الكثيرة إلى المسجد. وبنو سلِمة، قبيلة معروفة من الأنصار ﵃ " انتهى من "شرح مسلم" (٥/١٦٩) .
وينبغي أن يُعلم أن المفاضلة بين الصلاة في مسجد ومسجد، تدخل فيها أمور أخرى غير كثرة العدد وكثرة الخطى، كالتزام الإمام والمأمومين بالسنة، وحرصهم على إقامة الصلاة كما أمر الله تعالى، من الخشوع والطمأنينة وتسوية الصفوف وغير ذلك مما يتمم الصلاة ويكملها. وقد يكون في بعض المساجد حلقات للتعليم أو تحفيظ كتاب الله تعالى، فينبغي أن يكون للإنسان حظ من ذلك، وألا يفرط فيه ولو كان المسجد أقل عددا.
والفقه أن يوازن الإنسان بين مراتب الأعمال، وأن يعرف الفاضل من المفضول، وأن يجتهد في تحصيل الأجر والثواب ما أمكنه.
ثانيا:
جاء في فضل الصف الأول أحاديث، منها ما رواه البخاري (٦١٥) ومسلم (٤٣٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا) .
ومعنى (استهموا) : أي اقترعوا، ويدل عليه رواية مسلم (٤٣٩) : (لَوْ تَعْلَمُونَ أَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لَكَانَتْ قُرْعَةً) .
وروى أبو داود (٦٦٤) والنسائي (٨١١) عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَلَّلُ الصُّفُوفَ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ، يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا وَصُدُورَنَا، وَيَقُولُ: (لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ) وَكَانَ يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الْمُتَقَدِّمَةِ) . صححه الألباني في صحيح النسائي.
ورواه ابن ماجه (٩٩٧) بلفظ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ) .
والصف الأول: المراد به ما يلي الإمام مطلقا، سواء تخلله شيء كمقصورة أو لا. وقيل: هو أول صف تام يلي الإمام، وقيل: المراد به من سبق إلى الصلاة ولو صلى آخر الصفوف.
قال النووي ﵀: " القول الأول هو الصحيح المختار، وبه صرح المحققون، والقولان الآخران غلط صريح " انتهى نقلا عن "فتح الباري" (٢/٢٤٤) .
ولا فرق بين أن يكون في المسجد صف واحد أو صفوف، فما يلي الإمام هو الصف الأول، الموعود أهله بذلك الفضل، إن شاء الله، لعموم الأحاديث.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3352
حكم حجز المكان في الصف الأول والابتعاد عنه فترة طويلة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز الاعتكاف في المسجد النبوي في الصف الأول وحجز المكان عند الذهاب للنوم في مؤخرة المسجد ثم العودة للمكان في الصف الأول؟ وهل يجوز النوم في الصف الأول حين لا يكون وقت صلاة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجوز لمن كان بالمسجد أن يضع سجادة ونحوها مكانه، وينام في آخر المسجد، ثم يعود إلى مكانه، ولو كان ذلك في الصف الأول، ما لم تُقَم الصلاة، فإن أقيمت الصلاة ولم يحضر فلا حق له في المكان، وترفع سجادته.
وكذلك لو خرج من المسجد لعذر، كذهابه للوضوء، ثم عاد فهو أحق بمكانه. وإذا انتهى عذره ثم تهاون في الرجوع وتأخر، فلا حق له.
ودليل هذه المسألة ما رواه مسلم (٢١٧٩) عن أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) .
قال ابن قدامة في "المغني" (٢/١٠١) :
" إٍذا جلس في مكان , ثم بدت له حاجة , أو احتاج إلى الوضوء , فله الخروج. . . . فإذا قام من مجلسه , ثم رجع إليه فهو أحق به , لقول النبي ﷺ : (مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) " انتهى باختصار.
وقال في "مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى " (١/٧٨٦) :
" والعائد قريبا من قيامه لعارضٍ لَحِقَه كتطهرٍ أحق بمكانه الذي كان سبق إليه من كل أحد. فلو جلس فيه أحد , فله إقامته. . . وقيده في "الوجيز" بما إذا عاد ولم يتشاغل بغيره " انتهى باختصار.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع (٥/١٣٥) : وهو يقرر تحريم حجز المكان في المسجد والخروج منه ـ قال:
" والصحيح في هذه المسألة أن الحجز والخروج من المسجد لا يجوز، وأن للإنسان أن يرفع المصلَّى المفروش؛ لأن القاعدة: (ما كان وضعه بغير حق فرفعه حق) ، لكن لو خيفت المفسدة برفعه من عداوة أو بغضاء، أو ما أشبه ذلك، فلا يُرفع، لأن درأ المفاسد أولى من جلب المصالح، وإذا علم الله من نيتك أنه لولا هذا المصلى المفروش لكنت في مكانه، فإن الله قد يثيبك ثواب المتقدمين؛ لأنك إنما تركت هذا المكان المتقدم من أجل العذر.
وقوله: "ما لم تحضر الصلاة" أي: فإن حضرت الصلاة بإقامتها فلنا رفعه؛ لأنه في هذه الحال لا حرمة له، ولأننا لو أبقيناه لكان في الصف فرجة، وهذا خلاف السنة.
ويستثنى من القول الراجح من تحريم وضع المصلَّى؛ ما إذا كان الإنسان في المسجد، فله أن يضع مصلَّى بالصف الأول، أو أي شيء يدل على الحجز، ثم يذهب في أطراف المسجد لينام، أو لأجل أن يقرأ قرآناً، أو يراجع كتاباً، فهنا له الحق؛ لأنه ما زال في المسجد، لكن إذا اتصلت الصفوف لزمه الرجوع إلى مكانه؛ لئلا يتخطى رقاب الناس.
وكذلك يستثنى أيضاً ما ذكره المؤلف:
بقوله: "ومن قام من موضعه لعارِضٍ لَحِقَه، ثم عاد إليه قريباً فهو أحق به"، فإذا حجز الإنسان المكان، وخرج من المسجد لعارض لحقه، ثم عاد إليه فهو أحق به، والعارض الذي يلحقه مثل أن يحتاج للوضوء، أو أصيب بأي شيء اضطره إلى الخروج، فإنه يخرج، وإذا عاد فهو أحق به.
ولكن المؤلف اشترط فقال: "ثم عاد إليه قريباً" فظاهر كلام المؤلف أنه لو تأخر طويلاً فليس أحق به، فلغيره أن يجلس فيه.
وقال بعض العلماء: بل هو أحق، ولو عاد بعد مدة طويلة إذا كان العذر باقياً، وهذا القول أصح؛ لأن استمرار العذر كابتدائه، فإنه إذا جاز أن يخرج من المسجد، ويُبقي المصلَّى إذا حصل له عذر، فكذلك إذا استمر به العذر، لكن من المعلوم أنه لو أقيمت الصلاة، ولم يزل غائباً فإنه يرفع.
قال في "الروض": (ولم يقيده الأكثر بالعود قريباً) أي: أكثر أصحاب الإمام أحمد لم يقيدوه بالعود قريباً، كما هو ظاهر الحديث.
ولكن الذي ذكرناه قول وسط، وهو: أنه إذا عاد بعد مدة طويلة بناء على استمرار العذر فهو أحق به، أما إن انتهى العذر، ولكنه تهاون وتأخر، فلا يكون أحق به ". انتهى باختصار
انتهى من "الشرح الممتع" (٥/١٣٥) .
ولا حرج على المعتكف وغيره لو نام في الصف الأول، فيما بين الصلوات، ما لم يكن في ذلك أذى أو تضييق على غيره، فالأولى حينئذ أن يتنحى عن الصفوف الأولى.
والأحسن أن يتجنب النوم في الصفوف الأولى مرعاةً للناس، فإنهم يستهجنون هذا الفعل، ويستقبحونه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3353
حكم مد المصلين أرجلهم باتجاه المصاحف
[السُّؤَالُ]
ـ[يقوم بعض المصلين بمد أرجلهم بعد الصلاة لإراحتها، ولكن غالبا يكون أمامهم مصاحف، وكنت قد سمعت فتوى لابن تيمية بهذا الخصوص، ولكن لا أتذكرها. هلا أسعفتمونا بها وذكرتم حكم هذا العمل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" أجمع العلماء على وجوب صيانة المصحف واحترامه " "المجموع" للنووي (٢/٨٤) .
ومد الرجل إلى المصحف فيه نوع من إساءة الأدب.
لذلك ذهب جماعة من العلماء إلى كراهة هذا الفعل، ومنهم من ذهب إلى تحريمه.
قال في "البحر الرائق" (٢/٣٦) – وهو من كتب المذهب الحنفي -:
" يكره أن يمد رجليه في النوم وغيره إلى المصحف أو كتب الفقه إلا أن تكون على مكان مرتفع عن المحاذاة " انتهى باختصار.
وقال في "الإقناع" (١/٦٢) – وهو من كتب المذهب الحنبلي -
" ويكره مد الرجلين إلى جهته (أي: المصحف) وفي معناه: استدباره وتخطيه " انتهى.
وقال ابن مفلح في "الأداب الشرعية" (٢/٢٨٥) :
" ويكره توسد المصحف. . . واختار ابن حمدان التحريم وقطع به في المغني , وكذا سائر كتب العلم إن كان فيها قرآن، وإلا كره فقط. ويقرب من ذلك: مد الرجلين إلى شيء من ذلك. وقال الحنفية: يكره، لما فيه من أسماء الله تعالى، وإساءة الأدب " انتهى باختصار.
وذهب بعض الشافعية أيضاً إلى التحريم، كما في "تحفة المحتاج" (١/١٥٥) .
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: توضع المصاحف في المساجد على حوامل، فبعض الناس يجلس ويمد رجليه، وقد تصادف أن تكون إلى جهة هذه الحوامل، وتكون قريبة منها، أو تحتها، فإذا كان الجالس لا يقصد إهانة المصحف، فهل يلزمه كف رجليه عن هذه المصاحف؟ أو يغير مكان المصاحف؟ وهل ننكر على من فعل ذلك؟
فأجاب:
" لا شك أن تعظيم كتاب الله من كمال الإيمان، وكمال تعظيم الإنسان لربه ﵎. ومد الرجل إلى المصحف أو إلى الحوامل التي فيها المصاحف أو الجلوس على كرسي أو ماصة (طاولة) تحتها مصحف ينافي كمال التعظيم لكلام الله ، ولهذا قال أهل العلم: إنه يكره للإنسان أن يمد رجله إلى المصحف؛ هذا مع سلامة النية والقصد، أما لو أراد الإنسان إهانة كلام الله فإنه كفر؛ لأن القرآن الكريم كلام الله تعالى.
وإذا رأيتم أحداً قد مد رجليه إلى المصحف سواء كان على حامل أو على الأرض، أو رأيتم أحداً جالساً على شيء وتحته مصحف فأزيلوا المصحف عن أمام رجليه، أو عن الكرسي الذي هو جالس عليه، أو قولوا له: لا تمد رجليك إلى المصحف، احترم كلام الله .
والدليل: ما ذكرتُه من أن ذلك ينافي كمال التعظيم لكلام الله، ولهذا لو أن رجلا محترماً عندك أمامك ما استطعت أن تمد رجليك إليه تعظيماً له، فكتاب الله أولى بالتعظيم " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" المجلد الثالث.
وأما عن فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك، فقد بحثنا عنها ولم نجدها.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3354
وجود قبر النبي ﷺ في مسجده مع النهي عن اتخاذ القبور مساجد
[السُّؤَالُ]
ـ[الحديث الشريف: (لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ... الخ) . فما القول في أن قبر الرسول ﵊ موجود داخل مسجده بالمدينة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قد تكلم العلماء قديماً وحديثاً في هذه المسألة، وردوا على من استدل بوجود قبر النبي ﷺ في مسجده على جواز اتخاذ القبور مساجد، أو إدخال القبور في المساجد، وسنذكر هاهنا فتاوى لبعض علمائنا المحققين، وفيها تفصيل ما في السؤال من إشكال.
١. قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
" هنا شبهة يشبه بها عُبَّاد القبور، وهي: وجود قبر النبي ﷺ في مسجده، والجواب عن ذلك: أن الصحابة ﵃ لم يدفنوه في مسجده، وإنما دفنوه في بيت عائشة ﵂، فلما وَسَّعَ الوليد بن عبد الملك مسجد النبي ﷺ في آخر القرن الأول أدخل الحجرة في المسجد، وقد أساء في ذلك، وأنكر عليه بعض أهل العلم، ولكنه اعتقد أن ذلك لا بأس به من أجل التوسعة.
فلا يجوز لمسلم أن يحتج بذلك على بناء المساجد على القبور، أو الدفن في المساجد؛ لأن ذلك مخالف للأحاديث الصحيحة؛ ولأن ذلك أيضا من وسائل الشرك بأصحاب القبور " انتهى. "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (٥/٣٨٨، ٣٨٩) .
٢. سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ عن حكم الصلاة في مسجد فيه قبر؟
فأجاب:
" الصلاة في مسجد فيه قبر على نوعين:
الأول: أن يكون القبر سابقاً على المسجد، بحيث يبنى المسجد على القبر، فالواجب هجر هذا المسجد وعدم الصلاة فيه، وعلى من بناه أن يهدمه، فإن لم يفعل وجب على ولي أمر المسلمين أن يهدمه.
والنوع الثاني: أن يكون المسجد سابقاً على القبر، بحيث يدفن الميت فيه بعد بناء المسجد، فالواجب نبش القبر، وإخراج الميت منه، ودفنه مع الناس.
وأما المسجد فتجوز الصلاة فيه بشرط أن لا يكون القبر أمام المصلي، لأن النبي ﷺ نهى عن الصلاة إلى القبور.
أما قبر النبي ﷺ الذي شمله المسجد النبوي فمن المعلوم أن مسجد النبي ﷺ بُنِيَ قبل موته فلم يُبْنَ على القبر، ومن المعلوم أيضاً أن النبي ﷺ لم يدفن فيه، وإنما دفن في بيته المنفصل عن المسجد، وفي عهد الوليد بن عبد الملك كتب إلى أميره على المدينة وهو عمر بن عبد العزيز في سنة ٨٨ من الهجرة أن يهدم المسجد النبوي ويضيف إليه حجر زوجات النبي ﷺ ، فجمع عمر وجوه الناس والفقهاء وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين الوليد فشق عليهم ذلك، وقالوا: تَرْكُها على حالها أدعى للعبرة، ويحكى أن سعيد بن المسيب أنكر إدخال حجرة عائشة، كأنه خشي أن يتخذ القبر مسجداً فكتب عمر بذلك إلى الوليد فأرسل الوليد إليه يأمره بالتنفيذ فلم يكن لعمر بُدٌّ من ذلك، فأنت ترى أن قبر النبي ﷺ لم يوضع في المسجد، ولم يُبْنَ عليه المسجد، فلا حجة فيه لمحتج على الدفن في المساجد أو بنائها على القبور، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "، قال ذلك وهو في سياق الموت تحذيراً لأمته مما صنع هؤلاء، ولما ذكرت له أم سلمة ﵂ كنيسة رأتها في أرض الحبشة وما فيها من الصور قال: " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً، أولئك شرار الخلق عند الله "، وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إن مِن شرار الناس مَن تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون من القبور مساجد " أخرجه الإمام أحمد بسند جيد.
والمؤمن لا يرضى أن يسلك مسلك اليهود والنصارى، ولا أن يكون من شرار الخلق. "مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (١٢/السؤال رقم ٢٩٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3355
هل يجوز عمل مصلى تكون فيه النساء أمام الإمام ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم عمل مكان مخصص لصلاة النساء (التراويح) أمام المسجد (أي: سيكون المصلى مقدماً على الإمام يفصل بينهم جدار المسجد) وليس هناك مكان آخر لصلاة النساء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الأفضل للمرأة أن تصلي في بيتها، فعن أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهَا جَاءَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ الصَّلاةَ مَعَكَ. قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلاةَ مَعِي، وَصَلاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاتِكِ فِي مَسْجِدِي. قَالَ: فَأَمَرَتْ فَبُنِيَ لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصَى شَيْءٍ مِنْ بَيْتِهَا وَأَظْلَمِهِ، فَكَانَتْ تُصَلِّي فِيهِ حَتَّى لَقِيَتْ اللَّهَ .
رواه أحمد (٢٦٥٥٠) وصححه ابن خزيمة (١٦٨٩) ، وحسَّنه الشيخ الألباني في "صحيح الترغيب" (٣٤٠) .
قال عبد العظيم آبادي ﵀:
ووجه كون صلاتهن في البيوت أفضل للأمن من الفتنة، ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة.
"عون المعبود" (٢/١٩٣) .
ومع ذلك: فإذا أرادت المرأة أن تذهب إلى المسجد للصلاة فلا يجوز لأحد منعها إذا التزمت بالشروط الشرعية لخروجها، لقول الرسول ﷺ : (لا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا) رواه البخاري (٨٦٥) ومسلم (٤٤٢) .
وانظر السؤال (٩٢٣٢) .
ثانياً:
الأصل في صلاة الجماعة أن يكون المأموم خلف إمامه، وقد اختلف العلماء في حكم من صلَّى أَمام إمامه على أقوال، أصحها: الجواز للعذر.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
هل تجزئ الصلاة قدام الإمام أو خلفه في المسجد وبينهما حائل أم لا؟
فأجاب:
" أما صلاة المأموم قدَّام الإمام: ففيها ثلاثة أقوال للعلماء:
أحدها: أنها تصح مطلقا , وإن قيل: إنها تكره , وهذا القول هو المشهور من مذهب مالك , والقول القديم للشافعي.
والثاني: أنها لا تصح مطلقا , كمذهب أبي حنيفة , والشافعي , وأحمد في المشهور من مذهبهما.
والثالث: أنها تصح مع العذر دون غيره، مثل ما إذا كان زحمة فلم يمكنه أن يصلي الجمعة أو الجنازة إلا قدام الإمام , فتكون صلاته قدام الإمام خيراً له من تركه للصلاة.
وهذا قول طائفة من العلماء , وهو قولٌ في مذهب أحمد وغيره، وهو أعدل الأقوال وأرجحها؛ وذلك لأن ترك التقدم على الإمام غايته أن يكون واجبا من واجبات الصلاة في الجماعة , والواجبات كلها تسقط بالعذر، وإن كانت واجبة في أصل الصلاة , فالواجب في الجماعة أولى بالسقوط ; ولهذا يسقط عن المصلي ما يعجز عنه من القيام , والقراءة , واللباس , والطهارة , وغير ذلك.
وأما الجماعة فإنه يجلس في الأوتار لمتابعة الإمام (يعني يجلس بعد الركعة الأولى والثالثة، وهذا فيمن دخل الصلاة متأخراً ركعة) , ولو فعل ذلك منفردا عمدا بطلت صلاته , وإن أدركه ساجدا أو قاعدا كبر وسجد معه , وقعد معه ; لأجل المتابعة، مع أنه لا يعتد له بذلك , ويسجد لسهو الإمام , وإن كان هو لم يسه.
وأيضاً: ففي صلاة الخوف لا يستقبل القبلة , ويعمل العمل الكثير ويفارق الإمام قبل السلام , ويقضي الركعة الأولى قبل سلام الإمام , وغير ذلك مما يفعله لأجل الجماعة , ولو فعله لغير عذر بطلت صلاته ... .
والمقصود هنا: أن الجماعة تفعل بحسب الإمكان , فإذا كان المأموم لا يمكنه الائتمام بإمامه إلا قدامه كان غاية [ما] في هذا أنه قد ترك الموقف لأجل الجماعة , وهذا أخف من غيره , ومثل هذا أنه منهي عن الصلاة خلف الصف وحده , فلو لم يجد من يصافه ولم يجذب أحدا يصلي معه صلى وحده خلف الصف , ولم يَدَعْ الجماعة , كما أن المرأة إذا لم تجد امرأة تصافها فإنها تقف وحدها خلف الصف , باتفاق الأئمة، وهو إنما أُمِرَ بالمصافة مع الإمكان لا عند العجز عن المصافة.
" الفتاوى الكبرى " (٢ / ٣٣١ – ٣٣٣) .
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يجوز تقدم المأموم على الإمام؟
فأجاب:
" الصحيح أن تقدم الإمام واجب، وأنه لا يجوز أن يتقدم المأموم على إمامه، لأن معنى كلمة " إمام " أن يكون إماماً، يعني يكون قدوة، ويكون مكانه قدام المأمومين، فلا يجوز أن يصلي المأموم قدام إمامه، وقد كان النبي ﷺ يصلي قدام الصحابة ﵃، وعلى هذا فالذين يصلون قدام الإمام ليس لهم صلاة، ويجب عليهم أن يعيدوا صلاتهم إلا أن بعض أهل العلم استثنى من ذلك ما دعت الضرورة إليه مثل أن يكون المسجد ضيقاً، وما حواليه لا يسع الناس فيصلي الناس عن اليمين واليسار والأمام والخلف لأجل الضرورة " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٣/٤٤) .
وعلى هذا؛ فإكم تجتهدون في جعل مكان النساء خلف الإمام، فإن لم يوجد مكان، ولم يمكن إلا قدام الإمام، فلا حرج فيه إن شاء الله تعالى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3356
هل أجر ترميم المساجد مثل أجر بنائها
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم ترميم المساجد وهل أجر الترميم مثل أجر البناء؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عرض هذا السؤال على الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ فقال:
ترميم المساجد على ثلاثة أقسام:
الأول: ترميم كمالي، لا حاجة إليه فهذا أخشى أن يكون المرمم إلى الإثم أقرب منه إلى السلامة؛ لأنه إذا كان لا حاجة إليه وإنما المقصود منه تجميل المسجد صار فيه إضاعة للمال بلا فائدة والمال الذي تنفقه على هذا الترميم أنفقه في مساجد أُخرى ينتفع الناس بها.
الثاني: ترميم دعت الحاجة إليه دون الضرورة، مثل أن يكون البلاط قد تقشع، أو التلييس قد تقشع ولكن المسجد قائم فهذا يُؤجر عليه الإنسان؛ لأن فيه تنظيفاً للمسجد وقد أمر النبي ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتُطيب.
الثالث: ترميم دعت إليه الضرورة كتصدع الجدران في مساجد الطين، وتصدع الجسور في مساجد المسلح، وما أشبه ذلك فهذا يُعطى حكم بنائها لأن ترميمها ضروري.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد بن عثيمين ﵀.
стр. 3357
هل يجوز إعارة الكتب التي بالمساجد ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[الكتب الموجودة في مكتبات المساجد، هل يجوز إعارتها، التصرف بها، من يستعملها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الوقف من الصدقات الجارية التي يؤجر عليها أصحابها، وهو مما يلحق المؤمن أجره في قبره.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علَّمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورَّثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته) رواه ابن ماجه (٢٤٢) ، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب" (٧٧) .
ثانياً:
وأما إعارة هذه الكتب , فيرجع الأمر في ذلك إلى ما اشترطه الواقف لها (صاحبها المتبرع بها) إن كان أَذِنَ بإعارتها لمن يستفيد منها ثم يعيدها , أو لم يشترط ذلك لكن جرى العرف بإعارة الكتب الموقوفة على المساجد , ففي هاتين الحالتين لا بأس بإعارتها.
وعلى المسئول عنها أن يوثِّق هذه الاستعارة بكتابة اسم المستعير وتحديد تاريخ الاستعارة وإرجاع الكتاب.
ويجب على من استعار كتاباً أن يحافظ عليه من التمزيق والإساءة والكتابة عليه، ويجب الالتزام بتاريخ الإرجاع ليعطي الفرصة لغيره بأن يستفيد منه، فيزداد أجر الواقف له.
أما إذا اشترط عدم إعارتها , أو لم يشترط شيئاً , ولم يكن العرف المعمول به إعارتها , فلا يجوز إعارتها لأحد , ومن أراد الاستفادة منها قرأها في المسجد.
ثالثاً:
وأما التصرف بها فالواجب على المسئول عنها (ناظر الوقف) أن يعمل بما اشترطه الواقف لها , من حيث إعارتها أو عدم إعارتها , وغير ذلك من الشروط.
ولا يجوز له أن يمكن منها أطفالاً صغاراً أو من عُرِفَ بالإهمال وعدم المحافظة عليها , لأن ذلك تضييع للأمانة المسئول عنها.
وانظر تفصيلاً نافعاً في أحكام الوقف جواب السؤال رقم: (١٣٧٢٠) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3358
نبشت قبور مقبرة وبني مكانها مسجد فهل تجوز الصلاة فيه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أحد المساجد في مدينتنا وهو أكبرها ثبت أنه كان قد بني مكان مقبرة بعد نبش القبور وتحويلها إلى مكان آخر. المشكلة أن هناك من يقول إنه لم تتم إزالة جميع القبور أو جميع الرفات حيث جيء بجرافة لتسوية المكان بعد إزالة القبور الظاهرة وكلما وجدوا قبراً أزالوه , فما حكم الصلاة فيه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يجب على المسلمين احترام قبور أمواتهم، ولا يحل نبش قبورهم لغير ضرورة، فإن كانت هناك ضرورة فيجب عليهم دفن كل ميت في قبر جديد.
وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
أسكن في قرية على حافة جبل وبجوارنا من الجهة اليمانية جبل مرتفع ومن الجهة الغربية حافة جبل، ومن الجهة الشرقية كذلك ومدرجات زراعية تحيط بنا، وعندي قطعة أرض بجوار مقبرة فعزمت على أن أبني لي بيتاً لأن بيت والدي أصبح لا يسعنا، وبعد أن حفرت في نفس الأرض وطرحنا حجر الأساس للبيت، وجدنا قبوراً، فقمنا بإخراج العظم ونقلها إلى محل آخر حيث يوجد عندنا في القرية خندق تحت جبل يوجد فيه رؤوس وأيادي وأرجل وأجزاء من أجسام بني آدم وضعت من قديم الزمان، ولا ندري هل عملنا هذا مشروع أم لا؟ أفيدونا أفادكم الله.
فأجاب:
"هذا العمل لا يجوز، فما دامت الأرض فيها قبور: فالواجب تركها، فهي تبع المقبرة ما دامت المقبرة بجوار الأرض المذكورة، فالواجب أن لا يتعرض لها، ولا ينبش القبور، وإذا حفر ووجد القبور يتركها، ولا يجوز للناس أن ينبشوا القبور، ويضعوا بيوتهم في محل القبور، فهذا تعد على محل الموتى وظلم للموتى لا يجوز.
قد يجوز بعض الأشياء إذا دعت الضرورة إليها مثل إذا دعت الحاجة إلى شارع ينفع المسلمين، واعترضه شيء من القبور، ولا حيلة في صرف الشارع، فقد يجوز أخذ بعض المقبرة ونقل الرفات إلى محل آخر إذا كانت الضرورة دعت إلى توسعة هذا الشارع للمسلمين، ولا حيلة في صرفه عن المقبرة، أما أن يأخذ الناس من المقبرة لتوسعة بيوتهم فهذا لا يجوز" انتهى.
" فتاوى نور على الدرب " (السؤال ١١٩) .
ثانياً:
فإن نبشت قبور الكفار – أو تُعدي على قبور المسلمين فنُبشت – جاز بناء المسجد مكان تلك القبور، فإن بقي من القبور شيء فلا يجوز بناء المسجد عليها، وقد ثبتت الأحاديث في النهي عن بناء المساجد على القبور في الصحيحين وغيرهما، وقد بنى النبي ﷺ مسجده في المدينة بعد أن نبش قبور الكفار.
فإذا بني المسجد فوق قبور المسلمين: لم تجز الصلاة فيه، ويجب هدم المسجد لأن القبور سابقة عليه، فإن كانت القبور في زاوية المسجد وبني جدار فاصل بين المسجد وتلك القبور: جاز ذلك الفعل وصحت الصلاة فيه، وهذه فتاوى العلماء في هذه المسألة:
سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
توجد وسط مدينتنا مقبرة قديمة أزالت البلدية أنقاضها وأقامت مكانها حيّاً سكنيّاً ومباني لذوي الدخل المحدود وبقيت منها مساحة كبيرة أقام عليها أهل البر والإحسان مسجداً ليصلي فيه سكان الحي، وبعد بناء المسجد وقع خلاف بين أهل البلد حول جواز الصلاة في هذا المسجد أو عدم جوازها وانقسموا بين مؤيد ومعارض، ما حكم هذا المسجد؟ وهل يجب هدمه أم الإبقاء عليه؟ هل الصلاة في هذا المسجد صحيحة أم لا؟ .
فأجابوا:
"الأرض التي بني عليها مسجد إذا كانت خالية من القبور صحت الصلاة فيها، وإلا فيجب هدم المسجد الذي بني عليها" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١ / ٤١٨، ٤١٩) .
وسئل علماء اللجنة الدائمة – أيضاً -:
إن مسجدنا ببلدة " بايانج بمنطقة لاناودل سور " قد تم إنشاؤه بعد زلزال مدمر ضرب المنطقة عام ١٩٥٥م، حيث تحطمت جدرانه وأساساته، وقد قرر المسئولون وزعماء البلدة تعميره واتفقوا على تسوية الأرض الواقعة على الجانب الشرقي من المسجد المذكور علما بأن هذه المساحة من الأرض كانت تستخدم في السابق مقبرة لدفن الموتى، وعند تسوية هذه الأرض بواسطة الآليات الحديثة (البلدوزرات) فقد تم العثور على عدد كبير من عظام رفات الأموات حيث تمت إعادة دفنها ونقل بعض منها إلى الجزء الغربي من المسجد ولكن بداخل سور نفس المسجد الحالي.
١- فهل من الجائز إقامة صلاة الجمعة والجماعة بداخل هذا المسجد؟ .
٢- إذا كان الجواب بالنفي: فهل من الممكن معالجة الأمر بإقامة حاجز أو حائط فاصل داخل الجانب الغربي لهذا المسجد حيث تم نقل عظام رفات الموتى.
فأجابوا:
"إذا كان المسجد الحالي لم يعمر على أرض فيها قبور: فالواجب نبش القبور التي وضعت في جهته الغربية ونقل رفاتها إلى أرض المقابر، وإن كانت من المسلمين: فتنتقل إلى قبور المسلمين، وإن كانت قبور كفار: نقلت إلى مقابر الكفار، على أن يوضع رفات كل ميت مسلم في حفرة واحدة يسوى ظاهرها كبقية القبور حتى لا يمتهن، فإن تعذر نقل الرفات من غربي المسجد: فلا مانع من فصلها بجدار يفصلها عن بقية المسجد.
أما إن كانت أصل أرض المسجد فيها قبور: فالواجب التماس أرض أخرى سليمة يقع عليها المسجد، وتبقى أرض المسجد الأولى مقبرة كأصلها" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١ / ٤١٩ – ٤٢١) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
"وإذا كان في المسجد قبر: وجب أن ينبش وينقل ما فيه من عظام - إن وجدت - إلى مقبرة البلد فيحفر لها وتدفن في المقبرة؛ لأنه لا يجوز شرعاً وضع قبور في المساجد ولا بناء المساجد عليها؛ لأن ذلك من وسائل الشرك والفتنة بالمقبور، كما قد وقع ذلك في أكثر بلاد المسلمين من أزمان طويلة بأسباب الغلو في أصحاب القبور، وقد ثبت أن النبي ﷺ أمر بنبش القبور التي كانت في محل مسجده ﵊ ...
فهذه الأحاديث وما جاء في معناها كلها تدل على تحريم البناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها، والصلاة فيها وإليها وتجصيصها ونحو ذلك من أسباب الشرك بأربابها ...
وذكر أهل العلم أن القبر إذا وضع في مسجد وجب نبشه وإبعاده عن المسجد، وإن كان المسجد هو الذي حدث أخيرا بعد وجود القبر وجب هدم المسجد وإزالته؛ لأنه هو الذي حصل ببنائه المنكر؛ لأن الرسول ﷺ حذر من بناء المساجد على القبور ولعن اليهود والنصارى على ذلك، ونهى أمته عن مشابهتهم، وقال لعلي ﵁: (لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبراً مشرفاً إلا سوَّيته) " انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٦ / ٣٣٧، ٣٣٨) .
وعلى هذا فينظر في المكان الذي بني عليه المسجد، إن كان تحت أرضية المسجد قبور، فلا تجوز الصلاة فيه، وإن لم يكن تحته قبور جازت الصلاة فيه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3359
الاستماع إلى برنامج نور على الدرب في المسجد
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يصح أن نستمع إلى برنامج (نور على الدرب) في المسجد بدلاً من الاستماع إلى أحاديث بعض المصلين الفارغة، ومنعاً للأحاديث الدنيوية في المساجد؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
في الاستماع إلى هذا البرنامج خير عظيم، وفيه مصالح جمة، وقد يسر الله للمسلمين هذا البرنامج؛ ليستفيدوا منه فهو بمثابة حلقات علمية يستفيد منها الرجال والنساء، وهم في بيوتهم ومجالسهم، وعلى أسرتهم، فهو من نعم الله العظيمة، ومن حجة الله القائمة على الناس يصل إليهم في بيوتهم وفي سياراتهم وفي طائراتهم وفي كل مكان.
فأنا أوصي وأنصح كل مسلم وكل مسلمة أن يستفيد من هذا البرنامج، وأن يسأل عما أشكل عليه من طريق هذا البرنامج.
ولا بأس بفتح الراديو في المسجد لسماع هذا البرنامج، ولسماع العلم من غير هذا البرنامج في الأوقات المناسبة التي يتفق الجماعة عليها، فإذا جاءت أصوات الموسيقى أو شيء لا يرتضى وجب قفله.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٨ ص/٣٦٥.
стр. 3360
حكم شرب الدخان وإتيان المسجد
[السُّؤَالُ]
ـ[ورد في الحديث الصحيح النهي عن قرب المسجد لمن أكل ثوما أو بصلا أو كراثا. فهل يلحق بذلك ما له رائحة كريهة وهو محرم كالدخان؟ وهل معنى ذلك أن من تناول هذه الأشياء معذور بالتخلف عن الجماعة بحيث لا يأثم بتخلفه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ثبت عن رسول الله صلى الله عيه وسلم أنه قال: (من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مسجدنا وليصل في بيته) وثبت عنه صلى الله عيه وسلم أنه قال: (إن الملائكة لتتأذى مما يتأذى منه بنو الإنسان) وكل ما له رائحة كريهة حكمه كحكم الثوم والبصل، كشارب الدخان ومن له رائحة كريهة في إبطه أو غيرهما مما يؤذي جليسه. فإنه يكره له أن يصلي مع الجماعة. وينهى عن ذلك حتى يستعمل ما يزيل هذه الرائحة ويجب عليه أن يفعل ذلك مع الاستطاعة حتى يؤدي ما أوجب الله عليه من الصلاة في الجماعة، أما التدخين فهو محرم مطلقاً ويجب عليه تركه في جميع الأوقات لما فيه من المضار الكثيرة في الدين والبدن والمال.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز يرحمه الله.
стр. 3361
خلاف في المسجد حول تطويل الصلاة وتقصيرها
[السُّؤَالُ]
ـ[لدينا مسجد في المركز الإسلامي، وقد وقع خلاف بين المصلين حول تطويل الصلاة وتقصيرها، أرجو إفادتي بما جاء في الشرع حول هذا الموضوع؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (صلى معاذ بأصحابه العشاء فطوّل عليهم , فقال النبي ﷺ : أتريد أن تكون يا معاذ فتاناً، إذا أممت الناس فاقرأ بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، واقرأ باسم ربك، والليل إذا يغشى) متفق عليه، واللفظ لمسلم.
قال الحافظ: من سلك طريق النبي ﷺ في الإيجاز والإتمام لا يُشتكى منه تطويل، وصفة صلاة النبي ﷺ معلومة، وعليه فالتخفيف المأمور به أمر نسبي يرجع إلى ما فعله ﷺ وواظب عليه وأمر به، لا إلى شهوة المأمومين، ففي الصحيحين عن أنس قال: (ما صليت خلف إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي ﷺ
قال في المبدع: وقد حزروا صلاته ﷺ فكان سجوده قدر ما يقول سبحان ربي الأعلى عشر مرات وركوعه كذلك، وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي.
قال شيخ الإسلام: ليس له أن يزيد على قدر المشروع، وينبغي أن يفعل غالباً ما كان النبي ﷺ يفعله غالباً، ويزيد وينقص للمصلحة كما كان النبي ﷺ يزيد للمصلحة.
قال ابن عبد البر: التخفيف للأئمة أمر مجمع عليه لا خلاف في استحبابه على ما اشترط من الإتمام.
وقد دل حديث جابر السابق على أن القراءة بهذا السور المذكورة وأمثالها في القدر من الوسط في الصلاة، والمشروع أن يكون الركوع والسجود مناسباً للقراءة. والله أعلم
من كتاب توضيح الأحكام من بلوغ المرام لـ عبد الله بن عبد الرحمن البسام ص ٢٥٣.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 3362
هل يمنع المتسولين في المسجد ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض المتسولين يسألون الناس في المساجد، وبعض الأئمة يمنعونهم من السؤال، فهل لديهم دليل على منعهم، وهل يجوز إعطاؤهم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" لا أعلم بأسا في ذلك، ولا أعلم حجة لمن منعه، لكن إذا كان السائلون يتخطون رقاب الناس، ويمشون بين الصفوف، فينبغي منعهم؛ لما في عملهم هذا من إيذاء المصلين، وهكذا وقت خطبة الجمعة، يجب أن يمنعوا لوجوب الإنصات عليهم وعلى غيرهم من المصلين، ولأن سؤالهم في هذه الحال يشغل غيرهم عن استماع الخطبة " انتهى.
[الْمَصْدَرُ]
" فتاوى ابن باز " (١٤/٣٢٠) .
стр. 3363
حكم الاقتداء بالإمام من خارج المسجد أو الصلاة خلف المذياع
[السُّؤَالُ]
ـ[شاهدنا في شهر رمضان عبر التلفاز أن بعض الأشخاص يصلون التراويح مع إمام الحرم وهم في مساكنهم المجاور للحرم، فما حكم ذلك؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من أراد أن يصلي في مسجد جماعة فلا بد أن يسعى إلى المسجد، فإذا اقتدى بالإمام من بيته فلا جماعة له، ولو كان يرى الإمام أو المأمومين، وقد فصَّل الشيخ ابن عثيمين – ﵀ – في هذه المسألة تفصيلاً حسناً.
قال الشيخ ابن عثيمين – ﵀ – في شرحه كتاب زاد المستقنع:
قوله: " وكذا خارجه إن رأى الإِمام أو المأمومين ".
أي: وكذا يصحُّ اقتداءُ المأمومِ بالإِمامِ إذا كان خارجَ المسجدِ بشرطِ أنْ يَرى الإِمامَ أو المأمومين، وظاهرُ كلام المؤلِّفِ: أنَّه لا يُشترط اتِّصالُ الصُّفوفِ، فلو فُرِضَ أنَّ شخصاً جاراً للمسجد، ويرى الإِمامَ أو المأمومين مِن شُبَّاكه، وصَلَّى في بيتِه، ومعه أحدٌ يزيل فَذِّيَّتَه (أي يخرجه من كونه منفرداً) فإنه يَصِحُّ اقتداؤه بهذا الإِمامِ؛ لأنه يسمعُ التكبيرَ ويرى الإِمامَ أو المأمومين.
وظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ: أنَّه لا بُدَّ أن يرى الإِمامَ أو المأمومين في جميع الصَّلاةِ؛ لئلا يفوته الاقتداءُ، والمذهبُ: يكفي أنْ يراهم ولو في بعضِ الصَّلاةِ.
إذاً؛ إذا كان خارجَ المسجدِ فيُشترطُ لذلك شرطان:
الشرطُ الأول: سماعُ التكبيرِ.
الشرطُ الثاني: رؤيةُ الإِمامِ أو المأمومين، إما في كُلِّ الصَّلاةِ على ظاهرِ كلامِ المؤلِّفِ، أو في بعضِ الصَّلاةِ على المذهبِ.
وظاهرُ كلامِهِ: أنَّه لا يُشترط اتِّصال الصُّفوفِ فيما إذا كان المأمومُ خارجَ المسجدِ، وهو المذهب.
والقول الثاني - وهو الذي مشى عليه صاحبُ " المقنع " -: أنَّه لا بُدَّ مِن اتِّصالِ الصُّفوفِ، وأنَّه لا يَصِحُّ اقتداءُ مَن كان خارجَ المسجدِ إلا إذا كانت الصُّفوفُ متَّصلةً؛ لأنَّ الواجبَ في الجماعةِ أن تكون مجتمعةً في الأفعالِ وهي متابعة المأمومِ للإِمام والمكان، وإلا لقلنا: يَصِحُّ أن يكون إمامٌ ومأمومٌ واحد في المسجد، ومأمومان في حجرة بينها وبين المسجد مسافة، ومأمومان آخران في حجرة بينه وبين المسجدِ مسافة، ومأمومان آخران بينهما وبين المسجد مسافة في حجرة ثالثة، ولا شَكَّ أنَّ هذا توزيعٌ للجماعةِ، ولاسيَّما على قولِ مَن يقول: إنَّه يجب أن تُصلَّى الجماعةُ في المساجد.
فالصَّوابُ في هذه المسألة: أنَّه لا بُدَّ في اقتداءِ مَن كان خارجَ المسجدِ مِن اتِّصالِ الصُّفوفِ، فإنْ لم تكن متَّصِلة: فإنَّ الصَّلاة لا تَصِحُّ.
مثال ذلك: يوجد حولَ الحَرَمِ عَماراتٌ، فيها شُقق يُصلِّي فيها الناسُ، وهم يَرَون الإِمامَ أو المأمومين، إما في الصَّلاةِ كلِّها؛ أو في بعضِها، فعلى كلامِ المؤلِّفِ: تكون الصَّلاةُ صحيحةً، ونقول لهم: إذا سمعتم الإِقامة فلكم أنْ تبقوا في مكانِكم وتصلُّوا مع الإِمام ولا تأتوا إلى المسجدِ الحرام.
وعلى القول الثاني: لا تَصِحُّ الصَّلاةُ؛ لأنَّ الصفوفَ غيرُ متَّصلةٍ، وهذا القولُ هو الصَّحيحُ، وبه يندفع ما أفتى به بعضُ المعاصرين مِن أنَّه يجوز الاقتداءُ بالإِمامِ خلفَ " المِذياعِ "، وكَتَبَ في ذلك رسالةً سمَّاها: " الإقناع بصحَّةِ صلاةِ المأمومِ خلفَ المِذياع "، ويلزمُ على هذا القول أن لا نصلِّيَ الجمعةَ في الجوامع بل نقتدي بإمام المسجدِ الحرامِ؛ لأنَّ الجماعةَ فيه أكثرُ فيكون أفضلَ، مع أنَّ الذي يصلِّي خلفَ " المِذياع " لا يرى فيه المأموم ولا الإِمامَ، فإذا جاء " التلفاز " الذي ينقل الصَّلاة مباشرة يكون مِن بابِ أَولى.
ولكن هذا القولُ لا شَكَّ أنَّه قولٌ باطلٌ؛ لأنه يؤدِّي إلى إبطالِ صلاةِ الجماعةِ أو الجُمعة، وليس فيه اتِّصالَ الصُّفوفِ، وهو بعيدٌ مِن مقصودِ الشَّارعِ بصلاةِ الجمعةِ والجماعةِ.
...
والذي يصلِّي خلفَ " المِذياع " يصلِّي خلفَ إمامٍ ليس بين يديه بل بينهما مسافات كبيرة، وهو فتح باب للشر؛ لأنَّ المتهاون في صلاةِ الجُمُعة يستطيع أن يقولَ: ما دامتِ الصَّلاةُ تَصِحُّ خلفَ " المِذياع " و " التلفاز "، فأنا أريدُ أن أصلِّيَ في بيتي، ومعيَ ابني أو أخي، أو ما أشبه ذلك نكون صفَّاً.
فالرَّاجح: أنه لا يَصِحُّ اقتداءُ المأمومِ خارجَ المسجد إلا إذا اتَّصلتِ الصُّفوف، فلا بُدَّ له مِن شرطين:
١. أن يَسمعَ التكبيرَ.
٢. اتِّصال الصُّفوف.
أما اشتراطُ الرُّؤيةِ: ففيه نظر، فما دام يَسمعُ التَّكبير والصُّفوف متَّصلة: فالاقتداء صحيح، وعلى هذا؛ إذا امتلأ المسجدُ واتَّصلتِ الصُّفوف وصَلَّى النَّاسُ بالأسواقِ وعلى عتبة الدَّكاكين: فلا بأس به.
" الشرح الممتع " (٤ / ٢٩٧ – ٣٠٠) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 3364
نبذة عن تاريخ المسجد الحرام في مكة
[السُّؤَالُ]
ـ[مطلوب مني بحث عن تاريخ المسجد الحرام، أرجو مساعدتي في ذلك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يقع المسجد الحرام في مكة وهي مدينة في جزيرة العرب ترتفع عن سطح البحر بنحو ٣٣٠متراً ويرجع تاريخ عمارتها إلى عهد إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل ﵉، وفيها ولد نبي الإسلام محمد ﷺ وفيها مهبط الوحي أول ما نزل، ومنها شع نور الإسلام وبها المسجد الحرام وهو أول مسجد وضع للناس في الأرض لقوله تعالى: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين﴾ (آل عمران: ٩٦) وثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع في الأرض قال: المسجد الحرام قلت: ثم أي قال: المسجد الأقصى قلت: كم بينهما قال: أربعون عاماً. وتقع الكعبة - وهي قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها - وسط المسجد الحرام تقريباً ويبلغ ارتفاعها خمسة عشر متراً وهي على شكل حجرة كبيرة مربعة البناء على وجه التقريب وقد بناها إبراهيم الخليل ﵇ بأمر من الله تعالى: قال : (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) سورة الحج، ومعنى بوأنا: أي أرشده إليه وسلّمه له وأذن له في بنائه: تفسير ابن كثير، وقال تعالى: ﴿وإذا يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾ البقرة:١٢٧.
وعن وهب بن منبه قال:.. بناها إبراهيم ﵇ ثم العمالقة ثم جرهم ثم قصي بن كلاب وأما بنيان قريش له فمشهور.. وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملها قريش على رقابها فرفعوها في السماء عشرين ذراعاً..، وكان بين بنيان الكعبة وبين ما أنزل عليه خمس سنين وبين مخرجه وبنائها خمس عشرة سنة ذكره عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن عثمان عن أبي الطفيل وذكر عن معمر عن الزهري: حتى إذا بنوها وبلغوا موضع الركن اختصمت قريش في الركن أي القبائل تريد رفعه؟ حتى شجر بينهم فقالوا تعالوا نحكّم أول من يطلع علينا من هذه السكة فاصطلحوا على ذلك فطلع عليهم رسول الله ﷺ وهو غلام عليه وشاح نمرة فحكّموه فأمر بالركن فوضع في ثوب ثم أمر سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن، فكان هو يضعه ﷺ . تاريخ مكة للأزرقي (١/١٦١-١٦٤)
وروى مسلم (٢٣٧٤) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْجَدْرِ أَمِنْ الْبَيْتِ هُوَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ قَالَ إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ قُلْتُ فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا قَالَ فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا وَلَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ وَأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ.
وقد تعرضت الكعبة قبل الإسلام (في عام ولادة النبي ﷺ للغزو من قبل أبرهة الحبشي وذلك عندما بنى القُليس وهي الكنيسة التي أراد أن يصرف إليها حج العرب فخرج بجيش ومعهم الفيل فلما وصلوا إلى مكة أرسل الله عليهم طيراً أبابيل مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره وحجرين في رجليه أمثال الحمص والعدس لا تصيب منهم أحداً إلا هلك ففني الجيش وهلكوا بأمر الله .
وقد ذكر الله تعالى هذه الحادثة في كتابه فقال : ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول﴾ انظر السيرة النبوية لابن هشام (١/٤٤-٥٨) .
ولم يكن هناك سور يحيط بمسجد الكعبة حتى صارت الحاجة تدعو إلى ذلك، قال ياقوت الحموي في "معجم البلدان" (٥/١٤٦) . ما يحيط بالكعبة كان أول من بناه عمر بن الخطاب ﵁ ولم يكن له في زمن النبي ﷺ وأبي بكر جدار يحيط به وذاك أن الناس ضيّقوا على الكعبة وألصقوا دورهم بها فقال عمر: إن الكعبة بيت الله ولا بد للبيت من فناء وإنكم دخلتم عليها ولم تدخل عليكم، فاشترى تلك الدور وهدمها وزادها فيه وهدم على قوم من جيران المسجد أبوا أن يبيعوا ووضع لهم الأثمان حتى أخذوها بعد، واتخذ للمسجد جداراً دون القامة فكانت المصابيح توضع عليه، ثم كان عثمان فاشترى دوراً أُخَر وأغلى في ثمنها.. ويقال إن عثمان أول من اتخذ الأروقة حين وَسّع المسجد.. فلما كان ابن الزبير زاد في إتقانه لا في سعته وجعل فيه عَمَداً من الرخام وزاد في أبوابه وحسنها فلما كان عبد الملك بن مروان زاد في ارتفاع حائط المسجد وحمل إليه السواري من مصر في البحر إلى جدة واحتملت من جدة على العجل إلى مكة وأمر الحجّاج بن يوسف فكساها ولما ولي الوليد بن عبد الملك زاد في حليتها وصرف في ميزابها وسقفها.. فلما ولي المنصور وابنه المهدي زاد أيضاً في إتقان المسجد وتحسين هيئته. وهكذا
وفي المسجد من الآثار الدينية مقام إبراهيم وهو الحَجَر الذي كان يقف عليه إبراهيم الخليل ﵇ أثناء بناء الكعبة. وكذلك بئر زمزم وهي نبع من الماء أخرجه الله تعالى لهاجر وولدها إسماعيل ﵇ لما عطش، ولا يُنسى أيضا الحجر الأسود والركن اليماني وهما ياقوتتان من يواقيت الجنة. كما روى الترمذي وأحمد عن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرٍو قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَا لأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ " سنن الترمذي ٨٠٤
ويجاور المسجد الحرام جبلي الصفا والمروة، ومن خصائص المسجد الحرام أنّه المسجد الوحيد الذي يُحجّ إليه في الأرض، قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) سورة البقرة، ومن خصائصه أنَ الله جعله آمنا والصلاة فيه بمائة ألف صلاة، قال الله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) سورة البقرة، وقال تعالى: (فِيهِ ءايَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءامِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧) سورة آل عمران. انظر "أخبار مكة" للأزرقي وأخبار مكة للفاكهي. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 3365
مشكلات في مجلس إدارة أحد المساجد
[السُّؤَالُ]
ـ[عندنا مصلى صغير (داخل أحد المنازل) في مدينتنا. وأيضا, فإننا نملك قطعة أرض ومبلغا من المال جُمع خلال عدة سنوات لأجل بناء مسجد جديد. كما توجد لجنة للمسجد يتم انتخابها سنويا, بالإضافة إلى مجلس للأمناء يتكون من ٥ أشخاص دائمي العضوية. وأعضاء هذا المجلس تم تعيينهم قبل ٦-٨ سنوات, عندما كان هناك عدد قليل من المسلمين في المدينة. وقد استُبدل بعض أعضاء هذا المجلس الذين تركوا المدينة بآخرين دون أن يتم انتخابهم, ويظهر أنهم أعطوا هذه الوظائف لأشخاص من اختيارهم هم. ومنذ ذلك الحين , أصبح مجلس الأمناء هذا يتحكم فعليا في المصلى. فقد وضعوا قوانين له حسب أهوائهم. مثلا, فإنهم لا يسمحون بالتصويت إلا لأعضاء اللجنة الذين أقاموا في هذه المدينة فترة تزيد على ٣ سنوات, وبهذه الطريقة, فإن الأشخاص الذين يسمح لهم فقط يمكنهم التنافس والتصويت في الانتخابات. ونتج عن ذلك أن الناس أصبحوا يرون نفس الوجوه لسنوات عدة. ومنذ عام, وبسبب الضغوط, فقد سمحوا للجميع بالتصويت, وبهذه الطريقة، تم انتخاب لجنة جديدة. وبعد هذه الانتخابات ظهر أن المال الذي جُمع لبناء المسجد الجديد وُضع في حساب توفير يُدر فوائد (ربوية) . وقد أنكر أعضاء مجلس الأمناء (الذين لا يداوم على حضور الصلوات في المصلى منهم إلا ١ أو ٢, لسوء الحظ) , وهم الذين يديرون هذا الحساب, أنكروا أنهم يأخذون الفوائد على هذا الحساب. وبعد ذلك, أقر أحد الأعضاء, وهو العضو النشيط من بينهم, وهو شخص غني وصاحب نفوذ في المدينة, بأنهم أقدموا على وضع المال في ذلك الحساب بسبب الفتوى الصادرة عن الأزهر بجواز أخذ الربا من البنوك الأمريكية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نرى والحال هذه الحرص على استغلال هذا المال، والاتجار به حنى يكون فيه أرباح مباحة، يتم بعد ذلك عمارة المسجد من رأس المال والأرباح. ثم إذا استطاعوا أن يجعلوا القائمين على هذا المشروع من الأخيار الموثوقين بذلوا ما يستطيعونه من جهد في ذلك. كذلك يحرصون على أن يبادروا بعمارة المسجد ويقومون فيه بما يلزمهم من الأعمال، وإذا لم يكن لهم استطاعة في الانتخاب ولا في التصويت، لهم أن يمشوا مع غيرهم ويوافقوا على ما ليس فيه ضرر، أما إذا كان بعض المنتخبين لا يصلح ان يكون من ضمن اللجنة الشرعية التي تدير الأمور فإن على الآخرين أن يعلنوا عدم موافقتهم ويذكروا الأسباب التي يطعنون بها في أولئك الأشخاص الذين يُظن عليهم أنهم ليسوا أهلا للانتخاب ولا للتصويت حتى يكون القائمون على هذه المشاريع الخيرية من الموثوقين والمؤتمنين. وأما الربا فما أخذوه فيتحملون تبعته وأنتم بريئون منهم وما أخذوه من تلك الفوائد الربوية.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الله الجبرين
следующие страницы →