Полный текст (16 344 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.
стр. 4131
هل يمكن الجمع بين عدة أمور في صلاة استخارة واحدة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن أن أجمع بين عدة أمور في صلاة استخارة واحدة , أم يحتاج كل أمر إلى ركعتي استخارة , وإذا أمكن ذلك , كيف يكون؟ مثلاً , شراء سيارة وشراء منزل وزواج , هل يمكن أن يجمع كل هذه الأمور في ركعتي استخارة فقط , أم كل أمر يحتاج ركعتين، فيصلي ركعتين، ركعتين، ركعتين، وفي كل ركعتين يستخير في أمر واحد؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الاستخارة دعاء يطلب فيه العبد من الرب أن يختار له خير الأمرين، والدعاء باب واسع في الشريعة الإسلامية يجوز للمسلم أن يسأل الله تعالى فيه جميع حاجاته، وقد كان النبي ﷺ يستحب جوامع الأدعية؛ وهي التي تجمع المعاني الكثيرة، في كلمات قليلة.
ولا يظهر ما يمنع من ذكر أكثر من حاجة في استخارته، بعد أن يصلي ركعتين؛ ويكون قد صدق عليه أن صلى ركعتين، ثم دعا بحاجته بعدهما، وإن كان الأفضل أن يخص كل حاجة له بصلاة ودعاء.
سئل الشيخ عبد الله بن جبرين ﵀:
هل يستخار لأكثر من أمر في صلاة واحدة؟
فأجاب:
يجوز ذلك، وتجعل الصلاة وسيلة للدعاء بعدها، فلا مانع من كون الاستخارة بعد الصلاة في حاجتين أو أكثر، فيقول في الدعاء بعد المقدمة: اللهم إن كانت الحاجة الفلانية، والحاجة الفلانية خيرا لي، ويقول: فيسرهما ... إلخ.
" فتاوى في صلاة الاستخارة " (السؤال رقم ١٢) .
http://ibn-jebreen.com/book.php?cat=٦&book=٩&toc=٣١٩&page=٣٠٤&subid=١٢٨٩
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4132
لا يصلي أحدٌ صلاة الاستخارة عن أحد
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن يصلي أحد عني صلاة استخارة لي؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز لأحد أن يصلي الاستخارة عن أحد.
جاء في لقاء "الباب المفتوح" للشيخ بن عثيمين رقم (٨٣) : "الاستخارة لا تجوز إلا ممن أراد وهمَّ، ولا يصلح أن يستخير لغيره حتى لو وكله وقال: استخر الله لي؛ لأن الرسول ﵊ قال: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين ثم يقول:.... وذكر الحديث) كما أنه لو دخل اثنان المسجد وقال أحدهما للآخر: صَلِّ عني ركعتين تحية المسجد وأنا سأجلس، لا يصح هذا، فصلاة الاستخارة متعلقة بنفس المستخير الذي يريد أن يفعل" انتهى.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4133
أمامه عدة خيارات، فكيف يستخير ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا طالب سعودي في كندا أود إكمال دراستي للماجستير في الهندسة وأنا محتار في خمس تخصصات للماجستير ألا وهي ١- التخطيط العمراني ٢- التصميم العمراني ٣-الإسكان ٤-التطوير العقاري ٥-إدارة العمران سؤالي: هل أصلي صلاة استخارة واحدة وأذكر جميع التخصصات أو خمس صلوات متتالية لكل تخصص؟ أرجو الإجابة مع التوضيح وجزاكم الله خير الجزاء.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
معنى الاستخارة أن يستخير المسلم ربه ليختار له أصلح الأمرين في دينه ودنياه.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
" والاستخارة معناها طلب خير الأمرين " انتهى.
"شرح رياض الصالحين" (ص/ ٧٩٢) .
وقال في "تاج العروس" (١١ / ٢٥٠) :
" وفي حديث الاستخارة: (اللَّهُمَّ خِرْ لِي) أَي: اختَرْ لِي أَصْلَحَ الأَمْرَيْن " انتهى.
والأصل في صلاة الاستخارة أنها تكون في أمر واحد يفعله الإنسان أو يتركه.
وعلى هذا، فعليك أن تنظر في هذه الخيارات، وتقلب فيها الرأي، وتستشير أهل الخبرة والمعرفة والعقل، حتى يترجح لديك أمر واحد، فتصلى له الاستخارة.
" قَالَ النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَشِيرَ قَبْلَ الِاسْتِخَارَةِ مَنْ يَعْلَمُ مَنْ حَالِهِ النَّصِيحَةَ وَالشَّفَقَةَ وَالْخِبْرَةَ , وَيَثِقُ بِدِينِهِ وَمَعْرِفَتِهِ. قَالَ تَعَالَى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) وَإِذَا اسْتَشَارَ وَظَهَرَ أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ , اسْتَخَارَ اللَّهَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ " انتهى.
"الموسوعة الفقهية" (٣/٢٤٣) .
وقال الدكتور محمد بن عبد العزيز المسند:
" إذا أراد المسلم أن يقوم بعمل وليس أمامه سوى خيار واحد فقط قد همّ بفعله فليستخر الله على الفعل ثم ليقدم عليه، فإن كان قد همّ بتركه فليستخر على الترك، أمّا إن كان أمامه عدّة خيارات فعليه أوّلاً بعد أن يستشير من يثق به من أهل العلم والاختصاص أن يحدّد خياراً واحداً فقط من هذه الخيارات، فإذا همّ بفعله قدّم بين يدي ذلك الاستخارة " انتهى.
فإذا استخرت على واحد من تلك الخيارات، فلم يقدر الله اختياره لك فانتقل إلى ما يليه واستخر الله تعالى بعد النظر والاستشارة.
وإذا استخرت مرة لكل واحد من هذه الأمور (فتكرر الاستخارة خمس مرات) ، ثم تعزم على إحداها فلا يظهر لنا ما يمنع ذلك.
والله أعلم.
ولمزيد الفائدة عن صلاة الاستخارة راجع جواب السؤال: (١١٢١٥١) و (١١٩٨١) و (٢٢١٧) .
ونسأل الله لك التوفيق والسداد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4134
هل قوله في الاستخارة: "اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر" يعني تشكيكا في علم الله ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[في دعاء الاستخارة المروي عن النبي محمد ﷺ وردت هذه الجملة (اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ويسمي الإنسان حاجته..........إلى آخر الدعاء) هل في قول (إن كنت تعلم) تشكيك في علم الله ؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس هذا تشكيكاً في علم الله تعالى، وكيف يكون تشكيكاً والعبد يريد بهذا الكلام طلب الخير من الله ، وأن يرشده إليه؟
وكيف يكون تشكيكاً وهو يقول في هذا الدعاء: (إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ) ؟
وكيف يكون تشكيكاً وهو يقول: (فَإِنَّكَ تَقْدِرُ، وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) ؟
قال الحافظ في "الفتح":
" وَقَوْله (إِنْ كُنْت) اِسْتَشْكَلَ الْكَرْمَانِيُّ الْإِتْيَان بِصِيغَةِ الشَّكّ هُنَا وَلَا يَجُوز الشَّكّ فِي كَوْن اللَّه عَالِمًا، وَأَجَابَ بِأَنَّ الشَّكّ فِي أَنَّ الْعِلْم مُتَعَلِّق بِالْخَيْرِ أَوْ الشَّرّ لَا فِي أَصْل الْعِلْم ".
فالمعنى: أنك يا رب إما أن تكون تعلم هذا الأمر خيراً لي أو تعلمه شراً لي، فإن كان خيراً فيسره.
وليس المعني: إما أن تكون تعلم هذا الأمر خيراً لي، أو لا تعلم - حاشا لله -.
قال في تحفة الأحوذي:
قَالَ الطِّيبِيُّ: " مَعْنَاهُ: اللَّهُمَّ إِنَّك تَعْلَمُ , فَأَوْقَعَ الْكَلَامَ مَوْقِعَ الشَّكِّ عَلَى مَعْنَى التَّفْوِيضِ إِلَيْهِ وَالرِّضَا بِعِلْمِهِ فِيهِ , وَهَذَا النَّوْعُ يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْبَلَاغَةِ تَجَاهُلَ الْعَارِفِ وَمَزْجَ الشَّكِّ بِالْيَقِينِ. ويُحْتَمَلُ: أَنَّ الشَّكَّ فِي أَنَّ الْعِلْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالْخَيْرِ أَوْ الشَّرِّ لَا فِي أَصْلِ الْعِلْمِ اِنْتَهَى. قَالَ الْقَارِي: وَالْقَوْلُ الْآخَرُ هُوَ الظَّاهِرُ، وَنَتَوَقَّفُ فِي جَوَازِ الْأَوَّلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى " اِنْتَهَى.
وهذا الأسلوب معروف مشهور في الأحاديث، وفي كلام العرب:
ففي حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، قال كل واحد منهم: (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا) متفق عليه، واللفظ للبخاري (٣٢١٥) .
قال الحافظ في "الفتح" (٦/٥٠٧) :
" قوله: (اللهم إن كنت تعلم) فيه إشكال؛ لأن المؤمن يعلم قطعا أن الله يعلم ذلك. وأجيب بأنه تردد في عمله ذلك هل له اعتبار عند الله أم لا؟ وكأنه قال: إن كان عملي ذلك مقبولا فأجب دعائي " انتهى.
وروى البخاري (٧٠٢٩) عن ابْن عُمَرَ ﵄ قَالَ إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَرَوْنَ الرُّؤْيَا ... الحديث، وفيه: (فلما اضْطَجَعْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ فِيَّ خَيْرًا فَأَرِنِي رُؤْيَا) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4135
اكتشفت عيوبا في خاطبها فاستخارت لفسخ الخطبة لكن لم يتيسر الأمر
[السُّؤَالُ]
ـ[خطبت قريبا وبعد الخطبة اكتشفت عيوبا في خطيبي لا أتحملها وشعرت أنه غير مناسب لي بالإضافة أنه لا يعينني على طاعة الله وبالرغم من كل هذا كلما هممت على فسخ الخطبة واستخرت الله؛ يحدث تعسير للفسخ فماذا أفعل؟ وهل إذا فسخت الخطبة أكون عاصية لله لاختياري غير ما اختاره لي؟ وهل ألغي عقلي لكي أكون مطيعة لله؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا تبين لك أن الخاطب به عيوب لا يمكنك تحملها، فلا حرج عليك في فسخ الخطبة، فهذا خير من الزواج مع احتمال حدوث الخلاف والنزاع ثم الطلاق.
وإذا هممت بذلك فاستخيري الله تعالى، ثم أخبري وليك ليعتذر للخاطب، وبهذا تنفسخ خطوبتك.
وليست الاستخارة لإلغاء العقل، أو النظر في الأمور المادية المحيطة بالإنسان، وإنما هي مكملة لذلك، فإن الإنسان قد يتردد في أمر ما، لما فيه من خير وشر، ومصلحة ومفسدة، أو لما يجهله من عاقبته، فيسأل الله أن ييسر له الخير الذي يعلمه سبحانه.
فقد يبدو لك الخاطب خاليا من العيوب، لكن الله يعلم أنه لا يصلح لك، وأن به عيوبا تجهلينها، أو أنك لا تصلحين له، وقد يبدو لك أن بالخطاب عيوبا، والله يعلم أنه صالح لك، وأن عيوبه قد تزول، أو هي ليست عيوبا في الحقيقة، أو أن هذا ما يناسب زوجته، إلى غير ذلك من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله سبحانه.
ومعلوم أنه لا فلاح للعبد إلا بتوفيق الله تعالى، وأنه لو وُكل إلى نفسه لضاع وتاه وخسر.
فإذا استخرت الله في شيء، فامضي فيه، فإن كان خيرا، سهله الله ويسره، وإن كان شرا صرفك الله عنه، أو صرفه عنك.
وتطبيق ذلك في مسألتك: أنك لما بدا لك من العيوب في الخاطب، فإنك تستخيرين الله تعالى في فسخ خطوبته، وتمضين في ذلك، بأن تكلمي وليك أو من يبلغ الخاطب بفسخ الخطوبة، فإن انقضى الأمر ويسّر، فهو الخير لك إن شاء الله، وإن تعسّر الفسخ، فلا خير لك فيه الآن، فقد يكون في علم الله أن زواجك منه خير لك، أو أن استمرار خطبتك مدة أخرى خير لك، ولا مانع أن تكرري الاستخارة مرة بعد مرة.
وننبه على أمور:
الأول: أن الاستخارة لا تكون في الأمر الواجب أو الحرام أو المكروه، إلا إذا كان التردد في تحديد وقت فعل الواجب. وعليه فلو تبين أن الخاطب تارك للصلاة، أو يقترف الفواحش مثلا، وجب رفضه، ولم تشرع الاستخارة حينئذ.
الثاني: أن مسألة التيسير والتعسير، قد يدخلها نوع من الشك والوسوسة، فربما يتصل الولي على الخاطب ليبلغه في الفسخ فلا يجده، فيقال: تعسّر الأمر، وليس كذلك، بل ينبغي أن يعاود الاتصال، أو يرسل من يبلغه، وهكذا.
الثالث: أنه لو خالف الإنسان مقتضى الاستخارة، لا يكون عاصيا، لكن قد يفوته خير كثير يندم عليه في حال الترك، أو يلحقه ضرر في حال الإقدام على أمر لم ييسره الله له.
وكمال الإيمان والتوكل أن يفوض العبد أمره لله تعالى، ويرضى باختياره، ويمضي في الأمر بعد الاستخارة ويعزم، ولا يكثر من الوسوسة.
وينظر للفائدة جواب السؤال رقم (١١٩٨١) ورقم (٥٨٨٢) .
نسأل الله تعالى أن ييسر لك الخير حيث كان.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4136
الاستخارة في الأمور كلها
[السُّؤَالُ]
ـ[كثيرا ما نسمع عن صلاة الاستخارة، لكن لا نعمل بها إلا في حالات نادرة. فهل هذا صحيح. أرجو توضيح ذلك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
صلاة الاستخارة وَجهٌ من أوجه تحقيق العبودية لله تعالى، تُعَلِّقُ قلب المسلم بالله ، وتخلصه من تَعَلقِه بالمخلوق.
وتحقيق ذلك في جميع تقلبات القلب والنفس هو غاية العبودية، وكمال التوكل، وذلك حين يستشعر العبد حاجته وفقره إليه سبحانه، فيجد لذته وطمأنينته في الركون إلى الخالق القادر المدبر، فلا يكاد يطرأ عليه حادث صغير أو كبير إلا ويلجأ إلى صلاة الاستخارة ليطلب الخيرة من الله .
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضى الله عنهما قَالَ: (كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ فِى الأُمُورِ كُلِّهَا كَالسُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ) رواه البخاري (٦٣٨٢)
يقول الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (١١/١٨٤) :
" يتناول العمومُ العظيمَ من الأمور، والحقيرَ، فرب حقير يترتب عليه الأمر العظيم " انتهى.
ويقول العيني في "عمدة القاري" (٧/٢٢٣) :
" قوله: (في الأمور كلها) : دليل على العموم، وأن المرء لا يحتقر أمراً لصغره وعدم الاهتمام به فيترك الاستخارة فيه، فرب أمر يستخف بأمره فيكون في الإقدام عليه ضرر عظيم أو في تركه، ولذلك قال النبي ﷺ : (ليسأل أحدكم ربه حتى في شسع نعله) " انتهى.
وبهذا يتبين أنَّ مِن الخطأ قصر الاستخارة على أحوال نادرة أو قليلة، بل الشأن في المسلم اللجوء إلى الله واستخارته في جميع الأمور التي يتردد فيها، حتى إن زينب بنت جحش ﵂ صلت الاستخارة حين عرض عليها الزواج بالنبي ﷺ ، وعلق على ذلك النووي بقوله في "شرح مسلم" (٩/٢٢٤) :
" فيه استحباب صلاة الاستخارة لمن هَمَّ بأمر، سواء كان ذلك الأمر ظاهر الخير أم لا، وهو موافق لحديث جابر في صحيح البخارى قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها) ، ولعلها استخارت لخوفها من تقصير في حقه ﷺ " انتهى.
جاء في "لقاءات الباب المفتوح" للشيخ ابن عثيمين (لقاء رقم/٨٥، السؤال الأول) :
" السؤال:
فضيلة الشيخ! هل ركعتا الاستخارة مشروعة فقط في الأمر الذي لم تتبين فيه المصلحة، أم أنها تفعل في كل أمر يقدم عليه ولو كان ظاهره الخير، كإمامة مسجد، أو خطبة امرأة صالحة، وما شابه ذلك. أرجو التوضيح؟
فكان الجواب:
صلاة الاستخارة أن الإنسان إذا هم بأمر وتردد في عاقبته فإنه يستخير الله أي: يسأل الله خير الأمرين: الإقدام أو الترك، ولكنه لا يستخير في كل شيء، يعني: ليس للإنسان إذا أراد أن يتغدى أن يقول: أستخير الله. إذا أراد أن يذهب يصلي مع الجماعة أن يقول: أستخير الله، إنما يستخير الله في أمر لا يدري ما عاقبته، ومن ذلك: إمامة المسجد، لو عرض عليه إمامة المسجد ولم يترجح عنده الإقدام أو الترك فليستخر الله، فالإمامة من حيث هي خير في ذاتها، لكن العاقبة؛ لأن الإنسان لا يدري في المستقبل هل يقوم بواجب الإمامة أو لا يقوم، وهل يستقر في هذا المسجد أو لا يستقر، وهل يكون ملائماً للجماعة أو غير ملائم، هو لا يستخير على أن الإمامة من حيث هي خير، لكن العاقبة، كم من إنسان كان إماماً في مسجد ثم لحقه من التعب وعدم القيام بالواجب والمشاكل مع الجماعة ما يتمنى أنه لم يكن إماماً، كذلك المرأة الصالحة، لكن لا أدري ما العاقبة.
والمهم أن كل شيء تتردد فيه فعليك بالله، الجأ إليه، اسأله خير الأمرين " انتهى باختصار.
وانظر جواب السؤال رقم (١١٩٨١) ، ورقم (٢٢١٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4137
صلاة الاستخارة لترجيح أحد القولين
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن يستخير المسلم لترجيح أحد القولين عند العلماء؟ مع العلم أنَّ كلا القولين قوي، وهو يريد معرفة الصحيح منهما لأنهما مختلفين؟ وذلك ليتبع الصحيح.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ثبت عن بعض السلف استخارتهم في مسائل العلم المختلف فيها، كما ثبت عن بعضهم استخارتهم في ترجيح حال الرواة المختلف فيهم، ومن ذلك:
١. روى عبد الرزاق في " المصنف " (١٠ / ٣٠١) عن ابن المسيب: (أن عمر بن الخطاب كتب في الجد والكلالة كتابا، فمكث يستخير الله يقول: اللهم إن علمت فيه خيرا فأمضه، حتى إذا طعن دعا بالكتاب، فمحى فلم يدر أحد ما كان فيه، فقال: إني كتبت في الجد والكلالة كتابا، وكنت أستخير الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه) .
٢. وقد كان الإمام الشافعي ﵀ من أكثر العلماء استخارة في مسائل العلم، حتى صرح في كتابه " الأم " في نحو أربع عشرة مسألة أنه قد استخار الله تعالى فيها، وكان منها قوله في " الأم " (٢ / ٤٤) :
وقد قيل: في الحلي صدقة، وهذا ما أستخير الله فيه، قال الربيع: قد استخار الله فيه، أخبرنا الشافعي: وليس في الحلي زكاة.
انتهى.
٣. كما كان ابن حبان من المحدثين يستخير الله تعالى في الرواة الذين يشتبه حالهم عليه، ويكثر من التصريح بذلك في كتبه، خاصة كتاب " المجروحين "، ومن ذلك قوله في (١ / ١٩٤) : بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري: من أهل البصرة، يروي عن أبيه عن جده، روى عنه الثوري وحماد بن سلمة، كان يخطئ كثيراً، فأما أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم رحمهما الله فهما يحتجان به ويرويان عنه، وتركه جماعة من أئمتنا، ولولا حديث (إنا آخذوه وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا) لأدخلناه في الثقات، وهو ممن أستخير الله فيه.
انتهى.
والأمثلة عن أهل العلم في الالتجاء إلى الاستخارة حين تشتبه عليهم المسائل كثيرة، وإنما سقت منها الشيء اليسير للتدليل على المقصود.
لكن ما معنى قولهم " هذا مما أستخير الله فيه " و " هذا ممن أستخير الله فيه "؟.
الظاهر أن معنى قولهم هو دعاء الله تعالى بأن يوفقهم لصحة الترجيح، والصواب من الأقوال في المسألة أو الراوي، وليس معناه أنهم كانوا يستخيرون الاستخارة التي هي الصلاة بدعائها؛ وذلك لعدم تطابق الدعاء مع الذي يريدون وينشدون، ففي دعاء الاستخارة " فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه " فكيف سيكون منطبقا على مسألة فقهية، أو على حال أحد رواة الحديث؟! .
فالذي يظهر أن هؤلاء الأئمة يطلبون من الله تعالى التوفيق للصواب في مسائل العلم، لا أنهم يدعون دعاء الاستخارة بصلاتها.
والغاية من الاستخارة هو طلب الهداية من الله إلى خير الأمرين المشتبهين الذين وقع التردد فيهما، فإن الهداية والتوفيق من الله سبحانه، وهو يعلم ولا نعلم، وهو علام الغيوب، ومن اعتمد على نفسه ضل، ومن اتكل على عقله ولم يستعن بمولاه هلك، وأولى ما يجب على العبد أن يستعين الله عليه هو الفهم الصحيح لدين الله، واختيار أنسب الأقوال وأحسنها، والاستخارة هي وسيلته إلى ذلك، بل قد تكون أوثق سبيل إلى اختيار أحد القولين الذين اشتبهت أدلتهما إلى حد كبير.
ولا يمنع أن يكون مع دعاء الإمام أو الفقيه ربه تعالى أن يوفقه للصواب في مسائل العلم أن يُسبق دعاءه بصلاة، ويمكن تسمية هذا الفعل تجوزاً " استخارة "، أو يكون ذلك نسبة للدعاء لا للصلاة، أما الصلاة والدعاء الوارد في حديث جابر المشهور فلا يمكن أن يكون هو المقصود في قولهم أنهم يستخيرون الله تعالى في كذا وكذا.
وأخيراً:
لا يظن أن الاستخارة في مسائل العلم تناقض ما أمر الله به من اتباع الدليل والبرهان، فإن اللجوء إلى الاستخارة يكون عند انعدام الدليل أو عدم ظهوره أو وجود معارض مساو، أو عند اشتباه المسألة في نفس العالم وإشكالها في الفهم عليه، وليس في شيء من ذلك ترك للدليل والبرهان، بل فيه استعانة بالله سبحانه على الفهم، ولجوء إليه ليرشد إلى الحق، وقد كان النبي ﷺ يسأل ربه أن يهديه إلى الحق.
عن عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ قالت: (كَانَ النبي ﷺ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
رواه مسلم (٧٧٠) .
وانظر في صلاة الاستخارة وبعض أحكامها جواب السؤالين: (٢٢١٧) و (١١٩٨١) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4138
طريقة مبتدعة لطلب الرؤيا بعد الاستخارة
[السُّؤَالُ]
ـ[غالبا ما يتعسر على الشخص أمور، فيقال له استخر، أو اطلب من ربك الرؤيا.. وهناك أساليب عدة لطلب الرؤيا: ومن الطرق المجربة: يقوم الشخص بالصلاة ركعتين لله، وقراءة كل من السور التالية: الليل (٧) مرات، الشمس (٧) مرات، سورة التين (٧) مرات، بعد ذلك نقوم بحمد الله وثنائه والصلاة على النبي ﷺ والدعاء بدعاء الاستخارة.. أو طلب الرؤيا المعينة، يتوجب من الشخص الإيقان الكلي بقدرة الله على إيجاب طلبه، تتوجب طهارة المكان وخلوه من الصور وذوات الأرواح، كذلك يفضل عدم التحدث مع أي شخص بعد طلب الرؤيا، يقوم بها الشخص لمدة (٧) أيام، وربما تحدث قبل ذلك بأيام قليلة. مجربة بإذن الله. ما حكم هذا العمل؟ هل هناك دليل عليه؟ أم أنه لا يجوز؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا العمل بدعة لا تجوز، فهو تخصيص عبادة بطريقة معينة لم ترد في الشرع.
وقد أحدث الناس في صلاة الاستخارة كثيراً من البدع.
فمن ذلك: تكرار قراءة سور معينة في صلاة الاستخارة – كما ورد في السؤال -، وكذا تكرار صلاة الاستخارة نفسها لمدة سبعة أيام، فهذه أنواع من التحديد والتخصيص فيها تشريع زائد على الدين، واستدراك على النبي الكريم محمد ﷺ .
ومنها: أيضا اعتقاد بعضهم ضرورة وقوع الرؤيا بعد صلاة الاستخارة، كي يسترشد بها المستخير، بل ويرون أن الاستخارة من غير رؤيا بعدها غير صحيحة ولا نافعة.
وقد نبه العلماء على هذا الخطأ.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "فتاوى نور على الدرب" (فتاوى الصلاة/صلاة الاستخارة) :
" لا يشترط أن يرى المستخير شيئاً يدله على أن هذا هو الأفضل له، بل متى تيسر له الشيء بعد استخارته فليعلم أن هذا هو الخير، إذا كان قد دعا ربه بصدق وإخلاص؛ لأن في دعاء الاستخارة يقول الرجل أو المرأة المستخيرة: (اللهم إن كنت تعلم أن هذا - ويُسَمِّي حاجتَه - خير لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي)
فإذا تيسر له الأمر بعد الاستخارة فليعلم أن هذا هو الخير؛ لأنه دعا الله أن يختار له ما هو خير ييسره له، فإذا تيسر فهذا علامة أن ذلك هو الخير.
وربما يرى الإنسان شيئا يدل على أن هذا هو الخير له، وربما ييسر الله له من يشير عليه بشيء فيأخذ بمشورته فيكون هو الخير.
المهم أنك إذا استخرت الله بصدق وإخلاص فما يجري بعد ذلك بأي سبب من الأسباب فهو الخير لك إن شاء الله تعالى.
وأما قول بعض الناس لا بد أن يرى الإنسان في الرؤيا أنه اختير له الإقدام أو الترك: فهذا لا أصل له، لكن بمجرد ما يستخير ثم يهيأ له الفعل أو الترك فإننا نعلم أن الله تعالى اختار له ما هو خير؛ لأنه قد سأل ربه أن يختار له ما هو خير"انتهى بتصرف يسير.
وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم: (٥٨٨٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4139
الدعاء بالاستخارة من غير صلاة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز الاستخارة: قراءة دعاء الاستخارة بدون صلاة الركعتين قبله، لأننا نكون فى الشارع على سبيل المثال؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الاستخارة هي دعاء الله تعالى، ليختار لك خير الأمرين، ويصرف عنك شرهما. وصلاة الركعتين إنما شرعت بين يدي الدعاء، ليكون أقرب إلى الإجابة، وأحضر للقلب، وأدعى للقبول.
قال ابن أبي جمرة – كما في "فتح الباري" (١١/١٨٦) -:
" الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء أن المراد بالاستخارة حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة، فيحتاج إلى قرع باب الملك، ولا شيء لذلك أنجع ولا أنجح من الصلاة، لما فيها من تعظيم الله، والثناء عليه، والافتقار إليه مآلا وحالا " انتهى.
والاستخارة التي علمنا إياها الرسول ﷺ تكون بصلاة ركعتين ثم الدعاء بعدها.
وإذا تعذر على المسلم الصلاة، لسبب من الأسباب فلا حرج عليه من دعاء الله تعالى أن ييسر له خير الأمرين من غير صلاة.
قال النووي ﵀ في "الأذكار" (ص/١٢٠) :
" ولو تعذرت عليه الصلاة استخار بالدعاء " انتهى.
وقد نقل كلام النووي هذا جماعة من علماء المذاهب، مقرين ومستشهدين به.
انظر: "حاشية رد المحتار" (٢/٢٧) ، "الفواكه الدواني" (١/٣٥) ، "شرح مختصر خليل للخرشي" (١/٣٧) ، "أسنى المطالب" (١/٢٠٥) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4140
أهمية صلاة الاستخارة
[السُّؤَالُ]
ـ[اسمحوا لي بهذا السؤال، أحب أن أسأل لأريح عقلي، وكثير من تحدثهم نفسهم بهذه الوساوس، وتعم الفائدة إن شاء الله على من يقرؤه. كثيرا ما نسمع عن صلاة الاستخارة، لكن لا نعمل بها إلا في حالات نادرة. وقد نصلي وهناك بعض الشك في قلوبنا؛ لأننا لا نعرف أهميتها. وأحيانا يجول في خواطرنا بأن قضاء الله هو الذي سيحدث، فما الفائدة من السؤال والدعاء والسعي؟ أخبروني عن صلاة الاستخارة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أهمية صلاة الاستخارة تكمن في أوجه ثلاثة:
الوجه الأول: تجريد الافتقار إلى الله، ونفي العلائق إلا بالله، وتحقيق التوكل عليه ، وتفويض الأمور إليه، وهي كلها معان سامية من معاني التوحيد والإسلام، تساعد صلاة الاستخارة في تحقيقها، وتعين على قيامها، خاصة لمن اعتاد اللجوء إليها، واستشعر في قلبه حقيقتها وحكمة تشريعها.
الوجه الثاني: الفلاح في الاختيار، والنجاح في الأمر، والتوفيق في السعي، فمن فوض أمره إلى الله كفاه، ومن سأل الله بصدق أعطاه حاجته ولم يمنعه.
يقول الغزالي في "إحياء علوم الدين" (١/٢٠٦) :
" قال بعض الحكماء: من أُعطي أربعا لم يُمنع أربعا: من أُعطي الشكر لم يُمنع المزيد، ومن أُعطي التوبة لم يُمنع القبول، ومن أٌعطي الاستخارةَ لم يُمنع الخِيَرة، ومن أُعطي المشورة لم يُمنع الصواب " انتهى.
أما حديث: (ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار) فهو حديث موضوع، انظر "السلسلة الضعيفة" (٦١١) للشيخ الألباني.
الوجه الثالث: الرضا بالقضاء، والقناعة بالمقسوم، فمن استخار الله تعالى في شأنه لم يندم على خياره، وقام في قلبه من الطمأنينة واليقين ما يدفع عنه كل هم أو حزن يحصل في اختياره، وهذا الوجه من أعظم الفوائد التي تجنيها صلاة الاستخارة في قلب العبد.
روى ابن أبي الدنيا في "الرضا عن الله بقضائه" (٩٢) وغيره بسنده عن وهب بن منبه قال:
" قال داود ﵇: رب! أي عبادك أبغض إليك؟ قال: عبد استخارني في أمر، فخرت له، فلم يرض به " انتهى.
يقول ابن القيم ﵀ في "الوابل الصيب" (١٥٧) :
" كان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: ما ندم من استخار الخالق وشاور المخلوقين وثبت في أمره " انتهى.
ويجمع هذه الحِكَمَ والفوائدَ جميعها العلامة ابن القيم في شرح رائع لأهمية صلاة الاستخارة فيقول – كما في "زاد المعاد" (٢/٤٤٢) -:
" وعوضهم بهذا الدعاء – دعاء الاستخارة - الذي هو توحيد وافتقار وعبودية وتوكل وسؤال لمن بيده الخير كله، الذي لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يصرف السيئات إلا هو، الذي إذا فتح لعبده رحمة لم يستطع أحد حبسها عنه، وإذا أمسكها لم يستطع أحد إرسالها إليه من التطير والتنجيم واختيار الطالع ونحوه، فهذا الدعاء هو الطالع الميمون السعيد، طالع أهل السعادة والتوفيق، الذين سبقت لهم من الله الحسنى، لا طالع أهل الشرك والشقاء والخذلان الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون.
فتضمن هذا الدعاء الإقرار بوجوده سبحانه، والإقرار بصفات كماله من كمال العلم والقدرة والإرادة، والإقرار بربوبيته، وتفويض الأمر إليه، والاستعانة به، والتوكل عليه، والخروج من عهدة نفسه، والتبري من الحول والقوة إلا به، واعتراف العبد بعجزه عن علمه بمصلحة نفسه وقدرته عليها، وإرادته لها، وأن ذلك كله بيد وليه وفاطره وإلهه الحق، وفى "مسند الإمام أحمد" من حديث سعد بن أبى وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: (من سعادة ابن آدم استخارة الله ورضاه بما قضى الله، ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارة الله وسخطه بما قضى الله)
فتأمل كيف وقع المقدور مكتنفا بأمرين: التوكل الذي هو مضمون الاستخارة قبله، والرضا بما يقضى الله له بعده، وهما عنوان السعادة. وعنوان الشقاء أن يكتنفه ترك التوكل والاستخارة قبله، والسخط بعده.
والتوكل قبل القضاء، فإذا أبرم القضاء وتم انتقلت العبودية إلى الرضا بعده، كما في "المسند"، وزاد النسائي في الدعاء المشهور: (وأسألك الرضا بعد القضاء) .
وهذا أبلغ من الرضا بالقضاء، فإنه قد يكون عزما فإذا وقع القضاء تنحل العزيمة، فإذا حصل الرضا بعد القضاء، كان حالا أو مقاما.
والمقصود أن الاستخارة توكل على الله، وتفويض إليه، واستقسام بقدرته وعلمه، وحسن اختياره لعبده، وهى من لوازم الرضا به ربا، الذي لا يذوق طعم الإيمان من لم يكن كذلك، وإن رضى بالمقدور بعدها، فذلك علامة سعادته " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4141
كيفية صلاة الاستخارة وشرح دعائها
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف تكون صلاة الاستخارة؟ وماهو الدعاء الذي يقال فيها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
صفة صلاة الاستخارة قد رواها جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَمِيُّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُهُمْ السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ: " إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الأَمْرَ ثُمَّ تُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ خَيْرًا لِي فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ قَالَ أَوْ فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْنِي عَنْهُ [واصرفه عني] وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ. " رواه البخاري ٦٨٤١ وله روايات أخرى في الترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة وأحمد
قال ابن حجر ﵀ في شرح الحديث:
الاستخارة: اسم، واستخار الله طلب منه الخِيَرة , والمراد طلب خير الأمرين لمن احتاج إلى أحدهما.
قوله (كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة.. في الأمور كلها) قال ابن أبي جمرة: هو عام أريد به الخصوص , فإن الواجب والمستحب لا يستخار في فعلهما والحرام والمكروه لا يستخار في تركهما , فانحصر الأمر في المباح وفي المستحب إذا تعارض منه أمران أيهما يبدأ به ويقتصر عليه. قلت:.. ويتناول العموم العظيم من الأمور والحقير , فرب حقير يترتب عليه الأمر العظيم.
قوله (إذا هَمَّ) .. وقع في حديث ابن مسعود " إذا أراد أحدكم أمرا فليقل ".
قوله (فليركع ركعتين.. من غير الفريضة) فيه احتراز عن صلاة الصبح مثلا.. وقال النووي في " الأذكار ": لو دعا بدعاء الاستخارة عقب راتبة صلاة الظهر مثلا أو غيرها من النوافل الراتبة والمطلقة.. ويظهر أن يقال: إن نوى تلك الصلاة بعينها وصلاة الاستخارة معا أجزأ , بخلاف ما إذا لم ينو.
وقال ابن أبي جمرة. الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء أن المراد بالاستخارة حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة فيحتاج إلى قرع باب المَلِك , ولا شيء لذلك أنجع ولا أنجح من الصلاة لما فيها من تعظيم الله والثناء عليه والافتقار إليه مآلا وحالا.
وقوله (ثم ليقل) ظاهر في أن الدعاء المذكور يكون بعد الفراغ من الصلاة ويحتمل أن يكون الترتيب فيه بالنسبة لأذكار الصلاة ودعائها فيقوله بعد الفراغ وقبل السلام.
قوله (اللهم إني أستخيرك بعلمك) الباء للتعليل أي لأنك أعلم , وكذا هي في قوله " بقدرتك " ويحتمل أن تكون للاستعانة.. وقوله " وأستقدرك ".. معناه أطلب منك أن تجعل لي قدرة على المطلوب , ويحتمل أن يكون المعنى أطلب منك أن تقدِّره لي , والمراد بالتقدير التيسير.
قوله (وأسالك من فضلك) إشارة إلى أن إعطاء الرب فضل منه , وليس لأحد عليه حق في نعمه كما هو مذهب أهل السنة.
قوله (فإنك تقدر ولا أقدر , وتعلم ولا أعلم) إشارة إلى أن العلم والقدرة لله وحده , وليس للعبد من ذلك إلا ما قدّر الله له.
قوله (اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر) .. في رواية.. " ثم يسميه بعينه ".. وظاهر سياقه أن ينطق به , ويحتمل أن يكتفي باستحضاره بقلبه عند الدعاء.
قوله (فاقدره لي) .. أي نَجِّزه لي " , وقيل معناه يسره لي.
قوله (فاصرفه عني واصرفني عنه) أي حتى لا يبقى قلبه بعد صرف الأمر عنه متعلقا به ,
قوله (ورَضِّني) .. أي اجعلني بذلك راضيا فلا أندم على طلبه ولا على وقوعه لأني لا أعلم عاقبته وإن كنت حال طلبه راضيا به..
والسرّ فيه أن لا يبقى قلبه متعلقا به فلا يطمئن خاطره. والرضا سكون النفس إلى القضاء.
انتهى ملخّصا من شرح الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح الحديث في كتاب الدعوات وكتاب التوحيد من صحيح البخاري.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 4142
صلّى الاستخارة ولم يحسّ بأيّ شيء
[السُّؤَالُ]
ـ[ما النصيحة التي توجهها لشخصين يريدان الزواج، كلاهما صلى الاستخارة والمرأة فقط وصلتها الرسالة وليس الرجل، رأت هذه الأخت بأنها وزوجها يعيشان بسعادة سوياً وأن الله يقول لها بأن هذا هو الخيار الصحيح لكليهما. ولكن ماذا عن الرجل الذي لم ير أي علامة أو إحساس أو منام؟ ماذا يجب عليهما أن يفعلا؟ كم المدة الواجب فيها صلاة الاستخارة؟ البعض قال ٣ أيام والبعض قال ٧. جزاك الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أما صلاة الاستخارة ودعاؤها: فدليلها ما رواه البخاري (١١٠٩) وغيره عن جابر بن عبد الله ﵄: انظر في شرح الحديث وفوائده سؤال ٢٢١٧ وسؤال ٤١٠.
وأما قول بعض الناس " ثم يمضي لما ينشرح صدره له " فقد ورد فيه حديث عن النَّبيِّ ﷺ رواه ابن السنِّي - قال " إذا هممتَ بالأمر فاستخر ربك سبعاً ثم انظر إلى ما يسبق في قلبك فإنَّ الخير فيه ".
قال النووي: إسناده غريبٌ. فيه من لا أعرفهم. أ. هـ "الأذكار" (ص١٣٢) .
وقال الحافظ ابن حجر: وهذا لو ثبت لكان هو المعتمد، لكن سنده واهٍ جداً. أ. هـ "الفتح" (١١/٢٢٣) .
قال الحافظ العراقي: فيه راوٍ معروفٌ بالضعفِ الشديدِ وهو إبراهيم بن البراء.. فعلى هذا فالحديث ضعيف جدا. أ. هــ "الفتوحات الربانية" (٣/٣٥٧) .
والصواب: أنَّ تيسير الأمر من الله بعد تقديره وقبول الدعاء- هو علامة الخيرية في المضيِّ في العمل، ووجود العوائق وعدم تيسر الأمر هو دليل صرف الله تعالى عبده عن هذا العمل. ويظهر هذا المعنى جليًّا عند التأمُّلٍ في حديث جابر في الاستخارة، في قوله ﷺ " اللهم إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذا الأَمْرَ - ويسميه - خَيْرٌ لي في دِيني وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاقْدُرْهُ لي وَيَسِّرْهُ لي ثُمَّ بَارِكْ لي فِيهِ. وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذا الأَمْرَ شَرٌّ لي في دِيني وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ ".
. قال ابن علاّن - بعد أن نقل تضعيف حديث أنس عن الأئمة -: ومِن ثَمَّ قيل: إنَّ الأولى أن يفعل بعدها ما أراد (أي: وإن لم يشعر بانشراح الصّدْر) ، إذ الواقع بعدها- (أي: بعد الصلاة) - هو الخير..
وقال الحافظ ابن حجر: قال الحافظ زين الدين العراقي (في العمل بعد الاستخارة) : ".. مهما فعله، فالخير فيه، ويؤيده ما وقع في آخر حديث ابن مسعود في بعض طرقه " ثم يعزم" أ. هـ كلام العراقي. قلت - (أي: ابن حجر) : قد بَيَّنتُها فيما تقدّم وأن راويها - (أي: زيادة "ثم يعزم") - ضعيفٌ، لكنه أصلح حالاً من راوي هذا الحديث - (أي: حديث: ثم انظر ما يَسْبق إلى قلبك) - أ. هـ كلام ابن حجر "الفتوحات الربانية" (٣/٣٥٥-٣٥٧) .
هـ. ومن خرافات الناس المنتشرة أنك بعد الاستخارة تنام، فما رأيتَه في منامك من خيرٍ وانشراح صدرٍ فهو يعني أنَّ أمرك خيرٌ فتسير فيه وإلا فلا! (وهذا ما قصده السائل بقوله: وصلت الرسالة!!) وليس لهذا دليل صحيح كما عرفنا.
وما مضى من البحث لا يعني أن انشراح الصدر لا يكون من العلامات، لكن لا ينبغي جعله هو العلامة الوحيدة والقاطعة على خيرية الأمر، والانسان كثيرا ما يستخير على أمر يحبه، وصدره منشرح له بالأساس.
قال شيخ الإسلام ﵀ في مسألة انشراح الصّدْر: فإذا استخار الله كان ما شرح له صدره وتيسّر له من الأمور هو الذي اختاره الله له. أ. هــ"مجموع الفتاوى" (١٠/٥٣٩) .
ففرقٌ بين مَن جعل "انشراح الصدر" هو العلامة الوحيدة وبين مَن جعلها مِن العلامات.
ولا يوجد مدة محدّدة لصلاة الاستخارة، ويجوز تكرار الصلاة أكثر مرة، وليست محدّدة بعدد من المرات، وللمصلي أن يدعو قبل السلام، أو بعد السلام، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 4143
هل يستخير المسلم في الأمور الإجبارية
[السُّؤَالُ]
ـ[سألني أحد الأخوة عن جواز أداء صلاة الاستخارة لأي مشروع أو عمل كان ونحن نعرف حديث جابر بن عبد الله ﵄ حيث قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها.....) والحديث في البخاري. ماذا إذا أراد أحد أن يؤدي صلاة الاستخارة لأمر إلزامي! لأنني لم أفهم المراد بكلمة كلها هل تشمل (الكل) أم (الأغلبية) لأن كلمة (كل) في اللغة العربية وعلى حسب معرفتي
قد تعني (الأغلبية) .
فهلا أفدتموني يا سماحة الشيخ ببعض الإيضاحات حول كلمة (كلها) ؟ وهل يمكن أداء صلاة الاستخارة في الأمور الإجبارية؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فِعل الواجبات لا خِيَرةَ فيه لأن الله ألزمنا به، وكذلك تركُ المحرَّمات، فلا معنى للاستخارة في أمر لا بدّ لنا من فعله ولا يُشرع في ذلك صلاة الإستخارة، والإِستخارة إنَّما تكون في المباحات لترجيح أحَدِ الأمْرينِ على الآخر، وكذلك تعيِينُ ما تعدد أفرَادُه من المُسْتحَبَّات فيستخير من أجل تقديم مستحبّ معيّن منها كأن يحتار إلى أي المدن يتجه لطلب العلم أو على أيّ شيخ يدرس أو في أيّ حلقة يجلس فيستشير ثم يستخير على ما ترجّح لديه، وكذلك يستخير عند الإِقدام على الزواج مِنِ امرأةٍ بِعيْنِهَا، أو الحجِّ النَّفل في هذا العام أو فيِ الذي يليه، وكذلك كلُّ شيء فيه تردد، فهذا داخل في قوله " يعلِّمنا الإستخارة في الأمور كلها.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 4144
فسخ الخطبة بسبب رؤيا منام
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز فسخ الخطوبة بعد سنتين لأن الخطيب رؤي في حلم سيء بعد الاستخارة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المسلم ينطلق في أحكامه وفهمه لواقعه ومعايشته لتجارب زمانه من منطلقات العقل والحكمة، والأسباب التي أمر الله بمراعاتها والأخذ بها، وبذلك جاءت الشريعة الإسلامية، تأمر بالنظر والتفكر واستعمال موازين العقل والتجربة، ثم الحكم بعد ذلك على الأشخاص أو الأعمال.
يقول الله :
(كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) البقرة/٢٤٢
وليس في شريعتنا أبدا الركون إلى الرؤى والأحلام والمنامات، لا في معايش الدنيا ولا في أحكام الدين، فإن المعرفة المتحصلة عن طريق الرؤى والمنامات غير منضبطة ولا متيقنة، بل يداخلها الشك والريبة، ولا يمكن أن تُرجع الشريعة الناس في معارفهم إلى مصادر موهومة لا تحقق أدنى مستويات العلم.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:
(الرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: فَرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ) رواه مسلم (٢٢٦٣)
فالشيطان له نصيب مما يراه الإنسان في منامه، كما للنفس نصيب أيضا، وتمييز ذلك قد لا يكون واضحا في جميع الأحيان، فكيف يطمئن المسلم إلى منام رآه ثم يبني عليه اختياره وهو يعلم أن الشيطان قد يكون له منه أوفر حظ ونصيب؟!
ومن ذلك أمر الزواج أيضا، فقد حدد لنا النبي ﷺ الصفات التي ينبغي أن ينبني عليها الحكم بالقبول أو الرفض فيمن يتقدم للخطبة فقال:
(إذا جاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ قَالَ إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)
رواه الترمذي (١٠٨٥) وقال حسن غريب، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
فجعل الخلق والدين هو المقياس الذي ينبغي أن يتحاكم إليه الناس في رفضهم أو قبولهم، وينبغي للسائلة الكريمة ألا تلتفت إلا إليه، ولا تستجيب لما تراه في منامها من أمور قد يكون للشيطان فيها نصيب، يريد بها التفريق بين الزوجين وإحداث الشقاق والنزاع.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "لقاء الباب المفتوح" (لقاء رقم ٥/سؤال رقم ١٧) ما يلي:
خطب رجل امرأة، فرأته في المنام حالق اللحية، فهل توافق عليه أم لا؟ وفي اليقظة ظاهره طيب، لم يحلق اللحية، وهو شخص ملتزم ولا نزكي على الله أحدا ً.
فأجاب ﵀:
" المرأة التي رأت الرجل الذي خطبها في المنام حالق اللحية وهو في الواقع ليس بحالق لها لا يضرها ما رأت في المنام، ولا ينبغي أن يمنعها من التزوج به ما دام مستقيماً في دينه وخلقه " انتهى.
ثم يجب التنبه إلى أن الاستخارة لا علاقة لها برؤيا المنام – كما يظن كثير من الناس -، فإن المقصود من الاستخارة هو سؤال الله تعالى تيسير خير الأمرين، والالتجاء إليه سبحانه في الإرشاد إلى أحسن الأمور، والاستخارة دعاء إذا استجاب الله له يسر الأمر الذي اختاره المستخير – بعد التفكير والتأمل – ولا يرتبط الدعاء من قريب أو بعيد برؤيا المنام.
فالنصيحة للأخت السائلة الكريمة أن تراجع أمرها، ولا تسعى في خراب رابطتها الزوجية بمجرد رؤيا منامية، بل ينبغي أن تحكم الدين والعقل في أمر خطيبها، ثم تتخذ بعد ذلك الموقف المناسب.
وانظري جواب السؤال رقم (٢٥٧٩٣) ، (٣٤٧٢٦)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4145
صلاة الاستخارة
[السُّؤَالُ]
ـ[أود معرفة المزيد عن صلاة الاستخارة. ماذا أتلو، وأدعو، كم عدد الركعات، وما هو الأجر من ذلك. وهل صلاة المذهب الحنبلي والشافعي والحنفي بنفس الطريقة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
صلاة الاستخارة سنة شرعها النبي ﷺ لمن أراد أن يعمل عملاً ولكنه مترددٌ فيه، وسيكون الحديث عن صلاة الاستخارة من خلال ثمان نقاط:
١ـ تعريفها. ٢ـ حكمها. ٣ـ الحكمة من مشروعيتها. ٤ـ سببها.
٥ـ متى تبدأ الاستخارة. ٦ـالاستشارة قبل الاستخارة. ٧ـ ماذا يقرأ في الاستخارة؟ .
٨ـ متى يكون الدعاء؟ .
المطلب الأول: تعريفها.
الاسْتِخَارَةُ لُغَةً: طَلَبُ الْخِيَرَةِ فِي الشَّيْءِ. يُقَالُ: اسْتَخِرْ اللَّهَ يَخِرْ لَك. وَاصْطِلَاحًا: طَلَبُ الاخْتِيَارِ. أَيْ طَلَبُ صَرْفِ الْهِمَّةِ لِمَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ اللَّهِ وَالأَوْلَى , بِالصَّلاةِ , أَوْ الدُّعَاءِ الْوَارِدِ فِي الِاسْتِخَارَةِ.
المطلب الثاني: حكمها.
أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الاسْتِخَارَةَ سُنَّةٌ , وَدَلِيلُ مَشْرُوعِيَّتِهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ: إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ , وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ , وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ , وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ , وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ , اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ , فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ , اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ , فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ ارْضِنِي بِهِ. وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ صَحِيحِهِ (١١٦٦) وَفِي بَعْضِهَا ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ.
المطلب الثالث: الحكمة من مشروعيتها.
حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الاسْتِخَارَةِ , هِيَ التَّسْلِيمُ لأَمْرِ اللَّهِ , وَالْخُرُوجُ مِنْ الْحَوْلِ وَالطَّوْلِ , وَالالْتِجَاءُ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ. لِلْجَمْعِ بَيْنَ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَيَحْتَاجُ فِي هَذَا إلَى قَرْعِ بَابِ الْمَلِكِ , وَلا شَيْءَ أَنْجَعُ لِذَلِكَ مِنْ الصَّلاةِ وَالدُّعَاءِ ; لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ , وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ , وَالافْتِقَارِ إلَيْهِ قَالا وَحَالا، ثم بعد الاستخارة يقوم إلى ما ينشرح له صدره.
المطلب الرابع: سببها.
سَبَبُهَا (مَا يَجْرِي فِيهِ الاسْتِخَارَةُ) : اتَّفَقَتْ الْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِخَارَةَ تَكُونُ فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَدْرِي الْعَبْدُ وَجْهَ الصَّوَابِ فِيهَا , أَمَّا مَا هُوَ مَعْرُوفٌ خَيْرَهُ أَوْ شَرَّهُ كَالْعِبَادَاتِ وَصَنَائِعِ الْمَعْرُوفِ وَالْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرَاتِ فَلا حَاجَةَ إلَى الاسْتِخَارَةِ فِيهَا , إلا إذَا أَرَادَ بَيَانَ خُصُوصِ الْوَقْتِ كَالْحَجِّ مَثَلا فِي هَذِهِ السُّنَّةِ ; لِاحْتِمَالِ عَدُوٍّ أَوْ فِتْنَةٍ , وَالرُّفْقَةِ فِيهِ , أَيُرَافِقُ فُلانًا أَمْ لا؟ وَعَلَى هَذَا فَالاسْتِخَارَةُ لا مَحَلَّ لَهَا فِي الْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ , وَإِنَّمَا تَكُونُ فِي الْمَنْدُوبَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ. وَالاسْتِخَارَةُ فِي الْمَنْدُوبِ لا تَكُونُ فِي أَصْلِهِ ; لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ , وَإِنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ التَّعَارُضِ , أَيْ إذَا تَعَارَضَ عِنْدَهُ أَمْرَانِ أَيُّهُمَا يَبْدَأُ بِهِ أَوْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ؟ أَمَّا الْمُبَاحُ فَيُسْتَخَارُ فِي أَصْلِهِ.
المطلب الخامس: مَتَى يَبْدَأُ الاسْتِخَارَةَ؟
يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَخِيرُ خَالِيَ الذِّهْنِ , غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى أَمْرٍ مُعَيَّنٍ , فَقَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ: " إذَا هَمَّ " يُشِيرُ إلَى أَنَّ الِاسْتِخَارَةَ تَكُونُ ِنْدَ أَوَّلِ مَا يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ , فَيَظْهَرُ لَهُ بِبَرَكَةِ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ مَا هُوَ الْخَيْرُ , بِخِلَافِ مَا إذَا تَمَكَّنَ الْأَمْرُ عِنْدَهُ , وَقَوِيَتْ فِيهِ عَزِيمَتُهُ وَإِرَادَتُهُ , فَإِنَّهُ يَصِيرُ إلَيْهِ مَيْلٌ وَحُبٌّ , فَيَخْشَى أَنْ يَخْفَى عَنْهُ الرَّشَادُ ; لِغَلَبَةِ مَيْلِهِ إلَى مَا عَزَمَ عَلَيْهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْهَمِّ الْعَزِيمَةَ ; لأَنَّ الْخَاطِرَ لا يَثْبُتُ فَلَا يَسْتَمِرُّ إلَّا عَلَى مَا يَقْصِدُ التَّصْمِيمَ عَلَى فِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ. وَإِلا لَوْ اسْتَخَارَ فِي كُلِّ خَاطِرٍ لاسْتَخَارَ فِيمَا لا يَعْبَأُ بِهِ , فَتَضِيعُ عَلَيْهِ أَوْقَاتُهُ. "
المطلب السادس: الاسْتِشَارَةُ قَبْلَ الاسْتِخَارَةِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَشِيرَ قَبْلَ الاسْتِخَارَةِ مَنْ يَعْلَمُ مِنْ حَالِهِ النَّصِيحَةَ وَالشَّفَقَةَ وَالْخِبْرَةَ , وَيَثِقُ بِدِينِهِ وَمَعْرِفَتِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وَإِذَا اسْتَشَارَ وَظَهَرَ أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ , اسْتَخَارَ اللَّهَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْثَمِيُّ: حَتَّى عِنْدَ الْمُعَارِضِ (أَيْ تَقَدُّمِ الاسْتِشَارَةِ) لأَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ إلَى قَوْلِ الْمُسْتَشَارِ أَقْوَى مِنْهَا إلَى النَّفْسِ لِغَلَبَةِ حُظُوظِهَا وَفَسَادِ خَوَاطِرِهَا. وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ نَفْسُهُ مُطْمَئِنَّةً صَادِقَةٌ إرَادَتَهَا مُتَخَلِّيَةً عَنْ حُظُوظِهَا , قَدَّمَ الاسْتِخَارَةَ.
المطلب السابع: الْقِرَاءَةُ فِي صَلاةِ الاسْتِخَارَةِ.
- فِيمَا يَقْرَأُ فِي صَلاةِ الاسْتِخَارَةِ ثَلاثَةُ آرَاءٍ:
أ - قَالَ الْحَنَفِيَّةُ , وَالْمَالِكِيَّةُ , وَالشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ , وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . وَذَكَر النَّوَوِيُّ تَعْلِيلًا لِذَلِكَ فَقَالَ: نَاسَبَ الْإِتْيَانُ بِهِمَا فِي صَلَاةٍ يُرَادُ مِنْهَا إخْلَاصُ الرَّغْبَةِ وَصِدْقُ التَّفْوِيضِ وَإِظْهَارُ الْعَجْزِ , وَأَجَازُوا أَنْ يُزَادَ عَلَيْهِمَا مَا وَقَعَ فِيهِ ذِكْرُ الْخِيَرَةِ مِنْ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
ب - وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنْ يَزِيدَ فِي صَلاةِ الاسْتِخَارَةِ عَلَى الْقِرَاءَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبُّك يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ. مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّك يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى , وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا﴾
ج - أَمَّا الْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ فَلَمْ يَقُولُوا بِقِرَاءَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي صَلاةِ الِاسْتِخَارَةِ.
المطلب الثامن: مَوْطِنُ دُعَاءِ الاسْتِخَارَةِ.
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ , وَالْمَالِكِيَّةُ , وَالشَّافِعِيَّةُ , وَالْحَنَابِلَةُ: يَكُونُ الدُّعَاءُ عَقِبَ الصَّلاةِ , وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا جَاءَ فِي نَصِّ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أنظر الموسوعة الفقهية ج٣ ص٢٤١
قال شيخ الاسلام في الفتاوى الكبرى ج٢ ص٢٦٥: مَسْأَلَةٌ فِي دُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ , هَلْ يَدْعُو بِهِ فِي الصَّلاةِ؟ أَمْ بَعْدَ السَّلامِ؟ الْجَوَابُ: يَجُوزُ الدُّعَاءُ فِي صَلاةِ الاسْتِخَارَةِ , وَغَيْرِهَا: قَبْلَ السَّلامِ , وَبَعْدَهُ , وَالدُّعَاءُ قَبْلَ السَّلامِ أَفْضَلُ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكْثَرُ دُعَائِهِ قَبْلَ السَّلامِ , وَالْمُصَلِّي قَبْلَ السَّلامِ لَمْ يَنْصَرِفْ , فَهَذَا أَحْسَنُ , وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ..
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4146
من استخار في أمر فليمض فيه وليعزم
[السُّؤَالُ]
ـ[قمت بخطبة فتاة بقصد الزواج بها، ثم قمت بعد ذلك بصلاة الاستخارة بشأن هذا الزواج، فإذا بنفس اليوم الذي قمت فيه بصلاة الاستخارة ذهبت أنا وعائلتي لزيارة عائلة خطيبتي فإذا بها تتصرف تصرفا غير لائق مع والدتي مما أدى إلى خلق مشكلة مع عائلتي، فهل يجب علي أن أعتبر أن هذا الأمر إجابة من الله لأبتعد عن هذه الفتاة أو يجب علي مواصلة علاقتي بها رغم تخوف أفراد عائلتي من أن تضر هذه الفتاة بعلاقتنا الأسرية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كانت هذه الفتاة مرضية الدين والخُلق، واستخرت الله تعالى في خطبتها، فامض في أمرك ولا تتردد، فما يسره الله لك فهو الخير إن شاء الله، فعلامة الاستخارة: تيسير الأمر ومضيه، فإن تعسر ولم يمض كان دليلا على أنه لا خير للعبد فيه، ولهذا جاء في دعاء الاستخارة: (اللهم إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذا الأَمْرَ - ويسميه - خَيْرٌ لي في دِيني وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاقْدُرْهُ لي وَيَسِّرْهُ لي ثُمَّ بَارِكْ لي فِيهِ. وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذا الأَمْرَ شَرٌّ لي في دِيني وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ) .
وتصرف الفتاة تصرفا خاطئا مع والدتك ليس سببا كافيا لتركها، فقد يقع ذلك على سبيل الغفلة أو الزلة أو لشدة الحياء ونحو ذلك.
لكن إن ظهر لك أن هذا التصرف يقدح في دينها أو خلقها، فهنا تكون محقّاً في ترددك في إتمام الزواج. وينبغي عليك إذا أردت أن تمضي هذا الزواج أن تزيل الوحشة بين أهلك وخطيبتك، وأن تهيئ أسرتك لاستقبالها فردا جديدا من أفرادها.
والحاصل أن من صدق في اللجوء إلى ربه، وتفويض أمره إليه، واستخار في أمر من أموره، فليمض فيه، فإن تيسر كان هذا دليلا على أنه الخير له، وإن وقف وتعسر، فلينصرف عنه، وليعلم أن صرف ذلك عنه هو الخير إن شاء الله. وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى، ويسر لنا ولك أرشد الأمور وأحبها إليه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4147
كيف يمكن الاستفادة من صلاة الاستخارة بشكل صحيح ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف يمكن الاستفادة من صلاة الاستخارة بشكل صحيح؟
بعد صلاة الاستخارة والتي قمت بها بعد أن تقدم لي شخص ما، حلمت أن أخت الخاطب كانت تلبسني جبة خضراء وكانت تقول لي بأن أخاها الخاطب لا يهدي إلا كل ما هو جميل، فأرجو منكم أن تدلوني على معنى هذه الرؤية حتى أتمكن من الاستفادة من صلاة الاستخارة بشكل صحيح.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هنا عدة أمور ينبغي التفطن لها:
أولاً:
بالنسبة للرؤيا التي رأيتِها؛ فعليك بسؤال من يحسن ذلك ممن يوثق بدينه وعقيدته ليفسرها لك، واحذري من الجهلة والمشعوذين.
ثانياً:
يظن كثير من الناس أنه يشترط في نتيجة الاستخارة؛ أن يتبعها رؤيا منام، أو راحة ملموسة في الصدر، أو ما شابه ذلك، مع أن الأمر ليس كذلك، فلو لم يحدث شيء من ذلك، وكان الإنسان قد استخار، وبذل الأسباب الممكنة في معرفة الأصلح له؛ من الاستشارة، والتحري، وسؤال أهل الخبرة، ثم أقدم بعد ذلك، فيرجى أن يكون هذا هو الخير له، ولو لم ينشرح صدره ابتداء، بل حتى لو فرض عدم توفيقه في هذا الأمر الذي أقدم عليه بعد الاستخارة؛ فقد يكون فيه خير له لا يعلمه هو، ويعلمه ربه .
قال ابن الحاج المالكي:
" وبعضهم يستخير الاستخارة الشرعية ويتوقف بعدها حتى يرى مناماً يفهم منه فعل ما استخار فيه أو تركه، أو يراه غيره له، وهذا ليس بشيء، لأن صاحب العصمة ﷺ قد أمر بالاستخارة والاستشارة، لا بما يرى في المنام " انتهى.
"المدخل" (٤/ ٣٧) .
ثالثاً:
لو فرض أن تعبير الرؤيا كان يدل على خير، فإن الرؤى الصالحة لا تعدو أن تكون مبشرات، لكن لا يعتمد عليها، بل ينبغي التحري والسؤال عن المتقدم للخطبة والتأكد من سلامة دينه وأخلاقه وغيرها مما يهمك التعرف عليه في شأنه، فإذا تحققت من هذه الأمور، فتكون الرؤيا الصالحة هي بمثابة التبشير، والتفاؤل بالخير من هذا الإقدام.
نسأل الله تعالى أن ييسر لك الخير، ويبارك لك فيه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4148
هل يصلي صلاة الاستخارة في وقت النهي ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن أصلي صلاة الاستخارة في وقت النهي عن الصلاة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سبق في جواب السؤال (٣٠٦) ، (٨٨١٨) ، (٢٠٠١٣) بيان الأوقات التي نهى النبي ﷺ عن الصلاة فيها، وأن المراد بذلك النهي: صلاة النفل المطلق التي لا سبب لها، وأما النافلة التي لها سبب كتحية المسجد فإنها تصلى في وقت النهي.
وقد اختلف العلماء في صلاة الاستخارة هل تعتبر من ذوات الأسباب أم لا؟
والصواب في هذا: أن الاستخارة إذا كانت لأمر يفوت بحيث لا يمكن من تأجيل الصلاة فإنها تصلى في وقت النهي، كما لو عرض له السفر بعد صلاة العصر، وأما إن كانت لأمر لا يفوت بحيث يمكن تأجيل الصلاة إلى ما بعد انتهاء وقت النهي فإنها لا تصلى في وقت النهي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" (٥/٣٤٥) :
" وتقضى السنن الراتبة , ويفعل ما له سبب في أوقات النهي , وهو إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار جماعة من أصحابنا وغيرهم , ويصلي صلاة الاستخارة وقت النهي في أمر يفوت بالتأخير إلى وقت الإباحة.
ويستحب أن يصلي ركعتين عقب الوضوء ولو كان وقت النهي , وقاله الشافعية " انتهى.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل يصلي الإنسان صلاة الاستخارة في وقت النهي؟
فأجاب:
" صلاة الاستخارة إن كانت لأمر مستعجل لا يتأخر حتى يزول النهي فإنها تفعل، وإن كانت لسبب يمكن أن يتأخر فإنه يجب أن تؤخر " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٤/٢٧٥) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4149
يحب الدعوة ورأى حلماً مزعجاً
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو أن يكون بإمكانكم مساعدتي في حيرتي، صليت الاستخارة قبل خمسة أيام، سألت الله إن كان باستطاعتي أن أحول رجلاً غير مسلم إلى مسلم وأن أريه طريق الصواب لحبي للإسلام ولله، أنا مهووس بهذه الفكرة لأنها أمنيتي في الحياة ولو لمرة واحدة في حياتي لأني أحب الله كثيرا من كل قلبي. لقد سألت الله في صلاة الاستخارة إن كان حلمي سيتحقق وأيضا سألته الهداية لذلك.
لكن حلمت اليوم صباحا بحلم مزعج. فما رأيكم ?.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله أن يثيبك على ما تقوم به من واجب الدعوة إلى الله، والحرص على نشر الخير، وحبك للخير ونشره يدل على خيريتك إن شاء الله، ونسأل الله أن تكون داخلاً في قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ .
وأما ما ذكرت من محبتك لله فهذه صفة أحباب الله الذين قال الله عنهم: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ ، فمن أحب الله بصدق أحبه الله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه " رواه البخاري (٦٥٠٧) ومسلم (٢٦٨٣) .
وقد أخرج البخاري (٧٣٧٥) ومسلم (٨١٣) عن عائشة ﵂: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ سَلُوهُ لأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ " فهذا الرجل أحب صفة الله فأحبه الله.
وإذا أردت أن تعرف صدق محبتك لله فاعرض نفسك على هذه الآية التي يقول الله تعالى فيها: ﴿قل إن كنتم تُحبون الله فاتبعوني يُحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ أي اتبعوا النبي ﷺ .
فإذا أحبك الله فأبشر بالخير العظيم فقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: " مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ " رواه البخاري (٦٥٠٢)
فهذه ست فوائد من فوائد محبة الله للعبد وهي على سبيل التفصيل:
١- أن يكون الله سمعه، أي أنه لا يسمع إلا ما يرضي الله.
٢- أن يكون بصره، أي لا ينظر إلا إلى ما يُرضي الله.
٣- أن يكون رجله التي يمشي عليها، أي لا يمشي إلا إلى ما يحبه الله.
٤- أن يكون يده التي يبطش بها، أي أنه لا ينتقم لنفسه وإنما لله فلا يعمل بيده إلا ما يرضي الله.
٥- أن يستجيب الله دعائه.
٦- أن يعيذه الله من كل ما يكره.
فهنيئاً لأحباب الله، هنيئاً لأولياء الله، هنيئاً لحزب الله: (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون)
أما الاستخارة فإنها تشرع عندما يهمُّ الإنسان بالقيام بعمل ثم يتردد فيه، وأما عملك الذي تقوم به وهو دعوة الخلق إلى الله، فلا يحتاج منك إلى استخارة بل أقدم وادع إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
وأما بالنسبة للحلم الذي رأيته في منامك فهو من الشيطان، وقد أرشدنا النبي ﷺ عندما نرى ما يسرنا أن نخبر به من نُحب، وأما إذا رأينا ما نكره أن نستعيذ بالله من الشيطان وأن ننفث عن اليسار ثم نتحول إلى الجهة الأخرى، ولا نلتفت إلى هذا الحلم أنظر السؤال (٩٥٧٧) .
وإذا أردت أن تتعرف على هدي النبي ﷺ في النوم فراجع السؤال رقم (٢١٢١٦)
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4150
المواظبة على القنوت في الوتر كل ليلة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم قراءة دعاء القنوت في كل ليلة بعد الوتر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا حرج في هذا. دعاء القنوت سنة، وكان النبي ﷺ يقنت، وقد علم الحسن القنوت وكلمات القنوت في الوتر، فهو سنة، فإذا قرأت في كل ليلة فلا بأس، وإن تركت في بعض الأحيان حتى يعلم الناس أنه ليس بواجب، فهذا لا بأس به، إذا ترك الإمام القنوت بعض الأحيان ليعلم الناس أنه ليس بواجب، فلا بأس، النبي ﷺ لما علم الحسن القنوت لم يقل له: دعه في بعض الأيام، دل ذلك على أنه إذا استمر فلا حرج" انتهى.
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀
"فتاوى نور على الدرب" (٢/١٠٦٢) .
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
فتاوى نور على الدرب
стр. 4151
إذا أوتر بركعة واحدة، فماذا يقرأ فيها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد معرفة صلاة الوتر ذات الركعة الواحدة ما الآية التي تقرأ فيها هل تقرأ سورة (سبح اسم ربك الأعلى) ، أم سورة (الإخلاص) ، أم سورة (الكافرون) أم تقرأ الثلاث السور كلها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
السنة لمن أوتر بثلاث ركعات أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: "سبح اسم ربك الأعلى"، وفي الثانية: "قل يا أيها الكافرون"، وفي الثالثة: "قل هو الله أحد".
ودليل ذلك ما رواه أحمد (٢٧١٥) والترمذي (٤٦٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ: بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وروى النسائي (١٧٣٠) وابن ماجه (١١٧١) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵄ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
واستحب بعض الأئمة أن يقرأ المعوذتين بعد سورة الإخلاص في الركعة الثالثة. واستدلوا بما رواه الترمذي (٤٦٣) عن عائشة ﵂ أنها سئلت: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يُوتِرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فقَالَتْ: (كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بِقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّالِثَةِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ) .
وقد صحح هذا الحديث: الحاكم ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وضعفه الإمام أحمد ويحيى بن معين والعقيلي والشوكاني وغيرهم.
قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٢/٥٩٩) :
"ويستحب أن يقرأ في ركعات الوتر الثلاث، في الأولى بـ (سبح) ، وفي الثانية: (قل يا أيها الكافرون) ، وفي الثالثة: (قل هو الله أحد) وبه قال الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي، وقال الشافعي: يقرأ في الثالثة: (قل هو الله أحد) والمعوذتين، وهو قول مالك في الوتر، وقال في الشفع: لم يبلغني فيه شيء معلوم، وقد روي عن أحمد أنه سئل: يقرأ بالمعوذتين في الوتر؟ قال: ولِمَ لا يقرأ؟ ...
وحديث عائشة في هذا لا يثبت، فإنه يرويه يحيى بن أيوب وهو ضعيف، وقد أنكر أحمد ويحيى بن معين زيادة المعوذتين" انتهى.
وقول الإمام أحمد ﵀: ولِمَ لا يقرأ؟ يعني: مع ضعف الحديث، فلا حرج عليه إذا قرأ المعوذتين مع قل هو الله أحد في الركعة الثالثة، وإن كان الأصح أن يقتصر على (قل هو الله أحد) فقط.
وبالرغم من ورود حديث ابن عباس وأبي بن كعب وعائشة ﵄ في قراءة الرسول ﷺ هذه السور الثلاثة فقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب أبو حنيفة إلى أنه يقرأ في الوتر ما يشاء، وكذا الإمام مالك، في ركعتي الشفع ـ كما ذكره ابن قدامة عنه، وقد نقلناه آنفاً.
وهو قول بعض التابعين كإبراهيم النخعي ﵀، فقد روى عبد الرزاق في "المصنَّف" (٣/٣٤) عن إبراهيم النخعي قال: اقرأ فيهن ما شئت، ليس فيهن شيء موقوت. أي: محدد.
وجاء في " المدونة " (١ / ٢١٢) :
وقال مالك: الوتر واحدة، والذي أقر به وأقرأ به فيها في خاصة نفسي: (قل هو الله أحد) ، و (قل أعوذ برب الفلق) ، و (قل أعوذ برب الناس) في الركعة الواحدة مع أمِّ القرآن: قال ابن القاسم: وكان لا يفتي به أحدا، ولكنه كان يأخذ به في خاصة نفسه. انتهى.
وظاهر هذا، أنه لم يثبت شيء عند الإمام مالك ﵀ في القراءة في الوتر، وإلا كان أفتى به.
وجاء في "الموسوعة الفقهية" (٢٧/٢٩٨) :
"ما يقرأ في صلاة الوتر.. اتفق الفقهاء على أنه يقرأ في كل ركعة من الوتر الفاتحة وسورة. والسورة عند الجمهور سنة ... ثم ذهب الحنفية إلى أنه لم يوقت في القراءة في الوتر شيء غير الفاتحة , فما قرأ فيه فهو حسن , وما ورد عن النبي ﷺ : أنه قرأ به في الأولى بسورة (سبح اسم ربك الأعلى) , وفي الثانية بـ (الكافرون) وفي الثالثة (بالإخلاص) , فيقرأ به أحيانا , ويقرأ بغيره أحيانا للتحرز عن هجران باقي القرآن. وذهب الحنابلة إلى أنه يندب القراءة بعد الفاتحة بالسور الثلاث المذكورة ... وذهب المالكية والشافعية إلى أنه يندب في الشفع (سبح , والكافرون) , أما في الثالثة فيندب أن يقرأ بسورة الإخلاص , والمعوذتين) " انتهى.
وإذا كان قد وقع الاختلاف مع ورود هذه الأحاديث في قراءة النبي ﷺ في صلاة الوتر بثلاث، فأولى أن يقع الاختلاف في القراءة إذا أوتر بركعة واحدة.
ويمكننا حصر أقوى ما ينبغي أن يقال في قراءة الركعة الواحدة من الوتر في قولين:
١. الإخلاص، أو الإخلاص والمعوذتان – عند من يصحح حديثهما -.
٢. التخيير، فيقرأ ما يشاء، وهذا أكثر ما ورد عن السلف.
وقد ورد عن النبي ﷺ أنه صلى ركعة الوتر، وقرأ فيها بمائة آية من النساء، ولم يقرأ فيها بقل هو الله أحد.
فعن أبي مجلز أن أبا موسى: كان بين مكة والمدينة فصلَّى العشاء ركعتين، ثم قام فصلى ركعة أوتر بها فقرأ فيها بمائة آية من النساء، ثم قال: ما ألوت أن أضع قدمي حيث وضع رسول الله ﷺ قدميه، وأنا أقرأ بما قرأ به رسول الله ﷺ .
رواه النسائي (١٧٢٨) وصححه الألباني في " صحيح النسائي "، وهناك كلام لبعض أهل العلم في سماع أبي مجلز من أبي موسى، وقد اعتمدنا ها هنا تصحيح الشيخ الألباني.
ومعنى " ألَوت ": أي: قصَّرت.
وقد نقل ابن حجر الهيتمي ﵀ عن البلقيني أن من أوتر بغير ثلاث يقرأ بما يشاء، غير أن ابن حجر توقف في ذلك. فقال ﵀ في " تحفة المحتاج في شرح المنهاج " (٢/٢٢٧) :
"ويسنُّ في الأولى: قراءة " سبح "، وفي الثانية " الكافرون "، وفي الثالثة: " الإخلاص "، و " المعوذتين "؛ للاتباع، وقضيته: أن ذلك إنما يسن إن أوتر بثلاث؛ لأنه إنما ورد فيهن.
ولو أوتر بأكثر: فهل يسنُّ ذلك في الثلاثة الأخيرة فَصَلَ، أو وَصَلَ؟ محل نظر، ثم رأيتُ البلقيني قال: " إنه متى أوتر بثلاث مفصولة عما قبلها كثمان أو ست أو أربع: قرأ ذلك في الثلاثة الأخيرة، ومن أوتر بأكثر من ثلاث موصولة: لم يقرأ ذلك في الثلاثة، أي: لئلا يلزم خلو ما قبلها عن سورة، أو تطويلها على ما قبلها، أو القراءة على غير ترتيب المصحف، أو على غير تواليه، وكل ذلك خلاف السنَّة " اهـ.
نعم، يمكن أن يقرأ فيما لو أوتر بخمس – مثلاً -: " المطففين " و " الانشقاق " في الأولى، و " البروج " و " الطارق " في الثانية، وحينئذ لا يلزم شيء من ذلك.انتهى.
والذي نراه أن تعليل البلقيني ﵀ فيه نظر، وقد ردَّ عليه بسهولة الهيتمي ﵀، وكان اللائق أن يقول في السبب المانع من القراءة بما ورد في الثلاث إن صلَّى بأكثر منها: بأنه " إنما ورد فيهن " وهي عبارة الهيتمي نفسها في أول كلامه.
وقال ابن حزم في "المحلى" (٣/٥٠) :
"ويقرأ في الوتر بما تيسر من القرآن مع أم القرآن، وإن قرأ في الثلاث ركعات مع أم القرآن بسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد: فحسن، وإن اقتصر على أم القرآن فحسن، وإن قرأ في ركعة الوتر مع أم القرآن بمائة آية من النساء فحسن، قال تعالى (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ) المزمل/٢٠" انتهى.
والخلاصة:
الذي يظهر لنا فيمن أوتر بركعة واحدة أنه يقرأ ما يشاء بعد الفاتحة، وليس هناك قراءة معينة وردت بها السنة، وإذا قرأ بقل هو الله أحد فلا حرج عليه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4152
تقسيم قيام الليل في العشر الأواخر إلى قسمين
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو التكرم بذكر أقوال العلماء بشأن حكم تقسيم صلاة التراويح في العشر الأواخر من رمضان قسمين: في أول الليل، وآخره , كما يفعل كثير من المساجد، مع ذكر الأدلة إن أمكن.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المستحب في ليالي رمضان إحياؤها بالقيام والصلاة والعبادة، وتخصيص العشر الأواخر منه بمزيد تعبد واجتهاد، طلبا للمغفرة والرحمة، وتحريا لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
ثم إن صلاة التراويح تعتبر من قيام الليل، وتسميتها بالتراويح لما يتخللها من أخذ قسط يسير من الراحة بين الركعات، ولذلك فالأمر فيها واسع، يجوز للعبد أن يصلي في الليلة ما شاء من الركعات، وفي أي وقت من الليل شاء.
جاء في "الموسوعة الفقهية" (٣٤/١٢٣) :
" لا خلاف بين الفقهاء في سنية قيام ليالي رمضان؛ لقوله ﷺ : (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)
وقال الفقهاء: إن التراويح هي قيام رمضان؛ ولذلك فالأفضل استيعاب أكثر الليل بها ; لأنها قيام الليل " انتهى.
وما يقوم به كثير من الأئمة اليوم – خاصة في العشر الأواخر – من الصلاة بالناس التراويح بعد العشاء مباشرة، ثم الرجوع إلى المسجد في ساعة متأخرة من الليل للصلاة والقيام، هو من المشروع لا من الممنوع، وليس هناك ما يمنعه، والمطلوب هو الاجتهاد في العشر الأواخر على حسب الاستطاعة، فإذا قَسَّم المرء ليله ما بين صلاة وراحة ونوم وقراءة قرآن فقد أحسن.
قال الشيخ عبد الله أبابطين – كما في "الدرر السنية" (٤/٣٦٤) -:
" مسألة في الجواب عما أنكره بعض الناس على من صلى في العشر الأواخر من رمضان زيادة على المعتاد في العشرين الأول، وسبب إنكارها لذلك غلبة العادة، والجهل بالسنة وما عليه الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام.
فنقول: قد وردت الأحاديث عن النبي صلى الله وعليه وسلم بالترغيب في قيام رمضان، والحث عليه، وتأكيد ذلك في عشره الأخير.
إذا تبين أنه لا تحديد في عدد التراويح، وأن وقتها عند جميع العلماء من بعد سنة العشاء إلى طلوع الفجر، وأن إحياء العشر سنة مؤكدة، وأن النبي صلى الله وعليه وسلم صلاها ليالي جماعة، فكيف ينكر على من زاد في صلاة العشر الأواخر عما يفعلها أول الشهر، فيصلي في العشر أول الليل، كما يفعل في أول الشهر، أو قليل، أو كثير، من غير أن يوتر، وذلك لأجل الضعيف لمن يحب الاقتصار على ذلك، ثم يزيد بعد ذلك ما يسره الله في الجماعة، ويسمى الجميع قياماً وتراويح.
وربما اغتر المنكر لذلك بقول كثير من الفقهاء: يستحب أن لا يزيد الإمام على ختمة، إلا أن يؤثر المأمومون الزيادة، وعللوا عدم استحباب الزيادة على ختمة بالمشقة على المأمومين، لا كون الزيادة غير مشروعة، ودل كلامهم على أنهم لو آثروا الزيادة على ختمة كان مستحباً، وذلك مصرح به في قولهم: إلا أن يؤثر المأمومون الزيادة.
وأما ما يجري على ألسنة العوام من تسميتهم ما يفعل أول الليل تراويح، وما يصلي بعد ذلك قياماً، فهو تفريق عامي، بل الكل قيام وتراويح، وإنما سمي قيام رمضان تراويح لأنهم كانوا يستريحون بعد كل أربع ركعات من أجل أنهم كانوا يطيلون الصلاة، وسبب إنكار المنكر لذلك لمخالفته ما اعتاده من عادة أهل بلده وأكثر أهل الزمان، ولجهله بالسنة والآثار، وما عليه الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام، وما يظنه بعض الناس من أن صلاتنا في العشر هي صلاة التعقيب الذي كرهه بعض العلماء فليس كذلك؛ لأن التعقيب هو التطوع جماعة بعد الفراغ من التراويح والوتر.
هذه عبارة جميع الفقهاء في تعريف التعقيب أنه التطوع جماعة بعد الوتر عقب التراويح، فكلامهم ظاهر في أن الصلاة جماعة قبل الوتر ليس هو التعقيب " انتهى باختصار.
وقال الشيخ صالح الفوزان في كتاب "إتحاف أهل الإيمان بمجالس شهر رمضان":
" وأما في العشر الأواخر من رمضان، فإن المسلمين يزيدون من اجتهادهم في العبادة، اقتداء بالنبي ﷺ ، وطلباً لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فالذين يصلون ثلاثاً وعشرين ركعة في أول الشهر يقسمونها في العشر الأواخر، فيصلون عشر ركعات في أول الليل، يسمونها تراويح، ويصلون عشراً في آخر الليل، يطيلونها مع الوتر بثلاث ركعات، ويسمونها قياماً، وهذا اختلاف في التسمية فقط، وإلا فكلها يجوز أن تسمى تراويح، أو تسمى قياماً، وأما من كان يصلى في أول الشهر إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة فإنه يضيف إليها في العشر الأواخر عشر ركعات، يصليها في آخر الليل، ويطيلها، اغتناماً لفضل العشر الأواخر، وزيادة اجتهاد في الخير، وله سلف في ذلك من الصحابة وغيرهم ممن كانوا يصلون ثلاثاً وعشرين كما سبق، فيكونون جمعوا بين القولين: القول بثلاث عشرة في العشرين الأول، والقول بثلاث وعشرين في العشر الأواخر " انتهى.
وانظر للفائدة جواب السؤال رقم: (٨٢١٥٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4153
مشابهة الوتر للمغرب
[السُّؤَالُ]
ـ[كتبت في مقالة " صلاة الليل في رمضان " أن النبي ﷺ حرم الصلاة للوتر كثلاث ركعات ووضح ذلك بقوله: لا تجعلوها تشابه صلاة المغرب. وعليه فإن من أراد أن يصلي الوتر ثلاثا عليه أن يجد طريقة تجعلها تختلف (عن صلاة المغرب) . وهناك طريقتان: إما بالتسليم عقب الركعتين الأوليين، وهو الأفضل، أو بعدم الجلوس بعد الركعتين الأوليين.
أنا أيضا أصلي ثلاث ركعات للوتر لكني أجعل صلاتي تختلف عن المغرب برفع يدي للتكبير قبل دعاء القنوت. فهل يصح ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قبل الجواب على هذا السؤال نشكر لك حرصك على اتباع السنة، ونسأل الله أن يجعلنا وإياك ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
ما ذكرته – وفقك الله - من إرادتك عدم المشابهة بأن ترفع يدك للتكبير قبل دعاء القنوت، فهذا ليس مرادا من نهي النبي ﷺ في قوله في الحديث الذي أخرجه الحاكم (١/٣٠٤) والبيهقي (٣/٣١) والدارقطني (ص١٧٢) وصححه الحاكم على شرطهما أن النبي ﷺ قال: " لا توتروا بثلاث تشبهوا المغرب ". ومراده ﷺ – كما بينه أهل العلم – هو النهي عن الجلوس للتشهد الأول بحيث تشبه صلاة المغرب.
انظر في ذلك: فتح الباري لابن حجر٤/٣٠١ قال الحافظ: إسناده على شرط الشيخين، وعون المعبود شرح حديث رقم (١٤٢٣) ، وصلاة التراويح للألباني ص٩٧.
ورفع اليدين للتكبير قبل دعاء القنوت ليس بفرق في الحقيقة؛ لأن مواضع رفع اليدين في الصلاة أربعة:
١- عند تكبيرة الإحرام.
٢- عند الركوع.
٣- عند الرفع من الركوع.
٤- عند القيام من التشهد الأول.
فلا يشرع للمصلي أن يرفع يديه في غير هذه المواضع الأربعة.
انظر في ذلك فتاوى أركان الإسلام للشيخ محمد بن عثيمين ﵀ ص ٣١٢.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4154
يحمل مصحف بتفسير في قيام الليل
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن يحمل معه مصحف بهامشه تفسير في قيام الليل، فإذا أشكلت عليه كلمة نظر في معناها أثناء الصلاة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سألت هذا السؤال لشيخي سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ فأجاب:
لا بأس. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله
стр. 4155
الأسباب المعينة على قيام الليل
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي الأمور التي تساعد على قيام الليل (التهجد) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأسباب المعينة على قيام الليل كثيرة منها:
١- الإخلاص لله تعالى: كما أمر الله تعالى بإخلاص العمل له دون ما سواه: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) ، فكلما قوي إخلاص العبد كان أكثر توفيقاً إلى الطاعات والقربات، وفي حديث أبي بن كعب ﵁ أن النبي ﷺ قال: " بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب " رواه أحمد صحيح الجامع ٢٨٢٥. قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: صلاح العمل بصلاح القلب، وصلاح القلب بصلاح النية. قال ابن القيم ﵀: وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته يكون توفيقه سبحانه وإعانته، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم ونياتهم ورغبتهم ورهبتهم، والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك. ولذا حرص السلف الكرام أشد الحرص على إخفاء الطاعات كقيام الليل؛ سأل رجل تميم بن أوس الداري ﵁ فقال له: كيف صلاتك بالليل؟ فغضب غضباً شديداً ثم قال: والله لركعة أصليها في جوف الليل في السر أحب إلي من أن أصلي الليل كله، ثم أقصه على الناس. وكان أيوب السختياني يقوم الليل كله، فإذا قرب الفجر رجع فاضطجع في فراشه، فإذا طلع الصبح رفع صوته كأنه قد قام تلك الساعة.
٢- أن يستشعر مريد قيام الليل أن الله تعالى يدعوه للقيام: فإذا استشعر العبد أن مولاه يدعوه لذلك وهو الغني عن طاعة الناس جميعاً كان ذلك أدعى للاستجابة، قال تعالى: (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً) ، قال سعد بن هشام بن عامر لعائشة ﵂: أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ فقالت: ألست تقرأ (يا أيها المزمل) قلت: بلى، فقالت: إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة فقام النبي ﷺ وأصحابه حولاً، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة. رواه مسلم.
٢- معرفة فضل قيام الليل: فمن عرف فضل هذه العبادة حرص على مناجاة الله تعالى، والوقوف بين يديه في ذلك الوقت، ومما جاء في فضل هذه العبادة ما ثبت من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم " رواه مسلم. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: " أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يوماً ويفطر يوماً " متفق عليه. وعن عمرو بن عبسة أن النبي ﷺ قال: " أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن " رواه الترمذي والنسائي. وفي حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: " عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحبه إلى صلاته فيقول الله جل وعلا: أيا ملائكتي انظر إلى عبدي ثار من فراشه ووطائه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي " رواه أحمد وهو حسن، صحيح الترغيب ٢٥٨. وقيام الليل يطرد الغفلة عن القلب كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين " رواه أبوداود وابن حبان وهو حسن، صحيح الترغيب ٦٣٥. قال يحى بن معاذ: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتفكر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين.
٤-النظر في حال السلف والصالحين في قيام الليل ومدى لزومهم له: فقد كان السلف يتلذذون بقيام الليل، ويفرحون به أشد الفرح، قال عبد الله بن وهب: كل ملذوذ إنما له لذة واحدة، إلا العبادة، فإن لها ثلاث لذات: إذا كنت فيها، وإذا تذكّرتها، وإذا أعطيت ثوابها. وقال محمد بن المنكدر: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، والصلاة في جماعة. وقال ثابت البناني: ما شيء أجده في قلبي ألذّ عندي من قيام الليل وقال يزيد الرقاشي: بطول التهجد تقر عيون العابدين، وبطول الظمأ تفرح قلوبهم عند لقاء الله. قال مخلد بن حسين: ما انتبهت من الليل إلا أصبت إبراهيم بن أدهم يذكر الله ويصلي، فأَغتمُّ لذلك، ثم أتعزى بهذه الآية (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) . وقال أبو عاصم النبيل: كان أبو حنيفة يسمى الوتد لكثرة صلاته. وعن القاسم بن معين قال: قام أبو حنيفة ليلة بهذه الآية (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) يرددها ويبكي، ويتضرع حتى طلع الصبح. وقال إبراهيم بن شماس: كنت أرى أحمد بن حنبل يُحيي الليل وهو غلام. وقال أبو بكر المروذي: كنت مع الإمام أحمد نحواً من أربعة أشهر بالعسكر ولا يدع قيام الليل وقرآن النهار، فما علمت بختمة ختمها، وكان يسرّ ذلك. وكان الإمام البخاري: يقوم فيتهجد من الليل عند السحر فيقرأ ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند السحر في كل ثلاث ليال. وقال العلامة ابن عبد الهادي يصف قيام شيخ الإسلام ابن تيمية: وكان في ليله منفرداً عن الناس كلهم خالياً بربه، ضارعاً مواظباً على تلاوة القرآن، مكرراً لأنواع التعبدات الليلية والنهارية، وكان إذا دخل في الصلاة ترتعد فرائصه وأعضاؤه حتى يميل يمنة ويسرة. وقال ابن رجب في شيخه الإمام ابن القيم: وكان ذا عبادة وتهجد وطول صلاة إلى الغاية القصوى، ولم أشاهد مثله في عبادته وعلمه بالقرآن والحديث وحقائق الإيمان. وقال الحافظ ابن حجر يصف شيخه الحافظ العراقي: وقد لازمته، فلم أره ترك قيام الليل بل صار له كالمألوف.
٣- النوم على الجانب الأيمن: وقد كان النبي ﷺ يرشد أمته إلى النوم على الجانب الأيمن، كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليفضه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلّفه عليه، ثم ليضطجع على شقه الأيمن، ثم ليقل باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " متفق عليه. وعن البراء بن عازب ﵄ أن النبي ﷺ قال: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن " متفق عليه، وعن حفصة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا أخذ مضجعه جعل يده اليمنى تحت خده الأيمن " رواه الطبراني، صحيح الجامع ٤٥٢٣. قال الإمام ابن القيم ﵀: وفي اضطجاعه ﷺ على شقه الأيمن سر، وهو أن القلب معلّق في الجانب الأيسر، فإذا نام على شقه الأيسر استثقل نوماً، لأنه يكون في دعة واستراحة فيثقل نومه، فإذا نام على شقه الأيمن فإنه يقلق ولا يستغرق في النوم لقلق القلب وطلبه مستقره وميله إليه.
٤- النوم على طهارة: تقدم حديث البراء بن عازب ﵁ وفيه أن النبي ﷺ قال: " إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة " متفق عليه، وعن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: " ما من مسلم يبيت على ذكر طاهراً فيتعارّ من الليل، فيسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه " رواه أبو داود وأحمد، صحيح الجامع ٥٧٥٤. وجاء من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " طهّروا هذه الأجساد طهركم الله، فإنه ليس عبد يبيت طاهراً إلا بات معه في شعاره ملك، لا يتقلب ساعة من الليل إلا قال: اللهم اغفر لعبدك، فإنه بات طاهراً " رواه الطبراني، قال المنذري: إسناد جيد، صحيح الجامع ٣٨٣١.
٦- التبكير بالنوم: النوم بعد العشاء مبكراً وصية نبوية، وخصلة حميدة، وعادة صحية ومما جاء في فضله حديث أبي برزة الأسلمي ﵁ أن النبي ﷺ كان يستحب أن يؤخر العشاء، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها " رواه البخاري، نقل الحافظ ابن حجر عن القاضي عياض في قوله: "وكان يكره النوم قبلها " قال: لأنه قد يؤدي إلى إخراجها عن وقتها مطلقاً، أو عن الوقت المختار، والسمر بعدها قد يؤدي إلى النوم قبل الصبح، أو عن وقتها المختار، أو عن قيام الليل. وقال ابن رافع: كان عمر بن الخطاب ﵁ ينِشّ الناس بدِرّته بعد العتمة ويقول: قوموا لعل الله يرزقكم صلاة. ومما يتعلق بالنوم: اختيار الفراش المناسب، وذلك بعدم المبالغة في حشو الفراش، وتليينه وتنعيمه لأن ذلك من أسباب كثرة النوم والغفلة، ومجلبة للكسل والدّعة، وثبت من حديث عائشة ﵂ قالت: كانت وسادة النبي ﷺ التي ينام عليها بالليل من أدم حشوها ليف. رواه أبوداود وأحمد، صحيح الجامع ٤٧١٤. وعن ابن عباس ﵄ أن عمر بن الخطاب دخل على رسول الله ﷺ وهو على حصير قد أثر في جنبه الشريف فقال عمر: يا نبي الله لو اتخذت فراشاً أوْثر من هذا؟ فقال ﷺ : ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها. رواه أحمد والحاكم، صحيح الجامع ٥٥٤٥. وكان علي بن بكار ﵀ تفرش له جاريته فراشه، فيلمسه بيده ثم يقول: والله إنك لطيب، والله إنك لبارد، والله لا علوتك ليلتي، ثم يقوم يصلي إلى الفجر. ومن ذلك عدم الإفراط في النوم والاستغراق فيه، قال إبراهيم ابن أدهم: إذا كنت بالليل نائماً، وبالنهار هائماً، وفي المعاصي دائماً، فكيف تُرضي من هو بأمورك قائماً.
٧- المحافظ على الأذكار الشرعية قبل النوم: فإن هذه الأذكار حصن حصين يقي بإذن الله من الشيطان، ويعين على القيام، ومن هذه الأذكار، ما ثبت من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فلينفضه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلّفه عليه، ثم ليضطجع على شقّه الأيمن، ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " متفق عليه. وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما يقرأ (قل هو الله أحد) و (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات " متفق عليه.وعن أبي مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " متفق عليه. وعن أنس بن مالك رضي الله أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي له " رواه مسلم. وفي حديث أبي هريرة ﵁ وقصة الشيطان معه قال له: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) حتى تختمها، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فذكر ذلك أبو هريرة للنبي ﷺ فقال له: صدقك وهو كذوب " متفق عليه. وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال لابنته فاطمة ﵂ لما جاءت إليه تطلب منه خادماً، فقال لها ولعلي: ألا أدلكما على خير لكما من خادم،إذا أويتما إلى فراشكما، فسبّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا أربعاً وثلاثين، فإنه خير لكما من خادم " متفق عليه. وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: " اقرأ (قل يا أيها الكافرون) عند منامك، فإنها براءة من الشرك " رواه البيهقي، صحيح الجامع ١١٧٢. وعن حفصة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا أخذ مضجعه جعل يده اليمنى تحت خده الأيمن وقال: رب قني عذابك يوم تبعث عبادك " رواه أبو داود، صحيح الجامع ٤٥٣٢. وعن البراء بن عازب ﵄ أن النبي ﷺ قال: " إذا أتيت إلى مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن متّ متّ على الفطرة، واجعلهن آخر ما تقول " متفق عليه. وينبغي كذلك أن يحافظ المسلم على الأذكار الشرعية عند الاستيقاظ، ومنها: ما ثبت من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم فليقل: الحمد لله الذي رد علي روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره " رواه الترمذي والنسائي، صحيح الجامع ٣٢٦. وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: من تعارّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن توضأ ثم صلى قُبلت صلاته " رواه البخاري. قال الإمام ابن بطال: وعد الله على لسان نبيه ﷺ أن من استيقظ من نومه لَهِجاً بتوحيد ربه، والإذعان له بالملك، والاعتراف بنعمه بحمده عليها، وينزهه عما لا يليق به بتسبيحه والخضوع له بالتكبير، والتسليم له بالعجز عن القدرة إلا بعونه، أنه إذا دعاه أجابه، وإذا صلى قبلت صلاته، فينبغي لمن بلغه هذا الحديث أن يغتنم العمل به، ويخلص نيته لربه . وعن البراء بن عازب ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا استيقظ من نومه قال: " الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور " رواه مسلم. وفي حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا استيقظ من الليل يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم ينظر إلى السماء ويقرأ العشر آيات الخواتم من سورة آل عمران: (إن في خلق السماوات والأرض ...) الآيات. رواه مسلم، قال الإمام النووي: فيه استحباب مسح أثر النوم عن الوجه، واستحباب قراءة هذه الآيات عند القيام من النوم.
٥- الحرص على نومة القيلولة بالنهار: وهي إما قبل الظهر أو بعده، فعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: " قيلوا فإن الشياطين لا تقيل " رواه الطبراني، الصحيحة ٢٦٤٧، قال إسحاق بن عبد الله: القائلة من عمل أهل الخير، وهي مجمة للفؤاد مَقْواة على قيام الليل. ومرّ الحسن البصري بقوم في السوق في وسط النهار فرأى صخبهم وضجيجهم فقال: أما يقيل هؤلاء، فقيل له: لا فقال: إني لأرى ليلهم ليل سوء.
٦- اجتناب كثرة الأكل والشرب: فإن الإكثار منهما من العوائق العظيمة التي تصرف المرء عن قيام الليل، وتحول بينه وبينه كما جاء في حديث المقدام بن معد يكرب ﵁ أن النبي ﷺ قال: " ما ملأ آدمي وعاءاً شراً من بطنه، حسْب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه " رواه الترمذي وابن ماجه، صحيح الجامع ٥٦٧٤. وعن أبي جحيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال لرجل تجشأ في مجلسه: أقصر من جشائك، فإن أكثر الناس شبعاً في الدنيا أكثرهم جوعاً يوم القيامة " رواه الحاكم، صحيح الجامع ١١٩٠. قال سفيان الثوري: عليكم بقلة الأكل، تملكوا قيام الليل. ورأى معقل بن حبيب قوماً يأكلون كثيراً فقال: ما نرى أصحابنا يريدون أن يصلوا الليلة. وقال وهب بن منبه: ليس من بني آدم أحب إلى شيطانه من الأكول النوام.
٧- مجاهدة النفس على القيام: وهذا من أعظم الوسائل المعينة على قيام الليل لأن النفس البشرية بطبيعتها أمارة بالسوء تميل إلى كل شر ومنكر فمن أطاعها فيما تدعو إليه قادته إلى الهلاك والعطب، وقد أمرنا الله تعالى بالمجاهدة فقال: (وجاهدوا في الله حق جهاده) وقال سبحانه: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) وقال تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً) وعن فضالة بن عبيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: " المجاهد من جاهد نفسه في الله " رواه الترمذي وابن حبان، الصحيحة ٥٤٩. وفي حديث عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: " الرجل من أمتي يقوم من الليل يعالج نفسه إلى الطهور وعليه عُقَد، فإذا وضأ يديه انحلت عقدة، وإذا وضأ وجهه انحلت عقدة، وإذا مسح رأسه انحلت عقدة، وإذا وضأ رجليه انحلت عقدة، فيقول الله للذين من وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه، ويسألني، ما سألني عبدي فهو له " رواه أحمد وابن حبان، صحيح الترغيب ٦٢٧. قال محمد بن المنكدر: كابدت نفسي أربعين عاماً حتى استقامت لي. وقال ثابت البناني: كابدت نفسي على قيام الليل عشرين سنة وتلذذت به عشرين سنة. وقال عمر بن عبد العزيز: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس. وقال عبد الله بن المبارك: إن الصالحين فيما مضى كانت تواتيهم أنفسهم على الخير، وإن أنفسنا لا تكاد تواتينا إلا على كره فينبغي لنا أن نكرهها. وقال قتادة: يا ابن آدم: إن كنت لا تريد أن تأتي الخير إلا بنشاط، فإن نفسك إلى السآمة وإلى الفترة وإلى الملل أميل، ولكن المؤمن هو المتحامل.
٨- اجتناب الذنوب والمعاصي: فإذا أراد المسلم أن يكون مما ينال شرف مناجاة الله تعالى، والأنس بذكره في ظلم الليل، فليحذر الذنوب، فإنه لا يُوفّق لقيام الليل من تلطخ بأدران المعاصي، قال رجل لإبراهيم بن أدهم: إني لا أقدر على قيام الليل فصف لي دواء؟ فقال: لا تعصه بالنهار، وهو يُقيمك بين يديه في الليل، فإن وقوفك بين يديه في الليل من أعظم الشرف، والعاصي لا يستحق ذلك الشرف. وقال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد: إني أبِيت معافى، وأحب قيام الليل، وأعِدّ طهوري، فما بالي لا أقوم؟ فقال الحسن: ذنوبك قيدتْك. وقال ﵀: إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل، وصيام النهار. وقال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل، وصيام النهار، فأعلم أنك محروم مكبّل، كبلتك خطيئتك.
٩- محاسبة النفس وتوبيخها على ترك القيام: فمحاسبة النفس من شعار الصالحين، وسمات الصادقين قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) . قال الإمام ابن القيم: فإذا كان العبد مسئولاً ومحاسباً على كل شيء حتى على سمعه وبصره وقلبه كما قال تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً) فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب.
وقيام الليل عبادة تصل القلب بالله تعالى، وتجعله قادراً على التغلب على مغريات الحياة الفانية، وعلى مجاهدة النفس في وقت هدأت فيه الأصوات، ونامت العيون وتقلب النّوام على الفرش. ولذا كان قيام الليل من مقاييس العزيمة الصادقة، وسمات النفوس الكبيرة، وقد مدحهم الله وميزهم عن غيرهم بقوله تعالى: (أمّن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب) .
وقيام الليل سنة مؤكدة حث النبي ﷺ على أدائها بقوله: " عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم مطردة للداء عن الجسد " رواه الترمذي وأحمد.
وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: " أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل "، وقد حافظ النبي ﷺ على قيام الليل، ولم يتركه سفراً ولا حضراً، وقام ﷺ وهو سيد ولد آدم المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر حتى تفطّرت قدماه، فقيل له في ذلك فقا: " أفلا أكون عبداً شكوراً " متفق عليه.
وهكذا كان حال السلف الكرام عليه رحمة الله تعالى؛ قال أبو الدرداء ﵁: صلوا ركعتين في ظلم الليل لظلمة القبور. وقال أحمد بن حرب: عجبت لمن يعلم أن الجنة تزيّن فوقه، والنار تضرم تحته، كيف نام بينهما. وكان عمر بن ذر إذا نظر إلى الليل قد أقبل قال: جاء الليل، وللّيل مهابة، والله أحق أن يهاب، ولذا قال الفضيل بن عياض: أدركت أقواماً يستحيون من الله في سواد الليل من طول الهجعة إنما هو على الجنب فإذا تحرك قال: ليس هذا لكِ، قومي خذي حظك من الآخرة. وقال الحسن: ما نعلم عملاً أشد من مكابدة الليل، ونفقة المال، فقيل له: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوهاً؟ قال: لأنهم خلو بالرحمن فألبسهم نوراً من نوره.
وكان نساء السلف يجتهدن في قيام الليل مشمرات للطاعة، فأين نساء هذه الأيام عن تلك الأعمال العظام. قال عروة بن الزبير أتيت عائشة ﵂ يوماً لأسلم عليها فوجدتها تصلي وتقرأ قوله تعالى: (فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم) ترددها وتبكي، فانتظرتها فلما مللت من الانتظار ذهبت إلى السوق لحاجتي ثم رجعت إلى عائشة فإذا هي على حالتها الأولى تردد هذه الآية في صلاتها وتبكي. وفي حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: قال لي جبريل: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة. رواه الحاكم، صحيح الجامع ٤٢٢٧. وقامت معاذة العدوية من التابعيات الصالحات ليلة زفافها هي وزوجها صلة بن أشيم يصليان إلى الفجر، ولما قتل زوجها وابنها في أرض الجهاد، كانت تحيي الليل كله صلاة وعبادة وتضرعاً، وتنام بالنهار، وكانت إذا نعست في صلاتها بالليل قالت لنفسها: يا نفس النوم أمامك. وكانت حبيبة العدوية إذا صلت العشاء، قامت على سطح دارها وقد شدت عليها درعها وخمارها، ثم تقول: إلهي، غارت النجوم، ونامت العيون، وغلقت الملوك أبوابها، وبابك مفتوح، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك، ثم تقبل على صلاتها ومناجاتها لربها إلى السحر، فإذا جاء السحر قالت: اللهم هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري هل قبلت مني ليلتي فأهني، أم رددتها علي فأعزي. وقامت عمرة زوج حبيب العجمي ذات ليلة تصلي من الليل، وزوجها نائم، فلما دنا السحر، ولم يزل زوجها نائماً، أيقظته وقالت له: قم يا سيدي، فقد ذهب الليل، وجاء النهار، وبين يديك طريق بعيد وزاد قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا، ونحن قد بقينا.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 4156
فضل قيام رمضان
[السُّؤَالُ]
ـ[ما فضل قيام رمضان؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
فضل قيام ليالي رمضان:
عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يُرغب في قيام رمضان، من غير أن يأمرهم بعزيمة، ثم يقول: " من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك (أي على ترك الجماعة في التراويح) ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر ﵁، وصدرٍ من خلافة عمر ﵁.
وعن عمرو بن مرة الجهني قال: جاء رسول الله ﷺ رجل من قضاعة فقال: يا رسول الله! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وصمت الشهر، وقمت رمضان، وآتيت الزكاة؟ فقال النبي ﷺ : " من مات على هذا كان من الصديقين والشهداء "
ليلة القدر وتحديدها:
٢- وأفضل لياليه ليلة القدر، لقوله ﷺ : " من قام ليلة القدر ﴿ثم وُفّقت له﴾ ، إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه "
٣- وهي ليلة سابع وعشرين من رمضان على الأرجح، وعليه أكثر الأحاديث منها حديث زر بن حبيش قال: سمعت أبي ابن كعب يقول - وقيل له: إن عبد الله بن مسعود يقول: من قام السنة اصاب ليلة القدر! - فقال أُبيّ ﵁: ﵀، أراد أن لا يتكل الناس، والذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان - يحلف ما يستثني - ووالله إني لأعلم أي ليلة هي؟ هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة صبيحة سبع وعشرين وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها. ورفع ذلك في رواية إلى النبي ﷺ . أخرجه مسلم وغيره.
مشروعية الجماعة في القيام:
٤- وتشرع الجماعة في قيام رمضان، بل هي أفضل من الانفراد، لإقامة النبي ﷺ لها بنفسه، وبيانه لفضلها بقوله، كما في حديث أبي ذر ﵁ قال: " صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان، فلم يقم بنا شيئاً من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله! لو نفّلتنا قيام هذه الليلة، فقال: " إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة " فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال: قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور، ثم لم يقم بنا بقية الشهر) حديث صحيح، أخرجه أصحاب السنن.
السبب في عدم استمرار النبي ﷺ بالجماعة فيه:
٥- وإنما لم يقم بهم ﵊ بقية الشهر خشية أن تُفرض عليهم صلاة الليل في رمضان، فيعجزوا عنها كما جاء في حديث عائشة في الصحيحين وغيرهما، وقد زالت هذه الخشية بوفاته ﷺ بعد أن أكمل الله الشريعة، وبذلك زال المعلول، وهو ترك الجماعة في قيام رمضان، وبقي الحكم السابق وهو مشروعية الجماعة، ولذلك أحياها عمر ﵁ كما في صحيح البخاري وغيره.
مشروعية الجماعة للنساء:
٦- ويشرع للنساء حضورها كما في حديث أبي ذر السابق بل يجوز أن يُجعل لهن إمام خاص بهن، غير إمام الرجال، فقد ثبت أن عمر ﵁ لما جمع الناس على القيام، جعل على الرجال أبيّ بن كعب، وعلى النساء سليمان بن أبي حثمة، فعن عرفجة الثقفي قال: (كان علي بن أبي طالب ﵁ يأمر الناس بقيام شهر رمضان ويجعل للرجال إماماً وللنساء إماماً، قال: فكنت أنا إمام النساء "
قلت: وهذا محله عندي إذا كان المسجد واسعاً، لئلا يشوش أحدهما على الآخر.
عدد ركعات القيام:
٧- وركعاتها إحدى عشرة ركعة، ونختار أن لا يزيد عليها اتباعاً لرسول الله ﷺ ، فإنه لم يزد عليها حتى فارق الدنيا، فقد سئلت عائشة ﵂ عن صلاته في رمضان؟ فقالت: " ما كان رسول الله يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاُ فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً " أخرجه الشيخان وغيرهما
٨- وله أن ينقص منها، حتى لو اقتصر على ركعة الوتر فقط، بدليل فعله ﷺ وقوله.
أما الفعل، فقد سئلت عائشة ﵂: بكم كان رسول الله ﷺ يوتر؟ قالت: " كان يوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأنقص من سبع، ولا بأكثر من ثلاث عشرة " رواه ابو داود وأحمد وغيرهما.
وأما قوله ﷺ فهو: " الوتر حق، فمن شاء فليوتر بخمس، ون شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة ".
القراءة في القيام:
٩- وأما القراءة في صلاة الليل في قيام رمضان أو غيره، فلم يحُد فيها النبي ﷺ حداً لا يتعداه بزيادة أو نقص، بل كانت قراءته فيها تختلف قصراً وطولاً، فكان تارة يقرأ في كل ركعة قدر (يا أيها المزمل) وهي عشرون آية، وتارة قدر خمسين آية، وكان يقول: " من صلى في ليلة بمائة آية لم يكتب من الغافلين "، وفي حديث آخر: ".. بمائتي آية فإنه يُكتب من القانتين المخلصين ".
وقرأ ﷺ في ليلة وهو مريض السبع الطوال، وهي سورة (البقرة) و (آل عمران) و (النساء) و (المائدة) و (الأنعام) و (الأعراف) و (التوبة) .
وفي قصة صلاة حذيفة بن اليمان وراء النبي ﷺ أنه ﷺ قرأ في ركعة واحدة (البقرة) ثم (النساء) ثم (آل عمران) ، وكان يقرؤها مترسلا متمهلاً
وثبت بأصح إسناد أن عمر ﵁ لما أمر أبيّ بن كعب أن يصلي للناس بإحدى عشرة ركعة في رمضان، كان أبيّ ﵁ يقرأ بالمئين، حتى كان الذين خلفه يعتمدون على العصي من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا في أوائل الفجر.
وصح عن عمر أيضاً أنه دعا القراء في رمضان، فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ ثلاثين آية، والوسط خمساً وعشرين آية، والبطيء عشرين آية.
وعلى ذلك فإن صلى القائم لنفسه فليطوّل ما شاء، وكذلك إذا كان معه من يوافقه، وكلما أطال فهو أفضل، إلا أنه لا يبالغ في الإطالة حتى يحيي الليل كله إلا نادراً، اتباعاً للنبي ﷺ القائل: " وخير الهدي هدي محمد "، وأما إذا صلى إماماً، فعليه أن يطيل بما لا يشق على من وراءه لقوله ﷺ : (إذا قام أحدكم للناس فليخفف الصلاة، فإن فيهم الصغير والكبير وفيهم الضعيف، والمريض، وذا الحاجة، وإذا قام وحده فليُطل صلاته ما شاء.
وقت القيام:
١٠- ووقت صلاة الليل من بعد صلاة العشاء إلى الفجر، لقوله ﷺ : (إن الله زادكم صلاة، وهي الوتر، فصلوها بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر "
١١- والصلاة في آخر الليل أفضل لمن تيسر له ذلك لقوله ﷺ : " من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل "
١٢- وإذا دار الأمر بين الصلاة أول الليل مع الجماعة، وبين الصلاة آخر الليل منفرداً، فالصلاة مع الجماعة أفضل، لأنه يحسب له قيام ليلة تامة.
وعلى ذلك جرى عمل الصحابة في عهد عمر ﵁، فقال عبد الرحمن بن عبيد القاري: " خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرّهط، فقال: والله إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم، فجمعهم على أبيّ بن كعب، قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال: عمر، نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون - يريد آخر الليل - وكان الناس يقومون أوله "
وقال زيد بن وهب: (كان عبد الله يصلي بنا في شهر رمضان فينصرف بليل)
١٣- لما كان النبي ﷺ قد نهى عن الإيتار بثلاث، وعلل ذلك بقوله: " ولا تشبهوا بصلاة المغرب " فحينئذ لا بد لمن صلى الوتر ثلاثاً من الخروج من هذه المشابهة، وذلك يكون بوجهين:
أحدهما: التسليم بين الشفع والوتر، وهو الأقوى والأفضل.
والآخر: أن لا يقعد بين الشفع والوتر، والله تعالى أعلم.
القراءة في ثلاث الوتر:
١٤- ومن السنة أن يقرأ في الركعة الأولى من ثلاث الوتر: (سبح اسم ربك الأعلى) ، وفي الثانية: (قل يا أيها الكافرون) ، وفي الثالثة: (قل هو الله أحد) ويضيف إليها أحياناُ: (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) .
وقد صح عنه ﷺ أنه قرأ مرة في ركعة الوتر بمائة آية من سورة (النساء)
دعاء القنوت:
١٥- و.. يقنت.. بالدعاء الذي علمه النبي ﷺ سبطه الحسن بن علي ﵄ وهو: (اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، لا منجا منك إلا إليك) ويصلي على النبي ﷺ أحياناً، لما يأتي بعده. (ولا بأس أن يزيد عليه من الدعاء المشروع والطيّب الصحيح) .
١٦- ولا بأس من جعل القنوت بعد الركوع، ومن الزيادة عليه بلعن الكفرة، والصلاة على النبي ﷺ والدعاء للمسلمين في النصف الثاني من رمضان، لثبوت ذلك عن الأئمة في عهد عمر ﵁، فقد جاء في آخر حديث عبد الرحمن بن عبيد القاري المتقدم: " وكانوا يلعنون الكفرة في النصف: اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالف بين كلمتهم، وألق في قلوبهم الرعب، وألق عليهم رجزك وعذابك، إله الحق) ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين.
قال: وكان يقول إذا فرغ من لعنة الكفرة وصلاته على النبي واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته: (اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ربنا، ونخاف عذابك الجد، إن عذابك لمن عاديت ملحق " ثم يكبر ويهوي ساجداً.
ما يقول في آخر الوتر:
١٧- ومن السنة أن يقول في آخر وتره (قبل السلام أو بعده) :
" اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما اثنيت على نفسك "
١٨- وإذا سلم من الوتر، قال: سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس (ثلاثاً) ويمد بها صوته، ويرفع في الثالثة.
الركعتان بعده:
١٩- وله أن يصلي ركعتين (بعد الوتر إن شاء) ، لثبوتهما عن النبي ﷺ فعلاً بل.. قال: " إن هذا السفر جهد وثقل، فإذا أوتر أحدكم، فليركع ركعتين، فإن استيقظ وإلا كانتا له ".
٢٠- والسنة أن يقرأ فيهما: (إذا زلزلت الأرض) و (قل يا أيها الكافرون) .
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب قيام رمضان للألباني.
стр. 4157
تتبع المساجد من أجل الخشوع في الصلاة
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد صحة حديث (ليصل أحدكم في المسجد الذي يليه، ولا يتبع المساجد) . وماذا نقول للذي يتتبع المساجد ليخشع في الصلاة وأقرب لحضور القلب دون أن يفوت صلاة العشاء؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"هذا الحديث فيما أعرفه مُختلف في صحته، وعلى تقدير ثبوته فإنه يحمل على ما إذا كان في ذلك تفريق للمصلين عن المسجد الذي حولهم، وإلا فمن المعلوم أن الصحابة ﵃ كانوا يرتادون المسجد النبوي ليصلوا خلف النبي ﷺ ، بل كان معاذ ﵁ يصلي مع النبي ﷺ صلاة العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم، مع تأخر الزمن.
وارتياد الإنسان المسجد من أجل حسن القراءة، واستعانته بحسن قراءة إمامه على القيام لا بأس به، اللهم إلا إذا خشي من ذلك فتنة، أو خشي من ذلك إهانة للإمام الذي حوله، مثل أن يكون هذا الرجل من كبراء القوم، وانصرافه عن مسجده إلى مسجد آخر يكون فيه شيء من القدح في الإمام، فهنا قد نقول: إنه ينبغي أن يراعي هذه المفسدة فيتجنبها" انتهى.
والله أعلم.
"مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (١٤/٢٤١، ٢٤٢) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4158
دخول النساء المساجد بأطفالهن في صلاة التراويح
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم دخول النساء بالأطفال إلى المساجد في صلاة التراويح؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"لا تمنع النساء من إتيان المساجد بأطفالهن في رمضان، فقد دلت السنة على إتيان النساء المساجد ومعهن أطفالهن زمن النبي ﷺ ، لحديث: (إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي، مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ) . ومن ذلك: (حمل النبي ﷺ أمامة في صلاة الفريضة وهو يؤم الناس في المسجد) .
لكن عليهن الحرص على صيانة المسجد من النجاسة بالتحرز في حق الأطفال في نومهم وغير ذلك" انتهى.
"فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀" (٤/٢١٤، ٢١٥) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4159
مراعاة حال الضعفاء من كبار السن ونحوهم في صلاة التراويح
[السُّؤَالُ]
ـ[هل ينبغي للإمام مراعاة حال الضعفاء من كبار السن ونحوهم في صلاة التراويح؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"هذا أمر مطلوب في جميع الصلوات، في التراويح وفي الفرائض، لقوله ﷺ : (أيكم أمَّ الناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والصغير وذا الحاجة) فالإمام يراعي المأمومين، ويرفق بهم في قيام رمضان، وفي العشر الأخيرة، وليس الناس سواء، فالناس يختلفون، فينبغي له أن يراعي أحوالهم، ويشجعهم على المجيء، وعلى الحضور، فإنه متى أطال عليهم شق عليهم، ونَفَّرهم من الحضور، فينبغي له أن يراعي ما يشجعهم على الحضور، ويرغبهم في الصلاة، ولو بالاختصار وعدم التطويل، فصلاة يخشع فيها الناس ويطمئنون فيها ولو قليلاً خير من صلاة يحصل فيها عدم الخشوع، ويحصل فيها الملل والكسل" انتهى.
"مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀" (١١/٣٣٦) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4160
تتبع المساجد طلباً لحسن الصوت
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم تتبع المساجد طلباً لحسن صوت الإمام لما ينتج عن ذلك من الخشوع وحضور القلب؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"الأظهر - والله أعلم - أنه لا حرج في ذلك، إذا كان المقصود أن يستعين بذلك على الخشوع في صلاته، ويرتاح في صلاته ويطمئن قلبه، لأنه ما كل صوت يريح، فإذا كان قصده من الذهاب إلى صوت فلان أو فلان الرغبة في الخير، وكمال الخشوع في صلاته، فلا حرج في ذلك، بل قد يشكر على هذا ويؤجر على نيته، والإنسان قد يخشع خلف إمام، ولا يخشع خلف إمام، بسبب الفرق بين القراءتين والصلاتين، فإذا كان قَصَدَ بذهابه إلى المسجد البعيد أن يستمع لقراءته لحسن صوته، وليستفيد من ذلك، وليخشع في صلاته، لا لمجرد الهوى والتجول، بل لقصد الفائدة والعلم، وقصد الخشوع في الصلاة، فلا حرج في ذلك، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﵊ أنه قال: (أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ: أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى) رواه البخاري (٦٥١) ومسلم (٦٦٢) ، فإذا كان قصده أيضاً زيادة الخطوات فهذا أيضاً مقصد صالح" انتهى.
"مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀" (١١/٣٢٨، ٣٢٩) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4161
أيهما أفضل: ليلة القدر أو ليلة الإسراء ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو الراجح من أقوال العلماء في تعين ليلة القدر، وهل هي أفضل الليالي على الإطلاق؟ أم لا؟ وما رأيكم فيمن قال بتفضيل ليلة الإسراء على ليلة القدر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"ليلة القدر ليلة عظيمة، نوه الله بشأنها في كتابه الكريم، في قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ*فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) الدخان/٣، ٤ وفي قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) القدر/١-٥. فهي ليلة شرفها الله على غيرها، وأخبر أن العمل فيها خير من العمل في ألف شهر، وهذا فضل عظيم، واختصها بإنزال القرآن فيها، ووصفها بأنها ليلة مباركة، وأنها يُقدَّر فيها ما يجري في العام من الحوادث، وهذه مزايا عظيمة لهذه الليلة، وكان النبي ﷺ يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها طلباً لليلة القدْر، وهي أفضل الليالي، لأنه لم يرد في ليلة من الليالي ما ورد في فضلها، والتنويه بشأنها، فهي أفضل الليالي لما تشتمل عليه من هذه المزايا العظيمة، وهذا من رحمة الله تعالى لهذه الأمة وإحسانه إليها، حيث خصها بهذه الليلة العظيمة.
وأما المفاضلة بينها وبين ليلة الإسراء فقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن ليلة القدر وليلة الإسراء بالنبي ﷺ أيهما أفضل؟ فأجاب بأن ليلة الإسراء أفضل في حقِّ النبي ﷺ ، وليلة القدْر أفضل بالنسبة إلى الأمَّة، فحظ النبي ﷺ من ليلة المعراج أكمل من حظِّه من ليلة القدر، وحظ الأمة من ليلة القدر أكمل من حظهم من ليلة المعراج، وإن كان لهم فيها أعظم حظ، لكن الفضل والشرف والرتبة العليا إنما حصلت فيها لمن أسري به ﷺ . هذا ما أجاب به شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة.
وللإمام العلامة ابن القيم كلام في هذا الموضوع، يوافق كلام شيخه، بأن ليلة الإسراء أفضل في حق النبي ﷺ ، وليلة القدر أفضل في حق الأمة.
ومما يجب التنبيه عليه، أن الله شرع لنا في ليلة القدر من التعبد والتقرب إليه ما لم يشرعه في ليلة الإسراء، فليلة الإسراء لم يكن النبي ﷺ يتهجد فيها، أو يخصها بقيامٍ أو ذكرٍ، وإنما كان يخص ليلة القدر لفضلها ومكانتها.
وأيضاً: ليلة الإسراء لم يثبت في أي شهر هي، أو في أي ليلة من الشهر هي، مما يدل على أن العلم بها وتحديدها ليس لنا فيه مصلحة، خلاف ليلة القدر، فإن الله أخبر أنها في رمضان، لأن الله تعالى قال: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) البقرة/١٨٥، ثم قال: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) القدر/١، فدل على أن ليلة القدر في شهر رمضان، وإن كانت لا تتعين في ليلة معينة من رمضان إلا أنه يترجح أنها في العشر الأواخر منه، وفي ليلة سبع وعشرين آكد الليالي عند الإمام أحمد وجماعة من الأئمة، وللعلماء في تحريها اجتهادات ومذاهب، ولكن هي في شهر رمضان قطعاً، ولا شك أن من شهد ليلة القدر له من الأجر بحسب نيته واجتهاده وتوفيق الله له.
فليلة القدر لها ميزة، لأنه شُرع لنا فيها الاجتهاد في العبادة، والدعاء، والذكر، وتحريها بخلاف ليلة الإسراء، فهذه لم يُطلب منا أن نتحراها، ولا أن نخصها بشيء من العبادات، وبهذا يظهر أن هؤلاء الذين يحتفلون بليلة الإسراء والمعراج أنهم مبتدعة، جاؤا بما لم يشرعه الله، ولم يشرعه رسوله ﷺ ، فلم يكن النبي ﷺ يحتفل كل سنة بمرور ليلة من الليالي يقول: إن هذه هي ليلة الإسراء والمعراج، كما يفعله هؤلاء المخرفون المبتدعة الذين اتخذوا دينهم طقوساً ومناسبات بدعية، وتركوا السنن وتركوا الشرائع الثابتة عن رسول الله ﷺ ، فهذا مما يجب الانتباه له، وبيانه للناس، وأن الله شرع لنا الاجتهاد في ليلة القدر، وتحريها، والتقرب إليه فيها كل سنة؛ بخلاف ليلة الإسراء والمعراج، فلم يشرع لنا أن نتحراها، ولا أن نخصها بشيء، وأيضاً: هي لم تُبين لنا في أي شهر أو في أي ليلة، بخلاف ليلة القدر، فإنها في رمضان بلا شك، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد " انتهى.
"مجموع فتاوى الشيخ صالح الفوزان" (٢/٤٣٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4162
إذا انصرف مع الإمام الأول في التراويح هل يكتب له قيام ليلة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[عندنا في بعض المساجد, إمامان أو ثلاثة يتناوبون على صلاة العشاء مع صلاة التراويح, فهل إن صلى المرء مع أولهم حتى يأخذ مكانه الإمام التالي فيكون قد صلى العشاء فقط أو العشاء وشيئا من التراويح, هل في هذه الحالة يعد المأموم قد صلى مع الإمام حتى انصرف ويكون له أجر قيام ليلة بأكملها مع أنه لم يصل ١١ ركعة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يكتب له قيام ليلة بأكملها إلا إذا أتم الصلاة معهم جميعاً، أما إذا انصرف بعد صلاة الإمام الأول أو الثاني ولم يكمل الصلاة مع الثالث فلا يكتب له إلا ما صلاه فقط.
وقول النبي ﷺ : (مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ) رواه الترمذي (٨٠٦) وصححه الألباني في صحيح الترمذي: المراد منه الحث على عدم الانصراف قبل تمام الصلاة، ولو كان يصليها أكثر من إمام.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: بعض الناس في المسجد الحرام يصلون القيام دون التراويح بحجة المحافظة على السنة وعدم الزيادة على إحدى عشرة ركعة فما رأي فضيلتكم؟
فأجاب:
"الذي أرى أنه ينبغي للإنسان أن يحافظ على التراويح والقيام جميعاً، فيصلي مع الإمام الأول حتى ينصرف ويصلي مع الإمام الثاني حتى ينصرف؛ لأن تعدد الأئمة في مكان واحد يجعل ذلك كأن الإمامين إمام واحد، كأن الثاني ناب عن الأول في الصلاة الأخيرة، فالذي أرى في هذه المسألة أن يحافظ الإنسان على الصلاة مع الأول والثاني ليشمله قول الرسول ﵊: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٤/١٩٠) .
وقال أيضاً:
" هل الإمامان في مسجد واحد يعتبر كل واحد منهم مستقلاً، أو أن كل واحد منهما نائب عن الثاني؟
الذي يظهر الاحتمال الثاني – أن كل واحد منهما نائب عن الثاني مكمل له، وعلى هذا فإن كان المسجد يصلي فيه إمامان فإن هذين الإمامين يعتبران بمنزلة إمام واحد، فيبقى الإنسان حتى ينصرف الإمام الثاني، لأننا نعلم أن الثانية مكملة لصلاة الأول" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٤/٢٠٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4163
صلاة التراويح رغم نزول الكدرة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز لي صلاة التراويح وأنا في طهري مع نزول الكدرة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن كانت هذه الكدرة قبل حصول الطهر من الحيض فهي حيض، فلا يجوز معها الصلاة ولا الصوم.
وإن كانت بعد الطهر من الحيض، فليست بحيض، فلا تمنع من الصلاة ولا الصيام.
جاء في "فتاوى الشيخ ابن باز" (١٠/٢٠٨) :
" لو جاءت هذه الكدرة أو الصفرة بعد الطهر من الحيض فإنها لا تعتبر حيضا، بل حكمها حكم الاستحاضة، وعليك أن تستنجي منها كل وقت، وتتوضئي وتصلي وتصومي، ولا تحتسب حيضا، وتحلين لزوجك؛ لقول أم عطية ﵂: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئا) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٢٠) ." انتهى.
وراجعي جواب السؤال رقم (٥٠٠٥٩) ، (٥٠٤٣٠)
وعليه فلا حرج عليك من صلاة التراويح في المسجد رغم نزول الكدرة أو الصفرة، لكن بشرط أن تكوني قد تيقنت أنك قد طهرت من الحيض.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4164
قراءة الأدعية من ورقة في صلاة القيام
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد أن أسأل إن كان يجوز أن أكتب الأدعية على ورقه وأستعين بها في صلاة القيام؟
وأيضا أريد أن أعرف هل معجون الأسنان يجرح الصيام أم لا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الدعاء في قنوت الوتر مشروع للإمام والمنفرد، لما روى النسائي (١٧٤٥) والترمذي (٤٦٤) وأبو داود (١٤٢٥) وابن ماجه (١١٧٨) عن الْحَسَن بن علي ﵄ قال: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ فِي الْقُنُوتِ اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ إِنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ) . وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي. وانظر السؤال رقم (١٤٠٩٣)
ولم يثبت قنوت الوتر من فعل النبي ﷺ نفسه، وثبت من فعل عمر ﵁، كما رواه البيهقي وصححه.
ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن الأفضل عدم المداومة على القنوت، بل يقنت ويترك.
انظر: "الشرح الممتع" للشيخ ابن عثيمين ﵀ (٤/١٩) .
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان، وهو قول الشافعي ومالك في رواية.
قال الشافعي ﵀: " ولا يقنت في رمضان إلا في النصف الأخير , وكذلك كان يفعل ابن عمر ومعاذ القاري " انتهى من "مختصر المزني، مطبوع مع الأم" (٨/١١٤) .
وقال الباجي في "المنتقى" (١/٢١٠) : " وعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: نفي القنوت في الوتر جملة وهي رواية ابن القاسم وعلي. والثانية: أن ذلك مستحب في النصف الآخر من رمضان وهي رواية ابن حبيب عن مالك وبه قال الشافعي ".
وذهب أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله إلى أنه يُقنت في رمضان كله، بل يقنت في الوتر السنة كلها.
قال ابن قدامة ﵀: " القنوت مسنون في الوتر , في الركعة الواحدة , في جميع السنة. هذا المنصوص عند أصحابنا , وهذا قول ابن مسعود , وإبراهيم , وإسحاق , وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن الحسن.
وعن أحمد رواية أخرى , أنه لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان، وروي ذلك عن علي، وأبيّ، وبه قال ابن سيرين , وسعيد بن أبي الحسن , والزهري , ويحيى بن وثاب , ومالك والشافعي واختاره أبو بكر الأثرم ; لما روي عن الحسن , أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب , فكان يصلي لهم عشرين ليلة , ولا يقنت إلا في النصف الثاني. رواه أبو داود , وهذا كالإجماع.
وقال قتادة: يقنت في السنة كلها إلا في النصف الأول من رمضان ; لهذا الخبر , وعن ابن عمر أنه لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان.
وعنه لا يقنت في صلاة بحال.
والرواية الأولى هي المختارة عند أكثر الأصحاب. وقد قال أحمد , في رواية المروذي: كنت أذهب إلى أنه في النصف من شهر رمضان , ثم إني قنت , هو دعاء وخير. ووجهه ما روي عن أبي , ﴿أن رسول الله ﷺ كان يوتر , فيقنت قبل الركوع﴾ . وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول في آخر وتره: ﴿اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك , وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك , وأعوذ بك منك , لا أحصي ثناء عليك , أنت كما أثنيت على نفسك﴾ . وكان للدوام , وفعل أبيّ يدل على أنه رآه. ولا ينكر اختلاف الصحابة في هذا , ولأنه وتر , فيشرع فيه القنوت , كالنصف الآخر , ولأنه ذكر يشرع في الوتر , فيشرع في جميع السنة , كسائر الأذكار " انتهى من "المغني" (١/٤٤٧) .
ثانيا:
لا ينبغي التطويل في دعاء القنوت، بل قال البغوي: " يكره إطالة القنوت، كما يكره إطالة التشهد الأول " [نقله النووي في المجموع ٣/٤٧٩] ، وقال القاضي حسين: " لو طول القنوت زائدا على العادة كره، وفي البطلان احتمالان " [نقله الخطيب الشربيني في مغني المحتاج ١/١٦٧] .
وكذلك يجتنب فيه ما أحدثه بعض الأئمة من جعله موعظة بما يذكرونه فيه من أحوال القبر والحشر والحساب ونحو ذلك، مما هو أليق بالموعظة والخطبة منه بالدعاء والقنوت؛ بل لو اقتُصر على الدعاء الذي علمه النبي ﷺ للحسن، أو زيد عليه قليلا، فهذا أفضل، وهو دعاء يسير ينبغي لك أن تحفظه، ولا تحتاج معه إلى النظر في ورقة.
وإن زدت عليه بعض الأدعية النبوية اليسيرة فهذا حسن، وهو سهل إن شاء الله.
فإن لم يتمكن الإمام، أو المصلي من حفظ الدعاء المأثور في الوتر، فلا حرج عليه في أن يتخير لنفسه من الدعاء ما شاء، فإن دعاء القنوت لا يتعين له صيغة معينة، ونقل القاضي عياض اتفاق العلماء على ذلك. [انظر: المجموع ٣/٤٧٧] .
فإذا عرفنا أن الأصل في دعاء القنوت أنه دعاء قصير، وإن إطالته مكروهة مخالفة للهدي، وأنه لا يتعين له دعاء معين، ولا حتى الدعاء المأثور عن النبي ﷺ ، فلا يظهر لكتابة الدعاء في ورقة، وقراءته منها في الصلاة فائدة، بل الذي يظهر أن الحامل على ذلك رغبة الأئمة أو المصلين في التزام الأدعية المتكلفة وامسجوعة، والتطويل في القنوت، كما هو حال كثير من الأئمة الآن.
والواجب على المصلي أن يحرص على التدبر وحضور القلب؛ لما روى الترمذي (٣٤٧٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاهٍ) والحديث حسنه الألباني في صحيح الترمذي.
ثالثا:
لا حرج على الصائم في استعمال معجون الأسنان، مع التحرز من ابتلاع شيء منه.
وانظر السؤال رقم (١٣٦١٩)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4165
متابعة الإمام حتى ينصرف في التراويح
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كان الأرجح في عدد ركعات التراويح هو أحد عشر ركعة وصليت في مسجد تقام فيه التراويح بإحدى وعشرين ركعة، فهل لي أن أغادر المسجد بعد الركعة العاشرة أم من الأحسن إكمال الإحدى وعشرين ركعة معهم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأفضل إتمام الصلاة مع الإمام حتى ينصرف ولو زاد على إحدى عشرة ركعة لأنّ الزيادة جائزة لعموم قوله ﷺ : ".. مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ.. " رواه النسائي وغيره: سنن النسائي: باب قيام شهر رمضان. ولقوله ﷺ : " صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ ". رواه السبعة وهذا لفظ النسائي.
ولا شكّ أنّ التقيّد بسنة النبي ﷺ هو الأولى والأفضل والأكثر أجرا مع إطالتها وتحسينها، ولكن إذا دار الأمر بين مفارقة الإمام لأجل العدد وبين موافقته إذا زاد فالأفضل أن يوافقه المصلي للأحاديث المتقدّمة، هذا مع مناصحة الإمام بالحرص على السنّة.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 4166
حكم صلاة التراويح للنساء
[السُّؤَالُ]
ـ[هل على النساء صلاة تراويح، وهل يستحسن لهن أداؤها في المنزل أم الذهاب للمسجد لهذا الغرض؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
صلاة التروايح سنة مؤكدة، ويبقى الأفضل في حق النساء قيام الليل في بيوتهن لقوله ﷺ : " لا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ. " رواه أبو داود في سننه باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد: باب التشديد في ذلك. وهو في صحيح الجامع ٧٤٥٨
بل كلّما كانت صلاتها في موضع أخفى وأكثر خصوصية كان ذلك أفضل كما قال ﷺ : " صَلاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا وَصَلاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهَا فِي بَيْتِهَا " رواه أبو داود في سننه كتاب الصلاة باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد وهو في صحيح الجامع ٣٨٣٣
وعن أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهَا جَاءَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ الصَّلاةَ مَعَكَ قَالَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلاةَ مَعِي وَصَلاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ وَصَلاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلاتِكِ فِي دَارِكِ وَصَلاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ وَصَلاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاتِكِ فِي مَسْجِدِي قَالَ فَأَمَرَتْ فَبُنِيَ لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصَى شَيْءٍ مِنْ بَيْتِهَا وَأَظْلَمِهِ فَكَانَتْ تُصَلِّي فِيهِ حَتَّى لَقِيَتْ اللَّهَ . رواه الإمام أحمد ورجال إسناده ثقات
ولكنّ هذه الأفضلية لا تمنع من الإذن لهنّ من الذهاب إلى المساجد كما في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا قَالَ فَقَالَ بِلالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ قَالَ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ وَقَالَ أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ رواه مسلم ٦٦٧
ولكنّ ذهاب المرأة إلى المسجد يشترط فيه ما يلي:
١- أن تكون بالحجاب الكامل
٢- أن تخرج غير متطيّبة
٣- أن يكون ذلك بإذن الزّوج
وأن لا يكون في خروجها أيّ مُحرّم آخر كالخلوة مع السّائق الأجنبي في السّيارة ونحو ذلك.
فلو خالفت المرأة شيئا مما ذُكِر فإنه يحقّ لزوجها أو وليها أن يمنعها من الذّهاب بل يجب ذلك عليه.
وقد سألت شيخنا الشيخ عبد العزيز عن صلاة التراويح هل لها على وجه الخصوص أفضلية للمرأة في صلاتها في المسجد فأجاب بالنفي وأنّ الأحاديث في أفضلية صلاة المرأة في بيتها عامة تشمل التراويح وغيرها هذا والله تعالى أعلم.
ونسأل الله لنا ولسائر إخواننا المسلمين الإخلاص والقبول وأن يجعل عملنا على ما يحبّ ويرضى وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 4167
صلاة الوتر في السفر
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كنت مسافرا وكنت تقصر الصلاة، هل تبقى صلاة الوتر واجبة عليك في هذه الحالة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
استدلّ جمهور أهل العلم بحديث الأعرابي على أنّ صلاة الوتر سنّة مؤكدّة وليست بواجبة كما ذكر السائل والمقصود بحديث الأعرابي: الرجل الذي جاء إلى رسول الله ﷺ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ قَالَ لا إِلَاّ أَنْ تَطَّوَّعَ.. الحديث متفق عليه
وقال بعض أهل العلم إنّ قيام الليل وصلاة الوتر أفضل النوافل فتنبغي المحافظة عليها وعدم تركها وقد كان النبي ﷺ لا يترك قيام الليل ولا سنّة الفجر في الحضر والسفر كما جاء في السنّة الصحيحة.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 4168
صلاة التراويح في البيت / ووضع الكريم على الجسم أثناء الصوم
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمسلم أن يصلي التراويح في البيت؟ وإذا كان يجوز فكم عدد الركعات؟ وهل هناك أدعية مخصوصة؟
هل يجوز وضع كريم على الوجه أو بقية الجسم في حال الصوم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
صلاة التراويح تشرع جماعةً للرجال في المسجد في ليالي رمضان لقول النبي ﷺ : " من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة " أخرجه الترمذي (٨٠٦) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
ومع ذلك فلو صلاها الرجل في بيته فلا إثم عليه وصلاته صحيحة، وأما في غير رمضان فالمشروع أن يصلي الرجل قيام الليل في بيته.
وأما المرأة فالأفضل في حقها أن تصلي في بيتها ولو أرادت الصلاة في المسجد فلا تُمنع لقوله ﷺ : لا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ " رواه أبو داود (٥٦٧) صححه الألباني.
وقال ﷺ : " لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ " متفق عليه: البخاري (٩٠٠) ـ مسلم (٤٤٢)
وأما وضع الكريم على الوجه والجسم، فلا بأس به، يُراجع السؤال رقم (٢٢٩٩) . والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 4169
أحاديث فضل قيام ليالي الأسبوع مكذوبة
[السُّؤَالُ]
ـ[أتتني رسالة تحتوى على أحاديت فى فضل صلاة الليل عن الرسول ﵊، وهذه الأحاديث لأول مرة أسمعها في حياتي، أرجو من حضراتكم أن توضحوا لي إذا كانت هذه الأحاديث صحيحة أو لا: عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﵊: (من صلى ليلة الجمعة ركعتين، وقرأ فى كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة الزلزلة ١٥ مرة، فاذا فرغ من صلاته يقول: يا حي يا قيوم، ياذا الجلال والاكرام (١٠٠ مرة) آمنه الله من عذاب القبر وظلمته وضيقته، وأهوال يوم القيامة، ولا يقوم من مقامه لا جائعا ولا ظمآنا، ويكسى حلة من نور، ولا يخرج من الدنيا حتى يرى مقعده فى الجنة) . الحديث التاني: عن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال رسول الله ﵊: (من صلى ليلة السبت ١٦ ركعة، وقرأ فى كل ركعة الفاتحة وسورة الاخلاص (٣١ مرة) أخرج المكر والوسواس والعجب والرياء من قلبه، ويجمع الله فى قلبه النور والرحمة والرأفة، ويلبسه يوم القيامة المغفرة، ويبقى وجهه كالقمر ليلة البدر، ويبنى له بكل ركعة قصر فى الجنة) ... إلى العديد ممَّا هو مكتوب من الأحاديث عن الرسول ﷺ . أرجوكم أفيدوني، هل أصلي هذه الصلوات، وهل هى صحيحة أم ضعيفة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم يرد حديث صحيح في فضل تخصيص يوم من أيام الأسبوع أو لياليه بقيام أو صلاة نافلة، وكل ما ورد في ذلك فهو منكر مكذوب على رسول الله ﷺ ، لا تجوز روايته فضلا عن العمل به، ومن عمل بمثل هذه الأحاديث المكذوبة فإنما يبتدع في الدين ما ليس منه، فليحذر عقوبة الله وغضبه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٣/١٣٤) :
" والصلاة يوم الأحد والاثنين وغير هذا من أيام الأسبوع - وإن كان قد ذكرها طائفة من المصنفين فى الرقائق - فلا نزاع بين أهل المعرفة بالحديث أن أحاديثه كلها موضوعة، ولم يستحبها أحد من أئمة الدين، وفى صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبى ﷺ أنه قال: (لَا تَخُصُّوا لَيلَةَ الجُمعَةِ بِقِيَامٍ، وَلَا يَومَ الجُمعَةِ بِصِيَامٍ) والله أعلم " انتهى.
ويقول ابن القيم في "المنار المنيف" (٩٥) :
" أحاديث صلوات الأيام والليالي، كصلاة يوم الأحد وليلة الأحد ويوم الاثنين وليلة الاثنين إلى آخر الأسبوع، كل أحاديثها كذب " انتهى.
ويقول العراقي ﵀ في "تخريج الإحياء" (١/٢٥٩) :
" ليس يصح في أيام الأسبوع ولياليه شيء، وكلها ضعيفة منكرة " انتهى.
وقال الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (٤٦) :
" قال في المختصر: لا يصح في صلاة الأسبوع شيء " انتهى.
وقد جاء في فضل قيام الليل مطلقا آيات كريمة وأحاديث صحيحة سبق بيانها في جواب السؤال رقم (٥٠٠٧٠)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 4170
كم كانت عدد الركعات في صلاة التراويح على عهد عمر بن الخطاب ﵁
[السُّؤَالُ]
ـ[ما يُروى عن عمر ﵁ أنه أمر بصلاة التراويح عشرين ركعة. هل هذا صحيح أم ضعيف؟ أو لا أصل له؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
جاء الأمر عن عمر بن الخطاب ﵁ بصلاة العشرين ركعة عن أربعة من التابعين، وهذه رواياتهم:
١- عن السائب بن يزيد أنه قال: (أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ جَمَعَ النَّاسَ فِي رَمَضَانَ عَلَى أُبَيِّ بنِ كَعبٍ وَعَلَى تَمِيمٍ الدَّارِيِّ عَلَى إِحدَى وَعِشرِينَ رَكعَةً، يَقرَؤُونَ بِالمِئِينَ، وَيَنصَرِفُونَ عِندَ فُرُوعِ الفَجرِ)
رواه عن السائب جماعة من الرواة: ومنهم من يذكر (العشرين) أو (إحدى وعشرين) أو (ثلاث وعشرين) وهم:
محمد بن يوسف ابن أخت السائب عن السائب: كما عند عبد الرزاق في "المصنف" (٤/٢٦٠) من رواية داود بن قيس وغيره عنه.
ويزيد بن خصيفة: أخرجه ابن الجعد في "المسند" (١/٤١٣) ، ومن طريقه البيهقي في السنن (٢/٤٩٦)
والحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب: أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (٤/٢٦١)
فهذه روايات صحيحة من رواة ثقات عن السائب بن يزيد، وفيها ذكر العشرين ركعة في زمن عمر بن الخطاب ﵁، والزيادة في رواية (إحدى وعشرين) أو (ثلاث وعشرين) إنما هو باعتبار القيام مع الوتر.
٢- عن يزيد بن رومان قال: (كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَانِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فِي رَمَضَانَ بِثَلاثٍ وَعِشرِينَ رَكعةً)
رواه عنه مالك في "الموطأ" (١/١١٥) ، وقال النووي في "المجموع" (٤/٣٣) : " مرسل، فإن يزيد بن رومان لم يدرك عمر " انتهى.
٣- عن يحيى بن سعيد القطان: (أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ أَمَرَ رَجُلا يُصَلِّي بِهِم عِشرِينَ رَكعَةً)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢/١٦٣) عن وكيع عن مالك به، ولكن يحيى بن سعيد لم يدرك عمر.
٤- عن عبد العزيز بن رفيع قال: (كَانَ أُبَيُّ بنُ كَعبٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي رَمَضَانَ بِالمَدِينَةِ عِشرِينَ رَكعَةً، وَيُوتِرُ بِثَلاثٍ)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢/١٦٣) .
وبمجموع هذه الروايات يتبين أن العشرين ركعة كانت هي السنة الغالبة على التراويح في زمن عمر بن الخطاب ﵁، ومثل صلاة التراويح أمر مشهور يتناقله الجيل وعامة الناس، ورواية يزيد بن رومان ويحيى القطان يعتبر بهما وإن كانا لم يدركا عمر، فإنهما ولا شك تلقياه عن مجموع الناس الذين أدركوهم، وذلك أمر لا يحتاج إلى رجل يسنده، فإن المدينة كلها تسنده.
قال الإمام الترمذي ﵀ في سننه (٣/١٦٩) :
" وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ.
وقَالَ الشَّافِعِيُّ وَهَكَذَا أَدْرَكْتُ بِبَلَدِنَا بِمَكَّةَ يُصَلُّونَ عِشْرِينَ رَكْعَةً.
وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٢/٦٩) :
" وروي عشرون ركعة عن علي، وشتير بن شكل، وابن أبي مليكة، والحارث الهمداني، وأبي البختري، وهو قول جمهور العلماء، وبه قال الكوفيون والشافعي وأكثر الفقهاء، وهو الصحيح عن أبي بن كعب، من غير خلاف من الصحابة، وقال عطاء: أدركت الناس وهم يصلون ثلاثا وعشرين ركعة بالوتر " انتهى.
وانظر ذلك مسندا في "مصنف ابن أبي شيبة" (٢/١٦٣)
يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى "مجموع الفتاوى" (٢٣/١١٢) :
" ثبت أن أُبَىَّ بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة فى قيام رمضان، ويوتر بثلاث، فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة؛ لأنه أقامه بين المهاجرين والانصار ولم ينكره منكر، واستحب آخرون تسعة وثلاثين ركعة، بناء على أنه عمل أهل المدينة القديم " انتهى.
أما ما جاء من رواية الإمام مالك ويحيى القطان وغيرهما عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد في "الموطأ" (١/١١٥) وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (٢/١٦٢) بلفظ: (إحدى عشرة ركعة) فهو محمول على أنه كان في بداية الأمر، ثم خُفِّفَ بعدُ على الناس، فزاد عمر الركعات إلى عشرين ليخفف على الناس القراءة في القيام.
قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٢/٦٨) :
" إلا أنه يحتمل أن يكون القيام في أول ما عمل به عمر بإحدى عشرة ركعة، ثم خفف عليهم طول القيام، ونقلهم إلى إحدى وعشرين ركعة، يخففون فيها القراءة ويزيدون في الركوع والسجود، إلا أن الأغلب عندي في إحدى عشرة ركعة الوهم، والله أعلم " انتهى.
ويقول ابن تيمية ﵀ "مجموع الفتاوى" (٢٣/١١٣) :
" وأُبَىٌّ بن كعب لما قام بهم وهم جماعة واحدة لم يمكن أن يطيل بهم القيام، فكثر الركعات ليكون ذلك عوضا عن طول القيام، وجعلوا ذلك ضعف عدد ركعاته، فإنه كان يقوم بالليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة، ثم بعد ذلك كأن الناس بالمدينة ضعفوا عن طول القيام، فكثروا الركعات، حتى بلغت تسعا وثلاثين " انتهى.
ثانيا:
صلاة الليل الباب فيها واسع، وهي غير محصورة بعدد، فمن شاء قامها بإحدى عشرة ركعة، ومن شاء زاد أو نقص، وكذلك صلاة التراويح في رمضان.
يقول ابن تيمية ﵀ "مجموع الفتاوى" (٢٣/١١٣) :
" وقال طائفة: قد ثبت فى الصحيح عن عائشة (أن النبى لم يكن يزيد فى رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة) واضطرب قوم فى هذا الأصل؛ لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين وعمل المسلمين.
والصواب أن ذلك جميعه حسن، كما قد نص على ذلك الامام أحمد رضى الله عنه، وأنه لا يتوقت فى قيام رمضان عدد، فان النبى لم يوقت فيها عددا " انتهى.
ويقول الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى "مجموع الفتاوى" (١١/٣٢٢) :
" وثبت عن عمر رضي لله عنه أنه أمر من عين من الصحابة أن يصلي إحدى عشرة، وثبت عنهم أنهم صلوا بأمره ثلاثا وعشرين، وهذا يدل على التوسعة في ذلك، وأن الأمر عند الصحابة واسع، كما دل عليه قوله ﵊: (صلاة الليل مثنى مثنى) " انتهى
وانظر جواب السؤال رقم (٩٠٣٦) (٣٨٠٢١)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →