Полный текст (16 344 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.
стр. 6091
الأعمال الصالحة في مكة أفضل من غيرها، لكن لا ندري مقدار تفضيلها إلا الصلاة
[السُّؤَالُ]
ـ[ (صوم رمضان في مكة يعدل صيام ألف شهر فيما سواه) ، هل هذا حديث صحيح؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"ليس بصحيح، فقد ورد حديث ضعيف لا يصح، إنما الثابت في الصلاة فقط، الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما سواه، وفي مسجد النبي ﷺ خير من ألف صلاة فيما سواه، وأما الصوم فلم يثبت فيه شيء، سوى حديث ضعيف، أنه خير من مائة ألف فيما سواه، لكنه ضعيف، لكن الأعمال الصالحة لها فضل في مكة، الصوم والصدقة والأذكار وغير هذا من الأعمال الصالحة لها فضل، لكن ليس هناك دليل على بيان المضاعفة لكميتها ما عدا الصلاة" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٥/٢١١) .
[الْمَصْدَرُ]
موقع الإسلام سؤال وجواب
стр. 6092
من هم حاضرو المسجد الحرام ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[قال الله تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) البقرة/١٩٦، من هم حاضرو المسجد الحرام؟ هل هم أهل مكة أم أهل الحرم؟ وما رأيكم فيمن قال: إن المكي لن يتمتع ولن يقرن بدون أهله؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"هذا الذي ذكره السائل هو جزء من آية ذكرها الله فيمن تمتع فقال: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ) البقرة/١٩٦، وقد اختلف العلماء ﵏ في المراد بحاضري المسجد الحرام.
فقيل: هم من كان داخل حدود الحرم، فمن كان خارج حدود الحرم فليسوا من حاضري المسجد الحرام.
وقيل: هم أهل المواقيت ومن دونهم.
وقيل: هم أهل مكة ومن بينه وبينها دون مسافة القصر.
والأقرب أن حاضري المسجد الحرام هم أهل الحرم.
فمن كان من حاضري المسجد الحرم فإنه إذا تمتع بالعمرة إلى الحج فليس عليه هدي مثل: لو سافر الرجل من أهل مكة إلى المدينة مثلاً في أشهر الحج ثم رجع من المدينة فأحرم من ذي الحليفة بالعمرة مع أنه قد نوى أن يحج هذا العام فإنه لا هدي عليه هنا؛ لأنه من حاضري المسجد الحرام، وكذلك أهل مكة يمكن أن يقرنوا ولكن لا هدي عليهم مثل: أن يكون أحد من أهل مكة في المدينة ثم يحرم من ذي الحليفة في أيام الحج بعمرة وحج قارناً بينهما، فهذا قارن ولا هدي عليه أيضاً، لأنه من حاضري المسجد الحرام" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (٢٢/ ٧٠، ٧١) .
وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (١١/٣٨٩) :
"اختلف أهل العلم في المعنى بـ: (حاضري المسجد الحرام) ، والراجح أنهم أهل الحرم.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6093
ما هو الشيء الذي في الجنة يوجد في الكعبة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو الشيء الذي في الجنة يوجد في الكعبة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا نعرف شيئاً في الكعبة ورد في السنة النبوية أنه من الجنة إلا شيئين:
١- الحجر الأسود، وقد ورد ذلك من حديث ابْن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (نَزَلَ الحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الجَنَّةِ، وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ) رواه الترمذي (٨٧٧) .
قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه ابن خزيمة (٤/٢١٩) ، والضياء المقدسي في "المختارة" (١٠/٢٦٠) ، وحسنه ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (٥/٧٣٢) ، والحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٣/٥٤٠) ، والألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٦١٨) .
وجاء من قول ابن عباس وابن عمرو وغيرهما أيضا، انظر "مصنف ابن أبي شيبة" (٤/٣٥) ، ومن قول أنس ﵁ في "مسند أحمد" (٣/٢٧٧) .
وانظر جواب السؤال رقم: (١٩٠٢) ، (٢١٤٠٢) ، (٤٥٦٤٣) .
٢- مقام إبراهيم: وقد ورد ذلك في حديث عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ الرُّكْنَ وَالمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الجَنَّةِ، طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَا لأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ) .
جاء من طريق مسافع بن شيبة الحجبي عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وقد رواه عن مسافع جماعة من الرواة على وجهين:
أ- موقوفا من كلام عبد الله بن عمرو بن العاص:
كذا رواه الزهري وشعبة، كما ذكره أبو حاتم في "العلل" (١/٣٠٠) دون أن يورد الأسانيد. ب- مرفوعا من كلام النبي ﷺ :
رواه رجاء أبو يحيى عن مسافع.
كما في "مسند أحمد" (٢/٢١٣) ، وسنن الترمذي (٨٧٨) ، وصحيح ابن خزيمة (٤/٢١٩) وصحيح ابن حبان (٩/٢٤) ، ومستدرك الحاكم (١/٦٢٧) .
ورجاء هو ابن صبيح الحَرَشي، قال فيه ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وقال ابن خزيمة: لست أعرف أبا رجاء هذا بعدالة ولا جرح، ولست أحتج بخبر مثله.
وقد وثقه الإمام البخاري وابن حبان، وقد اختار توثيقهما الشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند.
انظر: "تهذيب التهذيب" (٣/٢٦٨) .
ورواه مرفوعا أيضا:
شبيب بن سعيد الحبطي، وأيوب بن سويد، عن يونس بن يزيد، عن الزهري عن مسافع، الأول عند البيهقي في "السنن الكبرى" (٥/٧٥) ، والثاني عند ابن خزيمة في "صحيحه" (٤/٢١٩) ، والحاكم في "المستدرك" (١/٦٢٦) ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (٥/٧٥) ، وهذا السند صحيح، فإن شبيب بن سعيد ثقة، وثقة ابن المديني.
انظر ترجمة في: "تاريخ بغداد" (١١/٣٢٩) و "تاريخ الإسلام" (٢٨/٣٨١) .
وقد صححه النووي في "المجموع" (٨/٣٦) وقال: صحيح على شرط مسلم. وابن تيمية في "المناسك من شرح العمدة" (٢/٤٣٤) ،.
وقال الألباني في تحقيقه لصحيح ابن خزيمة (٢٧٣١) : إسناده حسن لغيره، فإن أيوب بن سويد سيء الحفظ، وقد تابعة شبيب بن سعيد الحبطي عند البيهقي، وهو ثقة، عن رواية ابنه أحمد عنه، فإسناده صحيح. انتهى.
وقال عنه شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لابن حبان (٣٧١٠) : حديث حسن لغيره، وصححه الألباني أيضاً في صحيح الترمذي (٨٧٨) .
وقد صححه الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تحقيقه المسند (٧٠٠٠) وأطال في تخريجه.
وقد اختار محققو مسند الإمام أحمد أن الأصح وقفه على عبد الله بن عمرو ﵄، وأن إسناد المرفوع ضعيف، وكأن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في "فتح الباري" (٣/٥٤٠) يميل إلى هذا القول.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6094
هل يجوز جلب حصى أو تراب من مزدلفة أو من الحرم ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أديت فريضة الحج العام الماضي، وعندما كنا في مزدلفة أخذت صخرتين واحتفظت بهم، إلى الآن، فهل في هذا شيء؟ هل يجب عليَّ التخلص منهما؟ وكيف؟ هل تعد مزدلفة من الحرم؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله أن يتقبل حجك، وأن تكوني من المغفور لهم ذنوبهم، والذين رجعوا من حجهم بلا ذنب ولا إثم.
ثانياً:
" المزدلفة " من المشاعر، وهي في حدود الحرم، وقد سمَّاها الله تعالى في كتابه " المشعر الحرام " فقال: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) البقرة/١٩٨.
قال ابن حزم الأندلسي ﵀:
وأما مزدلفة: فهي المشعر الحرام، وهي من الحرم.
" المحلى " (٧ / ١٨٨) .
وقال النووي ﵀:
واعلم أن المزدلفة كلها من الحرم.
" شرح مسلم " (٨ / ١٨٧) .
ثالثاً:
لا ينبغي أخذ شيء من آثار مكة أو المدينة؛ لعدم ثبوت ذلك عن أحد من سلف هذه الأمَّة؛ لأن ذلك مظنة تعظيم هذه الآثار واعتقاد نفعها، وهو ما جاءت الشريعة بمحاربته، وإغلاق طرقه، نعم، لو كانت الوصية بإحضار ماء زمزم لكان ذلك جائزاً؛ لثبوت ذلك عن النبي ﷺ وأصحابه؛ لأنه أخبرنا أنها ماء مباركة، وأن فيها شفاء بإذن الله، وأما ما عداها كترابٍ من عرفة، أو حصى من مزدلفة، أو ما يشبه ذلك: فليس لأحد حمله معه إلى بلاده.
وقد اختلف العلماء في حكم إخراج التراب والحجارة من الحرم إلى ثلاثة أقوال: الجواز، والكراهة، والتحريم، وإلى الجواز ذهب الحنفية، وإلى الكراهة ذهب بعض الشافعية، والتحريم هو قول جمهور الشافعية، وهو الذي لا ينبغي القول بغيره، إذا عُلم أن من يخرجه يريد التبرك به أو تعظيمه. لأن تراب الحرم وحجارته لا يُتبرك بها لا وهي في مكانها في الحرم، ولا هي خارجة عنه.
والخلاف المذكور بين العلماء إنما هو في مجرد الإخراج من الحرم، وليس في التبرك بها، والتعظيم لها.
قال الإمام الشافعي ﵀:
"لا خيرَ في أن يُخرج من حجارة الحرم، ولا ترابه شيء إلى الحل؛ لأنَّ له حرمة ثبتت بايَنَ بها ما سواها من البلدان، ولا أرى - والله تعالى أعلم - أن جائزاً لأحد أن يزيله من الموضع الذي باين به البلدان إلى أن يصير كغيره" انتهى.
" الأم " (٧ / ١٥٥) .
وقال ابن حزم ﵀:
"ولا يخرج شيء من تراب الحرم ولا حجارته إلى الحل، ... عن عطاء قال: يُكره أن يُخرج من تراب الحرم إلى الحل، أو يدخل تراب الحل إلى الحرم.
وهو قول ابن أبى ليلى، وغيره، ولا بأس بإخراج ماء زمزم؛ لأن حرمة الحرم إنما هي للأرض، وترابها، وحجارتها، فلا يجوز له إزالة حرمتها، ولم يأت في الماء تحريم" انتهى.
" المحلى " (٧ / ٢٦٢، ٢٦٣) .
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
يريد أن يحج، ومحمل عدة وصايا، يقول: إنه قد طَلب منه مجموعة من الناس أن يأتي لهم بشيء من مكة، والمدينة، مثل حجر، أو ماء، أو قليل تراب، أو ما شابه ذلك، فكيف أصنع؟ .
فأجاب:
"هذه الوصايا التي أشار إليها، أن يأتي إلى من أوصوه بتراب، أو ماء، أو أحجار من الحرم: لا يلزمه أن يفي بها، وله أن يردها عليهم، ولو كانت وصاياهم بأن يدعو الله لهم في هذه المشاعر: لكان ذلك أولى وأجدر.
إذا استبدل هذه الوصايا بأن يدعو الله لهم في هذه المشاعر بما فيه خيرهم في دينهم ودنياهم: كان ذلك أولى، وأجدر، وأحسن" انتهى.
" فتاوى نور على الدرب ".
رابعاً:
من أخذ شيئا من تراب الحرم إلى خارجه فعليه أن يستغفر الله تعالى من فعله أولاً، ثم عليه أن يرجعه إلى أي بقعة في الحرم إن استطاع، ولا يجب أن يردَّه بنفسه، بل لو أعطاه لمن يوثق به ليرده: جاز له ذلك، فإن لم يستطع هذا ولا ذاك: فيضعها في أي مكان طاهر، وقد قال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) البقرة/ ٢٨٦.
جاء في " الموسوعة الفقهية " (١٧ / ١٩٥) :
"صرح الشافعية بحرمة نقل تراب الحرم، وأحجاره، وما عمل من طينه - كالأباريق وغيرها - إلى الحل، فيجب رده إلى الحرم" انتهى.
وقال الماوردي ﵀:
"فإن أخرج من حجارة الحرم، أو من ترابه شيئاً: فعليه ردُّه إلى موضعه، وإعادته إلى الحرم" انتهى.
" الحاوي في الفقه الشافعي " (٤ / ٣١٤) .
ونقله عنه النووي في " المجموع " (٧ / ٤٦٠) وأقرَّه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6095
قامت بأخذ عيّنة من نباتات في مكة لعمل بحث، فهل تجب عليها كفارة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[قبل حوالي أربع سنوات وأنا طالبة في الجامعة، قمت بعمل بحث على أنواع النباتات، وقد أخذت عينه من نباتات مكة (من ٣ إلى ٥) أوراق شجر من داخل منطقة الحرم، مع العلم أنني لم أقم بقطع غصن أو ما شابه ذلك، مع علمي بحرمة البلد الحرام؛ ولكن عللت فعلي بأنه في سبيل العلم، وأنه جائز؟! أفيدوني بارك الله فيكم: هل تجب علي كفارة؟ وإذا وجبت بكم تقدر وكيف توزع؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فقد وردت الأحاديث الكثيرة في الصحيحين وغيرهما في تحريم شجر الحرم المكي، من ذلك قوله ﷺ عن مكة: (أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ؛ أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ؛ لَا يُخْتَلَى [أي: لا يحصد] شَوْكُهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ) رواه البخاري (١١٢) ومسلم (١٣٥٥) .
قال الإمام ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٣/١٦١) : " أجمع أهل العلم على تحريم قطع شجر الحرم , وإباحة أخذ الإذخر , وما أنبته الآدمي من البقول والزروع والرياحين. حكى ذلك ابن المنذر" انتهى.
وهم وإن أجمعوا على تحريم قطع شجر الحرم، فقد اختلفوا في مسائل، منها:
هل يحرم كل شيء في الحرم، أم التحريم خاص لما نبت بنفسه؟ فأكثر أهل العلم يقولون المحرم إنما هو ما نبت بنفسه، أما ما غرسه الآدمي فليس بحرام.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "الشرح الممتع" (٧/٢١٨) : " المحرم ما كان من شجر الحرم، لا من شجر الآدمي، وعلى هذا فما غرسه الآدمي أو بذره من الحبوب فإنه ليس بحرام، لأنه مُلْكه ولا يضاف إلى الحرم، بل يضاف إلى مالكه." انتهى.
ومنها: هل يحرم أخذ الورق من الشجر المحرم أم لا؟ فالحنابلة لا يجيزون أخذ الورق، خلافاً لجمهور أهل العلم القائلين بجواز أخذه؛ لأنه لا يضر بالشجر، وعلى هذا المذاهب الثلاثة. قال ابن قدامة في "المغني" (٣/١٧٠) : " وليس له أخذ ورق الشجر. وقال الشافعي: له أخذه ; لأنه لا يضر به. وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السَّنَى [نبت يُتداوى به] , يستمشي به [أي يُشرَبُ ماؤُه للمَشِيِّ، كما في تاج العروس] , ولا يُنزع من أصله. ورخص فيه عمرو بن دينار.
ولنا , أن النبي ﷺ قال: ﴿لا يخبط شوكها , ولا يعضد شجرها﴾ , رواه مسلم. ولأن ما حرم أخذه حرم كل شيء منه , كريش الطائر.
وقولهم: لا يضر به. لا يصح فإنه يضعفها , وربما آل إلى تلفها " انتهى.
وعلى هذا فإن كان ما أخذته الأخت السائلة من الأوراق قد أخذته من شجر لم يغرسه الأدمييون، فإن أخذها له محل خلاف بين العلماء؛ والجمهور على جوازه، ويمنعه الحنابلة، إن لم تكن هناك حاجة عامة تدعو إلى أخذه؛ فإن كانت قد أخذته مع إمكان أن تستغني عنه بغيره من أشجار الحل، فينبغي أن تستغفر وتتوب إلى الله تعالى، وإن كانت هناك حاجة تعليمية تعود على عموم الناس بالنفع ولا يقوم شجر الحل مقامها، فلا حرج إن شاء الله.
وعلى كل الاحتمالات، لا ضمان عليها ولا كفارة، لأن الفقهاء الذين يمنعون أخذ الورق وهم الحنابلة، لا يوجبون ضمان شجر الحرم، وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء.
جاء فيها: " وإذا أتلف شيئاً من شجر الحرم أو حشائشه مملوكاً لأحد فكذلك عليه قيمته لمالكه، وإن لم يكن مملوكاً لأحد فلا شيء عليه، ولا ينبغي له تعمد ذلك؛ لنهيه ﷺ عن ذلك "
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١٣/٢٠٩)
... أما إن كان هذا الشجر مملوكاً فلا حرج في أخذ هذه الأوراق إن شاء الله لأن هذا مما جرت العادة بالمسامحة فيه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6096
هل الحجر الأسود من السماء
[السُّؤَالُ]
ـ[عن عمر أنه قبَّل الحجر وقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يُقَبِّلُك ما قبلتك. هل الحجر الأسود نزل من السماء؟ أو هو حجر كسائر الأحجار؟ وما المراد بوضع هذا الحجر في ذلك الموضع؟ وبعض الناس يظنون أنها هي قبلة المسلمين في صلاتهم، معاذ الله.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحجر الأسود اختصه الله سبحانه بما شرعه لنا من تقبيله واستلامه، وأراد أن يكون في ركن الكعبة التي نستقبلها في صلاتنا، وشرع تقبيله واستلامه للطائفين؛ مع القدرة، فإن لم يتيسر فالإشارة إليه عند محاذاته مع التكبير، وقد ورد حديث رواه الترمذي وغيره في أنه نزل من الجنة، لكن في سنده ضعف........ (والحديث رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الترمذي ٦٩٥) .
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (فتاوى اللجنة ١١/٢٢٨) .
стр. 6097
حكم إدخال الخادمات غير المسلمات لمكة في موسم الحج
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز إدخال غير المسلمين إلى مكة المكرمة كالخادمات لفترة الحج أو العمرة، بحجة أن الشخص لا يجد لها مكاناً يبقيها فيه خلال فترة غيابه عن بلده؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اتخاذ خادمات في البيوت له مفاسد لم تعد تخفى على أحد، وكم تسبب وجود الخادمات في كثير من المشكلات في بيوت المسلمين، ووقع كثيرون في المعاصي الصغيرة والكبيرة بسبب ذلك، فمنهن من يستعملن السحر لتثبيت وجودها في المنزل، أو لكف الأذى عنها، ومنهن من توقع صاحب المنزل أو أبناءه في غرامها، وتُفعل الفواحش في تلك البيوت، ومنهن من تتسبب بالأذى والضرر للأطفال الصغار سواء في بدنه أو في دينه، وهكذا في مفاسد يصعب حصرها.
ويرجى النظر في جواب السؤال رقم (٢٦٢٨٢) ففيه زيادة بيان حول مفاسد إحضار الخادمات، وشروط جواز ذلك.
ثانياً:
إذا كانت الأسرة مضطرة لوجود خادمة في البيت، بسبب كثرة الأعمال البيتية، وبشرط الالتزام بالشروط الشرعية: فإنه يجوز لصاحب البيت إحضار خادمة للعمل، ويُفضَّل أن تكون مسلمة؛ لما في اتخاذها كافرة من مخاطر كبيرة على الأسرة.
ولينظر جواب السؤال رقم (٣١٢٤٢) ففيه شروط استخدام خادم غير مسلم.
وأما إن كانت الأسرة تعيش في " الجزيرة العربية " فإنه لا يجوز لهم إحضار الخادمات الكافرات للعمل؛ لأن النبي ﷺ أمر بإخراج المشركين من جزيرة العرب.
فعن عُمَر بْن الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، حَتَّى لَا أَدَعَ فِيهَا إِلَّا مُسْلِماً) رواه مسلم (١٧٦٧) .
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ منها: (أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) رواه البخاري (٢٨٨٨) ومسلم (١٦٣٧) .
وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (١ ٠٤٨٠٦) .
ثالثاً:
أما جلب الخادمات الكافرات وغيرهن من الكفار إلى الحرم: فلا يجوز سواء للعمرة أو للحج أو لغيرهما، وهذا وجه آخر في المنع من دخولهم الحرم، فهو من جهة داخل قطعاً في " جزيرة العرب " التي نص النبي ﷺ على تحريم دخولهم فيها، وكذلك من وجه آخر أنه قد وردت النصوص بتخصيص الحرم من منع دخولهم فيه، وهو المعمول به منذ أزمان بعيدة بفضل الله تعالى وتوفيقه.
ومعنى هذا أنه من كان لوجوده في جزيرة العرب من الكفار مصلحة للمسلمين، أو كان أحدٌ قد تساهل في جلب الكفار لها: فإنه لا يجوز التعدي على الشرع من الجهة الأخرى بإدخالهم إلى حدود الحرم.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) التوبة/٢٨.
والمسجد الحرام هنا هو: الحرم كله.
قال النووي ﵀:
والمراد بالمسجد الحرام ها هنا: الحرم كله، فلا يمكَّن مشرك من دخول الحرم بحال، حتى لو جاء في رسالة أو أمر مهم لا يمكَّن من الدخول، بل يُخرج إليه من يقضى الأمر المتعلق به، ولو دخل خفية ومرض ومات: نبش وأخرج من الحرم.
" شرح مسلم " (٩ / ١١٦) .
وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: بالنسبة لحكم استصحاب الخادمة الكافرة وإدخالها إلى الحرم؟ .
فأجاب:
أجبني: كيف يذهب بامرأة كافرة إلى المسجد الحرام والله يقول: (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) التوبة/٢٨؟ لا، هذا حرام عليه، وإذا قدِّر أنه اضطر إلى هذا يقول لها: أسلمي، فإن أسلمت: فهذا المطلوب، وإن لم تسلم: إما أن يبقى معها، وإما أن يرسلها إلى أهلها، وأما أن يأتي بها إلى مكة: فهذا لا يجوز، أولاً: معصية لله ، ثانياً: امتهان للحرم.
السائل:
هو يا شيخ من غير هذه البلاد، وجاء بها، وعندما سأل عن الحكم وقيل له: لا يجوز، هل يرجع هو وإياها؟ .
الشيخ:
نعم، يرجع هو وإياها، أو يردها إلى بلدها.
" لقاءات الباب المفتوح " (١٩٦ / السؤال رقم ١٨) .
والخلاصة:
أن جلب الخادمات وعملهن في بيوت المسلمين فيه محاذير ومخالفات شرعية كثيرة، وتزداد هذه المحاذير إذا كانت الخادمة غير مسلمة، وأنه لا يجوز جلب الخادمات الكافرات إلى جزيرة العرب، ولا دخولهن حدود الحرم.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6098
ليس على الحائض حرج في دخولها للمدينة النبوية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمرأة أن تدخل الحرم المدني وهي حائض؟ وماذا عليها إذا كانت حائضاً وهي في مدينة رسول الله ﷺ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا تُمنع المرأة الحائض من دخول مكة ولا المدينة، وليس في النصوص ما يمنعها من دخولهما، بل النصوص تدل على عكس ذلك، فالنساء اللاتي يأتين للحج والعمرة يمكن أن يكنَّ حيَّضاً وهنَّ ممنوعات من الطواف بالبيت فقط، وقد كانت عائشة ﵂ مع النبي ﷺ في حجة الوداع، وحاضت قبل دخول مكة، ولم يمنعها ﷺ من دخولها حتى تطهر! بل أمرها أن تفعل جميع مناسك الحج إلا الطواف بالبيت، فإنها تؤجله حتى تطهر، فقال ﷺ : (افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي) رواه البخاري (٣٠٥) ومسلم (١٢١١) .
والنساء اللاتي يسكنَّ المدينة ألم يكن يصيبهن الحيض؟ فهل كانوا يخرجن من المدينة؟! فالحاصل أنه لا حرج في دخول الحائض مكة والمدينة وبقائها فيهما، والأمر أوضح من أن يستدل له.
وأما دخول الحائض المسجد (سواء كان المسجد الحرام بمكة، أو مسجد النبي ﷺ بالمدينة، أو غيرهما من المساجد) فقد سبق في جواب السؤال (٣٣٦٤٩) أنه لا يحل لها دخول المسجد، فلينظر.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6099
ما حكم إرسال السلام للنبي ﷺ مع الذاهبين للمدينة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم إرسال السلام مع الحجاج للنبي ﷺ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الفعل غير مشروع، ولم يكن هذا من فعل أهل القرون الفاضلة، ولا عقلاء المسلمين؛ لأنه يمكن لأي أحدٍ أن يسلِّم على النبي ﷺ في أي مكانٍ كان، وقد تكفَّل الله تعالى بتوصيل هذا السلام مع ملائكة جعل الله هذا الأمر وظيفتهم، وعليه: فإن من يسلم على النبي ﷺ في أي مكان فإن سلامه سيصل يقيناً، فأين هذا من تكليف زائر للمدينة النبوية بالسلام على رسول الله ﷺ ، ولا يُدرى أيصل أم لا، ولا يُدرى أيذكر أم ينسى؟
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام) رواه النسائي (١٢٨٢) وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (١٦٦٤) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلُّوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) رواه أبو داود (٢٠٤٢) وصححه الألباني في " صحيح الجامع " (٧٢٢٦) .
قال علماء اللجنة الدائمة:
تحميل الإنسان غيره السلام على رسول الله ﷺ أو غيره من الأموات: ليس مشروعاً، بل هو بدعة، والنبي ﷺ يقول: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) .
فالواجب ترك هذا العمل وتنبيه من يقع فيه إلى أنه لا يجوز، ومِن فضل الله علينا أن جعلَ سلامَنا على نبينا محمد ﷺ يبلغه أينما كنَّا، في مشارق الأرض ومغاربها، فقد ثبت أن النبي ﷺ قال: (إن لله في الأرض ملائكة سياحين يبلغوني من أمتي السلام) رواه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما، وقال ﷺ : (خير أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) ، وقال ﵊: (لا تجعلوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلُّوا عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني أين كنتم) ، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١٦ / ٢٩، ٣٠) .
قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك حفظه الله - عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية -:
إرسال السلام على النبي ﷺ مع مَن يسافر إلى المدينة: لا أصل له، فلم يكن من عادة السلف الصالح من الصحابة ﵃، والتابعين، وأهل العلم إرسال السلام، ولم ينقل عن أحد منهم شيء من ذلك؛ لأنه ﷺ يُبلَّغُ صلاة أمته وسلامها عليه، كما في الحديث الصحيح: (لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ) أخرجه أبو داود (٢٠٤٢) ، وفي لفظ: (فإنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي أَيْنَمَا كُنْتُمْ) أخرجه أبو يعلى (٤٦٩) .
وعلى هذا: فالتعبد بإرسال السلام إلى النبي ﷺ : بدعة، بل ولا يشرع إرسال السلام إلى الميت، وإنما يسلم على الميت من يزوره، كما كان النبي ﷺ يزور أهل البقيع ويسلم عليهم ويدعو لهم، ويُعلِّمُ أصحابه ﵃ كيف يقولون إذا زاروا القبور، كقوله ﷺ : (السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَلاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ) أخرجه مسلم (٩٧٥) وقال لعائشة ﵂: (قُولِي: السَّلامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلاحِقُونَ) أخرجه مسلم (٩٧٤) ، وإنما يبلغ السلام من الغائب للحي.
والمقصود: أن الله يسَّر على هذه الأمة أن يصلُّوا ويسلِّموا على نبيِّهم ﷺ ، ويكثروا من ذلك في أي بقعة من الأرض، وقد ورد أن الله وكّل بقبره ﷺ ملائكة يبلغونه من أمته صلاتهم وسلامهم عليه، ﷺ ، والله أعلم.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
ومع هذا نقول: أنتَ لو سلَّمتَ عليه في أقصى الدنيا فإن سلامك سوف يبلغه؛ لأن الله وكَّل ملائكة سيَّاحين في الأرض إذا سلَّم أحدٌ على الرسول ﷺ نقلوا السلام إلى الرسول ﵊، فنحن الآن إذا قلنا: " اللهم صلِّ وسلِّم على رسول الله ": نُقل سلامنا إليه، في الصلاة تقول: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " يُنقل السلام إليه. . .
سمعتُ بعض الناس يقول في المدينة: إن أبي وصَّاني أن أسلِّم على الرسول، وقال: سلِّم لي على الرسول، وهذا غلط، والرسول ﷺ ليس حيّاً حتى يُنقل سلام الحي له، ثم إذا سلَّم أبوك على الرسول نَقل سلامَه مَن هو أقدر منك على إبلاغه وأوثق منك، وهم الملائكة.
إذن: لا حاجة إلى هذا، ونقول: أنت في مكانك، في أي مكان من الأرض تقول " السلام عليك أيها النبي " وسيبلغه بأسرع من هذا وأوثق وأحسن.
"مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (٢٣/٤١٦، ٤١٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6100
الركن اليماني
[السُّؤَالُ]
ـ[يتعلق سؤالي بالكعبة المشرفة , فقد ذهبت لأداء العمرة منذ سنتين ومن حسن حظي أنني قمت بالطواف قريبا جدا من جدران الكعبة. ولدهشتي وجدت أن للركن اليماني للكعبة شيئا غريبا يشبه الحجر وعليه علامات. أود أن أعرف ما هذا الشيء , وما هو اسمه , وهل يسمح لنا بتقبيله , كما نقبل الحجر الأسود؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قد جاء في كتاب (التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم) لمؤلفه محمد طاهر الكردي المكي ج٣ ص ٢٥٦ أن حجر الركن اليماني يرجع عهده إلى بناء عبد الله بن الزبير ﵁، وأنه باق إلى يومنا هذا، وأن كل من جدد بناء الكعبة حافظ على هذا الركن. وذكر أنه في عام ١٠٤٠ هـ في عهد السلطان مراد الرابع الذي جدد بناء الكعبة، انكسر طرف حجر الركن، فوُضع في محل ذلك رصاص مذاب.
وقد سبق ذلك إلصاق قطع الركن وتسميرها، في عهد الفاطميين.
فلعل ما شاهدته هو ذلك الرصاص وأثر المسامير، مع تغير لونها من أثر الطيب واستلام الطائفين.
والمشروع هو استلام هذا الركن دون تقبيل أو تكبير فإن لم يتمكن من استلامه فإنه لا يشير إليه؛ لعدم ورود ذلك عن النبي ﷺ .
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
الركن اليماني كان الرسول ﷺ يستلمه ولم يكن يكبر، وعلى هذا فلا يسن التكبير عند استلامه.
الشرح الممتع ٧/٢٨٣
وقال الشيخ الألباني ﵀:
ويستلم الركن اليماني بيده في كل طوافة، ولا يقبله، فإن لم يتمكن من استلامه لم تشرع الإشارة إليه بيده.
مناسك الحج والعمرة ص ٢٢
أما الاستلام فقد دل عليه ما رواه الحاكم من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف بالبيت استلم الحجر والركن في كل طواف " صحيح الجامع رقم ٤٧٥١.
وجاء في فضل استلام الركن اليماني قوله ﷺ : " إن مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطا " رواه أحمد عن ابن عمر وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٢١٩٤
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6101
حِجر إسماعيل، تسمية لا أصل لها
[السُّؤَالُ]
ـ[هل دفنَ إسماعيل ﵇ والدته هاجر في "حِجْرِ إسماعيل"؟ فقد سمعت ذلك من أحد شيوخنا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ننبه أولا إلى أن تسمية الناس للحِجر بحِجر إسماعيل تسمية لا أصل لها، ولا علم لإسماعيل ﵇ بهذا الحجر، فقد بنى إبراهيم وإسماعيل ﵉ الكعبة بناء كاملا مشتملا على هذا الحجر، ثم إن جدران الكعبة تصدعت من أثر حريق وسيل جارف حدث قبل بعثة النبي ﷺ ، فهدمت قريش ما بقي من جدرانها، ثم أعادت بناءها، فقصرت بها النفقة الطيبة عن إتمام البناء على قواعد إبراهيم وإسماعيل ﵉، فأخرجوا منها الحِجر، وبنوا عليه جدارا قصيرا دلالة على أنه منها، وكانوا قد شرطوا على أنفسهم ألا يدخلوا في بنائها إلا نفقة طيبة، لا يدخلها مهر بغي ولا بيع ربا، ولا مظلمة لأحد.
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: سألت النبي ﷺ عن الجَدْر أمن البيت هو؟ قال نعم. قلت: فما بالهم لم يدخلوه في البيت؟ قال إن قومك قصرت بهم النفقة "
رواه البخاري ١٥٨٤ ومسلم ١٣٣٣.
والجَدر: لغة في الجدار، والمراد به الحِجر.
فالصواب أن يقال: الحجر، دون أن ينسب إلى إسماعيل ﵇.
ولم يثبت في حديث مرفوع أن هذا الحجر دفن فيه إسماعيل ﵇، أو دفنت فيه هاجر. لكن وردت آثار موقوفة بأسانيد واهية تفيد أن قبر إسماعيل ﵇ في الحجر.
وانظر في ذلك: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد للشيخ اللأباني ﵀ ص ٧٥، ٧٦
وكون إسماعيل ﵇ يدفن أمه داخل الكعبة، أو يدفنه أبناؤه فيها أمر مستبعد غاية الاستبعاد، والقول به فرع عن ثبوته، ولم يثبت شيء من ذلك ولله الحمد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6102
هل يجوز دخول غير المسلم المدينة المنورة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز دخول غير المسلم المدينة المنورة أي: داخل الحرم (للحاجة) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لا يجوز أن يمكَّن الكفار من السكنى في جزيرة العرب، وقد اختلف أهل العلم في تحديد الجزيرة، لكنهم لم يختلفوا في كون المدينة النبوية منها.
قال ابن قدامة:
ولا يجوز لأحد منهم (يعني: الكفار) سكنى الحجاز، وبهذا قال مالك , والشافعي، إلا أن مالكا قال: أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها ; لأن رسول الله ﷺ قال: " لا يجتمع دينان في جزيرة العرب "، وروى أبو داود بإسناده عن عمر أنه " سمع رسول الله ﷺ يقول: لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب , فلا أترك فيها إلا مسلما " قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وعن ابن عباس قال: " أوصى رسول الله ﷺ بثلاثة أشياء , قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب , وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالث " رواه أبو داود. " المغني " (٩ / ٢٨٥، ٢٨٦) .
ثانياً:
يجوز للكفار دخول المدينة للتجارة دون الإقامة، ويُعطون وقتا كافياً ثم يؤمرون بالمغادرة.
قال ابن قدامة – ﵀:
ويجوز لهم دخول الحجاز للتجارة ; لأن النصارى كانوا يتجرون إلى المدينة في زمن عمر ﵁ وأتاه شيخ بالمدينة , فقال: أنا الشيخ النصراني , وإن عاملك عَشَّرَني (أي: أخذ مني العشر) مرتين، فقال عمر: وأنا الشيخ الحنيف، وكتب له عمر: أن لا يُعَشِّروا في السنة إلا مرة، ولا يؤذن لهم في الإقامة أكثر من ثلاثة أيام - على ما روي عن عمر , ﵁ ثم ينتقل عنه، وقال القاضي: يقيم أربعة أيام حد ما يتم المسافر الصلاة. " المغني " (٩ / ٢٨٦) .
ثالثاً:
ما ذكرناه في المدينة وحرمها لا ينطبق على الحرم المكي، إذ الكفار ممنوعون من دخوله على كل حال.
جاء في " الموسوعة الفقهية " (٣ / ١٣٠، ١٣١) :
يرى الجمهور , ومعهم محمد بن الحسن من الحنفية: أنه لا يجوز للكافر دخول الحرم المكي بحال، ومذهب الحنفية أن ذلك جائز بصلح أو إذن.
وأما حرم المدينة فإنه لا يمنع من دخوله لرسالة أو تجارة أو حمل متاع، وأما ما عدا ذلك - من أرض العرب - فلا يدخله الكافر إلا بإذن أو صلح، وللفقهاء في ذلك تفصيل ... انتهى
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6103
ما هو الملتزَم؟ وما هي كيفية الدعاء عنده ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو الملتزم؟ وما كيفية الدعاء عنده؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الملتزم: هو من الكعبة المشرَّفة ما بين الحجر الأسود وباب الكعبة، ومعنى التزامه أي: وضع الداعي صدره ووجهه وذراعيه وكفيه عليه ودعاء الله تعالى بما تيسر له مما يشاء.
وليس هناك دعاء معين يدعوه المسلم في ذلك المكان، وله أن يلتزمه عند دخوله الكعبة (إن تيسَّر له دخولها) ، وله أن يفعله قبل طواف الوداع، وله أن يفعله في أي وقت شاء، وينبغي للداعي أن لا يضيِّق على غيره فيطيل الدعاء، كما لا يجوز مزاحمة الناس وأذيتهم من أجله، فإن رأى فسحة ومجالاً دعا وإلا فيكفيه الدعاء في الطواف وسجود الصلاة.
والذي جاء عن الصحابة – ﵃ – في الالتزام أصح مما جاء عن النبي ﷺ .
عن عبد الرحمن بن صفوان قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة قلت: لألبسن ثيابي، وكانت داري على الطريق فلأنظرن كيف يصنع رسول الله ﷺ فانطلقت فرأيت النبي ﷺ قد خرج من الكعبة هو وأصحابه وقد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم وقد وضعوا خدودهم على البيت ورسول الله ﷺ وسطهم. رواه أبو داود (١٨٩٨) وأحمد (١٥١٢٤) .
وفيه: يزيد بن أبي زياد، ضعَّفه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة وغيرهم.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: طفت مع عبد الله فلما جئنا دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، وأقام بين الركن والباب، فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا وبسطهما بسطا، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله. رواه أبو داود (١٨٩٩) وابن ماجه (٢٩٦٢) . وفيه: المثنى بن الصباح، ضعَّفه الإمام أحمد وابن معين الترمذي والنسائي وغيرهم. والحديثان يشهد كلٌّ منهما للآخر. وقد صححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢١٣٨)
وذكر عن ابن عباس ﵄ أنه قال: " الملتزم بين الركن والباب ".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وإنْ أحبَّ أنْ يأتيَ الملتزم - وهو ما بين الحجر الأسود والباب - فيضع عليه صدره ووجهه وذراعيه وكفيه ويدعو ويسأل الله تعالى حاجته فعل ذلك، وله أنْ يفعل ذلك قبل طواف الوداع فإنَّ هذا الالتزام لا فرق بين أنْ يكون حالَ الوداع أو غيره، والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين دخول مكة، وإنْ شاء قال في دعائه الدعاء المأثور عن ابن عباس: اللهمَّ إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك حملتني على ما سخرتَ لي مِن خلقك وسيرتَني في بلادك حتى بلغتَني بنعمتِك إلى بيتِك وأعنتَني على أداء نسكي فإنْ كنتَ رضيتَ عني فازدَدْ عني رضا وإلا فمِن الآن فارضَ عني قبل أنْ تنآى عن بيتك داري فهذا أوان انصرافي إنْ أذنتَ لي غير مستبدلٍ بك ولا ببيتِك ولا راغبٍ عنك ولا عن بيتِك اللهمَّ فأصحبني العافيةَ في بدني والصحةَ في جسمي والعصمة في ديني وأحسن منقلبي وارزقني طاعتك ما أبقيتَني واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير.
ولو وقف عند الباب ودعا هناك من غير التزام للبيت كان حسناً. " مجموع الفتاوى " (٢٦ / ١٤٢، ١٤٣) .
وقال الشيخ ابن عثيمين – ﵀:
وهذه مسألة اختلف فيها العلماء مع أنها لم ترد عن النبي ﷺ (يعني لم ترد في حديث صحيح، بناءً على تضعيف الأحاديث الواردة في هذا) ، وإنما عن بعض الصحابة ﵃، فهل الالتزام سنة؟ ومتى وقته؟ وهل هو عند القدوم، أو عند المغادرة، أو في كل وقت؟ .
وسبب الخلاف بين العلماء في هذا: أنه لم ترد فيه سنة عن النبي ﷺ ، لكن الصحابة – ﵃ – كانوا يفعلون ذلك عند القدوم.
والفقهاء قالوا: يفعله عند المغادرة فيلتزم في الملتزم، وهو ما بين الركن الذي فيه الحجر والباب ...
وعلى هذا: فالالتزام لا بأس به ما لم يكن فيه أذية وضيق. " الشرح الممتع " (٧ / ٤٠٢، ٤٠٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6104
أسئلة عن الحجر الأسود
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت مقالة عن " الحجر الأسود " وأريد أن أتأكد من صحة الأحاديث والروايات هل هي صحيحة ويؤخذ بها أم أنها موضوعة جزاك الله كل خير؟ والمقالة هي:
" صدِّق أو لا تصدق "
نعم، هناك حجر واحد فقط على وجه الأرض يطفو فوق الماء، إنه " الحجر الأسود " الموجود في الركن الجنوبي الشرقي من الكعبة المشرفة في الحرم الشريف في مكة المكرمة، قال جلال السيوطي: يقال إنه لما اشترى المطيع لله الحجر الأسود من أبي طاهر القرمطي جاء عبد الله بن عُكيم المحدث وقال: إن لنا في حجرنا آيتين: إنه يطفو على الماء، ولا يحمو بالنار، فأتى بحجر مضمخ بالطيب مغشي بالديباج ليوهموه بذلك، فوضعوه في الماء فغرق، ثم جعلوه في النار فكاد أن يتشقق، ثم أتي بحجر آخر ففعل به ما فعل بما قبله فوقع له ما وقع له، ثم أتي بالحجر الأسود فوضع في الماء فطفا، ووضع في النار فلم يحم، فقال عبد الله: هذا حجرنا، فعند ذلك عجب أبو طاهر القرمطي وقال: من أين لكم؟ فقال عبد الله: ورد عن رسول الله ﷺ : " الحجر الأسود يمين الله في أرضه يأتي يوم القيامة له لسان يشهد لمن قبَّله بحق أو باطل لا يغرق في الماء ولا يحمى بالنار ... ".
و" الحجر الأسود " هو الذي يبدأ منه الطواف في الركن الجنوبي الشرقي من الكعبة المشرفة، وأصله من يواقيت الجنة، ولونه المغمور أبيض كلون المقام، وهو موضع سكب العبرات، واستجابة الدعاء، ويُسن استلامه وتقبيله، وهو يمين الله في الأرض بمعنى أنه مقام مصافحة العهد مع الله على التوبة، ويشهد يوم القيامة لكل من استلمه، ومن فاوضه فإنما يعاهد يد الرحمن، ومسحه يحط الخطايا حطّاً، وهو ملتقى شفاه الأنبياء والصالحين والحجاج والمعتمرين والزوار فسبحان الله العظيم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الحجر الأسود هو: الحجر المنصوب في الركن الجنوبي الشرقي للكعبة المشرفة من الخارج في غطاء من الفضة وهو مبدأ الطواف ويرتفع عن الأرض الآن متراً ونصف المتر.
وما ذُكر في المقال الوارد ضمن السؤال فيه حق عليه أدلة صحيحة، وفيه ما لا أصل له.
وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم (١٩٠٢) أكثر ما ورد في السنة الصحيحة عن " الحجر الأسود "، ومنه: أن الحجر الأسود أنزله الله تعالى إلى الأرض من الجنة، وكان أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم، وأنه يأتي يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق، وأن استلامه أو تقبيله أو الإشارة إليه: هو أول ما يفعله من أراد الطواف سواء كان حاجا أو معتمراً أو متطوعاً، وقد قبَّله النبي ﷺ ، وتبعه على ذلك أمته، فإن عجز عن تقبيله فيستلمه بيده أو بشيء ويقبل هذا الشيء، فإن عجز: أشار إليه بيده وكبَّر، ومسح الحجر مما يكفِّر الله تعالى به الخطايا.
ثانياً:
وأما بخصوص سرقة القرامطة للحجر الأسود له ومكثه عندهم فترة كبيرة: فصحيح.
قال ابن كثير – في حوادث ٢٧٨ هـ -:
وفيها تحركت القرامطة، وهم فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة من الفرس الذين يعتقدون نبوة زرادشت ومزدك، وكانا يبيحان المحرمات.
ثم هم بعد ذلك أتباع كل ناعق إلى باطل، وأكثر ما يفسدون من جهة الرافضة ويدخلون إلى الباطل من جهتهم؛ لأنهم أقل الناس عقولاً، ويقال لهم: الإسماعيلية؛ لانتسابهم إلى إسماعيل الأعرج بن جعفر الصادق.
ويقال لهم: القرامطة، قيل: نسبة إلى قرمط بن الأشعث البقار، وقيل: إن رئيسهم كان في أول دعوته يأمر من اتبعه بخمسين صلاة في كل يوم وليلة ليشغلهم بذلك عما يريد تدبيره من المكيدة ...
والمقصود: أن هذه الطائفة تحركت في هذه السنة، ثم استفحل أمرهم وتفاقم الحال بهم - كما سنذكره - حتى آل بهم الحال إلى أن دخلوا المسجد الحرام فسفكوا دم الحجيج في وسط المسجد حول الكعبة وكسروا الحجر الأسود واقتلعوه من موضعه، وذهبوا به إلى بلادهم في سنة سبع عشرة وثلاثمائة، ثم لم يزل عندهم إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، فمكث غائباً عن موضعه من البيت ثنتين وعشرين سنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
" البداية والنهاية " (١١ / ٧٢، ٧٣) .
ثالثاً:
وأما ما ذكر من وصف الحجر الأسود بأنه موضع سكب العبرات، فقد ورد في ذلك حديث عند ابن ماجه (٢٩٤٥) عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَجَرَ ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي، فَقَالَ: (يَا عُمَرُ، هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ) . ولكنه حديث ضعيف ذكره الألباني في "إرواء الغليل" (١١١١) وقال: ضعيف جدا اهـ.
وأما حديث " الحجر الأسود يمين الله في الأرض " فالجواب عنه: أنه حديث باطل لا يثبت عن النبي ﷺ .
قال ابن الجوزي في " العلل المتناهية ": " هذا حديث لا يصح ".
" العلل لابن الجوزي " (٢ / ٥٧٥) ، وانظر " تلخيص العلل " للذهبي (ص ١٩١) ، وقال ابن العربي:حديث باطل فلا يلتفت إليه، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " روي عن لنبي ﷺ بإسناد لا يثبت، وعلى هذا فلا حاجة للخوض في معناه ".
" مجموع الفتاوى " (٦ / ٣٩٧) .
وأما ما ذكرت من وصف الحجر الأسود بأنه موضع سكب العبرات، فقد ورد في ذلك حديث عند ابن ماجة ولكنه حديث ضعيف لا يصح.
رابعاً:
وأما ما ذُكر من وصف الحجر الأسود بأنه " يطفو على الماء "، وأنه " لا يحمو بالنار " و " استجابة الدعاء ": فمما لا أصل له في السنَّة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6105
هل تضاعف السيئة والحسنة في رمضان
[السُّؤَالُ]
ـ[هل صحيح أن السيئة تضاعف في رمضان كما أن الحسنة تضاعف؟ وهل ورد دليل على ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم، تضاعف الحسنة والسيئة في الزمان والمكان الفاضلين، ولكن هناك فرق بين مضاعفة الحسنة ومضاعفة السيئة، فمضاعفة الحسنة مضاعفة بالكم والكيف، والمراد بالكم: العدد، فالحسنة بعشر أمثالها أو أكثر، والمراد بالكيف أن ثوابها يعظم ويكثر، وأما السيئة فمضاعفتها بالكيف فقط أي أن إثمها أعظم والعقاب عليها أشد، وأما من حيث العدد فالسيئة بسيئة واحدة ولا يمكن أن تكون بأكثر من سيئة.
قال في مطالب أولي النهى (٢/٣٨٥) :
(وتضاعف الحسنة والسيئة بمكان فاضل كمكة والمدينة وبيت المقدس وفي المساجد , وبزمان فاضل كيوم الجمعة , والأشهر الحرم ورمضان. أما مضاعفة الحسنة ; فهذا مما لا خلاف فيه , وأما مضاعفة السيئة ; فقال بها جماعة تبعا لابن عباس وابن مسعود. . . وقال بعض المحققين: قول ابن عباس وابن مسعود في تضعيف السيئات: إنما أرادوا مضاعفتها في الكيفية دون الكمية) اهـ.
وسئل الشيخ ابن باز ﵀: (الصيام هل يحصّل به المسلم تكفير الذنوب صغيرها وكبيرها؟ وهل إثم الذنوب يتضاعف في رمضان؟)
فأجاب: (المشروع للمسلم في رمضان وفي غيره مجاهدة نفسه الأمارة بالسوء حتى تكون نفسا مطمئنة آمرة بالخير راغبة فيه، وواجب عليه أن يجاهد عدو الله إبليس حتى يسلم من شره ونزغاته، فالمسلم في هذه الدنيا في جهاد عظيم متواصل للنفس والهوى والشيطان، وعليه أن يكثر من التوبة والاستغفار في كل وقت وحين، ولكن الأوقات يختلف بعضها عن بعض، فشهر رمضان هو أفضل أشهر العام، فهو شهر مغفرة ورحمة وعتق من النار، فإذا كان الشهر فاضلا والمكان فاضلا ضوعفت فيه الحسنات، وعظم فيه إثم السيئات، فسيئة في رمضان أعظم إثما من سيئة في غيره، كما أن طاعة في رمضان أكثر ثوابا عند الله من طاعة في غيره. ولما كان رمضان بتلك المنزلة العظيمة كان للطاعة فيه فضل عظيم ومضاعفة كثيرة، وكان إثم المعاصي فيه أشد وأكبر من إثمها في غيره، فالمسلم عليه أن يغتنم هذا الشهر المبارك بالطاعات والأعمال الصالحات والإقلاع عن السيئات عسى الله أن يمن عليه بالقبول ويوفقه للاستقامة على الحق، ولكن السيئة دائما بمثلها لا تضاعف في العدد لا في رمضان ولا في غيره، أما الحسنة فإنها تضاعف بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة؛ لقول الله في سورة الأنعام:) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) الأنعام / ١٦٠
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وهكذا في المكان الفاضل كالحرمين الشريفين تضاعف فيهما أضعافا كثيرة في الكمية والكيفية، أما السيئات فلا تضاعف بالكمية ولكنها تضاعف بالكيفية في الزمان الفاضل والمكان الفاضل كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، والله ولي التوفيق)
انتهى من مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (١٥/٤٤٦) .
وقال الشيخ ابن عثيمين في "الشرح الممتع" (٧/٢٦٢) :
تضاعف الحسنة والسيئة بمكان وزمان فاضل.
فالحسنة تضاعف بالكم وبالكيف. وأما السيئة فبالكيف لا بالكم، لأن الله تعالى قال في سورة الأنعام وهي مكية: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) الأنعام/١٦٠. وقال: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) الحج/٢٥. ولم يقل: نضاعف له ذلك. بل قال: (نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) فتكون مضاعفة السيئة في مكة أو في المدينة مضاعفة كيفية. (بمعنى أنها تكون أشد ألماً ووجعاً لقوله تعالى: وقال: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) الحج/٢٥.اهـ
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6106
هل يودع حمام المدينة المنورة الكعبة قبل موته
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت أحد حجاج بيت الله الحرام يقول: إن أي حمامة بالمدينة المنورة إذا قرب أجل موتها تطير إلى مكة المكرمة وتشق سماء الكعبة المشرفة كوداع لها ثم تموت بعد أن تطير مسافة من الأميال فهل هذا صحيح أم لا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس لحمام المدينة ولا لحمام مكة ميزة تخصها دون غيرها من الحمام سوى أنه لا يجوز صيده ولا تنفيره لمحرم بالحج أو العمرة أو غير محرم ما دام في حرم مكة أو حرم المدينة، فإذا خرج عنهما حل صيده لغير المحرم بالحج أو العمرة كسائر الصيد، لعموم قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " ولعموم قوله ﷺ : " إن الله حرم مكة فلم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها.. الحديث رواه البخاري، وقوله ﷺ : " إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاهُها ولا يصاد صيدها " رواه مسلم، فمن ادعى أن أي حمامة بالمدينة المنورة إذا دنا أجلها طارت إلى مكة ومرت بهواء الكعبة فهو جاهل قد ادعى شيئا لا أساس له من الصحة فإن الآجال لا يعلمها إلا الله، قال الله تعالى: " وما تدري نفس بأي أرض تموت " ووداع الكعبة إنما يكون بطواف من حج أو اعتمر حولها، فدعوى أن الحمام يعلم دنو أجله، وأنه يوادع الكعبة بالطيران فوقها دعوى كاذبة لا يجرؤ عليها إلا جاهل يفتري الكذب على الله وعلى عباده والله المستعان.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى اللجنة الدائمة ٣/٦٤
стр. 6107
مخالفات تقع عند زيارة المسجد النبوي
[السُّؤَالُ]
ـ[لاحظت في زيارة للمسجد النبوي أن بعض الناس يتمسح بجدران الحجرة النبوية، والبعض يقف كأنه يصلي فتجده يضع يديه على صدره وهو مستقبل القبر، فهل ما يعملونه صحيح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تقدمت الإشارة إلى آداب الزيارة لمسجد النبي ﷺ في السؤال (٣٦٨٦٣) ومما ينبه عليه ما يقع فيه بعض الزوار من المخالفات:
المخالفة الأولى:
دعاء الرسول أو نداؤه أو الاستغاثة به أو الاستعانة به كقول بعضهم: " يا رسول الله اشف مريضي، يا رسول الله اقض ديني، يا وسيلتي، يا باب حاجتي " أو غير ذلك من الأقوال الشركية، المضادَّة للتوحيد الذي هو حق الله على العبيد.
المخالفة الثانية:
الوقوف أمام القبر كهيئة المصلي، بوضع اليمين على الشمال على الصدر أو تحته، وذلك فعل محرّم؛ لأن تلك الهيئة هيئة ذل وعبادة لا تجوز إلا لله .
المخالفة الثالثة:
الانحناء عند القبر أو السجود أو غير ذلك مما لا يجوز فعله إلا لله، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله: (لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر) أخرجه أحمد (٣/١٥٨) وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٣٦، ١٩٣٧) وإرواء الغليل (١٩٩٨) .
المخالفة الرابعة:
دعاء الله عند القبر، أو اعتقاد أن الدعاء عنده مستجاب، وذلك فعل محرَّم لأنه من أسباب الشرك، ولو كان الدعاء عند القبور أو عند قبر النبي أفضل وأصوب وأحبَّ إلى الله لرغبنا فيه رسول الله؛ لأنه لم يترك شيئًا يقرب إلى الجنة إلا وحث أمته عليه، فلما لم يفعل ذلك عُلم أنه فعل غير مشروع، وعمل محرم وممنوع، وقد روى أبو يعلى والحافظ الضياء في المختارة أن علي بن الحسين ﵄ رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ (لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليَّ فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم " رواه أبو داود (٢٠٤٢) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١٧٩٦) .
المخالفة الخامسة:
إرسال من عجز عن الوصول إلى المدينة سلامه لرسول الله ﷺ مع بعض الزوار، وقيام بعضهم بتبليغ هذا السلام، وهذا فعل مُبتدع، وأمر مخترع، فيا مرسل السلام، ويا مبلغه كفّا عن ذلك، فقد كُفيتما بقوله: (صلوا عليَّ فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم) .
وبقوله ﵊: (إن لله في الأرض ملائكة سياحين يبلِّغوني من أمتي السلام) أخرجه أحمد (١/٤٤١) ، والنسائي (١٢٨٢) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢١٧٠)
المخالفة السادسة:
التكرار والإكثار من زيارة قبره، كأن تكون الزيارة بعد كل فريضة، أو في كل يوم بعد صلاة بعينها، وفي هذا مخالفة لقوله ﵊: (لا تجعلوا قبري عيدًا) قال ابن حجر الهيتمي في شرح المشكاة: " العيد اسم من الأعياد، يقال: عاده واعتاده وتعوّده صار له عادة، والمعنى: لا تجعلوا قبري محلاً لاعتياد المجيء إليه متكررًا تكرارًا كثيرًا، فلهذا قال: (وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) فإن فيها كفاية عن ذلك " انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وفي كتاب الجامع للبيان لابن رشد: " سئل مالك رحمه الله تعالى عن الغريب يأتي قبر النبي كل يوم، فقال: ما هذا من الأمر، وذكر حديث: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد) صححه الألباني في: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد (ص٢٤-٢٦) .
قال ابن رشد: فيُكره أن يُكثر المرور به والسلام عليه، والإتيان كل يوم إليه لئلا يُجعل القبر كالمسجد الذي يؤتى كل يوم للصلاة فيه، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك بقوله: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا) " انظر البيان والتحصيل لابن رشد (١٨/٤٤٤-٤٤٥) .
انتهى كلامه ﵀.
وسئل القاضي عياض عن أناس من أهل المدينة يقفون على القبر في اليوم مرة أو أكثر، ويسلمون ويدعون ساعة، فقال: " لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه، ولا يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولَها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك " الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/٦٧٦) .
المخالفة السابعة:
التوجه إلى قبره الشريف من كل نواحي المسجد، واستقباله له كلما دخل المسجد أو كلما فرغ من الصلاة، ووضع اليدين على الجنبين، وتنكيس الرؤوس والأذقان أثناء السلام عليه في تلك الحال، وهذه من البدع المنتشرة، والمخالفات المشتهرة.
فاتقوا الله عباد الله، واحذروا سائر البدع والمخالفات، واحذروا الهوى والتقليد الأعمى، وكونوا من أمركم على بينة وهدى، قال جل في علاه: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ وَاتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ﴾ محمد/ ١٤.
نسأل الله أن يجعلنا من الهداة المهتدين، المتبعين لسنة سيد المرسلين.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6108
توجيهات إسلامية لزوار المدينة النبوية
[السُّؤَالُ]
ـ[أعرف مجموعة من الإخوة سيقومون بزيارة المسجد النبوي بعد حجهم هذا العام، ويريدون منكم النصيحة والتوجيه.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أيها الوافدون على مدينة رسول الله ﷺ ، قدِمتم خير مقدَم، وغنمتم خيرَ مغنم، وطاب في طيبة بقاؤكم، وتقبّل الله صالح أعمالكم، وبلّغكم خير آمالكم، حُيِّيتم في دار الهجرة والنصرة بلد المصطفى المختار، ومهاجَر الصحابة الأخيار، وديار الأنصار.
وهذه توجيهات يسيرة لمن أراد زيارة مسجد رسول الله ﷺ :
١- أيها الوافدون لطابة، إنكم في بلد هي بعد مكة خير البقاع، وأشرف الأماكن والأصقاع، فاعرفوا حقَّها، واقدروا قدرها، وراعوا حرمتَها وقداستها، وتأدبوا فيها بأحسن الآداب، واعلموا أن الله توعد من أحدث فيها بأشدِّ العذاب، فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي أنه قال: (المدينة حرم، فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدِثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلاً) رواه البخاري (١٨٦٧) ومسلم (١٣٧٠) واللفظ له.
فمن أتى فيها إثمًا أو آوى من أتاه وضمّه إليه وحماه فقد عرّض نفسه للعذاب المهين وغضب إله العالمين.
وإن من أعظم الإحداث تكدير صفوها بإظهار البدع والمحدثات، وتعكيرها بالخرافات والخزعبلات، وتدنيس أرضها الطاهرة بنشر المقالات البدعية، والكتب الشركية، وما يخالف الشريعة الإسلامية من ألوان المنكرات والمحرمات، والمحِدث والمؤوي له في الإثم سواء.
٢- زيارة المسجد النبوي سنة من المسنونات، وليست واجبًا من الواجبات، ليس لها علاقة بالحج ولا هي له من المتمِّمات، وكل ما يُروى من أحاديث في إثبات علاقتها أو علاقة زيارة قبر النبي ﷺ بالحج فهو من الموضوعات والمكذوبات، ومن قصد بشدِّ رحله إلى المدينة زيارة المسجد والصلاة فيه فقصده مبرور، وسعيه مشكور، ومن لم يقصد بشدّ رحله إلا زيارة القبور والاستعانة بالمقبور فقصده محظور، وفعله منكور، فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا تُشَدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) رواه البخاري (١١٨٩) ومسلم (١٣٩٧) .
وعن جابر ﵄، عن رسول الله أنه قال: (إن خير ما رُكبت إليه الرواحل مسجدي هذا والبيت العتيق) أخرجه أحمد (٣/٣٥٠) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٦٤٨) .
٣- الصلاة في مسجد المدينة مضاعفة الجزاء، فرضًا ونفلاً في أصحّ قولي العلماء، يقول ﵊: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواها إلا المسجد الحرام) رواه البخاري (١١٩٠) ومسلم (١٣٩٤) .
إلا أن صلاة النافلة في البيت أفضل من صلاتها في المسجد حتى ولو كانت مضاعفة؛ لقوله ﵊: (فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) رواه البخاري (٧٣١) ومسلم (٧٨١) .
٤- أيها الزائر المكرَّم لهذا المسجد المعظم، اعلم أنه لا يجوز التبرك بشيء من أجزاء المسجد النبوي، كالأعمدة أو الجدران أو الأبواب أو المحاريب أو المنبر، بالتمسح بها أو تقبيلها، كما لا يجوز التبرك بالحجرة النبوية باستلامها أو تقبيلها أو مسح الثياب بها، ولا يجوز الطواف بها، ومن فعل شيئًا من ذلك وجب عليه التوبة وعدم العودة.
٥- ويُشرع لمن زار المسجد النبوي أن يُصلي في الروضة الشريفة ركعتين أو ما شاء من النفل لما ثبت فيها من الفضل، فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي) رواه البخاري (١١٩٦) ومسلم (١٣٩١) .
وعن يزيد بن أبي عبيد قال: كنت آتي مع سلمة بن الأكوع فيصلِّي عند الأسطوانة التي عند المصحف، أي في الروضة الشريفة، فقلت: يا أبا مسلم، أراك تتحرّى الصلاة عند هذه الأسطوانة! فقال: فإني رأيت النبي ﷺ يتحرّى الصلاة عندها. رواه البخاري (٥٠٢) ومسلم (٥٠٩) .
والحرص على الصلاة في الروضة لا يسوِّغ الاعتداء على الناس، أو مدافعة الضعاف، أو تخطّي الرقاب.
٦- ويُشرع لزائر المدينة والساكن بها إتيان مسجد قباء للصلاة فيه؛ اقتداءً بالنبي ﷺ وتحصيلاً لأجر عمرة، فعن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله: (من خرج حتى يأتي هذا المسجد ـ يعني: مسجد قباء ـ فيصلي فيه كان كعدل عمرة) أخرجه أحمد (٣/٤٨٧) ، والنسائي (٦٩٩) وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١١٨٠، ١١٨١) .
وعند ابن ماجه: (من تطهّر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له أجر عمرة) رواه ابن ماجه (١٤١٢) .
وفي الصحيحين أن رسول الله كان يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيًا وراكبًا فيصلي فيه ركعتين رواه البخاري (١١٩١) ومسلم (١٣٩٩)
٧- أيها الزائر المكرَّم، لا يُشرع زيارة شيء من المساجد في المدينة النبوية سوى هذين المسجدين: مسجد رسول الله ومسجد قباء، ولا يشرع للزائر ولا لغيره قصد بقاع بعينها، يرجو الخير بقصدها أو التعبد عندها لم يرد في زيارتها دليل من كتاب أو سنة أو فعل الصحابة ﵃.
وليس من المشروع تتبع مواطن أو مساجد صلى فيها رسول الله ﷺ أو غيره من الصحابة الكرام لقصد الصلاة فيها أو التعبد بالدعاء ونحوه عندها، وهو لم يأمر بقصدها، ولم يحث على زيارتها، فعن المعرور بن سويد رحمه الله تعالى قال: خرجنا مع عمر بن الخطاب، فعرض لنا في بعض الطريق مسجد، فابتدره الناس يصلون فيه، فقال عمر: (ما شأنهم؟!) فقالوا: هذا مسجد صلى فيه رسول الله، فقال عمر: (أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم مثل هذا، حتى أحدثوها بيعًا، فمن عرضت له فيه صلاة فليصل، ومن لم تعرض له فيه صلاة فليمض) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧٥٥٠) .
ولما بلغ عمر بن الخطاب أن ناسًا يأتون الشجرة التي بُويع تحتها النبي أمر بها فقطعت. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧٥٤٥) .
٨- شرع لزوار المسجد النبوي من الرجال زيارةُ قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر ﵄، للسلام عليهم والدعاء لهم، أما النساء فلا يجوز لهن زيارة القبور في أصح قولي العلماء لما رواه أبو داود (٣٢٣٦) والترمذي (٣٢٠) وابن ماجه (١٥٧٥) عن ابن عباس ﵄ أن النبي لعن زائرات القبور " صححه الألباني في إصلاح المساجد.
ولما رواه الترمذي (١٠٥٦) عن أبي هريرة أن رسول الله لعن زوارات القبور " وقال: " حسن صحيح "، وأخرجه أيضاً أحمد (٢/٣٣٧) ، وابن ماجه (١٥٧٤) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (٨٤٣) ومشكاة المصابيح (١٧٧٠) .
وصفة الزيارة أن يأتي الزائر القبر الشريف فيستقبله بوجهه ويقول: " السلام عليك يا رسول الله " ثم يتقدم إلى يمينه قدر ذراع فيسلم على أبي بكر ويقول: "السلام عليك يا أبا بكر " ثم يتقدم قليلاً إلى يمينه قدر ذراع للسلام على عمر بن الخطاب فيقول: " السلام عليك يا عمر"
٩- ويُشرع لزوار المدينة من الرجال زيارة أهل بقيع الغرقد وشهداء أحد؛ للسلام عليهم والدعاء لهم، فعن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا المقابر يقول: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية) أخرجه مسلم في صحيحه (٩٧٤،٩٧٥) .
١٠- زيارة القبور إنما شرعت لمقصدين عظيمين:
أولهما: للزائر لغرض الاعتبار والادكار.
وثانيهما: للمزور بالدعاء له والترحم عليه والاستغفار.
ويُشترط لجواز زيارة القبور عدم قول الهُجر وأعظمه الشرك أو الكفر، فعن بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هُجْرًا) أخرجه النسائي (٢٠٣٣) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٨٨٦) .
وقد أخرجه مسلم برقم (٩٧٧) دون قوله: (ولا تقولوا هجراً) .
فلا يجوز الطواف بهذه القبور ولا غيرها، ولا الصلاة إليها ولا بينها، ولا التعبد عندها بقراءة القرآن أو الدعاء أو غيرهما؛ لأن ذلك من وسائل الإشراك برب الأملاك والأفلاك، ومن اتخاذها مساجد حتى ولو لم يُبن عليها مسجد، فعن عائشة وعبد الله بن عباس ﵄ قالا: لما نزل برسول الله ﷺ الموت، طفق يطرح خميصةً على وجهه، فإذا اغتمّ بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: (لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما صنعوا. أخرجه البخاري (٤٣٦) ومسلم (٥٢٩) .
وقال ﵊: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد) أخرجه أحمد (١/٤٠٥) . وأصله في البخاري معلقاً: كتاب الفتن، باب ظهور الفتن (٧٠٦٧) ، ومسلم: كتاب الفتن، باب قرب الساعة (٢٩٤٩) دون ذكر اتخاذ القبور مساجد.
وعن أبي مرثد الغنوي ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها) أخرجه مسلم (٩٧٢) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) أخرجه أحمد (٣/٨٣) ، والترمذي (٣١٧) وصححه الألباني في إرواء الغليل (١/٣٢٠) .
وفي حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن يُصلَّى بين القبور. أخرجه ابن حبان (١٦٩٨) قال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/٢٧) "رجاله رجال الصحيح".
ولا يجوز السجود على المقابر، بل ذلك وثنية جاهلية، وشذوذ فكري، وتخلف عقلي، ولا يجوز لزائر تلك القبور ولا غيرها التبرك بها بمسحها أو تقبيلها أو إلصاق شيء من أجزاء البدن بها أو الاستشفاء بتربتها بالتمرغ عليها، أو أخذ شيء منها للاغتسال بها، ولا يجوز لزائرها أو غيرها دفن شيء من شعره أو بدنه أو مناديله أو وضع صورته أو غير ذلك مما معه في تربتها لقصد البركة، ولا يجوز رمي النقود أو شيء من الطعام كالحبوب ونحوها عليها، ومن فعل شيئًا من ذلك وجب عليه التوبة وعدم العودة، ولا يجوز تطييبها، ولا القسم على الله بأصحابها، ولا يجوز سؤال الله بهم أو بجاههم وحقهم، بل ذلك توسل محرم من وسائل الشرك، ولا يجوز رفع القبور ولا البناء عليه؛ لأن ذلك وسيلة إلى تعظيمها والافتتان بها، ولا يجوز بيع طعام أو طيب أو غير ذلك لمن عُلم استخدامه لها في تلك المخالفات العظيمة.
والاستغاثة بالأموات أو الاستعانة بهم أو طلب المدد منهم أو نداؤهم وسؤالهم سدَّ الفاقات وإغاثة اللهفات وجلب الفوائد ودفع الشدائد شركٌ أكبر يخرج صاحبه عن ملة الإسلام، ويجعله من عُبَّاد الأوثان، إذ لا يفرِّج الهموم ولا يكشف الغموم إلا الله وحده لا شريك له جل في علاه: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَاَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ. إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا اسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) فاطر / ١٣، ١٤.
ويقول جل في علاه: (قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلاً. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا) الإسراء / ٥٦، ٥٧.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ صلاح البدير – إمام وخطيب المسجد النبوي
стр. 6109
هل المسجد الأقصى يعتبر حرماً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل المسجد الأقصى يعتبر حرماً كحرم مكة والمدينة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: المسجد الأقصى له فضيلة على غيره من المساجد، فأفضل المساجد على الإطلاق المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى.
وهذه المساجد الثلاثة هي المساجد التي يشرع السفر إليها للعبادة: قال النبي ﷺ : (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا) رواه البخاري (١٩٩٦) .
والصلاة في المسجد الأقصى بمائتين وخمسين صلاة.
عن أبي ذر ﵁ قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله ﷺ أيهما أفضل مسجد رسول الله ﷺ أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله ﷺ : صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى هو، وليوشكن أن يكون للرجل مِثْل شطن فرسه من الأرض حيث يَرى منه بيت المقدس خيراً له من الدنيا جميعاً ". رواه الحاكم (٤ / ٥٠٩) وصححه ووافقه الذهبي والألباني كما في " السلسلة الصحيحة " في آخر الكلام على حديث رقم (٢٩٠٢) .
(شطن فرسه) هو حبل الفرس.
والصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، فتكون الصلاة في المسجد الأقصى بمائتين وخمسين صلاة.
وأما الحديث المشهور أن الصلاة فيه بخمسمائة صلاة: فضعيف. انظر " تمام المنة " للشيخ الألباني ﵀ (ص ٢٩٢) .
ثانياً: الحرم له أحكام تخصه، شرعها الله تعالى.
منها: تحريم القتال فيه.
ومنها: أنه يحرم صيد الحيوانات والطيور الموجودة به، ويحرم قطع نباته الذي نبت بفعل الله تعالى ولم يزرعه أحد.
وقد امتن الله تعالى على أهل مكة بأن جعل لهم مكة حرما آمناً، يأمن فيه الناس والدواب، قال الله تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) القصص/٥٧.
وقال: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) العنكبوت / ٦٧.
وقال تعالى: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) البقرة / ٩٧.
وروى مسلم (١٣٦٢) عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ. . . لا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا وَلا يُصَادُ صَيْدُهَا) .
والعضاه كل شجر فيه شوك، وإذا حُرِّم قطعُ الشجر الذي فيه شوك فتحريم قطع الشجر الذي لا شوك فيه من باب أولى.
وروى مسلم (١٣٧٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَمًا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ. . . أَنْ لا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ، وَلا يُحْمَلَ فِيهَا سِلاحٌ لِقِتَالٍ، وَلا تُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ إِلا لِعَلْفٍ. . . الحديث) .
قال النووي:
فِيهِ: جَوَاز أَخْذ أَوْرَاق الشَّجَر لِلْعَلْفِ , وَهُوَ الْمُرَاد هُنَا بِخِلَافِ خَبْط الْأَغْصَان وَقَطْعهَا ; فَإِنَّهُ حَرَام اهـ.
والقدس ليس حرماً بهذا المعنى باتفاق المسلمين، وقد توسع الناس في إطلاق هذا الوصف (أعني: الحرم) فصارت القدس حرماً! وصار مسجد إبراهيم الخليل في فلسطين حرما! بل صارت الجامعات يقال عنها: الحرم الجامعي!!! وليس هناك حرم في الأرض إلا حرم مكة، والمدينة، ووادٍ بالطائف اسمه (وُج) اختلف العلماء فيه هل هو حرم أم لا؟
قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (٢٧/١٤-١٥) :
وليس ببيت المقدس مكان يسمى حرما ولا بتربة الخليل ولا بغير ذلك من البقاع، إلا ثلاثة أماكن:
أحدها: هو حرم باتفاق المسلمين، وهو حرم مكة، شرفها الله تعالى.
والثاني: حرم عند جمهور العلماء، وهو حرم النبي (يعني المدينة النبوية) فإن هذا حرم عند جمهور العلماء، كمالك والشافعي وأحمد، وفيه أحاديث صحيحة مستفيضة عن النبي ﷺ .
والثالث: وُج، وهو وادٍ بالطائف، فإن هذا رُوِيَ فيه حديث، رواه أحمد في المسند، وليس في الصحاح، وهذا حرم عند الشافعي لاعتقاده صحة الحديث، وليس حرماً عند أكثر العلماء، وأحمد ضعف الحديث المروى فيه فلم يأخذ به.
وأما ما سوى هذه الأماكن الثلاثة فليس حرماً عند أحد من علماء المسلمين، فإن الحرم ما حرم اللهُ صيده ونباته، ولم يحرم الله صيد مكان ونباته خارجا عن هذه الأماكن الثلاثة اهـ.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6110
زيارة المسجد النبوي
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا أراد الحاج والمعتمر أن يزور المسجد النبوي فهل ينوي زيارة المسجد أم زيارة قبر النبي ﷺ ، وما هي آداب زيارة المسجد النبوي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ محمد بن عثيمين – ﵀:
" إذا أحب الحاج أن يزور المسجد النبوي قبل الحج أو بعده فلينو زيارة المسجد النبوي لا زيارة القبر؛ فإن شد الرحل على وجه التعبد لا يكون لزيارة القبور وإنما يكون للمساجد الثلاثة المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى كما في الحديث الثابت عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى " رواه البخاري (١١٨٩) ومسلم (١٣٩٧)
فإذا وصل المسجد النبوي قدم رجله اليمنى لدخوله وقال: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم , ثم يصلي ما شاء.
والأولى أن تكون صلاته في الروضة وهي ما بين منبر النبي ﷺ وحجرته التي فيها قبره لأن ما بينهما روضة من رياض الجنة , فإذا صلى وأراد زيارة قبر النبي ﷺ فليقف أمامه بأدب ووقار وليقل: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد , اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أشهد أنك رسول الله حقا وأنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاده , فجزاك الله عن أمتك أفضل ما جزى نبيا عن أمته.
ثم يأخذ ذات اليمين قليلا فيسلم على أبي بكر الصديق ويترضى عنه. ..
ثم يأخذ ذات اليمين قليلا أيضا فيسلم على عمر بن الخطاب ويترضى عنه وإن دعا له ولأبي بكر ﵄ بدعاء مناسب فحسن.
ولا يجوز لأحد أن يتقرب إلى الله بمسح الحجرة النبوية أو الطواف بها، ولا يستقبلها حال الدعاء بل يستقبل القبلة لأن التقرب إلى الله لا يكون إلا بما شرعه الله ورسوله، والعبادات مبناها على الاتباع لا على الابتداع.
والمرأة لا تزور قبر النبي ﷺ ولا قبر غيره لأن النبي ﷺ لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ " رواه الترمذي وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (٨٤٣) لكن تصلي وتسلم على النبي ﷺ وهي في مكانها فيبلغ ذلك النبي ﷺ في أي مكان كانت ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: صلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم، وقال: إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام " رواه النسائي (١٢٨٢) وصححه الألباني في صحيح النسائي (١٢١٥) .
(فائدة: زُوَّارات بمعنى زائرات، لأن زُوَّارات جمع زُوّار أي زائر. انظر زايارة القبور للنساء ص ١٧ للشيخ أبو بكر أبو زيد) .
وينبغي للرجل خاصة أن يزور البقيع وهو مقبرة المدينة فيقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم.
وإن أحب أن يأتي (جبل أُحد) ويتذكر ما جرى للنبي ﷺ وأصحابه في تلك الغزوة من جهاد وابتلاء وتمحيص وشهادة ثم يسلم على الشهداء هناك مثل حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﷺ فلا بأس بذلك فإن هذا قد يكون من السير في الأرض المأمور به والله أعلم "
[الْمَصْدَرُ]
كتاب المنهج لمريد العمرة والحج.
стр. 6111
هل يقدم الحج على الزواج بثانية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا ما كان رجل لديه زوجة وأطفال وأراد أن يتزوج مرة أخرى من امرأة أخرى، ولكنه لم يقض فريضة الحج بعد، فهل يكون عليه أن ينفق ماله في الحج أولاً ثم بعد ذلك يتزوج من أخرى؟ ولكنه يريد الزواج من أخرى في الوقت الحالي وأن يحج ولكنه لا يملك المال الكافي للأمرين معاً. أرجو أن تخبروني أي الأمرين أفضل، مع العلم بأن لديه زوجة وأطفالاً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذكر أهل العلم أن الرجل إذا لم يكن متزوجاً فإنه يقدم الحج على الزواج، إلا أن يخاف العنت، وهو الوقوع في الفاحشة أو المشقة، فيقدم حينئذ الزواج على الحج.
قال الشيرازي في "المهذب" (١ / ١٩٧) .
" وإن احتاج إلى النكاح وهو يخاف العنت قدم النكاح " انتهى.
وقال المرداوي في "الإنصاف" (٣/٤٠٤) :
" إذَا خَافَ الْعَنَتَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ: قَدَّمَ النِّكَاحَ عَلَيْهِ , عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ , نَصَّ عَلَيْهِ [يعني الإمام أحمد] , وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ , وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ لِوُجُوبِهِ إذَنْ , وَحَكَاهُ الْمَجْدُ إجْمَاعًا , لَكِنْ نُوزِعَ فِي ادِّعَاءِ الْإِجْمَاعِ " انتهى.
وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
"إن كان المسلم لا يخاف على نفسه من الزنا وجب عليه تقديم الحج على الزواج، وإن كان يخاف على نفسه من ذلك قدم الزواج على الحج من أجل إعفاف نفسه، ولأن الحج إنما يجب على المستطيع، وهذا يعتبر غير مستطيع حتى يعف نفسه " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٣ / ٣٢٠) .
وقال الشيخ ابن باز ﵀:
"من اشتدت حاجته إلى الزواج وجبت عليه المبادرة به قبل الحج؛ لأنه في هذه الحال لا يسمى مستطيعاً، إذا كان لا يستطيع نفقة الزواج والحج جميعاً فإنه يبدأ بالزواج حتى يعف نفسه" انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (١٦ / ٣٥٩) .
وانظر جواب السؤال رقم (٢٧١٢٠) .
أما من كان متزوجاً، فقد أعف نفسه بالزواج، فالواجب عليه المبادرة بالحج قبل الزواج بثانية؛ فإنه ركن من أركان الإسلام، وقد قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) آل عمران/٩٧.
وقد يكون الرجل متزوجاً ولكنه يحتاج إلى أخرى، إما لكونه قوي الشهوة، أو لكون الأولى مريضة أو غير ذلك من الأسباب، ففي هذه الحالة يقدم الزواج بثانية على الحج، لحاجته إليه.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
"لو كان الأب نفسه يحتاج إلى نكاح ويخشى على نفسه إن لم يتزوج وليس في يده إلا هذه الدراهم فهو إما أن يحج بها وأما أن يتزوج فحينئذٍ نقول: قدم الزواج.
ولا تعجب إذا قلت إن الأب محتاج إلى الزواج وليس عنده إلا هذه الدراهم؛ لأن هذا يقع كثيرا قد يكون الرجل كثير الشهوة لم تغنه المرأة الأولى، أو تكون المرأة الأولى قد ماتت أو طلقت فيحتاج إلى زوجة أخرى" انتهى.
"فتاوى نور على الدرب" (٢٢٧ / ٣٠) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6112
هل يجب حج المدين على نفقة غيره
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا رجلٌ مدين وقد عرض علي أخٌ في الله أن أحج معه ويتكفل بالنفقة فهل يجب علي الحج؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سُئل الشيخ محمد بن عثيمين هذا السؤال فقال ﵀:
إذا كان هذا الأخ يريد أن يتحمل عنك نفقة الحج بحيث لا يضرك الذهاب معه فلا بأس أن تحج معه لكنه لا يجب عليك الحج معه وإنما قلنا لا يجب لأن فيه مِنَّةًً عليك يُخشى في يوم من الأيام أن لا يكون أخاً لك في الله ثم بعد ذلك يمن عليك ويقول هذا جزائي حججت بك في العام الفلاني وتفعل بي ما تفعل.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6113
هل يقدم الحج أم الزواج ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أيهما أولى للشخص؛ أن يحج بما معه من مال أم يتزوج به؟ لأن هذا الوقت وقت فتن يخاف فيه المرء على نفسه.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كان الرجل يحتاج إلى الزواج، ويشق عليه تأخيره فإنه يقدم الزواج على الحج.
أما إذا كان لا يحتاج إلى الزواج فإنه يقدم الحج.
قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٥/١٢) :
وَإِنْ احْتَاجَ إلَى النِّكَاحِ , وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ (أي المشقة) , قَدَّمَ التَّزْوِيجَ , لأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ , وَلا غِنَى بِهِ عَنْهُ , فَهُوَ كَنَفَقَتِهِ , وَإِنْ لَمْ يَخَفْ , قَدَّمَ الْحَجَّ ; لأَنَّ النِّكَاحَ تَطَوُّعٌ , فَلا يُقَدَّمُ عَلَى الْحَجَّ الْوَاجِبِ اهـ. وانظر أيضاً: "المجموع" (٧/٧١) للنووي.
وسئل الشيخ ابن عثيمن ﵀:
هل يجوز تأجيل الحج إلى ما بعد الزواج للمستطيع، وذلك لما يقابل الشباب في هذا الزمن من المغريات والفتن صغيرة كانت أم كبيرة؟
فأجاب:
لا شك أن الزواج مع الشهوة والإلحاح أولى من الحج لأن الإنسان إذا كانت لديه شهوة ملحة فإن تزوجه حينئذٍ من ضروريات حياته، فهو مثل الأكل والشرب، ولهذا يجوز لمن احتاج إلى الزواج وليس عنده مال أن يدفع إليه من الزكاة ما يُزوج به، كما يعطى الفقير ما يقتات به وما يلبسه ويستر به عورته من الزكاة.
وعلى هذا فنقول: إنه إذا كان محتاجاً إلى النكاح فإنه يقدم النكاح على الحج لأن الله اشترط في وجوب الحج الاستطاعة فقال: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) آل عمران / ٩٧.
أما من كان شاباً ولا يهمه أن يتزوج هذا العام أو الذي بعده فإنه يقدم الحج لأنه ليس في ضرورة إلى تقديم النكاح اهـ
فتاوى منار الإسلام (٢/٣٧٥) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6114
حكم من حجج والديه ولم يحج عن نفسه
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم من حجج والديه ولم يحج بنفسه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من استطاع الحج، وتوفرت فيه شروطه، وجب عليه أن يحج في عامه، ولا يجوز له تأخير الحج، لأجل والديه أو غيرهما؛ لأن الحج واجب على الفور في أصح قولي العلماء، وفرض العين مقدم على بر الوالدين؛ لقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) آل عمران /٩٧، وقول النبي ﷺ : (عجلوا الخروج إلى مكة، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له من مرض أو حاجة) رواه أبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (٣٩٩٠) .
وينظر جواب السؤال رقم (٤١٧٠٢) .
لكن حج الوالدين في هذه الحالة صحيح، وعلى هذا الابن أن يبادر بالحج عند الاستطاعة.
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: هل يجوز للإنسان أن يرسل والديه إلى الحج قبل أن يذهب هو إلى الحج؟
فأجابوا: الحج فريضة على كل مسلم حر عاقل بالغ مستطيع السبيل إلى أدائه، مرة في العمر. وبر الوالدين وإعانتهما على أداء الواجب أمر مشروع بقدر الطاقة، إلا أن عليك أن تحج عن نفسك أولاً، ثم تعين والديك إن لم يتيسر الجمع بين حج الجميع، ولو قدمت والديك على نفسك صح حجهما، وبالله التوفيق " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١١/٧٠)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6115
لديه مال لو اشترى به سيارة لم يتمكن من الحج
[السُّؤَالُ]
ـ[أصبحت بحمد الله قادرا على الحج ولكنني أود شراء سيارة , فهل يجوز شراؤها؟ علما بأن هذا قد يؤجل الحج.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا كنت بحاجة إلى السيارة، فلا حرج عليك في شرائها ولو أدى ذلك إلى تأخير الحج؛ لأن من شرط وجوب الحج الاستطاعة المالية، وهي ملك مال فائض عن حوائج الإنسان الأصلية، ومن هذه الحوائج: السيارة التي يركبها الإنسان، إذا كانت تناسب حاله، ولم يبالغ في شراء ما غلا ثمنه، تقليدا ومباهاة لغيره، وراجع شروط الحج في جواب السؤال رقم (٤١٩٥٧) .
أما إذا كنت غير محتاج للسيارة فيجب عليك تقديم الحج على شرائها.
ونسأل الله تعالى أن يوسع عليك ويرزقك رزقاً طيبا مباركا فيه.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6116
هل يحج حج الفريضة أم يزوج ابنه بهذا المال
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كان هناك رجل يريد أن يحج حج الفريضة (لأول مرة) وكان لديه ابن أعزب في عمر الزواج، وكان لدى هذا الرجل مبلغ من المال يكفي فقط لأن يحج أو يزوج ابنه، في هذه الحالة أيهما أولى: أن يقوم بأداء فريضة الحج؟ أم يقوم بتزويج ابنه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
يلزم الرجل أن يزوج ولده إذا كان الولد محتاجاً إلى الزواج، وعاجزاً عن تكاليفه، في أصح قولي العلماء؛ لأن الحاجة إلى النكاح قد لا تقل عن الحاجة إلى الأكل والشرب، فتدخل في النفقة الواجبة.
قال المرداوي في "الإنصاف" (٩/٢٠٤) : " يجب على الرجل إعفاف من وجبت نفقته عليه من الآباء والأجداد والأبناء وأبنائهم وغيرهم , ممن تجب عليه نفقتهم. وهذا الصحيح من المذهب - يعني مذهب الإمام أحمد - " انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " حاجة الإنسان إلى الزواج ملحة قد تكون في بعض الأحيان كحاجته إلى الأكل والشرب، ولذلك قال أهل العلم: إنه يجب على من تلزمه نفقة شخص أن يزوجه إن كان ماله يتسع لذلك، فيجب على الأب أن يزوج ابنه إذا احتاج الابن للزواج ولم يكن عنده ما يتزوج به، لكن سمعت أن بعض الآباء الذين نسوا حالهم حال الشباب إذا طلب ابنه منه الزواج قال له: تزوج من عرق جبينك. وهذا غير جائز، وحرام عليه إذا كان قادراً على تزويجه، سوف يخاصمه ابنه يوم القيامة إذا لم يزوجه مع قدرته على تزويجه " انتهى من " فتاوى أركان الإسلام" (ص٤٤٠-٤٤١) .
ثانيا:
إذا تعارض حج الوالد مع زواج الابن، لكون المال الذي يملكه الأب لا يكفي إلا لأحدهما، فإنه ينظر في نكاح الابن هل يجب الآن أم يمكن تأخيره؟ فإن كان الابن محتاجا للنكاح ويخشى على نفسه الوقوع في الحرام، فإن زواجه مقدم على حجه هو لنفسه، ومقدم على حج أبيه كذلك لأمرين:
الأول: أن إعفافه وصيانته عن الوقوع في الحرام أمر واجب لا يحتمل التأخير، أما الحج فيمكن تأخيره إلى أن ييسر الله له.
والثاني: أن الحج لا يجب على الأب إلا إذا ملك مالا فائضاً عن نفقته ونفقة من تلزمه نفقته، وقد لزمه هنا تزويج ابنه حتى لا يقع في الحرام.
قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٥/١٢) : " وَإِنْ احْتَاجَ إلَى النِّكَاحِ , وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ (أي المشقة) , قَدَّمَ التَّزْوِيجَ – يعني: على الحج - لأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ , وَلا غِنَى بِهِ عَنْهُ , فَهُوَ كَنَفَقَتِهِ. وَإِنْ لَمْ يَخَفْ , قَدَّمَ الْحَجَّ ; لأَنَّ النِّكَاحَ تَطَوُّعٌ , فَلا يُقَدَّمُ عَلَى الْحَجَّ الْوَاجِبِ " انتهى.
وانظر أيضاً: "المجموع" (٧/٧١) للنووي.
وانظر السؤال رقم (٢٧١٢٠) .
أما إن كان الولد لا يحتاج إلى النكاح أو لا يخاف على نفسه الوقوع في الحرام لو أخر النكاح، فإنه لا يلزم تزويجه الآن، وعليه فيكون الحج واجبا على الأب؛ لأنه ملك مالا فائضا عن نفقته ونفقة من يعول، قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) آل عمران/ ٩٧.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6117
هل يحج قبل أن يسدد فاتورة الكهرباء والهاتف ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا صدرت فاتورة مثل فاتورة جوال أو كهرباء وغيره هل يلزم بتسديدها قبل الحج؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ينبغي للإنسان أن يسدد ديونه قبل سفره – سواء كان سفره إلى الحج أم غيره – أو يترك من الأموال ما يكفي لسدادها، حتى تبرأ ذمته، ولا يكون مطالباً عند الله بشيء من حقوق العباد.
وأما السفر إلى الحج لمن عليه دين، فيقال إن الديون على ثلاثة أنواع:
الأول: دين غير مؤجل وجاء وقت سداده ويطالب به أصحابه، فيجب سداده، ولا يجوز تأخيره لأجل الحج أو غيره، لأن ذلك يدخل في المَطْل المحرم.
وقد قال ﷺ : (مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ) رواه البخاري (٢٢٨٧) ومسلم (١٥٦٤) .
وقال ﷺ : (لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ) رواه النسائي (٤٦٨٩) وأبو داود (٣٦٢٨) وابن ماجه (٢٤٢٧) وحسنه الألباني في صحيح أبي داود.
و (لَيُّ الْوَاجِدِ) بمعنى (مطل الغني) وهو مماطلة الغني القادر على سداد الدين وتأخيره للسداد من غير عذر.
والمقصود بحل عرضه: أن يقال: مطلني فلان، أو يا ظالم يا معتدي، وعقوبته: حبسه.
ولو فرض أن سداد هذا الدين يؤدي إلى عدم الحج، فإنه يجب السداد، ولا إثم في ترك الحج حينئذ؛ لأنه لا يجب إلا على المستطيع له ماديا وبدنيا.
الثاني: دين يتسامح فيه أهله، ويرضون بتأخيره، ويأذنون لصاحبه في الحج، وهذا لا إشكال فيه، لكن الأفضل هو السداد؛ حتى تبرأ الذمة؛ لأن الدائن لو أذن للمدين بالحج فإن ذمة المدين تبقى مشغولة بالدين، ولا تبرأ ذمته بهذا الإذن، ولذلك يقال للمدين: اقض الدين أولاً ثم إن بقي معك ما تحج به وإلا فالحج غير واجب عليك.
وإذا مات المدين الذي منعه سداد الدين عن الحج فإنه يلقى الله كامل الإسلام غير مضيع ولا مفرط، لأن الحج لم يجب عليه، أما لو قَدَّم الحج على قضاء الدين ومات قبل قضائه فإنه يكون على خطر، إذ إن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين، فكيف بغيره؟!
الثالث: دين مؤجل، لم يحن وقته في زمن الحج، فهذا لا يمنع المدين من الحج، إلا إن علم أن بذله المال في الحج سيمنعه من سداد الدين، إما لقرب موعد السداد، أو لقلة ذات اليد ونحو ذلك، فهذا إن حج كان مفرطا متهاونا في أداء ما عليه من حق.
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (١١/٤٦) : " من شروط الحج: الاستطاعة، ومن الاستطاعة: الاستطاعة المالية. ومن كان عليه دَيْن مطالبٌ به بحيث أن أهل الدَّين يمنعون الشخص عن الحج إلا بعد وفاء ديونهم فإنه لا يحُجّ، لأنه غير مستطيع، وإذا لم يطالبوه ويعلم منهم التَّسامح فإنه يجوز الحج ويكون صحيحاً. ويجوز الحج كذلك إذا كان الدَّين غير محدد الوقت للقضاء بميعادٍ معيَّن، ويكون قضاؤه متى تيسر، وقد يكون الحج سبب خيرٍ لأداء الدين. والله أعلم " انتهى.
والذي يظهر أن فاتورة الكهرباء والهاتف ونحو ذلك هي من الدين المؤجل، وذلك لأنهم يحددون فترة تسدد فيها الفاتورة، قد تكون قريبة من الشهر، فإن استطاع الإنسان أن يحج ثم إذا رجع سدَّد الفاتورة، فلا حرج عليه، أما إذا كان وقت السداد ينتهي قبل رجوعه من الحج، فليبدأ أولاً بسداد الفاتورة، ثم إن بقي معه مال يكفي للحج، فالحمد لله، وإن لم يكف فإنه يؤجل الحج إلى أن ييسر الله له.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6118
هل يحج أم يفي بوعده لأخيه ويعطيه المال ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[قبل فترة من الزمن طلب مني أخي نقودا فوعدته بإعطائه الذي أملك وبعد ذلك بأسبوعين اتصل علي خالي وطلب سلفة هو الآخر وقمت بإعطائه المال الذي طلبه ولم أستطع رده لأن له جميلا سابقا، طبعا المال الذي وهبته هو جزء من المال الذي وعدت به أخي.
السؤال: أني نويت الحج فما أفعل: هل أخلف الوعد مع أخي علما بأنه محتاج له وأحج به؟ هل أعطيه المال وأستلف للحج؟ طبعا لا يجوز، أم هل يتم تأجيل الحج الى السنة القادمة بمشيئة الله؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نشكر لك حسن صنيعك وصلتك للرحم ومساعدتك لأقاربك بالمال، ونسأل الله تعالى
أن يجزيك خيراً.
ثانيا:
يجوز للإنسان أن يقترض ليتمكن من الحج، إذا كان واثقاً من قدرته على الوفاء، كما لو كان موظفاً وله راتب، ويعلم أن راتبه يكفيه لقضاء الدين، أو كان صاحب تجارة ونحو ذلك.
قال في "مواهب الجليل" (٢/٥٣١) :
" وفي منسك ابن جماعة الكبير: " وإن اقترض للحج مالا حلالا في ذمته وله وفاء به ورضي المقرض فلا بأس به " انتهى.
وبهذا أفتت اللجنة الدائمة، والشيخ ابن باز ﵀.
انظر: " فتاوى اللجنة الدائمة " (١١/٤١) ، " فتاوى الشيخ ابن باز " (١٦/٣٩٣) .
فإذا فعلت ذلك فإنك تكون قد جمعت بين جميع المصالح: حججت، وأحسنت إلى أخيك، ووفيت بما وعدته به.
ثالثا:
أما إذا لم تجد من يقرضك فإنك تحاول النظر في المصالح وتقدم الأهم منها، وتقدم أيضاً المصلحة التي لا تحتمل التأخير على تلك التي يمكن تأخيرها.
فتنظر في الحج: هل هو واجب عليك؟ أم سبق لك أن حججت الفريضة، وتريد أن تحج النافلة.
وتنظر في حاجة أخيك: هل هي حاجة ماسة أم لا؟ وهل يمكن تأجيلها شهراً أو شهرين أم لا؟ وهل يمكنك أن تقضي له جزءً من حاجته الآن وتؤجل الباقي أم لا؟ .........إلخ.
ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما فيه الخير.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6119
أخذت قرضا ربويا وأعطته لأخيها ليحج
[السُّؤَالُ]
ـ[كان أخي مشتاقا للذهاب إلى الحج وليس له الإمكانيات المادية لذلك فقد قررت مساعدته.
لي أموال في البنك، ولكني فضلت الاحتفاظ بها لأنني أخشى أن أحتاج إليها في أشياء أكثر أهمية، وأخذت قرضاً من البنك وساعدت به أخي، فسؤالي هو ما حكم عمل الخير الذي أردت فعله؟ وهل لي جزاء في ذلك أو بما أن القرض من البنوك حرام فليس لي أي حسنة في هذا العمل؟ وماذا عن حج أخي، هل هو صحيح ما دام ليس مسئولا عن مصدر المال؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
بذل المال لمساعدة الأخ أو غيره في الحج عمل عظيم من أعمال البر؛ لأنه إعانة على أداء هذه الطاعة العظيمة، التي يترتب عليها رفع الدرجات ومحو السيئات، لكن لا يجوز أن تكون هذه المساعدة سببا لوقوعك فيما حرم الله تعالى، كالاقتراض من البنك الربوي، فإن الربا شأنه عظيم، وقد ورد فيه من الوعيد ما لم يرد في غيره من الذنوب والمعاصي.
وانظري لمعرفة ذلك السؤال رقم (٦٨٤٧) ورقم (٩٠٥٤) .
والواجب عليك أن تتوبي إلى الله تعالى من التعامل بالربا.
واعلمي أنه لا يجوز الإيداع في البنك الربوي إلا عند الخوف على المال، وعدم وجود بنك إسلامي، ويجب أن يكون الإيداع حينئذ من غير فوائد؛ لما تقرر في قواعد الشريعة من أن "الضرورات تبيح المحظورات"، وأن "الضرورة تقدر بقدرها".
ثانيا:
حج أخيك صحيح إن شاء الله، لأنه أخذ المال منك بطريق مباح، إما الصدقة أو الهبة أو القرض الحسن.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المال الذي اكتسبه الإنسان بطريق محرم – كالربا – يحرم على من اكتسبه فقط، ولا يحرم على من أخذه منه بعد ذلك بطريق مباح كالبيع والهدية ونحو ذلك. وقد سبق بيان هذا في جواب السؤال (٤٥٠١٨) .
فالتحريم إنما يتوجه لما قمت به من الاقتراض بالربا، ولا يتوجه إلى أخيك.
وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6120
يخاف أن يفصل من عمله ولديه مال فهل يجب الحج منه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[بمشيئة الله تعالى خلال العام القادم سيتوفر معي مبلغ من المال يكفى لقيامي بالحج بمفردي دون زوجتي، وهذا المبلغ سوف يكون سنداً لي لأية ظروف، وخاصة أني أعمل بالقطاع الخاص، ربما يفصلوني من العمل في أي وقت فهل يجب عليّ الحج أم لا؟ مع العلم أنني الآن معي مبلغ آخر ولكنه يلزمني لإتمام البناء (أنا عاقد قران) .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يشترط لوجوب الحج على المكلف: الاستطاعة المالية والبدنية؛ لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) آل عمران / ٩٧.
وقد فسر الفقهاء الاستطاعة المالية بأنها ملك الزاد والراحلة، أي النفقة التي توصله إلى بيت الله الحرام ذاهبا وإيابا، إذا كانت هذه النفقة فاضلة عن حاجاته الأصلية، ونفقاته الشرعية، وقضاء ديونه.
والمعتبر في النفقة أن يكون عنده ما يكفيه وأهله إلى أن يعود، وأن يكون له بعد عودته ما يقوم بكفايته وكفاية من ينفق عليهم كأجرة عقار أو راتب أو تجارة ونحو ذلك، ولذلك لا يلزمه أن يحج برأس مال تجارته الذي ينفق على نفسه وأهله من ربحها، إذا كان سيترتب على نقص رأس المال نقصُ الأرباح بحيث لا تكفيه وأهله. وانظر بيان ذلك في جواب السؤال رقم (١١٥٣٤) .
فإذا كان لديك المال الذي يكفي لحجك، وهو زائد عن حاجتك، فإنه يلزمك الحج، إلا إذا كان الخوف من ترك العمل خوفاً حقيقياً له قرائن تقوِّيه، فلا يجب عليك الحج حينئذ، أما إذا كان هذا الخوف مجرد أوهام وظنون لا أساس لها، فإنه يلزمك الحج.
وأما المال الذي رصدته للنكاح، فلا يلزمك الحج منه إذا خشيت على نفسك العَنَََت والمشقة بتأخير النكاح، بل تقدم النكاح، فإن بقي مال آخر حججت منه، وإلا فالحج غير واجب عليك لعدم استطاعتك.
قال ابن قدامة ﵀: " وإن احتاج إلى النكاح , وخاف على نفسه العنت , قدم التزويج (يعني على الحج) ؛ لأنه واجب عليه , ولا غنى به عنه , فهو كنفقته.
وإن لم يخف , قدم الحج ; لأن النكاح تطوع , فلا يقدم على الحج الواجب " انتهى من "المغني" (٣/٨٨) .
وانظر جواب السؤال رقم (٢٧١٢٠) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6121
مريض بالصرع فهل يجب عليه الحج
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا رجل مريض بمرض الصرع منذ ١٧ عاما وحالتي غير مستقرة مع تعاطي الأدوية، فنوبات الصرع شديدة وليس لها وقت معين وليست منتظمة وأبول على نفسي أريد أن أسألكم عن الحج في حالتي؟ هل يجوز أن أبعث أحدا ليحج عني؟ مع العلم أن هناك مبلغا كبيرا لإخوتي علي، وهم يرثوني لأني ليس لدي أولاد؟ وكذلك هم سامحوني فيه لأنهم عالجوني به.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
نسأل الله تعالى أن يشفيك ويعافيك ويأجرك على ما أصابك.
ثانيا:
يشترط لوجوب الحج: الاستطاعة المالية والبدنية؛ لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) آل عمران/٩٧.
فمن كان مريضا لا يستطيع السفر إلى الحج، أو لا يستطيع تأدية النسك، أو يشق عليه ذلك مشقة شديدة، فإنه لا يجب الحج عليه بنفسه.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: " ولا ينبغي أن يختلف في أن المرض القوي الذي يشق معه السفر مشقة فادحة، مسقط لوجوب الحج " انتهى من "أضواء البيان".
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: رجل مريض بمرض الصرع منذ ثلاث عشرة سنة ويستعمل دواء يمنع بقدرة الله تعالى حدوث نوبة الصرع، ولكن إذا تعب وأجهد حدث له الصرع فهل يجوز له أن يوكل أحدا يحج عنه؟ أم يحج ويتحمل؟
فأجاب: " إذا كان هذا لا يرجى أن يزول، فليوكل من يحج ويعتمر عنه إن كان عنده مال. وإن لم يكن عنده مال فالحج غير واجب عليه. أما إذا كان يرجى زواله باستمرار الدواء فلينتظر حتى يشفيه الله، وأسأل الله ﵎ أن يشفيه ويعافيه ويرفع عنه ما يجد " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (٢١/١٦٧) .
وما ذكره الشيخ ﵀ من الإنابة في هذه المسألة هو قول جمهور العلماء، قال ابن قدامة ﵀: " من وجدت فيه شرائط وجوب الحج , وكان عاجزا عنه لمانع مأيوس من زواله , كزمانة , أو مرض لا يرجى زواله , أو كان نضو الخلق (أي: ضعيف وهزيل) ، لا يقدر على الثبوت على الراحلة إلا بمشقة غير محتملة، والشيخ الفاني، ومن كان مثله، متى وجد من ينوب عنه في الحج، ومالا يستنيبه به، لزمه ذلك. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي " انتهى من "المغني" (٣/٩١) .
والدليل في ذلك ما رواه البخاري (١٥١٣) ومسلم (١٣٣٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) .
وبناء على ذلك: فإنه لا يلزمك الذهاب إلى الحج بنفسك الآن، ثم إن كان مرضك هذا مما يرجى زواله حسب نظر الأطباء الثقات، فلا شيء عليك حتى يشفيك الله وتجد مالا تحج به.
أما إن كان المرض لا يرجى زواله، وكان لديك المال الكافي، فإنه يجب أن تنيب من يحج عنك، بشرط أن يكون قد حج عن نفسه أولا.
ثالثا:
طالما أن إخوتك قد سامحوك في هذا المبلغ الكبير الذي أخذته منهم، فلا أثر له على حكم حجك، والحمد لله.
نسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6122
حجّ من عليه أقساط شراء ربوية
[السُّؤَالُ]
ـ[والداي اشتريا بيتا بالتقسيط وهم يدفعون فوائد على هذا القرض، وقررا الآن أن يذهبا للحج وقد بقي ١٥ سنة لكي يتموا دفع الأقساط فهل يجوز لهم الحج مع انهم مدينين؟ أم انهم يجب أن ينتظروا ١٥ سنة أولا؟ وهل لهم أن يعتمروا خلال هذا الوقت إذا كان الحج غير جائز لهم حاليا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجوز لهم الحج إذا سددوا القسط الحالّ، وليس عليهم أن ينتظروا إلى آخر الأقساط، بل إذا كانا قادرين على تسديد القسط الذي حلّ، وقادرين على الحج وجب ذلك عليهما - وكذلك العمرة، مع التوبة إلى الله من الربا الذي ورّطا أنفسهما فيه، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6123
التوكيل في العمرة والحج
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز لشخص مقيم في السعودية أن يؤدي العمرة لشخص في بلده الأصلي:
أ) إذا كان ذلك الشخص قادراً على القدوم للملكة حتى لو في المستقبل؟
ب) إذا كان لا يستطيع القدوم للمملكة إما لسبب صحي أو مادي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا تصح النيابة عن القادر الذي يستطيع أداء العمرة ببدنه، (لو حضر بنفسه) .
أما الذي لا يستطيع لسبب مادي فهذا لا يجب عليه الحج ولا العمرة، وإنما تصح النيابة في العمرة والحج عن العاجز عن مُبَاشَرةِ ذلك بِبَدَنِهِ، والميِّت، والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى اللجنة الدائمة ١١/٥٢.
стр. 6124
ذهاب المريض إلى الحج
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا رجل ياباني ولكني غير مسلم ولي صديق أسلم منذ فترة قصيرة ويريد الذهاب لأداء مناسك الحج ولكن في إحدى رجليه جرح كبير، ولا يستطيع المشي إلا بعكاز فهل يحج؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الله تعالى في كتابه العزيز: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) آل عمران / ٩٧.
وكلام العلماء في الاستطاعة يدور على وجود المركب الذي يوصله ونفقة الطريق ذهابا وإيابا بعد أن يترك نفقة عياله ومن تلزمه نفقتهم مدة غيابه وبعد قضاء ما عليه من الديون مع الصحّة وأمن الطريق والمحرم للمرأة.
وحيث أنّ قضية صاحبك المسلم تدور على الصحّة فنتوقّف عندها قليلا:
جاء عن عكرمة ﵀ في تفسير الآية السابقة قوله: السبيل الصحة (تفسير بن كثير سورة آل عمران آية ٩٧)
فسلامة البدن من الأمراض والعاهات التي تعوق عن الحج شرط لوجوب الحجّ فلو كان الشخص مريضا مرضا مزمنا أو مصابا بعاهة دائمة أو مُقعدا أو شيخا كبيرا لا يمكنه التنقّل فلا يجب عليه أداء فريضة الحجّ.
ومن كان قادرا على الحجّ بمساعدة غيره وجب عليه الحجّ إذا تيسّر له من يُعينه (الموسوعة الفقهية ١٧/٣٤) .
قال ابن كثير ﵀: " وأما الاستطاعة فأقسام، تارة يكون الشخص مستطيعا بنفسه، وتارة بغيره كما هو مقرر في كتب الأحكام ". (التفسير في الموضع المتقدّم) .
ومن أُصيب بعاهة تمنعه من الحجّ ولا يُرجى زوالها فيجب عليه أن ينيب من يحجّ عنه، أما إذا أُصيب بعاهة يُرجى زوالها فإنّه ينتظر حتى تزول ثمّ يحجّ بنفسه ولا يجوز له أن يوكّل من يحجّ عنه. (الموسوعة الفقهية ١٧/٣٤) .
وبناء على ما تقدّم يتبيّن لك جواب مسألتك أيها السائل الكريم لتخبر به صاحبك المسلم ولا يفوتني أن أشكرك على اهتمامك بمعرفة الحكم الشرعي لهذه المسألة المتعلّقة بالركن الخامس من أركان الإسلام وأنتهزها فرصة لأناشدك وأدعوك للانضمام إلى ركب هذه القافلة العظيمة: قافلة الإسلام. والسلام.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6125
هل للحامل أن تحج
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للحامل أن تؤدي مناسك العمرة والحج؟ وهل لمدة الحمل تأثير على ذلك (مثلا كونها في شهرها الرابع مقارنة بالشهر الثامن) ؟ حيث يمكن أن تسقط المرأة أو تمرض نتيجة للازدحام.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١. لا مانع من ذهاب المرأة الحامل إلى الحج، والحامل طاهر يلزمها الصلاة والصيام وطلاقها طلاق سنَّة.
٢. بل قد ثبت في السنَّة أن أسماء بنت عميس ﵂ قد خرجت للحج مع النبي ﷺ وهي حامل مُتِمٌّ، حتى أنها ولدت في الميقات.
عن عائشة ﵂ قالت: نُفست أسماء بنت عميس – زوجة أبي بكر - بمحمد بن أبي بكر بالشجرة فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر يأمرها أن تغتسل وتهل.
رواه مسلم (١٢٠٩) .
نفست أي: ولدت.
بالشجرة أي بذي الحليفة وهي ميقات أهل المدينة.
قال النووي – في فوائد الحديث -:
وفيه: صحة إحرام النفساء والحائض، واستحباب اغتسالهما للإحرام، وهو مجمع على الأمر به، لكن مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور أنه مستحب، وقال الحسن وأهل الظاهر: هو واجب.
والحائض والنفساء يصح منهما جميع أفعال الحج إلا الطواف وركعتيه لقوله ﷺ " اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي ".
" شرح مسلم " (٨ / ١٣٣) .
وإذا كانت المرأة لم تحج حجة الإسلام فليس الحمل عذراً لها في ترك الحج، لأنه بإمكانها تجنب مواضع الزحام والمدافعة، فإذا لم تستطع رمي الجمار بنفسها فإنها توكل من يرمي عنها، وإذا لم تستطع الطواف والسعي ماشية فإنها تطوف وتسعى على العربة ... وهكذا.
وكثير من الناس يحجون وهم في حالة كبيرة من الراحة، من حيث الطريق والمسكن وأداء المناسك.
٣. نعم، لو وجدت امرأة حامل وأخبرها طبيب ثقة أن في خروجها إلى الحج خطراً عليها أو على جنينها لكونها مريضة أو ضعيفة أو لغير ذلك من الأسباب فإنها تُمنع من أداء الحج في عامها هذا، ويدل على هذا المنع قوله ﷺ " لا ضرر ولا ضرار " رواه ابن ماجه (٢٣٤٠) وهو حديث حسن، وانظر تخريجه في " جامع العلوم والحكم " لابن رجب (١ / ٣٠٢) .
٤. وبعض الأطباء يفرِّق بين كون الحمل في أوله، فيخشى عليها وعلى جنينها، وبين أن يكون في أشهره الأخيرة، فيكون الخوف من غير مخوِّف.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6126
تأخير الدورة الشهرية من أجل الحج
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا مسلمة سأذهب للحج هذه السنة إن شاء الله وأتوقع أن تبدأ دورتي الشهرية عند وصلي مكة، نصحني الناس بأن أستعمل حبوباً يصفها لي الطبيب لتؤخر موعد الدورة حتى أنتهي من الحج.
ما هو موقف الشرع من أخذ مثل هذه الحبوب التي تؤخر الدورة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يباح استخدام هذه الحبوب إذا لم يكن فيها ضرر على المرأة، ويعرف ذلك باستشارة الطبيب المختص.
وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء عن هذا الأمر فأجابت:
يجوز للمرأة أن تستعمل حبوب منع الحيض وقت الحج خوفا من العادة، ويكون ذلك بعد استشارة طبيب مختص على سلامة المرأة، وهكذا في رمضان إذا أحبت الصوم مع الناس.
الفتاوى الجامعة للمرأة المسلمة ٢/٤٩٥.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6127
إذن الوالدين لحج التطوع والفريضة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل له الحج بغير إذن والديه، ويصح حجه، والخروج في طلب العلم، وهل يأثمان
بمنعه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
لهما منعه من حج التطوع، ولا يأثمان بذلكم، وليس لهما منعه من الحج المفروض، ويأثمان بمنعه، ومتى حج بغير إذنهما صح حجه مطلقاً - وإن كان عاصياً في التطوع - وله السفر في طلب العلم بغير إذنهما.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب فتاوى الإمام النووي ص ٩٤
стр. 6128
هل يؤجل الحج من أجل الاختبارات ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[من المعلوم أن اختبارات بعض الجامعات بعد الحج مباشرة، فهل يجوز تأجيل الحج إلى العام القادم من أجل الاختبارات؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" القول الراجح من أقوال أهل العلم: أن الحج واجب على الفور، وأنه لا يجوز للإنسان أن يؤخره إلا بعذر شرعي، لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، فقد يؤخر الحج هذه السنة ثم يموت ويبقى الحج دينا في ذمته، ولكن إذا كان حجه يؤثر عليه في الامتحان فله أن يؤخره إلى السنة القادمة، ولكني أشير عليه أن يأخذ دروسه معه ويحج، هذا إن كان يسافر إلى الحج مبكراً، ويمكنه أن يؤخر سفره إلى الحج، ثم يتعجل في أيام الرمي، وبهذا لا يستغرق الحج إلا أياماً يسيرة لا تضره إن شاء الله.
فالإنسان الحريص يمكنه أن يحج، ولا يؤثر ذلك عليه شيئاً، كما أن الإنسان إذا اعتمد على الله وتوكل عليه، وأتى بالحج واثقاً بالله فغن الله سييسر له الأمر " انتهى.
"فتاوى ابن عثيمين" (٢١/٦٣) بتصرف.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6129
هل يجب استئذان الوالدين في الذهاب إلى الحج ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجب استئذان الوالدين في الذهاب إلى الحج؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" أما إذا كان فرضاً فإنه لا يشترط رضاهما ولا إذنهما، بل لو منعاه من الحج وهو فرض وجب عليه أن يحج ولا يطيعهما، لقول الله: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) لقمان/١٥. ولقول النبي ﷺ : (لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ) .
أما إذا كان نفلاً فلينظر إلى المصلحة: إن كان أبوه وأمه لا يستطيعان الصبر عنه، ولا أن يغيب عنهما فبقاؤه عندهما أولى، لأن رجلاً استأذن النبي ﷺ في الجهاد، فقال له: (أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: (فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ) . ففي الفريضة لا يطاعان، والنافلة ينظر ما هو الأصلح " انتهى.
[الْمَصْدَرُ]
"فتاوى ابن عثيمين" (٢١/٦٨) .
стр. 6130
شروط وجوب الحج
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي شروط وجوب الحج؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذكر العلماء ﵏ شروط وجوب الحج، والتي إذا توفرت في شخص وجب عليه الحج، ولا يجب الحج بدونها، وهي خمسة: الإسلام، العقل، البلوغ، الحرية، الاستطاعة.
١- الإسلام.
وهذا الشأن في جميع العبادات، وذلك لأن العبادة لا تصح من الكافر، لقول الله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) التوبة/٥٤.
وفي حديث معاذ لما بعثه النبي صلى الله عليم وسلم إلى اليمن: (إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ) متفق عليه.
فالكافر يؤمر أولاً بالدخول في الإسلام، فإذا أسلم أمرناه بالصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر شرائع الإسلام.
٢، ٣ - العقل والبلوغ
لقول النبي ﷺ : (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) . رواه أبو داود (٤٤٠٣) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
فالصبي لا يجب عليه الحج، لكن لو حج به وليه صح حجه وللصبي أجر الحج، ولوليه أجر أيضاً، لقول النبي ﷺ لما رفعت إليه امرأة صبيا وقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر. رواه مسلم.
٤- الحرية. فلا يجب الحج على العبد لأنه مشغول بحق سيده.
٥- الاستطاعة (القدرة)
قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) آل عمران/٩٧.
وهذا يشمل الاستطاعة البدنية والاستطاعة المالية.
أما الاستطاعة البدنية فمعناها أن يكون صحيح البدن ويتحمل مشقة السفر إلى بيت الله الحرام.
وأما الاستطاعة المالية فمعناها أن يملك النفقة التي توصله إلى بيت الله الحرام ذهاباً , وإياباً.
قالت اللجنة الدائمة (١١/٣٠) :
الاستطاعة بالنسبة للحج أن يكون صحيح البدن وأن يملك من المواصلات ما يصل به إلى بيت الله الحرام من طائرة أو سيارة أو دابة أو أجرة ذلك بحسب حاله، وأن يملك زاداً يكفيه ذهاباً وإياباً على أن يكون ذلك زائداً عن نفقات من تلزمه نفقته حتى يرجع من حجه، وأن يكون مع المرأة زوج أو محرم لها حتى في سفرها للحج أو العمرة اهـ.
ويشترط أن تكون النفقة التي توصله إلى البيت الحرام فاضلةً عن حاجاته الأصلية، ونفقاته الشرعية، وقضاء ديونه.
والمراد بالديون حقوق الله كالكفارات وحقوق الآدميين.
فمن كان عليه دين، وماله لا يتسع للحج وقضاء الدين فإنه يبدأ بقضاء الدين ولا يجب عليه الحج.
ويظن بعض الناس أن العلة هي عدم إذن الدائن، فإذا استأذنه وأذن له فلا بأس.
وهذا الظن لا أصل له، بل العلة هي انشغال الذمة، ومعلوم أن الدائن لو أذن للمدين بالحج فإن ذمة المدين تبقى مشغولة بالدين، ولا تبرأ ذمته بهذا الإذن، ولذلك يقال المدين: اقض الدين أولاً ثم إن بقي معك ما تحج به وإلا فالحج غير واجب عليك.
وإذا مات المدين الذي منعه سداد الدين عن الحج فإنه يلقى الله كامل الإسلام غير مضيع ولا مفرط، لأن الحج لم يجب عليه، فكما أن الزكاة لا تجب على الفقير فكذلك الحج.
أما لو قَدَّم الحج على قضاء الدين ومات قبل قضائه فإنه يكون على خطر، إذ إن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين، فكيف بغيره؟!
والمراد بالنفقات الشرعية: النفقات التي يقرها الشرع كالنفقة على نفسه وأهله، من غير إسراف ولا تبذير، فإن كان متوسط الحال وأراد أن يظهر بمظهر الغني فاشترى سيارة ثمينة ليجاري بها الأغنياء، وليس عنده مال يحج به، وجب عليه أن يبيع السيارة ويحج من ثمنها، ويشتري سيارة تناسب حاله.
لأن نفقته في ثمن هذه السيارة الثمينة ليست نفقة شرعية، بل هو إسراف ينهى الشرع عنه.
والمعتبر في النفقة أن يكون عنده ما يكفيه وأهله إلى أن يعود.
ويكون له بعد عودته ما يقوم بكفايته وكفاية من ينفق عليهم كأجرة عقار أو راتب أو تجارة ونحو ذلك.
ولذلك لا يلزمه أن يحج برأس مال تجارته الذي ينفق على نفسه وأهله من ربحها، إذا كان سيترتب على نقص رأس المال نقصُ الأرباح بحيث لا تكفيه وأهله.
سئلت اللجنة الدائمة (١١/٣٦) عن رجل له مبلغ من المال في بنك إسلامي وراتبه مع أرباح المال تكفيه بصورة معتدلة، فهل يجب عليه الحج من رأس المال مع العلم أن ذلك سيؤثر على دخله الشهري ويرهقه مادياً؟ فأجابت:
" إذا كانت حالتك كما ذكرت فلست مكلفاً بالحج لعدم الاستطاعة الشرعية، قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) . وقال: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) " انتهى.
والمراد بالحاجات الأصلية: ما يحتاج إليه الإنسان في حياته كثيراً، ويشق عليه الاستغناء عنه.
مثل: كتب العلم لطالب العلم، فلا نقول له: بع كتبك وحج بثمنها، لأنها من الحوائج الأصلية.
وكذلك السيارة التي يحتاج إليها، لا نقول له بعها وحج بثمنها، لكن لو كان عنده سيارتان وهو لا يحتاج إلا إلى واحدة فيجب عليه أن يبيع إحداهما ليحج بثمنها.
وكذلك الصانع لا يلزمه أن يبيع آلات الصنعة لأنه يحتاج إليها.
وكذلك السيارة التي يعمل عليها وينفق على نفسه وأهله من أجرتها، لا يجب عليه بيعها ليحج.
ومن الحوائج الأصلية: الحاجة إلى النكاح.
فإذا احتاج إلى النكاح قدم النكاح على الحج وإلا قدم الحج.
انظر جواب السؤال (٢٧١٢٠) .
إذاً فالمراد من الاستطاعة المالية أن يفضل عنده ما يكفيه للحج بعد قضاء الديون، والنفقات الشرعية، والحوائج الأصلية.
فمن كان مستطيعاً ببدنه وماله وجب عليه المبادرة بالحج.
ومن كان غير مستطيع ببدنه وماله، أو كان مستطيعاً ببدنه ولكنه فقير لا مال له، فلا يجب عليه الحج.
ومن كان مستطيعاً بماله، غير أنه لا يستطيع ببدنه نظرنا:
فإن كان عجزه يرجى زواله كمريض يرجى شفاء مرضه فإنه ينتظر حتى يشفيه الله ثم يحج.
وإن كان عجزه لا يرجى زواله كمريض السرطان أو كبير السن الذي لا يستطيع الحج فهذا يجب عليه أن يقيم من يحج عنه، ولا يسقط عنه الحج لعدم استطاعته ببدنه إذا كان مستطيعاً بماله.
والدليل على ذلك:
ما رواه البخاري (١٥١٣) أن امرأة قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فأقرها النبي ﷺ على قولها إن الحج فرض على أبيها مع أنه لا يستطيع الحج ببدنه. ويشترط لوجوب الحج على المرأة أن يكون لها محرم ولا يحل لها أن تسافر للحج فرضاً كان أو نفلاً إلا مع ذي محرم، لقول النبي ﷺ : (لا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) رواه البخاري (١٨٦٢) ومسلم (١٣٤١) .
والمحرم هو زوجها ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو رضاع أو مصاهرة.
وزوج الأخت أو زوج الخالة أو العمة ليس من المحارم، وبعض النساء تتساهل فتسافر مع أختها وزوج أختها، أو مع خالتها وزوج خالتها، وهذا حرام.
لأن زوج أختها، أو زوج خالتها ليس من محارمها.
فلا يحل لها أن تسافر معه.
ويُخشى أن يكون حجها غير مبرور، فإن الحج المبرور هو الذي لا يخالطه إثم، وهذه آثمة في سفرها كله إلى أن تعود.
ويشترط في المحرم أن يكون عاقلاً بالغاً.
لأن المقصود من المحرم حفظ المرأة وصيانتها والصبي والمجنون لا يحصل منهما ذلك.
فإذا لم يوجد للمرأة محرم، أو وجد ولكن امتنع من السفر معها، فلا يجب عليها الحج.
وليس من شروط الوجوب على المرأة إذن زوجها، بل يجب عليها الحج إذا توفرت شروط الوجوب ولو لم يأذن الزوج.
قالت اللجنة الدائمة (١١/٢٠) :
حج الفريضة واجب إذا توفرت شروط الاستطاعة، وليس منها إذن الزوج، ولا يجوز له أن يمنعها، بل يشرع له أن يتعاون معها في أداء هذا الواجب اهـ.
وهذا في حج الفريضة أما النافلة فنقل ابن المنذر الإجماع على أن الزوج له منع زوجته من حج النافلة، لأن حق الزوج واجب عليها فلا تفوته بما لا يجب عليها. المغني (٥/٣٥) .
انظر الشرح الممتع (٧/٥-٢٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →