Полный текст (16 344 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.
стр. 6441
هل يجوز الحلف كاذباً للصلح بين المتخاصمين ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز الحلف كاذباً للصلح بين المتخاصمين؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأصل في المؤمن الصدق، وألاّ يتكلم إلا صواباً وحقّاً؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) التوبة/١١٩؛ ولقوله ﷺ : (عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا) رواه البخاري (٥٧٤٣) ومسلم (٢٦٠٧) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
ولإصلاح ذات البين أهمية كبيرة في الشرع، وقد رتب على هذا الإصلاح أجوراً عظيمة، كما ورد التحذير الشديد من إفساد ذات البين، ولأهمية إصلاح ذات البين في المجتمع المسلم ولخطورة الشقاق والخلاف: فقد أباح الله الكذب من أجل الإصلاح ومن أجل رفع الشقاق والنزاع الذي تكون نتيجته سلبية على دين الفرد والجماعة.
فعن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟) قالوا: بلى، قال: (صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة) . رواه الترمذي (٢٥٠٩) وقال: " هذا حديث صحيح، ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: (هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين) " انتهى.
ومن أكرمه الله ووفقه للإصلاح بين المسلمين فاحتاج إلى الكذب من أجل الإصلاح فلا حرج عليه في ذلك، ولا يجوز وصفه بالكذب، لأنه إنما كذب لأمر عظيم فيه من المصالح الشرعية ما جعل الكذب في هذا الموطن مباحاً، كما في الصحيحين من حديث أم كلثوم بنت عقبة ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا ويقول خيراً) رواه البخاري (٢٥٤٦) ومسلم (٢٦٠٥) .
وأما حلف اليمين كاذباً من أجل الإصلاح: فالظاهر جوازه.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
" ... فالمشروع للمؤمن أن يقلل من الأيمان ولو كان صادقا؛ لأن الإكثار منها قد يوقعه في الكذب، ومعلوم أن الكذب حرام، وإذا كان مع اليمين صار أشد تحريماً، لكن لو دعت الضرورة أو المصلحة الراجحة إلى الحلف الكاذب فلا حرج في ذلك؛ لما ثبت عن النبي ﷺ من حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵂ أن النبي ﷺ قال: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا ويقول خيراً. قالت: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إنه كذب إلا في ثلاث: الإصلاح بين الناس، والحرب، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها) رواه مسلم في الصحيح.
فإذا قال في إصلاحٍ بين الناس: والله إن أصحابك يحبون الصلح، ويحبون أن تتفق الكلمة، ويريدون كذا وكذا، ثم أتى الآخرين وقال لهم مثل ذلك، ومقصده الخير والإصلاح: فلا بأس بذلك للحديث المذكور.
وهكذا لو رأى إنساناً يريد أن يقتل شخصاً ظلماً أو يظلمه في شيء آخر، فقال له: والله إنه أخي، حتى يخلصه من هذا الظالم إذا كان يريد قتله بغير حق أو ضربه بغير حق، وهو يعلم أنه إذا قال: أخي تركه احتراما له: وجب عليه مثل هذا لمصلحة تخليص أخيه من الظلم.
والمقصود: أن الأصل في الأيمان الكاذبة المنع والتحريم، إلا إذا ترتب عليها مصلحة كبرى أعظم من الكذب، كما في الثلاث المذكورة في الحديث السابق " انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (١ / ٥٤) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6442
نذر أن يتزوج فتاة معينة ثم لم يف بنذره
[السُّؤَالُ]
ـ[نذرت لله أنني لن أتزوج أي فتاة إلا هذه الفتاة، وإن تزوجت غيرها سأصوم ٣ شهور، ثم أدركت نفسي أنني لا أستطيع أن أَفِي بنذري، ولا أملك العمل للدفع للفقراء كل يوم، فما الحل جزاكم الله خيراً؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الذي ينبغي للمسلم اجتناب النذر، فإن النبي ﷺ نهى عنه.
فقد روى البخاري (٦٦٠٨) ومسلم (١٦٣٩) عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ: (إِنَّهُ لا يَرُدُّ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيل) .
انظر السؤال (٣٢٧٢٤) ، (٣٦٨٠٠) .
ثانياً:
ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن النذر عدة أنواع، منها: النذر الذي يقصد به اليمين، وهو الذي يراد منه الحث على فعل شيء أو اجتنابه.
وحكمه إذا حنث: التخيير بين فعل المنذور وبين كفارة يمين.
قال ابن قدامة في "المغني" (١٣/٤٦١) :
"إذَا أَخْرَجَ النَّذْرَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ , بِأَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ بِهِ شَيْئًا , أَوْ يَحُثَّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ , مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إنْ كَلَّمْت زَيْدًا , فَلِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ , أَوْ صَدَقَةُ مَالِي , أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ. فَهَذَا يَمِينٌ , حُكْمُهُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ , فَلا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ , وَبَيْنَ أَنْ يَحْنَثَ , فَيَتَخَيَّرَ بَيْنَ فِعْلِ الْمَنْذُورِ , وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ , وَيُسَمَّى نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ , وَلا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ. .. وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ , وَابْنِ عَبَّاسٍ , وَابْنِ عُمَرَ , وَعَائِشَةَ , وَحَفْصَةَ , وَزَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ" اهـ باختصار.
والذي يظهر أن نذرك بأن تصوم ثلاثة أشهر إذا لم تتزوج هذه الفتاة من هذا النوع، لأنك تريد بذلك أن تحث نفسك على الزواج منها، وهذا هو معنى اليمين.
انظر السؤال (٤٥٨٨٩) .
وكفارة اليمين هي المذكورة في قوله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة/٨٩.
انظر السؤال (٤٥٦٧٦) .
وخلاصة الجواب: أنك إذا تزوجت هذه الفتاة فلا شيء عليك، وإن لم تتزوجها فإنك مخيَّر بين الوفاء بنذرك وهو صيام ثلاثة أشهر، وبين كفارة اليمين.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6443
قال لامرأته: أنت عليّ مثل أمي
[السُّؤَالُ]
ـ[امرأة قال لها زوجها: أنت علي مثل أمي وأختي. فهل هذا يعتبر طلاقاً أم أن هناك كفارة؟ وما هي الكفارة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
هذا اللفظ لا يعتبر طلاقا، وإنما هو من ألفاظ الظهار التي ليست صريحة في الظهار، بل يحتمل الظهار وغيرَه.
ثانياً:
حكم هذا اللفظ يرجع فيه إلى نية المتكلم (الزوج) والقرائن التي تدل عليها.
أما النية؛ فقد يقصد الزوج بهذا الكلام أنها محرمة عليه مثل أمه فيكون ظهاراً.
وقد يقصد أنها مثل أمه في الإكرام والمحبة ونحو ذلك فلا يكون ظهاراً، ولا يترتب عليه شيء.
وأما القرينة؛ فقد يدل سياق الكلام والحادثة التي قيل فيها أن الزوج أراد بذلك الظهار فيكون ظهاراًَ، ومثال القرينة لو كان الزوج في نزاع مع زوجته وشجار فقال لها في أثناء ذلك: أنت علي مثل أمي، فظاهر هذا السياق أنه أراد الظهار فيكون ظهاراً.
سئل شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (٣٤/٥) عن رَجُلٍ قَالَ لامْرَأَتِهِ: أَنْت عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي , وَأُخْتِي؟
فَأَجَابَ: "إنْ كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي وَأُخْتِي فِي الْكَرَامَةِ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ يُشَبِّهُهَا بِأُمِّهِ وَأُخْتِهِ فِي " بَابِ النِّكَاحِ " فَهَذَا ظِهَارٌ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُظَاهِرِ فَإِذَا أَمْسَكَهَا فَلا يَقْرَبُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ ظِهَارٍ" اهـ.
وقال أيضاً (٣٤/٧) :
"وَإِنْ أَرَادَ بِهَا عِنْدِي مِثْلُ أُمِّي. أَيْ فِي الامْتِنَاعِ عَنْ وَطْئِهَا وَالاسْتِمْتَاعِ بِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْرُمُ مِنْ الأُمِّ فَهِيَ مِثْلُ أُمِّي الَّتِي لَيْسَتْ مَحَلا لِلاسْتِمْتَاعِ بِهَا: فَهَذَا مُظَاهِرٌ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُظَاهِرِ، فَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ، فَيَعْتِقَ رَقَبَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا" اهـ.
وقال ابن قدامة في "المغني" (١١/٦٠) :
"وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي. أَوْ: مِثْلُ أُمِّي. وَنَوَى بِهِ الظِّهَارَ , فَهُوَ ظِهَارٌ , فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ; مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ , وَصَاحِبَاهُ , وَالشَّافِعِيُّ , وَإِسْحَاقُ. وَإِنْ نَوَى بِهِ الْكَرَامَةَ وَالتَّوْقِيرَ , أَوْ أَنَّهَا مِثْلُهَا فِي الْكِبَرِ , أَوْ الصِّفَةِ , فَلَيْسَ بِظِهَارٍ. وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نِيَّتِهِ" اهـ.
أي: أن المرجع إلى الزوج لا إلى غيره في تحديد ما نواه.
وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٠/٢٧٤) :
"إذا قال الزوج لزوجته: أنا أخوك أو أنت أختي، أو أنت أمي أو كأمي، أو أنت مني كأمي أو كأختي، فإن أراد بذلك أنها مثل ما ذكر في الكرامة أو الصلة والبر أو الاحترام أو لم يكن له نية ولم يكن هناك قرائن تدل على إرادة الظهار، فليس ما حصل منه ظهارا، ولا يلزمه شيء، وإن أراد بهذه الكلمات ونحوها الظهار أو قامت قرينة تدل على الظهار مثل صدور هذه الكلمات عن غضب عليها أو تهديد لها فهي ظهار، وهو محرم وتلزمه التوبة وتجب عليه الكفارة قبل أن يمسها، وهي: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا اهـ.
والخلاصة:
إذا كان الزوج قصد بهذا الكلام الظهار أو دلت القرينة على ذلك فهو ظهار، وفيما عدا ذلك لا يكون ظهاراً، ولا يترتب عليه شيء.
ثالثاً:
الظهار محرم، فقد وصفه الله تعالى بأنه منكر من القول وزور، وذلك في قوله: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً) المجادلة/٢.
فعلى من ظاهر من امرأته أن يتوب إلى الله تعالى.
رابعاً:
تجب الكفارة على الزوج المظاهر من زوجته إذا أراد أن يمسكها ولا يطلقها، ولا يحل له أن يجامعها قبل أن يأتي بالكفارة، والكفارة هي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، ودليل ذلك قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) المجادلة/٣-٤.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6444
عاهد الله على ترك العادة السرية فعاد وفعلها فماذا يلزمه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ي أكتبه وكلي ندم على ما فعلته وما قصرت بحق الله -: هو أنني كنت أفعل العادة السرية الخبيثة - أكرمكم الله - وأنا الآن تركتها من فترة قصيرة، أدعو الله أن يثبتني.
وسؤالي هو:
أني كنت أقول بصريح العبارة " أعاهدك يا ربي أن لا أعود إلى هذه العادة الخبيثة "؛ ولكني كنت أعود ليس – والله - استهزاء بالله -، ولكنه الشيطان والهوى.
أرجو أن تبينوا - جزاكم الله خير - ماذا عليَّ من جرَّاء نقضي للعهد مع الله .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سبق في جواب السؤال رقم (٣٢٩) بيان تحريم العادة السرية السيئة، وكيفية التخلص منها، والمسلم لا يلزمه العهد والنذر ليترك ما حرَّم الله تعالى عليه، إذ يكفي معرفة التحريم لينتهي عنه المسلم، فإذا عاهد الله أو نذر أن لا يفعل المحرَّم ثم عاد إليه ففعله: فقد اكتسب إثم فعل المحرم، وإثم نقض العهد والحنث في اليمين والنذر.
وقد أوجب الله تعالى الوفاء بالعهود، فقال تعالى ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا﴾ .
قال الجصاص:
قوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد﴾ يعني - والله أعلم - إيجاب الوفاء بما عاهد الله على نفسه من النذور والدخول في القرب , فألزمه الله تعالى إتمامها , وهو كقوله تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم﴾ " أحكام القرآن " (٣ / ٢٩٩) .
قال السرخسي:
والوفاء بالعهد واجب قال الله تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ , وذم من ترك الوفاء بالعهد بقوله ﴿ومنهم من عاهد الله﴾ الآية ... " المبسوط " (٣ / ٩٤) .
ومن عاهد الله تعالى على فعل شيء فلم يفعله، أو عاهده تعالى على عدم الفعل ففعل: فعليه إثم نقض العهد، وعليه كفارة يمين، فالعهد: يمين ونذر، ومن حنث فيهما فعليه كفارة يمين وهي: التخيير بين عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فمن لم يجد أو لم يستطع: فليصم ثلاثة أيام.
قال ابن قدامة:
إن قال: علي عهد الله وميثاقه لأفعلن. أو قال: وعهد الله وميثاقه لأفعلن. فهو يمين , وإن قال: والعهد والميثاق لأفعلن. ونوى عهد الله , كان يمينا ; لأنه نوى الحلف بصفة من صفات الله - تعالى. " المغني " (٩ / ٤٠٠) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والعهود والعقود متقاربة المعنى أو متفقة فإذا قال أعاهد الله أني أحج العام فهو نذر وعهد ويمين، وإن قال لا أكلم زيدا فيمين وعهد لا نذر، فالأيمان تضمنت معنى النذر وهو أن يلتزم لله قربة لزمه الوفاء وهي عقد وعهد ومعاهدة لله لأنه التزم لله ما يطلبه الله منه. " الفتاوى الكبرى " (٥ / ٥٥٣) .
وهو قول ابن عباس ومالك وعطاء والزهري والنخعي والشعبي ويحي بن سعيد، كما في " المدونة " (١ / ٥٧٩، ٥٨٠) .
وخلاصة الجواب: أن عليك كفارة يمين لنقضك العهد مع الله، ونسأل الله تعالى أن يرزقك الهدى والتقى والعفاف والغني.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
Islam Q&A
стр. 6445
توكيل جمعية خيرية بإخراج كفارة اليمين
[السُّؤَالُ]
ـ[ي عن الكفارة التي وردت في آية ٨٩ من سورة المائدة أن الحنث باليمين يجب أن يكفر عنه بإطعام ١٠ مساكين من أوسط ما نطعم أهلينا أو كسوتهم أو تحرير رقبة أو الصيام إذا لم يكن أي من هذه متوفر. هل إرسال المال إلى جمعية خيرية تساعد المسلمين في أنحاء العالم يفي بهذا؟ إذا علمنا أنه لا يوجد أي قسم من هذا المال يذهب كمصاريف إدارية أو بريد أو أي شيء آخر حيث أن المال الذي يصل يكفي لإطعام العشرة كما أن الأشخاص الذين يأخذون المال لإيصاله من ذوو السمعة الحسنة فهل هذا يجوز؟ إذا كان هذا لا يجوز من هو الشخص الذي يعتبر فقيرا أو مسكينا لإطعامه؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا لم يوجد الفقير المستحق للزكاة في البلد الذي أنت فيه فإنه لا بأس بنقل الكفارة إلى بلد آخر بواسطة ثقة أو جمعية موثوقة كوكيل للدافع على أن تصل إلى مستحقيها مما ذكر في الآية من خصال الكفارة المنصوص عليها أما دفع المال بدل ما نُص عليه فإنه لا يجزئ، والشخص الذي يعتبر فقيراً أو مسكيناً فإنه من لا يجد كفايته من الضروريات.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6446
هل يجوز أن يخرج مالاً بدلاً من النذر أو العقيقة أو الوليمة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز إنفاق مال عن النذر وعن العقيقة وعن الوليمة للزواج؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجزئ دفع المال في مقابلة ما لزمه بسبب نذره إلا إذا كان المنذور دفع مال قربة لله، فإنه يجوز دفع المال كما نذر، إلا أن ينذر جميع ماله فلا يلزمه إلا دفع الثلث منه، وكذلك لا يجزئ دفع المال في العقيقة أو وليمة النكاح حيث إن السنة في العقيقة ذبح شاتين عن الغلام وشاة عن الجارية، وكذلك وليمة الزواج السنة أن يولم الإنسان بعد زواجه ولو بشاة لما صح عنه ﷺ أنه قال لعبد الرحمن بن عوف بعد زواجه: (أولم ولو بشاة) هذا هو السنة في ذلك، وإنفاق المال في ذلك مخالف للسنة، ولا أصل له، ولم يفعله الرسول ﷺ ولا صحابته ﵃ من بعده، فينبغي للإنسان أن يتمسك بما صح في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ويترك ما عداهما
وبالله التوفيق.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء ٢٣ / ٣٩٢.
стр. 6447
تعدد الكفارات بتعدد الأيمان
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أم أحلف أيمانا كثيرة على أطفالي وأحيانا ما ينفذ شيء منها، فهل أدفع كفارة يمين واحدة أم ماذا أفعل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يكره الإفراط في الحلف؛ لقول الله تعالى: (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ) القلم/١٠، وفي هذا إشارة لذم الذي يكثر من الحلف، فاحرصي على عدم الإكثار من الحلف تعظيما لجناب الله تعالى، وحفظا ليمينك.
واعلمي أن كثرة الحلف في كل قليلٍ وكثير يؤدي إلى إضعاف قيمة اليمين عند الناس، ولا يُؤْمَنُ بسبب ذلك إقدامه على اليمين الكاذبة، وهو منافٍ لكمال تعظيم الله تعالى.
أما الأيمان التي حلفتها فتحتمل أحد أمرين:
الأول: إن كنت تقصدين بالأيمان التي أقسمتها أو ببعضها اليمين نفسه، أي كنت تقصدين يمينا منعقدة، فعليكِ كفارة يمين، واليمين المنعقدة هي التي يحلفها الشخص على أمر من المستقبل أن يفعله أو لا يفعله.
الثاني: أن يكون هذا من غير قصد منك لليمين، فهو من لغو اليمين، وقد اختلف العلماء في تحديد لغو اليمين على أقوال، والأقرب أن لغو اليمين يشمل ما يلي:
١- ما يجري على لسان المتكلم بلا قصد كقول الرجل في معرض كلامه، لا والله لن أذهب، بلى والله سأذهب، وهو قول الشافعية الحنابلة.
٢- اليمين التي عقدها يظن صدق نفسه فيبين بخلافه، كما ذهب إلى ذلك الحنابلة.
٣- ألحق شيخ الإسلام بلغو اليمين ما إذا كان الحالف يعتقد أن المحلوف عليه لا يخالفه فخالفه، وكذلك لا يحنث إذا حلف على غيره ليفعلنه بقصد الإكرام لا بقصد الإلزام، قال: لأنه كالأمر ولا يجب الأمر إذا فهم منه الإكرام، لأن النبي ﷺ أمر أبا بكر بالوقوف في الصف ولم يقف. انظر مجوعة الرسائل الفقهية للشيخ خالد المشيقح ص ٢٣٤
وبناء على ما سبق، فإن كانت أيمانك كلها أو بعضها من اليمين المنعقدة فيلزمك كفارة يمين، وهل يلزمك كفارة واحدة أو عدة كفارات؟ هذا يختلف باختلاف المحلوف عليه، فإن حلفت أيمانا على شيء واحد، فتلزمكِ كفارة واحدة، أما إن حلفت أيمانا على عدة أمور، كأن تقول: والله لا آكل اليوم، والله لا أشرب اليوم، والله لا أسافر اليوم، فتلزمكِ كفارة في كل أمر من الأمور السابقة إن فعلتها، فلو أكلت وشربت وسافرت، لزمتك ثلاث كفارات، وإن حلفت يمينا واحدة على عدة أشياء، كأن تقولي: والله لا آكل، ولا أشرب، ولا أسافر، فتلزمك كفارة واحدة بفعل واحد من الأمور السابقة أو كلها. المرجع السابق ص ٢٦٦
أما إن كانت أيمانك كلها أو بعضها من لغو اليمين، فقد نص جمهور العلماء على أن لغو اليمين لا كفارة فيه لقوله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) البقرة/٢٢٥، والله أعلم
راجعي الأسئلة (٤٥٦٧٦، ٣٤٧٣٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6448
نذر أن يتصدق كلما وقع في الذنب ووقع فيه ولم يتصدق
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت قد ابتليت بمعصية، وفي يوم من الأيام وبعد أن عملتها ندمتُ كثيراً وقمت بسب نفسي، ثم رفعت أصبعي وقلت بالحرف الواحد: " عليّ نذر إن فعلت هذه العادة مرة أخرى أن أتصدق بخمسمائة ريال، وإذا فعلتها مرة أخرى أتصدق بهذا المبلغ "، يعني في كل مرة أفعلها أتصدق بخمسمائة ريال إلاّ أنني عدت إلى فعلها مرات كثيرة جداًّ.
والسؤال: ماذا عليَّ فعله في هذا الأمر، علماً بأنني لم أتصدق حتى الآن ولو بريال واحد، ولا أعلم كم مرة فعلتها، فالمدة طويلة، فأفتوني مأجورين وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
النذر من أجل عدم الوقوع في الذنب كان يفعله بعض السلف؛ وذلك معاقبة لأنفسهم، وتربية لها على عدم فعل المعصية، لكن كان ذلك فيما يستطيعونه ويقدرون عليه.
قال حرملة: سمعت ابن وهب يقول: نذرت أني كلما اغتبت إنساناً أن أصوم يوماً فأجهدني، فكنت أغتاب وأصوم.
فنويت أني كلما اغتبت إنساناً أني أتصدق بدرهم، فمن حب الدراهم تركت الغيبة.
قال الذهبي: هكذا والله كان العلماء، وهذا هو ثمرة العلم النافع.
"سير أعلام النبلاء" (٩ / ٢٢٨) .
والأولى بالمسلم أن يمتنع من فعل المعصية من غير يمين ولا نذر حتى لا يعرض نفسه للحنث في اليمين أو عدم الوفاء بالنذر.
ثانياً:
إذا قصد الناذر بالنذر ما يقصد باليمين كمنع نفسه من فعلٍ ما فإما أن يحنث وإما ألا يحنث.
فإن لم يحنث فلا شيء عليه، وإن حنث خُيِّر بين أمرين: إما الوفاء بالنذر وإما إخراج كفارة يمين.
قال ابن قدامة في "المغني" (١٣/٤٦١) :
"إذَا أَخْرَجَ النَّذْرَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ , بِأَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ بِهِ شَيْئًا , أَوْ يَحُثَّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ , مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إنْ كَلَّمْت زَيْدًا , فَلِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ , أَوْ صَدَقَةُ مَالِي , أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ. فَهَذَا يَمِينٌ , حُكْمُهُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ , فَلا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ , وَبَيْنَ أَنْ يَحْنَثَ , فَيَتَخَيَّرَ بَيْنَ فِعْلِ الْمَنْذُورِ , وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ , وَيُسَمَّى نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ , وَلا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ. .. وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ , وَابْنِ عَبَّاسٍ , وَابْنِ عُمَرَ , وَعَائِشَةَ , وَحَفْصَةَ , وَزَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ" اهـ باختصار.
وسئل الشيخ ابن عثيمين:
أنا شاب كنت مسرفاً فهداني الله، ولكني لم أزل أرتكب ذنباً وحاولت أن أتوب منه مراراً فلم أستطيع فقلت في نفسي نذر عليّ إن عدت إلى هذا الذنب أن أصوم شهرين متتابعين، ولكن الشيطان زين لي وقلت إن النذر في هذه الحالة يكون كاليمين وله كفارة وعدت إلى هذا الذنب، فماذا أفعل جزاكم الله خيراً؟ هل يجوز لي أن أطعم ستين مسكيناً؟ لأنه أخف عليّ من الصيام؟ علماً بأن الله قد منّ عليّ التوبة من هذا الذنب الآن؟
أولاً: ينبغي أن يكون الإنسان ذا عزيمة صادقة قوية فيدع المحرم بدون قسم وبدون نذر ويقوم بالواجب بدون قسم وبدون نذر، قال الله – ﵎ – (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون) . ولكن قد يكون بعض الناس عاجزاً عن كبح جماح نفسه فيلجأ إلى النذر أو إلى اليمين للقيام بالواجب، أو في ترك المحرم، وقد ذكر العلماء – ﵏ – أن النذر الذي يقصد به الامتناع أو الإقدام يكون حكمه حكم اليمين، ولهذا يجب على هذا الأخ السائل أن يكفر عن نذره كفارة يمين وذلك بأن يطعم عشرة مساكين كل مسكين مد (أي حفنة) من الأرز أو من البر، أو يكسو عشرة مساكين، أو يعتق رقبة، وهو على الخيار في هذه الثلاثة، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام متتابعة لقول الله – تبارك تعالى – في سورة: المائدة (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) .
ويجوز في الإطعام أن يصنع طعاماً غداءً أو عشاءً ويدعو إليه عشرة مساكين اهـ.
فتاوى إسلامية (٣/٥٠١) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6449
ما هي كفارة اليمين بالتفصيل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[الرجاء التفضل بتفصيل كفارة اليمين.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
كفارة اليمين بينها الله تعالى بقوله: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة / ٨٩.
فيخير الإنسان بين ثلاثة أمور:
١- إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله، فيعطي كل مسكين نصف صاع من غالب طعام البلد، كالأرز ونحو، ومقداره كيلو ونصف تقريبا، وإذا كان يعتاد أكل الأرز مثلاً ومعه إدام وهو ما يسمى في كثير من البلدان (الطبيخ) فينبغي أن يعطيهم مع الأرز إداماً أو لحماً، ولو جمع عشرة مساكين وغداهم أو عشاهم كفى.
٢- كسوة عشرة مساكين، فيكسو كل مسكين كسوة تصلح لصلاته، فللرجل قميص (ثوب) أو إزار ورداء، وللمرأة ثوب سابغ وخمار.
٣- تحرير رقبة مؤمنة.
فمن لم يجد شيئا من ذلك، صام ثلاثة أيام متتابعة.
وجمهور العلماء على أنه لا يجزئ إخراج الكفارة نقودا.
قال ابن قدامة ﵀: " لا يُجْزِئُ في الكفارة إِخراج قيمة الطعام ولا الكسوة، لأن الله ذكر الطعام فلا يحصل التكفير بغيره، ولأن الله خَيَّرَ بين الثلاثة أشياء ولو جاز دفع القيمة لم يكن التَخْيِِيرُ منحصراً في هذه الثلاث ... " اهـ. المغني لابن قدامة ١١/٢٥٦
وقال الشيخ ابن باز ﵀: (على أن تكون الكفارة طعاما لا نقودا، لأن ذلك هو الذي جاء به القرآن الكريم والسنة المطهرة، والواجب في ذلك نصف صاع من قوت البلد، من تمر أو بر أو غيرهما، ومقداره كيلو ونصف تقريبا، وإن غديتهم أو عشيتهم أو كسوتهم كسوة تجزئهم في الصلاة كفى ذلك، وهي قميص أو إزار ورداء) انتهى نقلا عن فتاوى إسلامية ٣/٤٨١
وقال الشيخ ابن عثيمين:
فإن لم يجد الإنسان لا رقبة ولا كسوة ولا طعاماً فإنه يصوم ثلاثة أيام، وتكون متتابعة لا يفطر بينهما. اهـ.
فتاوى منار الإسلام (٣/٦٦٧)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6450
إذا وفَّى بنذره فهل يجوز أن يأكل منه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا نذر الرجل وأوفى نذره هل يأكل منه أم لا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأصل أن المنذور به إذا كان من الأمور المشروعة فإنه يصرف في الجهة التي عينها الناذر، وإذا لم يعين جهة فهو صدقة من الصدقات، يصرف في الجهات التي تصرف فيها الصدقات، كالفقراء والمساكين.
وأما أكله منه فإذا كانت العادة الجارية في بلد الناذر أن الشخص إذا نذر شيئا مما يؤكل أكل منه جاز له أن يأكل منه بناء على العرف والعادة في ذلك، وهكذا إذا نوى الأكل منه، يكون كلٌّ من العرف والنية مخصصاً للجزء الذي يأكله، فلا يكون داخلا في المنذور به، وقد صدر من اللجنة فتوى في ذلك نصها:
مصرف نذر الطاعة على ما نواه به صاحبه في حدود الشريعة المطهرة، فإن نوى باللحم الذي نذره الفقراء فلا يجوز له أن يأكل منه، وإن نوى بنذره أهل بيته أو الرفقة التي هو أحدهم جاز له أن يأكل كواحد منهم، لقوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) . وهكذا لو شرط ذلك في نذره أو كان ذلك هو عرف بلاده.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
من فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء ٢٣ / ٣٩٠.
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة أيضاً: (٢٣/٣٩٢) : (من نذر نذراً يترتب عليه إطعام طعام فالأصل أن الناذر لا يأكل من نذره إلا أن يشترط أو ينوي أن يأكل من نذره، فإنه يباح له الأكل كما اشترط أو نوى) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6451
نذرت أن تحج ولم تحج الفريضة
[السُّؤَالُ]
ـ[امرأة نذرت إن رزقها الله بمولود أن تحج ورزقها الله به فهل عليها الحج للنذر؟ علماً بأنها لم تحج الفرض.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" يجب أن يعلم أن النذر منهي عنه، نهى عنه النبي ﷺ وقال: (إِنَّهُ لا يَأْتِي بِخَيْرٍ) . ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن النذر حرام. فلماذا تنذر؟ ولماذا تكلف نفسك؟ وهل الله لا يمن عليك بالشفاء أو على قريبك بالشفاء إلا إذا اشترط له شرطاً؟ سبحان الله! لا تنذر، بل اسأل الله الشفاء والعافية، فإن كان الله أراد أن يشفي شفى سواء نذرت أم لم تنذر، فإذا فعلت ونذرت فإن كان نذر طاعة وجب عليك الوفاء به، لقول النبي ﷺ : (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ) وبناء على هذا نقول لهذه المرأة المذكورة: يجب أن تحجي. لكن تبدأ بحج الفريضة، ثم تأتي بحج النذر وجوباً، فإن لم تفعل فقد عرضت نفسها لعقوبة عظيمة، ذكرها الله في قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) التوبة/٧٥، ٧٦.
عاهدوا الله إن الله أغناهم أن يتصدقوا، وأن يكونوا من الصالحين، أعطاهم الله ذلك، ولكنهم بخلوا بالمال، وأعرضوا عن الصلاح (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ) إلى متى؟ (إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ) إلى الموت (بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ) التوبة/٧٧.
والخلاصة:
احذروا النذر، لا تنذروا فأنتم في عافية، ولا تلزموا أنفسكم ما لم يلزمكم الله به إلا بفعلكم، فمن كان عنده مريض فليقل: اللهم اشفه، ومن كان يريد الاختبار فليقل: اللهم نجحني، لأن بعض الطلبة إذا كانت الدروس صعبة وخاف من السقوط يقول: لله عليَّ نذر إن نجحت لأفعل كذا وكذا. من الطاعات، ثم إذا نجح أخذ يسأل ويجيء للعالم الفلاني يقول: خلصوني خلصوني، ولكن لا مفر لا بد من الوفاء بالنذر " انتهى.
[الْمَصْدَرُ]
"فتاوى ابن عثيمين" (٢١/٥٤) .
стр. 6452
نذر صيام كل اثنين وخميس ولم يصم لمدة سنوات
[السُّؤَالُ]
ـ[قبل ١٢ سنة قد نذرت أنه إذا نجحت من الصف الثالث ثانوي بتفوق، أن أصوم كل يوم اثنين وخميس. فطوال الفترة الماضية لم أكن مواظبا على الصيام، وفي ال ٣ أشهر الماضية بدأت أواظب عليها.
فما الحكم في الأيام التي لم أصمها؟ وما الحكم في بعض الأيام التي أكون فيها مدعوا على الغداء عند والدي أو غيره، هل أصوم ذلك اليوم أو أفطر؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: ينبغي التنبه إلى أن النذر مكروه لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا:
(لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئا، وإنما يستخرج به من البخيل) رواه البخاري (٦٦٠٩) ومسلم (١٦٤٠) واللفظ لمسلم. وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : (أنه نهى عن النذر وقال إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل) رواه مسلم (١٦٣٩) وقد يلزم الإنسان نفسه بنذر ثم لا يفي به، فيُوقِع نفسه في الحرج ويعرض نفسه للإثم.
والتهاون في النذر أمره خطير، ويخشى على صاحبه أن يدخل في قوله تعالى) وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِين * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ* فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ) التوبة/٧٥-٧٧، وانظر في خطر التهاون في النذر السؤال رقم (٤٢١٧٨)
أما بخصوص السؤال، فإن النذر الذي نذرته هو من النذر الواجب، الذي يجب عليك أن تفي به لقول النبي ﷺ : (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ) رواه البخاري (٦٦٩٦)
وعليه فيلزمك الوفاء بالنذر، وأما الأيام التي أفطرتها فيجب عليك قضاؤها، وعليك مع ذلك كفارة يمين، وتكفيك كفارة واحدة للأيام التي أفطرتها.
قال ابن قدامة في المغني: (١٣/٦٤٨) فيمن نذر أن يصوم كل خميس أبداً ثم أفطر عدة أيام: (يقضي نذره ويكفِّر ... , وإن فاتته أيام كثيرة لزمته كفارة واحدة عن الجميع فإذا كَفَّر ثم فاته شيء بعد ذلك لزمته كفارة ثانية. نصّ عليه أحمد. اهـ.
ودعوتك على الغذاء لا تعتبر عذراً يبيح لك الإفطار وعدم الوفاء بالنذر، ولك أن تخبرهم بنذرك حتى يكون لك عذر عندهم في عدم الحضور. والله أعلم
للمزيد انظر (٣٦٨٠٠، ٣٨٩٣٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6453
لا يجزئ الصيام مع القدرة على الإطعام في كفارة اليمين
[السُّؤَالُ]
ـ[كانت عليَّ كفارة يمين، فصمت ثلاثة أيام مع قدرتي على إطعام عشرة مساكين، فهل ما فعلته صحيح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجزئ الصيام مع القدرة على الإطعام أو الكسوة أو العتق، لأن الله سبحانه رتب إجزاء الصيام على عدم وجود الطعام أو الكسوة أو العتق، فقال: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ) المائدة/٨٩
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (٢٣/١٣) .
стр. 6454
أقسمت ألا تفضح سراً فأفشته نسياناً
[السُّؤَالُ]
ـ[زوجتي أقسمت على أن لا تفصح عن سر بينها وبين صديقتها ولكنها أفصحت عنه ناسية أنها قد أقسمت بعدم البوح بالسر؟ هل تجب عليها الكفارة، أم أن النسيان يعتبر عذرا..؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
زوجتك تشكر على أمانتها في حرصها على عدم إفشاء السر، أما بوحها بالسر ناسية فلا كفارة فيه، وذلك لأن الكفارة يشترط لوجوبها ثلاثة شروط:
الأول منها: أن تكون اليمن منعقدة على أمر مستقبل ممكن.
الثاني: أن يحلف مختاراً لليمين غير مكره عليه.
والشرط الثالث: الحنث في اليمين، بأن يفعل ما حلف على تركه مختاراً ذاكراً ليمينه، فإن حنث مكرهاً أو ناسياً أو جاهلاً فلا كفارة.
ودليل ذلك قول الله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) فقال الله: قد فعلت.
وقوله ﷺ : (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) . أخرجه ابن ماجه في سننه في كتاب الطلاق (٢٠٤٣) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (١٦٦٢، ١٦٦٤)
والله اعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6455
عقوبة عدم الوفاء بالنذر
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي عقوبة من نذر أن يفعل طاعة ثم تهاون ولم يفعلها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
النذر نوعان:
الأول: النذر المعلق. وهو أن يعلق النذر على حصول شيء، كما لو قال: إن شفاني الله لأتصدقن بكذا أو لأصومن كذا، ونحو ذلك.
الثاني: النذر المُنَجَّز (أي: الذي لم يعلق على شيء) ، كما لو قال: لله علي أن أصوم كذا.
وكلا النوعين يجب الوفاء به إذا كان المنذور فعل طاعة.
لقول النبي ﷺ : (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ) رواه البخاري (٦٦٩٦) .
ووجوب الوفاء بالنذر المعلق أشد من النذر المُنَجَّز – وإن كان كلاهما واجبا كما سبق-
قال ابن القيم:
إذَا قَالَ: إنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ تَصَدَّقْت , أَوْ لأَتَصَدَّقَنَّ , فَهُوَ وَعْدٌ وَعَدَهُ اللَّهَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَفِيَ بِهِ , وَإِلا دَخَلَ فِي قَوْلِهِ: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) فَوَعْدُ الْعَبْدِ رَبَّهُ نَذْرٌ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفِيَ لَهُ بِهِ ; والنذر المعلق أَوْلَى بِاللُّزُومِ مِنْ أَنْ يَقُولَ ابْتِدَاءً: " لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا ".
وَإِخْلَافُهُ يُعْقِبُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ اهـ بتصرف.
ثانياً:
ذَمَّ الرسولُ ﷺ الذين ينذرون ولا يوفون، روى مسلم (٢٥٣٥) عن عِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ -قَالَ عِمْرَانُ: فَلا أَدْرِي أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً - ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ) .
قال النووي:
فِيهِ وُجُوب الْوَفَاء بِالنَّذْرِ , وَهُوَ وَاجِب بِلا خِلَاف اهـ.
والمراد بقوله ﷺ : (وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ) أن هؤلاء غافلون عن الاهتمام بأمر الدين، ولا هَمَّ لهم إلا الأكل والشرب والراحة والنوم. والمذموم من السمن ما كان مكتسباً لا ما كان خِلقة. والله أعلم. انظر عون المعبود شرح حديث رقم (٤٦٥٧) .
ثالثاً: عدم الوفاء بالنذر من صفات المنافقين
قال الله تعالى: (وَمِنْهُمْ (أي: من المنافقين) مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) التوبة /٧٥-٧٨.
رابعاً: وأما عقوبة من نذر ولم يف بما عاهد الله عليه
فيُخشى عليه أن يعاقبه الله تعالى بإلقاء النفاق في قلبه، فيلقى الله تعالى وهو منافق، فيكون من الخاسرين.
كما قال الله تعالى في الآية السابقة: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ)
قال السعدي ص (٥٤٦) :
أي: ومن هؤلاء المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه "لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ" من الدنيا فبسطها لنا ووسعها "لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ". فنصل الرحم ونعين على نوائب الحق ونفعل الأفعال الحسنة الصالحة.
"فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ" لم يفوا بما قالوا بل "بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا" عن الطاعة والانقياد "وَهُمْ مُعْرِضُونَ" أي: غير ملتفتين إلى الخير. فلما لم يفوا بما عاهدوا الله عليه عاقبهم "فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ" مستمرا "إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ".
فليحذر المؤمن من هذا الوصف الشنيع أن يعاهد ربه إن حصل مقصوده الفلاني ليفعلن كذا وكذا ثم لا يفي بذلك فإنه ربما عاقبه الله بالنفاق كما عاقب هؤلاء.
وقد قال النبي ﷺ في الحديث الثابت في الصحيحين: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف) .
فهذا المنافق الذي وعد الله وعاهده لئن أعطاه الله من فضله ليصدقن وليكونن من الصالحين حدث فكذب وعاهد فغدر، ووعد فأخلف. ولهذا توعد من صدر منهم هذا الصنيع بقوله: " أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ " وسيجازيهم على ما عملوا من الأعمال التي يعلمها الله تعالى اهـ.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6456
حكم ظهار المرأة من زوجها وهل عليها الكفارة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[زوجي كثير الاستهزاء والسخرية بي وصبرت عليه كثيراً، وذات يوم شتمني بشتى ألوان الشتائم فأثار بكائي وغضبي فقلت له بالحرف الواحد: أنت عليّ مثل أخي، عليّ مثل ظهر أخي. فهل يعتبر هذا ظهاراً وما هي الكفارة الواجبة عليّ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يحل لمسلمٍ أن يسخر من أخيه، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ الحجرات / ١١.
والواجب على الزوج أن يحسن معاشرة أهله، قال الله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف) النساء / ١٩، وقال النبي صلى الله عليه: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي (٣٨٩٥)
والنصيحة لك بقاؤك على الصبر على أذى زوجك، والدعاء له بالخير والهدى، واستمرار الوعظ والتذكير له بواجباته.
وأما قولكِ لزوجكِ " أنتَ حرام عليَّ مثل أخي ... " فليس بظهار، بل هو يمين مكفَّرة، لأن الظهار يكون من الرجل لأمرته وليس العكس قال الله تعالى: (الذي يظاهرون منكم من نسائهم) المجادلة / ٢.
سئل الشيخ محمد الصالح العثيمين:
إن زوجتي تقول لي دائماً " أنت زوجي، وأنت أخي، وأنت أبي، وكل شيء لي في الدنيا " هل هذا الكلام يحرمني عليها أم لا؟
فأجاب:
هذا الكلام منها لا يحرمها عليك؛ لأن معنى قولها " أنت أبي وأخي " وما أشبه ذلك: معناها: أنت عندي في الكرامة والرعاية بمنزلة أبي وأخي، وليست تريد أن تجعلك في التحريم بمنزلة أبيها وأخيها.
على أنها لو فُرض أنها أرادت ذلك: فإنكَ لا تحرم عليها؛ لأن الظهار لا يكون من النساء لأزواجهن، وإنما يكون من الرجال لأزواجهم، ولهذا إذا ظاهرت المرأة من زوجها بأن قالت له " أنتَ عليَّ كظهر أبي، أو كظهر أخي " أو ما أشبه ذلك: فإن ذلك لا يكون ظهاراً، ولكن حكمه حكم اليمين، بمعنى أنها لا يحل لها أن تمكنه من نفسها إلا بكفارة اليمين، فإن شاءت دفعت الكفارة قبل أن يستمتع بها، وإن شاءت دفعتها بعد ذلك.
وكفارة اليمين: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبة، فإن لم يجد: فصيام ثلاثة أيام.
" فتاوى المرأة المسلمة " (٢ / ٨٠٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6457
عليه كفارات يمين عديدة، ولا يعرف كيف يتصرف
[السُّؤَالُ]
ـ[عليّ كفارات يمين عديدة، ولما أردت أن أكفِّر عنها لم أعرف كيف أتصرف؟ فلا يوجد المسكين ولا الفقير، فهل يجوز أن أكفِّر بنقود؟ وكم أعطي كل فقير، وهل يجوز أن أعطيها إلى لجان التبرعات للمجاهدين؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
كفارة اليمين: عتق رقبة مؤمنة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فمن لم يجد صام ثلاثة أيام، والأصل في ذلك قوله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ) المائدة/٨٩
ثانياً:
الأيمان إذا تعددت قبل الحنث – والمحلوف عليه واحد – فلا يجب إلا كفارة واحدة، وأما إذا تعددت الأيمان والمحلوف عليه متغير، وجب عن كل يمين كفارة خاصة به.
ثالثاً:
تصرف كفارة اليمين للمساكين كما ذكره الله جل وعلا، ولا مانع من صرفها للمجاهدين في سبيل الله، لأن الله ذكرهم من مصارف الزكاة، وبخاصة إذا لم يوجد من الفقراء والمساكين من تصرف له.
رابعاً:
لا يجوز إخراج النقود عن كفارة اليمين، لأنه خلاف النص الذي ذكره الله، وما كان ربك نسيَّاً، فلم يذكر أن النقود تصرف بدلاً عن الكفارة المنصوصة.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى اللجنة الدائمة (٢٣/٢٧) .
стр. 6458
عاهد الله على ترك المعصية مرارا وعاد إليها
[السُّؤَالُ]
ـ[عاهدت الله على عدم فعل معصية من المعاصي، ولكنني في كل مرة أنقض العهد مع الله وأقوم بفعل تلك المعصية ولكنني سرعان ما أندم على فعلها فأتوب إليه سبحانه وأصلى ركعتين صلاة توبة (أحدث لكل ذنب توبة) وأجدد عهدي مع الله على عدم فعل تلك المعصية بعد فراغي من صلاة التوبة، ولكن لضعف إيماني ومع مرور الأيام أقوم بفعل تلك المعصية وأجدد التوبة والعهد مع الله مرة ثانية وثالثة ومرات عديدة لا يعلمها إلا هو.
سؤالي هو:
ماذا يلزمني فعله نتيجة عدم الوفاء بعهدي في كل مرة، بعد أن منّ الله عليّ واستطعت البعد عن تلك الفواحش وتبت إلى الله توبة نصوحا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نحمد الله تعالى على أن وفقك للتوبة النصوح، ونسأله سبحانه أن يثبتك على دينه، ويرزقك الاستقامة عليه.
أما ما سألت عنه:
فمعاهدة الله تعالى من ألفاظ النذر واليمين.
قال الله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ) التوبة / ٧٥.
قال أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" (٣/٢٠٨) عن هذه الآية:
فِيهِ الدَّلالَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِيهِ قُرْبَةٌ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ ; لأَنَّ الْعَهْدَ هُوَ النَّذْرُ وَالإِيجَابُ اهـ.
قال الزهري ﵀: من عاهد الله على عهد فحنث فليتصدق بما فرض الله في اليمين. نقله في المدونة ١/٥٨٠ وقال: (وقاله ابن عباس وعطاء بن أبي رباح ويحيى بن سعيد. قال ابن وهب عن سفيان الثوري عن فراس عن الشعبي قال: إذا قال: علي عهد الله فهي يمين) انتهى.
وقال شيخ الإسلام في "الاختيارات" (ص ٥٦٢-٥٦٣) :
إِذَا قَالَ: أُعَاهِدُ اللَّهَ أَنِّي أَحُجُّ الْعَامَ فَهُوَ نَذْرٌ وَعَهْدٌ وَيَمِينٌ اهـ.
والنذر إذا كان المقصود منه ما يقصد باليمين وهو حث الشخص أو غيره على فعل شيء معين أو عدم فعله فحكمه حكم اليمين. فإذا لم يف به وجبت كفارة اليمين.
قال ابن قدامة في "المغني" (١٣/٦٢٢) :
النَّذْرُ الَّذِي يُخْرِجُهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ , لِلْحَثِّ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ الْمَنْعِ مِنْهُ , غَيْرَ قَاصِدٍ بِهِ لِلنَّذْرِ , وَلا الْقُرْبَةِ , فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ اهـ.
فعلى هذا عليك كفارة يمين، وتكفيك كفارة واحدة لكل ما سبق إن كان اليمين قد وقع على فعل واحد –وهو الظاهر من السؤال- وإن كان اليمين على أفعال متعددة فعليك لكل فعل كفارة.
قال شيخ الإسلام في "الاختيارات" (ص ٥٦٢-٥٦٣) :
وَمَنْ كَرَّرَ أَيْمَانًا قَبْلَ التَّكْفِيرِ. . فالصَّحِيحُ: إنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلٍ فَكَفَّارَةٌ، وَإِلا فَكَفَّارَتَانِ اهـ.
وكفارة اليمين هي عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فمن لم يجد صام ثلاثة أيام؛ لقوله تعالى:) لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة / ٨٩.
راجع سؤال رقم (٩٩٨٥)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6459
هل يجوز الحلف في البيع والشراء إذا كان صاحبه صادقاً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز الحلف في البيع والشراء إذا كان صاحبه صادقاً؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" الحلف في البيع والشراء مكروه مطلقاً , سواء كان كاذبا أو صادقاً , فإن كان كاذباً في حلفه فهو مكروه كراهة تحريم , وذنبه أعظم وعذابه أشد , وهي اليمين الكاذبة , وهي وإن كانت سبباً لرواج السلعة , فهي تمحق بركة البيع والربح , ويدل لذلك ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الحلف منفقة للسلعة , ممحقة للبركة) , أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما , وهذا لفظ البخاري , انظر: "فتح الباري" (٤/٣١٥) , ولما ورد عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة , ولا ينظر إليهم , ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرار , وقال أبو ذر: خابوا وخسروا , من هم يا رسول الله؟ قال: (المسبل , والمنان , والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) , أخرجه مسلم في صحيحه (١/١٠٢) , وأخرج الإمام أحمد نحوه في مسنده.
أما إن كان الحلف في البيع والشراء صادقاً فيما حلف عليه , فإن حلفه مكروه كراهة تنزيه؛ لأن في ذلك ترويجاً للسلعة , وترغيباً فيها بكثرة الحلف , وقد قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) آل عمران/٧٧ , ولعموم قول الله تعالى: (واحفظوا أيمانكم) المائدة/٨٩ , ولقوله تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) البقرة/٢٢٤ , ولعموم ما رواه أبو قتادة الأنصاري السلمي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إياكم وكثرة الحلف في البيع , فإنه ينفّق ثم يمحق) أخرجه مسلم في صحيحه , وأحمد في المسند , والنسائي , وابن ماجه , وأبو داود " انتهى.
[الْمَصْدَرُ]
"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (١٣/٨) .
стр. 6460
يعاني من الوسواس وحلف أيماناً كثيراً وحنث فيها
[السُّؤَالُ]
ـ[موسوس عقد أيمانا متعددة ألا يكرر العمل ثم حنث وقد تراكمت عليه أيمان وعهود كثيرة الله أعلم بعددها وهو يعاني من الوسواس كيف يكفر ما مضى؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
من حلف أيمانا متعددة، وحنث ولم يكفّر عن شيء منها، فله حالان:
الأول: أن تكون الأيمان على شيء واحد، كأن يقول: والله لا أشرب الدخان، ثم يحنث ولا يكفر عن يمينه، ثم يحلف مرة أخرى أنه لا يشرب الدخان ثم يحنث.. فهذا تلزمه كفارة واحدة.
والثاني: أن تكون الأيمان على أفعال مختلفة، كقوله: والله لا أشرب، والله لا ألبس، والله لا أذهب إلى مكان كذا، ثم يحنث في الجميع، فهل تلزمه كفارة واحدة أو كفارات بعدد الأيمان؟ فيه خلاف بين الفقهاء، فالجمهور على تعدد الكفارة، والحنابلة على أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة.
والراجح ما ذهب إليه الجمهور؛ لأنها أيمان على أفعال مختلفة، لا يحنث في إحداهن بالحنث في الأخرى، فلم تتداخل.
وينظر "المغني" (٩/٤٠٦) .
وقد سئل الشيخ ابن باز ﵀: أنا شاب حلفت بالله أكثر من ثلاث مرات على أن أتوب من فعل محرم، سؤالي: هل علي كفارة واحدة أم ثلاث، وما هي كفارتي؟
فأجاب: عليك كفارة واحدة، وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام؛ لقول الله سبحانه: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) الآية من سورة المائدة/٨٩، وهكذا كل يمين على فعل واحد أو ترك شيء واحد، ولو تكررت ليس فيها إلا كفارة واحدة، إذا كان لم يكفر عن الأولى منهما. أما إذا كان كفر عن الأولى ثم أعاد اليمين فعليه كفارة ثانية إذا حنث، وهكذا لو أعادها ثالثة وقد كفر عن الثانية فعليه كفارة ثالثة.
أما إذا كرر الأيمان على أفعال متعددة أو ترك أفعال متعددة فإن عليه في كل يمين كفارة، كما لو قال: والله لا أكلم فلانا، والله لا آكل طعاما، والله لا أسافر إلى كذا، أو قال: والله لأكلمن فلانا، والله لأضربنه، وأشباه ذلك.
والواجب في الإطعام لكل مسكين نصف صاع من قوت البلد وهو كيلو ونصف تقريبا.
وفي الكسوة ما يجزئه في الصلاة كالقميص أو إزار ورداء. وإن عشاهم أو غداهم كفى ذلك؛ لعموم الآية الكريمة المذكورة آنفا. والله ولي التوفيق " انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (٢٣/١٤٥) .
ثانيا:
إذا كان المسئول عنه موسوسا، وقد حلف هذه الأيمان تحت تأثير الوسوسة، من غير قصد ولا إرادة ولا رغبة في الحلف، فلا شيء عليه.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " المبتلى بالوسواس لا يقع طلاقه حتى لو تلفظ به بلسانه إذا لم يكن عن قصد، لأن هذا اللفظ باللسان يقع من الموسوس من غير قصد ولا إرادة، بل هو مغلق عليه ومكره عليه لقوة الدافع وقلة المانع، وقد قال النبي ﷺ : " لا طلاق في إغلاق) . فلا يقع منه طلاق إذا لم يرده إرادة حقيقية بطمأنينة، فهذا الشيء الذي يكون مرغما عليه بغير قصد ولا اختيار فإنه لا يقع به طلاق" انتهى، نقلا عن: "فتاوى إسلامية" (٣/٢٧٧) .
وإذا كان هذا في الطلاق، فاليمين من باب أولى، لأن أمر النكاح أعظم من أمر اليمين.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6461
حلف الرجل وهو في حالة قد لا يملك شعوره
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا حلف الرجل ليتم أمراً وهو في حالة قد لا يملك شعوره، هل يلزمه التكفير، وما هو؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا حلف الإنسان على شيء يفعله فلم يفعله لزمته كفارة اليمين، مثل أن يقول: (والله لأكلمن فلاناً) أو (والله لأزورنه) أو (والله لأصلين كذا وكذا) وما أشبه ذلك، فلم يفعل ما حلف عليه فإنه يلزمه كفارة اليمين إذا كان عاقلاً يعلم ما يقول، أما إذا كان قد اشتد به الغضب وليس في وعيه فاليمين لا تنعقد، لأن الوعي لما يقول لا بد منه، فإذا اشتد به الغضب حتى جعله لا يعقل ما يقول ولا يضبط ما يقول فمثل هذا لا كفارة عليه، كالمجنون والمعتوه، والنائم.
وله أن يترك ما حلف عليه إذا رأى المصلحة في ذلك، ويكفر عن يمينه، لقول النبي ﷺ : (إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير) متفق على صحته.
فلو حلف ألا يزور فلان ثم رأى أن الأصلح زيارته فإنه يزوره ويكفر عن يمينه، وهكذا ما أشبه ذلك.
ولا حرج في تقديم الكفارة وتأخيرها. والله ولي التوفيق.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٨ ص / ٣٩٢
стр. 6462
اعتاد أن يحلف صادقاً أو كاذباً، فكيف يكفر عن هذه الأَيمان ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[للأسف من صغري تعودت على الحلف صادقا أو كاذبا وقد حاولت مع نفسي ترك هذه العادة السيئة وأنا أعتقد أني الآن أمشي على الدرب الصحيح. سؤالي ما حكم الأيمان السابقة؟ ماذا أفعل ليغفر الله لي؟ هل أخرج كفارة عن كل حلف، ولكن المشكلة أني لا أستطيع معرفة عدد الأيمان التي حلفتها.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اليمين على ثلاثة أوجه:
الأول:
اليمين المنعقدة: وهي اليمين التي يقصدها الحالف ويصمم عليها، وتكون على أمر مستقبل أن يفعله أو لا يفعله. وحكمها: وجوب الكفارة فيها عند الحنث. قال ابن قدامة ﵀: (ومن حلف أن يفعل شيئا , فلم يفعله , أو لا يفعل شيئا , ففعله , فعليه الكفارة) لا خلاف في هذا عند فقهاء الأمصار. قال ابن عبد البر: اليمين التي فيها الكفارة بإجماع المسلمين , هي التي على المستقبل من الأفعال) المغني ٩/٣٩٠
الثاني:
اليمين اللغو: وهي الحلف من غير قصد اليمين، وهذه لا كفارة فيها؛ لقول الله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) البقرة/٢٢٥، قالت عائشة ﵂: أنزلت هذه الآية (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) في قول الرجل لا والله وبلى والله " رواه البخاري (٤٦١٣)
ومن حلف على شئ يظنه كما حلف، فبان بخلافه، فلا كفارة عليه، عند أكثر أهل العلم، وهو من اللغو.
قال ابن قدامة ﵀: ومن حلف على شيء يظنه كما حلف , فلم يكن , فلا كفارة عليه ; لأنه من لغو اليمين) أكثر أهل العلم على أن هذه اليمين لا كفارة فيها. قاله ابن المنذر. يروى هذا عن ابن عباس , وأبي هريرة , وأبي مالك , وزرارة بن أوفى , والحسن , والنخعي , ومالك , وأبي حنيفة , والثوري.
وممن قال: هذا لغو اليمين. مجاهد , وسليمان بن يسار , والأوزاعي , والثوري , وأبو حنيفة وأصحابه.
وأكثر أهل العلم على أن لغو اليمين لا كفارة فيه. وقال ابن عبد البر: أجمع المسلمون على هذا.
لقول الله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) . وهذه منه , ولأنه غير مقصود للمخالفة , فأشبه ما لو حنث ناسيا) انتهى من المغني ٩/٣٩٣
الثالث:
أن يحلف على شيء ماض وهو كاذب وهي من كبائر الذنوب، ولا كفارة فيها عند جمهور العلماء؛ لأنها أعظم من أن تكفّر.
إذا عُلم هذا، فما حلفته من الأيمان المنعقدة، وحنثت فيه، فيلزمك فيه الكفارة.
وإذا نسيت عدد هذه الأيمان، فاجتهد وأخرج من الكفارات ما يغلب على ظنك أنك تبرأ به.
وما كان من هذه الأيمان معقودا على فعلٍ واحد، أو ترك شيءٍ واحد، ففيها كفارة واحدة، وذلك مثل أن تحلف ألا تكلم فلانا، فتحنث، ولا تكفّر، ثم تعود فتحلف ألا تكلمه، وتحنث، فلا يلزمك إلا كفارة واحدة. بخلاف ما لو حلفت ألا تكلمه، ثم حلفت أن لا تأكل طعامه مثلا، فيلزمك حينئذ كفارتان، وقد سبق بيان هذا في جواب السؤال رقم (٣٤٧٣٠)
والله أعلم.
وخلاصة الجواب:
أن الأيمان التي حلفتها على شيء تفعله أو لا تفعله في المستقبل وحنثت فيها يجب عليك فيها الكفارة.
والأيمان التي حلفتها على شيء في الماضي أنك فعلته أو لم تفعله وأنت كاذب في ذلك لا كفارة عليها، وعليك التوبة إلى الله، والله تعالى يتوب على من تاب. وفقك الله وغفر لك ذنبك.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6463
عليه كفارات يمين كثيرة، وبعضها لا يعرفها
[السُّؤَالُ]
ـ[علي كفارات يمين كثيرة وبعضها أعرفها وبعضها لا أعرفها لأنني كثيرا ما أحلف على شيء وأناقض ذلك، وأصبح ذلك عادة عندي فكيف أكفر عن ذلك رغم أنها كثيرة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
المطلوب من المسلم الاهتمام بأمر اليمين، وذلك بأن لا يكثر منها، قال الله تعالى: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ) البقرة/٢٢٤، فلا يحلف إلا إذا احتاج لذلك، وعليه حفظ يمينه بالكفارة إذا أراد مخالفة ما حلف عليه، لقوله ﷺ : (إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير أو أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وهذا لفظ البخاري وأخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والإمام أحمد.
والأيمان إذا تعددت فإن كانت على شيء واحد كفتها كفارة واحدة إذا لم يكفر عن الأولى، مثل أن يقول: (والله لا أكلم فلانا) ويكرر ذلك كثيرا ثم يكلمه (فعليه كفارة واحدة) .
وإن تعدد جنس المحلوف عليه، مثل أن يقول (والله لا أكلم فلانا) ثم يكلمه، (والله لا أسافر إلى كذا) ثم يسافر وهكذا فلكل يمين كفارتها، وعليك الاحتفاظ لنفسك بالكفارة بما يغلب على ظنك أنها تبرأ به ذمتك.
وبالله التوفيق.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى الجنة الدائمة للإفتاء (٢٣ / ٤٩) .
стр. 6464
نذرت إن انتهى الخلاف مع زوجها أن تصوم الخميس إلى الأبد
[السُّؤَالُ]
ـ[امرأة حصل بينها وبين زوجها خلاف. نذرت بأن تصوم يوم الخميس كل عمرها إذا انتهى الخلاف بدون طلاق. انتهى الخلاف وبدأت في صيام يوم الخميس. قدر الله أن يعود نفس الخلاف إلى السطح مرة ثانية عندما ذهبوا جميعا إلى بيت أبيها , ويصدر طلاق من الزوج في لحظه انفعال وغضب. المرأة داومت على صيام يوم الخميس وبعد فترة تصالحوا وانتهى الخلاف كليا. هل يلزمها صيام يوم الخميس مدى العمر , مع العلم أنها تصوم يوم الاثنين مدى العمر لتوفي بنذر آخر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا يسميه العلماء النذر المعلَّق، وهو تعليق النذر على حصول شيء معين، وحكمه أنه متى كان المنذور فعل طاعة وحصل الشرط المعلَّق عليه وجب الوفاء به. لقول النبي ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) . رواه البخاري (٦٣١٨)
قال ابن قدامة ﵀ عن نذر الطاعة: (وهو ثلاثة أنواع، أحدها: التزام طاعة في مقابل نعمة استجلبها أو نقمة استدفعها، كقوله: إن شفاني الله فلله علي صوم شهر، فتكون الطاعة الملتزمة مما له أصل في الوجوب بالشرع، كالصوم والصلاة والصدقة والحج، فهذا يلزم الوفاء به بإجماع أهل العلم. . . إلخ) المغني (١٣/٦٢٢) .
والشرط المعلَّق عليه النذر هنا هو "انتهاء الخلاف بينها وبين زوجها بدون طلاق".
وقصة هذه المرأة لا يخلو من أحد أمرين:
إما أن تكون قصدت انتهاء الخلاف المعين الموجود وقت النذر بدون طلاق، فهنا يلزمها الوفاء بالنذر لحصول الشرط وهو انتهاء الخلاف بدون طلاق، والطلاق بعد ذلك لا يؤثر لأنه يكون حينئذ قد وقع في خلاف آخر.
وإما أن تكون قصدت انتهاء الخلاف الذي حصل بسبب معين بينها وبين زوجها وزواله بالكلية بحيث لا يعود فلا يلزمها الصوم حينئذ لعدم حصول الشرط، فإنه قد عاد الخلاف مرة أخرى ووقع بسببه الطلاق. ولعل ما ورد في اسلؤال من عبارة: (قدَّر الله أن يعود نفس الخلاف) يشير إلى هذا.
فعلى المرأة أن تحدد قصدها، ثم تفعل ما يلزمها شرعاً.
وينبغي أن يُعلم أن النذر مكروه في الأصل، لما روى البخاري (٦٦٠٨) ومسلم (١٦٣٩) عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ إِنَّهُ لا يَرُدُّ شَيْئًا وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيل ".
قَالَ الْمَازِرِيّ: يَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَب النَّهْي كَوْن النَّذْر يَصِير مُلْتَزَمًا لَهُ , فَيَأْتِي بِهِ تَكَلُّفًا بِغَيْرِ نَشَاط. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَبه كَوْنه يَأْتِي بِالْقُرْبَةِ الَّتِي اِلْتَزَمَهَا فِي نَذْره عَلَى صُورَة الْمُعَاوَضَة لِلأَمْرِ الَّذِي طَلَبَهُ فَيَنْقُص أَجْره , وَشَأْن الْعِبَادَة أَنْ تَكُون مُتَمَحِّضَة لِلَّهِ تَعَالَى. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَيَحْتَمِل أَنَّ النَّهْي لِكَوْنِهِ قَدْ يَظُنّ بَعْض الْجَهَلَة أَنَّ النَّذْر يَرُدّ الْقَدَر , وَيَمْنَع مِنْ حُصُول الْمُقَدَّر فَنَهَى عَنْهُ خَوْفًا مِنْ جَاهِل يَعْتَقِد ذَلِكَ , وَسِيَاق الْحَدِيث يُؤَيِّد هَذَا. وَاللَّهُ أَعْلَم اهـ من شرح مسلم للنووي.
فينبغي للمؤمن أن يجتنب ما نهى عنه النبي ﷺ ، ومن أراد أن يطيع الله تعالى فليطعه من غير نذر.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6465
نذرت نذوراً فنسيتها
[السُّؤَالُ]
ـ[نذرت نذورا ولا أتذكرها فما كفارتها هل أطعم عشرة مساكين؟ لكل نذر لم أوفه؟ ولكني لا أتذكر كم نذرا نذرته فما العمل؟ وأيضا إني نذرت صلوات كثيرة أيضا لا أتذكرها هل لها كفارة أم نذور الصلاة لابد أن تصلي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من نذر نذر طاعة من صلاة أو صيام أو صدقة ونحوها، لزمه الوفاء به؛ لقوله ﷺ : " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعص الله فلا يعصيه " رواه البخاري (٦٣١٨) سواء علق ذلك على حصول شئ، أو نذر نذراً مطلقا.
قال ابن قدامة ﵀ عن نذر الطاعة والتبرر: (وهو ثلاثة أنواع، أحدها: التزام طاعة في مقابل نعمة استجلبها أو نقمة استدفعها، كقوله: إن شفاني الله فلله علي صوم شهر، فتكون الطاعة الملتزمة مما له أصل في الوجوب بالشرع، كالصوم والصلاة والصدقة والحج، فهذا يلزم الوفاء به بإجماع أهل العلم) المغني ١٣/٦٢٢
وإذا كنت تذكرين النذور، من صلاة أو صوم أو صدقة، وتجهلين عددها، فالواجب عليك هو التحري، وفعل ما يغلب على الظن حصول البراءة به.
أما إذا نسيت أو شككت هل المنذور هو صلاة أو صيام أو صدقة، فقد ذهب بعض العلماء إلى أن عليك الاجتهاد والتحري في فعل أحدها، وذهب بعضهم إلى أن الواجب هو إخراج كفارة يمين، عن كل نذر شككت فيه. (مغني المحتاج ٦/٢٣٤، غمز عيون البصائر ١/٢١١، الموسوعة الفقهية ٢٦/٢٠١) .
ومن هذا تعلمين الجواب عن سؤالك الثاني، فإن نذر الصلاة لابد من الوفاء به، وعليك فعل ما يغلب على الظن أن ذمتك تبرأ به، فلو شككت هل نذرت عشرين صلاة مثلا، أو خمسة وعشرين، فصل خمسة وعشرين.
وينبغي أن يُعلم أنه لا ينبغي الإقدام على النذر لما روى البخاري (٦٦٠٨) ومسلم (١٦٣٩) عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ: (إِنَّهُ لا يَرُدُّ شَيْئًا وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيل)
وروى البخاري (٦٦٠٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لا يَأْتِ ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَدَّرْتُهُ وَلَكِنْ يُلْقِيهِ الْقَدَرُ وَقَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6466
القسم بغير الله من أب وزعيم وشرف وجاه
[السُّؤَالُ]
ـ[في وعد الكشافة يقولون: (أعد بشرفي أن أبذل جهدي لأن أقوم بواجبي نحو الله والوطن والملك، وأن أساعد الناس في كل حين وأن أعمل بقانون الكشافة) وذلك في كتيب الكشافة الذي يصدر عن الأمانة الكشفية العربية، فما حكم هذا الوعد؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
يحرم القسم بغير الله من أب وزعيم وشرف وجاه ووجيه ونحو ذلك؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " متفق عليه وقال: " من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله " رواه النسائي وقال: " من حلف بغير الله فقد أشرك "
ثانيا:
لا ينبغي للمسلم أن يسوي بين الله وغيره؟ كالوطن والملك والزعيم في أخذ العهد على نفسه بالعمل لهم، بل يقول: علي عهد الله أن أبذل جهدي في القيام بواجبي لله وحده ثم أخدم وطني وأساعد المسلمين، وأن أعمل بنظام الكشافة الذي لا يخالف شريعة الله تعالى.
ثالثا:
يجب أن يكون عمل الإنسان وفق شريعة الله تعالى، فلا يجوز أن يأخذ على نفسه عهدا أن يعمل بقانون دولة أو طائفة أو فئة ما من البشر بإطلاق.
وبالله التوفيق.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى اللجنة الدائمة (١/٢٣٢) .
стр. 6467
حلفت ألا تذهب إلى مدينة ثم ذهبت إليها
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد حلفت بأن لا أذهب إلى مدينة ما ولكن قمت بالسفر حتى لا أغضب والديّ فهل أقوم بأداء كفارة يمين أم ماذا علي أن أفعل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم يلزمك كفارة يمين، وقد أحسنت في إرضاء والديك؛ لقول النبي ﷺ : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " رواه مسلم (١٦٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
إلا أن يكون في ذهابك إلى هذه المدينة وقوع في ما حرم الله، فكان عليك أن ترضي والديك بغير الذهاب وأن تحافظ على يمينك.
وكفارة اليمين هي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد صام ثلاثة أيام؛ لقوله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة / ٨٩.
ولا يجزئ إخراجها نقودا، عند جمهور العلماء.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6468
حلف على أولاده كثيراً وحنث ولم يكفّر
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت فيما سبق أحلف على أولادي بأن لا يفعلوا شيئا ما ثم أتراجع بنية أن أكفر عن يميني وتمضي الأيام ولا أكفر عنه مع العلم أني أحلف كثيرا وأتراجع ولكن بعد أن حججت والحمد لله تبت ولم أعد أحلف أفيدوني بحكم ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يكره الإفراط في الحلف؛ لقول الله تعالى: (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ) القلم / ١٠، وهذا ذم له يقتضي كراهة فعله، كما قال ابن قدامة ﵀ [المغني ١٣/٤٣٩] .
وإذا حلفت على أولادك أو غيرهم حلفا مقصودا أن يفعلوا شيئا أو ألا يفعلوه، فخالفوك، فعليك كفارة عن كل يمين حنثت فيها، لقول الله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة / ٨٩
وإن كنت كررت اليمين على شيء واحد، فيلزمك كفارة واحدة، وإن كررت اليمين على أشياء متعددة فعليك كفارات بعدد الأشياء التي حلفت عليها.
وإن جهلت عدد الأيمان بيقين، فاجتهد في تحديد عدد الأيمان وأخرج كفارات حتى يغلب على ظنك أنك أخرجت الواجب عليك.
وكفارة اليمين هي المذكورة في الآية السابقة إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعم أهلك أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، تختار أي خصلة من هذه الخصال الثلاثة، فإذا عجزت عن هذه الخصال، فإنك تصوم عن كل يمين ثلاثة أيام.
سئلت اللجنة الدائمة ما نصه:
كنت في السابق أحلف اليمين لعمل كذا وكذا ولا أنفذ، وأريد أن أعمل كفارة لذلك، فهل تكفي كفارة واحدة؟ علما بأنني حلفت عدة مرات ولكنني لا أتذكر عددها؟
فأجابت:
(اجتهد في تقدير عدد أيمانك التي حنثت فيها تقديرا تقريبيا ثم أخرج كفارات على عددها التقريبي إذا كانت على أمور مختلفة، وما كان منها على شيء واحد مثل: والله لا أزور زيدا، والله لا أزور زيدا، فكفارة واحدة)
انتهى، نقلا عن فتاوى إسلامية ٣/٤٨١
وقال الشيخ ابن باز ﵀: (وهكذا كل يمين على فعل واحد أو ترك شيء واحد، ولو تكررت، ليس فيها إلا كفارة واحدة إذا كان لم يكفر عن الأولى منهما ... أما إذا كرر الأيمان على أفعال متعددة أو ترك أفعال متعددة فإن عليه عن كل يمين كفارة، كما لو قال: والله لا أكلم فلانا، والله لا آكل طعامه، والله لا أسافر إلى كذا، أو قال: والله لأكلمن فلانا، والله لأضربنه، وأشباه ذلك.
والواجب في الإطعام لكل مسكين نصف صاع من قوت البلد وهو كيلو ونصف تقريبا.
وفي الكسوة ما يجزئه في الصلاة كالقميص، أو إزار ورداء. وإن عشاهم أو غداهم كفى ذلك لعموم الآية الكريمة)
انتهى، نقلا عن فتاوى إسلامية ٣/٤٨٠
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6469
قالت لزوجها: أنت عليَّ مثل أبي
[السُّؤَالُ]
ـ[حدث بيني وبين زوجي خلاف، وفي ساعة غضب وانفعال حَرَّمْته عليَّ وقلت له: أنت علي مثل أبي إلى يوم القيامة، وكررت ذلك عدة مرات. فماذا أعمل؟ وهل أطالب زوجي بالطلاق، أم ماذا فأنا في حيرة من أمري؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا حرّم المسلم على نفسه شيئاً مما أحله الله، فإن هذا حكمه حكم اليمين.
ودليل ذلك قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) التحريم/١-٢
قال السعدي ﵀ في تفسيره (ص١٠٣٥) :
" هذا عتاب من الله لنبيه محمد ﷺ حين حرم على نفسه سرِّيَّتَه مارية أو شرب العسل مراعاة لخاطر بعض زوجاته في قصة معروفة فأنزل الله هذه الآيات ... وصار ذلك التحريم الصادر منه سببا لشرع حكم عام لجميع الأمة فقال تعالى: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) وهذا عام في جميع أيمان المؤمنين ...
فكل من حرم حلالا عليه من طعام أو شراب أو سرية أو حلق يمينا بالله على فعل أو ترك ثم حنث وأراد الحنث فعليه هذه الكفارة المذكورة. اهـ
وسئلت اللجنة الدائمة عن مثل هذا السؤال، فأجابت:
عليك كفارة يمين في تحريم زوجك عليك مثل أبيك وهي: إطعام عشرة مساكين لكل مسكين كيلو ونصف من الطعام، أو كسوتهم لكل مسكين ثوب، أو عتق رقبة مؤمنة، فإن لم تجدي شيئا من هذه الثلاث فإنك تصومين ثلاثة أيام، ولا يحرم عليك زوجك، وعليك التوبة إلى الله من ذلك، لأنه لا يجوز للمسلم أن يحرم ما أحله الله له " اهـ
من فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء ٢٣ / ١٨٩.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6470
وجوب الوفاء بالوعد والنذر
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد قمت بعمل تجاري ووعدت بأن أخرج من أرباحه مبلغاً معيَّناً لله ، والسؤال هو:
هل يمكن أن أصرف هذا المبلغ في زواج أخي وأبناء عمي وأقاربي فحالتهم المادية غير جيِّدة؟ وهل يجب أن أخبرهم أن هذه صدقة؟ وهل القريب المحتاج أعطيه منها حتى لو كان من الذين يتفاخرون في زواجهم ويسرفون مع حاجتهم؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجب عليك الوفاء بما وعدتَ به من إخراج المبلغ المعيَّن لله تعالى، فإذا كنتَ قد نويتَ أو ذكرتَ جهة معيَّنة فيجب عليك دفع هذا المال لها دون غيرها، وإن لم تكن نويت ولا ذكرتَ جهة معيَّنة فلك الخيار في وضعها حيث شئتَ من أبواب الخير.
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة":
"الأصل أن المنذور به إذا كان من الأمور المشروعة فإنه يصرف في الجهة التي عيَّنها الناذر، وإذا لم يعيِّن جهة فهو صدقة من الصدقات يُصرف في الجهات التي تُصرف فيها الصدقات كالفقراء والمساكين ... " اهـ.
" فتاوى إسلامية " (٣ / ٤٨٥) .
وإعطاؤك لأخيك وأبناء عمك المحتاجين من أبواب الخير، بل إعطاء أقاربك المحتاجين أفضل من إعطاء غيرهم، روى البخاري (١٤٦١) ومسلم (٩٩٨) عن أَنَس بْن مَالِكٍ ﵁ قال: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ (اسم بستان) وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَخٍ! ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.
والصدقة على القريب صدقة وصلة، وانظر السؤال رقم (٢١٨١٠) ، (٢٠١٧٣) .
ولا يلزمك إخبارهم أنها صدقة أو نذر. انظر السؤال رقم (٣٣٧٧٧) .
ولكن. . لا تعطيها لمن يستعين بها على معصية الله تعالى أو من هو معروف بالإسراف والتبذير والتفاخر، لقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة /٢.
ويمكنك أن تتعرف على ما يحتاجون إليه وتقوم بإحضاره لهم بدلاً من إعطائهم النقود في أيديهم، وبهذا تتأكد أن صدقتك قد وقعت في مكانها الصحيح.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6471
نذر أن يتصدق بمئة ألف ريال فهل يوفي بنذره ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[شخص قال: " لله عليَّ إن فعلت كذا لأتصدقن بـ ١٠٠ ألف ريال "، ثم فعل هذا الأمر، ثم الآن هو نادم ولا يريد أن يتصدق بهذا المبلغ الكبير، فهل يجوز أن يكفر بكفارة يمين أم يجب عليه أن يتصدق بهذا المبلغ علما بأنه يملك من المال ٤٠٠ ألف ريال؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم، يلزمك الوفاء بنذرك لقول النبي ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه) رواه البخاري (٦٣١٨) ، وهنا أمور لابد من معرفتها:
أولاً:
تعريف النذر هو إلزام المكلَّف نفسَه بما لم يُلزمه به الشرع.
ثانياً:
قد نهى النبي ﷺ عن النذر.
عن ابن عمر ﵄ قال: نهى النبي ﷺ عن النذر، وقال: إنه لا يردُّ شيئاً، وإنما يُستخرج به من البخيل.
رواه البخاري (٦٢٣٤) ومسلم (١٦٣٩) .
قال النووي:
وَأَمَّا قَوْله ﷺ : (يُسْتَخْرَج بِهِ من الْبَخِيل) فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ لا يَأْتِي بِهَذِهِ الْقُرْبَة تَطَوُّعًا مَحْضًا مُبْتَدِئًا وَإِنَّمَا يَأْتِي بِهَا فِي مُقَابَلَة شِفَاء الْمَرِيض وَغَيْره مِمَّا تَعَلَّقَ النَّذْر عَلَيْهِ اهـ.
وقد ذهب بعض العلماء إلى تحريمه – ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية – وذهب الجمهور إلى كراهته، لكنهم لم يختلفوا أنه إذا نذر صار عليه الوفاء بنذره واجباً.
عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: " مَن نذر أن يطيع الله فليطعه، ومَن نذر أن يعصيه فلا يعصه ".
رواه البخاري (٦٣١٨) .
وقد ذم الشرعُ الذين ينذرون ولا يوفون، وبيَّن أنهم سيأتون بعد خير القرون.
عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم - قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثاً - ثم إن بعدكم قوماً يَشهدون ولا يُستشهدون، ويَخونون ولا يُؤتمنون، ويَنذرون ولا يَفون، ويظهر فيهم السِّمَن ".
رواه البخاري (٢٥٠٨) ومسلم (٢٥٣٥) .
وعليه: فإن الواجب على الناذر أن يتصدق بما نذره، ولا يحل له عدم الوفاء بنذره، ولا تجزئه كفارة اليمين مع قدرته على التصدق بما نذر به.
عن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلاً بـ " بُوانة " (وهو اسم موضع) فأتى النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلاً بـ " بُوانة "، فقال النبي ﷺ : هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، قال رسول الله ﷺ : أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم ".
رواه أبو داود (٣٣١٣) وصححه الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " (٤ / ١٨٠) .
قال الصنعاني:
وهو دليل على أن من نذر أن يتصدق أو يأتي بقربة في محل معين: أنه يتعين عليه الوفاء بنذره ما لم يكن في ذلك المحل شيءٌ من أعمال الجاهلية.
" سبل السلام " (٤ / ١١٤) .
لكن إذا كان قصد هذا الشخص بهذا النذر أن يمنع نفسه من هذا الفعل فحكمه حنيئذ حكم اليمين فعليه كفارة يمين ولا يلزمه الوفاء بهذا النذر راجع السؤال رقم (٤٥٨٨٩)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6472
ملخص أنواع النذر وأحكامه
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الشريعة في النذر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إليكِ أيتها السّائلة بيانا في موضوع النّذر يشتمل على أنواعه وأحكامه الأساسية ينفعك وينفع غيرك من القرّاء إن شاء الله تعالى: قال الأصفهاني ﵀ في مفردات ألفاظ القرآن (ص٧٩٧) : النَّذْر: أن توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر، قال تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صوما﴾ ﴿مريم: ٢٦﴾ .ا. هـ. فالنذر هو إيجاب المكلف على نفسه شيئا لم يكن عليه، سواء كان منجّزا أو معلقا. وقد جاء ذكر النذر في كتاب الله في مقام المدح قال تعالى عن عباده المؤمنين: ﴿إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا. عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا. يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا﴾ ﴿الدهر: ٥-٧﴾ فجعل ﵎ خوفهم من أهوال يوم القيامة ووفاءهم بنذورهم من أسباب نجاتهم ودخولهم الجنة. حكم النذر: الوفاء بالنذر المشروع واجب لقوله تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم﴾ ﴿الحج: ٢٩﴾ قال الإمام الشوكاني: والأمر للوجوب. وقد وردت عن النبي ﷺ أحاديث عديدة في النهي النذر وبيان كراهته عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تَنْذروا، فإن النذر لا يغني من القدر شيئا، وإنما يستخرج به من البخيل " رواه مسلم برقم ٣٠٩٦. وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ ينهانا عن النذر ويقول: " إنه لا يرد شيئا، وإنما يستخرج به من الشحيح " رواه البخاري ومسلم. فإن قال قائل كيف يمدح الموفين بالنّذر ثم ينهى عنه فالجواب أنّ النّذر الممدوح هو نذر الطّاعة المجرّد دون تعليقه على شيء يُلزم الإنسان نفسه به حملا لها عن الطّاعة ومنعا للتقاعس والكسل أو شكرا على نعمة، وأما النّذر المنهي عنه فأنواع منها نذر المعاوضة الذي يُعلّق فيه الناذر الطّاعة على حصول شيء أو دفع شيء بحيث لو لم يحصل لم يقم بالطّاعة وهذا محلّ النّهي ولعل الحكمة في ذلك تكمن في العلل التالية:؟ إن الناذر يأتي بالقربة متثقلا لها، لمّا صارت عليه ضربة لازب محتومة وواجبة.؟ إن الناذر لما نذر القربة بشرط أن يحصل له ما يريد، صار نذره كالمعاوضة التي تقدح في نية المتقرب، فانه لو لم يشف مريضه، لم يتصدق بما علقه على شفائه، وهذه هي حالة البخيل، فإنه لا يخرج من ماله شيئا إلا بعوض عاجل، يزيد على ما أخرج غالبا.؟ أن بعض الناس عندهم اعتقاد جاهلي مفاده أن النذر يوجب حصول الغرض الذي من أجله كان النذر، أو أن الله يحقق للناذر ذلك الغرض لأجل نذره.؟ نفي اعتقاد آخر عند بعض الجهلة، مفاده أن النذر يردّ القضاء، أو أنه يجر لهم في العاجل نفعا، ويصرف عنهم ضرا، فنهى عنه خوفا من جاهل يعتقد ذلك، وتنبيها على خطورة مثل ذلك المسلك على سلامة الاعتقاد.
أنواع النذر من حيث وجوب الوفاء:
أولا: نذر يجب الوفاء به (نذر الطاعة) : وهو كل نذر كان في طاعة الله عزوجل كنذر الصلاة والصوم والعمرة والحج وصلة الرحم والاعتكاف والجهاد والأمر بمعروف والنهي عن منكر كأن يقول: لله عليَّ أن أصوم كذا أو أتصدق بكذا أو كأن يقول لله عليَّ أن أحج هذا العام أو أصلي ركعتين في المسجد الحرام شكرا لله على ما أنعم به علي من شفاء مريضي. أو كان على سبيل التعليق كأن ينذر نذرا يتقرب به الى الله تعالى معلقا بشيء ينتفع به يفعله إذا حصل له ذلك الشيء فيقول إن قدم غائبي أو كفاني الله شر عدوي فعليّ صوم كذا أو صدقة كذا. قال النبي ﷺ : " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه " رواه البخاري ٦٢٠٢. ولو نذر المرءُ نذراً فيه طاعة ثمّ طرأ من الظروف ما أعاقه عن الاقتدار على الوفاء بنذره، كأن نذرَ أن يصوم شهرا، أو يحج أو يعتمر ولكنّ مرضا أصابه، فمنعه القدرة على الصوم أو الحج أو الاعتمار أو يكون قد نذر صدقة ولكنه افتقر بما يحول بينه وبين إنفاذ ما نذر فإنه والحالة هذه ينتقل إلى التكفير عن نذره بكفارة يمين كما جاء عن ابن عباس ﵄ قال: من نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة اليمين. رواه أبوداود وقال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: إسناده صحيح، والحفّاظ رجحوا وقفه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٣٣/٤٩) : فإذا قصد الإنسان أن ينذر لله طاعة، فعليه الوفاء به، لكن إذا لم يوف بالنذر لله، فعليه كفارة يمين عند اكثر السلف.
ثانيا: نذر لا يجوز الوفاء به وفيه كفارة يمين: ويشمل هذا النوع من النذر:
١ - نذر المعصية: وهو كل نذر فيه معصية لله كأن ينذر زيتا أو شمعا أو نفقة لبعض القبور والمشاهد أو ينذر زيارة الأضرحة والمشاهد الشركية وهذا شبيه من بعض الوجوه بالنذر للأوثان، وكذا لو نذر أن يفعل معصية من المعاصي كالزنا أو شرب الخمر أو السرقة أو أكل مال يتيم أو إنكار حق أحد أو أن يقطع رحمه فلا يصلّ قريبه الفلاني أو لا يدخل بيته دون مانع شرعيّ فإن هذا كله مما لا يجوز الوفاء به بحال، بل عليه أن يكفّر عن نذره بكفارة يمين ودليل عدم جواز الوفاء بهذا النّوع من النّذور حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعص " رواه البخاري وعن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: " لا وفاء لنذر في معصية " رواه مسلم ٣٠٩٩.
٢ - كل نذر صادم نصا: فإذا نذر مسلم نذرا وتبين له أن نذره هذا يتعارض مع نص صحيح صريح فيه أمر أو فيه نهي لزمه التوقف عن الوفاء بالنذر ويكفر عنه بكفارة يمين ودليل ما رواه البخاري ﵀ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ نَذَرْتُ أَنْ أَصُومَ كُلَّ يَوْمِ ثَلاثَاءَ أَوْ أَرْبِعَاءَ مَا عِشْتُ فَوَافَقْتُ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ وَنُهِينَا أَنْ نَصُومَ يَوْمَ النَّحْرِ فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ مِثْلَهُ لا يَزِيدُ عَلَيْه. صحيح البخاري ٦٢١٢ ورواه الإمام أحمد عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ وَهُوَ يَمْشِي بِمِنًى فَقَالَ نَذَرْتُ أَنْ أَصُومَ كُلَّ يَوْمِ ثُلاثَاءَ أَوْ أَرْبِعَاءَ فَوَافَقْتُ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ النَّحْرِ فَمَا تَرَى قَالَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِوَفَاءِ النَّذْرِ وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ قَالَ نُهِينَا أَنْ نَصُومَ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ فَظَنَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ فَقَالَ إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَصُومَ كُلَّ يَوْمِ ثُلاثَاءَ أَوْ أَرْبِعَاءَ فَوَافَقْتُ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ وَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ قَالَ نُهِينَا أَنْ نَصُومَ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ فَمَا زَادَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَسْنَدَ فِي الْجَبَلِ. قال الحافظ ابن حجر: انعقد الإجماع على أنه لا يجوز له أن يصوم يوم الفطر ولا يوم النحر لا تطوعا ولا نذرا.
٣ - نذر لا حكم له سوى كفارة اليمين: وهناك نذور ليس فيها من أحكام تتعلق بها سوى التزام الناذر بكفارة اليمين تكفيرا عن نذره ومنها: - النذر المطلق (وهو نذر ما لم يُسمّ) : فلو نذر المسلم نذرا ولم يسم المنذور بل تركه مطلقا من غير تسمية أو تعيين كأن يقول: عليَّ نذر إن شفى الله مرضي ولم يُسمّ شيئا كان عليه كفارة يمين، وقد روى عقبة بن عامر عن رسول الله ﷺ قال: كفارة النذر كفارة اليمين. رواه مسلم قال النووي: حمله مالك والكثيرون- بل الأكثرون - على النذر المطلق كقوله عليَّ نذر. (شرح مسلم للنووي ١١/١٠٤) .
- نذر ما لا يملك: فإذا نذر الناذر شيئا لا يملكه فليس عليه إلا كفارة يمين وذلك كأن ينذرَ أن يتصدّق بمال فلان أو يُعتق عبد فلان أو يهبَ إلى شخصا بستانا وهو لا يملكه ويدلّ على هذا الحكم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ولا طلاق له فيما لا يملك. رواه الترمذي ١١٠١ وقال: حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن صحيح.
٤ - نذر فيه الخيار بين الوفاء أو كفارة اليمين: وهناك نذور مخير الناذر فيها بين أن يفي بما نذر أو أن يكفر عن نذره بكفارة يمين ويشمل هذا النوع من النذر:
- نذر اللَّجَاج والغضب: وهو كل نذر يخرج مخرج اليمين للحث على فعل شيء أو المنع منه أو التصديق أو التكذيب غير قاصد صاحبه للنذر ولا للقربة على وجه التحقيق، وذلك كأن يقول الرجل في غضب: (إن فعلت كذا فعلي حجة أو صوم شهر، أو التصدق بألف دينار) ، أو يقول: (إن كلّمت فلانا فعلي عتق هذا العبد، أو تطليق زوجتي) ونحو ذلك، ثم يفعله، وهو لايريد من وراء ذلك كله سوى التوكيد على أن لن يفعل هذا الأمر، ليس غيره، في حين أن حقيقة مقصوده، أن لا يفعل الشرط ولا يوقع الجزاء. ويُخيّر في مثل هذا النذر
- الذي يكون حاله المماحكة، أو إظهار الحث على ضرورة فعل الشيء أو عدمه - بين أن يفي بنذره، أو يكفر عنه بكفارة اليمين، باعتباره يمينا من حيث الجوهر. قال ابن تيمية: " إذا علق النذر على وجه اليمين، فقال: إن سافرت معكم فعليّ الحج، أو فمالي صدقة، أو فعليّ عتق، فهذا عند الصحابة وجمهور العلماء حلف النذر، ليس بناذر، فإذا لم يف بما التزمه، أجزأه كفارة يمين " وقال في موضع آخر: " موجب نذر اللجاج والغضب عندنا أحد شيئين على المشهور، إما التكفير، وإما فعل المعلّق، فإذا لم يلتزم الوجوب المعلق، ثبت وجوب الكفارة ".
- نذر المباح: وهو كل نذر يتناول أمرا من أمور المباحات، كأن ينذر أن يلبس ثوبا بعينه، أو يأكل طعاما مخصوصا، أو يركب دابة بذاتها، أو أن يدخل بيتا محددا ونحو ذلك. عن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلا ببوانة ـ وفي رواية: لأنه وُلِد له ولد ذكر ـ فأتى النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة. فقال النبي ﷺ :" هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالوا: لا.:" هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ "، قالوا: لا. قال رسول الله ﷺ : " أوف بنذرك فإنه لاوفاء لنذر في معصية الله ولا فيما فيما لا يملك ابن آدم " رواه أبو داود ٢٨٨١ وهذا الرجل نذر أن يذبح إبلا ببوانة (موضع وراء ينبع) شكرا لله تعالى، أن وهبه مولودا ذكرا، فأجاز له النبي ﷺ أن يفي بنذره، ويذبح إبله في ذلك الموضع. نسأل الله التوفيق لما يحبّ ويرضى وصلى الله على نبينا محمد
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6473
حكم الأضحية عن الأموات وعن النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[رأيت بعض الناس خلال عيد الأضحى المبارك يقدمون أضاحي بالنيابة عن آبائهم وعن النبي ﷺ ، فهل هذا جائز أم أنها بدعة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
لا يشرع إهداء الأضحية أو فعلها عن النبي ﷺ ؛ لأن ذلك لم يرد عن أحد من الصحابة مع كمال محبتهم له وكمال حرصهم على فعل الخير، ولم يرشد النبي ﷺ أمته لذلك، كما أرشدهم للصلاة عليه ولسؤال الفضيلة والوسيلة له بعد الأذان، ولو كان خيرا لدلهم عليه صلى الله وعليه وسلم؛ ولأن كل خير تفعله أمته يناله ثوابه؛ لأنه الدال والمرشد والداعي إليه، فصار إهداء العامل الثواب للنبي ﷺ ليس فيه فائدة , بل فيه إخراج العامل للثواب عن نفسه من غير فائدة تحصل لغيره.
وقد سبق بيان ذلك مفصلا في جواب السؤال رقم (٥٢٧٧٢) .
ثانيا:
الأضحية عن الأموات، تقع على ثلاث صور:
الأولى: أن يضحي عنهم تبعاً للأحياء مثل أن يضحي الرجل عنه وعن أهل بيته وينوي بهم الأحياء والأموات، وهذا جائز، ودليل هذا: أن النبي ﷺ كان يضحي عنه وعن أهل بيته وفيهم من قد مات من قبل، كخديجة ﵂.
الثاني: أن يضحي عن الأموات بمقتضى وصاياهم تنفيذاً لها، وهذا واجب إلا إن عجز عن ذلك، ودليل هذا قوله تعالى في تبديل الوصية: (فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) .
الثالث: أن يضحي عن الأموات تبرعاً مستقلين عن الأحياء (بأن يذبح لأبيه أضحية مستقلة، أو لأمه أضحية مستقلة) فهذه جائزة، وقد نص فقهاء الحنابلة على أن ثوابها يصل إلى الميت وينتفع به قياساً على الصدقة عنه، لكن الأولى ترك ذلك لعدم وروده، فلم يضح النبي ﷺ عن أحد من أمواته بخصوصه، فلم يضح عن عمه حمزة وهو من أعز أقاربه عنده، ولا عن أولاده الذين ماتوا في حياته، ولا عن زوجته خديجة وهي من أحب نسائه إليه، ولم يرد عن أصحابه في عهده أن أحداً منهم ضحى عن أحد من أمواته.
وينظر جواب السؤال رقم (٣٦٥٩٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6474
حكم التضحية بالأنثى
[السُّؤَالُ]
ـ[هل تجوز أنثى الحيوان كأضحية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يشترط في الأضحية أن تكون من بهيمة الأنعام، سليمة من العيوب، بالغة السن المعتبرة شرعا، ولا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى، فتجوز الأضحية بكليهما.
قال النووي ﵀ في "المجموع" (٨/٣٦٤) : " فشرط المجزئ في الأضحية أن يكون من الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم , سواء في ذلك جميع أنواع الإبل , وجميع أنواع البقر , وجميع أنواع الغنم من الضأن والمعز وأنواعهما , ولا يجزئ غير الأنعام من بقر الوحش وحميره وغيرها بلا خلاف , وسواء الذكر والأنثى من جميع ذلك , ولا خلاف في شيء من هذا عندنا " انتهى باختصار.
وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: أخبرنا عن الأضحية، هل تجزئ الشاة على ستة أشهر، حيث إنهم يقولون: لا تجزئ الشاة أو الخروف إلا عن سنة كاملة؟
فأجابت: "لا يجزئ من الضأن في الأضحية إلا ما كان سنّه ستة أشهر ودخل في السابع فأكثر، سواء كان ذكرا أم أنثى، ويسمى: جَذَعاً؛ لما رواه أبو داود والنسائي من حديث مجاشع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الجَذَع يوفي ما يوفي منه الثني) ولا يجزئ من المعز والبقر والإبل إلا ما كان مسنة، سواء كان ذكرا أم
أنثى، وهي من المعز ما بلغت سنة، ودخلت في الثانية، ومن البقر ما أتمت سنتين ودخلت في الثالثة، ومن الإبل ما أتمت خمس سنين ودخلت في السادسة؛ لقول النبي ﷺ : (لا تذبحوا إلا المسنة، إلا إن تعسر عليكم فاذبحوا الجذع من الضأن) رواه مسلم " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١١/٤١٤) .
وينظر شروط الأضحية في جواب السؤال رقم (٣٦٧٥٥) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6475
كيفية تقسيم الأضحية في الأكل والصدقة
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو أن تذكر لي حديثا يثبت صحة تقسيم الأضحية إلى ثلاث أقسام؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ورد الأمر بالتصدق بلحوم الأضاحي في الأحاديث النبوية، كما ورد الإذن بالأكل والادخار. فقد روى الشيخان عن عائشة ﵂ أنها قالت: دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ (أي أسرعوا مقبلين إلى المدينة) حَضْرَةَ الأَضْحَى زَمَنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ادَّخِرُوا ثَلاثًا ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الأَسْقِيَةَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا ذَاكَ قَالُوا نَهَيْتَ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاثٍ فَقَالَ إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ (وهم ضعفاء الأعراب الذين قدموا المدينة) فَكُلُوا وَادَّخِرُوا. " رواه مسلم ٣٦٤٣، قال النووي ﵀ في شرح الحديث: قوله ﷺ : (إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت) والمراد هنا من ورد من ضعفاء الأعراب للمواساة. قوله: (يجملون) بفتح الياء مع كسر الميم وضمها.. يقال: جملت الدهن.. وأجملته إجمالا أي أذبته..
قوله ﷺ : (إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت فكلوا وادخروا وتصدقوا) هذا تصريح بزوال النهي عن ادخارها فوق ثلاث، وفيه الأمر بالصدقة منها، والأمر بالأكل، فأما الصدقة منها إذا كانت أضحية تطوع فواجبة على الصحيح عند أصحابنا بما يقع عليه الاسم منها، ويستحب أن يكون بمعظمها. قالوا: وأدنى الكمال أن يأكل الثلث ويتصدق بالثلث ويهدي الثلث، وفيه قول أنه يأكل النصف، ويتصدق بالنصف، وهذا الخلاف في قدر أدنى الكمال في الاستحباب، فأما الإجزاء فيجزيه الصدقة بما يقع عليه الاسم كما ذكرنا.. وأما الأكل منها فيستحب ولا يجب.. وحمل الجمهور هذا الأمر (وهو قوله تعالى: فكلوا منها) على الندب أو الإباحة لا سيما وقد ورد بعد الحظر. انتهى. وقال مالك: لا حد فيما يأكل ويتصدق ويطعم الفقراء والأغنياء، إن شاء نيئاً وإن شاء مطبوخاً الكافي ١/٤٢٤، وقال الشافعية يستحب التصدق بأكثرها وقالوا: أدنى الكمال أن يأكل الثلث ويتصدق بالثلث، ويهدي الثلث، وقالوا يجوز أكل النصف، والأصح التصدق ببعضها نيل الأوطار ٥/١٤٥ والسراج الوهاج ٥٦٣، وقال أحمد: نحن نذهب إلى حديث عبد الله (ابن عباس) ﵄ (يأكل هو الثلث ويطعم من أراد الثلث ويتصدق على المساكين بالثلث) رواه أبو موسى الأصفهاني في الوظائف وقال حديث حسن وهو قول ابن مسعود وابن عمر ولم يعرف لهما مخالف من الصحابة المغني ٨ / ٦٣٢
وسبب الاختلاف في القدر الواجب في التصدق من الأضحية هو اختلاف الروايات، وقد وردت روايات بغير تعيين نسبة معينة كحديث بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلاثٍ لِيَتَّسِعَ ذُو الطَّوْلِ عَلَى مَنْ لا طَوْلَ لَهُ فَكُلُوا مَا بَدَا لَكُمْ وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا رواه الترمذي ١٤٣٠ وقال حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ. والله تعالى أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6476
إصابة الأضحية بعيب قبل الذبح
[السُّؤَالُ]
ـ[اشتريت خروفاً سليماً لأضحية العيد قبل العيد بكم يوم....وعند نزوله على السلالم للذبح أصيب في قدمه (قبل الذبح بساعة) ....هل يعتبر هذا عيب في الأضحية.؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال صاحب زاد المستقنع: (وإن تعيَّبت (أي الأضحية) ذبحها وأجزأته.....)
قال الشيخ ابن عثيمين: مثال ذلك: اشترى رجل شاة للأضحية ثم انكسرت رجلها، وصارت لا تستطيع المشي مع الصحاح بعد أن عيَّنها، فإنه في هذه الحال يذبحها وتجزئه، لأنها لما تعيَّنت صارت أمانة عنده كالوديعة، وإذا كانت أمانة ولم يحصل تعيُّبها بفعله أو تفريطه فإنه لا ضمان عليه وتجزئه.
[الْمَصْدَرُ]
انظر الشرح الممتع ج/٧ ص/٥١٥
стр. 6477
هل يضحي أم يسد ما عليه من الدين ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل للمديون أن يضحي في العيد، أم الأفضل أن يسدد دينه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أداء الدَّيْن أولى وأوجب من التضحية في أيام العيد، لعدة أسباب:
١- أداء الدَّيْن واجب، والأضحية سنة مؤكدة، فلا تقدم السنة على الواجب، وحتى على قول من رأى أن الأضحية واجبة، من أهل العلم، فإن سداد الدين مقدم عليها؛ لأن الأضحية إنما تجب – عند من يقول بالوجوب – على القادر، والمدين غير قادر.
٢- في سداد الدَّيْن إبراء للذمة، وفي تعيين الأضحية شغل لها، ولا شك أن إبراء الذمة أولى وأوجب من شغلها.
٣- الدَّيْن حق للعباد، والأضحية حق موسع مندوب لله تعالى، فيقدم حق العباد في هذه الحالة.
٤- ثم إن في بقاء الدَّيْن مخاطرة عظيمة، إذ يخشى على المَدِين أن يؤدِّيَ دينَه يوم القيامة من حسناته إذا لم يؤد الله عنه، وفي ذلك خطر عظيم؛ لأن المسلم أحوج ما يكون يومئذ إلى حسنة واحدة.
فيتبين بذلك أن أداء الدَّيْن أوجب من ذبح الأضحية، ولا يستثنى منه إلا إذا كان الدَّيْنَ مؤجَّلا بعيدَ الأمد، بحيث يغلب على ظن المَدين أنه سيتمكن من سداد الدَّيْن في وقته إذا ذبح أضحيته الآن، أو كان قد رهن في دَينِه ما يتمكن به من السداد إن عجز في حينه، فلا حرج عليه حينئذ من ذبح الأضحية بما ييسر الله له، ويكون له الأجر والثواب عند الله تعالى.
جاء في "اللقاء الشهري" (رقم/٥٣، سؤال رقم ٢٤) :
" السؤال: ما حكم الأضحية إذا كانت بدين مؤجل؛ هل تجزئ أو لا بد من الاستئذان من صاحب الدين؟
الجواب:
لا أرى أن يضحي الإنسان وعليه دين إلا إذا كان الدين مؤجلاً، وهو عالم من نفسه أنه إذا حل الدَّيْن تمكن من وفائه، فلا بأس أن يضحي، وإلا فليدخر الدراهم التي عنده للدَّيْن، الدَّيْن مهم - يا إخواننا -، كان الرسول ﵊ إذا قدم إليه رجل يصلي عليه ترك الصلاة عليه، حتى إنه في يوم من الأيام قُدِّم إليه رجل من الأنصار فخطا خطوات ثم قال:
(هل عليه دَين؟ قالوا: نعم. قال: صلوا على صاحبكم، ولم يصل عليه، حتى قام أبو قتادة ﵁ وقال: الديناران عليَّ. فقال: حق الغريم وبرئ منه الميت. قال: نعم يا رسول الله! فتقدم وصلى) ، ولما سئل عن الشهادة في سبيل الله وأنها تكفر كل شيء قال:
(إلا الدَّيْن) الشهادة لا تكفر الدَّيْن، فالدَّيْن ليس بالأمر الهين - يا إخواننا - أنقذوا أنفسكم، لا تصاب البلاد بمصيبة اقتصادية في المستقبل؛ لأن هؤلاء الذين يستدينون ويستهينون بالدَّيْن سيفلسون فيما بعد، ثم يفلس مَن وراؤهم الذين ديَّنوهم، فالمسألة خطيرة للغاية، وما دام الله يسر للعباد العبادات المالية ألا يقوم بها الإنسان إلا إذا كان عن سعة فليحمد الله وليشكر " انتهى.
ويقول في "الشرح الممتع" (٨/٤٥٥) :
" إن كان عليه دين ينبغي له أن يبدأ بالدين قبل الأضحية " انتهى.
وانظر جواب السؤال رقم: (٤١٦٩٦)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6478
هل تضحي المرأة الغنية عن زوجها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمرأة المقتدرة أن ضحى عن زوجها لأن زوجها غير قادر على الأضحية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأضحية مشروعة للرجل والمرأة، فمن كانت لديها القدرة على الأضحية استحب لها ذلك. وإذا ضحت المرأة فلتجعل أضحيتها عن نفسها وعن أهل بيتها، فيدخل في ذلك زوجها.
وقد سئل الشيخ ابن باز ﵀: الأضحية هل هي للأسرة ككل أم لكل فرد فيها بالغ، ومتى يكون ذبحها؟ وهل يشترط لصاحبها عدم أخذ شيء من أظافره وشعره قبل ذبحها؟ وإذا كانت لامرأة وهي حائض ما العمل؟ وما الفرق بين الأضحية والصدقة في مثل هذا الأمر؟
فأجاب: "الأضحية سنة مؤكدة، تشرع للرجل والمرأة، وتجزئ عن الرجل وأهل بيته، وعن المرأة وأهل بيتها؛ لأن النبي ﷺ كان يضحي كل سنة بكبشين أملحين أقرنين أحدهما عنه وعن أهل بيته، والثاني عمن وحد الله من أمته. ووقتها يوم النحر وأيام التشريق في كل سنة، والسنة للمضحي أن يأكل منها، ويهدي لأقاربه وجيرانه منها، ويتصدق منها. ولا يجوز لمن أراد أن يضحي أن يأخذ من شعره ولا من أظفاره ولا من بشرته شيئا، بعد دخول شهر ذي الحجة حتى يضحي؛ لقول النبي ﷺ : (إذا دخل شهر ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره ولا من بشرته شيئا حتى يضحي) رواه الإمام مسلم في صحيحه، عن أم سلمة ﵂. أما الوكيل على الضحية، أو على الوقف الذي فيه أضاحي، فإنه لا يلزمه ترك شعره ولا ظفره ولا بشرته؛ لأنه ليس بمضح، وإنما هذا على المضحي الذي وكله في ذلك، وهكذا الواقف هو المضحي. والناظر على الوقف وكيل منفذ وليس بمضح، والله ولي التوفيق " انتهى من "مجموع فتاوى ابن باز" (١٨/٣٨) .
وأما إذا أرادت أن تضحي عنه بحيث تكون الأضحية له فلا بد من إذنه؛ لأنه لا تجوز النيابة عن الغير في العبادة إلا بإذنه سواء كان النائب رجلاً أو امرأة، لأن الأضحية عبادة، والعبادة لا بد لها من نية.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6479
حكم تمني الرجل كونه امرأة والعكس
[السُّؤَالُ]
ـ[هل على الرجل إثم في قوله " يا ليت ربي خلقني أنثى، أو العكس؟ هل في ذلك اعتراض على خلقة الله ؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز للذكَر أن يتمنى لو كان أنثى، كما لا يجوز للأنثى أن تتمنى لو كانت ذَكراً؛ إذ في تمنيهم هذا اعتراض على قدر الله، وتسخط عليه، وهو يؤدي إلى البطالة والكسل، وترك العمل.
قال الله تعالى: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) النساء/ ٣٢.
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀:
"وأما قوله : (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) : فقد فُسِّر ذلك بالحسد، وهو تمني الرجل نفس ما أعطي أخوه من أهل ومال، وأن ينتقل ذلك إليه.
وفُسِّرَ بتمني ما هو ممتنع شرعاً أو قدراً، كتمنِّي النِّساءِ أنْ يكنَّ رجالاً، أو يكون لهن مثلُ ما للرجالِ من الفضائلِ الدينية كالجهاد، والدنيوية كالميراثِ والعقلِ والشهادةِ ونحو ذلك.
وقيل: إن الآية تشمل ذلك كله، ومع هذا كله فينبغي للمؤمن أن يحزن لفوات الفضائل الدينية، ولهذا أُمِر أن ينظر في الدِّين إلى مَن هو فوقه، وأن ينافس في طلب ذلك جهده، وطاقته، كما قال تعالى: (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) " انتهى.
" جامع العلوم والحكم " (ص ١٢٢، ١٢٣) .
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀:
"ينهى تعالى المؤمنين عن أن يتمنى بعضهم ما فضَّل الله به غيرَه من الأمور الممكنة، وغير الممكنة، فلا تتمنى النساء خصائص الرجال التي بها فضَّلهم على النساء، ولا صاحب الفقر والنقص حالة الغنى والكمال تمنيّاً مجرداً؛ لأن هذا هو الحسد بعينه، تمني نعمة الله على غيرك أن تكون لك ويسلب إياها؛ ولأنه يقتضي السخط على قدر الله، والإخلاد إلى الكسل والأماني الباطلة التي لا يقترن بها عمل ولا كسب، وإنما المحمود أمران: أن يسعى العبد على حسب قدرته بما ينفعه من مصالحه الدينية والدنيوية، ويسأل الله تعالى من فضله، فلا يتكل على نفسه، ولا على غير ربه، ولهذا قال تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا) أي: من أعمالهم المنتجة للمطلوب، (وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) فكلٌّ منهم لا يناله غير ما كسبه وتعب فيه.
(وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) أي: من جميع مصالحكم في الدين والدنيا، فهذا كمال العبد، وعنوان سعادته، لا مَن يترك العمل، أو يتكل على نفسه غير مفتقر لربه، أو يجمع بين الأمرين، فإن هذا مخذول خاسر.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) فيعطي من يعلمه أهلاً لذلك، ويمنع من يعلمه غير مستحق" انتهى.
" تفسير السعدي " (ص ١٧٦) .
وانظر جواب السؤال رقم: (٥٧١٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6480
هل يجوز أن يشترك في بقرة أضحية بأقل من السُّبع ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز أن يشترك أحد المضحين بأقل من السبع في البقرة؟ وهل يؤثر ذلك على المضحين المشتركين معه في الأضحية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجوز أن يشترك سبعة في بقرة أو بعير في الأضحية، وسبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٤٥٧٥٧) .
ولا يجوز أن يشترك أحد المضحين بأقل من السبع، أما إذا كان يريد اللحم ولا يريد الأضحية فلا حرج عليه أن يشترك بما شاء.
قال الشيخ بن عثيمين في رسالة "أحكام الأضحية":
"وتجزئ الواحدة من الغنم عن الشخص الواحد، ويجزئ سُبع البعير أو البقرة عما تجزئ عنه الواحدة من الغنم....
وإذا اشترك اثنان فأكثر في ملك أضحية يضحيان بها، فهذا لا يجوز، ولا يصح أضحية إلا في الإبل والبقر إلى سبعة فقط، وذلك لأن الأضحية عبادة وقربة إلى الله تعالى، فلا يجوز إيقاعها ولا التعبد بها إلا على الوجه المشروع زمناً وعددا وكيفية" انتهى باختصار من "رسائل فقهية" (ص ٥٨، ٥٩) .
فإذا اشترك أحد المضحين بأقل من السبع لم تصح أضحيته، ولا يؤثر ذلك على سائر المشتركين، لأنه لا مانع من اشتراك سبعة في بقرة أضحية، وبعضهم يريد الأضحية، وبعضهم يريد اللحم.
وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٤٥٧٧١) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →