← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

حكم تسمية البريد الإلكتروني باسم المؤمن [السُّؤَالُ] ـ[أنشأت أول بريد الكتروني لي عندما كنت في الصف الثامن، وكنت حينها حريصة على أن يكون له مدلول إسلامي فسميّته باسم المؤمن، ثم بعد أن كبرت أدركت أن المؤمن من أسماء الله الحسنى، وأخشى أنني بذلك ارتكبت شركاً أو انتهكت حرمةً، فهل يجوز لي أن استمر في استخدام هذا البريد أم لا؟ وما توجيهكم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) يونس/١٨٠. قال الشيخ السعدي ﵀: " هذا بيان لعظيم جلاله وسعة أوصافه بأن له الأسماء الحسنى، أي: له كل اسم حسن، وضابطه: أنه كل اسم دال على صفة كمال عظيمة، وبذلك كانت حسنى ... وقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: عقوبة وعذابا على إلحادهم في أسمائه. وحقيقة الإلحاد: الميل بها عما جعلت له، إما بأن يسمى بها من لا يستحقها، كتسمية المشركين بها لآلهتهم، وإما بنفي معانيها وتحريفها، وأن يجعل لها معنى ما أراده الله ولا رسوله، وإما أن يشبه بها غيرها؛ فالواجب أن يُحذر الإلحادُ فيها، ويُحذر الملحدون فيها..". "تفسير السعدي" (٣٠٩) باختصار. وينظر: بدائع الفوائد لابن القيم (١/١٧٩) ، القواعد المثلى، لابن عثيمين (٢٥-٢٦) . وبذلك يتبين أن لله تعالى أسماء، لا يستحقها غيره، وأن إطلاق هذه الأسماء على أحد من خلقه هو من الإلحاد في أسمائه، الذي يستحق صاحبه أن يجازى به عند ربه يوم القيامة. ثانيا: أسماء الله تعالى وصفاته، وإن كانت كلها مختصة به سبحانه من حيث المعنى؛ فلا يشبه أحدا من خلقه في شيء منها، بل ما ثبت له منها يليق بجلال الألوهية، وعظمة الربوبية، كما أن ما ثبت لخلقه يليق بحال العبودية؛ لكن مع ذلك قد ورد في الشرع تسمية الله تعالى بأسماء وصفات ورد إطلاقها على بعض خلقه، وهذا إنما هو من حيث اللفظ والتسمية فقط، وإلا فما يضاف إلى الله تعالى مختص به، لا يشركه فيه أحد من خلقه، كما أن ما يضاف إلى العبد هو مختص به، يليق بحاله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ولهذا سمى الله نفسه بأسماء، وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه، لا يشركه فيها غيره. وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم، مضافة إليهم، توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص: اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص. فقد سمى الله نفسه حيا فقال: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ ، وسمى بعض عباده حيا، فقال: ﴿يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي﴾ ، وليس هذا الحي مثل هذا الحي، لأن قوله (الحي) اسم لله مختص به، وقوله: ﴿يخرج الحي من الميت﴾ اسم للحي المخلوق مختص به، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرا مشتركا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق. ولا بد من هذا فى جميع أسماء الله وصفاته، يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه .. وسمى نفسه بالمؤمن المهيمن، وسمى بعض عباده بالمؤمن، فقال: ﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون﴾ وليس المؤمن كالمؤمن " انتهى. "مجموع الفتاوى" (٣/١٠-١٢) باختصار. والحاصل: أنه لا حرج في التسمي بـ (المؤمن) من هذه الناحية؛ لأن اسم المؤمن ليس من الأسماء الخاصة بالله ﷻ ، والتي يمنع من تسمية الخلق بها، بل قد سمى الله سبحانه نفسه بالمؤمن في كتابه الكريم، وكذلك سمى بعض عباده بالمؤمنين، والمؤمنين؛ لكن ذلك لا يعني أن المعنى فيهما واحد، بل للخالق من الصفات ما يخصه ويليق به، لا يشاركه في حقيقته شيء من خلقه، ولخلقه ما يليق بهم من الأسماء والمعاني. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 702

هل وقت النّزول الإلهي هو السدس الخامس من الليل، أو ثلث الليل الأخير كله ؟ [السُّؤَالُ] ـ[اطّلعت على الفتاوي أرقام: ٣٤٨١٠ و ٢٢٤٣٨ وفهمت أن ثلث الليل الأخير هو وقت السّحر هو وقت النّزول الإلهي وقد ورد بالتّحديد في الفتوى رقم ٣٤٨١٠: "وأول الثلث وآخره يعرف في كل زمان بحسبه فإذا كان الليل تسع ساعات كان أول وقت النزول أول الساعة السابعة إلى طلوع الفجر". وهذا ينطبق علينا تماماً حيث أن آذان المغرب عند السّاعة الثّامنة وآذان الفجر عند السّاعة الخامسة أي أن طول الليل ٩ ساعات فيكون وقت النّزول ابتداءً من السّاعة الثّانية وحتى السّاعة الخامسة حسب الفتوى رقم ٣٤٨١٠. ولكني قرأت في الفتوى رقم ١٣٢٩٥٠ أن وقت جوف الليل الآخر هو وقت النّزول وهو السّدس الخامس من أسداس الليل: (قال الحافظ ابن رجب: " جوف الليل إذا أُطلق فالمراد به: وسطه، وإن قيل: جوف الليل الآخر، فالمراد به وسط النصف الثاني، وهو السدس الخامس من أسداس الليل، وهو الوقت الذي ورد فيه النزول الإلهي " انتهى "جامع العلوم والحكم" صـ ٢٧٣) . فيكون وقت النّزول في مدينتنا حسب الفتوى السّابقة ابتداءً من السّاعة الثّانية وحتى السّاعة الثّالثة والنّصف (السّدس الخامس من أسداس الليل) . فمتى وقت النّزول الإلهي: هل هو وقت جوف الليل الآخر، أم ثلث الليل الأخير كله؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله روى البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) . وقد تظاهرت الروايات على تحديد وقت النزول الإلهي إلى السماء الدنيا بـ "ثلث الليل الآخر"، كالذي ورد هنا في حديث أبي هريرة ﵁. قال الإمام الترمذي ﵀: " وهو أصح الروايات". "سنن الترمذي" (٢/٣٠٩) . ولا يمنع ذلك أن يقال: إن السدس الخامس من أسداس الليل هو وقت النزول الإلهي؛ فإن الثلث الأخير هو عبارة عن السدسين: الخامس والسادس، وأول هذا الثلث هو السدس الخامس؛ فلذلك يصح أن يقال: إن وقت النزول هو الثلث الأخير، وهو أيضا: السدس الخامس. فإذا عرفنا أن بعض الروايات صرحت بامتداد ذلك النزول إلى الفجر؛ كما في رواية لمسلم (٧٥٨) : (فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ) ؛ ازداد الأمر وضوحا، وعرفنا أن النزول يبدأ في الثلث الآخر من الليل، وهو أيضا: السدس الخامس، ليشمل السدس السادس ـ أيضا ـ بعده. على أنه قد يقال: إنه إذا كان لهذا السدس الخامس خصوصية؛ فلعله أن يكون أرجى أوقات الإجابة في الليل، كما في الحديث عن أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: (جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ) رواه الترمذي (٣٤٩٩) وحسنه الألباني. هذا مع أن غير واحد من أهل العلم يعبرون عن جوف الليل الآخر بأنه الثلث الآخر، وأنه ـ أيضا ـ السدس الخامس، لما قد ذكرناه فيما سبق من أن السدس الخامس هو أول ذلك الثلث. قال الخطابي ﵀: " قوله (أي الساعات أسمع) ، يريد: أيها أوقع للسمع، والمعنى أيها أولى بالدعاء، وأرجى للاستجابة؟ وهذا كقول ضماد الأزدي، حين عرض عليه رسول الله الإسلام، قال: فسمعت كلاما لم أسمع قولا قط أسمع منه؛ يريد أبلغ منه ولا أنجع في القلب. وجوف الليل الآخر: إنما هو الجزء الخامس من أسداس الليل، وهذا موافق للحديث الذي يروى أن الله يمهل حتى يبقى الثلث الآخر من الليل فينزل إلى السماء الدنيا فيقول هل من سائل فيعطى هل من تائب فيغفر له " انتهى. "غريب الحديث"، للخطابي (١/١٣٤) . وقال ابن الأثير ﵀: " وفيه: (قِيل له: أيُّ اللَّيل أسْمَعُ؟ قال: جَوْف الليل الآخِرُ) ، أي: ثُلثُه الآخِرُ، وهو الجُزء الخامِس من أسداس الليل " انتهى. "النهاية" (١/٨٤١) . وقال المرتضى الزبيدي ﵀: " وجَوْفُ اللَّيْلِ: الآخِرُ في الحَدِيثِ وهو قَوْلُهُ ﷺ لَمَّا سُئِلَ: أَي اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ قال: (َوْفُ اللَّيْلِ الآخِرِ) أَي: ثُلُثُةُ الآخِرُ، وهو الجُزْءُ الْخَامِسُ مِن أَسْدَاسِ اللَّيْلِ؛ أَي لا نِصْفُه كما زَعَمَهُ بَعْضُهم " انتهى. "تاج العروس" (٢٣/١٠٨) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 703

معنى التفويض في أسماء الله وصفاته [السُّؤَالُ] ـ[أعرف المراد - والحمد لله - بهؤلاء الأربع: التحريف والتعطيل والتوقيف والتمثيل لكن يتحدث البعض أيضا عن أمر خامس وهو التفويض وأنا لا أعرف ما هو التفويض فهل بوسعكم رجاء أن توضحوا لي معناه ودلالاته؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: التفويض في أسماء الله تعالى وصفاته له معنيان: الأول: معنى صحيح، وهو إثبات اللفظ ومعناه الذي يدل عليه، ثم تفويض علم كيفيته إلى الله، فنثبت لله تعالى أسماءه الحسنى، وصفاته العلى، ونعرف معانيها ونؤمن بها، غير أننا لا نعلم كيفيتها. فنؤمن بأن الله تعالى قد استوى على العرش، استواء حقيقيا يليق بجلاله سبحانه، ليس كاستواء البشر، ولكن كيفية الاستواء مجهولة بالنسبة لنا؛ ولذا، فإننا نفوض كيفيته إلى الله، كما قال الإمام مالك وغيره لما سئل عن الاستواء: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول". انظر: "مجموع الفتاوى" لشيخ الإسلام (٣/٢٥) . وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة: إثبات صفات الله تعالى، إثباتاً بلا تمثيل ولا تكييف، قال الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) . قال ابن عبد البر ﵀: " أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لم يكيفوا شيئا من ذلك ". "العلو للعلي الغفار" (ص ٢٥٠) والمعنى الثاني للتفويض - وهو معنى باطل -: إثبات اللفظ من غير معرفة معناه. فيثبتون الألفاظ فقط، (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ثم يقولون: لا ندري معناه، ولا ماذا أراد الله به!! قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأما التفويض: فإن من المعلوم أن الله تعالي أمرنا أن نتدبر القرآن وحضّنا على عقله وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟ وأيضا: فالخطاب الذي أريد به هدانا والبيان لنا وإخراجنا من الظلمات إلي النور إذا كان ما ذكر فيه من النصوص ظاهره باطل وكفر ولم يُرد منا أن نعرف لا ظاهره ولا باطنه، أو أريد منا أن نعرف باطنه من غير بيان في الخطاب لذلك، فعلي التقديرين لم نخاطَبْ بما بُيّن فيه الحق، ولا عرفنا أن مدلول هذا الخطاب باطل وكفر. وحقيقة قول هؤلاء في المخاطِب لنا: أنه لم يبين الحق ولا أوضحه مع أمره لنا أن نعتقده، وأن ما خاطبنا به وأمرنا باتباعه والرد إليه لم يبين به الحق ولا كشفه، بل دل ظاهره علي الكفر والباطل، وأراد منا أن نفهم منه شيئا أو أن نفهم منه ما لا دليل عليه فيه، وهذا كله مما يعلم بالاضطرار تنزيه الله ورسوله عنه، وأنه من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد ... إلى أن قال: فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد " انتهى. "درء التعارض" (١/١١٥) . وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: "السلف لم يكن مذهبهم التفويض، وإنما مذهبهم الإيمان بهذه النصوص كما جاءت، وإثبات معانيها التي تدلُّ عليها على حقيقتها ووضعها اللغوي، مع نفي التَّشبيه عنها؛ كما قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) الشورى/ ١١" انتهى. "المنتقى من فتاوى الفوزان" (٢٥/١) . وقال الشيخ ابن جبرين ﵀: "الصواب: ترك التأويل، وإثبات حقيقة الصفات التي أفادتها تلك النصوص، مع تفويض العلم بالكيفيات والماهيَّات، ومع اعتقاد أنها لا يُفهم منها تشبيه الرب أو شيء من صفاته بالمخلوقين، فلا تشبيه ولا تعطيل" انتهى. "فتاوى الشيخ ابن جبرين" (٦٤/٤١) . وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: "مذهب السلف هو التفويض في كيفية الصفات لا في المعنى" انتهى. "فتاوى الشيخ عبد الرزاق عفيفي" (ص ١٠٤) . وقال الشيخ ابن باز ﵀: "المفوضة قال أحمد فيهم: إنهم شر من الجهمية، والتفويض أن يقول القائل: الله أعلم بمعناها فقط، وهذا لا يجوز ; لأن معانيها معلومة عند العلماء. قال مالك ﵀: الاستواء معلوم والكيف مجهول، وهكذا جاء عن الإمام ربيعة بن أبي عبد الرحمن وعن غيره من أهل العلم، فمعاني الصفات معلومة، يعلمها أهل السنة والجماعة ; كالرضا والغضب والمحبة والاستواء والضحك وغيرها، وأنها معاني غير المعاني الأخرى، فالضحك غير الرضا، والرضا غير الغضب، والغضب غير المحبة، والسمع غير البصر، كلها معلومة لله سبحانه، لكنها لا تشابه صفات المخلوقين" انتهى. "فتاوى نور على الدرب لابن باز" (ص ٦٥) . وقال أيضا: "أنكر الإمام أحمد ﵀ وغيره من أئمة السلف على أهل التفويض , وبدّعوهم لأن مقتضى مذهبهم أن الله سبحانه خاطب عباده بما لا يفهمون معناه ولا يعقلون مراده منه , والله يتقدس عن ذلك , وأهل السنة والجماعة يعرفون مراده سبحانه بكلامه، ويصفونه بمقتضى أسمائه وصفاته وينزهونه عن كل ما لا يليق به . وقد علموا من كلامه سبحانه ومن كلام رسوله ﷺ أنه سبحانه موصوف بالكمال المطلق في جميع ما أخبر به عن نفسه أو أخبر به عنه رسوله ﷺ " انتهى. "مجموع فتاوى ابن باز" (٣/٥٥) . وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "التفويض نوعان: تفويض المعنى، وتفويض الكيفية. فأهل السنة والجماعة يفوضون الكيفية، ولا يفوضون المعنى، بل يقرُّون به، ويثبتونه، ويشرحونه، ويقسمونه، فمن ادعى أن أهل السنة هم الذين يقولون بالتفويض - ويعني به تفويض المعنى - فقد كذب عليهم" انتهى. "لقاء الباب المفتوح" (٦٧/٢٤) . ثانياً: توهم البعض أن مذهب السلف هو التفويض، وفهموا ذلك من قول السلف في أحاديث الصفات: (أمروها كما جاءت بلا كيف) . وهو فهم غير صحيح، بل هذا القول الوارد عن السلف يدل على أنهم كانوا يثبتون الصفات بمعانيها لله تعالى، ثم ينفون علمهم بكيفية ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فقول ربيعة ومالك: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب) موافق لقول الباقين: (أمروها كما جاءت بلا كيف) فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة. ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً، بل مجهولاً بمنزلة حروف المعجم. وأيضاً: فإنه لا يحتاج إلى نفى علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفى علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. وأيضاً: فإن من ينفى الصفات لا يحتاج إلى أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفى الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف. وأيضاً: فقولهم: "أمروها كما جاءت" يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معانٍ، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو: أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أُمِرّت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول" انتهى. "مجموع الفتاوى" الفتوى الحموية (٥/٤١) . وقد قرب ذلك الشيخ ابن عثيمين ﵀ فقال: "اشتهر عن السلف كلمات عامة وأخرى خاصة في آيات الصفات وأحاديثها فمن الكلمات العامة قولهم: " أمروها كما جاءت بلا كيف". روي هذا عن مكحول، والزهري، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي. وفي هذه العبارة رد على المعطلة والممثلة، ففي قولهم: " أمروها كما جاءت" رد على المعطلة. وفي قولهم: " بلا كيف" رد على الممثلة. وفيها أيضا دليل على أن السلف كانوا يثبتون لنصوص الصفات المعاني الصحيحة التي تليق بالله تدل على ذلك من وجهين: الأول: قولهم: "أمروها كما جاءت". فإن معناها إبقاء دلالتها على ما جاءت به من المعاني، ولا ريب أنها جاءت لإثبات المعاني اللائقة بالله تعالى، ولو كانوا لا يعتقدون لها معنى لقالوا: "أمروا لفظها ولا تتعرضوا لمعناها". ونحو ذلك. الثاني: قولهم: "بلا كيف" فإنه ظاهر في إثبات حقيقة المعنى، لأنهم لو كانوا لا يعتقدون ثبوته ما احتاجوا إلى نفي كيفيته، فإن غير الثابت لا وجود له في نفسه، فنفي كيفيته من لغو القول" انتهى. "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (٤/٣٢) . والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 704

معنى (لا يمل الله حتى تملوا) [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى قوله ﷺ : ((لا يمل الله حتى تملوا)) ؟؟ وهل فيه إثبات صفة الملل لله ؟؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله روى البخاري (٤٣) ومسلم (٧٨٥) واللفظ له عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي امْرَأَةٌ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: امْرَأَةٌ لَا تَنَامُ، تُصَلِّي. قَالَ: (عَلَيْكُمْ مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا) وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. وظاهر الحديث يدل على إثبات الملل لله على الوجه الذي يليق به سبحانه. قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀: " (فإن الله لا يمل حتى تملوا) من نصوص الصفات، وهذا على وجه يليق بالباري لا نقص فيه، كنصوص الاستهزاءِ والخداع فيما يتبادر " انتهى من فتاوى الشيخ (١/ ١٧٩) . وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء عن هذا الحديث فأجابوا: فأجابوا: "الواجب هو إمرار هذا الحديث كما جاء، مع الإيمان بالصفة، وأنها حق على الوجه الذي يليق بالله، من غير مشابهة لخلقه ولا تكييف، كالمكر والخداع والكيد الواردة في كتاب الله ، وكلها صفات حق تليق بالله على حد قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) . وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ... الشيخ صالح الفوزان. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢/٤٠٢) . وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل نثبت صفة الملل لله ؟ فأجاب بقوله: "جاء في الحديث عن النبي ﷺ قوله: (فإن الله لا يمل حتى تملوا) فمن العلماء من قال إن هذا دليل على إثبات الملل لله، لكن ملل الله ليس كملل المخلوق، إذ إن ملل المخلوق نقص، لأنه يدل على سأمه وضجره من هذا الشيء، أما ملل الله فهو كمال وليس فيه نقص، ويجري هذا كسائر الصفات التي نثبتها لله على وجه الكمال وإن كانت في حق المخلوق ليست كمالا. ومن العلماء من يقول: إن قوله: (لا يمل حتى تملوا) يراد به بيان أنه مهما عملت من عمل فإن الله يجازيك عليه، فاعمل ما بدا لك فإن الله لا يمل من ثوابك حتى تمل من العمل، وعلى هذا فيكون المراد بالملل لازم الملل. ومنهم من قال: إن هذا الحديث لا يدل على صفة الملل لله إطلاقا لأن قول القائل: لا أقوم حتى تقوم، لا يستلزم قيام الثاني وهذا أيضا (لا يمل حتى تملوا) لا يستلزم ثبوت الملل لله . وعلى كل حال يجب علينا أن نعتقد أن الله تعالى منزه عن كل صفة نقص من الملل وغيره، وإذا ثبت أن هذا الحديث دليل على الملل فالمراد به ملل ليس كملل المخلوق " انتهى من "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١/١٧٤) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 705

حكم إطلاق "سيدنا" على النبي ﷺ والتسمي بأسماء الله [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم إطلاق كلمة "سيدنا" على النبي محمد ﷺ وعلى الأولياء الصالحين؟ وحكم تسمية البشر بأسماء الله الحسنى مثل البصير والعزيز وغيرها؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إطلاق لفظ سيدنا على النبي ﷺ حق، لأنه سيد ولد آدم ﵊، وثبت عنه ﷺ أنه قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) وهو سيد العباد والمرسلين، فإذا قال الرجل: سيدنا محمد، اللهم صلِّ على سيدنا محمد. فلا بأس بهذا، هو سيد ولد آدم ﵊، وسيد الخلق. وإنما كره ذلك على الناس في حياته؛ لأنه خاف عليهم الغلو. لما قالوا: أنت سيدنا قال: (السيد الله ﵎ سداً للذريعة؛ خاف عليهم أن يغلوا فيه ﵊، ولكن بعد أن توفي ﵊، وأخبرنا أنه سيد ولد آدم فلا بأس أن تقول: سيدنا، ﵊، فهو خيرنا وسيدنا وإمامنا، وهو خليل الرحمن ﵊. أما بقية الناس فالأولى ألا يقال سيدنا ولا يخاطب بهذا، لكن لو قيل: فلان سيدهم، يعني رئيسهم. سيدهم فلان يعني أميرهم، وشيخ قبيلتهم فلا بأس. مثل ما قال النبي ﷺ لابنه الحسن: (إن ابني هذا سيد) وقال: (مَنْ سيد بني فلان؟) وقال للصحابة يوم جاء سعد بن معاذ ليحكم في بني قريظة: (قوموا إلى سيدكم) فهذا لا بأس به. لكن لا يقول: يا سيدنا. بل تركه أولى، لأن الرسول ﷺ قال: (السيد الله ﵎ ، ولأن هذا يفضي إلى التكبر والغلو فيه إذا قيل له هكذا. فالأولى أن يقول الناس: يا أخانا، يا أبا فلان فهذا يكفي، وأما إذا قيل على سبيل الإضافة: من سيد بني فلان، هذا فلان سيد؛ لأنه من بيت النبوة، أو لأنه فقيه، أو عالم أو شريف في نفسه في أخلاقه وأعماله أو جواد كريم ـ فلا بأس، لكن إذا خيف من إطلاق صفة سيد عليه أن يتكبر أو يتعاظم في نفسه يُترك ذلك. ولا يقال هذا للكافر ولا المنافق ولا العاصي؛ إنما يقال هذا للشيخ الكبير، للفقيه العالم الرئيس المعروف بالإصلاح والخير والحلم والفضل والجود. فإذا قيل لهؤلاء: سيد، فلا بأس، أما أن يخاطب: يا سيدنا فتركه أولى، أما إذا كان الفاجر أو المنافق سيد قومه فلا بأس أن يُقال له: يا سيد بني فلان. أما الشق الثاني من السؤال: فأسماء الرب تعالى قسمان: قسم يجوز التسمية به، وقسم لا يجوز، لا يقال: خلاق ولا رزَّاق، ولا رب العالمين، ولكن مثل عزيز وبصير لا بأس؛ فالله سمى بعض مخلوقاته كذلك: (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) الإنسان/٢، (قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ) يوسف/٥١، مثل هذه الأشياء تطلق على المخلوق، عزيز قومه، كذا بصير بالأمور، أو بصير بمعنى المبصر، كذلك حكيم يعني المحكم فلا بأس بهذه الأشياء؛ لأنها مشتركة وللمخلوق نصيبه منها. والله له الأكمل منها ، لكن الأسماء المختصة بالله لا تطلق على غير الله، لا يقال الله لابن آدم، ولا الرحمن ولا الخلاق، ولا الرزاق ولا خالق الخلق أو ما أشبهه مما يختص بالله " انتهى. سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ والله أعلم "فتاوى نور على الدرب" (١/٤٧٢) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 706

معنى "أن الله تعالى في السماء " [السُّؤَالُ] ـ[سمعت بعض من ينفي أن يكون الله تعالى في السماء يقول: السماء إلى فناء، تعالى الله أن يتحيز فيها، وقال ﵊: (أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تئط فليس فيها مكان إلا فيها ملك قائم أو راكع أو ساجد) فتعالى الله أن يتحيز بين الملائكة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الكلام المذكور في السؤال حق أريد به باطل! فالحق أن الله ليس متحيزاً في السماء، ولا هو – تعالى – متحيز بين الملائكة، والباطل: هو إرادة نفي علو الله تعالى على خلقه، وإيهام الناس أن أهل السنة والجماعة إذا قالوا: إن الله تعالى في السماء، أن معنى ذلك أن السماء تحويه وتحيط به. وهذا لم يقل به أحد من أهل السنة. ولم يقل أهل السنَّة: إن الله تعالى في السماء أخذاً من شِعرِ شاعر، ولا من نثر فصيح، بل قالوا ذلك واعتقدوه أخذاً له من قول الله تعالى عن نفسه، وقول الرسول ﷺ . وللوقوف على شيء من أدلة علو الله تعالى على خلقه انظر جواب السؤال رقم (٩٩٢) و (١٢٤٤٦٩) . ولدحض هذه الفرية الواردة في السؤال نقول: إن لفظ "السماء" له معنيان: الأول: العلو، والثاني: الجرم المخلوق المعروف، الذي هو السقف المحفوظ، فإذا قال أهل السنة: "الله في السماء" فمعنى السماء هنا: العلو. ومن أراد بلفظ السماء ذلك الجرم المخلوق: فإنه يجعل "في" بمعنى "على". قال الحافظ ابن عبد البر ﵀: "وأما قوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ) الملك/١٦ فمعناه: مَن على السماء يعني: على العرش. وقد يكون "في" بمعنى "على"، ألا ترى إلى قوله تعالى: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) التوبة/٢ أي: على الأرض، وكذلك قوله: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) طه/٧١" انتهى. "التمهيد" (٧/١٣٠) . وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: "معنى كون الله في السماء: معناه على السماء أي فوقها، فـ (في) بمعنى "على"، كما جاءت بهذا المعنى في قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض) أي: عليها. ويجوز أن تكون (في) للظرفية، و (السماء) على هذا بمعنى العلو، فيكون المعنى: أن الله في العلو، وقد جاءت السماء بمعنى العلو في قوله تعالى: (أنزل من السماء ماء) . ولا يصح أن تكون (في) للظرفية إذا كان المراد بالسماء الأجرام المحسوسة؛ لأن ذلك يوهم أن السماء تحيط بالله، وهذا معنى باطل؛ لأن الله أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته" انتهى. "مجموع فتاوى الشيخ العثيمين" (٤/٢٨٣) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "السلف، والأئمة، وسائر علماء السنَّة إذا قالوا: " إنه فوق العرش "، و " إنه في السماء فوق كل شيء ": لا يقولون إن هناك شيئاً يحويه، أو يحصره، أو يكون محلاًّ له، أو ظرفاً، ووعاءً، عن ذلك، بل هو فوق كل شيء، وهو مستغنٍ عن كل شيءٍ، وكل شيءٍ مفتقرٌ إليه، وهو عالٍ على كل شيءٍ، وهو الحامل للعرش، ولحملة العرش، بقوته، وقدرته، وكل مخلوق مفتقرٌ إليه، وهو غنيٌّ عن العرش، وعن كل مخلوق. وما في الكتاب والسنة من قوله: (أأمنتم من في السماء) ونحو ذلك: قد يَفهم منه بعضُهم أن "السماء" هي نفس المخلوق العالي العرش فما دونه، فيقولون: قوله (في السماء) بمعنى: "على السماء"، كما قال: (ولأصلبنكم في جذوع النخل) أي: على جذوع النخل، وكما قال: (فسيروا في الأرض) أي: على الأرض. ولا حاجة إلى هذا، بل " السماء " اسم جنس للعالي، لا يخص شيئاً، فقوله: (في السماء) أي: في العلو دون السفل. وهو العلي الأعلى فله أعلى العلو، وهو ما فوق العرش، وليس هناك غيره، العلي الأعلى، " انتهى. "مجموع الفتاوى" (١٦/١٠٠، ١٠١) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 707

معنى قوله تعالى: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) [السُّؤَالُ] ـ[سمعت من يقول في تفسير قول الله تعالى (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) قال: فما من أحد من العلماء المعتبرين قال إن المقصود هو الله تعالى، إنما (مَنْ في السماء) ملائكته في السماء، والموكل بالخسف هو سيدنا جبريل.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: أدلة علو الله تعالى على خلقه، واستوائه على عرشه تبلغ المئات، ولا يختلف أهل السنة والجماعة وعلى رأسهم: أصحاب النبي ﷺ والتابعون لهم بإحسان أن الله تعالى فوق كل شيء، مستوٍ على عرشه. وقد دل على ذلك: الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وللوقوف على شيء من ذلك انظر جواب السؤال رقم (٩٩٢) و (١٢٤٤٦٩) . ثانياً: أما ما جاء في السؤال من أن قول الله تعالى: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) : لم يقل أحد من العلماء المعتبرين إن المقصود هو الله تعالى، وإنما المقصود الملائكة، فهذا كلام باطل كذب، وبيان ذلك: ١. أن الإمام الطبري شيخ وإمام المفسرين (توفي ٣١٠ هـ) قد قال بأن المقصود بقوله تعالى (من في السماء) : إنه الله، وهذا يكفي لتكذيب النفي الوارد في السؤال. قال الإمام الطبري ﵀: "قول تعالى ذِكره: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) أيها الكافرون. (أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ) يقول: فإذا الأرض تذهب بكم، وتجيئ، وتضطرب. (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) وهو الله. (أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا) وهو التراب فيه الحصباء الصغار" انتهى. "تفسير الطبري" (٢٣/٥١٣) . وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀: "وأما قوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ) الملك/١٦ فمعناه: مَن على السماء، يعني: على العرش" انتهى. "التمهيد" (٧/١٣٠) . فهذان قولان لمفسِّر فقيه، ومحدِّث فقيه، وبهما يتبين بجلاء بطلان ذلك الزعم بأنه لا أحد من العلماء المعتبرين يقول بأن معنى (من في السماء) إنه الله، ولو شئنا لسردنا عشرات النقولات عن الأئمة المعتبرين، سلفاً، وخلَفاً. ٢. جاءت آيات أخرى في القرآن الكريم، تؤيد ما ذكرنا في تفسير هذه الآية، وذلك أن الله تعالى قد خسف بأهل معصيته الأرض، أو يهددهم بأنه يخسف بهم الأرض، وهو يؤكد أن المقصود بـ "من في السماء" الله ، ومن هذه الآيات: أ. قوله تعالى عن قارون (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ) القصص/٨١. ب. قوله تعالى: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) النحل/ ٤٥. ج. وقوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً. أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً. أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً) الإسراء/ ٦٧ – ٦٩. د. وجاءت الأحاديث عن النبي ﷺ صريحة في أن المراد بـ (من في السماء) هو الله تعالى، ولا تحتمل غير هذا المعنى: أ. قال ﷺ : (أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِى السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً) رواه البخاري (٤٣٥١) ومسلم (١٠٦٤) . ب. وقوله ﷺ : (ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) رواه الترمذي (١٩٢٤) ، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي". وبتأمل هذه الآيات والأحاديث يتبين خطأ ما زعمه ذلك الزاعم الذي جاء كلامه في السؤال. وكل هذا يفعلونه، ويتجرؤون عليه، من أجل نفي صفة العلو لله تعالى، والله المستعان. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 708

حكم قول بعضهم عن الله: جسم لا كالأجسام [السُّؤَالُ] ـ[نعيش في تايلاند كأقلية حيث يوجد هنا رجل يدعي أن الله جسم لا كالأجسام، حيث قال في بعض المنتديات: "إن الأساس هو أن الله جسم، ولكن لا نعلم كيف جسمه؟ وأن جسمه ليس كسائر الأجسام، لأنه ليس كمثله شيء فهل هذا القول صحيح؟ وما حكم الشرع في القائل؟ وما هو واجبنا تجاه القول والقائل؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله القول بأن الله جسم لا كالأجسام، قول غير صحيح، وذلك لعدم ثبوت وصف الله تعالى بالجسمية في الكتاب أو السنة. والأصل الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ، فلا يتجاوز القرآن والحديث، لكن إن أراد المثبت للجسمية إثبات أن الله تعالى سميع بصير متكلم مستو على عرشه، وأنه يُرى ويشار إليه، إلى غير ذلك من صفاته، قيل له: هذه الصفات حق، وقد أخطأت في التعبير عنها أو عن بعضها بالجسمية، ولهذا لم يعرف عن سلف الأمة التعبير بذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولفظ الجسم فيه إجمال، قد يراد به المركب الذي كانت أجزاؤه مفرقة فجمعت أو ما يقبل التفريق والانفصال، أو المركب من مادة وصورة، أو المركب من الأجزاء المفردة التي تسمى الجواهر الفردة، والله تعالى منزه عن ذلك كله، أو كان متفرقا فاجتمع، أو أن يقبل التفريق والتجزئة التي هي مفارقة بعض الشيء بعضا وانفصاله عنه أو غير ذلك من التركيب الممتنع عليه. وقد يراد بالجسم ما يشار إليه، أو ما يُرى، أو ما تقوم به الصفات، والله تعالى يُرى في الآخرة، وتقوم به الصفات، ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم وقلوبهم ووجوههم وأعينهم، فإن أراد بقوله: ليس بجسم هذا المعنى، قيل له: هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأنت لم تُقم دليلا على نفيه، وأما اللفظ فبدعة نفيا وإثباتا، فليس في الكتاب ولا السنة ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها إطلاق لفظ الجسم في صفات الله تعالى لا نفياًَ ولا إثباتاً، وكذلك لفظ الجوهر والمتحيز ونحو ذلك من الألفاظ التي تنازع أهل الكلام المحدَث فيها نفيا وإثباتا " انتهى من "بيان تلبيس الجهمية" (١/٥٥٠) . وقد تبين بهذا أن لفظ الجسم لفظ مجمل، يحتمل حقا وباطلا، وهو لفظ مبتدع لم يرد في النصوص نفيا ولا إثباتا، فلزم اجتنابه. والقائل بأن الله جسم لا كالأجسام ينبغي نصحه، ودعوته للوقوف عند ما وصف الله به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، ولزومِ منهج السلف. قال السفاريني ﵀: "قال الإمام أحمد ﵁: لا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والحديث. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: مذهب السلف أنهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فالمعطّل يعبد عدما، والممثل يعبد صنما، والمسلم يعبد إله الأرض والسماء" انتهى من "لوامع الأنوار البهية" (١/٢٤) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 709

معنى اسم الله تعالى "الجبار " [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى اسم الله تعالى الجبار؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "الجبار له ثلاث معان: الأول: جبر القوة، فهو الجبار، الذي يقهر الجبابرة، ويغلبهم بجبروته وعظمته، فكل جبار وإن عظم فهو تحت قهر الله وجبروته في يده وقبضته. الثاني: جبر الرحمة، فإنه سبحانه يجبر الضعيف بالغِنى والقوة، ويجبر الكسير بالسلامة، ويجبر المنكسرة قلوبهم بإزالة كسرها، وإحلال الفرج والطمأنينة فيها؛ وما يحصل لهم من الثواب والعاقبة الحميدة إذا صبروا على ذلك من أجله. الثالث: جبر العلو فإنه سبحانه فوق خلقه عالٍ عليهم، وهو مع علوه قريب منهم يسمع أقوالهم، ويرى أفعالهم، ويعلم ما توسوس به نفوسهم. قال ابن القيم في النونية في معنى الجبار: وكذلك الجبار في أوصافه والجبر في أوصافه قسمان جبر الضعيف وكل قلب قد غدا ذا كسرة فالجبر منه دان والثاني جبر القهر بالعز الذي لا ينبغي لسواه من إنسان وله مسمى ثالث وهو العلو فليس يدنو منه إنسان من قولهم جبارة للنخلة العلـ يا التي فاقت كل بنان" انتهى. فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ "فتاوى العقيدة" (صـ ٥٦) . [الْمَصْدَرُ] فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله

стр. 710

معنى اسم (الرقيب) [السُّؤَالُ] ـ[أنا اسمي رقيب فما معنى هذا الاسم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: "الرقيب" من أسماء الله تعالى الحسنى. قال الله : (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) النساء/١. وقال سبحانه: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا) الأحزاب/٥٢. وقال تعالى عن نبيه عيسى ﵇: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) المائدة/١١٧. ومعنى "الرقيب" أي: المراقب، المطلع على أعمال العباد، الذي لا تخفى عليه خافية، ويدخل في معنى "الرقيب" أيضاً: المدبر لأمور الخلق على أحسن ما يكون. قال الخازن في "لباب التأويل" (١/٤٧٣) في تفسير قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) : "والرقيب في صفة الله تعالى: هو الذي لا يغفل عما خلق، فيلحقه نقص، ويدخل عليه خلل، وقيل: هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء من أمر خلقه، فبيّن بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) أنه يعلم السر وأخفى , وإذا كان كذلك فهو جدير بأن يخاف ويتقى" انتهى. وقال الألوسي في "روح المعاني" (٤/٢٠٩) : "ناظراً إلى قلوبكم، مطلعاً على ما فيها" انتهى. وقال في "التحرير والتنوير" (١٣/١٥٠) في تفسير قوله تعالى: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) الرعد/٣٣. "والقائم على الشيء: الرقيب فيشمل الحفظ والإبقاء والإمداد" انتهى. وجاء في "لسان العرب" (١/٤٢٤) مادة: (رقب) : "في أَسماءِ الله تعالى: الرَّقِيبُ , وهو الحافظُ الذي لا يَغيبُ عنه شيءٌ" انتهى. وقال ابن جرير في قوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا) الأحزاب/٥٢. "يقول: وكان الله على كل شيء: ما أحل لك، وحرم عليك، وغير ذلك من الأشياء كلها، حفيظًا، لا يعزب عنه علم شيء من ذلك، ولا يؤوده حفظ ذلك كله" انتهى. "تفسير الطبري" (٢٠/٣٠٤) . وقال السعدي: "أي: مراقبًا للأمور، وعالمًا بما إليه تؤول، وقائمًا بتدبيرها على أكمل نظام، وأحسن إحكام" انتهى. "تفسير السعدي" (ص ٦٧٠) . ثانياً: أما عن اسمك "رقيب"، فهو لا يخرج من حيث الأصل عن المعنى السابق، غير أنه بحسب ما يليق بالإنسان من هذا المعنى. فمعناه: المشرف والمراقب -ومنه: رقيب الجيش-، والحارس الحافظ، فرقيب القوم هو حارسهم. راجع: "لسان العرب" (١/٤٢٤) – "الصحاح" (١/٢٦٤) – "مقاييس اللغة" (٢/٣٥٣) - "القاموس المحيط" (١١٦) – "تاج العروس" (٥٣٣) – "المخصص" (٣/١٥٥) . مادة: (رقب) . وإذا اطلع الإنسان على حسن معنى اسمه، فإن عليه أن يجتهد في الاتصاف بهذا المعنى، وقد جرت العادة أن كل شخص لابد له من نصيب من اسمه، وانظر كلام ابن القيم في ذلك في جواب السؤال رقم (١٤٦٢٢) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 711

تكرار اسم الله " الباطن " يوميّاً هل تُكشف به الأسرار ؟! [السُّؤَالُ] ـ[ماذا عن تكرير اسم الله " الباطن " ثلاث مرات يوميّاً لكشف الأسرار؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: اسم الله تعالى " الباطن " ثبت في القرآن، والسنَّة: قال تعالى: (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الحديد/ ٣. وعَنْ سُهَيْلٍ قَالَ: كَانَ أَبُو صَالِحٍ يَأْمُرُنَا إِذَا أَرَادَ أَحَدُنَا أَنْ يَنَامَ أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَرَبَّ الأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَىْءٍ فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَىْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَىْءٌ وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَىْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَىْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَىْءٌ اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ) . وَكَانَ يَرْوِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . رواه مسلم (٢٧١٣) . ثانياً: وأما معنى اسم الله " الباطن ": فخير تفسير له ما فسَّره به النبي ﷺ بقوله (وأنت الباطن فليس دونك شيء) ومعناه: العالِم ببواطن خلقه، القريب منهم، المحيط بهم، لا تخفى عليه منهم خافية، فهو تعالى قريب من عموم خلقه بالعلم، والقدرة، والإحاطة، وقريب من خصوص أوليائه بالنصرة والتأييد. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: قوله: (وأنت الباطن فليس دونك شيء) : المعنى: ليس دون الله شيء، لا أحد يدبر دون الله، ولا أحد ينفرد بشيء دون الله، ولا أحد يخفى على الله، كل شيء فالله محيط به، ولهذا قال: (ليس دونك شيء) يعني: لا يحول دونك شيء، ولا يمنع دونك شيء، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وهكذا. " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٨ / ٤٢٩) . وانظر جواب السؤال رقم: (١١٢٧٧) ففيه شرح أوفى. ثالثاً: بعد أن علمنا ثبوت اسم الباطن أنه من أسمائه تعالى الحسنى، وعلمنا معانيه الجليلة: فليُعلم أن ما ذُكر في السؤال من كون ترداد اسم الله " الباطن " ثلاث مرات يوميّاً: يُكشف به الأسرار: قول باطل، لا قيمة له، فليس له أصل في الشرع، ولا هو ثابت في الواقع، ولا يحل لأحدٍ استعمال أسمائه تعالى الجليلة للعبث، ولا علاقة لما ورد في السؤال، ولما يزعمه المشعوذون والدجالون من خواص معينة لأسماء الله تعالى، سوى ما ورد به الشرع، من إحصائها، والتعبد لله بمقتضاها. وقد رأينا من ذكر غير عدد الثلاث مرات، فقال بعضهم: " مَن أراد أن يطلع على علم الضمائر - أي: أن يدرك ما يضمره الآخرون -: فليقل " يا باطن " ٦٢ مرة يوميّاً! لمدة أربعين يوماً، ومَن قال: " يا أول يا آخر، يا ظاهر يا باطن " ٩٩ مرة كل يوم: نال ذلك أيضاً، ولذلك تأثير عجيب "! . وكل ذلك لا أصل له، ولا ضابط للعدد في تلك النقولات، فكلها اختراعات من أصحابها، ولا ثمة من يطالبهم - من المريدين - بالدليل على صواب ما يقوله أحدهم، وبطلان ما يزعمه غيره. وتتبارى الفرق الباطنية فيما بينها للوصول إلى إضلال الناس، وتعليقهم بعلم المكاشفات، وتخترع كل طائفة منها سبيلاً ليسلكه المريد عندهم ليكون من " أهل الكشف "، فبعض تلك الطوائف تجعل تكرار اسم الله " المهيمن " ألفاً وأربعين مرَّة هو السبيل للاطلاع على بواطن الخلق! ومنهم يجعل تكرار اسم الله " الحكيم " حتى يغيب عن الوعي هو الطريق لذلك! وكل ذلك من الضلال، والانحراف عن اعتقاد سلف هذه الأمة، ومن تلبيس الشيطان على تلك الطوائف الضالة، وقد جمعوا ذلك تحت عناوين مثل: " أسرار أسماء الله الحسنى "! و " فوائد أسماء الله الحسنى "! . وانظر جواب السؤال رقم (١٢٧٧٨) لمعرفة الفرق بين الكشف الرحماني، والكشف الشيطاني. وانظر جواب السؤال رقم (٤٥٥٥٩) في الإنكار على من استعمل أسماء الله تعالى في العلاج. وليُنظر كتاب " نقض الصوفية " للأستاذ عامر حسن عامر، ففيه مباحث قيمة في علم الكشف عند المتصوفة. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 712

هل "الحد" ثابت لله ؟! [السُّؤَالُ] ـ[السؤال: هل الله محدود أم غير محدود؟!]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: الأصل في الكلام عن الأسماء والصفات النقل، إذ إن أسماء الله وصفاته توقيفية كما حرر ذلك أهل العلم. ينظر: إجابة السؤال رقم: (١٠٦٢٥٦) ثانيا: باب الإخبار عن الله تعالى أوسع من باب الأسماء والصفات. قال ابن القيم ﵀: " ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، كالشيء والموجود والقائم بنفسه؛ فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا " انتهى. "بدائع الفوائد" (١/١٦٩) وقال أيضا: " ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفا، فهذا فصل الخطاب في مسألة أسمائه: هل هي توقيفية، أو يجوز أن يطلق عليه منها بعض ما لم يرد به السمع " انتهى مختصرا. "بدائع الفوائد" (١/١٧٠) ثالثا: قد ذم أهل العلم إطلاق القول، نفياً أو إثباتاً، في الألفاظ المحدثة المجملة، قبل الاستفصال عن معناها عند قائلها، ورد القول في ذلك إلى المحكم الثابت من الكتاب والسنة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله: " إذا منع إطلاق هذه المجملات المحدثات في النفي والإثبات، ووقع الاستفسار والتفصيل: تبيَّنَ سواءُ السبيل. وبذلك يتبين أن الشارع ﵊، نص على كل ما يعصم من المهالك، نصا قاطعا للعذر، وقال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) سورة التوبة /١١٥، وقال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً) المائدة/٣ ". ثم قال: " وهذه الجملة: يُعلم تفصيلها بالبحث والنظر، والتتبع والاستقراء، والطلب لعلم هذه المسائل في الكتاب والسنة؛ فمن طلب ذلك وجد في الكتاب والسنة من النصوص القاطعة للعذر في هذه المسائل، ما فيه غاية الهدي والبيان والشفاء. وذلك يكون بشيئين: أحدهما: معرفة معاني الكتاب والسنة. والثاني: معرفة معاني الألفاظ التي ينطق بها هؤلاء المختلفون، حتى يحسن أن يطبق بين معاني التنزيل، ومعاني أهل الخوض في أصول الدين؛ فحينئذ يتبين له أن الكتاب حاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما قال تعالي: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ البقرة /٢١٣، وقال تعالي ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الشورى /١٠، وقال ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ النساء / ٥٩ – ٦١. ولهذا يوجد كثيرا في كلام السلف والأئمة: النهي عن إطلاق موارد النزاع بالنفي والإثبات، وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق، ولا قصور أو تقصير في بيان الحق؛ ولكن لأن تلك العبارة من الألفاظ المجملة المتشابهة، المشتملة علي حق وباطل؛ ففي إثباتها إثبات حق وباطل، وفي نفيها نفي حق وباطل، فيمنع من كلا الإطلاقين. بخلاف النصوص الإلهية، فإنها فرقان فرق الله بها بين الحق والباطل. ولهذا كان سلف الأمة وأئمتها يجعلون كلام الله ورسوله هو الإمام والفرقان الذي يجب اتباعه؛ فيثبتون ما أثبته الله ورسوله، وينفون ما نفاه الله ورسوله، ويجعلون العبارات المحدثة المجملة المتشابهة ممنوعا من إطلاقها: نفيا وإثباتا؛ لا يطلقون اللفظ ولا ينفونه إلا بعد الاستفسار والتفصيل؛ فإذا تبين المعنى أثبت حقه ونفي باطله، بخلاف كلام الله ورسوله فإنه حق يجب قبوله وإن لم يفهم معناه، وكلام غير المعصوم لا يجب قبوله حتى يفهم معناه. وأما المختلفون في الكتاب، المخالفون له، المتفقون علي مفارقته: فتجعل كل طائفة ما أصلته من أصول دينها الذي ابتدعته هو الإمام الذي يجب اتباعه، وتجعل ما خالف ذلك من نصوص الكتاب والسنة من المجملات المتشابهات التي لا يجوز اتباعها، بل يتعين حملها علي ما وافق أصلهم الذي ابتدعوه، أوالإعراض عنها وترك التدبر لها ". "درء تعارض العقل والنقل" (١/٧٣-٧٧) . رابعاً: إذا وقع الاستفصال عن المعنى، ورددنا محل النزاع إلى كتاب وسنة رسوله: ساغ استخدام اللفظ الحادث، للدلالة على معنى ثابت، عند من يحتاج إلى ذلك. قال شيخ الإسلام: " اذا أثبت الرجل معنى حقا، ونفى معنى باطلا، واحتاج إلى التعبير عن ذلك بعبارة لأجل إفهام المخاطب، لأنها من لغة المخاطب ونحو ذلك: لم يكن ذلك منهيا عنه؛ لأن ذلك يكون من باب ترجمة أسمائه وآياته بلغة أخرى، ليفهم أهل تلك اللغة معاني كلامه وأسمائه، وهذا جائز، بل مستحب أحيانا، بل واجب أحيانا. وإن لم يكن ذلك مشروعا على الإطلاق؛ كمخاطبة أهل هذه الاصطلاحات الخاصة في أسماء الله وصفاته وأصول الدين باصطلاحهم الخاص، إذا كانت المعاني التي تبيَّن لهم هي معاني القرآن والسنة، ... وهذه الترجمة تجوز لإفهام المخاطب، بلا نزاع بين العلماء ". انتهى. بيان تلبيس الجهمية (٢/٣٨٩) . خامسا: من هذا الباب لفظ " الحد " المذكور في السؤال؛ فمن أراد بإثبات الحد، أنه بائن عن خلقه بحد فاصل، بين الخالق والمخلوق، فلا يحل شيء من المخلوقات بذاته ﷻ ، كما أنه لا يحل بشيء من خلقه ولا يتّحد به: فهذا معنى صحيح، يُخْبَر به عن الله تعالى، وإن لم يكن صفة ثبوتية، تضاف إليه سبحانه. قال شيخ الإسلام: " ولما كان الجهمية يقولون ما مضمونه: إن الخالقَ لا يتميّز عن الخلقِ، فيجحدون صفاته التي يتميّز بها، ويجحدون قدره، فبيّن ابن المبارك أنّ الرب على عرشه مباين لخلقه، منفصلٌ عنه، وذكر الحدّ لأن الجهمية كانوا يقولون: ليس له حدٌّ، وما لا حدّ له لا يباينُ المخلوقاتِ، ولا يكون فوق العالم، لأن ذلك مستلزم للحدِّ، فلما سألوا أمير المؤمنين عبد الله بن المبارك: بماذا نعرفه؟ قال: بأنه فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، فذكروا لازم ذلك الذي تنفيه الجهمية، وبنفيهم له ينفون ملزومه الذي هو وجوده فوق العرشِ، ومباينته للمخلوقات، فقالوا له: بحدٍّ؟ قال: بحدّ.". انتهى باختصار. بيان تلبيس الجهمية (١/٤٤٣) . وقال شيخ الإسلام أيضا: " هذا اللفظ لم نثبت به صفة زائدة على ما في الكتاب والسنة؛ بل بيّنّا به ما عطله المبطلون من وجود الرب تعالى ومباينته لخلقه وثبوت حقيقته ". "بيان تلبيس الجهمية" (١/٤٤٥) ومن هنا نتبين أن إطلاق جمع من السلف لهذا اللفظ كان ردا على الجهمية والحلولية وأشباههم من أهل البدعة، وبياناً لمعنى شرعي صحيح في نفس الأمر، وإن كان الشرع لم يعبر عنه بهذا اللفظ. سادساً: إثبات الحد لله تعالى، والإخبار به عنه: لا يعني أن الخلق يُحيطون به علماً، سبحانه، أو أنهم يعلمون منتهى ذلك الحد، قال تعالى: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) طه/١١٠، وقال: (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء) البقرة/٢٥٥. قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي ﵀: " والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره، ولا يجوز لأحد أن يتوهم لحده غاية في نفسه، ولكن يؤمن بالحد، ويَكِل علم ذلك إلى الله. ولمكانه أيضا حد، وهو على عرشه فوق سماواته. فهذان حدان اثنان ". انتهى. "نقض الدارمي على بشر المريسي" (٢٢٣-٢٢٤) ، وينظر: "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (٧/١٩٣) . والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 713

استشكل صفة " العَجب " لله تعالى مع علمه بما سيفعله خلقه تعالى [السُّؤَالُ] ـ[قد أَشكل عليَّ شيءٌ في العقيدة، وأريد توضيحه إذا أمكن، نحن كمسلمين نؤمن أن علم الغيب عند الله ، فلا يعلم أحد غيره ما كان، وما يكون، وما سيكون، فكيف نوفِّق بين هذا، وبين " تعجب الله من فعل الصحابي مع ضيفه عندما قلد صوت الأكل ولم يأكل "، حيث إن الله يعلم هذا الشيء مسبقاً . أنا يا شيخ يأتيني الشيطان بهذه الوساوس، وأحاول جاهداً طرده، وأنا أعلم حقيقة أن ما بي هو سوء فهم، لا أكثر، فهلا أجبتني جزاك الله خيراً؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نسأل الله لك الهداية والتوفيق، ونسأله تعالى أن يرزقك الإخلاص واليقين، وقد أحسنتَ بسؤالك عما يقلقك، وسنجيب على سؤالك بما يقطع دابر الشك والوسوسة بإذن الله وتوفيقه، ونحن نذكر لك الحديث بنصه، ثم نعقبه بكلام الأئمة الأعلام في معناه. نص الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، فَقَالَ: (مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ ﵀ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ، قَالَتْ: لَا، إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئْ السِّرَاجَ وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ قَالَ فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (قَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ) . رواه مسلم (٢٠٥٤) . مجهود: أي: أصابني الجهد، وهو المشقة، والحاجة وسوء العيش والجوع. ثانياً: سبب الإشكال عندك أخي السائل: هو ظنك أن صفة " التعجب " معناها الدهشة من فعل شيء غير متوقع أو غير معلوم، أو: أن سبب الفعل المتعجَّب منه يخفى على المتعجِّب، ومن هنا قالوا: " إذا عُرف السبب بطل العجب "! . وكلا هذين االمعنيين باطل في حق الله تعالى، وإنما هذا هو تعجب المخلوق، والله تعالى ليس كمثله شيء، فليس سمعه كسمع المخلوق، وليس بصره كبصر المخلوق، وليست رحمته كرحمة المخلوق، وهكذا سائر صفاته، وأفعاله، وأسمائه، ومثله يقال في صفة " العَجَب "، فليست هي كصفة العجَب عند المخلوق. والله تعالى يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وهو خالق الخلق وخالق أفهالهم، فلا يليق بجلال الله وكماله أن نفهم أن هذه الصفة تستلزم في حقه سبحانه، ما تستلزمه في حق البشر من الجهل، والدهش أو الحيرة، أو ما إلى ذلك؛ بل هذه الصفة، وجميع صفاته، تفهم على معناها الظاهر في اللغة، مع الاعتقاد أن الله ﷻ لا يشبه أحدا من خلقه في صفاته، كما أنه لا يشبههم في ذاته. وأما معنى الصفة اللائق بالله تعالى فهو أنها بمعنى " تعجب استحسان " لا تعجب اندهاش. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: والعجب هنا: عجبُ استحسان، استحسن صنيعهما من تلك الليلة، لما يشتمل عليه من الفوائد العظيمة. " شرح رياض الصالحين " (٣ / ٤٢٠) . ثالثاً: وقد ثبتت صفة " العَجَب " لله تعالى في الكتاب والسنَّة: ١. قال تعالى: (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ) الصافات/ ١٢، وفي قراءة: (عَجِبْتُ) . قال ابن جرير الطبري – ﵀: قوله: (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ) اختلفت القرَّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرَّاء الكوفة: (بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ) بضم التاء من (عَجِبْتَ) ، بمعنى: بل عظُم عندي، وكبر اتخاذهم لي شريكاً، وتكذيبهم تَنْزيلي، وهم يسخرون، وقرأ ذلك عامة قرَّاء المدينة، والبصرة، وبعض قرَّاء الكوفة (عَجِبْتَ) بفتح التاء، بمعنى: بل عجبتَ أنت يا محمد، ويسخرون من هذا القرآن. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان في قرَّاء الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ: فمصيب. فإن قال قائل: وكيف يكون مصيباً القاريء بهما مع اختلاف معنييهما؟! قيل: إنهما وإن اختلف معنياهما فكلّ واحد من معنييه صحيح، قد عجب محمد مما أعطاه الله من الفضل، وسخر منه أهل الشرك بالله، وقد عجِب ربنا من عظيم ما قاله المشركون في الله، وسَخِر المشركونَ مما قالوه. " تفسير الطبري " (٢١ / ٢٢، ٢٣) . ٢. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ) . رواه البخاري (٢٨٤٨) . ٣. عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ لَيَعْجَبُ مِنْ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ) . رواه أحمد (٢٨ / ٦٠٠) وحسنَّه محققوه، وحسَّنه الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١ / ٢٧٠) . قال أبو يعلى الفراء – ﵀ – تحت باب " إثبات صفة العَجب لربنا ﵎: اعلم أنَّ الكلام في هذا الحديث كالكلام في الذي قبله – وكان ساق قبله حديثين -، وأنه لا يمتنع إطلاق ذلك عليه، وحمْله على ظاهره؛ إذ ليس في ذلك ما يحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه؛ لأنا لا نثبت عَجَبَاً هو تعظيم لأمر دَهَمَه استعظمه لم يكن عالماً به؛ لأنه مما لا يليق بصفاته، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا غيرها من صفاته. " إبطال التأويلات " (ص ٢٤٥) . وقال الإمام أبو القاسم الأصبهاني، قوام السنة، ﵀: " وقال قوم: لا يوصف الله بأنه يعجب، لأن العجب ممن يعلم ما لم يكن يعلم. واحتج مثبت هذه الصفة بالحديث، وبقراءة أهل الكوفة: (بل عجبت ويسخرون) على أنه إخبار من الله عن نفسه " "الحجة في بيان المحجة" (٢/٤٩٠) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وأما قوله: " التعجب استعظام للمتعجب منه ". فيقال: نعم؛ وقد يكون مقرونا بجهل بسبب التعجب، وقد يكون لما خرج عن نظائره. والله تعالى بكل شيء عليم، فلا يجوز عليه أن لا يعلم سبب ما تعجب منه ; بل يتعجب لخروجه عن نظائره تعظيما له. والله تعالى يعظم ما هو عظيم ; إما لعظمة سببه، أو لعظمته. فإنه وصف بعض الخير بأنه عظيم. ووصف بعض الشر بأنه عظيم ... ولهذا قال تعالى: ﴿بل عجبتُ ويسخرون﴾ على قراءة الضم، فهنا هو عَجِب من كفرهم مع وضوح الأدلة. وقال النبي ﷺ للذي آثر هو وامرأته ضيفهما: (لقد عجب الله) وفي لفظ في الصحيح: (لقد ضحك الله الليلة من صنعكما البارحة) .. " "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" (٦/١٢٣-١٢٤) . وينظر: صفات الله الواردة في الكتاب والسنة، للشيخ علوي السقاف (٢١٠-٢١٣) . وبعد: فلقد رأيت – أخي السائل – أن العَجَب الذي يكون عن جهل: هو عجب البشر، وأما عجب الرب تعالى فليس كذلك، بل هو عن سابق علم، وإنما أراد الله تعالى استحسان فعلهم، وتعظيمه بذكره بهذه الصفة، اللائقة به ﵎. فأما الوسوسة، فلها داواءان: دواء العلم البنوي الشافي من الجهل والتلبيس الشيطاني، فشد يديك بكتب أهل السنة، وأئمة أهل العلم والإيمان. ودواء آخر نبوي أيضا، يقطع عنك أبواب الخيالات الفاسدة، والوساوس المحيرة. عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا، مَنْ خَلَقَ كَذَا، حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟! فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ) . رواه البخاري (٣٢٧٦) ومسلم (١٣٤) . فهذا دواء نافع، بإذن الله، من كل ووسواس فاسد، أو سؤال لا وجه له، واسترسال في خيال محير. نسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 714

تفصيل مفيد في صفة " السمع لله تعالى، وفيها بيان سماع الله لخلقه على اختلاف لغاتهم [السُّؤَالُ] ـ[هل الله يفهم جميع اللغات؟! ولماذا نعاني نحن كل هذه المعاناة في تعلم العربية؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ليعلم أن الله تعالى جلَّ وعلا ليس كخلْقه، بل له صفات الكمال ، فهو قال عن نفسه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الشورى/ من الآية١١. ومن أصول الإيمان القطعية، التي لا يصح إيمان العبد، ولا معرفته بربه إلا بها: أن يعلم أن الله ﷻ بكل شيء عليم، بما كان، وبما يكون، وبما لم يكن، يعلم السر وأخفى، لا يشغله شيء عن شيء، ولا صوت عن صوت، ولا خلق عن خلق، السر والعلن عنده سواء: (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) . قال الشيخ الشنقيطي ﵀: " بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن السر والجهر عنده سواء، وأن الاختفاء والظهور عنده أيضاً سواء؛ لأنه يسمع السر كما يسمع الجهر، ويعلم الخفى كما يعلم الظاهر. وقد أوضح هذا المعنى في آيات أخر، كقوله: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [٦٧/١٣، ١٤] ، وقوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [٢٠/٧] ، وقوله: ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [١١/٥] ، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ الآية [٥٠/١٦] ، إلى غير ذلك من الآيات ". انتهى. "أضواء البيان" (٢/٢٣٦) . عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ، أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ، كَثِيرَ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلَ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ؛ فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتُرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الْآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا. وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا!! فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ . رواه البخاري (٤٤٤٣) ومسلم (٤٩٧٩) . وعن أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِى وَبَيْنَ عَبْدِى نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قَالَ اللَّهُ: تَعَالَى حَمِدَنِى عَبْدِى، وَإِذَا قَالَ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِى، وَإِذَا قَالَ (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) ، قَالَ هَذَا لِعَبْدِى وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ» رواه مسلم (٣٩٥) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: فهذا يقوله لكل مصلٍّ قرأ الفاتحة، فلو صلَّى الرجل ما صلَّى من الركعات قيل له ذلك، وفي تلك الساعة يصلي مَن يقرأ الفاتحة مَن لا يُحصي عددَه إلا الله، وكل واحدٍ منهم يقول الله له كما يقول لهذا، كما يحاسبهم كذلك، فيقول لكل واحد ما يقول له من القول في ساعة واحدة، وكذلك سمعه لكلامهم، يسمع كلامهم كلَّه مع اختلاف لغاتهم، وتفنن حاجاتهم؛ يسمع دعاءَهم سمْع إجابة، ويسمع كل ما يقولونه سمع علم وإحاطة، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين؛ فإنه سبحانه هو الذي خلق هذا كله، وهو الذي يرزق هذا كله، وهو الذي يوصل الغذاء إلى كل جزء من البدن على مقداره وصفته المناسبة له، وكذلك من الزرع. " مجموع الفتاوى " (٥ / ٤٧٩، ٤٨٠) . ثانيا: الله تعالى هو الذي خلق اللغات، وجعل ذلك من آياته تعالى على ربوبيته، وقدرته، قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ) الروم/ ٢٢؛ وكيف يكون إلهاً، ومعبوداً، وربّاً، وهو لا يعلم ما يقوله عباده؟! إننا نرى فيما يعتاده الناس ويعرفونه: أن صاحب الصنعة هو أدرى الناس بها، وأفضل طريقة لمعرفة نظام جهاز من الأجهزة: أن تراجع كتاب التشغيل الصادر عن مصنعه؛ فكيف بالله ﷻ ، وهو خالق الخلق، وهو علام الغيوب: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) الملك/١٣-١٤. قال الشيخ السعدي ﵀: " هذا إخبار من الله بسعة علمه، وشمول لطفه، فقال: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ ، أي: كلها سواء لديه، لا يخفى عليه منها خافية، فـ ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بما فيها من النيات والإرادات، فكيف بالأقوال والأفعال التي تسمع وترى؟! ثم قال مستدلا بدليل عقلي على علمه: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ ؛ فمن خلق الخلق وأتقنه وأحسنه، كيف لا يعلمه ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ، الذي لطف علمه وخبره حتى أدرك السرائر والضمائر، والخبايا والخفايا والغيوب، وهو الذي ﴿يعلم السر وأخفى﴾ ؟! انتهى. "تفسير السعدي" (٨٧٦) . ثالثا: إذا آمنا بأن الله رقيب على عباده مطلع عليهم، وآمنا بأن الخلق إليه يحشرون، وأنه سيحاسبهم على أعمالهم، فمن ضرورة ذلك: أن نؤمن إيمانا جازما باطلاعه على خلقه، وعلمه بهم: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ * وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) غافر/١٩-٢٠. وقد بين النبي ﷺ أن الله سيكلم خلقه يوم القيامة، من غير حجاب ولا ترجمان بينه وبينهم: عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) . رواه البخاري (٧٠٠٥) ومسلم (١٠١٦) . وفي رواية للبخاري: (وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ فَلَيَقُولَنَّ لَهُ أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغَكَ فَيَقُولُ بَلَى فَيَقُولُ أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ فَيَقُولُ بَلَى فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهََّمَ) . رواه البخاري (٣٤٠٠) . رابعاً: أما تعلم اللغة العربية فالقدر الذي يجب منه: أن تتعلم المقدار الذي تصح به صلاتك وعبادتك، وما زاد على ذلك فهو نافلة مستحبة، أن تتعلم ما يعينك على فهم كتاب الله وسنة نبيه، والتفقه في دينه، ويتأكد ذلك في حق طالب العلم، ويتأكد في حق الشاب القادر على التعلم ما لا يطلب من الشيخ والمرأة الكبيرة، وهكذا كل على حسب طاقته. قال الإمام الشافعي – ﵀: فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جَهده، حتى يشهد به أن لا إله إلا الله، وأن محمد عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذِّكر فيما افترض عليه من التكبير، وأُمر به من التسبيح، والتشهد، وغير ذلك. " الرسالة " (ص ٤٨) . وأما سبب معاناة كثيرين في تعلم العربية: فلعل ذلك يعود لأسباب كثيرة، منها عدم سلوك الطريق المنهجي المناسب، أو عدم خبرة المعلم بتدريس اللغة لغير أهلها، أو عدم المداومة على استعمال ما تعلمه المتعلم من الألفاظ والأساليب، إلى غير ذلك من الأسباب التي من الممكن أن يستشار فيها المختص، كل على حسب حالته. ومن الأمور المهمة التي يُنصح بها هنا أن يكثر المتعلم من مخالطة العرب، ومحاولة التكلم معهم بالعربية، خاصة فيما يتعلق بالأمور الدينية والعلمية، فهذا أفضل الطرق لاكتساب اللغات: أن يخالط المرء أهلها، وأن يصبر على تعلمها بهذه الطريقة، لاسيما إذا واكب ذلك دراسة نظرية منهجية، ووفق للإخوة ناصحين له، يعينونه على هذه المخالطة التعليمية، ويعلمونه الجديد، ويصوبونه له الخطأ. وضع في علمك أن كل شيء يحتاج إلى صبر وبذل، وأنه ليس شيء يصعب على المرء مع الهمة العالية، وسلوك الطريق الصحيح. والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 715

الرد على مقولة " السماء قبلة الدعاء " وبيان اعتقاد أهل السنَّة أن الله تعالى في السماء [السُّؤَالُ] ـ[ما رد فضيلتكم على هذا القول: أن الله تعالى لا يتحيز في مكان، إنما السماء قبلة الدعاء، ومهبط الرحمات، قال تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب) ، السماء إلى فناء، تعالى الله أن يتحيز فيها، وقال ﵊: (أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تئط فليس فيها مكان إلا فيها ملك قائم أو راكع أو ساجد) فتعالى الله أن يتحيز بين الملائكة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الكلام الوارد في السؤال هو من إنشاء أهل البدع والأهواء نفاة العلو لله الواحد القهَّار، وقد شاع بين " الأشاعرة "، وكانوا قد ورثوه عن " الجهمية ". وأصل ذلك: أنهم أرادوا نفي علو ذات الله تعالى، وغاظهم ما يجده الناس في فطَرهم ضرورةً من توجه قلوبهم نحو السماء، ومن رفع أيديهم تجاهها، فزعموا أن " السماء قبلة للدعاء "! وأن توجه المسلمين بقلوبهم نحوها، ورفع أيديهم باتجاهها: هو توجه لقبلة الدعاء، كما يتوجهون للكعبة قبلة الصلاة! حتى روى بعض الكذَّابين نفاة الصفات عن الله تعالى في ذلك حديثاً نسبه للنبي ﷺ ، بلفظ: (السماءُ قِبلةُ الدعاء) ! قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀: لم أقف له على أصل، إلا ما قاله الحافظ في "نتائج الأفكار" (١/٢٥٩، ٢٦٠) في "آداب الدعاء": "قلت: أما الاستقبال: فلم أرَ فيه شيئاً صريحاً يختص به، وقد نقل الروياني أنه يقول رافعاً بصره إلى السماء، وقد تقدم ذلك فِي حَدِيثِ عمر، وفي حديث ثوبان: " السماء قبلة الدعاء "، فلعل ذلك مراد مَن أطلق". كذا قال! وحديث ثوبان تقدم عنده (١/٢٤٥) ، وليس فيه ما ذكر، ولا رأيتُ ذلك في كتاب من كتب السنَّة التي وقفتُ عليها، بل ظاهر كلام شارح "العقيدة الطحاوية" ابن أبي العز (ص ٣٢٧) وغيره: أن هذا الحديث المزعوم هو من قول بعض المؤولة، أو المعطلة الذين ينكرون علو الله على خلقه، واستواءه على عرشه، وما فُطر عليه الناس من التوجه بقلوبهم في دعائهم جهة العلو، فقال الشارح: "إن قولكم: إن "السماء قبلة الدعاء": لم يقله أحدٌ من سلف الأمة، ولا أنزل الله به من سلطان ... ". "السلسة الضعيفة" (١٣/٤٤٣) . وقد تكررت هذه العبارة "السماء قبلة الدعاء" في كتب الأشاعرة، وهو ينفون عن الله تعالى صفة العلو، والاستواء على العرش حتى ظنها كثيرون عقيدة صحيحة، والحق أحق أن يُتبَّع، ولا ينبغي التوقف في خطأ هذه العبارة، وضلال معناها. وقد أجاب ابن أبي العز الحنفي ﵀ على هذا القول من عدة أوجه: "أحدها: أن قولكم: إن السماء قبلة للدعاء - لم يقله أحد من سلف الأمة، ولا أنزل الله به من سلطان، وهذا من الأمور الشرعية الدينية، فلا يجوز أن يخفى على جميع سلف الأمة وعلمائها. الثاني: أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فإنه يستحب للداعي أن يستقبل القبلة، وكان النبي ﷺ يستقبل القبلة في دعائه في مواطن كثيرة، فمن قال إن للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة، أو إن له قبلتين: إحداهما الكعبة والأخرى السماء - فقد ابتدع في الدين، وخالف جماعة المسلمين. الثالث: أن القبلة: هي ما يستقبله العابد بوجهه، كما تستقبل الكعبة في الصلاة والدعاء، والذكر والذبح، وكما يوجه المحتضر والمدفون، ولذلك سميت " وجهة "، والاستقبال خلاف الاستدبار، فالاستقبال بالوجه، والاستدبار بالدبر، فأما ما حاذاه الإنسان برأسه أو يديه أو جنبه فهذا لا يسمى " قبلة "، لا حقيقة ولا مجازاً، فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه إليها، وهذا لم يشرع، والموضع الذي ترفع اليد إليه لا يسمى " قبلة "، لا حقيقة ولا مجازاً، ولأن القبلة في الدعاء أمر شرعي تتبع فيه الشرائع، ولم تأمر الرسل أن الداعي يستقبل السماء بوجهه، بل نهوا عن ذلك. ومعلوم أن التوجه بالقلب، واللجأ والطلب الذي يجده الداعي من نفسه أمر فطري، يفعله المسلم والكافر والعالم والجاهل، وأكثر ما يفعله المضطر والمستغيث بالله، كما فطر على أنه إذا مسه الضر يدعو الله، مع أن أمر القبلة مما يقبل النسخ والتحويل، كما تحولت القبلة من الصخرة إلى الكعبة، وأمر التوجه في الدعاء إلى الجهة العلوية مركوز في الفطر، والمستقبل للكعبة يعلم أن الله تعالى ليس هناك، بخلاف الداعي، فإنه يتوجه إلى ربه وخالقه، ويرجو الرحمة أن تنزل من عنده" انتهى. "شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٣٢٧، ٣٢٨) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن الذين يرفعون أيديهم، وأبصارهم، وغير ذلك، إلى السماء وقت الدعاء: تقصد قلوبُهم الربَّ الذي هو فوق، وتكون حركة جوارحهم بالإشارة إلى فوق: تبعاً لحركة قلوبهم إلى فوق، وهذا أمرٌ يجدونه كلهم في قلوبهم وَجْداً ضروريّاً، إلا من غُيِّرت فطرتُه باعتقاد يصرفه عن ذلك، وقد حكى محمد بن طاهر المقدسي عن الشيخ أبي جعفر الهمذاني أنه حضر مجلس أبي المعالي – أي: الجويني - فذكر العرش، وقال: "كان الله ولا عرش"، ونحو ذلك، وقام إليه الشيخ أبو جعفر، فقال: يا شيخ دعنا من ذِكر العرش، وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا: فإنه ما قال عارف قط: "يا الله": إلا وجد في قلبه ضرورةً لطلب العلو، لا يلتفت يمنة، ولا يسرة، قال: فضرب أبو المعالي على رأسه، وقال: "حيرني الهمذاني". فأخبر هذا الشيخ عن كل من عرف الله: أنه يجد في قلبه حركة ضرورية إلى العلو إذا قال: "يا الله"، وهذا يقتضي أنه في فطرتهم، وخِلقتهم: العلم بأن الله فوق، وقصده، والتوجه إليه: إلى فوق". "بيان تلبيس الجهمية" (٢/٤٤٦، ٤٤٧) ، وفي (٤/٥١٨، ٥١٩) طبعة المدينة. ثم إننا عندما نقول: إن الله تعالى في السماء ليس معنى ذلك أن السماء تحيط به، أو كما يعبر هؤلاء بأن الله ساكن السماء! تعالى الله عن ذلك. بل نقول: إن الله تعالى في السماء يعني على السماء، وفوق السماء، مستوٍ على عرشه ، كقول الله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) الأنعام/١١. أي: على الأرض. وللوقوف على بعض الأدلة على علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه، انظر جواب السؤال رقم (٩٩٢) و (١٢٤٤٦٩) . ثانياً: أما قول السائل: السماء إلى فناء، تعالى الله أن يتحيز فيها ... إلخ فقد سبق الجواب عليه في جواب السؤال رقم (١٣١٩٥٦) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 716

معنى أن الله تعالى في السماء أنه سبحانه يعلو السماء [السُّؤَالُ] ـ[لقد قرأت عدة ترجمات باللغة الانجليزية للقرآن الكريم , وعندما قرأت تفسير بعض الآيات أصبح عندي نوع من الضياع والوساوس. قال تعالى: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) فالتفاسير التي قرأتها تقول أن الله في السماء، وهذا خلاف ما أنا مؤمن ومعتقد به، وما قرأته ـ أيضا ـ في بعض التفاسير، وهو أن الله فوق السماء. كما أنني قرأت في بعض التفاسير، في قول الله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) ، يقول: " استوى بمعني أرتفع وعلا "، علواً يليق بجلاله جل في علاه. وسأكون ممتناً جداً لفضيلتكم إذا ما شرحتم هذا لي بالتفصيل الدقيق.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله في مسألة علو الله تعالى على خلقه واستوائه جل وعلا على عرشه قاعدتان مهمتان يجب تقريرهما والتنبيه عليهما: القاعدة الأولى: إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه المحكم المبين، حيث وصف نفسه بالعلو على جميع خلقه، وباستوائه على عرشه بعد أن خلق السماوات والأرض، وذلك في آيات محكمات بينات من الذكر الحكيم: يقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) النحل/٤٩-٥٠. ويقول جل وعلا: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ. أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ) الملك/١٦-١٧. ويقول النبي ﷺ : (أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِى السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً) رواه البخاري (٤٣٥١) ومسلم (١٠٦٤) ويقول أيضا: (ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) رواه الترمذي (رقم/١٩٢٤) وقال: حسن صحيح. ويقول أيضا (لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهْوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي) رواه البخاري (رقم/٣١٩٤) ومسلم (٢٧٥١) وانظر جواب السؤال رقم: (٩٩٢) ، (٩٥٦٤) ، (١١٠٣٥) ، (٤٧٠٤٨) القاعدة الثانية: أن الله لا يحيط به شيء من خلقه، ولا تحويه مخلوقاته، وهو سبحانه غني عنها، فقد تنزه عن الحاجة إليها، وتعالى أن يحيط به المخلوق المحدَث الناقص. يقول الله : (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) الأنعام/١٠٣. ويقول تعالى: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) طه/١١٠. ومن هاتين القاعدتين يقرر أهل السنة أن علو الله تعالى على عرشه وعلى جميع خلقه يعني كونه فوق المخلوقات كلها، فوق السماء، وفوق الجنة، وفوق العرش، وأنه لا يحويه شيء من هذه المخلوقات، ولا يحتاج إلى شيء منها، بل هو خالقها والقيوم عليها، وأن النصوص التي تصف الله تعالى بأنه (في السماء) تعني أنه سبحانه عالٍ على خلقه، ولا تعني أنه تحويه السماء وتحيط به، وذلك لأن السماء هنا بمعنى العلو، وليست السماء المخلوقة، أو يقال بأن حرف الجر (في) هنا بمعنى: على، أي: على السماء. ثبت عن علي بن الحسن بن شقيق، شيخ البخاري، قال: قلت لعبد الله بن المبارك: كيف نعرف ربنا؟ قال: في السماء السابعة على عرشه. وفي لفظ: على السماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما تقول الجهمية إنه ها هنا في الأرض. فقيل لأحمد بن حنبل، فقال: هكذا هو عندنا. قال الإمام الذهبي معلقا على هذا الأثر: " هذا صحيح ثابت عن ابن المبارك، وأحمد ﵄، وقوله: " في السماء " رواية أخرى، توضح لك أن مقصوده بقوله " في السماء " أي: على السماء، كالرواية الأخرى الصحيحة التي كتب بها إلى يحيى بن منصور الفقيه " انتهى. " العرش " (٢/١٨٩) وننقل هنا كلام أهل العلم الذي يشرح ويوضح هذا الموضوع: يقول الحافظ ابن عبد البر ﵀: " وأما قوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ) الملك/١٦ فمعناه مَن على السماء يعني على العرش، وقد يكون في بمعنى على، ألا ترى إلى قوله تعالى: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) التوبة/٢ أي: على الأرض. وكذلك قوله: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) طه/٧١ " انتهى. " التمهيد " (٧/١٣٠) . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " السلف والأئمة وسائر علماء السنة إذا قالوا " إنه فوق العرش، وإنه في السماء فوق كل شيء " لا يقولون إن هناك شيئا يحويه أو يحصره أو يكون محلا له أو ظرفا ووعاء عن ذلك، بل هو فوق كل شيء، وهو مستغن عن كل شيء، وكل شيء مفتقر إليه، وهو عالٍ على كل شيء، وهو الحامل للعرش ولحملة العرش بقوته وقدرته، وكل مخلوق مفتقر إليه، وهو غني عن العرش وعن كل مخلوق. وما في الكتاب والسنة من قوله: (أأمنتم من في السماء) ونحو ذلك قد يفهم منه بعضهم أن " السماء " هي نفس المخلوق العالي، العرش فما دونه، فيقولون: قوله (في السماء) بمعنى " على السماء "، كما قال: (ولأصلبنكم في جذوع النخل) أي: على جذوع النخل، وكما قال: (فسيروا في الأرض) أي: على الأرض. ولا حاجة إلى هذا، بل " السماء " اسم جنس للعالي، لا يخص شيئا، فقوله: (في السماء) أي: في العلو دون السفل. وهو العلي الأعلى فله أعلى العلو، وهو ما فوق العرش، وليس هناك غيره العلي الأعلى " انتهى. " مجموع الفتاوى " (١٦/١٠٠-١٠١) . والخلاصة: أن ما تعقتده من أن الله تعالى مستو على عرشه، فوق سمائه، وفوق جميع خلقه، هو الذي يجب على كل مؤمن اعتقاده، وما قرأته في التفاسير المشار إليها من أن الله تعالى في السماء، هو أيضا صحيح، موافق لما تعتقده، قد نطق به الكتاب والسنة، لكن بشرط أن يفهم أن السماء هنا تعني: جهة العلو، أو أن في تعني: على، كما فصلناه في الجواب؛ فإن كان المفسر يريد معنى آخر سوى ما ذكرنا، فكلامه مردود، ويحسن بك أن تزودنا بكلامه كاملا، حتى نرى ما فيه. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 717

معنى إحصاء أسماء الله تعالى الحسنى [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى من أحصاها دخل الجنة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله روى البخاري (٢٧٣٦) ومسلم (٢٦٧٧) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) . والإحصاء المذكور في الحديث يتضمّن ما يلي: ١- حفظها. ٢- معرفة معناها. ٣- العمل بمقتضاها: فإذا علم أنّه الأحد فلا يُشرك معه غيره، وإذا علم أنّه الرزّاق فلا يطلب الرّزق من غيره، وإذا علم أنّه الرحيم، فإنه يفعل من الطاعات ما هو سبب لهذه الرحمة ... وهكذا. ٤- دعاؤه بها، كما قال : (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) الأعراف/١٨٠. وذلك كأن يقول: يا رحمن، ارحمني، يا غفور، اغفر لي، يا توّاب، تُبْ عليّ ونحو ذلك. قال الشيح محمد بن صالح العثيمين: " وليس معنى إحصائها أن تكتب في رقاع ثم تكرر حتى تحفظ ولكن معنى ذلك: أولاً: الإحاطة بها لفظاً. ثانياً: فهمها معنى. ثالثاً: التعبد لله بمقتضاها ولذلك وجهان: الوجه الأول: أن تدعو الله بها؛ لقوله تعالى: (فادعوه بها) الأعراف/١٨٠، بأن تجعلها وسيلة إلى مطلوبك، فتختار الاسم المناسب لمطلوبك، فعند سؤال المغفرة تقول: يا غفور، اغفر لي، وليس من المناسب أن تقول: يا شديد العقاب، اغفر لي، بل هذا يشبه الاستهزاء، بل تقول: أجرني من عقابك. الوجه الثاني: أن تتعرض في عبادتك لما تقتضيه هذه الأسماء، فمقتضى الرحيم الرحمة، فاعمل العمل الصالح الذي يكون جالباً لرحمة الله، هذا هو معنى إحصائها، فإذا كان كذلك فهو جدير لأن يكون ثمناً لدخول الجنة " انتهى. "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (١/٧٤) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 718

ينفي عن الله تعالى صفة الوجود بدعوى أن كل موجود لا بد له من موجد أوجده ! [السُّؤَالُ] ـ[سمعت بعض الناس يقول بأنه لا يصح أن يوصف الله تعالى بأنه موجود، لأن كلمة "موجود" اسم مفعول، وكل موجود لا بد له من موجد أوجده، وهذا المعنى باطل في حق الله تعالى.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الواجب على من أراد أن يتكلم في الأمور الشرعية أن يكون كلامه مبنياً على علم صحيح، ومن نفى عن الله تعالى صفة ثابتة له، أو أثبت له صفة لا تليق به لمجرد ظن أو وهم توهمه، فهو على خطر عظيم، قال الله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) الإسراء/٣٦. ثانياً: قد ذكرنا في جواب السؤال رقم (١٢٠١٩٠) فتوى علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: في ثبوت هذه صفة الوجود لله تعالى، ونزيد هنا بعض النقول عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، وغيرهما من العلماء. قال شيخ الإسلام ﵀: "وهو سبحانه قديم واجب الوجود، رب كل شيء ومليكه، هو الخالق وما سواه مخلوق" انتهى. "بيان تلبيس الجهمية" (١/٣٠٤) . وقال أيضاً: "فإن الله موجود حقيقةً، والعبد موجود حقيقةً، وليس هذا مثل هذا" انتهى. "مجموع الفتاوى" (٥/١٩٨) . وقال أيضاً: "ولا ريب أن الله موجود قائم بنفسه" انتهى. "مجموع الفتاوى" (٥/٤٢٠) . وقال أيضاً: "ومعلوم أنه غني بنفسه، وأنه واجب الوجود بنفسه، وأنه موجود بنفسه" انتهى. "مجموع الفتاوى" (١١/٣٩٥) . وقال ابن القيم ﵀: "تفرد الحق تعالى بالوجود أزلا وأبداً، وأنه الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، ووجود كل ما سواه قائم به، وأثر صنعه، فوجوده هو الوجود الواجب الحق الثابت لنفسه أزلا وأبدا..... فوجوده تعالى وجود ذاتي.... ليس مع الله موجود بذاته سواه، وكل ما سواه فموجود بإيجاده سبحانه" انتهى بتصرف. "مدارج السالكين" (٣/٣٤) . ومن هذه النقول يتبين أن قول القائل: كل موجود لا بد له من أحد أوجده غير صحيح، وذلك لأن الوجود نوعان: الأول: وجود ذاتي، بحيث يوصف الشيء بأنه موجود، ولم يوجده أحد، وهذا هو الوجود الذي يوصف الله تعالى به، ولا يكون لأحد سواه. والنوع الثاني: وجود بغيره، أي أن الشيء موجود، ولكن أوجده غيره، وهذا هو الوجود الذي يوصف به جميع المخلوقات، فالله تعالى هو الخالق وحده، وكل ما سواه مخلوق، وهو الواجد وحده، وكل ما سواه موجود بهذا المعنى. وقد سئل الشيخ محمد خليل هراس ﵀: كلمة "موجود" أليس كل موجود لابد له من واجد؟ فأجاب: "لا يقصد هذا، يقصد موجود، أي: هو متصف بصفة الوجود،.... وليس كل موجود يحتاج إلى موجِد، والله موجود" انتهى باختصار من "فتاوى كبار علماء الأمة" ص (٤٣) . وهو يشير بقوله: "ليس كل موجود يحتاج لموجد"، إلى تقسيم الوجود إلى نوعين كما سبق. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "شرح العقيدة الواسطية"، في معرض رده على من نفى عن الله تعالى الصفات، قال: "لهذا، كان الإيمان بصفات الله من الإيمان بالله، لو لم يكن من صفات الله إلا أنه موجود واجب الوجود، وهذا باتفاق الناس، وعلى هذا، فلا بد أن يكون له صفة" انتهى. فإثبات صفة الوجود لله تعالى مما لا ينازع فيه أحد من المسلمين، بل ولا سائر أهل الملل. ومن أنكر هذه الصفة الثابتة لله تعالى من غلاة أهل البدع، فلم ينكروها للسبب المذكور في السؤال، وإنما أنكروها لأنهم ينكرون جميع الصفات. قال شيخ الإسلام في "التدمرية" بعد أن ذكر جملة من الآيات التي فيها إثبات صفات الكمال لله تعالى، قال: "فهذه طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم من الكفار والمشركين والذين أوتوا الكتاب ومن دخل في هؤلاء من الصابئة المتفلسفة والجهمية والقرامطة والباطنية ونحوهم: فإنهم على ضد ذلك يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل، ولا يثبتون إلا وجوداً مطلقا لا حقيقة له في الأعيان، فقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل، فإنهم يمثلونه بالممتعات والمعدومات والجمادات ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلا يستلزم نفي الذات. فإنهم يسبلون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات، فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول، ووقعوا في شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات، إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين كلاهما من الممتنعات. وذلك أنه قد علم بضرورة العقل أنه لا بد من موجود قديم غني عما سواه [وهو الله تعالى وحده لا شريك له] . وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما هو محدَث ممكن يقبل الوجود والعدم: فمعلوم أن هذا موجود، وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود ها، بل وجود هذا يخصه، ووجود هذا يخصه" انتهى باختصار. وبهذا الكلام لشيخ الإسلام يتبين أن الوجود والعدم نقيضان، والنقيضان لابد من اتصاف الشيء بواحد منهما، فلا يمكن أن يوصف بهما معاً، ولا أن يخلو منهما معاً، ونفي أحدهما إثبات للآخر بالضرورة. فليتنبه الذين ينفون عن الله تعالى صفة الوجود، فإنه يلزم من ذلك نفي وجود الله تعالى. وإننا لنتعجب أن يصدر هذا القول من بعض من يزعم أنه من أهل السنة والجماعة وعلى طريقة السلف، وقد أوقعه في هذا الخطأ سببان: الأول: ظنه أنه لابد لكل موجود من موجِد أوجده، وهو ظن خاطئ كما سبق. الثاني: عدم الرجوع إلى أهل العلم، وعدم الاستنارة بأقوالهم، وقد قال الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) النحل/٤٣. ونزيد سبباً ثالثاً: إعجاب المتكلم برأيه، وظنه أنه هدي لما ضل عنه جميع الأمة! نسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في دينه. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 719

ثبوت صفة الوجود لله تعالى [السُّؤَالُ] ـ[السؤال: لم أجد في أسماء الله وصفاته اسم (الموجود) ، وإنما وجدت اسم (الواجد) وعلمت في اللغة أن الموجود على وزن مفعول ولا بد أن يكون لكل موجود موجد، كما أن لكل مفعول فاعل، ومحال أن يوجد لله موجد. ورأيت أن الواجد يشبه اسم الخالق، والموجود يشبه اسم المخلوق، وكما أن لكل موجود موجد فلكل مخلوق خالق، فهل لي بعد ذلك أن أصف الله بأنه موجود؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " وجود الله معلوم من الدين بالضرورة، وهو صفة لله بإجماع المسلمين، بل صفة لله عند جميع العقلاء حتى المشركين لا ينازع في ذلك إلا ملحد دهري، ولا يلزم من إثبات الوجود صفة لله أن يكون له موجد؛ لأن الوجود نوعان: الأول: وجود ذاتي، وهو ما كان وجوده ثابتا له في نفسه، لا مكسوبا له من غيره، وهذا هو وجود الله سبحانه وصفاته، فإن وجوده لم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الحديد/٣. الثاني: وجود حادث، وهو ما كان حادثا بعد عدم، فهذا الذي لا بد له من موجد يوجده، وخالق يحدثه وهو الله سبحانه، قال تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ. لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) الزمر/٦٢، ٦٣، وقال تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) الطور/٣٥، ٣٦. وعلى هذا؛ يوصف الله تعالى بأنه موجود، ويُخْبَرُ عنه بذلك في الكلام، فيقال: الله موجود، وليس الوجود اسما، بل صفة. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٣/١٩٠، ١٩١) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 720

قوله تعالى: (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون) [السُّؤَالُ] ـ[يروي الإمام الذهبي ﵀ عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش، والقلم، وآدم، وجنة عدن، ثم قال لسائر الخلق: كن فكان) الدارمي في رده على المريسي (ص٩٠) ، الأسماء والصفات للبيهقى (ص٢٣٣) لكننا نجد في سورة يس، آية/٧١ أن الله تعالى يقول: (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعامًا فهم لها مالكون) ، فأرجو توضيح هذا الأمر.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الحديث المذكور في السؤال، قد سبق الجواب عليه في جواب السؤال رقم: (١١٧٢٧٩) . ثانياً: هذه الآية من سورة " يس " لا تدل على أن الله خلق الأنعام بيده كما خلق آدم ﵇ بيده، فمن تأمل قوله : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُوْن) يس/٧١، ظهر له من المعنى العام والسياق أن المقصود هو ذكر منّة الله تعالى على البشر بما خلق لهم من هذه الأنعام، وليس المقصود النص على ذكر الخلق بـ " اليد " التي هي صفة من صفات الله تعالى، وذلك لعدة قرائن: ١- ذكر الأيدي بلفظ الجمع، مضافاً إلى ضمير الجمع أيضاً " نا " الذي يقصد به التفخيم والتعظيم. ٢- عدم تعدية الفعل " عَمِل " بالباء، فلم يقل: عملنا بأيدينا؛ لأن التعدية بالباء هي التي تؤكد إرادة الحقيقة في السياق، كما جاء ذلك في قوله : (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) ٣- ولو كان كل شيء خلقه الله بيده التي هي صفته سبحانه لما كان لخلق آدم بيده على سائر الخلق فضيلة، ولاحتج إبليس على ربه بقوله: وأنا خلقتني بيدك يا رب، فلماذا أمرتني بالسجود لآدم؟!! قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فقوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) : لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لان القدرة صفة واحدة، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد، ولا يجوز أن يراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى، فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية، ولا يجوز أن يكون: " لما خلقت أنا "؛ لأنهم إذا أرادوا ذلك أضافوا الفعل إلى اليد؛ فتكون إضافته إلى اليد: إضافة له إلى الفاعل؛ كقوله: (بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ) ، و (قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) ، ومنه قوله: (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاما) . أما إذا أضاف الفعل إلى الفاعل، وعدي الفعل إلى اليد بحرف الباء كقوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) ، فإنه نص في أنه فعل الفعل بيديه. ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى: أن يقال: " فعلتَ هذا بيديك " ويقال: " هذا فَعَلَته يداك "؛ لأن مجرد قوله: " فعلت " كاف في الإضافة إلى الفاعل، فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة " انتهى. "مجموع الفتاوى" (٦/٣٦٦) وقال ابن القيم ﵀: " لفظ: " اليد " جاء في القرآن على ثلاثة أنواع: مفرداً، ومثنى، ومجموعاً: فالمفرد كقوله: (بِيَدِهِ المُلكُ) والمثنى كقوله: (خَلَقتُ بِيَدَيَّ) والمجموع كقوله: (عَمِلَت أَيدِينَا) فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد، وعدَّى الفعل بالباء إليهما، فقال (خلقت بيدي) وحيث ذكرها مجموعة أضاف العمل إليها، ولم يعد الفعل بالباء، فهذه ثلاثة فروق، فلا يحتمل (خلقت بيدي) من المجاز ما يحتمله: (عملت أيدينا) فإن كل أحد يفهم من قوله: (عملت أيدينا) ما يفهمه من قوله: عملنا، وخلقنا. كما يفهم ذلك من قوله: (فبما كسبت أيديكم) وأما قوله: (خلقت بيدي) فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى، فكيف وقد دخلت عليها الباء، فكيف إذا ثنيت!! وسر الفرق أن الفعل قد يضاف إلى يد ذي اليد، والمراد الإضافة إليه، كقوله: (بما قدمت يداك) ، (فبما كسبت أيديكم) وأما إذا أضيف إليه الفعل، ثم عدي بالباء إلى يده، مفردة أو مثناة، فهو ما باشرته يده، ولهذا قال عبد الله بن عمرو: (إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثا: خلق آدم بيده، وغرس جنة الفردوس بيده، وذكر الثالثة) فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص بذلك، ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على شيء مما خلق بالقدرة. وقد أخبر النبي ﷺ أن أهل الموقف يأتونه يوم القيامة فيقولون: (يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا إلى ربك) فذكروا أربعة أشياء كلها خصائص ... وهذا التخصيص إنما فهم من قوله: (خلقت بيدي) ، فلو كانت مثل قوله: (مما عملت أيدينا) لكان هو والأنعام في ذلك سواء، فلما فهم المسلمون أن قوله: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) موجبا له تخصيصا وتفضيلا بكونه مخلوقا باليدين على من أمر أن يسجد له، وفهم ذلك أهل الموقف حين جعلوه من خصائصه: كانت التسوية بينه وبين قوله: (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً) خطأ محضاً " انتهى. "الصواعق المرسلة" (ص/٧٥-٧٦) وقال الحافظ ابن رجب ﵀: " وليس المراد هنا الصفة الذاتية - بغير إشكال-، وإلا استوى خلق الأنعام وخلق آدم ﵇ " انتهى. "فتح الباري" لابن رجب (١/٧) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 721

الأشياء التي خلقها الله بيده [السُّؤَالُ] ـ[يروي الإمام الذهبي ﵀ عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش، والقلم، وآدم، وجنة عدن، ثم قال لسائر الخلق: كن فكان) تفسير ابن جابر (٢٣/١٨٥) ، الدارمي في رد على المريسي (ص٩٠) ، الأسماء والصفات للبيهقى (ص٢٣٣) فأرجو توضيح هذا الأمر.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الذي ثبت لنا – بعد الجمع والدراسة – أن الله قد خص أشياء معينة بأنه خلقها أو عملها بـ " يده " دون سائر المخلوقات، وهذه الأمور هي: أولاً: خلق آدم. دليل ذلك قوله : (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ) ص/٧٥. ثانياً: غرس جنة عدن بيده سبحانه. دليله ما ورد عن المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ: غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) رواه مسلم برقم (٣١٢) . ثالثاً: كتب الألواح لموسى ﵇ بيده. دليله ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمُ! أَنْتَ أَبُونَا، خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنْ الْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى، اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ وَابْنِ عَبْدَةَ قَالَ أَحَدُهُمَا: خَطَّ، وقَالَ الْآخَرُ: كَتَبَ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ) رواه مسلم برقم (٢٦٥٢) . رابعاً: القلم. دليله أثر مروي عن ابن عمر ﵄ من قوله موقوفا عليه – وهو الأثر الوارد في السؤال - قال: (خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش، والقلم، وآدم، وجنة عدن، ثم قال لسائر الخلق: كن فكان) رواه الطبري في "جامع البيان" (٢٠/١٤٥) ، والدارمي في "نقضه على المريسي" (ص/٢٦١) ، وأبو الشيخ الأصفهاني في "العظمة" (٢/٥٧٩) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/٧٥٠) ، والحاكم في "المستدرك" (٢/٣٤٩) ، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٢/١٢٦) . جميعهم من طرق عن عُبيد المُكْتِب عن مجاهد عن ابن عمر ﵄ به. وهذا إسناد صحيح، عبيد هو ابن مهران المكتب الكوفي وثقه النسائي وابن معين، انظر "تهذيب التهذيب" (٧/٦٨) . لذلك قال الحاكم بعد إخراجه للأثر: " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه " انتهى. ووافقه الذهبي. وجاء نحوه أيضا عن ابن عباس ﵄، وعن ميسرة ووردان بن خالد وغيرهم من التابعين. انظر "الدر المنثور" للسيوطي (٣/٥٤٩) (٧/٢٠٧) ، فقد جمع كثيراً من هذه الآثار المتعلقة بالموضوع نفسه. وقد تلقى أهل السنة هذا الأثر بالقبول وأوردوه في مصنفاتهم، وردوا به على الجهمية في إنكارهم صفة اليد لله سبحانه. قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي ﵀، بعد روايته للأثر: " أفلا ترى أيها المريسي كيف ميز ابن عمر وفرق بين آدم وسائر الخلق في خلقه اليد أفأنت أعلم من ابن عمر بتأويل القرآن وقد شهد التنزيل وعاين التأويل وكان بلغات العرب غير جهول ". "نقض الدارمي على بشر المريسي" (٣٥) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ثبوت ما أثبته الدليل من هذه الصفات لم يوجب حاجة الرب إليها، فإن الله سبحانه قادر أن يخلق ما يخلقه بيديه وقادر أن يخلق ما يخلقه بغير يديه وقد وردت الأثارة من العلم بأنه خلق بعض الأشياء بيديه وخلق بعض الأشياء بغير يديه....، ثم نقل ﵀ – أي: شيخ الإسلام - أثر الدارمي " انتهى. "بيان تلبيس الجهمية" (١/٥١٣) . ومما ينبغي التنبيه عليه ههنا أمران: ١- ورد في ذكر هذه الأشياء التي خلقها الله بيده أحاديث مرفوعة تجمعها في سياق واحد، ولكنها أحاديث ضعيفة، فلا حاجة لذكرها هنا. ٢- المفهوم المتفق عليه من هذا التخصيص أنه لمزيد تكريم وتشريف وتعظيم، لحكمة يعلمها ، خص هذه الأربعة بأنه خلقها بيده ولم يجعل خلقها بكلمة كن كسائر المخلوقات، فلا يجوز الخوض في تفصيل معاني هذا التخصيص، وكيفيته، بل يجب التسليم به، مع تنزيه الله تعالى عن كل نقص وعيب وتشبيه. قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي ﵀: " ثم إنا ما عرفنا لآدم من ذريته ابنا أعق ولا أحسد منه؛ إذ ينفي عنه أفضل فضائله وأشرف مناقبه، فيسويه في ذلك بأخس خلق الله لأنه ليس لآدم فضيلة أفضل من أن الله خلقه بيده من بين خلائقه، ففضله بها على جميع الأنبياء والرسل والملائكة؛ ألا ترون موسى حين التقى مع آدم في المحاورة: احتج عليه بأشرف مناقبه فقال: أنت الذي خلقك الله يده، ولو لم تكن هذه مخصوصة لآدم دون من سواه ما كان يخصه بها فضيلة دون نفسه " انتهى. "نقض الدارمي على بشر المريسي" (١/٢٥٥) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 722

جواز التكني بـ أبي الطيب فهو ليس من أسماء الله [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم التسمية باسم (أبو الطيب) ، هل تجوز؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: اختلف أهل العلم في عدِّ " الطيب " مِن أسماء الله تعالى، فذكره ابن منده، وابن العربي، والشيخ ابن عثيمين، في تعدادهم لأسماء الله ، ولم يذكره الأكثرون من العلماء: كسفيان بن عيينة، والخطابي، والحليمي، والبيهقي، وابن حزم، والقرطبي، وابن القيم، وابن حجر، والسعدي، وغيرهم ممن جمعوا أسماء الله الحسنى. انظر "معتقد أهل السنة في أسماء الله الحسنى" محمد بن خليفة التميمي (ص/١٥٧) . والصواب مع هؤلاء الجمهور إن شاء الله تعالى، إذ لا دليل على اعتبار " الطَّيِّب " من الأسماء الحسنى، وأما الحديث الذي استدل به الفريق الأول، وهو ما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ) رواه مسلم (١٠١٥) . فالجواب أن هذا الحديث ليس فيه إثبات " الطَّيِّبِ " من أسماء الله تعالى، بل فيه إثباته من الصفات، وفرقٌ بين الأمرين يدل عليه السياق؛ فالحديث مسوق أصلا لمقصد آخر، وهو الحث على أكل الحلال واجتناب الحرام، فبدأ بإثبات وصف الطيب له سبحانه للتقديم بين يدي ما يحبه الله وما يرضاه ويحله، وسياقه لفظ " طيب " من غير أل التعريف قرينة على ذلك، فأسماء الله تعالى غالبا ما تساق معرفة للدلالة على الاستغراق، وأما قوله " إن الله طيب " فالمقصود وصف الله تعالى بالطيب، وليس تسميته به، فالتسمية قدر زائد على الوصف المجرد، وباب الصفات والأخبار أوسع من باب الأسماء. ثانيا: وعلى فرض كون " الطيب " من أسماء الله تعالى، فهو ليس من الأسماء المختصة التي لا تنصرف إلا إليه ، إذ الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجوز التسمي بأسماء الله التي لا تختص به، مثل: علي، حكيم، رشيد، فقد كان من مشاهير الصحابة من يتسمى بهذه الأسماء، والممنوع فقط هو الأسماء المختصة بالرب ، مثل: الله، الرحمن. جاء في حاشية كتاب "أسنى المطالب شرح روض الطالب" (٤/٢٤٣) من كتب الشافعية: " جواز التسمية بأسماء الله تعالى التي لا تختص به، أما المختص به فيحرم، وبذلك صرح النووي في شرح مسلم " انتهى. وقرر بعض فقهاء الحنفية ذلك بقولهم: " التسمية باسم الله يوجد في كتاب الله تعالى: كالعلي والكبير والرشيد والبديع جائز؛ لأنه من الأسماء المشتركة، ويراد به في حق العباد غير ما يراد به في حق الله تعالى " انتهى. انظر: "بريقة محمودية" (٣/٢٣٤) نقلا عن التتارخانية. وهو المفهوم من كلام ابن القيم في "تحفة المودود" (ص/١٢٥) : " ومما يمنع تسمية الإنسان به أسماء الرب ﵎، فلا يجوز التسمية بالأحد، والصمد، ولا بالخالق، ولا بالرازق، وكذلك سائر الأسماء المختصة بالرب ﵎، ولا تجوز تسمية الملوك بالقاهر، والظاهر، كما لا يجوز تسميتهم بالجبار، والمتكبر، والأول، والآخر، والباطن، وعلام الغيوب " انتهى. وقد سبق تقريره في جواب السؤال رقم (١١٤٣٠٩) (١٦٩٢) . فالحاصل مما سبق هو جواز التسمي والتلقب بـ " الطيب "، وجواز التكني بـ " أبي الطيب "؛ إذ لا محذور في ذلك، وفي علماء المسلمين وفقهائهم وحفاظهم عشرات ممن تسموا أو تكنوا بهذه الكنية الطيبة، من غير نكير من أحد عليهم على حد بحثنا وعلمنا، منهم فقيه الشافعية بخراسان الإمام أبو الطيب الصعلوكي (٤٠٤هـ) شيخ الحاكم والبيهقي، ومنهم شيخ الإسلام القاضي أبو الطيب الطبري (٤٥٠هـ) شيخ الخطيب البغدادي، وغيرهم كثير. فمن يدعي تحريم هذه الكنية فعليه الدليل. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 723

الولي والمولى من أسماء الله ويجوز أن يقال للمسلم مولانا [السُّؤَالُ] ـ[هل اسم (الولي) من أسماء الله الحسنى؟ ونسمع أحياناً أشخاص يقولون لشيخ مولانا أو لفلان مولانا , فهل هذا يجوز؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: الولي والمولى اسمان من أسماء الله ، لقوله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الشورى/٩، وقوله: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) البقرة/٢٥٧، وقوله: (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) الأنفال/٤٠، وقوله: (وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) البقرة/٢٨٦، وقوله: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) التوبة/٥١ وقول النبي ﷺ : (اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِى تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا) رواه مسلم (٧٠٨١) . وينظر: فيض القدير (٢/٦١٣) ، القواعد المثلي ص ١٥ ثانيا: يجوز أن يقال للمخلوق: مولانا، إذا كان مسلما، ولا يجوز أن يقال هذا للكافر. وجوز بعض أهل العلم إطلاق (المولى) بالتعريف على المسلم الفاضل بعلم أو صلاح. وقد قال النبي لزيد بن حارثة: (أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا) رواه البخاري (٢٥٥٢) . والمولى يُطلق على المالك والصاحب والقريب والجار والحليف والناصر والمحبّ والمنعِم والمنعَم عليه والعبد والمعتق، ينظر القاموس المحيط قال ابن الأثير: " وقد تكرر ذكر المولى في الحديث وهو اسم يقع على جماعة كثيرة فهو الرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والعقيد والصهر والعبد والمعتق والمنعم عليه وأكثرها قد جاءت في الحديث فيضاف كل واحد إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه وكل من ولى أمرا أو قام به فهو مولاه ووليه وقد تختلف مصادر هذه الأسماء فالولاية بالفتح في النسب والنصرة والمعتق والولاية بالكسر في الإمارة والولاء المعتق والموالاة من والى القوم " اهـ من النهاية في غريب الحديث (٥/٢٢٧) ولهذا لا حرج في إطلاقه على المخلوق ما لم يكن كافراً. قال ابن القيم ﵀: " فصل: لا يخاطب الذمي بسيدنا ونحوه. وأما أن يخاطب بسيدنا ومولانا ونحو ذلك فحرام قطعاً " انتهى من "أحكام أهل الذمة" (٢/٧٧١) . وقال النووي: " قال الإمام أبو جعفر النحاس في كتابه " صناعة الكتاب ": أما المولى فلا نعلم اختلافاً بين العلماء أنه لا ينبغي لأحد أن يقول لأحد من المخلوقين: مولاي. قلت: وقد تقدم في الفصل السابق جواز إطلاق مولاي ولا مخالفة بينه وبين هذا فإن النحاس تكلَّم في المولى بالألف واللام، وكذا قال النحاس: يقال سيد لغير الفاسق ولا يقال السيد بالألف واللام لغير الله تعالى، والأظهر أنه لا بأس بقوله: المولى والسيد بالألف واللام بشرطه السابق " يعني قوله: " إذا كان المُسوَّد فاضلا خيرا، إما بعلم، وإما بصلاح، وإما بغير ذلك، وإن كان فاسقا، أو متهما في دينه، أو نحو ذلك، كره له أن يقال سيد " انتهى من "الأذكار" ص ٨٤٠، وينظر: معجم المناهي اللفظية ص ٥٣٥. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 724

الله بكل شيء عليم [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى (الله بكل شيء عليم) .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله - الله بكل شيء عليم.. لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.. من الأقوال والأعمال.. والحركات والسكنات.. والطاعات والمعاصي.. (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير) الحج/٧٠. - والله سبحانه قد أحاط بكل شيءٍ علماً.. وكتبه في اللوح المحفوظ كما قال سبحانه: (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين) يونس/٦١. - والله وحده علام الغيوب.. يعلم ما في السماوات وما في الأرض كما قال الله سبحانه عن نفسه: (إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) البقرة/٣٣. - والله عليم بكل شيء.. ومفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو كما قال سبحانه: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) الأنعام/٥٩. - والله وحده هو الذي يعلم قيام الساعة.. ونزول المطر.. وما في الأرحام.. وعمل الإنسان.. وزمان ومكان أجله قال تعالى: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير) لقمان/٣٤. - والله سبحانه معنا ولا يخفى عليه شيء من أمرنا.. (وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير) الحديد/٤. - والله مطلع علينا.. يعلم أعمالنا خيراً كانت أو شراً.. ثم يخبرنا بها ويجازينا عليها يوم القيامة.. كما قال سبحانه: (ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم) المجادلة/٧. - والله سبحانه يعلم وحده الغيب والشهادة.. والسر والجهر كما قال سبحانه عن نفسه: (عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال) الرعد/٩. وقال سبحانه: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى) طه/٧. [الْمَصْدَرُ] من كتاب أصول الدين الإسلامي: تأليف الشيخ: محمد بن ابرهيم التويجري.

стр. 725

هل الستير والستار من أسماء الله ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما الفرق بين الستير والستار، وأيهما اسم من أسماء الله ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: أسماء الله تعالى توقيفية، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، فلا يسمى سبحانه إلا بما سمى به نفسه، أو سماه به رسوله ﷺ . قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "أسماء الله تعالى توقيفية، لا مجال للعقل فيها: وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة، فلا يُزاد فيها ولا ينقص؛ لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء، فوجب الوقوف في ذلك على النص؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) الإسراء/٣٦، وقوله: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) الأعراف/٣٣، ولأن تسميته تعالى بما لم يسم به نفسه، أو إنكار ما سمى به نفسه، جناية في حقه تعالى، فوجب سلوك الأدب في ذلك والاقتصار على ما جاء به النص" انتهى. "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (٣/٢٧٥) . ثانياً: لفظ "الستار" لم يثبت - فيما نعلم - في نصوص الكتاب والسنة أنه اسم من أسماء الله تعالى. وقد سُئل الشيخ عبد العزيز الراجحي حفظه الله: هل السَّتَّار من أسماء الله الحسنى؟ فأجاب: " الستار لا أعلم أنه من أسماء الله، ولكن من أسماء الله: "الستير"، كما جاء في الحديث: (إن الله حيي ستير) ، أما الستار فلا أعلم أنه من أسماء الله، وإنما هو من باب الخبر، أُخْبِرَ عن الله أنه ستار، وباب الخبر أوسع من باب الأسماء " انتهى. "نقلاً: عن شريط شرح الإبانة الصغرى لابن بطة". أما لفظ الستير، فقد روى أبو داود (٤٠١٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ حَلِيمٌ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ) وصححه الألباني في صحيح الجامع. وقال ابن القيم ﵀ في "نونيته": وهو الحيي فليس يفضح عبده ... ** عند التجاهر منه بالعصيان لكنه يلقي عليه ستره ... ** فهو الستير وصاحب الغفران وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "لقاء الباب المفتوح": هل المحيي والستير يعتبران من أسماء الله؟ فأجاب: " المحيي ليس من أسماء الله، بل هو صفة فعل من أفعال الله، قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) غافر/٦٨، فالمحيي اسم فاعل من أحيا، فهو من صفات الأفعال وليس من الأسماء. وأما الستير فقد ورد فيه حديث، ولكن يحتاج إلى نظر في صحته، فإذا صح فهو من أسماء الله؛ لأن مذهب أهل السنة والجماعة أن كل ما صح في أسماء الله عن رسول الله فإنه يثبت، أي: ثابت التسمية به " انتهى. وأما الفرق بين "الستير" و "الستار" فكلاهما يدل على المبالغة في الستر، فالله تعالى يستر على عباده كثيراً. واسم الفاعل إذا أريد المبالغة في الوصف به جاء على عدة أوزان منها: فَعَّال، وهذا كثير مشهور، ومنه: "ستَّار". ومنها: فِعِّيل، ومن هذه الصيغة: اسم " سِتِّير"، وقد ورد استعمال هذه الصيغة في القرآن الكريم، قال الله تعالى: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ) يوسف/٤٦، وقال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ) المائدة/٨٢. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 726

هل العدل من أسماء الله تعالى ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل العدل من أسماء الله ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله: فالعدل لم يرد إطلاقه اسما لله تعالى في القرآن ولم يصح به حديث، ولكن ورد في حديث عد الأسماء المشهور الذي رواه الترمذي وغيره، وقد تكلم العلماء في هذا الحديث وضعفوا رفع هذا العد إلى النبي ﷺ ، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ في فتح الباري (١١/٢١٧) : (قال ابن العربي: يحتمل أن تكون الأسماء تكملة الحديث المرفوع ويحتمل أن تكون من جمع بعض الرواة وهو الأظهر عندي.) وقال الصنعاني في سبل السلام (٤/١٠٨) : (اتفق الحفاظ أن سردها –أي عد أسماء الله تعالى في الحديث- إدراج من بعض الرواة.) لكن ورد العدل مقيداً بكونه وصفاً لكلمات الله تعالى، كقوله سبحانه: (وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً.) الأنعام (١١٥) . ولذا اختلف العلماء في عد العدل من أسماء الله تعالى، فجماعة منهم عدوه من الأسماء، كما فعل الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في آخر تفسيره حيث قال وهو يعدد أسماء الله تعالى ويتكلم عن معانيها –: (الحكم العدل الذي يحكم بين عباده في الدنيا والآخرة بعدله وقسطه.) انتهى. وقال البيهقي في الأسماء والصفات (١/١٩٨) : (ومنها العدل وهو في خبر الأسامي مذكور.) انتهى. وبهذا القول قال جماعة من أهل العلم منهم الخطابي وابن منده وآخرون. وذهب فريق آخر إلى عدم عده من أسماء الله، لما ذكرناه من أنه لم يرد إطلاقه اسماً على الله تعالى في نص صحيح، ومن هؤلاء الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى، حيث عد تسعة وتسعين اسماً من الكتاب والسنة في كتابه القواعد المثلى، ولم يذكر اسم (العدل) منها وهكذا فعل الحافظ ابن حجر العسقلاني وآخرون. على أنه قد ثبت وصفه سبحانه بالعدل في أفعاله، كما في البخاري (٣١٥٠) ومسلم (١٠٦٢) من حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود، في شأن الذي اعترض على قسم رسول الله ﷺ : (فَقَالَ: فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) . قال ابن القيم ﵀: والعدْلُ من أوصافهِ في فعلهِ ومقالِهِ والحكم في الميزانِ وورد في معناه عن معاذ ﵁، أنه كَانَ لَا يَجْلِسُ مَجْلِسًا لِلذِّكْرِ حِينَ يَجْلِسُ، إِلَّا قَالَ: (اللَّهُ حَكَمٌ قِسْطٌ هَلَكَ الْمُرْتَابُونَ ... ) رواه أبو داود (٤٦١١) ـ موقوفا على معاذ ـ وصححه الألباني. قال في عون المعبود: " أي حاكم عادل ". والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 727

هل يثبت لله تعالى صفة التردد ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى كلمة (وما ترددت في شيء أنا فاعله) في الحديث القدسي وهل يتردد ربنا ؟ وكيف نرد على من ينفى صحة أن الله يتردد؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله روى البخاري (٦٥٠٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) . فالتردد الوارد في الحديث هو التردد في قبض نفس المؤمن، رحمةً وشفقةً عليه، ومحبةً له؛ لأنه يكره الموت، وربه سبحانه يكره مساءته. وليس هذا كتردد المخلوق الناشئ عن الشك في القدرة، أو في المصلحة. ولهذا يجب أن يقيد وصف الله بالتردد بقولنا: التردد في قبض نفس المؤمن، فهذا هو الوارد في النص، ولا يوصف الله تعالى بالتردد المطلق الذي يشمل أنواعا من العجز والنقص التي لا يجوز نسبتها إلى الله تعالى. سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: ورد في حديث: (من عادى لي ولياً) في نهاية الحديث يقول الله : (وما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن) فهل في هذا إثبات صفة التردد لله ؟ أو كيف التوفيق في هذا الأمر؟ فأجاب: " إثبات التردد لله على وجه الإطلاق لا يجوز؛ لأن الله تعالى ذكر التردد في هذه المسألة: (ما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن) ، وليس هذا التردد من أجل الشك في المصلحة، ولا من أجل الشك في القدرة على فعل الشيء، بل هو من أجل الرحمة بهذا العبد المؤمن، ولهذا قال في نفس الحديث: (يكره الموت وأكره إساءته، ولا بد منه) ، وهذا لا يعني أن الله موصوف بالتردد في قدرته أو في علمه، بخلاف الآدمي فهو إذا أراد أن يفعل الشيء يتردد؛ إما لشكه في نتائجه ومصلحته، وإما لشكه في قدرته عليه؛ أي: هل يقدر أو لا يقدر، أما الرب فلا " انتهى من "لقاءات الباب المفتوح" (٥٩/١٢) . وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن معنى تردد الله في هذا الحديث؟ فأجاب: " هذا حديث شريف، قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد ردَّ هذا الكلام طائفة، وقالوا: إنَّ الله لا يوصف بالتردد، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب، وربما قال بعضهم: إنَّ الله يعامل معاملة المتردد. والتحقيق: أنَّ كلام رسوله حق، وليس أحد أعلم بالله من رسوله، ولا أنصح للأمة منه، ولا أفصح ولا أحسن بياناً منه، فإذا كان كذلك؛ كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس وأجهلهم وأسوئهم أدباً، بل يجب تأديبه وتعزيره، ويجب أن يصان كلام رسول الله ﷺ عن الظنون الباطلة والاعتقادات الفاسدة، ولكن المتردد منا، وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه لا يعلم عاقبة الأمور؛ لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنْزلة ما يوصف به الواحد منا؛ فإن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ثم هذا باطل؛ فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهل منه بالشيء الواحد الذي يحب من وجه ويكره من وجه؛ كما قيل: الشَّيْبُ كُرْهٌ وكُرْهٌ أَنْ أفَارِقَهُ فاعْجَبْ لِشَيْءٍ عَلى البغضاءِ محبوبُ وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب، وفي الصحيح: (حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره) ، وقال تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) الآية. ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث؛ فإنه قال: (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) ؛ فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوباً للحق محباً له، يتقرب إليه أولاً بالفرائض وهو يحبها، ثم اجتهد في النوافل التي يحبها ويحب فاعلها، فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق، فأحبه الحق ... والرب يكره أن يسوء عبده ومحبوبه،.....والله قد قضى بالموت، فكل ما قضى به؛ فهو يريده، ولا بد منه؛ فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كارهٌ لمساءة عبده، وهي المساءة التي تحصل له بالموت، فصار الموت مراداً للحق من وجه، مكروهاً له من وجه، وهذا حقيقة التردد، وهو أن يكون الشيء الواحد مراداً من وجه مكروهاً ن وجه، وإن كان لابد من ترجح أحد الجانبين، كما ترجح إرادة الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته " انتهى من "مجموع الفتاوى" (١٨/١٢٩) باختصار. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 728

حكم وصف القرآن بأنه كلام الله القديم [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم وصف القرآن بأنه كلام الله القديم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: القرآن الكريم كلام الله تعالى: ألفاظه وحروفه ومعانيه؛ منه بدأ، وإليه يعود، تكلم الله تعالى به، وسمعه منه جبريل ﵇، وأنزله على محمد ﷺ . قال سبحانه: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الواقعة/٧٧- ٨٠، وقال: (الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) السجدة/ ١، ٢، وقال: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) الزمر/ ١. وهو من جملة كلامه، الذي هو صفة من صفاته، فمن قال: مخلوق، فهو كافر، هذا ما يعتقده أهل السنة والجماعة، خلافا لما عليه أهل الزيغ والانحراف. قال الطحاوي ﵀ في عقيدته المشهورة: " وأن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولا، وأنزله على رسوله وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية. فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمّه الله وعابه وأوعده بسقر، حيث قال تعالى: (سأصليه سقر) فلما أوعد الله بسقر لمن قال: (إن هذا إلا قول البشر) علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر " انتهى. وقال ابن قدامة ﵀: " ومن كلام الله سبحانه: القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين، بلسان عربي مبين، منزّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وهو سور محكمات، وآيات بينات، وحروف وكلمات، من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، له أول وآخر، وأجزاء وأبعاض، متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف، فيه محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وأمر ونهي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ فصلت/ ٤٢، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ الإسراء/ ٨٨. وهو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ سبأ /٣١، وقال بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ المدثر/ ٢٥، فقال الله سبحانه: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ المدثر/ ٢٦ ... ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفا متفقا عليه أنه كافر، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف " انتهى "لمعة الاعتقاد" ص (٢٨-٢٢) . ومعنى قول أهل السنة: " منه بدأ ": أن الله تعالى تكلم به، فظهوره وابتداؤه من الله تعالى. ومعنى قولهم: " وإليه يعود ": أنه يرفع من الصدور والمصاحف في آخر الزمان، فلا يبقى في الصدور منه آية ولا في المصاحف كما جاء ذلك في عدة آثار. وللحافظ ضياء الدين المقدسي (ت: ٦٤٣هـ) ﵀ رسالة حول هذه المسألة، بعنوان: " اختصاص القرآن بالعود إلى الرحمن ". ولأهل البدع مقالات أخرى كثيرة مخالفة لما دل عليه صريح المعقول، وصحيح المنقول في هذا الباب، يمكن مراجعتها ومعرفة ردود أهل العلم عليها في كتب أهل السنة المصنفة في هذا الباب، ومنها مصنفات خاصة بالرد على أهل البدع في صفة الكلام، مثل: البرهان في مسألة القرآن، وحكاية المناظرة في القرآن، كلاهما لموفق الدين ابن قدامة، صاحب المغني، ﵀، ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتب ورسائل عديدة فيما يتعلق بصفة الكلام من مسائل، فيمكن مراجعة المجلد الثاني عشر من مجموع فتاواه، ومن كتبه المهمة في ذلك كتاب التسعينية، رد على الأشاعرة بدعهم في صفة الكلام من نحو من تسعين وجها. وأما المصنفات المعاصرة، فقد أفرد هذه المسألة بالتأليف الشيخ عبد الله الجديع في كتابه: العقيدة السلفية في كلام رب البرية، وهو كتاب نافع مفيد في بابه. ثانيا: وصف القرآن بالقدم، أو وصف كلام الله تعالى بأنه قديم، يراد به معنيان: الأول: أنه غير مخلوق، كما تقدم؛ وأن جنس الكلام، في حق الله تعالى، قديم، لم يزل متكلما، متى شاء، وكيف شاء، ويكلم من عباده من شاء. وهذا حق، وهذا هو مأخذ من أطلق " القِدَم " في حق القرآن، أو في حق كلام الله تعالى عامة، من أهل السنة. ومن هؤلاء: أبو القاسم اللالكائي في كتابه " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " قال (٢/٢٢٤) : " سياق ما روي عن النبي ﷺ ، مما يدل على أن القرآن من صفات الله القديمة ". ثم قال (٢/٢٢٧) : " ما روي من إجماع الصحابة على أن القرآن غير مخلوق ". وممن أطلق ذلك أيضا: ابن قدامة ﵀ في لمعة الاعتقاد. قال (١٥) : " ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم يسمعه منه من شاء من خلقه، سمعه موسى ﵇ منه من غير واسطة، وسمعه جبري ﵇، ومن أذن له من ملائكته ورسله، وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه، ويأذن لهم فيزورونه، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ، وقال سبحانه: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] ، وقال سبحانه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] ، وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١١ - ١٢] ، وقال سبحانه: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] ، وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله ... " انتهى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " السلف قالوا: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق وقالوا لم يزل متكلما إذا شاء. فبينوا أن كلام الله قديم، أي: جنسه قديم لم يزل. ولم يقل أحد منهم: إن نفس الكلام المعين قديم، ولا قال أحد منهم القرآن قديم. بل قالوا: إنه كلام الله منزل غير مخلوق. وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن بمشيئته، كان القرآن كلامه، وكان منزلا منه غير مخلوق، ولم يكن مع ذلك أزليا قديما بقدم الله، وإن كان الله لم يزل متكلما إذا شاء؛ فجنس كلامه قديم. فمن فهم قول السلف وفرق بين هذه الأقوال زالت عنه الشبهات في هذه المسائل المعضلة التي اضطرب فيها أهل الأرض " انتهى مجموع الفتاوى (١٢/٥٤) . وقال ﵀ أيضا: " وكلام الله: تكلم الله به بنفسه، تكلم به باختياره وقدرته، ليس مخلوقا بائنا عنه. بل هو قائم بذاته، مع أنه تكلم به بقدرته ومشيئته، ليس قائما بدون قدرته ومشيئته. والسلف قالوا: لم يزل الله تعالى متكلما إذا شاء؛ فإذا قيل: كلام الله قديم ; بمعنى أنه لم يصر متكلما بعد أن لم يكن متكلما، ولا كلامه مخلوق، ولا معنى واحد قديم قائم بذاته ; بل لم يزل متكلما إذا شاء فهذا كلام صحيح. ولم يقل أحد من السلف: إن نفس الكلام المعين قديم. وكانوا يقولون: القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. ولم يقل أحد منهم: إن القرآن قديم، ولا قالوا: إن كلامه معنى واحد قائم بذاته، ولا قالوا: إن حروف القرآن أو حروفه وأصواته قديمة أزلية قائمة بذات الله، وإن كان جنس الحروف لم يزل الله متكلما بها إذا شاء ; بل قالوا: إن حروف القرآن غير مخلوقة وأنكروا على من قال: إن الله خلق الحروف " انتهى من الفتاوى (١٢/٥٦٦-٥٦٧) . والمعنى الثاني: أن القرآن معنى، أو معنى وحروف، تكلم الله بها في الأزل، ثم لم يتكلم بعدها، وهذا من بدع الأشاعرة ومن وافقهم من أهل الكلام، التي أرادوا بها الخروج من بدعة المعتزلة والجهمية القائلين بخلق القرآن. فمن قال في القرآن، أو غيره من صفات الله تعالى وأفعاله الاختيارية: إنه قديم، وأراد ذلك فمراده باطل، ثم إن اللفظ الذي أطلقه مجمل غير مأثور. ولأجل هذا الاحتمال الباطل الذي يحتمله إطلاق هذا اللفظ، ولأجل أنه غير مأثور، كان الراجح هنا ألا يطلق لفظ القدم على القرآن، بل يقال فيه ما قال السلف: القرآن كلام الله، غير مخلوق. قال شيخ الإسلام ﵀: " وأتباع السلف يقولون: إن كلام الله قديم، أي: لم يزل متكلما إذا شاء، لا يقولون: إن نفس الكلمة المعينة قديمة كندائه لموسى ونحو ذلك. لكن هؤلاء [يعني: الأشاعرة ومن وافقهم] اعتقدوا أن القرآن وسائر كلام الله قديم العين، وأن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته. ثم اختلفوا: فمنهم من قال: القديم هو معنى واحد، هو جميع معاني التوراة والإنجيل والقرآن؛ وأن التوراة إذا عبر عنها بالعربية صارت قرآنا، والقرآن إذا عبر عنه بالعبرية صار توراة: قالوا: والقرآن العربي لم يتكلم الله به، بل إما أن يكون خلقه في بعض الأجسام، وإما أن يكون أحدثه جبريل أو محمد؛ فيكون كلاما لذلك الرسول، ترجم به عن المعنى الواحد القائم بذات الرب، الذي هو جميع معاني الكلام. ومنهم من قال: بل القرآن القديم هو حروف، أو حروف وأصوات، وهي قديمة أزلية قائمة بذات الرب أزلا وأبدا ... ؛ إذا كلم موسى أو الملائكة أو العباد يوم القيامة فإنه لا يكلمه بكلام يتكلم به بمشيئته وقدرته حين يكلمه، ولكن يخلق له إدراكا يدرك ذلك الكلام القديم اللازم لذات الله أزلا وأبدا. وعندهم لم يزل ولا يزال يقول: ﴿يا آدم اسكن أنت وزوجك﴾ و: ﴿يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك﴾ و ﴿يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ ونحو ذلك وقد بسط الكلام على هذه الأقوال وغيرها في مواضع. والمقصود أن هذين القولين لا يقدر أحد أن ينقل واحدا منهما عن أحد من السلف؛ أعني الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين المشهورين بالعلم والدين، الذين لهم في الأمة لسان صدق، في زمن أحمد بن حنبل ولا زمن الشافعي ولا زمن أبي حنيفة ولا قبلهم. وأول من أحدث هذا الأصل هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب ... " الفتاوى (١٧/٨٥) وعليه فمن قال: القرآن قديم، أو كلام الله قديم، وأراد المعنى الأول: أن القرآن، وسائر كلام الله تعالى، منزل من عنده غير مخلوق، ومع ذلك فهو متعلق بمشيئته واختياره، فمراده صحيح، وإن كان الأولى والأسلم في ذلك أن يقتصر على الألفاظ الواردة عن السلف، السالمة من الإجمال واحتمال المعاني الباطلة. وإن أراد المعنى الثاني ونفى أن يتعلق كلام الله تعالى بمشيئته واختياره، فمراده باطل، واللفظ الذي أطلقه ـ أيضا ـ مبتدع. وانظر أيضا: منهاج السنة النبوية، لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٥/٤١٩-٤٢١) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 729

لماذ لم يُسمِّ الله نفسه بالمتكلم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لماذا لم يسم الله نفسه بالمتكلم، مع أنه يتكلم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يمكننا – للتوضيح – أن نعبر عن السؤال بصيغة أخرى فنقول: هل يجوز أن يُشتَقَّ من صفاتِ الله تعالى وأفعالِه التي أثبتها الله لنفسه أسماءً له يتسمى بها، ليدعوه بها عبادُه، ويحصوها مع أسمائه حتى ينالوا الأجر المذكور في قول النبي ﷺ : (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) رواه البخاري (٢٧٣٦) ومسلم (٢٦٧٧) ، أم أنَّ هناك ضابطًا في اشتقاق الأسماء الحسنى من الصفات والأفعال؟ لا بد أولا من إرجاع الحكمة إلى الله تعالى، فهو سبحانه صاحب الكمال المطلق، يتسمى ويتصف بما هو أهل له، والعباد إنما يتلمَّسون شيئا مما بينه لهم في كتابه من كماله وجلاله وعظمته، فإليه يرجع الأمر كله، وله الحكمة البالغة . إلا أننا نحاول الوقوف على فقه أسمائه وصفاته من خلال ما ورد في الكتاب والسنة، نتأمل في ذلك لعلنا نصل إلى ضابط في تحديد الأسماء الحسنى. وقد اختلف العلماء فيما سأل عنه الأخ الكريم، مما أدى إلى اختلافهم في تعداد أسماء الله الحسنى ووضع الضابط لها، فقد جعل بعضهم الأمر تعبديا محضا ليس فيه شيء من معاني القياس أو الاجتهاد كما فعل ابن حزم، وتوسع بعضهم فأجاز تسمية الله بالمتكلم والمريد وبكل اسم جاء وصف الله تعالى بمعناه في الكتاب أو السنة، وهذا مذهب ابن العربي المالكي وغيره. وتوسط بعض أهل العلم، فتأملوا في موارد الأسماء الحسنى، فوجدوا أن الصفة إذا كانت صفة مدح مطلق ولا تحتمل الذم بوجه من الوجوه: كالسمع والبصر، فحينئذ يأتي في النصوص اشتقاق الاسم منها فيسمي الله نفسه بـ " السميع " و " البصير ". أما إذا كانت الصفة تحتمل النقص والذم بإحدى الوجوه: كالكلام مثلا، فإن الكلام قد يكون كذبا وظلما وسُوءًا، فيكون نقصا يفضل السكوت عليه، فحينئذ لا نجد اشتقاقا للاسم من هذه الصفة، ولا نجد من أسماء الله: المتكلم. وهذا هو تقرير العلامة ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وقول أكثر علمائنا المعاصرين. يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى في "شرح العقيدة الأصفهانية" (١/١٩-٢٠) : " وأما تسميته سبحانه بأنه مريد وأنه متكلم: فإن هذين الاسمين لم يردا في القرآن، ولا في الأسماء الحسنى المعروفة، ومعناهما حق، ولكن الأسماء الحسنى المعروفة هي: التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها. والعلم والقدرة والرحمة ونحو ذلك هي في نفسها صفات مدح، والأسماء الدالة عليها أسماء مدح. وأما الكلام والإرادة: فلما كان جنسه ينقسم إلى محمود: كالصدق والعدل، وإلى مذموم: كالظلم والكذب، والله تعالى لا يوصف إلا بالمحمود دون المذموم ... فلهذا لم يجئ في أسمائه الحسنى المأثورة: المتكلم والمريد " انتهى. ويقول أيضا ﵀ في "بيان تلبيس الجهمية" (٢/١٠-١١) : " وذلك أن الله سبحانه له الأسماء الحسنى، كما سمى نفسه بذلك، وأنزل كتبه، وعلَّمه من شاء من خلقه، كاسمه: الحق، والعليم، والرحيم، والحكيم، والأول، والآخر، والعلي، والعظيم، والكبير، ونحو ذلك. وهذه الأسماء كلها أسماء مدح وحمد، تدل على ما يحمد به، ولا يكون معناها مذموما ... والله له الأسماء الحسنى، ليس له مثل السوء قط، فكذلك أيضا الأسماء التي فيها عموم وإطلاق لما يحمد ويذم، لا توجد في أسماء الله الحسنى؛ لأنها لا تدل على ما يحمد الرب به ويمدح " انتهى. ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى كما في "مختصر الصواعق" (٢/٣٤) " لم يأت في أسمائه الحسنى المريد والمتكلم ولا الفاعل ولا الصانع لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم، وإنما يوصف بالأنواع المحمودة منها كالحليم والحكيم والعزيز والفعال لما يريد " انتهى. ويقول أيضا ﵀ في "مدارج السالكين" (٣/٤١٥-٤١٦) : " وما كان مسماه منقسما – يعني إلى كامل وناقص - لم يدخل اسمه في الأسماء الحسنى: كالشيء والمعلوم، ولذلك لم يسم بـ " المريد "، ولا بـ " المتكلم "، وإن كان له الإرادة والكلام؛ لانقسام مسمى " المريد " و " المتكلم "، وهذا من دقيق فقه الأسماء الحسنى، فتأمله وبالله التوفيق " انتهى. ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى "شرح الواسطية" (١/٨٦) : " ولهذا لم يسم الله نفسه بالمتكلم، مع أنه يتكلم؛ لأن الكلام قد يكون خيراً، وقد يكون شراً، وقد لا يكون خيراً ولا شراً، فالشر لا ينسب إلى الله، واللغو كذلك لا ينسب إلى الله، لأنه سفه، والخير ينسب إليه، ولهذا لم يسم نفسه بالمتكلم، لأن الأسماء كما وصفها الله : (ولله الأسماء الحسنى) الأعراف/١٨٠، ليس فيها أي شيء من النقص، ولهذا جاءت باسم التفضيل المطلق " انتهى. وانظر جواب السؤال رقم (٣٩٨٠٣) ، (٤٨٩٦٤) وللتوسع انظر كتاب "معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى" للدكتور محمد بن خليفة التميمي (٥٠-٥٩) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 730

استعمال ضمير المذكر "هو" في حق الله تعالى ؟! [السُّؤَالُ] ـ[لماذا نقول عند الإشارة إلى الله فى القرآن والحديث " هو "؟ فكيف لنا أن نعلم بأن الله يشار إليه بلفظ " هو "؟ فقد أتت إليَّ إحدى الفتيات غير مسلمات وسألتني لماذا لا نقول " هي " عند الإشارة لله؟ ولماذا نقول " هو "؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لسنا ندري إلى من نوجه خطابنا أولا ـ أيتها السائلة ـ؛ أنكلمك أنت، وأنت التي وجهتِ السؤال إلينا، أم نتوجه إلى تلك التي ظل الشيطان يتلاعب بها، ويجرئُها على الله تعالى، وهو يمهلها سبحانه؛ فلم تكتف بالكفر به، حتى راحت تلقي سخافات عقلها التي يأباها العاقل، ولو كان كافرا مثلها، وأنت ـ وتلك مصيبتك ـ تسمعين إليها، وتظنين أنها قالت شيئا يستحق السؤال، والقلق في الجواب؟ على أية حال، إنما يعنينا أنت الآن، فلا هي سألتنا، ولا هي من أهل ملتنا حتى نخاطبها بما عندنا، وإن كنا نجيبك ـ إن شاء الله ـ بما يصلح في جوابها ـ أيضا ـ لو كانت من عقلاء قومها؟ فاعلمي ـ أيتها السائلة الكريمة ـ أن سبب سؤال هذه السائلة إنما هو جهلها باللغة العربية التي نتحدث بها، بل جهلها بشأن غيرها من اللغات. قال العلامة اللغوي أبو الفتح ابن جني: " باب فيما يؤمنه علم العربية من الاعتقادات الدينية. اعلم أن هذا الباب من أشرف أبواب هذا الكتاب، وأن الانتفاع به ليس إلى غاية، ولا وراءه من نهاية؛ وذلك أن أكثر من ضل من أهل الشريعة عن القصد فيها، وحاد عن الطريقة المثلى إليها، فإنما استهواه واستخف حلمه: ضعفُه في هذه اللغة الكريمة الشريفة، التي خوطب الكافة بها، وعرضت عليها الجنة والنار من حواشيها وأحنائها.. " انتهى. الخصائص (٣/٢٤٨) . فاعلمي ـ أيتها السائلة ـ أن من ضرورات الخطاب والتفاهم أن يُعبر عن كل أحد بما يخصه ويميز جنسه، وهذه ظاهرة قديمة في اللغات البشرية. " غير أن هناك أشياء لا صلة لها بالجنس الحقيقي، مثل الجمادات، كالحجر والجبل، والمعاني، كالعدل والكرم، وغير ذلك. فمثل هذه الأمور لا يلحظ فيها تذكير ولا تأنيث، بالمدلول الحقيقي الطبيعي لهاتين الكلمتين. وكان ذلك ـ فيما يبدو ـ هو السبب الذي جعل بعض اللغات تقسم الأسماء الموجودة فيها إلى ثلاثة أقسام: مذكر ومؤنث، وقسم ثالث هو ما يسمى في اللغات الهندوأوربية " بالمحايد" NEUTER وهو في الأصل ما ليس مذكرا ولا مؤنثا. ولكن اللغات البشرية لم تسر كلها هذا الشوط، على نمط واحد، فقد وزعت اللغات السامية ـ مثلا ـ أسماء القسم الثالث، وهو المحايد، على القسمين الآخرين، وصارت الأسماء فيها إما مذكرة وإما مؤنثة ... ومثل ذلك حدث في اللغة الفرنسية؛ إذ ليس في أسمائها إلا التذكير والتأنيث، وكانت الإنجليزية في ذلك أوغل من الفرنسية ... " انظر: مقدمة د. رمضان عبد التواب ﵀ لكتاب " البلغة في المذكر والمؤنث "، لابن الأنباري (٣٧-٣٩) . وإذا عرفنا أن تقسيم الأشياء إلى مذكر ومؤنث ـ حتى ما لا يوصف في واقع الأمر بذلك ـ هو من خصائص معظم اللغات، خاصة الحية منها الآن؛ وليس من خصائص اللغة العربية وحدها، فلتعلمي أن الشيء ـ أي شيء ـ إذا دار بين أن يوصف في اللغة بالمذكر أو المؤنث، ولم يكن مما يوصف في حقيقة أمره بذلك، فإن اللغة ترجح الإخبار عنه بوصفه مذكرا؛ لأنه أخف عندهم، ولأنه الأصل، فلا يحتاج إلى علامة، ويتفرع عنه المؤنث، بالعلامة الدالة عليه. يقول إمام النحو سيبويه، ﵀: " واعلم أن المذكر أخفّ عليهم من المؤنث لأن المذكر أول، وهو أشد تمكناً، وإنما يخرج التأنيث من التذكير؛ ألا ترى أن " الشيء " يقع على كل ما أُخبر عنه، من قَبْل أن يُعلم أذكر هو أو أنثى، والشيء ذكر؟! " كتاب سيبويه (١/٢٢) وانظر (٣/٢٤١) منه. وإذا كان الأمر يدور بين قسمين، أو أمرين، أحدهما أرجح من الآخر، ولو بوجه ما، " وجب ضرورة اختصاص الرب بأشرف الأمرين وأعلاهما " [الصواعق ٤/١٣٠٨] . ولذلك تجد عامة من يؤمن بأن له في السماء إلاها، يخبر عنه بذلك الضمير " هو " الذي هو لائق به سبحانه، وهذا أمر فطري لا يحتاج إلى بحث ونظر أو دليل، فلا تجد عالما أو جاهلا، موحدا لله أو مشركا به، إلا ويخبر بذلك عن الله سبحانه، ولو قد تكلم أحد منهم بضمير المؤنث، كما قالت لك تلك المسكينة، لقاموا عليه جميعا، وعرفوه بالجهل والضلال المبين. فكيف إذا انضم إلى ذلك خبر الله تعالى عن نفسه، في كتابه الكريم، بل في كتبه المنزلة جميعا، بمثل ذلك الضمير. قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (الأنعام:٧٣) وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الروم:٢٧) وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) (الزخرف:٨٤) والآيات في ذلك أكثر من أن تحصى. فكيف إذا كان الله تعالى قد عاب على المشركين أنهم يدعون عبادة الله الواحد الواحد القهار، ويعبدون من دونه إناثا، وذمهم على ذلك وبين قبيح عملهم. قال تعالى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً) (النساء:١١٧) . يقول الإمام الطبري ﵀: " يقول جل ثناؤه: فحسب هؤلاء الذين أشركوا بالله، وعبدوا ما عبدوا من دونه من الأوثان والأنداد، حجّة عليهم في ضلالتهم وكفرهم وذهابهم عن قصد السبيل، أنهم يعبدون إناثًا ويدعونها آلهة وأربابًا، والإناث من كل شيء أخسُّه، فهم يقرون للخسيس من الأشياء بالعبودة، على علم منهم بخساسته، ويمتنعون من إخلاص العبودة للذي له ملك كل شيء، وبيده الخلق والأمر " تفسير الطبري (٩/٢١١) ط محمود شاكر. وقال الشيخ ابن سعدي ﵀: " أي: ما يدعو هؤلاء المشركون من دون الله إلا إناثا، أي: أوثانا وأصناما مسميات بأسماء الإناث كـ "العزى" و "مناة" ونحوهما. ومن المعلوم أن الاسم دال على المسمى؛ فإذا كانت أسماؤها أسماء مؤنثة ناقصة، دل ذلك على نقص المسميات بتلك الأسماء، وفقدها لصفات الكمال، كما أخبر الله تعالى في غير موضع من كتابه، أنها لا تخلق ولا ترزق ولا تدفع عن عابديها، بل ولا عن نفسها نفعا ولا ضرا، ولا تنصر أنفسها ممن يريدها بسوء، وليس لها أسماع ولا أبصار ولا أفئدة، فكيف يُعبد من هذا وصفه، ويترك الإخلاص لمن له الأسماء الحسنى، والصفات العليا، والحمد والكمال، والمجد والجلال، والعز والجمال، والرحمة والبر والإحسان، والانفراد بالخلق والتدبير، والحكمة العظيمة في الأمر والتقدير؟!! هل هذا إلا من أقبح القبيح الدال على نقص صاحبه، وبلوغه من الخسة والدناءة أدنى ما يتصوره متصور، أو يصفه واصف؟!! " انتهى، من تفسير السعدي (٢٠٣) . على أننا ننبه أن الله تعالى لا يوصف بشيء من ذلك، وإنما ذلك من ضرورات الخطاب في اللغة، وما يحتاجه الناس في التفاهم؛ فكل ذكر وأنثى مخلوق، والله تعالى هو خالق الذكر والأنثى: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى) (النجم:٤٥) . وتعالى الله أن يكون له ند أو شبيه، أو زوجة أو ولد: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الأنعام:١٠١) . وقال تعالى، في خبره عن مؤمني الجن أنهم لما سمعوا القرآن آمنوا به، وعرفوا ربهم سبحانه: (وأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً) (الجن:٣) . وما عليك أيتها السائلة إلا أن ترشديها إلى كتابها، إن كانت تؤمن بأن لها إلاها، أرسل رسولا، وأنزل عليه كتابا، فلتنظر فيه، ولتعلم لماذا. فإن كانت قد تفجرت غيظا أو لعلها اغتاظ قلبها، لأنها الأنثى، والله تعالى لا يوصف بما توصف به الأنثى؛ فلقد بلغ الكفر من الناس في زماننا كل مبلغ، فراحت الأنثى تطلب أن تنتصر لبني جنسها من الإناث، بالحق وبالباطل، كفعل أهل الجهل والنقص، يشعر أحدهم بخسة نفسه، ودناءة حاله، فيريد أن يعوضه ولو بالباطل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الذي يعظّم نفسه بالباطل يريد أن ينصر كل ما قاله، ولو كان خطأ ". مجموع الفتاوى (١٠/٢٩٢) . فإن كان وصل بها الجهل والنقص إلى أن تشبه الله تعالى بخلقه، بل بالإناث من خلقه، فتلك حال لم يصلها جهال العرب في عبادتهم للأوثان؛ فإنهم كانوا يعلمون أن الله الخالق الرازق هو أجل من أوثانهم هذه، ولا يليق أن يكون مثلها. فاحذري يا أمة الله من كل جاهل مارق، واعلمي أن المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل. (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 731

شروط ترجمة أسماء الله تعالى، وكتب مزكاة في الموضوع [السُّؤَالُ] ـ[أنا من " بلغاريا "، فهل يجوز لي عندما أقوم بترجمة أسماء الله أن أزيد أداة على الاسم في حالة الرفع؟ فقد أخبرني أخ لي في الإسلام أنه لايجوز زيادة أداة على أسماء الله إلا فى حالة كونه مفعولاً، وأن هذه قاعدة لغوية، فهل هذا صحيح؟ . رجاء راسلوني بأسرع ما يمكن! بارك الله فيكم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا يوجد في الشرع ما يمنع المسلم من ترجمة معاني الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، لكن لا بدَّ من أن يكون القائم على الترجمة بصيراً باللغة العربية، وبصيراً باللغة التي يريد الترجمة لها، ولا بدَّ أن يكون أميناً في نقله وترجمته، ولابدَّ أن يكون على علمٍ بالشريعة، وأن يكون على اعتقاد أهل السنَّة والجماعة، وإلا فإنه لا يؤمن على ترجمته أن يدس بها اعتقادات ضالة منحرفة. وترجمة معاني أسماء الله وصفاته لا تخرج عما ذكرناه من الجواز، ومن الشروط، وعلى المسلم الذي يود القيام بهذه المهمة الجليلة أن يُكثر من قراءة كتب أهل السنة والجماعة المؤلفة في بيان معاني أسماء الله وصفاته، قبل القيام بالترجمة؛ لئلا يقع منه الخطأ في فهم الاسم أو الصفة؛ وحتى يترجمه إلى المعنى اللائق به. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: وأما مُخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم، ولغتهم: فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحةً، كمخاطبة العجم من الروم والفُرس والتُّرك بلغتهم وعُرفهم، فإنَّ هذا جائزٌ حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة إذا لم يُحْتَجْ إليه.... " درء تعارض العقل والنقل " (١ / ٤٣) . وقال – ﵀: وكذلك في الإثبات، له الأسماء الحسنى التي يُدعى بها ... [و] إذا أثبت الرجل معنًى حقّاً، ونفى معنًى باطلاً واحتاج إلى التعبير عن ذلك بعبارة لأجل إفهام المخاطب لأنها من لغة المخاطب، ونحو ذلك: لم يكن ذلك منهيّاً عنه؛ لأن ذلك يكون من باب ترجمة أسمائه، وآياته بلغة أخرى ليفهم أهل تلك اللغة معاني كلامه وأسمائه، وهذا جائز، بل مستحب أحياناً، بل واجب أحياناً ... إذا كانت المعاني التي تبيَّن لهم هي معاني القرآن والسنة، تشبه قراءة القرآن بغير العربية، وهذه الترجمة تجوز لإفهام المخاطب بلا نزاع بين العلماء." انتهى ـ مختصرا ـ من: " بيان تلبيس الجهمية " (٢ / ٣٨٩) . وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: هل يجوز ترجمة أسماء الله الحسنى إلى لغة غير عربية – يعني: أجنبية -؟ . فأجاب: ترجمة أسماء الله لمن يريد أن يتفهمها: هذا لا بأس به، بل قد يكون واجباً؛ إذ إن الذي لا يعرف اللغة العربية يحتاج إلى فهم المعنى، ولهذا قال الله : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) يعني: بِلُغتهم (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) إبراهيم/من الآية ٤. فترجمتها لأجل التفهيم: لا بأس به. أما لأجل التأسيس بمعنى أن نُحلَّ غير اللغة العربية محل اللغة العربية: فهذا لا يجوز؛ لأنه طمسٌ للغة العربية. " دروس الحرمين: دروس المسجد النبوي " الشريط ٦٢، الوجه الثاني. وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم (٩٣٤٧) فتوى اللجنة الدائمة في جواز ترجمة القرآن والحديث وأسماء الله تعالى، فلتنظر. ثانياً: والزيادة على أسماء الله تعالى باللغة المترجم إليها لا حرج فيه إن كان يؤدي إلى إيصال المعنى اللائق بالله تعالى، ولا يلتفت المترجم إلى كون الاسم منصوباً أو مرفوعاً أو مجروراً في القرآن أو السنة؛ فإن هذا لا يؤثر في الترجمة، ولن يغير معنى الاسم وروده مرفوعاً أو منصوباً؛ لأن تلك الحركات استحقها الاسم بحسب موقعه من الإعراب. ومما نزكيه للأخ المترجم من كتب يقرؤها قبل قيامه بالترجمة: ١. " تفسير أسماء الله الحسنى " للشيخ عبد الرحمن السعدي، منشور في " مجلة الجامعة الإسلامية " (العدد ١١٢) . ٢. " القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى " للشيخ محمد بن صالح العثيمين. ٣. " صفات الله الواردة في الكتاب والسنَّة " للشيخ علوي بن عبد القادر السقَّاف. ٤. " النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى " للشيخ محمد الحمود. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 732

شبهة في خلق القرآن [السُّؤَالُ] ـ[أنا أؤمن أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، ولكن كيف نجمع بين هذا وبين الحديث القائل بأن سورة البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غيايتان تحاجان عن صاحبهما، وهذا قطعاً ينفي كون تلك الغيايتين من ذات الله، وكذلك الأحاديث الأخرى عن سورة تبارك في القبر، وغيرها من سور القرآن التي تتمثل في صورة مخلوق يدافع عن العبد في الآخرة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه أولا: يعتقد المسلمون أن القرآن الكريم كلام الله تعالى، تكلم به كما يليق بجلاله وعظمته سبحانه. يقول الله : (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَعْلَمُونَ) التوبة/٦ يقول الإمام الآجري في كتاب "الشريعة" (١/٨٤) : " اعلموا رحمنا الله تعالى وإياكم: أن قول المسلمين الذين لم تزغ قلوبهم عن الحق، ووُفقوا للرشاد قديما وحديثا: أن القرآن كلام الله ، ليس بمخلوق؛ لأن القرآن من علم الله تعالى، وعلم الله لا يكون مخلوقا، تعالى الله عن ذلك، دل على ذلك القرآن والسنة وقول الصحابة رضي الله تعالى عنهم وقول أئمة المسلمين رحمة الله تعالى عليهم، لا ينكر هذا إلا جهمي خبيث، والجهمية عند العلماء كافرة. وقال الله لنبيه ﵊: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) الأعراف/١٥٨. وهو القرآن. وقال جل وعلا لموسى ﵊: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ) الأعراف/١٨٨ ومثل هذا في القرآن كثير، وقال : (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ) آل عمران/٦١، وقال : (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) البقرة/١٤٥ لم يزل الله تعالى عالما متكلما سميعا بصيرا بصفاته قبل خلق الأشياء، من قال غير هذا فقد كفر. وسنذكر من السنن والآثار وقول العلماء الذين لا يستوحش من ذكرهم: ما إذا سمعها من له علم وعقل زاده علما وفهما، وإذا سمعها من في قلبه زيغ فإذا أراد الله هدايته إلى طريق الحق رجع عن مذهبه، وإن لم يرجع فالبلاء عليه أعظم " انتهى. فمن أحب التوسع فليرجع إلى ما ذكره الآجري من أدلة متواترة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق. ثانيا: أصل القول بخلق القرآن ليس استدلالا من الكتاب والسنة، وإنما بأدلة عقلية اضطرتهم إلى نفي الصفات عن الله تعالى، وذلك حين قالوا بأن الصفات لا تقوم إلا في المخلوقات والحوادث، وتوصلوا إلى هذه القاعدة عبر سلسلةٍ من المغالطات التي يسمونها "دليل حدوث العالم"، ثم نظروا بعد ذلك في القرآن الكريم، فحرَّفوا كل دلالة تُخَالفُ هذا المفهوم الذي توصلوا إليه، وجمعوا كل شبهة يمكن أن تدل عليه، فكان مما تشبَّثُوا به ما ذكره السائل الكريم، مما جاء في السنة الآحادية الصحيحة – مع أنهم لا يحتجون في العقائد إلا بالمتواتر منها – أن القرآن يأتي يوم القيامة على هيئة معينة ليشفع لصاحبه، قالوا وهذا يدل على أنه مخلوق، فإنه لا يتصف بالمجيء والإتيان إلا المخلوق. عن أَبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا) رواه مسلم (٨٠٤) الغمامة والغياية كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه، (الفِرقان) هما قطيعان وجماعتان من طير (صواف) جمع صافة: وهي من الطيور ما يبسط أجنحتها في الهواء. "شرح مسلم للنووي" (٦/٩٠) وعن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ فَيَقُولُ أَنَا الَّذِي أَسْهَرْتُ لَيْلَكَ وَأَظْمَأْتُ نَهَارَكَ) رواه ابن ماجه (٣٧٨١) وصححه البوصيري في الزوائد، وابن حجر في "المطالب العالية" (٤/٦٦) ، وقال الألباني في ضعيف ابن ماجه: ضعيف يحتمل التحسين. وحسنه من حديث أبي هريرة في "السلسلة الصحيحة" (٢٨٢٩) وهذه شبهة قديمة أجاب عنها الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة. يقول ابن قتيبة ﵀ في "تأويل مختلف الحديث" (٢٥٨) : " أراد بقوله (تجيء البقرة وآل عمران كأنها غمامتان) أن ثوابهما يأتي قارئهما حتى يظله يوم القيامة، ويأتي ثوابه الرجل في قبره، ويأتي الرجل يوم القيامة حتى يجادل عنه، ويجوز أن يكون الله تعالى يجعل له مثالا يحاج عنه ويستنقذه " انتهى. وانظر: الرد على الزنادقة والجهمية، للإمام أحمد ص (٤٢-٤٣) . ويقول ابن بطة في "الإبانة الكبرى" (٥/٤٧٦) : " ثم إن الجهمية لجأت إلى المغالطة في أحاديث تأولوها، موهوا بها على من لا يعرف الحديث، وإنما عنى في هذه الأحاديث في قوله: (يجيء القرآن وتجيء البقرة وتجيء الصلاة ويجيء الصيام) يجيء ثواب ذلك كله، وكل هذا مبين في الكتاب والسنة. قال الله : (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) الزلزلة/٧-٨ فظاهر اللفظ من هذا أنه يرى الخير والشر، وليس يرى الخير والشر، وإنما ثوابَهما والجزاء عليهما من الثواب والعقاب. كما قال (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ) آل عمران/٣٠ وليس يعني أنها تلك الأعمال التي عملتها بهيئتها وكما عملتها من الشر، وإنما تجد الجزاء على ذلك من الثواب والعقاب. فيجوز في الكلام أن يقال: يجيء القرآن، تجيء الصلاة، وتجيء الزكاة، يجيء الصبر، يجيء الشكر، وإنما يجيء ثواب ذلك كله " انتهى. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٨/٤٠٨) : " ولما احتج الجهمية على الإمام أحمد وغيره من أهل السنة على أن القرآن مخلوق بقول النبى ﷺ : (تأتي البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف) و (يأتي القرآن فى صورة الرجل الشاحب) ونحو ذلك. قالوا: ومن يأتى ويذهب لا يكون إلا مخلوقا. أجابهم الإمام أحمد: بأن الله تعالى قد وصف نفسه بالمجيء والإتيان بقوله: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) الأنعام/١٥٨، وقال: (وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً) الفجر/٢٢، ومع هذا فلم يكن هذا دليلا على أنه مخلوق بالاتفاق، بل قد يقول القائل جاء أمره، وهكذا تقوله المعتزلة الذين يقولون القرآن مخلوق، يتأولون هذه الآية على أن المراد بمجيئه مجيء أمره، فَلِمَ لا يجوز أن يتأول مجيء القرآن على مجيء ثوابه، ويكون المراد بقوله (تجيء البقرة وآل عمران) بمجيء ثوابها، وثوابها مخلوق! وقد ذكر هذا المعنى غير واحد، وبينوا أن المراد بقوله (تجيء البقرة وآل عمران) أي: ثوابهما، ليجيبوا الجهمية الذين احتجوا بمجيء القرآن وإتيانه على أنه مخلوق " انتهى وفي مجموع الفتاوى (٥/٣٩٨) : " وأحمد وغيره من أئمة السنة فسروا هذا الحديث بأن المراد به مجىء ثواب البقرة وآل عمران، كما ذكر مثل ذلك من مجىء الأعمال فى القبر وفى القيامة، والمراد منه ثواب الأعمال، والنبي ﷺ قال: (اقرؤوا البقرة وآل عمران فانهما يجيئان يوم القيامة كأنهما غيايتان أو غمامتان أو فرقان من طير صواف يحاجان عن أصحابهما) وهذا الحديث فى الصحيح، فلما أمر بقرائتهما، وذكر مجيئهما يحاجان عن القارىء، علم أنه أراد بذلك قراءة القارىء لهما، وهو عمله، وأخبر بمجيء عمله الذى هو التلاوة لهما فى الصورة التى ذكرها، كما أخبر بمجىء غير ذلك من الأعمال " انتهى. يتبين مما سبق أنه لا يصح الاستدلال بهذه الأحاديث على خلق القرآن، لأن المقصود بها ثواب قراءة القرآن، كما أن المقصود بقوله تعالى (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) الزلزلة/٧، أنه يرى ثواب الخير. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 733

حكم الإخراج السينمائي [السُّؤَالُ] ـ[أنا أود أن أصبح مخرجاً سينمائيّاً، فهل هذا يتعارض مع الشريعة الاسلامية؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إن معرفة واقع السينما اليوم يسهِّل علينا تعريفك بحكم التأليف والإنتاج والتمثيل والإخراج السينمائي، فهو واقع مزرٍ، ولا يكاد يخلو فيلم سينمائي – عربي أو أجنبي – من نشر للفاحشة والرذيلة والجريمة، فالأفلام مليئة بمشاهد الحب والعري، وشرب الخمور، ومصادقة الأجنبيات وتقبيلهن والزنا بهن، مع ما فيها من نشر جرائم الاغتصاب والسرقة والقتل، وهو ما أثَّر في نفوس المشاهدين من الرجال والنساء والأطفال، وقد ذكر أهل الاختصاص في تقاريرهم ما ينبئ عن خطر هذه الأفلام السينمائية على الخلق والدين والمجتمع والأسرة. ولذا كانت المساهمة في ظهور هذه الأفلام مشاركة في الإثم والعدوان، ولا يشك أحد له اطلاع على واقع هذه السينما في تحريم إنتاجها وتمثيلها وإخراجها. وقد حاول بعض المفتين المعاصرين أن يضع ضوابط للسينما! لكنها أشبه ما تكون بالخيال، وهي بعيدة كل البعد عن الواقع العملي. فقال صاحب كتاب " الحلال والحرام في الإسلام " – في ذِكر ضوابط السينما -: ١. أن تنزه موضوعاتها التي تعرض فيها عن المجون والفسق وكل ما ينافي عقائد الإسلام وشرائعه وآدابه. ٢. أن لا تشغل عن واجب ديني أو دنيوي كالصلوات الخمس. ٣. أن يتجنب مرتادها الملاصقة والاختلاط المثيرين بين الرجال والنساء الأجنبيات عنهم منعاً للفتنة ودرأ للشبهة. انتهى. وقد ردَّ عليه كثيرون، ومنهم الشيخ صالح الفوزان حفظه الله فقال: "والجواب عن ذلك من وجهين: الوجه الأول: أن نقول: بعيد كل البعد أو قد يكون مستحيلاً في السينما أن تتوفر هذه الشروط التي ذكرها المؤلف وخلوها من هذه المحاذير لأنها لو خلت من هذه الأشياء وتمحضت للتوجيه النافع - على حد زعم المؤلف - لم يحصل الإقبال عليها من الناس ولم يكثر مرتادوها - ومهمة القائمين عليها استجلاب الناس إليها بشتى الوسائل ليحصلوا منهم على الكسب المادي لأنها أداة كسب في الغالب. الوجه الثاني: لو فرضنا خلوها من هذه المحاذير - فإنها لا تخلو من عرض الصور المتحركة ومشاهدتها - ولا شك أن التصوير لذوات الأرواح واستعمال الصور المحرمة محرم، وقد امتنع النبي ﷺ من دخول الكعبة حتى محى ما فيها من الصور وامتنع ﷺ من دخول بيت عائشة ﵁ من أجل نمرقة فيها تصاوير، وامتنع من دخول بيت علي بن أبي طالب ﵁ لما رأى فيه تصاوير، فدل ذلك على أنه لا يجوز مشاهدة الصور في البيت ولا في السينما ولا في غيرها ولا دخول مكان تعرض فيه. وكشاهد على ما ذكرنا من أنه لا يمكن خلو السينما من المحاذير والشرور وأنها أداة شر: ننقل لك جملة من أقوال من عرفوا تلك الأضرار في السينما فحذروا منها: قال في كتاب " النهضة الإصلاحية " صحيفة (٣٥٧) وهو يعدد جملة من المنكرات قال: ومنها: وقوع نظر النساء على الصور المتحركة - السينما - ذلك أن تلك الشاشة البيضاء كما يسمونها لا تخلو أبدا من مناظر فاجرة تمثل الفسق والغرام والهيام المفرط الذي جاوز الحد، ومعروف أن النفوس مجبولة على التقليد، ولها من الإحساس ما يتحرك ويهيج إذا رأى المحرم المهيج، وأي مهيج أقوى وأشد من هاتيك المناظر المتعمدة المقصودة للتهييج، وكيف لا تسارع المرأة ناقصة العقل والدين كل المسارعة إلى تقليد ما ترى على الشاشة البيضاء من ترام في الأحضان وتضام وعناق وتقبيل وما يتلو ذلك. إن من لا يقول إن المرأة تتأثر بهذه المناظر تأثراً خطراً يكون مريض العقل فاقد الإحساس عادم التقدير، لا أتردد أنا في ذلك، ولقد هيئت الفرص أن أتكلم في هذه النقطة مع سيدات ممن تعوَّدن الذهاب إلى حيث الصور المتحركة، فلم يترددن في موافقتي على أن تلك المناظر تؤثر عليهن كل التأثير، ولقد أخبرتني سيدة رأت في تلك الشاشة صورة حرب فيها كر وفر وتصادم وهجوم وطعن وضرب وإطلاق نيران وما إلى ذلك من فنون الحروب المهلكة تقول لي - وزوجها الذي يرغمها إلى الذهاب إلى تلك المناظر يسمع-: إني لم أقم من ذلك المكان بعد رؤية هاتيك الصور إلا وكلي رعب وفزع لا يتصل مني عضو بالآخر من شدة ما نزل من التأثر، وهي تريد أن تقول لي بتلك الحكاية: إن كل منظر مؤذ يؤثر في موضوعه فإذا كان على الشاشة صور غرامية أثرت في النفوس للحد الذي يفهمه من يعرف قوة الطبيعة الحيوانية في الإنسان. ا. هـ. وجاء في " مجلة الأزهر " (٢٦ - ٤٤٢) ما نصه: (وبحْث مشكلة السينما في مصر متشعب النواحي فقد تبحث باعتبارها فنّاً من الفنون، أو صناعة من الصناعات، أو أداة ووسيلة حيوية لتوجيه الشعب وتثقيفه وإرشاده، وهي الناحية التي سنعرض لها هنا لنتبين إلى أي مدى استطاعت السينما أن تحقق هذه الوظائف القومية في المجتمع المصري، وإن من يتابع الأفلام المصرية ويشاهد منها الكثير والكثير - وهي وفيرة العدد - لَيخرج بحقيقة واحدة لا يستطيع عنها حوَلاً، وإن أكثر من المشاهدة والتدقيق وتعب في الفحص والاختبار، هذه الحقيقة الوحيدة هي: أن هذه الأفلام قد فشلت فشلاً ذريعاً في تقيق الأهداف المذكورة، وعجزت عجزاً تامّاً عن أداء الوظائف الحيوية في خدمة الإرشاد العام في المجتمع المصري، مؤثرة عناصر التجارة على عنصر التوجيه، ومطرحة لعنصر الفن، وضاربة الصفح إلا عن ابتزاز الأموال. ا. هـ. وجاء في صحيفة (٥١٧) من المجلد (٢٦) من تلك المجلة أيضا: (يندر أن يجد المدمن على مشاهدة الأفلام فيلما يخلو من قبلات، حتى لقد أصبحت من لوازم هذه الأفلام! إذا جلست في دار الخيالة تشاهد واحداً منها فلا بد أن تكون موطِّناً نفسك على أن تشهد منها الكثير والكثير بمناسبة وبغير مناسبة، بل إن الكثير من المراهقين والشبان والفتيات ليدخلون دور الخيالة ليشهدوا هذه الطبعات التي يحلمون بها ويشتاقون إلى ذوق أمثالها، وهنا بيت الداء ومبعث انتشاره. ا. هـ. هذه شهادات ممن خبروا أضرار السينما وواقعها وما تجر على مشاهدها من أضرار وخسارة في الأخلاق والسلوك وأنها لا يمكن بحال خلوها من تلك المفاسد وأن القائمين عليها لا ينظرون في صالح الناس، وإنما ينظرون إلى ما يمكنهم من ابتزاز الأموال. وبالجملة فلا خير فيها بوجه من الوجوه وإن زعم من زعم أنها أداة إصلاح وتوجيه. خاتمة: وأخيراً نقول: ليت فضيلة المؤلف التزم ما قرره في أول كتابه من قواعد كقوله: (ما أدى إلى الحرام فهو حرام) (اتقاء الشبهات خشية الوقوع في الحرام) (النية الحسنة لا تبرر الحرام) ليته التزم مقتضى هذه القواعد فأخلى كتابه من هذه الفتاوى التي خالف فيها الصواب، وقلد في غالبها الأقوال الشاذة التي لا تستند إلى دليل، ليته جعل كتابه مشتملاً على ما هو مفيد ونافع. قال الأستاذ عبد الحميد طهماز في رده على المؤلف: ليت المؤلف وقف عند المبدأ الذي قرره في أول الكتاب أن الحلال ما أحله الله تعالى، والحرام ما حرمه الله تعالى، فلا يكون منه التفات إلى مثل هذه الآراء الضعيفة في ثبوتها.ا. هـ. قال سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم وزلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله. وقال المحقق العلامة ابن القيم في " أعلام الموقعين ": (١-١٠-١١) ولما كان التبليغ عن الله يعتمد العلم بما يبلغ والصدق فيه لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق فيكون عالما بما يبلغ صادقا فيه ويكون مع ذلك حسن الطريقة مرضي السيرة عدلا في أقواله وأفعاله متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله. وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيات. فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات. فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته وأن يتأهب له أهبته وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به فإن الله ناصره وهاديه وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب. فقال تعالى (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) وكفى بما تولاه الله بنفسه شرفا وجلالة. إذ يقول في كتابه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه وليوقن أنه مسئول غدا وموقف بين يدي الله. اهـ. وإذ كان المؤلف قد بسط القول في جانب تحريم الحلال وحمل على الذين يحرمون من غير دليل وجب عليه أيضا أن لا ينسى خطورة الجانب الثاني وهو تحليل الحرام فهو لا يقل أهمية عن الجانب الأول والواقعون فيه أكثر والله تعالى قد نهى عن الجانبين على حد سواء فقال تعالى: (وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ومعلوم أن من قواعد الشريعة (اتقاء الشبهات خشية الوقوع في المحرمات) . و (إذا تنازع حظر وإباحة غلب جانب الحظر) مما يدل على خطورة الوقوع في الحرام. هذا وأسأل الله لنا وللمؤلف ولجميع المسلمين التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه" انتهى. "الإعلام بنقد كتاب الحلال والحرام في الإسلام" (التعقيب رقم ١١) . ثانياً: من درَس الإخراج السينمائي، أو يستطيع دراسته دون التعرض للآثام والمحرَّمات: فإنه يستطيع جعل مهنته في أعمال مباحة، كإخراج الأفلام الوثائقية، والمقابلات واللقاءات والندوات، على أن يلتزم بكون المادة تخلو من حرام، كوجود ممثلات، أو معازف، أو دعوة إلى بدعة أو معصية، ويوجد في هذه الأيام مجال لمثل هذه العمل المباح مع قنوات فضائية تلتزم الضوابط الشرعية، مثل " قناة المجد "، فنرجو أن يكون العمل في هذا المجال خالياً من الإثم. وعند الفتوى في موضوع السينما ذكرنا واقعها اليوم من حيث ممثليها ومادتها، وقلنا إنها تدعو إلى المحرمات، لكن لا يمنع هذا أن ندل على باب آخر للإخراج غير السينمائي، وهو ما ذكرناه من الأفلام الوثائقية واللقاءات وغيرها. ونسأل الله تعالى أن يقي المسلمين شر أعدائهم، وأن يوفقهم لأحسن الأخلاق والأقوال والأفعال، ونرجو أن يبتعد من يرغب بمثل هذه الأعمال عن الفتن، والسعيد من وُعظ بغيره، والشقي من وُعظ الناس به، والسلامة لا يعدلها شيء. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 734

الجواد من أسماء الله تعالى [السُّؤَالُ] ـ[هل اسم (الجواد) من أسماء الله الحسنى؟ وهل يمكن أن نسمي به كأن نسمي (عبد الجواد) وإذا لم يكن من أسماء الله، فهل هو صفة لله؟ وهل يمكن التسمية به؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الجواد اسم من أسماء الله تعالى، كما دلت السنة، فقد روى البيهقي في شعب الإيمان وأبو نعيم في الحلية من حديث طلحة بن عبيد الله وابن عباس ﵃ أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى جواد يحب الجود، ويحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها) صححه الألباني في صحيح الجامع رقم ١٧٤٤. قال ابن القيم ﵀ في النونية: "وَهُوَ الجَوَادُ فَجُودُهُ عَمَّ الوُجُو دَ جَمِيعَهُ بِالفَضْلِ وَالإحْسَانِ وَهُوَ الجَوَادُ فَلا يُخَيِّبُ سَائِلاً وَلَوْ أنَّهُ مِنْ أُمَّةِ الكُفْرَانِ" وقال الشيخ السعدي في (التفسير) (٥/٢٩٩) : " الرحمن الرحيم والبر الكريم الجواد الرؤوف الوهاب "؛ هذه الأسماء تتقارب معانيها، وتدل كلها على اتصاف الرب بالرحمة والبر والجود والكرم، وعلى سعة رحمته ومواهبه التي عم بها جميع الوجود بحسب ما تقتضيه حكمته، وخص المؤمنين منها بالنصيب الأوفر والحظ الأكمل " انتهى. وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه في سرد أسماء الله الحسنى: " ومن سنة رسول الله ﷺ : الجميل الجواد الحكم الحيي " انتهى من "القواعد المثلى". وانظر: "صفات الله الواردة في الكتاب والسنة" للشيخ علوي بن عبد القادر السقاف. وبناء على ذلك فيجوز التسمي بـ "عبد الجواد". والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 735

خلق الله أربعة أشياء بيده [السُّؤَالُ] ـ[خلق الله آدم بيديه ونفخ فيه من روحه، فهل خلق الله بقية المخلوقات ـ من الملائكة والجن والكائنات الأخرى ـ بيديه أيضا؟ وهل نفخ فيها من روحه جلا وعلا؟ أم هذه ميزه خاصة، ومكانه خاصة لآدم وحده، دون بقية المخلوقات؟ وجزاكم الله خيرا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: خص الله تعالى آدم ﵇، فخلقه بيديه كما أخبر، ولم يخلق ذا روح ٍ غيره بيديه. قال سبحانه: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أََسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ) ص/٧٥، وفي حديث الشفاعة: (أَنَا سَيِّدُ الْقَوْمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَلْ تَدْرُونَ بِمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُبْصِرُهُمْ النَّاظِرُ وَيُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي وَتَدْنُو مِنْهُمْ الشَّمْسُ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ إِلَى مَا بَلَغَكُمْ أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ أَبُوكُمْ آدَمُ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ وَأَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنَا فَيَقُولُ رَبِّي غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَنَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ ... ) الحديث، رواه البخاري (٣٣٤٠) ومسلم (١٩٤) . قال الإمام الدارمي ﵀: " وولي خلق آدم بيده مسيسا، لم يخلق ذا روح بيديه غيره، فلذلك خصه وفضله وشرف بذلك ذكره " انتهى من "نقض الدرامي على المريسي" ص ٦٤ وروى الدرامي واللالكائي والآجري وغيرهم بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵁ قال: (خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش والقلم وعدن وآدم، ثم قال لسائر الخلق: كن فكان) . وروى الدارمي بسند حسن عن ميسرة أبي صالح مولى كندة، أحد التابعين أنه قال: (إن الله لم يمس شيئا من خلقه غير ثلاث: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده) . "نقض الدارمي" ص ٩٩، وقال محققه الشيخ منصور السماري في مقدمته: " وقد روي عن غيره من التابعين مثل حكيم بن جابر، ومحمد بن كعب القرظي بأسانيد صحيحة ذكرتها عند التعليق على الأثر في موضعه من الكتاب ". فهذه أربعة أشياء خلقها الله بيده: العرش والقلم وجنة عدن وآدم، وأما سائر الخلق، فهم مخلوقون بالكلمة (كن) فكانوا. ثانيا: وأما الروح، فإن آدم وبنيه جميعا، نفخ الله فيهم الروح، وهي روح مخلوقة، أضيفت لله من باب التشريف والتكريم. قال الله في حق آدم ﵇: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) الحجر/٢٩ وقال في حق عيسى ﵇: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) النساء/١٧١ وانظر تفصيل هذه المسألة في جواب السؤال رقم ٥٠٧٧٤ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 736

حديث الأوعال حديث ضعيف [السُّؤَالُ] ـ[ما مدى صحة حديث الأوعال؟ وكيف نفسره في ضوء العلم الحديث؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أما نص حديث الأوعال فهو: عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: (كُنتُ فِي البَطْحَاءِ فِي عِصَابَةٍ فِيهِم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَمَرَّت بِهِم سَحَابَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيهَا فَقَالَ: " مَا تُسَمُّونَ هَذِهِ؟ " قالوا: السَّحَابُ. قَالَ: " وَالمُزنُ "، قَالُوا: وَالمُزنُ، قَالَ: " وَالعَنَانُ "، قَالُوا: وَالعَنَان، قال: " هَل تَدرُونَ مَا بُعدُ مَا بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ؟ " قالوا: لا نَدرِي. قَالَ: " إِنَّ بُعدَ مَا بَينَهُمَا إِمَّا وَاحِدَةٌ أَو اثنَتَانِ أَو ثَلاثٌ وَسَبعُونَ سَنَةً، ثُمَّ السَّمَاءُ فَوقَهَا كَذَلِكَ - " حَتَّى عَدَّ سَبعَ سَمَوَاتٍ " - ثُمَّ فَوقَ السَّابِعَةِ بَحرٌ بَينَ أسفَلِهِ وَأَعْلاهُ مِثلُ مَا بَينَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ فَوقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ، بَينَ أَظلافِهِم وَرُكَبِهِم مِثلُ مَا بَينَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِم العَرشُ، مَا بَينَ أَسفَلِهِ وَأَعلاهُ مِثلُ مَا بَينَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ اللَّهُ ﵎ فَوقَ ذَلِكَ) . قال ابن الأثير في "النهاية" (٣/٣٥٥) : " (أوعال) أي ملائكةٌ على صُورة الأوْعال، وهم تُيوسُ الجَبَل، واحِدُها وَعِلٌ بكسر العين. (الظِّلْف) للبَقَر والغَنَم كالحافِر للفَرس والبَغْل والخُفِّ للبَعِير " انتهى. وهذا حديث مشهور في كتب أهل العلم، ومروي في أكثر الكتب المسندة، فقد أخرجه أحمد في "المسند" (١/٢٠٦) ، وأبو داود في "السنن" (٤٧٢٣) ، والترمذي في "السنن" (٣٣٢٠) وابن ماجه (١٩٣) ، والدارمي في "الرد على الجهمية" (٥٠) ، والبزار في مسنده (٤/١٣٤) ، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في "العرش" (١/٦٦) ، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/٢٣٤) ، والحاكم في المستدرك (٢/٤١٠) وغير ذلك من كتب السنة. ومجموع رواية هؤلاء الأئمة تصل إلى خمس روايات كلها تلتقي في: سِمَاك بن حرب عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب ﵁ به. أما سِمَاك بن حرب فقد أدرك العديد من الصحابة، وأخرج له مسلم، والبخاري تعليقا، وقد وثقه جماعة من أهل العلم، كالإمام أحمد وأبو حاتم والبزار وغيرهم، ولكن أخذ عليه بعض أهل العلم وجود الغرائب في حديثه، لذلك ضعفه شعبة وابن المبارك، وقال ابن أبي خيثمة سمعت ابن معين سئل عنه: ما الذي عابه؟ قال: أسند أحاديث لم يسندها غيره وهو ثقة. وقال ابن عمار: يقولون إنه كان يغلط، ويختلفون في حديثه. وكان الثوري يضعفه بعض الضعف، ولم يرغب عنه أحد. وقال النسائي: كان ربما لقن، فإذا انفرد بأصل لم يكن حجة لأنه كان يلقن فيتلقن. وقال ابن حبان في "الثقات": يخطىء كثيرا. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٤/٢٠٤) وأما عبد الله بن عميرة: فلا نعرف عنه شيئا من ترجمته إلا أنه يروي عن الأحنف بن قيس، ولا يعرف عنه راو غير سماك بن حرب، ولم ينص أحد من أهل العلم على توثيقه أو تضعيفه، إلا أن ابن احبان ذكره في "الثقات"، وقال ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (٥/٣٠١) " قال البخاري: لا يعلم له سماع من الأحنف. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وحسن الترمذي حديثه، قلت (أي ابن حجر) : قال أبو نعيم في "معرفة الصحابة": أدرك الجاهلية، وكان قائد الأعشى، لا تصح له صحبة ولا رؤية. وقال مسلم في "الوُحدان": تفرد سماك بالراوية عنه. وقال إبراهيم الحربي: لا أعرفه " انتهى. ولما كان أمر سماك بن حرب قد لا يحتمل التفرد بحديث أصل، ونجد أمر عبد الله بن عميرة مشتبها ومحتملا، اختلف أهل العلم في تصحيح الحديث أو تضعيفه. فالحديث قال فيه الترمذي: حسن غريب. وصححه ابن خزيمة بإخراجه في كتاب "التوحيد" حيث اشترط الصحة، وقال الحاكم في "المستدرك": صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ومن المتأخرين ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٣/١٩٢) ، وابن القيم في "مختصر الصواعق" (٤٣٣) حيث قال: إسناده جيد. أما من ضعفه من أهل العلم: فهو مفهوم كلام البزار في "مسنده" (٤/١١٥) حيث قال: " لا نعلمه روي بهذا الكلام وهذا اللفظ إلا من هذا الوجه عن العباس عن النبي صلى لله عليه وسلم، وعبد الله بن عميرة، لا نعلم روى عنه إلا سماك بن حرب " انتهى. وابن عدي في الكامل (٩/٢٧) حيث قال: غير محفوظ. وأشار إلى ضعفه المزي في "تهذيب الكمال" (١٠/٣٩١) وقال الذهبي في "العلو" (١/٦٠) : " تفرد به سماك عن عبد الله، وعبد الله فيه جهالة " انتهى وإن كان الذهبي قد حسن الحديث في كتاب "العرش" (٢٤) ومن المتأخرين أيضا العلامة الألباني في "السلسلة الضعيفة" (١٢٤٧) والذي يترجح – والله أعلم – هو ضعف الحديث، فإن تفرد سماك بن حرب بمثل هذا الحديث المتعلق بالغيبيات تفرد غير مقبول، وجهالة عبد الله بن عميرة تضر في مثل هذا الموضع أيضا، ثم ثمة انقطاع بينه وبين الأحنف بن قيس. أما من أراد الاستدلال بهذا الحديث على علو الله على خلقه، وأنه فوق العرش العظيم، فإن الكتاب والسنة الصحيحة مليئان بما يغني في الدلالة على ذلك، حتى قد تصل الأدلة إلى ألف دليل، وقد جمعها الإمام الذهبي في كتابه "العلو" لمن أراد المزيد. وسبق في موقعنا ذكر شيء من الأدلة، انظر جواب السؤال رقم (٩٩٢) و (١١٠٣٥) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 737

قول الملحد: هل يقدر الله على خلق إله مثل نفسه !! [السُّؤَالُ] ـ[يسأل بعض الملحدين أسئلة مثل إذا كان الله علي كل شئ قدير فهل يقدر أن يخلق إلها آخر مثله أو يخلق شيئا ثقيلا جدا لدرجة أنه لا يقدر علي رفعه؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: الملحد يحتاج إلى من يدعوه إلى الله تعالى، ويذكره بآلاء الله ونعمه وآياته التي تدل على وجوده، ووحدانيته، وعظمته. فالكون كله يدل على الله تعالى، فوا عجبا، كيف يجحده الجاحد؟! فيا عجبا كيف يُعصى الإلهُ أم كيف يجحده الجاحدُ ولله في كل تحريكةٍ وفي كل تسكينة شاهدُ وفي كل شيء له آيةٌ تدل على أنه واحدُ وشبهات الملحدين والضالين، لا يجوز الإصغاء إليها، إلا لمن لديه أهلية للرد عليها ونقضها، ولهذا فالحذر الحذر؛ فالشبهة قد تعلق بالقلب، ثم يصعب إخراجها منه. ثانيا: هذه الشبهة من شبهات الملحدين قديما، ولأهل العلم جواب مشهور عليها، وحاصله أمران: الأول: أن هذه المسألة من المحال؛ لأن الآخَر لو كان إلها، ما أمكن خلقه؛ فافتراض أنه إله، وأنه يُخلق، محال. قال في "الدرر السنية من الأجوبة النجدية" (٣/٢٦٥) : " وقد روي عن ابن عباس، حكاية على غير هذا الوجه، وهي: أن الشياطين، قالوا لإبليس: يا سيدنا، ما لنا نراك تفرح بموت العالِم، ما لا تفرح بموت العابد؟ ! والعالِم لا نُصيب منه، والعابد نُصيب منه؟ ! قال: انطلقوا، فانطلقوا إلى عابد، فأتوه في عبادته، فقالوا: إنا نريد أن نسألك، فانصرف، فقال إبليس: هل يقدر ربك أن يخلق مثل نفسه؟ فقال: لا أدري؛ فقال: أترونه لم تنفعه عبادته مع جهله؟ ! فسألوا عالماً عن ذلك؟ فقال: هذه المسألة محال، لأنه لو كان مثله، لم يكن مخلوقاً، فكونه مخلوقاً وهو مثل نفسه مستحيل، فإذا كان مخلوقاً لم يكن مثله، بل كان عبداً من عبيده؛ فقال: أترون هذا يهدم في ساعة ما أبنيه في سنين؟ ! والله أعلم " انتهى. الثاني: أن وجود إله آخر مع الله، أمر مستحيل لذاته، وقد دل على استحالته أدلة كثيرة، أيسرها وجود هذا العالم المنتظم، إذ لو كان هناك إله آخر، لفسد نظام العالم، لتنازعهما، ورغبة كل منهما في العلو على الآخر، كما قال سبحانه: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) الأنبياء/٢٢. وقوله: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) المؤمنون/٩١. قال ابن كثير ﵀ في تفسيره: " أي لو قدّر تعدد الآلهة لانفرد كل منهم بما خلق، فما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم متسق، كل من العالم العلوي والسفلي مرتبط بعضه ببعض في غاية الكمال (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه، فيعلو بعضهم على بعض " انتهى. وكذلك وجود شيء ثقيل، لا يقدر الله على رفعه: أمر مستحيل؛ لأن الله هو الذي خلقه، وأوجده، وهو قادر على إفنائه في أي لحظة، فكيف لا يقدر على رفعه؟! والملحد إنما يريد أن يطعن في العموم الذي في قوله تعالى: (إن الله على كل شيء قدير) فيقول: إذا كان قادرا على (كل شيء) فلماذا لا يقدر على هذا؟ والجواب: أن هذا المستحيل (ليس بشيء) ! فالمستحيل المعدوم، الذي لا يمكن وجوده، ليس بشيء، وإن كان الذهن قد يتخيله ويقدّره تقديرا، ومعلوم أن الذهن يفرض ويقدر المستحيل، فالذهن يقدّر اجتماع النقيضين، ككون الشيء موجود معدوما في نفس الوقت. فالآية تنص على قدرة الله على (الأشياء) فلا يدخل في ذلك الأمور المستحيلة لذاتها، لأنها ليست بشيء، بل عدم، لا يمكن أن يوجد. ولهذا نص غير واحد من العلماء على أن قدرة الله إنما تتعلق بالممكن؛ لهذا السبب الذي ذكرناه، وهو أن المعدوم المستحيل ليس بشيء. قال شيخ الإسلام ﵀: " وأما أهل السنة، فعندهم أن الله تعالى على كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في هذا، وأما المحال لذاته، مثل كون الشيء الواحد موجودا معدوما، فهذا لا حقيقة له، ولا يتصور وجوده، ولا يسمى شيئا باتفاق العقلاء، ومن هذا الباب: خلق مثل نفسه، وأمثال ذلك " انتهى من "منهاج السنة" (٢/٢٩٤) . وقال ابن القيم ﵀ في "شفاء العليل" ص ٣٧٤: " لأن المحال ليس بشيء، فلا تتعلق به القدرة، والله على كل شيء قدير، فلا يخرج ممكن عن قدرته البتة " انتهى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 738

هل الضار النافع من أسماء الله ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما هو تفسير ومعنى اسم الله الضار؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: لم يثبت بدليل صحيح أن الضار من أسماء الله تعالى، وإنما ورد ذلك في الحديث المشهور الذي فيه تعداد الأسماء الحسنى، وهو حديث ضعيف، رواه الترمذي وغيره. والمقرر عند أهل العلم أن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية، أي لا يثبت منها شيء إلا بالدليل الصحيح من الكتاب والسنة. فإذا لم يثبت الاسم، وكان معناه صحيحا فإنه يجوز الإخبار به عن الله تعالى، فيقال: الله هو الضار النافع، لأن باب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات، لكن لا يعبّد بهذا الاسم، فلا يقال: عبد الضار أو عبد النافع؛ لأنه لم يثبت اسما لله تعالى. وأما ما يوجد في كلام بعض أهل العلم من تسمية الله تعالى بالضار النافع، فلعل ذلك منهم اعتمادا على حديث الترمذي، وقد سبق أنه حديث ضعيف، والمعوّل عليه هو الدليل الصحيح من الكتاب أو السنة. ثانيا: معنى الضار: الذي يقدّر الضر ويوصله إلى من شاء من خلقه. فالخير والشر من الله تعالى، كما قال سبحانه: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) الانبياء/٣٥ وقال: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الأنعام/١٧ وقال: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) الزمر/٣٨ وروى الترمذي (٣٣٨٨) وأبو داود (٥٠٨٨) وابن ماجه (٣٨٦٩) عن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ) . وصححه الألباني في صحيح الترمذي. وروى الترمذي (٢٥١٦) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: (يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الأَقْلامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) . وصححه الألباني في صحيح الترمذي. قال ابن تيمية ﵀: فهذا يدل على أنه لا ينفع في الحقيقة إلا الله ولا يضر غيره. ثالثا: لما كان الإخبار عن الله تعالى بأنه الضار قد يوهم نقصا، بيّن أهل العلم أنه لا يذكر إلا مقرونا بالإخبار عنه بأنه النافع، ، فيقال: الضار النافع، كما يقال: القابض الباسط، العفو المنتقم. قال ابن القيم ﵀: " إن أسماءه تعالى منها ما يطلق عليه مفردا ومقترنا بغيره، وهو غالب الأسماء. كالقدير والسميع والبصير والعزيز والحكيم، وهذا يسوغ أن يُدعى به مفردا ومقترنا بغيره، فتقول: يا عزيز، يا حليم، يا غفور، يا رحيم. وأن يفرد كل اسم، وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع. ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده، بل مقرونا بمقابله كالمانع والضار والمنتقم، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو. فهو المعطي المانع الضار النافع المنتقم العفو المعز المذل، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله، م، عطاء ومنعا، ونفعا وضرا،وعفوا وانتقاما. لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيه؛ وأما أن يثنى عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ. فهذه الأسماء المزدوجة تجري مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، ولذلك لم تجيء مفردة ولم تطلق عليه إلا مقترنة فاعلمه. فلو قلت: يا مذل، يا ضار، يا مانع، وأخبرت بذلك لم تكن مثنيا عليه، ولا حامدا له حتى تذكر مقابلها " انتهى من "بدائع الفوائد" (١/١٣٢) باختصار. وانظر السؤال رقم (٢٠٤٧٦) رابعا: يجب أن يعلم أن المطلوب من العبد في هذا المقام أن يرى تفرد الله تعالى بربوبيته لخلقه، سبحانه له الخلق والأمر، فلا منازع له في سلطانه، ولا راد لأمره، ولا معقب لحكمه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الرب سبحانه هو المالك المدبر، المعطي المانع، الضار النافع، الخافض الرافع، المعز المذل؛ فمن شهد أن المعطي أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره فقد أشرك بربوبيته، لكن إذا أراد التخلص من هذا الشرك فلينظر إلى المعطي الأول ـ مثلا ـ فيشكره على ما أولاه من النعم، وينظر إلى من أسدى إليه المعروف فيكافئه عليه ... ؛ لأن النعم كلها لله تعالى كما قال تعالى: (وما بكم من نعمة فمن الله) ، وقال تعالى: (كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك) فالله سبحانه هو المعطي على الحقيقة؛ فإنه هو الذي خلق الأرزاق وقدرها وساقها إلى من يشاء من عباده، فالمعطي هو الذي أعطاه وحرك قلبه لعطاء غيره؛ فهو الأول والآخر..، وكذا جميع ما ذكرنا في مقتضى الربوبية. فمن سلك هذا المسلك العظيم استراح من عبودية الخلق ونظره إليهم، وأراح الناس من لومه وذمه إياهم، وتجرد التوحيد في قلبه فقوي إيمانه وانشرح صدره وتنور قلبه؛ ومن توكل على الله فهو حسبه. ولهذا قال الفضيل بن عياض ﵀: من عرف الناس استراح. يريد - والله أعلم - أنهم لا ينفعون ولا يضرون. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 739

يسأل عن كتاب في أسماء الله الـ ٩٩ [السُّؤَالُ] ـ[أريد أن أعرف الفتوى في كتاب THE ٩٩ BEAUTIFUL NAMES OF ALLAH أسماء الله ال ٩٩ الحسنى، للشيخ محمد إدنيس ميرثي.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الكتاب لا نعرفه، ولم نقف عليه حتى نحكم على ما فيه، لكن قد اهتم العلماء قديما وحديثا بمعرفة أسماء الله التسعة والتسعين التي أرادها النبي ﷺ بقوله: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) رواه البخاري (٢٧٣٦) ومسلم (٢٦٧٧) . وقد اجتهد كثير من العلماء في استخراج الأسماء الحسنى الواردة في الكتاب والسنة، ولهم في ذلك قواعد حكموا من خلالها على معرفة أسماء الله تعالى. وينبغي هنا أن ننبه على أمرين: الأول: أن تحديد العلماء لهذه الأسماء إنما هو اجتهاد منهم حسب ما ظهر لكل واحد منهم، ولا نستطيع الجزم بأن هذا هو مراد الرسول ﷺ . الثاني: الحديث الوارد عند الترمذي في تحديد هذه الأسماء ضعيف باتفاق أهل الحديث. وتجد تفصيل هذه المسائل وغيرها في جواب السؤال رقم: (٧٢٣١٨) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 740

هل يستطيع أحد أن يحيي الموتى ؟! [السُّؤَالُ] ـ[هل يمكن أحداً أن يحيي ميِّتا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله مِن أصول الاعتقاد الصحيح: الإيمان بأن الله تعالى هو وحده الذي يحيي ويميت , ومن ادَّعى أن غير الله تعالى قادر على الإحياء والإماتة فقد كفر، بل إن المشركين في جاهليتهم لم يعتقدوا ذلك في أصنامهم وآلهتهم. قال الله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) البقرة/٢٨. وقال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الحج/٦. وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ) الحج/٦٦. وقد بيَّن الله تعالى عجز الآلهة المزعومة عن الخلق والرزق والإحياء والإماتة. قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) الروم/٤٠. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: " فقوله تعالى? في هذه الآية الكريمة: (هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء ? عَمَّا يُشْرِكُونَ) يدلّ دلالة واضحة على أن شركاءهم ليس واحد منهم يقدر أن يفعل شيئًا من ذلك المذكور في الآية، ومنه الحياة المعبّر عنها بـ: (خَلَقَكُمْ) ، والموت المعبّر عنه بقوله: (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) ، والنشور المعبّر بقوله: (ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) ، وبيَّن أنهم لا يملكون نشوراً بقوله: (أَمِ ?تَّخَذُواْ آلِهَةً مّنَ ?لاْرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ) ، وبيّن أنهم لا يملكون حياة ولا نشوراً في قوله تعالى: (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُل ?للَّهُ يَبْدَأُ ?لْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) ، وبيَّن أنه وحده الذي بيده الموت والحياة في آيات كثيرة؛ كقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَاّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلا ً) ، وقوله تعالى: (وَلَن يُؤَخّرَ ?للَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا) ، وقوله تعالى: (إِنَّ أَجَلَ ?للَّهِ إِذَا جَاء لَا يُؤَخَّر) ، وقوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِ?للَّهِ وَكُنتُمْ أَمْو?تًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) ، وقوله تعالى: (قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا ?ثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ?ثْنَتَيْنِ) ، إلى غير ذلك من الآيات. وهذا الذي ذكرنا من بيان هذه الآيات بعضها لبعض معلوم بالضرورة من الدّين " انتهى. " أضواء البيان " (٦ / ٢٧١) . وقد كان من آيات عيسى ابن مريم ﵇ البينات أنه يحيي الموتى بإذن الله، ولم يكن عيسى ﵇ قادراً على ذلك إلا أن يشاء ربه ﵎. قال تعالى: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) آل عمران/٤٩. وقال تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي) المائدة/١١٠. وأما ما وقع من المجادل لإبراهيم ﵇ بأنه قادر على الإحياء والإماتة فهذا من أسخف الادعاءات , وأبطلها , ولهذا لما ناظره إبراهيم ﵇ انقطع ذلك الكافر , وثبت بطلان دعواه. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) البقرة/٢٥٨. فلا يستطيع أحدٌ من البشر أن يدَّعي أنه قادر على إحياء الموتى، ومن ادعى ذلك فها هم الموتى من الرسل والأنبياء والعظماء فليحيهم إن كان صادقاً في دعواه! والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →