Полный текст (16 344 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.
стр. 6721
من غسل ميتاً فليغتسل
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجب على من غسل ميتا أن يغير ثيابه أو يغتسل قبل تأديته لصلاة الجنازة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الصحيح من أقوال أهل العلم أن الغسل من تغسيل الميت مستحب وليس بواجب.
وهو قول ابن عباس وابن عمر وعائشة والحسن البصري وإبراهيم النخعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي، ورجحه ابن قدامة.
انظر: " سنن الترمذي " (٣ / ٣١٨) و" المغني " (١ / ١٣٤) .
قال الشيخ الألباني ﵀:
ويستحب لمن أهل غسله – أي: غسل ميتاً – أن يغتسل، لقوله ﷺ " من غسَّل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ ". أخرجه أبو داود (٢ / ٦٢ – ٦٣) والترمذي (٢ / ١٣٢) ... وبعض طرقه حسن، وبعضه صحيح على شرط مسلم ... وقد ساق له ابن القيم في " تهذيب السنن " إحدى عشر طريقاً عنه، ثم قال: " وهذه الطرق تدلُّ على أن الحديث محفوظ ".
قلت: وقد صححه ابن القطان، وكذا ابن حزم في " المحلى " (١ / ٢٥٠) و (٢ / ٢٣– ٢٥) ، والحافظ في " التلخيص " (٢ / ١٣٤ – منيرية) وقال: " أسوأ أحواله أن يكون حسناً ".
وظاهر الأمر يفيد الوجوب، وإنما لم نقل به لحديثين موقوفين – لهما حكم الرفع -:
الأول:
عن ابن عباس: " ليس عليكم في غسل ميتكم غُسل إذا غسلتموه، فإنَّ ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم ".
أخرجه الحاكم (١ / ٣٨٦) والبيهقي (٣ / ٣٩٨) ....
ثم ترجح عندي أن الصواب في الحديث الوقف، كما حققته في " الضعيفة " (٦٣٠٤) .
الثاني:
قول ابن عمر ﵁: " كنا نغسل الميت، فمنَّا من يغتسل ومنَّا من لا يغتسل ".
أخرجه الدارقطني (١٩١) والخطيب في " تاريخه " (٥ / ٤٢٤) بإسناد صحيح كما قال الحافظ، وأشار إلى ذلك الإمام أحمد، فقد روى الخطيب عنه أنه حضَّ ابنه على كتابة هذا الحديث. أ. هـ " أحكام الجنائز " (٧١، ٧٢) .
وهو ما رجحته اللجنة الدائمة (١ / ٣١٨) ، والشيخ ابن عثيمين في " الشرح الممتع " (١ / ٢٩٥) .
وأما غسل الثياب: فلا أصل له في السنة لا وجوباً ولا استحباباً.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6722
هل يجب حضور وفاة المحتضر وماذا يفعل من حضر
[السُّؤَالُ]
ـ[كنت مع والدي في المستشفى طوال الوقت أثناء مرض موته. لكني لم أتمكن من البقاء معه عندما حضرته الوفاة. وغادرت غرفته ولم أعد أليها. أنا لم أتمكن من رؤيته، لماذا؟ ربما لأني كنت خائفة. أنا الآن، وبعد مرور عامين على ذلك، أشعر بالذنب، وشعوري يتفاقم يوما بعد يوم. وقد قلت لنفسي إني لم أكن ابنة صالحة. فأرجو أن تخبرني كيف يكون تصرف المسلمة الصحيح إذا حضرت الوفاة (أحد) والديها وبعد ذلك. ولك الشكر..]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا حضرت الوفاة أحد الوالدين أو أحد الأقارب أو غيرهم فيسنّ لمن حضر أن يلقنه الشهادة، فإذا مات وخرجت روحه يغمض عينيه لأن الروح إذا خرجت تبعها البصر ولا يجوز حينئذ الجزع والنياحة ونحوها
وإذا كان الشخص بحيث لا يستطيع البقاء عند المحتضر لخوفه وعدم اعتياده حضور مثل هذه المشاهد فلا شيء عليه، لكن ينبغي أن يوطّن الإنسان نفسه على ذلك لأنه مما يعين على حياة القلوب، وقد يتعين على الشخص ذلك إذا لم يوجد غيره فيأثم بتركه.
الشيخ عبد الكريم الخضير
فإذا لم يوجد لتغميض المسلم الميت وتغطيته ثم تغسيله وتكفينه إلا شخص مسلم واحد فعليه وجوباً أن يبقى مع أخيه الميت ليقوم بالواجب نحوه وإذا وُجد من المسلمين من يقوم بذلك سقط الوجوب عن المسلمين الآخرين.
ويُشرع لمن كان موجوداً عند مسلم يحتضر أن يقرأ عليه سورة يس لأنها تسهّل خروج الروح، وتثبت المحتضر كما ثبت الإرشاد بقراءتها من بعض الصحابة.
وبعد موته وخروج روحه لا يُشرع قراءة القرآن عليه بل المشروع الدعاء له بالمغفرة والرحمة والتثبيت عند السؤال في القبر.
والله اعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6723
تعزية النصارى
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز تقديم التعزية للنصارى وكيف يكون في حالة الإيجاب؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم يجوز تعزيتهم عند الوفاة، وعيادتهم عند المرض، ومواساتهم عند المصيبة. فعن أنس ﵁ قال: (كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: (أسلم) ، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم ﷺ فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: (الحمد لله الذي أنقذه من النار) . أخرجه البخاري (١٣٥٦) .
وعنه ﵁ أن يهودياً دعا النبي ﷺ إلى خبز شعير، وإهالة سنخة فأجابه. أخرجه أحمد (١٣٢٠١) بسند صحيح.
وينبّه على أن المسلم إذا فعل ذلك فعليه أن ينوي بذلك دعوتهم، وتأليف قلوبهم على الإسلام، ويدعوهم بالطريقة المناسبة في الوقت المناسب.
كما ينبّه أيضاً على أنه في حالة التعزية لا يدعى لميّتهم بالمغفرة وبالرحمة أو الجنة، لقوله تعالى: ((ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أُولي قربى)) وإنما يدعى لهم بما يناسب حالهم بحثهم على الصبر، ومواساتهم، وتذكيرهم بأن هذه سنّة الله في خلقه. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ/د. عبد الوهاب الطريري.
стр. 6724
هل يجوز وضع علامة على القبر لمعرفة صاحبه
[السُّؤَالُ]
ـ[العادة عندنا أن القبر يوضع فيه حجر أو الإسمنت أو وتد من قصب في جهة رأس الميت وفي رجله وأحيانا في رأسه فقط , فما حكم الإسلام في ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
حرَّم الشرع البناء على القبور، وأمر بهدم ما بني عليها، وأجاز وضع علامة على قبر الميت يتعرف من خلالها أهله وأصحابه عليه، ولا ينبغي أن تكون هذه العلامة بناءً أو شيئاً آخر منع منه الشارع.
١. أما تحريم البناء على القبور فدليله:
عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُجَصَّصَ القبر وأن يُقعد عليه وأن يُبنى عليه.
رواه مسلم (٩٧٠) .
التجصيص: الطلاء بالجص وهو الكِلس.
قال الشوكاني:
قوله " وأن يُبنى عليه ": فيه دليل على تحريم البناء على القبر.
وفصَّل الشافعي وأصحابه فقالوا: إن كان البناء في ملك الباني فمكروه، وإن كان في مقبرة مسبلة فحرام. ولا دليل على هذا التفصيل.
وقد قال الشافعي: رأيتُ الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى.
ويدل على الهدم حديث علي المتقدم.
" نيل الأوطار " (٤ / ١٣٢) ، وقول الشافعي في " الأم " (١ / ٢٧٧) .
وحديث علي ﵁ المشار إليه: هو الآتي في الفقرة التالية.
وأما الأمر بهدم ما بني على القبور، فقد ثبت ذلك في السنة.
عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ " أن لا تدع تمثالا إلا طمستَه ولا قبراً مشرفاً إلا سوَّيتَه.
رواه مسلم (٩٦٩) .
قال الشوكاني:
قوله " ولا قبراً مشرفاً إلا سويتَه " فيه: أن السنة أن القبر لا يُرفع رفعاً كثيراً مِن غير فرقٍ بين مَن كان فاضلا ومَن كان غير فاضل.
والظاهر: أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك أصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك.
والقول بأنه غير محظور لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير كما قال الإمام يحيى والمهدي في " الغيث " لا يصح لأن غاية ما فيه أنهم سكتوا عن ذلك والسكوت لا يكون دليلا إذا كان في الأمور الظنية وتحريم رفع القبور ظني.
ومِن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولاً أوليّاً: القُبب والمشاهد المعمورة على القبور وأيضا هو من اتخاذ القبور مساجد وقد لعن النبي ﵌ فاعل ذلك.
" نيل الأوطار " (٤ / ١٣٠) .
وأما جواز تعليم القبر بشيء مباح، فقد جاء في السنة ما يبين ذلك.
عن كثير بن زيد المدني عن المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدُفن؛ أَمَر النبي ﷺ رجلا أن يأتيه بحجَرٍ فلم يستطع حملَه، فقام إليها رسول الله ﷺ وحسر عن ذراعيه – قال كثير: قال المطلب: قال الذي يخبرني ذلك عن رسول الله ﷺ قال: - كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله ﷺ حين حسر عنهما ثم حملها فوضعها عند رأسه، وقال: أَتَعَلَّمُ بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي.
رواه أبو داود (٣٢٠٦) .
والحديث: حسَّن إسنادَه الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " (٢ / ١٣٣) .
قال ابن قدامة:
ولا بأس بتعليم القبر بحجر أو خشبة، قال أحمد: لا بأس أن يعلِّم الرجل القبرَ علامةً يعرفه بها، وقد علَّم النبي ﷺ قبرَ عثمان بن مظعون.
" المغني " (٢ / ١٩١) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6725
صلاة الجنازة على الطفل
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يغسل الطفل ويصلى عليه مع العلم أن عمر الطفل ٨ سنوات؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الطفل يُغسل ويُصلى عليه عند عامة العلماء، قال ابن قدامة ﵀: بغير خلاف. ونقل ابن المنذر إجماع العلماء على أنه يُصَلَّى عليه. انظر: المغني (٣/٤٥٨) .
وإذا صُلِّي على الطفل فإنه لا يُدعَى له بالمغفرة، فلا يقال في الدعاء: اللهم اغفر له. وذلك لأنه لم يكتب عليه ذنب. بل يدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة. وذلك لما رواه أبو داود (٣١٨٠) والترمذي (١٠٣١) عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (والطِّفْل يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ) صححه الألباني في أحكام الجنائز ص: ٧٣. يراجع سؤال رقم: ١٣٩٨٥.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 6726
تغسيل الزوجة لزوجها
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يحل للمرأة أن ترى زوجها إذا مات أو يحرم عليها رؤيته، وهل لها أن تغسله إذا لم يوجد من يغسله؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
يجوز للمرأة أن ترى زوجها إذا مات، وأن تغسله على الصحيح من أقوال العلماء في حكم تغسيل كل من الزوجين الآخر بعد الموت، ولو وجد من يغسله سواهما، لقول عائشة ﵂: (لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه) رواه أبو داود، ولأن أبا بكر الصديق ﵁ أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس ففعلت، ولأن أبا موسى غسلته امرأته أم عبد الله، ويجوز أيضاً أن يغسل الرجل زوجته إذا ماتت على الصحيح عند أهل العلم، لما رواه ابن المنذر من أن علي بن أبي طالب ﵁ غسل فاطمة ﵂ بعد وفاتها، واشتهر ذلك بين الصحابة ﵃ فلم ينكروا عليه، فكان ذلك إجماعاً.
[الْمَصْدَرُ]
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
стр. 6727
لا يشرع وضع جريدة أو زهور على القبر
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت حديثاً فيه أن النبي ﷺ وضع جريدة على قبر، فهل من السنة لمن زار القبور أن يفعل ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الحديث الذي أشار إليه السائل رواه البخاري (٢١٨) ومسلم (٢٩٢) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا.
وقد علل بعض العلماء تخيف العذاب عنهما بأن الجريدة الرطبة تسبح الله تعالى فيكون ذلك سببا لتخفيف العذاب. وهذا فيه نظر.
قال النووي ﵀:
وَهَذَا مَذْهَب كَثِيرِينَ أَوْ الأَكْثَرِينَ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: (وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ) الإسراء/٤٤.
قَالُوا: مَعْنَاهُ وَإِنْ مِنْ شَيْء حَيّ , ثُمَّ قَالُوا: حَيَاة كُلّ شَيْء بِحَسَبِهِ فَحَيَاة الْخَشَب مَا لَمْ يَيْبَس , وَالْحَجَر مَا لَمْ يُقْطَع. وَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَغَيْرهمْ إِلَى أَنَّهُ عَلَى عُمُومه اهـ.
أي أن التسبيح ليس خاصاً بالرطب دون اليابس فكل شيء من رطب ويابس يسبح بحمد لله تعالى.
وَقَدْ اِسْتَنْكَرَ الْخَطَّابِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَضْعَ النَّاس الْجَرِيد وَنَحْوه فِي الْقَبْر عَمَلا بِهَذَا الْحَدِيث وَقَال عن هذا الحديث: هُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ دَعَا لَهُمَا بِالتَّخْفِيفِ مُدَّة بَقَاء النَّدَاوَة , لا أَنَّ فِي الْجَرِيدَة مَعْنًى يَخُصّهُ , وَلا أَنَّ فِي الرَّطْب مَعْنًى لَيْسَ فِي الْيَابِس اهـ.
وعلى هذا، يكون ذلك خاصاًّ بالرسول ﷺ ، فلا يستحب لأحد أن يضع جريدة ولا غيرها على القبر.
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة:
" إن وضع النبي ﷺ الجريدة على القبرين ورجاءه تخفيف العذاب عمن وضعت على قبريهما واقعة عين لا عموم لها في شخصين أطلعه الله على تعذيبهما، وأن ذلك خاص برسول الله ﷺ ، وأنه لم يكن منه سنة مطردة في قبور المسلمين وإنما كان مرتين أو ثلاثاً على تقدير تعدد الواقعة لا أكثر، ولم يعرف فعل ذلك على أحد من الصحابة، وهم أحرص المسلمين على الاقتداء به ﷺ ، وأحرصهم على نفع المسلمين، إلا ما روي عن بريدة الأسلمي: أنه أوصى أن يجعل في قبره جريدتان، ولا نعلم أن أحداً من الصحابة ﵃ وافق بريدة على ذلك " اهـ.
وقال الشيخ ابن باز:
" لا يشرع ذلك بل هو بدعة؛ لأن الرسل ﷺ إنما وضع الجريدة على قبرين أطلعه الله سبحانه على عذاب أصحابهما ولم يضعها على بقية القبور، فعلم بذلك عدم جواز وضعها على القبور؛ لقول النبي ﷺ : (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ) .
وفي لفظ لمسلم: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) .
وهكذا لا تجوز الكتابة على القبور ولا وضع الزهور عليها للحديثين المذكورين؛ وأنه ﷺ نهى عن تجصيص القبور والبناء عليها والقعود عليها والكتابة عليها " اهـ.
مجلة البحوث الإسلامية (٦٨/٥٠) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6728
الطريق إلى حسن الخاتمة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك علامات تدل على حسن الخاتمة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: حسن الخاتمة ...
حسن الخاتمة هو: أن يُوفق العبد قبل موته للابتعاد عما يغضب الرب سبحانه، والتوبة من الذنوب والمعاصي، والإقبال على الطاعات وأعمال الخير، ثم يكون موته بعد ذلك على هذه الحال الحسنة، ومما يدل على هذا المعنى ما صح عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أراد الله بعبده خيراً استعمله) قالوا: كيف يستعمله؟ قال: (يوفقه لعمل صالح قبل موته) رواه الإمام أحمد (١١٦٢٥) والترمذي (٢١٤٢) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ١٣٣٤.
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَسَلَهُ قِيلَ وَمَا عَسَلُهُ قَالَ يَفْتَحُ اللَّهُ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا قَبْلَ مَوْتِهِ ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ " رواه أحمد ١٧٣٣٠ وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ١١١٤.
ولحسن الخاتمة علامات، منها ما يعرفه العبد المحتضر عند احتضاره، ومنها ما يظهر للناس.
ثانياً:
أما العلامة التي يظهر بها للعبد حسن خاتمته فهي ما يبشر به عند موته من رضا الله تعالى واستحقاق كرامته تفضلا منه تعالى، كما قال جل وعلا: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ فصلت / ٣٠، وهذه البشارة تكون للمؤمنين عند احتضارهم. انظر تفسير ابن سعدي ١٢٥٦
ومما يدل على هذا أيضا ما رواه البخاري (٦٥٠٧) ومسلم (٢٦٨٣) عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " فقلت: يا نبي الله! أكراهية الموت، فكلنا نكره الموت؟ فقال: " ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله، وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه "
وقال النووي ﵀: (معنى الحديث أن المحبة والكراهية التي تعتبر شرعا هي التي تقع عند النزع في الحالة التي لا تقبل فيها التوبة، حيث ينكشف الحال للمحتضر، ويظهر له ما هو صائر إليه)
أما عن علامات حسن الخاتمة فهي كثيرة، وقد تتبعها العلماء ﵏ باستقراء النصوص الواردة في ذلك فمن هذه العلامات:
١- النطق بالشهادة عند الموت، لقول النبي ﷺ : (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) رواه أبو داوود ٣١١٦، وصححه الألباني في صحيح أبي داوود ٢٦٧٣.
٢- الموت برشح الجبين، أي: أن يكون على جبينه عرق عند الموت، لما رواه بريدة بن الحصيب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " موت المؤمن بعرق الجبين " رواه أحمد (٢٢٥١٣) والترمذي (٩٨٠) والنسائي (١٨٢٨) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
٣- الموت ليلة الجمعة أو نهارها لقول الرسول ﷺ : (ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر) رواه أحمد (٦٥٤٦) والترمذي (١٠٧٤) قال الألباني: الحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح.
٤- الموت غازياً في سبيل الله؛ لقول الله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. يستبشرون بنعمةٍ من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾ . وقال ﷺ : " من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد " رواه مسلم ١٩١٥.
٥- الموت بالطاعون لقوله ﷺ : " الطاعون شهادة كل مسلم " رواه البخاري (٢٨٣٠) ومسلم (١٩١٦) وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الطَّاعُونِ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُصِيبُهُ إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ " رواه البخاري ٣٤٧٤.
٦- الموت بداء البطن، لقول النبي ﷺ : " ... ومن مات في البطن فهو شهيد " رواه مسلم ١٩١٥
٧- الموت بسبب الهدم والغرق، لقول النبي ﷺ : (الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله) أخرجه البخاري ٢٨٢٩ ومسلم ١٩١٥.
٨- موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها أو وهي حامل به، ومن أدلة ذلك ما رواه أبو داود (٣١١١) أن النبي ﷺ قال: (والمرأة تموت بجُمع شهيد) قال الخطابي: معناه أن تموت وفي بطنها ولد اهـ عون المعبود
وروى الإمام أحمد (١٧٣٤١) عن عبادة بن الصامت أنه قال: قال رسول الله ﷺ : أخبر عن الشداء، فذكر منهم: " والمرأة يقتلها ولدها جمعاء شهادة (يجرها ولدها بسُرَرِه إلى الجنة) " صححه الألباني في كتاب الجنائز ص ٣٩
السرة: ما يبقى بعد القطع مما تقطعه القابلة، والسرر ما تقطعه.
٩- الموت بالحرق وذات الجنب والسل، لقول النبي ﷺ : " القتل في سبيل الله شهادة، والطاعون شهادة، والغرق شهادة، والبطن شهادة والنفساء يجرها ولدها بسرره إلى الجنة " (قال وزاد أبو العوام سادن بيت المقدس والحرق والسل) قال الألباني: حسن صحيح، صحيح الترغيب والترهيب (١٣٩٦) .
١٠- الموت دفاعاً عن الدين أو المال أو النفس لقول النبي ﷺ قال: (من قتل دون ما له فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد) رواه الترمذي ١٤٢١.
وروى البخاري (٢٤٨٠) ومسلم (١٤١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ".
١١- الموت رباطاً في سبيل الله، لما رواه مسلم (١٩١٣) عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأُمن الفتان ".
١٢- ومن علامات حسن الخاتمة الموت على عمل صالح، لقوله ﷺ : (من قال لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ختم له بها دخل الجنة) رواه الإمام أحمد (٢٢٨١٣) وصححه الألباني في كتاب الجنائز ص٤٣. انظر كتاب الجنائز (ص٣٤) للألباني ﵀.
وهذه العلامات هي من البشائر الحسنة التي تدل على حسن الخاتمة، ولكننا مع ذلك لا نجزم لشخص ما بعينه أنه من أهل الجنة إلا من شهد له النبي ﷺ بالجنة كالخلفاء الأربعة..
نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الخاتمة.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6729
هل يجوز عمل وليمة طعام بعد انتهاء عدة وفاة الزوج ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[توفي قريب وبعد انتهاء عدة زوجته مباشرةً (اليوم التالي لانتهاء العدة) قام أبناؤها بدعوة جميع أقارب زوجة المتوفى لوليمة عشاء، فما الحكم الشرعي لما قام به أبناؤها؟ وما الحكم فيمن حضر هذه الوليمة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
انتهاء عدة المرأة ليس من المناسبات السعيدة التي يستحب فيها دعوة الناس إلى الطعام كوليمة النكاح والعقيقة، بل هذا يشبه ما يفعله كثير من الناس من تجديد مجالس العزاء بعد أربعين يوماً من الوفاة، أو ما يسمونه بـ "الذكرى السنوية".
وقد توفي في زمان النبي ﷺ أزواج كثيرون، ومكثت نساؤهم فترة العدة، ولم ينقل – على حد علمنا – أنه صَنع أهل الزوج أو أبناء الزوجة طعاماً ودعوا إليه أقارب الزوجة بعد انتهاء عدتها.
وعلى هذا؛ فلا يجوز صنع "وليمة" ودعوة الناس إليها بسبب انقضاء عدة المرأة المتوفى عنها زوجها.
وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: ما حكم العادات في العزاء، من الولائم، وقراءة القرآن، والأربعينيات، والسنوات، وما شاكل ذلك؟
فأجاب:
"هذه العادات لا أصل لها في الشرع المطهر، ولا أساس لها، بل هي من البدع، ومن أمر الجاهلية، فإقامة وليمة إذا مات الميت يدعو إليها الجيران والأقارب وغيرهم لأجل العزاء بدعة لا تجوز، وهكذا إقامة هذه الأمور كل أسبوع أو على رأس السنة كلها من البدع الجاهلية، وإنما المشروع لأهل الميت الصبر والاحتساب، والقول كما قال الصابرون: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، وقد وعدهم الله خيرا كثيرا فقال سبحانه: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) ولا حرج عليهم أن يصنعوا لأنفسهم الطعام العادي لأكلهم وحاجاتهم، وهكذا إذا نزل بهم ضيف لا حرج عليهم أن يصنعوا له طعاما يناسبه لعموم الأدلة في ذلك، ويشرع لأقاربهم وجيرانهم أن يصنعوا لهم طعاماً، يرسلونه إليهم، لأنه قد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه لما أتى نعي جعفر بن أبي طالب ﵁ حين قتل في مؤتة في الشام أنه قال لأهله: (اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد أتاهم ما يشغلهم) فدل ذلك على مشروعية إرسال الطعام إلى أهل الميت من أقاربهم أو غيرهم أيام المصيبة" انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٩ / ٣١٨) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6730
قراءة سورة يس على المحتضَر
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت في جواب السؤال (٢١٨٧٠) أنه يُشرع لمن كان موجوداً عند مسلم يحتضر أن يقرأ عليه سورة يس لأنها تسهّل خروج الروح. فهل هناك دليل على هذا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذهب جمهور العلماء (منهم الحنفية والشافعية والحنابلة) إلى استحباب قراءة سورة يس عند المحتضر , واستدلوا على ذلك ببعض الأدلة , ولكنها لا تخلو من ضعف:
روى أحمد (١٩٧٨٩) وأبو داود (٣١٢١) عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ) .
والحديث ضعيف، ضعفه النووي في "الأذكار"، وقال ابن حجر في " التلخيص" (٢/١٠٤) : " أعله ابن القطان بالاضطراب وبالوقف وبجهالة حال روايه أبي عثمان وأبيه. ونقل ابن العربي عن الدارقطني أنه حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث " انتهى.
وضعفه الألباني في "إرواء الغليل" (٦٨٨) .
وروى أحمد (٤/١٠٥) (١٦٥٢١) عن صَفْوَان قال: حَدَّثَنِي الْمَشْيَخَةُ أَنَّهُمْ حَضَرُوا غُضَيْفَ بْنَ الْحَارِثِ الثُّمَالِيَّ (صحابي) حِينَ اشْتَدَّ سَوْقُهُ، فَقَالَ: هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ يَقْرَأُ يس؟ قَالَ: فَقَرَأَهَا صَالِحُ بْنُ شُرَيْحٍ السَّكُونِيُّ، فَلَمَّا بَلَغَ أَرْبَعِينَ مِنْهَا قُبِضَ. قَالَ: فَكَانَ الْمَشْيَخَةُ يَقُولُونَ: إِذَا قُرِئَتْ عِنْدَ الْمَيِّتِ خُفِّفَ عَنْهُ بِهَا. قَالَ صَفْوَانُ: وَقَرَأَهَا عِيسَى بْنُ الْمُعْتَمِرِ عِنْدَ ابْنِ مَعْبَدٍ.
قال الحافظ في "الإصابة" (٥/٣٢٤) : إسناده حسن.
وانظر: "المجموع" (٥/١٠٥) ، "شرح منتهى الإرادات" (١/٣٤١) ، "حاشية ابن عابدين" (٢/١٩١) .
وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ففي "الاختيارات" (ص ٩١) :
" والقراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضر، فإنها تستحب بياسين " انتهى.
قالوا: والسبب في استحباب قراءتها:
أن هذه السورة مشتملة على التوحيد والمعاد , والبشرى بالجنة لمن مات على التوحيد , بقوله: (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي) فتستبشر الروح بذلك , فيسهل خروجها.
انظر: "مطالب أولي النهى" (١/٨٣٧) .
وذهب الإمام مالك ﵀ إلى كراهة قراءة سورة يس أو غيرها عند المحتضر، لضعف الحديث الوارد في ذلك، ولأنه ليس من عمل الناس.
انظر: الفواكه الدواني" (١/٢٨٤) ، "شرح مختصر خليل" (٢/١٣٧) .
قال الشيخ الألباني في "أحكام الجنائز":
" وأما قراءة سورة يس عنده (يعني عند المحتضر) ، وتوجيهه نحو القبلة، فلم يصح فيه حديث " انتهى.
وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز: هل قراءة سورة (يس) عند الاحتضار جائزة؟
فأجاب:
" قراءة سورة (يس) عند الاحتضار جاءت في حديث معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: (اقرأوا على موتاكم يس) صححه جماعة وظنوا أن إسناده جيد، وأنه من رواية أبي عثمان النهدي عن معقل بن يسار، وضعفه آخرون، وقالوا: إن الراوي له ليس هو أبا عثمان النهدي ولكنه شخص آخر مجهول. فالحديث المعروف فيه أنه ضعيف لجهالة أبي عثمان، فلا يستحب قراءتها على الموتى. والذي استحبها ظن أن الحديث صحيح فاستحبها، لكن قراءة القرآن عند المريض أمر طيب، ولعل الله ينفعه بذلك، أما تخصيص سورة (يس) فالأصل أن الحديث ضعيف فتخصيصها ليس له وجه " انتهى.
"فتاوى ابن باز" (١٣/٩٣) .
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل قراءة سورة (يس) عند المحتضر ثابتة في السنة أم لا؟
فأجاب:
" قراءة (يس) عند المحتضر سنة عند كثير من العلماء , لقوله ﷺ : (اقرأوا على موتاكم يس) ، لكن هذا الحديث تكلم فيه بعضهم وضعفه، فعند من صححه تكون قراءة هذه السورة سنة، وعند من ضعفه لا تكون سنة. والله أعلم " انتهى.
"فتاوى ابن عثيمين" (١٧/٧٢) .
وقال أيضاً:
" (اقرأوا على موتاكم يس) هذا الحديث ضعيف، فيه شيء من الضعف، ومحل القراءة إذا صح الحديث عند الموت إذا أخذه النزع، فإنه يقرأ عليه سورة يس، قال أهل العلم: وفيها فائدة وهو تسهيل خروج الروح، لأن فيها قوله تعالى: (قِيلَ ?دْخُلِ ?لْجَنَّةَ قَالَ ي?لَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ?لْمُكْرَمِينَ) فيقرأها عند المحتضر هذا إن صح الحديث، وأما قراءتها على القبر فلا أصل له " انتهى.
"فتاوى ابن عثيمين" (١٧/٧٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6731
كفن الشهيد
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف يكفن الشهيد؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
السنة في الشهيد أن يدفن بثيابه التي قتل فيها.
انظر: "بدائع الصنائع" (٢/٣٦٨) , "مواهب الجليل" (٢/٢٩٤) , "المجموع" (٥/٢٢٩) , "المغني" (٣/٤٧١) .
وقد ورد في ذلك عدة أحاديث، منها:
١- روى أحمد (٣٣١٤٤) أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: (زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ) وصححه الألباني في تلخيص أحكام الجنائز (ص ٣٦) .
٢- وعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: (رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فِي صَدْرِهِ , أَوْ فِي حَلْقِهِ , فَمَاتَ فَأُدْرِجَ فِي ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ , قَالَ: وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رواه أبو داود (٣١٣٣) وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، وقال الحافظ في "التلخيص" (٢/١١٨) : إسناده صحيح على شرط مسلم.
٣- وعَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ ﵁ قَالَ: لما قتل مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ يَوْمَ أُحُدٍ لَمْ يَتْرُكْ إِلا نَمِرَةً كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاهُ , وَإِذَا غُطِّيَ بِهَا رِجْلاهُ خَرَجَ رَأْسُهُ , فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : (غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلِهِ الإِذْخِرَ) رواه البخاري (٤٠٤٧) ومسلم (٩٤٠) .
وقد اختلف الفقهاء في أمر النبي ﷺ بدفن الشهداء في ثيابهم , هل هو على سبيل الاستحباب والأولوية , أم على سبيل الوجوب؟ على قولين:
الأول: أنه على سبيل الاستحباب , قال به الشافعية وبعض الحنابلة.
قال النووي في "المجموع" (٥/٢٢٩) : " ثم وليه بالخيار إن شاء كفنه بما عليه , وإن شاء نزعه وكفنه بغيره , وتركه أفضل " انتهى.
وقال ابن قدامة في "المغني" (٣/٤٧١) : " وليس هذا بحتم , لكنه الأولى , وللولي أن ينزع عنه ثيابه ويكفنه بغيرها " انتهى.
واستدلوا على عدم الوجوب بما رواه أحمد (١٤٢١) عن الزبير أن أمه صفية (وهي أخت حمزة) أتت يوم أحد بثوبين وقالت: هَذَانِ ثَوْبَانِ جِئْتُ بِهِمَا لأَخِي حَمْزَةَ فَقَدْ بَلَغَنِي مَقْتَلُهُ فَكَفِّنُوهُ فِيهِمَا , قَالَ: فَجِئْنَا بِالثَّوْبَيْنِ لِنُكَفِّنَ فِيهِمَا حَمْزَةَ فَإِذَا إِلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ قَتِيلٌ قَدْ فُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ بِحَمْزَةَ , قَالَ: فَوَجَدْنَا غَضَاضَةً وَحَيَاءً أَنْ نُكَفِّنَ حَمْزَةَ فِي ثَوْبَيْنِ وَالأَنْصَارِيُّ لا كَفَنَ لَهُ , فَقُلْنَا: لِحَمْزَةَ ثَوْبٌ وَلِلأَنْصَارِيِّ ثَوْبٌ , فَقَدَرْنَاهُمَا فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ مِنْ الآخَرِ فَأَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا فَكَفَّنَّا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الثَّوْبِ الَّذِي صَارَ لَهُ. وحسنه الألباني في أحكام الجنائز (ص ٦٢) .
القول الثاني: أن الأمر على سبيل الوجوب , وهو مذهب المالكية والحنابلة واختاره ابن القيم والشوكاني.
قال المرداوي في "الإنصاف" (٦/٩٤) : " والصحيح في المذهب أنه يجب دفنه في ثيابه التي قتل فيها " انتهى.
وقال الإمام مالك: " إن أراد وليه أن يزيد على ما عليه وقد حصل له ما يجزئ في الكفن لم يكن له ذلك , ولا يزاد عليه شيء " انتهى من "مواهب الجليل" (٢/٢٩٤) .
وقال الشوكاني في "نيل الأوطار" (٤/٥٠) :
" والظاهر أن الأمر بدفن الشهيد بما قتل فيه من الثياب للوجوب " انتهى.
وأجابوا عن حديث حمزة:
بأنه كفن في كفن آخر لأن الكفار كانوا مثلوا به , وبقروا بطنه , واستخرجوا كبده , وأخذوا ثيابه , فلذلك كفن في كفن آخر. قاله ابن القيم في "زاد المعاد" (٣/٢١٧) .
قال ابن رشد: " من عراه العدو لا رخصة في ترك تكفينه , بل ذلك لازم , كفن رسول الله ﷺ الشهداء يوم أحد اثنان في ثوب " انتهى. نقلاً من "مواهب الجليل" (٢/٢٩٤) .
مسألة:
هل يزال ما عليه من الحديد والسلاح والفرو والخف والمنطقة والقلنسوة وغيرها؟
أما الحديد والسلاح فاتفق العلماء على أنه يزال.
قال ابن القاسم في "المدونة": " وينزع عنه الدرع والسيف وجميع السلاح " انتهى.
"مواهب الجليل" (٢/٢٩٤) .
وقال النووي في "المجموع" (٥/٢٢٩) : " وأجمع العلماء على أن الحديد والجلود ينزع عنه " انتهى.
والظاهر أن المراد بقوله ﵀: "والجلود": السلاح وآلة الحرب، لأنه قد ذكر الاختلاف في نزع الفرو والخف قبل ذلك بسطر واحد فقط، فيكون المراد من الجلود هنا: السلاح، كالجراب الذي يعلق فيه السيف، أو ما يكون فيه السهام، وما أشبه ذلك.
وقد استدلوا على ذلك بـ:
١- ما رواه أبو داود (٣١٣٤) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمْ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ , وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ) وضعفه الحافظ في التلخيص (٢/١١٨) ، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود.
٢- ولكن يغني عن هذا لحديث الضعيف ما رواه أحمد (٢٣١٤٤) أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: (زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ) وصححه الألباني في تلخيص أحكام الجنائز (ص ٣٦) .
والحديد والسلاح ليست من الثياب، فلا تدخل في هذا الحديث.
وانظر: "بدائع الصنائع" (٢/٣٦٨) , "المغني" (٣/٤٧١) .
وأما الفرو والخف والقلنسوة والمنطقة (الحزام الذي يلبس على الوسط) فقد اختلف العلماء في نزعها على قولين:
الأول: لا يزال , وهو مذهب المالكية.
قال الحطاب في "مواهب الجليل" (٢/٢٩٤) : " قال ابن القاسم: ... ولا ينزع من عليه شيء من ثيابه , ولا فرو , ولا خف , ولا قلنسوة , قال مطرف: ولا خاتمه إلا أن يكون نفيس الفص , ولا منطقة إلا أن يكون لها خطر (أي: تكون ثمينة) " انتهى.
واستدلوا بقول الرَسُول ﷺ في شهداء أحد: (زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ) وهو عام في جميع الثياب.
القول الثاني: أنه يزال , وهو مذهب الأحناف والشافعية والحنابلة.
واستدلوا بـ:
١- حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمْ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ , وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ) وهو ضعيف كما تقدم.
٢- ما روي عن علي ﵁ أنه قال: ينزع من الشهيد الفرو والخف والقلنسوة.
وضعفه الشوكاني في "نيل الأوطار" (٤/٥٠) .
قال الكاساني في "بدائع الصنائع" (٢/٣٦٨-٣٦٩) : " وهذا لأن ما يترك يترك ليكون كفناً , والكفن ما يلبس للستر , وهذه الأشياء تلبس إما للتجمل والزينة , أو لدفع البرد , أو لدفع معرة السلاح , ولا حاجة للميت إلى شيء من ذلك , فلم يكن شيء من ذلك كفناً , وبه تبين أن المراد من قوله ﷺ (زملوهم بثيابهم) الثياب التي يكفن بها وتلبس للستر " انتهى.
وانظر: "المجموع" (٥/٢٢٩) , "المغني" (٣/٤٧١) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6732
من أحكام السقط
[السُّؤَالُ]
ـ[تُوفيت ابنتِي داخلَ الرحمِ بعد حملِها مدةَ سبعةِ شهور، هل كان يجبُ أن نعقَّ عنها؟ حيثُ إنّه لم يتمّ العَقُّ عنها. هل كان يجبُ تسميتُها؟ حيثُ لم تُسَمَّ.
لقد قامَ زوجي بغسلِها وتكفينِها والصلاةِ عليها ودفنِها فقط. هل ما تمَّ صحيحٌ؟
لقد طلَّقَني زوجي.. هل أتمكنُ أنا من العَقِّ عنها إذا كانت واجبةً؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اعلمي – أختي السائلة – أنَّ الصبرَ على القضاءِ من مقاماتِ الصالحين، وأنَّ الرضا بقدرِ الله سبحانَه من منازلِ المقربين، وأنَّ خيرَ ما يستقبلُ العبدُ به البلاءَ أن يقولَ: الحمدُ لله، إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعون.
وخيرُ ما نبشرك به، ما جاءَ عن أبي موسى الأشعريِّ ﵁:
أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال:
(إِذَا ماتَ ولدُ العَبْدِ، قالَ اللهُ لمَلائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: قَبَضْتُم ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: مَاْذَا قالَ عَبْدِيْ؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ. فَيَقُولُ اللهُ: ابْنُوا لِعَبْدِيْ بَيْتًا فِيْ الجَنَّةِ , وَسَمُّوهُ بيتَ الحَمْدِ) .
رواه الترمذي (١٠٢١) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
قال النوويُّ ﵀:
" موتُ الواحدِ من الأولادِ حجابٌ منَ النار، وكذا السقطُ، واللهُ أعلم ".
"المجموع" (٥/٢٨٧) ، وانظر: "حاشية ابن عابدين" (٢/٢٢٨) .
وعن مُعاذِ بنِ جبلٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ:
(وَالَّذِيْ نَفْسِيْ بِيَدِهِ إِنَّ السِّقْطَ لَيَجُرُّ أُمَّهُ بِسَرَرِهِ إِلَىْ الجَنَّةِ إِذَا احْتَسَبَتْهُ) رواه ابن ماجه (١٦٠٩) وضعفه النووي في "الخلاصة" (٢/١٠٦٦) والبوصيري، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
والسَّرَرُ: ما تقطعه القابلة من السرة. "النهاية" (٣/٩٩) .
وانظر السؤال رقم (٥٢٢٦) .
ثانيًا:
أجمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الطفلَ إذا عُرِفت حياتُه واستهلَّ – بصوتٍ – أنّه يُغَسَّلُ ويكفَّن ويُصَلى عليه.
نقل الإجماع ابن المنذر وابن قدامة في "المغني" (٢/٣٢٨) والكاساني في "بدائع الصنائع" (١/٣٠٢) .
قالَ النوويُّ في "المجموع" (٥/٢١٠) : ويكونُ كفنُه ككفنِ البالغِ ثلاثةَ أثواب.
وأما من لم يستهل بصوت , فقد سبق من جواب السؤال (١٣١٩٨) و (١٣٩٨٥) أن العبرة في ذلك بنفخ الروح فيه , ويكون ذلك بعد تمام أربعة أشهر من الحمل , فإن نفخت فيه الروح غسِّل وكفّن وصلى عليه , وإن لم تكن نفخت فيه الروح فلا يغسل ولا يصلى عليه.
انظر: "المغني" (٢/٣٢٨) ، "الإنصاف" (٢/٥٠٤) .
ثالثًا:
وأمَّا العقيقةِ عن السقط إذا بلغ أربعة أشهر , فقد اختلف العلماء في مشروعيتها , وسبق في جواب السؤال (١٢٤٧٥) و (٥٠١٠٦) اختيار علماء اللجنة الدائمة للإفتاء والشيخ ابن عثيمين أنها مشروعة مستحبة , وفيهما أيضاً أنه يُسمَّى.
رابعًا:
الذي يؤمر بالعقيقة هو من تلزمه النفقة على المولود , وهو الأب إن كان موجوداً , فإن امتنع فلا حرج أن يفعلها غيره كالأم.
جاءَ في الموسوعةِ الفقهيةِ (٣٠/٢٧٩) :
" ذهبَ الشّافعيّةُ إلى أنّ العقيقةَ تُطلبُ من الأصلِ الّذي تلزمُه نفقةُ المولودِ، فيؤدّيها من مالِ نفسِه لا من مالِ المولود، ولا يفعلُها من لا تلزمُه النّفقةُ إلاّ بإذنِ من تلزمُه.
وصرّحَ الحنابلةُ أنّه لا يَعقّ غيرُ أبٍ إلاّ إن تعذّرَ بموتٍ أو امتناعٍ، فإن فعلَها غيرُ الأبِ لم تُكرَه، ولكنّها لا تكون عقيقةً، وإنّما عقّ النّبيّ ﷺ عن الحسن والحسين، لأنّه أولى بالمؤمنينَ من أنفسِهم " انتهى.
فإن كان الأبُ حيًا قادرًا، فإنه ينصح بالعقيقةِ عن المولود، فإن امتنعَ أو أذنَ للأمِّ بالعقيقةِ فيُشرَعُ لها ذلك.
والحاصل: أن ما فعله زوجك من غسلها وتكفينها والصلاة عليها صحيح مشروع، ولكن يبقى عليكم تسميتها والعقيقة عنها.
واللهُ أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6733
ما هي صيغة الوصية الشرعية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك صيغ للوصية توجد في بعض المواقع على الانترنت وأريد أن أعرف مدى مشروعيتها؟ وهل يوجد لديكم صيغة محددة للوصية؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
روى البخاري (٢٧٣٨) ومسلم (١٦٢٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ) .
قال النووي ﵀: "فيه الْحَثّ عَلَى الْوَصِيَّة، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْأَمْر بِهَا، لَكِنَّ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجَمَاهِير أَنَّهَا مَنْدُوبَة لَا وَاجِبَة. وَقَالَ دَاوُدُ وَغَيْره مِنْ أَهْل الظَّاهِر: هِيَ وَاجِبَة؛ لِهَذَا الْحَدِيث، وَلَا دَلَالَة لَهُمْ فِيهِ، فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِإِيجَابِهَا، لَكِنْ إِنْ كَانَ عَلَى الْإِنْسَان دَيْن أَوْ حَقّ أَوْ عِنْده وَدِيعَة وَنَحْوهَا لَزِمَهُ الْإِيصَاء بِذَلِكَ. قَالَ الشَّافِعِيّ ﵀: مَعْنَى الْحَدِيث: مَا الْحَزْم وَالِاحْتِيَاط لِلْمُسْلِمِ إِلَّا أَنْ تَكُون وَصِيَّته مَكْتُوبَة عِنْده.
وَيُسْتَحَبّ تَعْجِيلهَا، وَأَنْ يَكْتُبهَا فِي صِحَّته، وَيُشْهِد عَلَيْهِ فِيهَا، وَيَكْتُب فِيهَا مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ، فَإِنْ تَجَدَّدَ لَهُ أَمْر يَحْتَاج إِلَى الْوَصِيَّة بِهِ أَلْحَقَهُ بِهَا. قَالُوا: وَلَا يُكَلَّف أَنْ يَكْتُب كُلّ يَوْم مُحَقَّرَات الْمُعَامَلَات وَجُزْئِيَّات الْأُمُور الْمُتَكَرِّرَة" انتهى.
فالوصية نوعان:
وصية واجبة: وهي الوصية ببيان ما عليه وما له من حقوق، كدين أو قرض أو أمانات مودعة عنده، أو حقوق له في ذمم الناس، فالوصية هنا واجبة لحفظ ماله، وبراءة ذمته.
ووصية مستحبة: وهي التبرع المحض، كوصية الإنسان بعد موته في ماله بالثلث فأقل، لقريب غير وارث، أو لغيره، أو الوصية في أعمال البر من الصدقة على الفقراء والمساكين أو في وجوه الخير. ينظر: "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٦/٢٦٤) .
وللإنسان أن يوصي أهله ببعض الأمور المتعلقة بجنازته، كمن يغسله ومن يصلي عليه ونحو ذلك، وأن يوصيهم بترك البدع والمحدثات، وتجنب النياحة وغير ذلك من المنهيات، لا سيما إذا كان يعلم من حالهم أنهم ربما فعلوا شيئا من ذلك.
ويدل لذلك ما رواه مسلم (١٢١) أن عمرو بن العاص ﵁ قال وهو في سياق الموت: (فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ) .
وروى الترمذي (٩٨٦) وابن ماجه (١٤٧٦) عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵁ قَالَ: (إِذَا مِتُّ فَلَا تُؤْذِنُوا بِي، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ نَعْيًا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ النَّعْيِ) والحديث حسنه الألباني في صحيح الترمذي.
وروى أحمد (١٠١٤١) عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (إِذَا مُتُّ فَلَا تَضْرِبُوا عَلَيَّ فُسْطَاطًا، وَلَا تَتْبَعُونِي بِنَارٍ، وَأَسْرِعُوا بِي إِلَى رَبِّي، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا وُضِعَ الْعَبْدُ أَوْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ عَلَى سَرِيرِهِ قَالَ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وَإِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ السَّوْءُ قَالَ: وَيْلَكُمْ أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي) والحديث حسنه شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند.
وروى الحاكم في المستدرك (١٤٠٩) أن قيس بن عاصم ﵁ أوصاهم عند موته فقال: (إذا أنا مت فلا تنوحوا علي فإن رسول الله ﷺ لم ينح عليه) قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في التلخيص: صحيح.
فهذا وغيره يدل على مشروعية الوصية ببعض الأمور المتعلقة بالجنازة أو بالتحذير من النياحة ونحوها.
لكن ليس للوصية صيغة معينة، يلتزم بها الإنسان، بل يوصي بما يناسب حاله وحال أهله، وما له وما عليه من الحقوق كما سبق.
والمهم ألا يُعتقد أن هناك صيغاً مأثورة، أو لابد منها. وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء عن الوصية الواردة في كتيب: "هذه وصيتي الشرعية".
فأجابت: " بقراءة الوصية المذكورة لم يوجد فيها ما يخالف الشرع، ولكن صياغتها بشكل وصية من كل فرد وتوزيعها على الناس يوهم أنه يستحب لكل شخص أن يوصي بما فيها أو يشتريها ويدفعها لمن يتولى شأنه بعد موته، مع أنه لا داعي لذلك؛ لأن أحكام الجنائز المذكورة فيها موجودة في كتب الفقه، يراجعها من يحتاج إليها بدون إيصاء أو توزيع، لا سيما وعمل المسلمين في هذه البلاد والحمد لله في أحكام الجنائز يتمشى على السنة " انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٦/٢٨٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6734
معنى تعذيب الميت ببكاء أهله عليه
[السُّؤَالُ]
ـ[هل صحيح أن الميت يعذب بالبكاء عليه؟ وما ذنب الميت حتى يعاقب على معصية فعلها غيره؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نعم، قد صحت الأحاديث عن النبي ﷺ بذلك، وليس هذا من عقوبة الميت بذنب غيره، كما سيأتي.
وقد أنكرت عائشة ﵂ أن يكون النبي ﷺ قال هذه الأحاديث، لظنها أنها تتعارض مع قوله تعالى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) .
وهذه بعض الأحاديث الواردة في هذا، مع بيان معناها الصحيح الذي لا يتعارض مع هذه الآية، وجواب العلماء على اعتراض أم المؤمنين عائشة ﵂.
روى البخاري (١٢٩١) ومسلم (٩٣٣) عَنْ الْمُغِيرَةِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ) زاد مسلم: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .
وروى البخاري (١٢٩٢) ومسلم (٩٢٧) عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ) .
قال النووي: وَفِي رِوَايَة بِإِثْبَاتِ (فِي قَبْره) وَفِي رِوَايَة بِحَذْفِهِ اهـ.
وروى البخاري (١٢٨٨) ومسلم (٩٢٩) عن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: تُوُفِّيَتْ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ ﵁ بِمَكَّةَ، وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃، وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا صَوْت مِنْ الدَّار، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ: أَلا تَنْهَى عَنْ الْبُكَاءِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَدْ كَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ:....َلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ: وَا أَخَاهُ! وَا صَاحِبَاهُ! فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَا صُهَيْبُ، أَتَبْكِي عَلَيَّ! وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ﵁ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ ﵂، فَقَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) وَقَالَتْ: حَسْبُكُمْ الْقُرْآنُ (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)
قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَاللَّهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ شَيْئًا.
وقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ عَائِشَةَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَتْ: إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُوني عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ وَلا مُكَذَّبَيْنِ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ.
قال الحافظ:
قَوْله: (مَا قَالَ اِبْن عُمَر شَيْئًا) َقَالَ الزَّيْن بْن الْمُنِير: سُكُوته لا يَدُلّ عَلَى الإِذْعَان فَلَعَلَّهُ كَرِهَ الْمُجَادَلَة فِي ذَلِكَ الْمَقَام.
وروى مسلم (٩٢٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر أَنَّ حَفْصَةَ بَكَتْ عَلَى عُمَرَ ﵃، فَقَالَ: مَهْلًا يَا بُنَيَّةُ! أَلَمْ تَعْلَمِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ؟) .
فهذه الأحاديث رواها عن النبي ﷺ ثلاثة من الصحابة وهم عمر وابن عمر والمغيرة ﵃، وفيها تعذيب الميت ببكاء أهله عليه.
مسائل: المسألة الأولى:
المراد بالبكاء في هذه الأحاديث.
اتفق العلماء على أنه ليس المراد من هذه الأحاديث مطلق البكاء، بل المراد بالبكاء هنا النياحة ورفع الصوت.
قال النووي:
" وَأَجْمَعُوا كُلّهمْ عَلَى اِخْتِلَاف مَذَاهِبهمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْبُكَاءِ هُنَا الْبُكَاء بِصَوْتٍ وَنِيَاحَة لَا مُجَرَّد دَمْع الْعَيْن " انتهى.
المسألة الثانية:
أما رد عائشة ﵂ هذه الأحاديث، فهو اجتهاد منها ﵂، حيث ظنت أن عمر وابنه ﵄ قد وهما وأخطآ، وأن هذه الأحاديث معارضة لقول الله تعالى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) الأنعام/١٦٤.
قَالَ الْقُرْطُبِيّ: " إِنْكَار عَائِشَة ﵂ ذَلِكَ وَحُكْمهَا عَلَى الرَّاوِي بِالتَّخْطِئَةِ أَوْ النِّسْيَان أَوْ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضًا وَلَمْ يَسْمَع بَعْضًا بَعِيد , لأَنَّ الرُّوَاة لِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ الصَّحَابَة كَثِيرُونَ وَهُمْ جَازِمُونَ فَلا وَجْه لِلنَّفْيِ مَعَ إِمْكَان حَمْلِهِ عَلَى مَحْمَل صَحِيح " انتهى.
فإن قيل: كيف حلفت عائشة ﵂ على أن الرسول ﷺ لم يقل هذا مع ثبوته عنه؟
فالجواب: أنها حلفت بناء على غلبة ظنها أن عمر وابنه عبد الله وهما ﵄، والحلف على غلبة الظن جائز. قاله النووي ﵀ بمعناه.
المسألة الثالثة:
الجمع بين هذه الأحاديث وبين ما استدلت به عائشة ﵂ من قول الله تعالى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) . وبيان أنه لا تعارض بينها.
اختلفت طريقة العلماء في توجيه الحديث وبيان عدم تعارضه مع الآية، ولهم في ذلك طرق:
أَوَّلهَا: طَرِيقَة الْبُخَارِيّ
أنه يعذب بذلك إذا كان من سنته وطريقته وقد أقرّ عليه أهله في حياته فيعذب لذلك، وإن لم يكن من طريقته فإنه لا يعذب. فإنه قال:
" بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ (أي من طريقته وعادته) "
قال الحافظ:
" فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّ الَّذِي يُعَذَّب بِبَعْضِ بُكَاء أَهْله مَنْ كَانَ رَاضِيًا بِذَلِكَ بِأَنْ تَكُون تِلْكَ طَرِيقَته إِلَخْ , وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّف (فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّته) أَيْ كَمَنْ كَانَ لا شُعُور عِنْده بِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ , أَوْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ بِأَنْ نَهَاهُمْ فَهَذَا لا مُؤَاخَذَة عَلَيْهِ بِفِعْلِ غَيْره , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ اِبْن الْمُبَارَك: إِذَا كَانَ يَنْهَاهُمْ فِي حَيَاته فَفَعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بَعْد وَفَاته لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْء " انتهى.
ثَانِيهَا:
وقد نسبه النووي إلى الْجُمْهُور وصححه، حملوا الحديث عَلَى مَنْ وَصَّى بِأَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ وَيُنَاح بَعْد مَوْته فَنُفِّذَتْ وَصِيَّته , فَهَذَا يُعَذَّب بِبُكَاءِ أَهْله عَلَيْهِ وَنَوْحهمْ ; لِأَنَّهُ بِسَبَبِهِ وَمَنْسُوب إِلَيْهِ , فَأَمَّا مَنْ بَكَى عَلَيْهِ أَهْله وَنَاحُوا مِنْ غَيْر وَصِيَّة مِنْهُ فَلَا يُعَذَّب لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) .
قَالُوا: وَكَانَ مِنْ عَادَة الْعَرَب الْوَصِيَّة بِذَلِكَ، وَمِنْهُ قَوْل طَرَفَةَ بْن الْعَبْد:
إِذَا مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْله وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْب يَا اِبْنَة مَعْبَدِ
قَالُوا: فَخَرَجَ الْحَدِيث مُطْلَقًا حَمْلا عَلَى مَا كَانَ مُعْتَادًا لَهُمْ.
ثَالِثهَا: هُوَ مَحْمُول عَلَى مَنْ أَوْصَى بِالْبُكَاءِ وَالنَّوْح، أَوْ لَمْ يُوصِ بِتَرْكِهِمَا.
فَأَمَّا مَنْ وَصَّى بِتَرْكِهِمَا فَلَا يُعَذَّب بِهِمَا إِذْ لا صُنْع لَهُ فِيهِمَا وَلَا تَفْرِيط مِنْهُ. وَحَاصِل هَذَا الْقَوْل إِيجَاب الْوَصِيَّة بِتَرْكِهِمَا , وَمَنْ أَهْمَلَهُمَا عُذِّبَ بِهِمَا. وَهُوَ قَوْل دَاوُد وَطَائِفَة.
رَابِعهَا: وَقَالَتْ طَائِفَة: مَعْنَى الأَحَادِيث أَنَّهُمْ كَانُوا يَنُوحُونَ عَلَى الْمَيِّت وَيَنْدُبُونَهُ بِتَعْدِيدِ شَمَائِله وَمَحَاسِنه فِي زَعْمهمْ , وَتِلْكَ الشَّمَائِل قَبَائِح فِي الشَّرْع يُعَذَّب بِهَا.
فمَعْنَى قَوْله " يُعَذَّب بِبُكَاءِ أَهْله " أَيْ بِنَظِيرِ مَا يَبْكِيه أَهْله بِهِ.
وَهَذَا اِخْتِيَار اِبْن حَزْم وَطَائِفَة ,
فكانوا يَنْدُبُونَ الميت بِرِيَاسَتِهِ الَّتِي ظلم فِيهَا , وَشَجَاعَته الَّتِي صَرَفَهَا فِي غَيْر طَاعَة اللَّه , وَجُوده الَّذِي لَمْ يَضَعهُ فِي الْحَقّ , فَأَهْله يَبْكُونَ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْمَفَاخِر وَهُوَ يُعَذَّب بِذَلِكَ.
خَامِسهَا: مَعْنَى التَّعْذِيب تَوْبِيخ الْمَلائِكَة لَهُ بِمَا يَنْدُبهُ أَهْله بِهِ كَمَا رَوَى ابن ماجه (١٥٩٤) عن أَسِيدُ بْنُ أَبِي أَسِيدٍ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ، إِذَا قَالُوا: وَا عَضُدَاهُ، وَا كَاسِيَاهُ، وَا نَاصِرَاهُ، وَا جَبَلَاهُ، وَنَحْوَ هَذَا، يُتَعْتَعُ –أي يقلق ويزعج ويجر بشدة- وَيُقَالُ: أَنْتَ كَذَلِكَ؟ أَنْتَ كَذَلِكَ؟)
قَالَ أَسِيدٌ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) .
قَالَ: وَيْحَكَ! أُحَدِّثُكَ أَنَّ أَبَا مُوسَى حَدَّثَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَرَى أَنَّ أَبَا مُوسَى كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؟! أَوْ تَرَى أَنِّي كَذبْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى؟! حسنه الألباني في صحيح ابن ماجه.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (١٠٠٣) بِلَفْظِ: (مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بَاكِيهِ فَيَقُولُ: وَا جَبَلاهْ وَا سَيِّدَاهْ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ إِلا وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يَلْهَزَانِهِ -أَيْ: يَضْرِبَانِهِ وَيَدْفَعَانِهِ- أَهَكَذَا كُنْتَ؟) حسنه الألباني في صحيح الترمذي.
ويشهد له ما رواه البخاري (٤٢٦٨) عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي: وَا جَبَلاهْ وَا كَذَا وَا كَذَا تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلا قِيلَ لِي: آنْتَ كَذَلِكَ؟ فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ.
سَادِسهَا: مَعْنَى التَّعْذِيب تَأَلُّم الْمَيِّت بِمَا يَقَع مِنْ أَهْله مِنْ النِّيَاحَة وَغَيْرهَا , وَهَذَا اِخْتِيَار أَبِي جَعْفَر الطَّبَرِيّ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ , وَرَجَّحَهُ القاضي عِيَاض، وَنَصَرَهُ شيخ الإسلام اِبْن تَيْمِيَة وَجَمَاعَة مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَاسْتَشْهَدُوا لَهُ بِحَدِيثِ قَيْلَة بِنْت مَخْرَمَة أن النبي ﷺ نهاها عن البكاء على ابنها وقال: (أَيُغْْلَبُ أَحَدكُمْ أَنْ يُصَاحِب صُوَيْحِبه فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا , وَإِذَا مَاتَ اِسْتَرْجَعَ , فَوَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِنَّ أَحَدكُمْ لَيَبْكِي فَيَسْتَعْبِر إِلَيْهِ صُوَيْحِبه , فَيَا عِبَاد اللَّه , لا تَعَذِّبُوا مَوْتَاكُمْ) قال الحافظ: إسناده حسن. وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
وهذا القول الأخير هو أولى الأقوال التي قيلت في معنى الحديث.
وقد سئل شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (٣٤/٣٦٤) : هَلْ يَتَأَذَّى الْمَيِّتُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ؟
فَأَجَابَ:
هَذِهِ مَسْأَلَةٌ فِيهَا نِزَاعٌ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَالْعُلَمَاءِ.
وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ يَتَأَذَّى بِالْبُكَاءِ عَلَيْهِ كَمَا نَطَقَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . . . ثم ذكر بعض هذه الأحاديث. ثم قال:
وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَعْذِيبِ الإِنْسَانِ بِذَنْبِ غَيْرِهِ فَهُوَ مُخَالِفٌ لقوله تعالى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ثُمَّ تَنَوَّعَتْ طُرُقُهُمْ فِي تِلْكَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. فَمِنْهُمْ مَنْ غَلَّطَ الرُّوَاةَ لَهَا كَعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ , وَهَذِهِ طَرِيقَةُ عَائِشَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا أَوْصَى بِهِ فَيُعَذَّبُ عَلَى إيصَائِهِ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ , كالمزني وَغَيْرِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ عَادَتُهُمْ، فَيُعَذَّبُ عَلَى تَرْكِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ , وَهُوَ اخْتِيَارُ طَائِفَةٍ , مِنْهُمْ جَدِّي أَبُو الْبَرَكَاتِ.
وَكُلُّ هَذِهِ الأَقْوَالِ ضَعِيفَةٌ جِدًّا , وَالأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ الَّتِي يَرْوِيهَا مِثْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ لا تُرَدُّ بِمِثْلِ هَذَا.
وَاَلَّذِينَ أَقَرُّوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى مُقْتَضَاهُ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ عُقُوبَةِ الإِنْسَانِ بِذَنْبِ غَيْرِهِ وَأَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ , وَاعْتَقَدَ هَؤُلاءِ أَنَّ اللَّهَ يُعَاقِبُ الإِنْسَانَ بِذَنْبِ غَيْرِهِ. . . .
واللَّه تعالى لا يُعَذِّبُ أَحَدًا فِي الآخِرَةِ إلا بِذَنْبِهِ، (ولا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) .
وَأَمَّا تَعْذِيبُ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، فَهُوَ لَمْ يَقُلْ: إنَّ الْمَيِّتَ يُعَاقَبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ , بَلْ قَالَ: (يُعَذَّبُ) وَالْعَذَابُ أَعَمُّ مِنْ الْعِقَابِ، فَإِنَّ الْعَذَابَ هُوَ الأَلَمُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ تَأَلَّمَ بِسَبَبٍ كَانَ ذَلِكَ عِقَابًا لَهُ عَلَى ذَلِكَ السَّبَبِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ , يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) فَسَمَّى السَّفَرَ عَذَابًا، وَلَيْسَ هُوَ عِقَابًا عَلَى ذَنْبٍ , وَالإِنْسَانُ يُعَذَّبُ بِالأُمُورِ الْمَكْرُوهَةِ الَّتِي يَشْعُرُ بِهَا مِثْلَ الأَصْوَاتِ الْهَائِلَةِ وَالأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ وَالصُّوَرِ الْقَبِيحَةِ فَهُوَ يَتَعَذَّبُ بِسَمَاعِ هَذَا وَشَمِّ هَذَا وَرُؤْيَةِ هَذَا وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَمَلا لَهُ عُوقِبَ عَلَيْهِ , فَكَيْفَ يُنْكَرُ أَنْ يُعَذَّبَ الْمَيِّتُ بِالنِّيَاحَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ النِّيَاحَةُ عَمَلا لَهُ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ؟
ولا نحكم على كل من ناح عليه أهله أنه يعذب بذلك:
ثم قال شيخ الإسلام:
ثُمَّ النِّيَاحَةُ سَبَبُ الْعَذَابِ , وَقَدْ يَنْدَفِعُ حُكْمُ السَّبَبِ بِمَا يُعَارِضُهُ فقَدْ يَكُونُ فِي الْمَيِّتِ مِنْ قُوَّةِ الْكَرَامَةِ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ مِنْ الْعَذَابِ
وهذا العذاب الذي يحصل للمؤمن ببكاء أهله عليه، من جملة الشدائد والأذى التي يكفر الله بها عن المؤمن من ذنوبه.
وأما الكافر فإنه يزداد بذلك عذابه، فيجمع له بين ألم العقاب، والتألم الحاصل له ببكاء أهله عليه.
ثم قال شيخ الإسلام:
وَمَا يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا وَالْبَرْزَخِ وَالْقِيَامَةِ مِنْ الأَلَمِ الَّتِي هِيَ عَذَابٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ خَطَايَاهُ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلا نَصَبٍ وَلا هَمٍّ وَلا حَزَنٍ وَلا أَذًى حَتَّى الشَّوْكَةَ يَشَاكُهَا إلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) انتهى باختصار.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: ما معنى قول النبي ﷺ : (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) ؟
فأجاب:
" معناه أن الميت إذا بكى أهله عليه فإنه يعلم بذلك ويتألم، وليس المعنى أن الله يعاقبه بذلك لأن الله تعالى يقول: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى?) والعذاب لا يلزم أن يكون عقوبة ألم تر إلى قول النبي ﷺ : (إن السفر قطعة من العذاب) والسفر ليس بعقوبة، لكن يتأذى به الإنسان ويتعب، وهكذا الميت إذا بكى أهله عليه فإنه يتألم ويتعب من ذلك، وإن كان هذا ليس بعقوبة من الله له، وهذا التفسير للحديث تفسير واضح صريح، ولا يرد عليه إشكال، ولا يحتاج أن يقال: هذا فيمن أوصى بالنياحة، أو فيمن كان عادة أهله النياحة ولم ينههم عند موته، بل نقول: إن الإنسان يعذب بالشيء ولا يتضرر به " انتهى. "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٧/٤٠٨) .
وانظر: "فتح الباري" (٣/١٨٠- ١٨٥) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6735
هل يترك تشييع جنازة شخص كان معروفا بالقسوة والوحشية ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمسلم أن يتجنب الذهاب لمراسيم جنازة شخص كان يعرف بالقسوة والوحشية؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
اتباع الجنازة حتى يصلى عليها، أو حتى تدفن، حق للمسلم على أخيه المسلم، كما روى البخاري (١٢٤٠) ومسلم (٢١٦٢) أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ) .
وفي رواية لمسلم: (خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ ... ) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀: " والظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية " انتهى من "فتح الباري" (٣/١٣٦) .
أي أن اتباع الجنازة واجب على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، وإذا تركه الجميع أثموا.
وقد جاء الأمر باتباع الجنائز فيما رواه البخاري (٢٤٤٥) ومسلم (٢٠٦٦) عن الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، فَذَكَرَ: (عِيَادَةَ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعَ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتَ الْعَاطِسِ، وَرَدَّ السَّلامِ، وَنَصْرَ الْمَظْلُومِ، وَإِجَابَةَ الدَّاعِي، وَإِبْرَارَ الْمُقْسِمِ) .
وجاء في فضل اتباع الجنازة حتى يصلى عليها وحتى تدفن قوله ﷺ : (مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ. قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ) رواه البخاري (١٣٢٥) ومسلم (٩٤٥) .
ومع هذا فقد ترك النبي ﷺ الصلاة على أناس، عقوبةً ونكالاً لهم، وزجراً عن أفعالهم، فلم يصل على الغالّ من الغنيمة، ولا على قاتل نفسه.
روى مسلم (٩٧٨) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: (أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) .
والمشاقص: جمع مشقص، وهو سهم له طرف حاد عريض.
وروى أبو داود (٢٧١٠) والنسائي (١٩٥٩) وابن ماجه (٢٨٤٨) عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ تُوُفِّيَ يَوْمَ خَيْبَرَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لِذَلِكَ. فَقَالَ: (إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ يَهُودَ لا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ) .
والغلول: هو الأخذ من الغنيمة خفية قبل قسمتها.
وقد استفاد أهل العلم من هذا الحديث أن السنة في حق الإمام أن لا يصلي على الغال والقاتل نفسه، اقتداء بالنبي ﷺ .
وهنا مسألتان:
الأولى: هل يلحق بالإمام غيره من أهل العلم والفضل؟
والثانية: هل يلحق بالغال والقاتل نفسه من هو مثلهم أو أشد كقطاع الطرق والظلمة وأصحاب الكبائر والمعاصي الظاهرة؟
والجواب: نعم، يلحق بالإمام غيره من أهل العلم والفضل، ويلحق بالغال والقاتل من هو مثلهم أو أشد.
قال الباجي في "المنتقى": " وَهَذِهِ سُنَّةٌ فِي امْتِنَاعِ الأَئِمَّةِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ مِنْ الصَّلاةِ عَلَى أَهْلِ الْكَبَائِرِ عَلَى وَجْهِ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِمْ. وَأَمْرُ غَيْرِهِ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهُمْ حُكْمَ الإِيمَانِ لا يَخْرُجُونَ عَنْهُ بِمَا أَحْدَثُوهُ مِنْ مَعْصِيَةٍ " انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ومن مات لا يزكي ولا يصلي إلا في رمضان ينبغي لأهل العلم والدين أن يدعوا الصلاة عليه عقوبة ونكالا لأمثاله؛ لتركه ﷺ الصلاة على قاتل نفسه وعلى الغالّ والمدين الذي لا وفاء له، ولا بد أن يصلي عليه بعض الناس ... ومن مات مظهرا للفسق مع ما فيه من الإيمان كأهل الكبائر، ومن امتنع من الصلاة على أحدهم زجرا لأمثاله عن مثل فعله كان حسنا، ومن صلى على أحدهم يرجو ﵀ ولم يكن في امتناعه مصلحة راجحة كان حسنا، ولو امتنع في الظاهر ودعا له في الباطن ليجمع بين المصلحتين كان أولى من تفويت إحداهما " انتهى.
"الاختيارات" (ص ٨٠) .
ونقل المرداوي في "الإنصاف" (٢/٥٣٥) : عن الإمام أحمد أنه لا يصلى على أهل الكبائر. وقال: " واختار المَجْد (مجد الدين ابن تيمية جد شيخ الإسلام ابن تيمية) أنه لا يصلي على كل من مات على معصية ظاهرة بلا توبة. قال في الفروع: وهو متجه " انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " ولو قال قائل: أفلا ينبغي أن يُعدّى هذا الحكم إلى أمير كل قرية أو قضيها أو مفتيها، أي من يحصل بامتناعه النكال، هل يتعدى الحكم إليهم؟
فالجواب: نعم، يتعدى الحكم إليهم، فكل من في امتناعه عن الصلاة نكال فإنه يسن له أن لا يصلي على الغالّ، ولا على قاتل نفسه ".
ثم قال: " مسألة: هل يلحق بالغالّ، وقاتل النفس من هو مثلهم، أو أشد منهم أذية للمسلمين، كقطاع الطرق مثلا؟
الجواب: المشهور من المذهب: لا يلحق.
والقول الثاني: أن من كان مثلهم، أو أشد منهم، فإنه لا يصلي الإمام عليه؛ لأن الشرع إذا جاء بعقوبة على جرم من المعاصي، فإنه يلحق به ما يماثله، أو ما هو أشد منه.
فإذا كان الذي غل هذا الشيء اليسير لم يصل عليه النبي ﷺ فما بالك بمن يقف للمسلمين في الطرق، ويقتلهم ويأخذ أموالهم، ويروعهم، أليس هذا من باب أولى أن ينكل به؟
الجواب: بلى، ولهذا فالصحيح: أن ما ساوى هاتين المعصيتين، ورأى الإمام المصلحة في عدم الصلاة عليه، فإنه لا يصلي عليه " انتهى من "الشرح الممتع" (٥/٤٤٢) .
وبناء على ذلك: فمن كان معروفا بالقسوة والوحشية بحيث يرتكب الكبائر أو يجاهر بالمعاصي، فينبغي أن يمتنع عن الصلاة عليه أهل العلم والفضل ممن يكون لامتناعهم تأثير في الزجر عن هذه المعاصي والتنفير منها ومن أهلها، وأما آحاد الناس الذين لا يترتب على امتناعهم عن الصلاة والتشييع مصلحة، فينبغي أن يتبعوا الجنازة ويصلوا عليها تحصيلا للأجر والثواب، وقياما بحق المسلم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6736
لو تبع جنازة دون أن يصلي عليها فهل له قيراط من الأجر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لو تبع شخص جنازة بدون أن يصلي عليها فهل يأخذ " قيراطاً " أم يشترط أن يصلي عليها لكي يأخذ هذا الأجر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
دلت السنة على أن من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان.
روى البخاري (١٣٢٥) ومسلم (٩٤٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ. قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ) رواه البخاري (١٣٢٥) ومسلم (٩٤٥) .
وروى مسلم (٩٤٥) عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، أَلا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ! أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْرٍ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ مِنْ الأَجْرِ مِثْلُ أُحُدٍ) فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ خَبَّابًا إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ مَا قَالَتْ، وَأَخَذَ ابْنُ عُمَرَ قَبْضَةً مِنْ حَصْبَاءِ الْمَسْجِدِ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ، فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَضَرَبَ ابْنُ عُمَرَ بِالْحَصَى الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الأَرْضَ ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ) .
والقيراط مقدار كبير من الأجر مثَّله النبي ﷺ بجبل أحد.
والقيراط الذي يحصل بالصلاة، هل يحصل بالصلاة فقط أم لا بد أن يخرج مع الجنازة من بيتها؟
قال الحافظ ابن حجر: " وفي رواية خباب عند مسلم: (من خرج مع جنازة من بيتها) ولأحمد في حديث أبي سعيد الخدري: (فمشى معها من أهلها) ومقتضاه أن القيراط يختص بمن حضر من أول الأمر إلى انقضاء الصلاة، وبذلك صرح المحب الطبري وغيره. والذي يظهر لي: أن القيراط يحصل أيضا لمن صلى فقط، لأن كل ما قبل الصلاة وسيلة إليها، لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من شيّع مثلا وصلى، ورواية مسلم عن أبي هريرة بلفظ: (أصغرهما مثل أحد) يدل على أن القراريط تتفاوت " انتهى من "فتح الباري" (٣/ ٢٣٤) .
ثانياً:
وأما من تبعها دون أن يصلي عليها أو يشهد دفنها، فلا يدخل في هذا الوعد، لكن يرجى له أن يحصل له ثواب بحسب نيته.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: " قال الزين بن المنيّر ما محصله: ... القيراط لا يحصل إلا لمن اتبع وصلى، أو اتبع وشيّع وحضر الدفن، لا لمن اتبع مثلا وشيع ثم انصرف بغير صلاة؛ وذلك لأن الاتباع إنما هو وسيلة لأحد مقصودين: إما الصلاة وإما الدفن، فإذا تجردت الوسيلة عن المقصد لم يحصل المرتب على المقصود، وإن كان يرجى أن يحصل لفاعلِ ذلك فضلٌ ما بحسب نيته " انتهى من "فتح الباري" (٣/٢٣٠) .
ثالثاً:
وظاهر الحديث أن القيراط المرتب على الدفن لا يحصل إلا إذا تقدمه الصلاة على الميت.
روى البخاري (٤٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنْ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ) .
قال النووي ﵀:
" ومقتضى هذا أن القيراطين إنما يحصلان لمن كان معها في جميع الطريق حتى تدفن، فإن صلى مثلا وذهب إلى القبر وحده فحضر الدفن لم يحصل له إلا قيراط واحد " انتهى من "فتح الباري" (٣/٢٣٤) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في "شرح كتاب الجنائز من بلوغ المرام":
" من فوائد الحديث (يعني حديث أبي هريرة المذكور في أول الجواب) :
أن القيراطين لا يحصلان إلا لمن شهد الصلاة والدفن، لقوله ﷺ : (ومن شهدها حتى تدفن) لأنه من المعلوم أن الصلاة سابقة على الدفن.
فإن شهد الدفن دون الصلاة، مثل أن يمر رجل بأناس في المقبرة يدفنون ميتاً فحضر وشاركهم في الدفن، فالحديث ليس فيه دليل على أنه يحصل له بالدفن وحده قيراط، إنما يحصل له بالدفن قيراط إذا انضم إلى الصلاة، ولا يلزم من حصول الأجر بانضمام شيء إلى آخر أن يحصل به منفرداً " انتهى من الشريط السادس، الوجه الثاني.
والحاصل أن اتباع الجنازة على خمس مراتب:
الأولى: أن يشهدها منذ خروجها من بيتها، حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها، وهذه أكمل المراتب، وفيها قيراطان عظيمان من الأجر.
الثانية: أن يشهدها منذ خروجها من بيتها حتى يصلي عليها، فله قيراط.
الثالثة: أن يصلي عليها، وإن لم يخرج معها من بيتها، فله قيراط على ما اختاره الحافظ ابن حجر، لكنه دون من شهدها من بيتها.
الرابعة: أن يشهد دفنها فقط دون أن يصلي عليها، فظاهر الحديث أنه ليس له قيراط، وإن كان له ثواب في الجملة بقدر عمله.
الخامسة: أن يتبعها مدة ثم ينصرف، دون أن يشهد الصلاة أو الدفن، فهذا يرجى له ثواب على قدر نيته.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6737
هل يصلون الجنازة على تارك الصلاة خشية الفتنة من تركها ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[قرية معظم سكانها لا يصلون، متمسكون ببعض التقاليد الإسلامية، وقد يكون من بينهم من هو كافر، ونحن جماعة ملتزمة وندعوهم إلى الله، ولنا أمل في هدايتهم، ونحن لا نصلي صلاة الجنازة إلا على المصلين، وهذا يحدث فتنة إن لم نصل على غير المصلين.
هل يجوز الصلاة على الجميع في سبيل الدعوة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
حكم الصلاة على تارك الصلاة مبني على اختلاف العلماء في حكمه هل هو مسلم عاصٍ أم كافر؟
والذي تدل عليه ظواهر النصوص وإجماع الصحابة ﵃: أن تارك الصلاة كافر كفراً أكبر، وقد سبق بيان هذا في جواب السؤال رقم (١٠٠٦١) ، وفي جواب السؤال رقم (٧٠٢٧٨) : أن الذي لا يصلي لا تؤكل ذبيحته، وفي جواب السؤالين (٣٧٨٢٠) و (٤٩٦٩٨) : أن تارك الصلاة لا يقبل منه عمل، لا زكاة، ولا صيام، ولا حج ولا شيء، وفي جواب السؤال رقم (٧٨٦٤) : أن الواجب أن يخصص للمسلمين مقابر، ولا يدفن فيها غيرهم، والذي لا يصلي ويموت وهو تارك للصلاة لا يدفن في مقابر المسلمين.
وفي الوقت نفسه لا نستطيع إنكار وجود قول آخر في المسألة، ولا حرج على من تبناه معتقداً صحته.
فإذا كنتم ترون كفر تارك الصلاة فلا تصلوا على أحدٍ ممن مات وهو تارك لها، ولتصبروا على ما تلقونه من أذى من السفهاء.
وإن كنتم لا ترون كفر تارك الصلاة: فلا بأس من صلاتكم على من مات وهو تارك للصلاة، مع أن الأفضل هو عدم الصلاة عليه عقوبة له، وزجراً لغيره عن هذه المعصية الكبيرة. ولعل ترككم الصلاة على هذا وأمثاله يكون دافعا للناس لإقامة الصلاة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6738
هل يجوز للمرأة الاعتكاف عن والديها الأموات ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمرأة الاعتكاف عن والديها الأموات؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ذهب بعض العلماء إلى جواز فعل أي عبادة وهبة ثوابها للأموات، وذهب آخرون إلى أنه يقتصر على ما ورد به النص من العبادات.
سئل الشيخ صالح الفوزان حفظه الله:
ما هي الأشياء التي يَنتفع بها الميت من قبَل الأحياء؟ وهل هناك فرق بين العبادات البدنية وغير البدنية؟ نرجو أن توضحوا لنا هذه المسألة وتضعوا لنا فيها قاعدة نرجع إليها كلما أشكل علينا مثل هذه المسائل، أفتونا بارك الله فيكم.
فأجاب: " ينتفع الميت من الحي بما دل عليه الدليل من الدعاء له والاستغفار له والتصدق عنه والحج عنه والعمرة عنه وقضاء الديون التي عليه وتنفيذ وصاياه الشرعية، كل ذلك قد دلت الأدلة على مشروعيته.
وقد ألحق بها بعض العلماء كل قربة فعلها مسلم وجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت، والصحيح الاقتصار على ما ورد به الدليل، ويكون ذلك مخصصًا لقوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى) النجم /٣٩، والله أعلم "
" المنتقى " (٢ / ١٦١) .
وأما بخصوص الوالدين: فإن الشرع جعل الولد من كسب أبيه.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ) . رواه ابن ماجه (٢٤٢) ، وصححه ابن خزيمة (٤ / ١٢١) وحسَّنه المنذري والألباني كما في " صحيح الترغيب " (١ / ١٨) .
قال السندي – في حاشيته على "سنن ابن ماجه ":
" عَدُّ الولد الصالح من العمل والتعليم حسنٌ؛ لأن الوالد هو سبب في وجوده، وسبب لصلاحه بإرشاده إلى الهدى، كما جُعل نفس العمل في قوله تعالى: (إِنَه عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح) " انتهى.
وقال الشيخ الألباني ﵀:
" ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة فإن لوالديه مثل أجره، دون أن ينقص من أجره شيءٌ؛ لأن الولد من سعيهما وكسبهما، والله يقول: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) النجم /٣٩، وقال رسول الله ﷺ : (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه) - رواه أصحاب السنن الأربعة وصححه الشيخ ﵀ بشواهده – " انتهى.
"أحكام الجنائز" (ص ١٢٦، ٢١٧) .
وسئل الشيخ صالح الفوزان حفظه الله:
ما هي الأعمال التي تنفع وتفيد الوالدين أحياءً وأمواتًا؟
فأجاب: " الأعمال هي: برهما في حياتهما، والإحسان إليهما بالقول والعمل، والقيام بما يحتاجانه من النفقة والسكن وغير ذلك والأنس بهما، والكلام الطيب معهما وخدمتهما؛ لقوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) الإسراء / ٢٣، خصوصًا في كبرهما، أما بعد الممات: فإنه يبقى من برهما أيضًا الدعاء، والصدقة لهما، والحج والعمرة عنهما، وقضاء الديون التي في ذمتهما، وصلة الرحم المتعلقة بهما، وكذلك برُّ صديقهما، وتنفيذ وصاياهما المشروعة " انتهى.
" المنتقى " (٢/١٦٢) .
ثانيا ً:
وأما بخصوص اعتكاف النساء: فإن الاعتكاف مستحب للرجال والنساء، ولكن ينبغي تقييده في حق النساء بأن يكون بإذن أهلها أو زوجها، وأن لا يكون في اعتكافها فتنة.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
" فالمرأة تعتكف ما لم يكن في اعتكافها فتنة، فإن كان في اعتكافها فتنة: فإنها لا تمكن من هذا؛ لأن المستحب إذا ترتب عليه الممنوع وجب أن يمنع، كالمباح إذا ترتب عليه الممنوع وجب أن يمنع، فلو فرضنا أنها إذا اعتكفت في المسجد صار هناك فتنة كما يوجد في المسجد الحرام، فالمسجد الحرام ليس فيه مكان خاص للنساء، وإذا اعتكفت المرأة فلا بد أن تنام إما ليلاً وإما نهاراً، ونومها بين الرجال ذاهبين وراجعين فيه فتنة.
والدليل على مشروعية الاعتكاف للنساء: اعتكاف زوجات الرسول ﷺ في حياته، وبعد مماته، لكن إن خيف فتنة: فإنها تمنع؛ لأن النبي ﷺ منع فيما دون ذلك، فإنه لما أراد أن يعتكف ﷺ خرج ذات يوم، وإذا خباء لعائشة، وخباء لفلانة، وخباء لفلانة، فقال ﷺ : (آلبر يرِدْن؟!) ثم أمر بنقضها، ولم يعتكف تلك السنة، وقضاه في شوال، وهذا يدل على أن اعتكاف المرأة إذا كان يحصل فيه فتنة: فإنها تمنع من باب أولى " انتهى.
"الشرح الممتع" (٦/٥١٠، ٥١١) .
والخلاصة: أنه ينبغي للإنسان أن يكثر من الأعمال الصالحة عن نفسه، قبل انقضاء أجله، وانقطاع عمله. وسيكون لوالديه نصيب من أجور هذه الأعمال من غير أن تنقص أجور أولادهم، والاعتكاف من الأعمال الصالحة، ومن المرأة لا بدَّ أن يون وفق ضوابط وشروط كما في كلام الشيخ ابن عثيمين ﵀.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6739
لا يشرع غرس الشجر على القبر
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض الناس يضعون غرسا على القبر مثل الصبار بحجة أن الرسول ﷺ وضع ذلك على قبرين من أصحابه، ما حكم ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" لا يشرع غرس الشجر على القبور، لا الصبار ولا غيره، ولا زرعها بشعير أو حنطة أو غير ذلك، لأن الرسول لم يفعل ذلك في القبور، ولا خلفاؤه الراشدون ﵃.
أما ما فعله مع القبرين اللذين أطلعه الله على عذابهما من غرس الجريدة فهذا خاص به وبالقبرين، لأنه لم يفعل ذلك مع غيرهما، وليس للمسلمين أن يحدثوا شيئا من القربات لم يشرعه الله للحديث المذكور، ولقول الله سبحانه: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) الشورى/٢١" اهـ.
"مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (٥/٤٠٧) .
وراجع السؤال رقم (٤٨٩٥٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6740
نبشت قبور مقبرة وبني مكانها مسجد فهل تجوز الصلاة فيه ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أحد المساجد في مدينتنا وهو أكبرها ثبت أنه كان قد بني مكان مقبرة بعد نبش القبور وتحويلها إلى مكان آخر. المشكلة أن هناك من يقول إنه لم تتم إزالة جميع القبور أو جميع الرفات حيث جيء بجرافة لتسوية المكان بعد إزالة القبور الظاهرة وكلما وجدوا قبراً أزالوه , فما حكم الصلاة فيه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يجب على المسلمين احترام قبور أمواتهم، ولا يحل نبش قبورهم لغير ضرورة، فإن كانت هناك ضرورة فيجب عليهم دفن كل ميت في قبر جديد.
وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
أسكن في قرية على حافة جبل وبجوارنا من الجهة اليمانية جبل مرتفع ومن الجهة الغربية حافة جبل، ومن الجهة الشرقية كذلك ومدرجات زراعية تحيط بنا، وعندي قطعة أرض بجوار مقبرة فعزمت على أن أبني لي بيتاً لأن بيت والدي أصبح لا يسعنا، وبعد أن حفرت في نفس الأرض وطرحنا حجر الأساس للبيت، وجدنا قبوراً، فقمنا بإخراج العظم ونقلها إلى محل آخر حيث يوجد عندنا في القرية خندق تحت جبل يوجد فيه رؤوس وأيادي وأرجل وأجزاء من أجسام بني آدم وضعت من قديم الزمان، ولا ندري هل عملنا هذا مشروع أم لا؟ أفيدونا أفادكم الله.
فأجاب:
"هذا العمل لا يجوز، فما دامت الأرض فيها قبور: فالواجب تركها، فهي تبع المقبرة ما دامت المقبرة بجوار الأرض المذكورة، فالواجب أن لا يتعرض لها، ولا ينبش القبور، وإذا حفر ووجد القبور يتركها، ولا يجوز للناس أن ينبشوا القبور، ويضعوا بيوتهم في محل القبور، فهذا تعد على محل الموتى وظلم للموتى لا يجوز.
قد يجوز بعض الأشياء إذا دعت الضرورة إليها مثل إذا دعت الحاجة إلى شارع ينفع المسلمين، واعترضه شيء من القبور، ولا حيلة في صرف الشارع، فقد يجوز أخذ بعض المقبرة ونقل الرفات إلى محل آخر إذا كانت الضرورة دعت إلى توسعة هذا الشارع للمسلمين، ولا حيلة في صرفه عن المقبرة، أما أن يأخذ الناس من المقبرة لتوسعة بيوتهم فهذا لا يجوز" انتهى.
" فتاوى نور على الدرب " (السؤال ١١٩) .
ثانياً:
فإن نبشت قبور الكفار – أو تُعدي على قبور المسلمين فنُبشت – جاز بناء المسجد مكان تلك القبور، فإن بقي من القبور شيء فلا يجوز بناء المسجد عليها، وقد ثبتت الأحاديث في النهي عن بناء المساجد على القبور في الصحيحين وغيرهما، وقد بنى النبي ﷺ مسجده في المدينة بعد أن نبش قبور الكفار.
فإذا بني المسجد فوق قبور المسلمين: لم تجز الصلاة فيه، ويجب هدم المسجد لأن القبور سابقة عليه، فإن كانت القبور في زاوية المسجد وبني جدار فاصل بين المسجد وتلك القبور: جاز ذلك الفعل وصحت الصلاة فيه، وهذه فتاوى العلماء في هذه المسألة:
سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:
توجد وسط مدينتنا مقبرة قديمة أزالت البلدية أنقاضها وأقامت مكانها حيّاً سكنيّاً ومباني لذوي الدخل المحدود وبقيت منها مساحة كبيرة أقام عليها أهل البر والإحسان مسجداً ليصلي فيه سكان الحي، وبعد بناء المسجد وقع خلاف بين أهل البلد حول جواز الصلاة في هذا المسجد أو عدم جوازها وانقسموا بين مؤيد ومعارض، ما حكم هذا المسجد؟ وهل يجب هدمه أم الإبقاء عليه؟ هل الصلاة في هذا المسجد صحيحة أم لا؟ .
فأجابوا:
"الأرض التي بني عليها مسجد إذا كانت خالية من القبور صحت الصلاة فيها، وإلا فيجب هدم المسجد الذي بني عليها" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١ / ٤١٨، ٤١٩) .
وسئل علماء اللجنة الدائمة – أيضاً -:
إن مسجدنا ببلدة " بايانج بمنطقة لاناودل سور " قد تم إنشاؤه بعد زلزال مدمر ضرب المنطقة عام ١٩٥٥م، حيث تحطمت جدرانه وأساساته، وقد قرر المسئولون وزعماء البلدة تعميره واتفقوا على تسوية الأرض الواقعة على الجانب الشرقي من المسجد المذكور علما بأن هذه المساحة من الأرض كانت تستخدم في السابق مقبرة لدفن الموتى، وعند تسوية هذه الأرض بواسطة الآليات الحديثة (البلدوزرات) فقد تم العثور على عدد كبير من عظام رفات الأموات حيث تمت إعادة دفنها ونقل بعض منها إلى الجزء الغربي من المسجد ولكن بداخل سور نفس المسجد الحالي.
١- فهل من الجائز إقامة صلاة الجمعة والجماعة بداخل هذا المسجد؟ .
٢- إذا كان الجواب بالنفي: فهل من الممكن معالجة الأمر بإقامة حاجز أو حائط فاصل داخل الجانب الغربي لهذا المسجد حيث تم نقل عظام رفات الموتى.
فأجابوا:
"إذا كان المسجد الحالي لم يعمر على أرض فيها قبور: فالواجب نبش القبور التي وضعت في جهته الغربية ونقل رفاتها إلى أرض المقابر، وإن كانت من المسلمين: فتنتقل إلى قبور المسلمين، وإن كانت قبور كفار: نقلت إلى مقابر الكفار، على أن يوضع رفات كل ميت مسلم في حفرة واحدة يسوى ظاهرها كبقية القبور حتى لا يمتهن، فإن تعذر نقل الرفات من غربي المسجد: فلا مانع من فصلها بجدار يفصلها عن بقية المسجد.
أما إن كانت أصل أرض المسجد فيها قبور: فالواجب التماس أرض أخرى سليمة يقع عليها المسجد، وتبقى أرض المسجد الأولى مقبرة كأصلها" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١ / ٤١٩ – ٤٢١) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
"وإذا كان في المسجد قبر: وجب أن ينبش وينقل ما فيه من عظام - إن وجدت - إلى مقبرة البلد فيحفر لها وتدفن في المقبرة؛ لأنه لا يجوز شرعاً وضع قبور في المساجد ولا بناء المساجد عليها؛ لأن ذلك من وسائل الشرك والفتنة بالمقبور، كما قد وقع ذلك في أكثر بلاد المسلمين من أزمان طويلة بأسباب الغلو في أصحاب القبور، وقد ثبت أن النبي ﷺ أمر بنبش القبور التي كانت في محل مسجده ﵊ ...
فهذه الأحاديث وما جاء في معناها كلها تدل على تحريم البناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها، والصلاة فيها وإليها وتجصيصها ونحو ذلك من أسباب الشرك بأربابها ...
وذكر أهل العلم أن القبر إذا وضع في مسجد وجب نبشه وإبعاده عن المسجد، وإن كان المسجد هو الذي حدث أخيرا بعد وجود القبر وجب هدم المسجد وإزالته؛ لأنه هو الذي حصل ببنائه المنكر؛ لأن الرسول ﷺ حذر من بناء المساجد على القبور ولعن اليهود والنصارى على ذلك، ونهى أمته عن مشابهتهم، وقال لعلي ﵁: (لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبراً مشرفاً إلا سوَّيته) " انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٦ / ٣٣٧، ٣٣٨) .
وعلى هذا فينظر في المكان الذي بني عليه المسجد، إن كان تحت أرضية المسجد قبور، فلا تجوز الصلاة فيه، وإن لم يكن تحته قبور جازت الصلاة فيه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6741
أنوع النعي وأحكامه
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو النعي الجائز من المحرم؟ وهل الإشهار بموت إنسان في المسجد حرام؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: تعريف النعي
النعي يطلق على الإخبار بموت الميت وإذاعة ذلك، ويطلق أيضاً على ما قد يصاحب ذلك من تعداد مناقب الميت.
قال الترمذي في جامعه ص (٢٣٩) : " والنعي عندهم أن ينادى في الناس أن فلاناً مات ليشهدوا جنازته ".
وقال ابن الأثير في النهاية (٥/٨٥) : " نعى الميت إذا أذاع موته، وأخبر به، وإذا ندبه ".
وقال القليوبي في حاشيته (١/٣٤٥) : " وهو النداء بموت الشخص، وذكر مآثره ومفاخره ".
ثانياً: أقسام النعي
النعي وهو الإخبار بموت الميت إما أن يكون إعلاماً مجرداً، وإما أن يكون إعلاماً بنداء ورفع صوت وذكر لمآثر الميت ونحو ذلك، ولكل منهما حكم.
أما الإعلام بالموت مجرداً فقد ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وغيرهم إلى جواز الإعلام بالموت من غير نداء؛ لأجل الصلاة على الميت.
انظر: فتح القدير (٢/١٢٧) ، حاشية الدسوقي (١/٢٤) ، نهاية المحتاج (٣/٢٠) ، الإقناع (١/٣٣١) ، تحفة الأحوذي (٤/٦١) ، السيل الجرار (١/٣٣٩) .
بل ذهب جماعة من العلماء إلى استحباب ذلك.
انظر: البناية شرح الهداية (٣/٢٦٧) ، الخرشي على مختصر خليل (٢/١٣٩) ، الأذكار للنووي ص (٢٢٦) .
واستدلوا بما رواه البخاري (١٣٣٣) ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ. وفي رواية للبخاري (١٣٢٨) (نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ يَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ) .
قال النووي في "شرح مسلم":
" فِيهِ: اِسْتِحْبَاب الإِعْلام بِالْمَيِّتِ لا عَلَى صُورَة نَعْي الْجَاهِلِيَّة , بَلْ مُجَرَّد إِعْلَام للصَّلَاة عَلَيْهِ وَتَشْيِيعه وَقَضَاء حَقّه فِي ذَلِكَ , وَاَلَّذِي جَاءَ مِنْ النَّهْي عَنْ النَّعْي لَيْسَ الْمُرَاد بِهِ هَذَا , وَإِنَّمَا الْمُرَاد نَعْي الْجَاهِلِيَّة الْمُشْتَمِل عَلَى ذِكْر الْمَفَاخِر وَغَيْرهَا " انتهى.
واستدلوا أيضاً بما رواه البخاري (٤٥٨) ومسلم (٩٥٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَوْ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ. قَالَ: أَفَلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ؟! دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ أَوْ قَالَ قَبْرِهَا، فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا.
وهذان الحديثان ظاهران في إباحة الإعلام بالموت لأجل الصلاة، والدعاء له، بل هما دالان على الاستحباب، ولأن ذلك وسيلة لأداء حقه من الصلاة عليه واتباع جنازته.
ومما يدل على جواز الإعلام بموت الميت لمصلحة غير الصلاة عليه: ما في صحيح البخاري (٤٢٦٢) عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ: (أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ، حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) .
ففي هذا الحديث: نعى النبي ﷺ هؤلاء الثلاثة ﵃، ولم يكن ذلك النعي لأجل الصلاة عليهم، إنما لأجل إخبار المسلمين بخبر إخوانهم، وما جرى لهم في تلك الوقعة.
وعليه؛ فيجوز الإعلام بالموت لكل غرض صحيح كالدعاء له، وتحليله وما أشبه ذلك.
انظر: "نهاية المحتاج" (٣/٢٠) .
وقال ابن عبد البر الاستذكار (٣/٢٦) : " وكان أبو هريرة ﵁ يمر بالمجالس، فيقول: إن أخاكم قد مات فاشهدوا جنازته ".
وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٨/٤٠٢) :
" يجوز دعاء أقارب الميت وأصحابه وجيرانه إذا توفي من أجل أن يصلوا عليه، ويدعوا له ويتبعوا جنازته، ويساعدوا على دفنه؛ لأن النبي ﷺ أخبر أصحابه لما توفي النجاشي ﵀ بموته ليصلوا عليه " انتهى.
وأما الإعلام بالموت بنداء ورفع صوت وذكر مآثر الميت فهذا النعي قد نهى عنه النبي ﷺ .
روى الترمذي (٩٨٦) عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵁ قَالَ: إِذَا مِتُّ فَلا تُؤْذِنُوا بِي، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ نَعْيًا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ النَّعْيِ. حسنه الحافظ ابن حجر، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
قال السندي في "حاشية ابن ماجه":
" َكَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يُشْهِرُونَ الْمَوْت بِهَيْئَةِ كَرِيهَة، فَالنَّهْي مَحْمُول عَلَيْهِ، وَخَافَ حُذَيْفَة أَنْ يَكُون الْمُرَاد إِطْلاق النَّهْي، فَمَا سمِحَ بِهِ، فَهُوَ مِنْ بَاب الْوَرَع، وَإِلا فَخَبَر الْمَوْت سِيَّمَا إِذَا كَانَ لِمَصْلَحَةٍ كَتَكْثِيرِ الْجَمَاعَة جَائِز " انتهى.
وقال الحافظ في "الفتح":
" النَّعْي لَيْسَ مَمْنُوعًا كُلّه , وَإِنَّمَا نُهِيَ عَمَّا كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَصْنَعُونَهُ فَكَانُوا يُرْسِلُونَ مَنْ يُعْلِن بِخَبَرِ مَوْت الْمَيِّت عَلَى أَبْوَاب الدُّور وَالأَسْوَاق.
قَالَ سَعِيد بْن مَنْصُور: أَخْبَرَنَا اِبْن عُلَيَّة عَنْ اِبْن عَوْن قَالَ قُلْت لإِبْرَاهِيم: أَكَانُوا يَكْرَهُونَ النَّعْي؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ اِبْن عَوْن: كَانُوا إِذَا تُوُفِّيَ الرَّجُل رَكِبَ رَجُل دَابَّة ثُمَّ صَاحَ فِي النَّاس: أَنْعِي فُلانًا. وقَالَ اِبْن سِيرِينَ: لا أَعْلَم بَأْسًا أَنْ يُؤْذِن الرَّجُل صَدِيقه وَحَمِيمه.
وَحَاصِله أَنَّ مَحْض الإِعْلام بِذَلِكَ لا يُكْرَه , فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلا " انتهى.
وفي "تحفة الأحوذي":
" الظَّاهِرُ أَنَّ حُذَيْفَةَ ﵁ أَرَادَ بِالنَّعْيِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيَّ وَحَمَلَ النَّهْيَ عَلَى مُطْلَقِ النَّعْيِ. وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّ الْمُرَادَ بِالنَّعْيِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّعْيُ الْمَعْرُوفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ الأَصْمَعِيُّ: كَانَتْ الْعَرَبُ إِذَا مَاتَ فِيهَا مَيِّتٌ لَهُ قَدْرٌ رَكِبَ رَاكِبٌ فَرَسًا وَجَعَلَ يَسِيرُ فِي النَّاسِ وَيَقُولُ: نَعَاءِ فُلانٍ أَيْ أَنْعِيهِ وَأُظْهِرُ خَبَرَ وَفَاتِهِ , وَإِنَّمَا قَالُوا هَذَا لأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ , وَأَيْضًا قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ بِمَوْتِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ حِينَ قُتِلُوا بِمُؤْتَةَ. وَأَيْضًا قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ حِينَ أُخْبِرَ بِمَوْتِ السَّوْدَاءِ أَوْ الشَّابِّ الَّذِي كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ: أَلا آذَنْتُمُونِي. فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الإِعْلامِ بِالْمَوْتِ لا يَكُونُ نَعْيًا مُحَرَّمًا وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ اِسْمُ النَّعْيِ , وَلِذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ إِنَّ الْمُرَادَ بِالنَّعْيِ فِي قَوْلِهِ: (يَنْهَى عَنْ النَّعْيِ) النَّعْيُ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ جَمْعًا بَيْنَ الأَحَادِيثِ.
قَالَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ: يُؤْخَذُ مِنْ مَجْمُوعِ الأَحَادِيثِ ثَلاثُ حَالاتٍ: الأُولَى إِعْلامُ الأَهْلِ وَالأَصْحَابِ وَأَهْلِ الصَّلاحِ فَهَذَا سُنَّةٌ , الثَّانِيَةُ: دَعْوَةُ الْحَفْلِ لِلْمُفَاخَرَةِ فَهَذِهِ تُكْرَهُ , الثَّالِثَةُ: الإِعْلامُ بِنَوْعٍ آخَرَ كَالنِّيَاحَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا يُحَرَّمُ " انتهى من "تحفة الأحوذي".
وقال النووي في "المجموع" (٥/١٧٤) :
" والصحيح الذي تقتضيه الأحاديث التي ذكرناها وغيرها أن الإعلام بموته لمن لم يعلم ليس بمكروه , بل إن قصد به الإخبار لكثرة المصلين فهو مستحب وإنما يكره ذكر المآثر والمفاخر والتطواف بين الناس بذكره بهذه الأشياء , وهذا نعي الجاهلية المنهي عنه , فقد صحت الأحاديث بالإعلام فلا يجوز إلغاؤها وبهذا الجواب أجاب بعض أئمة الفقه والحديث المحققين " انتهى.
وأما النعي برفع الصوت من غير ذكر للمفاخر والمآثر فقد ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة إلى كراهية النداء في الإعلام بموت الميت؛ لما تقدم من حديث حذيفة ﵁.
ولأن النداء ورفع الصوت بموت الميت يشبه من حيث الصورة نعي الجاهلية الذي ورد النهي عنه، فإنهم كانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق.
انظر: "العناية شرح الهداية" (٣/٢٦٧) ، "الخرشي على مختصر خليل" (٢/١٣٩) ، "المهذب" (١/١٣٢) ، "الشرح الكبير" (٦/٢٨٧) .
قال ابن قدامة في "المغني":
" ويكره النعي , وهو أن يبعث مناديا ينادي في الناس: إن فلانا قد مات. ليشهدوا جنازته. . . وقال كثير من أهل العلم: لا بأس أن يعلم بالرجل إخوانه ومعارفه وذوو الفضل , من غير نداء. قال إبراهيم النخعي: لا بأس إذا مات الرجل أن يؤذن صديقه وأصحابه , وإنما كانوا يكرهون أن يطاف في المجالس: أنعي فلانا. كفعل الجاهلية " انتهى.
وذهب جماعة من الحنفية إلى أنه لا يكره النداء على الميت في الأزقة والأسواق إذا كان نداءً مجرداً عن ذكر المفاخر.
قالوا: لأن في ذلك تكثير الجماعة من المصلين والمستغفرين للميت، وليس مثله نعي الجاهلية، فإنهم كانوا يبعثون إلى القبائل ينعون مع ضجيج وبكاء وعويل وتعديد ونياحة.
انظر: "فتح القدير" (٢/١٢٨) .
وأجاب الجمهور عن هذا بأن مقصود تكثير الجماعة من المصلين والمستغفرين للميت يمكن حصوله دون النداء ورفع الصوت.
انظر: "فتح الباري" (٣/١١٧) .
وأما النعي على المنائر في المساجد فقد سبق الجواب عليه في السؤال رقم (٤١٩٥٩) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6742
حكم تغطية النعش بغطاء مكتوب عليه بعض الآيات القرآنية أو "لا إله إلا الله "
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم تغطية النعش بغطاء مكتوب عليه بعض الآيات القرآنية أو " لا إله إلا الله "؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" الواجب ترك ذلك والتواصي بالتحذير منه؛ لما في ذلك من تعريض الآيات القرآنية للامتهان، ولأن بعض الناس قد يظن أن ذلك ينفع الميت. وذلك خطأ منكر لا وجه له في الشرع المطهر".
وكذلك إذا كتب عليه " لا إله إلا الله " فإن "هذا غير مشروع؛ وإنما يشرع التلقين قبل الموت في حق المحتضر؛ لقوله ﷺ : (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) . رواه مسلم.
والموتى هنا المراد بهم المحتضرون حتى يكون آخر كلامهم لا إله إلا الله.
أما الكتابة على كفنه أو على قبره فلا يجوز" اهـ.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ ابن باز ﵀. "مجلة البحوث الإسلامية" (٦٨/٣٦، ٣٧) .
стр. 6743
لا يجوز كشف وجه الميت بعد وضعه في القبر
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا وضع الميت في قبره فهل نكشف وجهه أو نتركه مغطى؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ ابن باز ﵀:
" لا يكشف، بل يغطى كله إلا المحرم فيكشف وجهه ورأسه لقول النبي ﷺ عن المحرم الذي مات بعرفة: (لا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا) متفق عليه وفي لفظ لمسلم: (وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلا وَجْهَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا) ".
وقال أيضاً:
" لا يجوز كشف وجه الميت إذا وضع في اللحد سواء كان رجلا أو امرأة، وإنما الواجب ستره بالكفن إلا أن يكون محرما فإنه لا يغطي رأسه ولا وجهه. . . لكن إذا كان الميت امرأة فإنه يخمر وجهها بكفنها ولو كانت محرمة؛ لأنها عورة " اهـ.
"مجلة البحوث الإسلامية" (٦٨/٤٤) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6744
رفع الصوت في الجنائز
[السُّؤَالُ]
ـ[عند تشييع الجنازة يرفع بعض الناس صوته ويطلب من الناس أن يقولوا: لا إله إلا الله أو الله أكبر، فيقول: وحدوه وكبروه، فما حكم ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" هذا منكر لا أصل له في الشرع المطهر، وإنما المشروع عند اتباع الجنائز تذكر الآخرة والموت والدعاء للميت بالمغفرة والرحمة من دون رفع الأصوات، وقد قال قيس بن عباد التابعي الجليل ﵀: كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون الصوت عند ثلاث: عند الجنازة وعند الذكر، وعند القتال " اهـ.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ ابن باز ﵀. " مجلة البحوث الإسلامية " (٦٨/٣٦) .
стр. 6745
هل الدعاء للميت عند القبر يكون جماعة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا دفن الميت في قبره يقوم بعض الناس بالدعاء للميت ويؤمن الناس على دعائه فهل هذا الفعل من السنة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أفتى الشيخ ابن باز ﵀ بجواز الدعاء جماعة، فيدعو أحد المشيعين ويؤمن الناس على دعائه، أو يدعو كل شخص بمفرده.
قال ﵀:
"قد دلت السنة الثابتة عن الرسول ﷺ على شرعية الدعاء للميت بعد الدفن، فقد كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: (اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ) رواه أبو داود (٣٢٢١) . صححه الألباني في "صحيح أبي داود".
ولا حرج في أن يدعو واحد ويؤمن السامعون أو يدعو كل واحد بنفسه للميت" اهـ.
مجلة البحوث الإسلامية (٦٨/٥٣) .
وهذا من حيث الجواز، أما الأفضل والأقرب إلى السنة فيدعو كل واحد بمفرده.
قال الشيخ بن عثيمين ﵀ عن الدعاء جماعة:
"ليس هذا من سنة الرسول ﷺ ، ولا من سنة الخلفاء الراشدين ﵃، وإنما كان الرسول ﷺ يرشدهم إلى أن يستغفروا للميت ويسألوا له التثبيت، كلٌّ بنفسه، وليس جماعة" اهـ.
"فتاوى الجنائز" (ص ٢٢٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6746
ما يسن قوله عند الدفن
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا يقال في السنة عند الدفن؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يسن لمن يضع الميت في القبر أن يقول: بسم الله وعلى سنة رسول الله، أو: وعلى ملة رسول الله ﷺ .
وذلك لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر قال: (وفي لفظ أن النبي ﷺ قال: إذا وضعتم موتاكم في القبور فقولوا: بسم الله وعلى سنة رسول الله) . وفي رواية: (وعلى ملة رسول الله) . أخرجه أبو داود (٣٢١٣) والترمذي (١٠٤٦) وابن ماجه (١٥٥٠) والحاكم (١٣٥٣) وصححه الألباني في أحكام الجنائز ص١٩٢.
ويسن بعد الفراغ من الدفن الاستغفار للميت والدعاء له بالتثبيت؛ لحديث عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: (اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ) . رواه أبو داود (٣٢٢١) ، وصححه الألباني في أحكام الجنائز ص١٩٨.
(وقف عليه) أي: على قبره.
(فقال استغفروا لأخيكم) أي اطلبوا له المغفرة من الله. أي قولوا: اللهم اغفر له.
(وسلوا له التثبيت) أي اطلبوا له من الله تعالى أن يثبت لسانه لجواب الملَكين. أي: قولوا: ثبته الله بالقول الثابت.
(فإنه الآن يسأل) أي: أي يأتيه في تلك الحال ملكان، وهما منكر ونكير ويسألانه، فهو أحوج ما كان إلى الاستغفار والتثبيت.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6747
حكم لبس السواد حداداً على الميت
[السُّؤَالُ]
ـ[يلبس بعض الناس لباسا أسود عند وفاة قريب لهم، فهل هذا من البدع أم أنه ثبت في السنة المطهرة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لم يثبت لبس الأسود عند وفاة أحد في السنة المطهرة، ولذلك عَدَّه العلماء من البدع.
سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: ما حكم متابعة النساء للجنازة؟ ولبس الثوب الأسود؟
فأجاب:
" اتباع النساء للجنائز حرام لقلة صبرهن، ولما في ذلك من التعرض للفتنة والاختلاط بالرجال.
وأما لبس السواد عند المصيبة فمن البدع" اهـ.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٧/٣٢٩) .
وسئل أيضاً (١٧/٤١٠) : ما حكم تخصيص لباس معين للتعزية كلبس السواد للنساء؟
فأجاب:
"تخصيص لباس معين للتعزية من البدع فيما نرى، ولأنه قد ينبىء عن تسخط الإنسان على قدر الله ، وإن كان بعض الناس يرى أنه لا بأس به، لكن إذا كان السلف لم يفعلوه، وهو ينبىء عن شيء من التسخط فلا شك أن تركه أولى؛ لأن الإنسان إذا لبسه فقد يكون إلى الإثم أقرب منه إلى السلامة" اهـ.
وقال أيضاً (١٧/٤١٤) :
"لبس السواد حداداً على الميت من البدع وإظهار الحزن، وهو شبيه بشق الجيوب ولطم الخدود الذي تبرأ النبي ﷺ من فاعله حيث قال: (ليس منا من شق الجيوب، ولطم الخدود، ودعا بدعوى الجاهلية) " اهـ.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6748
هل تجوز الصلاة على المنتحر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو إفادتي، هل يجوز صلاة الجنازة على المنتحر؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قتل النفس من كبائر الذنوب، وقد جاء الوعيد الشديد في حق من فعل ذلك، لكنه لا يخرج عن دائرة الإسلام، وقد جاءت السنة بجواز الصلاة على المنتحر من عامة الناس، والمشروع في حق الخاصة مثل أهل العلم والفضل ترك الصلاة عليه ردعاً وزجراً لأمثاله.
عن جابر بن سمرة قال: أُتِي النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه. رواه مسلم (٩٧٨) .
والمِشقص: سهم عريض له طرف حاد.
قال النووي:
قال العلماء: هذا الحديث محمول على التنفير من الانتحار، كعدم صلاته الجنازة على من عليه ديْن، وقد صلت الصحابة على المدين بأمر النبي ﷺ ، وذلك للتنفير من الديْن وليس لأنه كافر، وتكره عند مالك الصلاة على المرجوم بحد، والفساق، وذلك زجرًا لهم. " شرح مسلم " (٧ / ٤٧) .
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية:
عن رجل يدعي المشيخة: فرأى ثعبانا , فقام بعض من حضر ليقتله , فمنعه عنه , وأمسكه بيده , على معنى الكرامة له , فلدغه الثعبان فمات. فهل تجوز الصلاة عليه أم لا؟.
فأجاب:
الحمد لله رب العالمين، ينبغي لأهل العلم والدين أن يتركوا الصلاة على هذا , ونحوه , وإن كان يصلي عليه عموم الناس كما امتنع النبي ﷺ من الصلاة على قاتل نفسه , وعلى الغال من الغنيمة , وقال: صلوا على صاحبكم، وقالوا لسمرة بن جندب: إن ابنك البارحة لم يبت , فقال: بشما؟ (أي هل عدم نومه بسبب كثرة الأكل) قالوا: نعم , قال: أما إنه لو مات لم أصلِّ عليه. فبين سمرة أنه لو مات بشما لم يصل عليه ; لأنه يكون قاتلا لنفسه بكثرة الأكل، فهذا الذي منع من قتل الحية , وأمسكها بيده حتى قتلته , أولى أن يترك أهل العلم والدين الصلاة عليه؛ لأنه قاتل نفسه ... " الفتاوى الكبرى " (٣ / ٢٠، ٢١) .
وقال شيخ الإسلام ﵀ – أيضاً -:
ومن امتنع من الصلاة على أحدهم - أي: الغال والقاتل والمدين - زجراً لأمثاله عن مثل فعله كان حسناً، ولو امتنع في الظاهر ودعا له في الباطن ليجمع بين المصلحتين: كان أولى من تفويت إحداهما. " الاختيارات العلمية " (ص ٥٢) .
وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز:
من قتل نفسه فهل يصلَّى عليه؟ .
فأجاب:
يصلِّي عليه بعض المسلمين كسائر العصاة؛ لأنه لا يزال في حكم الإسلام عند أهل السنة.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (١٣ / ١٦٢) .
وسئل – ﵀:
هل قاتل نفسه يغسل ويصلى عليه؟ .
فأجاب:
قاتل نفسه يغسل ويصلي عليه ويدفن مع المسلمين؛ لأنه عاص وهو ليس بكافر؛ لأن قتل النفس معصية وليس بكفر.
وإذا قتل نفسه والعياذ بالله يغسل ويكفن ويصلي عليه، لكن ينبغي للإمام الأكبر ولمن له أهمية أن يترك الصلاة عليه من باب الإنكار؛ لئلا يظن أنه راض عن عمله، والإمام الأكبر أو السلطان أو القضاة أو رئيس البلد أو أميرها إذا ترك ذلك من باب إنكار هذا الشيء وإعلان أن هذا خطأ فهذا حسن، ولكن يصلي عليه بعض المصلين.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (١٣ / ١٢٢) و " فتاوى إسلامية " (٢ / ٦٢) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6749
هل يعتبر من مات نتيجة مداهمة سيارة له شهيداً ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يعتبر من مات نتيجة مداهمة سيارة له شهيداً؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يمكن أن يحصِّل من مات نتيجة حوادث السيارات أجر الشهيد في حالتين:
الأولى: إذا مات بسبب نزيف في بطنه، وهو ما يسمى " المبطون " سواء كان في سيارة أو كان ماشياً أو واقفاً فدهسته سيارة على قول بعض أهل العلم في أن المبطون هو الذي يموت بسبب داء فيه بطنه، أيّ داء كان.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " الشهداء خمسة المطعون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله ".
رواه البخاري (٢٦٧٤) ومسلم (١٩١٤) .
وفي زيادة عند الترمذي (١٨٤٦) وأبي داود (٣١١١) وابن ماجه (٢٨٠٣) زيادة: " صاحب الجنب " و " والمرأة تموت بجمع ".
قال النووي:
فأما " المطعون " فهو الذي يموت في الطاعون، كما في الرواية الأخرى: " الطاعون شهادة لكل مسلم ".
وأما " المبطون " فهو صاحب داء البطن , وهو الإسهال، قال القاضي: وقيل: هو الذي به الاستسقاء وانتفاخ البطن , وقيل: هو الذي تشتكي بطنه , وقيل: هو الذي يموت بداء بطنه مطلقا.
وأما " الغرق " فهو الذي يموت غريقا في الماء، و " صاحب الهدم " من يموت تحته , و " صاحب ذات الجنب " معروف , وهي قرحة تكون في الجنب باطنا، و " الحريق " الذي يموت بحريق النار، وأما " المرأة تموت بجَمع " قيل: التي تموت حاملا جامعة ولدها في بطنها , وقيل: هي البكر , والصحيح الأول.
" شرح مسلم " (١٣ / ٦٣) .
والحالة الثانية: أن يموت بسبب التصادم سواء مات داخل السيارة أو خارجها، وهذا قد يشبه صاحب الهدم " المذكور في الحديث السابق.
سئل علماء اللجنة الدائمة:
بعض الناس يقولون: إن من يموت بسبب حادث سيارة إنه شهيد، وله مثل أجر الشهيد، فهل هذا صحيح أم لا؟ .
فأجابوا:
نرجو أن يكون شهيداً؛ لأنه يشبه المسلم الذي يموت بالهدم، وقد صح عن النبي ﷺ أنه شهيد." فتاوى اللجنة الدائمة " (٨ / ٣٧٥) .
وفضل الله واسع، ونرجو أن يكون هذا شهيداً، ولكننا لا نجزم بذلك.
نسأل الله تعالى أن يُحسن خاتمتنا، ويقينا ميتة السوء. والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6750
تكاليف الكفن والدفن والتغسيل
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كان الميت فقيراً، فمن الذي يجب عليه أن يدفع تكاليف تكفينه وتغسيله ودفنه. . . إلخ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
إذا كان الميت له مال فنفقات تجهيزه تكون من ماله، ويكون هذا مقدماً على قضاء ديونه، وتنفيذ وصيته إن كان أوصى بشيء، وقبل الميراث، بدليل قول النبي ﷺ في الرجل الذي مات بعرفة: (وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ) رواه البخاري (١٨٥١) ومسلم (١٢٠٦) .
قال ابن القيم في "زاد المعاد" (٢/٢٤٠) في الأحكام المستفادة من هذا الحديث:
" أن الكفن مقدم على الميراث، وعلى الدَّين، لأن رسول الله ﷺ أمر أن يكفن في ثوبيه، ولم يسأل عن وارثه، ولا عن دَيْن عليه، ولو اختلف الحال لسأل.
وكما أن كسوته في الحياة مقدمة على قضاء دَيْنه، فكذلك بعد الممات، هذا كلام الجمهور، وفيه خلاف شاذ لا يُعَوِّل عليه " انتهى.
وانظر: "المجموع" (٥/١٤٧) ، "المغني" (٣/٤٥٧) .
وقال الكاساني في "بدائع الصنائع" (٢/٣٣٠) : " ويكفن من جميع ماله قبل الدين والوصية والميراث , لأن هذا من أصول حوائج الميت؛ فصار كنفقته في حال حياته " انتهى.
ثانياً:
وإذا لم يكن للميت مال وجب تكفينه على من تلزمه نفقته (كأبيه وابنه والزوج) , فإن لم يكن وجبت من بيت المال , فإن لم يكن وجب ذلك على عامة المسلمين.
انظر: " المجموع" (٥/١٤٨-١٥٠) ، "بدائع الصنائع" (٢/٣٣٠) .
قال الشيخ ابن عثيمين في "الشرح الممتع" (٥/٢١٩) : " وإنما قُدم بيت مال المسلمين على عموم المسلمين؛ لأنه لا منّة فيه على الميت؛ بخلاف ما إذا كان من المسلمين، فإن هذا الذي سوف يعطيه سيكون في قلبه منة عليه " انتهى.
وقال أيضاً: (٥/٢١٧) : " ولكن لو فرض أن هناك جهة مسؤولة ملتزمة بذلك، فلا حرج أن نكفنه منها إلا إذا أوصى الميت بعدم ذلك، بأن قال: كفنوني من مالي، فإنه لا يجوز أن نكفنه من الأكفان العامة، سواء كانت من جهة حكومية، أو من جهة خاصة " انتهى.
ثالثاً:
ولما كان الزوج يجب عليه النفقة على زوجته حال الحياة كان كفنها واجباً عليه.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي ومالك , وقال أحمد: يجب في مالها.
انظر: "المجموع" (٥/١٤٨-١٥٠) , "حاشية ابن عابدين" (٣/١٠١) .
قال الشيخ ابن عثيمين في "الشرح الممتع" (٥/٢١٩) تعليقاً على قول الجمهور: " وهذا القول أرجح إن كان موسراً " أي: غنياً.
وسئل الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: هل يجب على الزوج كفن الزوجة؟
فأجاب:
" الصحيح أنه يجب على الزوج كفن امرأته، موسرة كانت أو معسرة، وهو من النفقة، ومن المعاشرة بالمعروف، ومما يعده الناس منكراً أنه إذا ماتت زوجة الغني المعسرة أنه لا يجب عليه كفنها " انتهى.
"الفتاوى الجامعة للمرأة المسلمة" (٢/٥٤٢) .
وأما الزوجة فلا يلزمها كفن زوجها، لأنها لا يجب عليها أن تنفق عليه حال الحياة.
قال الكاساني في "بدائع الصنائع" (٢/٣٣٠) : " ولا يجب على الزوجة كفن زوجها بالإجماع , كما لا يجب عليها كسوته في حال الحياة " انتهى.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6751
حكم تسويك الميت
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم تسويك الميت؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا أعلم لهذا أصلاً، وإنما يوضأ ثم يغسل، وإذا سوكه عند المضمضة فلا بأس كالحي.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز – ﵀ – م/١٣ ص/١١٥.
стр. 6752
الدعاء للكفار بالهداية
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت إجابة السؤال رقم (٤٥٦٩) . وجاء في الإجابة دعاء الشيخ بأن يهدي الله الرافضة، فهل هذا يليق؟ فالدعاء للمشركين لا يجوز. .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: نشكر للأخ السائل هذا الاهتمام وسؤاله عما يستشكله في بعض الإجابات.
ثانياً: للوقوف على حكم الرافضة وبعض أقوالهم يراجع السؤال رقم (١١٤٨) و (١٠٢٧٢) .
ثالثاً: الاستغفار للمشركين لا شك أنه محرم، وقد دل على تحريمه الكتاب والسنة.
قال الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) التوبة / ١١٣-١١٤.
قال السعدي ﵀:
يعني: ما يليق ولا يحسن بالنبي والمؤمنين به " أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ " أي: لمن كفر بهُ وعبد معه غيره " وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ". . .
ولئن وجد الاستغفار من خليل الرحمن إبراهيم ﵇ لأبيه فإنه "عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ " في قوله "سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا" وذلك قبل أن يعلم عاقبة أبيه.
فلما تبين لإبراهيم أن أباه عدو للهُ سيموت على الكفر ولم ينفع فيه الوعظ والتذكير "تَبَرَّأَ مِنْهُ" موافقة لربه وتأدبا معه.
"إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ" أي: رجَّاع إلى الله في جميع الأمور كثير الذكر والدعاء والاستغفار والإنابة إلى ربه.
"حَلِيمٌ" أي: ذو رحمة بالخلق وصفح عما يصدر منهم إليه من الزلات لا يستفزه جهل الجاهلين ولا يقابل الجاني عليه بجرمه فأبوه قال له: "لَأَرْجُمَنَّكَ" وهو يقول له: "سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي" اهـ.
وروى البخاري (٣٨٨٤) أن النبي ﷺ عرض الإسلام على عمه أبي طالب وهو يموت، فأبى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ. فَنَزَلَتْ: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) وَنَزَلَتْ: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) .
قال الحافظ:
(مَا لَمْ أَنَّهُ عَنْهُ) أَيْ: الاسْتِغْفَار , وَفِي رِوَايَة: (عَنْك) اهـ.
وروى مسلم (٩٧٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي.
قال النووي ﵀:
فِيهِ: النَّهْي عَنْ الاسْتِغْفَار لِلْكُفَّارِ اهـ.
وواضح من هذين الحديثين أن النهي إنما هو عن الاستغفار لهم وهو طلب المغفرة، ومثله الدعاء لهم بدخول الجنة أو النجاة من العذاب.
والحكمة من هذا النهي:
"أن الاستغفار لهم في هذه الحال (أي في حال تبين أنهم أصحاب الجحيم) غلط غير مفيد فلا يليق بالنبي والمؤمنين لأنهم إذا ماتوا على الشرك أو علم أنهم يموتون عليه فقد حقت عليهم كلمة العذاب ووجب عليهم الخلود في النار ولم تنفع فيهم شفاعة الشافعين ولا استغفار المستغفرين.
وأيضا: فإن النبي ﷺ والذين آمنوا معهُ عليهم أن يوافقوا ربهم في رضاه وغضبهُ ويوالوا من والاه اللهُ ويعادوا من عاداه اللهُ والاستغفار منهم لمن تبين أنه من أصحاب النار مناف لذلك مناقض له" اهـ. قاله السعدي ﵀.
وليس الدعاء للكفار بالهداية مما يشمله النهي عن الاستغفار لهم.
وقد ثبت دعاء النبي ﷺ لبعض الكفار بالهداية.
قال البخاري ﵀ في "الصحيح": بَابُ الدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالْهُدَى لِيَتَأَلَّفَهُمْ. ثم ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ دَوْسًا قَدْ عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ. رواه البخاري (٢٩٣٧) ومسلم (٢٥٢٤) .
قال الحافظ في "فتح الباري":
ذَكَرَ البخاري حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قُدُومِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرو الدَّوسِيِّ وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ "للَّهُمَّ اِهْدِ دَوسًا" وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ. وَقَوْلُه: "لِيَتَأَلَّفَهُمْ" مِنْ تَفَقُّهِ الْمُصَنِّفَ إِشَارَة مِنْهُ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ، وَأَنَّهُ ﷺ كَانَ تَارَةً يَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَتَارَةً يَدْعُو لَهُمْ، فَالْحَالَة الأُولَى حَيْثُ تَشْتَدُّ شَوْكَتُهُمْ، وَيَكْثُرُ أَذَاهُمْ، وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ حَيْثُ تُؤْمَنُ غَائِلَتُهُمْ، وَيُرْجَى تَأَلُّفُهُمْ كَمَا فِي قِصَّةِ دَوْسٍ اهـ.
وروى الترمذي (٢٧٣٩) عَنْ أَبِي مُوسَى الأشعري قَالَ: كَانَ الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ، فَيَقُولُ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ، وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ. صححه الألباني في صحيح الترمذي.
قال الحافظ:
حَدِيث أَبِي مُوسَى دَالّ عَلَى أَنَّهُمْ (يعني: الكفار) يَدْخُلُونَ فِي مُطْلَق الأَمْر بِالتَّشْمِيتِ , لَكِنْ لَهُمْ تَشْمِيت مَخْصُوص وَهُوَ الدُّعَاء لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ وَإِصْلاح الْبَال وَهُوَ الشَّأْن وَلا مَانِع مِنْ ذَلِكَ , بِخِلافِ تَشْمِيت الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ أَهْل الدُّعَاء بِالرَّحْمَةِ بِخِلافِ الْكُفَّار اهـ.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6753
هل يمكن العودة للدنيا لعمل الصالحات ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أختي تموت ولا أظن أنها تعيش للشهر القادم والله أعلم، فعلت في حياتها الكثير من الأشياء التي ندمت على فعلها وتابت منها، ودائماً تتمنى أن يعود بها الزمن لتصحح ما فعلت، تريد أن تعرف شيئاً قبل أن تموت:
بما أن الله يعطي الذين يرحمهم ويدخلهم الجنة ما أرادوا ويحقق لهم ما يطلبون فهل سيحقق لهم طلبهم إن طلبوا أن يعودوا للماضي ويصححوا أخطاءهم وزلاتهم التي فعلوها ولو في الجنة؟
الله يقول بأنه أعد للمؤمنين في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فهل يعطي الله أهل الجنة أي شيء يخطر ببالهم ولم يستطيعوا الحصول عليه في الدنيا وبالتحديد ما تطلبه أختي؟
أرجو الإسراع في الإجابة لأنني لا أظنها تعيش أكثر من عدة أسابيع. والله أعلم.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
اعلم رحمك الله تعالى أن الأعمار والآجال بيد الله ، فقد قال سبحانه: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) الرعد /٣٨. وقال : (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) لقمان /٣.
ولا يمكن للإنسان أن يعلم متى سيموت، فما هي إلا ظنون قد تصدق، وقد تكذب.
ولا يعني المرض –مثلاً- أن هذا الشخص سيموت قريباً، كما لا يعني الشباب والقوة أن هذا الشخص سيعيش طويلاً.
فكم من شخص مريض توقع الناس له الوفاة قريبا فعاش حيناً من الدهر. وكم من شخص صحيح أتاه الموت فجأة.
وقد صدق الشاعر إذ يقول:
تَزَوَّدْ من التقوى فإنك لا تدري ... إذا جَنَّ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفجرِ
فكم من فَتًى أمسى وأصبح ضاحكا ... وقد نُسِجَْت أكفانُه وهو لا يدرِي
وكم من صغارٍ يُرْتَجَى طولُ عمرهم ... وقد أُدخلت أجسامُهم ظلمةَ القبرِ
وكم من عروسٍ زينوها لزوجها ... وقد قُبضت أرواحُهم ليلةَ القدرِ
وكم من صحيحٍ مات من غير علةٍ ... وكم من عليلٍ عاش حيناً من الدهرِ
والمطلوب من المؤمن هو الاستعداد للموت في كل وقت بالتوبة إلى الله وعمل الصالحات، وقد روى ابن ماجه (٤٢٥٩) عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا. قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ (أي: أعقل) قَالَ: أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا أُولَئِكَ الأَكْيَاسُ) وقال العراقي: إسناده جيد اهـ. وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه.
والحمد لله الذي وفق أختك للتوبة والندم على ما فات.
ونزف لها البشرى بأنها إن صدقت في توبتها فإن الله تعالى سيتوب عليها، وسيبدل سيئاتها حسنات. قال الله تعالى: (إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفرقان /٧٠.
انظر السؤال رقم (١٤٢٨٩) .
ثانيا:
إذا دخل المؤمن الجنة أعطاه الله تعالى كل ما يتمناه، بل فوق ما يتمناه. قال الله تعالى: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الزخرف/٧١.
وروى البخاري (٨٠٦) عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ في حديث طويل أن النبي ﷺ أخبر عن آخر أهل الجنة دخولاً الجنة أن الله تعالى يقول له:
تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى حَتَّى إِذَا انْقَطَعَ أُمْنِيَّتُهُ قَالَ اللَّهُ : مِنْ كَذَا وَكَذَا، أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ، حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ لأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلا قَوْلَهُ لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ.
لكن إذا تمنى المؤمن أن يعود إلى الدنيا فإنه لا يجاب إلى ذلك، لأن الله تعالى قد قضى أنه لا يعود أحد إلى الدنيا.
قال الله تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) الأنبياء /٩٥.
أي يمتنع على أهل القرى الذين أهلكهم الله أن يعودوا إلى الدنيا ليستدركوا ما فرطوا فيه.
انظر تفسير السعدي (٨٦٨) .
وروى البخاري (٢٨١٧) ومسلم (١٨٧٧) عن أَنَس بْن مَالِكٍ قال: قال النَّبِيّ ﷺ : (مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ غَيْرُ الشَّهِيدِ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنْ الْكَرَامَةِ) .
غير أنه لا يجاب إلى ذلك.
روى الترمذي (٣٠١٠) وابن ماجه (١٩٠) عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرَامٍ قال: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: يَا جَابِرُ، أَلا أُخْبِرُكَ مَا قَالَ اللَّهُ لأَبِيكَ؟ قَالَ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي، تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ. قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً. فَقَالَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ: إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لا يَرْجِعُونَ. قَالَ: يَا رَبِّ فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) . صححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
نسأل الله تعالى أن يمن على أختك والمسلمين جميعا بالتوبة النصوح.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6754
حكم النعي على منارات المساجد في مكبرات الصوت
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الإشهار بموت إنسان في المسجد حرام؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نهى النبي ﷺ عن النعي، والمراد من هذا النهي ما كان أهل الجاهلية يفعلونه، حيث كانوا يرسلون من يعلن موت الميت رافعاً صوته بذلك، ولذلك ذهب جمهور العلماء إلى أن النعي إذا تضمن رفعاً للصوت كان منهيا عنه.
وذهب جماعة من الحنفية إلى أنه لا يكره النداء على الميت في الأزقة والأسواق إذا كان نداء مجرداً عن ذكر المفاخر.
قالوا: لأن في ذلك تكثيراً لجماعة المصلين والمستغفرين للميت، وليس مثله نعي الجاهلية، فإنهم كانوا يبعثون إلى القبائل ينعون مع ضجيج وبكاء وعويل وتعديد ونياحة.
وأجيب عن هذا بأن مقصود تكثير الجماعة من المصلين والمستغفرين للميت يمكن حصوله دون النداء ورفع الصوت.
ثم إن رفع الصوت في الإعلام بموت الميت يشبه من حيث الصورة نعي الجاهلية الذي ورد النهي عنه.
انظر: "العناية شرح الهداية" (٣/٢٦٧) ، "فتح القدير" (٢/١٢٨) ، "الخرشي على مختصر خليل" (٢/١٣٩) ، "المهذب" (١/١٣٢) ، "الشرح الكبير" (٦/٢٨٧) ، "فتح الباري" (٣/١١٧) .
قال الصنعاني في "سبل السلام" (١/٤٨٢) :
" وفي النهاية: والمشهور في العرب أنهم كانوا إذا مات فيهم شريف أو قتل بعثوا راكبا إلى القبائل ينعاه إليهم، يقول: نعاء فلانا أو يا نعاء العرب، هلك فلان أو هلكت العرب بموت فلان.
ثم قال الصنعاني: ويقرب عندي أن هذا هو المنهي عنه، ومنه: النعي من أعلى المنارات كما يعرف في هذه الأمصار في موت العظماء " انتهى.
وقال الشيخ الألباني ﵀ في بيان ما يحرم على أقارب الميت:
الإعلان عن موته على رؤوس المنائر ونحوها؛ لأنه من النعي، وقد ثبت عن حذيفة بن اليمان أنه: كان إذا مات له الميت قال: لا تؤذنوا به أحداً، إني أخاف أن يكون نعياً، إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي ...
والنعي لغة: هو الإخبار بموت الميت، فهو على هذا يشمل كل إخبار، ولكن قد جاءت أحاديث صحيحة تدل على جواز نوع من الإخبار، وقيد العلماء بها مطلق النهي، وقالوا: إن المراد بالنعي الإعلان الذي يشبه ما كان عليه أهل الجاهلية من الصياح على أبواب البيوت والأسواق ... .
وقال الحافظ: " وفائدة هذه الترجمة الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعاً كله، وإنما نهى عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق ".
قلت (الألباني) : وإذا كان هذا مسلَّما: فالصياح بذلك على رؤوس المنائر يكون نعياً من باب أولى، ولذلك جزمنا به، وقد يقترن به أمور أخرى هي في ذاتها محرمات أخر، مثل أخذ الأجرة على هذا الصياح! ومدح الميت بما يعلم أنه ليس كذلك، كقولهم: " الصلاة على فخر الأماجد المكرمين، وبقية السلف الكرام الصالحين! ".
"أحكام الجنائز" (ص ٤٤– ٤٦) باختصار.
هذا إذا كان المقصود من السؤال إشهار النعي على المنائر بمكبرات الصوت.
إما إذا كان المقصود من ذلك مجرد إعلام المصلين في المسجد من غير رفعٍ للصوت، فلا حرج في ذلك إن شاء الله، وهذا يشبه ما فعله النبي ﷺ بعد موت النجاشي، حيث أعلم بموته الصحابة ونعاه من أجل الصلاة عليه.
روى البخاري (١٣٣٣) ومسلم (٩٥١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ. وفي رواية للبخاري (١٣٢٨) (نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ يَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ) .
قال النووي في "شرح مسلم":
" فِيهِ: اِسْتِحْبَاب الإِعْلام بِالْمَيِّتِ لا عَلَى صُورَة نَعْي الْجَاهِلِيَّة , بَلْ مُجَرَّد إِعْلام للصَّلاة عَلَيْهِ وَتَشْيِيعه وَقَضَاء حَقّه فِي ذَلِكَ , وَاَلَّذِي جَاءَ مِنْ النَّهْي عَنْ النَّعْي لَيْسَ الْمُرَاد بِهِ هَذَا , وَإِنَّمَا الْمُرَاد نَعْي الْجَاهِلِيَّة الْمُشْتَمِل عَلَى ذِكْر الْمَفَاخِر وَغَيْرهَا " انتهى.
وانظر السؤال (٦٠٠٠٨) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6755
هل نضع جريدة رطبة على القبر لتخفيف العذاب عن الميت
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت في أحد الأحاديث أن النبي ﷺ وضع جريدتين على قبرين يعذب من فيها حتى يخفف عنهما ولم أعرف الحكمة من هذا وهل يشرع لنا أن نفعل مثل هذا الفعل؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
" نعم ثبت عن النبي ﷺ أنه مر بقبرين فقال: " إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ ثُمَّ قَالَ: بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا " رواه البخاري ١٣٧٨ ومسلم (٢٩٢) .
وهذا دليل على أنه قد يخفف العذاب، ولكن ما مناسبة هاتين الجريدتين لتخفيف العذاب عن هذين المعذبين؟
١- قيل: لأنهما أي الجريدتين تسبّحان ما لم تيبسا، والتسبيح يخفف من العذاب على الميت، وقد فرعوا على هذه العلة المستنبطة – التي قد تكون مستبعدة - أنه يسن للإنسان أن يذهب إلى القبور ويسبح عندها من أجل أن يخفف عنها.
٢- وقال بعض العلماء: هذا التعليل ضعيف لأن الجريدتين تسبحان سواء كانتا رطبتين أم يابستين لقوله تعالى-: (تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) الإسراء / ٤٤. وقد سُمع تسبيح الحصى بين يدي الرسول ﷺ ، مع أن الحصى يابس، إذاً ما العلة؟
العلة: أن الرسول ﷺ ، ترجّى من الله أن يخفف عنهما من العذاب ما دامت هاتان الجريدتان رطبتين، يعني أن المدة ليست طويلة وذلك من أجل التحذير من فعلهما، لأن فعلهما كبير كما جاء في رواية أن النبي ﷺ : " بلى إنه كبير ".
أحدهما كان لا يستبرئ من البول، وإذا لم يستبرئ من البول صلى بغير طهارة.
والآخر كان يمشي بالنميمة يفسد بين عباد الله والعياذ بالله ويلقي بينهم العداوة، والبغضاء، فالأمر كبير.
وهذا هو الأقرب في معنى الحديث أنها شفاعة مؤقتة تحذيراً للأمة لا بخلاً من الرسول ﷺ بالشفاعة الدائمة.
ثانياً:
إن بعض العلماء – عفا الله عنهم – قالوا: يسن أن يضع الإنسان جريدة رطبة، أو شجرة، أو نحوها على القبر ليخفف عنه، لكن هذا الاستنباط بعيد جداً ولا يجوز أن نصنع ذلك لأمور:
أولاً: أننا لم يكشف لنا أن هذا الرجل يعذب بخلاف النبي ﷺ فقد كشف الله تعالى له بالوحي حال هذين القبرين.
ثانياً: أننا إذا فعلنا ذلك فقد أسأنا إلى الميت، لأننا ظننا به ظن سوء أنه يعذب وما يدرينا فلعله يُنعم، لعل هذا الميت ممن مَنَّ الله عليه بالمغفرة قبل موته لوجود سبب من أسباب المغفرة الكثيرة فمات وقد عفا رب العباد عنه، وحينئذ لا يستحق عذاباً.
ثالثاً: أن هذا الاستنباط مخالف لما كان عليه السلف الصالح فلم يكن هذا الفعل من هديهم وسنتهم وهم أعلم الناس بشريعة الله.
رابعاً: أن الله تعالى قد فتح لنا ما هو خير منه فكان النبي ﵊ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: " استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل ".
" انتهى من مجموع فتاوى الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ (٢/٣٠) بتصرف.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6756
هل تخلع السن الذهب من الميت ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا توفي إنسان وكان أحد أسنانه من ذهب هل يترك هذا السن أو يخلع؟ وإذا كان هذا الخلع يترتب عليه مضرة لبقية الأسنان فما الحكم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً: يجب أن نعلم أن السن الذهب لا يجوز أن يركب إلا عند الحاجة إليه، فلا يجوز أن يركبه أحد للزينة اللهم إلا النساء إذا جرت عادتهن التزيّن بتحلية الأسنان بالذهب فلا بأس. أما الرجال فلا يجوز أبداً إلا لحاجة.
ثانياً: إذا مات من عليه أسنان من ذهب فإن كان يمكن خلع السن بدون مُثلةٍ (أي تمثيل به وهو تقطيع بعض أجزاء الميت) خُلِع؛ لأن ملكه انتقل إلى الورثة وإن كان لا يمكن خلعه إلا بمِثُلْة بحيث تسقط بقية الأسنان فإنه يبقى ويدفن معه.
ثم إن كان الوارث بالغاً عاقلاً رشيداً وسمح بذلك تُرك ولم يتعرض له، وإلا فقد قال العلماء: إنه إذا ظن أن الميت بَلي حُفر القبر وأخذ السن لأن بقاءه إضاعة مال. وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك.
[الْمَصْدَرُ]
فضيلة الشيخ ابن عثيمين. الباب المفتوح (/١٥٥) .
стр. 6757
تطيب الميت وتبخير الكفن للرجل والمرأة
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا ماتت المرأة فهل تطيب كالرجل، وهل يطيب كفن الرجل والمرأة أيضاً، أم أن تطييب الميت خاص بالرجال؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
يستحب تطييب الكفن، والميت رجلاً كان أم امرأة، وقد دلت السنة الصحيحة على ذلك.
فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ أمر النساء اللاتي يغسلن ابنته أن يجعلن في الغسلة الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور. رواه البخاري (١٢٥٣) ومسلم (٩٣٩) . والكافور نوع من الطيب.
قال الحافظ في "الفتح":
" قِيلَ: الْحِكْمَة فِي الْكَافُور مَعَ كَوْنه يُطَيِّب رَائِحَة الْمَوْضِع لأَجْلِ مَنْ يَحْضُر مِنْ الْمَلائِكَة وَغَيْرهمْ أَنَّ فِيهِ تَجْفِيفًا وَتَبْرِيدًا وَقُوَّة نُفُوذ وَخَاصِّيَّة فِي تَصْلِيب بَدَن الْمَيِّت، وَطَرْد الْهَوَامّ عَنْهُ، وَرَدْع مَا يَتَحَلَّل مِنْ الْفَضَلات، وَمَنْع إِسْرَاع الْفَسَاد إِلَيْهِ , وَهُوَ أَقْوَى الأَرَايِيح الطَّيِّبَة فِي ذَلِكَ , وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي جَعْله فِي الأَخِيرَة إِذْ لَوْ كَانَ فِي الأُولَى مَثَلا لأَذْهَبَهُ الْمَاء , وَهَلْ يَقُوم الْمِسْك مَثَلا مَقَام الْكَافُور؟ إِنْ نُظِرَ إِلَى مُجَرَّد التَّطَيُّب فَنَعَمْ , وَإِلا فَلا , وَقَدْ يُقَال: إِذَا عُدِمَ الْكَافُور قَامَ غَيْره مَقَامه وَلَوْ بِخَاصِّيَّةٍ وَاحِدَة مَثَلا " انتهى.
وقال النووي في شرح مسلم:
" فِيهِ: اِسْتِحْبَاب شَيْء مِنْ الْكَافُور فِي الأَخِيرَة , وَهُوَ مُتَّفَق عَلَيْهِ عِنْدنَا , وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَحْمَد وَجُمْهُور الْعُلَمَاء , لهَذَا الْحَدِيث ; وَلأَنَّهُ يُطَيِّب الْمَيِّت , وَيُصَلِّب بَدَنه وَيُبَرِّدهُ , وَيَمْنَع إِسْرَاع فَسَاده " انتهى.
وعن جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِذَا أَجْمَرْتُمْ الْمَيِّتَ فَأَجْمِرُوهُ ثَلاثًا) رواه الإمام أحمد (١٤١٣١) وقال النووي في "المجموع" (٥/١٥٥) : إسناده صحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٧٨) .
وَالْمَعْنَى: بَخَّرْتُمْ الْمَيِّت، والميت: يطلق على الذكر والأنثى.
والمراد: تبخير الكفن، وقد ذكر البيهقي في سننه (٣/٥٦٨) أن هذا الحديث رُوِي بلفظ: (جَمِّرُوا كَفَنَ الْمَيِّتِ ثَلاثًا) .
انظر: "بدائع الصنائع" (١/٣٠٧) .
وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّهَا قَالَتْ لأَهْلِهَا: (أَجْمِرُوا ثِيَابِي إِذَا مِتُّ، ثُمَّ حَنِّطُونِي) . رواه مالك في "الموطأ" (٥٢٨) والبيهقي في "السنن الكبرى" (٣/٥٦٨) .
قال في المنتقى: " الْحَنُوطُ مَا يُجْعَلُ فِي جَسَدِ الْمَيِّتِ وَكَفَنِهِ مِنْ الطَّيِّبِ وَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَالْكَافُورِ وَكُلِّ مَا الْغَرَضُ مِنْهُ رِيحُهُ دُونَ لَوْنِهِ ; لأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الرَّائِحَةِ دُونَ التَّجَمُّلِ بِاللَّوْنِ " انتهى.
وهذا الحكم (وهو استحباب تطيب الميت) لا يشمل المحرم بحج أو عمرة , لقول النبي ﷺ في المحرم الذي مات بعرفة: (وَلا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ) رواه البخاري (١٨٥١) ومسلم (١٢٠٦) ، وفي رواية لهما: (وَلا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا) .
قال النووي: " يستحب تبخير الكفن إلا في حق المحرم والمحرمة ".
"المجموع" (٥/١٥٦) .
ثانياً:
وأما صفة تطييب الميت، فيوضع الطيب على مواضع السجود لشرفها، وعلى الأماكن التي تجتمع فيها الأوساخ كباطن الركبتين، ولو طيب الميت كله، فلا بأس.
روى البيهقي (٣/٥٦٨) عن ابن مسعود ﵁ قال: الكافور يوضع على مواضع السجود.
وهي: الجبهة والأنف واليدان والركبتان والقدمان، لأنه كان يسجد بهذه الأعضاء فخصت بزيادة الكرامة.
انظر: "شرح فتح القدير" (٢/١١٠) .
وقال ابن قدامة في المغني (٣/٣٨٨) : " ويجعل الحنوط (الطيب الذي يصنع للميت) على المغابن (المفاصل) كباطن الركبتين وتحت الإبطين لأنها تجتمع فيها الأوساخ , ويجعل على أعضاء سجوده لأنها أشرف , وإن طيبه كله فلا بأس " انتهى.
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل ورد تطييب جميع بدن الميت؟
فأجاب: " نعم، ورد عن بعض الصحابة ﵃ ".
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١٧/٩٧) .
ثالثاً:
إذا ماتت المعتدة من وفاة هل تطيب؟
قال النووي في المجموع (٥/١٦٤-١٦٥) : " الصحيح أنه لا يحرم تطيبها، لأنه حرم عليها الطيب في العدة حتى لا يدعو إلى نكاحها , وقد زال هذا المعنى بالموت " اهـ.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6758
تغسيل الميت المحترق
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يتم تغسيل الميت محروقا أم لا وما كيفية غسله علما بأنه يكون في حالة احتراق كاملة أحيانا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من مات بالحرق وأمكن تغسيله غسل. وإن خيف تهريه أو تقطعه بالغسل صب عليه الماء صبا، فإن خيف تقطعه بالصب، يمم إن أمكن ذلك.
قال ابن قدامة ﵀: (والمجدور , والمحترق , والغريق , إذا أمكن غسله غسل , وإن خيف تقطعه بالغسل صب عليه الماء صبا , ولم يمس , فإن خيف تقطعه بالماء لم يغسل , وييمم إن أمكن , كالحي الذي يؤذيه الماء , وإن تعذر غسل الميت لعدم الماء ييمم , وإن تعذر غسل بعضه دون بعض , غسل ما أمكن غسله , وييمم الباقي , كالحي سواء) انتهى من المغني ٢/٢٠٩
وسئل الشيخ ابن باز ﵀:
كيف يتم تغسيل الإنسان الذي يموت في حادث ويتشوه جسمه وربما تقطع بعض أجزائه؟
فأجاب ﵀:
يجب تغسله كما يغسل غيره إذا أمكن ذلك، فإن لم يمكن فإنه يُيمّم، لأن التيمم يقوم مقام التغسيل بالماء عند العجز عن ذلك.
مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ١٣/١٢٣
وفي فتاوى اللجنة الدائمة ٨/٣٧١ عن تغسيل الميت بحادث قطّع جسمه:
(إذا تعذر غسله فإنه ييمم لعموم قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) ، لأن الله شرع التيمم للطهارة من الحدث الأكبر والأصغر في حالة عدم وجود الماء، أو العجز عن استعماله، أو التضرر باستعماله) .
والله اعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 6759
حضور جنازة زميله غير المسلم في الكنيسة تقديرا للميت
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمسلم أن يحضر جنازة الصديق غير المسلم إذا كانت في كنيسة كاحترام أو تقدير للميت؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز للمسلم أن يشيع جنازة الكافر، ولا أن يدخل كنائسهم، سواء على وجه الاحترام، أو على وجه التقدير ونحو ذلك؛ لأن التشييع فيه نوع محبة واحترام وتقدير، وهذا لا يجوز بذله للكافر على الصحيح.
ثم إن السائل يقول: (يحضر جنازة الصديق غير المسلم) ، ولا يجوز للمسلم أن يتخذ الكافر صديقا؛ لأن الله أمرنا بمعاداتهم وهجرهم والبعد عنهم، وهذا لا يعني عدم وجود التعامل معهم أو البيع أو الشراء أو الشركات معهم، فهذا شيء واتخاذهم أصدقاء شيء آخر، قال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) المجادلة / ٢٢، والنبي ﷺ يقول: (لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه) رواه الإمام مسلم في صحيحه (٢١٦٧) من حديث أبي هريرة.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ سليمان بن ناصر العلوان
стр. 6760
يحرم على النساء زيارة قبر النبي ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للنساء زيارة قبر النبي ﷺ ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ ابن باز ﵀:
لا يجوز لهن ذلك، لعموم الأحاديث الواردة في نهي النساء عن زيارة القبور ولعنهن على ذلك، والخلاف في زيارة النساء لقبر النبي ﷺ مشهور، ولكن تركهن لذلك أحوط وأوفق للسنة؛ لأن الرسول ﷺ لم يستثن قبره ولا قبر غيره، بل نهاهن نهياً عاماً، ولعن من فعل ذلك منهن، والواجب الأخذ بالتعميم ما لم يوجد نص يخص قبره بذلك وليس هناك ما يخص قبره. والله ولي التوفيق اهـ.
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى الشيخ ابن باز (١٧/٤١٩)
следующие страницы →